Lafzullah

الوسيط في تفسير القرآن المجيد — الضحى 93:1 – التين 95:8

المؤلف / المصدر: أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي النيسابوري الشافعي (ت 468هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (book-293, 2026-09-02) · طبعة دار الكتب العلمية، بيروت 1415هـ

المحتويات
  1. الضحى 93:1
  2. الضحى 93:2
  3. الضحى 93:3
  4. الضحى 93:4
  5. الضحى 93:5
  6. الضحى 93:6
  7. الضحى 93:7
  8. الضحى 93:8
  9. الضحى 93:9
  10. الضحى 93:10
  11. الضحى 93:11
  12. الشرح 94:1
  13. الشرح 94:2
  14. الشرح 94:3
  15. الشرح 94:4
  16. الشرح 94:5
  17. الشرح 94:6
  18. الشرح 94:7
  19. الشرح 94:8
  20. التين 95:1
  21. التين 95:2
  22. التين 95:3
  23. التين 95:4
  24. التين 95:5
  25. التين 95:6
  26. التين 95:7
  27. التين 95:8

الضحى 93:1

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:2

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:3

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:4

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:5

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:6

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:7

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:8

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:9

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:10

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الضحى 93:11

تفسير سورة الضحى وهي إحدى عشرة آية، مكية. ١٣٧٣ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْجَامِعِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالضُّحَى كَانَ فِيمَنْ يَرْضَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ، وَلَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِعَدَدِ كُلِّ يَتِيمٍ وَسَائِلٍ». بسم الله الرحمن الرحيم وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى ٤ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ٥ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى ٦ وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى ٧ وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى ٨ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ٩ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ١٠ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ١١ } [الضحى: ١-١١]. وَالضُّحَى [الضحى: ١] ١٣٧٤ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ، أنا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَّاجُ، نا الْحَسَنُ بْنُ الْمُثَنَّى بْنِ مُعَاذٍ، نا أَبُو حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلا قَدْ وَدَّعَكَ، فَنَزَلَتْ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ آدَمَ كِلاهُمَا عَنْ زُهَيْرٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ. أقسم الله تعالى بالضحى، والمراد به النهار كله، لقوله في المقابلة: وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى [الضحى: ٢] إذا سكن، قال عطاء: إذا غطي بالظلمة. وقال قتادة: إذا سكن، يعني: استقر ظلامه، فلا يزداد بعد ذلك. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: سَجَى [الضحى: ٢] امتد ظلامه. وقال الأصمعي: سجو الليل تغطيته للنهار. مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى [الضحى: ٣] هذا جواب القسم، قال المفسرون: أبطأ جبريل على النبي، عليهما السلام، فقال المشركون: قد قلاه الله وودعه. فأنزل الله تعالى هذه الآية، قالوا: وإنما أبطأ. لأن اليهود سألته عن الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، فقال: سأخبركم غدًا. ولم يقل: إن شاء الله. ١٣٧٥ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّغُولِيُّ، نا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ، نا أَبُو نُعَيْمٍ، نا حَفْصُ بْنُ سَعِيدٍ الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمِّي، عَنْ أُمِّهَا خَوْلَةَ وَكَانَتْ خَادِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَنْ جَرْوًا دَخَلَ الْبَيْتَ، فَدَخَلَ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَمَاتَ فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامًا لا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ جِبْرِيلُ لا يَأْتِينِي، قَالَتْ خَوْلَةُ: فَقُلْتُ: لَوْ هَيَّأْتُ الْبَيْتَ وَكَنَسْتُهُ، فَأَهْوَيْتُ بِالْمِكْنَسَةِ تَحْتَ السَّرِيرِ، فَإِذَا شَيْءٌ ثَقِيلٌ، فَلَمْ أَزَلْ حَتَّى أَخْرَجْتُهُ، فَإِذَا جَرْوٌ مَيِّتٌ، فَأَخَذْتُهُ فَأَلْقَيْتُهُ خَلْفَ الْجِدَارِ، فَجَاءَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْعَدُ لِحْيَاهُ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ اسْتَقْبَلَتْهُ الرَّعْدَةُ، فَقَالَ: يَا خَوْلَةُ، دَثِّرِينِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَالضُّحَى {١ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ٢ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى ٣ } [الضحى: ١-٣] والمعنى: ما تركك ربك، وما أبغضك، والقلى: البغض، يقال: قلاه يقليه قلى. قال أبو عبيدة: ودعك من التوديع كما يودع المفارق. وقال الزجاج: لم يقطع الوحي، ولا أبغضك. وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولَى [الضحى: ٤] قال عطاء، ومقاتل: الجنة خير لك من الدنيا. ١٣٧٦ - أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَخْلَدِيُّ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ، أَخْبَرَنِي سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، نا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ مَرْمُولٍ بِالشَّرِيطِ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ وحَشَوُهَا لِيفٌ، وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَانْحَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْحِرَافَةً، فَرَأَى عُمَرُ أَثَرَ الشَّرِيطِ فِي جَنْبِهِ فَبَكَى، فَقَالَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: وَمَا لِي لا أَبْكِي وَكِسْرَى وَقَيْصَرُ يَعْبَثَانِ فِيمَا يَعْبَثَانِ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَنْتَ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَرَى!!! ؟ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عُمَرُ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: هُوَ كَذَلِكَ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] قال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما تُعْطى. ١٣٧٧ - أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ أَبُو إِبْرَاهِيمَ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ النَّصْرَابَاذِيُّ، أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْكَارِذِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلانِيُّ، نا مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، نا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ الْبَيْرُوتِيُّ، نا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يُفْتَحُ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ كَفْرًا كَفْرًا فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] فَأَعْطَاهُ اللَّهُ أَلْفَ أَلْفِ قَصْرٍ فِي كُلِّ قَصْرٍ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ وذكر آخرون أن هذه الآية في الشفاعة، وهو قول علي، والحسن، وعطاء، عن ابن عباس. قال: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. أخبرنا أبو بكر التميمي، أنا عبد الله بن محمد بن جعفر، نا ابن رستة، نا شيبان، نا حرب بن سريح، قال: سمعت محمد بن علي، يقول: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] وإنا أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله عز وجل: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى [الضحى: ٥] وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت، وزدتني على أمتي في أمتي. ١٣٧٨ - أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ، نا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، أنا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ بَكْرَ بْنَ سَوَادَةَ حَدَّثَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَلا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِبْرَاهِيمَ: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي [إبراهيم: ٣٦] الآية وَقَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي عِيسَى: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: " اللَّهُمَّ أُمَّتِي وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَرَبُّكَ أَعْلَمُ، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنَّهُ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوَحْيِ، فَقَالَ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى: ٦] ذكر المفسرون في هذه الآية الحديث الذي ١٣٧٩ - أَخْبَرَنَاهُ الشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْفَضْلُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصُّوفِيُّ، نا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، نا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، نا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيُّ، نا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَقَدْ سَأَلْتُ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ مَسْأَلَةً وَدِدْتُ، أَنِّي لَمْ أَسْأَلْهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ إِنَّهُ قَدْ كَانَتْ أَنْبِيَاءُ قَبْلِي، مِنْهُمْ مَنْ سُخِّرَتْ لَهُ الرِّيحُ وَذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَذَكَرَ عِيسَى، وَمِنْهُمْ وَمِنْهُمْ، قَالَ: فَقَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا فَأَغْنَيْتُكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ، قَالَ: أَلَمْ أَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى أَيْ رَبِّ " والمعنى: ألم يجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالًا، ولا مأوى، فضمك إلى عمك أبي طالب، حتى أحسن تربيتك؟ ثم ذكر نعمة أخرى، فقال: وَوَجَدَكَ ضَالا فَهَدَى [الضحى: ٧] قال أكثر المفسرين: وَوَجَدَكَ ضَالا [الضحى: ٧] عن معالم النبوة، وأحكام الشريعة، غافلًا عنها، فهداك إليها. دليله قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ [يوسف: ٣]، وقوله: مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى: ٥٢] وهذا القول هو اختيار الزجاج، قال: معناه: أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن، وشرائع الإسلام. وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى [الضحى: ٨] أي: فقيرًا لا مال لك، فأغناك الله بمال خديجة، عن أبي طالب، وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق. واختاره الفراء، فقال: لم يكن غنى عن كثرة المال، ولكن الله رضاه بما آتاه. وذلك حقيقة الغنى. ثم أوصاه باليتامى والفقراء، فقال: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى: ٩] قال مجاهد: لاتحقر اليتيم، فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء، والزجاج: لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه. وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى: تأخذ أموالهم، وتظلمهم حقوقهم، وكان رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحسن إلى اليتيم ويبره، ويوصي باليتامى. ١٣٨٠ - أَخْبَرَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ أَحْمَدَ، نا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ، نا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ، نا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ أَبِي الْوَرْقَاءِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَاهُ غُلامٌ، فَقَالَ: غُلامٌ يَتِيمٌ، وَأُخْتٌ لِي يَتِيمَةٌ، وَأُمٌّ لِي أَرْمَلَةٌ، أَطْعِمْنَا مِمَّا أَطْعَمَكَ اللَّهُ، وَأَعْطَاكَ اللَّهُ مِمَّا عِنْدَهُ حَتَّى تَرْضَى، قَالَ: مَا أَحْسَنَ مَا قُلْتَ يَا غُلامُ اذْهَبْ يَا بِلالُ فَأْتِنَا بِمَا كَانَ عِنْدَنَا، فَجَاءَ بِوَاحِدَةٍ وَعِشْرِينَ تَمْرَةً، فَقَالَ: سَبْعُ تَمَرَاتٍ لَكَ، وَسَبْعٌ لِأُخْتِكَ، وَسَبْعٌ لأُمِّكَ، فَقَامَ إِلَيْهِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، فَمَسَحَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: جَبَرَ اللَّهُ يُتْمَكَ، وَجَعَلَكَ خَلَفًا مِنْ أَبِيكَ وَكَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَدْ رَأَيْتُكَ يَا مُعَاذُ وَمَا صَنَعْتَ، قَالَ: رَحِمْتُهُ، قَالَ: لا يَلِي أَحَدٌ مِنْكُمْ يَتِيمًا فَيُحْسِنُ وِلايَتَهُ، وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ إِلا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ دَرَجَةً ". ١٣٨١ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَتْحِ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ، نا قَطَنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، نا الْجَارُودُ بْنُ يَزِيدَ، نا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ السَّعْدِيِّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ مَسَحَ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَى يَدِهِ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى: ١٠] قال المفسرون: يريد السائل على الباب. يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وإما أن ترده ردًا لينا. يقال: نهره وانتهره. إذا استقبله بكلام يزجره، وقال قتادة: رد السائل برحمة ولين. وقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تردوا السائل ولو بظلف محرق». ١٣٨٢ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، نا أَبُو عَوَانَةَ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يَزِيدَ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ هُدْبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا أَتَاكَ سَائِلٌ عَلَى فَرَسٍ بَاسِطٌ كَفَّيْهِ، فَقَدْ وَجَبَ الْحَقُّ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١] قال مجاهد: بالقرآن. وهو قول الكلبي. قال: وكان القرآن أعظم ما أنعم الله عليه به، فأمره أن يقرئه. قال الفراء: وكان يقرؤه، ويحدث به. وروى أبو بشر، عن مجاهد، قال: بالنبوة التي أعطاك ربك. واختاره الزجاج، فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي آتاك الله، وهي أجل النعم. وقال مقاتل: يعني: اشكر لما ذكر من النعمة عليك، في هذه السورة من الهدى بعد الضلالة، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم، والتحدث بنعمة الله شكر. يدل على ذلك ما: ١٣٨٣ - أَخْبَرَنَا مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْبَزَّارُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ، نا أَبُو يَعْلَى، نا ابْنُ حَمُّوَيْهِ، نا سَوَّارٌ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْبَصْرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ لا يَشْكُرُ النَّاسَ لا يَشْكُرُ اللَّهَ، وَمَنْ لا يَشْكُرُ الْقَلِيلَ لا يَشْكُرُ الْكَثِيرَ، وَإِنَّ حَدِيثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ شُكْرٌ، وَإِنَّ السُّكُوتَ عَنْهُ كُفْرٌ، وَإِنَّ الْجَمَاعَةَ رَحْمَةٌ، وَالْفُرْقَةَ عَذَابٌ». ١٣٨٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ النَّسَوِيُّ، أنا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، أنا أَبُو رَجَاءٍ الْغَنَوِيُّ، نا ابْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ، نا أَبِي وَالْحُمَيْدِيُّ، قَالا: نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي حَيَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى، قَالَ: كَبِّرْ إِذَا خَتَمْتَ كُلَّ سُورَةٍ حَتَّى تَخْتِمَ، وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا. ١٣٨٥ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْمُقْرِي، أنا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخُزَاعِيُّ، نا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَنِيُّ، نا الْوَلِيدُ بْنُ أَبَانٍ، وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، قَالا: نا ابْنُ أَبِي بَزَّةَ، نا عِكْرِمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمَّا بَلَغْتُ وَالضُّحَى قَالَ: كَبِّرْ حَتَّى تَخْتِمَ بِهِ مَعَ خَاتِمَةِ كُلِّ سُورَةٍ، فَإِنِّي قَرَأْتُ عَلَى شِبْلِ بْنِ عَبَّادٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، فَأَمَرَنِي بِذَلِكَ. وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى مُجَاهِدٍ فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ مُجَاهِدٌ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَهُ أُبَيٌّ أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَمَرَهُ بِذَلِكَ، وَيُقَالُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ لَمَّا فَتَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ هَجَرَهُ شَيْطَانُهُ وَوَدَّعَهُ اغْتَمَّ لِذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ وَالضُّحَى كَبَّرَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَحًا بِنُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ، فَاتَّخَذَهُ النَّاسُ سُنَّةً.

الشرح 94:1

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:2

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:3

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:4

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:5

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:6

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:7

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

الشرح 94:8

تفسير سورة الشرح ثمان آيات، مكية. ١٣٨٦ - أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحِيرِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَطَرٍ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ أَلَمْ نَشْرَحْ أُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ، كَمَنْ لَقِيَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْتَمًّا فَفُرِّجَ عَنْهُ». بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ {١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ ٣ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ٤ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ } [الشرح: ١-٨]. أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] معنى شرح الصدر: الفتح بإذهاب ما يصد عن الإدراك، والله عز وجل فتح صدر نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق، قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا: يا رسول الله أينشرح الصدر؟ قال: نعم. قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة يعرف بها؟ قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزول الموت». أشار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك أن صدق الإيمان بالله ووعده، يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا. يعني أن معنى شرح صدره: أن ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، فحكم لها بحكمها، علم حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فيها، وكذلك كل شيء، ومعنى هذا الاستفهام التقرير أي: قد فعلنا ذلك، يدل على هذا قوله في النسق عليه: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] قال ابن عباس، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل: حططنا عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية. وهذا كقوله: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ [الفتح: ٢] وقد مر. ثم وصف ذلك الوزر بقوله: الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ [الشرح: ٣] قال المفسرون: أثقل ظهرك. قال الزجاج: أثقله حتى سمع له نقيض، أي: صوت. وهذا مثل معناه: أنه لو كان حملًا يحمل، لسمع نقيض ظهره، قال قتادة: كانت للنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له. وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، سهل الله ذلك عليه حتى تيسرت به، وذكر منته عليه بذلك. وقوله: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ [الشرح: ٤] قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الأذان والإقامة، والتشهد، والخطبة على المنابر يوم الجمعة، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وخطبة النكاح، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلًا عبد الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله، لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا. وقال الحسن في هذه الآية: ألا ترى أن الله تعالى لا يذكر في موضع إلا ذكر معه نبيه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال قتادة: رفع ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب، ولا متشهد، ولا صاحب صلاة إلا ينادي به: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله. ١٣٨٧ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْعَدْلُ، أنا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مَالِكٍ، نا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، نا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ، نا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] قَالَ: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» وقال الضحاك: أي لا تقبل صلاة إلا به، ولا تجوز خطبة إلا به، ولا يذكر الله إلا ذكر معه، فذلك الذي رفع به ذكره. قال: ورفع ذكره بالأذان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت يمدح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:أغر عليه للنبوة خاتم من الله مشهود يلوح ويشهدوضم الإله اسم النبي مع اسمه إذا قال في الخمس المؤذن أشهدوشق له من اسمه ليجله فذو العرش محمود وهذا محمد ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك: أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] قال الكلبي: مع الفقر سعة. وقال مقاتل: يعني: تتبع الشدة الرخاء. ثم كرر ذلك، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قال ابن عباس، في رواية عطاء: يقول الله تعالى: خلقت عسرًا واحدًا، وخلقت يسرين، فلن يغلب عسر يسرين. ١٣٨٨ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الصَّنْعَانِيُّ، نا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٦] قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا مَسْرُورًا، فَرِحًا وَهُوَ يَضْحَكُ، وَيَقُولُ: لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ [الشرح: ٥-٦]. وقال ابن مسعود: لو أن العسر دخل في حجر، لجاء اليسر حتى يدخل معه. قال الله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٥ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ٦ { [الشرح: ٥-٦] وكتب عمر، رضي الله عنه، إلى أبي عبيدة وهو محصور: إنه مهما تنزل بامرئ شدة، يجعل الله بعده فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين. وهذا قول النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والصحابة، والمفسرين على أن العسر واحد، واليسر اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران ويسران، إلا أن المراد عسر واحد، لأنه مذكور بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا أبو الحسن الفارسي، نا محمد بن محمد بن إبراهيم، نا أبو عمر، عن تغلب، عن سلمة، عن الفراء، قال: العرب إذا ذكرت نكرة ثم أعادتها بنكرة، مثلهما صارتا اثنتين، كقولك: إذا كسبت درهما فأنفق درهمًا. فالثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة، فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا، فأنفق الدرهم. فالثاني هو الأول. ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع الألف واللام، ثم ثنى ذكره، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين. وقد أحسن صاحب النظم في تفسير هذه الآية، فقال: إن الله بعث نبيه، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو مقل مخف، فكانت قريش تعيره بذلك، حتى قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغنى، جمعنا لك مالًا حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك، وظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه مننه في هذه ال} [، ووعده الغنى، وأنزل:] أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ١ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ٢ [سورة الشرح: ١-٢] أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، لأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان على كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى، ليسليه بذلك عما خامره من الهم بقول من عيره بالفقر، فقال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: ٥] والتأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلًا، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحتى أهل البوادي، فكان يعطي المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، ويعد لأهله قوت سنة. ثم ابتدأ فضلًا آخر، فقال: إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا { [الشرح: ٦] والدليل على ابتدائه تعريه من فاء أو واو وهو وعد لجميع المؤمنين، لأنه يعني بذلك: إن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر الآخرة وهو ما ذكر في الآية الثانية، فقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لن يغلب عسر يسرين»، أي: يسر الدنيا والآخرة، فالعسر بين يسرين، إما فرج في الدنيا، وإما ثواب في الآخرة. سمعت أبا إسحاق المقرئ رحمه الله، يقول: سمعت الحسن بن محمد النيسابوري، سمعت محمد بن عامر البغدادي، يقول: سمعت عبد العزيز بن يحيى، يقول: سمعت عمي، يقول: سمعت العتبي، يقول: كنت ذات يوم في البادية بحالة من الغم، فألقي في روعي بيت شعر، فقلت: أرى الموت أصبح... مغمومًا له أروح فلما أن جن الليل، سمعت هاتفًا يهتف من الهواء: ألا يأيها المرء... الذي الهم به برح وقد أنشد بيتًا لم... يزل في فكره يسنح إذا اشتد بك العسر... ففكر في ألم نشرح فعسر بين يسرين... إذا أبصرته فافرح قال: فحفظت الأبيات، وفرج الله غمي. أنشدنا أبو إسحاق، رحمه الله، قال: أنشدنا الحسن بن محمد بن الحسن، قال: أنشدنا أحمد بن محمد بن إسحاق الجيرنجي، قال: أنشدنا إسحاق بن بهلول القاضي: فلا تيأس وإن أعسرت يومًا... فقد أيسرت في دهر طويل ولا تظنن بربك ظن سوء... فإن الله أولى بالجميل فإن العسر يتبعه يسار... وقول الله أصدق كل قيل وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدني الحسن، قال: أنشدني محمد بن سليمان بن معاذ الكرخي، قال: أنشدنا أبو بكر ابن الأنباري: إذا بلغ العسر مجهوده... فثق عند ذلك بيسر سريع ألم تر نحس الشتاء الفظيع... يتلوه سعد الربيع البديع وأنشدنا أبو إسحاق، قال: أنشدنا الحسن، قال: أنشدني عيسى بن زيد العقيلي، قال: أنشدني سليمان بن أحمد الرقي: توقع إذا ما غرتك الخطوب... سرورًا يشردها عنك قسرًا فما الله يخلف ميعاده... وقد قال إن مع العسر يسرا قوله:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ { [الشرح: ٧] أي: فاتعب، يقال: نصب ينصب نصبًا. قال قتادة، والضحاك، ومقاتل، والكلبي: إذا فرغت من الصلاة المكتوبة، فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسئلة يعطك. ونحو هذا روى عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، قال: إذا صليت، فاجتهد في الدعاء والمسألة. وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد، فادع لدنياك وآخرتك. ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد، فادع الله بعد التشهد بكل حاجتك. وقال ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض، فانصب في قيام الليل. وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية، فقال: القول فيه كثير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت، فاجعل صحتك وفراغك نصبًا في العبادة. ويدل على هذا ما روي: أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس بهذا أمر الفارغ، إنما قال الله عز وجل:} فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ ٧ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ ٨ [الشرح: ٧-٨]. قال عطاء: يريد: تضرع إليه راهبًا من النار، راغبًا في الجنة. وقال الزجاج: أي: اجعل رغبتك إلى الله وحده.

التين 95:1

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:2

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:3

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:4

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:5

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:6

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:7

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.

التين 95:8

تفسير سورة التين ثمان آيات، مكية. ١٣٨٩ - أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ الْحِيرِيُّ، أنا أَبُو عَمْرٍو الْحِيرِيُّ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَرَأَ سُورَةَ وَالتِّينِ أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَصْلَتَيْنِ الْعَافِيَةَ وَالْيَقِينَ مَا دَامَ فِي دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا مَاتَ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِعَدَدِ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ السُّورَةَ صِيَامَ يَوْمٍ». ١٣٩٠ - أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْقَفَّالُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُوسَى بْنِ خَلَفٍ الرَّسْعَنِيُّ، نا عُثْمَانُ بْنُ الصَّيَّادِ، نا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، وَمِسْعَرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ زَادَ مِسْعَرٌ: فَمَا رَأَيْتُ إِنْسَانًا أَحْسَنَ قِرَاءَةً مِنْهُ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ نُمَيْر، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مِسْعَرٍ. بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ {١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ ٣ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ٤ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ١-٨]. وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين: ١] قال أكثر المفسرين: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وإنما ذكر الله تعالى القسم بالتين، لأنه فاكهة مخلصة من شوائب التنغيص، وفيه أعظم العبرة، لدلالته على من هيأها على تلك الصفة، وجعلها على مقدار اللقمة، فالله عز وجل المنعم به على عباده، وقد روى أبو ذر، رضي الله عنه، أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: في التين: «لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها، فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس». وأما الزيتون، فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع الاصطباغ به والأدهان، واتخاذ الصابون. وقال قتادة: التين: الجبل الذي عليه دمشق، والزيتون: الجبل الذي عليه بيت المقدس. ونحو هذا قال عكرمة: هما جبلان بالشام، وإنما سيما بهما، لأنهما ينبتانهما. وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] يعني: الجبل الذي كلم عليه موسى عليه، السلام، و سِينِينَ [التين: ٢] : المبارك الحسن بلغة الحبشة، وقال الكلبي: هو الجبل ذو الشجرة. وقال مقاتل: كل جبل فيه شجر مثمر، فهو سينين وسيناء بلغة النبط. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] يعني: البلد الحرام مكة، يأمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، وسأل خزيمة بن حكيم السلمي رسول الله، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عن البلد الأمين، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] : مكة ". وهذه أقسام. ثم ذكر المقسم عليه، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: ٤] يعني: آدم وذريته، خلقهم الله في أحسن صورة، قال المفسرون: إن الله تعالى خلق كل ذي روح مكبًا على وجهه إلا الإنسان، خلقه مديد القامة، يتناول مأكوله بيده. وقال الكلبي: أقسم الله تعالى بما ذكر، لقد أنعم على الإنسان بتقويم الخلق. ومعنى التقويم: التعديل، يقال: قومته فاستقام. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] يريد إلى الهرم، وأرذل العمر، فيخرف وينقص عقله، والسافلون هم: الضعفاء، والزمن، والأطفال، والشيخ الكبير أسفل هؤلاء جميعًا، وقال مجاهد: ثم رددناه إلى النار. وهو قول الحسن، وأبي العالية. والنار أسفل سافلين، لأن جهنم بعضها أسفل من بعض، والمعنى إلى أسفل سافلين. ثم استثنى المؤمنين، فقال: إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [التين: ٦] أي: إلا هؤلاء، فإنهم لا يردون إلى النار، ومن قال بالقول الأول، قال: إن المؤمن لا يرد إلى الخرف، وأرذل العمر، وإن عمر طويلًا. أخبرنا أبو حامد أحمد بن الحسن الكاتب، أنا محمد بن أحمد بن شاذان الرازي، أنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، نا أبو سعيد الأشج، نا وكيع، عن حماد، عن إبراهيم، قال: إذا بلغ المؤمن من الكبر ما يعجز عن العمل، كتب له ما كان يعمل، وهو قوله: فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦]. وقال عكرمة: من رد منهم إلى أرذل العمر، كتب له كصالح ما كان يعمل في شبابه، وذلك أجر غير ممنون. ١٣٩١ - أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُقْرِئُ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحِيرِيُّ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، نا ابْنُ أَبِي عُمَرَ، نا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ لَمْ يُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {٥ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: ٥-٦]. قَالَ: إلا الَّذِينَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ. ١٣٩٢ - أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، نا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مِهْرَانَ، نا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ القرباني، نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، نا خَالِدٌ الزَّيَّاتُ، نا دَاوُدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمَوْلُودُ حَتَّى يَبْلُغَ الْحِنْثَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنَةٍ كُتِبَتْ لِوَالِدَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَلا عَلَى وَالِدَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحِنْثَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْقَلَمُ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَكَيْنِ الَّذَيْنِ مَعَهُ يَحْفَظَانِهِ، وَيُسَدِّدَانِهِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْإِسْلامِ أَمَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْبَلايَا الثَّلاثَةِ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ، فَإِذَا بَلَغَ خَمْسِينَ سَنَةً خَفَّفَ اللَّهُ حِسَابَهُ، فَإِذَا بَلَغَ سِتِّينَ رَزَقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَيْهِ وَبِمَا يُحِبُّ، فَإِذَا بَلَغَ سَبْعِينَ أَحَبَّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، فَإِذَا بَلَغَ ثَمَانِينَ كَتَبَ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ وَتَجَاوَزَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، فَإِذَا بَلَغَ تِسْعِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ وَشَفَّعَهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَانَ اسْمُهُ أَسِيرَ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَإِذَا بَلَغَ أَرْذَلَ الْعُمُرِ كَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عَلْمٍ شَيْئًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِثْلَ مَا كَانَ يَعْمَلُ فِي صِحَّتِهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَإِنْ عَمِلَ سَيِّئَةً لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ». وقوله: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] أي: بمجازاتي إياك بعملك أيها الإنسان، وأنا أحكم الحاكمين، قال مقاتل: يقول: فما يكذبك أيها الإنسان بعد بيان الصورة الحسنة، والشباب، ثم الهرم بعد ذلك بالحساب. والمعنى: ألا يتفكر في صورته، وشبابه، وهرمه فيعتبر، ويقول: إن الذي فعل ذلك قادر على أن يبعثني، ويحاسبني. ومعنى: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ [التين: ٧] : ما الذي يجعلك تكذب بالمجازاة بعد هذه الحجج؟ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ [التين: ٨] بأقضى القاضين، قال مقاتل: يحكم بينك وبين أهل التكذيب يا محمد. ١٣٩٣ - أَخْبَرَنَا أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّعْدِيُّ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَتْحِ بْنِ الشِّخِّيرِ، نا مُحَمَّدُ بْنُ بَيَانِ بْنِ مُسْلِمٍ، نا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، نا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ التين عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرِحَ لَهَا فَرَحًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ لَنَا شِدَّةُ فَرَحِهِ فَسَأَلْنَا ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ تَفْسِيرِهَا، فَقَالَ: وَالتِّينِ بِلادُ الشَّامِ وَالزَّيْتُونِ بِلادُ فِلَسْطِينَ وَطُورِ سِينِينَ [التين: ٢] الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُوسَى عَلَيْهِ وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [التين: ٣] مَكَّةُ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التين: ٤] مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ [التين: ٥] عَبَدَةُ الَّلاتِ وَالْعُزَّى إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين: ٦] أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ {٧ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ٨ } [التين: ٧-٨] إِذْ بَعَثَكَ فِيهِمْ نَبِيًّا وَجَمَعَكَ عَلَى التَّقْوَى يَا مُحَمَّدُ.