الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الانشقاق 84:1 – البروج 85:22
المحتويات
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
الانشقاق 84:1
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:2
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:3
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:4
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:5
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:6
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:7
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:8
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:9
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:10
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:11
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:12
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:13
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:14
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:15
تفسير سورة الانشقاق
عشرون وخمس آيات، مكية.
١٣٠٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ انَشَقَّتْ أَعَاذَهُ اللَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ».
بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ {١ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٢ وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ ٣ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ٤ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ٥ يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ ٦ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا ٩ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ ١٠ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا ١١ وَيَصْلَى سَعِيرًا ١٢ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا ١٣ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ١٤ بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا ١٥ } [الانشقاق: ١-١٥].
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة.
وذكر ذلك في مواضع من القرآن.
وأذنت لربها قالوا: سمعت لربها، وأطاعت في الانشقاق.
من الإذن وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وحقت وحق لها أن تطيع ربها الذي خلقها.
وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ [الانشقاق: ٣] قال ابن عباس: تمد مد الأديم، ويزداد في سعتها.
وقال مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى عليها بناء، ولا جبل إلا دخل فيها.
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا [الانشقاق: ٤] من الموتى، والكنوز، وتخلت وخلت منها، وجواب إذا محذوف تقديره: إذا كانت هذه الأشياء: يرى الإنسان الثواب والعقاب، ويدل
على صحة هذا المحذوف قوله: يَأَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ [الانشقاق: ٦] أي: ساع إليه في عملك، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر.
قال قتادة، والكلبي، والضحاك: عامل لربك عملًا.
فملاقيه فملاق عملك، أي: ثوابه وجزاءه.
قوله: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قال مقاتل: لأنه يغفر له ذنوبه، ولا يحاسب بها.
وقال المفسرون: هو أن يعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها الله له، فهو الحساب اليسير.
١٣٠٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمُزَكِّي، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الْهَيْثِمِ الَأْنَبَارِيُّ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ، نا قَبِيصَةُ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ هَلَكَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {٧ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ٨ } [الانشقاق: ٧-٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ "، رَوَاهُ الْبُخَارِيّ، عَن عَمْرِو بْنِ عَلِي، وَرَوَاه مُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بِشْرٍ كِلاهُمَا، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَدِ.
١٣٠٨ - وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ، نا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ السِّمَنَانِيُّ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، نا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ، يَقُولُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " كُلُّ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى، يَقُولُ: يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: ذَاكَ الْعَرْضُ يَا عَائِشَةُ، فَأَمَّا كُلُّ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ هَلَكَ ".
١٣٠٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمُزَكِّي، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَرَمِيٌّ، نا الْحَرِيشُ بْنُ الْخِرِّيتِ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا رَافِعَةٌ يَدَيَّ وَأَنَا أَقُولُ: اللَّهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا، قَالَ: يَا عَائِشَةُ أَتَدْرِينَ مَا ذَاكَ الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ فَقُلْتُ: ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [الانشقاق: ٨] قَالَ: «يَا عَائِشَةُ مَنْ حُوسِبَ خصم ذَلِكَ الممر بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
١٣١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّرَّاجُ إِمْلاءً، أنا أَبُو عَلِيٍّ حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا أَبُو الْمُثَنَّى، نا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْيَمَامِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ، قَالُوا: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: تُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ.
قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَمَا لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْ تُحَاسَبَ حِسَابًا يَسِيرًا، وَيُدْخِلَكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ " رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ بَالُوَيْه، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ الْجَوْهَرِي، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُلَيْمَان.
قوله: وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ [الانشقاق: ٩] يعني: في الجنة من الحور العين، والآدميات، مسرورًا بما أوتي من الخير والكرامة.
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ [الانشقاق: ١٠] خلف ظهره، قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره.
وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى، فيكون من وراء ظهره.
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [الانشقاق: ١١] إذا قرأ كتابه، قال: يا ويلاه، يا ثبوراه.
كقوله: دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا [الفرقان: ١٣].
ويصلى سعيرًا ويقاسي حر نارها، وشدتها، وقرئ
ويُصَلّى بضم الياء وتشديد اللام، كقوله: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [الحاقة: ٣١].
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ [الانشقاق: ١٣] يعني: في الدنيا، مسرورًا باتباع هواه، وركوب شهوته.
إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ [الانشقاق: ١٤] لن يرجع إلى الآخرة، أي: لن يبعث، قال مقاتل: حسب أن لا يرجع إلى الله.
والحور الرجوع.
قال الله تعالى: بلى ليحورن، وليبعثن، إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [الانشقاق: ١٥] بصيرًا به، من يوم خلقه إلى يوم بعثه، قال الزجاج: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالمًا بأن مرجعه إليه.
الانشقاق 84:16
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:17
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:18
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:19
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:20
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:21
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:22
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:23
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:24
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
الانشقاق 84:25
قوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ {١٦ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ١٧ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ١٨ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ ١٩ فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ٢٠ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ ٢١ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ٢٢ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ ٢٣ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢٤ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٢٥ } [الانشقاق: ١٦-٢٥].
فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ [الانشقاق: ١٦] يعني: الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وهذا قول المفسرين، وأهل اللغة جميعًا.
قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصنوع كأنه الشفق، وكان أحمر.
وروي مثل هذا مرفوعًا.
١٣١١ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَامِدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَايِعُ، أنا عَلِيُّ بْنُ جَنْدَلٍ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، نا أَبُو حُذَافَةَ، نا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ»
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ [الانشقاق: ١٧] قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت، والراعي يَسِقُها أي: يجمعها.
والمفسرون يقولون: وما جمع وضم، وحوى ولف.
والمعنى: جمع وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه.
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ [الانشقاق: ١٨] استوى، واجتمع، وتكامل، وتم،
قال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاث عشرة، وأربع عشرة إلى ست عشرة.
وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع.
لَتَرْكَبُنَّ [الانشقاق: ١٩] يا محمد، طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قال الشعبي، ومجاهد: سماء بعد سماء.
قال الكلبي: يعني يصعد فيها، ويجوز أن تزيد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة، في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة.
١٣١٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَدْلُ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ، نا زِيَادُ بْنُ أَيُّوبَ، نا هُشَيْمٌ، نا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ: لَتَرْكَبَنَّ بِفَتْحِ الْبَاءِ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ [الانشقاق: ١٩] قَالَ: يَعْنِي نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ النَّضْرِ، عَنْ هُشَيْمٍ، وَمَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْبَاءِ فَهُوَ خِطَابٌ لِلنَّاسِ
والمعنى: لتركبن حالًا بعد حال، ومنزلًا بعد منزل، وأمرًا بعد أمر، يعني في الآخرة، يعني: أن الأحوال تنقلب بهم، فيصيرون في الآخرة على غير الحال التي كانوا عليها في الدنيا، وعن بمعنى بعد، وتم الكلام عند هذا، لتمام جواب القسم.
ثم قال: فما لهم يعني: كفار مكة، لا يؤمنون بمحمد، والقرآن، والمعنى: أي شيء لهم إذا لم يؤمنوا؟ وهو استفهام إنكار، أي: لا شيء لهم من النعيم والكرامة، إذا لم يؤمنوا.
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْءَانُ لا يَسْجُدُونَ [الانشقاق: ٢١] وقال الكلبي، وعطاء: لا يصلون لله عز وجل.
١٣١٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا حَمَّادُ بْنُ
مَسْعَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: صَلَيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَتَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا، فَلَمَّا فَرَغَ، قُلْتُ لَهُ: مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا مَعَ أَبِي الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ قَالَ: سَجَدَ بِهَا أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا مَعَهُ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتَّى أَلْقَى أَبَا الْقَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي النُّعْمَانِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ٧، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذ كِلاهُمَا عَنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيّ.
١٣١٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفَرْيَابِيُّ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ [الانشقاق: ١] فَسَجَدَ فِيهَا ".
قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَجَدَ، قَالَ يَحْيَى: ثُمَّ قَرَأَهَا أَبُو سَلَمَةَ فَسَجَدَ، قَالَ الْوَلِيدُ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْأَوْزَاعِيُّ فَسَجَدَ، قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: ثُمَّ قَرَأَهَا الْوَلِيدُ فَسَجَدَ
قوله: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ [الانشقاق: ٢٢] بالبعث، والقرآن، والثواب، والعقاب.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ [الانشقاق: ٢٣] في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون، قاله ابن عباس، وقتادة، ومقاتل.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الانشقاق: ٢٤] أي: اجعل لهم ذلك بدل البشارة للمؤمنين بالرحمة.
إِلا الَّذِينَ آمَنُوا [الانشقاق: ٢٥] منهم، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [الانشقاق: ٢٥] غير منقوص، ولا مقطوع، لأن نعيم الآخرة لا ينقطع.
البروج 85:1
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:2
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:3
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:4
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:5
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:6
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:7
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:8
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:9
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:10
تفسير سورة البروج
عشرون وآيتان، مكية.
١٣١٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَزَايِمِيُّ، أنا عَمْرُو بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْبُرُوجِ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَكُلِّ يَوْمِ عَرَفَةَ يَكُونُ فِي دَارِ الدُّنْيَا عَشْرُ حَسَنَاتٍ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ {١ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ ٢ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ٣ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ٤ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ ٥ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ ٦ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ٧ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ٨ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ٩ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ ١٠ } [البروج: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج: ١] ذكرنا تفسير البروج عند قوله: جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا [الفرقان: ٦١] وهي النجوم، أو منازلها.
واليوم الموعود يعني: يوم القيامة، في قول جميع المفسرين.
وشاهد ومشهود.
١٣١٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ، نا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ، نا رَوْحٌ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ»
١٣١٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا أَبُو عَلِيٍّ
حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ الْأَشَجُّ، نا يَحْيَى بْنُ نَصْرِ بْنِ حَاجِبٍ، نا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى يَوْمٍ وَلا غَرَبَتْ أَفْضَلَ مِنْهُ، فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوافِقُهَا مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ فِيهَا بِخَيْرٍ إِلا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلا اسْتَعَاذَ مِنْ شَرٍّ إِلا أَعَاذَهُ مِنْهُ».
وهذا قول الأكثرين.
وسمي يوم الجمعة شاهدًا، لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود، يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
١٣١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ، نا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، نا أَبُو غَسَّانَ مَالِكُ بْنُ ضَيْغَمٍ الرَّاسِبِيُّ، نا أَبُو سَهْلٍ الْمُنْذِرَانِيُّ، عَنْ خَبَّابٍ، عَنْ رَجُلٍ، قَالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ، فَإِذَا أَنَا بِرَجُلٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ عَرَفَةَ، فَجُزْتُهُ إِلَى آخَرَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَالْمَشْهُودُ يَوْمُ النَّحْرِ، فَجُزْتُهُمَا إِلَى غُلامٍ كَأَنَّ وَجْهَهُ الدِّينَارُ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ شَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ، قَالَ: نَعَمْ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَّا الْمَشْهُودُ فَيَوْمُ الْقِيَامَةِ، أَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ [هود: ١٠٣] فَسَأَلْتُ عَنِ الْأَوَّلِ، فَقَالُوا: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّانِي، فَقَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، وَسَأَلْتُ عَنِ الثَّالِثِ، فَقَالُوا: الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ
قوله: {قُتِلَ
أَصْحَابُ الأُخْدُودِ} [البروج: ٤] معناه: لعن في قول الجميع.
كقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات: ١٠] وقد مر، والأخدود الشق في الأرض يحفر مستطيلًا، وجمعه الأخاديد، ومصدره الخد وهو الشق، وأما حديث أصحاب الأخدود:
١٣١٩ - حَدَّثَنَا الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِمْلاءً، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نُصَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، نا يُوسُفُ بْنُ عَاصِمٍ الرَّازِيُّ، نا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، نا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ صُهَيْبٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا مَرِضَ السَّاحِرُ، قَالَ: إِنِّي قَدْ حَضَرَ أَجَلِي، فَارْفَعْ إِلَيَّ غُلامًا أُعَلِّمُهُ، فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ السَّاحِرِ وَالْمَلِكِ رَاهِبٌ فَمَرَّ الْغُلامُ بِالرَّاهِبِ فَأَعْجَبَهُ كَلامُهُ وَأَمْرُهُ، فَكَانَ يُطِيلُ عِنْدَهُ الْقُعُودَ، فَإِذَا أَبْطَأَ عَنِ السَّاحِرِ ضَرَبَهُ، وَإِذَا أَبْطَأَ عَنْ أَهْلِهِ ضَرَبُوهُ، فَشَكَى ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِذَا اسْتَبْطَأَكَ السَّاحِرُ، فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا اسْتَبْطَأَكَ أَهْلُكَ، فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَيْنَمَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ مَرَّ بِالنَّاسِ وَقَدْ حَبَسَتْهُمْ دَابَّةٌ عَظِيمَةٌ فَظِيعَةٌ، فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرُ السَّاحِرِ أَفْضَلُ أَمْ أَمْرُ الرَّاهِبِ، فَأَخَذَ حَجَرًا وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ، فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَةَ، فَرَمَى فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ الرَّاهِبَ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ إِنَّكَ سَتُبْتَلَى، فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلا تَدُلَّ عَلَيَّ، قَالَ: وَجَعَلَ يُدَاوِي النَّاسَ، الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ عَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ، فَأَتَاهُ وَحَمَلَ إِلَيْهِ مَالًا كَثِيرًا، فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا، فَقَالَ: إِنِّي لا أَشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ يَشْفِي اللَّهُ، فَإِنْ آمَنْتَ بِاللَّهِ دَعَوْتُ اللَّهَ فَشَفَاكَ، قَالَ: فَآمَنَ بِاللَّهِ، فَدَعَا اللَّهَ لَهُ فَشَفَاهُ فَذَهَبَ فَجَلَسَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: يَا فُلانُ مَنْ شَفَاكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: أَنَا؟ قَالَ: لا، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَقَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الْغُلامِ، فَبَعَثَ إِلَى الْغُلامِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ مِنْ أَمْرِكَ أَنْ تَشْفِيَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، فَقَالَ: مَا أُشْفِي أَحَدًا وَلَكِنْ رَبِّي يَشْفِي، قَالَ: أَوَ أَنَّ لَكَ رَبًّا غَيْرِي؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّهُ عَلَى الرَّاهِبِ، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَعْمَى، فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ، فَأَبَى فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَأَشَرَهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْغُلامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، وَأَرْسَلَ مَعَهُ نَفَرًا، وَقَالَ: اصْعَدُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلا فَدَهْدِهُوهُ
مِنْهُ، قَالَ: فَعَلَوْا بِهِ الْجَبَلَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، قَالَ: فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَتَدَهْدَهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ إِلَى الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَرْسَلَ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، قَالَ: انْطَلِقُوا بِهِ فَلَجِّجُوا بِهِ فِي الْبَحْرِ، فَإِنْ رَجَعَ وَإِلا فَغَرِّقُوهُ، فَانْطَلَقُوا بِهِ فِي قُرْقُورٍ، فَلَمَّا تَوَسَّطُوا بِهِ الْبَحْرَ، قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ، فَانْكَفَأَتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ، وَجَاءَ حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَقَالَ: مَا صَنَعَ أَصْحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرُكَ، اجْمَعِ النَّاسَ ثُمَّ اصْلُبْنِي عَلَى جِذْعٍ، ثُمَّ خُذْ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَعْهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، فَإِنَّكَ سَتَقْتُلُنِي، قَالَ: فَجَمَعَ النَّاسَ وَصَلَبَهُ، ثُمَّ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَوَضَعَهُ عَلَى كَبْدِ الْقَوْسِ، وَقَالَ: بِسْمِ رَبِّ الْغُلامِ، وَرَمَى فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صُدْغِهِ وَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلامِ، فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَخَافُ قَدْ نَزَلَ وَاللَّهِ بِكَ، آمَنَ النَّاسُ فَأَمَرَ بِالْأُخْدُودِ، فَخُدَّتْ عَلَى أَفْوَاهِ السِّكَكِ، ثُمَّ أَضْرَمَهَا، فَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ، فَدَعُوهُ وَمَنْ أَبَى فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا، فَجَعَلُوا يَقْتَحِمُونَهَا وَجَاءَتِ امْرَأةٌ بِابْنٍ لَهَا، فَقِيلَ لَهَا: ارْجِعِي عَنْ دِينِكِ، فَأَبَتْ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّهْ اصْبِرِي، فَإِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وقال محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر: أن حربة احتفرت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فوجدوا عبد الله بن التامر واضعا يده على ضربة في رأسه، إذا أميطت يده انبعثت دمًا، وإذا تركت ارتدت مكانها، وفي يده خاتم من حديد فيه ربي الله، فبلغ ذلك عمر، فكتب أن أعيدوا عليه الذي وجدتم عليه.
وروي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في أصحاب الأخدود، قول آخر، وهو:
١٣٢٠ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاذٍ الْمَالِينِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ الْمَرْوَزِيُّ، أنا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، نا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: لَمَّا انْهَزَمَ أَهْلُ اسفندهان، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا هُمْ يَهُودُ وَلا نَصَارَى، وَلا لَهُمْ كِتَابٌ، وَكَانُوا مَجُوسًا، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَلَى قَدْ
كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَلَكِنَّهُ رُفِعَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَلِكًا لَهُمْ وَقَعَ عَلَى ابْنَتِهِ، أَوْ قَالَ عَلَى أُخْتِهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَهَا: كَيْفَ الْمَخْرَجُ مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ أَهْلَ مَمْلَكَتِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّكَ تَرَى ذَلِكَ حَلالًا، وَتَأْمُرُهُمْ أَنْ يُحِلُّوهُ، فَجَمَعَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُبَايِعُوهُ فَخَدَّ لَهُمْ أُخْدُودًا فِي الْأَرْضِ، وَأَوْقَدَ فِيهِ النِّيرَانَ وَعَرَضَهُمْ عَلَيْهَا، فَمَنْ أَبَى قَبُولَ ذَلِكَ قَذَفَهُ فِي النَّارِ، وَمَنْ أَجَابَ خَلَّى سَبِيلَهُ
وقال الحسن: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذكر عنده أصحاب الأخدود، تعوذ بالله من جهد البلاء.
قوله: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ [البروج: ٥] بدل من الأخدود، كأنه قال: قتل أصحاب النار ذات الوقود.
يعني: الذين أوقدوها لإحراق المؤمنين، وهو قوله: إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ [البروج: ٦] يعني: عند الأخدود يعذبون المؤمنين، قال ابن عباس: عندها جلوس.
وقال مقاتل: يعني: عند النار قعود، يعرضونهم على الكفر.
وقال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود.
وهو قوله: وهم يعني: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود، عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ [البروج: ٧] من عرضهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم، شهود حضور، قال الزجاج: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم، وحقيقة إيمانهم، إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله.
وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ [البروج: ٨] الآية، قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا.
وقال مقاتل: ما عابوا منهم.
وقال الزجاج: ما أنكروا عليهم ذنبًا إلا إيمانهم.
وهذا كقوله تعالى: هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ [المائدة: ٥٩]، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [البروج: ٩] من فعلهم بالمؤمنين، شهيد لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم ما أعد لأولئك، فقال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج: ١٠] حرقوهم بالنار، يقال: فتنت الشيء أحرقته.
ومنه قوله تعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات: ١٣]، ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا [البروج: ١٠] من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه، فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ [البروج: ١٠] بكفرهم، وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [البروج: ١٠] بما أحرقوا المؤمنين، قال الربيع بن أنس: وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم.
وهو قول الكلبي.
البروج 85:11
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:12
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:13
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:14
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:15
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:16
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:17
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:18
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:19
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:20
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:21
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
البروج 85:22
ثم ذكر ما أعد للمؤمنين الذين حرقوا بالنار، فقال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ {١١ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ١٣ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ١٤ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ١٥ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ١٦ هَلْ أَتَاكَ
حَدِيثُ الْجُنُودِ ١٧ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ١٩ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ ٢٠ بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ ٢١ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ٢٢ } [البروج: ١١-٢٢].
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [البروج: ١١] الآية، إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ [البروج: ١٢] قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب، إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد.
كقوله: إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [هود: ١٠٢].
إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ [البروج: ١٣] الخلق، يخلقهم أولًا في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت.
وهو الغفور لذنوب المؤمنين، وأوليائه من أهل طاعته، الودود المحب لهم، وقال الأزهري في تفسير أسماء الله: يجوز أن يكون ودود فعولًا بمعنى: مفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه، لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، ويجوز أن تكون فعولًا بمعنى فاعل، أي: محبًا لهم.
قال: وكلتا الصفتين مدح، لأنه جل ذكره إن أحب عبادة المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون، فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه.
قوله: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ [البروج: ١٥] أكثر القراءة الرفع في: المجيد على صفة: ذو العرش، لأن الله تعالى هو الموصوف بالمجد، ولأن المجيد لم يسمع في غير صفة الله تعالى، وإن سمع الماجد، ومن كسر المجيد جعله من صفة العرش، قال عطاء، عن ابن عباس: من قرأ بالخفض، فإنما يريد العرش وحسنه.
ويدل على صحة هذا: أن العرش وصف بالكرم في قوله: رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون: ١١٦] فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء، وأكمله، وأجمعه لصفات الحسن.
فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: ١٦] أي: من الإبداء والإعادة، وقال عطاء: لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه.
١٣٢١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمُحَارِبِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا هَنَّادٌ، نا الْمُحَارِبِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: دَخَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَوْمٌ يَعُودُونَهُ، فَقَالُوا: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ أَلا تَدْعُو لَكَ طَبِيبًا يَنْظُرُ إِلَيْكَ، قَالَ: قَدْ نَظَرَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَأَيُّ شَيْءٍ قَالَ لَكَ؟ قَالَ: قَالَ: إِنِّي فَعَّالٌ لِمَا أُرِيدُ
ثم ذكر خبر الجموع الكافرة، فقال: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ [البروج: ١٧] يريد: قد أتاك، وهم الذين تجندوا على أنبياء الله.
ثم بين من هم، فقال: {فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ١٨ بَلِ
الَّذِينَ كَفَرُوا} [البروج: ١٨-١٩] يعني: مشركي مكة، في تكذيب لك وللقرآن، أي: لم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ [البروج: ٢٠] يقدر أن ينزل بهم، ما أنزل بمن قبلهم.
بَلْ هُوَ قُرْءَانٌ مَجِيدٌ [البروج: ٢١] قال ابن عباس، ومقاتل: كريم، لأنه كلام الرب، ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر.
فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ [البروج: ٢٢] عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ القرآن والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان، وقرأ نافع: محفوظ رفعًا على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر: ٩] فكما وصف بالحفظ في تلك الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ، ومعنى حفظ القرآن: أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغييره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن الأخفش: والأول هو الذي يعرف.
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض، لأن الآثار الواردة في اللوح المحفوظ تصدق ذلك.
١٣٢٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا زِاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا يَحْيَى بْنُ حَكِيمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ حَبِيبٍ، نا أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ لَوْحًا مَحْفُوظًا مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، دَفَّتَاهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ، قَلَمُهُ نُورٌ، وَكِتَابُهُ نُورٌ، عَرْضُهُ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يَنْظُرُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مِائَةٍ وَسِتِّينَ نَظْرَةً، يَخْلُقُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ وَيُحْيِي وَيُمِيتُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، وَيَفْعَلُ مَا يَشَاءُ.
١٣٢٣ - حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا مَخْلَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلَوَيْهِ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عِيسَى، نا إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، أَخْبَرَنِي مُقَاتِلٌ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ فِي صَدْرِ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ، دِينُهُ الْإِسْلامُ، وَمُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَ بِوَعْدِهِ وَاتَّبَعَ رُسُلَهُ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، قَالَ: وَاللَّوْحُ لَوْحٌ مِنْ دُرَّةٍ بَيْضَاءَ، طُولُهُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَعَرْضُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.