الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الفجر 89:30 – الليل 92:21
المحتويات
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
الفجر 89:30
قال الله تعالى: كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا {٢١ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ٢٢ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ٢٣ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢١-٣٠].
كلا قال مقاتل: أي: لا يفعلون ما أمروا في اليتيم والمسكين.
ثم خوفهم بقوله: إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا [الفجر: ٢١] كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر حين زلزلت، فلم يبق على ظهرها شيء، قال ابن قتيبة: دقت جبالها وأنشازها حتى استوت.
وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] قال ابن عباس في رواية الكلبي، والحسن: وجاء أمر ربك، وقضاء ربك، لأن في يوم القيامة
تجيء جلائل آيات الله، وتظهر العظائم.
وقال أهل المعاني: وَجَاءَ رَبُّكَ [الفجر: ٢٢] أي: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة بالشيء تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت هذه المعارف بالله في ذلك اليوم ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه للخلق فقيل: وجاء ربك.
أي: زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك، كما ترتفع عند مجيء الشيء الذي كان يشك فيه.
وقوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢] قال عطاء: يريد صفوف الملائكة، وأهل كل سماء صف على حدة.
وقال الضحاك: أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة، كانوا صفًا محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبع صفوف.
فذلك قوله: وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا [الفجر: ٢٢].
وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك، يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه، يقول: يا رب نفسي نفسي.
١٣٤٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، نا مُسْلِمٌ، نا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ، نا أَبِي، عَنِ الْعَلاءِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا».
١٣٤٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّعْلَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَخْبَرَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيُّ، نا ابْنُ مَاجَهْ، نا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ الْقَزْوِينِيُّ، نا الْقَاسِمُ بْنُ الْحَكَمِ الْعَرَبِيُّ، نا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَلِيدِ، قَالَ: نا عَطِيَّةُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] تَغَيَّرَ لَوْنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعُرِفَ فِي وَجْهِهِ حَتَّى اشْتَدَّ عَلَى أَصْحَابِهِ مَا رَأَوْا مِنْ حَالِهِ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالُوا: يَا عَلِيُّ لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ قَدْ رَأَيْنَاهُ فِي النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ بَيْنَ عَاتِقَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا الَّذِي حَدَثَ الْيَوْمَ؟ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ، فَأَقْرَأَنِي: وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ [الفجر: ٢٣] قُلْتُ: كَيْفَ يُجَاءُ بِهَا؟ قَالَ: يَجِيءُ بِهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُودُونَهَا بِسَبْعِينَ أَلْفَ زِمَامٍ، فَتَشْرُدُ
شَرْدَةً لَوْ تُرِكَتْ لَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْجَمْعِ، ثُمَّ أَتَعَرَّضُ لِجَهَنَّمَ، فَتَقُولُ: مَا لِي وَلَكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَكَ عَلَيَّ، فَلا يَبْقَى أَحَدٌ إِلا قَالَ: نَفْسِي نَفْسِي وَإِنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي
وقوله: يومئذ يعني: يوم يجاء بجهنم، يتذكر الإنسان يتعظ، ويتوب الكافر، وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى [الفجر: ٢٣] قال الزجاج: يظهر التوبة، ومن أين له التوبة؟ ! يقول الكافر، يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي [الفجر: ٢٤] أي: قدمت الخير والعمل الصالح لآخرتي التي لا موت فيها، قال الحسن: علم والله إنه صادق، هناك حياة طويلة لا موت فيها.
قال الله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٥] يعذب عذاب الله أحد من الخلق.
وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ [الفجر: ٢٦] من الخلق، أي: لا يبلغ أحد من الخلق كبلاغ الله في العذاب والوثاق، والمعنى: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، يعني: مثل عذابه، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكافر يومئذ، أي: مثل وثاقه، وقرأ الكسائي لا يعذب، ولا يوثق بفتح العين فيهما، وهو قراءة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما
١٣٤٨ - أَخْبَرَنَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمِهْرَجَانِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّاهِد ُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، نا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ: أَقْرَأَنِي مَنْ أَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ {٢٥ وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ٢٦ } [الفجر: ٢٥-٢٦] وَالْمَعْنَى: لا يُعَذَّبُ أَحَدٌ تَعْذِيبَ هَذَا الْكَافِرِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ كَافِرٌ بِعَيْنِهِ، أَوْ تَعْذِيبَ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ الْكُفَّارِ وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ: لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر: ١٧] الآيات.
قوله يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] بالإيمان، المؤمنة، الموقنة، المصدقة بما وعد الله، والطمأنينة: حقيقة الإيمان.
ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ [الفجر: ٢٨] هذا عند خروجها من الدنيا، يقال لها: ارجعي إلى الله.
راضية بالثواب، مرضية عنك.
أخبرنا عمرو بن أبي عمرو، أنا جدي، أنا محمد بن إسحاق السراج، نا قتيبة، نا جرير، عن
منصور، عن مجاهد يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] التي أيقنت أن الله ربها، وضربت جأشا لأمره وطاعته.
أخبرنا أبو بكر بن الحارث، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، نا سعيد بن عثمان، نا محمد بن حاتم، عن إبراهيم المكي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧]، قال: الراضية بقضاء الله الذي قدر الله، فعلمت أن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وأن ما أخطأها لم يكن ليصيبها.
١٣٤٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكَاتِبُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، نا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ، نا ابْنُ يَمَانٍ، عَنْ أَشْعَثَ، عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: قُرِئَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [الفجر: ٢٧] الآية، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ هَذَا لَحَسَنٌ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهَا لَكَ عِنْدَ الْمَوْتِ»
وقال عبد الله بن عمرو: إذا توفي العبد المؤمن، أرسل الله عز وجل ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنة، فيقال: اخرجي يا أيتها النفس المطمئنة، اخرجي إلى روح وريحان، ورب عنك راض.
فتخرج كأطيب ريح مسك وجده أحد في أنفه.
وقوله: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي [الفجر: ٢٩] أي: جملة عبادي الصالحين المطيعين.
قال أبو صالح: فإذا كان يوم القيامة قيل: فَادْخُلِي فِي عِبَادِي {٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٩-٣٠].
١٣٥٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الإِسْفَرَايِينِيُّ، أنا ابْنُ بَطَّةَ، أنا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنِي جَدِّي، نا مَرْوَانُ بْنُ شُجَاعٍ الْجَزَرِيُّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ الأَفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، بِالطَّائِفِ، فَشَهِدْتُ جَنَازَتَهُ، فَجَاءَ طَائِرٌ لَمْ يُرَ عَلَى خِلْقَتِهِ، فَدَخَلَ فِي نَعْشِهِ لَمْ يُرَ خَارِجًا مِنْهُ، فَلَمَّا دُفِنَ، تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، لَمْ يُدْرَ مَنْ تَلاهَا: يَأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ {٢٧ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ٢٨ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ٢٩ وَادْخُلِي جَنَّتِي ٣٠ } [الفجر: ٢٧-٣٠].
البلد 90:1
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:2
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:3
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:4
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:5
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:6
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:7
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:8
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:9
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:10
تفسير سورة البلد
عشرون آية، مكية.
١٣٥١ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَدْلُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ قَرَأَ: لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى الْأَمْنَ مِنْ غَضَبِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ".
بسم الله الرحمن الرحيم لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ {١ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ٢ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ٤ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ٥ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا ٦ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ٧ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ٨ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ٩ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ١٠ } [البلد: ١-١٠].
لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ [البلد: ١] أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، ولا أقسم بمعنى: أقسم، وقد تقدم بيانه، والإشارة بهذا إلى مكة، وال [نازلة بها.
] وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ [سورة البلد: ٢] الحل، والحلال، والمحل واحد، وهو ضد المحرم، أحل الله تعالى لنبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مكة يوم الفتح حتى قاتل وَقَتَلَ، وقد قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار».
والمعنى: أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة، دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلا.
ثم عطف على القسم بقوله: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [البلد: ٣] يعني: آدم وذريته.
لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال ابن عباس، في رواية مقسم: قائمًا على قدمية منتصبًا، وكل شيء خلق مكبًا إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا.
والكبد: الاستواء والاستقامة، وقال في رواية الوالبي: في نصب.
وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير،
والحسن.
قالوا: في شدة.
والكبد على هذا القول: من مكابدة الأمر، وهو معاناة شدته ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هوله، وصعوبته.
أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم الواعظ، أنا أبو عمرو بن مطر، نا أحمد بن محمد بن منصور الحاسب، نا علي بن الجعد، نا علي بن علي الرفاعي، عن الحسن في قوله: لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ [البلد: ٤] قال: لا أعلم خليقة تكابد من الأمر ما يكابد هذا الإنسان.
قال: وقال سعيد: أجده يكابد مضائق الدنيا، وشدائد الآخرة.
١٣٥٢ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّادٍ الْقُرَشِيُّ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدَانَ الْبَجَلِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ بَهْرَامٍ، أنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَعْظَمُ النَّاسِ هَمًّا الْمُؤْمِنُ يَهْتَمُّ بِأَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ».
وقال الحسن: ابن آدم لا يزال يكابد أمرًا حتى يفارق الدنيا.
قوله: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [البلد: ٥] قال الكلبي: يعني: أبا الأشدين، وهو رجل من جمح، وكان قويًا شديد الخلق.
يقول الله تعالى: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه الله، وأن لا يعاقبه؟ ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالا لُبَدًا [البلد: ٦] وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الليث: مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته.
وقال الكلبي، ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا.
قال الله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ
يَرَهُ أَحَدٌ} [البلد: ٧] قال قتادة: أيظن أن لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه؟ وقال الكلبي: كان كاذبًا لم ينفق ما قال.
فقال الله عز وجل: أيظن أن لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق؟ ثم ذكره النعم ليعتبر، فقال: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ [البلد: ٨] قال الزجاج: ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه؟ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ [البلد: ٩] قال قتادة: نِعم الله متظاهرة، يقررك بها كيما تشكره.
وروى عبد الحميد المدني، عن أبي حازم، أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: إن الله تعالى، يقول: «ابن آدم إن نازعك لسانك فيما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت عليك، فقد أعنتك عليه بطبقتين فأطبق».
قوله: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: ١٠] النجد: الطريق في ارتفاع، قال ابن عباس، والمفسرون: بينا له طريق الخير وطريق الشر.
وقال الزجاج: المعنى: ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر، بتبيين كتبيين الطريقين العاليين؟ !
١٣٥٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، نا يَحْيَى بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّجْدَيْنِ، فَقَالَ: «هُمَا النَّجْدَانِ نَجْدُ الْخَيْرِ وَنَجْدُ الشَّرِّ».
البلد 90:11
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:12
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:13
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:14
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:15
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:16
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:17
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:18
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:19
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
البلد 90:20
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {١١ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ١٢ فَكُّ رَقَبَةٍ ١٣ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ١٤ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ١٥ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ١٦ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ١٧ أُولَئِكَ
أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ١٨ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ١٩ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ٢٠ } [البلد: ١١-٢٠].
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ [البلد: ١١] أي: لم يقتحمها ولا جاوزها، والاقتحام: الدخول في الأمر الشديد، وذكر العقبة ههنا مثل ضربة الله تعالى لمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة، يقول: لم يحمل على نفسه المشقة بعتق الرقبة والإطعام، وهو قوله: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ [البلد: ١٢] أي: ما اقتحام العقبة؟ ثم ذكره، فقال: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣] وهو تخليصها من أسر الرق، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن، وفك الكتاب.
ومن قرأ فك رقبة على الفعل، فهو تفسير لاقتحام العقبة بالفعل، كقوله تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: ٥٩] ثم فسر المثل بقوله: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ [آل عمران: ٥٩] فكذلك قوله: فَكُّ رَقَبَةٍ [البلد: ١٣].
١٣٥٤ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ الزِّيَادِيُّ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، نا السَّرِيُّ بْنُ خُزَيْمَةَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا عِيسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْسَجَةَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، قَالَ: «إَنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ، وَفُكَّ الرَّقَبَةَ»، فَقَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: «لا عِتْقُ النَّسَمَةِ، أَنْ تَنْفَرِدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْفَيْءُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ».
١٣٥٥ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ نُعَيْمٍ الْإِشْكَابِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ شبويه، أنا مُحَمَّدُ بْنُ....
، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْجُعْفِيُّ، نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، نا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ مُرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا، اسْتَنْقَذَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ» قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجَانَةَ: فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ فَعَمَدَ إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ أَلْفَ دِينَارٍ فَأَعْتَقَهُ.
١٣٥٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو خَلِيفَةَ، نا الْحَوْضِيُّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ السِّمْطِ، أَنَّهُ قَالَ لِكَعْبِ بْنِ مُرَّةَ، أَوْ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهُ مِنَ النَّارِ يُجْزَى مَكَانَ كُلِّ عَظٍم مِنْ عِظَامِهَا عَظْمٌ مِنْ عِظَامِهِ»
وقوله: أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: ١٤] ذي مجاعة، يقال: سغب يسغب سغبًا.
إذا جاع، قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع.
١٣٥٧ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُزَكِّي، أنا أَبُو عَمْرِو بْنُ مَطَرٍ، نا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا هَاشِمُ بْنُ عَمَّارِ بْنِ وَاقِدٍ، نا يُونُسُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَشْبَعَ جَائِعًا فِي يَوْمِ سَغَبٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، لا يَدْخُلُهُ إِلا مَنْ فَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ»
وروى جابر بن عبد الله، أن
رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: «من موجبات المغفرة إطعام المسلم السغبان».
وقوله: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ [البلد: ١٥] معناه: ذا قربة، قال مقاتل: يعني: يتيمًا بينه وبينه قرابة.
أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] قد لصق بالتراب من فقره، وضره، وروى مجاهد، عن ابن عباس، قال: هو المطروح في التراب، لا يقيه شيء.
والمتربة مصدر من قولهم: ترب يترب تربًا.
ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرًا.
ثم بين أن هذه القربة، إنما تنفع مع الإيمان، فقال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [البلد: ١٧] على فرائض الله وأمره، وتواصوا بالمرحمة بالبر فيما بينهم، والرحمة لليتيم، والمسكين، والضعيف، أي: كان من الجملة الذين هذه صفتهم.
ثم ذكر أن هؤلاء من هم، فقال: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ [البلد: ١٨] وقد سبق تفسير أصحاب الميمنة في [الواقعة، وكذلك تفسير أصحاب المشأمة.
وقوله:] عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ [سورة البلد: ٢٠] مطبقة، يقال: أصدت الباب، وأوصدته.
إذا أغلقته وأطبقته، لغتان: مهموز وغير مهموز، قال مقاتل: يعني أبوابها عليهم مطبقة، فلا يفتح لهم باب، ولا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.
الشمس 91:1
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:2
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:3
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:4
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:5
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:6
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:7
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:8
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:9
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:10
تفسير سورة الشمس
خمس عشرة آية، مكية.
١٣٥٨ - أَخْبَرَنَا الزَّعْفَرَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ والشمس، فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا {١ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا ٢ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ٣ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ٤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ٥ وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ٦ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ١-١٠].
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس: ١] الضحى: حين تطلع الشمس فيصفو ضوءها، قال مجاهد، والكلبي: يعني ضوء الشمس.
وقال قتادة: هو النهار كله.
وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا [الشمس: ٢] تبعها، يقال: تلا يتلو تلوًا إذا تبع.
قال المفسرون: وذلك في النصف الأول من الشهر، إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة، وخلفها في النور.
وقال الزجاج: تَلاهَا [الشمس: ٢] حين استدار، فكان يتلو الشمس في الضياء والنور.
يعني: إذا كمل ضوءه فصار تابعًا للشمس في الإنارة، وذلك الليالي البيض.
وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا [الشمس: ٣] جلى الظلمة وكشفها، وجازت الكتابة عن الظلمة، وإن لم تذكر، لأن المعنى معروف.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا [الشمس: ٤] يعني: يغشى الشمس
فيذهب بضوئها، فتغيب وتظلم الآفاق.
وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا [الشمس: ٥] قال عطاء: يريد والذي بناها.
قال الكلبي: ومن بناها.
وقال الفراء، والزجاج: ما بمعنى المصدر بتقدير: وبنائها.
وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا [الشمس: ٦] في: ما وجهان كما ذكرنا، والمعنى: وسعها، وبسطها على الماء.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا [الشمس: ٧] خلقها، وسوى أعضاءها.
وقال عطاء: يريد جميع ما خلق من الإنس والجن.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال ابن عباس في راوية علي بن أبي طلحة: بين لها الخير والشر.
وقال في رواية عطية: علمها الطاعة والمعصية.
وقال في رواية أبي صالح: عرفها ما تأتي وما تتقي.
وقال سعيد بن جبير: ألزمها فجورها وتقواها.
وقال ابن زيد: جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى، وخذلانه إياها للفجور.
واختار الزجاج هذا القول، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان، وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام، لأن التبيين، والتعليم، والتعريف دون الإلهام يوقع في قلبه، ويجعل فيه، فإذا أوقع الله في قلب عبده شيئًا، فقد ألزمه ذلك الشيء، كما ذكره سعيد بن جبير، وهذا صريح في أن الله تعالى خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره.
أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد التميمي، أنا عبد الله بن محمد الحافظ، نا جعفر بن أحمد بن سنان، نا بندار، نا عبد الرحمن بن مهدي، نا حماد بن سلمة، عن حنظلة بن أبي حمزة، عن سعيد بن جبير: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قال: ألزمها.
يروى هذا مرفوعًا إلى ابن عباس.
١٣٥٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ،
نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ حَنْظَلَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، وَرُوِيَ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٠ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَسَنِ إِجَازَةً، أنا عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ الْوَاعِظُ، نا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، نا الْحَسَنُ بْنُ عُلَيَّةَ، نا عِمْرَانُ بْنُ أَبِي عِمْرَانَ، أنا الْمُؤَمَّلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس: ٨] قَالَ: أَلْزَمَهَا ".
١٣٦١ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّعْفَرَانِيُّ، نا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ الْكَرِيزِيُّ، نا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَّ عَلَى قَوْمٍ فَأَلْهَمَهُمُ الْخَيْرَ وَأَدْخَلَهُمْ فِي رَحْمَتِهِ، وَابْتَلَى قَوْمًا فَخَذَلَهُمْ وَذَمَّهُمْ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا تَغْيِيرَ مَا ابْتَلاهُمْ بِهِ، فَعَذَّبَهُمْ وَقَدْ عَدَلَ فِيهِمْ»
وقد روي في هذه الآية الحديث الصحيح، وأن تفسيرها: التوفيق من الله تعالى للخير، والخذلان للشر، وهو:
١٣٦٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الزَّاهِدُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ التَّاجِرُ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَافِظُ، نا شختويه بْنُ مازيار، نا صَفْوَانُ بْنُ عِيسَى، نا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، نا يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ، قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ذَاتَ يَوْمٍ غَدَوْتُ عَلَيْهِ: يَا أَبَا الْأَسْوَدِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ، أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قُلْتُ: لا، بَلْ شَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، فَقَالَ لِي: فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا؟ فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ إِلا وَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ وَمُلْكُ يَدِهِ، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، فَقَالَ: سَدَّدَكَ اللَّهُ، وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُكَ إِلا لِأَحْزِرُ عَقْلَكَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَيْءٌ قَدْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ؟ أَمْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاتُّخِذَتْ عَلَيْهِمْ فِيهِ الْحُجَّةُ؟ قَالَ: لا بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، قَالَ: فَفِيمَ يَعْمَلُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَمَنْ كَانَ اللَّهُ خَلَقَهُ لِوَاحِدَةٍ مِنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ هَيَّأَهُ لِعَمَلِهَا، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا {٧ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ٨ } [الشمس: ٧-٨] رَوَاهُ مُسْلِم، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَن عَزْرَةَ بْنِ ثَابِت.
قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: ٩] قال ابن عباس: قد أفلحت نفس زكاها الله، وأصلحها وطهرها.
والمعنى: وفقها للطاعة.
وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس: ١٠] خابت، وخسرت نفس أضلها الله وأغواها، ودساها أصله: دسسها من التدسيس وهو: إخفاء الشيء، فأبدلت من السين الثانية ياء، ومعنى دساها هنا: أخملها، وخذلها، وأخفى محلها، ولم يشهرها بالطاعة، والعمل الصالح، وقد أقسم الله تعالى بهذه الأشياء التي ذكرها من خلقه، لأنها تدل على وحدانيته، وعلى فلاح من طهره، وخسارة من خذله حتى لا يظن أحد أنه هو الذي يتولى تطهير نفسه، أو إهلاكها بالمعصية، يدل على صحة هذا
ما
١٣٦٣ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ، أنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْتَفَاضِ، نا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نا رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، نا نَافِعٌ ابْنِ عُمَر، عَنِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: انْتَبَهْتُ لَيْلَةً، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «رَبِّ أَعْطِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلاهَا»
وروينا هذا التفسير الذي ذكرناه مرفوعًا فيما
١٣٦٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَافِظُ، نا أَبُو يَحْيَى الرَّازِيُّ، نا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ، نا أَبُو مَالِكٍ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا {٩ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ١٠ } [الشمس: ٩-١٠] أَفْلَحَتْ نَفْسٌ زَكَّاهَا اللَّهُ، وَخَابَتْ نَفْسٌ خَيَّبَهَا اللَّهُ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ ".
الشمس 91:11
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {١١ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ١٢ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ١٥ } [الشمس: ١١-١٥].
قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس: ١١] الطغوى: اسم من الطغيان، كالدعوى من الدعاء، قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي: الطغيان حملهم على التكذيب.
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢] أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث الأشقى للعقر، ومعنى انبعث: انتدب، وقام به، يقال: بعثته على الأمر، فانبعث له.
والأشقى عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا
سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا رِشْدِينُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَافُوخِهِ ".
١٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّد بن كعب القرظي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ، وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا إِلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَقَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ حَتَّى يُبَلَّ مِنْهَا هَذِهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: صَالِحٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ناقة الله قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله.
وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب.
وسقياها عطف على ناقة الله،
وهي شربها من الماء، وما يسقاها، قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها.
فكذبوه بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤] قال عطاء، ومقاتل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤].
وقال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذب عذابًا تامًا.
فسواها فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، بمعنى: سوى بينهم.
وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٥] قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم.
وهو قول الحسن، قال: ذاك الرب صنع بهم ولا يخاف تبعة.
والمعنى: لا يخاف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفي مصاحف الشام، والحجاز: فلا يخاف بالفاء، قال الفراء: وكل صواب.
الشمس 91:12
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {١١ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ١٢ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ١٥ } [الشمس: ١١-١٥].
قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس: ١١] الطغوى: اسم من الطغيان، كالدعوى من الدعاء، قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي: الطغيان حملهم على التكذيب.
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢] أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث الأشقى للعقر، ومعنى انبعث: انتدب، وقام به، يقال: بعثته على الأمر، فانبعث له.
والأشقى عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا
سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا رِشْدِينُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَافُوخِهِ ".
١٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّد بن كعب القرظي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ، وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا إِلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَقَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ حَتَّى يُبَلَّ مِنْهَا هَذِهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: صَالِحٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ناقة الله قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله.
وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب.
وسقياها عطف على ناقة الله،
وهي شربها من الماء، وما يسقاها، قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها.
فكذبوه بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤] قال عطاء، ومقاتل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤].
وقال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذب عذابًا تامًا.
فسواها فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، بمعنى: سوى بينهم.
وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٥] قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم.
وهو قول الحسن، قال: ذاك الرب صنع بهم ولا يخاف تبعة.
والمعنى: لا يخاف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفي مصاحف الشام، والحجاز: فلا يخاف بالفاء، قال الفراء: وكل صواب.
الشمس 91:13
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {١١ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ١٢ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ١٥ } [الشمس: ١١-١٥].
قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس: ١١] الطغوى: اسم من الطغيان، كالدعوى من الدعاء، قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي: الطغيان حملهم على التكذيب.
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢] أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث الأشقى للعقر، ومعنى انبعث: انتدب، وقام به، يقال: بعثته على الأمر، فانبعث له.
والأشقى عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا
سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا رِشْدِينُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَافُوخِهِ ".
١٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّد بن كعب القرظي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ، وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا إِلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَقَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ حَتَّى يُبَلَّ مِنْهَا هَذِهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: صَالِحٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ناقة الله قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله.
وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب.
وسقياها عطف على ناقة الله،
وهي شربها من الماء، وما يسقاها، قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها.
فكذبوه بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤] قال عطاء، ومقاتل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤].
وقال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذب عذابًا تامًا.
فسواها فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، بمعنى: سوى بينهم.
وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٥] قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم.
وهو قول الحسن، قال: ذاك الرب صنع بهم ولا يخاف تبعة.
والمعنى: لا يخاف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفي مصاحف الشام، والحجاز: فلا يخاف بالفاء، قال الفراء: وكل صواب.
الشمس 91:14
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {١١ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ١٢ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ١٥ } [الشمس: ١١-١٥].
قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس: ١١] الطغوى: اسم من الطغيان، كالدعوى من الدعاء، قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي: الطغيان حملهم على التكذيب.
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢] أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث الأشقى للعقر، ومعنى انبعث: انتدب، وقام به، يقال: بعثته على الأمر، فانبعث له.
والأشقى عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا
سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا رِشْدِينُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَافُوخِهِ ".
١٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّد بن كعب القرظي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ، وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا إِلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَقَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ حَتَّى يُبَلَّ مِنْهَا هَذِهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: صَالِحٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ناقة الله قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله.
وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب.
وسقياها عطف على ناقة الله،
وهي شربها من الماء، وما يسقاها، قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها.
فكذبوه بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤] قال عطاء، ومقاتل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤].
وقال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذب عذابًا تامًا.
فسواها فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، بمعنى: سوى بينهم.
وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٥] قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم.
وهو قول الحسن، قال: ذاك الرب صنع بهم ولا يخاف تبعة.
والمعنى: لا يخاف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفي مصاحف الشام، والحجاز: فلا يخاف بالفاء، قال الفراء: وكل صواب.
الشمس 91:15
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا {١١ إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا ١٢ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا ١٣ فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا ١٤ وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا ١٥ } [الشمس: ١١-١٥].
قوله: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس: ١١] الطغوى: اسم من الطغيان، كالدعوى من الدعاء، قال المفسرون: كذبت ثمود بطغيانها أي: الطغيان حملهم على التكذيب.
إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس: ١٢] أي: كذبوا بالعذاب، وكذبوا صالحًا لما انبعث الأشقى للعقر، ومعنى انبعث: انتدب، وقام به، يقال: بعثته على الأمر، فانبعث له.
والأشقى عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
١٣٦٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْعَبَّاسِ الْبَصْرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ السَّامِيُّ، نا
سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، نا رِشْدِينُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ: " مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: عَاقِرُ النَّاقَةِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الآخِرِينَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لا أَعْلَمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى نَافُوخِهِ ".
١٣٦٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّاهِدُ، أنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، نا أَبُو خَيْثَمَةَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، نا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ مُحَمَّد بن كعب القرظي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي غَزْوَةِ الْعُسْرَةِ نَائِمَيْنِ فِي صَوْرٍ مِنَ النَّخْلِ، وَدَقْعَاءَ مِنَ التُّرَابِ، فَوَاللَّهِ مَا أَهَبَّنَا إِلا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُنَا بِرِجْلِهِ، وَقَدْ تَتَرَّبْنَا مِنْ تِلْكَ الدَّقْعَاءِ، فَقَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمَا بِأَشْقَى النَّاسِ رَجُلَيْنِ؟ قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى قَرْنِهِ حَتَّى يُبَلَّ مِنْهَا هَذِهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ: صَالِحٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ناقة الله قال الزجاج: ناقة الله منصوبة على معنى: ذروا ناقة الله.
وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير فهو نصب.
وسقياها عطف على ناقة الله،
وهي شربها من الماء، وما يسقاها، قال الكلبي، ومقاتل: قال لهم صالح: ذروا ناقة الله فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها.
فكذبوه بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم، فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤] قال عطاء، ومقاتل: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ [الشمس: ١٤].
وقال المؤرج: الدمدمة إهلاك باستئصال.
وقال ابن الأعرابي: دمدم إذا عذب عذابًا تامًا.
فسواها فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، فاستوت على صغيرهم وكبيرهم، وقال الفراء: سوى الأمة: أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها، بمعنى: سوى بينهم.
وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا [الشمس: ١٥] قال ابن عباس: لا يخاف الله من أحد تبعة في إهلاكهم.
وهو قول الحسن، قال: ذاك الرب صنع بهم ولا يخاف تبعة.
والمعنى: لا يخاف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفي مصاحف الشام، والحجاز: فلا يخاف بالفاء، قال الفراء: وكل صواب.
الليل 92:1
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:2
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:3
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:4
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:5
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:6
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:7
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:8
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:9
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:10
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:11
تفسير سورة الليل
إحدى وعشرون آية، مكية.
١٣٦٧ - أَخْبَرَنَا ابْنُ الزَّعْفَرَانِيِّ، أنا أَبُو عَمْرٍو السَّخْتِيَانِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَاللَّيْلِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ حَتَّى يَرْضَى، وَعَافَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْعُسْرِ، وَيَسَّرَ لَهُ الْيُسْرَ».
بسم الله الرحمن الرحيم وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ٥ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ٨ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ١٠ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ١١ } [الليل: ١-١١].
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] قال ابن عباس، ومقاتل: أقسم الله تعالى بالليل إذا يغشى بظلمته النهار.
قال الزجاج: يغشى الليل الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار.
وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى [الليل: ٢] بان، وظهر من بين الظلمة.
قال قتادة: هما آيتان عظيمتان، يكررهما الله تعالى على الخلائق.
وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى [الليل: ٣] قال الكلبي: والذي خلق.
وهو قول الحسن، وما على هذا بمعنى: من، وقال مقاتل: يعني: وخلق الذكر والأنثى.
وما على هذا القول للمصدر، قال مقاتل، والكلبي: يعني: آدم وحواء.
وجواب القسم قوله: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة: عمل للجنة، وعمل للنار.
١٣٦٨ - حَدَّثَنَا الشَّيْخُ أَبُو مَعْمَرٍ الْمُفَضَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِمْلاءً بِجُرْجَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، نا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ، نا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّرْقُفِيُّ، نا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، نا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَتْ لَهُ نَخْلَةٌ، فَرْعُهَا فِي دَارِ رَجُلٍ فَقِيرٍ ذِي عِيَالٍ، وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا جَاءَ فَيَدْخُلُ الدَّارَ، فَيَصْعَدُ النَّخْلَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا التَّمْرَ، فَرُبَّمَا سَقَطَتِ التَّمْرَةُ، فَيَأْخُذُهَا صِبْيَانُ الْفَقِيرِ، فَيَنْزِلُ الرَّجُلُ مِنْ نَخْلَتِهِ حَتَّى يَأْخُذَ التَّمْرَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَإِنْ وَجَدَهَا فِي فَمِ أَحَدِهِمْ أَدْخَلَ إِصْبَعَهُ حَتَّى يُخْرِجَ التَّمْرَةَ مِنْ فِيهِ، فَشَكَا ذَلِكَ الرَّجُلُ إلى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا يَلْقَى مِنْ صَاحِبِ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذْهَبْ، وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ، فَقَالَ لَهُ: تُعْطِينِي نَخْلَتَكَ الْمَائِلَةَ الَّتِي فُرُوعُهَا فِي دَارِ فُلانٍ وَلَكَ بِهَا نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: إِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا وَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرَةً مِنْهَا، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَجُلٌ كَانَ يَسْمَعُ الْكَلامَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتُعْطِينِي مَا أَعْطَيْتَ الرَّجُلَ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ إِنْ أَنَا أَخَذْتُهَا، قَالَ: نَعَمْ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ وَلَقِيَ صَاحِبَ النَّخْلَةِ فَسَاوَمَهَا مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَشَعَرْتَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي بِهَا نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَقُلْتُ لَهُ: يُعْجِبُنِي ثَمَرُهَا وَإِنَّ لِي نَخْلًا كَثِيرًا، فَمَا فِيهِ نَخْلَةٌ أَعْجَبَ إِلَيَّ ثَمَرًا مِنْهَا، فَقَالَ لَهُ الآخَرُ: أَتُرِيدُ بَيْعَهَا، فَقَالَ: لا إِلا أَنْ أُعْطَى بِهَا مَا لا أَظُنُّهُ أُعْطَى، قَالَ: فَمَا مُنَاكَ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: جِئْتَ بِعَظِيمٍ تَطْلُبُ بِنَخْلَتِكَ الْمَائِلَةِ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ سَكَتَ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَعْطَيْتُكَ أَرْبَعِينَ نَخْلَةً، فَقَالَ لَهُ: أَشْهِدْ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَمَرَّ نَاسٌ فَدَعَاهُمْ فَأَشْهَدَ لَهُ بِأَرْبَعِينَ نَخْلَةً ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ النَّخْلَةَ قَدْ صَارَتْ فِي مِلْكِي فَهِيَ لَكَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى صَاحِبِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهُ: النَّخْلَةُ لَكَ وَلِعِيَالِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى {١ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ٢ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ٣ إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ٤ } [الليل: ١-٤] وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
١٣٦٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَارِثِ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، أنا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، نا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ، نا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ،
نا ابْنُ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اشْتَرَى بِلالًا مِنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ بِبُرْدَةٍ وَعَشْرِ أَوَاقٍ فَأَعْتَقَهُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل: ١] إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى [الليل: ٤] يَعْنِي سَعْيَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَيَّةَ وَأُبَيٍّ
ثم فصل وبين، فقال: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى [الليل: ٥] تصدق من ماله، واتقى معصية ربه، يعني: الصديق رضى الله عنه.
وصدق بالحسنى بالجنة، وثواب الله، والخلف من الله.
فسنيسره لليسرى فسنهيئه لعمل الخير، والمعنى: نيسر له الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة لله.
قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اشترى ستة نفر من المؤمنين، كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله.
قال عروة بن الزبير: أعتق أبو بكر على الإسلام قبل أن يهاجر من مكة ست رقاب، بلال سابعهم، عامر بن فهيرة شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأم عميس، وزئيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى.
فقالت: وبيت الله لا تضر اللات والعزى، ولا تنفعان.
فرد الله إليها بصرها، وأعتق النهدية وابنتها، وكانت لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما يطحنان لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدًا.
فقال أبو بكر، رضي الله عنه: حلا يا أم فلان؟ قالت: حلا أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا.
قال: أخذتهما وهما حرتان.
ومر أبو بكر، رضي الله عنه، بجارية من بني نوفل وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك، وهو يضربها حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة.
فابتاعها أبو بكر فأعتقها، فقال عمار بن ياسر، وهو يذكر بلالًا وأصحابه وما كانوا فيه من البلاء، وإعتاق أبي بكر إياهم، وكان اسم أبي بكر عتيقًا:جزى الله خيرًا عن بلال وصحبه عتيقًا وأخزى فاكهًا وأبا جهلعشية هما في بلال بسوءة ولم يحذرا ما يحذر المرء ذو العقلبتوحيده رب الأنام وقوله شهدت بأن الله ربي على مهلفإن تقتلوني فاقتلوني فلم أكن لأشرك بالرحمن من خيفة القتلفيا رب إبراهيم والعبد يونس وموسى وعيسى نجني ثم لا تمللمن ظل يهوى الغي من آل غالب على غير حق كان منه ولا عدل
قوله: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ [الليل: ٨] بالنفقة في الخير والصدقة، واستغنى عن ثواب الله، فلم يرغب فيه، يعني: أبا سفيان، ثم هو عام في الكفار.
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى [الليل: ٩] بما صدق به أبو بكر.
فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] قال مقاتل: نعسر عليه أن يعطي خيرًا.
وقال عكرمة، عن ابن عباس: لِلْعُسْرَى [الليل: ١٠] : للشر عليه أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب.
والمعنى: سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه.
١٣٧٠ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَارِثِيُّ، أنا أَبُو الشَّيْخِ الْحَافِظُ، نا الْحَذَّاءُ، نا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، نا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ وَفِي يَدِهِ أَوْ قَالَ: مَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَسَ فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: " مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إِلا قَدْ كُتِبَ مَكَانُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلا قَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ، فَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَمَنْ كَانَ مِنَّا مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ، فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى [الليل: ٥] الآيات رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَة وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ
الليل 92:12
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:13
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:14
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:15
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:16
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:17
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:18
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:19
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:20
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.
الليل 92:21
ثم ذكر أن ما أمسك من ماله عن الإنفاق لا ينفعه، فقال: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ [الليل: ١١] الذي بخل به عن الخير، إِذَا تَرَدَّى [الليل: ١١] مات، وهلك، وقال ابن عباس، وقتادة: إذا تردى في جهنم، أي: سقط.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى {١٢ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى ١٣ فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى ١٤ لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى ١٥ الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى ١٧ الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ١٨ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ وَلَسَوْفَ يَرْضَى ٢١ } [الليل: ١٢-٢١].
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢] يعني: البيان، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال.
وهو قول قتادة: على الله البيان، بيان حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته.
وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى [الليل: ١٣] يعنى الدارين، والمعنى: لنا ملكهما، فليطلبا منا.
فأنذرتكم يا أهل مكة، نارًا تلظى تتوقد، وتتوهج.
١٣٧١ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، أنا حَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَرَوِيُّ، نا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحٍ، نا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ حَسَّانٍ، نا إِسْرَائِيلُ بْنُ يُونُسَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ: «أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ حَتَّى لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ فِي أَقْصَى السُّوقِ لَسَمِعَهُ، أَسْمَعَ النَّاسَ صَوْتَهُ»
لا يَصْلاهَا إِلا الأَشْقَى [الليل: ١٥] يعني: المشرك، الذي كذب الرسول والقرآن، وتولى أعرض عن الإيمان.
وسيجنبها سنبعدها، ويجعل منها على جانب، الأتقى يعني: أبا بكر في قول الجميع.
ثم وصفه، فقال: الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى [الليل: ١٨] يطلب أن يكون عند الله زاكيًا، لا يطلب رياء، ولا سمعة.
وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] قال المفسرون: لما اشترى أبو بكر، رضي الله عنه، بلالًا من صاحبه، وكان قد سلح على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: ما فعل هذا أبو بكر إلا ليد كانت عنده لبلال، أراد أن يجزيه بها.
فقال الله: وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى [الليل: ١٩] أي: لم يفعل ما فعل ليد أسديت إليه، ولكنه ابتغى وجه الله، وهو قوله: إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى [الليل: ٢٠] أي: إلا طلب ثواب الله الآجل بصفاته الكريمة.
١٣٧٢ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ مِيكَالَ، أنا عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ، نا زَيْدُ بْنُ الْحَرِيشِ،
نا بِشْرُ بْنُ السَّرِيِّ، نا مُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى {١٩ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى ٢٠ } [الليل: ١٩-٢٠]
ثم وعده أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال: وَلَسَوْفَ يَرْضَى [الليل: ٢١] بما يعطيه في الجنة من الكرامة، والثواب.