الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الطارق 86:1 – الفجر 89:29
المحتويات
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
الطارق 86:1
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:2
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:3
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:4
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:5
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:6
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:7
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:8
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:9
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:10
تفسير سورة الطارق
سبع عشرة آية، مكية.
١٣٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرٍو َمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الطَّارِق أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ كُلِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ»
بسم الله الرحمن الرحيم وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ {١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ٢ النَّجْمُ الثَّاقِبُ ٣ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ٤ فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ٦ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ٧ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ٨ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ٩ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ١٠ } [الطارق: ١-١٠].
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق: ١] قال المفسرون: أقسم الله تعالى بالسماء والطارق، يعني: الكواكب تطرق بالليل، وتخفى بالنهار.
قال الفراء: الطَّارِقُ [الطارق: ٢] : النجم، لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلًا فهو طارق.
ونحو هذا قال الزجاج، والمبرد.
ثم قال لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ [الطارق: ٢] وذلك أن هذا الاسم يقع على كل ما طرق ليلًا، ولم يكن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدري ما المراد به لو لم يبينه بقوله تعالى: النَّجْمُ الثَّاقِبُ [الطارق: ٣] أي: المضيء، والنجم الثاقب اسم الجنس وأريد به العموم، قال ابن زيد: أراد به الثريا.
والعرب تسميه النجم، ذكرنا ذلك عند قوله: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى [النجم: ١]، وجواب القسم قوله تعالى: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ [الطارق: ٤] أقسم الله تعالى بما ذكر، أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها، وقولها، وفعلها، ويحصي ما تكتسب من خير أو شر.
وفي قوله: لما عليها قراءتان: التخفيف والتشديد، فمن خفف كان ما لغوا، والمعنى: لعليها حافظ،
ومن شدد جعل لما بمعنى إلا، تقول: سألتك لما فعلت.
بمعنى إلا فعلت.
ثم نبه على البعث، بقوله: فلينظر الإنسان قال مقاتل: يعني: المكذب بالبعث.
مم خلق من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكر والاستدلال، حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه، فقال: مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ [الطارق: ٦] قال ابن عباس: يعني: المني الذي يكون منه الولد، وهو ماء مهراق في رحم المرأة.
والدفق صب الماء، يقال: دفقت الماء.
أي: صببته، و دَافِقٍ [الطارق: ٦] ههنا بمعنى: مدفوق، قال الفراء: وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم، كقولهم: سر كاتم، وهمّ ناصب، وليل نائم.
وذكرنا مثل هذا عند قوله: لا عَاصِمَ الْيَوْمَ [هود: ٤٣] : ثم وصف ذلك الماء، فقال: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ [الطارق: ٧] وهي موضع القلادة من الصدر، واحدها تريبة.
قال عطاء: يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، لا يكون إلا من الماءين.
إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ [الطارق: ٨] قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل.
وقال عكرمة، والضحاك: على أن يرد الماء في الصلب.
وقال مقاتل بن حيان: يقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبى، ومن الصبى إلى النطفة.
وقال قتادة: إن الله تعالى على بعث الإنسان وإعادته لقادر.
وهذا هو الاختيار، لقوله: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩] أي: إنه قادر على بعثه يوم القيامة، ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حاله، و تُبْلَى [الطارق: ٩] قال قتادة: تختبر.
وقال مقاتل: تظهر.
والسرائر: أعمال بني آدم، والفرائض التي أوجبت عليهم، وهي سرائر بين الله وبين
العبد، فتختبر تلك يوم القيامة، حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤداها عن مضيعها.
١٣٢٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ الْقُرَشِيُّ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، نا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعِصْرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ضَمِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِخَلْقِهِ أَرْبَعَ خِصَالٍ: الصَّلاةَ، الزَّكَاةَ، وَصَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ " وَهُنَّ السَّرَائِرُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩].
١٣٢٦ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، فِيمَا أَجَازَ لِي أَنَا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُوسَى الْهَمَذَانِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْأَصْبَهَانِيُّ، نا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنْ مُعَاذٍ، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا هَذِهِ السَّرَائِرُ الَّتِي يُبْلَى بِهَا الْعِبَادُ فِي الآخِرَةِ؟ فَقَالَ: هِيَ سَرَائِرُكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ مِنَ الصَّلاةِ، وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ، وَالْوُضُوءِ، وَالْغُسْلِ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَكُلِّ مَفْرُوضٍ لَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا سَرَائِرُ خَفِيَّةٌ، فَإِنْ شَاءَ قَالَ الرَّجُلُ: صَلَيْتُ وَلَمْ يُصَلِّ، وَإِنْ شَاءَ، قَالَ: تَوَضَّأْتُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ [الطارق: ٩]
وقال ابن عمر: يبدئ الله تعالى يوم القيامة كل سر، فيكون زينا في الوجوه، وشيئًا في الوجوه، يعني: أن من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر.
فما له أي: لهذا الإنسان المنكر للبعث، من قوة يمتنع بها من عذاب الله، ولا ناصر ينصره من الله.
الطارق 86:11
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:12
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:13
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:14
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:15
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:16
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الطارق 86:17
ثم ذكر قسمًا آخر، فقال: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ {١١ وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ ١٢ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ١٣ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ١٤ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا ١٥ وَأَكِيدُ كَيْدًا ١٦ فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا ١٧ } [الطارق: ١١-١٧].
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق: ١١] يعني: ذات المطر في قول جميع المفسرين.
قال الزجاج: الرَّجْعِ [الطارق: ١١] المطر، لأنه يجيء ويرجع، ويتكرر.
وَالأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ [الطارق: ١٢] قال أبو عبيدة، والفراء: تتصدع بالنبات.
وهو معنى قول المفسرين: تتشقق عن النبات والأشجار.
والصدع الشق، وجواب القسم قوله: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق: ١٣] أي: أن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما.
وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ [الطارق: ١٤] أي: أنه لم ينزل باللعب، فهو جد ليس بالهزل.
ثم أخبر عن مشركي مكة، فقال: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا [الطارق: ١٥] قال الزجاج: يخاتلون النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويظهرون ما هم على خلافه.
وَأَكِيدُ كَيْدًا [الطارق: ١٦] كيد الله: استدراجه إياهم من حيث لا يعلمون.
فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ [الطارق: ١٧] قال ابن عباس، ومقاتل: هو وعيد من الله لهم.
أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا [الطارق: ١٧] يريد: قليلًا حتى أهلكهم، ففعل الله ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف، ومعنى أمهل ومهل: أنظر ولا تعجل.
الأعلى 87:1
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:2
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:3
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:4
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:5
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:6
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:7
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:8
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:9
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:10
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:11
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:12
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:13
تفسير سورة الأعلى
تسع عشرة آية، مكية.
١٣٢٧ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ، أنا السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الأَعْلَى أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنَ الْأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ حَرْفٍ، أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى، وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ».
١٣٢٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، نا وَكِيعٌ، نا إِسْرَائِيلُ، عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى.
١٣٢٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُسيبي، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نُعَيْمٍ، نا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّفَّارُ، نا أَبُو إِسْمَاعِيلَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عُفَيْرٍ، نا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، أنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يُوتِرُ بَعْدَهُمَا: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى وقُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ وَيَقْرَأُ فِي الْوَتْرِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ { [، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ، وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ١ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ٢ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ٣ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ٤ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ٥ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى ٦ إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ٧ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ٨ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ٩ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ١٠ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ١٣ } [سورة الأعلى: ١-١٣].
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى: ١] أي: نزهه من السوء، وقل: سبحان ربي الأعلى.
قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم والمسمى واحد.
لأن أحدًا لا يقول: سبحان اسم الله، وسبحان اسم ربنا.
فمعنى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ [الأعلى: ١] : سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى، لم يجز أن يقع التسبيح عليه.
١٣٣٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْشَاذٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْفُضَيْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَمْدُونَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْهَيْثَمِ الزُّهْرِيُّ، نا آدَمُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمَذَانِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَقُولُ فِي سُجُودِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأَعْلَى: ١] فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَقُولَ فِي سُجُودِنَا: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى وَيُسَنُّ لِلْقَارِئِ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاةِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ.
١٣٣١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ قَرَأَ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى [الأعلى: ٢] قال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والرجلين، والعينين.
وقال الزجاج: خلق الإنسان مستويًا.
ومعنى سوى: عدل قامته.
وَالَّذِي قَدَّرَ [الأعلى: ٣] وقرئ بالتخفيف، وهما
بمعنى واحد، قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
قال صاحب النظم: معنى هدى: هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها، لأن إيتان ذكران الحيوان مختلف، لاختلاف الصور، والخلق، والهيئات، فلولا أنه عز وجل جبل كل ذكر على معرفة كيف يأتي أنثاه، لما اهتدى لذلك.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والشر، والسعادة والشقاوة.
وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج.
وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى [الأعلى: ٤] أنبت العشب، وما يرعاه النعم.
فجعله بعد الخضرة، غثاء هشيما، جافًا، كالغثاء الذي نراه فوق السيل، أحوى أسود بعد الخضرة، وذلك: أن الكلأ إذا جف يبس واسود.
قوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] أي: سنجعلك قارئًا، بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرأه، قال الزجاج: أعلم الله أنه سيجعل للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية، يتبين بها له الفضيلة، وهي أن ينزل عليه جبريل، فيقرئه حتى يقرأ، فيقرأ ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، قال المفسرون: كان النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا نزل عليه القرآن، أكثر تحريك لسانه، مخافة أن ينساه، وكان لا يفرغ جبريل من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، مخافة النسيان، فقال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى [الأعلى: ٦] وهذا كقوله: وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ [طه: ١١٤] الآية، وكقوله: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ [القيامة: ١٦] الآية.
إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٧] أن ينسيك بنسخه، ورفع حكمه، وتلاوته، كما قال: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا [البقرة: ١٠٦] والإنساء نوع من النسخ، إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ [الأعلى: ٧] من القول والفعل، وَمَا يَخْفَى [الأعلى: ٧] منها، والمعنى: يعلم السر والعلانية.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى [الأعلى: ٨] قال مقاتل: يهون عليك عمل الجنة.
وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير.
فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى [الأعلى: ٩] أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن، إن نفعت الموعظة والتذكير، والمعنى: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث مبلغًا للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال، نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية، كقوله: سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [النحل: ٨١] الآية.
وقد نبه الله تعالى على تفصيل الحالتين، بقوله: {سَيَذَّكَّرُ مَنْ
يَخْشَى} [الأعلى: ١٠] سيتعظ بالقرآن من يخشى الله، ويتجنبها ويتجنب الذكرى، الأَشْقَى {١١ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ١٢ } [الأعلى: ١١-١٢] العظيمة الفظيعة، لأنها أعظم، وأشد حرًا من نار الدنيا ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا [الأعلى: ١٣] فيستريح، ولا يحيى حياة تنفعه.
الأعلى 87:14
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الأعلى 87:15
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الأعلى 87:16
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الأعلى 87:17
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الأعلى 87:18
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الأعلى 87:19
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ١٦ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ١٧ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ١٨ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ١٩ } [الأعلى: ١٤-١٩].
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: ١٤] تطهر من الشرك، وقال: لا إله إلا الله.
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ [الأعلى: ١٥] بالخوف، فعبده، وصلى له، وهذا قول عطاء، عن ابن عباس، ويدل على صحته ما:
١٣٣٢ - مَا حَدَّثَنَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ، أنا أَبُو مُحَمَّدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ، نا عَبَّادُ بْنُ أَحْمَدَ الْعَرْزَمِيُّ، نا عَمِّي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ وَشَهِدَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ
وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى [الأعلى: ١٥] قال: هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها حين ينادى بها، والاهتمام بمواقيتها ".
وجماعة من المفسرين يحملون الآيتين على زكاة الفطر، وصلاة العيد.
قال الكلبي: أفلح من تصدق قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام.
وهو قول عكرمة، وأبي العالية، وابن سيرين، وابن عمر.
وروي ذلك مرفوعًا.
١٣٣٣ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رَجَاءٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْوَاسِطِيُّ، نا رحيم، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأَعْلَى: ١٤] قَالَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، قَالَ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الْفِطْرِ وَخَرَجَ إِلَى الْمُصَلَّى فَصَلَّى.
وقال نافع: كان ابن عمر إذا صلى الغداة، قال: يا نافع أخرجت الصدقة؟ فإن قلت: نعم، مضى إلى المصلى، وإن قلت: لا، قال: فالآن فأخرج، فإنما نزلت هذه الآية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى {١٤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ١٥ } [الأعلى: ١٤-١٥] في هذه الصدقة.
قوله: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [الأعلى: ١٦] قرأه العامة بالتاء، لما روي أن في حرف أبي: بل أنتم تؤثرون، قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة.
وقال ابن مسعود: إن الدنيا أحضرت لنا، وعجل طعامها، وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وإن الآخرة زويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
وقرأ أبو عمرو يؤثرون بالياء، وقال: يعني الأشقين الذين ذكروا في قوله: وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى [الأعلى: ١١].
ثم رغب في الآخرة، فقال: وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [الأعلى: ١٧] أي: والدار الآخرة، يعني: الجنة، خير أفضل، وأبقى وأدوم من الدنيا.
١٣٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، أنا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى بْنِ مُعَاوِيَةَ الطَّلْحِيُّ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَتَّاتُ، نا أَبُو نُعَيْمٍ صرادُ بْنُ صُرَدٍ، نا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ طَلَبَ آخِرَتَهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، وَمَنْ طَلَبَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، فَآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى»
إن هذا يعني: ما ذكر من عند قوله: قد أفلح أربع آيات، لفي الكتب، الأولى التي أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي والمصلى، وإيثار الخلق الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير، قال ابن قتيبة: لم يرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لمن تزكى، وذكر اسم الله فصلى، في الصُّحُفِ الأُولَى [الأعلى: ١٨] كما هو في القرآن.
ثم بين أن الصحف الأولى ما هي، فقال: صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى [الأعلى: ١٩] يعني: كتبًا أنزلت على إبراهيم، وتوراة موسى، وقال عكرمة: هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى.
وقال السدي: نزلت هذه السورة كلها على موسى، وعلى إبراهيم.
الغاشية 88:1
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:2
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:3
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:4
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:5
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:6
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:7
تفسير سورة الغاشية
عشرون وست آيات، مكية.
١٣٣٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْغَاشِيَةِ حَاسَبَهُ اللَّهُ حِسَابًا يَسِيرًا».
بسم الله الرحمن الرحيم هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ {١ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ٢ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ٣ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ٤ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ٥ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ ٦ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ٧ } [الغاشية: ١-٧].
هل أتاك يريد: قد أتاك، حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ [الغاشية: ١] خبر القيامة، وذلك: أنها تغشى الناس بأهوالها، وشدائدها.
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] ذليلة بالعذاب، قال مقاتل: يعنى الكفار، لأنها تكبرت عن عبادة الله.
عاملة ناصبة قال عطاء، عن ابن عباس: يعني الذين عملوا ونصبوا في الدنيا على غير دين الإسلام، من عبدة الأوثان، وكفار أهل الكتاب، مثل الرهبان وغيرهم، لا يقبل الله منهم، إلا ما كان لوجهه خالصًا، لا يقبل اجتهادًا في بدعة وضلالة، لكنه يقبل رفقًا في سنة.
وهذا قول سعيد بن جبير، وزيد بن أسلم، وأبي الضحى، عن ابن عباس.
قالوا: هم الرهبان، وأصحاب الصوامع.
والكلام خرج على الوجوه، والمراد بها أصحابها، ومعنى النصب: الدؤب في العمل بالتعب، والمعنى: عاملة في الدنيا، ناصبة في الآخرة، لأنها عملت في الدنيا بالمعاصي، فصارت ناصبة في النار يوم القيامة.
١٣٣٦ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، نا الْخَضِرُ بْنُ أَبَانٍ، نا سَيَّارُ بْنُ حَاتِمٍ، نا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عِمْرَانَ الْجَوْنِيَّ، يَقُولُ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِدَيْرِ رَاهِبٍ فَنَادَاهُ: يَا رَاهِبُ يَا رَاهِبُ، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْظُرُ
إِلَيْهِ وَيَبْكِي، فَقِيلَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا يُبْكِيكَ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ [الغاشية: ٣] تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي
ثم ذكر نصبها، فقال: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: ٤] قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله.
وقرأ أبو عمرو بضم التاء، من أصليته النار.
تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ [الغاشية: ٥] متناهية في الحرارة، قال الحسن: قد أوقدت عليها جهنم منذ خلقت، فدفعوا إليها وردًا عطاشًا.
وقال المفسرون: لو وقعت منها نقطة على جبال الدنيا لذابت.
هذا شرابهم.
ثم ذكر طعامهم، فقال: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلا مِنْ ضَرِيعٍ [الغاشية: ٦] وهو نوع من الشوك، يقال له: الشبرق.
وأهل الحجاز يسمونه الضريع، إذا يبس أخبث طعام وأبشعه، لا ترعاه دابة، قال أبو الجوازاء: هو السلاء.
١٣٣٧ - أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ أَجَازَهُ، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَامِرٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الضَّرِيعُ شَيْءٌ يَكُونُ فِي النَّارِ يُشْبِهُ الشَّوْكَ، أَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ، وَأَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ، وَأَشَدُّ حَرًّا مِنَ النَّارِ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الضَّرِيعَ»
قال أبو الدرداء، والحسن: إن الله عز وجل يرسل على أهل النار الجوع، حتى يعدل عندهم ما هم فيه من العذاب، فيستغيثون فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالماء، فيستسقون فيعطشهم ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية شربة لا هنيئة، ولا مريئة، فكلما أدنوه من وجوههم، سلخ جلود وجوههم وشواها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها.
فذلك قوله تعالى: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا
فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: ١٥]، ولما نزلت هذه الآية، قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على الضريع.
وكذبوا في ذلك، فإن الإبل لا ترعاه.
فقال الله تعالى تكذبيًا لهم: لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ [الغاشية: ٧].
الغاشية 88:8
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:9
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:10
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:11
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:12
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:13
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:14
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:15
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:16
ثم وصف أهل الجنة، بقوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ {٨ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ١٠ لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً ١١ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ١٢ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ١٣ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ١٦ } [الغاشية: ٨-١٦].
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ [الغاشية: ٨] قال مقاتل: في نعمة وكرامة.
لسعيها في الدنيا، راضية حين أعطيت في الجنة بعملها.
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ [الغاشية: ١٠] مرتفعة.
لا تَسْمَعُ فِيهَا لاغِيَةً [الغاشية: ١١] وقرئ بالياء أيضًا، لأن المراد باللاغية اللغو، فالتأنيث على اللفظ، والتذكير على المعنى، وقرأ حمزة: لا تسمع بتاء مفتوحة، لاغية نصبًا على الخطاب للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ [الغاشية: ١٢] قال الكلبي: لا أدري بماء أو بغيره.
فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ [الغاشية: ١٣] قال ابن عباس: ألواحها من ذهب، مكللة بالزبرجد، والدر، والياقوت، مرتفعة ما لم يجئ أهلها، فإذا أراد أن يجلس عليها تواضعت له حتى يجلس عليها، ثم ترتفع إلى موضعها.
وأكواب أقداح لا عرى لها، موضوعة عندهم.
ونمارق يعني: الوسائد في قول الجميع.
واحدها نمرقة بضم النون، وزاد الفراء سماعًا عن العرب نمرقة بكسر النون، قال الكلبي: وسائد.
مصفوفة بعضها إلى بعض.
وزرابي يعني: البسط والطنافس، واحدها: زربية وزربي، مبثوثة مبسوطة ومنشورة، ويجوز أن يكون المعنى: أنها مفرقة في المجالس.
الغاشية 88:17
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:18
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:19
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:20
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:21
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:22
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:23
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:24
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:25
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الغاشية 88:26
١٣٣٨ - أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَرْوَزِيُّ، أنا أَبُو الْفَضْلِ الْحَدَّادِيُّ، أَخْبَرَهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ الْخَالِدِيِّ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، نا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّهُ ذَكَرَ أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَقَالَ: يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِذَا أَسَاسُ بُيُوتِهِمْ مِنْ جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ، وَسُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ، وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ، وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ، وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ، فَلَوْلا أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَهَا لَهُمْ لَالْتَمَعَتْ أَبْصَارُهُمْ لِمَا يَرَوْنَ، فَيُعَانِقُونَ الْأَزْوَاجَ وَيَقْعُدُونَ عَلَى السُّرُرِ، وَيَقُولُونَ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا.
وقال قتادة: لما نعت الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله: أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {١٧ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ١٨ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ١٩ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ٢٠ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ٢١ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ٢٢ إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ٢٣ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ ٢٤ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ٢٥ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ٢٦ } [الغاشية: ١٧-٢٦].
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [الغاشية: ١٧] وكانت الإبل عيشًا من عيشهم، يقول: أفلا ينظرون إليها، وما يخرج الله من ضروعها، من بين فرث ودم لبنًا خالصًا، سائغًا للشاربين؟ ! يقول: فكما صنعت هذا لكم، فكذلك أصنع لأهل الجنة في الجنة.
وقال أبو عمرو بن العلاء: خص الإبل، لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة.
وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه، إلا وهو قائم، وقال الزجاج: نبههم على عظيم من خلقه، قد ذلله الصغير، يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيمًا من خلقه، ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له: الفيل أعظم في الأعجوبة.
فقال: أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن، ويأخذ الصبي بزمامها، فيأخذ بها حيث شاء من عظمها في نفسها.
ويحكى: أن فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت تجره وهي تتبعها، حتى دخلت في الجحر، فجرت الزمام، فبركت، فجرت، فقربت فمها من جحر الفأرة، وكان شريح يقول: اخرجوا بنا إلى الكناسة، حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت.
ثم قال الله: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ [الغاشية: ١٨] يعني: من الأرض، حتى لا ينالها شيء، بغير عمد.
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [الغاشية: ١٩] على الأرض مرساة لا تزول.
وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [الغاشية: ٢٠] بسطت، والسطح بسط الشيء، ويقال لظهر البيت إذا كان مستويًا: سطح.
قال عطاء، عن ابن عباس: يقول: هل يقدر أحد أن يخلق مثل الإبل، أو يرفع مثل السماء، أو ينصب مثل الجبال، أو يسطح مثل الأرض، غيري؟ وهل يفعل مثل هذا الفعل أحد سواي؟ قوله: {فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} [الغاشية: ٢١] فعظ إنما أنت واعظ، ولم يؤمر إذ ذاك إلا بالتذكرة، يدل عليه قوله: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ [الغاشية: ٢٢] أي: بمسلط فتقتلهم، وتكرههم على الإيمان، ثم نسختها آية القتال، وقد تقدم تفسير المسيطر عند قوله: أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ [الطور: ٣٧].
وقوله: إِلا مَنْ تَوَلَّى [الغاشية: ٢٣] استثناء منقطع عما قبله، معناه: لكن من تولى وكفر بعد التذكير: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ [الغاشية: ٢٤] وهو: أن يدخله النار، ولا عذاب أعظم منها.
ثم ذكر أن مرجعهم إليه، فقال: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ [الغاشية: ٢٥] رجوعهم، ومصيرهم بعد الموت، يقال: آب يئوب أوبًا وإيابًا.
وأما إيابهم بتشديد الياء، فشاذ، لم يجزه أحد غير الزجاج، فإنه قال: يقال: أيب إيابًا على فيعل فيعالًا.
ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ [الغاشية: ٢٦] يعني: جزاءهم بعد المرجع إلى الله تعالى.
الفجر 89:1
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:2
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:3
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:4
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:5
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:6
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:7
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:8
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:9
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:10
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:11
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:12
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:13
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:14
تفسير سورة الفجر
ثلاثون آية، مكية.
١٣٣٩ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ جَعْفَرٍ الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ غُفِرَ لَهُ، وَمَنْ قَرَأَهَا سَائِرَ الْأَيَّامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْفَجْرِ ١ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ٢ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ٤ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ٥ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ٦ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ٧ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ٨ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ٩ وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ ١٠ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ ١١ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ١٢ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ١٣ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ١٤ } [الفجر: ١-١٤].
والفجر أقسم الله تعالى بفجر النهار، وهو انفجار الصبح كل يوم، وهذا قول عكرمة، ورواية أبي نصر، وأبي صالح، عن ابن عباس.
وقال في رواية عثمان بن محيصن: هو فجر المحرم.
وهو قول قتادة.
قال: أقسم بأول يوم من المحرم ينفجر منه السنة.
وقال الضحاك: هو في ذي الحجة، لأن الله تعالى قرن الأيام بها، فقال: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] وهي عشر ذي الحجة في قول أكثر المفسرين.
١٣٤٠ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُسَيِّبِيُّ، أنا
مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ، أنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عِصْمَةَ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، نا الْأَعْمَشُ، عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: اللَّيَالِي الَّتِي أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِنَّ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ
وَالشَّفْعِ [الفجر: ٣] يوم النحر، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] يوم عرفة.
وقال الضحاك: أقسم بعشر الأضحى، ليفضلهن على سائر الأيام، وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] أقسم بهما ليفضلهما على سائر العشر.
١٣٤١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، أنا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا جَرِيرٌ، عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ الْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، فَقَالَ: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر: ٢] الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ.
أخبرنا إسماعيل بن أبي القاسم النصراباذي، أنا عبد الله بن عمر بن علك الجوهري، نا عبد الله بن محمود السعدي، نا موسى بن بحر، نا عبيدة بن حميد، حدثني منصور، عن مجاهد، قال: الشفع الخلق، وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الله الواحد الصمد.
وهذا قول عطية العوفي، قال: الشفع الخلق، قال الله عز وجل: وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا [النبأ: ٨] والوتر هو الله عز وجل.
وقال أبو صالح: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد.
وقال قتادة: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر: ٣] الصلاة
منها شفع ومنها وتر.
وهو رواية عمران بن حصين، عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٤٢ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْحِيرِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الْأُمَوِيُّ، نا أَبُو جَعْفَرٍ الْوَرَّاقُ، نا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا هَمَّامٌ وَخَالِدُ بْنُ قَيْسٍ جَمِيعًا، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ، فَقَالَ: «مِنَ الصَّلاةِ شَفْعٌ وَمِنْهَا وَتْرٌ».
١٣٤٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْمُقْرِي، أَخْبَرَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الصُّوفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ كَثِيرٍ الْقَيْسِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُقْرِي، نا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَلُونِي فَعَلَيْنَا كَانَ التَّنْزِيلُ، وَنَحْنُ حَضَرْنَا التَّأْوِيلَ، فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنِ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيَالِي الْعَشْرِ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: ٢٠٣] فَهُمَا الشَّفْعُ وَالْوَتْرُ، وَأَمَّا اللَّيَالِي الْعَشْرُ فَالثَّمَانِ وَعَرَفَةُ وَالنَّحْرُ
قال أبو عبيدة: الشفع الزوج، والوتر الفرد.
وقال الفراء: الكسر قراءة الحسن، والأعمش، وابن عباس، والفتح قراءة أهل المدينة، وهي لغة حجازية.
وقال الأصمعي: كل فرد وتر.
وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد.
وقوله: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر: ٤] أي: إذا يمضي فيذهب، كما قال: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ [المدثر: ٣٣] أقسم الله تعالى بالليل، يمضي حتى ينقضي بالنهار المقبل،
والمراد به كل ليلة، وقال مقاتل، والكلبي: يعني ليلة المزدلفة، ليلة جمع.
وقرئ يسري بإثبات الياء وحذفها، فمن أثبتها فلأنها لام فعل، والفعل لا يحذف منه في الوقف نحو هو يقضي، وأنا أقضي.
قال الزجاج: والحذف أحب إلي، لأنها فاصلة، والفواصل يحذف منها الياءات، وتدل عليه الكسرات.
هَلْ فِي ذَلِكَ [الفجر: ٥] أي: فيما ذكر، قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر: ٥] لذي عقل ولب، والمعنى: أن من كان ذا عقل ولب، علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء فيه عجائب، ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به، لدلالته على خالقه، وجواب القسم قوله: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] واعترض بين القسم وجوابه قوله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ [الفجر: ٦] يخوف أهل مكة، يعني: كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول وأشد قوة من أهل مكة.
ثم قال: إرم قال محمد بن إسحاق: هو جد عاد، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح.
وقال أبو عبيدة: هما عادان، فالأولى هي إرم، وهي التي قال الله عز وجل: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الأُولَى [النجم: ٥٠].
وقوله: ذات العماد يعني: أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، والكلبي، وقول قتادة، ومجاهد.
وقال مقاتل: ذات العماد يعني: طولهم اثنا عشر ذراعًا، يقال: رجل طويل العماد أي: القامة.
ثم وصفهم، فقال: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر: ٨] لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والقوة، وهم الذين قالوا: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً [فصلت: ١٥].
{وَثَمُودَ
الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ} [الفجر: ٩] ثقبوها، وقطعوها، قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتًا، كما قال الله عز وجل: وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا [الشعراء: ١٤٩].
وقوله: بالواد يعني: وادي القرى.
وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ [الفجر: ١٠] ذكرنا تفسير الأوتاد في سورة ص.
١٣٤٤ - وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْغَازِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْحِيرِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى، نا هُدْبَةُ، نا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ فِرْعَوْنَ أَوْتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ فِي يَدَيْهَا وَفِي رِجْلِهَا.
وَنَحْو هَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَتَدَ لامْرَأَتِهِ أَرْبَعَةَ أَوْتَادٍ، ثُمَّ جَعَلَ عَلَى ظَهْرِهَا رَحًا عَظِيمَةً حَتَّى مَاتَتْ.
وقوله: الذين يعني: عادًا، وثمودًا، وفرعون، طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر: ١١] عملوا فيها بالمعاصي، وتجبروا على أنبياء الله، وهو قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر: ١٢] قال الكلبي: يعني: القتل والمعصية.
فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر: ١٣] يعني: ما عذبوا به، وأجاد الزجاج في تفسيره هذه الآية، فقال: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب.
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ [الفجر: ١٤] قال الكلبي: يقول عليه طريق العباد، لا يفوته أحد.
والمعنى: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما لا يفوت من بالمرصاد، وهذا معنى قول الحسن، وعكرمة: يرصد أعمال بني آدم.
والمرصاد والمرصد الطريق، ذكرنا ذلك عند قوله: إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا [النبأ: ٢١] وروى مقسم، عن ابن عباس في هذه الآية، قال: إن على جسر جهنم سبع محابس، يسئل العبد عند باب أولها عن شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثاني، فيسئل عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الثالث، فيسئل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابع، فيسئل عن الصوم، فإن جاء به تامًا جاز إلى الخامس، فيسئل عن الحج، فإن جاء به تامًا جاز إلى السادس، فيسئل عن العمرة، فإن جاء بها تامة
جاز إلى السابع، فيسئل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا فإن كان له تطوع، أكملوا به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة.
الفجر 89:15
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:16
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:17
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:18
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:19
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:20
فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ {١٥ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ١٦ كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ١٧ وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ١٨ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلا لَمًّا ١٩ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ٢٠ } [الفجر: ١٥-٢٠].
فَأَمَّا الإِنْسَانُ [الفجر: ١٥] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة.
وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف.
وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف.
إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ [الفجر: ١٥] اختبره بالغنى واليسر، فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ [الفجر: ١٥] رزقه، وأنعم عليه، فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ [الفجر: ١٥] فضلني بما أعطاني، يظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه، فيقول: هذه كرامة من الله لي.
وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ [الفجر: ١٦] بالفقر، فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر: ١٦] ضيق عليه، بأن جعله على مقدار البلغة، قال: هذا هوان من الله لي.
فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر: ١٦] أذلني بالفقر، قال الزجاج: وهذا يُعْنَىَ به الكافر، الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن الإكرام عنده بتوفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى حظ الآخرة.
ولهذا رد الله على هذا الكافر، فقال: كلا أي: ليس الأمر كما تظن، قال مقاتل: يقول الله تعالى: كلا لم أبتله بالغنى لكرامته عليّ، ولم أبتله بالفقر لهوانه.
فقوله: كلا رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام من الله، وإن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته، ويقتر على المؤمن لا لهوانه، وقد
أخبرنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المقري، أنا عبد الله بن حامد، أنا أحمد بن شاذان، أنا جيغويه بن محمد، نا صالح بن محمد، نا إبراهيم بن محمد، عن أبان، عن سليمان بن قيس العامري، عن كعب، قال: إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بالأكاليل، فلا يصدع، ولا ينبض منه عرق يوجع.
١٣٤٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَبْدَانَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَائِعُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الشَّيْبَانِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، أنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، نا أَبَانُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ أَحَبَّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدِّينَ إِلا مَنْ أَحَبَّ فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ».
ثم أخبر عن الكفار، فقال: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] قال مقاتل: كان قدامة بن مظعون يتيمًا في حجر أمية بن خلف، فكان يدفعه عن حقه.
والآية تحتمل معنيين: أحدهما: أنهم لا يبرونه، ولا يحسنون إليه، والآخر: أنهم لا يعطونه حقه من الميراث، على ما جرت به عاداتهم من حرمان اليتيم ما كان له من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ [الفجر: ١٩] ويدل على المعنى الأول قوله: وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الفجر: ١٨] أي: لا يأمرون بإطعامه، ومن قرأ لا تحاضون أراد لا يتحاضون فحذف الياء، والمعنى: لا يحض بعضكم بعضًا.
وتأكلون التراث أصله الوراث، فأبدلت من الواو المضمومة تاء، أكلًا لما شديدًا، أي: تلمون جميعه في الأكل، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم.
وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا [الفجر: ٢٠] كثيرًا، شديدًا، والمعنى: يحبون جمع المال، ويولعون به، فلا ينفقونه في خير.
الفجر 89:21
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:22
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:23
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:24
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:25
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:26
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:27
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:28
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
الفجر 89:29
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].