Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — الأعراف 7:1 – الأنفال 8:74

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. الأعراف 7:1
  2. الأعراف 7:2
  3. الأعراف 7:4
  4. الأعراف 7:6
  5. الأعراف 7:9
  6. الأعراف 7:11
  7. الأعراف 7:13
  8. الأعراف 7:15
  9. الأعراف 7:18
  10. الأعراف 7:20
  11. الأعراف 7:21
  12. الأعراف 7:23
  13. الأعراف 7:26
  14. الأعراف 7:27
  15. الأعراف 7:29
  16. الأعراف 7:30
  17. الأعراف 7:32
  18. الأعراف 7:33
  19. الأعراف 7:35
  20. الأعراف 7:36
  21. الأعراف 7:38
  22. الأعراف 7:39
  23. الأعراف 7:40
  24. الأعراف 7:42
  25. الأعراف 7:44
  26. الأعراف 7:45
  27. الأعراف 7:46
  28. الأعراف 7:47
  29. الأعراف 7:49
  30. الأعراف 7:51
  31. الأعراف 7:52
  32. الأعراف 7:54
  33. الأعراف 7:55
  34. الأعراف 7:57
  35. الأعراف 7:58
  36. الأعراف 7:59
  37. الأعراف 7:60
  38. الأعراف 7:62
  39. الأعراف 7:64
  40. الأعراف 7:66
  41. الأعراف 7:69
  42. الأعراف 7:71
  43. الأعراف 7:72
  44. الأعراف 7:74
  45. الأعراف 7:76
  46. الأعراف 7:78
  47. الأعراف 7:80
  48. الأعراف 7:81
  49. الأعراف 7:82
  50. الأعراف 7:85
  51. الأعراف 7:86
  52. الأعراف 7:87
  53. الأعراف 7:89
  54. الأعراف 7:90
  55. الأعراف 7:92
  56. الأعراف 7:94
  57. الأعراف 7:96
  58. الأعراف 7:98
  59. الأعراف 7:100
  60. الأعراف 7:102
  61. الأعراف 7:104
  62. الأعراف 7:106
  63. الأعراف 7:108
  64. الأعراف 7:111
  65. الأعراف 7:113
  66. الأعراف 7:115
  67. الأعراف 7:118
  68. الأعراف 7:120
  69. الأعراف 7:124
  70. الأعراف 7:126
  71. الأعراف 7:127
  72. الأعراف 7:128
  73. الأعراف 7:130
  74. الأعراف 7:132
  75. الأعراف 7:134
  76. الأعراف 7:135
  77. الأعراف 7:138
  78. الأعراف 7:139
  79. الأعراف 7:142
  80. الأعراف 7:143
  81. الأعراف 7:144
  82. الأعراف 7:145
  83. الأعراف 7:146
  84. الأعراف 7:147
  85. الأعراف 7:149
  86. الأعراف 7:150
  87. الأعراف 7:151
  88. الأعراف 7:153
  89. الأعراف 7:155
  90. الأعراف 7:156
  91. الأعراف 7:157
  92. الأعراف 7:158
  93. الأعراف 7:159
  94. الأعراف 7:161
  95. الأعراف 7:162
  96. الأعراف 7:164
  97. الأعراف 7:166
  98. الأعراف 7:167
  99. الأعراف 7:169
  100. الأعراف 7:170
  101. الأعراف 7:171
  102. الأعراف 7:172
  103. الأعراف 7:173
  104. الأعراف 7:175
  105. الأعراف 7:176
  106. الأعراف 7:177
  107. الأعراف 7:179
  108. الأعراف 7:180
  109. الأعراف 7:181
  110. الأعراف 7:182
  111. الأعراف 7:185
  112. الأعراف 7:187
  113. الأعراف 7:188
  114. الأعراف 7:189
  115. الأعراف 7:190
  116. الأعراف 7:191
  117. الأعراف 7:193
  118. الأعراف 7:195
  119. الأعراف 7:196
  120. الأعراف 7:197
  121. الأعراف 7:200
  122. الأعراف 7:202
  123. الأعراف 7:203
  124. الأعراف 7:205
  125. الأعراف 7:206
  126. الأنفال 8:1
  127. الأنفال 8:2
  128. الأنفال 8:5
  129. الأنفال 8:6
  130. الأنفال 8:7
  131. الأنفال 8:10
  132. الأنفال 8:11
  133. الأنفال 8:12
  134. الأنفال 8:13
  135. الأنفال 8:15
  136. الأنفال 8:16
  137. الأنفال 8:18
  138. الأنفال 8:20
  139. الأنفال 8:21
  140. الأنفال 8:23
  141. الأنفال 8:25
  142. الأنفال 8:27
  143. الأنفال 8:28
  144. الأنفال 8:30
  145. الأنفال 8:31
  146. الأنفال 8:33
  147. الأنفال 8:34
  148. الأنفال 8:36
  149. الأنفال 8:37
  150. الأنفال 8:39
  151. الأنفال 8:41
  152. الأنفال 8:42
  153. الأنفال 8:43
  154. الأنفال 8:44
  155. الأنفال 8:45
  156. الأنفال 8:47
  157. الأنفال 8:48
  158. الأنفال 8:49
  159. الأنفال 8:50
  160. الأنفال 8:53
  161. الأنفال 8:55
  162. الأنفال 8:58
  163. الأنفال 8:60
  164. الأنفال 8:61
  165. الأنفال 8:62
  166. الأنفال 8:65
  167. الأنفال 8:67
  168. الأنفال 8:68
  169. الأنفال 8:69
  170. الأنفال 8:71
  171. الأنفال 8:72
  172. الأنفال 8:73
  173. الأنفال 8:74

الأعراف 7:1

سورة الأعراف مكيةٌ غيرَ ثمانِ آياتٍ من قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ﴾، آيُها سِتٌّ ومِئَتا آيةٍ، وحروفُها أربعةَ عشرَ ألفًا وثلاثُ مئةٍ وعشرةُ أحْرُفٍ، وكَلِمُها ثلاثةُ آلافٍ وثلاث مئة وخمسٌ وعشرونَ كلمةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿المص (١)﴾. [١] ﴿المص﴾ قيل: معناه: أنا اللهُ الملك الصادق. قرأ أبو جعفر: بتقطيعِ الحروفِ يسكُتُ على كلِّ حرفٍ سكتة يسيرة، وتقدَّم الكلامُ على ذلك في سورةِ البقرةِ (١)، وموضِعُه رفيع بالابتداءِ. ... ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. (١) عند تفسير الآية (١) منها، وانظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤٤).

الأعراف 7:2

[٢] ﴿كِتَابٌ﴾ خبرُ مبتدأ (١) محذوفٍ؛ أي: هذا كتابٌ. ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآنُ. ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ أي: صيقٌ. المعنى: لا يضيقُ صدرُك بالإبلاغِ مخافةَ أن تُكَذَّبَ فيه، فإنما عليك البلاغ. ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي: بالكتابِ المنزلِ، فالكلامُ فيه تقديم وتأخيرٌ؛ أي: أُنزلَ عليك الكتابُ لتنذرَ به، فلا يكنْ في صدرِكَ حرجٌ منه. ﴿وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ عِظَة لهم. ... ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾. [٣] وقيل لهم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يعمُّ القرآنَ والسنَّةَ؛ لقولهِ تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ. ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ تطيعونهم في معصيةِ اللهِ. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ أي: تتَّعِظون قليلًا، حيثُ تتركونَ (٢) دينَ الله، و (ما) مزيدةٌ لتأكيدِ القِلَّة. قرأ ابنُ عامرٍ: (يَتَذَكَّرُونَ) بياء قبلَ التاء على أن الخطابَ بعدُ مع النبيِّ - ﷺ -، وكذا هو في مصاحفِ أهلِ الشام، والباقون: بتاء واحدة (١) "مبتدأ" زيادة من "ن". (٢) في "ن": "تتذكرون".

الأعراف 7:4

من غير ياءٍ قبلَها كما هي في مصاحِفِهم، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ (١): على أصلِهم في تحفيفِ الذال (٢). ... ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾ [٤] ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: وكثيرًا من القرى. ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ أي: أردْنا إهلاكَ أهلِها. ﴿فَجَاءَهَا﴾ أي: فجاء أهلَها. ﴿بَأْسُنَا﴾ عذابُنا. ﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا. ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ نائِمون نصفَ النهارِ، والقيلولةُ: استراحةُ نصفِ النهارِ وإنْ لم يكنْ (٣) نومٌ. ... ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾. [٥] ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: تضرُّعُهم وقولهم. ﴿إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بفعلِنا، اعترفوا حيثُ لم ينفعِ (١) "وحفص" سقط من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤٤). (٣) في "ن": "يك".

الأعراف 7:6

الاعتراف. وقرأ أبو عمرو، وهشام: (إذ جاءَهُمْ) وشبهَه بإدغامِ الذالِ في الجيم، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ... ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾. [٦] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: الأممَ عمَّا بلغوا؛ توبيخًا. ﴿وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ عَمَّا أُجيبوا؛ تقريرًا لذلكَ. ... ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ﴾ على المسؤولين ما عَمِلوا. ﴿بِعِلْمٍ﴾ عالمينَ بجميعِ ما صدرَ منهم. ﴿وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ عنهُم فيخفى علينا شيء من أحوالِهم. ... ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿وَالْوَزْنُ﴾ أي: القضاءُ. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: يومَ السؤال. ﴿الْحَقُّ﴾ العدلُ، وقيل: المرادُ: حقيقةُ الوزنِ، وقد وردَ في الحديث: (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٤٥).

الأعراف 7:9

"أَنَّهُ يُنْصَبُ مِيزَانٌ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ، كُل كِفَّةٍ بِقَدْرِ ما بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتُوزَنُ فِيهِ صحُف الأَعْمَالِ" (١). ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ﴾ رَجَحَتْ. ﴿مَوَازِينُهُ﴾ جمعُ ميزانٍ؛ لأنَّ لكلِّ عبدٍ ميزانًا، وقيلَ: جمعُ موزونٍ، وهو الحسناتُ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزونَ بالنجاةِ والثواب. ... ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ يجحدون. ... ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ﴾ ملَّكْناكم. (١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٢/ ٩٠) في معرض شرحه لهذه الآية، فقال: وقال الأكثرون: أراد به وزن الأعمال بالميزان، وذاك أن الله تعالى ينصب ميزانًا له لسان وكفتان، كل كفة بقدر ما بين المشرق والمغرب. واختلفوا في كيفية الوزن، فقال بعضهم: توزن صحائف الأعمال...

الأعراف 7:11

﴿فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أسبابًا تعيشون بها، جمعُ مَعِيشَةٍ، ولا تُهمزُ ياؤها؛ لأنها مَفاعِلُ من العَيْش. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فيما صنعتُ لكم. ... ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾. [١١] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ أي: آدمَ. ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ في ظهرِه، وذُكر آدمُ بلفظِ الجمع لأنه أبو البشرِ، ففي خَلقِه خلقُ مَنْ يخرجُ من صُلْبِهِ. ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدمَ، وتقدَّمَ مذهبُ أبي جعفرٍ في ضمِّ التاءِ من قوله: (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا)، والكلامُ عليه، وعلى تفسيرِ السجودِ مستوفىً في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الآية: ٣٤]. ... ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾. [١٢] ﴿قَالَ﴾ اللهُ: يا إبليسُ. ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ (لا) زائدة؛ أي: أيُّ شيءٍ منعَكَ من السجودِ وقتَ أمري؟ فيه دليل على أن مطلقَ الأمرِ للوجوبِ، وأنه على الفَوْرِ. ﴿قَالَ﴾ إبليسُ مجيبًا له:

الأعراف 7:13

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ لأنَّكَ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ والنارُ خير وأنورُ من الطينِ، وقد أخطأ الخبيثُ بتفضيلِ النارِ على الطينِ، وليس كذلك، وإنما الفضلُ لما فضَّلَه اللهُ، وقد فَضَّلَ الطينَ على النارِ، ولأن الترابَ سببُ الحياةِ للنباتِ والأشجارِ، والنار سببُ الهلاكِ. ... ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنةِ؛ لأنها مكانُ المطيعين. ﴿فَمَا يَكُونُ﴾ فما ينبغي. ﴿لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾ بمخالفةِ الأمرِ. ﴿فِيهَا﴾ وفيه تنبيهٌ على أن التكبُّرَ لا يليقُ بأهل الجنة. ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الذَّليلينَ. ... ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤)﴾ [١٤] ﴿قَالَ﴾ إبليسُ عندَ ذلك: ﴿أَنْظِرْنِي﴾ أَخِّرْني فلا تُمِتْني. ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورِهم وَقْتَ النفخةِ الآخرةِ عندَ قيامِ الساعة، قال ابنُ عباسٍ: أرادَ الخبيثُ أَلَّا يذوقَ الموتَ (١)؛ لأنه لا موتَ بعدَها، فلم يُجَبْ، وإنما أُنْظِرَ إلى الوقتِ المعلومِ، وهي النفخةُ الأولى، فيموتُ مَعَ مَنْ يموتُ. (١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٧٩).

الأعراف 7:15

﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ إلى وقتِ النفخةِ الأولى، وانظر فتنةً للعبادِ، ولبيانِ الطائعِ والعاصي، ولِيَعْظُمَ الأجرُ والوِزْرُ. ... ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ والغيُّ: الضلالُ والخَيْبةُ، ومعنى الكلام القَسَمُ؛ أي: فبإغوائِك إيايَ بواسطتِهم. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ﴾ أي: على صراطِكَ. ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي: لأجلسنَ لهم على طرقِ الإِسلامِ والخيراتِ، وأحولُ بينَهم وبينَها. ... ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ﴾ بِوَسْوَسَتي. ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ من جهةِ الآخرةِ، فَأُشَكِّكُهم فيها. ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ من جهةِ الدنيا، فأُرغِّبُهم فيها. ﴿وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ﴾ طرقِ الحسناتِ. ﴿وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ جمع شِمال: طرقِ السيئاتِ، رُوي أنه يأتي ابنَ آدمَ من جميعِ الجهاتِ إلَّا من فَوْق؛ لئلَّا يحولَ بينَ العبدِ والرحمةِ. تلخيصُه: أَسْعى في إغوائهم بكلِّ طريقٍ.

الأعراف 7:18

﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ مؤمنين، قالَ الخبيثُ ذلكَ ظنًّا، فأصابَ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]. ... ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا﴾ بالهمز، أي: مَعيبًا. ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا. ﴿لَمَنْ﴾ بفتح اللام؛ لأنها مُوَطِّئَةٌ لقسمٍ محذوفٍ تقديره: والله لَمَنْ. ﴿تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني آدمَ، وجوابُ القَسَم: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ﴾ أي: منكَ ومن أتباعِك من الجنِّ والإِنْسِ. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تلخيصُه: هذا الوعيدُ لمن تبعَكَ. ... ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَيَاآدَمُ﴾ أي: قلنا: يا آدَمُ. ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ فتصيرا (١) من الذين ظلموا أنفسَهم، تقدَّم اختلافُ القراءِ في قولهِ (حَيْثُ شِئْتُما) و (حَيْثُ شِئْتُمْ) في سورة البقرة. (١) في "ن": "فتصير".

الأعراف 7:20

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ ألقى في أنفسِهما سِرًّا. ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ﴾ بواوين، الأولى مضمومة، المعنى: زَيَّنَ لهما ما نُهِيا عنه ليكشفَ لهما ما سُتِرَ. ﴿عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ عَوْراتِهما؛ أي: فعلَ ذلكَ بهما ليريَهما ما يَسوءُهما، ولذلك سُميت سوءَة، وفي هذا دليل على (١) أن كشفَ العورةِ في غايةِ القُبْحِ في كلِّ زمانٍ، ثم بين الوسوسة فقال: ﴿وَقَالَ﴾ يعني: إبليسُ لآدمَ وحواءَ. ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا﴾ أي: إلا كراهةَ أن تكونا. ﴿مَلَكَيْنِ﴾ روحانِيَّيْنِ. ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ الباقينَ في الجنةِ لا تموتان، واستدلَّ بعضُ الناسِ بهذه الآية على فضلِ الملائكةِ على الأنبياءِ، قالَ ابنُ فُوْرَك: لا حجَّة في هذهِ الآيةِ؛ لأنه يُحتمل أن يريدَ مَلَكَين في ألَّا تكونَ لهما شهوةٌ في طعامٍ (٢)، وتقدَّمَ ذكرُ مذهبِ (٣) أهلِ السنَّةِ في تفضيلِ الأنبياءِ على الملائكةِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]. (١) "على" زيادة من "ن". (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ١٧٨). (٣) "مذهب" ساقطة من "ن".

الأعراف 7:21

﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَقَاسَمَهُمَا﴾ حلفَ لهما يمينًا مَوَثّقةً. ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ بحلفي، وإبليسُ أولُ مَنْ حلفَ كاذِبًا. ... ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿فَدَلَّاهُمَا﴾ حَطَّهما عن منزلتهِما. ﴿بِغُرُورٍ﴾ بباطلٍ؛ أي: خَدَعَهما بحلفِه، والغرورُ: إظهارُ النصحِ مع إبطانِ الغِشِّ. ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾ ليتَعرَّفاها. ﴿بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ ظهرتْ لهما عوراتُهما، وتهافتَ عنهما لباسُهما حتى أبصرَ كلٌّ منهما ما تَوارى عنهُ من عورةِ صاحبِه، وكانا لا يريان ذلك من أَنفسِهما، ولا أحدٌ منهما من صاحِبه، وكانَ لباسُهما نورًا يسترُهما، فاستحييا. ﴿وَطَفِقَا﴾ أَخَذا ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يُلْصِقان ورقةً بعدَ ورقةٍ. ﴿عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ وهو ورقُ التينِ حتى صارَ كالثوبِ؛ ليستَتِرا به، وهو يتهافتُ عنهما، وأصلُ الخَصْفِ: وَصْلُ الشيءِ بالشيء يسيرٍ أو غيرِه. ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾ عتابًا وتوبيخًا.

الأعراف 7:23

﴿أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ بينُها، فيه دلالةٌ أنهما كانا قد عَرَفا عداوةَ إبليسَ لهما، وحُذِّرا منه. ... ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿قَالَا﴾ معتذرين ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ ضَرَرْناها بالمعصيةِ. ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الهالكين. ... ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿قَالَ اهْبِطُوا﴾ يا آدمُ وحواءُ وإبليسُ. ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ متعادينَ، فَيُعادِيانِ إبليسَ ويُعاديهما. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ إلى تَقَضِّي (١) آجالِكم، وتقدَّمَ ذكرُ هبوطِ آدمَ وحواءَ وإبليسَ والحيةِ في سورةِ البقرةِ. ... ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾ يعني: فيها تعيشون. ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا﴾ أي: من الأرض. (١) في "ن": "أن تقضى".

الأعراف 7:26

﴿تُخْرَجُونَ﴾ للبعثِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلف، ويعقوبُ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء وضم الراء، والباقون: بضم التاء وفتح الراء (١). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلقنا لكم. ﴿لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ التي قصدَ الشيطانُ إبداءها، ونُغنيكم عن خصفِ الورقِ، رُوي أن العربَ كانوا يطوفون بالبيتِ عُراةً، ويقولون: لا نطوفُ في ثيابٍ عَصَيْنا الله فيها، فكان الرجالُ يطوفونَ بالنهارِ، والنساءُ بالليل عراةً، فنزلَتْ (٢)؛ أمرًا بالستر. قرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ بخلافٍ عنه: (يُوَارِي) بالإمالة (٣)، وهذه الآيةُ دليل على وجوبِ سترِ العورةِ، ولا خلافَ بينَ الأئمةِ في وجوبِ سترِها عن أعينِ الناسِ. واختلفوا في العورةِ ما هي؟ فقال أبو حنيفةَ: عورةُ الرجلِ ما تحتَ سُرَّتِهِ إلى تحتِ ركبتِه، والركبةُ عورة، ومثلُه الأَمَةُ، وبالأولى بطنُها وظهرُها؛ لأنه موضع مشتهىً، والمكاتَبَةُ وأمُّ الولدِ والمُدَبَّرَةُ كالأمَةِ، (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٧٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٠). (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٥). (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٠). وجميعُ الحرةِ عورةٌ إلا وجهَها وكَفَّيْها، والصحيحُ عنهُ أن قَدَميها عورةٌ خارجَ الصلاةِ لا في الصلاةِ، وقالَ مالكٌ: عورةُ الرجلِ فَرْجاه وفَخِذاهُ، والأَمَةُ مثلُه، وكذا المدبَّرَةُ والمعتقَةُ إلى أَجَلٍ، والحرَّةُ كلُّها عورةٌ إلا وجهَها ويديها، ويُستحبُّ عندَه لأمِّ الولدِ أن تَستر من جسدِها ما يجبُ على الحرةِ سترُه، والمكاتَبَةُ مثلُها. وقال الشافعيُّ وأحمدُ: عورةُ الرجلِ ما بينَ السُّرةِ والركبةِ، وليستِ الركبةُ من العورةِ، وكذا الأمَةُ، والمكاتبةُ وأمُّ الولدِ والمدبَّرَةُ والمعتَقُ بعضُها، والحرَّةُ كلُّها عورة سوى الوجهِ والكفَّين عندَ الشافعيِّ، وعندَ أحمدَ سوى الوجهِ فقط على الصحيح، وأما سُرَّةُ الرجلِ، فليستْ من العورةِ بالاتفاق. ﴿وَرِيشًا﴾ لباسَ زينةٍ تتجمَّلُون بها، فهي للأناسي كالريشِ للطائرِ، المعنى: أنزلَ لكم لباسينَ: أحدُهما لسترِ عوراتِكم، والآخرُ لجمالكم. ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ هو خشيةُ الله والتورُّعُ، وقيلَ: هو ما يُلْبَس من الدروع ويُتقى به. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابن عامرٍ، والكسائيُّ: (وَلبَاسَ) بنصبِ السين عطفًا على قوله: ﴿لِبَاسًا﴾، وقرأ الباقونَ: بالرفع على الابتداء، وخبرُه (خير)، وجعلوا (ذَلِكَ) صِلَةً في الكلام (١). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: إنزالُ اللباسِ. ﴿مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالَّةِ على فضلِه ورحمتِه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ فيعرفونَ نعمتَه. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥١).

الأعراف 7:27

﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ﴾ لا يُضِلَّنَكُم. ﴿الشَّيْطَانُ﴾ بأنْ يمنعَكُم دخولَ الجنةِ. ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ﴾ آدمَ وحَوَّاءَ. ﴿مِنَ الْجَنَّةِ﴾ بفتنتِه، النهيُ في اللفظِ للشيطان، والمعنى: نهيُهم عن اتّبَاعه. ﴿يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ ليريَ كلَّ واحدٍ سوءةَ الآخَر؛ أي: أخرجهما نازعًا ثيابَهما؛ لكونه سببَ النزعِ، ثم حذَّر منه مُعَلِّلًا فقالَ: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ جموعُه وأعوانُه ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ لأن الله سبحانه خلقَهم خَلْقًا لا يُرَوْنَ فيه، وإنما يُرَوْنَ إذا نُقِلُوا عن صورتهم. ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ أعوانًا ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ يزيدون في غَيِّهم. ... ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ كعبادةِ الصنمِ، وكشفِ العورةِ في الطوافِ. ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾ ولم يَكْفِهِمْ تقليدُهم حتى قالوا مفترين: ﴿وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ لاستحالتِها في حقِّه؛ لأن عادتَهُ جرتْ على الأمرِ بمحاسنِ الأفعال.

الأعراف 7:29

﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ إنكار يتضمَّنُ النهيَ عن الافتراءِ على الله، وتقدَّم اختلاف القراء في الهمزتين من كلمتين في سورةِ البقرة (١) عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وكذلكَ اختلافُهم في قوله: (بِالْفَحْشَاءِ أَتقولُونَ). ... ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ والتوحيدِ. ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: صَلُّوا. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ متوجِّهينَ للكعبةِ حيثُما صَلَّيتم، ولا تُؤَخِّروها حتى تعودوا إلى مساجِدِكم. ﴿وَادْعُوهُ﴾ اعبدوه. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ العبادةَ، ولما أنكروا البعثَ، قالَ محتجًا عليهم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ أنشأَكُمْ حُفاةً عُراةً. ﴿تَعُودُونَ﴾ بإعادتِه، فيجازيكم على أعمالِكم. ... ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾. (١) في جميع النسخ "النساء" والصواب ما أثبت.

الأعراف 7:30

[٣٠] ﴿فَرِيقًا هَدَى﴾ أي: هداهم اللهُ بأنْ وَفَّقهم للإيمانِ ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ﴾ أي: وجبَ ﴿عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ بمقتضَى القضاءِ السابقِ؛ أي: وخذلَ فريقًا. ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ تعليل لخذلانِهم. ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يدلُّ على أن الكافرَ المخطئ والمعاندَ سواءٌ في استحقاقِ الذنبِ. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وأبو جعفرٍ: (وَيَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾. [٣١] قالَ أهلُ التفسير: كان بنو عامرٍ يطوفونَ بالبيتِ عُراة، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ (٢) لباسَكُم. ﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ كُلَّما صلَّيتم أو طُفْتم، وفيه دليلٌ على وجوبِ سترِ العورةِ في الصلاةِ، والحكمُ كذلكَ بالاتفاق. ﴿وَكُلُوا﴾ اللحمَ والدسمَ. ﴿وَاشْرَبُوا﴾ اللبنَ؛ لأن طائفةً كانوا في حَجِّهم لا يأكلونَ إلا قوتًا. ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ في شيءٍ ما. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ أي: لا يرضَى فعلَهم، وفي معنى قوله (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٣). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٩٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٤٣٦).

الأعراف 7:32

تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناسِ: الحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ. ... ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ هي ما سترَ العورةَ، وكلُّ ما يُتَجَمَّلُ به الإنسان (١) من الثيابِ وغيرِها حلالًا. ﴿وَالطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ ﴿مِنَ الرِّزْقِ﴾ من المآكلِ والمشاربِ. ﴿قُلْ هِيَ﴾ أي: الزينةُ والطيباتُ. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فيه حذفٌ تقديره: هي للمؤمنين والمشركين في الدنيا، وللمؤمنين. ﴿خَالِصَةً﴾ أي: مختصَّة بهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ لا يُشاركهم فيها غيرُهم. قرأ نافع: (خَالِصةٌ) بالرفع على أنها خبرٌ بعدَ خبرٍ، أو خبرُ ابتداءٍ تقديرُه: وهي خالصة يومَ القيامة، وقرأ الباقون: بالنصب على الحال و (٢) القطع؛ لأن الكلام قد تمَّ دونه (٣). (١) "الإنسان" زيادة من "ن". (٢) في "ن": "أو". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٣).

الأعراف 7:33

﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ أي: كتفصيلنا هذا الحكمَ نفصلُ سائرَ الأحكامِ لهم. ... ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ ما قَبُحَ فحشُه، ويعمُّ كلَّ فاحشةٍ، قرأ حمزة: (ربِّي الْفَوَاحِشَ) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١). ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ جهرَها وسرَّها. ﴿وَالْإِثْمَ﴾ الذنبَ ﴿وَالْبَغْيَ﴾ الظلمَ والكِبْرَ. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حُجَّةً وبرهانًا. ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من التحريمِ والتحليلِ. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مُدَّة، وهو وعيدٌ لأهلِ مكةَ. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ انقضَتْ مُدَّتُهم. ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يتأخَّرونَ، ولا يتقدمونَ، وقُيِّدَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٤).

الأعراف 7:35

بساعةٍ؛ لأنها أقلُّ ما يُستعملُ في الإمهال، وذلكَ حينَ سألوا العذابَ، فأنزلَ اللهُ هذهِ الآيةَ، ويُستدَلَّ بهذا على أن المقتولَ إنما يُقْتَلُ بأَجَلِهِ، وأجلُ الإنسانِ هو الوقتُ الذي يعلمُ الله أنه يموتُ الحيُّ فيه لا محالةَ، كما أن أَجَلَ الدَّيْنِ هو وقتُ حُلوله، وتقدَّم اختلافُ القراء في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ في سورةِ النساء عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافُهم في قولِه: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ). ... ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الخطابُ في هذه الآيةِ لجميعِ الأممِ، و (إن) الشرطيةُ دخلَتْ عليها (ما) لتأكيدِ معنى الشرط، لذلكَ جازَ دخولُ (النون الثقيلة) على الفعلِ، وإذا لم تكنْ (ما)، لم يجزْ دخولُ (النون الثقيلة)؛ أي: إنْ يَأْتِكُم، أخبرَ أنه أرسلَ إليهم الرسلَ منهم؛ لتكونَ إجابتُهم أقربَ، وتَحَصَّلَ من هذا الخطابِ لحاضري محمدٍ - ﷺ - أنَّ هذا حكمُ اللهِ في العالَم منذُ أنشأه، وَ (يَأْتِيَنَّكمْ) مستقبلٌ وُضعَ موضعَ ماضٍ؛ ليفهمَ أن الإتيانَ باقٍ وقتَ الخطابِ، لتقوى الإشارةُ بصحةِ النبوةِ إلى محمدٍ - ﷺ -. ﴿يَقُصُّونَ﴾ والقصصُ: إتباعُ الحديثِ بعضِه بعضًا. ﴿عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ أحكامي، وجوابُ الشرطِ: ﴿فَمَنِ اتَّقَى﴾ الشركَ. ﴿وَأَصْلَحَ﴾ العملَ.

الأعراف 7:36

﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ إذا خافَ الناسُ. ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إذا حَزِنوا. ... ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾ تَكَبَّروا عن الإيمانِ بها. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وإدخالُ الفاءِ في الخبرِ الأولِ دون الثاني للمبالغةِ في الوعدِ، والمسامحةِ في الوعيد. ... ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ جعلَ له شريكًا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بالقرآن. ﴿أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: ما قُدِّرَ لهم من خيرٍ وشَرٍّ في اللوح المحفوظِ. ﴿حَتَّى﴾ غاية لما يصلُ إلى الكفار. ﴿إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا﴾ عندَ انقضاءِ ذلك. ﴿يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ يقبضون أرواحَهم؛ يعني: ملكَ الموتِ وأعوانَه.

الأعراف 7:38

﴿قَالُوا﴾ يعني: الرسلَ للكفارِ: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ تعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: أين آلهتكم فيذبُّونَ عنكم؟ سؤالُ تبكيتٍ وتقريع. ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ غابوا فلم نَرَهُمْ. ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ عندَ معاينةِ الموتِ. ﴿أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ اعترفوا بالضلالِ فيما كانوا عليه. ... ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿قَالَ﴾ يعني: يقولُ اللهُ لهم يومَ القيامةِ: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: معَ جماعاتٍ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ مضتْ. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ يعني: كفارَ الأممِ الخاليةِ. ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ أي: المماثلةَ لها؛ لضلالِها بها (١). ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا﴾ تَلاحَقوا ﴿فِيهَا جَمِيعًا﴾ واجتمعوا في النارِ. ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ﴾ السفلةُ والأتباعُ. (١) في "ت": "به".

الأعراف 7:39

﴿لِأُولَاهُمْ﴾ القادةِ والرؤساءِ، ومعنى لأُولاهم؛ أي: لأجلِ أولاهم؛ لأنَّ خطابَهم مع اللهِ لا مَعهم. ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ عن الهدى، وتقدَّم التنبيهُ على اختلافِ القراءِ في الهمزتينِ عند قولِه: (لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتقولُونَ) [الأعراف: ٢٨]، وكذلك اختلافُهم (هَؤُلاَءِ أَضَلُّونا). ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ مُضاعَفًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾ لأنهم ضلُّوا، وأَضَلُّوا. ﴿قَالَ﴾ اللهُ: ﴿لِكُلٍّ﴾ من القادةِ والأتباعِ. ﴿ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ما لكلِّ واحدٍ من العذابِ. قراءة (١) الجمهورِ: (تَعْلَمُونَ) بالخطاب، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ بالغيب (٢)؛ أي: لا يعلمُ الأتباعُ ما للقادةِ، ولا القادةُ ما للأتباعِ. ... ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَقَالَتْ أُولَاهُمْ﴾ القادةُ ﴿لِأُخْرَاهُمْ﴾ للأتباع: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: نحن وأنتم في الكفرِ سواءٌ، فَثَمَّ تعالى يقولُ لهم جميعًا: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾. ... (١) في "ن": "قرأ". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٧).

الأعراف 7:40

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ أي: لا يصعَدُ لهم عملٌ صالح. قرأ أبو عمرو (تُفْتَحُ) بالتأنيثِ والتخفيف، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالتذكير والتخفيف، والباقون: بالتأنيثِ والتشديدِ (١). ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ﴾ يدخل. ﴿الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ثُقْبِ الإبرةِ، المعنى: هؤلاء لا تُجاب أدعيتُهم، ولا يدخلون الجنةَ أبدًا. ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثلَ ذلكَ الجزاءِ. ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركينَ. ... ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ فِراشٌ. قرأ أبو عمرو، ورويسٌ عن يعقوبَ: (جَهَنَّم مهَادٌ) بإدغام الميم في الأولى في الثانية (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٥٨). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =

الأعراف 7:42

﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ جمعُ غاشيةٍ؛ وما يُغَطِّيهم من أنواع العذابِ. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الكفارَ، رُوي عن يعقوبَ الوقفُ بالياء على (غَوَاشِي). ... ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتَها من الخيرِ والعملِ الصالحِ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ... ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] عن عليٍّ رضي الله عنه قال: فينا واللهِ أهلَ بَدْرٍ نزلَتْ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ حقدٍ كانَ بينَهم في الدنيا، وإن كانتْ نازلةً في الصحابة رضي الله عنهم، فهي عامةٌ في جميعِ أهلِ الجنة؛ لأنهم لا يتحاسدون ولا يتباغضون، وقال علي أيضًا: "إِنِّي لأرجو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ مِنَ الذينَ قالَ لهم اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ " (١). = (ص: ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦١). (١) انظر: "تفسير عبد الرزاق الصنعاني" (٢/ ٢٢٩)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٤٧٨)، والدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٤٥٧).

الأعراف 7:44

﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ زيادة في لَذَّتِهم وسرورِهم. ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ وَفَّقَنا. ﴿لِهَذَا﴾ لما جزاؤه هذا ﴿وَمَا كُنَّا﴾ قرأ ابن عامرٍ: (مَا كُنَّا) بغير واو (١). ﴿لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ وجوابُ (لولا) محذوفٌ؛ أي: فلولا هدايةُ الله، ما كنا نهتدي، فعندَ معاينةِ أهلِ الجنةِ صدقَ إخبارِ الرسلِ - ﷺ -، قالوا: سرورًا. ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فَثَمَّ أُكرِموا ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا﴾ أُعطيتُموها. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بسببِ أعمالِكم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامرٍ: (أُورِثْتُمُوهَا) بإظهارِ الثاءِ، والباقون: بالإدغام (٢). ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا﴾ من الثوابِ ﴿حَقًّا﴾ صِدْقًا. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٢). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٢).

الأعراف 7:45

﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ﴾ من العقابِ. ﴿حَقًّا﴾ تقديرُه: وعد ربُّكم، فحذفَ (كُمْ) لدلالة (نا) الأول عليه؛ لأن وعدَ يُستعملُ في الخيرِ والشرِّ. ﴿قَالُوا نَعَمْ﴾ وأجاب الكفار بنعم دون بلى؛ لأنَّ (نعم) جوابُ استفهامٍ دخلَ على إيجاب، وهو (وَجَدْتُم)، و (بلى) جوابُ استفهامٍ دخلَ على نفي؛ نحو: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]. قرأ الكسائيُّ: (نَعِم) بكسر العين حيثُ وقعَ، والباقون: بفتحها، وهما لغتان (١). ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: نادى منادٍ أسمعَ الفريقين. ﴿أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين. قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ: (مُوَذِّن) بفتح الواو بغيرِ همز (٢)، وقرأ نافع، وأبو عمرو، ويعقوبُ، وعاصمٌ: (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) بإسكانِ النونِ مخففةً، ورفعِ (لَعْنَةٌ)، واختلفَ عن قنبلٍ راوي ابنِ كثير، وقرأ الباقون: بتشديد النون، ونصبِ (لَعْنَةً) (٣). ... ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يَصْرِفون الناسَ ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾ طاعةِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٣). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٣). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٣).

الأعراف 7:46

﴿اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يطلبون اعوجاجَها، ويذُّمونها، فلا يؤمنون بها ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ﴾. ... ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ أي: بينَ الجنةِ والنارِ. ﴿حِجَابٌ﴾ مانعٌ ليمنعَ وصولَ أثرِ إحداهما إلى الأُخرى، وهو السورُ المعروفُ بالأعراف، جمعُ عُرْفٍ؛ سُمِّي بذلكَ؛ لارتفاعه، ومنهُ عُرفُ الديكِ؛ لارتفاعِه على ما سواهُ من جسدِه. ﴿وَعَلَى الْأَعْرَافِ﴾ أي: أعالي الحجاب، وهو السورُ الذي ذكره اللهُ في قوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ [الحديد: ١٣]. ﴿رِجَالٌ﴾ هم قومٌ استوَتْ حسناتُهم وسيئاتُهم، فقصرتْ بهم سيئاتُهم عنِ الجنة، وتجاوزت بهم حسناتُهم عن النار، فوقفوا هناكَ حتى يقضيَ الله فيهم ما شاءَ، ثم يُدخلُهم الجنةَ بفضلِ رحمتِه، وهم آخرُ من يدخلُ الجنةَ. ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا﴾ من أهلِ الجنةِ والنارِ ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامَتِهم، وهي بياضُ الوجهِ للمؤمنين، وسوادُه للكافرين. ﴿وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: إذا نظروا إليهم، سَلَّموا عليهم، وقيل: المعنى: سَلِمْتُم من العقوبة. ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ أي: أصحابُ الأعرافِ لم يدخلوا الجنةَ. ﴿وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ في دخولها، فيدخلونها بعد، قالَ الحسنُ: "واللهِ

الأعراف 7:47

ما جعلَ اللهُ ذلكَ الطمعَ في قلوبهم إلا لخيرٍ أرادَهُ بهم" (١). ... ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ أبصارُ أهلِ الأعرافِ. ﴿تِلْقَاءَ﴾ ظَرْفٌ؛ أي: تُجاهَ. ﴿أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فعرفوهم، ﴿قَالُوا﴾ مستعيذينَ داعينَ: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: الكافرين في النار، وتقدَّم اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتين في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥]، وكذلك اختلافهم في ﴿تِلْقَاءَ أَصْحَابِ﴾. ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ من رؤساءِ الكفرةِ. ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ المالُ والولدُ في الدنيا. ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الإيمان. ... (١) رواه عبد الرزاق الصنعاني في "تفسيره" (٢/ ٢٣٠)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٤٨٨). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٤٦٦).

الأعراف 7:49

﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾. [٤٩] ثم يقولون للكفار، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو جهلِ بنُ هشامٍ ونحوُهما؛ تنبيهًا على الأبرارِ ممن دخلَ الجنةَ، وهم سَلْمانُ (١)، وصُهَيْبٌ، وخَبَّابٌ، وبلالٌ وأشباهُهم الذين كانوا يحتقرونهم لفقرهم: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتُم. ﴿لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ أي: لا يدخلون الجنةَ؛ ثم يقالُ لأصحابِ الأعراف: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ لا تخافون على ما يأتي، ولا تحزنون على ما فات. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ بخلافٍ عن ابنِ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ: (بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا) (خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ) بضم التنوين في الوصل (٢). ... ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا﴾ صُبُّوا. ﴿عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾ وَسِّعوا علينا. (١) في "ن": "سليمان". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٣، ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٥).

الأعراف 7:51

﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من طعام الجنة، وفيه دليل على أنَّ الجنةَ فوقَ النار، وتقدَّم التنبيه على اختلافِ القراءِ في حكم الهمزتين من كلمتين عندَ قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وكذلك اختلافهم في ﴿مِنَ الْمَاءِ أَوْ﴾. ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا﴾ يعني: الماءَ والطعامَ. ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ منعَهما عنهم. ... ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ كتحريمِ البَحيرةِ وأخواتِها، والمُكَاءِ والتَّصْدِيَةِ حولَ البيتِ، وغيرها مما كانوا يفعلونَ (١) في الجاهلية. ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ﴾ نفعلُ بهم فعلَ (٢) الناسين، فنتركُهم في النار ﴿كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ فلم يُخْطِروه ببالِهم. ﴿وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ يُنكرون أنها من عند الله. ... ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾. (١) في "ن": "يفعلونه". (٢) في "ن": "كما فعل".

الأعراف 7:52

[٥٢] ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ﴾ يعني: القرآنَ. ﴿فَصَّلْنَاهُ﴾ أحكامًا وقصَصًا. ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: عالِمينَ بتفصيلِه. ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ أي: جعلناه هاديًا وذا رحمةٍ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم المنتفعونَ به. ... ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرونَ. ﴿إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ما يؤول إليه من (١) أمرهم يومَ القيامةِ من الوعيد ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ جزاؤه. ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ اعترافًا حينَ لا ينفعُ. ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا﴾ حقيقةً. ﴿بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا﴾ اليومَ. ﴿مِنْ شُفَعَاءَ﴾ استفهامٌ فيهِ معنى التمنِّي. ﴿فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ إلى الدنيا. ﴿فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وجوابُ الاستفهامِ. (١) "من": زيادة من: "ت".

الأعراف 7:54

﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أهلَكوها. ﴿وَضَلَّ﴾ بطلَ. ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ فلمْ ينفعْهم. ... ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مقدارها؛ لأن اليومَ من لَدُنْ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها، ولم يكنْ يومئذٍ يومٌ ولا شمسٌ، وخلقَهُنَّ فيهنَّ تعليمًا لخلقه التثبُّتَ والتأنِّي؛ لأنه سبحانه كان قادرًا على خلقهنَّ في لمحةٍ (١)، وقد جاءَ في الحديث: "التَّأنِّي مِنَ اللهِ، وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢). ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواءً يليقُ بعظمتِه بِلا كيفٍ، وهذا من المشكِلِ الذي يجبُ عندَ أهل السُّنَّةِ على الإنسانِ الإيمانُ به، ويَكِلُ العلمَ فيه إلى الله عَزَّ وَجَلَّ، وسُئِلَ الإمامُ مالكٌ رضي الله عنه عن الاستواءِ فقالَ: "الاستواءُ معلومٌ؛ يعني: في اللغة، والكيفُ مجهولٌ، والإيمانُ بهِ واجبٌ، والسؤالُ (١) في "ن": "كلمحة". (٢) رواه يعقوب بن سفيان في "المعرفة والتاريخ" (٣/ ٣٨٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (٤٢٥٦)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (١٠/ ١٠٤)، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-. عنهُ بِدْعَةٌ" (١)، وسُئِل الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، فقال: "هُوَ كما أخبرَ، لا كما يخطرُ للبشَرِ" (٢)، والعرشُ في اللغة: هو السريرُ، وخُصَّ العرشُ بالذكرِ تشريفًا له؛ إذ هو أعظمُ المخلوقات. ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يُغَطِّي أحدهما بالآخرَ، وفيهِ حذفٌ؛ أي: ويُغْشي النهارَ الليلَ، ولم يُذْكَرْ؛ لدلالةِ الكلامِ عليه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصم، وخلفٌ، ويعقوبٌ: (يُغَشِّي) بالتشديد مع فتح الغين، وله قولٌ بإسكانِ الغين والتخفيفِ (٣). ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾ يَعْقُبُه سريعًا. ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ. ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بمشيئته. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) كلُّها بالرفع على الابتداء والخبرِ، فالشمسُ مبتدأ، والبقيةُ معطوفة عليه، وخبرُه (مُسَخَّراتٌ)، وقرأ الباقونَ: بالنصبِ وكسرِ التاء من (مُسَخَّرَاتٍ) تاء جمع المؤنث السالم عطفًا على قوله: (خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ)، فتنصب (مُسَخَّراتٍ) حالًا (٤). (١) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٣٩٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦). (٢) انظر: "اعتقاد أهل السنة" للالكائي (٣/ ٤٠١). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٨). (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، =

الأعراف 7:55

﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ﴾ جميعًا ﴿وَالْأَمْرُ﴾ بأن يأمرَهم ويحكُمَ فيهم ما شاء. ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: دامَ ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ وتعظَّمَ بالتفرد في الربوبية. ... ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ تذلُلًا ﴿وَخُفْيَةً﴾ سِرًّا. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَخِفْيَةً) بكسر الخاء، والباقون: بالضم (١)، وقد أثنى الله على زكرياء بقوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]، قال الحسنُ: "بينَ دعوةِ السرِّ ودعوةِ العلانيةِ سبعون ضِعْفًا" (٢)، ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوتٌ، إن كان إلا همسًا بينَهم وْبينَ ربِّهم. ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ المتجاوزينَ برفعِ الصوتِ والتشدُّقِ في الدعاءِ. ... ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالظلمِ والشركِ. = و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٦٩). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٠). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١١٠).

الأعراف 7:57

﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ بالعدلِ ببعثِ الأنبياءِ وشرعِ الأحكامِ. ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا﴾ من الردِّ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الإجابة. ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ ذُكِّرَ (قريبٌ) على تأويلِ أنها الثوابُ ﴿مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ و (رَحْمَتَ) رُسمت بالتاء في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، والكسائيُّ، ويعقوبُ (١). ... ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرِّيحَ) بغيرِ ألف بعدَ الياء، والباقون: بالألف (٢). ﴿بُشْرًا﴾ قرأ عاصمٌ (بُشْرًا) بالباء الموحدة وضمِّها وإسكانِ الشين؛ أي: تبشِّرُ بالمطر، وقرأ ابنُ عامرٍ: بالنونِ وضمِّها وإسكانِ الشين، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتحِ النونِ وإسكانِ الشين، وقرأ الباقون: (١) انظر: "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" للداني في باب: ذكر ما رسم في المصاحف من هاءات التأنيث (ص: ٢٤)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٢/ ٢٤٢)، والمواضع السبعة هي: في هو و ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي﴾، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾، وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، ﴿رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ وفي الروم: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٠). بضمِّ النونِ والشينِ، جمعُ نشُور (١)، والقراءة بالنون معناها على القراءات كلِّها متفرقةً، وهي الرياحُ التي تهبُّ من كل ناحيةٍ. ﴿بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قُدَّامَ ﴿رَحْمَتِهِ﴾ نعمتِه، وهو المطرُ. ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ﴾ حملَتِ الرياحُ. ﴿سَحَابًا﴾ جمعُ سحابةٍ. ﴿ثِقَالًا﴾ بالماءِ. ﴿سُقْنَاهُ﴾ أي: السحابَ، وقيلَ: المطرُ. ﴿لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ محتاجٍ إلى الماء. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصم: (مَيِّتٍ) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (٢). ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾ أي: بالبلد، وقيل: بالسحاب ﴿الْمَاءَ﴾ يعني: المطرَ. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالبلدِ، وقيل: بالسحابِ. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ مثلَ إخراجِنا النباتَ. ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ منَ الأجداثِ ونُحييها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتؤمنونَ بالبعثِ. وتقدَّمَ اختلاف القراءِ في تخفيفِ (تَذْكُرونَ) في أولِ السورةِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١١)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٣)، ورويت بخلاف عن عاصم.

الأعراف 7:58

﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ثم ضربَ مثلًا لمن ينتفعُ بالوعظ، ولمن لا ينتفعُ به بعدَ ذكرِ المطرِ وإخراجِ النباتِ والثمراتِ تشبيهًا له بها فقال: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ﴾ أي: الأرضُ الكريمةُ التربةِ. ﴿يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ حسنًا. ﴿وَالَّذِي خَبُثَ﴾ كالسَّبخةِ ونحوِها. ﴿لَا يَخْرُجُ﴾ نباتُه. ﴿إِلَّا نَكِدًا﴾ عسرًا. قرأ أبو جعفرٍ: (نَكَدًا) بفتح الكاف مصدرًا؛ أي: ذو نكد، والباقون: بكسرها (١)، وعن أبي جعفر وجهٌ: (لا يُخْرِجُ) بضمِّ الياء وكسر الراء، وعنه: وجهٌ آخرُ بضمِّ الياءِ وفتحِ الراء، فالأولُ مثَلُ المؤمنِ الذي يسمعُ القرآنَ فيعقلُه وينتفعُ به، والثاني مَثَلُ الكافرِ الذي لا يسمعُ القرآنَ، فلا يؤثِّر فيه كالبلدِ الخبيثِ. ﴿كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ﴾ نُردِّدها ونوضِّحُها. ﴿لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ نعمةَ الله. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ١١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٤).

الأعراف 7:59

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٥٩)﴾ [٥٩] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ اللام في (لَقَدْ) للتأكيدِ المنبِّهِ على القسم، أقسمَ اللهُ تعالى أنّه أرسلَ نوحًا، وتقدَّمَ ذِكْرُ نوحٍ -عليه السّلام-، ونسبُه، وقدرُ عمره، ومحلُّ قبرِه في سورةِ آلِ عمرانَ، بعثه اللهُ إلى قومِه وهو ابنُ خمسينَ سنةً، وقيل: ابنُ أربعينَ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وقيلَ: ابنُ مئتين وخمسين، وقيل: ابنُ ثلاثِ مئةٍ وخمسين، وقال مقاتل: ابنُ مئةِ سنةٍ، وقال وهبُ بنُ منبِّهٍ: بُعث نوحٌ وهو ابنُ أربعِ مئةِ سنةٍ، وهو أولُ نبيٍّ بعثه اللهُ بعدَ إدريس، وكان نجارًا، ومن أولادِه سامٌ وحامٌ ويافثٌ، فسامٌ هو أبو العربِ وفارسَ والرومِ وأهلِ الشامِ وأهلِ اليمنِ، وكان هو القيِّم بعدَ نوحٍ في الأرض، ومن ولدِهِ الأنبياءُ كلُّهم، عربُهم وعجمُهم، وجعلَ اللهُ في ذريته النبوةَ والكتابَ، وهو الّذي اختطَّ مدينةَ القدسِ، وأَسَّس المسجدَ الأقصى، وكان مَلِكًا عليها، وحامٌ أبو السودانِ وأهلِ الهندِ والسندِ والزنْج والحبشةِ والنوبةِ وكلِّ جلدٍ أسودَ، ويافثٌ أبو التركِ ويأجوجَ ومأجوجَ والفرنجِ. ﴿فَقَالَ﴾ لقومِه، وكانوا أهلَ أوثانٍ: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه﴾ وَحِّدُوهُ. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُه﴾ قرأ أبو جعفرِ، والكسائيُّ: (غَيْرِهِ) بكسر الراء على نعتِ الإلهِ حيثُ وقعَ، والباقونَ: بالرفع، على التقديم؛ أي: ما لكم غيرهُ من إلهٍ (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، =

الأعراف 7:60

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إنَّ لم تؤمنوا. ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ، أو يومُ الطوفان. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١). * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. [٦٠] ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: الأشرافُ، فإنهم يملؤون العيونَ والنفوسَ. ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ﴾ خطأٍ ﴿مُبِينٍ﴾ واضحٍ. ** * ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. [٦١] ﴿قَالَ﴾ هو نوحٌ: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ أي: شيءٌ من الضلال، وهي أعمُّ، وفي نفيِها نفيُ جميعِ الضلالِ؛ نحو: ألكَ تمرٌ؟ ويقولُ: ولا تمرةٌ، ثمّ استدرَكَ مؤكِّدًا نفيَ الضلالةِ فقالَ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ المعنى: ولكني على هُدًى في الغاية؛ لأني رسولٌ من الله. ... = و"تفسير البغوي" (٢/ ١١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٥). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٧).

الأعراف 7:62

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿أُبَلِّغُكُمْ﴾ أُوصلُ إليكم. ﴿رِسَالَاتِ رَبِّي﴾ بالأحكامِ، وجُمِعَ الرسالاتُ؛ لاختلاف أوقاتها؛ أو لتنوُّعِ معانيها. قرأ أبو عمرٍو: (أُبْلِغُكُمْ) بالتخفيفِ من الإبلاع، والباقون: بالتشديد من التبليغ. ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ وحقيقةُ النصحِ: إرادةُ الخيرِ لغيرِه كما يريدهُ لنفسه. ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن عقابَه لا يُرَدُّ عن القومِ المجرمين. * * * ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ﴾ ألفُ استفهامٍ دخلتْ على واوِ العطف لمعنى التقرير والتوبيخِ، تقديره: أَكَذَّبْتُم وعَجِبتم. ﴿أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ﴾ موعظةٌ. ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ على لسانِه. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ﴾ العذابَ إنَّ لم تؤمنوا. ﴿وَلِتَتَّقُوا﴾ اللهَ ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ بالتقوى. ***

الأعراف 7:64

﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ من الطوفان. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ السفينةِ، وهم من آمن به، وكانوا أربعين رجلًا، وأربعين امرأة. ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالطوفانِ. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ﴾ عُمْي القلوب. * * * ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ أي: وأرسلْنا إلى عادٍ، وهم ولدُ عادِ بنِ عوصِ بنِ عبدِ الله بنِ سامِ بنِ نوحٍ، وهي عادٌ الأولى. ﴿أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في النَّسبِ لا في الدِّينِ، هو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ رباحِ بنِ الخلودِ بنِ عادِ بنِ عوصِ بنِ إرَمِ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، بعثه الله إلى عادٍ نبيًّا، وكان من أوسطِهم نسبًا، وأفضلِهم حسبًا، وهودٌ اسمٌ (١) أعجميٌّ، وانصرَفَ لخفتِه؛ لأنّه على ثلاثةِ أحرفٍ، وبعثه اللهُ بعدَ نوحٍ وقبلَ إبراهيم، وكانت عادٌ ثلاثَ عشرةَ قبيلةً ينزلونَ الرمالَ رملَ عالجٍ، وكانوا أهلَ بساتينَ وزروعٍ وعمارةٍ، بنَواحي حضرموتَ باليمنِ، فسخطَ اللهُ عليهم، فجعلهم مفاوزَ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، وهم جَبَّارونَ، طِوالُ القاماتِ، فبُعثَ إليهم (١) "اسم" ساقطة من "ن".

الأعراف 7:66

بالتوحيدِ وتركِ الظُّلْمِ، ولم يأمْرهم بغيرِ ذلك. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ تقدَّمَ اختلافُ (١) القراء في (إِلَهٍ غَيْرُهُ) في الحرفِ المتقدم ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ نقمته. * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ﴾ يا هودُ. ﴿فِي سَفَاهَةٍ﴾ جهالةٍ وخِفَّةِ عقلٍ حيثُ تركتَ دينَ قومِك. ﴿وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في رسالتِكَ. * * * ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿قَالَ﴾ هودٌ: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧)﴾. * * * ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ﴾ أدعوكم إلى التوبة. ﴿أَمِينٌ﴾ على الرسالة. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (أُبَلِّغُكُمْ) في الحرف المتقدِّم. (١) في "ش": "خلاف".

الأعراف 7:69

﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ يعني: نفسَه. ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ أي: سكانَ الأرضِ من بعدِ إهلاكِهم. ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ قوةً وطولًا، وكانَ طولُ الطويلِ منهم مئةَ ذراع، والقصيرِ ستين ذراعًا. قرأ خلفٌ لنفسِه، وعن حمزةَ، والدوريُّ عن أبي عمرٍو، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (بَسْطَةً) بالسين؛ لأنّها الأصل، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصم، وروحٌ عن يعقوبَ: بالصاد بدلًا من السين، واختلف عن قنبلٍ والسوسيِّ وابنِ ذكوانَ وحفصٍ وخلادٍ، ورسمُها بالصادِ (١). ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نِعَمَهُ ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تدركونَ البغيةَ والآمال. * * * ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ أي: مفردًا موحَّدًا. ﴿وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأصنامِ؟ (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٨)، وقد ذكرت القراءة بالصاد عن نافع والكسائي والبزي وابن ذكوان.

الأعراف 7:71

﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قالوا ذلكَ له استهزاءً. * * * ﴿قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿قَالَ﴾ هود ﴿قَدْ وَقَعَ﴾ وَجَبَ ﴿عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ عذابٌ ﴿وَغَضَبٌ﴾ سخطٌ. ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أو وضعتموها. ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٌ وبرهان؛ أي في أشياء سميتموها آلهةً، وليس فيها معنى الإلهية، وكانت الأصنام يعبدونها ويسمونها بأسماء مختلفة، وهي: صُداءُ، وصَمُودُ، والهُبَاءُ، وكانوا قد فَشَوْا في الأرض، وقهروا أهلَها بقوَّتهم. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزولَ العذابِ. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ فأُرسلتِ الريحُ العقيمُ عليهم، فدخلوا بيوتَهم، فأخرجَتْهم الريحُ منها، وأَهالت عليهم الرمالَ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيامٍ، ثمّ رمتْ بهم في البحر. * * * ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٧٢)﴾.

الأعراف 7:72

[٧٢] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ يعني: هودًا ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنينَ. ﴿بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ بأَنْ جُعلوا في حظيرة ما يصلُ إليهم من الريح إِلَّا ما يُلَيِّنُ عليهم جلودهم. ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: استأصلناهم عن آخرِهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ أي: هلكَ الكفارُ، ونجا المؤمنون. ويُروى أنّه كان من عادٍ شخصٌ اسمهُ لُقمانُ، وهو غيرُ لقمانَ الحكيمِ الّذي كانَ على عهدِ داودَ النبيِّ -عليه السّلام-، ولحقَ هودٌ حين أُهلك قومُه بمن آمنَ معه بمكَّة، فلم يزالوا فيها حتّى ماتوا فيها، وقيل إنَّ قبرَه بحضرموتَ، ورويَ (١) أن النبيَّ من الأنبياءِ كان إذا هلكَ قومُه، أقام بصالحيه بمكةَ يعبدونَ اللهَ حتّى يموتون (٢). * * * ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ هو ثمودُ بنُ عابرِ بنِ إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ، والمراد هنا: القبيلةُ، وقيلَ: سُميت ثمودَ؛ لقلةِ مائِها، والثَّمَدُ: الماءُ القليلُ، (١) في "ن": "ويروى". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١١٦ - ١١٧). وكانت مساكنُهم الحِجْرَ بينَ المدينةِ الشريفةِ والشامِ، وكانوا عربًا يعبدونَ الأصنامَ. ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: أرسلْنا إلى ثمودَ أخاهم في النَّسبِ لا في الدِّينِ. ﴿أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ هو ابنُ عبيدِ بنِ أسفِ بنِ ماسحِ بنِ عبيدِ بن حاذرِ بنِ ثمودَ. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وبالغَ صالحٌ في الإنذارِ، وادَّعى (١) النبوةَ وقال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ﴾ حجةٌ ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، فقالَ سيدُهم جُندعُ بنُ عمرٍو: تُخرِجُ لنا من هذهِ الصخرةِ ناقةً مُخْتَرِجَةً وَبْراءَ عُشَراءَ، والمخترجةُ: ما شاكلَتِ البخت من الإبل، فقال: إنَّ فعلتُ تؤمنوا؟ قالوا: نعم، فأخذَ مواثيقَهم على ذلك، فتمخَّضَتِ الصخرةُ عن ناقةٍ كما أرادوا، ثمّ نُتِجَتْ مثلَها في العِظَم. ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ أضافها إلى الله على التفضيل؛ لأنّها جاءت من عندِه بلا وسائطَ (٢) وأسبابٍ معهودةٍ. ﴿لَكُمْ آيَةً﴾ نصبٌ على الحالِ. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ﴾ من المرعى ﴿فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾، فالأرضُ له، والناقةُ ناقته، لا اعتراضَ لكم عليها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ بِعَقْرٍ وَلا ضَرْبٍ. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فآمنَ جُندعُ ورهطُه. (١) في "ن": "وادعاء". (٢) في "ن": "بلا واسط".

الأعراف 7:74

﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٧٤)﴾. [٧٤] ولما هلكت عادٌ، خلفتها ثمودُ في الأرض، وعَمَّروا القصورَ، ونحتوا البيوتَ في الجبال، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ﴾ أَنْزَلَكُم. ﴿فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا﴾ أي: تبنونَ من سهولها بما تعملون من اللَّبِنِ والآجُرِّ. ﴿وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾ كانوا ينقبونَ في الجبال البيوتَ، ففي الصيفِ يسكنون بيوتَ الطين، وفي الشتاءِ بيوتَ الجبلِ. ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ نعمَه. ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ والعَيْثُ: أَشَدُّ الفسادِ. * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿قَالَ الْمَلَأُ﴾. قرأ ابنُ عامرٍ (وَقَالَ الْمَلأُ) بواو، وقرأ الباقون: بغير واو (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧٩).

الأعراف 7:76

﴿الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني: الأشرافَ والعامةَ الذين تعظَّموا عن الإيمانِ بصالح. ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ يعني: الأتباعَ. ﴿لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ يعني: قالَ الكفارُ للمؤمنين: ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ إليكم. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ لا شكَّ عندَنا فيه. * * * ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ جاحِدونَ. * * * ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾. [٧٧] فلما أَضَرَّتِ النَّاقَةُ بمواشيهم، كَمَنَ لها قُدار بنُ سالفٍ بطريقِها بجماعةٍ تسعةٍ، وكمنَ لها مصدعُ بنُ مِهْرجٍ بطريقٍ آخرَ، فمرَّتْ بمصدعٍ فرماها بسهمٍ، فانتظمَ ساقَها، وشدَّ قُدارٌ عليها، فَعَرْقَبَها بالسيفِ، فخرَّتْ ورَغَتْ تحذِّرُ سَقَبَها، ثمّ طَعَنَ في لَبَّتِها فنحَرها هو ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ عَرْقَبوها فقتلوها، واقتسموا لحمَها، فجاءَ صالحٌ فرآهُ الفصيلُ فبكى، ثُمَّ رغَا ثلاثًا، فانفجرتِ الصخرةُ الّتي خرجتْ منها أمُّه فدخَلَها، وكانَ يومَ الأربعاء.

الأعراف 7:78

﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ واستكبروا عن امتثالِهِ، فقال صالحٌ: انتهَكْتُمْ حرمةَ اللهِ، فأبْشِروا بعذابِه ونِقْمته، وقالوا وهم يستهزئون: ومتى ذلكَ يا صالح؟ قال: تعيشونَ بعدَه ثلاثةَ أيّام تصفرُّ وجوهُكم أولَ يومٍ، وتحمرُّ في الثّاني، وتسوَدُّ في الثّالث، ويُصَبِّحُكُم العذابُ في الرّابع، وكان كذلك، فاستهزَؤوا ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. * * * ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلةُ الشديدةُ، وجاءتهم صيحةٌ من السَّماء فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ، فتقطَّعَتْ قلوبُهم فماتوا. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ بعضُهم على بعضٍ. * * * ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿فَتَوَلَّى﴾ أعرضَ. ﴿عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾: لم تقبلوا نُصْحي، ناداهُم بذلك توجُّعًا على ما فاتَهُ من إسلامهم، وتوبيخًا لهم، كما خاطبَ رسولُ الله - ﷺ - أهلَ قَليب بَدْرٍ وقال: "إِنَّا وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا" (١)، وسارَ (١) رواه البخاريّ (٣٧٥٧)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (٢٨٧٤)، كتاب: الجنَّة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميِّت من =

الأعراف 7:80

صالحٌ إلى فلسطين، ثمّ انتقل إلى الحجاز يعبدُ الله إلى أن ماتَ بمكةَ، وقيل: بحضرموتَ، وهو ابنُ ثمانٍ وخمسينَ سنةً، وأقامَ في قومِه عشرين سنةَ، وقيل: إنّه أقامَ بعدَ مهلكِ قومِه بفلسطينَ، وأن قبرَه بالمغارةِ الّتي بالجامعِ الأبيضِ بالرَّمْلَةِ، وهودٌ وصالحٌ عَرَبيان، وكذلكَ شعيبٌ وإسماعيلُ. * * * ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿وَلُوطًا﴾ أي: وأرسلْنا لوطًا، وتقدَّمَ ذكرهُ في سورةِ الأنعامِ، ولوطٌ اسمٌ أعجميٌّ صُرِفَ لخفَّتِه، لأنّه على ثلاثةِ أحرفٍ وهو ساكنُ الوَسَط. ﴿إِذْ قَالَ﴾ أي: وقتَ قوله. ﴿لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهلُ سَدومَ وقُراها، وهي (١): عَمُورا، وأَدْم، وأَصْبُوئِن، ولُوشَع، وكان لوطٌ قد هاجرَ مع عمِّهِ إبراهيمَ -عليه السّلام- إلى الشامِ، فنزل إبراهيمُ فلسطينَ، وأنزلَ لوطًا الأردنَّ، وهو نهرُ الشريعةِ شرقيَّ بيتِ المقدسِ، فأرسله الله إلى أهل سدومَ، فقالَ لهم مستفهمًا على جِهَةِ التوبيخ: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: السيئة القبيحةَ، وهي إتيانُ الذكورِ (٢). = الجنَّة أو النّار عليه، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-. (١) في "ن": "وهم". (٢) في "ن": "الرجال".

الأعراف 7:81

﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ رُوي أنّه لم تكن هذه المعصية في أمةٍ قبلَه، عَلَّمَهم إياها الخبيثُ إبليسُ. * * * ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿إِنَّكُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (إِنكمْ) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ، والباقونَ: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم تسهيلًا وتحقيقًا وفصلًا (١)، كما تقدَّمَ في سورة الأنعامِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]. ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ في أدبارِهم. ﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ يعني: أدبارُ الرجالِ أشهى عندَكم من فروج (٢) النساءِ. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مجاوزونَ الحلالَ إلى الحرام؛ وتقدَّمَ حكمُ الزِّنا واللواطِ ومذاهب الأئمة فيه في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ [النساء: ١٥]. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٣٢، ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٢٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٠). (٢) في باقي النسخ: "دون".

الأعراف 7:82

﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ بعدَ موعظتِه إياهم. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ أي: قالَ بعضُهم لبعضٍ: ﴿أَخْرِجُوهُمْ﴾ أي: لوطًا وأَتباعَهُ. ﴿مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ ثمّ قالوا استهزاءً: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ هو يَتَنَزَّهونَ عن أدبارِ الرجالِ. * * * ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ المؤمنينَ. ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الماضينَ؛ لأنّها كانتْ مواليةً لهم، فهلكَتْ معهم. * * * ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ حجارةً، وقيلَ: الكبريت، قال أبو عبيدة: يقالُ في العذابِ: (أَمْطَرَ)، وفي الرّحمة (مَطَرَ) (١) ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٢٨).

الأعراف 7:85

﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. [٨٥] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ هو ابنُ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصّلاة والسلام، سميت المدينةُ باسمه، وهي (١) على بحر القُلْزُمِ تحاذي تبوكَ على نحوِ ستِّ مراحلَ، وهي البئرُ الّتي استقى منها (٢) موسى لسائمةِ شعيبٍ، وهي في عصرِنا منزلةٌ للحجاجِ المتوجِّهين من مصرَ وبيتِ المقدسِ إلى مكةَ المشرفةِ، وتسمَّى في هذهِ الأزمنةِ مغارةَ شُعيب، والمغارةُ في لحفِ الجبلِ، وفيها شجرٌ عظيمٌ من الجانبِ الغربيِّ، وقومُ شعيبٍ هم أصحابُ الأيكة، وكانت الأيكةُ من شجرٍ مُلْتَفٍّ. ﴿أَخَاهُمْ﴾ أي: أرسلْنا إليهم أخاهم في النَّسَبِ لا في الدِّينِ. ﴿شُعَيْبًا﴾ واختُلِفَ في نسبه، فقيل: هو ابنُ ثوبهَ (٣) بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وقيل: ابنُ مَيْكيكَ بنِ يَشْجُرَ بنِ مدينَ بنِ إبراهيمَ، وأُمُّ ميكيكَ بنتُ لوطٍ، وكان شعيبٌ أعمى، وكان يقال له: خَطيبُ الأنبياءِ، لحسنِ مراجعتِه قومَه، وكانوا أهلَ كفرٍ وبَخْسٍ للمكيالِ والميزانِ، وكانوا يظلمونَ الناسَ. (١) في "ن": "وهو". (٢) في "ن": "به"، وفي "ظ" و"ت" و"ش": "بها". (٣) في "ن": "ذوبة".

الأعراف 7:86

﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ على صِدْقي، ولم تُذْكَرْ معجزاتُه في القرآنِ كما يذكَرُ جميعُ معجزاتِ محمدٍ - ﷺ -، ومن معجزاتِهِ تَغَصُّنُ العَصا، وحملُها أيَّ ثمرةٍ شاءَ موسى، وحملُها متاعَ موسى في رعايةِ الغنمِ، ومحاربةُ عدوٍّ إن عرضَ لهُ، وأن تصيرَ كالدَّلْوِ يسقي بها غنمَهُ إنَّ احتاجَ، فإنَّ ذلكَ كانَ معجزةً لشُعيبٍ؛ لأنّ موسى لم يكنْ بعدُ نبيًّا. وكان الغريبُ إذا دخلَ إلى قومِهِ، أخذوا دراهَمه، وقالوا: هي زُيوفٌ، فيقطِّعونَها ثمّ يشترونَها بنُقصانٍ، وربما أعطوهُ بدلَها زُيوفًا، فقال: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أَتِمُّوهُ ﴿وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا﴾ تنقُصوا ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ حقوقهم. ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ ببعثِ الرسلِ وتوضيحِ الشرائع. ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: العدلُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في الدنيا والدين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ مصدِّقين قولي. * * * ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ طريقٍ من طرقِ الحقِّ ﴿تُوعِدُونَ﴾ مَنْ آمنَ بشعيبٍ العقوبةَ.

الأعراف 7:87

﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينِهِ ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ تطلبونَ اعْوِجاجَها بإلقاءِ الشُّبَهِ للناس نَهْيِهم عن الإسلام. ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ بَعْدَ قلَّةِ العَدَد والعُدَدِ بالبركةِ في النسلِ والمالِ (١). ﴿وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي: آخِرَ أمْرِ قوم لوطٍ. * * * ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ فصِرْتُم فريقين: مُصدِّقين ومكذِّبين. ﴿فَاصْبِرُوا﴾ فانتظروا ﴿حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا﴾ بإنجاءِ المؤمنين، وإهلاكِ الكافرين. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنّ الحكَمُ العدل، وليس هذا أمرًا بالمقام على الكفر، ولكنه وَعيدٌ وتهديدٌ. * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ يعني: الرؤساءَ الذين تعظَّموا عن الإيمانِ لشعيبٍ وأتباعِهِ: (١) في "ن": "والولد".

الأعراف 7:89

﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ لترجِعُن. ﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ ديننِا، ولم يكنْ شعيبٌ قطُّ على دينهم، وإنّما تناولَهَ الخطابُ تغليبًا للجَمْع على الواحد؛ لأنّ مَنْ تبعَه كانَ منهم. ﴿قَالَ﴾ شعيبٌ ﴿أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ﴾ أي: وإن كُنَّا كارهينَ فتجبرونا على الخروج عليه (١)؟ * * * ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾. [٨٩] ثمّ استأنفَ قائلًا: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ أي: ما أكذَبَنا على الله. ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا﴾ ثمّ قال مشيرًا إلى أن لا حكمَ له: ﴿وَمَا يَكُونُ﴾ وما يَصِحُّ ﴿لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ خِذْلاننا فنعود، وفيه دليلٌ على أن (٢) الكفرَ بمشيئته. ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ أحاطَ علمهُ بكلِّ شيءٍ. ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ فيما تُوعِدوننا به، ثمّ دعا شعيبٌ بعدما ما أَيِسَ من صلاحِهم فقال: (١) "على الخروج عليه" زيادة من "ن". (٢) "أن" ساقطة من "ن".

الأعراف 7:90

﴿رَبَّنَا افْتَحْ﴾ اقض ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ والفَتَّاحُ: القاضي ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ القاضِينَ. * * * ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا﴾ وتركتُمْ دينَكُم. ﴿إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ مَغْبونونَ. * * * ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩١)﴾. [٩١] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلةُ، وأهلَكَهم اللهُ بسحابةٍ أمطرَتْ عليهم نارًا يومَ الظُّلَةِ، وذلك أنّهم رَأَوا حَرًّا شديدًا، فدخَلُوا الأسرابَ، فوجدُوها أشدَّ حَرًّا، فخرجوا منها، فرأَوا سحابةً، فاستظلُّوا بها، فأمطرَتْ عليهم نارًا، فاحترقوا، وصاروا رمادًا. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ سبقَ تفسيرُه في قصةِ صالحٍ. ولما نزلَ بهمُ العذابُ، نَجَّينا شعيبًا بمن آمنَ معه إلى الموضعِ المعروفِ بأيلةَ، ويأتي ذكرُه في السورةِ إن شاء الله تعالى. قال أبو عبد الله البجلي: كانَ أبو جادٍ، وهَوَّز، وحُطِّين، وكَلَمُنْ، وسَعْفص، وقُرِشَتْ، مُلوكَ مَدْيَنَ، وكان ملِكُهم في زمنِ شُعيبٍ يومَ الظُّلَّة كَلَمُن، فلما هلكَ قالتِ ابنتُه تبكيه: كَلَمُنَ قد هَدَّ رُكْنِي هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحِلَّهْ

الأعراف 7:92

سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتَاهُ الْحَتْفُ نارًا تَحْتَ ظُلَّهْ جُعِلَتْ نَارًا عَلَيْهِمْ دَارُهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّهْ (١) * * * ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ يُقيموا ﴿فِيهَا﴾ والمغاني: المنازلُ، واحدُها مَغْنَى. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾ دينًا ودنيا، لا الذين اتَّبَعُوه كما زعمَ الكفارُ. * * * ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُم﴾ أعرضَ شعيبٌ من بينِ أظهُرِهم حينَ أتاهُمُ العذابُ. ﴿وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ قالَه تأسُّفًا لشدةِ حزبه عليهم، ثمّ أنكرَ على نفسِه فقال: ﴿فَكَيْفَ آسَى﴾ أَحْزَنُ ﴿عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ بعدَ إنذاري لهم، ومبالغتي في نُصْحِهم، وقبرُ شعيبٍ بقريةِ حِطِّينَ من أعمالِ مدينةِ صَفَد، مسافتُها عن بيتِ المقدسِ نحوُ ثمانيةِ أيّام. * * * (١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (١٢/ ٥٦٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٠ - ١٣١). فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الثالث اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر فتح الرحمن

الأعراف 7:94

تَتِمَّة سُورَة الأعْرَاف ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤)﴾. [٩٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ فيه إضمارٌ، يعني: فكذبوه. ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ﴾ الفقرِ ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرضِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ ليتذلَّلوا ويتوبوا. * * * ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ﴾ الشدةِ ﴿الْحَسَنَةَ﴾ الرخاءَ. ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ كَثُروا عددًا وأموالًا (١)، فَطَغَوا. ﴿قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ أي: ليسَ ما أصابنا بالابتلاء، وإنّما هذا (٢) دأبُ الدهرِ ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بنزولِ العذابِ. (١) في "ن": "أموالًا وعددًا". (٢) في "ش": "هو".

الأعراف 7:96

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى﴾ المكذِّبينَ. ﴿وَاتَّقَوْا﴾ المعاصيَ. ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (لَفَتَّحْنَا) بتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف (١). ﴿بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لجاءَهم المطرُ والخصبُ، وعمَّهُم الخيرُ من كلِّ جهةٍ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعاصي. * * * ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾. [٩٧] ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى﴾ المكذبونَ، وهم أهلُ مكةَ ومَنْ حولَها، الاستفهامُ للإنكارِ، والفاءُ للعطفِ نظيرُه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. ﴿أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا ﴿بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿وَهُمْ نَائِمُونَ﴾. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢، ١١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٢).

الأعراف 7:98

﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: (أَوْ أَمِنَ) بسكون الواو، جعلوها (أو) العاطفةَ تكونُ لأحدٍ الشيئين؛ كقولك: ضربتُ زيدًا أو عَمْرًا؛ وورشٌ يحذفُ الهمزةَ، ويلقي فتحتَها على الواو الساكنة، فتتصل فتحةُ الواو بكسرةِ الميم في اللّفظ، والباقون: بفتح الواو، وجعلوها واوَ العطف دخلَتْ عليها ألفُ الاستفهام (١)، نظيره: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ﴾ [البقرة: ١٠٠]. ﴿أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى﴾ أي: نهارًا، والضحى: صَدْرُ النهار وقتَ انبساطِ الشّمسِ. ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ لاهُونَ من فرطِ الغفلةِ. * * * ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ استدراجَه إياهم بما أنعمَ عليهم في دنياهم. ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين خَسِروا بالكفرِ. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٢)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٢/ ٣٨٣).

الأعراف 7:100

﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾. [١٠٠] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ أي: يُبَيَّنْ. قرأ العامة: (يَهْدِ) بالياء، وقرأ زيدٌ عن يعقوبَ: بالنون على التعظيم. ﴿لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾ أي: يسكنونها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا﴾ الهالكينَ. ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ أهلَكْناهم كما أَصَبْنا مَنْ قبلَهم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ) كاختلافِهم فيها من (السُّفَهَاءُ أَلَا) في سورةِ البقرةِ. ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ كمَنْ تقدَّمَهم ﴿وَنَطْبَعُ﴾ نختمُ. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تفهُّمٍ واعتبار. * * * ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (١٠١)﴾. [١٠١] ﴿تِلْكَ الْقُرَى﴾ المذكورةُ وأهلُها؛ يعني: قومَ نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وقومَ لوطٍ وشعيبٍ. ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾ أخبارِها؛ لما فيها من الاعتبارِ.

الأعراف 7:102

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ المعجزاتِ. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عندَ مجيءِ الرُّسلِ بالبيناتِ. ﴿بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ قيامِ المعجزاتِ، المعنى: لم تؤثرْ فيهم الموعظةُ، واستمروا على الكفرِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ختمِنا على قلوبِ الكافرينَ قبلَكَ. ﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ من قومِك فلا يؤمنونَ. * * * ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾. [١٠٢] ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ﴾ أي: الناسِ. ﴿مِنْ عَهْدٍ﴾ أي: وفاءِ عهدٍ. ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ﴾ أي: عَلِمْناهم. ﴿لَفَاسِقِينَ﴾ خارجينَ عن الطاعةِ، و (إنْ) للنفي، و (اللام) بمعنى إِلَّا، التقدير: وما وجَدْنا أكثرَهم إِلَّا فاسقينَ. * * * ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٠٣)﴾. [١٠٣] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعدِ الأنبياءِ المتقدِّمِ ذكرُهم، وأممهم. ﴿مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ يعني: المعجزاتِ.

الأعراف 7:104

﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا﴾ أي: كفروا ﴿بِهَا﴾ والظلمُ: وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه، فظلمُهم وضعُ الكفرِ موضعَ الإيمان. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وكيفَ فعلنا بهم. * * * ﴿وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾. [١٠٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما دخلَ على فرعونَ: ﴿يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فقال فرعونُ، كذبتَ. * * * ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٠٥)﴾. [١٠٥] فقال موسى ﴿حَقِيقٌ﴾ من الحقّ. ﴿عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ قرأ نافعٌ: (عَلَيَّ) بتشديد الياءِ وفتحِها على أنّها ياءُ الإضافة، معناه: حقٌّ واجبٌ عليَّ، وقرأ الباقونَ: (عَلَى) على أنّها جرٌّ (١)، معناهُ: جديرٌ بألَّا أقولَ إِلَّا الحقَّ. ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ اليدِ والعصا. ﴿فَأَرْسِلْ﴾ أطلِقْ. ﴿مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وخَلِّهِمْ حتّى يرجِعوا إلى الأرضِ المقدسةِ الّتي هي (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٥).

الأعراف 7:106

وطنُ آبائِهم، وكانَ فرعونُ قد استعبدَهُم بعدَ موتِ يوسفَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). * * * ﴿قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿قَالَ﴾ فرعونُ ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ على دعواكَ. ﴿فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدعوى، وكان بينَ دخولِ يوسفَ مصرَ ودخولِ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ. * * * ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿فَأَلْقَى﴾ موسى ﴿عَصَاهُ﴾ من يدِهِ. ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ﴾ هو ذَكَرُ الحياتِ، عظيمُ الجسمِ ﴿مبِينٌ﴾ ظاهرٌ أمرُهُ. قال ابنُ عباسٍ: "لما أَلْقَى العَصا، صارتْ حَيّةً عظيمةً صفراءَ شعراءَ فاغرةً فاها، ما بين لَحْيَيْها ثمانون ذراعًا، واضعةً لَحْيَها الأسفلَ في الأرضِ، والأعلى على سورِ القصر، ثمّ تنفَّسَتْ في البيوتِ والخزائنِ، فاشتعلتْ نارًا، وجعلتْ تهيجُ كالجملِ، ولها صوتٌ كالرَّعد، وحملتْ على الناسِ، فانهزموا وصاحوا، وماتَ منهم خمسةٌ وعشرونَ ألفًا، قتلَ بعضُهم بعضًا، وتوجَّهَت نحوَ فرعونَ لتأخذَهُ، فوثبَ من (٢) سريرِه هاربًا، وأحدَثَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٦). (٢) في "ن": "عن".

الأعراف 7:108

في ثيابِه، وأخذتِ الحيةُ أذياله (١) حتّى رمى نفسَه خلفَ السريرِ وصاحَ: يا موسى! أَنْشُدُكَ بالذي أرسلَكَ! خُذْها وأنا أؤمن بكَ، وأُرسلُ معكَ بني إسرائيل، فأخذها موسى، فعادت عصًا كما كانت" (٢). * * * ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾. [١٠٨] فلما نظرَ فرعونُ إلى ذلك، قال: يا موسى! لقد تعلمتَ سحرًا عظيمًا، هل عندَكَ غيرُ هذا؟ قالَ: نعم ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أدخلَها جيبَهُ ثمّ نزعَها. ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ لها شعاعٌ يغلبُ نورَ الشّمس، ثمّ أَدخلها جيبَهُ فصارَتْ كما كانت. * * * ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩)﴾. [١٠٩] فّثّمَّ ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ بالسحر. * * * ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾. [١١٠] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ﴾ معشرَ القبطِ. ﴿أَرْضِكُمْ﴾ مصرَ. ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ تشيرون؟ هذا من قولِ فرعونَ، وما قبلَه من قولِ الملأ. (١) في "ن": "بأذياله". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٣٤).

الأعراف 7:111

﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾. [١١١] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملأُ. ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾ المعنى: اتركِ التعرُّضَ له بالقتلِ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ: (أَرْجِئهُو) بالهمزِ وضمِّ الهاء ووصلِها بواو، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بالهمزِ وبكسرِ الهاءِ، ولا يصلُها بياء، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بالهمزِ والضمِّ من غيرِ صلة، والباقون: بغير همزٍ، ثمّ نافعٌ بروايةِ ورشٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ يُشبعونَ الهاءَ كَسْرًا، ويُسكنها عاصمٌ، وحمزةُ، ويختلِسُها أبو جعفرٍ، وقالونُ (١)، وكذلك اختلافُهم في حرفِ الشعراءِ. ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ﴾ هي مدائنُ بالصعيدِ من نواحي مصرَ. ﴿حَاشِرِينَ﴾ جامعينَ. ... ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾. [١١٢] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (سَحَّارٍ) على وزنِ فَعّال مبالغةً، وأمال فتحةَ الحاءِ الدوريُّ عن الكسائيِّ، والسحارُ: هو العالِمُ المعلمُ السحر. وقرأ الباقون: (سَاحِر) على وزنِ فاعِل (٢)، والساحرُ: من يعلمُ ولا يعلِّمُهُ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٧ - ٢٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٦ - ٢٢٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٧ - ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٢)، =

الأعراف 7:113

﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣)﴾. [١١٣] ﴿وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بعدما أرسلَ الشُّرَطَ في طلبِهم، قيلَ: كانوا ثمانينَ ألفًا، متقدَّمُهم شمعونُ، وقيلَ غيرُ ذلك، فلما اجتمعوا. ﴿قَالُوا﴾ لفرعونَ ﴿إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ أي: جُعْلًا. ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ وحفصٌ: (إِنَّ لَنَا) بهمزة واحدة على الخبر، أخبروا أَنهم يستحقُّون على غَلَبِهم موسى جُعْلًا، والباقون: بهمزتين على الاستفهام (١)؛ أي: أَتجعلُ لنا جُعلًا؟ وهم على أُصولهم تسهيلًا وتحقيقًا وفصلًا كما تقدَّمَ في سورةِ الأنعامِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٩]. * * * ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾. [١١٤] ﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿نَعَمْ﴾ لكم عليَّ جعلٌ. ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ في المنزلةِ عندي. * * * = و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٧). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٦ - ٢٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٣٢، ١١١ - ١١٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٨).

الأعراف 7:115

﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (١١٥)﴾. [١١٥] فعندَ اجتماعِهم بالإسكندريةِ ﴿قَالُوا﴾ تأدُّبًا. ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاكَ ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ آلاتِنا. * * * ﴿قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾. [١١٦] ﴿قَالَ﴾ موسى: بل ﴿أَلْقَوْا﴾ أنتم. ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا﴾ آلاتِهم. ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ صَرَفوها عن إدراكِ حقيقةِ سحرِهم بما فعلوهُ من التَّمْويهِ والتَّخْييلِ. ﴿وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أخافوهم لما رَأَوا منَ الحيَّاتِ أمثال الجبالِ يركبُ بعضُها بعضًا، وكانتِ الأرضُ الملقى فيها مِيلًا في مِيل. ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ في فَنِّه. * * * ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾. [١١٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، فصارت حيةً سدَّتِ الأفقَ، وفتحتْ فمهَا ثمانينَ ذراعًا. ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تبتلعُ.

الأعراف 7:118

﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ يَكْذِبون، فابتلعَتْ جميعَ ما أَلْقَوا، وقصدتِ القومَ، فهلكَ في الزحام منهم خمسةٌ وعشرونَ ألفًا، فأخذها موسى، فعادت عصًى. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (تَلْقَفُ) بإسكانِ اللام وتخفيفِ القاف، والباقون: بفتح اللام وتشديد القاف، والبزيُّ يشدِّدُ التاءَ وصلًا على إدغامٍ في التاء من تتلقف (١). * * * ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾. [١١٨] ﴿فَوَقَعَ﴾ أي: ظهرَ ﴿الْحَقُّ﴾ أنّه مع موسى. ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر، وقالوا: لو كان موسى ساحرًا، لبقيتْ عِصيُّنا. * * * ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾. [١١٩] فعلموا أن ذلكَ من أمرِ الله ﴿فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ ذليلين. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٣، ١١٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠).

الأعراف 7:120

﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠)﴾. [١٢٠] ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ خَرُّوا سُجَّدًا لله تعالى متطارحين. قرأ أبو عمرٍو: (السَّحَرةَ ساجِدِينَ) بإدغام التاء في السين. * * * ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١)﴾. [١٢١] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. * * * ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. [١٢٢] فقال فرعون: إياي تعنون؟ فقالوا: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾. * * * ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣)﴾. [١٢٣] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالله. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (آمنتم) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبر، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ بِهِ) يُبدل في حال الوصلِ من همزةِ الاستفهامِ واوًا مفتوحةً، ويمدُّ بعدَها مدة في تقديرِ أَلِفين، والباقون: بهمزتين على الاستفهامِ، فحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ، وروحٌ عن يعقوبَ: يقرؤون بتحقيقِ الهمزتينِ على الأصلِ، والباقونَ بتحقيقِ الأولى وتسهيلِ الثّانية (١)، ولم يُدْخِلْ أحدٌ ألفًا بينَ الهمزةِ المحقَّقةِ والمسهَّلة في (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٢)، =

الأعراف 7:124

هذا المحلِّ كما أدخلَها مَنْ أدخلَها منهم في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وبابِهِ؛ لكراهيةِ اجتماعِ ثلاثِ أَلِفاتٍ بعدَ الهمزةِ، ومعنىَ الكُلِّ إنكارٌ؛ أي: أَصَدَّقْتُم بموسى، وآمنتم بربِّهِ. ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ أي: من غيرِ أَمْري إياكم. ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الّذي صنعتُم أنتمْ وموسى. ﴿لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ﴾ لَحِيَلةٌ احْتَلْتُموها. ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾ في مصرَ قبل أن تخرُجوا إلى هذا الموضعِ. ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾ القبطَ، وتخلصُ لكم ولبني إسرائيلَ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ما فعلتم. * * * ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾. [١٢٤] وهو تهديدٌ مجملٌ تفصيلُه: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ من كلِّ شِقٍّ طَرَفًا، وهو أولُ مَنْ قطعَ من خلافٍ وصَلَبَ. ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ على شاطئ نهرِ مصرِ؛ تفضيحًا لكم، وتنكيلًا لأمثالِكم. * * * ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥)﴾. [١٢٥] وكان موسى قد قالَ للسحرةِ لكبيرهم: أتؤمنُ بي إِنْ غلبتُك؟ = و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٠ - ٣٩١).

الأعراف 7:126

فقال: لآتينَّ بسحرٍ لا يغلبُه سحرٌ، وإن غَلَبتني لأومننَّ بكَ، وفرعونُ يسمعُ، فلذلك قالَ ما قال. ﴿قَالُوا﴾ يعني: السحرةُ لفرعونَ: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ راجعونَ إلى الآخرة، فيرحَمُنا ويُثيبنا، فلا نُبالي بعذابِك. * * * ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. [١٢٦] ثمّ قالوا توبيخًا: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا﴾ أي: تكرَهُ مِنَّا. ﴿إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ وهو خيرُ الأعمالِ، ثمّ فزعوا إلى اللهِ فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ أي: ارزقْنا صبرًا كثيرًا يفيضُ علينا عندَ القطعِ والصَّلْبِ. ﴿وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ ثابِتينَ على الإسلامِ، فقطعَ أيديَهم وأرجُلَهم، وصَلَبهم، وقيل: إنّه لم يقدرْ عليهم، لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، ورُوي أنّه آمنَ بموسى عندَ إيمانِ السحرةِ سِتُّ مئةِ ألفٍ. * * *

الأعراف 7:127

﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (١٢٧)﴾. [١٢٧] و ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ لهُ: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بتغييرِ الناسِ عليكَ، ودعوتِهم إلى مخالفتِكَ. ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ مَعْبوداتِك، فلا يعبدُكَ ولا يعبدُكَ، لأنّه كانَ قد أمرَ قومَه بعبادةِ الأصنامِ، فقالَ؛ هذه آلهتُكم، وأنا رَبُّها وربُّكم، ولذلكَ قالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقيل: كان له بقرةٌ يعبدُها، فلذلك أخرجَ لهم السامريُّ عِجْلًا، وقيل: كانَ يعبدُ الكواكبَ، وقيل: الشمسَ. المعنى: أيكونُ منكَ تركُ موسى، ويكونُ تركُهُ إياكَ فلا يلتفِتُ إليكَ؟! ﴿قَالَ﴾ فرعونُ: ﴿سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (سَنَقْتُلُ) بفتحِ النونِ وإسكانِ القافِ وضمِّ التاءِ من غيرِ تشديدٍ، من القتلِ، وقرأ الباقون: بضمِّ النونِ وفتحِ القافِ وكسرِ التاءِ وتشديدِها، من التقتيلِ، على التكثيرِ (١). ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ نتركُهم أحياءً كفعلِنا بهم قبلُ، وتقدَّمَ ذكرُ قِصتهم في القتلِ في سورةِ البقرةِ. ﴿وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ غالِبونَ، وهم مقهورونَ تحتَ أيدينا. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٣).

الأعراف 7:128

﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾. [١٢٨] فأعادَ فرعونُ عليهمُ القتلَ، فشكَتْ بنو إسرائيل ذلكَ، فَثَمَّ: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ﴾ أرضَ مصرَ. ﴿يُورِثُهَا﴾ يُعطيها ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وعدٌ لهم بالنصرِ. * * * ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾. [١٢٩] ﴿قَالُوا﴾ يعني: قومَ موسى. ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ بالرسالةِ بقتلِ الأبناءِ. ﴿وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ بإعادةِ القتلِ علينا. ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ فرعونَ. ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يُسْكِنَكم أرضَ مصرَ. ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ من طاعةٍ وعصيانٍ، فيجازيكم، فحقَّقَ اللهُ ذلكَ، وأغرقَ فرعونَ، واستخلَفَهم فيها، فعبدوا العجلَ. * * *

الأعراف 7:130

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾. [١٣٠] ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ أي: سِني القحطِ لأهلِ البوادي. ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهلِ الأمصارِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون فيؤمنون؛ لأنّ البلاءَ يرقِّقُ القلوبَ، ويرغِّبُ في الآخرَة، رُوي أن فرعونَ عاشَ أكثرَ من ستِّ مئةِ سنةٍ، وملكَ أربعَ مئةِ سنةٍ لا يَرى مكروهًا فيها، ولو رآه، لما ادَّعى الربوبيةَ. * * * ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾. [١٣١] ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ الخصبُ والسَّعَةُ. ﴿قَالُوا لَنَا هَذِهِ﴾ أي: نحنُ مستحقُّوها، ولم يشكروا اللهَ. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحطٌ وغلاءٌ. ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ يتشاءموا. ﴿بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين. ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ﴾ أي: ما يصيبُهم من خيرٍ وشرٍّ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: من قِبَلِ اللهِ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ ذلكَ. * * *

الأعراف 7:132

﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾. [١٣٢] ﴿وَقَالُوا﴾ هو يعني: القبطَ لموسى ﴿مَهْمَا﴾ أصلهُ: (ما) الشرطية أضيفتْ إليها (ما) المزيدة للتأكيد (١)، فصارت ماما، ثمّ قلبتْ ألفُها استثقالًا للتكثير. ﴿تَأْتِنَا بِهِ﴾ أي: أيُّما شيءٍ تُحضِرُنا تأتنا به. ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ بيانٌ لـ: "مهما"، وسموها آيةً استهزاءً لموسى. ﴿لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾ لتنقلَنا عمَّا نحن عليه. ﴿فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا نخدِعُ لك بدليلٍ ما، ولا نصدِّقُك. قرأ أبو عمرٍو: (نَحْن لكَ) وشبهَه حيثُ وقعَ بإدغامِ النونِ في اللام (٢). * * * ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾. [١٣٣] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ وهو السيلُ الشديدُ، ودخلَ بيوتَهم حتّى بلغَ تَراقِيَهم، فمن جلسَ منهم غرقَ، ودامَ سبعةَ أيامٍ من السبتِ إلى السبتِ، ولم يدخلْ بيتَ إسرائيليٍّ معَ اشتباكِها ببيوتهم، فقالوا لموسى: ادعُ رَبَّكَ يكشفْ عَنَّا، ونحن نؤمنُ بكَ، ونرسلُ معكَ بني إسرائيل، فدعا، فَرُفِعَ، فأخصبتْ بلادُهم، فلم يؤمنوا. (١) "للتأكيد" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "الإتقان" للسيوطي في النوع "الحادي والثلاثون". ﴿وَالْجَرَادَ﴾ المعروفَ، بُعِثَ عليهم بعدَ الطوفان، فأكلَ جميعَ نباتِهم وثيابِهم، وسقوفَ بيوتهم وأبوابَها، ولم يضرَّ بإسرائيليٍّ، فقالوا له: اكشفْ عنا نؤمنْ، فأشار بعصاهُ شرقًا وغربًا، فذهبَ الجرادُ من حيثُ جاء، وفي الخبر: مكتوبٌ على صدرِ كُلِّ جرادةٍ: جُنْدُ اللهِ الأعظمُ، فلم يؤمنوا. ﴿وَالْقُمَّلَ﴾ بُعِثَ عليهم بعدَ الجراد، قيل: هو جرادٌ بلا أجنحةٍ، وقيل: هو القَمْلُ المعروف، وقيل: هو السوسُ يخرجُ من الحنطة، فأكلَ ما تركَ الجرادُ وأشعارَهم وأبشارَهم، وآلَمَهُمْ قرصًا، وخبثَ عليهم أطعمتَهم لوقوعها فيها وفي أفواهِهم، ولم يضرَّ بإسرائيليٍّ، فاستغاثوا بموسى، فدعا، فَرُفِعَ عنهم، فلم يؤمنوا. ﴿وَالضَّفَادِعَ﴾ بُعثتْ عليهم بعدَ القمل، فملأَتْ بيوتَهم وأطعمتَهم، وخَبَّثَتْها عليهم، ودخلَتْ أفواهَهُم، فاستغاثوا بموسى، فدعا، فَرُفِعَ عنهم، فلم يؤمنوا. ﴿وَالْدَّمَ﴾ بُعثَ عليهم بعدَ الضفادع، فصارت جميعُ مياهِهم دمًا أحمرَ عبيطًا، فكانَ فرعونُ يجمعُ بينَ القبطيِّ والإسرائيليِّ على الإِناء الواحد، فيكونُ ما يلي الإسرائيليَّ ماءً، وما يلي القبطيَّ دمًا، وتأخذُ المرأةُ الإسرائيليةُ الماءَ في فمِها فتلقيه في في القِبْطِيِّ فيصيرُ دمًا، وجعلَ (١) فرعونُ يمضغُ الشجارَ فيصيرُ ماؤها في فيه دمًا. ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ مبيناتٍ، حالٌ من هذهِ المذكوراتِ، وتفصيلُها أَن كانَ كلُّ عذابٍ أُسبوعًا، وبينَ كلِّ عذابينِ شهرٌ، رُوي أن موسى بقيَ بعدَما (١) في "ن": "وصار".

الأعراف 7:134

غلبَ السحرةَ عشرينَ سنةً يُريهم الآيات. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الآيات ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾. * * * ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤)﴾. [١٣٤] ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ العذابُ المفضَّلُ، وبعدَهُ طاعونٌ أَنزله اللهُ بهم، ماتَ منهم في ليلةٍ سبعون ألفَ قبطيٍّ. ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ أي: بعهدِهِ، وهو النبوةُ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ وهو الطاعونُ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال - ﷺ -: "الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ، فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ" (١). * * * ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾. (١) رواه البخاريّ (٣٢٨٦)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الغار، ومسلم (٢٢١٨)، كتاب: السّلام، باب: الطّاعون والطيرة والكهانة وغيرها، عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه-.

الأعراف 7:135

[١٣٥] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ وهو وقتُ غَرَقِهِم. ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ينقُضون العهدَ. * * * ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦)﴾. [١٣٦] ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحرِ ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي: بسببِ تكذيبِهم بها ﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ أي: عن النِّقْمَةِ قبلَ حُلولِها غافلينَ. * * * ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾. [١٣٧] ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ بالاستعبادِ وذبحِ الأبناءِ، وهم بنو إسرائيلَ ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ والأرضُ: الشامُ ومصرُ، ومشارقُها ومغاربُها: جهاتُ الشرقِ والغربِ بها، ملكَها بنو إسرائيلَ بعدَ الفراعنةِ والعمالقةِ. ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماءِ والأشجارِ والثمارِ.

الأعراف 7:138

﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ عِدَاتُه (١) الجميلةُ. و (كلمت) وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، أبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ. ﴿عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بنصرِهِ إياهم ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الشدائِد. ﴿وَدَمَّرْنَا﴾ أهلَكْنا ﴿مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ في أرضِ مصرَ من العماراتِ. ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ من البساتين. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَعْرُشُونَ) بضمِّ الراء، والباقون: بكسرها (٢). * * * ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾. [١٣٨] ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ عَبَرْنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ وكانَ ذلكَ يومَ عاشوراء. ﴿فَأَتَوْا﴾ فمروا ﴿عَلَى قَوْمٍ﴾ من لخم. ﴿يَعْكُفُونَ﴾ يُقيمون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بكسر الكاف، والباقون: بضمها (٣). ﴿عَلَى﴾ عبادةِ ﴿أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ كانتْ على صورةِ البقرِ يعبدونها. (١) في "ش": "عدته". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٦ - ٣٩٧). (٣) المصادر السابقة.

الأعراف 7:139

﴿قَالُوا﴾ يعني: بني إسرائيل لما رأوا ذلك. ﴿يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ صنمًا نُعَظِّمُه ﴿كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ يعبدونها. ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُون﴾ المعبود. * * * ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩)﴾. [١٣٩] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ أي: عبدةَ الأصنامِ. ﴿مُتَبَّرٌ﴾ مُهْلَكٌ ﴿مَا هُمْ فِيهِ﴾ من الشركِ. ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: شركُهم يزولُ، ويَهْلِكون إن لم يؤمنوا. * * * ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠)﴾. [١٤٠] ثمّ ﴿قَالَ﴾ موبِّخًا: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ أطلبُ لكم إلهًا معبودًا. ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في زمانكم. * * * ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾. [١٤١] ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (أَنْجَاكُمْ)، وكذلكَ هو في مُصحفِ أهلِ الشامِ، والباقون: بياء ونون وألف بعدها، وكذلك هو في

الأعراف 7:142

مصاحِفهم (١)، المعنى: واذكروا إنقاذنَا لكم. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدَّه وأسوأَه. ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ قرأ نافع: (يَقْتُلُونَ) خفيفةً من القَتْل، والباقون: بالتشديدِ على التكثيرِ من التَّقتيل (٢) ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ سبقَ تفسيرُه. ﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ وفي الإنجاءِ والعذابِ محنةٌ عظيمةٌ. * * * ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾. [١٤٢] ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (وَعَدْنَا) بقصرِ الألفِ من الوعدِ، والباقون: (وَاعَدْنَا) بالمدِّ من المواعدة (٣). ﴿ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ذا القعدةِ ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ من ذي الحجةِ {فَتَمَّ (١) في "ن": "مصحفهم". وانظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (١/ ١٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٨). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٢ و ٢٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٨). مِيقَاتُ رَبِّهِ} أي: الوقتُ الّذي وعدَه أن يخاطِبَه بَعْدَهُ. ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ تمييزٌ، وأربعين حالٌ؛ أي: بالغًا هذا العدد. ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ عندَ انطلاقِه إلى الجبلِ للمناجاةِ. ﴿لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي﴾ خليفتي. ﴿فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ أي: ومُرْهُمْ بالإصلاحِ. ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِين﴾ لا تطعْ مَنْ عصى الله، وصَدَّهُمْ عن المعصيةِ، وذلك أن موسى وعدَ بني إسرائيلَ بمصرَ أن يأتيَهم بعدَ مهلكِ فرعونَ بكتابٍ من عندِ اللهِ فيه بيانُ ما يَأْتون ويَذَرون، فلما هلكَ، سألَ ربَّهُ الكتابَ، فأمره اللهُ أن يصوم ثلاثينَ يومًا، فلما تَمَّت، أنكرَ خُلُوفَ فَمِهِ، فاستاكَ بعودِ خَرُّوبٍ، فقالت له الملائكة: كنا نشمُّ من فيكَ رائحةَ المسكِ فأفسَدْتَهُ بالسِّواكِ، وأوحى الله إليه: "أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدِي أَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ؟ " فَأُمِرَ بصيامِ عشرةِ أيامٍ من أولِ ذي الحجة، ثمّ أَنزلَ عليه التوراةَ في العشرِ، وكلَّمه فيها، فكانتْ فتنتُهم في العشرِ الّتي زادَها (١). * * * ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٤٦).

الأعراف 7:143

[١٤٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ الوقتِ الّذي وعَدْناه أن نكلِّمَه فيه، تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثيابَه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ من غير واسطةٍ كما يشاءُ، وجبريلُ عليه السّلام معه لم يسمعْ ما كلَّمه به، فلما سمعَ موسى كلامَ رَبِّهِ اشتاقَ إلى رؤيتِه، فَثَمَّ ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ قرأ ابنُ كثيرِ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو، ويعقوبُ: (أَرْني) بإسكانِ الراء، والباقون: بالكسرِ (١)؛ أي: أرني نفسَك لأتمكَّنَ من رؤيتِكَ. ﴿قَالَ﴾ اللهُ: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ وليسَ لبشرٍ أن يطيقَ النظرَ إليَّ في الدنيا، وسؤالُ الرؤيةِ دليلٌ على أن رؤيتَهُ تعالى جائزةٌ في الجملةِ؛ لأنّ طلبَ المستحيلِ من الأنبياءِ محالٌ، خُصوصًا ما يقتضي الجهلَ بالله، ولذلك ردَّهُ بقولِه: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ دونَ لَنْ أُرى، ولَنْ أُرِيَك، ولن تنظرَ إليَّ، وتعلّقَتْ نُفاةُ الرؤيةِ بظاهرِ هذهِ الآيةِ وقالوا: قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾، و (لن) تكونُ للتأبيد، قال البغويُّ: ولا حجَّةَ لهم فيه، ومعنى الآية: لن تراني في الدنيا، أو في الحال، و (لن) لا تكونُ للتأبيد؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] إخبارًا عن اليهودِ، ثمّ أَخبَرَ عنهم أنّهم يتمَنَّونَ الموتَ في الآخرَة، ويقولونَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]، ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧]، وقد وردتِ السنَّةُ بالحديثِ المتواترِ أَنَّ أهلَ الإيمانِ يرونَ الله يومَ القيامةِ، وقيل: إنَّ طلبَ الرؤية لأجلِ الذينَ كانوا معه، الذين قالوا: أَرِنا اللهَ جَهْرَةً، وردَّ البيضاويُّ هذا القولَ، وجعلَهُ خطأً، وتقدَّمَ كلامُ الأئمةِ الأربعةِ على رؤيتِه سبحانَه في الآخرةِ في سورةِ الأنعام. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٩٩). ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ وهو أعظمُ جبلٍ بمدْيَنَ يقالُ له: زبير؛ أي: لكنْ سأتجلَّى على الجبلِ الّذي هو أقوى منكَ وأشدُّ. ﴿فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ﴾ لم يتزلزلْ. ﴿فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ أي: سوف تثبتُ رؤيتي وتُطيقُها، وقد علمَ تعالى أن الجبلَ لا يثبتُ عندَ التجلِّي، فلذلكَ علَّقَ الرؤيةَ على ثبُوته. ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ﴾ أي: ظهرَ نورُ ربِّه. ﴿لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ أي: مستويًا بالأرضِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (دَكَّاءَ) بالمدِّ والهمزِ مفتوحًا؛ أي: كأرضٍ دَكَّاءَ، وقرأ الباقون: بالتنوينِ من غيرِ مَدٍّ ولا همزٍ، مصدرُ دَكَّه (١)، ومعناه التفسيرُ الأولُ. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ مَغْشِيًّا عليه لهولِ ما رأى، رُوي أنّه خرَّ صَعِقًا يومَ الخميسِ يومَ عرفةَ، وأُعْطِيَ التوراةَ يومَ الجمعة يومَ النَّحر. ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ﴾ من غشوتِهِ ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لكَ عن الإدراكِ. ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عن سؤالِ الرؤيةِ ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من بني إسرائيل، وقيل: أولُ المؤمنينَ بأنك لا تُرى في الدنيا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (وَأَنا أَوَّلُ) بالمدِّ، والباقون: بغير مد (٢). * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٠).

الأعراف 7:144

﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾. [١٤٤] ﴿قَالَ﴾ اللهُ ﴿يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ اخترتُكَ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (إِنِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ في زمانِكَ. ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: (بِرِسَالَتِي) على التّوحيد، والباقون: على الجمع (٢)، وإن كانَ هارونُ شريكَه في الرسالة، فهو تابعٌ له ﴿وَبِكَلَامِي﴾ وبتكليمي. ﴿فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ﴾ أعطيتُكَ من الرسالة. ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ للهِ على نعمِه. رُويَ أنَّ موسى -عليه السّلام- مكثَ بعدَ أن كلَّمه الله -عَزَّ وَجَلَّ- أربعينَ ليلةً لا يراهُ أحدٌ إِلَّا ماتَ من نورِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-. * * * ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠١).

الأعراف 7:145

[١٤٥] ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ﴾ أي: لموسى. ﴿فِي الْأَلْوَاحِ﴾ جمعُ لَوْح، سُمِّي بهِ لأنّه يلوحُ فيه ما يُكْتَبُ، والمرادُ: ألواحُ التوراةِ، وفي الحديثِ: "كَانَتْ مِنْ سِدْرِ الجنَّةِ، طولُ اللَّوْحِ اثنا عَشَرَ ذِرَاعًا" (١)، وقيلَ: كَانَتْ من زُمُرُّدٍ، وقيلَ: من ياقوتةٍ حمراءَ، وقيل: من زَبَرْجَدٍ، وقيلَ: من صخْرَةٍ صماء (٢) لَيَّنَها اللهُ لموسى، فقطعَها بيدِه، ثمّ شقَّها بأصابعِه فأطاعَتْه كالحديدِ لداودَ، وكانت عشرةً، وقيل: سبعةً، وقيل: وقْرَ سبعينَ بعيرًا، كلُّ لوحِ كطولِ موسى، وإضافةُ الكتابةِ إلى نفسِه على جهةِ التشريفِ؛ إذْ هيَ مكتوبةٌ بأمرِهِ، كتبها جبريلُ بالقلمِ الّذي كتبَ به الذِّكْر، واستمدَّ من نهرِ النورِ، وسمعَ موسى صريرَ القلمِ بالكلماتِ العشرِ. ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ممّا أُمروا به، ونُهوا عنه، وعن مقاتل: كتب في الألواحِ: إِنِّي أَنَا اللهُ الرّحمنُ الرحيمُ، لا تُشْركوا بي شيئًا، ولا تَقْطَعوا السبيلِ، ولا تَحْلِفوا باسمي كاذبًا؛ فإنَّ من حلفَ باسمي كاذبًا، فلا أُزكيه، ولا تَقتلوا، ولا تَزْنوا، ولا تَعقُّوا الوالدينِ. ﴿مَوْعِظَةً﴾ تذكيرًا وتحذيرًا بما يُخافُ عاقبتُه. ﴿وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ تبيينًا لكلِّ ما يحتاجون في دينهم إليه. ﴿فَخُذْهَا﴾ أي: الألواحَ ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجدٍّ واجتهادٍ. ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ بالأحسنِ منها، وهو الجمعُ بينَ فضائِلها وفرائِضها. (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥٦٣). (٢) "صماء" ساقطة من "ش".

الأعراف 7:146

﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ دارَ فرعونَ وقومِه بمصرَ خاويةً على عروشِها. * * * ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٤٦)﴾. [١٤٦] ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ عن تَدَبُّرِها (١) وفَهْمِها. ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ﴾ على الناسِ. ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بأن أَخْذُلَهم وأُعميَ بصائرَهم. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ: (آيَاتِي الَّذِينَ) بإسكانِ الياء، والباقون: بالفتح (٢). ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ﴾ دالَّةٍ على التوحيدِ ﴿لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ لعنادِهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (الرَّشَدِ) بفتح الراء والشين، والباقون: بضم الراء وسكون الشين، وهما لغتان (٣)؛ كالبُخْل والبَخَل، ومعناه: الفلاحُ. (١) في "ن": "تدبيرها". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٢). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٢ - ١٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٢).

الأعراف 7:147

﴿لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ لأنفسِهم؛ لاستيلاءِ الشيطنةِ عليهم. ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ أي: طريقَ الضلال. ﴿يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ فهم ضالُّون. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الصرفُ. ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ ساهِين. * * * ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾. [١٤٧] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ﴾ الدَّارِ ﴿الْآخِرَةِ﴾ الّتي هي موعدُ الثوابِ والعقابِ ﴿حَبِطَتْ﴾ بَطَلَتْ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾ وصارَتْ كأنْ لم تكنْ. ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ أي: لا يجزون في الآخرة. ﴿إِلَّا﴾ جزاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا. * * * ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾. [١٤٨] ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعدِ ذهابِه إلى المناجاة. ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ الّتي استعاروها من القِبْطِ بسببِ عرسٍ كانَ لهم، ونُسِبَ الاتخاذُ إليهم، وإن اتخذَهُ السامريُّ وحدَه؛ لأنّهم رَضُوا بفعلِه، واتخذوا العجلَ معبودًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (حِلِيِّهِمْ) بكسر الحاء، ويعقوبُ: بفتح الحاءِ وإسكانِ اللام وتخفيفِ الياءِ على الإفراد، والباقون: بضمِّ

الأعراف 7:149

الحاء، جمع حَلْي، وكلُّهم كسرَ (١) اللامَ وشدَّدَ (٢) الياءَ مكسورةً سوى يعقوبَ (٣)؛ أي: اتخذَ السامريُّ منها. ﴿عِجْلًا﴾ مفعولُ (اتخذَ). ﴿جَسَدًا﴾ ذا لحمٍ ودمٍ. ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ صوتُ البقرِ، رُوي أنَّ السامريَّ لما صاغَ العجلَ ألقى في فمِه من ترابِ أثرِ فرسِ جبريلَ، فصار حَيًّا، وقيل: الصوتُ من دخولِ الريحِ فيه، ثمّ عجبَ من عقولهم السخيفةِ فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ تقريعًا على فرطِ ضلالَتِهم، ثمّ قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوهُ﴾ تكريرٌ للذمِّ، أي: اتخذوه إلهًا. ﴿وَكَانُوا ظَالِمِين﴾ بذلكَ. * * * ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾. [١٤٩] ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي: ندموا على عبادةِ العجل، يقال لكلِّ من ندمَ: (سُقِطَ في يدِهِ)؛ فإن النادمَ المتحسِّرَ يَعَضُّ يدَه غمًّا، فتصيرُ يدُه مسقوطًا فيها. (١) في "ن": "كسروا". (٢) في "ن": "وشددوا". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٣).

الأعراف 7:150

﴿وَرَأَوْا﴾ عَلِموا ﴿أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾} بعبادةِ العجلِ. ﴿قَالُوا﴾ تائبينَ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَرْحَمْنَا) (وَتغفِرْ لَنَا) بالتاءِ فيهما على الخطاب (رَبَّنَا) بنصبِ الباء على النِّداء، وقرأ الباقون: بالغيب فيهما، ورفعِ الباء فاعلًا (١). * * * ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١٥٠)﴾. [١٥٠] ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ شديدَ الغضبِ، وقيلَ: حزينًا. ﴿قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي﴾ قُمتم مَقامي؛ أي: بئسما عملْتُم. ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: بعدَ ذهابي. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (بَعْدِي) بإسكانِ الياء، والباقونَ: بفتحها (٢). ﴿أَعَجِلْتُمْ﴾ أَستَبقتم بعبادةِ العجلِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٤). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٥)، و (معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٥). ﴿أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ وهو انتظارُ موسى ليأتِيَهم بالتوراة بعدَ أربعينَ ليلةً، وأصلُ العجلةِ: طلبُ الشيءِ قبلَ حينه. ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ﴾ الّتي فيها التوراةُ غَضَبًا لدينِه، وكان حاملًا لها، فتكَسَّرَتْ، فرفعَ ستةَ أسباعِ التوراةِ، وبقي سُبْعُها، وهو ما فيه الموعظةُ والأحكامُ، ورفعَ ما كانَ من أخبارِ الغيبِ. ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ﴾ أي: بشعرِ رأسِه ولحيتِه ﴿يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ غَضبًا عليه؛ كيفَ مَكَّنَهم من عبادةِ العجلِ، وكانَ هارونُ أكبرَ من موسى بثلاثِ سنينَ، وأحبَّ إلى بني إسرائيل؛ لرقَّتِه لهم. ﴿قَالَ﴾ هارونُ عندَ ذلكَ: ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصم: (ابْنَ أُمِّ) بكسرِ الميم؛ أي: يا بن أمي، فحذفت الياء بالإضافة، وبقيتِ الكسرة لتدلَّ على الإضافة؛ كقوله: (يَا عِبَادِ)، وقرأ الباقون: بالفتح؛ أي: يا بنَ أماهُ (١)، وذَكَرَ الأُمَّ ليرقِّقَهُ عليه، وكانا من أبٍ وأمٍّ. ﴿إِنَّ الْقَوْمَ﴾ يعني: عبدةَ العجل. ﴿اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا﴾ هَمُّوا أن. ﴿يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ﴾ تُفرِحْ ﴿بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ بإهانتِكَ إيايَ. ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين﴾ بعبادةِ العجلِ؛ أي: قرينًا لهم. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و "تفسير البغوي" (٢/ ١٥٤)، و"الأمالي" لابن الشجري (٢/ ٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٦).

الأعراف 7:151

﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (١٥١)﴾. [١٥١] فلما اتَّضَحَ عذرُ أخيه ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ ما صنعْتُ بأخي. ﴿وَلِأَخِي﴾ إنْ كانَ منهُ تقصيرٌ؛ ليرضيَ أَخاه، ويسيءَ الشامتين. ﴿وَأَدْخِلْنَا﴾ جميعًا. ﴿فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أرحمُ بنا منا (١) على أنفسِنا. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (١٥٢)﴾. [١٥٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ مخاطبةٌ من الله سبحانه لموسى عليه السّلام؟ لقولِه تعالى: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ هو أمرُهم بقتلِ أنفسِهم توبةً. ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ خروجُهم من ديارهم؛ لأنّ في الغربة ذلةً. ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ على الله، قال أبو قلابة: هو واللهِ جزاءُ كلِّ مُفْتَرٍ إلى يومِ القيامة أَنْ يُذِلَّهُ الله. * * * (١) "منا" زيادة من "ت".

الأعراف 7:153

﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٥٣)﴾. [١٥٣] ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ﴾ من معصيةٍ وكفرٍ. ﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: السيئاتِ. ﴿لَغَفُورٌ﴾ لجميعِ الذنوب. ﴿رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ. * * * ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤)﴾. [١٥٤] ﴿وَلَمَّا سَكَتَ﴾ أي: سكنَ وزالَ. ﴿عن مُوسَى الْغَضَبُ﴾ باعتذارِ هارونَ. ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ بعدَ إلقائِها. ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا﴾ أي: ما نُسخَ فيها؛ أي: كُتب. ﴿هُدًى﴾ من الضلالِ. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من العذابِ. ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ يخافونَ من ربهم. ***

الأعراف 7:155

﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (١٥٥)﴾. [١٥٥] ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ﴾ أي: من قومِه، فَحُذِفَ الجارُّ، فتعدَّى الفعلُ فنصبَ (قَوْمَهُ). ﴿سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا﴾ للوقتِ الّذي واعدناه أن يأتينا فيه بسبعين رجلًا من خيارِ قومِه يعتذرونَ إلينا من عبادةِ العجلِ، فخرج بهم موسى إلى طور سيناء، فسمعوا أمرَ الله ونهيَه، فقالوا: أَرِنا اللهَ جهرةً، فزجرَهم موسى فلم ينزجِروا، فأخذتهم الرجفةُ؛ أي: الصاعقةُ، فماتوا يومًا وليلة، وتقدَّم ذكرُ القصةِ في سورة البقرة، وقال وهبٌ: لم تكنِ الرجفةُ موتًا، ولكن لما رأوا تلكَ الهيبةَ العظيمةَ، أخذتهم الرِّعْدَةُ، ورجفوا حتّى كادت تبينُ مفاصلُهم. ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ رحمَهم موسى. ﴿قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عن عبادةِ العجلِ. ﴿وَإِيَّايَ﴾ بقتلِ القبطيِّ. ﴿أَتُهْلِكُنَا﴾ أتعمُّنا بالهلاك. ﴿بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ استفهامُ استعطافٍ، ومعناهُ نفي؛ أي: ما تعذِّبنا بذنبِ غيرِنا. ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الفتنة.

الأعراف 7:156

﴿إِلَّا فِتْنَتُكَ﴾ محنتُك واختبارُك حينَ أَسْمعتَهم كلامَك حتّى طَمِعُوا في الرؤية. ﴿تُضِلُّ بِهَا﴾ أي: بالامتحانِ. ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ ضلالَهُ. ﴿وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ﴾ هُداهُ. ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ القائمُ بأمرنا، وتقدَّمَ التنبيهُ على اختلافِ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ من كلمتينِ عندَ قوله تعالى: ﴿أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، وكذلك اختلافُهم في (مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ). ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ واغفرْ معناهُ: استر ما قارَفْناه. ﴿وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ تغفرُ السيئةَ، وتبدلها بالحسنة، وقيل: إنَّ السبعينَ الذين قالوا: لن نؤمنَ لكَ حتّى نرى اللهَ جهرةً، فأخذتهم الصاعقةُ، كانوا قبلَ السبعينَ الذين أخذَتْهم الرجفةُ. * * * ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾. [١٥٦] ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ عافيةً. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنةَ. ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ تُبْنا. ﴿إِلَيْكَ﴾ أي: حَرَّكْنا نفوسَنا إليك بالتوبةِ.

الأعراف 7:157

﴿قَالَ﴾ الله سبحانه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ﴾ من خَلْقي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (عَذَابِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ﴾ عَمَّتْ. ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾، فلما نزلت، قال الخبيثُ إبليسُ: أنا شيءٌ، فأُخْرِجَ منها بقوله تعالى: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أي: أثبتُها في الآخرة. ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفرَ. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ خَصَّها بالذكرِ؛ لأنّها كانتْ أشقَّ عليهم. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾. * * * ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾. [١٥٧] فقالَ أهلُ الكتاب: نحن نَتَّقي ونزكِّي ونؤمنُ، فخرجوا منها بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ هو محمدٌ - ﷺ -. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١ - ٣٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٠٩). ﴿الْأُمِّيَّ﴾ الّذي لا يكتبُ ولا يقرأ، منسوبٌ إلى الأمِّ؛ أي: هو على ما ولدته أمُّهُ، وصفه به تنبيهًا على أنَّ كمالَ علمِه مع حالِه أحدُ معجزاتِه. ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ﴾ أي: وصفُه. ﴿مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشركِ، والمعروفُ: ما عرفَهُ العقلُ أو الشرعُ بالحُسْنِ، والمنكرُ: ما أنكرَهُ أحدُهما لقبحِه. ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ كالشحومِ ونحوِها ممّا كان حُرِّمَ (١) عليهم. ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ما يُسْتَخْبَثُ حِسًّا؛ كالدمِ والميِّتةِ ونحوِهما. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ وهو كلُّ ما يَثْقُلُ على الإنسانِ من قولٍ أو فعلٍ. قرأ ابنُ عامرٍ: (آصَارَهُمْ) على الجمع، والباقون: على الإفراد (٢). ﴿وَالْأَغْلَالَ﴾ الأثقالَ. ﴿الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ من التكاليفِ الشاقَّةِ؛ كتعيُّنِ القصاصِ في القتلِ العمدِ والخطأِ، وتحريمِ أخذِ الدية، وقطعِ الأعضاءِ الخاطئةِ، وَقَرْضِ موضعِ النّجاسةِ من الجلدِ والثوبِ بالمقراضِ، وتركِ العملِ في السبتِ، وأنَّ صلاتَهم لا تجوزُ إِلَّا في الكنائسِ، وغيرِ ذلك من الشدائدِ. ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ أي: بمحمد - ﷺ -. ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ عَظَّموه. (١) في "ن": "حرام". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤١٠).

الأعراف 7:158

﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على الأعداء. ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ أي: عليه، يعني: القرآنَ. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزونَ. * * * ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾. [١٥٨] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ هذا أمرٌ من الله سبحانه لنبيِّهِ بإشهارِ الدعوةِ والحضِّ على الدخولِ في الشرعِ، والمعنى: إنَّ كلّ رسولٍ بُعِثَ لأمَّتِه، والنبيُّ - ﷺ - بعِثَ إلى كافةِ الثقلينِ. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ صفةٌ لله، وإن حيلَ بينَ الصِّفَةِ والموصوفِ بقوله: ﴿إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لأنّه كالمقدَّمِ عليه. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ولا معبودَ سواه. ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ مزيدُ تقريرٍ؛ لاختصاصِه بالألوهية. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾ ما أَنزَلَ عليهِ وعلى سائرِ الرسلِ من كتبِه ووحيِه. ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إرادةَ أن تهتدوا. * * *

الأعراف 7:159

﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾. [١٥٩] ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ يعني: المؤمنينَ الثابتينَ من بني إسرائيل. ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة. ﴿يَهْدُونَ﴾ الناسَ. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: يرشدونهم بكلمةِ الحقِّ. ﴿وَبِهِ﴾ أي: بالحقِّ. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ بينَهم في الحكم. * * * ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾. [١٦٠] ﴿وَقَطَّعْنَاهُمُ﴾ أي: صَيَّرْناهم، يعني: بني إسرائيلَ. ﴿اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا﴾ والسِّبْطُ مذكَّرٌ، فرجعَ التأنيثُ إلى قوله: ﴿أُمَمًا﴾ أي: قبيلةً، والأسباطُ: القبائلُ، واحدُها سبطٌ، وكانوا اثنتي عشرةَ قبيلةً من اثني عشرَ ولدًا من ولدِ يعقوبَ -عليه السّلام-، وكانَ كلُّ سبطٍ أمةً عظيمةً، والسبطُ في ولدِ إسحاقَ كالقبيلةِ في ولدِ إسماعيلَ، وتُنصبُ (أسباطًا) بدلًا من (اثنتي عشرة) وتُنصب (أممًا) نعتًا لأسباطًا.

الأعراف 7:161

﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ﴾ في التيهِ. ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ﴾ انفجرَتْ. ﴿مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ لكلِّ سبطٍ عينٌ. ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ﴾ كلُّ سبطٍ. ﴿مَشْرَبَهُمْ﴾ وكلُّ سبطٍ بَنو أبٍ واحدٍ. ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ﴾ ليقيَهم حرَّ الشّمسِ. ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ سبقَ تفسيرُهما في سورةِ البقرة. ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلْنا لهم: كلوا. ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ وسبق تفسيرُه أيضًا فيها. * * * ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (١٦١)﴾. [١٦١] ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ﴾ أي: واذكرْ إذ قيل لهم: ﴿اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ هي بيتُ المقدسِ. ﴿وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ وعدٌ بالغفرانِ والزيادةِ عليه بالإثابةِ، وتقدَّم تفسيرُه في سورة البقرة، وتقديمُ (قُولُوا حِطَّةٌ) على (وَادْخُلوا) هنا لا أثرَ له في المعنى؛ لأنّه لا يوجبُ التّرتيب. قرأ نافعٌ،

الأعراف 7:162

وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وابن عامرٍ: (تُغْفَرْ) بالتاء مضمومةً وفتحِ الفاء، والباقون: بالنونِ مفتوحةً وكسرِ الفاء، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (خَطِيَئاتُكُمْ) بجمع السلامة ورفعِ التاء، وابنُ عامرٍ: (خَطِيئَتُكُمْ) بالإفراد ورفعِ التاء، وأبو عمرٍو: (خَطَايَاكُمْ) على وزن عَطاياكم بجمعِ التكسيرِ، والباقون وهم الكوفيون، وابنُ كثيرٍ: بجمع السلامةِ وكسرِ التاء نَصْبًا (١)، واتَّفقوا على (خَطَايَاكُمْ) في البقرةِ من أجلِ الرسم. * * * ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾. [١٦٢] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ تقدَّم تفسيره في البقرة. * * * ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَسَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا وَاسْأَلْهُمْيَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾. [١٦٣] ﴿وَاسْأَلْهُمْ﴾ أي: سَلْ يا محمدُ هؤلاءِ اليهودَ الذين هم جيرانُك سؤالَ توبيخ. قرأ أبنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلْهُمْ) بنقل (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٥ - ٢٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤١٢ - ٤١٣). حركة الهمزةِ إلى الساكنِ قبلَها وهو السينُ (١). ﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: سَلْهم عن خبرِ أهلِ القرية. ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ أي: على شاطئِهِ، وهي أيلةُ مدينةٌ كانت على شاطئ البحرِ بينَ مصرَ ومكةَ، سُميت بأيلةَ بنتَ مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ -عليه السّلام-، وهي أولُ حَدِّ الحجازِ من جهةِ الشّام، وكانت حدَّ مملكةِ الروم في الزمنِ الماضي، وبينَها وبينَ بيتِ المقدسِ نحوُ ثمانيةِ أيامٍ، والطورُ الّذي كلَّمَ اللهُ عليه موسى -عليه السّلام- على يومٍ وليلةٍ منها. ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يتعدَّوْنَ ما أُمروا به من تركِ الصَّيدِ. ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾ أي: تَعْظِيمِهم أمرَ السبتِ. ﴿شُرَّعًا﴾ ظاهرةً على الماءِ، جمعُ شارعٍ. ﴿وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ﴾ لا يقطعونَ الشغلَ. ﴿لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ مثلَ ذلكَ البلاءِ الشديدِ نبلوهم بسببِ فسقِهم، وتقدَّم ذكرُ القصة مستوفىً؛ وحكمُ طلب القاضي لليهوديِّ في يومِ السبتِ في سورة البقرة. * * * ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤١٤).

الأعراف 7:164

[١٦٤] ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ جماعةٌ من صُلحائِهم بعدَ يأسِهم من توبةِ العادِين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ في الآخرةِ؛ لتماديهم في العصيان؛ أي: وجبَ عذابُهم، فلا ينفعُهم الوعظُ. ﴿قَالُوا﴾ أي: الناهون ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مَعْذِرَةً) بالنصب؛ أي: نفعلُ ذلكَ معذرةً إلى ربكم، وقرأ الباقون: (مَعْذِرَةٌ) بالرفع (١)؛ أي: موعظتُنا عذرٌ عندَه لئلَّا نُنْسَبَ إلى تقصيرٍ ما في النهيِ عن المنكرِ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ اللهَ. * * * ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾. [١٦٥] ﴿فَلَمَّا نَسُوا﴾ أي: تركَ أهلُ القرية. ﴿مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ من الوعظِ من الصَّيدِ. ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ وهو أخذُ الحيتانِ. ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بأخذِها. ﴿بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ شديدٍ. قرأ ابنُ عامرٍ (بِئْسٍ) بكسرِ الباء وهمزةٍ ساكنة (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤١٥).

الأعراف 7:166

بعدَها، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بكسرِ الباءِ وياءٍ ساكنةٍ بعدَها من غيرِ همزٍ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (بَيْئَسٍ) بفتح الباء وسكون الياء وفتح الهمزة على وزن (فَيْعَلٍ)، [وقرأ الباقون: بفتح الباءِ وكسرِ الهمزة وياءٍ بعدها على وزن (فَعِيل)] (١)، وكلُّها لغاتٌ (٢)، وكانَ أهلُ القريةِ نحوَ سبعينَ ألفًا، ثلثٌ نهوا، وثلثٌ لم ينهوا وسكتوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ وثلثٌ هم أصحابُ الخطيئة، فنجتِ الساكتةُ والناهيةُ، وعُذِّبتِ الصائدةُ عذابًا شديدًا. ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسببِ فسقِهم. * * * ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾. [١٦٦] ﴿فَلَمَّا عَتَوْا﴾ تجبَّروا. ﴿عَنْ مَا نُهُوا﴾ من الصَّيدِ، فلم يمتثلوا النهيَ. ﴿قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ مُبْعَدِينَ، فمكثوا ثلاثةَ أيامٍ ينظرُ إليهم النّاسُ، ثمّ هلكوا، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفاة في سورةِ البقرة، وذكرُ الخلافِ في حكمِ الحيلِ. * * * (١) ما بين معكوفتين سقط من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤١٦ - ٤١٨).

الأعراف 7:167

﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٧)﴾. [١٦٧] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ أعلمَ. ﴿رَبُّكَ﴾. قرأ أبو عمرٍو: ﴿تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ بإدغامِ النونِ في الراء (١)، المعنى: وإذ أوجبَ وحكمَ رَبُّكَ. ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ ليرسلَنَّ على اليهودِ. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ﴾ يُذيقُهم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ فبعثَ الله عليهم بعدَ سليمانَ -عليه السّلام- بُخْتَ نَصَّرَ، فخرَّبَ ديارَهم، وقتلهم، وسبى نساءهم وذراريَّهم، وضربَ الجزيةَ على مَنْ بقيَ منهم، وكانوا يؤدُّونَ الجزيةَ إلى المجوسِ إلى بعثِ محمدٍ - ﷺ -، فضربَها عليهم إلى يوم القيامة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ﴾ عاقبَهم في الدنيا. ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تابَ وآمنَ. * * * ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾. [١٦٨] ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾ فِرَقًا، حالٌ. ﴿مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ﴾ المؤمنونَ بمحمدٍ - ﷺ -. ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: مُنْحَطُّون عن رتبةِ الصالحينَ، وهم الكفرةُ. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٢٠).

الأعراف 7:169

﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ النعمِ. ﴿وَالسَّيِّئَاتِ﴾ النِّقَمِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ينتهون عن كفرِهم. * * * ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾. [١٦٩] ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: فخلفَ بعدَ المذكورين جماعةٌ، وهم مَنْ عاصر النبيَّ - ﷺ - من اليهود، والخَلَفُ بفتحِ اللام: الصالحُ، وبالسكون: الطالح، والتلاوةُ بسكونِ اللام. ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾ أي: التوراةَ. ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ هذا الشيء الدنيءَ من حُطامِ الدنيا، وهو الرشوةُ لتغييرِ بعضِ ما في التوراةِ، وصفةِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ لا نُؤاخَذُ بذلك. ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ أي: يرجونَ المغفرةَ وهم عائدونَ إلى مثلِ فعلِهم، والمغفرةُ إنّما تحصُلُ للتائب. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (يَأْتِهُمْ) بضمِّ الهاء (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٠).

الأعراف 7:170

﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾ أي: إنّما أُخذَ عليهم العهدُ في التوراةِ. ﴿أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ والمرادُ توبيخُهم على البَتِّ بالمغفرةِ مع عدمِ التوبةِ، وليسَ في التوراةِ إيعادُ المغفرةِ معَ الإصرارِ. ﴿وَدَرَسُوا﴾ أي: قرؤوا. ﴿مَا فِيهِ﴾ وعلموه. ﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ ممّا يأخذُ هؤلاء. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيعلمون ذلك. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١). * * * ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾. [١٧٠] ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ (يُمْسِكُونَ) مخفَّفًا، والباقون: مشددًا (٢)؛ أي: يعتصمونَ، وهم المؤمنون من أهلِ الكتابِ: عبدُ اللهِ بنُ سلامٍ وأصحابُه تمسكوا. ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الّذي جاء به موسى، فلم يحرِّفوه، ولم يكتموهُ. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٢ و ١١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢١).

الأعراف 7:171

﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ وخُصّتِ الصلاةُ بالذكرِ تفضيلًا لها. * * * ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾. [١٧١] ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا﴾ رَفَعْنا. ﴿الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ﴾ فَرُفع على رؤوسِهم. ﴿كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ هو كلُّ ما غَطَّى وسترَ من سحابٍ وغيرِه. ﴿وَظَنُّوا﴾ علموا وأيقنوا. ﴿أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ فلما تَيَقَّنوا الهلاكَ، قبلوا التوراةَ، فقلنا لهم: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ عزمٍ، وإن شَقَّ عليكم. ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ من الأحكام، واعملوا بها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قبائحَ الأعمالِ، وذلكَ حينَ أَبَوا أن يقبلُوا أحكامَ التوراة، فرفعَ اللهُ على رؤوسِهم جبلًا، فلما نظروا إلى الجبل، خَرَّ كلُّ رجلٍ ساجدًا للهِ على حاجبِه الأيسرِ ينظرُ بعيِنه اليمنى إلى الجبل فَرَقًا من أن يسقُطَ عليه، ولذلك لا تجدُ يهوديًّا إِلَّا ويكونُ سجوده على حاجبِهِ الأيسرِ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرة. * * *

الأعراف 7:172

﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢)﴾. [١٧٢] ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ومعنى أَخذُ ذُرياتهم من ظهورِهمْ: إخراجُهم من أصلابِهم كالذَّرِّ، ولم يذكرْ ظهرَ آدم؛ للعلمِ به، والإخراجُ كانَ منهُ؛ لأنهم استُلُّوا من ظهرِ آدم، ثمّ استلُّوا نسلًا من نسلٍ كما يتوالدُ الأبناءُ من الآباء، المعنى: واذكرْ وقتَ أخذِ اللهِ تعالى الميثاقَ على بني آدم حين استُلُّوا من ظهرِه، واستلَّ أولادُهم من ظهورِهم. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ: (ذُرِّيتَهم) على الإفرادِ مع نصبِ التاء؛ لأنّها جنسٌ تعمُّ القَليلَ والكثير، وقرأ الباقون؛ (ذُرِّيَّاتِهِمْ) على الجمعِ مع كسرِ التاءِ (١)، رُويَ أَن الله مسحَ صفحة ظهرِ آدمَ اليُمنى، فأخرجَ منه ذريةً بيضاءَ كهيئةِ الذرِّ يتحرَّكون، ثمّ مسحَ صفحة ظهرِه اليسرى، فأخرجَ منه ذريةً سوداءَ كهيئةِ الذرِّ، فقال: يا آدمُ! هؤلاءِ ذريتُك، ثمّ قال لهم: ألستُ بربِّكُمْ؟ قالوا: بلى، فقالَ للبيض: هؤلاءِ في الجنةِ برحمتي، وهم أصحابُ اليمين، وقال للسودِ: هؤلاء في النارِ ولا أبالي، وهم أصحابُ الشمال، ثمّ أعادهم جميعًا في صُلبه، فأهلُ القبورِ محبوسون حتّى يخرج أهل الميثاقِ كلُّهم من أصلابِ الرجالِ وأرحامِ النِّساء، قال الله تعالى فيمن نقضَ العهدَ الأوّل: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [الأعراف: ١٠٢]، ورُوي أنَّ أهلَ السعادةِ أقروا طوعًا، وقالوا: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٢). ﴿بَلَى﴾، وأهلُ الشقاوة قالوه تقيةً، وكُرْهًا، وذلكَ معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ (١) [آل عمران: ٨٣]، وكان الميثاقُ بنعمانَ، وهي عرفةُ وما يليها، وقيل: بأرض الهندِ حيثُ هبطَ آدمُ -عليه السّلام- فيه، وقيلَ: في سماء الدنيا حينَ هبطَ من الجنَّة إليها. ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أشهدَ بعضَهم على بعضٍ حينَ قالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ استفهامُ تقريرٍ؛ أي: ما تُقِرُّونَ وتعترفونَ بأني رَبُّكُم؟ ﴿قَالُوا بَلَى﴾ نحنُ نقرُّ ونعترفُ بهذا الاعترافِ والإقرارِ، وهذا شأنُ بني آدَمَ لا يُسأَلُ أحدٌ منهم: ألَيس اللهُ ربَّكَ؟ إِلَّا قال: بلى، فهم مفطورونَ على ذلك، فكلُّ مولودٍ يولدُ على الفطرةِ، فالإقرارُ بالخالقِ فطريٌّ لهم، كلُّهم يُقِرُّ به، وقولهم: (بلى) ردٌّ للنفي، فثبتَ إيمانُهم؛ لجوابهم ببلى، ولو أجابوا بنعم، لكفروا، لأنّ (نعم) تصديقٌ لما سبقَها من نفيٍ أو إثباتٍ، و (بلى) إثباتٌ لما بعدَ النَّفْي، وليسَ نفيٌ، واستفهامُ التقريرِ أكَّدَ معنى النَّفْي، والباءُ في خبر (ليس) زادته تأكيدًا، وتقديرُه: بلى أنتَ ربُّنا. ﴿شَهِدْنَا﴾ على أنفسِنا، وأقررْنا بوحدانيتكَ. ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ أي: فعلْنا ذلكَ بهم حتّى اعترفوا لئلَّا يقولوا. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا﴾ الإقرارِ. ﴿غَافِلِينَ﴾ لم نشعرْ، فلم يبقَ لهم حجةٌ علينا. قال القرطبيُّ: فقد استُدِلَّ بهذه الآية أنَّ من ماتَ صغيرًا دخلَ الجنةَ؛ لإقراره في الميثاقِ الأولِ، ومن بلغ العهدَ، لم يُغْنِه الميثاقُ (٢). (١) رواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٨/ ٨٥). (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ٣١٧).

الأعراف 7:173

﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾. [١٧٣] ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ فاقتدَيْنا بهم. قرأ أبو عمرٍو: (أَنْ يَقُولُوا) و (أَوْ يَقُولُوا) بالغيب، لأنَّ أولَ الكلامِ على الغيبة، وقرأ الباقون: بالخطاب فيهما (١)، ردًّا على لفظِ الخطابِ المتقدِّم في قوله: (ألسْتُ بِرَبِّكُمْ)؛ أي: أخاطِبُكم بذلك لئلَّا تقولوا يومَ القيامةِ: إنَّا كُنَّا عن هذا غافلينَ. ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ فتعذِّبُنا بجنايةِ آبائِنا المبطِلينَ، فلا يُمكنُهم الاحتجاجُ بذلكَ معَ الإقرارِ. * * * ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٧٤)﴾. [١٧٤] ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ أي: نُبَيِّنُها ليتدبَّرَها العبادُ. ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ من الكفرِ إلى التّوحيد، قال البغويُّ: فإن قيلَ: كيف تلزمُ الحجةُ واحدًا لا يذكرُ الميثاق؟! قيل: قد (٢) أوضحَ اللهُ الدلائلَ على وحدانيته، وصدقِ رسلِهِ فيما أخبروا، فمن أنكرَهُ، كان معانِدًا ناقِضًا للعهد، ولزمَتْه الحجةُ، وبنسيانِهم وعدمِ حفظِهم لا يسقطُ الاحتجاجُ بعدَ إخبارِ المخبرِ الصادقِ صاحبِ المعجزةِ - ﷺ - (٣). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٦٨). (٢) في "ت": "وقد". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٢٣).

الأعراف 7:175

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥)﴾. [١٧٥] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: اسرُدْ وقُصَّ عليهم، والضميرُ في (عليهم) عائد على حاضري محمدٍ - ﷺ - من الكفارِ وغيرِهم. ﴿نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ قيلَ: نزلت في أميةَ بنِ أبي الصَّلْتِ، كانَ قد قرأ الكتبَ، وعلمَ أن الله مرسِلٌ رسولًا في ذلك الزّمان، ورجا أن يكونَ هو، فلما بُعِثَ محمدٌ - ﷺ -، حسدَهُ، وكفرَ به، وقيل: نزلتْ في عالمٍ من علماءِ بني إسرائيلَ اسمُه بَلْعَمُ بنُ باعوراءَ، أُوتي علمَ بعضِ كتبِ الله، فطلبَ قومُه منه أن يدعوَ على موسى ومَنْ معه، فأبى، وقالَ: كيف أدعو على مَنْ معه الملائكةُ، فألحوا عليه، فلم يزالوا به حتّى فعلَ، فانقلبَ دعاؤه عليه، وخرجَ لسانُه على صدره، ونزع الله منه المعرفَة. ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا﴾ فخرجَ من الآياتِ. بكفرِه كما تخرجُ الحيةُ من جلدِها، ولم ينتفعْ بعلمِه (١). ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: لحقَه وصارَ قرينًا له. ﴿فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ الضالِّينَ، وهذه أشدُّ آيةٍ على العلماء، وأيُّ مصيبةٍ أعظمُ من أن يؤتى العالُم علمًا، فيكونَ وبالًا عليه؟! * * * (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٦٠٨).

الأعراف 7:176

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦)﴾. [١٧٦] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ﴾ بعلمِه. ﴿بِهَا﴾ إلى منازل الأبرارِ من العلماء. ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ﴾ اطمأنَّ. ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني: الدنيا. ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في إيثارِ الدنيا واسترضاءِ قومِه. ﴿فَمَثَلُهُ﴾ صفتُه. ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ في أخسِّ أوصافِه، وهي. ﴿إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ يدلعُ لسانَه. ﴿أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ أي: إِن زجرتَهُ بالموعظة، فلم ينزجِر، وإن تركته، لم يهتدِ، فالحالتانِ عنده سواءٌ. ﴿ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وابن عامرٍ بخلافٍ عن قالونَ: (يَلْهَثْ ذَلِكَ) بإظهارِ الثاءِ عندَ الذالِ، والباقون: بالإدغام (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٤).

الأعراف 7:177

﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ﴾ أي: اسرُدْ عليهم ما يعلمون أنّه من الغيوبِ الّتي لا يعلَمُها إِلَّا أهلُ الكتبِ الماضيةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في ذلكَ، فيؤمنون. * * * ﴿سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧)﴾. [١٧٧] ﴿سَاءَ﴾ أي: بئسَ. ﴿مَثَلًا الْقَوْمُ﴾ التقديرُ: ساءَ مثلًا مَثَلُ القومِ. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بعدَ علمِهم بها. ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي: جمعوا بينَ التكذيبِ وظلمِ أنفسهم. * * * ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾. [١٧٨] ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ أجمع القراء على إثباتِ الياءَ هنا في (المهتدي) (١). ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ تصريحٌ بأنَّ الهدى والضلالَ من الله تعالى، وفيه رَدٌّ على القدريَّةِ، وعلى من قال: إنَّ الله تعالى هدى جميعَ المكلَّفينَ، ولا يجوز أن يُضِلَّ أحدًا. * * * (١) انظر: "المقنع في رسم مصاحف الأمصار" باب: ذكر ما رسم بإثبات الياء على الأصل، (ص: ١٤).

الأعراف 7:179

﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾. [١٧٩] ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا﴾ خَلَقْنا. قرأ أبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَقَد ذرَأْنَا) بإدغامِ الدالِ في الذال، والباقون: بالإظهار (١). ﴿لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ وهم الذين حقَّتْ عليهمُ الكلمةُ الأزليةُ بالشقاوة. ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ إذ لا يُلقونها إلى معرفةِ الحقِّ. ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ﴾ سبيلَ الرشادِ. ﴿وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ مواعظَ القرآن فيؤمنون، ثمّ ضربَ لهم مثلًا في الجهلِ فقال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ﴾ في عدمِ الفهمِ والاقتصارِ على نيل الشهواتِ. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأنَّ الأنعامَ تطلبُ منافعَها، وتهربُ من مضارِّها. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ الكاملونَ في الغفلة. * * * (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٤).

الأعراف 7:180

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾. [١٨٠] رُوي أن رجلًا دعا اللهَ في صلاته، ودعا الرّحمنَ، فقال بعضُ مشركي مكةَ: إنَّ محمدًا وأصحابَه يزعمون أنّهم يعبدون ربًّا واحدًا، فما بالُ هذا يدعو اثنين؟! فأنزلَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ﴾ (١) الصفاتُ. ﴿الْحُسْنَى﴾ العُليا الدالَّةُ على معانٍ حسنةٍ. ﴿فَادْعُوهُ﴾ سَمُّوهُ ﴿بِهَا﴾. قال - ﷺ -: "إِنَّ للهِ تِسْعًا وَتِسعينَ اسْمًا، مِئَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاها، دَخَلَ الجَنَةَ، إِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحبُّ الْوِتْرَ" (٢)، ومعنى أحصاها: حفظها وهي: "هو اللهُ الّذي لا إلهَ إِلَّا هوُ الرّحمنُ الرحيمُ الملكُ القدوسُ السلامُ المؤمنُ المهيمنُ العزيزُ الجبارُ المتكبرُ الخالقُ البارئُ المصورُ الغفارُ القهارُ الوهابُ الرزاقُ الفتاحُ العليمُ القابضُ الباسطُ الخافضُ الرافعُ المعزُّ المذلُّ السميعُ البصيرُ الحكمُ العدلُ اللطيفُ الخبيرُ الحليمُ العظيمُ الغفورُ الشكورُ العليُّ الكبيرُ الحفيظُ المقيتُ الحسيبُ الجليلُ الكريمُ الرقيبُ المجيبُ الواسعُ الحكيمُ الودودُ المجيدُ الباعثُ الشهيدُ الحقُّ الوكيلُ القويُّ المتينُ الوليُّ الحميدُ المحصي المبدي المعيدُ المحيي المميتُ الحيُّ القيومُ الواجدُ (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٧٥). (٢) رواه البخاريّ (٦٠٤٧)، كتاب: الدعوات، باب: لله مائة اسم غير واحدة، ومسلم (٢٦٧٧)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: في أسماء الله تعالى وفضل من أحصاها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. الماجدُ الواحدُ الأحدُ الصمدُ القادرُ المقتدرُ المقدِّمُ المؤخِّرُ الأولُ الآخِرُ الظاهرُ الباطنُ الوالي المتعال البرُّ التوابُ المنتقمُ العفوُّ الرؤوفُ مالكُ الملكِ ذو الجلالِ والإكرامِ المقسطُ الجامعُ الغنيُّ المغني الضارُّ النافعُ النورُ الهادي البديعُ الباقي الوارث الرشيدُ الصبورُ" حديثٌ حسنٌ رواه الترمذيُّ وغيرُه (١). قال اليافعيُّ رحمه الله في كتابه "الدرّ النظيم في فضائلِ القرآنِ العظيم": وهي في القرآن على هذا الترتيب، في سورةِ الفاتحةِ خمسةٌ: اللهُ ربُّ الرّحمن الرحيمُ مالكٌ، وفي سورةِ البقرةِ ستةٌ وعشرون: محيطٌ قديرٌ عليمٌ حكيمٌ توابٌ نصيرٌ واسعٌ بديعٌ سميعٌ كافي رؤوفٌ شاكرٌ إِلهٌ واحدٌ غفورٌ حليمٌ قابضٌ باسطٌ لا إلهَ إلَّا هوَ حيٌّ قيومٌ عليٌّ عظيمٌ وليُّ غنيٌّ حميدٌ، وفي سورةِ آلِ عمرانَ ثلاثةٌ: قديمٌ وهابٌ سريعٌ، وفي سورةِ النساءِ سبعةٌ: رقيبٌ حسيبٌ شهيدٌ غافرٌ غفورٌ مُقيتٌ وكيلٌ، وفي الأنعامِ خمسةٌ: باطنٌ ظاهرٌ قادرٌ لطيفٌ خبرٌ، وفي سورةِ الأعرافِ اثنان: مُحْيي مُميتٌ، وفي سورةِ الأنفالِ اثنان: نعمَ المولى ونعمَ النصير، وفي سورةِ هودٍ سبعةٌ: حفيظٌ قريبٌ مجيبٌ قويٌّ مَجيدٌ وَدودٌ فَعَّالٌ لما يريدُ، وفي سورةِ الرعدِ اثنان: كبيرٌ مُتَعالٍ، وفي سورة إبراهيم: مَنَّانٌ، وفي سورةِ الحجِّ: باعثٌ، وفي سورةِ المؤمنين: كريمٌ، وفي سورةِ النورِ: ثلاثةٌ: نورٌ حقٌّ مبينٌ، وفي سورةِ سبأ: فتاحٌ، وفي سورة المؤمن أربعةٌ: قابلُ التوبِ شديدُ العقابِ ذو الطول غفارٌ، وفي سورة الذاريات اثنان: رزاقٌ ذو القوةِ المتينُ، وفي سورة الطورِ: بَرٌّ، وفي سورةِ القمرِ: مقتدرٌ، وفي سورة الرّحمن: ذو الجلالِ والإكرامِ، وفي (١) رواه الترمذي (٣٥٠٧)، كتاب: الدعوات، باب: (٨٣) وقال: غريب.

الأعراف 7:181

سورة الحديد أربعة: أولُ آخرُ ظاهرٌ باطنٌ، وفي سورة الحشرِ عشرةٌ: قُدُّوسٌ سلامٌ مؤمنٌ مهيمنٌ عزيزٌ جبارٌ متكبرٌ خالقٌ بارئ مصورٌ، وفي سورة البروج: مبدىٌ معيدٌ، وفي سورة الإخلاص أَحَدٌ صَمَدٌ. انتهى. ﴿وَذَرُوا﴾ اتركوا. ﴿الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ ويسمونه بما لا توقيفَ فيه، والإلحادُ: الميلُ عن الحق. قرأ حمزةُ: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاء (١)، وهما لغتان، والملحِدون: هم المشركون، عَدَلوا بأسماء الله عَمَّا هي عليه، فسمَّوا بها أوثانَهم، فزادوا ونَقَصوا، فاشتقوا اللاتَ من الله، والعزَّى من العزيز، ومناة من المنَّانِ. ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الآخرَة، وهذه الآيةُ منسوخةٌ بآيةِ السيف. * * * ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٨١)﴾. [١٨١] ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ﴾ هم المسلمون. ﴿يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يأخذونَ به. ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ في الأمرِ. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٢٥).

الأعراف 7:182

﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾. [١٨٢] ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ سنأخذُهم قليلًا قليلًا كما يترقى الدرجة درجةً درجةً. ﴿مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما نريدُ بهم. * * * ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾. [١٨٣] ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أطيلُ المدَّةَ. ﴿إِنَّ كَيْدِي﴾ أَخْذي. ﴿مَتِينٌ﴾ شديدٌ، وسمي كيدًا؛ لأنَّ ظاهرَه إحسانٌ، وباطنه خِذْلانٌ. * * * ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾. [١٨٤] رُوي أنّه - ﷺ - قامَ على الصفا ليلًا يدعو قريشًا فَخذًا فَخذًا يحذِّرُهم وقائعَ الله تعالى، فقالَ قائلُهم: إنّه مجنونٌ باتَ يصوِّتُ على الصَّفا إلى الصباح، فنزل: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ (١) أبِصاحِبهم جنونٌ أم لا؟ ثمّ نفى عنه الجنونَ بقوله: ﴿مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون. ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: ما هو. ﴿إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ واضحٌ إنذارُه. (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٢٤)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٧٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٦١٨).

الأعراف 7:185

﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾. [١٨٥] ثمّ وَبَّخَهم على تركِ النظرِ المؤدِّي إلى العلمِ فقالَ: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ﴾ أي: مُلْكِ. ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما فيهما من الصُّنع. ﴿وَمَا﴾ أي: وفي ما. ﴿خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ فيعلموا صدقَه. ﴿وَأَنْ﴾ أي: وأنّه. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ فيموتوا قبلَ الإيمان. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي: بعدَ القرآن. ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ إنْ لم يؤمنوا به؟! فإنّه ليسَ بعدَه كتابٌ، ولا بعدَ محمدٍ - ﷺ - نبيٌّ. * * * ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾. [١٨٦] ثمّ ذكرَ علةَ إعراضهم عن الإيمانِ فقالَ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ﴾ أي: يُضْلِلْهُ. ﴿الله فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وعاصم، ويعقوبُ (وَيَذَرُهُمْ) بالياء، ورفع الراء على الاستئناف؛ أي: واللهُ يذرُهم، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: بالنون والرفعِ، أي: ونحنُ

الأعراف 7:187

نذرُهم، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بالياءِ وجزمِ الراءِ عطفًا على موضعِ الفاء وما بعدَها من قوله: (فَلَا هَادِيَ لَهُ)؛ لأنّه موضعُ جزمٍ (١). ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتردَّدونَ مُتَحيرين. * * * ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾. [١٨٧] ولمّا قالت قريش للنبي - ﷺ -: إنَّ بيننا وبينكَ قرابةً، فأسرَّ إلينا متى الساعة؟ فأنزلَ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ﴾ (٢) أي: متى. ﴿مُرْسَاهَا﴾ أي: الوقتُ الذي تقومُ فيه. ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا﴾ متى يكونُ. ﴿عِنْدَ رَبِّي﴾ استأثرَ بعلمِها. ﴿لَا يُجَلِّيهَا﴾ يظهرُها. ﴿لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ لاختصاصِه به. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٨ - ٢٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٦). (٢) انظر: "تفسير عبد الرزّاق الصنعاني" (٢/ ٢٤٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٦٢٢).

الأعراف 7:188

﴿ثَقُلَتْ﴾ خَفِيَتْ. ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خفيتْ معرفتُها على أهلِها، وإذا خفيَ الشيءُ، ثقلَ. ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فجأةً على غفلةً كما قالَ -عليه السّلام-: "إِنَّ السَّاعَةَ تَهِيجُ بِالنَّاسِ والرَّجُلُ يُصْلِحُ حَوْضَهُ، والرَّجُلُ يَسْقِي مَاشِيَتَهُ، والرَّجُلُ يَقُومُ بِسِلْعَتِهِ في سُوقِه، والرَّجُلُ يَخْفِضُ مِيزَانَهُ وَيَرْفَعُهُ" (١). ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ أي: كأنكَ ألححْتَ في طلبِ علمِها فعلِمْتَها. ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ كرَّرَهُ تأكيدًا؛ أي: لا يعلمُ وقتَ مجيئِها، ولا يأتي بها فيه بغتةً إِلَّا اللهُ تعالى. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ علمَها عندَ الله، بل يَظُنُّ أكثرُهم أنّه ممّا يعلمُه البشرُ. * * * ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾. [١٨٨] قال ابنُ عباسٍ: "إنَّ أهلَ مكةَ قالوا: يا محمدُ! ألَّا يخبرُك ربُّكَ بالسعرِ الرخيصِ قبلَ أن يغلوَ، فتشتريَه وتربحَ فيه عندَ الغلاءِ، وبالأرضِ (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (١٠/ ٣١٩٧ - ٣١٩٨)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٧٥). الّتي تريدُ أن تُجْدِبَ فترتحلَ منها إلى ما قد خَصُبَت؟ فأُمر - ﷺ - بالاعترافِ بأنّه عبدٌ محكومٌ عليهِ بما نزلَ جوابًا عن قول المشركين، وهو: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ﴾ (١) أي: لا أقدرُ. ﴿لِنَفْسِي نَفْعًا﴾ أي: جلبَ نفعٍ. ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يوصلَه إليَّ من الضرِّ والنفعِ؛ فإني أملكُه؛ لاختصاصِه بي. ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ أي: لو كنتُ أعلمُ الخصبَ والجدبَ. ﴿لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ أي: المالِ لسنةِ القحطِ. ﴿وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ أي: الضرُّ والفقرُ. ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ﴾ للكافرينَ بالنارِ. ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالجنةِ. ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدِّقون. واختلافُ القراء في الهمزتين من (السُّوءُ إِنْ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى) في سورةِ البقرةِ، وقرأ أبو جعفرٍ، وقالونُ عن نافعٍ بخلافٍ عنه: (أَنَا إِلَّا) بالمدِّ حيثُ وقعَ (٢). * * * (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٧ - ١٢٨). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣١، ٢٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٧).

الأعراف 7:189

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (١٨٩)﴾. [١٨٩] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني آدمَ. ﴿وَجَعَلَ﴾ أي: خلقَ. ﴿منها زَوْجَهَا﴾ حواءَ ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ ليأنسَ بها. ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ علاها بالنِّكاحِ ﴿حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا﴾ لم يثقلْ عليها، وهي النطفةُ ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾ استمرَّتْ إلى وقتِ ميلاده. ﴿فَلَمَّا أَثْقَلَتْ﴾ أي: كبرَ الولدُ وأثقلَها حملُها وقاربت الوضعَ. ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ آدمُ وحواءُ. ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ بشرًا سويًّا قد صلحَ بدنُه. ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لكَ على هذه النعمةِ، ودلت الآيةُ على أن الحملَ مرضٌ من الأمراضِ؛ لقوله: ﴿دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا﴾ ولأجل عظمِ الأمرِ وشدةِ الخطْبِ جُعِلَ موتُها شهادةً كما وردَ في الحديث. واختلف الأئمةُ في حكمِ الحاملِ، فقال مالك: إذا مضت لها ستةُ أشهرٍ من يومِ حملَتْ، صارتْ في حكمِ المريضِ في أفعالِه، لم ينفذ لها تصرفٌ في مالها بأكثرَ من الثلثِ، وقال الثّلاثة: إنّما يكونُ ذلكَ عندَ المخاضِ، واختارَ الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: ما قاله مالكٌ. * * *

الأعراف 7:190

﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾. [١٩٠] وروي أن الخبيثَ إبليسَ جاءهما، فقال: إنَّ ولدتِهِ سَوِيًّا، فسميهِ عبدَ الحارثِ، وكانَ اسمُه في الملائكةِ الحارثَ (١). ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ كما طلبا. ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ بتسميتِهِ عبدَ الحارثِ من غيرِ اعتقادٍ لذلك، وإنّما كان شركًا في التسميةِ والصِّفَة، لا في العبادةِ والربوبية، وجاء في الحديث: "خَدَعَهُا إِبْلِيُس مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي الْجَنَّةِ، وَمَرَّةً فِي الأَرْضِ" (٢). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (شِرْكًا) بكسر الشين وإسكان الراء مع التّنوين؛ أي: ذوي شركٍ، وهم الشركاء، والباقون: بضمِّ الشينِ وفتح الراء والمدِّ والهمزِ من غيرِ تنوين، على جمع شريك، يعني: إبليس (٣)، وفي الآية قولٌ آخرُ، وهو أن الضميرَ في (آتيتَنا) و (لنكونَنْ) لهما ولأولادِهما، وفي (آتاهما) و (جعلا) لأولادِهما، وفيه حذفُ مضافٍ وإقامةُ المضافِ إليه مقامَه، تقديره: فلما آتى أولادَهما (١) رواه التّرمذيّ (٣٠٧٧)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأعراف، وقال حسن غريب، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ١١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٨٩٥)، والحاكم في المستدرك (٤٠٠٣)، عن سمرة بن جندب -رضي الله عنه-. وقد ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٢/ ٢٧٥) من ثلاثة أوجه. (٢) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٣٥). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١١٥، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٢٩).

الأعراف 7:191

صالحًا، جعلَ أولادُهما للهِ شركاء؛ بأن سَمَّوا عبد (١) شمسٍ، وعبد العزَّى، وعبد يَغوثَ، وغيرِ ذلك، كما أضافَ فعلَ الآباءِ إلى الأبناءِ في تعييرِهم بفعلِ الآباءِ فقال: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٢] ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ [البقرة: ٧٢] خاطبَ بهِ اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ - ﷺ -، وكانَ ذلكَ الفعلُ من آبائِهم، حكى المفسرون كُلًّا من التأويلينِ، وقدم البيضاويُّ في "تفسيره" هذا التأويلَ الثّاني (٢)، قال القرطبيُّ: وهو الّذي يُعَوَّلُ عليه (٣)، وقال البغويُّ: وهذا قولٌ حسنٌ لولا قولُ السلفِ وجماعةِ المفسرين إنّه في آدمَ وحواءَ (٤)، وقال الكواشيُّ: وهو أوجهٌ يعضدُه قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بأن آدمَ وحواءَ لم يكونا مشرِكينِ بإجماعٍ، ولجمعِه الضميرَ في (يشركون). * * * ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾. [١٩١] ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا﴾: إبليسَ والأصنامَ. ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: مخلوقون. * * * ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾. [١٩٢] ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ﴾ أي: الأصنامُ لعَبَدَتِهم. (١) في "ش": "بعبد". (٢) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٨٢). (٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٧/ ٣٣٨). (٤) انظر "تفسير البغوي" (٢/ ١٨٢).

الأعراف 7:193

﴿نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ من كسرٍ وغيرِه، بل عَبَدَتُهم يدفعونَ عنهم، فالمعبودُ أذلُّ من العابِد. * * * ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾. [١٩٣] ثمّ خاطب المؤمنين فقال: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ يعني: المشركين. ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ الإسلامِ. ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ قرأ نافعٌ: (يَتْبَعُوكُمْ) بإسكانِ التاءِ وفتحِ الباء، وقرأ الباقون: بفتح التاءِ مشدَّدَةٍ (١) وكسرِ الباء، وهما لغتان، يقال: تبعَه تبعًا واتّبَعه اتِّباعًا (٢). ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ﴾ إلى الدينِ. ﴿أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ﴾ عن دعائِهم؛ كما قال: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤)﴾. [١٩٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ تعبدونَ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنامَ (١) "مشددة" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٠).

الأعراف 7:195

﴿عِبَادٌ﴾ مملوكةٌ ﴿أَمْثَالُكُمْ﴾ متصرَّفٌ فيها. ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ أي: يجيبوكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن لكم عندَها منفعةً. * * * ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾. [١٩٥] ثمّ وَبَّخهم على عبادةِ مَنْ هو في غايةِ العجزِ فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا﴾ أي: يأخذونَ بشدة. رُوي عن قنبلٍ راوي ابنِ كثيرٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (أَيْدِي)، وقرأ أبو جعفرٍ: (يَبْطُشُونَ) بضمِّ الطاء، والباقون: بكسرها (١). ﴿أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ومَنْ أنتم أقدرُ منه كيفَ تعبدونه؟! احتقارًا بهم وبمعبودِهم. ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ يا معشرَ المشركين. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ ادْعُوا) بكسرِ اللامِ، والباقون: بالضمِّ (٢). ﴿ثُمَّ كِيدُونِ﴾ احتالوا أنتم وشركاؤكم في أمري وإهلاكي سريعًا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ١٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٥). (٢) انظر: "إملاء ما منَّ به الرّحمن" للعكبري (١/ ١٦٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٠).

الأعراف 7:196

﴿فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ أي: تُؤَخِّرونِ. أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ في: (كِيدُوني) وصلًا، وأثبتها في الحالين يعقوبُ، وهشامٌ بخلافٍ عن الثّاني (١)، وأثبت يعقوبُ الياءَ في (تُنْظِرُونِي) في الحالَين (٢). * * * ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾. [١٩٦] ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ أي: ناصري. واختُلِف عن أبي عمرٍو في (إنَّ وَلِيَّيَ اللهُ) فروي عن السوسيِّ حذفُ الياء وإثباتُ ياءٍ واحدةٍ مشددةٍ مفتوحةٍ، وهو الأصحُّ عنه، ورُوي عن السوسيِّ أيضًا يكسر الياء المشددةِ بعدَ الحذف، وقرأ الباقون: بياءين، الأولى مشددةٌ مكسورةٌ، والثّانية مخففةٌ مفتوحةٌ، وقد أجمعتِ المصاحفُ (٣) على رسمِها بياءٍ واحدة. ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن. ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ الذين لا يعدِلون بالله شيئًا. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣١ - ٤٣٢). (٣) في "ت ": "الصّحابة".

الأعراف 7:197

﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾. [١٩٧] ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ كرره لتببينِ أنَّ ما يعبدونه لا ينفعُ ولا يضرُّ. * * * ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾. [١٩٨] ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ أي: الأصنامَ. ﴿إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا﴾ مبالغةٌ في التوبيخ. ﴿وَتَرَاهُمْ﴾ يا محمدُ ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ يُشْبهون الناظرينَ إليك؛ لأنّهم صُوِّروا بصورةِ مَنْ ينظر إلى مَنْ يواجهُه. ﴿وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ لأنّ أعينَ الأصنامِ مصنوعةٌ. * * * ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾. [١٩٩] ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي: المساهلةَ، وهو ضدُّ الصَّعب، رُويَ أنّه لما نزلتْ هذه الآيةُ، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - لجبريلَ: "مَا هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ، وَتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ" (١). (١) رواه عبد الرزّاق في "التفسير" (٢/ ٢٤٦)، والطّبريّ في "تفسيره" (١٣/ ٣٠٣)، =

الأعراف 7:200

﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ أي: بالمعروفِ، وهي كلُّ خَصلَةٍ حميدةٍ يقتضيها العقلُ والشرعُ. قرأ أبو عمرٍو: (خُذِ الْعَفْو وَّأْمُرْ) بإدغامِ الواوِ بالواو. ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ أبي جهلٍ وأصحابِه، ونُسخت بآية السيفِ. * * * ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾. [٢٠٠] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ أي: يُحَرِّكَنَّك للشرِّ، المعنى: فإنْ يوسوسْ (١) لك الشيطانُ بوسوستِه ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ أي: استجِرْ به ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يسمعُ استعاذتَكَ، ويعلمُ ما فيه صلاحُ أمرِكَ فيحملُكَ عليهِ. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١) وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾. [٢٠١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين. ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ: (طَيْفٌ) بياء ساكنةٍ بين الطاء والفاء من غيرِ همزٍ ولا ألف؛ أي: لمسةٌ = وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٦٣٨)، عن أبي المرادي. وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٦٢٨). (١) في جميع النسخ "يوسوسك"، والصواب ما أثبت.

الأعراف 7:202

ووسوسةٌ، وقرأ الباقون: (طَائِفٌ) بألفٍ بعدَ الطاءِ وهمزةٍ مكسورةٍ بعدَه (١)، وهو ما يطوفُ حولَ الشيء. ﴿الشَّيْطَانِ﴾ المعنى: إنَّ المتقين إذا وسوسَ لهم (٢) الشيطانُ. ﴿تَذَكَّرُوا﴾ ذكروا اللهَ، واستعاذوا به. ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُون﴾ مواقعَ خطئِهم، فيستغفرون. * * * ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ [٢٠٢] ﴿وَإِخْوَانُهُمْ﴾ أي: إخوانُ الشّياطينِ من المشركينَ. ﴿يَمُدُّونَهُمْ﴾ المعنى: وإخوانُ المشركينَ من الشّياطينِ يزيدونهم. ﴿فِي الْغَيِّ﴾ وهو الضلالُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُمِدُّونَهُمْ) بضمِّ الياء وكسرِ الميمِ، من الإمدادِ، وقرأ الباقونَ: بفتح الياء وضمِّ الميم، وهو من المدِّ (٣)، ومعناهما واحد، وهو الزيادةُ. ﴿لَا يُقْصِرُونَ﴾ لا يُمسكون عن إغوائِهم. * * * ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣). (٢) في جميع النسخ: "وسوسهم"، والصواب ما أثبت. (٣) المصادر السابقة.

الأعراف 7:203

[٢٠٣] ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ﴾ يعني: إذا لم تأتِ المشركينَ. ﴿بِآيَةٍ﴾ من القرآنِ. ﴿قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ هلَّا افتعلْتَها من نفسِك؛ أي: يطلبونَ أن تكذبَ لهم. ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ لستُ بمختلقٍ للآيات. ﴿هَذَا﴾ أي: القرآنُ ﴿بَصَائِرُ﴾ حججٌ ودلائلُ. ﴿مِنْ رَبِّكُم﴾ تقودُكم إلى الحقِّ. ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ والهدى: الرشدُ، والرّحمةُ: النعمةُ. * * * ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾. [٢٠٤] ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (قُرِيَ) بفتح الياء بغيرِ همز، وقرأ ابنُ كثيرٍ: (القُرْانُ) بنقل حركة الهمزِ إلى الساكنِ قبلَها وهو الراءُ. ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ للقرآن. ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ أصغوا. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ قال ابن عباسٍ، وأبو هريرةَ، وجماعةٌ من المفسرين: "نزلتْ في الصّلاةِ خاصَّةً حين كانوا يقرؤون خلفَه -عليه السّلام-" (١)، وقيلَ (١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (١٣/ ٣٤٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٨)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٤٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٦٣٤).

الأعراف 7:205

غيرُ ذلك، وعامةُ العلماءِ على استحبابِ الإنصاتِ للقراءةِ خارجَ الصّلاة. واختلفَ الأئمةُ في القراءةِ خلفَ الإمام، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ: لا تجبُ القراءةُ على المأمومِ بحالٍ في صلاةِ جهرٍ ولا سِرٍّ، ويُستحبُّ له عندَ مالكٍ أن يقرأ في صلاةِ السرِّ الفاتحةَ، وقالَ أحمد: يُسَنُّ، وخالفَهما أبو حنيفةَ، واستدلُوا بالآيةِ على عدمِ الوجوبِ، وقال الشّافعيُّ: تجبُ على المأمومِ قراءةُ الفاتحةِ فيما أسرَّ به الإمامُ وما جهرَ، واستدلَّ بقولِه عليه السّلام: "لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا" (١). * * * ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾. [٢٠٥] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ عامٌّ في الأذكارِ من القراءة والدعاءِ وغيرِهما ﴿تَضَرُّعًا وَخِيفَة﴾ مستكينًا إليَّ متخوِّفًا مِنِّي. ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْل﴾ دونَ رفعِ الصوتِ والصياح فيه. ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ البُكَرِ ﴿وَالْآصَالِ﴾ العَشِيّاتِ، جَمْعُ أَصْلٍ، وهو ما بينَ العصرِ والمغربِ. ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ عن ذكرِ الله تعالى. (١) تقدّم تخريجه.

الأعراف 7:206

﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾. [٢٠٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يعني: الملائكةَ. ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ ويُنَزِّهونهَ. ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يخصُّونه بالعبادةِ، وهو تعريضٌ بمن عداهم من المكلَّفينَ، ولذلك شُرِعَ السجودُ لقراءته، وعن النبيِّ - ﷺ -: "إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا وَيْلَهُ! أُمِرَ هَذَا بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَعَصَيْتُ فَلِي النَّارُ" (١). واتفق الأئمةُ على أن هذا موضعُ سجودٍ للقارئ. وأمّا عددُ سجداتِ القرآنِ، فهي خمسَ عشرةَ سجدةً، أولُها خاتمةُ الأعرافِ، وآخرُها خاتمةُ العَلَق، منها خمسُ سجداتٍ مختلَفٌ فيها، وهي ثانيةُ الحجِّ عندَ الشّافعيِّ وأحمدَ هي من عزائمِ السجودِ، خلافًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ، وسجدةُ ﴿صَ﴾ عند أبي حنيفةَ ومالكٍ خِلافًا للشافعيِّ وأحمدَ؛ فإنها عندَهما سجدةُ شكر تُستحبُّ في غيرِ الصّلاةِ، فلو سجد بها فيها عالمًا عمدًا، بطلَتْ صلاتُه عندهما، وسجداتُ المفصَّل، وهي: النجمُ، والانشقاقُ، والعلّقُ عندَ الثّلاثة، خلافًا لمالكٍ، والعشرُ الباقيةُ متفقٌ عليها، وهي آخرُ الأعراف، والرعد، والنحل، والإسراء، ومريم، والأُولى في الحجِّ، والفرقان، والنمل، والم تنزيل، وحم السجدة، ومحلُّها في حم (١) رواه مسلم (٨١)، كتاب: الإيمان، باب: بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصّلاة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. عند مالكٍ عندَ (١) قوله: ﴿إياه تعبدون﴾، وعند الثّلاثة عند قوله: ﴿لا يسئمون﴾. وسجودُ التلاوةِ كالصلاةِ يُشترطُ له (٢) الطهارةُ، واستقبالُ القبلةِ بالاتفاقِ، ولا يُسجد له في وقتِ نهيٍ عند الثّلاثة، خلافًا للشافعيِّ. واختلفوا في حكم سجودِ التلاوة، فقال أبو حنيفةَ: هو واجبٌ على التالي والسامع، سواء قصدَ السماعَ أو لم يقصدْ، فإذا أرادَ السجودَ، كَبَّرَ وسجدَ بلا رفعِ يدٍ، ثمّ كبر ورفعَ، ولا تشهُّدَ عليه ولا سلامَ، ومن تلاها في الصّلاة فلم يسجدها، سقطتْ عنه، ولو تلاها فيها، إن شاءَ ركعَ، وإن شاءَ سجدها، ثمّ قام فقرأ، وهو الأفضلُ. وقالَ مالكٌ: هو فضيلةٌ للقارئ وقاصدِ الاستماعِ إنَّ كانَ القارئُ يصلُح للإمامة، ويكبرُ لخفضِهِ ورفعِه، وليس له تسليمٌ، وتُكره قراءتُها في صلاةِ الفرضِ جهرًا أو سِرًّا، ويسجدُ في صلاةِ النفلِ مطلقًا. وقال الشّافعيُّ: هو سنةٌ للقارئ والمستمعِ والسامع، فإن قرأ في الصّلاة، سجدَ الإمامُ والمنفردُ لقراءتِهِ فقطْ، والمأمومُ لِسجدةِ إمامِه، فإن سجدَ إمامُه، فتخلف أو انعكس، بطلَتْ صلاتُه، ولا تُكره قراءتها في جهريَّةٍ ولا سرية، وإذا سجدَ خارجَ الصّلاة، نوى، وكبرَ للإحرام رافعًا يديه، ثمّ للهُوِيِّ بلا رفعٍ، وسجدَ كسجدةِ الصّلاة، ورفع مكبرًا، وسلَّم من غير تشهُّد، والاختيارُ تركُ القيامِ له، وإن سجدَ في الصّلاةِ، كبر للهُوِيِّ والرفع، ولا يرفعُ يديه، ولا يجلسُ للاستراحة. (١) في "ت": "بعد". (٢) في "ن": "لها". وقال أحمدُ: هو سنةٌ للقارئ والمستمع دونَ السامعِ، ويعتبر أن يكونَ القارئُ يصلُحُ إمامًا، فلا يسجدُ قدامَ إمامِه، ولا عن يسارِه مع خلوِّ يمينه، ولا رجلٌ بتلاوةِ امرأةٍ وخنثى، وسجودُه عن قيامٍ أفضلُ، ويكبر إذا سجدَ وإذا رفع، والسلامُ ركنٌ وتجزئُ واحدة بلا تشهُّدٍ، وإن سجدَ إمامٌ في صلاةِ جهر أو خارجَها، سُنَّ رفعُ يديهِ كالمنفردِ مطلقًا، ويلزمُ المأمومَ متابعتُه في صلاة الجهرِ، فلو تركَه عمدًا، بَطَلَتْ صلاتُه، وإذا قامَ المصلِّي من سجودِ التلاوةِ، فهو مُخَيَّرٌ بينَ القراءةِ والركوعِ بدونها، ويُكره للإمام قراءةُ سجدةٍ في صلاةِ سرٍّ، والسجودُ لها، فإن فعلَ، فالمأمومُ مخيرٌ بين اتِّباعِه وتركِه. واختلفوا في سجودِ الشكرِ عندَ تجدُّد النعمِ واندفاعِ النِّقَم، فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: يُكره، فيقتصر على الحمدِ والشكرِ باللسانِ، وخالفَ أبو يوسفَ ومحمدٌ أبا حنيفةَ، فقالا: هي قُرْبَةٌ يثاب عليها، وقال الشّافعيُّ وأحمدُ: يُسَنُّ، وحكمُه عندَهما كسجودِ التلاوة، لكنه لا يُفعل في الصّلاة، واللهُ أعلم. * * *

الأنفال 8:1

سُوْرَةُ الأَنْفَال مدنيّةٌ بدريَّةٌ، وآيها خمسٌ وسبعونَ آيةً، وحروفها خمسة آلافٍ ومئتانِ وأربعةٌ وتسعونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ ومئتانِ وإحدى وثلاثونَ كلمةً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾. [١] لما خرجَ رسولُ الله - ﷺ - إلى بدرٍ، ولَقُوا العدوَّ، افترقَ أصحابُ رسولِ اللهِ - ﷺ - ثلاثَ فِرَقٍ: فرقة أقامتْ معَ رسولِ اللهِ - ﷺ - في العريشِ الّذي صُنِعَ له وحَمَتْهُ وآنَسَتْهُ، وفرقةٌ أحاطتْ بعسكرِ العدوِّ لما انكشفوا، وفرقةٌ اتّبَعوا العدوَّ، فقتلوا وأَسَروا، وكانتِ الواقعةُ صبيحةَ الجمعةِ لسبعَ عشرةَ ليلةً خلتْ من شهرِ رمضانَ من السنَّةِ الثّانيةِ من الهجرةِ الشريفةِ، وتقدم ملخَّصُ القِصَّةِ في سورةِ آلِ عمرانَ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، وكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قد حَرَّضَ الناسَ قبلَ ذلكَ وقالَ: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا أَوْ أَسَرَ أَسِيرًا فَلَهُ كَذَا"، فسارعَ الشبانُ وبقيَ الشيوخُ عندَ الراياتِ، فلما انجلتِ الحروبُ، واجتمعَ النّاسُ، رأتْ كلُّ فرقةٍ الفضلَ لنفسِها، وقالتْ: نحن أَوْلى بالمغانم، وساءَتْ أخلاقُهم في ذلكَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ (١) الغنائِمِ، واحدُها نَفَلٌ بتحريكِ الفاءِ، وهو الزيادةُ؛ لأنّها عَطِيَّةٌ من اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لهذهِ الأمةِ. ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أمرُها له، فيقسِمُها الرسولُ على ما يأمرُه اللهُ به، فقسمَها رسولُ الله - ﷺ - بينَهم على السَّواء. واختلفوا فيما إذا قالَ الإمامُ: من فعلَ كذا، فله كذا، ومن جاء بكذا، فله كذا، فقال أبو حنيفةَ: يجوزُ ذلكَ قبلَ إحرازِ الغنيمةِ، وقبلَ أن تضعَ الحربُ أوزارَها؛ لما فيه من التحريضِ على القتال، واستدلَّ بما قال عليه السّلام يوم بدرٍ، وأمّا بعدَ الإحرازِ، يُنَفَّلُ من الخمس. وقال مالكٌ: يُكره؛ لئلَّا يشوبَ قصدَ المجاهدين إرادةُ الدنيا؛ فإن شَرَطَه، كانَ من الخمس، لا من أصلِ الغنيمةِ. وقال الشّافعيُّ: يجوزُ، ويكون من المصالحِ المرصَدَةِ ببيتِ المال. وقال أحمد: يجوزُ ما لم يجاوزْ ثلثَ الغنيمةِ بعدَ الخمس. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ولا تختلفوا بسببِ حُطام الدنيا ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ الحالَ الّتي بينكم بتركِ الاختلافِ. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيه (٢) ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ كاملي الإيمان. (١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (١٣/ ٣٦٧)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (٦/ ٣١٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٨ - ١٢٩)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٦). (٢) قوله: " ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيه" سقط من "ت".

الأنفال 8:2

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾. [٢] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ والإيمانِ، و (إنّما) لفظٌ لا تفارقُه المبالغةُ والتأكيدُ حيثُ وقعَ. ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ استِعْظامًا له. ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ يقينًا وتصديقًا. ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يفوِّضونَ أمرَهم إليه. * * * ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾. [٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ سُجودًا ورُكوعًا وقِيامًا. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدَّقون. * * * ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾. [٤] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ يقينًا، لا شك في إيمانهم. ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ منازِلُ وشرفٌ في الجنَّة. ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ لذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ حَسَنٌ أُعِدَّ لهم في الجنةِ. * * *

الأنفال 8:5

﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ﴾ أي: كما أمرَكَ بالخروجِ. ﴿مِنْ بَيْتِكَ﴾ أي: من المدينةِ إلى بدرٍ إخراجًا. ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالوحي خبرٌ مبتدؤُه محذوفٌ، تقديرُه: هذهِ الحالُ في كراهتِهم إياها كحالِ إخراجِكَ للحربِ على كراهتهم له. ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ أي: أخرجَكَ في حالِ كراهتهم، وذلك أن عيرَ قريشٍ أقبلتْ من الشامِ مع أبي سفيانَ، ومعها أربعون راكبًا، فأعلمَ جبريلُ النبيَّ - ﷺ - بها، فأعلمَ أصحابه، فَسُرُّوا وأحبوا الخروجَ إليها لكثرةِ المالِ وقلةِ الرجال، فأُعْلِمَتْ قريشٌ بذلك، فخرج أبو جهل ومعه مقاتِلَةُ مكةَ ذابًّا عنها، وهم النَّفْيرُ، فعلم أبو سفيانَ ذلك، فأخذ بها طريق الساحل فنجت، فقيل لأبي جهلٍ: ارجعْ بالناس، فقد نجتِ العيرُ، فأبى، وسارَ بمن معه إلى بدرٍ، فشاورَ - ﷺ - أصحابَهُ في لقاء العيرِ أو النَّفْيرِ، فقال أبو بكرٍ فأحسنَ، وقال عمرُ فأحسنَ، وقال المقدادُ بن عمرو: "امضِ بنا يا رسولَ الله، فنحن معكَ، واللهِ ما نقولُ لكَ كما قالتْ بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا هاهنا قاعدون، ولكنِ اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إِنَّا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرتَ بنا إلى بَرْكِ الغِماد؛ يعني: مدينة الحبشة، لجالَدْنا معكَ من دونِه حتّى تبلُغَه"، فدعا له - ﷺ -، ثمّ قال: "أَشِيرُوا عَلَيَّ" يريدُ: الأنصار، فقال سعدُ بنُ معاذٍ: "لَكأنَّكَ تريدُنا يا رسول الله؟ فقال: "أَجَلْ"، فقال: امضِ يا رسول الله لما أردْتَ، والذي بعثَكَ بالحق! لو استعرضْتَ بنا هذا البحرَ فَخُضته لَخُضناهُ

الأنفال 8:6

معكَ، ما تخلَّفَ منا واحدٌ، وما نكرهُ أن تَلْقَى بنا عَدُوَّنا، وإنا لَصُبرٌ في الحرب، صُدقٌ في اللِّقاء"، فَسُرَّ - ﷺ - بذلك، ثمّ قال: "سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللهِ؛ فَإنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، واللهِ لَكَأَنِّي الآنَ أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ" (١). * * * ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ﴾ وذلكَ أنّهم قالوا لرسول الله - ﷺ -: ما خرجْنا إِلَّا للعير، هَلَّا قلتَ لنا فنستعدَّ للقتال. ﴿بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ لهم أنّهم يُنصرون بإعلامِ اللهِ ورسوله. ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ أي: حينَ يُدْعون إلى القتال. ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ يشاهِدونَ أسبابَه، وقيلَ: هؤلاءِ المشركونَ جادلوه في الحقِّ كأنما يُساقون إلى الموت حينَ يُدْعون إلى الإسلامِ؛ لكراهتهم إياه. * * * ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧)﴾. (١) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٢/ ١٤)، و"تفسير الطّبريّ" (١٣/ ٣٩٩)، و"المستدرك" للحاكم (٣/ ٢٨٣)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٨٩)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ١٢)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢٦).

الأنفال 8:7

[٧] ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ﴾ أي: واذكر إذ يعدكم الله. ﴿إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ﴾ العيرَ أو النَّفْيرَ ﴿أَنَّهَا لَكُمْ﴾ أي: إحداهما. ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ﴾ يعني: العيرَ الّتي ليسَ فيها قتال، والشوكةُ: شدةُ البأس. ﴿تَكُونُ لَكُمْ﴾ وكان أبو سفيانَ مع العير، وأبو جهل مع النَّفْير. قرأ أبو عمرٍو: (الشَّوْكَة تكُونُ) بإدغامِ التاءِ في التاء (١). ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ﴾ يظهرُه ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأمرِه إياكم بالقتال. ﴿وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: إنّما تَوَدُّون لقاءَ العير، والله يودُّ لقاءَ النَّفْير؛ ليعزَّ الإسلامَ، ويستأصلَ الكفَّارَ بالهلاك. * * * ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ﴾ ليثبتَ الإسلامَ ﴿وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ يمحقَ الكفر. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. * * * ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾. [٩] ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾ أي: اذكر إذ تستغيثون ﴿رَبَّكُمْ﴾ واستغاثَتُهم (١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٤/ ٤٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٨). أنّهم لما علموا أَنْ لا محيصَ من القتال، أخذوا يقولون: أَيْ رَبّ! انصرْنا على عدوِّكَ، أغثنا يا غياثَ المستغيثين. وعن عمرَ رضي الله عنه: لما نظرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى المشركينَ وهم ألفٌ، وأصحابُه ثلاثُ مئةٍ وبضعةَ عشرَ، دخل العريشَ هو وأبو بكرٍ، واستقبلَ القبلةَ، ومدَّ يديه يدعو: "اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ" وما زالَ كذلكَ حتّى سقطَ رداؤُه عن منكبيه، فأخذه أبو بكرٍ فألقاه على مَنْكِبيه، ثمّ التزمه من ورائه وقال: "يا نبيَّ الله! كفاكَ مُناشَدَتَكَ رَبَّكَ؛ فإنه سينجزُ لكَ ما وعدكَ" (١). ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مُمِدُّكُمْ﴾ مُعينكم. ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ: (مُرْدَفِينَ) بفتح الدال؛ أي: أردفَ الله المسلمين، وجاء بهم مَدَدًا، وقرأ الباقون: بكسر الدال؛ أي: متتابعين بعضُهم في إثرِ بعض (٢). وروي أنّه نزلَ جبريلُ في خمس مئةٍ، وميكائيلُ في خمس مئةٍ في صورة الرجالِ على خيلٍ بُلْقٍ عليهم ثيابٌ بِيض، وعلى رؤوسهم عمائمُ بيضٌ قد أَرْخَوا أطرافَها بين أكتافِهم (٣). (١) رواه مسلم (١٧٦٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٣٩). (٣) انظر: "تفسير الطّبريّ" (٤/ ٨٣)، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ١٠٢ - ١٠٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٣١٠).

الأنفال 8:10

وعن ابنِ عبّاس رضي الله عنهما: أن النبيَّ - ﷺ - قال يوم بدر: "هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ عَلَيْهِ أَدَاةُ الْحَرْبِ" (١). وقالَ ابنُ عباسٍ: "كانتْ سيما الملائكةِ يومَ بدرٍ عمائمُ بيضٌ، ويومَ حُنينٍ عمائمُ حمر، ولم تقاتل الملائكةُ في يوم سوى يومِ بدرٍ، وكانوا يكونون فيما سواه عَدَدًا ومَدَدًا" (٢). وتقدم في سورةِ آلِ عمران أنَّ جبريلَ كان يومَ بدرٍ بعمامةٍ صفراءَ على مثالِ عمامةِ الزبيرِ بن العوَّام. * * * ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾ أي: الإمدادَ بالملائكة. ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾ أي: بشارة لكم بالنصر. ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزولَ ما بها من الوَجَل. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ وإمددُ الملائكةِ وكثرةُ العدد لا تأثيرَ لها، فلا تحسبوا النصرَ منها. * * * (١) رواه البخاريّ (٣٧٧٣)، كتاب: المغازي، باب: شهود الملائكة بدرًا. (٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٠٨٥).

الأنفال 8:11

﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١)﴾. [١١] ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (يَغْشاكُمُ) بفتح الياء فعلًا. ﴿النُّعَاسَ﴾ فاعلُه، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (يُغْشِيكُمُ) بضم الياء وكسر الشين خفيفةً (النعاسَ) نصبٌ، وقرأ الباقون: بضم الياء وكسر الشين مشدَّدًا و (النعاسَ) نصبٌ، وهو مفعول، والفاعلُ مضمَرٌ يرجع إلى الله تعالى (١). ﴿أَمَنَةً﴾ أمنًا ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الله، قال عبدُ الله بنُ مسعود: "النعاسُ في الحرب أمنةٌ من الله، وفي الصّلاةِ وسوسةٌ من الشيطان" (٢). ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ من الأحداث والجنابة، وذلك أن المسلمين نزلوا يومَ بدر على كثيبٍ أعفرَ تسوخُ فيه الأقدام، وسبقَهم المشركون إلى ماءِ (٣) بدر، وأصبح المسلمون وقد أجنبَ بعضُهم، وأحدثَ بعضُهم، وعطشوا، فوسوس إليهم الشيطانُ وقال: لو كنتم على الحقِّ، ما كنتم كذا، والمشركون على ماء بدر، فجاء المطرُ فارتووا هم وركابُهم، وتطهروا من الأحداث. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٠). (٢) رواه عبد الرزّاق في "المصنِّف" (٤٢١٩)، وابن أبي شيبة في "المصنِّف" (١٩٣٩٤)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٩٤٥١). (٣) "ماء" زيادة من "ظ".

الأنفال 8:12

﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: وسوستَهُ، وسَمَّى الوسواسَ رجزًا، لأنّه سببُ الرجزِ، وهو العذابُ. ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ﴾ أي: يشدَّ عليها بالصبرِ واليقين. ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ﴾ أي: بالماء ﴿الْأَقْدَام﴾ لئلا تسوخَ في الرمل؛ فإنّه لَبَّدَ الأرضَ. * * * ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾. [١٢] ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ الذين أمدَّ بهم المؤمنين. ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ بالعونِ والنصرِ. ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقتالِكم معهم، وبشارتِكم لهم بالنصر، فكان الملَكُ يمشي بين الصفين في صورةِ الرجلِ يقول للمؤمنين: أَبْشِروا بالنصر؛ فإن الله ناصرُكم. ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ أي: الخوفَ من أوليائي. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (الرُّعُبَ) بضم العين، والباقون: بالإسكان (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١، ١١٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٢).

الأنفال 8:13

﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ﴾ أي: الرؤوس؛ لأنّها فوق الأعناق. ﴿وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ هي المفاصلُ والأطرافُ، قال ابنُ الأنباري: ما كانت الملائكةُ تعلم (١) كيفَ تقتلُ الآدميين، فعلَّمهم اللهُ تعالى. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾. [١٣] فلما التقى الصفان، انهزم المشركون، وقُتل منهم سبعون، وأُسر منهم سبعون، منهم العباسُ رضي الله عنه. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، وخبرُه: ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: جادلوه وجانبوا دينَهُ، والكافُ لخطابِ النَّبيِّ - ﷺ - أي: ذلكَ العذابُ الواقعُ بهم بسببِ مشاقَّتِهم اللهَ ورسولَه. ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمشاقَّةُ: المخالفةُ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ بما أعدَّ لهم في الآخرة بعدَ ما حاق بهم في الدنيا. * * * ﴿ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾. [١٤] ﴿ذَلِكُمْ﴾ خطابٌ للكفارِ على سبيل الالتفات؛ أي: ذلكم العقابُ. (١) في "ت": "تعرف".

الأنفال 8:15

﴿فَذُوقُوهُ﴾ عاجلًا. ﴿وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ أي: واعلموا أن للكافرين آجِلًا في المعادِ. ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾. عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- قال: قيلَ لرسولِ - ﷺ - حينَ فرغَ من بدرٍ: عليكَ بالعيرِ ليس دونَها شيء، فناداهم العباسُ وهو أسير (١) في وَثاقه: لا يصلحُ، فقال رسول الله: "لمه؟ " قال: لأنّ الله وعدَك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدَك (٢)، فكره بعضُهم قوله. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ والتزاحُفُ: تقارُبُ القوم إلى القوم في القتال ببطء، والمعنى: إذا لقيتُم الكافرين وهم في غايةِ الكثرة. ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ أي: لا تولُّوهم ظهورَكم مُنْهزمينَ. * * * ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾. (١) "أسير" ساقطة من "ت". (٢) رواه الترمذي (٣٠٨٠)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأنفال، وقال: حسن صحيح، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣١٤).

الأنفال 8:16

[١٦] ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ ظهرَه. ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ بأنْ يريَهم الفَرَّةَ وهو يريدُ الكَرَّةَ. ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ منضَمًّا إلى جماعة يريدون العودَ إلى القتال؛ أي: من انهزمَ إِلَّا على هذه النية. ﴿فَقَدْ بَاءَ﴾ رجعَ ﴿بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ﴾ أي: مُقامُه. ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هذا إذا لم يزدِ العدوُّ على الضَّعْفِ؛ لقوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية [٦٦]. واختلفوا في حكم الآية، فقال قومٌ: هو خاصٌّ بأهلِ بدر، واحتجوا بقوله: (يَوْمَئِذٍ)، قالوا: وهو إشارة إلى يومِ بدرٍ، وأنّه نُسخ حكمُ الآيةِ بآيةِ الضعيف، وبقي الفرارُ من الزحفِ ليسَ كبيرةً، وقد فرَّ النّاسُ يومَ أحد، فعفا الله عنهم، وقال يومَ حنين: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]، ولم يعنِّفْ على ذلك، وإليه ذهبَ أبو حنيفةَ، وقال آخرون: حكمُ الآية باقٍ إلى يوم القيامة، فلا يجوزُ الفرارُ إِلَّا إذا زادَ الكفارُ على ضعفِ المسلمينِ، وليس في الآية نسخٌ، والدّليل عليه أنّها نزلت بعدَ القتالِ وانقضاءِ الحرب، وذهابِ اليوم بما فيه، وأمّا يومَ أحد، فإنّما فر النَّاس من أكثرَ من ضعفِهم، ومع ذلك عُنِّفوا، وأمّا يومَ حنين، فكذلك، وإلى هذا ذهب مالكٌ والشّافعيُّ وأحمدُ. * * * ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)﴾. [١٧] ولما التقى الجمعان ببدر، أخذ - ﷺ - كَفًّا من حصباءِ الوادي معه ترابٌ، وألقاه في وجوه القوم وقال: "شَاهَتِ الْوُجُوهُ"، فلم يبقَ منهم أحدٌ إِلَّا دخل عينيه ومَنْخِرَيه منه شيءٌ، فانهزموا (١)، وتمكَّن المسلمون منهم قتلًا وأَسْرًا، فلما رجعوا، قال بعضُهم: قتلتُ فعلتُ، فنزلَ تأديبًا: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ (٢) بقوَّتكم؛ لضعفِكم عنهم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ بنصرِه إياكم. ﴿وَمَا رَمَيْتَ﴾ يا محمدُ رميًا توصلُه إلى أعينِهم، ولم تقدرْ عيه. ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾ أتيتَ بصورةِ الرميِ. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ أي: بلغَ التراب أعينَهم، إذ ليس في وُسع أحدٍ من البشر أن يرميَ كفًّا من الحصى إلى وجوه جيش فلا يبقى فيهم عينٌ إِلَّا ويصيبُها منه شيء. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنِ) في الحرفين خفيفةَ النون (اللهُ) رفعٌ، والباقون: (وَلَكِنَّ) مشددةَ النون (اللهَ) نصبٌ (٣)، ومعنى (لكن) نفيُ الخبرِ الماضي وإثباتُ المستقبل، وقرأ ورشٌ عن نافعٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وخلفٌ: (رَمَى) بالإمالة (٤). ﴿وَلِيُبْلِيَ﴾ اللهُ ﴿الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا﴾ أي: لينعمَ عليهم نعمةً (١) رواه مسلم (١٧٧٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين. (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٢٩). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٤٤، ٢٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٣). (٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٣).

الأنفال 8:18

حسنةً، وهي الغنيمةُ في الدنيا، والجنةُ في الأخرى، والإبلاءُ هنا: الإعطاءَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لدعائِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتِكم. * * * ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: القتلُ والإبلاءُ الحسنُ. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ﴾ مُضْعِفُ. ﴿كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ أي: المقصودُ إبلاءُ المؤمنين، وإبطالُ حيلِ الكافرين. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (مُوَهِّنٌ) بفتح الواو وتشديد الهاء وبالتنوين ونصب (كَيْدَ)، وروى حفصٌ عن عاصمٍ: بالتخفيف من غير تنوين وخفضِ (كَيْدِ) على الإضافة، والباقون: بالتخفيف والتّنوين ونصب (كَيْدَ) (١). * * * ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ تستنصِروا، الخطابُ للكفارِ على سبيلِ التهكُّمِ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٤).

الأنفال 8:20

بهم، وذلك أنّهم حينَ أرادوا الخروجَ من مكةَ، أخذوا بأستارِ الكعبةِ وقالوا: اللهمَّ انْصر أعلى الجُنْدَين، وأهدى الفئتين، وأكرمَ الحزبين، وأفضلَ الدينين، فنزلت الآية. ﴿فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ (١) النصرُ. ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الكفرِ وحربِ الرسول - ﷺ -. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من ذلكَ، فلم ينتهوا، فقُتل أبو جهل وغيرُه من المشركين. ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ لحربِه ﴿نَعُدْ﴾ لنصرِه. ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ﴾ جماعتُكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء. ﴿وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ فئتكم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصرِ والمعونة. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (وَأَنَّ الله) بفتح الهمزة؛ أي: ولأن الله، وقرأ الباقون: بالكسر على الابتداء (٢). * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ أي: (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٥).

الأنفال 8:21

لا تُعْرِضوا عن الرسول. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثير: (وَلَا تُوَلُّوا) بالمدِّ وتشديد التاء (١). ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ مواعظَ القرآنِ. * * * ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا﴾ بآذانِنا. ﴿وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ بقلوبِهم؛ لأنّهم غيرُ مصدِّقين، نزلت في المنافقين. * * * ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾. [٢٢] ثمّ قَبَّحَ حالَ المكذِّبين فقال: أي: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: جميعِ ما دبَّ على الأرض. ﴿الصُّمُّ﴾ عن الحقِّ ﴿الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَمْرَ الله، سُمُّوا بالدوابِّ؛ لقلةِ انتفاعِهم بعقولهم كما قال: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. قال ابنُ عبّاس: "هُمْ نَفَرٌ من بني عبدِ الدَّارِ بن قصيٍّ، كانوا يقولون: نحن صُمٌّ بكمٌ عميٌ عما جاءَ به محمدٌ فقُتلوا جميعًا بأُحد، وكانوا أصحابَ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٦)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٢/ ٤٤٦).

الأنفال 8:23

اللواء، ولم يُسلم منهم إِلَّا رجلان: مصعبُ بنُ عميرُ، وسوبيطُ بنُ حرملةَ. * * * ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ﴾ سماعَ التفهُّم والقبولِ. ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ بعدَ أن علمَ أن لا خيرَ فيهم، ما انتفعوا بذلك، و ﴿لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الإيمان عنادًا. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الرسولُ. ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ من العلمِ والدينِ، كان - ﷺ - دعا أُبيًّا وهو في صلاتِه، فلم يُجبه، ثمّ أتاه فقال: "ما مَنَعَكَ أَنْ تُجِيبنَي؟! "، فقالَ: كنتُ في الصّلاةِ، فقال: "ألم تسمعْ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ﴾ الآيةَ؟ "، فقال أبي: لا جرمَ لا تدعوني إِلَّا أجبتُ (١)، وهذا من خصائِصه - ﷺ - أنّه إذا دعا إنسانًا في الصّلاةِ يجبُ عليه قطعُها وإجابتُه. (١) رواه التّرمذيّ (٢٨٧٥)، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل فاتحة الكتاب، وقال: حسن صحيح، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الأنفال 8:25

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي: يملك عليه قلبَه فيصرفه كيف شاءُ ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم. * * * ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ عذابًا. ﴿لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ يعني: لا تَختصُّ الظالمين، بل تعمُّ، قيل: نزلتْ في عليٍّ وعمارٍ وطلحةَ والزبيرِ، والفتنةُ يومَ الجمل، رُوي أن الزبيرَ بنَ العوامِ قال يومَ الجمل: "ما علمتُ أنا أُرِدْنا بهذهِ الآية إِلَّا اليومَ، وما كنتُ أظنُّها إِلَّا فيمن خوطبَ بها ذلكَ الوقت"، قال - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِفِعْلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِروهُ فَلَا يُنْكِرُونَهُ، فَإذَا فَعَلُوا ذَلِك، عَذَّبَ اللهُ الْعَامَّةَ وَالْخَاصَّةَ". ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وعيدٌ. * * * ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَاذْكُرُوا﴾ يا معشرَ المهاجرين. ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مكةَ قبلَ الهجرةِ.

الأنفال 8:27

﴿تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ﴾ يستَلِبَكُم النّاسُ بسرعة؛ لأنّهم كانوا جميعًا عدوًا لكم. ﴿فَآوَاكُمْ﴾ إلى المدينةِ ﴿وَأَيَّدَكُمْ﴾ قَوَّاكم. ﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكم بالأنصارِ وبملائكتِه يومَ بدرٍ. ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الغنائمِ؛ لأنّها لم تحلَّ لأحدٍ قبلَكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ نزلت في أبي لُبابةَ هارونَ بنِ عبدِ المنذرِ الأنصاريِّ من بني عوفِ بنِ مالكٍ، رُوي: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - حاصرَ يهودَ بني قريظةَ خمسًا وعشرينَ ليلةً، فسألوا: الصلحَ كما صالحَ إخوانَهم بني النضير على أن يسيروا إلى إخوانهم بأذرعات وأريحا من الشّام، فأبى وقالَ لهم: تنزلون على حكمي، فأَبَوا، فقال: على حكمِ سعدِ بنِ معاذٍ، فرضُوا به، وقالوا: أرسلْ إلينا أبا لبابةَ، وكان مناصِحًا لهم؛ لأنّ عيالَه ومالَه كانت عندَهم، فبعثَه إليهم، فقالوا: ما تَرَى هل ننزلُ على حكمِ محمدٍ؟ فأشارَ أبو لبابةَ إلى حلقِه أنّه الذبحُ، قالَ أبو لبابة: فما زالتْ قدمايَ حتّى علمتُ أني خُنتُ اللهَ ورسولَه، فنزلَتْ، فَشدَّ نفسَهُ على ساريةٍ في المسجد، وقال: واللهِ لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتّى أموتَ، أو يتوبَ الله عليَّ، فمكثَ سبعةَ أيّام حتّى خَرَّ مغشِيًّا عليه، ثمّ تابَ الله عليه، فقيلَ له: قد تيبَ عليك، فَحُلَّ نفسَكَ، فقال: واللهِ لا أحُلُّها حتّى يكونَ

الأنفال 8:28

رسولُ الله - ﷺ - هو الّذي يحلُّني، فجاءه فحلَّه بيده، فقال: إنَّ من تمامِ توبتي أن أهجرَ دارَ قومي الّتي أصبتُ فيها الذنبَ، وأن أنخلعَ من مالي، فقال - ﷺ -: "يُجْزِئُكَ الثُّلُثُ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِهِ"، وسيأتي ذكرُ القصةِ في سورةِ الأحزابِ إن شاء الله تعالى، وأصلُ الخون: النقصُ، كما أن أصلَ الوفاء: التمامُ، واستعمالُه في ضدِّ الأمانة؛ لتضمُّنِه إياه. ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ أي: ولا تخونوا أماناتِكم فيما بينكم. ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبحَ الخيانة. * * * ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ لأنهم سببُ الوقوع في الإثم والعقابِ، قيل: هذا في أبي لبابة أيضًا؛ لأنّ أموالَه وأولاده كانوا في بني قريظة، فقالَ ما قالَ خوفًا عليهم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر رضا الله عليهم. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعتِه. ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ فتحًا ونصرًا وتفرقًا بين الحقِّ والباطلِ. ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يمحو ما سلَفَ من ذنوبِكم.

الأنفال 8:30

﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالتجاوز والعفوِ عنكم. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ تنبيهٌ على أن ما وعده لهم على التقوى تفضلٌ منه وإحسانٌ، وأنّه ليس ممّا يوجبُ تَقَوِّيَهُمْ عليه؛ كالسيدِ إذا وعدَ عبدَه إنعامًا على عمل. * * * ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تذكارٌ لما مكرَ قريشٌ به حين كان بمكةَ؛ ليشكرَ نعمةَ الله في خلاصِه من مكرِهم، واستيلائِه عليهم، والمعنى: واذكرْ إذ يمكرون بكَ، وكان ذلك المكرُ أن أكابرَ قريش اجتمعوا في دارِ الندوة بمكةَ مشاورين في الفتك برسول الله - ﷺ - بعد إسلامِ الأنصار، فاعترضهم إبليسُ في صورة شيخٍ، فلما رأوه قالوا: من أنت؟ قال: شيخٌ من نَجْدٍ، سمعتُ باجتماعِكم، فأردت أن أحضرَ معكم، ولن تعدموا مني رأيًا ونصحًا، فقالوا: ادخلْ، فدخلَ، فقال أبو البختريِّ: أرى أن تُوثقوه وتحبسوه في بيتٍ وتسدُّوا عليه غيرَ كَوَّةٍ تكونُ منها طعامه وشرابه حتّى يهلكَ، فقال عدوُّ اللهِ إبليسُ: بئسَ الرأيُ ذلكم، يأتيكم من يخليه من أيديكم، وقال هشامُ بنُ عمرٍو من بني عامرِ بنِ لؤيٍّ: أرى أن تُخرجوه من بين أظهُرِكم، فقال عدوُّ الله إبليسُ: بئسَ الرأيُ ذلكم، يذهبُ إلى قوم فيستميلُ قلوبهم، ويسير بهم إليكم، ويخرجُكم من بلادكم، وقال أبو جهلٍ: أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ من قريش شابًّا، فَيُعْطى سيفًا صارمًا، فيضربوه ضربةَ رجلٍ واحدٍ حتّى يُقتل، فإذا تفرَّقَ دمُه في القبائل، لم يقوَ بنو هاشم على حربهم، فيرضون بالعقلِ، فقال عدوُّ اللهِ إبليسُ: صدقَ هذا الفتى، وهو أجودُكم رأيًا، القولُ ما قال، لا أرى غيرَه، فتفرقوا على رأي أبي جهل، وأنّهم يأتونه ليلًا، فأتى جبريلُ النبيَّ - ﷺ - وأخبره بذلك، وأمره ألَّا يبيتَ في مضجعِه، فأمر - ﷺ - عليًّا أن يبيتَ مكانه، وقال له: "تَسَبَّح بِبُرْدِي؛ فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ مِنْهُمْ أَمْرٌ تَكْرَهُهُ"، وباتوا مترصِّدين في خروجِه، ثم خرج - ﷺ - فأخذ قبضةً من ترابٍ، فأخذَ اللهُ أبصارَهم عنه، وجعلَ ينثرُ الترابَ على رؤوسِهم وهو يقرأُ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أغلالًا﴾ إلى قولِه ﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٨ - ٩] ومضى إلى الغارِ من ثورٍ، وهو جبلٌ بمكة هو وأبو بكر، وخلفَ عليًّا بمكة حتّى يؤدِّيَ عنه الودائعَ الّتي قبلَها، وكانت توضَعُ عنده لصدقِه وأمانتِه، فلما أصبح المشركون لم يروه، ورأوا عليًّا في مكانِه، فقالوا: أينَ صاحبُكَ؟ قال: لا أدري، فاقتفوا أثره، فلما بلغوا الغارَ، رأوا على بابه نسجَ العنكبوتِ، فقالوا: لو دخلَه لم يكن نسجُ العنكبوتِ على بابه، فمكث فيه ثلاثًا، ثمّ قدمَ المدينةَ، فذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١). ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليحبسوك في بيت ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ بسيوفِهم ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكةَ ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ يجازيهم جزاءَ مكرِهم. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ لأنّ مكرَهُ حَقٌّ. * * * (١) انظر: "السيرة النبوية" لابن إسحاق (١/ ٣٨٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢١٥)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٢٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥١).

الأنفال 8:31

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا﴾ يعني: النضرُ بنُ الحارثِ. ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ لأنّه كان يختلفُ تاجرًا إلى الحيرةِ وفارس والروم، ويسمعُ أخبار رستم وإسفنديار، وأحاديثَ العجم، ويتحدث بها، ويمرُّ باليهود والنصارى، فيراهم يقرؤون التوراة والإنجيل ويركعون ويسجدون، فجاء مكةَ فوجد محمدًا - ﷺ - يصلِّي ويقرأ القرآن، ويذكر في قراءته أخبارَ القرون الماضيةِ، فقال النضرُ: ﴿قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا﴾ (١) ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أخبارُ الأممِ الماضية وما سَطَروا في كتبِهم، والأساطيرُ جمعُ أسطورة، وهي المكتوبةُ. * * * ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا﴾ أي: ما جاء به محمدٌ. ﴿هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ﴾ نزلت في النَّضْرِ حينَ قال: لو شئتُ، لقلتُ مثلَ هذا، إنَّ هذا إِلَّا ما سطرَ الأولون في كتبِهم، فقال له النّبيّ - صلى الله عليه وسلم-: "وَيْلَكَ! إِنَّهُ كَلَامُ اللهِ"، فقال استهزاء: اللهمَّ إنَّ كان هذا هو الحقَّ من عندِك. ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ عقوبةً على إنكاره، يقال في (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٥/ ١٦٨٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢١٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٤).

الأنفال 8:33

العذاب: أَمْطَرَتْ، وللرحمة: مَطَرَتْ. ﴿أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ سِواهُ، فقُتل يومَ بدرٍ صبرًا. واختلافُ القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا) كاختلافِهم فيها (مِنْ خِطْبَةِ النساءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) في سورة البقرة. * * * ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: المشركينَ عذابَ استئصالٍ، جوابُ سؤالِهم نزولَ الحجارةِ أو العذابِ الأليم. ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ لأنَّ العذابَ إذا نزلَ، عَمَّ، ولهذا كان العذابُ إذا نزلَ بقومٍ يؤمرُ نبيُّهم بالخروجِ بالمؤمنين منهم من بينِهم، واللامُ في (لِيُعَذِّبَهُمْ) لتأكيدِ النَّفْي؛ أي: لولا وجودُك بين ظَهْرانَيْهم، لَعُذِّبوا. ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفيهم من سبقَ له من اللهِ أنّه يصيرُ من أتباعِ محمدٍ - ﷺ - مثلَ أبي سفيانَ، وصفوانَ بنِ أميةَ وعكرمةَ بنِ أبي جهلٍ، وغيرِهم، وقيلَ غيرُ ذلكَ، قال - ﷺ -: "أَنْزَلَ اللهُ عَلَيَّ أَمَانَيْنِ لأُمَّتِي: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ فَإِذَا مَضَيْتُ، تَرَكْتُ فِيهِمُ الِاسْتِغْفَارَ" (١). * * * (١) رواه التّرمذيّ (٣٠٨٢)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأنفال، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-. وقال حديث غريب، وإسماعيل بن مهاجر يضعف في الحديث.

الأنفال 8:34

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ثمّ تَوَعَّدهم بعذابِ الدنيا فقال: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ﴾ أي: وكيف لا يُعَذَّبون. ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: عن الطّواف؛ لأنّهم كانوا يقولون: نحنُ أولياءُ البيتِ، فنصدُّ من نشاءُ، ونترك من نشاءُ، فنزل: ﴿وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي: أولياءَ البيت ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ﴾ أي: ليس أولياءَ البيتِ. ﴿إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ الذين يتقونَ الشركَ. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون﴾ أنْ لا ولايةَ لهم عليه. * * * ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ﴾ أي: دعاؤهم، أو ما يسمونه صلاة. ﴿إِلَّا مُكَاءً﴾ إِلَّا صفيرًا بالأفواه، وهو أن يشبكَ الأصابعَ وينفخَ فيها. ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقًا بإحدى اليدين على الأخرى، وكان - ﷺ - إذا صلَّى، صَفَّروا وصفَّقوا عن يمينه وشماله؛ ليخلِطوا عليه قراءتَه، ويرون أنّهم يصلُّون أيضًا. ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ يعني: القتلَ والأسرَ يومَ بدرٍ. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ اعتقادًا وعملًا.

الأنفال 8:36

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. أي: ليصرفوا عن دين الله، نزلَتْ في المطعِمين يومَ بدرٍ، وكانوا اثني عشرَ رجلًا من قريش، وهم أبو جهلِ بنُ هشام، وعتبةُ وشيبةُ ابنا ربيعةَ بنِ عبدِ شمس، ونبيهٌ ومنبهٌ ابنا الحجاج، وأبو البختريِّ بنُ هشام، والنضرُ بنُ الحارثِ، وحكيمُ بنُ حزام، وأُبيُّ بنُ خلف، وزمعةُ بنُ الأسود، والحارثُ بنُ عامرِ بنِ نوفلٍ، والعباسُ بنُ عبدِ المطلب، وكان يطعم كلُّ واحد منهم كلّ يومٍ عشر جُزُر (١). ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ﴾ عاقبةُ النفقةِ على حربِ رسولِ الله - ﷺ - ببدرٍ يومَ القيامةِ. ﴿عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ أي: يتحَسَّرون على ذلك. ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ ولا يظفرون. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ منهم. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ لأنّ منهم من أسلمَ. * * * (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٢٠).

الأنفال 8:37

﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿لِيَمِيزَ﴾ ليبينَ ﴿اللَّهُ الْخَبِيثَ﴾ الكافرَ ﴿مِنَ الطَّيِّبِ﴾ المؤمن، قرأ يعقوبُ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لِيُمَيِّزَ) بضم الياء الأولى وفتح الميم وتشديد الياء الثّانية، والباقون: بفتح الأولى وكسر الميم وإسكان الثّانية (١). ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ أى: فوقَ بعضٍ. ﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾ فيجمَعَه متراكبًا، ومنه السحاب المركومُ، وهو المجتمعُ الكثيفُ. ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كلَّه. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين أنفقوا أموالهم. ﴿هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لأنّهم خسروا أنفسَهم وأموالَهم. * * * ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن الكفر. ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ من ذنوبهم قبلَ الإسلام. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٦)، و "التيسير" للداني (ص: ٩٢، ١١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٨).

الأنفال 8:39

﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إليه ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بأن يَهْلِكوا إذا لم يُؤْمنوا، و (سُنَّتُ) رُسمت بالتاء في خمسةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاء ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١). * * * ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ شِرْكٌ ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ أي: جميعُ الأديان ﴿لِلَّهِ﴾ خالصًا لا شريكَ له. ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾ عن الكفرِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازي كلًّا بعمله. قرأ رُويسٌ عن يعقوبَ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢). * * * ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمانِ، وعادوا إلى قتالِ أهلِه. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ حافظُكم وناصرُكم عليهم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٤٩). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٢٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٢/ ٤٤٩).

الأنفال 8:41

﴿نِعْمَ الْمَوْلَى﴾ لا يضيعُ من تولاه. ﴿وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ولا يُغْلَب من ينصرُه. * * * ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ أخذْتُم من مالِ حربي قهرًا بقتال. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ممَّا يقعُ عليه اسمُ الشيء، حتّى الخيط. ﴿فَأَنَّ﴾ فتحًا خبرُ مبتدأ؛ أي: فالحكم أن ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ وأُضيفَ المالُ إلى اسمِ اللهِ تشريفًا، ليسَ المرادُ منه أن سهمًا من الغنيمة لله مفردًا، فإن الدنيا والآخرة كلَّها لله -عَزَّ وَجَلَّ-. ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ قسمٌ، والمراد: أقاربه - ﷺ - بنو هاشم، وبنو المطلب، دون بني عبد شمس وبني نوفل، قال - ﷺ -: "أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فَشَيْءٌ وَاحِدٌ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، مَا فَارَقُونَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ" (١). ﴿وَالْيَتَامَى﴾ جمعُ يتيمٍ، وهو صغيرٌ فقيرٌ مسلمٌ لا أبَ له. (١) رواه أبو داود (٢٩٨٠)، كتاب: الخراج والإمارة والفيء، باب: في بيان مواضع قسم الخمس وسهم ذي القربى، والنسائي (٤١٣٧)، كتاب: قسم الفيء، عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه-. ورواه البخاريّ (٣٣١١)، كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش، عن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- مختصرًا. ﴿وَالْمَسَاكِينِ﴾ وهم أهلُ الفاقةِ من المسلمينَ. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ البعيدُ عن مالِه، فكأنّه قال: فإن للهِ خمسَهُ يُصرفُ إلى هؤلاء الأَخَصِّينَ به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ متعلّقٌ بمحذوفٍ دلَّ عليه (واعلموا)؛ أي: إنَّ كنتم آمنتم بالله، فاعلموا أنّه جُعل الخمسُ لهؤلاء، فسلموه إليهم، واقنعوا بالأخماسِ الأربعةِ الباقية، فإن العلّمَ العمليَّ إذا أُمر به، فالمراد به العملُ، وليس المراد منه العلمَ المجردَ. ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي: وبما أنزلنا ﴿عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمدٍ - ﷺ - من الآياتِ والملائكةِ والنصرِ. ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ يومَ بدرٍ، فإنّه فرقَ فيه بين الحقِّ والباطل. ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ المسلمون والكفارُ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من نصرِ القليل على الكثيرِ. واتفق الأئمةُ على أن الغنيمةَ تقسَمُ خمسةَ أخماس، أربعةُ أخماسٍ منها لمن قاتلَ عليها على ما يأتي بيانُه، واختلفوا في الخمس الباقي فيمن يقسم؟ فقال أبو حنيفة: يقسمُ على ثلاثةِ أسهمٍ: سهمٌ لليتامى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لأبناء السبيل، يدخلُ فقراءُ ذوي القربى فيهم دونَ أغنيائهم، فأمّا سهمُ النبيِّ - ﷺ -، فهو خمسُ اللهِ ورسوله، وقد سقطَ بموتِ النبيِّ - ﷺ -، كما سقط الصَّفِيُّ المختَصُّ به، وهو ما كانَ يختارُ قبلَ القسمةِ؛ كجاريةٍ وعبدٍ وثوبٍ وسيفٍ ونحوِه، وسهمُ ذوي القربى كانوا يستحقونه في زمنِه عليه السّلام بالنصرة، وبعدَه فلا سهمَ لهم، وإنّما يستحقونه بالفقر خاصةً، ويستوي فيه ذكرُهم وأنثاهم، وقال مالك: هذا الخمسُ لا يستحَقُّ بالتعيينِ بشخصٍ دونَ شخصٍ، ولكنِ النظرُ فيه للإمام يصرفُه فيما (١) يرى، وعلى من يرَى من المسلمين، ويعطي القرابةَ من الخمسِ ومن الفيءِ والخراجِ والجزيةِ بالاجتهاد، وقال الشّافعيّ وأحمدُ: يُقسمُ الخمسُ على خمسةِ أسهمٍ: سهمٌ كان لرسول الله - ﷺ -، وحكمُه باقٍ، فيصرَفُ بعده لمصالح المسلمين؛ كالثغورِ وأرزاقِ القضاةِ والعلماء، يقدَّمُ الأهمُّ فالأهمُّ. والثاني لبني هاشمٍ والمطلبِ، يشتركُ فيه الغنيُّ والفقيرُ، ويفضَّلُ الذكرُ على الأنثى كالإرث، والثالثُ لليتامى، والرّابعُ للمساكين، والخامسُ لأبناء السبيل، ويقسم أربعةُ أخماس الغنيمةِ بينَ الغانمين الذين شهدوا الوقعةَ بنيةِ القتال. واختلفوا في قسمه، فقال أبو حنيفةَ، للفارسِ سهمان، وللراجل سهمٌ، وقال الثلاثةُ وأبو يوسفَ ومحمدٌ: للفارسِ ثلاثةُ أسهمٍ، وللراجلِ سهمٌ، وقال أبو حنيفة ومالكٌ والشّافعيُّ: لا يُسهَمُ لأكثر من فرسٍ واحدٍ، وقال أحمدُ وأبو يوسفَ: يُسْهَمُ لفرسينِ، ولا يُسهم لغيرِ الخيل بالاتفاق، واختار الخرقيُّ من أصحابِ أحمدَ: أنَّ من غزا علي بعير لا يقدرُ غيره، قُسمَ له ولبعيرِه سهمان. واختلفوا في السَّلَبِ، فقال أبو حنيفة: هو غنيمةٌ للكلِّ إِلَّا أن يجعلَه الإمامُ للقاتل، فينقطع حقُّ الباقين عنه بالتنفيل، وقال مالك: إذا نفله ذلك الإمام بضرب من الاجتهاد، فيكونُ له من الخمسِ دونَ جملةِ الغنيمة، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: السَّلَبُ حقُّ القاتلِ يستحقُّه من رأسِ الغنيمةِ، سواءٌ قاله الإمامٌ أو لم يقلْه، فتخرجُ الأسلابُ من الغنيمةِ، ومنها الدابةُ وآلتها (٢)، (١) في "ن": "كيفما". (٢) في "ن": "وآلاتها". وقال الشّافعيّ: والنفقةُ، خلافًا لأحمدَ، ويُعطَى السلبُ للقاتل إذا قتلَه حالةَ الحربِ منهمكًا عليه، ثمّ يُخَمَّسُ بعدَ ذلك. واختلفوا في النَّفَلِ، وهو الزيادةُ على السهمِ للمصلحةِ، من أين يعطى؟ فقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: النفلُ مواهبُ الإمامِ من الخمسِ على ما يرى من الاجتهاد، وليس في الأربعة أخماسٍ نفلٌ، وقال الشّافعيُّ: النفلُ من خمسِ الخمسِ المرصَدِ للمصالح، وقال أحمدُ: يخرج الخمس، ثمّ ينفلُ الإمامُ من الأربعةِ أخماسٍ، ثمّ يقسمُ الباقيَ بينَ النَّاس. واختلفوا في حكم الأرضين المغنومةِ، فقال أبو حنيفةَ: الإمامُ بالخيارِ، إن شاءَ قسمها بينَ الغانمين، وإن شاء أَقرَّ أهلَها عليها، ووضعَ عليهم وعلى أراضيهم الخراجَ، وإن شاءَ صرفَ أهلَها عنها، وأقرَّ غيرَهم فيها، وضربَ عليه الخراجَ، وقال مالك: حكمُها كالفيء تصيرُ وقفًا لمصالحِ المسلمينِ بنفسِ الظهور عليها، وقال الشافعي: حكمُها حكمُ المنقول على ما تقدَّمَ من التخميسِ والقسمةِ بينَ الغانمين، وقال أحمدُ: يُخير الإمامُ بين قسمِها كالمنقول، وبينَ وقفِها للمسلمين، ويضربُ عليها خراجًا يؤخَذُ ممّن هي في يدِه من مسلمٍ وذميٍّ، ويلزُمه فعلُ الأصلحِ. واختلفوا في مصرِفِ الفيءِ، وهو ما أُخذ من مالِ كافرٍ بحقٍّ بلا قتالٍ، كالجزيةِ والخراجِ، وما تركوه فزعًا، ومالُ من ماتَ منهم ولا وارثَ له، ولو مرتدًا، فقال الشّافعيُّ: يخمَّسُ كالغنيمةِ، والأربعةُ أخماسٍ للمقاتلةِ الذين أُثبتت أسماؤهم في ديوانِ الجهاد، ويصرَفُ بعضه في إصلاح الثغورِ والسلاحِ، وقال الثلاثةُ: لا يخمَّسُ، وجميعُه لمصالح المسلمين.

الأنفال 8:42

﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ (يوم الفرقان)، أي: إذ أنتم نُزولٌ يا معشرَ المسلمين. ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بشاطئ الوادي الأدنى؛ أي: الأقربِ إلى جهةِ المدينةِ، و (الدنيا) تأنيثُ الأدنى. ﴿وَهُمْ﴾ يعني: المشركينَ. ﴿بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ البُعْدَى عن المدينة ممّا يلي مكةَ، تأنيثُ الأقصى. قراْ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: بالمدِّ في الحرفينِ بكسرِ العين، والباقون: بضمِّها، وهما لغتانِ كالكُسوةِ والكِسوةِ (١). ﴿وَالرَّكْبُ﴾ هم الذين كانوا مع العير: أبو سفيانَ وأصحابُه. ﴿أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ بالساحلِ على ثلاثة أميالٍ من بدرٍ. ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهلُ مكةَ على موعدٍ تلتقونَ فيه للقتال. ﴿لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ لأنّهم خرجوا في طلبِ العير، فصادفوا النَّفْيرَ من غيرِ ميعادٍ؛ لأنّ الكفارَ خرجوا ليذُبُّوا عنها. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥١).

الأنفال 8:43

﴿وَلَكِنْ﴾ جَمَعَكُمْ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ من نصرِ أوليائِه، وقهرِ أعدائِه. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ﴾ أي: ليموتَ مَنْ ماتَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حُجَّةٍ قامتْ عليه. ﴿وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ﴾ ويعيشَ من عاشَ. ﴿عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ عن حجَّةٍ واضحةٍ شاهدَها؛ فكان وقعةَ بدرٍ من الآياتِ الواضحة، وقيل: المرادُ بالهلاكِ والحياةِ: الكفرُ والإيمانُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، ويعقوبُ، وخلفٌ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (مَنْ حَيِيَ) بياءين الأولى مكسورة، والثانية مفتوحة، واختلِف عن قنبل راوى ابن كثيرٍ، والباقون: بواحدة مفتوحة مشددة (١). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائِكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتِكم. * * * ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ﴾ في نومِك؛ لأنه - ﷺ - رآهم في نومه ﴿قَلِيلًا﴾ ليقدموا عليهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٢).

الأنفال 8:44

﴿وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا﴾ قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَرَاكَهُمْ) بالإمالة، واختلِفَ عن ورشٍ (١). ﴿لَفَشِلْتُمْ﴾ جَبُنْتُم ﴿وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي: اختلفتم في أمرِ حربِهم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ﴾ من الفشلِ والتنازعِ. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ يعلمُ ما سيكون فيها، وما تغيرَ من أحوالها. * * * ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ﴾ أي: يبصِّرُكُم إياهم. ﴿إِذِ الْتَقَيْتُمْ﴾ أي: وقتَ اللقاءِ. ﴿فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ حال؛ لتقدموا عليهم. ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ ليقدموا عليكم. ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ كائنًا من إعزازِ الإسلامِ وأهلِه (٢)، وإذلالِ الشركِ وحزبِه. وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٣). (٢) في "ش": "وأهل مكّة".

الأنفال 8:45

ويعقوبُ: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ جماعةً محاربين. قرأ أبو جعفر: (فِيَةً) بفتح الياء من غير همزٍ (٢) ﴿فَاثْبُتُوا﴾ لقتالِهم. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ وادعوه بالنصرِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ لكي تظفروا بمرادِكم. * * * ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا﴾ باختلافِ الآراء. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلَا تنازَعُوا) بالمدِّ وتشديدِ التاء (٣). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٣٢، ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٣). (٢) في "ت": "همزة". وانظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٥٣). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

الأنفال 8:47

﴿فَتَفْشَلُوا﴾ تَجْبُنوا وَتَضْعُفوا. ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ دولتُكم، والريحُ هنا كنايةٌ عن نفاذِ الأمرِ، تقول العربُ: هَبَّتْ ريحُ فلانٍ: إذا أقبلَ أمرُه على ما يريد. ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ قال - ﷺ -: "لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ" (١). * * * ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ هم النفيرُ، خرجوا لنصرِ العيرِ، وكانت قد نجتْ مع أبي سفيانَ عن طريقِ الساحلِ، فلم يرجِعوا. ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ لِيُثْنوا عليهم بالشجاعةِ والسماحةِ؛ لأنّهم قالوا: لا نرجع حتّى نشربَ الخمورَ، وننحرَ الجزورَ، وتعزفَ علينا القَيْناتُ، وتسمعَ بنا العربُ، فلا يزالون يهابوننا أبدًا، فوافَوا بدرًا، فَسُقُوا كؤوسَ المنايا مكانَ الخمْرِ، وناحت عليهم النوائحُ مكانَ القَيْنَاتِ، فنهى الله سبحانَه عن التشبُّهِ بهم في الخيلاءِ، وأمرَ بإخلاصِ النيةِ. = (٢/ ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٣). (١) رواه البخاريّ (٢٨٦١)، كتاب: الجهاد والسير، باب: لا تمنوا لقاء العدو، ومسلم (١٧٤٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللِّقاء، عن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه-.

الأنفال 8:48

قرأ أبو جعفرٍ: (وَرَيَاءِ النَّاسِ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ (١). ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ لمن بقيَ من الكفارِ، ونفوذ القدرِ فيمن مضى بالقتل. * * * ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ بأن شَجَّعهم على لقاءِ المسلمين، لأنّ إبليسَ جاءهم في صورة سُراقةَ بنِ مالكٍ الكِنانيِّ، وهو سيدٌ من ساداتهم. قرأ أبو عمرٍو، وهشامٌ، والكسائيُّ، وخلادٌ: (وَإِذ زيَّنَ) وشبهَه بإدغامِ الذالِ في الزاي، والباقون: بالإفراد (٢). ﴿وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ أي: مُجيرٌ. ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ﴾ التقى الجمعان، ورأى الملائكةَ. ﴿نَكَصَ﴾ رجعَ القَهْقَرى. ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ على قَفاه هاربًا، فلزمَهُ الحارثُ بنُ هشام وقالَ: أتخذلُنا؟ فضربَ صدرَه وانهزمَ. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٤). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٤).

الأنفال 8:49

﴿وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ أي: من جوارِكم. ﴿إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ رأى الملائكةَ وجبريلَ يقودُ فرسَ النبيِّ - ﷺ - به. ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ﴾ أن يُهلكني ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ قيل: انقطعَ الكلامُ عند قوله: ﴿أَخَافُ اللَّهَ﴾، ثمّ يقول الله (١): ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. قرأ الكوفيونَ، وابن عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي أَرَى) (إِنِّي أَخَافُ) بإسكان: الياء فيهما، والباقون: بفتحها (٢). * * * ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ في المدينةِ ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المشركون: ﴿غَرَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعنون (٣): المؤمنينَ. ﴿دِينُهُمْ﴾ أي: توهَّموا أن يُنْصروا بسببِ ديِنهم، فخرجوا وهم ثلاثُ مئةٍ وبضعةَ عشرَ إلى زهاءِ ألفٍ. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ جوابٌ لهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يذلُّ من استجاره ﴿حَكِيمٌ﴾ يفعلُ بحكمتِه ما يستبعدُه العقلُ. (١) "الله" لفظ الجلالة لم يرد في "ش". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٧)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٢/ ٤٥٤ - ٤٥٥). (٣) في "ت": "يعني".

الأنفال 8:50

﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمدُ ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ ببدرٍ. قرأ ابنُ عامرٍ: (تَتَوَفَّى) بالتاء على التأنيث، والباقون: بالياء على التذكير (١). ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورَهم بالسِّياطِ عندَ الموت. ﴿وَذُوقُوا﴾ أي: وتقول لهم الملائكة: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وهذا مقدمةٌ لعذابِ النارِ؛ أي: لو رأيتَ ذلكَ، لرأيتَ أمرًا عظيمًا. * * * ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١)﴾. [٥١] ﴿ذَلِكَ﴾ الضربُ والعذابُ. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي بسببِ ما كَسَبتم من الكفر. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ظَلَّامٌ للتكثيرِ لأجلِ العبيدِ. * * * ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿كَدَأْبِ﴾ أي: دأبُ هؤلاء ﴿آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ تفسيرًا لدأبِهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٥).

الأنفال 8:53

﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كما أخذَ هؤلاء ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لا يغلبُه في دفعِه شيءٌ. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى ما حلَّ بهم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: بسببِ أن الله. ﴿لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ﴾ مُبدلًا إياها بالنقمةِ. ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يبدلوا ما بهم من الحالِ إلى حالٍ أسوأَ؛ كالتلبُّسِ بالمعاصي أو الكفرِ الّذي يوجبُ عقابَهم، فإذا فعلوا ذلك، غَيَّرَ اللهُ نعمتَه عليهم بنقمتِهِ منهم، كما أنعمَ على قريشٍ بمحمدٍ - ﷺ -، فكفروا، فغير الله تلكَ النعمةَ بأن نقلَها إلى غيرهم من الأنصارِ، وأحلَّ بهم عقوبتَه. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لما يقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يفعلون. * * * ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي: كصُنْعِهم. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفارِ الأممِ. ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أهلكنا بعضَهم بالرجفة، وبعضَهم بالخسف، وبعضَهم بالمسخ، وبعضَهم بالريح، وبعضَهم بالغرق، فكذلك أهلَكْنا كفارَ بدرٍ بالسيفِ لما كذَّبوا بآياتِ ربهم.

الأنفال 8:55

﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ يعنى: الأولينَ والآخِرينَ. * * * ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أصرُّوا على الكفر. ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ فلا يُتَوَقَّعُ منهم إيمان. * * * ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ بدلٌ من الذين كفروا، وهم بنو قريظةَ: كعبُ بنُ الأشرفِ وأصحابُه؛ أي: أخذتَ منهم العهدَ. ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ عاهدوا فيها؛ لأنّهم عاهدوه - ﷺ - ألَّا يُعينوا عليه، فأعانوا المشركينَ بالسلاح على قتالِه، وقالوا: نَسينا وأخطأنا، ثمّ عاهدوا ثانيةً، فأعانوا الكفارَ يومَ الخندق، وسارَ ابن الأشرفِ إلى مكةَ، فعاهدَ الكفارَ. ﴿وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ اللهَ. * * * ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ تظفرن بهم. ﴿فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ المعنى: افعلْ بهم فِعْلًا من القتل

الأنفال 8:58

ونحوِه يفرِّق به مَنْ وراءهم من أعدائِك؛ لأنك أذا نكلتَ بهؤلاء، تفرَّق الأعداءُ، ولم يقدموا عليك. ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعظون فلا يحاربونكَ. * * * ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ بنقضِ عهدٍ. ﴿فَانْبِذْ﴾: اطرحْ عهدهم. ﴿إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: بحيث تستوون أنت وهم في العلم بنقضِه، لئلا تُتَّهَم بخيانة. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ قالَ - ﷺ -: "مَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ، فَلَا يَشُدَّ عُقْدَةً وَلَا يَحُلَّهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ أَمَدُها، أَوْ يُنْبَذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ" (١). * * * ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ أي: فاتوا، الخطابُ للنبيِّ - ﷺ - في الذين انهزموا من المشركين ببدر. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَحْسَبَنَّ) بالغيبِ وفتحِ السين؛ أي لا يحسبنَّ الذين (١) رواه أبو داود (٢٧٥٩)، كتاب: الجهاد، باب: في الإمام يكون بينه وبين العدو عهد فيسير إليه، والترمذي (١٥٨٠)، كتاب: السير، باب: ما جاء في الغدر، وقال: حسن صحيح، عن سليم بن عامر -رضي الله عنه-.

الأنفال 8:60

كفروا أنفسَهم سابقينَ فائتينَ من عذابنا، وقرأ الباقون: بالخطابِ (١) على المعنى الأوّل. ﴿إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ﴾ لا يجدون طالبَهم عاجزًا عن إدراكِهم. قرأ ابنُ عامرٍ: (أَنَّهُمْ) بفتح الألف؛ بمعنى: لأنّهم، أي: لا يحسبن عليهم النجاة؛ لأنّهم لا ينجون، والباقون: بكسر الألفِ على الابتداء (٢). * * * ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾ أي: اتخذوا أيها المؤمنون لنِاقِضي العهد. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كل ما يُتَقَوَّى به من آلةِ الحربِ. ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ أي: اقتناؤها وربطُها في الثغورِ للغزوِ (٣). ﴿تُرْهِبُونَ﴾ تُخيفونَ ﴿بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ كفارَ مكةَ. قرأ رُويسٌ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٥٨). (٣) "للغزو" ساقطة من "ت".

الأنفال 8:61

عن يعقوبَ: (تُرَهِّبُونَ) بفتح الراء وتشديد الهاء، من رَهَّبَ، والباقون: بإسكان الراء وتخفيف الهاء، من أَرْهَبَ (١). ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من غيرهم من الكفرةِ، قيل: هم المنافقون، وقيل: هم اليهودُ، وقيل: الفرسُ ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ﴾ لا تعرفون أعيانَهم و ﴿اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ أجرُه. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقصِ أُجورِكم. * * * ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦١)﴾. [٦١] ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ﴾ مالُوا للصلح. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بكسر (السِّلْم)، والباقون: بالفتح، وهما لغتاِن بمعنًى واحد (٢). ﴿فَاجْنَحْ لَهَا﴾ أي: إن صالحوا، فصالحهم، وتأنيثُ الضمير، لأنَّ السلمَ بمعنى المسالمةِ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ به. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالك. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٤٥٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٥٦، ٢٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٦٠ - ٤٦١).

الأنفال 8:62

﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ يكيدوك بالمصالحةِ. ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ كافيكَ من خدعهم. ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ﴾ قَوَاكَ. ﴿بِنَصْرِهِ﴾ إياكَ بالملائكةِ. ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الأنصارِ. * * * ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿وَأَلَّفَ﴾ جمعَ ﴿بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: بينَ الأوسِ والخزرجِ، معَ ما كان بين الفريقين من العداوةِ، فألَّفَ الله تعالى قلوبَهم على الإسلام، ورَدَّهم متحابين في الله، وهذا من معجزاته - ﷺ -. ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ بقدرتِه البالغةِ ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ﴾ تامُّ القدرةِ ﴿حَكِيمٌ﴾ فَعَّالٌ لما يريدُ. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ كافيكَ. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أي: وحسبُ منِ اتَّبَعَكَ. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلتْ في البيداءِ في غزوةِ بدرٍ.

الأنفال 8:65

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: حُثَّهم. ﴿عَلَى الْقِتَالِ﴾ أبلغَ حَثٍّ. ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ﴾ رجلًا ﴿صَابِرُونَ﴾ محتسبون. ﴿يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من عدوِّهم ويَقْهَروهم. ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ﴾ صابرة محتسبة. قرأ الكوفيون، والبصريان: (يَكُنْ) بالياءِ على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ دينَ الله، ولا ثبَاتَكُمْ، لفظُهُ شرطٌ، ومعناهُ أمرٌ؛ أي: ليقاتلِ العشرونَ منكم مئتين، والمئةُ ألفًا. * * * ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾. [٦٦] وكان هذا يومَ بدرٍ، فرضَ اللهُ على الرجلِ الواحدِ من المؤمنين قتال عشرةٍ: عن الكافرين، فثقلَتْ على المؤمنين، فخفَّفَ الله عنهم، فنزل: (١) انظر: المصادر السابقة.

الأنفال 8:67

﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًاَ﴾ ضعفَ البدن. قرأ أبو جعفرٍ: (ضُعَفَاءَ) بفتح العين والمدِّ وبالهمزةِ مفتوحة نصبًا، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ: (ضَعْفًا) بفتح الضاد وإسكان العين، والباقون: بضمِّ الضاد وإسكان العين، وكلُّهم بالتنوينِ من غيرِ مدٍّ ولا همزٍ سوى أبي جعفرٍ (١). ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ من الكفار. وقرأ الكوفيون: (يَكُنْ) بالياء، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢). ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِين﴾ بالنصرِ والمعونةِ فردَّ من العشرةِ إلى الاثنين، فلا يجوزُ للواحدِ الفرارُ من اثنين إِلَّا متحرِّفًا لقتال، أو متحَيِّزًا إلى فئةٍ، كما تقدَّم ذكرُ الحكمِ فيه عقبَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: ١٥]. * * * ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (تَكُونَ) بالتاء مؤنثًا؛ لتأنيثِ الجماعة، وأبو جعفرٍ وحدَه قرأ: (أُسَارَى) بضم الهمزة وبألف بعد السين، والباقون: بالياء مذكرًا لتذكير (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٨ - ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٦١ - ٤٦٢). (٢) المصادر السابقة. الجمع، و (أَسْرَى) كأبي عمرٍو، ويعقوبَ: بفتح الهمزة وإسكان السين من غير ألف بعدَها (١)، وأمالَ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (أَسْرَى)، واختلِفَ عن ورشٍ (٢). ﴿حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يبالغَ في قتلِ المشركينَ وأسرِهم حتّى يُذلَّ الكفرُ ويُعَزَّ الإسلامُ ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ حُطامَها بأخذِكم الفداءَ. ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يريدُ لكم ثوابَها. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ يُغْلِبُ أولياءه على أعدائِه. ﴿حَكِيمٌ﴾ يعلمُ ما يليقُ بكلِّ حالٍ ويخصُّه بها، كما أمر بالإثخانِ، ومنعَ عن الفداء حين كانت الشوكةُ للمشركين، وخَيَّرَ بينه وبين المنِّ لما تحولتِ الحالُ، وصارت الغلبةُ للمؤمنين. روي أنّه عليه الصّلاة والسلام أتي يومَ بدرٍ بسبعين أسيرًا، فيهم العباسُ، وعقيلُ بنُ أبي طالب، فاستشارهم فيهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: "قومُكَ وأهلكَ، استَبْقِهم لعلَّ اللهَ يتوبُ عليهم، وخذْ منهم فديةً تقَوِّي بها أصحابَكَ"، فقال عمرَ رضي الله عنه: "اضربْ أعناقَهم؛ فإنهم أئمةُ الكفر، وإن الله أغناكَ عن الفداء، فمكنِّي من فلان، نسيبٍ له، ومكِّنْ عليًّا وحمزةَ من أَخَويهما فلنضربْ أعناقَهم"، فلم يهوَ ذلك النبيُّ - ﷺ - وقال: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٦٢ - ٤٦٣). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٦٣).

الأنفال 8:68

"إِنَّ اللهَ لَيُلَيِّنُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَلْيَنَ مِنَ اللَّبَنِ، وَإنَّ اللهَ لَيُشَدِّدُ قُلُوبَ رِجَالٍ حَتَّى تَكُونَ أَشَدَّ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَإِنَّ مَثَلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَثَلُ إِبراهِيمَ قَالَ: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، ومَثَلَكَ يَا عُمَرُ مَثَلُ نُوحٍ قَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، فَخَيَّرَ أَصْحَابَه، فأخذوا الفداءَ، وكانَ الفداءُ لكلِّ أسيرٍ أربعينَ أوقيةً، والأوقيةُ أربعونَ درهمًا، ولم يكنْ من المؤمنين أحدٌ ممّن حضرَ إِلَّا أحبَّ الغنائمَ إِلَّا عمرَ بنَ الخطابِ، فإنّه أشارَ بقتلِ الأسرى، وسعدُ بنُ معاذٍ قال: "يا نَبِيَّ اللهِ كانَ الإثخانُ في القتلِ أَحَبَّ إليَّ من استبقاءِ الرجالِ"، فنزلتِ الآية (١). * * * ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾. [٦٨] فدخلَ عمرُ رضي الله عنه على رسولِ الله - ﷺ -، فإذا هو وأبو بكرٍ رضي الله عنه يبكيان، فقال: يا رسولَ الله! أخبرني، فإنْ أجد بكاءً بكيتُ، وإلَّا تباكَيْتُ، فقال: أَبْكِي عَلَى أَصْحَابِكَ فِي أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، وَلَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؛ شَجَرَةٍ قَريبَةٍ منهُ (٢). ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: حكمٌ سبقَ في اللوحِ المحفوظِ أنه لا يؤاخذُ على خطأٍ. (١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٨٣)، وابن أبي شيبة في "المصنِّف" (٣٦٦٩٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦/ ٣٢١)، وغيرهم عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. (٢) رواه مسلم (١٧٦٣)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، عن عمر بن الخطّاب -رضي الله عنه-.

الأنفال 8:69

﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ من الفداء ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. * * * ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾. [٦٩] رُوي أنّه - ﷺ - قال: "لَوْ نَزَلَ عَذَابٌ مِنَ السَّمَاءِ، مَا نَجَا مِنهُ غَيرُ عُمَرَ بنِ الخطَّابِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ" (١) فلما نزلت هذه الآية، أمسكوا عما أخذوه من الفدية، فنزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ من الفدية؛ فإنها من جملة الغنائم. ﴿حَلَالًا﴾ أي: أكلًا حلالًا، وفائدتُه إزاحةُ ما وقعَ في نفوسهم منه بسببِ تلكَ المعاتبةِ، ولذلك وصفَه بقولِه: ﴿طَيِّبًا﴾ قال - ﷺ -: "أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي" (٢). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مِخالفتِه. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما صدرَ منكم ﴿رَحِيمٌ﴾ بتوبتِه عليكم. * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ؛ (الأُسَارَى) بضمِّ الهمزةِ وفتح السين وبعدَها ألفٌ على وزنِ فُعالى، وقرأ الباقون: (الأَسْرَى) بفتحِ الهمزة وإسكانِ السين من غيرِ ألفٍ بعدَها على وزن فَعْلَى (٣)، وهم على أصولِهم في الإمالة كما تقدَّمَ (١) رواه ابن جرير الطّبريّ في "تفسيره" (١٠/ ٤٨). (٢) تقدّم تخريجه. (٣) وقد تقدّم هذا عنهم قريبًا.

الأنفال 8:71

قريبًا (١) أي: قلْ للأسارى الذين ملكتَهم وأخذْتَ منهم الفداء: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا﴾ خلوصَ إيمان. ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ من الفداءِ بأن يُضَعِّفَه لكم في الدنيا، ويثيبَكم عليه في الأخرى. ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ رُوي أنّها نزلَتْ في العباس رضي الله عنه، كلَّفَه رسولُ الله - ﷺ - أن يفديَ نفسَه وابني أَخَويه عقيلَ بنَ أبي طالب ونوفلَ بنَ الحارث، فقال: يا محمدُ! تركتَني أَتَكَفَّفُ قريشًا ما بقيتُ، فقال: فَأَيْنَ الذَّهَبُ الَّذِي دَفَعْتَهُ إِلَى أُمِّ الْفَضْلِ وَقْتَ خُرُوجِكَ، وَقُلْتَ لَهَا: إِنِّي لَا أَدْرِي مَا يُصِيبُنِي فِي وَجْهِي هَذَا، فَإِنْ حَدَثَ لِي حَدَثٌ، فَهُوَ لَكِ وَلِعَبْدِ اللهِ وَعُبَيْدِ اللهِ وَالْفَضلِ وَقُثَمَ" فقال: وما يدريكَ؟ فقال: "أَخْبَرَنِي بِهِ رَبِّي تَعَالَى"، فقال: فأشهدُ أنَّك صادقٌ، وأَنْ لا إلهَ إِلَّا الله، وأنكَ رسولُه، واللهِ! لم يطلعْ عليه أحدٌ إِلا اللهُ، ولقد دفعتُه إليها في سوادِ اللّيلِ، قال العباسُ: فأبدلني الله منها عشرينَ عبدًا كلُّهم تاجرٌ يضربُ بمالٍ كثير، وأدناهُم يضربُ بعشرينَ ألفَ درهمٍ مكانَ العشرينَ أوقيةً، وأعطاني زمزمَ، وما أحبُّ أن لي بها جميعَ أموال أهلِ مكةَ، وأنا أنتظرُ المغفرة من ربي (٢). * * * ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا﴾ أي: الأسرى ﴿خِيَانَتَكَ﴾ نقضَ ما عاهدوكَ. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٤١). (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٤١).

الأنفال 8:72

﴿فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِك بكفرِهم. ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ببدرٍ قتلًا وأسرًا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي: فإنْ عادوا، فسيمكِنُكَ منهم. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾. [٧٢] ونزلَ في المهاجرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا﴾ أي: هَجَروا قومَهم وديارَهم ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ونزلَ في الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا﴾ رسول الله - ﷺ - والمهاجرين معه؛ أي: أسكنوهم منازلَهم. ﴿وَنَصَرُوا﴾ أي: ونصروهم على أعدائِهم. ﴿أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ دونَ قراباتهم من الكفارِ في الدينِ والحلفِ والنُّصرةِ والميراثِ، وكان المهاجرون والأنصارُ يتوارثونَ بالهجرة حتّى كان فتحُ مكةَ، وانقطعتِ الهجرةُ، نُسِخَ بقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ أي: لا توارثَ بينَهم حتّى يُهاجروا إليكم. قرأ حمزةٌ: ﴿وِلَايَتِهِمْ﴾ بكسر

الأنفال 8:73

الواو، والباقون: بالفتح (١)، ومعناهما واحد؛ كالدَّلالة والدِّلالة، وقيل: بالفتح معناهُ: النصرُ، وبالكسر: الإمارة. ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ أي: المؤمنون الذين لم يُهاجروا. ﴿فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ أي: فواجبٌ عليكم أن تنصروهم على المشركين. ﴿إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ أي: عهدٌ، فلا تنصروهم عليهم ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. * * * ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الموارثةِ والنُّصرةِ، فلا توالوهم أنتم. ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ﴾ أي: إن لم تفعلوا ما أُمرتم به من النصرة على الكفار والتواصلِ. ﴿تَكُنْ﴾ تحصُلْ ﴿فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ بقوةِ الكفرِ. ﴿وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ بضعفِ الإسلام. * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٤٦٥).

الأنفال 8:74

[٧٤] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ الكاملون في الإيمان حَقَّقوا إيمانَهم بتعجيلِ مقتضاهُ؛ من الهجرةِ والجهادِ وبذلِ المالِ ونصرةِ الحقِّ. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم﴾ لا تبعةَ ولا مِنَّةَ فيه، وهو طعامُ الجنة، وكُرِّرَتْ هذه الآيةُ؛ لأنّ بعضَهم هاجرَ قبلَ الحُدَيبية، وبعضهم بعدَها، وبعضهم ذو هجرتين: هجرةٍ إلى الحبشة، وهجرةٍ إلى المدينة، فالآية الأولى لأصحابِ الهجرة الأولى، والثّانية للثانية. * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ﴾ أي: بعد السابقينَ إلى الهجرةِ الأولى. ﴿وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾ أي: من جملتكم، لطفَ تعالى باللاحقين، فجعلَهم من السابقين. ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ اللوحِ المحفوظِ، فنسخَ التوارثَ بالهجرة، وردَّ الميراثَ إلى أولي الأرحامِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ صفة مناسبة لنفوذِ هذه الأحكام. واختلف الأئمةُ في توريثِ ذوي الأرحام ممّن لا سهمَ له في القرآن، وهم كلُّ ذي قرابة ليسَ بذي فرضٍ ولا عَصَبَةٍ، وهم أحدَ عشر صنفًا: أولادُ البناتِ الذكورُ منهم والإناث، وولدُ الأخواتِ، وبناتُ الإخوة، وبناتُ الأعمام، وبنو الإخوة من الأم، والعماتُ، والأخوالُ، والخالاتُ، والجدُّ أبو الأم، والجدةُ أمُّ أبي الأمِّ، ومن أدلى بهم، فذهب مالك والشّافعيُّ أنّهم لا يُوَرَّثون، وبيتُ المال أولى منهم. وذهب أبو حنيفةَ وأحمدُ: إلى أنّهم يورَّثون، استدلالًا بالآية الشريفة، وبقوله - ﷺ -: "الْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ" (١)، ويقدَّمُ الردُّ عليهم، فإن كان للميتِ (٢) ذو فرضٍ لم يستغرقِ المالَ، وفضلَتْ منه فضلةٌ، ولم يكنْ عصبةٌ، فالفاضلُ مردودٌ عليهم على قدرِ سِهامهم؛ للآية الشريفة، ولقوله - ﷺ -: "مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِلْوَارِثِ" (٣)، ولا يُرَدُّ على الزوجِ والزوجةِ؛ لأنّهما ليسا من أولي الأرحام، وإذا لم يكنْ للميتِ عصبةٌ، ولا ذو فرضٍ من أهلِ الردِّ، فالميراثُ لذوي الأرحامِ ممّن ذُكر من الأصناف. واختلفَ مورِّثاهم في كيفيةِ توريثهم، فقال أبو حنيفةَ: يورَّثون على ترتيب العصباتِ، الأقربُ فالأقرب؛ كمن له بنتُ بنتِ بنتٍ (٤) وأَبُ أمٍّ، فهو أولى؛ لأنّه أقربُ، وإن كانَ أبَ أبِ أُمٍّ، وعمةٌ؛ أو خالةٌ، فهي أولى؛ لأنّها أقربُ، ونحو ذلك، فإن استووا في القربِ والإدلاءِ، فإن اتفقتِ الآباءُ والأمهاتُ، فالمال بينَهما على السواء إنَّ كانوا ذكورًا أو إناثًا، وإن كانوا (١) رواه أبو داود (٢٨٩٩)، كتاب: الفرائض، باب: في ميراث ذوي الأرحام، وابن ماجه (٢٦٣٤)، كتاب: الديات، باب: الدية على العاقلة، فكان لم يكن عاقلة، ففي بيت المال، عن المقدام -رضي الله عنه-. وفي الباب: عن عائشة وأبي أمامة -رضي الله عنهما-. (٢) في "ت": "الميِّت". (٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٤٦٤)، والطيالسي في "مسنده" (٢٣٣٨)، وابن حبّان في "صحيحه" (٣٠٦٣)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٤) في "ت": "بنت بنت" بدل "بنت بنت بنت". مختلطين، فللذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، مثالُه: بنتُ بنتِ ابنٍ، وبنتُ بنتِ ابنٍ، المالُ بينَهما على السواء، وكذلك ابنُ بنتِ بنتٍ، وابنُ بنتِ بنتٍ، وإن كانَ بنتَ بنتِ بنتٍ وابنَ بنتِ بنتٍ، المالُ بينهما أثلاثًا، وإن اختلفَ الأمهاتُ والآباءُ، فعندَ أبي يوسف، وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ رحمهما الله: العبرةُ لأبدانِهم لا لأصولهم؛ لأنّ ذوي الأرحام إنّما يورَّثون بالقرابة كالعصبات، وكلُّ واحدٍ مستبدٌّ بنفسِه في أصلِ الاستحقاقِ، فتعتبر الأبدانُ كالعصبات، وعندَ محمدٍ، وهو أشهرُ روايتين عن أبي حنيفة: العبرةُ لأصولهم، فيقسَمُ المالُ على أصولهم، ويعتبرُ الأصلُ الواحدُ متعددًا بتعدُّدِ أولاده، ثمّ يُعْطَى لكلِّ فرعٍ ميراثُ أصلِه، ويَجعلُ كلَّ أنثى تُدْلي إلى الميِّت بذكرٍ ذكرًا، وكلَّ ذكرٍ يدلي إلى الميِّتِ بأنثى أنثى، سواء كانَ إدلاؤهما بأبٍ واحدٍ أو بأكثر، أو بأمٍّ واحدةٍ أو بأكثرَ، ثمّ يقسمُ سهامَ كلِّ فريقٍ بينَهم بالسويةِ إِن اتفقتْ صفاتُهم، وإذا اختلفَتْ، فللذكرِ مثلُ حظِّ الأنثيين؛ لأنّ الفروعَ إنّما تستحقُّ الميراثَ بواسطةِ الأصولِ، فيجب أن تكونَ العبرةُ للأصولِ. وقال أحمد: يُوَرَّثون بالتنزيل، وهو أن يُجعل كُلُّ شخصٍ بمنزلةِ مَنْ أدلى به، فتجعلُ ولدَ البناتِ والأخواتِ كأمهاتهم، وبناتِ الإخوةِ والأعمامِ وأولادَ الإخوة من الأمِّ كآبائِهم، والأخوالَ والخالاتِ وآباءَ الأمِّ كالأمِّ، والعماتِ والعمَّ من الأمِّ كالأب، ثمّ تجعلُ نصيبَ كلِّ وارثٍ لمن أدلى به، فإن أدلى جماعةٌ بواحدٍ، واستوتْ منازلُهم منه، فإن كانَ أبوهم واحدًا، وأُمُّهم واحدةً، فنصيبُه بينَهم بالسويَّة، ذكرُهم وأنثاهم سواء، لأنّهم يورَّثون بالرَّحِمِ المجرَّدِ، فاستوى ذكورُهم وإناثهم؛ كولدِ الأمِّ، وإذا كانَ ابنٌ وبنتُ أختٍ وبنتُ أختٍ أُخرى، فلبنتِ الأختِ وحدَها النصفُ، وللأخرى وأخيها النصفُ بينَهما، وإن اختلفتْ منازلُهم من المدلي بهِ، جعلته كالميِّتِ، وقسمتَ نصيبَه بينَهم على ذلكَ، ويسقطُ البعيدُ بالقريب إن كانا من جهة واحدة؛ كخالةٍ وأمِّ أبي أمٍّ، أو ابنِ خالٍ، فالميراثُ للخالِة؛ لأنّها تلقى الأمَّ بأولِ درجةٍ، وإن كانا من جهتين، نزلتَ البعيدَ حتّى يلحقَ بوارثه، سواءٌ سقط به القريبُ، أو لم يسقطْ؛ كبنتِ بنتِ بنتٍ، وبنتِ أخٍ لأخٍ، المالُ لبنتِ بنتِ البنتِ بالفرضِ والردِّ. واتفقَ الأربعةُ على أنَّ من ماتَ ولا وارثَ له من ذوي فرضٍ ولا تعصيبٍ ولا رحمٍ، فإن مالَه لبيتِ مالِ المسلمين. ثمّ اختلفوا في صرفِ التركةِ إلى بيتِ المال، فقالَ الشافعيُّ ومالكٌ: تصرَفُ إِرثًا، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: ليسَ بيتُ المالِ وارثًا، وإنما يحفظُ المالَ الضائعَ وغيرَهُ، فهو جهةٌ ومصلحةٌ، واللهُ أعلمُ. * * * سُوْرَةُ التَّوْبَة مدنية وآيها مئة وتسع وعشرون آية، وحروفُها عشرة آلافٍ وثمانُ مئةٍ وسبعة وثمانون حرفًا، وكلمُها ألفان وأربع مئة وسبع وتسعون كلمة. قال سعيدُ بنُ جبير: قلت لابنِ عباسٍ رضي الله عنها: "سورةُ التوبةِ؟ فقالَ: تلكَ الفاضِحَةُ، ما زالتْ تنزلُ: ومنهم، ومنهم، حتّى خَشينا ألَّا تدعَ أحدًا" (١). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "إنكم تُسمون هذهِ السورةَ سورةَ التوبَةِ، وإِنَّها سورةُ العذابِ، واللهِ ما تركَتْ أحدًا إِلَّا نالَت منه" (٢). أهلُ المدينةِ يسمونها: التوبةَ، وأهلُ مكةَ يسمونها: الفاضحةَ، وسميت التوبةَ؛ لأنّ فيها التوبةَ على المؤمنين، والفاضحةَ؛ لأنها تفضحُ المنافقين، ومن أسمائها: المخزيةُ؛ لأنّها تخزيهم، والمقشقشةُ؛ لأنّها تقشقش من النفاق؛ أي: تبرئ منه، والمبعثرةُ، لأنّها تبعثرُ أسرارَ المنافقين، (١) رواه البخاريّ (٤٦٠٠)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الحشر، ومسلم (٣٠٣١)، كتاب: التفسير، باب: في سورة براءة والأنفال والحشر. (٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنِّف" (٣٠٢٦٩)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١٣٣٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٢٧٤). والمشرِّدَةُ، لأنّها تشرِّدُ بهم، والمثيرةُ؛ لأنّها تبحثُ عن حالِ المنافقينَ وتُثيرها، والحافرةُ؛ لأنّها حفرتْ على قلوبهم، والمنكِّلَةُ؛ لأنّها تنكِّلُ بهم (١)، والمُدَمْدِمَةُ؛ لأنّها تدمدمُ عليهم، وسورةُ العذابِ؛ لتضمُّنها معناه. واختلِفَ في سقوطِ البسملةِ من أولها، فقيل: كان من شأن العربِ في زمنِ الجاهلية إذا كانَ بينَهم وبينَ قومٍ عهدٌ، فإذا أرادوا نقضَه، كتبوا إليهم كتابًا لم يكتبوا فيه البسملةَ، فلما نزلَتْ براءةُ بنقضِ العهدِ الّذي كانَ بينَ النبيِّ - ﷺ - والمشركين، بعثَ بها النبيُّ علَيَّ بنَ أبي طالبٍ رضي الله عنه، فقرأها عليهم في الموسم، ولم يتسهَّلْ في ذلكَ على ما جرتْ عادتُهم في نقضِ العهدِ من تركِ البسملة. وقال ابنُ عباسٍ لعثمان رضي الله عنه: ما حملَكُم على أَنْ عمدتُم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة، وهي من المئين، فقرنتم بينَهما، ولم تكتبوا بينَهما سطرَ: بسم الله الرّحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال: عثمان رضي الله عنه: إِن رسولَ الله - ﷺ - كان إذا نزلَ عليه الشيءُ، يدعو بعضَ من يكتبُ عندَه، فيقول: "ضَعُوا هَذِهِ الآيةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فيها كَذَا وَكَذَا"، وكانت الأنفال ممّا نزلَ بالمدينة، وبراءةُ من آخرِ ما نزلَ، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصتها، وقُبضَ رسولُ الله - ﷺ - ولم يبين لنا أنّها منها، فظننتُ أنّها منها، فمن ثَمَّ قرنتُ بينَهما، ولم أكتبْ بينهما سطر: بسم الله الرّحمن الرحيم (٢). (١) في جميع النسخ "تنكلهم"، والصواب ما أثبت. (٢) رواه أبو داود (٧٨٦)، كتاب: الصّلاة، باب: من جهر بها، والنسائي في "السنن الكبرى" (٨٠٠٧)، والترمذي (٣٠٨٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة = وكانتا تدعيان: القَرينين، قال ابنُ العربيِّ: هذا دليلٌ على أن القياسَ أصل في الدِّين، ألَّا ترى إلى عثمانَ وأعيانِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم كيفَ نَحَوْا إلى قياسِ الشبهِ عندَ عدمِ النصِّ ورأوا أن قصةَ براءةَ شبيهةٌ بقصةِ الأنفالِ، فألحقوها بها؟ فإذا كانَ الله قد بَيَّنَ القياسَ في تأليفِ القرآن، فما ظَنُّكَ بسائرِ الأحكام (١)؟ وقيل: سورةُ الأنفالِ وبراءةَ سورةٌ واحدةٌ، كلتاهما نزلتْ في القتال، تعدان السابعةَ من الطوال، وهي سبعٌ، وما بعدَها المئون؛ لأنّهما معًا مئتان وأربعُ آيات، فهما بمنزلة إحدى الطِّوال. وقد اختلفَ أصحابُ رسولِ الله - ﷺ - لما كتبوا المصحفَ في خلافةِ عثمانَ، فقالَ بعضهُم: الأنفالُ وبراءةُ سورةٌ واحدةٌ، وقالَ بعضهم: هما سورتان، فتركَتْ بينهما فُرْجَةٌ لقولِ من قالَ: هما سورتان، وتركت بسم الله لقولِ مَنْ قالَ هما سورةٌ واحدةٌ، فرضيَ الفريقانِ معًا. وسُئل عليٌّ رضي الله عنه عن تركِه البسملةَ في براءةَ، فقالَ: "بسمِ اللهِ الرّحمنِ الرحيمِ أمانٌ، وبراءةُ نزلَتْ بالسيفِ ليسَ فيها أمانٌ" (٢). قال القرطبيّ: والصحيحُ أن التسميةَ لم تكتبْ لأنَّ جبريلَ -عليه السّلام- ما نزلَ بها في هذهِ السورةِ (٣). وتقدَّمَ ذكرُ اختلافِ العلماءِ والقراءِ مستوفًى = التوبة، وقال: حسن صحيح. (١) انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي (٢/ ٤٤٦). (٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٢٧٣). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ١٢٢). (٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٨/ ٦٣).