Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — التوبة 9:1 – هود 11:121

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. التوبة 9:1
  2. التوبة 9:2
  3. التوبة 9:3
  4. التوبة 9:4
  5. التوبة 9:6
  6. التوبة 9:7
  7. التوبة 9:8
  8. التوبة 9:9
  9. التوبة 9:12
  10. التوبة 9:13
  11. التوبة 9:15
  12. التوبة 9:17
  13. التوبة 9:18
  14. التوبة 9:19
  15. التوبة 9:20
  16. التوبة 9:22
  17. التوبة 9:24
  18. التوبة 9:25
  19. التوبة 9:26
  20. التوبة 9:27
  21. التوبة 9:29
  22. التوبة 9:30
  23. التوبة 9:31
  24. التوبة 9:32
  25. التوبة 9:34
  26. التوبة 9:35
  27. التوبة 9:36
  28. التوبة 9:37
  29. التوبة 9:38
  30. التوبة 9:39
  31. التوبة 9:41
  32. التوبة 9:42
  33. التوبة 9:44
  34. التوبة 9:47
  35. التوبة 9:48
  36. التوبة 9:50
  37. التوبة 9:52
  38. التوبة 9:53
  39. التوبة 9:55
  40. التوبة 9:57
  41. التوبة 9:59
  42. التوبة 9:60
  43. التوبة 9:61
  44. التوبة 9:62
  45. التوبة 9:65
  46. التوبة 9:66
  47. التوبة 9:68
  48. التوبة 9:70
  49. التوبة 9:71
  50. التوبة 9:72
  51. التوبة 9:74
  52. التوبة 9:75
  53. التوبة 9:76
  54. التوبة 9:77
  55. التوبة 9:79
  56. التوبة 9:80
  57. التوبة 9:81
  58. التوبة 9:83
  59. التوبة 9:84
  60. التوبة 9:86
  61. التوبة 9:89
  62. التوبة 9:91
  63. التوبة 9:93
  64. التوبة 9:94
  65. التوبة 9:96
  66. التوبة 9:98
  67. التوبة 9:99
  68. التوبة 9:100
  69. التوبة 9:101
  70. التوبة 9:102
  71. التوبة 9:104
  72. التوبة 9:105
  73. التوبة 9:107
  74. التوبة 9:108
  75. التوبة 9:109
  76. التوبة 9:110
  77. التوبة 9:111
  78. التوبة 9:112
  79. التوبة 9:113
  80. التوبة 9:115
  81. التوبة 9:116
  82. التوبة 9:118
  83. التوبة 9:119
  84. التوبة 9:121
  85. التوبة 9:122
  86. التوبة 9:123
  87. التوبة 9:125
  88. التوبة 9:127
  89. التوبة 9:129
  90. يونس 10:1
  91. يونس 10:2
  92. يونس 10:3
  93. يونس 10:4
  94. يونس 10:5
  95. يونس 10:6
  96. يونس 10:7
  97. يونس 10:11
  98. يونس 10:12
  99. يونس 10:14
  100. يونس 10:16
  101. يونس 10:17
  102. يونس 10:19
  103. يونس 10:21
  104. يونس 10:23
  105. يونس 10:24
  106. يونس 10:25
  107. يونس 10:27
  108. يونس 10:29
  109. يونس 10:31
  110. يونس 10:32
  111. يونس 10:35
  112. يونس 10:36
  113. يونس 10:38
  114. يونس 10:40
  115. يونس 10:43
  116. يونس 10:46
  117. يونس 10:48
  118. يونس 10:50
  119. يونس 10:52
  120. يونس 10:55
  121. يونس 10:57
  122. يونس 10:59
  123. يونس 10:61
  124. يونس 10:62
  125. يونس 10:64
  126. يونس 10:67
  127. يونس 10:69
  128. يونس 10:71
  129. يونس 10:72
  130. يونس 10:74
  131. يونس 10:76
  132. يونس 10:79
  133. يونس 10:81
  134. يونس 10:84
  135. يونس 10:86
  136. يونس 10:89
  137. يونس 10:90
  138. يونس 10:91
  139. يونس 10:92
  140. يونس 10:94
  141. يونس 10:95
  142. يونس 10:98
  143. يونس 10:99
  144. يونس 10:101
  145. يونس 10:103
  146. يونس 10:105
  147. يونس 10:108
  148. هود 11:1
  149. هود 11:2
  150. هود 11:4
  151. هود 11:7
  152. هود 11:8
  153. هود 11:11
  154. هود 11:13
  155. هود 11:15
  156. هود 11:17
  157. هود 11:18
  158. هود 11:20
  159. هود 11:22
  160. هود 11:25
  161. هود 11:27
  162. هود 11:28
  163. هود 11:30
  164. هود 11:31
  165. هود 11:33
  166. هود 11:35
  167. هود 11:37
  168. هود 11:38
  169. هود 11:41
  170. هود 11:42
  171. هود 11:43
  172. هود 11:44
  173. هود 11:45
  174. هود 11:47
  175. هود 11:49
  176. هود 11:51
  177. هود 11:53
  178. هود 11:56
  179. هود 11:58
  180. هود 11:60
  181. هود 11:62
  182. هود 11:65
  183. هود 11:67
  184. هود 11:69
  185. هود 11:71
  186. هود 11:72
  187. هود 11:74
  188. هود 11:75
  189. هود 11:78
  190. هود 11:79
  191. هود 11:81
  192. هود 11:82
  193. هود 11:83
  194. هود 11:85
  195. هود 11:88
  196. هود 11:89
  197. هود 11:90
  198. هود 11:93
  199. هود 11:94
  200. هود 11:96
  201. هود 11:99
  202. هود 11:102
  203. هود 11:104
  204. هود 11:106
  205. هود 11:109
  206. هود 11:111
  207. هود 11:112
  208. هود 11:113
  209. هود 11:115
  210. هود 11:116
  211. هود 11:117
  212. هود 11:119
  213. هود 11:121

التوبة 9:1

في حكم البسملةِ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ عندَ الكلامِ في البسملة أولَ التفسير، ومُلَخَّصُه: أنَّ مذهبَ الشّافعيِّ رضي الله عنه أن البسملةَ آيةٌ من الفاتحةِ ومن كلِّ سورةٍ سوى براءةَ، ومذهبُ أحمدَ وأبي حنيفةَ أنّها آيةٌ مستقلةٌ بينَ كلِّ سورتينِ سوى براءةَ، فيكره ابتداؤها بها، ومذهبُ مالكٍ أنّها ليستْ بآيةٍ من الفاتحة، ولا من غيرِها، وإنّما كُتبت للتيمُّن والتبرُّك بها معَ إجماعهم على أنّها بعضُ آيةٍ من سورةِ النمل، وأنَّ بعضَها آيةٌ من الفاتحة. وأمّا مذاهبُ (١) القراء فيها، فقد أجمعوا على حذفِها بينَ الأنفالِ وبراءةَ، وكذلكَ في الابتداءِ ببراءةَ، وأمّا الابتداءُ بالآي وسطَ براءة، ففيه خلافٌ، ويجوزُ بينَ الأنفالِ وبراءةَ كلّ من الوصلِ والسكتِ والوقفِ لجميعِ القراء إذا لم يقطعْ على آخرِ الأنفالِ، فالقطعُ: هو قطع القراءةِ رأسًا، فهو كالانتهاء، والوقفُ: هو قطعُ الصوتِ على الكلمةِ زمنًا يتنفَّس فيه عادةً بنيةِ استئنافِ القراءة، والسكتُ: هو قطعُ الصوتِ زمنًا دونَ زمنِ الوقفِ عادةً من غيرِ تنفُّسٍ، والله أعلمُ. * * * ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١)﴾. [١] قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ﴾ خروجٌ من الشيءِ، ومفارقةٌ له بشدَّةٍ، والتقديرُ: هذِه براءةٌ ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾ أيُّها المؤمنون. ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والمعنى: أن الله ورسوله قد برءا من العهد الّذي عاهدتم به المشركين، رُوي أنّه لما خرجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى تبوكَ، كان المنافقون يُرْجِفون الأراجيفَ، وجعلَ المشركونَ ينقُضون عهودًا كانت (١) في "ت": "مذهب".

التوبة 9:2

بينَهم وبينَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأمرَ اللهُ بنقضِ عهودِهم، وكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - هو الّذي عاهدَهم عامًا على ألَّا يُصَدَّ أحدٌ عن البيت الحرام، ونحو هذا من الموادَعات، وأصحابُه كلُّهم راضونَ بذلكَ، فكأنّهم عاهدوا، فَنُسِبَ العهدُ إليهم، وكذلك ما عقدَهُ أئمةُ الكفرِ على قومِهم منسوبٌ إِليهم يُؤاخذونَ به؛ إذ لا يمكنُ غيرُ ذلك؛ لأن تحصيلَ الرضا من الجميعِ متعذرٌ، فإذا عقدَ الإمامُ لما يرى من المصلحةِ أمرًا، لزمَ جميعَ الرعايا. * * * ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾. [٢] ﴿فَسِيحُوا﴾ رجع من الخبر إلى الخطاب؛ أي: قل لهم: سِيحُوا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أى: سيروا فيها آمنينَ. ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ تأجيلٌ من اللهِ للمشركين، فمن كانتْ مدةُ عهدِهِ أقلَّ من أربعةِ أشهرٍ، رُفِعَ إليها، ومن كانت مدَّتُه أكثرَ منها، حُطَّ إليها، ومن كانت مدةُ عهدِه بغيرِ أجلٍ محدودٍ، حَدَّهُ بأربعةِ أشهرٍ، ثمّ هو حربٌ بعدَ ذلكَ للهِ ورسوله يُقتل حيث أُدْرِكَ، ويؤسرُ، إِلَّا أن يتوب، وابتداءُ هذا الأجل يومَ الحجِّ الأكبرِ، وانقضاؤه إلى عشرٍ من ربيعٍ الآخرِ، فأمّا من لم يكنْ له عهدٌ، فإنما أجلُه انسلاخُ المحرَّمِ، وذلك خمسون يومًا، وقيل: الأشهرُ الأربعةُ: شوالٌ وذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، والأول أصوبُ، وعليه الأكثرُ. ﴿وَاعْلَمُوا﴾ أيّها الناكثون ﴿أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي﴾ أي: فائتي ﴿اللَّهَ﴾ بعدَ الأربعةِ أشهرٍ.

التوبة 9:3

﴿وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي﴾ مُذِلُّ ﴿الْكَافِرِينَ﴾ بالقتلِ في الدنيا، والعذابِ في الآخرةِ. * * * ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾. [٣] ونزلت براءةُ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، وفيها فُتحت مكةُ، فلما كان سنةُ تسعٍ تجهَّزَ النبيُّ - ﷺ -، فقيل له: إنَّ المشركينَ يطوفون بالبيتِ عُراةً فقالَ: "لَا أُرِيدُ أَنْ أَرَى ذَلِكَ"، فبعثَ أبا بكرٍ أميرًا على الموسمِ ليقيمَ للناسِ الحجَّ، وبعثَ معه بأربعينَ آيةً من صدرِ براءةَ ليقرأها على أهل الموسم، ثمّ بعثَ بعده عليًّا على ناقتِهِ العضْباءِ ليقرأ على النَّاس صدر براءة، وأمره أن يؤذن بمكةَ ومِنًى وعرفةَ: أن قد بَرِئَتْ ذمةُ اللهِ وذمةُ رسوله من كلِّ مشركٍ، ولا يطوفُ بالبيتِ عُريان، فرجعَ أبو بكر وقال: يا رسولَ الله! أنزلَ في شأني شيءٌ؛ قالَ: "لَا، وَلَكِنْ لا يَنْبَغِي أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِي، أَمَا تَرْضَى أَنَّكَ كُنْتَ مَعِي فِي الْغَارِ، وأَنَّكَ صاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ؟ "، قال: بلى. فسار أبو بكرٍ أميرًا على الحاجِّ، وعليٌّ ليؤذِّنَ ببراءةَ، وكانَ من عادةِ العربِ في عقدِ العُهودِ ونقضِها ألَّا يتولَّى ذلكَ إِلَّا سيدُهم، أو رجلٌ من قومِه، أقربُهم إليه نَسَبًا، فلما كانَ قبلَ الترويةِ بيوم، خطبَ أبو بكرٍ الناسَ، وحدثهم عن مناسِكِهم، وأقام للناسِ الحجَّ، والعربُ في تلكَ السنةِ على منازِلهم الّتي كانوا عليها في الجاهليةِ من الحجِّ، حتّى إذا كانَ يومُ النَّحر، قام عليٌّ عندَ جمرةِ العقبةِ، وأَذَّنَ في النَّاس بما أُمر به من الآيات، وألَّا يطوفَ بالبيت عُريان، وأن يتمَّ إلى كلِّ عهدٍ عهدَه، وإن لم يكنْ عهدٌ، فعهدُه أربعةُ أشهرٍ، ولا يدخلُ الجنةَ إِلَّا نفسٌ مؤمنةٌ، وألَّا يجتمعَ المسلمون والمشركون بعدَ عامِهم هذا، فقال المشركون الناكثون: أخبرِ ابنَ عَمِّكَ أنا قد نَبَذْنا العهدَ وراءَ ظُهورِنا، وأنْ ليسَ بينَنا وبينَه إِلَّا طعنٌ بالرمحِ وضربٌ بالسيفِ. ﴿وَأَذَانٌ﴾ عطفٌ على قوله: ﴿براءةٌ﴾ أي: وإعلامٌ. ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ مبتدأٌ، خبرُهُ ﴿إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ هو يومُ عرفةَ، والحجُّ الأصغرُ العمرةُ؛ لنقصِ عملِها. ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: من عهودِهم. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ قراءةُ العامةِ برفعِ (رَسُولُهُ) مبتدأُ خَبَرٍ؛ أي: ورسولُه بريءٌ أيضًا من المشركين. وقرأ يعقوبُ: (وَرَسُولَهُ) بنصبِ اللام عطفًا على اسمِ (أَنَّ) (١)، ولا يجوزُ عطفهُ على (المشركين)؛ لأنّه كفرٌ، وتقدَّم في أول التفسير عندَ شكلِ القرآنِ ونقطِه أنَّ سببَ وضعِ الإعرابِ في المصاحفِ أن أبا الأسودِ الدؤليَّ التابعيَّ البصريَّ حكي أنّه سمعَ قارئًا يقرأ: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ بكسرِ اللام، فأعظمَه ذلكَ، وقالَ: "عَزَّ وَجْهُ اللهِ أن يبرأَ من رسولِه"، ثمّ جعلَ الإعرابِ في المصاحف (٢)، تلخيصُهُ: براءةٌ وإعلامٌ من اللهِ ورسولهِ بأنْ لا عهدَ لناكثٍ. (١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٥/ ٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨). (٢) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٢٥/ ١٩٢).

التوبة 9:4

﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ من الكفرِ ونقضِ العهدِ. ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرَضتُم عن الإيمان. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ لا تعجزونه، ولا تفوتونه في الدنيا. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخِرةِ. * * * ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾. [٤] ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ استثناءٌ من المشركين، وهم بنو ضَمْرَةَ: حَيٌّ منْ كنانةَ، أَمَرَ - ﷺ - بإتمامِ عهدِهم إلى مُدَّتهم، وكان قد بقيَ منها تسعةُ أشهر، والسببُ فيه أنّهم لم ينقُضوا العهدَ، وثبتوا عليه، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ من عهدِكم. ﴿وَلَمْ يُظَاهِرُوا﴾ يعينوا ﴿عَلَيْكُمْ أَحَدًا﴾ من أعدائِكم. ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ﴾ أدُّوه إليهم ﴿إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ كملًا، ولا تُجروهم مُجرى الناكثين. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تنبيهٌ على أن تمامَ عهدِهم من بابِ التقوى. * * * ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. [٥] ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ﴾ انقضى ﴿الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الّتي أُبيح للناكثين أن يَسيحوا

التوبة 9:6

فيها، وقيل لها: حُرُمٌ؛ لأنّ اللهَ تعالى حَرَّمَ فيها على المؤمنينَ دماءَ المشركين والتعرُّضَ لهم، المعنى: إذا مضتِ المدةُ المضروبةُ الّتي يكونُ معها انسلاخُ الأشهرِ الحرمِ، وأصلُ الانسلاخ، خروجُ الشيءِ ممّا لابَسَه؛ من سَلْخِ الشاة. ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الناكثينَ ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ من حِلٍّ وحرمٍ. ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ وأْسِرُوهم، والأَخيذُ: الأسيرُ ﴿وَاحْصُرُوهُمْ﴾ احْبِسوهم. ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ على كلِّ طريقٍ، والمرصدُ، كلُّ مكانٍ يُرْصَدُ منه العدوُّ؛ أي: يرقَبُ فيه؛ لتأخذوهم من أيِّ وجهةٍ توجَّهوا. ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ من الشركِ. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ تصديقًا لتوبتِهم وإيمانِهم. ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوهم يدخلون مكةَ، ويتصرَّفون في البلاد، وفيه دليلٌ على أن تاركَ الصّلاةِ ومانعَ الزكاةِ لا يخلَّى سبيلُه، فالكفَّارُ مخاطَبون بالإيمان بالاتفاق، وبالفروعِ عندَ الشّافعيِّ وأحمدَ، وقالَ أكثرُ الحنفيةِ: ليسوا مخاطَبين بالفروعِ، وهو قولُ مالكٍ، ويأتي ذكرُ حكمِ تاركِ الصّلاةِ ومانعِ الزكاةِ في سورةِ الماعونِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمن تابَ ﴿رَحِيمٌ﴾ به. * * * ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾ أي: وإن جاءكَ أحدٌ.

التوبة 9:7

﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المأمورِ بقتلِهم ﴿اسْتَجَارَكَ﴾ استأمَنَكَ بعدَ انسلاخِ الأشهُرِ الحرُمِ. ﴿فَأَجِرْهُ﴾ فَأَمِّنْهُ ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ أي: قراءتَكَ كلامَ الله؛ ليعلم شرائعَ الإسلامِ. ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ الموضعَ الّذي يأمَنُ فيه، وهو دارُ قومه إنْ لم يُسْلِمْ، فإنْ قاتلكَ بعدُ، فاقتلْه. ﴿ذَلِكَ﴾ المأمورُ به من الإجارة ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ﴾ جَهَلَةٌ. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ دينَ الله، فهم محتاجون إلى سماعِ كلامِه. ولا خلافَ بينَ الأئمةِ في جواز أمانِ السلطان؛ لأنّه مقدَّمٌ للنظرِ والمصلحةِ، وكذا أمانُ الحرِّ جائزٌ بالاتفاقِ، وأمّا العبدُ المسلمُ إذا أَمَّنَ شخصًا أو مدينةً، فقال الثلاثة: يَمْضي أمانُه مطلَقًا، وقال أبو حنيفةَ: لا يَمْضي إِلَّا أن يكونَ سيدُه أذنَ له في القتال. * * * ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكارِ والاستبعادِ، المعنى: ممتنعٌ ثبوتُ عهدٍ للمشركين. ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ وهم يغدرونَ وينقضونَ العهدَ، ثمّ استثنى فقال:

التوبة 9:8

﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وهم قبائلُ بني بكرٍ، وبنو خُزيمةَ، وبنو مدلجٍ، وبنو ضَمْرَةَ، وبنو الدَّيلِ، وهم الذين كانوا قد دخلوا في عهدِ قريشٍ يومَ الحديبيةِ، ولم يكن نقضَ إِلَّا قريشٌ وبنو الديل من بني بكر، فأمرَ بإتمامِ العهدِ لمن لم ينقضْ، وهم بنو ضمرةَ. ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ﴾ أي: فما قاموا على الوفاء بعهدكم. ﴿فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ أي: فأقيموا لهم على مثلِ ذلك. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه. * * * ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿كَيْفَ﴾ أعادَ الإنكارَ والاستبعاد؛ أي: كيف يكونُ لهم عهدٌ. ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ يظفروا بكم. ﴿لَا يَرْقُبُوا﴾ يحفضوا ﴿فِيكُمْ إِلًّا﴾ قرابةً ﴿وَلَا ذِمَّةً﴾ عهدًا، والذمَّةُ في اللُّغة: عبارةٌ عن العهدِ، وفي الشرعِ: عبارةٌ عن وصفٍ يصيرُ فيه أهلًا للإيجاب والاستحباب. ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يُظْهِرون الجميلَ، ويُضْمرون القبيحَ، ﴿وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ﴾ الإيمانَ ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ناقضو العهد؛ لأنَّ منهم من وفى. * * *

التوبة 9:9

﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ استبدلوا بالقرآنِ ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ من حُطامِ الدنيا ونيلِ الشهوات، وذلك أنّهم نقضوا العهدَ بأكلةٍ أطعمهم أبو سفيان. ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ أي: فمنعوا الناسَ من الدخولِ إلى ديِنه. ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ عملُهم هذا. * * * ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ لا تُبْقوا عليهم أيها المؤمنون؛ فإنهم لا يُبْقون عليكم إنْ ظَفِروا بكم. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ بنقضِ العهد. * * * ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾. [١١] ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ من الشركِ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانُكم ﴿فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لَكُم، وعليهم ما عليكم. ﴿وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ نُبَيَّنُها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قال ابنُ عباسٍ: "حُرِّمَتْ بهذهِ الآيةِ دماءُ أهلِ القبلةِ" (١). (١) رواه أبو الشّيخ في "تفسيره"، عن الحسن البصري، كما ذكر السيوطيّ في "الدر =

التوبة 9:12

﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نقضوا عهودَهم ﴿مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ يعني: مشركي قريش، ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ عابوا الإسلامَ. ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ رؤوسَ المشركين وقادتهم، نزلتْ في أبي سفيانَ وأصحابِه رؤساءِ قريشٍ الذين نقضوا العهد. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وروحٌ عن يعقوبَ: (أَئِمَّةَ) بهمزتين محققتين على الأصل، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثّانية بينَ بينَ، وروي عنهم وجهٌ أنّها تُجعل ياءً خالصةً مكسورة تخفيفًا؛ لاستثقالهم تحقيقَ همزتينِ في كلمةٍ واحدة، وأبو جعفرٍ يدخِلُ بينهما ألفًا مع تسهيل الثّانية، وهشامٌ راوي ابنِ عامرٍ رُوي عنه المدُّ مع تحقيقِ الهمزة الثّانية (١). ﴿إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ حقيقةً؛ لنقضهم العهدَ قراءة العامة: (أَيْمَانَ) بفتح الهمزة، جمعُ يمين، وقرأ ابنُ عامرٍ: بكسر الهمزة بمعنى = المنثور" (٤/ ١٣٢). وعزاه البغوي في "تفسيره" (٢/ ٢٥٣) إلى ابن عبّاس -رضي الله عنه-. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٣٧٨ - ٣٧٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩). التصديق (١)؛ أي: إنَّ لم يفِ لكم المشركون، وعابوا دينَكم، فقاتلوهم. ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ عمَّا هم عليه. واختلفوا في يمينِ الكافرِ هل تنعقدُ؟ فقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: لا تنعقدُ، وسواءٌ حَنِثَ حالَ كفرِه أو بعدَ إسلامه، ولا يصحُّ منه كفارةٌ؛ استشهادًا بظاهرِ ﴿لَا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾. وقال الشّافعيُّ وأحمدُ: تنعقدُ يمينُه؛ بدليلِ وصفِها بالنكثِ، وتلزمه الكفارةُ بالحنث فيها في الموضعين، ويكفِّرُ بغيرِ الصومِ. وأمّا الذميُّ إذا طعنَ في الدينِ، بأنْ ذكرَ اللهَ سبحانَه بما لا يليقُ بجلاله، أو ذكرَ كتابَه المجيدَ، أو رسولَه الكريمَ ودينَه القويمَ بما لا ينبغي، فإنّه ينتقضُ عهدُه عندَ مالكٍ وأحمدَ، سواءٌ شُرِطَ تركُ ذلكَ عليهم، أو لم يُشْتَرَطْ، وقال الشافعيُّ: إنَّ شُرِطَ انتقاضُ العهد بها، انتقضَ، وإلا فلا، فإذا انتقضَ عهدُه، فقال مالكٌ: يُقتل، وقال الشّافعيُّ وأحمدُ: يخيرُ الإمامُ فيه قتلًا وَرِقًا ومَنًّا وفِداءً، ولا يردُّ إلى مأمنِه، وقال أبو حنيفةَ: لا ينتقضُ عهدُه إِلَّا باللحاقِ بدارِ الحرب، أو أن يغلبوا على موضعٍ فيحاربوا، فيصير أحكامُهم كالمرتدين، إِلَّا أنّه إذا ظفرنا بهم، نسترقُّهم، ولا نجبرُهم على الإسلامِ، ولا على قبولِ الذِّمَّة، فإن أسلمَ، لم يقتلْ بالاتفاق. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠).

التوبة 9:13

﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. [١٣] ثمّ حَرَّضَ المسلمين على قتالهم، فقال تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ نقضوا عهودَهم، وهم الذين نقضوا عهدَ الصلحِ بالحديبية، وأعانوا بني بكر على خزاعةَ. ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ من مكةَ حينَ اجتمعوا في دارِ الندوة. ﴿وَهُمْ بَدَءُوكُمْ﴾ بالقتالِ ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يومَ بدرِ، ذلك أنّهم قالوا حين سلم العيرُ: لا ننصرفُ حتّى نستأصلَ محمدًا وأصحابَه، ثمّ وَبَّخهم على خوفِهم منهم فقال: ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ﴾ فتتركون قتالَهم ﴿فَاللَّهُ أَحَقُّ﴾ من غيرِه. ﴿أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ فقاتِلوا أعداءه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. * * * ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤)﴾. [١٤] ثمّ شَجَّعهم عليهم فقال: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ يقتلْهم اللهُ. ﴿بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ﴾ يُذِلَّهم بالأسرِ والقتل. قرأ رُويسٌ عن يعقوبَ: (وَيُخْزِهُمْ) بضم الهاء، والباقون: بالكسر (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠).

التوبة 9:15

﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ﴾ ويُبْرِئ داءَ قلوبِ. ﴿قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ بما كانوا ينالونَهُ من الأذى منهم. * * * ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٥)﴾. [١٥] ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ كَرْبَها ووجْدَها. ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه للإسلام؛ كأبي سفيانَ، وعكرمةَ بنِ أبي جهل، وسُهيلِ بنِ عمرٍو. وقراءةُ العامَّةِ: (وَيَتُوبُ) برفع الباء استئنافًا إخبارًا عن توبتِه على من أسلم، وقرأ رويسٌ عن يعقوبَ بخلافِ عنه: بنصبِ الباء على تقديرِ وأن (يَتُوبَ) أو حَتَّى (١). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما كانَ وسيكونُ ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يفعلُ شيئًا عَبثًا. * * * ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ أظننتم، خطابٌ للمؤمنين حينَ كرهَ بعضُهم القتالَ ﴿أَنْ تُتْرَكُوا﴾ فلا تؤمَروا بالجهادِ ولا تُمتحنوا ليظهرَ الصادقُ من الكاذبِ. ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ﴾ أي: ولما يَرَى الله. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٨)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠).

التوبة 9:17

﴿الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ وليًّا خاصًّا من المشركين، وخاصَّةُ الرجلِ وَلِيَجُتُه؛ أي: لا تتركون حتّى يتبينَ المخلصون والمجاهدون منكم. قرأ الكسائيُّ: (وَلِيَجةً) بإمالةِ الجيمِ حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيث (١). ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يعلمُ غرضَكم منه. * * * ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧)﴾. [١٧] ولما أُسر العباسُ يومَ بدرٍ، وَعَيَّرَه المسلمون بالكفرِ وقطيعةِ الرّحمِ، وأغلظَ عليٌّ له القولَ، قال العباسُ: وما لكم تذكرونَ مساوِئَنا، ولا تذكرونَ محاسِنَنا، فقال له عليٌّ: ألكمْ محاسِنُ؟ فقال: نعم، إنا نَعْمُرَ المسجدَ الحرامَ، ونحجُبُ الكعبةَ، ونسقي الحاجَّ، فنزلَ ردًّا عليه: ﴿مَا كَانَ﴾ (٢) ما جازَ ولا ينبغي. ﴿لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ قرأ أبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ: (مَسْجِدَ اللهِ) على التّوحيد، والمرادُ: الكعبةُ، والباقون: (مَسَاجِدَ) على الجمع (٣)، والمرادُ: جنسُ المساجدِ، والكعبةُ داخلة فيه، المعنى: ليس (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠). (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٦). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١).

التوبة 9:18

لهم الجمعُ بين أمرينِ متنافيين: عمارةِ متعبداتِ الله مع الكفرِ. ﴿شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ بإظهارِ الشركِ، وتكذيبِ الرسولِ، وعبادةِ الأصنام، وقولِ النصراني: أنا نصرانيٌّ، وقولِ اليهوديِّ: أنا يهوديٌّ، ونصبُ (شاهدين) على الحالِ. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ لأنّها لغيرِ الله. ﴿وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ لكفرِهم. * * * ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾. [١٨] ثمّ قال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ اتفقَ جميعُ القراء على الجمعِ في هذا الحرف؛ لأنّ المرادَ به: جميعُ المساجد. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ لم يتركْ أمرَ اللهِ خشيةً من غيره، وعمارةُ المسجد: بناؤه، ورمُّ متشعثه، وكنسُه، والصلاةُ والذكرُ ودرسُ العلمِ الشرعيِّ فيه، وصيانتُه ممّا لم يُبْنَ له؛ كحديثِ الدنيا ونحوِه (١)، وفي الحديثِ: "يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ الْمَسَاجِدَ فَيَقْعُدُونَ فِيهَا حِلَقًا، ذِكْرُهُمُ الدُّنْيَا وَحُبُّ الدُّنْيَا، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ، فَلَيْسَ للهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ" (٢)، ويحرمُ البصاقُ في (١) في "ت": "وغيره". (٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٤٥٢)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٠٩)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" (٢/ ٩٨)، = المسجدِ بالاتفاق؛ لأنّ رسولَ اللهِ - ﷺ - سماها خطيئةً وسيئةً، وكفارتُه أن تواريَهُ، ومن يبصقْ في المسجدِ استهزاءً به، كفرَ بغيرِ خلافٍ، وكذا لو بصقَ على القرآنِ بقصدِ الاستهزاءِ، وأمّا حكمُ القاضي في المسجدِ، فسيأتي ذكرُ الحكم فيه في سورةِ الجنِّ إن شاء الله تعالى عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. ﴿فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ و (عسى) من اللهِ واجبٌ؛ أي: أولئكَ هم المهتدون. قال - ﷺ -: "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ، فَاشْهَدُوا لَهُ بِالإِيَمانِ" (١). ورُويَ أن عثمانَ بنَ عفانَ رضي الله عنه أرادَ بناءَ المسجدِ، فكرهَ النّاسُ ذلكَ وأَحَبُّوا أن يدعَه، قالَ عثمان رضي الله عنه: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: "مَنْ بَنَى للهِ مَسْجِدًا، بَنَى اللهُ لهُ كَهَيْئَتِهِ فِي الْجَنَّةِ" (٢). * * * ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾. = عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٢/ ٢٤): فيه بزيغ أبو الخليل، ونسب إلى الوضع. (١) رواه الترمذي (٣٠٩٣)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة التوبة، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٨٠٢)، كتاب: الصّلاة، باب: لزوم المساجد وانتظار الصّلاة، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-. (٢) رواه البخاريّ (٤٣٩)، كتاب: المساجد، باب: من بنى مسجدًا، ومسلم (٥٣٢)، كتاب: المساجد ومواضع الصّلاة، باب: فضل بناء المساجد والحث عليها.

التوبة 9:19

[١٩] رُويَ عن النعمانِ بنِ بشيرٍ قال: "كنتُ عندَ منبرِ النبيِّ - ﷺ -، فقالَ رجلٌ: ما أُبالي أن لا أعملَ عملًا بعدَ أن أسقيَ الحاجَّ، وقال آخرُ: ما أُبالي أن لا أعملَ عملًا بعدَ أن أعمرَ المسجدَ الحرامَ، فقال آخرُ: الجهادُ في سبيلِ اللهِ أفضلُ ممّا قلتم، فزجَرَهم عمرُ وقالَ: لا ترفعوا أصواتَكم عندَ منبرِ النبيِّ - ﷺ -، وهو يومُ الجمعةِ، ولكنْ إذا صَلَّيْتُ فاستفتيتُ رسولَ الله - ﷺ - فيما اختلفتم فيه، ففعلَ، فأنزلَ الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) والسقايةُ والعمارةُ: مَصْدَرا سَقَى وعَمَرَ. ورُوي عن أبي جعفرٍ أنّه قرأ: (سُقَاةَ) بضم السين وحذف الياء بعدَ الألف (وَعَمَرَة) بفتح العين وحذف الألف على جمع ساقي والعامر (٢)، تقديره: أجعلتم أصحابَ سقايةِ الحاجِّ، وأصحابَ عِمارةِ المسجدِ. ﴿كَمَنْ آمَنَ﴾ كإيمان مَنْ آمنَ ﴿بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ المعنى: إنكارٌ أن يشبه المشركين وأعمالُهم المحبَطَةُ بالمؤمنينَ وأعمالِهم المثبتَةِ، ثمّ قَرَّرَ ذلكَ بقولِه: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ تنبيهٌ على أن التسويةَ بينَهم ظلمٌ. (١) رواه مسلم (١٨٧٩)، كتاب: الإمارة، باب: فضل الشّهادة في سبيل الله تعالى. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١ - ١٢)، وقد ذكرها البغوي من قراءة ابن الزبير وأبيّ.

التوبة 9:20

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أعلى رتبةً. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ممّن افتخروا بعِمارةِ المسجدِ الحرامِ وسقايةِ الحاجِّ. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الظافرونَ (١) بأمنياتهم. * * * ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ. قرأ حمزةٌ: (يَبْشُرُهُمْ) بفتح الياء وتخفيف الشين وضمِّها من البشر، وهو البشرى والبشارة، وقرأ الباقون: بضم الياء وتشديد الشين مكسورةً، من بَشَّرَ المضعَّفِ على التكثير، والبشرُ والتبشيرُ والإبشارُ لغاتٌ فصيحاتٌ (٢)، وقرأ عاصمٌ بروايةِ أبي بكبر: (وَرُضوَانٍ) بضم الراء، والباقون: بكسرها (٣). * * * (١) "الظافرون" ساقطة من "ش". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢). (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢).

التوبة 9:22

﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ أكد الخلودَ بالتأبيدِ؛ لأنّه قد يستعمل للمكثِ الطويل ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] عن ابن عبّاس رضي الله عنه: "لما أمرَ رسولُ الله - ﷺ - الناسَ بالهجرةِ إلى المدينة، فمنهم من تعلَّقَ به أهلُه وولدُه يقولون: ننشدُكَ بالله ألَّا تُضَيِّعَنا، فيرقُّ، فيقيمُ عليهم، ويدعُ الهجرةَ، فأنزل اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (١) أصفياءَ وبطانةً يمنعونكم عن الإيمان، ويصدُّونكم عن الطاعةِ. ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ واختلافُ القراء في الهمزتين من (أَوْلِياءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا) كاختلافِهم فيهما من (أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ) في سورة البقرة. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ يؤثر المقامَ على الهجرةِ والجهادِ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ بوضعِهم الموالاةَ في غيرِ موضعِها، وكان في ذلك الوقتِ لا يُقَبل الإيمانُ إِلَّا من مهاجرٍ. * * * (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٦٠).

التوبة 9:24

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾. [٢٤] نزلت الآية الأولى، قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إنَّ نحنْ هاجرْنا، ضاعتْ أموالُنا، وذهبتْ تجارتنُا، وخربَتْ دورُنا، وقطعْنا أرحامَنا ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ للمتخلِّفينَ عن الهجرةِ: ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَعَشِيَراتُكُمْ) بالألف على الجمع، والباقون: بغير ألف (١)؛ أي: قومُكم بمكة. ﴿وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ اكتسبتموها ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ عدمَ نَفاقِها ﴿وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ تستطيبونَها. ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ الحبّ الاختياري دونَ الطبيعيِّ؛ فإنّه لا يدخلُ تحتَ التكليفِ التحفظ عنه. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: انتظروا ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بقضائِه، وهو تهديدٌ لمن يؤثرُ لذاتِ الدنيا على الآخرة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لا يرشدُهم، والفسقُ: الخروجُ عن الطّاعة. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣).

التوبة 9:25

﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ﴾ مشاهدَ. ﴿كَثِيرَةٍ﴾ كبدرٍ، وفتحِ مكةَ، وقريظةَ، والنضيرِ. ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ اسمُ وادٍ بينَ مكَّةَ والطائفِ، بينهما ثلاثةُ أميال. وملخَّصُ القصةِ: أنَّ رسولَ الله - ﷺ - لما فتحَ مكةَ في شهرِ رمضانَ سنةَ ثمانٍ من الهجرةِ، تجمعَتْ هوازنُ بحريمِهم وأموالِهم لحربِ رسولِ الله - ﷺ -، ومقدَّمُهم مالكُ بنُ عوفٍ النَّصْريُّ، وانضمَّتْ إليه ثقيفُ، وهم أهلُ الطائف، وبنو سعدٍ، وهم الذين كانَ النبيُّ - ﷺ - مرتَضَعًا عندَهم، فلما سمعَ رسولُ الله - ﷺ - باجتماعِهم، وكانوا أربعةَ آلافٍ، خرجَ من مكةَ لِسِتٍّ خَلَوْنَ من شوالٍ، وخرجَ معه اثنا عشرَ ألفًا، منها عشرة آلاف كانتْ معه، وألفانِ من أهلِ مكةَ، وحضر جماعةٌ كثيرةٌ من المشركين، وهم مع رسولِ اللهِ - ﷺ -، وانتهى إلى حُنَيْنٍ، وركبَ بغلتَهَ الدُّلدُل، وقال رجلٌ من الأنصار يقالُ له سلمةُ بنُ سلامةَ لما رأى كثرةَ مَنْ معَ النّبيّ - ﷺ -: لنْ يغلب هؤلاءِ من قلة، فساءَ رسولَ اللهِ - ﷺ - كلامُه، فلما التقى الجمعان، انكشفَ المسلمونَ، لا يَلْوي أحدٌ على أحدٍ، وانحازَ رسولُ اللهِ - ﷺ - في نفرٍ من المهاجرينَ والأنصارِ وأهلِ بيتِه، واستمرَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - ثابتًا، وتراجعَ المسلمون، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وأخذ - ﷺ - حَصياتٍ فرمى بها في وَجْهِ المشركينَ، فكانتِ الهزيمةُ، ونصرَ الله المسلمين، واتَّبَع المسلمون المشركين يقتلونهم ويأسرونهم. ولما فرغَ - ﷺ - من حُنين، بعثَ أبا عامرٍ على جيشٍ لغزوةِ أوطاس، فاستُشهد رضي الله عنه، وانهزمت ثقيفُ إلى الطائف، فأغلقوا بابَ مدينتِهم، فسار النبيُّ - ﷺ -، وحاصرهم نيفًا وعشرين يومًا، وقاتلَهم بالمنجنيقِ، وأمر بقطعِ أعنابِهم، ثمّ رحلَ عنهم، ونزلَ بالجعرانةِ، وأتى إليه بعضُ هوازن مسلمين، وسألوه أن يردَّ إليهم أموالَهم وسَبْيَهم، فخيرَّهم بينَ المالِ والسبي، فاختاروا السبيَ، فرد النّاسُ أبناءهم ونساءهم، ثمّ لحقَ مالكُ بن عوفٍ مقدَّم هوازنَ برسولِ الله - ﷺ -، وأسلمَ وحسنَ إسلامُه، واستعملَه رسولُ الله - ﷺ - على قومِه وعلى من أسلمَ من تلكَ القبائل، وكانَ عدةُ السبي الّذي أطلقَه ستةَ آلافٍ، ثمّ قسمَ الأموالَ، وكانت عدةُ الإبلِ أربعةً وعشرينَ ألفَ بعيرٍ، والغنمِ أكثرَ من أربعين ألفَ شاة، ومن الفضةِ أربعه آلافِ أوقيةٍ، وأعطى المؤلَفة قلوبُهم مثلَ أبي سفيان، وابنيه يزيدَ ومعاويةَ، وسهلِ بنِ عمرو، وعكرمةَ بنِ أبي جهلٍ، والحارثِ بنِ هشامٍ أخي أبي جهل، وصفوانَ بنِ أميةَ، وهؤلاء من قريش، وأعطى الأقرعَ بنَ حابسٍ التميميَّ، وعُيَيْنَةَ بنَ حصنٍ، ومالكَ بنَ عوفٍ مقدَّمَ هوازنَ وأمثالَهم، فأعطى لكلِّ واحدٍ من الأشراف مئةً من الإبل، وأعطى الآخرين لكلِّ واحدٍ أربعينَ، وأعطَى العباسَ بنَ مِرْداسَ السلميَّ أباعر لم يرضَها، فقالَ في ذلكَ من أبياتٍ: فَأَصْبحَ نهبي وَنْهب الْعُبَيْـ؍ ـدِ بَيْنَ عُيَيْنَة وَالأَقْرَعِ؍ وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ؍ يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ فِي مَجْمَعِ؍ وَمَا كُنْتُ دُونَ أمْرِئٍ مِنهُما؍ وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَمْ يُرْفَعِ؍ فرُوي أن رسول الله - ﷺ - قال: "اقْطَعُوا عَنِّي لِسَانَهُ"، فَأُعطيَ حتّى رضي (١). وفرقَ رسولُ الله - ﷺ - الغنائمَ، ولم يعطِ الأنصارَ شيئًا، فوَجَدُوا في أنفسِهم، فدعاهم رسولُ الله - ﷺ - فقال: "إِنَّ قُرَيْشًا حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ وَمُصِيبَةٍ، وَإِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أَجْبُرَهُمْ وَأَتَأَلَّفَهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَرْجِعَ النَّاسُ بِالدُّنْيَا وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللهِ إِلى بُيُوتكُمْ؟ "، قالوا: بلى، قال: "لَوْ سَلَكَتِ النَّاسِ وَادِيًا وَسَلَكتِ الأَنْصَارُ شِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِي الأَنْصَارِ أَوْ شِعْبَ الأَنْصَارِ" (٢). وقد اتفق الأئمةُ على جوازِ اجتهاده - ﷺ - في أمرِ الدنيا ووقعَ إجماعًا، واختلفوا في المجتهدينَ بعدَه، فقال أبو حنيفةَ: كلُّ مجتهدٍ مصيبٌ، والحقُّ واحدٌ عندَ الله، وقال الثلاثةُ: المسألةُ الظنيةُ: الحقُّ فيها واحدٌ عندَ الله، وعليه دليلٌ، وعلى المجتهدِ طلبُه، فمن أصابَ فمصيبٌ، وإلا، فَمُخْطيءٌ مثابٌ، والجزئيَّةُ الّتي فيها نصٌّ قاطعٌ: المصيبُ فيها واحدٌ وفاقًا، ولا يأثمُ مجتهدٌ في حكمٍ شرعيٍّ اجتهاديٍّ، ويُثابُ بالاتفاق. ثمّ بعدَ الفراغ من أمرِ هوازن، اعتمرَ رسولُ الله - ﷺ -، وعادَ إلى المدينة، واستخلفَ على مكةَ عتَّابَ بنَ أسيدِ، وهو شابٌّ لم يبلغْ عشرينَ سنةً، وتركَ (١) رواه مسلم (١٠٦٠)، كتاب: الزَّكاة، باب: إعطاء المؤلِّفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-. (٢) رواه البخاريّ (٣٥٦٧)، كتاب: فضائل الصّحابة، باب: مناقب الأنصار، ومسلم (١٠٥٩)، كتاب: الزَّكاة، باب: إعطاء المؤلِّفة قلوبهم على الإسلام، وتصبر من قوي إيمانه، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

التوبة 9:26

معه مُعاذَ بنَ جبلٍ يُفَقِّهُ الناسَ، وحجَّ بالناسِ في هذهِ السُّنَّةِ عتابٌ على ما كانتِ العربُ تحجُّ، وأنزلَ اللهُ في قصةِ حنينٍ: و ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ أي: واذكرْ يومَ حنينٍ. ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ حتّى قلتم: لن نُغلبَ اليومَ من قلةٍ. ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرتُكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناءِ. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ الباء بمعنى مع؛ أي: مع رحبها؛ أي: مع سَعَتِها ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ منهزمين. * * * ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ بعدَ الهزيمة ﴿سَكِينَتَهُ﴾ طُمَأْنينَتَهُ ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ - ﷺ - ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: أنزل عليهم من يُسَكِّنُهم ويُذهِبُ خَوْفهم. ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الملائكةَ لتحييزِ الكفارِ وتشجيعِ المسلمين، وقد تقدَّم في سورةِ الأنفالِ أن الملائكةَ لم يقاتلوا إِلَّا في يوم بدر، وفيما سواه كانوا عددًا ومَدَدًا. ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتلِ والأسرِ والسبيِ. ﴿وَذَلِكَ﴾ الّذي فُعِلَ بهم ﴿جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ في الدنيا، وفي الآخرة النارُ. * * *

التوبة 9:27

﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: من بعدِ القتلِ والهزيمةِ. ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهديه للإسلامِ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عليهم. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ قَذَرٌ، والمرادُ: نجاسةُ الحكم، لا نجاسةُ العين، سموا نجسًا على الذمِّ؛ لتركهم غسلَ الجنابةِ والوضوءَ. ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ والمرادُ: جميعُ الحرمِ؛ لأنّهم إذا دخلوا الحرم، فقد قربوا من المسجدِ الحرام، فيُمنع كلُّ مَنْ كان على غير الإسلام من دخولِ حرمِ مكةَ شرفها الله تعالى، وهو ما أطاف بمكةَ وأحاطَ بها من جوانبها، جعلَ الله -عَزَّ وَجَلَّ- له حكمَها في الحرمة؛ تشريفًا لها. وَحَدُّ الحرمِ من طريقِ المدينةِ دونَ التنعيمِ ثلاثةُ أميالٍ عندَ بيوتِ السُّقيا، ومن اليمنِ سبعةٌ عند أضاةِ لين، ومن العراقِ كذلكَ على ثنية زُحَل جبل بالمنقطع، ومن الطائفِ وعرفاتٍ وبطنِ نمرة كذلك عند طرفِ عرفةَ، ومن الجعرانَةِ تسعةٌ في شعبِ عبدِ اللهِ بنِ خالد، ومِنْ جُدَّةَ عشرةٌ عندَ منقطعِ الأعشاش، ومن بطن عُرَنَة أحدَ عشرَ. وأولُ من نصبَ حدودَ الحرمِ إبراهيمُ -عليه السّلام-، ثمّ جدَّدها قصيٌّ، ثمّ جَدَّدَها رسولُ اللهِ - ﷺ - عامَ الفتحِ، ثمّ جَدَّدَها عمرُ بنُ الخطابِ رضي الله عنه، ثمّ جَدَّدَها معاويةُ رضي الله عنه. وتقدم ذكرُ حدودِ الأرضِ المقدسةِ في سورةِ المائدة، ويأتي ذكرُ حدودِ حرمِ المدينةِ في سورةِ الأحزابِ إن شاء الله تعالى. فإن قدمَ رسولٌ من الكفارِ إلى الحرم، لا بدَّ له من لقاءِ الإمامِ، خرجَ إليه إلى الحلِّ، ولم يأذنْ له، فإنْ دخلَ عالمًا بالمنع، عُزِّر، فإن مرضَ بالحرم، أو ماتَ، أُخرجَ، وإن دُفِنَ نُبِشَ وأُخرجَ، فليس لهم الاستيطانُ ولا الاجتيازُ به، وبهذا قالَ مالكٌ والشّافعيُّ وأحمدُ، وقال أبو حنيفة: لهم دخولُ الحرمِ كالحجازِ كُلِّه، ولا يستوطنونه، والمنعُ من الاستيطانِ لا يمنعُ الدخولَ والتصرُّف كالحجازِ. واتفقوا على أن الكفارَ يُمنعون من استيطانِ الحجازِ كلِّهِ كالمدينةِ ومكةَ واليمامةَ وخَيبر والينبع وقُراها، قالَ مالكٌ والشّافعيُّ وأحمدُ: فإن دخلوا للتجارة، لم يقيموا في موضعٍ أكثرَ من ثلاثةِ أيّام، وعند الشّافعيّ وأحمدَ: لا يدخلون إِلَّا بإذنِ الإمامِ، وسُمِّى الحجازُ حجازًا؛ لأنّه حجز بينَ تهامَة ونجدٍ، وتقدَّم اختلافُهم في دخولِ أهلِ الذمَّة إلى المسجدِ الحرامِ وغيره من مساجدِ الحِلِّ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ هو عامُ تسعةٍ من الهجرة الّذي حجَّ فيه أبو بكرٍ بالناس، وفيه أَذَّنَ عليٌّ ببراءةَ. ولما مُنِعَ المشركون من دخولِ الحرم، خاف المسلمون الفقراءُ لانقطاعِ

التوبة 9:29

الميرةِ عنهم، فنزل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ (١) فقرأ ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ كرمِه وعطائِه ﴿إِنْ شَاءَ﴾ إذْ لا مُكْرِهَ له على فعلِه، فجاءهم المطرُ، وأخصبَتْ بلادهم. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بأحوالِكم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يُعطي ويمنعُ. وتقدَّم التنبيهُ على اختلاف القراء في قوله: (أَوْلِيَاءَ إِنْ اسْتَحَبُّوا)، وكذلك اختلافُهم في (إِنْ شَاءَ إِنَّ الله). ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ﴾ لا يعتقدونَ ﴿دِينَ الْحَقِّ﴾ الإسلامَ. ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهودِ والنصارى. ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ هي: الخراجُ المضروبُ على رقابهم على وجهِ الصَّغارِ بدلًا عن قتلِهم وإقامتِهم بدارنا، مشتقةٌ من الجزاء، إمّا جزاءً على كفرِهم؛ لأخذها منهم صغارًا، أو جزاءً على أماننا لهم؛ لأخذِها منهم رفقًا. ﴿عَنْ يَدٍ﴾ قهرٍ وذلٍّ ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ أذلاءُ مقهورونَ، فيعطونَها من قيام والآخذُ جالسٌ. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٦٨). واتفق الأئمةُ على أن الجزيةَ تُضْرَبُ على أهلِ الكتابِ، وهم اليهودُ والنصارى ومَنْ يوافقهم في التديُّنِ بالتوراةِ والإنجيل؛ كالسامرةِ، والفرنج، ومن له شُبْهَةُ كتابٍ، وهم المجوسُ. واختلفوا في عبدةِ الأوثانِ، فقال أبو حنيفة: تُؤْخذُ من أهل العجم منهم دونَ العربِ، وقال مالك: تؤخذُ من عبدة الأوثانِ ونصارى العرب وكلِّ كافرٍ يصحُّ سباهُ سوى قريشٍ، وقال الشّافعيُّ وأحمدُ: لا تؤخذ من عبدةِ الأوثانِ مطلقًا. واتفقوا على عدمِ قبولها من المرتدِّ، وأنّه لا يُقَرُّ على الردة. واتفقوا على عدمِ وجوبِها على النساءِ والصبيانِ والعبيدِ. واختلفوا في الراهبِ والشيخِ والهرمِ والزَّمِنِ والأعمى والفقير الغير معتملٍ، فقال الشّافعيُّ: تجبُ عليهم، وتستقرُّ في ذمةِ الفقيرِ حتّى يوسرَ، وقال الثلاثةُ: لا تجبُ عليهم. واختلفوا في قدرِها، فقال أبو حنيفةَ: هي ضربان: أحدُهما: ما يوضَعُ بالتراضي، فلا يتعدَّى عنها، والثّاني: يضعُها الإمام إذا غلبَ على الكفارِ، وأقرَّهم على ملكِهم، فيضعُ على الغنيِّ في كلّ سنةٍ ثمانيةً وأربعين درهمًا، وعلى المتوسطِ نصفها، وعلى الفقير المعتمل ربعها، وتجبُ في أول الحول، وتؤخذ في كلِّ شهرٍ بقسطِه، وافقه أحمدُ في تقديرها بذلكَ، وقال: تؤخذ في آخر كلِّ حول، وقالَ مالكٌ: قدرُها أربعون درهمًا على أهلِ الوَرَقِ، وأربعةُ دنانيرَ على أهلِ الذَّهبِ في آخرِ الحول، وقال الشّافعيُّ: أقلُّها دينارٌ، ويستحب للإِمام مماكَسَتُه حتّى يأخذَ من المتوسِّط دينارين، ومن الغنيِّ أربعةً في آخر الحول.

التوبة 9:30

واختلفوا في نصارى بني تغلبَ، وهم قوم ذوو شوكةٍ من العرب، انتقلوا في الجاهليةِ إلى النصرانية، فطلب عمرُ رضي الله عنه منهم الجزية، فأبوا، وطلبوا أن يؤخذ منهم كالزكاةِ من المسلمين، فأبى عمرُ، ثمّ خاف أن يلحقوا بالرومِ، فصالحهم على أن يضاعفَ عليهم مثلَ زكاةِ المسلمين بمحضرٍ من الصَّحابةِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ؛ يؤخذ منهم مثلَ ما يؤخَذُ من زكاةِ المسلمين، والمأخوذُ منهم واجبٌ بشرط الزكاةِ وأسبابِها، فلا تؤخذُ من فقير، ولا ممَّنْ مالُه غيرُ زكويٍّ، ومصرفُه مصرفُ الجزيةِ، فأبو حنيفةَ خصَّ الأخذَ بالرجالِ منهم والنساءِ دونَ الصبيانِ، وأحمدُ قال: يؤخذ من نسائِهم ومن صبيانِهم أيضًا، ومجانيِنهم، وكذا الحكمُ عنده في نصارى العرب ويهودِهم ومجوسِهم، وقال مالكٌ والشّافعيُّ: لا يؤخذ من نسائِهم وصبيانِهم، وحكمُهم كغيرِهم في ذلك. واختلفوا في سقوطِ الجزيةِ بالإسلام والموتِ بعدَ وجوبها، فقال أبو حنيفةَ: تسقطُ بهما، وقال مالكٌ وأحمدُ: تسقطُ بالإسلامِ دونَ الموتِ، وقال الشّافعيّ: لا تسقطُ بهما. * * * ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ قرأ عاصم، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (عُزَيْرٌ) بالتنوين، وكسرِهِ حالةَ الوصل، ولا يجوز ضمُّه في مذهبِ الكسائيِّ، لأنّ الضمةَ في (ابن) ضمةُ إعرابٍ، فهيَ غيرُ لازمةٍ لانتقالها، وقرأ الباقون: بغير تنوين (١)؛ لأنّه اسمٌ أعجميٌّ، ويشبه اسمًا مصغَّرًا، ومَنْ نوَّنَ قالَ: لأنّه اسمٌ خفيفٌ فوجهُه أن ينصرفَ وإنْ كانَ أعجميًّا مثل (نوحٍ وهودٍ وصالحٍ)، واسمُ عزيرٍ بالعبرانيةِ عَزْرا، وهو من ذريةِ هارونَ بنِ عمرانَ، وهو من أنبياءِ بني إسرائيلَ، فلما ظهر بُخْتَ نَصَّر على بني إسرائيل، وقتلَ من قتلَ، وأسرَ من أسرَ، وكان العزيرُ من جملةِ الأسرى وهو صغير، فلما رجعَ بنو إسرائيل من العراقِ إلى القدسِ، رجع العزيرُ من جملتِهم، وقدمَ معه من بني إسرائيل ما يزيدُ على الألفين من العلماءِ وغيرِهم، وتربى مع العزير في القدس مئةٌ وعشرون شيخًا من علماءِ بني إسرائيلَ، وكانت التوراةُ قد عدمت منهم، فمثَّلَها اللهُ تعالى في صدرِ العزيرِ، ووضعَها لبني إسرائيلَ يعرفونها بحلالها وحرامِها، فأحبوه حُبًّا شديدًا، وقالوا: إنَّ اللهَ لم يقذفِ التوراةَ في قلبِ رجلٍ إِلَّا أنّه ابنُه، فعندَ ذلكَ قالتِ اليهود: عُزيرٌ ابنُ الله، والذي قالَ هذه المقالةَ رجلٌ من اليهودِ اسمُه فنخاصُ بنُ عازورا الّذي قال: إنَّ اللهَ فقيرٌ ونحنُ أغنياءُ، ورُوي أنّه لم يبقَ يهوديٌّ يقولها، بل انقرضوا، قالَ ابنُ عطيةَ: فإذا قالها واحدٌ، فيتوجه أن يلزم الجماعة شنعة المقالة لأجلِ نباهةِ القائل فيهم، وأقوالُ النبهاءِ أبدًا مشهودة في النَّاس يُحتجُّ بها (٢)، وأقامَ العزيرُ في بيتِ المقدس يدبِّرُ أمرَ بني إسرائيل حتّى تُوفي بعدَ مضيِّ أربعينَ سنة لعمارةِ بيتِ المقدسِ، فتكونُ وفاتُه سنةَ ثلاثين ومئةٍ لابتداءِ ولايةِ بُخْتَ نَصَّرَ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٧١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤ - ١٥). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٢٣).

التوبة 9:31

﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ قالوا: لأنه لا أبَ له، ولم يكن لهذا القول برهانٌ، ولا معنى له ولا تأثير في القلب. ﴿ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يقولونه بألسنتِهم من غيرِ علمٍ. ﴿يُضَاهِئُونَ﴾ قرأ عاصمٌ: (يُضَاهئُونَ) بهمزة مضمومةٍ بينَ الهاءِ والواو مع كسرِ الهاء، والباقون: بضم الهاء غير مهموز، وهما لغتان معناهما واحدٌ (١)؛ أي: يشابهون. ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: يشابه قولُ اليهودِ والنصارى الذين في زمانِكَ في الشركِ قول المشركين قبلَه. ﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ﴾ أهلَكَهم ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: من أين يُصْرَفون عن الحقِّ بعدَ قيامِ البرهان؟! * * * ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿اتَّخَذُوا﴾ أي: أهلُ الكتابين ﴿أَحْبَارَهُمْ﴾ علماءَ اليهودِ ﴿وَرُهْبَانَهُمْ﴾ أصحابَ الصوامعِ من النصارى. ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هم عندَهُم كالأربابِ؛ لطاعتِهم إياهم في معصيةِ اللهِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥).

التوبة 9:32

﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: اتخذوه ربًّا ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ وهو اللهُ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفةٌ ثابتةُ. ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيهٌ له عن أن يكونَ له شريكٌ. * * * ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ أي: يُعْدِموا القرآنَ؛ أي: وما فيه من الأحكامِ أو نبوةِ محمدٍ - ﷺ -. قرأ أبو جعفرٍ: (يُطْفُوا) بضمِّ الواوِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بكسر الفاء والهمز (١) ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بباطلِهم وتكذيبِهم. ﴿وَيَأْبَى﴾ ولم يُردِ ﴿اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ يُعْلي دينَه، ويتمَّ الحقَّ الذي بعث به محمدًا - ﷺ - ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ذلكَ. * * * ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿هُوَ الَّذِي﴾ يعني: الذي يأبى إلا إتمامَ دينه. ﴿أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا - ﷺ - ﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآنِ وما فيه من التوحيدِ وغيرِه ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلامِ. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ أي: ليعليَهُ ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على جميعِ الأديانِ فينسخَها. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٩٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦).

التوبة 9:34

﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ وخَصَّ المشركين هنا بالذكرِ لما كانت الكراهيةُ مختصةً بظهورِ محمدٍ - ﷺ -، فذكر المعظمَ الأولَ ممن كرهَ ذلكَ وصدَّ فيه، وذكرَ الكافرين في الآية قبلُ؛ لأنها كراهيةُ إتمامِ نورِ اللهِ في قديمِ الدهرِ وفي باقيه، فعمَّ الكفرةَ من لَدُنْ خَلْقِ الدنيا إلى انقراضِها، وقد وقعتِ الكراهيةُ والإتمامُ مرارًا. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. [٣٤] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ﴾ هم علماءُ اليهودِ. ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾ مجتهدو النصارى في العبادةِ بالباطلِ. ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ أي: يأخذونها بالرُّشا في الحكم. ﴿وَيَصُدُّونَ﴾ يصرفون الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ دينه. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾ يجمعونَ ﴿الذَّهَبَ﴾ سُمِّي ذهبًا؛ لأنه يذهبُ ولا يبقى ﴿وَالْفِضَّةَ﴾ لأنها تنفضُّ؛ أي: تتفرَّقُ ﴿وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ أي: الكنوزَ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ عن ابن عباسٍ وابنِ عمرَ: "كُلُّ

التوبة 9:35

مَالٍ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ، وَإِنْ كَانَ مُدَّخَرًا، وَكُلُّ مَالٍ لاَ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ، فَهُوَ كَنْزٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَدْفُونًا" (١). * * * ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا﴾ أي: واذكرْ يومَ تُحمى النارُ على الأموالِ، فيوقدُ عليها؛ يعني: الكنوزَ. ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى﴾ فَتُحْرَقُ ﴿بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ يعني: كانِزِيها. ﴿وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ ويقالُ لهم: ﴿هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ أي: تمنعونَ من حقوقِ الله تعالى. سُئل أبو بكرٍ الوَرَّاقُ: لِمَ خَصَّ الجباهَ والجنوبَ والظهورَ بالكيِّ؟ قال: "لأنَّ الغنيَّ صاحبَ الكنزِ إذا رأى الفقيرَ، قبضَ جبهتَه، وزوى بها بينَ عينيه، وولَّاهُ ظهره، وأعرضَ عنه بكشحِه" (٢). * * * {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا (١) رواه الإمام الشافعي في "مسنده" (ص: ٨٧)، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. ورواه ابن المنذر في "تفسيره" عن ابن عباس -رضي الله عنه-، كما عزاه السيوطي في "الدر المنثور" (٤/ ١٧٧). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٧٨).

التوبة 9:36

فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦)}. [٣٦] ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُو﴾ عددَ الشهور، جمعُ شهرٍ. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ في حكمِ اللهِ من غير زيادةٍ ولا نُقْصانٍ. ﴿اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ قرأ أبو جعفرٍ: بمدِّ ألفِ (اثنا)، وإسكانِ العين، ورُويَ عنه أيضًا: بحذفِ الألف، والباقون: بفتح العين بغير مدٍّ (١)، وهي أشهرُ العربِ المعروفةُ، أولُها المحرَّمُ، وآخرُها ذو الحجة، وخُصَّت باثني عشرَة لأنهم كانوا ربما جعلوها ثلاثةَ عشرَ وأربعةَ عشرَ؛ ليتسعَ لهم الوقت. ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوح المحفوظِ ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: هذا أمر ثابتٌ مذ خلقَ اللهُ الأجرامَ والأزمنةَ، والمرادُ: الشهورُ الهلاليةُ، وهي التي يعتدُّ بها المسلمون في أمورِهم، وبالشهورِ الشمسيةِ تكونُ السنةُ ثلاثَ مئةٍ وخمسةً وستينَ يوما وربعَ يومٍ، والهلاليةُ تنقصُ عن ثلاثِ مئةٍ وستينَ بنقصانِ الأهلَّةِ، والغالبُ أنها تكونُ ثلاثَ مئةٍ وأربعةً وخمسينَ يومًا. ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الشهورِ. ﴿أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي: رجبٌ، وذو القعدةِ، وذو الحجةِ، والمحرَّمُ، واحدٌ فردٌ، وثلاثة سردٌ، سُميتْ بذلك؛ لتحريمِ القتالِ فيها؛ المعنى: إن الشهورَ قد رجعتْ إلى وضعِها، وبطل النَّسيءُ، وعاد الحجُّ إلى ذي (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧).

التوبة 9:37

الحجة، قالَ - ﷺ - في حجةِ الوداعِ: "أَلاَ إِنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ: السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَة حُرُمٌ" (١). ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي: الحسابُ المستقيمُ ﴿فَلَا تَظلِمُواْ فِيهِنَّ﴾ في الأشهرِ الحرمِ ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ فلا تجعلوا حرامَها حلالًا، والجمهورُ على أنَّ حرمةَ المقاتلةِ فيها منسوخةٌ بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ مصدرُ كفَّ عن الشيء في موضعِ الحالِ؛ أي: مجتمعينَ في جميع الشهور. ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ جميعًا. ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بشارة لهم بالنصرِ بسببِ تَقْواهم. * * * ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ هو تأخيرُ تحريمِ المحرَّمِ إلى صَفَرَ؛ لحاجتِهم إلى القتالِ فيه، ومنه النسيئةُ في البيع، يقال: أَنْسَأَ اللهُ أجلَه؛ أي: أَخَّر. قرأ ورشٌ عن نافعٍ، وأبو جعفرٍ: بتشديدِ الياءِ بغير همزٍ، فعيلٌ من أنسأْتُه أَخَّرْتُه، قُلبت الهمزةُ ياءً، وأُدغمتْ فيها الياء، وقرأ الباقون: بالهمزِ والمدِّ، (١) رواه البخاري (٣٠٢٥)، كتاب: بدء الخلق، باب: بها جاء في سبع أرضين، ومسلم (١٦٧٩)، كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، عن أبي بكرة -رضي الله عنه-. وإذا وقفَ حمزةُ وهشامٌ، وافقا وَرْشًا وأبا جعفرٍ (١)، وأولُ من نَسَّى النَّسِيَّ بنو كنانةَ. ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ لأن الكافرَ كلما عملَ معصيةً، ازدادَ كفرًا. ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ، عن عاصمٍ: (يُضَلُّ) بضم الياء وفتح الضاد مجهولًا، وقرأ يعقوبُ: بضمِّ الياءِ وكسرِ الضادِ؛ أي: (يُضِلُّ) الكافرونَ أتباعَهم، والباقونَ: بفتح الياءِ وكسرِ الضاد (٢)؛ لأنهم هم الضالون؛ لقوله: ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي: النسيءَ من الأشهرِ الحرمِ ﴿عَامًا﴾ ويحرِّمون مكانَه شهرًا آخرَ ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ فيتركونه على (٣) حُرمتِهِ. ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ﴾ أي: ليوافقوا عددَ (٤) ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ من الأشهرِ الحرمِ؛ أي: لم يُحِلّوا شهرًا إلا حَرَّموا مكانَه من الحلال، والمواطأةُ: الموافقة. قرأ أبو جعفرٍ: (لِيُواطُوا) بضمِّ الطاءِ بغير همزٍ، والباقون: بكسرِ الطاء والهمز (٥). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩). (٣) في "ت": "في". (٤) "أي: ليوافقوا عدد" سقط من "ت". (٥) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠).

التوبة 9:38

﴿فَيُحِلُّوا﴾ بتحليلهم القتالَ في الأشهرِ الحرم ﴿مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فيها. ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ قالَ ابنُ عباسٍ: يُريد: زَيَّنَ لهم الشيطانُ (١). واختلافُ القراء في الهمزتين من (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ) كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهَاءُ أَلاَ) في سورة البقرة. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ لا يرشدُهم. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨)﴾. [٣٨] ولما رجعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - من الطائفِ، أمرَ بالجهادِ لغزوِ الرومِ، وهي غزوةُ تبوكَ، وذلك في زمنِ عُسْرَةٍ من الناسِ، والشدَّةِ، من الحرّ حينَ طابتِ الثمارُ والظلالُ، ولم يكنْ رسولُ الله - ﷺ - يريدُ غزوةً إلا وَرَّى بغيرِها حتى كانت تلكَ الغزوةُ، غزاها في حَرٍّ شديدٍ، واستقبلَ سفرًا بعيدًا، جَلَّى للمسلمين أمرَهم ليتأهَّبوا أُهْبَةَ غزوِهم، فشقَّ عليهم الخروجُ، وتثاقلوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ﴾ (٢) أي: قالَ لكم رسولُ الله - ﷺ -: ﴿انْفِرُوا﴾ اخرُجوا ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ﴾ تباطَأْتُم ومِلْتُم عن الجهادِ ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ أي: لزمْتُمْ مساكِنَكم. (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٧٩٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٨١). (٢) انظر: "صحيح البخاري" (٢٧٨٨)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٨).

التوبة 9:39

﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولذاتِها بدلًا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ ونعيمِها. ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: فما التمتُّعُ بها ﴿فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾. * * * ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ثم أوعدَهم على تركِ الجهادِ فقال: ﴿إِلَّا﴾ أي: إن لم ﴿تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقيلَ: هو احتباسُ المطرِ عنهم في الدنيا. ﴿وَيَسْتَبْدِلْ﴾ بكم ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم وأطوعَ؛ كأهلِ اليمنِ وأبناءِ فارس. ﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ أي: لا يقدحْ تثاقُلُكم في نصرِ دينه؛ فإنه الغنيُّ عن كلِّ شيءٍ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدرُ على النصرةِ بلا مَدَدٍ. * * * ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ بالنفيرِ معه. ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ هذا إعلامٌ من اللهِ أنه المتكفِّلُ بنصرِه كما نصرَه. ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مكةَ حينَ مكروا به، وهَمُّوا بقتلِه. ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ أحدَ اثنينِ، والمرادُ: النبيُّ - ﷺ -، وأبو بكرٍ رضي الله عنه. ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ نقبٍ في جبلِ ثورٍ بمكةَ، مكثا فيه ثلاثًا. قرأ أبو عمرو، وورشٌ عن نافعٍ: (الغَارِ) بالإمالة، بخلافٍ عن الدوريِّ وابنِ ذكوان، ورُوي عن قالونَ: الإمالةُ بينَ بينَ (١)، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في الأنفالِ. عن ابنِ عمرَ رضي الله عنهما، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - لأبي بكرٍ: "أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ" (٢). قال الحسينُ بنُ الفضلِ: مَنْ قالَ إن أبا بكرٍ لم يكنْ صاحبَ رسولِ اللهِ - ﷺ - فهو كافرٌ؛ لإنكارِه نصَّ القرآنِ، وفي سائرِ الصحابةِ إذا أنكرَ يكونُ مبتدِعًا، ولا يكونُ كافرًا (٣). ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ هو أبو بكرٍ. ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ أي: بالرعايةِ والحفظِ، رُوي أن المشركين طلعوا فوقَ الغارِ، فأشفقَ أبو بكرٍ رضي الله عنه على رسولِ الله - ﷺ -، وقال: (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٤ - ٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١). (٢) رواه الترمذي (٣٦٧٠)، كتاب: المناقب، باب: في مناقب أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، عن ابن عمر، وقال: حسن صحيح غريب. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٨٣). إنْ أُقتلْ فأنا (١) رجلٌ واحدٌ، وإنْ قُتلت، هَلَكَتِ الأمةُ، فقال: "مَا ظَنُّكَ بِاثنيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟! " (٢)، وأرسلَ اللهُ زوجًا من حمامٍ حتى باضا في أسفل النَّقْبِ، والعنكبوتَ حتى نسجَتْ بيتًا. ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ طُمأنينَتَهُ ﴿عَلَيْهِ﴾ على أبي بكرٍ. ﴿وَأَيَّدَهُ﴾ أي: قَوَّى النبيَّ - ﷺ -. ﴿بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ همُ الملائكةُ صرفوا الكفارَ عن رؤيتِهما في الغارِ، وألقوا الرعبَ في قلوبِ الكفارِ يومَ بدرٍ والأحزابِ وحنينٍ. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هي دعوتُهم إلى الكفرِ. ﴿السُّفْلَى﴾ المنخفضةَ المغلوبةَ. ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ دعوتُه إلى الإيمانِ. قراءة العامة: (وَكَلِمَةُ اللهِ) بالرفعِ مبتدأٌ، خبرُه ﴿هِيَ الْعُلْيَا﴾ العالية. وقرأ يعقوبُ: (وَكَلِمَةَ اللهِ) بالنصبِ عطفًا على (كَلِمَةَ) (٣). ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في أمرِه وتدبيره. * * * ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)﴾. (١) في "ت": "فلأنا". (٢) المرجع السابق، الموضع نفسه. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١).

التوبة 9:41

[٤١] ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ أي: خَفَّ عليكم ذلك أو ثَقُلَ؛ أي: لا تنأَوْا عن الغزوِ. ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وصفٌ لأكملِ بها يكون من الجهادِ وأنفعِه عند الله، فحضَّ على كمالِ الأوصافِ، وقُدِّمتِ الأموالُ في الذكرِ؛ إذ هي أولُ مصرَّفٍ (١) وقتَ التجهيزِ، فَرُتِّبَ الأمرُ كما هو في نفسِه. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للفوزِ برضوانِ الله، وغلبةِ العدوِّ، ووراثةِ الأرضِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تنبيهٌ وهزٌّ للنفوس، قال السديُّ: هذه الآية منسوخةٌ بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٩١] (٢)، وقال القرطبيُّ: الصحيحُ أنها ليستْ بمنسوخةٍ (٣). واتفق الأئمةُ على أن الجهادَ فرضٌ على الكفايةِ، إذا قامَ به قومٌ من المسلمين، سقطَ عن الباقين، فإذا هجمَ العدوُّ، صارَ فرضَ عينٍ بغير خلافٍ. * * * ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾. (١) "مصرف" ساقطة من "ت". (٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٠٣). (٣) انظر: "تفسير القرطبي" (٨/ ١٥١).

التوبة 9:42

[٤٢] ونزل في المنافقين الذين تخلَّفوا عن غزوةِ تبوكَ: ﴿لَوْ كَانَ﴾ ما تدعوهم إليه يا محمدُ. ﴿عَرَضًا قَرِيبًا﴾ نفعًا دنيويًّا سَهلَ المأخذِ. ﴿وَسَفَرًا قَاصِدًا﴾ سهلًا غيرَ شاقٍّ. ﴿لَاتَّبَعُوكَ﴾ فخرجوا معك ﴿وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ المسافةُ. ﴿وَسَيَحْلِفُونَ﴾ أي: المخلَّفون. ﴿بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾ لو كانَ لنا استطاعةُ العدَّةِ والبدَنِ. ﴿لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ باليمينِ الكاذبة. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ لأنهم كانوا مستطيعين. * * * ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣)﴾. [٤٣] فأذنَ - ﷺ - لجماعةٍ من المنافقينَ بالتخلُّفِ، فقالَ تعالى مقدِّمًا العفوَ على العَتْبِ تأنيًا وتطيبًا لقلبه - ﷺ -: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ أي: دامَ لكَ العفوُ، وهو افتتاحُ كلامٍ بمنزلةِ: أصلحَكَ اللهُ وأعزَّكَ الله، أخبرَه بالعفوِ قبلَ أن يخبرَهُ بالذنبِ، ولو بدأه - ﷺ - بقوله ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لخيفَ عليه أن ينشقَّ قلبُه من هَيبةِ هذا الكلام، لكنَّ الله تعالى برحمته أخبرَه بالعفوِ حتى سكنَ قلبُه، ثم قالَ له: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ بالتخلُّف؟ وهَلَّا أخرتهم ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في اعتذارِهم ﴿وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: تعلمَ مَنْ لا عذرَ له، قال ابنُ

التوبة 9:44

عباسٍ: لم يكنْ رسولُ اللهِ - ﷺ - يعرفُ المنافقين يومئذٍ (١). * * * ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في التخلُّفِ. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: لا يُوقِفونه على الإذنِ، فَضْلًا أن يستأذنوك في التخلُّفِ كراهةَ أن يجاهدوا. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ عِدَةٌ لهم بثوابِه. * * * ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] [إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ] شَكَّتْ. ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ﴾ في شَكِّهِم ونفاقِهِم ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾ يتحيرون. * * * ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ في الغزوِ. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٨٩).

التوبة 9:47

﴿لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ أهبةً ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ﴾ انطلاقَهم بسرعة. ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ خَذَلهم، وقيل: أي: قال لهم النبي - ﷺ -: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ أي: مع أُولي الضررِ من النساءِ والصبيانِ والمرضى. * * * ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ﴾ شيئًا. ﴿إِلَّا خَبَالًا﴾ فسادًا؛ بإيقاعِهم الفشلَ بينَ المؤمنين بتهويلِ الأمرِ. ﴿وَلأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ﴾ لأسرَعوا بينَكم بالنمائمِ؛ ليوقعوا الشرَّ بينكم، وكُتِبَ (وَلاَ أَوْضَعُوا) في المصحفِ بزيادةِ ألفٍ (١)، قالوا: وكانتِ الفتحةُ تكتبُ قبلَ الخطِّ العربيِّ ألفًا، والخطُّ العربيُّ اخْتُرِعَ قريبًا من نزولِ القرآنِ، وقد بقيَ من ذلكَ الألف أثرٌ في الطباع، فكتبوا الهمزةَ ألفًا، وفتحتَها ألفًا أخرى؛ نحو: (لاَ أَذْبَحَنَّهُ). ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ أي: يطلبون لكم بها تُفْتَنون به (٢). ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ أي: مطيعون، أو متجَسِّسون. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيعلمُ ضمائرَهم. وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسُنِ الناسِ: للحيطانِ آذانٌ. (١) انظر: "كتاب المصاحف" لابن أبي داود (١/ ٤٣٤). (٢) "به" ساقطة من "ش".

التوبة 9:48

﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ غزوةِ تبوكَ وهيَ: تفريقُ شملِكَ بتخذيلِ الناسِ، ورَدِّهِم إلى الكفرِ. ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أي: دَبَّرُوا لكَ الحيلَ. ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ النصرُ. ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ دينُه ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ أي: على رغمٍ منهم. * * * ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ونزل في الجَدِّ بنِ قيسٍ المنافقِ حينَ قالَ له النبيُّ - ﷺ -: "هَلْ لَكَ فِي جِلاَدِ بَنِي الأَصْفَرِ؟ "، فقالَ: إني مُغْرَمٌ بالنساءِ، وأخشى أني إِن رأيتُ بناتِ الأصفرِ ألَّا أصبرَ عنهن، فَأْذَنْ لي بالقعودِ، وأُعينكُ بمالي، ولم تكنْ له علةٌ إلا النفاق، فأعرضَ عنه النبيُّ - ﷺ -، وقال: "قَدْ أَذِنْتُ لَكَ" فأنزلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ (١) في التخلُّفِ عن الجهادِ. ﴿وَلَا تَفْتِنِّي﴾ تُوقِعْني في الإثمِ. (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٨٠٩)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٣٩)، و "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢١٣).

التوبة 9:50

﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ أي: في الإثم وقعوا بنفاقِهم وخلافِهم أمرَ اللهِ ورسوله. ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جامعةٌ لهم فيها. * * * ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ﴾ نصرٌ وغنيمةٌ في بعضِ الغزوات ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ تُحْزِنْهم. ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ شدةٌ وهزيمةٌ في بعضِها. ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا﴾ بالحزمِ والاحتياطِ ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلَ هذهِ المصيبة. ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ يُدْبِروا ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ مسرورونَ بمُصابِ النبيِّ - ﷺ - بأُحُدٍ. * * * ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿لَنْ يُصِيبَنَا﴾ لن يصلَ إلينا. ﴿إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ إلا بها اختَّصنا اللهُ به مما كُتِبَ علينا في اللوحِ المحفوظِ. ﴿هُوَ مَوْلَانَا﴾ متولِّي أمرِنا.

التوبة 9:52

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأن حقَّهم ألَّا يتوكلوا على غيره. * * * ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ﴾ تنتظرونَ ﴿بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ تثنيةُ الحسنى، إما النصرُ، أو الشهادةُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (هَل تَّرَبَّصُونَ) بإدغام اللام في التاء، والباقون: بالإظهار (١). ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ﴾ إحدى السوءتين، إما ﴿أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ هو الصواعقُ والموتُ ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ كقتلِنا إياكم إنْ أظهرتُمْ ما في قلوبِكم. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ بمواعيدِ الشيطانِ. ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ بمواعيدِ الرحمنِ بالنصرِ عليكم. * * * ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣)﴾. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٤٠٣)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤).

التوبة 9:53

[٥٣] ونزل في الجدِّ بنِ قيسٍ حينَ استأذنَ في القعودِ وقالَ: أُعينُكم بمالي: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا﴾ في طاعةِ اللهِ تعالى. ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ أمرٌ بمعنَى الخبر؛ أي: إن أنفقتُم طوعًا أو كرهًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (كُرْهًا) بضمِّ الكاف، والباقون: بالفتح (١). ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ﴾ أي: لأنكم. ﴿كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليلٌ به على سبيلِ الاستئنافِ، وما بعدَه بيانٌ وتقريرٌ له. * * * ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يُقْبَلَ) بالتذكير، لتقديم الفعل، والباقون: بالتأنيث (٢) ﴿نَفَقَاتُهُمْ﴾ صدقاتُهم، المعنى: وما منعَ قبولَ صدقاتِهم. ﴿إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ﴾ إذا اضطُرُّوا إلى إتيانِها. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥).

التوبة 9:55

﴿إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ متثاقلون؛ لأنهم لا يرجونَ بها ثوابًا، ولا يخافون على تركِها عقابًا. ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لأنهم يعدُّونها مغرمًا، ومنعَها مغنمًا. * * * ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ﴾ أصلُ الإعجابِ: السرورُ بالشيءِ سرورَ متعجِّبٍ من حسنِه، راضٍ به؛ أي: لا تَمِلْ إليهم، ولا تَحْسُنْ في عينيكَ. ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ فإن ذلكَ استدراجٌ ووبالٌ لهم؛ كما قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بسببِ ما يكابِدون لجمعِها وحفظِها من المتاعبِ، وما يجدون فيها من الشدائدِ والمصائبِ. ﴿وَتَزْهَقَ﴾ تخرجَ ﴿أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ أي: يموتون على الكفر. * * * ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ على دينِكم. ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ لكفرِ قلوبِهم. ﴿وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ يفزعون أن تفعلوا بهم بها تفعلونَ بالمشركين. ***

التوبة 9:57

﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ مكانًا يتحَصَّنونَ فيه. ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ وهي الغارُ يَغورون فيه. ﴿أَوْ مُدَّخَلًا﴾ سَرَبًا تحتَ الأرضِ يدخلون فيه. قرأ يعقوبُ: (مَدْخَلًا) بفتح الميم وإسكان الدال المخففة، والباقون: بضمِّ الميم وفتحِ الدال مشدَّدَةً (١). ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ إليه هَرَبًا منكم. ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يُسرعون في إباءٍ، ومنهُ الفرسُ الجموحُ. * * * ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ يَعيبُك في قِسمَتِها. قرأ يعقوبُ: (يَلْمُزُكَ) بضم الميم، والباقون: بكسرها، وروي عن ابنِ كثيرٍ: (يلامِزُكَ) (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٢٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧).

التوبة 9:59

﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ نزلتْ في ذي الخُوَيْصِرَةِ التميميِّ، واسمُه حرقوصُ بنُ زهير أصلُ الخوارج، كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يقسمُ غنائمَ حُنين، فاستعطفَ قلوبَ أهلِ مكَّةَ بتوفيرِ الغنائمِ عليهم، فقال: اعدلْ يا رسولَ الله، فقال: "وَيْلَكَ! إِنْ لَمْ أَعْدِلْ فَمَنْ يَعْدِلُ؟! " (١) و (٢) قيل: نزلتْ في أبي الجواظِ المنافقِ، قال: ألا ترونَ إلى صاحبِكم، إنما لقيتُم صدقاتِكم في رُعاةِ الغنمِ، ويزعمُ أنه يعدلُ (٣)، (وإذا) للمفاجأةِ جُعِلَتْ جوابًا للشرط، وهي هنا ظرفُ مكانٍ، التقديرُ: إِن لم يُعْطَوا، فاجؤوا السَّخط. * * * ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ما أعطاهم الرسولُ من الغنيمةِ والصدقةِ، وذكرُ اللهِ للتعظيم. ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ كفانا فضلُه. ﴿سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ صدقةً أو غنيمةً أخرى. ﴿وَرَسُولُهُ﴾ فيؤتينا أكثرَ مما آتانا. (١) رواه البخاري (٣٤١٤)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (١٠٦٤)، كتاب: الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-. (٢) في "ن": "أو". (٣) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٧٨ - ٧٩): غريب.

التوبة 9:60

﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ في أن يوسِّعَ علينا من فضلِه، وجوابُ (لو) محذوفٌ، تقديره: لكانَ خيرًا لهم. * * * ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾. [٦٠] ثم بَيَّنَ اللهُ مصارِفَ الصدقات، رُويَ عن زيادِ بنِ الحارثِ الصُّدائيُّ قال: أتيتُ رسولَ اللهِ - ﷺ -، فبايعتُه، فأتاه رجل فقال: أَعْطِني من الصدقةِ، فقالَ له رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إِنَّ الله (١) لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ، وَلاَ غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ حَتَّى حَكَمَ فِيهَا، فَجَرأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ، أَعْطَيْتُكَ حَقَّكَ" (٢). قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ أي: الزكوات، و (إنما) للحصرِ تُثْبِتُ المذكورَ، وتنفي بها عداه. ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ مذهبُ أبي حنيفةَ ومالكٍ: الفقيرُ: مَنْ له بعضُ ما يكفيهِ، والمسكينُ: مَنْ لا شيءَ لهُ، فالفقيرُ عندَهما أحسنُ حالًا من المسكينِ، ومذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ بعكسِه، وأبو حنيفةَ يمنعُ من الصدقةِ مَنْ يملكُ نِصابًا، فإذا لمن يملكْه، جازَ أن يُعطى نصابًا وأكثرَ، ومالكٌ (١) "إن الله" ليست في "ن". (٢) رواه أبو داود (١٦٣٠)، كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة، وحد الغني. يُجَوِّزُ دفعَها لمن له نصابٌ لا كفايةَ له فيه، فَيُعطى نِصابًا وما فوقَه، وعندَ الشافعيِّ وأحمدَ: مَنْ ملكَ بها لا يقومُ بكفايتِهِ مُطْلقًا، فليس بغنيٍّ، فيعطى الفقيرُ والمسكينُ عندَ الشافعيِّ كفايةَ العمرِ الغالبِ، فيشتري بهِ عقارًا يستغلُّه، وعندَ أحمدَ: يُعطى لهما ولعائلتِهما تمامُ كفايتِهم سنةً. ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ هم الجباةُ لها ومُفَرِّقوها، يعطَون على قدرِ عَمالتِهم معَ غِناهم بالاتفاقِ. ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وهمْ من يُتَأَلَّفُ قلبُه ليخلصَ إيمانه، أو يُرجى بعطيتهِ إسلامُ نظيرِه، أو جبايةُ الزكاةِ ممن لا يُعطيها، أو الدفعُ عن المسلمين، أو من يُتَّقى شرُّه من الكفار، أو يُرْجى إسلامُه. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (وَالْمُؤَلَّفَةِ) بفتح الواو بغير همزٍ، والباقون: بالهمز، وحكمُهم غيرُ منسوخ، وسهمُهم ثابتٌ عندَ أحمدَ، وعندَ الشافعيِّ أَن حكمَ المؤلفةِ من المسلمينَ باقٍ، وأَن الكافرَ لا يُعطى تألفًا بحالٍ، وعندَ أبي حنيفةَ ومالكٍ حكمُهم منسوخٌ، وسهمُهم ساقطٌ، إلا أن مالكًا قال: إنِ احتيجَ إليهم، جازَ الدفعُ لهم. ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هم المكاتبُون، يُعْطَون منها عندَ أبي حنيفة ما يُعانونَ به في فَكِّ رقبتِهم، وعندَ الشافعي قدرَ دَيْنهم، وقالَ مالكٌ: لا يُعطى المكاتبَون، وإنما يشتري الإمامُ رقابًا ويعتقُهم، والولاءُ للمسلمين بشرطِ الإسلامِ على المشهور، وقال أحمد بجوازِ الأمرين، ووافق الشافعيَّ في إعطائِهم قدرَ دَيْنهم، وقال أيضا: يجوزُ أن يَفْديَ بها أسيرًا مسلمًا، ورُوي مثله عن مالكٍ، والمشهورُ عنه خلافُه. ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ هُم الذين عَلَتْهم الديونُ لغيرِ معصيةٍ، فمن غرمَ لإصلاحِ نفسِه في مُباحٍ، أُعطي إِذا لم يكنْ له من المالِ بها يفي بدينِه بالاتفاق، وإن غرمَ لإصلاحِ ذاتِ البَيْنِ، أُعطي مع غِناهُ عندَ الشافعيِّ وأحمدَ، خلافًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ فإنهما يشترطانِ أن يكونَ فقيرًا. ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ همُ الغزاةُ الذين لا ديوانَ لهم، فَيُعْطَون مع غناهم عندَ الثلاثة، وقال أبو حنيفةَ: هو مخصوصٌ بالفقير منهم، وقال أحمدُ: الحجُّ من سبيلِ اللهِ، فيُعطى الفقيرُ ما يحجُّ به الفرضَ، أو يستعينُ به فيه، وافقه محمدُ بنُ الحسنِ، وخالفَ أبو يوسف. ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ هو المسافرُ المنقطعُ دونَ بلدِه، فَيُعطى بها يقطعُ به سفرَهُ عندَ الثلاثة، وعندَ الشافعي لا فرقَ بينَ مُنْشِئ السفرِ والمجتازِ إذا لم يكنْ معه ما يحتاجُ إليه في سفره، ويُشترط في السفر أن يكونَ مباحًا عندَ الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة. ﴿فَرِيضَةً﴾ أي: واجبةً. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ؛ أي: فرضَ الصدقاتِ فريضةً. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يضعُ الأشياءَ في مواضِعها. واختلفَ الأئمةُ في جوازِ صرفِها إلى بعضِ الأصنافِ الثمانيةِ، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجوزُ صرفُها إلى صنفٍ واحدٍ، وقال الشافعيُّ: لا يجوزُ صرفُها إلى بعضِهم معَ وجودِ سائرِهم، وقال مالكٌ: يُتَحَرَّى في موضعِ الحاجةِ منهم، ويُقَدَّمُ الأَوْلى فالأولى من أهل الخُلَّةِ والحاجةِ، ومعنى الخلةِ: الفقيرُ. واتفقَ الأئمةُ رضي الله عنهم على وجوبِ الزكاةِ في أربعةِ أصنافٍ من المالِ: السائمةُ من بهيمةِ الأنعام، وهي التي تَرْعى في أكثرِ الحولِ، والخارجُ من الأرض، والنقدُ، وعروضُ التجارة. ولا تجبُ إلا بشروطٍ خمسة: الإسلام، والحرية، وملك النصاب، وتمام الملك، فلا تجبُ على مكاتَبٍ، ومضيُّ الحولِ إلا في الخارجِ من الأرضِ، وتقدَّمَ الكلامُ عليه في سورةِ الأنعام عندَ تفسيرِ قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الآية: ١٤١] وهل يُشترَطُ البلوغُ والعقلُ؟ قال الثلاثةُ: لا يُشترط، بل تجبُ في مالِ الصبيِّ والمجنونِ، وقال أبو حنيفة: يُشترط، فلا تجبُ عليهما. والزكاةُ في اللغة: الزيادةُ، يقال: زكا المالُ: إذا نما وزادَ، وفي الشرعِ: حَقٌّ واجبٌ في مالٍ خاصٍّ لطائفةٍ مخصوصةٍ في وقتٍ مخصوصٍ. ولا يجوزُ أداؤُها إلا بالنية بالاتفاق. ويجوز تعجيلُها عندَ أبي حنيفةَ لسنةٍ أو أكثرَ، وعندَ الشافعيِّ لحولٍ واحدٍ، وعندَ أحمدَ لحولينِ، وقال مالكٌ: لا يجوزُ إخراجُ الزكاةِ قبلَ وجوبها. واتفقوا على أن نصابَ الإبلِ خمسٌ، ففي كُلِّ خمسٍ شاةٌ إلى أربعٍ وعشرينَ، وفي خمسٍ وعشرينَ بنتُ مخاضٍ لها سنةٌ، ثم في سِتٍّ وثلاثينَ بنتُ لَبونٍ لها سنتان، ثم في سِتٍّ وأربعينَ حُقَّةٌ لها ثلاثُ سنينَ، ثم في إحدى وستينَ جَذَعَةٌ لها أربعُ سنين، ثم في سِتٍّ وسبعينَ بِنْتا لَبون، ثم في إحدى وتسعين حُقَّتانِ إلى مئةٍ وعشرين، فإن زادتْ واحدةً، فقال أبو حنيفة: يستأنفُ الفريضةَ، ففي كلِّ خمسٍ شاةٌ كالأول إلى مئةٍ وخمسٍ وأربعين، ففيها حُقَّتان وبنتُ مخاضٍ إلى مئةٍ وخمسين، ففيها ثلاثُ حقاقٍ، ثم في الخمسِ شاةٌ كالأولى إلى مئةٍ وخمسٍ وسبعين، ففيها ثلاثُ حقاقٍ، وبنتُ مخاضٍ، وفي مئةٍ وسِتٍّ وثمانين ثلاثُ حقاقٍ وبنتُ لبون، في كلِّ أربعينَ بنتُ لَبون، وفي كلِّ خمسين حقةٌ، وعن مالكٍ إذا زادت واحدةً، روايتان: أشهرُهما أن الساعيَ بالخِيار بينَ حُقَّتين أو ثلاثِ بناتِ لبون. وفي مئةٍ وستِّ وتسعينَ أربعُ حقاقٍ إلى مئتين، ثم تستأنف أبدًا كما استأنفتَ بعدَ المئةِ وخمسين، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: إن الزيادةَ الواحدةَ تغير الفرضَ، فيكونُ في مئةٍ وإحدى وعشرين ثلاثُ بناتِ لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وعن مالك إذا زادت واحدة روايتان؛ أشهرهما أن الساعي بالخيار بين حقتين أو ثلاث بنات لبون. والروايةُ الأخرى: ليس فيها إلا حُقَّتانِ حتى تبلغَ ثلاثينَ ومئةً، فإذا صارتْ كذلك، أُخِذَ من كلِّ خمسينَ حقةٌ، ومن كل ثمانين بنتا لبون. واتفقوا على أن نصابَ البقرِ ثلاثون، ففيها تبَيعٌ أو تبَيعةٌ، وهي التي لها سنةٌ عندَ الثلاثةِ، وعندَ مالكٍ التي لها سنتانِ، وفي الأربعينَ مُسِنَّةٌ، وهي التي لها سنتانِ عندَ الثلاثةِ، وعندَ مالكٍ التي لها أربعُ سنينَ إلى تسعٍ وخمسينَ، فإذا بلغتْ ستين، ففيها تَبيعان إلى تسعٍ وستين، فإذا بلغتْ سبعين، ففيها تبيعٌ ومسنةٌ، فإذا بلغت ثمانين، ففيها مُسِنَّتانِ، وفي تسعينَ ثلاثةُ أتبعةٍ، وفي مئةٍ تبيعانِ ومسنةٌ، وعلى هذا أبدًا يعتبر الفرضُ، ففي كلِّ ثلاثين تبيعٌ، وفي كل أربعين مسنَّةٌ. والجواميسُ نوعٌ منه بالاتفاق. واتفقوا على أن نصابَ الغنمِ أربعونَ، وفيها شاةٌ إلى مئةٍ وعشرين، فإذا زادت واحدةً، ففيها شاتان، ثم في مئتين وواحدةٍ ثلاثُ شياه إلى أربعِ مئةٍ ففيها أربعُ شياهٍ، ثم في كل مئةٍ شاةٌ. والمعزُ والضأنُ سواءُ بالاتفاق. واختلفوا فيما يؤخذ من الزكاة، فقال أبو حنيفةَ: أدنى ما تتعلَّقُ به الزكاةُ ويؤخَذُ في الصدقة الثَّنيُّ، وهو ما تَمَّتْ له السنةُ، ولا يجزئُ الجَذَعُ، وهو عندَه الذي أتى عليه أكثرُ السنةِ، وقالَ الثلاثةُ: يؤخذُ الجذعُ من الضأنِ، وهو ما لَهُ سنةٌ عندَ مالكٍ والشافعيِّ، وستةُ أشهرٍ عندَ أحمدَ، والثنيُّ من المعزِ، وهو ما له ثلاثُ سنينَ عندَ مالكٍ، وسنتانِ عندَ الشافعيِّ، وسنة عندَ أحمدَ. واختلِفَوا في الخيلِ إذا لم تكنْ معدَّةً للتجارةِ، فقالَ الثلاثة: لا زكاةَ فيها، وقال أبو حنيفةَ: فيها الزكاةُ إن كانتْ سائمةً ذكورًا وإناثًا، أو إناثًا، فإن شاءَ أعطى عن كل فرسٍ دينارًا، وإن شاءَ قَوَّمها وأعطى عن كلِّ مئتي درهمٍ خمسةَ دراهمَ، وخالفه صاحباه، فوافقا الجماعةَ. واختلفوا فيما إذا كانتِ الغنمُ ذُكورًا، أو إناثًا، أو من الصنفينِ، فقال أبو حنيفةَ: يجزئ أخذُ الذكرِ من كلٍّ، وقالَ الثلاثةُ: إن كانتْ كلُّها ذكورًا، أجزأَ الذكرُ، وإن كانتْ إناثًا، أو من الصنفين، فلا يجزئ فيها إلا الأنثى. واتفقوا على أن نصابَ الفضةِ مئتا درهمٍ، وأما نصابُ الذهب، فقال مالكٌ: هو عشرون دينارًا، وقال الثلاثةُ: هو عشرون مثقالًا، فإذا حالَ الحولُ، ففي كل منهما ربعُ العشرِ بالاتفاق. واختلفوا (١) في الحليِّ المباحِ مما يُلْبَسُ ويُعار، فقال أبو حنيفة: فيه الزكاةُ، وقال الثلاثة: لا زكاةَ فيه، وأما المحرَّمُ والمعدّ للتجارةِ، ففيهما الزكاةُ بغير خلافٍ. واختلفوا في زكاةِ المعدنِ، فقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: تجبُ في كلِّ ما يُستخرَجُ من الأرض من ذهبٍ وفضةٍ وحديدٍ ونحوِها، واختلفا، فقال أبو حنيفةَ: لا يُعتبر فيه النصابُ، بل يجبُ في قليلِه وكثيرِه الخمسُ، وهو فيء، والباقي لمستخرجِه، وقال أحمدُ: يعتبر النصابُ، وفيه ربعُ العشر (١) في "ش": "اتفقوا"، وهو خطأ. زكاةً في الحال، وقال مالكٌ والشافعيُّ: لا يتعلَّق بشيء (١) إلا بالذهبِ والفضةِ، ووافقا أحمدَ في اعتبارِ النصابِ ووجوبِ ربعِ العشرِ زكاةً في الحال. ولا زكاةَ فيما يخرجُ من البحرِ من اللؤلؤ والمرجانِ بالاتفاق. واختلفوا في الرِّكازِ، وهو دفنُ الجاهليةِ، فقال الثلاثةُ: فيه الخمسُ في الحال، قلَّ أو كثرَ من أيِّ نوعِ كان، والواجدُ كالغانمِ له أربعةُ أخماسٍ، ومصرفُه مصرفُ الفيء، وقال الشافعيُّ: شرطُه النصابُ والنقدُ، لا الحولُ، وفيه الخمسُ يصرَفُ مصرفَ الزكاةِ. واتفقوا على وجوبِ الزكاة في عُروضِ التجارة إذا بلغَتْ قيمتُها نصابًا من الذهبِ أو (٢) الوَرِقِ ففيها ربعُ العشر. ثم اختلفوا في استقرارِ وجوبِها بالحولِ، فقال الثلاثةُ: إذا حالَ عليها الحولُ، قَوَّمَها، فإذا بلغتْ نِصابًا، زَكَاها، وقال مالكٌ: لا تجبُ الزكاةُ حتى يبيعَ، فإنْ أقامَ أحوالًا، فلا شيءَ عليه ما دامَ عرضًا، ولا تُقَوَّمُ في كلِّ سنة، فإذا باعَ، زكَّى لسنةٍ واحدةٍ. واتفقوا على وجوبِ زكاةِ الفطرِ على الأحرارِ المسلمينَ، وتلزمُ عندَ الثلاثة مَنْ ملكَ فاضلًا عن قوتِه وقوتِ عياله يومَ العيدِ وليلَتَه ما يُخرجُه فيها، وقال أبو حنيفة: لا تجبُ إلا على من ملكَ نصابًا، ووقتُ وجوبِها عندَ أبي حنيفةَ طلوعُ الفجرِ يومَ الفطرِ، وعندَ الثلاثةِ غروبُ الشمسِ ليلةَ الفطرِ، ويجوزُ تعجيلُها عند أبي حنيفةَ قبلَ رمضانَ، وعنه خلاف، وعندَ (١) "بشيء" زيادة من "ش". (٢) في "ش": "و". مالكٍ وأحمدَ يجوزُ تعجيلُها قبلَ العيدِ بيومٍ ويومينِ، وعندَ الشافعيِّ من أولِ الشهرِ، ويُستحبُّ إخراجُها يومَ الفطرِ قبلَ الخروجِ إلى المصلَّى بالاتفاق. واتفقوا على جوازِ إخراجِها من خمسةِ أصنافٍ: البُرِّ، والشعيرِ، والتمرِ، والزبيبِ، والأَقِطِ، وقال أبو حنيفةَ وأحمدُ: يجزئُ الدقيقُ والسَّويقُ أيضًا، وقال مالكٌ: يجوزُ إخراجُها من الحَبِّ من سائرِ الأقواتِ؛ كالأرزِّ، والذرةِ، والدخنِ. واتفقوا على أن الواجبَ صاعٌ من كلِّ جنسٍ، سوى أبي حنيفةَ؛ فإنَّه قالَ: يجزئ من البُرِّ خاصَّةً نصفُ صاعٍ. واختلفوا في قدرِ الصاعِ، فقال أبو حنيفة: ثمانيةُ أرطالٍ بالعراقيِّ، وقال الثلاثةُ وأبو يوسفَ: خمسةُ أرطالٍ وثلثٌ بالعراقيِّ، وهو أربعةُ أرطالٍ وخمسةُ أسباعِ رطلٍ وثلثُ سُبع رطلٍ مصريٍّ، ورطلٌ وسبعُ رطلٍ دمشقيٍّ، وإحدى عشرةَ أوقيةً وثلاثةُ أسباعِ أوقيةٍ حلبيةٍ، وعشرُ أواقٍ وسُبْعا أوقيةٍ قدسيةٍ، وستُّ مئةٍ وخمسةٌ وثمانونَ درهمًا، وخمسةُ أسباعِ درهمٍ، وأربعُ مئةٍ وثمانون مثقالًا. وتقدَّمَ ذكرُ المدِّ مستوفًى في سورةِ المائدةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [الآية: ٨٩]. واختلفوا في جوازِ إخراج القيمة، فقالَ أبو حنيفةَ: يجوزُ، وخالفَهُ الثلاثةُ. واختلفوا في الأفضلِ، فقال مالكٌ وأحمدُ: التمرُ أفضلُ، ثم الزبيبُ، وقال الشافعيُّ: البُرُّ أفضلُ، وقالَ أبو حنيفةَ: أفضلُ ذلك أكثرُه نماءً، والله أعلم. * * *

التوبة 9:61

﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾. [٦١] ونزل فيمن كان يؤذي النَّبي - ﷺ - من المنافقين، ويقولُ: نأتيه ونُنْكِر ما قلنا، ونحلفُ فيصدِّقُنا؛ فإنَّهُ أُذُن. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ (١) أي: يسمعُ كلَّ ما قيلَ له ويقبلُه. ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي: إذا كان كما تقولون، فهو خيرٌ لكم. قرأ نافعٌ: (أُذْنٌ) بإسكان الذال فيهما، والباقون: بالرفع (٢). ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يصدِّقهم، إلا المنافقين. ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ قرأ حمزةٌ: (وَرَحْمَةٍ) بالخفض على معنى (أُذُنِ) خيرٍ و (رحمةٍ)، والباقون: بالرفع؛ أي: هو أذنُ خيرٍ، وهو رحمةٌ (٣). ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ لأنه كان هو سببَ إيمانهم ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٠). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٩٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٩٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩).

التوبة 9:62

﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾. [٦٢] ونزلَ فيمن تخلَّف عن غزوةِ تبوكَ واعتذرَ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ ولما كان رضا الله تعالى رضا نبيه، وبالعكسِ، وَحَّدَ الضمير في (أَنْ يُرْضُوهُ). ﴿إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ صدقًا. * * * ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يُعاديهما. ﴿فَأَنَّ لَهُ﴾ فتحًا خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: فجزاؤه أنَّ له. ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ أي: الفضيحةُ العظيمةُ. * * * ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾. [٦٤] ثم خَبَّرَ بحالِ المنافقين فقالَ: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ أي: يخشون. ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على المؤمنينَ ﴿سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ﴾ أي: تنبئُ المؤمنينَ. ﴿بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: قلوبِ المنافقين، المعنى: المنافقونَ يحذَرون

التوبة 9:65

من نزولِ سورةٍ على المؤمنين تخبرُ بما يُضمرونَ من النفاق، فَيُفْتَضحون، وهم مع ذلكَ يستهزئون. ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ من إنزالِ السورةِ فيكم. قرأ أبو جعفرٍ: (اسْتَهْزُوا) بضم الزاي بغيرِ همزٍ، وكذلك في (يَسْتَهْزُؤنَ) في الحرف الآتي، والباقون: بالهمزِ فيهما (١). * * * ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] وكان جماعةٌ يستهزئون برسولِ الله - ﷺ - لما كانَ في غزوةِ تبوكَ، فقالوا: انظروا إلى هذا الرجل يريدُ أن يفتحَ قصورَ الشامِ وحصونَه، هيهاتَ هيهاتَ! فأخبرَ اللهُ نبيَّهُ، فدعاهم فقال: "قُلْتُمْ كَذَا؟ "، فأنكروا واعتذروا، وقالوا: إنما كنا نخوضُ ونلعبُ، فنزلَ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ﴾ (٢) في الكلام. ﴿وَنَلْعَبُ﴾ كما يفعلُ الركبُ نقطعُ الطريقَ بالحديثِ واللعِب. ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ كتابِه. ﴿وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ توبيخًا على استهزانِهم بمن لا يصحُّ الاستهزاءُ به. * * * (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠). (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠١).

التوبة 9:66

﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ لا تُظهروا عُذْرَكُم ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ باستهزائِكم. ﴿بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ بعدَ إظهارِكم الإيمانَ. ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ أي: إن نرحم طائفةً منكُم بتوبتِهم وإخلاصِهم. ﴿نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ مصرين على النفاق. قرأ عاصمٌ: (نَعْفُ) بالنونِ وفتحِها، وضمِّ الفاء (نُعَذِّبْ) بالنون وكسر الذال (طَائِفَةً) نصبٌ، وقرأ الباقون: (يُعْفَ) بالياءِ وضمِّها وفتح الفاء (تُعَذَّبْ) بالتاءِ وفتح الذال (طائفةٌ) رفعٌ على غيرِ تسميةِ الفاعل (١). * * * ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ في النفاقِ والدِّين. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ بالكفرِ والمعصيةِ. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ الإيمانِ والطاعةِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٦)، و"التيسير" للداني (ص: (١١٨ - ١١٩) و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠ - ٣١).

التوبة 9:68

﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ يُمْسِكون عن الصدقاتِ. ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ تركوا أمرَهُ ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ فتركَهم من رحمتِهِ. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في التمرد والفسوق. * * * ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ كافِيَتُهم جزاءً على كفِرهم. ﴿وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أبعدَهُم من رحمتِهِ. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائمٌ لا ينقطعُ. * * * ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿كَالَّذِينَ﴾ خبرُ مبتدأ، أي: أنتمْ مثلُ الذين. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ أي: انتفعوا بنصِيبهم من الدنيا باتّبَاع الشهواتِ. ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيُّها المنافقونَ.

التوبة 9:70

﴿بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ وسلكتم مسلكهم. ﴿وَخُضْتُمْ﴾ في الباطل ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي كما خاضوا. ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ لم يستحقُّوا عليها ثوابًا. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الذين خسروا الدارَيْنِ. * * * ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ﴾ يعني: المنافقين ﴿نَبَأُ﴾ خبرُ. ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ حينَ عَصَوا رُسُلَنا، وخالفوا أَمْرَنا كيفَ عَذَّبناهم وأَهْلَكْناهم، ثم ذكرَهم فقالَ: ﴿قَوْمِ نُوحٍ﴾ أُهلكوا بالطوفانِ ﴿وَعَادٍ﴾ أُهلكوا بالريحِ ﴿وَثَمُودَ﴾ بالرجفةِ ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾ بسلبِ النعمةِ وهلاكِ نمرودَ. ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ قومِ شعيبٍ أُهلكوا بالنارِ يومَ الظُّلَّةِ. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ مدائنِ قوِم لوطٍ ائتفكت؛ أي: انقلبتْ بهم فصارت عاليَها سافلَها. قرأ قالونُ عن نافعٍ بخلافٍ عنه: (وَالمْوُتَفِكَاتِ) بإسكانِ الواوِ بغيرِ همزٍ (١). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠ - ٣٩٤)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢).

التوبة 9:71

﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكذَّبوهم وعَصَوْهُم كما فعلْتُم. ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ أي: ليهلِكَهم حتى يبعثَ إليهم الأنبياءَ. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ حيثُ عَرَّضوها للعقابِ بالكفر. * * * ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ في الدِّينِ واتفاقِ الكلمةِ. ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بالإيمانِ والطاعةِ. ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشركِ والمعصيةِ، والمعروفُ: هو ما عرفَهُ العقلُ والشرعُ بالحُسْنِ، والمنكَرُ: ما أنكَرُه أحدُهما لقبحه، فالأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكر فرضُ كفايةٍ باتفاقِ الأئمةِ وإجماعِ الأمة، وهو من أعظمِ قواعدِ الإسلامِ، والنهيُ: هو استدعاءُ تركِ الفعل، وهو أمرٌ بضدِّه، وحقيقتهُ للتحريمِ، وحقيقَة الأمرِ للإيجابِ والقبولِ. ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في سائرِ الأمورِ. ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ لا محالةَ؛ فإن السينَ مؤكِّدةٌ للوقوع ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ لا يمتنعُ عليهِ ما يريدُه ﴿حَكِيمٌ﴾ يضعُ الأشياءَ في محلِّها. * * *

التوبة 9:72

﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ تستطيبُها النفسُ ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بساتينِ خلدٍ. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: شيءٌ من رضا الله ﴿أَكْبَرُ﴾ من ذلكَ كله. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الرضوانُ. ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وحدَهُ دونَ ما يعدُّهُ الناسُ فوزًا. عن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: "يَقُولُ اللهُ عز وجل لِأهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا! وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِهِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟! فَيَقُولُ: أَفَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، فَيَقُولوُنَ: رَبَّنَا فَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلا أَسْخَطُ عَلَيكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا" (١). * * * ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣﴾. [٧٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيفِ ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بالحجَّةِ. (١) رواه البخاري (٦١٨٣)، كتاب: الرقاق، باب: صفة الجنة والنار، ومسلم (٢٨٢٩)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: إحلال الرضوان على أهل الجنة، فلا يسخط عليهم أبدًا.

التوبة 9:74

﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في الجهادَين. ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ في الآخرة ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ مصيرُهم، قال عطاءُ: نسخَتْ هذه الآيةُ كلَّ شيءٍ من العفوِ والصَّفْحِ (١). * * * ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ رُوي أنه عليه السلام أقامَ في غزوةِ تبوكَ شهرين ينزلُ القرآنُ، ويعيبُ المنافقين (٢) المتخلِّفين، فقالَ الجَلَّاسُ بن سُوَيْدٍ: لئنْ كانَ محمدٌ صادِقًا، لنحنُ شَرٌّ من الحميرِ، فبلغَ رسولَ الله - ﷺ -، فاستحضَرَهُ، فحلفَ بالله ما قالَه، فنزلت، فتابَ الجلاسُ وحَسُنَتْ توبتُه (٣). ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ سَبُّهم رسولَ اللهِ - ﷺ -. ﴿وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ أظهروا الكفَر بعدَ إظهارِهم الإيمانَ. ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ وهو الفتكُ برسولِ اللهِ - ﷺ - حينَ وقفوا له بالعقبةِ عندَ عودِهِ من تبوكَ. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٠٥). (٢) "المنافقين" زيادة من "ش". (٣) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٨٣٠٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٢٦).

التوبة 9:75

﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أنكروا وعابوا على المؤمنينَ. ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وذلكَ أنَّ أهلَ المدينةِ كانوا قبلَ قدومِ النبيِّ - ﷺ - في ضَنْكٍ من العيش، فلما قدم النبيُّ - ﷺ - استغْنَوا بالغنائمِ، وقيلَ للحسينِ بنِ الفضلِ: هل تجدُ في القرآنِ قولَ الناسِ احذَرْ شَرَّ مَنْ أحسنتَ إليه؟ فقال: نعم، قولهُ تعالى في قصةِ المنافقينَ في التوبة: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا﴾ من كفرِهم ﴿يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ من نفاقِهم وهو الذي حمل الجلاسَ على التوبةِ، فقُتِلَ مولى له، فأمرَ له النبيُّ - ﷺ - بديتِهِ اثني عشرَ ألفَ درهمٍ، فاستغنى. ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ يُعْرِضوا عن الإيمان. ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالخزيِ ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنارِ. ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ فينجيهم من العذابِ. * * * ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ يعني: المنافقين. ﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ ولنؤدَينَّ حقَّ اللهِ منه. ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ نعملُ بعملِ أهلِ الصلاحِ فيه، نزلَتْ في ثعلبةَ بنِ حاطبٍ الأنصاريِّ، أتى النبيَّ - ﷺ - وقالَ: ادعُ اللهَ أن يَرْزقني مالًا، (١) انظر: "تفسير القرطبي" (٨/ ٢٠٨).

التوبة 9:76

فقال عليه السلام: "قِليلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثيرٍ لاَ تُطِيقُهُ"، فراجعَهُ وقال: والذي بعثَكَ بالحق! لئنْ رزَقني مالًا؛ لأعطينَّ كل ذي حَقٍّ حقَّهُ، فدعا لهُ فاتخذَ غنمًا، فنمَتْ كما ينمى الدودُ، حتى ضاقَتْ بها المدينةُ، فنزلَ واديًا، وانقطعَ عن الجمعةِ والجماعةِ، فسألَ عنه - ﷺ -، فقيل: كثرَ مالهُ حتى لا يسعُه وادٍ، فقال: "يَا وَيْحَ ثَعْلَبَةَ! "، فبعث مُصَدِّقَينِ لأخذِ الصدقاتِ، فاستقبلَهما الناسُ بصدقاتِهم، ومرَّا بثعلبةَ فسألاهُ الصدقةَ، وأقرآه الكتابَ الذي فيه الفرائضُ، فقال: ما هذهِ إلا جزيةِ، ما هذهِ إلا أختُ الجزيةِ، فارجِعا حتى أَرى رأيي، فنزلتْ، فجاءَ ثعلبةُ بالصدقةِ فقالَ: "إنَّ اللهَ مَنَعَنِي أَنْ أَقْبَلَ مِنْكَ"، فجعلَ يحثو على رأسه الترابَ، فقالَ: "هَذَا عَمَلُكَ؛ فَقَدْ أَمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي"، فَقُبِضَ رسولُ الله - ﷺ -، فجاءَ بها إلى أبي بكرٍ في خلافتهِ، فلم يقبلْها، ثم جاءَ بها إلى عمرَ في خلافتِه، فلم يقبلْها، ثم جاء بها إلى عثمانَ فلم يقبلْها، وهلك في خلافتِه (١). * * * ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ منعوا حق الله منه ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن طاعة الله ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهم قومٌ عادتُهم الإعراضُ عنها. * * * (١) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٤/ ٢٥٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧٨٧٣)، والواحدي في "أسباب النزول" (ص: ١٤٣)، والبغوي في "تفسيره" (٢/ ٣٠٧)، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-.

التوبة 9:77

﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ أي: جعلَ اللهُ عاقبةَ ذلكَ ﴿نِفَاقًا﴾ ثابتًا. ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فلا يؤمنون ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ هو يومُ القيامةِ. ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ﴾ من التصدُّقِ والصلاحِ. ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ في يمينِهم. قالَ - ﷺ -: "آَيةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ" (١). * * * ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ ما أَسروه في أنفسهم من النفاق. ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ حديثَهم فيما كان بينَهم. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ فلا يخفى عليه ذلك. قرأ حمزةُ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (الْغِيُوبِ) بكسر الغين، والباقون: بالضم (٢). (١) رواه البخاري (٣٣)، كتاب: الإيمان، باب: علامة المنافق، ومسلم (٥٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان خصال المنافق، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣).

التوبة 9:79

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ قرأ يعقوبُ: (يَلْمُزُونَ) بضمِّ الميم، والباقون: بالكسر (١)؛ أي: يَعيبون ﴿الْمُطَّوِّعِينَ﴾ المتبرِّعيَن. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ والمرادُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ، تصدَّقَ بأربعةِ آلافِ درهمٍ، وكانَ مالهُ ثمانيةَ آلافٍ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "بَارَكَ اللهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ وَفِيمَا أَمْسَكْتَ"، فباركَ اللهُ له، حتى أنه خلفَ امرأتينِ يومَ ماتَ، فبلغ ثُمْنُ مالِه لهما مئةً وستينَ ألفًا، وتصدَّقَ عاصمُ بنُ عديٍّ بمئةِ وسقِ تمرٍ، وجاء أبو عقيلٍ الأنصاريُّ بصاعِ تمرٍ، فقالَ: يا رسولَ الله! بِتُّ ليلتي أجرُّ بالجريدِ الماءَ حتى نلتُ صاعَيْنِ، فتركْتُ صاعًا لعيالي، وجئتُ بصاعٍ، فأمرَهُ رسولُ الله - ﷺ - أن ينثُرَهُ على الصدقاتِ، فلمزَهم المنافقونَ وقالوا: ما أَعْطَى عبدُ الرحمنِ وعاصمٌ إلا رياء، وإن اللهَ ورسولَه لَغَنِيَّانِ عن صاعِ أبي عقيلٍ، ولكنه أحبَّ أن يذكِّرَ بنفسه ليُعطى من الصدقاتِ، فنزلَتْ: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ (٢) بضمِّ الجيم: طاقَتَهم، وبالفتح: (١) انظر: القراءة عند تفسير الآية (٥٨) من هذه السورة. (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٠٩)، و "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٨٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢٤٩).

التوبة 9:80

المشقةَ، والتلاوةُ بالأول، والمرادُ بالمطَّوعين: عبدُ الرحمنِ وعاصمٌ، والذين لا يجدون إلا جهدَهم: أبو عقيلٍ. ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يستهزئون بهم. ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ جازاهُم على سُخريتِهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على كفرهم. * * * ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ لفظهُ أمرٌ، ومعناهُ خبرٌ، تقديُره: استغفرْتَ لهم أم لم تستغفْر لهم لنْ يغفرَ اللهُ لهم. ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ وذكرَ عدَد السبعين قَطْعًا لأطماعِهم عن المغفرةِ على عادةِ العربِ، لأنها عندَهم مَثَلٌ لغايةِ الاستقصاء في العدد، فلما نزلَتْ، قالَ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ قد رَخَّصَ لِي، فَلأَزِيدَنَّ عَلَى السَّبْعِيَن لَعَلَّ اللهَ أنْ يَغْفِرَ لَهُمْ"، فأنزل الله على رسوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ (١). (١) رواه البخاري (٤٣٩٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومسلم (٢٤٠٠)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر -رضي الله عنه-، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.

التوبة 9:81

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ المتمرِّدينَ في كفرهم. * * * ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ المتروكون عن غزوةِ تبوكَ. ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ بقعودهم ﴿خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ أي: من بعدِه. ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وكراهتُهم لما ذكر هي شحٌّ؛ إذ لا يؤمنونَ بالثوابِ في سبيلِ الله. ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ أي: الجهاد؛ لأن غزوةَ تبوكَ كانت في أشدِّ الحرِّ. ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا﴾ من غزوة تبوكَ ﴿لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ أي: يعلمون، وكذلك هو في مصحفِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ. * * * ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ثم قالَ تهديدًا بصيغةِ الأمر: ﴿فَلْيَضْحَكُوا﴾ في الدنيا ﴿قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا﴾ في الآخرة. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ نصٌّ في أنَّ التكسُّبَ هو الذي يتعلَّقُ به الثوابُ والعقاب.

التوبة 9:83

﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ﴾ رَدَّكَ يا محمدُ من غزوتك هذهِ. ﴿إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: من المخلَّفين، وإنما قال: طائفةٍ منهم؛ لأنه ليس كلُّ من تخلَّف عن غزوةِ تبوكَ كانَ منافقًا. ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معكَ إلى غزوةٍ أخرى. ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ في سَفْرَةٍ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مَعِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١). ﴿وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ قراءةُ العامةِ: (معي) بإسكانِ الياءِ في هذا الحرف، وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الياء (٢). ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في غزوةِ تبوكَ ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ﴾ أي: المتخلفين من النساءِ والصبيانِ وأهلِ الأعذار. * * * ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (٨٤)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٣). (٢) المصادر السابقة.

التوبة 9:84

[٨٤] ولما حضرَ عبدَ اللهِ بنَ أُبَيّ ابنَ سلولَ المنافقَ الموتُ، بعثَ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فدخلَ عليه، فقال: "أَهْلَكَكَ حُبُّ اليهود"، فقالَ: لم أبعثْ إليكَ لتؤنِّبني، بلْ لتستغفرَ لي، وطلبَ منه أن يُكَفِّنَهُ بثوبهِ الذي يلي جسدَه، فكَفَّنه - ﷺ - دفعًا لِمِنَّتِهِ؛ لأنه كانَ قد كسا العباسَ لما أُسِرَ يومَ بدرٍ قَميصًا؛ لأنه لم يكنْ بقدرِه قميصٌ سِوى ثوبِ ابنِ أُبَيٍّ، وصلَّى عليه، فَكُلِّمَ - ﷺ - في ذلك، فقالَ: "وَمَا يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي وَصَلاَتي مِنَ الله؟ واللهِ إِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أنْ يُسْلِمَ بِهِ أَلْفُ رَجُلٍ لِمَا يَرَوْنَ مِن تَبَرُّكِهِ"، فَرُوي أنه أسلمَ ألفٌ من قومِه لما رأوه يتبرَّكُ بقميصِ النبيِّ - ﷺ -، فنزلَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ (١) لا تقفْ عليهِ للدفن، و (مَاتَ) ماضيًا معناه الاستقبالُ؛ لأنه كائنٌ لا محالةَ. ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ فما صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - بعدَها على منافقٍ، ولا قامَ على قبرهِ حتى قُبِضَ. * * * ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ الخطابُ للنبيِّ - ﷺ -، والمرادُ: أُمَّتُهُ، إذ هو بإجماعٍ مِمَّنْ لا تفتنهُ زخارفُ الدنيا، ووجهُ تكريِرها تأكيدُ هذا المعنى، وأيضًا لأنَّ الناسَ كانوا يُفتنون بصلاحِ حالِ المنافقين في دنياهم. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣١٢ - ٣١٣)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٩٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢٥٩).

التوبة 9:86

﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ ذو الغِنى والسَّعَة ﴿وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ الزَّمْنى وأهلِ العذرِ. * * * ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ النساءِ، جمعُ خالفَةٍ. ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ ما في الجهادِ وموافقةِ الرسولِ من السعادة، وما في التخلُّف عنه من الشقاوة. * * * ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨٨﴾. [٨٨] ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ أي: إن تخلَّفَ هؤلاء ولم يجاهدوا، فقد جاهدَ مَنْ هو خيرٌ منهم. ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ﴾ منافعُ الدارينِ: الغنيمةُ (١) في الدنيا، والجنةُ في الآخرةِ. (١) في "ت": "القيمة".

التوبة 9:89

﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزونَ بالمطالبِ. * * * ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بيان لما لهم من الخيراتِ الأُخرويَّةِ. * * * ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ قراءة العامة: بفتح العين وتشديدِ الذال؛ أي: الآتونَ بصورةِ العذرِ ولا عذرَ لهم، وقرأ يعقوبُ: بإسكان العين وتخفيف الذال؛ يعني: الذين أتوا بالعذر، وبالغوا فيه (١)، وهم قوم ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ استأذنوا في التخلُّفِ متعذرين بالجهدِ وكثرةِ العيال، قال ابنُ عباسٍ وقومٌ معه منهم مجاهدٌ: كانوا مؤمنين، وكانت أعذارهم صادقةً، وقالَ قَتادةُ وفرقةٌ معه: بل هم قومٌ كفرةٌ، وقولهُم وعذرُهم كذبٌ (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣١٤)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٥). (٢) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٨٦٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢٦٠).

التوبة 9:91

﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ يعني: المنافقين، كذبوا اللهَ ورسولَه في ادِّعاءِ الإيمان، ولم يجيئوا، ولم يعتذروا. ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ من الأعرابِ. ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا بالقتلِ، وفي الآخرةِ بالنارِ. * * * ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)﴾. [٩١] ثم عذرَ الله تعالى ذوي الأعذارِ فقال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ﴾ الهَرْمَى والزَّمْنَى. ﴿وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ﴾ لفقرِهم. ﴿حَرَجٌ﴾ إثمٌ ﴿إِذَا نَصَحُوا﴾ أخلصوا ﴿لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بالإيمانِ والطاعةِ. ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ في إيمانِهم ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريقِ عتابٍ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم. * * * ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ معكَ إلى الغزوِ.

التوبة 9:93

﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ المعنى: لا سبيلَ على الأَوَّلِين، ولا على هؤلاءِ، وهم الذين أتوكَ، وهم سبعةُ نفرٍ سُمُّوا البَكَّائِينَ: مَعْقِلُ بنُ يَسارٍ، وصخرُ بنُ خنساء، وعبدُ اللهِ بن كعبٍ الأنصاريُّ، وعليَّةُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ، وسالمُ بنُ عُمَيْرٍ، وثعلبةُ بنُ غنمةَ، وعبدُ اللهِ بنُ مُغَفَّلٍ المزنيُّ، أتوا رسولَ الله - ﷺ - فقالوا: يا رسولَ اللهِ! إنَّ اللهَ قد ندبَنا للخروجِ، فاحملْنا على الخفافِ المرقوعةِ والنعالِ المخصوفة نغزو معكَ، فقالَ: "لاَ أَجِدُ"، فتولَّوا وهم يَبْكون، فذلك قولُه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ﴾ (١) تسيلُ. ﴿مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ في الجهادِ، تلخيصه: ليسَ إلى عقوبةِ هؤلاءِ سبيلٌ. * * * ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾ بالمعاتبةِ. ﴿عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ﴾ واجِدُونَ الأُهْبَةَ. ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ﴾ النساءِ والصبيانِ. ﴿وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ تقدمَ تفسيرُ نظيرِ هذهِ الآية قريبًا. * * * (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣١٥).

التوبة 9:94

﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٤)﴾. [٩٤] ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾ في التخلُّفِ. ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من هذهِ السَّفْرَةِ. ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا﴾ بالمعاذيرِ الكاذبةِ؛ لأنه (١): ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدِّقكم؛ لأنَّه ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ وهو ما في ضميرِكم بالوحيِ إلى نبيِّهِ. ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أَتُنيبونَ أم تّثْبتونَ على كفرِكُم. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ المطَّلِعِ عليكم. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالتوبيخِ والعقابِ عليه. * * * ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ إذا انصرَفْتُم من غزوِكم. (١) "لأنه" ساقطة من "ت".

التوبة 9:96

﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ لتصفَحوا، فلا تعاتبوهم. ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ ولا تُوَبِّخوهم. ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ نجسٌ لا ينفعُ فيهم التأنيبُ. ﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿جَهَنَّمُ﴾ فَتكفيهم عِتابًا ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. * * * ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾. [٩٦] حلفَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ أَلَّا يتخلَّفَ عن رسولِ الله - ﷺ - بعدَ ذلك، وطلبَ أن يرضى عنه، فنزلَ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ (١) بحلفِهم. ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ أي: فإنَّ رضاكم لا يستلزمُ رضا اللهِ، ورضاكم وحدَكُم لا ينفعُهم إِذا كانوا في سخطِ الله وبصدَدِ عقابِه. * * * ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾. [٩٧] ﴿الْأَعْرَابُ﴾ أهلُ البدو ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ من أهل الحضر؛ لتوحُّشِهم، وعدمِ مخالطتِهم لأهلِ العلمِ، وبعدِهم عن سماعِ القرآنِ ومعرفةِ السُّنَن. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣١٦ - ٣١٧).

التوبة 9:98

﴿وَأَجْدَرُ﴾ أحقُّ ﴿أَلَّا﴾ أي: بأن لا ﴿يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من الشرائعِ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبِ خلقِه ﴿حَكِيمٌ﴾ بما يصيبُ به مسيئَهم ومحسنَهم عقابًا وثوابًا. وأما إمامةُ الأعرابيِّ للحضريِّين، فهي جائزةٌ بالاتفاقِ إذا أقامَ حدودَ الصلاة، إلا أن أبا حنيفةَ يكرهُ تقديمَهُ على غيره، ومالكٌ يكرَهُ إمامَتَهُ، وإن كانَ أقرأَهم. واختلفوا في شهادةِ البدويِّ على القَرَويِّ، فقال مالكٌ: لا تُقبل في الحضرِ؛ لما في ذلك من تحقُّقِ التهمةِ، وأجازهَا في السفرِ في المالِ وغيرِه؛ لعدم الرِّيبةِ، وقالَ الثلاثةُ: تقبل مطلقًا إذا كانَ عدلًا مَرْضِيًّا. * * * ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ غرامةً، فلا يرجو على إعطائِه ثوابًا، إنما يعطي خوفًا ورياءً. ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ دولَ الزمانِ وما يدورُ من آفاتِه لينقلبَ الأمرُ عليكم، ويظهرَ المشركونَ. ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ عليهم يدورُ البلاءُ والحزنُ، ولا يرونَ في محمدٍ ودينه إلا ما يسوؤهم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (السُّوءِ) بضمِّ السين؛

التوبة 9:99

يعني: الضررَ والبلاءَ، وقرأ الباقون: بالفتح؛ يعني: الفسادَ (١). ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما يقولون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يُضْمِرون، نزلَتْ في أعرابِ أسدٍ وغَطَفانَ وتميمٍ. * * * ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. [٩٩] ثم استثنى فقال: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هم بنو مُقَرِّنٍ من مُزينةَ، وغفارٍ وجُهينةَ. ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ﴾ جمعُ قُرْبَةٍ ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: يطلبُ القربةَ إلى اللهِ. ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ أدعيتَه؛ أي: يرغبونَ في دعاءِ النبيِّ - ﷺ -. ﴿ألَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ شهادةٌ من اللهِ لصحَّةِ مُعْتَقَدِهم، وتصديقٌ لرجائِهم. قرأ ورشٌ عن نافعٍ: (قُرُبَةٌ) بضمِّ الراء، والباقون بسكونها (٢)، والقربةُ: ما يتقرَّبُ بهِ العبدُ إلى الله تعالى من صومٍ أو صدقةٍ أو غيرِهما؛ كبناءِ المساجدِ ونحوِها. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦ - ٣٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣١٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٣٧ - ٣٨).

التوبة 9:100

﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ وعدٌ لهم بإحاطةِ الرحمةِ عليهم، والسينُ لتحقيقِه، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لتقديرِهِ. * * * ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾. [١٠٠] ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الذين صَلَّوا إلى القبلتينِ، وهم الذين هَجَروا قومَهم، وفارقوا أوطانَهم. ﴿وَالْأَنْصَارِ﴾ أهلِ بيعةِ العقبةِ الأولى وكانوا سبعةً، وأهلِ بيعةِ العقبةِ الثانيةِ وكانوا سبعين، والذين آمنوا حينَ قدمَ عليهم أَبو زُرارةَ مصعبُ بنُ عُميرٍ يعلِّمُهم القرآنَ، فأسلمَ معه خلقٌ كثيرٌ وجماعةٌ من النساءِ والصِّبيانِ. قرأ يعقوبُ: (وَالأَنْصَارُ) برفع (١) الراءِ عطفًا على قولِهِ: (وَالسَّابِقُونَ) (٢)، والأنصارُ: همُ الذين نَصَروا رسولَ الله - ﷺ - على أعدائِه، وآوَوْا أصحابَهُ. ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ هم بقيةُ المهاجرينَ والأنصارِ، أو مَن استنَّ بهم إلى يومِ القيامة. ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ لطاعتِهم ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ لإفاضَتِهِ عليهِمُ الخيرَ. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ قرأ ابنُ كثير: (مِنْ تَحْتَهَا) (١) في "ش": "بضم". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨). بزيادةِ كلمة (مِنْ)، وخفضِ: (تَحْتِهَا)، وكذلكَ هي في المصاحفِ المكية، وقرأ الباقونَ بحذفِ لفظةِ (من)، وكذلك هي في مصاحِفهم، واتفقوا على إثبات (من) قبلَ (تَحْتَهَا) في سائرِ القرآنِ (١)، قال ابنُ الجزريِّ في "النَّشْرِ": ويحتملُ أنه إنما لم يكتبْ (من) في هذا الموضع؛ لأن المعنى: ينبعُ الماءُ من تحتِ أشجارِها، لا أَنه يأتي من موضِعٍ ويجري تحتِ هذهِ الأشجارِ، فلاختلافِ المعنى خُولف في الخطِّ، وتكون هذه الجناتُ معدَّةً لمن ذُكر تعظيمًا لأمرِهم، وتنويهًا بفضلِهم، وإظهارًا لمنزلتهم لمبادرتهم لتصديقِ هذا النبيِّ الكريمِ عليهِ من اللهِ تعالى أفضلُ الصَّلاةِ وأكملُ التسليمِ، ولمن تبعَهم بالإحسانِ والتكريمِ، والله أعلمُ، انتهى. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ومعنى هذهِ الآيةِ الحكمُ بالرضا عنهم بإدخالِهم الجنةَ، وغفرِ ذنوبهِم، والحكمُ برضاهم عنهُ في شكرِهم وحمدِهم على نعمِه، جعلَنا اللهُ منهم برحمتِه. واختلِفَ في أولِ مَنْ آمنَ برسولِ الله - ﷺ - بعدَ امرأتِه خديجةَ رضي الله عنها، مع اتفاقِهم على أنها أولُ من آمنَ به، فقيل: عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وهو ابنُ عشرِ سنينَ، وقيلَ: أبو بكرٍ، وقيل: زيدُ بنُ حارثةَ، وكان إِسحقُ بنُ إبراهيمَ الحنظليُّ يجمعُ بينَ هذهِ الأخبارِ فيقولُ: أولُ مَنْ أسلمَ من الرجالِ أبو بكرٍ الصديقُ، ومن النساءِ خديجةُ، ومن الصبيانِ عليٌّ، ومن العبيدِ زيدُ بنُ حارثةَ رضي الله عنهم أجمعين. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨ - ٣٩).

التوبة 9:101

وأكبرُ التابِعينَ: الفقهاءُ السبعةُ من أهلِ المدينة، وهم: عُبيدُ اللهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ، وهو ابنُ أخي عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ الصحابيِّ، وعروةُ بنُ الزبيرِ بنِ العوامِ أخو عبدِ الله بنِ الزبيرِ الذي تولَّى الخلافةَ، وقاسمُ بنُ محمدِ بنِ أبي بكرٍ الصديقِ، وكانَ من أفضلِ أهلِ زمانه، وسعيدُ بنُ المسيِّبِ القرشيُّ، قالَ عنهُ الإمامُ أحمدُ رضي الله عنه: إنه أفضلُ التابعينَ، وسليمانُ بنُ سلمةَ، وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ الحارثِ المخزوميُّ القرشيُّ، وخارجةُ بنُ زيدِ بنِ ثابتٍ الأنصاريُّ، وأبوه زيدُ بنُ ثابتٍ من أكابرِ الصحابةِ، وهؤلاءِ السبعةُ هم الذين انتشرَ عنهمُ الفقهُ والفُتْيا، وقد نظمَ بعضُ الفضلاءِ أسماءهم في بيتٍ واحدٍ فقال: أَلاَ كُلُّ مَنْ لاَ يَقْتَدِي بِأَئِمَّةٍ؍ فَقِسْمَتُهُ ضِيزَى عَنِ الْحَقِّ خَارِجَهْ؍ فَخُذْهُمْ عُبَيْدُ اللهِ عُرْوَةُ قَاسِمٌ؍ سَعِيدٌ سُلَيْمَان أَبُو بَكْرٍ خَارِجَهْ؍ * * * ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (١٠١)﴾. [١٠١] قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي: حولَ بلدِكم، وهي المدينةُ ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾ وهم مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ، وأَشْجَعُ وأَسْلَمُ، وَغِفارٌ كانوا نازلينَ حولَ المدينة. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ قومٌ منافقون ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ مَرَنوا وتَمَهَّروا فيه، وهم من الأوسِ والخزرجِ ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ﴾ أنتَ يا محمدُ.

التوبة 9:102

﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الأُولى: فضْيحَتُهم في الدنيا؛ لأنه - ﷺ - قامَ يومَ جمعةٍ خطيبًا فقال: "اخْرُجْ يَا فُلاَنُ وَيَا فُلاَنُ، فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ"، فأخرجَ جماعةً من المسجد (١)، الثانية: عذابُهم في الآخرةِ، وقيل: هما القتلُ وعذابُ القبرِ. ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيِمِ﴾ بأن يخلَّدوا في جهنمَ. * * * ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٠٢)﴾. [١٠٢] ﴿وَآخَرُونَ﴾ مبتدأٌ ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ صفتُه، وخبرُه: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ وهو إقرارُهم وتوبتُهم. ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ هو تخلُّفُهم، وضعَ الواوَ موضعَ الباءِ كما يقالُ: خلطتُ الماءَ واللبنَ؛ أي: باللبنِ. ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ يقبلَ توبتهم ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يتجاوزُ عن التائب. * * * ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾. [١٠٣] فجاؤوا النبيَّ - ﷺ - وقالوا: خذْ أموالَنا التي تخلَّفْنا عنكَ بسببِها، (١) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٧٩٢)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٩٦ - ٩٧).

التوبة 9:104

فتصدَّقْ ما، واستغفرْ لنا فقال: "لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ" فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ (١) من ذنوبهِم. ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: تنمِّي حسناتِهم، وترفَعُهم من منازلِ المنافقينَ إلى منازلِ المخلِصين. ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادعُ لهم واستغفرْ. ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (إِنَّ صَلاَتَكَ) على التوحيد، وفتحِ التاءِ، والباقون: بالجمعِ وكسرِ التاء (٢) ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ طُمَأْنينةٌ ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لاعترافِهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامَتِهم. * * * ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾. [١٠٤] فلما نزلتْ توبةُ هؤلاءِ، قال الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين: هؤلاء كانوا معنا بالأمسِ لا يُكَلَّمون ولا يُجالَسون، فما لهم؟! فقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ إذا صحَّتْ. ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ أي: يقبلُها ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ وأنَّ من شأنِه قبولَ توبةِ التائبينَ، قالَ - ﷺ -: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! مَا مِنْ عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢١)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٩٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٩ - ٤٠). بِصَدَقَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلاَ يَصْعَدُ إِلىَ السَّمَاءِ إِلَّا طَيِّبٌ، إِلَّا كَأَنَّمَا يَضَعُهَا فِي يَدِ الرَّحْمَنِ، فَيُرَبِّيهَا لَهُ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فُلُوَّهُ، حَتَّى إِنَّ اللُّقْمَةَ لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامةِ وَإِنَّهَا مِثْلُ الْجَبَلِ الْعَظِيمِ" (١) قال البغويُّ رحمه الله في "شرح السنة": كلُّ ما جاء به الكتابُ والسنَّةُ من هذا القَبيلِ من صفاتِ الباري تعالى؛ كالنَفْسِ والوجهِ واليدِ والرِّجْلِ، والإتيانِ والمجيءِ والنزولِ إِلى السَّماءِ الدنيا، والاستواءِ على العرشِ، والضحكِ والفرحِ، فهذه ونظائرُها صفاتُ الله تعالى وردَ. ما (٢) الشرعُ يجبُ الإيمانُ ما وإمرارُها على ظاهرِها مُعْرِضًا فيها عن التأويلِ، مُجْتَنبًا عن التشبيهٍ، مُعْتَقِدًا أن الباريَ لا يشبهُ شيءٌ من صفاتِه صفاتِ الخَلْقِ، كما لا تُشبهُ ذاتُه ذاتَ الخلقِ، قالَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وعلى هذا مضى سلفُ الأمةِ وعلماءُ السنَّة، تَلَقَّوها جميعَها بالإيمانِ والقبولِ، وتجنَّبوا فيها من التمثيلِ والتأويلِ، ووَكَلُوا العلمَ فيها إلى اللهِ تعالى كما أخبرَ عن الراسخينَ في العلمِ فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] انتهى (٣). * * * (١) رواه البخاري (١٣٤٤)، كتاب: الزكاة، باب: لا يقبل الله صدقة من غلول، ولا يقبل إلا من كسب طيب، ومسلم (١٠١٤)، كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٢) في "ت": "به". (٣) انظر: "شرح السنة" للبغوي (١/ ١٦٨).

التوبة 9:105

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾. [١٠٥] ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾ ما شئتُمْ ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ فإنَّه لا يخفى على اللهِ، خيرًا كانَ أو شرًّا. ﴿وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمجازاةِ عليه. * * * ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿وَآخَرُونَ﴾ من المتخلِّفينَ التائبينَ ﴿مُرْجَوْنَ﴾ مُؤَخَّرون. ﴿لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ فيهم بما يشاءُ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرو، وابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مُرْجَؤُونَ) بالهمز، والباقون: بالواو بغير همز (١)، والمرجَؤُون هم الثلاثةُ الذين تأتي قصَّتُهم، وهم كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، ومرارةُ بنُ الربيع، لم يبالِغوا في التوبةِ والاعتذار كما فعلَ أبو لُبابةَ، فتوقَّفَ رسولُ الله - ﷺ - في توبَتِهم. ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُم﴾ إنْ لم يتوبوا ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ تابوا. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤١).

التوبة 9:107

﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيما يفعلُ بهم، فنزلتْ توبتُهم بعدَ خمسينَ ليلةً. * * * ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرو: (الَّذيِنَ) بغيرِ واوٍ قبلَ الذين، وكذلكَ هو في مصاحِفهم، والباقون: بالواو. ﴿مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ أي: مضارَّةً، نزلتْ في جماعةٍ من المنافقين بَنَوا مسجِدًا يضارُّونَ به مسجدَ قُباء، وكانوا اثني عشرَ رجلًا، فعلوا ذلكَ مضارَّة للمؤمنين. ﴿كُفْرًا﴾ باللهِ ورسولهِ. ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين كانوا يجتمعونَ للصلاةِ في مسجدِ قُباء، فلما فرغوا، أتوا الرسولَ - ﷺ - وهو يتجهَّزُ إلى تبوكَ، وقالوا: يا رسولَ الله! إنا قد بنينا مسجِدًا لذي العِلَّةِ والحاجَةِ والليلةِ المَطِيَرةِ، وإنَّا نحبُّ أن تأتيَنا وتصلِّي لنا فيه، وتدعوَ بالبركة، فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وإِنْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللهُ صَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ"، وكان أبو عامرٍ الراهبُ رَجُلًا منهم قد تنَصَّرَ في الجاهليةِ، وتَرَهَّبَ، ولم يزلْ يقاتلُ النبيَّ - ﷺ - حتى هُزِمَ يومَ حُنين، وسماهُ: أبا عامرٍ الفاسقَ، كان قال لهم:

التوبة 9:108

ابنوا مسجدًا، فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ، فآتي بجنودٍ فأُخرجُ محمدًا وأصحابَه من المدينة، فهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا﴾ (١) أي: إعدادًا. ﴿لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: لأجلِ هذا المنافقِ الذي حاربَ. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبلِ بناءِ مسجدِ الضِّرارِ إلى جنبِ مسجدِ قُباء، ولما خرجَ إلى الشامِ ليأتيَ من قَيْصَرٍ بجنودٍ يحاربُ بهم رسولَ الله - ﷺ -، هَلَكَ بِقِنَّسْرينَ طَريدًا وحيدًا. ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي: ما أردْنا ﴿إِلَّا﴾ الفعلَةَ ﴿الْحُسْنَى﴾ ببناءِ هذا المسجد، وهي الرفقُ بالمسكينِ والضعيفِ في الليلةِ الشاتيةِ وشدَّةِ الحرِّ، والسَّعَة على المسلمينَ. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في حلفِهم. * * * ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨)﴾. [١٠٨] فلما خرجَ - ﷺ - إلى تبوكَ، سألوهُ إتيانَ مسجدِهم ليصلِّي فيهِ، فنزلَ: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ لا تصلِّ في مسجدِ الضِّرارِ، وأُخبر بحالِهم فأرسل وَحْشِيًّا بجماعةٍ، فحرقوهُ وهدموهُ، وتفرَّقَ أهلُه فجُعل مكانَه كُناسةٌ تُلْقى فيها (٢) الجِيَفُ. (١) انظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٨٩)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ١٠٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٢٨٦). (٢) في "ظ": "فيه".

التوبة 9:109

﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ﴾ أي: بني أصلُه ﴿عَلَى التَّقْوَى﴾ واللامُ للابتداء. ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ وُضِع أساسُه. ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مصلِّيًّا، خبرُ الابتداء، والمسجدُ المؤَسَّسُ على التقوى هو مسجدُ رسولِ الله - ﷺ -، وردَ بهِ الحديثُ عنه عليه السلام، وقيل: مسجدُ قُباء؛ لأنه - ﷺ - أَسَّسَه وصلَّى فيهِ أيامَ مُقامِه بقُباء من الاثنينِ إلى الجمعةِ. ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بالتوبةِ من المعاصي، وقيلَ: بالماءِ من الأحداث. ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ يَرْضَى عنهم. * * * ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩)﴾. [١٠٩] ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ: (أُسِّسَ) بضم الهمزة وكسر السين (بُنْيَانُهُ) رفعٌ فيه جميعًا على غير تسميةِ الفاعلِ، والباقون بفتح الهمزةِ والسينِ والنونِ على تسميةِ الفاعلِ (١)، والمرادُ: قواعدُ البنيانِ. ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾ أي: على طلب التقوى، ورضا الله. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٢). ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ طرفِ وادٍ مُنْحفِرٍ أصلهُ بالماء. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (جُرْفٍ) ساكنة الراء، والباقون: بضم الراء، وهما لغتان (١). ﴿هَارٍ﴾ أي: أشرفَ على السقوط. قرأ أبو عمرو، والكسائيُّ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (هَارِ) بالإمالة، واختلِفَ عن قالونَ وابنِ ذكوانَ، ورُوي عن يعقوبَ، وقنبلٍ الوقفُ بالياءِ على (هَارِي) (٢). ﴿فَانْهَارَ بِهِ﴾ أي: سقطَ بالباني. ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ يريدُ: بناءُ هَذا المسجدِ الضِّرارِ كالبناءِ على شفيرِ جهنَّمَ يتهوَّرُ بأهلِها فيها. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى ما فيه نجاتُهم، المعنى: أفمنْ أَسَّسَ دينَه على أثبتِ القواعدِ، وهو الإيمانُ خيرٌ، أم مَنْ أَسَّسه على أضعفِ القواعدِ، وهو الكفرُ، فيسقطُ صاحبُه في النار؟ ورُوي أنه حُفِرَتْ بقعةٌ في مسجدِ الضرار، فرئي الدخانُ يخرجُ منها (٣). ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٣). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٥ - ٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٣ - ٤٤). (٣) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٣٢)، عن قتادة.

التوبة 9:110

﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١١٠)﴾. [١١٠] ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ﴾ يعني: المنافقينَ البانينَ للمسجدِ، ومَنْ شركَهم في غرضِهم، وقوله: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ تأكيدٌ وتصريحٌ بأمرِ المسجدِ ورفع الإشكالِ. ﴿رِيبَةً﴾ شَكًّا ونفاقًا ﴿فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يحسبون أنهم كانوا في بنائِه مُحسنينَ، ولما هدمَهُ - ﷺ -، ازدادوا تصميمًا على النفاقِ. ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: لا تفارقُهم الريبةُ حتى تُقَطَّعَ قلوبُهم بحيثُ لا يبقى لها قابليةُ الإدراكِ والإضمار. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلفٌ: (إلا) بتشديدِ اللامِ على أنه حرفُ استثناء (تُقَطَّعَ) بضم التاءِ وبناءِ الفعل للمفعول، وقرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وعاصمٌ بروايةِ حفصٍ، وأبو جعفرٍ: (إلا) بالتشديد كما تقدَّم (تَقَطَّعَ) بفتحِ التاء؛ أي: تتقطع، وقرأ يعقوبُ: (إِلىَ) بتخفيفِ اللام، فجعلَه حرفَ جر (تَقَطَّعَ) بفتح التاء كابنِ عامرٍ ومَنْ وافقَهُ، ورُوي عنه أيضًا: بضمِّ التاءِ خفيف من القطع (١). ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بنيَّاتِهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما أَمَرَ بهدمِ بنائهم. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٤ - ٤٥).

التوبة 9:111

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾. [١١١] ولما بايعَ رسولُ الله - ﷺ - الأنصارَ ليلةَ العقبةِ أن يعبدوا اللهَ، ولا يُشركوا به شيئًا، وأن يمنعوه ما يمنعونَ منه أنفسَهم وأموالَهم، ولهم إن وفَوا بذلك الجنةُ، فقبلوا وقالوا: لا نقيلُ ولا نستقيلُ، نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (١) قرأ حمزة، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَيُقْتَلُونَ) بتقديِم المفعولِ على الفاعلِ على معنى قُتِلَ بعضُهم، وقاتلَ الباقون منهم، وقرأ الآخرونَ بتقديمِ الفاعل (٢). ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ ﴿حَقًّا﴾ صفتُه، المعنى ما وُعِدوا به حقٌّ ثابت ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ فيه دليلٌ على أن الجهادَ كان في شريعةِ مَنْ تقدَّمنا. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ استفهامٌ على جهةِ التقرير؛ أي: لا أحدَ أوفى بعهدِهِ من الله. (١) انظر: "تفسير الطبري" (١١/ ٣٥)، و "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٨٨٦)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٤٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٦ - ٤٧).

التوبة 9:112

﴿فَاسْتَبْشِرُوا﴾ فافْرَحوا ﴿بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ فإنه أوجبَ لكم عظائمَ المطالب ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: إنه الحصولُ على الحظِّ الأغبط. * * * ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾. [١١٢] ﴿التَّائِبُونَ﴾ رفعٌ على المدحِ؛ أي: هم التائبون، والمرادُ بهم: المؤمنونَ المذكورون الذين تابوا من الشرك. ﴿الْعَابِدُونَ﴾ المخلِصونَ العبادةَ للهِ تعالى. ﴿الْحَامِدُونَ﴾ في السَّراءِ والضَّراءَ. ﴿السَّائِحُونَ﴾ الصائِمونَ؛ سُمُّوا بذلك لتركِهم اللذاتِ؛ المطعمَ والمشربَ والمنكحَ، في الحديثِ: "سِيَاحَةُ أُمَّتِي الصَّوْمُ" (١). ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ في الصلاةِ. ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإيمانِ. ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الشركِ، وتقدَّمَ تفسيرُ المعروفِ والمنكرِ في السورةِ. ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ القائمونَ بأوامره. ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: هؤلاء الموصوفينَ بتلكَ الفضائل. (١) قال المناوي في "الفتح السماوي" (٢/ ٧٠٥): لم أقف عليه.

التوبة 9:113

﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾. [١١٣] رُوي أن أبا طالبٍ لما حضرَتْهُ الوفاةُ، جاءَهُ رسولُ الله - ﷺ -، فوجدَ عندَه أبا جهلٍ، وعبدَ اللهِ بنَ أبي أميةَ بنِ المغيرةِ، فقال: "أَيْ عَمِّ قُلْ: لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ"، فقالَ أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ: أَتَرْغَبُ عن ملَّةِ عبدِ المطَّلب؟! فلم يزلْ رسولُ اللهِ - ﷺ - يعرضُها عليه، ويعيدانِه بتلكَ المقالةِ حتى قالَ أبو طالبٍ آخرَ ما كلَّمَهُمْ: هو على ملَّةِ عبدِ المطلبِ، وأبى أن يقولَ: لا إلهَ إلا اللهُ، قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "وَاللهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ"، فأنزلَ الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معه (١). ﴿أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) بأنْ ماتوا كفار. * * * ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾. [١١٤] ثم بينَ عذرَ إبراهيمَ في الاستغفارِ لأبيهِ فقال: {وَمَا كَانَ (١) "معه" زيادة من "ت". (٢) رواه البخاري (١٢٩٤)، كتاب: الجنائز، باب: إذا قال المشرك عند الموت: لا إله إلا الله، ومسلم (٢٤)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه.

التوبة 9:115

اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ} قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (أَبْرَاهَامَ) بالألفِ (١). ﴿لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ بقوله: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤] لأطلبنَّ مغفرتَكَ بالتوفيقِ للإيمانِ. ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ﴾ أي: ظهرَ لإبراهيمَ بطريقِ الوحيِ أن آزرَ. ﴿عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ لموتِه على الكفرِ ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ أضربَ عن الاستغفارِ لأبيه في الدنيا. ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ﴾ مُتَأَوِّهٌ تضرُّعًا ﴿حَلِيمٌ﴾ صفوحٌ عَمَّنْ نالَه بسوءٍ. * * * ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾. [١١٥] ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ أي: ليسمِّيَهم ضُلَّالًا، ويؤاخذَهم مؤاخذَتَهم ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ للإسلامِ. ﴿حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ خطرَ ما يجبُ اتقاؤه، المعنى: ما كانَ ليحكمَ بضلالِ من استغفرَ للمشركينَ قبلَ النهيِ حتى يتبيَّنَ لهم ما يأتون، فإذا بَيَّنَ، ولم يأخذوا به بعدَ ذلكَ يستحقُّون الضلال. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيعلمُ أمرَهم في الحالين. * * * (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٨).

التوبة 9:116

﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير (١١٦)﴾. [١١٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يحكمُ ما يشاء ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾ تقدَّمَ تفسيُره في السورةِ. * * * ﴿لَّقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾. [١١٧] ﴿لَّقَدْ تَابَ اللَّهُ﴾ أي: تجاوزَ وصفحَ. ﴿عَلَى النَّبِيِّ﴾ مِنْ إذنهِ للمنافقينَ في التخلُّف. ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ فيما ندموا على الخروج؛ لما قاسَوا. قرأ أبو جعفر: (العُسُرَةِ) بضمِّ السينِ، والباقون: بالإسكان (١)، والمرادُ: وقتَ العسرة، وليس المراد ساعةً بعينها، والمرادُ: الذين اتبعوه في غزوةِ تبوكَ، ويسمَّى جيشَ العسرةِ؛ لقلة الظَّهْر، كان العشرةُ يَعْتَقِبون على البعير الواحد، والزاد والماء وشدة الحر، حتى كادتْ أعناقُهم تنقطع عطشًا، ومنهم من نحرَ بعيرَه واعتصرَ ماءَ فرثِه، وجعلَ فرثَهُ: على صدرِه. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ﴾ همَّ ﴿يَزِيغُ﴾ تميلُ. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٩).

التوبة 9:118

﴿قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ عن الثباتِ على الإيمانِ، أو اتباع الرسول. قرأ حمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَزِيغُ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ تكرير لتأكيدِ التوبة ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (رَؤُوفٌ) بالإشباعِ حيثُ وقعَ على وزن فَعُول، والباقونَ: بالاختلاسِ على وزن فَعُل (٢)، والرأفةُ: أشدُّ الرحمةِ. * * * ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾. [١١٨] ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ عن غزوةِ تبوكَ هم: كعبُ بنُ مالكٍ الشاعرُ، ومُرارَةُ بنُ الرَّبيعِ، وهلالُ بنُ أميةَ، وملخَّصُ القِصَّةِ: أنَّ غزوةَ تبوكَ تسمَّى: غزوةَ العُسْرَةِ؛ لوقوعِها في زمنِ الحرِّ، والبلادُ مجدبةٌ، والناس في عسرةٍ، وكانت في السنةِ التاسعةِ من الهجرةِ، فأنفقَ أبو بكرٍ جميعَ مالِه، وأنفقَ عثمانُ نفقةً عظيمةً، وسارَ النبيُّ - ﷺ - إلى تبوكَ، واستخلَفَ عليًّا رضي الله عنه، فقال عليٌّ: أتخلفني في الصبيانِ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٤٩). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٠). والنساءِ؟! قالَ: "أَلاَ تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى؟! إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي" (١)، وتخلَّفَ عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ المنافقُ، ومن تبعَه منْ أهلِ النفاقِ، وتخلَّفَ ثلاثةٌ من الصحابة (٢)، وهم: كعبٌ ومرارةُ وهلالٌ، ولم يكن لهم عذرٌ، ثم رجعَ النبيُّ - ﷺ - إلى المدينة بعدَ أن قامَ بتبوكَ بضعَ عشرةَ ليلةً لم يجاوزْها، وكانَ إذا قدمَ من سفرٍ، بدأَ بالمسجدِ، فركعَ فيه ركعتينِ، ثم جلس للناسِ، فلما فعلَ ذلكَ، جاءه المخلَّفون، فطفِقوا يعتذرون إليه، ويحلفون، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقبلَ منهم رسولُ الله - ﷺ - علانيتَهم، وبايعَهم واستغفرَ لهم، ووَكَل سرائرَهم إلى الله، ثم جاءه كعبٌ، وكانَ تقدَّمَهُ مرارةُ وهلالٌ، فسألَهم عن سببِ تخلُّفِهم، فاعترفوا أن لا عذرَ لهم، فأمرَهُم بالمضيِّ حتى يقضيَ الله فيهم، ونهى النبيُّ - ﷺ - المسلمينَ عن كلامِهم من بينِ مَنْ تخلَّف عنهُ، فاجتنبَهم الناسُ، فلبثوا على ذلك خمسينَ ليلةً، قال كعبٌ: فبينا أنا أسير في سوقِ المدينة، إذا نبطيٌّ من أنباطِ الشامِ ممَّنْ قدمَ بالطعامِ يبيعُه بالمدينةِ يقولُ: مَنْ يدلُّ على كعبِ بنِ مالكٍ؟ فطفقَ الناسُ يُشيرونَ له إليَّ، حتى إذا جاءني، دفعَ إليَّ كتابًا من ملكِ غَسَّانَ، فإذا فيه: أَمَّا بعدُ: فإنه قد بلغَني أن صاحبكَ قد جفاكَ وأقصاكَ، ولستَ بدارِ هوانٍ ولا مضيعةٍ، فالحقْ بنا نُواسِكَ، فقلتُ: هذا أيضًا من البلاءِ والشرِّ، فسجرتُ التنورَ وأحرقْتُه، ولما مضت أربعونَ من الخمسين، أمرَهم (١) رواه البخاري (٤١٥٤)، كتاب: المغازي، باب: غزوة تبوك، ومسلم (٢٤٠٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-. (٢) في "ش": "الأصحاب". النبيُّ - ﷺ - باعتزالِ نسائِهم، وجاءت امرأةُ هلالٍ رسولَ اللهِ - ﷺ - تستأذنُه في خدمتِه، فأذنَ لها من غيرِ أن يَقْرَبَها، فلما كملَتْ لهم خمسونَ ليلةً من حين نَهى رسولُ الله - ﷺ - عن كلامِهم، آذَنَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بتوبةِ اللهِ عليهم، وذهبَ الناسُ يبشرونهم، وجاء كعبٌ إلى النبيِّ - ﷺ -، فسلَّمَ عليه، فقال لهُ وهو يبرُق وجهُه من السرورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرٍ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"، قالَ: أمنْ عندِكَ يا رسولَ الله، أمْ من عندِ الله؟ قالَ: "لاَ بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ"، وأنزل الله على رسوله عليه السلام: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ (١) أي: برَحْبِها وسَعَتِها. ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: قلوبُهم من فرطِ الوحشةِ والغمِّ. قرأ حمزة: (ضَاقَتْ) بالإمالة (٢). ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا. ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ﴾ من سَخَطِهِ ﴿إِلَّا إِلَيْهِ﴾ إلا إلى الاستغفارِه. ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ليدوموا على التوبةِ. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ﴾ لمن تاب ﴿الرَّحِيمُ﴾ متفضلٌ عليهم بالنعم. * * * (١) روى قصة كعب بن مالك وصاحبيه: البخاري (٤١٥٦)، كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن مالك، ومسلم (٢٧٦٩)، كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه. (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥١).

التوبة 9:119

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾. [١١٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فيما لا يرضاهُ ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ الذين صَدَقوا في إيمانهم، وصدقوا اللهَ نيةً وقولًا وعملًا، قال كعبٌ: "فو اللهِ! ما أنعمَ اللهُ عليَّ نعمةً قَطُّ بعدَ إذ هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي لرسولِ الله - ﷺ - ألَّا أكون كذبت فأهلك كما هلك الذين كذبوا؛ فإنَّ اللهَ قالَ للذين كذَبوا حينَ أنزلَ الوحيَ شَرَّ ما قالَ لأحدٍ، فقال تبارك وتعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾. * * * ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠)﴾. [١٢٠] ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ نهيٌ عُبِّرَ عنه بصيغةِ النفيِ للتأكيدِ. ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - ﷺ - إذا غَزا ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: لا يصونوا أنفسَهم عَمَّا يصيبُ نفسَه.

التوبة 9:121

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ﴾ في سفرِهِم ﴿ظَمَأٌ﴾ عطشٌ. ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ تعبٌ ﴿وَلَا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعةٌ. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا﴾ يدوسونَ موضِعًا. ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾ يُغْضِبُهم. قرأ أبو جعفرٍ: (يَطُونَ) بإسكان الواو (مَوْطِيًا) بنصب الياء بغير همز فيهما وشبهِه حيثُ وقع (١). ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾ أَسْرًا وقتلًا وهزيمةً. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ إلا استوجبوا به الثوابَ. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانِهم. * * * ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)﴾. [١٢١] ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً﴾ تمرة ونحوها ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ كنفقةِ عثمانَ في جيشِ العسرةِ. ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾ في مسيرِهم في الغزوِ في الذهابِ والمجيءِ. ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ بذلكَ. ﴿أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لام قسم تأكيد، تقديُره: واللهِ لَيَجْزِيَنَّهُمُ اللهُ، (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٢).

التوبة 9:122

فحذفتِ النونُ استخفافًا، وكسرت اللامُ وكانت مفتوحة، فأشبهت في اللفظ لامَ (كي) فنصبوا ما (١) كلامِ (كي). * * * ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾. [١٢٢] ولما أنزل الله عز وجل عيوبَ المنافقين في غزوةِ تبوكَ، كان النبيُّ - ﷺ - يبعثُ السرايا، فكان المسلمون ينفرون إلى الغزِو ويتركون النبي - ﷺ - وحدَه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢) نفيٌ بمعنى النهيِ. ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ أي: فحينَ لم يكنْ نفيرٌ للكافةِ، فهلَّا نفرَ من كلِّ فرقةٍ بعضُها، ويبقى مع النبيِّ جماعة. ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: الباقونَ مع رسولِ الله - ﷺ -. ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ النافرينَ ويعلِّموهم القرآنَ. ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وفيه دليلٌ على أن التفقُّهَ والتذكيرَ من فروضِ الكفايةِ. ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولا يعملون بخلافِه. قال - ﷺ -: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" (٣). (١) في "ت": "به". (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (١٥٠). (٣) رواه البخاري (٧١)، كتاب: العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، =

التوبة 9:123

وقال - ﷺ -: "فَضلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ" (١) وقالَ - ﷺ -: "فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ" (٢). * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)﴾. [١٢٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ وهو عامٌّ في قتالِ الأقربِ فالأقربِ. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ شِدَّةً عليهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ بالنصرِ. * * * ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾. [١٢٤] ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ﴾ أي: المنافقينَ ﴿مَنْ يَقُولُ﴾ بعضُهم لبعضٍ ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ يقينًا وتصديقًا. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ بزيادةِ العلمِ الحاصلِ. = ومسلم (١٠٣٧)، كتاب: الزكاة، باب: النهي عن المسألة، عن معاوية -رضي الله عنه-. (١) رواه الترمذي (٢٦٨٥)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-، وقال: غريب. (٢) رواه الترمذي (٢٦٨٥)، كتاب: العلم، باب: ما جاء في فضل الفقه على العبادة، وقال: غريب، وابن ماجه (٢٢٢) في المقدمة، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

التوبة 9:125

﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون؛ لأنه سببٌ لزيادةِ كمالِهم. * * * ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾. [١٢٥] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شكٌّ ونفاقٌ. ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ كُفْرًا إلى كفرِهم، فعندَ نزوِل كلِّ سورةٍ ينكرونها، فيزدادُ كفرُهم. ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ واستحكمَ ذلكَ فيهم حتى ماتوا عليه. * * * ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٢٦)﴾. [١٢٦] ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ قرأ حمزةُ، ويعقوبُ: (تَرَوْنَ) بالتاء والخطاب للمؤمنين، والباقون: بالغيب على خبر المنافقين (١). ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يُبْتَلَون ﴿فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ بالمرضِ وغيرِه. ﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من نفاقِهم ﴿وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ يَتَّعِظون. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٤٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٣).

التوبة 9:127

﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٢٧)﴾. [١٢٧] ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها عيبُ المنافقين ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ عندَ تعريضِ النبيِّ - ﷺ - بنفاقهم يريدونَ الهربَ يقولونَ: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ من المؤمنين إنْ قمتُم من المسجد. ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ عن مكانِهم خارجين ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الهدى، وهو يحتملُ الإخبارَ والدعاءَ، ذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ بسببِ أنهم ﴿قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لسوءِ فهمِهم، والفقهُ لغةً: الفهمُ، وهو إدراكُ معنى الكلامِ، وشرعًا: معرفةُ الأحكامِ الشرعيةِ المتعلقةِ بأفعالِ العبادِ. قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "لا تقولوا إذا صليتُم: انصرفْنا من الصلاةِ، فإنَّ قومًا انصرفوا، فصرفَ اللهُ قلوبهم، ولكنْ قولوا: قد قَضَينا الصلاةَ" (١). * * * ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾. [١٢٨] عن أُبيٍّ -رضي الله عنه- أن آخرَ ما نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم عربيٌّ مثلُكم نسبًا وصهرًا وحسبًا، ليس في آبائِه من لَدُنْ آدمَ سِفاحٌ، كلُّهم نكاحٌ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، (١) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف"، والطبري في "تفسيره" (١١/ ٧٥).

التوبة 9:129

والكسائيُّ، وخلفٌ وهشام: (لَقَد جاءَكُمْ) بإدغامِ الدالِ في الجيم، والباقونَ: بالإظهار (١)، وتقدَّم في سورة البقرة. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ شديدٌ عليه عَنَتكم؛ أي: مَشَقَّتكُم. ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ حتى لا يخرجَ أحدٌ منكم عن اتباعِه. ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ومعنى رؤوف: مبالغٌ في الشفقةِ (٢)، وتقدم اختلافُ القراءِ في رؤوف عندَ قوله: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. * * * ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾. [١٢٩] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرَضوا عن الإيمانِ. ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ كافيَّ وناصرِي. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ واعتمدْتُ، فلا أرجو غَيرَه. ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وخُصَّ العرشُ بالذكرِ إذْ هو أعظمُ المخلوقاتِ، فيدخلُ فيه ما دونَهُ إذا ذكره، وهاتان الآيتان لم توجدا حينَ جمعِ المصاحفِ إلا في حفظِ خزيمةَ بن ثابتٍ، فلمَّا جاءَ بهما، تَذَكَّرَهما كثيرٌ من الصحابةِ، وقد كانَ زيدٌ يعرفُهما، ولذلكَ قالَ: "فقدتُ آيتينِ من (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٢٦)، وتقدم في البقرة الآية (٩٢). (٢) عند تفسير الآية (١١٧) من هذه السورة. آخرِ سورة التوبةِ" (١)، ولو لم يعرفْهما، لم يدرِ هل فقدَ شيئًا أم لا، فإنما أُثبتتِ الآيتانِ بالإجماعِ لا بخزيمةَ وحدَه. ورويَ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - عاشَ بعدَ نزولها خمسةً وثلاثين يومًا، والله أعلمُ. * * * (١) انظر القصة في: "صحيح البخاري" (٤٤٠٢)، كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.

يونس 10:1

سُوْرَةُ يُونسَ مكيةٌ إلا ثلاثَ آياتٍ من قولهِ ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾، وآيُها مئةٌ وتسعُ آياتٍ، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وخمسُ مئةٍ وسبعة وستونَ حرفًا، وكلمُها ألفٌ وثمانُ مئةٍ واثنتانِ وثلاثونَ كلمةً. بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾. [١] ﴿الر﴾ قالَ ابنُ عباسٍ والضحَّاكُ: معناهُ: أنا اللهُ أَرى (١)، وتقدَّم الكلامُ في حروفِ الهجاءِ أولَ سورةِ البقرةِ. قرأ أبو جعفرٍ بتقطيعِ الحروفِ على أصلِه، وأمالَ الراءَ هنا وفي سورةِ هودٍ ويوسفَ والرعدِ وإبراهيمَ والحِجْرِ، أبو عمرٍو، وابن عامر، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورواها الأزرقُ عن ورشٍ بينَ اللفظينِ، والباقون: بالفتح (٢). ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الكتبِ المتقدمة؛ أي إنها في القرآنِ معنى {آيَاتُ (١) رواه الطبري في "تفسيره" (١١/ ٧٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٢)، و "التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٤٩)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٤١ - ٢٤٢، ٢/ ٦٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٧).

يونس 10:2

الْكِتَابِ} القرآنِ ﴿الْحَكِيمِ﴾ المحكمِ بالحلالِ والحرامِ والحدودِ والأحكامِ. * * * ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (٢)﴾. [٢] لما بعثَ الله محمدًا - ﷺ -، أنكر المشركون نبوتَهُ، وتعجَّبوا من ذلك، وقالوا: اللهُ أعظمُ من أن يكونَ رسولهُ بشرًا، فنزل: ﴿أَكَانَ﴾ (١) استفهامٌ إنكاريٌّ ﴿لِلنَّاسِ عَجَبًا﴾ العَجَبُ: حالةٌ تعتري الإنسانَ من رؤيةِ شيء على خلافِ العادة، و (عجبًا) خبرُ كانَ، واسمها: ﴿أَنْ أَوْحَيْنَا﴾ المعنى: أَعَجِبَ أهلُ مكةَ من إيحائِنا؟ ﴿إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -. ﴿أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ أَعْلِمْهم مع التخويفِ. ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ عملٌ صالحٌ قدَّموه. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وأُضيفَ القدمُ إلى كذا في الأصل، والصواب: عملًا صالحًا الصدقِ وهو نعتُه؛ كقولهم: مسجدُ الجامعِ، و (حب الَحصِيدِ)، قالَ أبو عبيدةَ: كل سابقٍ من خيرٍ أو شَرٍّ فهو عندَ العربِ (قَدَمٌ) يقال: لفلانٍ قدمٌ في الإسلامِ (٢). ﴿قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٠). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٠).

يونس 10:3

والكسائيُّ، وخلفٌ: (لَسَاحِرٌ) بألفٍ بعد السين، وكسرِ الحاء، والمراد: النبيُّ - ﷺ -، وقرأ الباقون: بكسر السين وإسكانِ الحاء من غيرِ ألف، والمراد: القرآن (١). * * * ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾. [٣] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ التي هي أصولُ الممكنات. ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيفٍ، تقدَّمَ الكلامُ فيه في سورةِ الأعرافِ. ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضي أمرَ الخلائق برزقِهم في الدنيا، وحسابِهم في الأخرى. ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ﴾ يشفعُ لأحدٍ. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ ردَّ على من زعمَ أن الآلهةَ تشفعُ لهم عندَ اللهِ، وإثباتُ الشفاعةِ لمن أذنَ له. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الموصوفُ بتلك الصفاتِ ﴿رَبُّكُمْ﴾ لا شريكَ له. ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وَحِّدُوه. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٨).

يونس 10:4

﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعِظون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذَكَّرُونَ) بتخفيف الذال حيثُ وقعَ، والباقون بالتشديدِ (١). * * * ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى غيره ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ صدقًا، لا خلفَ فيه، نُصِبَ على المصدر؛ أي: وَعْدًا حقًّا. ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يخلقُه ابتداءً. ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ مَيْتًا ثم حَيًّا للجزاء. قرأ أبو جعفرٍ: (أَنَّه) بالفتح على معنى لأنه، والباقون: بكسر الألفِ على الاستئناف (٢). ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ماءٍ حارٍّ قد بلغَ نهايةَ الحرِّ. ﴿وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفرِهم. * * * (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٠)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٨). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢).

يونس 10:5

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً﴾ بالنهارِ، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ (ضِيئَاءً) بهمزتين بينَهما ألفٌ، والباقون بياء مفتوحة بعدَ الضاد (١). ﴿وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ بالليل؛ أي: خلق الشمسَ ذاتَ ضياءٍ، والقمرَ ذا نورٍ، والضياءُ أقوى من النورِ. ﴿وَقَدَّرَهُ﴾ أي: القمرَ، قدَّرَ سيرَه. ﴿مَنَازِلَ﴾ لأن بالقمرِ يُعرف انقضاءُ الشهورِ والسنين، لا بالشمس، ومنازلُ القمرِ ثمانيةٌ وعشرونَ منزلًا، وأسماؤها: الشُّرُطَيْن، والبُطَين، والثُّرَيَّا، والدَّبَران، والهَقْعَة، والهَنْعَة، والذِّراع، والنَّثْرَة، والطَّرْف، والجَبْهَة، والزَّبْرَة، والصَّرْفة، والعَوَّاء، والسَّماك، والغَفْر، والزَّبانى، والإكليل، والقلب، والشَّولة، والنَّعائم، والبَلْدَة، وسعدُ الذّابح، وسعدُ بَلَع، وسعدُ السعود، وسعدُ الأخبية، وفرعُ الدلو المقدَّم، وفرع الدلو المؤخَّر، وبطنُ الحوتِ ويسمَّى الرشاء، وهذه المنازلُ مقسومةٌ على البروجِ، وهي اثنا عشرَ برجًا: الحملُ، والثورُ، والجوزاءُ، والسرطانُ، والأسدُ، والسنبلةُ، والميزانُ، والعقربُ، والقوسُ، والجديُ، والدلوُ، (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٥٩).

يونس 10:6

ويسمى: الدالي، والحوتُ فكلُّ برجٍ منزلانِ وثلثٌ، ينزلُ القمرُ كلَّ ليلةٍ منزِلًا منها، ويستترُ ليلتين إنْ كانَ الشهرُ ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين، فليلةً واحدةً، فيكونُ انقضاءُ السنةِ مع انقضائِها. ﴿لِتَعْلَمُوا﴾ بذلك ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ حسابَ الأشهرِ والأيامِ. ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾ المذكورَ. ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحكمةِ البالغةِ، ولم يخلقْه عبثًا. ﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ فإنهم المنتفعون بالتأمل فيها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ (يُفَصِّلُ) بالياء؛ لقولهِ (ما خَلَقَ الله)، وقرأ الباقون: بالنون على التعظيم (١). * * * ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من أنواع الكائنات ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ لأن المتقيَن هم المنتفعونَ بالتفكُّر في خلقِ الله تعالى. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٠).

يونس 10:7

﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧)﴾. [٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يتوقعونه لإنكارهم البعثَ. ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فاختاروها. ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ سكنوا إليها سكونَ مَنْ لا يُزعَجُ. ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا﴾ أدِلَّتِنا ﴿غَافِلُونَ﴾ لا يتفكرون فيها. * * * ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الكفرِ والتكذيبِ. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩)﴾. [٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ أي: يسدِّدُهم بسبب إيمانِهم إلى سلوكِ سبيلٍ يؤدِّي إلى الجنة. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ أي: بينَ أيديهم ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. * * * ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا﴾ أي: دعاؤهم؛ لأن (اللَّهُمَّ) دعاءٌ. ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ عمَّا لا يليق بعظمتِك وجلالِك.

يونس 10:11

﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ أي: يُحَيِّي بعضهم بعضًا بالسلام. ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ بعدَ التسبيحِ. ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يريدُ: يفتحون كلامهم بالتسبيح، ويختمونه بالتحميد. * * * ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١)﴾. [١١] ولما استعجلَ المشركون العذابَ، نزل: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ﴾ أي: تعجيلًا مثلَ استعجالِهم. ﴿بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (لَقَضَى) بفتح القاف والضاد وقلب الياء ألفًا (أَجَلَهُمْ) نصب، المعنى: لأماتهم الله، وقرأ الباقون: بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء (أَجَلُهُمْ) بالرفع مجهولًا (١)؛ أي: وعجَّلنا لهم ما دَعَوا به من الشر كما نعجِّلُ لهم ما طلبوا من الخير، لهلكوا، تلخيصُه: لا يفعلُ إلا ما يريد. ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ لا يخافون البعث. ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ إمهالًا لهم واستِدْراجًا. * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٣ - ٣٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و "تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦١).

يونس 10:12

﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ﴾ الشدَّةُ ﴿دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ أي: على جنبِه. ﴿أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ المعنى: دعانا في جميعِ حالاتِه، لأن الإنسانَ لا بدَّ لهُ من اضطجاعٍ أو قيامٍ أو قعودٍ. ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا﴾ دفعْنا ﴿عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ﴾ مَضَى ونسيَ ما كانَ فيه من البلاءِ. ﴿كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ واستمرَّ على طريقتِه الأولى قبلَ أن يمسَّه الضرُّ. ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الدعاءِ عندَ البلاء، وتركِ الشكرِ عندَ الرخاء. * * * ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يا أهلَ مكةَ. ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالتكذيبِ. ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالشواهدِ الدالَّةِ على صدقِهم. قرأ أبو عمرٍو: (رُسْلُهُمْ) بإسكان السين، وكذلك (رُسْلُنا) حيثُ وقعَ، والباقون: بضم السين (١). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٠)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =

يونس 10:14

﴿وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ عطفٌ على (ظَلَمُوا) ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أهلكناهم بكفرهم ﴿نَجْزِي﴾ نُهْلِكُ ﴿الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ الكافرينَ بتكذيبِهم محمدًا - ﷺ -. * * * ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ﴾ أي: خلفًا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ خطابٌ للذين بُعث إليهم - ﷺ - ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعدِ المهلَكينَ. ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ فنعامِلَكم على مقتضى أعمالِكم. * * * ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾. [١٥] ولما كانَ القرآنُ ينزلُ بذمِّ الأصنامِ وعابديها، قالوا للنبيِّ - ﷺ -: إن كنتَ تريدُ أن نؤمنَ بكَ، فأتِ بقرآنٍ غير هذا لا تُذَمُّ فيه آلهتُنا، فنزل: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ (١) يعني: المشركين. = (ص: ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٢). (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥).

يونس 10:16

﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ بكتابٍ آخرَ ليسَ فيه ما نكرهُ من معايبِ آلهتنا. قرأ ابن كثيرٍ (بِقُرَانٍ) و (القُرَان) كيفَ أَتى بالنَّقل (١). ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ غَيِّرْهُ فاجعلَ مكانَ آيةِ رحمةٍ آيةَ عذابٍ، وبالعكس. ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمدُ: ﴿مَا يَكُونُ لِي﴾ ما ينبغي لي ولا يجوزُ. ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أي: من عندِها. ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ فيما آمُركم به، وأَنهاكُم عنه. ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بالتبديلِ ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هو يومُ القيامة. قرأ الكوفيونَ، وابنُ عامر، ويعقوبُ: (لي أَن) (نَفْسِي إِنْ) (إِنيِّ أَخَافُ) بإسكانِ الياءِ في الثلاثةِ، ووافقَهم ابنُ كثيرٍ في (نَفْسِي)، والباقونَ، وهم نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ: بالفتح، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (لِيَ) و (إِنيِّ) (٢). * * * ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يعني: لو شاءَ، ما أنزلَ القرآنَ عليَّ. (١) تقدمت هذه القراءة عند تفسير الآية (١٨٥) من سورة البقرة. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و "التيسير" للداني (ص: ١٢٣ - ١٢٤)، و"الكشف" لمكي (١/ ٥٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٢). ﴿وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ بروايةِ قنبلٍ: (ولأَدْرَاكُمْ) بالقصرِ على الإيجاب؛ أي: ولأَعْلَمَكم به على لسان غيري، ولكنَّه مَنَّ عليَّ بالرسالة، وقرأ الباقون: بإثباتِ الألفِ على أنها (لا) النافية (١)؛ أي: ولا أعلمَكم به على لساني، ولترَكَكم على كفْركم، المعنى: إن الأمرَ بمشيئةِ اللهِ لا بمشيئتي حتى أجعله على نحوِ ما تشتهونه، وقرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وورشٌ عن نافعٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (أَدْرَاكُمْ) (أَدْرَاكَ) بالإمالة حيثُ وقعَ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ. ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا﴾ ظرفٌ، أي: مقدارَ عمر، وهو أربعونَ سنةً. ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبلِ نزولِ القرآن، لا أتلوه، ولا أعلمُه. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أنه ليسَ من قِبَلي. ولبثَ النبيُّ - ﷺ - فيهم قبلَ الوحي أربعين سنةً، ثم أُوحِيَ إليه، فأقام بعدَ الوحيِ ثلاثَ عشرةَ سنةً، ثم هاجرَ فأقامَ بالمدينة عشرَ سنينَ، وتُوفِّيَ وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً، وكانتْ وفاتُه يومَ الاثنينِ، وفُرِغَ من جهازِه يومَ الثلاثاء، ودُفن في ليلةِ الأربعاءِ في شهرِ ربيعٍ الأولِ سنةَ إحدى عشرةَ من الهجرةِ الشريفةِ، وكان مرضُه ثلاثَ عشرةَ ليلةً - ﷺ -. * * * (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٥)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٤). والذي عند البغوي: "ولأدراكم" برواية البزي عن ابن كثير.

يونس 10:17

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعمَ أنَّ له شريكًا أَو ولدًا. ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ بنبوةِ محمدٍ - ﷺ -. ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لا يَنْجو المشركون. * * * ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ﴾ إنْ عَصَوه. ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عَبَدوه؛ يعني: الأصنامَ؛ فإنها جمادٌ لا تقدرُ على نفعٍ ولا ضرٍّ. ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ﴾ الأوثانُ ﴿شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ تشفعُ لنا فيما يهمُّنا من أمورِ الدنيا والآخرةِ إن يكنْ بعثٌ. ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ أتخبرونه ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ أي: أتخبرونَ الله أنَّ له شريكًا أو عندَهُ شفيعًا بغيرِ إذنِه، وفيه تقريعٌ وتَهَكُّم بهم، واللهُ لا يعلمُ لنفسِه شريكًا ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ثم نَزَّهَ نفسَه وقَدَّسَها عن الشركِ فقال:

يونس 10:19

﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُشْرِكُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (١). * * * ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دينِ الإسلامِ. ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ تفرَّقوا أديانًا مختلفةً. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أنه لا يقضي بينَهم دونَ القيامةِ. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ عاجِلًا ﴿فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاكِ المبطِلِ وإبقاء المحِقِّ. * * * ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: أهلَ مكةَ ﴿لَوْلَا﴾ هلَّا. ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ من الآيات التي نقترحُها. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ﴾ هو المحيطُ بعلمِه. ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ نزولهَا ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لِما يفعلُ اللهُ بِكُمْ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٥).

يونس 10:21

﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ كفارَ مكةَ ﴿رَحْمَةً﴾ راحةً. ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ﴾ شدَّةٍ. ﴿مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ بالطعنِ عليها، والاحتيالِ في دفعها. قرأ أبو عمرٍو: (مِنْ بَعْد ضَّرَّاءَ) بإدغام الدالِ في الضادِ (١). ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ أي: مجازاةً ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ الحفظةَ. ﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ قرأ روحٌ عن يعقوبَ: (يَمْكُرُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (٢). * * * ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ﴾ يحمِلُكم ﴿فِي الْبَرِّ﴾ على الظهورِ ﴿وَالْبَحْرِ﴾ على السفنِ. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (يَنْشُرُكُمْ) بفتح الياء ونون ساكنة (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٦). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٧)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٦).

يونس 10:23

بعدَها وشين معجمة مضمومة، من النَّشْرِ، وكذلك هي في مصاحفِ أهلِ الشامِ وغيرِها، وقرأ الباقون: بضمِّ الياء وسين مهملة مفتوحة بعدها ياءٌ مكسورة مشدَّدة من التسيير، وكذلك هي في مصاحفهم (١). ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفنِ، الواحدُ والجمعُ سواءٌ ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ أي: السفنُ بالناس ﴿بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ لينةِ الهبوبِ ﴿وَفَرِحُوا بِهَا﴾ بتلكَ الريحِ. ﴿جَاءَتْهَا﴾ أي: السفنَ ﴿رِيحٌ عَاصِفٌ﴾ شديدةُ الهبوبِ. ﴿وَجَاءَهُمُ﴾ يعني: ركبانَ السفينةِ ﴿الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ وهو حركةُ الماءِ واختلاطُه. ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ أُهْلِكوا، جعلَ إحاطةَ العدوِّ بالحيِّ مثلًا في الهلاكِ. ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ دونَ أوثانهم يقولون: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ﴾ الشدَّةِ ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ لكَ بالإيمان. * * * ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ﴾ إجابةً لدعائِهم ﴿إِذَا هُمْ يَبْغُونَ﴾ يُفْسِدون. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦ - ٦٧).

يونس 10:24

﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مبطِلين فيه. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: وَبالُه راجعٌ عليكم، ثم ابتدأ فقال: ﴿مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قراءة العامة: (مَتَاعُ) بالرفع خبرُ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: هذا متاعٌ، المعنى: إنما بغيُكم على أمثالِكم، منفعةُ الحياةِ الدنيا لا بقاءَ لها، وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ (مَتَاعَ) بالنصب (١)؛ أي: تتمتعون متاعَ الحياةِ الدنيا في فنائِها وزوالِها. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالجزاءِ عليه. * * * ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في زوالِها. ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ أي: التفَّ واشتبكَ بسببه حتَّى خالطَ بعضُه بعضًا؛ أي: نبتَ بالماءِ من كلِّ لون. ﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ من الحبوبِ والثمارِ ﴿وَالْأَنْعَامُ﴾ من الحشيشِ. ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ زِينَتَها بالنباتِ ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ بالزهرِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٧).

يونس 10:25

﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا﴾ متمكِّنونَ من منفعتِها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ قضاؤنا ﴿لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾ شَبيهًا بما يُحْصَدُ من الزرعِ. ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ أي: كأنْ لم تعمرْ بالزمانِ الماضي، والمغاني: المنازلُ. ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فإنهم هم المنتفعون بها. * * * ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ الجنةِ لسلامتِهم فيها. ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ هو الإسلامُ، وتقدَّم اختلافُ القراء في حكم الهمزتين من كلمتين في قوله: (يَشَاءُ إِلىَ صراطٍ مستقيمٍ) في سورة البقرة [الآية: ١١٥]. * * * ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العملَ في الدنيا ﴿الْحُسْنَى﴾ الجنةُ. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾ النظرُ إلى وجهِ الله الكريمِ. ﴿وَلَا يَرْهَقُ﴾ يغشى ﴿وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ﴾ غبارٌ، جمعُ قَتَرَةٍ ﴿وَلَا ذِلَّةٌ﴾ هوانٌ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمونَ. * * *

يونس 10:27

﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾ [يونس: ٢٧]. [٢٧] ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ﴾ مبتدأ، خبرُه: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ أي: لهم مثلُها. ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع. ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ﴾ أُلْبِسَتْ. ﴿وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ حالٌ، العاملُ فيها (أُغشيت). قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (قِطْعًا) بإسكان الطاء؛ أي: جزءًا واحدًا، والباقون: بالفتح، جمع قِطْعة (١) ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: الفريقين ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ﴾ أي: اثبتوا مكانَكم ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ أي: آلهَتكم، لا تبرحوا حتى نرى ما يُفعل بكم. ﴿فَزَيَّلْنَا﴾ فَرَّقنا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بعدَ اجتماعِهم في الموقفِ، وقطعنا ما كانَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٠ - ٧١).

يونس 10:29

بينهم من التواصُلِ في الدنيا، وذلك حينَ تبرَّأَ كلُّ معبودٍ من دون الله ممن عبدَه. ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ يعني: الأصنامَ. ﴿مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾ بطِلبتنا، فيقولون: بلى، كنا نعبدُكم، فتقولُ الأصنامُ: ... ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ﴾ إيانا. ﴿لَغَافِلِينَ﴾ ما كنا نسمعُ ولا نبصرُ ولا نعقلُ. ... ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ﴾ في ذلكَ اليومِ ﴿تَبْلُو﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (تَتْلُو) بتاءين، من التلاوة؛ أي: تقرأُ كلُّ نفسٍ صَحيفتَها، وقرأ الباقون: بالتاء والباء (١)، من البلوى؛ أي: تختبرُ، ومعناه: ظهورُ أثرِ العملِ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٦١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٢).

يونس 10:31

﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ قَدَّمَتْ من العمل. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى حكمِه، فينفرد فيهم بالحكم. ﴿مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ ربِّهم حقيقةً، والمتولِّي جزاءَهم. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ضاعَ عنهم ما كانوا يدَّعون أنهم شركاءُ لله. ... ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بالمطرِ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ بالنباتِ. ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ من يستطيعُ خَلْقَها. ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ الإنسانَ من النطفةِ، والمؤمنَ من الكافرِ. ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عكسُه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (الْمَيِّتَ) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (١). ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقدِّرُه ويقضيه. ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ هو الذي يفعلُ هذهِ الأشياءَ إذ لا يقدرون على العنادِ في ذلك. ﴿فَقُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ عقابَه فتسلمونَ. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٣).

يونس 10:32

﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿فَذَلِكُمُ﴾ أي: الفعَّالُ لهذهِ الأشياءِ. ﴿اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ الذي لا ريبَ في صحَّته. ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ لا واسطةَ بينَهما. ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ عن الحقِّ إلى الباطلِ. ... ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الحقِّ حَقَّتْ. ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: ثَبَتَتْ ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ تمرَّدوا في كفرِهم. ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: حقَّ عليهم انتفاءُ الإيمان. قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كَلِمَاتُ) بالألف على الجمع، والباقون: بغير ألفٍ على التوحيد (١). ... ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ أي: معبودِيكم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٢٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٣ - ٧٥).

يونس 10:35

﴿مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ يُنْشِئُهُ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ من بعدِ الموتِ، فإن أجابوك، وإلا ﴿قُلْ﴾ أنت: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ تُصْرَفون عن الهدى. ... ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي﴾ يرشدُ ﴿إِلَى الْحَقِّ﴾، فماذا قالوا: لا، ولا بدَّ لهم من ذلك. ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ يقالُ: هديتُه للحقِّ وإلى الحقِّ، واستُعمل هنا اللغتان. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أي: يهتدي. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وأبو جعفرٍ كذلك، إلا أنه بإسكانِ الهاء، من اهتدى يهتدي، أدغموا التاء في الدال بعدَ نقلِ حركتِها مفتوحة إلى الهاء. وقرأ أبو عمرٍو، وقالونُ عن نافعٍ: باختلاسِ فتحة الهاء تخفيفًا، والتعليلُ فيه كالذي قبله، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال، من هدى يهدي غيرَه، وقرأ يعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، مبالغة؛ لأنه أدغم التاء في الدال، ولم يُلْقِ حركتَها على الهاء، فاجتمع ساكنان، فكسرت الهاء لالتقاء الساكنين، وروى أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بكسر الياء إتباعًا للهاء مع التشديد، والتعليلُ فيه كالذي قبله، ومعنى القراءات كلِّها واحدٌ.

يونس 10:36

﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ المعنى: اللهُ الذي يهدي إلى الحقِّ أحقُّ بالاتباع، أم الصنم الذي لا يهتدي بنفسِه إلى مكانٍ ينتقل إليه (إِلَّا أَنْ يُهْدَى)؛ أي: يُنقل؟! ﴿فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بما يقتضي صريحُ العقلِ بطلانَه. ... ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾ فيما يعتقدون ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: تقليدَ آبائهم، والمرادُ بالأكثر: جميعُ من يقولُ ذلك. ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ أي: لا يعملُ عملَه، المعنى: لا يقوم الظنُّ مقامَ التحقيق ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ وعيدٌ على اتّبَاعِهم للظنِّ. ... ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: وما كانَ هذا القرآنُ افتراءً من الخلق. ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: قبلَه من الكتبِ المتقدمةِ. ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أي: تبيينَ أحكامِهِ. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لا شكَّ في نزولِه من قِبَلِ اللهِ تعالى. ***

يونس 10:38

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: بل أيقولونَ اختلقَ محمد - ﷺ - القرآنَ، ومعنى الهمزةِ فيه الإنكارُ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ شبهِ القرآنِ في الفصاحةِ والإعجازِ على وجه الافتراء؛ لأنكم عربٌ مثلي ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ من (١) تعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ليعينوكم على ذلكَ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنَّ محمدًا اختلقَهُ. ... ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾. [٣٩] ثم بَيَّنَ عجزَهم بقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي: سارعوا إلى تكذيبِ القرآنِ قبلَ أن يتدبَّروه ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: ولم يأتهم حقيقةُ عاقبةِ التكذيبِ من نزولِ العذابِ بهم. ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفارِ الأممِ الخاليةِ. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أي: آخرُ أمرِهم بالهلاكُ. وفي معنى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ من الأمثالِ الدائرةِ على ألسنِ الناس: مَنْ جَهِلَ شيئًا عاداهُ. (١) في "ت": "ممن".

يونس 10:40

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: المكذِّبين ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ سيؤمنُ بالقرآن. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أبدًا. ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ أي: من يصرُّ على الكفرِ، وهو تهديدٌ له. ... ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ يا محمدُ ﴿فَقُلْ﴾ تحذيرًا: ﴿لِي عَمَلِي﴾ أي: ثوابُ عملي في التبليغِ والإنذارِ والطاعةِ لله تعالى. ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ أي: جزاؤه من الشِّرْكِ. ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يؤاخَذُ أحدٌ بذنب أحد، فمن حملَها على ظاهرِها، نسخَها بآيةِ السيفِ، ومن تأوَّلها بالجزاء، فثابتة؛ لأن الجزاءَ ثَمَّ يكونُ. ... ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بظواهرِهم، وقلوبُهم لا تعي شيئًا مما تقولُه وتتلُوهُ من القرآن، ولهذا قالَ: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ يريدُ: سمعَ القلبِ. ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾ ظاهُره الاستفهامُ، ومعناه النفيُ.

يونس 10:43

﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ تعجُّبًا منكَ بأبصارِهم دونَ بصائرِهم، قيل: نزلت في المستهزئين. ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ أي: عَمَى القلب ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ قرنَ عدمَ العقلِ بعدمِ السمعِ، وبعدمِ البصرِ عدمَ الإدراكِ تفضيلًا لحكمِ الباطنِ على الظاهرِ. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ لأنه في جميعِ أفعاله متفضلٌ وعادلٌ. ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بمخالفةِ أمرِ خالقِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَلَكِنِ) مخفَّفًا (الناسُ) رفعًا، والباقون: بالتشديدِ والنصبِ (١). ... ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ وعيدٌ بالحشرِ وخزيِهم. قرأ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"النشر في القراءات العشر"لابن الجزري (٢/ ٢١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٦ - ٧٧).

يونس 10:46

حفصٌ عن عاصمٍ: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ يستقصرونَ مدةَ لبثِهم في قبورِهم. ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: يعرفُ بعضهُم بعضًا عندَ خروجِهم من القبورِ. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ أي: بالعرضِ على اللهِ. ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ في علمِ اللهِ. ... ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذابِ. ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ تعذيبِهم ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الآخرةِ. ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ فيجزيهم به، و (ثم) بمعنى الواو، والمعنى: إن لم ترَ في أعدائك ما يسرُّكَ هنا، فستراه ثَمَّ. ... ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ منَ الأممِ الماضيةِ ﴿رَّسُولٌ﴾ يُبعثُ إليهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٧).

يونس 10:48

﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ﴾ فكذَّبوه ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُعذبون بغيرِ حُجَّةٍ تلزمُهم. ... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني: المشركينَ استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بقيامِ الساعةِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ خطابٌ منهم للنبيِّ - ﷺ - والمؤمنينَ. ... ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي﴾ لا أقدرُ لها على شيءٍ. ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفعَ ضرٍّ، ولا جلبَ نفعٍ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أنْ أملكَهُ. ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ مدةٌ معلومةٌ ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ وقتُ فناءِ أعمارِهم. ﴿فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فلا تستعجلوا، فَسَيحينُ وقتكم، واختلافُ القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما من ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ في سورة [النساء: ٥]. ***

يونس 10:50

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا﴾ ليلًا ﴿أَوْ نَهَارًا﴾ حينَ اشتغالِكم بطلبِ معاشِكم. ﴿مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ استفهامٌ معناهُ التهويلُ (١)؛ أي: ما أعظمَ ما تستعجلونَ بهِ! وستندمون على الاستعجالِ وتعرفونَ خطأَهُ. ... ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ يعني: إن أتاكُم عذابُه ﴿آمَنْتُمْ بِهِ﴾ أي: باللهِ حينَ لا ينفعُكم الإيمانُ ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون؟ استفهامُ توبيخٍ. ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ استهزاءً. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (آلاَنَ) بفتحِ اللامِ من غيرِ همزٍ، والباقونَ: بإسكانِ اللامِ وهمزةٍ بعدَها، وأجمعوا على مدِّ (آلان) لأنها همزةُ استفهامٍ دخلت على همزةِ الوصلِ لتفرِّقَ بينَ الاستفهامِ والخبرِ، وأجمعوا على عدمِ تحقيقِها لكونها همزةَ وصلٍ، وهمزةُ الوصلِ لا تثبتُ إلا ابتداءً، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثيرٌ منهم: تبُدل ألفًا خالصةً، وقال آخرون: تسُهَّلَ بينَ بينَ، وكذا الحكمُ في (آلاَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ) وفي: (قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ) (٢). (١) "التهويل" ساقطة من "ن". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" =

يونس 10:52

﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بالشركِ توبيخًا لهم: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ المؤلمَ على الدَّوام ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ في الدنيا. ... ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ يَستخبرونَكَ. ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ العذابُ أو البعثُ، استفهام استهزاءٍ. ﴿قُلْ إِي﴾ أي: نعم ﴿وَرَبِّي﴾ توكيدٌ للقسم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (وَرَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ لا شكَّ فيه ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتينَ من العذابِ. ... ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ أشركَتْ. = للدمياطي (ص: ٢٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٧٨). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٠).

يونس 10:55

﴿مَا فِي الْأَرْضِ﴾ جميعًا. ﴿لَافْتَدَتْ بِهِ﴾ بَذَلَتْهُ في مقابلةِ نَجاتها. ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ أَخْفَوها عن أتباعِهم خوفًا من ملامَتِهم، وقيل: معناه: أظهروها؛ لأنه ليسَ بيومِ تصبُّرٍ. ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ وهذا: قبلَ الإحراقِ بالنار، فإذا وقعوا فيها، ألهتهم عن التَّصَنُعِ. ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الرؤساءِ والسِّفْلَةِ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ ليسَ تكريرًا؛ لأن الأولَ قضاء بينَ الأنبياءِ ومكذِّبيهم، والثاني مجازاةُ المشركينَ على الشركِ. ... ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ فلا مانعَ يمنعُه من إنفاذِ ما وعدَهُ ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلكَ. ... ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٥٦)﴾ قرأ يعقوبُ: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون؛ بضمِّ التاءِ وفتحِ الجيم (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٠).

يونس 10:57

﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ كتابٌ فيهِ بيانُ ما يجبُ لكم وعليكم. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ دواءٌ ﴿لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ من العقائدِ الفاسدةِ ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالةِ ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ خَصَّهم؛ لأنهم المنتفعونَ بالإيمان. ... ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ﴾ القرآنِ ﴿وَبِرَحْمَتِهِ﴾ الإسلامِ ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (فَلْتَفْرَحُوا) بالخطابِ للمؤمنين، والباقون: بالغيب؛ أي: ليفرحِ المؤمنون (١). ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من حُطامِ الدنيا. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر، ورويسٌ عن يعقوبَ: (تَجْمَعُونَ) بالخطاب على معنى: فلتفرحوا أيها المؤمنون، فهو خيرٌ مما تجمعون أيها المخاطَبون، وقرأ الباقون: بالغيب (٢)؛ أي: خير مما يجمعُه الكفار، وقيل: الخطابُ في (تجمعونَ) للكافرين. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨١ - ٨٢).

يونس 10:59

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لكفارِ مكَّةَ: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي: خلقَ من زروعٍ وضروعٍ. ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾ هو ما حَرَّموا من الأنعامِ؛ كالبَحيرَةِ، والسائبةِ، والوصيلةِ، والحامِ. ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في هذا التحريمِ والتحليلِ؟ وتقدَّمَ قريبًا الكلامُ في همزةِ الاستفهامِ في قوله تعالى: (آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ). ﴿أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ تتكذبون بنسبةِ ذلكَ إليه. ... ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: وأيُّ شيءٍ ظَنُّهم يُصْنَعُ بهم يومَ القيامةِ؟ أيحسبون أَلَّا يجاوَزوا عليهِ؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ بإمهالِهم وقبولِ توبتِهم. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ أَنْعُمَهُ عليهم. ... ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.

يونس 10:61

[٦١] ﴿وَمَا تَكُونُ﴾ يا محمدُ ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أمرٍ، وأصلُه الهمزُ بمعنى القَصْدِ، شَأَنْتُ شَأْنَهُ: قَصَدْتُهُ. ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ﴾ من اللهِ ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ نزلَ، ثم خاطبَه وأُمَّتَهُ فقال: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ وأُضمِرَ - ﷺ - قبلَ الذكر تفضيلًا له، ثم جُمع معَ أمته تفضيلًا لهم. ﴿إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ مُطَّلعينَ. ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أي: تخوضون في العملِ. ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائيُّ: بكسر الزايِ، والباقون: بالضمِّ (١)، ومعناهما: يغيب ﴿عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ﴾ أي: وزنِ ثقلِ ﴿ذَرَّةٍ﴾ وهي النملةُ الحميراءُ الصغيرةُ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أي: في الوجودِ، وتقديمُ الأرضِ؛ لأنَّ الكلامَ في حالِ أهلِها. ﴿وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: من الذرَّةِ ﴿وَلَا أَكْبَرَ﴾ قرأ يعقوبُ، وحمزةُ، وخلفٌ: (وَلاَ أَصْغَرُ) (وَلاَ أَكْبَرُ) برفعِ الراءِ فيهما عطفًا على موضعِ (مِنْ) ومعمولها؛ لأنَّ موضعَه رفعٌ بـ (يعزبُ)، وقرأ الباقون: بالنصبِ عطفًا على الذَّرةِ في الكسرِ، وجعلِ الفتحِ بدلَ الكسرِ لامتناعِ الصرفِ (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢ - ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٢ - ٨٣). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

يونس 10:62

﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللوحُ المحفوظ. ... ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ هم الذين والَوْهُ بالطاعةِ والعبادةِ، وتَوَلَّاهم بالكرامةِ. ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ في الآخرةِ، وإلَّا فهم أشدُّ خوفًا وحزنًا في الدنيا من غيرِهم. ورُويَ عن النبي - ﷺ - أنه سُئِلَ: مَنْ أولياءُ الله؟ فقال: "الَّذِينَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ ذَكَرْتَ اللهَ" (١). قالَ ابنُ عطيةَ رحمه الله: وهذا وصفٌ لازمٌ للمتقين؛ لأنهم يَخْشَعونَ وَيَتَخَشَّعونَ (٢). ... ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ هذهِ صفةُ أولياءِ الله تعالى. ... = (٢/ ٢٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٣). (١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١١٢٣٥)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١٠/ ١٠٨)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ١٢٨).

يونس 10:64

﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ هي الرؤيا الصالحةُ يراها الإنسانُ، أو تُرى له ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ الجنةِ والرضوانِ. ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ لا خُلْفَ لمواعدِهِ، والتبديلُ: تغييرُ الشيءِ عن حالِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ التبشير ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ... ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾. [٦٥] ثم خاطبَ نبيَّه - ﷺ - فقالَ: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ يا محمدُ. ﴿قَولُهُمْ﴾ تكذيبُهم؛ يعني: المشركين، تم الكلامُ هاهنا، ثم ابتدأ فقال: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ﴾ القدرةَ ﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ يُعِزُّ مَنْ يشاء، فهو يقهرُهم وينصرُكَ عليهم. ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالِهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأعمالِهم. ... ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الملائكة

يونس 10:67

والثَّقَلَين، يحكمُ بما (١) يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ سبحانَه. ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: ما يتبعون شركاءَ على الحقيقةِ، فإنَّ شركةَ اللهِ في الربوبيةِ مُحالٌ. ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ظنَّهم أنَّ آلهتَهم تُقَرِّبُهم إلى الله تعالى. واختلافُ القراء في الهمزتينِ من (شُرَكَاءَ إِنْ) كاختلافِهم فيهما من (شُهَدَاءَ إِذْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ١٣٣]. ﴿وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذِبون. ... ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: مع أزواجِكم وأولادِكم لزوالِ التعبِ، والسكونُ: الهُدوُّ عن اضطرابٍ. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ أي: يُبْصَرُ فيه مطالبُ الأرزاقِ. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تدبُّر واعتبارٍ. ... ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿قَالُوا﴾ يعني: المشركينَ ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ هو قولُهم: الملائكةُ بناتُ الله. (١) في "ت" و"ن": "ما".

يونس 10:69

﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهٌ عن الولدِ ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خَلْقِه. ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ عَبيدًا ومُلْكًا ﴿إِنْ﴾ أي: ما ﴿عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٍ ﴿بِهَذَا﴾ القولِ، ثم نفى عنهم الحجةَ بقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ توبيخٌ على اختلاقِهم، وفيه دليلٌ على أنَّ كلَّ قولٍ لا برهانَ عليه فهو جهالةٌ. ... ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ باتخاذِ الولدِ وإضافةِ الشريكِ إليه. ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ لا يفوزونَ، وتمَّ الكلامُ. ... ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ؛ أي: افتراؤهم متاعٌ في الدنيا؛ أي: بُلْغَة يسيرةٌ بنيلِ رئاستِهم ولذتِهم، ثم تزولُ. ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالموتِ. ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسببِ كفرهم. ***

يونس 10:71

﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَاتْلُ﴾ أي: اقرأ يا محمدُ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على أهلِ مكةَ ﴿نَبَأَ﴾ خبرَ ﴿نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم ولدُ قابيلَ بنِ آدمَ. ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ﴾ عَظُمَ وشَقَّ ﴿عَلَيْكُمْ مَقَامِي﴾ طولُ مَكْثي بينَكم. ﴿وَتَذْكِيرِي﴾ تحذيري ﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بأدلَّتِهِ، فعزمُتم على قتلي وطَرْدي. ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وَثِقْتُ به ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ قراءة العامةِ: ﴿فَأَجْمِعُوا﴾ بالقطعِ وكسرِ الميم؛ أي: أَحكِموه. ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ أي: آلهتكَمُ، ونُصِبَ (شُرَكاءَكُمْ) بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وادعوا شركاءكم فاستعينوا، بها وقرأ رويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (فَاجْمَعُوا) بوصلِ الهمزةِ وفتحِ الميمِ، من الجمعِ، ووردَتْ عن نافعٍ (١)، وقرأ يعقوبُ: (وَشُرَكَاؤُكُمْ) بالرفع (٢)؛ أي: فَأَجمِعوا أمرَكم أنتم وشركاؤُكم. ﴿ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ﴾ في قصدي بالهلاكِ ﴿عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ خَفِيًّا، بل جاهِروني به ﴿ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ﴾ أَمْضُوا ما في أنفسكم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٣١٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٨٤ - ٨٥). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٧١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٥).

يونس 10:72

﴿وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تُؤَخِّرونِ. أثبتَ يعقوبُ الياءَ في (تُنْظِروُني). تلخيصُه: اقصدوا هَلاكي بكلِّ طريقٍ سريعًا، فلا خوفَ عندي؛ لوثوقي باللهِ. ... ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أعرضتُم عن تذكيري ﴿فَمَا سَأَلْتُكُمْ﴾ على ذلكَ. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ فتنفروا عَنِّي. ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ لا تعلُّقَ له بكُم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وابنُ عامرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ (أَجْرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الذين لا يأخذونَ الأجرَ على التعليم. ... ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ استَمُّروا على تكذيبه ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ﴾ وكانوا ثمانين ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ﴾ سُكَّانَ الأرض خَلَفًا عن الهالكينَ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٦).

يونس 10:74

﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بالطُّوفان ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ آخرَ أمرِ الذين أنذرَهم الرسلُ فلم يؤمنوا. ... ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعدِ نوحٍ. ﴿رُسُلًا﴾ كإبراهيمَ وهودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ، وغيِرهم. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ كلُّ رسولٍ إلى قومِه. ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدَّلالاتِ الواضحاتِ. ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ فما كانَ إيمانُهم إلا ممتنعًا؛ لشدَّةِ شكيمتِهم في الكفر، وتصميمِهم عليه. ﴿بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ يريدُ: أنهم كانوا قبل بعثةِ الرسلِ أهلَ جاهليةٍ مكذِّبينَ بالحقِّ، فما وقعَ فصلٌ بين حالتَيْهم بعدَ بعثةِ الرسلِ وقبلَها، كأنْ لم يُبْعَثْ إليهم أحدٌ. ﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلكَ الطَّبْعِ المحكَمِ ﴿نَطْبَعُ﴾ نختِمُ ﴿عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ بخذلانهم، وفي ذلكَ دليلٌ على أن الأفعالَ واقعةٌ بقدرةِ اللهِ تعالى. ... ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: بعدَ الرُّسُلِ {مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ

يونس 10:76

وَمَلَئِهِ} يعني: أشرافَ قومِه ﴿بِآيَاتِنَا﴾ التسعِ. ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن اتِّبَاعِها ﴿وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ أي: مشركين. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ﴾ يعني: فرعونَ وقومَه ﴿الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ وعرفوه؛ لتظاهرِ المعجزات ﴿قَالُوا﴾ من فرطِ تمرِّدِهم ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر. ... ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ﴾ تقديرُ الكلام: أتقولونَ للحقِّ لما جاءكم: إنه سحرٌ؟ ثم قال منكرًا عليهم: ﴿أَسِحْرٌ هَذَا﴾؟ فحذفَ السحرَ الأولَ اكتفاءً بدلالةِ الكلامِ عليه ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ المعنى: أيكونُ سِحْرًا وقد أفلحَ مَنْ جاءَ به؟! ... ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿قَالُوا﴾ فرعونُ وقومُه لموسى عليه السلام: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾ تَصْرِفَنا ﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ من عبادةِ الأصنامِ. ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ الملكُ في أرضِ مصرَ. قرأ أبو بكرٍ عن

يونس 10:79

عاصمٍ: (وَيَكُونَ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (١). ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ مصدِّقين. قرأ أبو عمرٍو: (وَنَحْن لكُمَا) بإدغام النون في اللام (٢). ... ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ حاذقٍ فيه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (سَحَّارِ) على وزن فَعَّالٍ بتشديدِ الحاءِ وألفٍ بعدَها، وأمالَ فتحةَ الحاءِ الدوريُّ عن الكسائيِّ، وقرأ الباقون: (سَاحِرٍ) على وزن فاعِلٍ والألفِ قبلَ الحاء (٣). ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي: اطْرَحوا على الأرضِ ما معَكُم من حبالِكم وعِصِيِّكم، وتقلَّمَ ذكرُ القصةِ في الأعراف. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٦). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٦). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٢)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٧).

يونس 10:81

﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ﴾ أي: الذي جئتم ﴿بِهِ السِّحْرُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (آلسِّحْرُ) بالمدِّ على الاستفهام، تقديرُه: أيُّ شيءٍ جئتُم به، أَهُوَ السِّحْرُ؟ ويجوز لكل منهما تسهيلُ الهمزةِ الثانيةِ بينَ بينَ وإبدالُها ألفًا خالصةً كما تقدَّم في قوله: (آلاَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ)، ولا يجوزُ الفصلُ فيه بالألفِ، كما لا يجوز في (آلاَنَ)، وقرأ الباقون: (بِهِ السِّحْرُ) بهمزةِ وصلٍ على الخبر، فتسقطُ وصلًا، وتُحذف بالصلةِ في الهاءِ قبلَها؛ لالتقاءِ الساكِنينِ (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيمْحَقُهُ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا يُقَوِّيهِ. ... ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾ يُثَبِّتُهُ ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بأوامِره ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ذلكَ. ... ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ لم يصدِّقْهُ. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٧).

يونس 10:84

﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أولادٌ من أولادِ قومِه بني إسرائيلَ. ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾ أي: ملأ الذريَّةِ؛ فإن ملأَ الذرية كانوا من قومِ فرعونَ، وقيلَ: الضميرُ لفرعونَ، وجمعَهُ لأنه كانَ عظيمًا في نفسه، فخوطِبَ بالجمعِ. ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يُعَذِّبَهم، ولم يقل: يَفْتِنوهُم؛ لأنه أخبرَ عن فرعونَ، وكانَ قومُه على مثلِ ما كانَ عليهِ ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ﴾ غالبٌ قاهرٌ. ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ في الكبرِ حتى ادَّعى الربوبيةَ. رُويَ عن يعقوبَ الوقفُ بالياءِ على (لَعَالِي). ... ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لمؤمني قومِه. ﴿يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ ثِقُوا به. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ مخلِصينَ له. ... ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ لأنهم كانوا مؤمنينَ مخلصينَ. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ موضعَ فتنةٍ؛ أي: عذابٍ بعدَ توبَتِنا.

يونس 10:86

﴿لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: لا تُظْهِرْهُم علينا، فيظُنُّوا أنا لم نكنْ على الحقِّ، فيزدادوا طُغيانًا. ... ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ من كَيْدِهِم. ... ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ﴾ اتَّخِذا. ﴿لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ تسكنونَ فيها. ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ مساجدَ متوجِّهَةً نحوَ الكعبة، وكان موسى يصلِّي إليها؛ لأنَّ فرعون كانَ قد أمرَ بني إسرائيلَ بتخريبِ بِيَعِهِم، وألَّا يظاهروا بعبادتِهم، فأُمروا باتخاذِ مساجدَ في بيوتهم يصلُّون فيها سِرًّا. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أَتِمُّوها ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا موسى ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بخيرَيِ الدنيا والآخرةِ. ... ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾ كلَّ ما يتزيَّنُ به من متاعِ الدنيا.

يونس 10:89

﴿وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأنواعًا من المالِ. ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ قرأ عاصمٌ، وحمزة، والكسائيُّ، وخلفٌ، (لِيُضلُّوا) بضمِّ الياء، أي: لِيُضلُّوا غيَرهم، والباقون: بفتحها (١)، أي: ليضِلُّوا في أنفسهم، واللامُ في (لِيُضلُّوا) لامُ العاقبة، يعني: فَيُضِلُّوا، ويكون عاقبةُ أمرهم الضَّلال، كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وقيلَ: هي لامُ (كي)؛ أي: آتيتَهم كي تَفتِنهم فَيَضِلُّوا ويُضلُّوا، كقوله: ﴿لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٦، ١٧]، قال القرطبيُّ: وأصحُّ ما قيلَ فيها، وهو قولُ الخليلِ وسيبويهِ: أنها لامُ العاقبةِ والصَّيرورةِ (٢). ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ أذهِبْ آثارها بالهلاك ﴿وَاشْدُدْ﴾ واختِمْ. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ لِئَلَّا يدخُلَها الإيمانُ، وأصلُ الشدِّ: الاستيثاقُ، وإنما دعا عليهم بعدَ الإنذارِ؛ لعلمِهِ أن لا سبيلَ إلى إيمانِهم. ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا﴾ معناهُ: اللهمَّ فلا يؤمنوا. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ وهو الغرقُ. ... ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿قَالَ﴾ الله عز وجل لموسى وهارون عليهما السلام: (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨٩). (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٨/ ٣٧٤).

يونس 10:90

﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ إِنَّما نُسبَتْ إليهما، والدعاءُ كانَ منْ موسى؛ لأنه رُوِيَ أنَّ موسى كانَ يدعو، وهارونُ يؤمِّنُ، والتأمينُ دعاءٌ وفي بعضِ القصصِ: كانَ بينَ دعاءِ موسى وإجابتهِ أربعونَ سنةً. ﴿فَاسْتَقِيمَا﴾ على الرسالةِ، وامضيا لأمري. ﴿وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أَمْرَ الله تعالى. قرأ العامةُ: (تَتَّبِعانِّ) بتشديدِ التاءِ الثانيةِ وفتحِها وكسرِ الباءِ وتشديدِ النونِ في موضعِ جزمٍ على النهيِ، والنونُ للتوكيد، وحركت لالتقاءِ الساكنينِ، واختيرَ لها الكسرُ؛ لأنها أشبهتْ نونَ الرجلانِ، ويقال في الواحدِ: لا تتَّبِعَنَّ بفتحِ النون، وقرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ بتشديدِ التاءِ مع تخفيفِ النونِ، فتكون (لا) نافيةً، فيصيرُ اللفظُ لفظَ الخبر، ومعناهُ النهيُ؛ كقوله: (لاَ تُضَارُّ وَالِدَةٌ) على قراءةِ مَنْ رفعَ، ورُوي عن ابنِ ذكوانَ أيضًا وجهٌ آخرُ بتخفيفِ التاءِ الثانية ساكنةً، وفتحِ الباءِ مع تشديدِ النونِ من تَبِعَ (١)، المعنى: لا تسلكْ طريقَ مَنْ لا يعلمُ حقيقةَ وعدي ووعيدي. ... ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَجَاوَزْنَا﴾ عَبَرْنا ﴿بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾ حتى الشطِّ حافِظينَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٧٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٠).

يونس 10:91

لهم ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾ ظُلْمًا واعتداءً، وكانَ البحرُ قدِ انفلقَ لموسى وقومِه، فلما وصلَ فرعونُ بجنودِه إلى البحر، هابوا دخولَه، فتقدَّمَهم جبريلُ في صورةِ هامانَ على فرسٍ وَدِيقٍ؛ أَيْ: شَهِيٍّ، وهي التي في فَرْجِها بَلَلٌ وخاضَ البحرَ، فاقتحمتِ الخيولُ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفىً في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [البقرة: ٥٠]، فلما دخلَ آخرُهم، وهمَّ أَوَّلُهم أَنْ يخرجَ، انطبقَ عليهِم الماءُ. ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ أي: قارَبَه، وكانَ هذا في يومِ عاشوراءَ ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (إِنَّهُ) بكسرِ الألفِ على الاستئنافِ بدلًا من (آمَنْتُ)، والباقون: بالفتحِ على حذفِ الباء التي هي صلةُ الإيمان (١)؟ أي: بأنه. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وكرر معنى الإيمان ثلاثَ مراتٍ حرصًا على القَبول، فلم يُقْبَلْ؛ لأنه فَرَّطَ، ولم يكنْ وقتَ قَبولٍ. ... ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾. [٩١] فعندَ ذلكَ دَسَّ جِبْريلُ عليه السلام في فيهِ مِنْ حَمَإِ البحرِ، وقال: ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنُ ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الضالِّينَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٧٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩١).

يونس 10:92

المضلِّينَ؟! وتقدَّمَ الكلامُ في (آلآن)، ومذاهبُ القراءِ فيهِ عندَ قوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]. ... ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (٩٢)﴾. [٩٢] فلما أخبرَ موسى قومَه بهلاكِ فرعونَ وقومِه، قالتْ بنو إسرائيلَ: ما ماتَ فرعونُ، فأمرَ اللهُ البحرَ، فألقى فرعونَ على الساحل أحمرَ قصيرًا كأنه ثورٌ، فتيقَّنَ بنو إسرائيلَ موتَهُ، فمن ذلكَ الوقتِ لا يقبلُ الماءُ مَيْتًا أبدًا، فذلكَ قولُه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ نلقيكَ على نَجْوَةٍ من الأرضِ؛ أي: مرتفعٍ منها. قرأ يعقوبُ: (نُنْجِيكَ) مخفَّفًا، والباقون: مشدَّدًا (١). ﴿بِبَدَنِكَ﴾ وحدَكَ. ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ بعدَكَ ﴿آيَةً﴾ علامةً تظهرُ لهم بها عبوديتُكَ من ربوبيتِكَ، لأنكَ لو كنتَ رَبًّا، لما غرقْتَ. ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ لا يتفكَّرون فيها. ... ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا﴾ أنزلْنا ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ منزلَ كرامةٍ، وهي (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩١).

يونس 10:94

الأرضُ المقدسةُ التي كتبَ اللهُ ميراثَها لإبراهيمَ وذريتِهِ. ﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ يعني: اليهودَ الذين كانوا في عهدِ النبيِّ - ﷺ - ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني: القرآنَ، فبعضٌ قال: هو هو، وبعض: ليسَ هو، وغيَّروا صفته معَ معرفتِهم صدقَهُ وصفتَهُ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا، فيثيبُ التائبَ، ويعاقبُ العاصِيَ. ... ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾. [٩٤] ثم قال خِطابًا للنَّبي - ﷺ -، والمرادُ غيرُه: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ يعني: القرآنَ ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فيخبرونك أنك مكتوبٌ عندَهم في التوراة، وقيلَ غيرُ ذلكَ، والشكُّ في اللغةِ: أصلُه الضيقُ، فقال - ﷺ - في الجوابِ: "لاَ أَشُكُّ وَلاَ أَسْأَلُ أَحَداَّ، أَشْهَدُ أَنَّهُ الْحَقُّ" (١). قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلِ) بنقل حركةِ الهمزة إلى الساكن قبلَها، وهو السين، والباقون: بغير نقل (٢)، ثم استأنفَ الكلامَ فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا شَكَّ فيه، وهو القرآنُ. ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ الشاكِّين. (١) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٢١١)، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٢٠٢). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٢).

يونس 10:95

﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ والخطابُ في هذه الآية كالتي قبلَها للنبيِّ - ﷺ -، والمرادُ غيرُه. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ﴾ وَجَبَتْ. ﴿عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أنهم يموتون كُفَّارًا، وهي: هؤلاءِ للنارِ ولا أُبالي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كَلِمَاتُ) بالألف على الجمعِ، والباقون: بغير ألفٍ على التوحيد (١) ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. ... ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾. [٩٧] ﴿وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ سألوها، وأُنِّثَ فعلُ (كُلُّ) لإضافتِه إلى مؤنثٍ. ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فحينئذٍ يؤمنون ولا ينفعُهم. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٢).

يونس 10:98

﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا ﴿كَانَتْ﴾ المعنى: فلم تكنْ ﴿قَرْيَةٌ﴾ من القرى الهالكةِ ﴿آمَنَتْ﴾ عندَ معاينةِ العذابِ. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ بأنْ تقبَّلَ اللهُ منها. ﴿فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ فإنّه نفعَهم إيمانُهم في ذلكَ الوقتِ، و (قومَ) نصبٌ على الاستثناءِ المنقطعِ، تقديرُه: ولكنَّ قومَ يونسَ. ﴿لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الذلِّ والهوانِ. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ إلى وقتِ انقضاءِ آجالِهم، وملخَّصُ القصةِ: أنَّ قومَ يونسَ كانوا بِنينَوى من أرضِ الموصِلِ، وكانوا يعبدون الأصنامَ، فأرسلَ الله إليهم يونسَ عليه السلام، فكذَّبوه، فقيل له: أخبرْهم أنَّ العذابَ مُصَبِّحُهم بعدَ ثلاثٍ، فأخبرَهم، فقالوا: هو رجلٌ لا يكذبُ، فارقُبوه، فإن أقامَ معكم، فلا عليكم، وإن ارتحلَ عنكم، فهو نزولُ العذابِ لا شكَّ، فلما جاءهم الميعادُ، تغشَّاهم العذابُ، فكانَ مرتفعًا على رؤوسهم قدرَ ميلٍ، رُوِيَ أنه غيمٌ أسودُ يدخنُ دخانًا شديدًا، وكان يونسُ قد خرجَ من بينِ أَظْهُرِهِمْ في جوفِ تلكَ الليلةِ، فلما رأوا ذلكَ، ولم يجدوا يونسَ، أيقنوا بالهلاكِ، فَلبِسوا المُسُوحَ، وبرزوا إلى الصعيدِ بأنفسِهم ونسائِهم وصبيانِهم ودوابِّهم، وفَرَّقوا بينَ كلِّ والدة وولدِها، فحنَّ بعضُهم إلى بعض، وعَجُّوا وتَضَرَّعوا، وتَرادُّوا المظالمَ، وأخلصوا التوبةَ والإيمانَ، فرحِمَهم اللهُ، وكشفَ عنهمُ العذابَ، وكانَ يومَ عاشوراءَ يومَ

يونس 10:99

الجمعةِ، وسيأتي ذكرُ قصةِ يونسَ بأبسطَ من هذا في سورةِ الأنبياءِ إن شاء الله تعالى. ... ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ وهو دليل على القدريَّةِ في أنَّ الله تعالى لم يشأْ إيمانَهم، وأن من شاءَ إيمانَه يؤمنُ لا محالةَ. ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابنُ عباس: "كانَ النبيُّ - ﷺ - حريصًا على إيمانِ جميعِ الناسِ، فأخبرَه تعالى أَنْ لا يؤمنُ إلَّا من سبقَتْ له السعادةُ في الذكرِ الأولِ، ولا يضلُّ إلا من سبقَتْ له الشقاوةُ (١) في الذكرِ الأولِ" (٢). ... ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾. [١٠٠] ﴿وَمَا كَانَ﴾ أي: وما ينبغي. ﴿لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعلمِه وتوفيقِه. ﴿وَيَجْعَلُ﴾ اللهُ ﴿الرِّجْسَ﴾ العذابَ. قراءة العامةِ: (وَيَجْعَلُ) بالياء، (١) في "ظ": "الشقوة". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٨١).

يونس 10:101

وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَنَجْعَلُ) بالنونِ على التعظيم (١) ﴿عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ أَمْرَ اللهِ ونهيَهُ. ... ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾. [١٠١] ﴿قُلِ﴾ للمشركينَ الذين يسألونَكَ عن الآياتِ: ﴿انْظُرُوا﴾ أي: بالتفكر. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ انْظُرُوا) بكسرِ اللام في الوصل، والباقون: بضمِّها (٢) ﴿مَاذَا﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الدلالاتِ الدالَّةِ على الوحدانيةِ، و (ما) استفهامية. ﴿وَمَا﴾ للنفي؛ أي: ولنْ ﴿تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ الرسلُ. ﴿عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ السابق علمُه تعالى بموتهم كافرين. ... ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (١٠٢)﴾. [١٠٢] ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ يعني: مشركي مكةَ ﴿إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من مكذبي الأمم؛ أي: مثلَ وقائِعهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٣ - ٩٤). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٤).

يونس 10:103

﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لذلكَ. ... ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾. [١٠٣] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ قرأ يعقوبُ (نُنجِي) بإسكانِ النون الثانية والتخفيف، والباقون: بفتح النون والتشديد (١) ﴿رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ معهم عندَ نزولِ العذابِ. ﴿كَذَلِكَ﴾ كما أَنْجيناهم ﴿حَقًّا﴾ واجِبًا ﴿عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأ الكسائيُّ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (نُنْجِ المُؤْمِنِينَ) بالتخفيف، والباقونَ: بالتشديد، ووقفَ يعقوبُ (نُنْجِي) بإثباتِ الياء (٢)، ونجَّى وأَنْجى بمعنى واحدٍ. ... ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤)﴾. [١٠٤] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يعني: أهلَ مكةَ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ وصِحَّتِه. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٤). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٩٤).

يونس 10:105

﴿فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصنامُ. ﴿وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يُميتكم، وخُصَّ التوفّي بالذكرِ للتهديدِ. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بآياتِ الله. ... ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٥)﴾. [١٠٥] ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ عطفٌ على (أن أكون) ﴿وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أي: استقمْ إليهِ ﴿حَنِيفًا﴾ قَيِّمًا بهِ مائلًا عن كلِّ دينٍ. ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي: قيلَ لي: لا تشركْ. ... ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿وَلَا تَدْعُ﴾ لا تعبدْ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ﴾ إنْ أطعته. ﴿وَلَا يَضُرُّكَ﴾ إنْ عصيتَهُ. ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ﴾ فعبدْتَ غيرَ اللهِ ﴿فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ الضارِّينَ بأنفسِهم. ... ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ يُصِبْكَ بهِ ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ﴾ يَرفعُهُ ﴿إِلَّا هُوَ﴾ سبحانَه. ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ﴾ فلا مانعَ ﴿لِفَضْلِهِ﴾ الذي أرادَكَ بهِ.

يونس 10:108

﴿يُصِيبُ بِهِ﴾ بالخيرِ والضرِّ. ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ عبادهِ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بأوليائِه. ... ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾. [١٠٨] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رسولُه والقرآنُ، فلم يبقَ لكم حجة ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ اختارَ الهدى. ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: لخلاصِ نفسِه؛ لأن نفعَه لها. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ بالكفِر ﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ أي: وبالُ ذلكَ على نفسِه. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ أي: حفيظٌ أحفظُ أعمالَكُم، إنْ عليَّ إلَّا البلاغُ. ... ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾. [١٠٩] قالَ ابنُ عباسٍ: "نسخَتْها آيةُ القتالِ والتي بعدَها" (١)، وهي: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ﴾ بالنصرةِ أو بالأمرِ بالقتلِ. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ لأنه عز وجل لا يحكمُ إلا بالحقِّ، والله أعلمُ. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٢٩٠ - ٢٩١).

هود 11:1

سورة هود عليه السلام مَكِّيَّةٌ إلا قولَه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، آيها مئةٌ وثلاثٌ وعشرونَ، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وخمسُ مئةٍ وسبعةٌ وستونَ كسورةِ يونسَ، وكَلِمُها ألفٌ وتسعُ مئةٍ وخمسَ عشرةَ كلمةً. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾. [١] ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليهِ، ومذاهبُ القراءِ فيه في أولِ سورةِ يونس (١). ﴿كِتَابٌ﴾ خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هذا كتابٌ، وهو القرآنُ. ﴿أُحْكِمَتْ﴾ نُظِمَتْ ﴿آيَاتُهُ﴾ نَظْمًا مُحْكَمًا لا يلحقُها تناقضٌ ولا خللٌ، وقال ابنُ عباسٍ: أَيْ: لم يُنْسَخْ بكتابٍ كما نُسِخَتِ الكتبُ والشرائعُ بهِ (٢). ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ بُيِّنَتْ بالأحكامِ ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ أي: من عندِه. (١) عند تفسير الآية (١) منها. (٢) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٩٩٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٥).

هود 11:2

﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾. [٢] ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ أي: بألَّا لا تعبدوا ﴿إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ﴾ أي: من الله ﴿نَذِيرٌ﴾ بالعذابِ ﴿وَبَشِيرٌ﴾ بالثوابِ. ... ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (٣)﴾. [٣] ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ وَحِّدُوهُ، عطفٌ على الأولِ. ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من الكفر، أي: انسلِخوا منهُ، واندَموا على سالفِهِ. ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ يُعَيِّشْكُم في الدنيا ﴿مَتَاعًا حَسَنًا﴾ عَيْشًا طيبًا. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى المماتِ. ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ﴾ أي: في العملِ؛ أي: زيادةٍ في ﴿فَضْلَهُ﴾ أي: جزاءَ فضلِه. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولَّوا، فحُذفَتْ إحدى التاءين. وقرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ (وَإن تَّوَلَّوا) بتشديدِ التاء (١). ﴿فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ: (فَإِنِّيَ أَخَافُ) (إِنِّيَ أَخَافُ) حيثُ وقعَ بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (٢) ﴿عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ هو يومُ القيامة. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٠).

هود 11:4

﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤)﴾. [٤] ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ في ذلك اليومِ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثوابٍ وعقابٍ، ولا ينفعُ من قضائِه واقيةٌ. ... ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾. [٥] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ يخفونَ ما فيها من العداوةِ، نزلتْ في الأخنسِ بنِ شريقٍ، وكانَ رجلًا حلوَ الكلامِ والمنظرِ، يلقى رسولَ اللهِ - ﷺ - بما يحبُّ، وينطوي بقلبِه على ما يكرهُ (١). ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي: من الله، قال ابنُ عطية: هذا هو الأفصحُ الأجزلُ في المعنى، وقيل: يمكنُ أن يعودَ الضميرُ على محمدٍ - ﷺ - (٢). ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يَتَغَطَّونَ بها، و (حين) توقيتٌ للتغطَي لا للعلمِ ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ في قلوبهم ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أفواههم. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وذواتُ الصدورِ: ما فيها. ... ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾. [٦] ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ليسَ دابةٌ، و (من) صِلَةٌ، والدابّةُ: (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥١). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٥١).

هود 11:7

كلُّ حيوانٍ يَدِبُّ على وجهِ الأرضِ ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ أي: هو المتكفِّلُ به فَضْلًا لا وجوبًا. ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا﴾ مكانها. ﴿وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ حيثُ كانتْ من قبلُ من صلبٍ أو رَحِم. ﴿كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ أي: مثبتٍ في اللوحِ المحفوظَ قبلَ خَلْقِها. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. [٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ والأرجحُ أنها من أيامِ الدنيا، وأجزأَ ذكرهُ السمواتِ والأرضَ عن ذكرِ ما فيها؛ إِذ كلُّ ذلكَ خُلِقَ في تلكَ الستةِ أيامٍ، وتقَّدمَ الكلامُ في ذلك في سورة الأعراف. ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ قبلَ خلق السمواتِ والأرضِ، وكانَ ذلكَ الماءُ على مَتْنِ الريح، ثم بَيَّنَ علَّةَ الخلقِ فقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ليختَبركم ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيُّها المؤمنون وأزهدُ في الدنيا وأتمُّ عقلًا. ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ يا محمدُ ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ يعنون: القرآن. قرأ حمزةُ، والكسائُّي، وخلفٌ: (سَاحِرٌ) بفتح السين وألفٍ بعدَها وكسرِ الحاءِ، يعني: محمدًا - ﷺ - (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٣).=

هود 11:8

﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ أي: أجلٍ محدودٍ، وأصلُ الأمةِ: الجماعةُ، فكأنه قال: إلى انقراضِ أمةٍ ومجيِء أخرى. ﴿لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ المعنى: أيُّ شيٍء يمنعُ العذابَ من النزولِ؟ يقولونه استهزاءً. ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ﴾ كيومِ بدرٍ ﴿لَيْسَ﴾ العذابُ ﴿مَصْرُوفًا﴾ مدفوعًا ﴿عَنْهُمْ وَحَاقَ﴾ وأحاطَ ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: نزل بهم جزاءَ استهزائهم. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩)﴾. [٩] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: الجنسُ ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمةً. ﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ﴾ أَزَلْناها عنه ﴿إِنَّهُ لَيَئُوسٌ﴾ شديدُ اليأس أنها لا تعودُ إليه ﴿كَفُورٌ﴾ أَنْعُمَ اللهِ عليه. ... ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ﴾ صحةً وسَعَةً ﴿بَعْدَ ضَرَّاءَ﴾ شدةٍ. ﴿مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ﴾ الإنسانُ ﴿ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ﴾ المصائبُ ﴿عَنِّي﴾ ويتجَبَّرُ. ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ﴾ بطر.

هود 11:11

﴿فَخُورٌ﴾ والفرحُ: لذةٌ في القلبِ بنيلِ المشتهى، والفخرُ: هو التطاوُلُ على الناس بتعديدِ المناقبِ، وذلك منهيٌّ عنه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ (عَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾. [١١] ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناءٌ متصلٌ على ما تقدَّمَ من أن (الإنسانَ) عامٌّ، ويرادُ به الجنسُ. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ هو الجنةُ. ... ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾. [١٢] ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي: تاركٌ تبليغَ ما يسوؤهم رجاءَ توبتِهم، وذلكَ أن كفارَ مكةَ لما قالوا: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥] ليس فيه سبُّ آلهتنا، هَمَّ النبيُّ - ﷺ - أن يدعَ سبَّ آلهتهم ظاهرًا، فأنزل اللهُ الآية (٢). (١) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ٥٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٣). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٣٩٠).

هود 11:13

﴿وَضَائِقٌ بِهِ﴾ أي: بما كُلِّفْتَ ﴿صَدْرُكَ﴾ بأن تتلوَهُ عليهم مخافةَ ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ مكذِّبينَ ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ﴾ ينفقُهُ ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ يصدِّقُهُ. ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ فأدّ النِّذارَةَ. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ أي: حافظٌ وشهيدٌ. ... ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿أَمْ﴾ بَلْ ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقَ محمدٌ الموحَى إليه، وهو القرآنُ. ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ مختلَقاتٍ من عندِ أنفسِكم، قال هنا: عشر، وفي يونسَ: (بسورة)؛ لأن هذه نزلتْ قبلَ تلكَ، لأنهم تُحُدُّوا أولًا بالإتيان بعشر، فلما عَجَزوا، تُحُدُّوا بسورةٍ واحدةٍ، المعنى: إن كان ما جئتُ به مفترًى كما تزعمونَ، فعارضوا بعضَه. ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ للمعارضةِ ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الكهنةِ والأعوانِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم. ... ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا﴾ في المعارضة، ولم تتهيأ لهم، خوطب جَمعًا؛ تعظيمًا لقدره، أو الخطابُ له ولأصحابهِ.

هود 11:15

﴿فَاعْلَمُوا﴾ خطابٌ للمؤمنين، أو للمشركين ﴿أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ أي: وهو عالم بإنزالِه وبجميعِ ما فيه ﴿وَأَنْ لَا﴾ أي: واعلموا أن لا ﴿إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهامٌ بمعنى الأمرِ؛ أي: أسلِموا. ... ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾. [١٥] ونزل في كلِّ مَنْ عملَ عملًا لغيرِ اللهِ تعالى ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ بإحسانهِ وبرِّهِ. ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ أي: أُجورَ أعمالِهم في الدنيا؛ بسعةِ الرزقِ، وطيبِ العيش ﴿وَهُم فِيهَا﴾ أي: في الدنيا ﴿لَا يبُخسُونَ﴾ لا يُنْقَصون من حظِّهم. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ لأنهم استوفَوا ما تَقتضيه صورُ أعمالِهم الحسنةِ، وبقيت لهم أوزارُ العزائمِ السيئةِ. ﴿وَحَبِطَ﴾ بَطَلَ في الآخرةِ ﴿مَا صَنَعُوا فيهَا﴾ أي: في الدنيا. ﴿وَبَاطِلٌ﴾ في نفسِه ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لأنه عمل لغيرِ الله تعالى، واختلِف في المعني بهذه الآية، فقيل: هم أهلُ الرياءِ من المؤمنين، وقيل: هم الكفارُ، قال ابنُ عطيةَ: وهو عندي أرجحُ التأويلاتِ بحسبِ ذكرِ الكفارِ

هود 11:17

والمنافقين في القرآنِ، فإنما قصدَ بهذه الآية أولئك (١). ... ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ ابتداءٌ، والخبرُ محذوفٌ؛ أي: أفمَنْ كان على بينةٍ كمَنْ كفرَ باللهِ وكذَّبَ أنبياءه؟ والمرادُ: أن النبيَّ - ﷺ - على بينةٍ؛ أي: برهانٍ وبيانٍ من اللهِ أن دينَ الإسلامِ حَقٌّ. ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ﴾ أي: يتبع البرهانَ شاهدٌ يشهدُ بصحته، وهو القرآن. ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الله تعالى. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: قبلَ القرآنِ ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ هو التوراةُ. ﴿إِمَامًا﴾ مُؤْتمًا به ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن تبعَه. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المؤمنون. ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالنبيِّ - ﷺ -. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ وهم الفِرَقُ من أهلِ مكةَ ومن ضامَّهم من الكفار المتحزِّبين على رسولِ اللهِ - ﷺ -. ﴿فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ مصيرهُ. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٥٦).

هود 11:18

﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ شَكٍّ ﴿مِنْهُ﴾ من الموعدِ ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ من قلَّةِ نظرِهم، واختلالِ فكرهم. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فزعمَ أن له ولدًا وشريكًا؟ أي: لا أحدَ أظلمُ منه. ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: الكاذبينَ ﴿يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ في الموقفِ، فيسألُهم عن أعمالهم. ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهدٍ، وهم الملائكةُ والنبيونَ ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ بُعْدُهُ وسَخَطُهُ ﴿عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ الذين وَضعوا العبادةَ في غيرِ موضِعها. ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ يمنعونَ ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن دينهِ. ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي: يعدِلون بالناسِ عنها إلى المعاصي والشركِ. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ أعادَ لفظَ (هم) تأكيدًا لكفرِهم. ***

هود 11:20

﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ثم قال الأشهادُ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الكاذبون. ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ فائتينَ اللهَ إذا أرادَ عذابَهم. ﴿فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ناصرينَ يمنعونهم من عذابِه، ولكن أَخَّرَهم إلى يومِ القيامةِ. ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ يشدَّدُ حتى يكونَ ضِعْفَي ما كان. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وجعفرٌ، ويعقوبُ: (يُضَعَّفُ) بتشديدِ العينِ مع حذفِ الألف، والباقون: بإثباتِ الألف والتخفيفِ (١). ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أي: استماعَ الحقِّ. ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ محمدًا؛ بُغْضًا له، فـ (ما) نافية. ... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ غَبَنوا. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ باشتراءِ عبادةِ الأوثانِ بعبادةِ اللهِ. ﴿وَضَلَّ﴾ ضاع. ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من زَعْمِهم أن الآلهةَ تشفعُ لهم. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٥ - ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٥).

هود 11:22

﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًّا. ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي: متحقِّقٌ خسرانُهم. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدَّقوا ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا﴾ خَشَعوا ﴿إِلَى رَبِّهِمْ﴾ وأصلُ الإخباتِ: الخضوعُ، من الخَبْتِ، وهي الأرضُ المطمئنَّةُ. ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ هذه الآيةُ في الصحابةِ المؤمنين، والتي قبلَها في المشركين. ... ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ثم ضربَ للكافرينَ والمؤمنينَ مثلًا فقال: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ مبتدأ، خبُره ﴿كَالْأَعْمَى﴾ أي: كمثلِ الأعمى. ﴿وَالْأَصَمِّ﴾ هذا للكافرينَ ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ للمؤمنين، شَبَّهَ الكافرَ بالأعمى وبالأصمِّ، وشبه المؤمنَ بالبصيرِ والسميعِ، فهو على تمثيل مثالين، وقال بعضُ المتأولين: التقديرُ: كالأعمى الأصمِّ، والبصيرِ السميعِ، فدخلت واوُ العطف كما تقولُ جاءني: زيدٌ العاقلُ والكريمُ،

هود 11:25

وأنت تريدُه بعينه، فهو (١) على هذا تمثيلٌ بمثالٍ واحد. ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ أي: الفريقانِ ﴿مَثَلًا﴾ تمييز. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تَتَّعظون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذْكُرونَ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديدِ (٢). ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ: (إنِّي) بكسرِ الهمزة؛ أي: فقال: إني؛ لأن في الإرسالِ معنى القولِ، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة؛ أي: بـ (أني) (٣)، والنذرُ والمنذِرُ هو المحذِّرُ. ... ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هو يومُ القيامةِ، وُصِفَ بذلك؛ لأن العذابَ يكونُ فيه، وتقدمَ ذكرُ الاختلافِ في عمرِه حينَ بعثَهُ اللهُ إلى قومِه في سورة الأعرافِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩]، ولبثَ يدعو قومَه تسعَ مئةٍ وخمسينَ (١) في "ت": "فهي". (٢) المصادر السابقة. (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٥ - ١٠٦).

هود 11:27

سنةً، وعاشَ بعدَ الطوفانِ مئتي سنةٍ وخمسينَ سنةً، وماتَ وله ألفٌ وأربعُ مئةٍ وخمسون سنةً. ... ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ والملأُ: هم الأشرافُ والرؤساءُ ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا﴾ آدمِيًّا ﴿مِثْلَنَا﴾ لا مَزِيَّةَ لكَ علينا. ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ الناقصونَ الأقدارِ فينا. ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ قرأ أبو عمروٍ: (بَادِئ) بالهمزة؛ أي: أولَ الرأي، يريدون: أنهم اتبعوكَ في أولِ الرأيِ من غيرِ رؤيةٍ وتفكُّرٍ، ولو تفكَّروا ما اتّبَعوكَ، وقرأ الباقونَ: بياءٍ مفتوحةٍ بغيرِ همزٍ (١)؛ أي: ظاهرَ الرأي، معناه: اتبعوك ظاهرًا من غيرِ أن يتدَبَّروا ويتفكروا باطِنًا، ونصبُه على القراءتين ظرفٌ. ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ﴾ لكَ ولمتبعيكَ ﴿عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ أي: زيادةِ شرفٍ علينا نؤهِّلُكم بها للنبوةِ ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ الخطابُ لنوحٍ ولمن آمَن به. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٦).

هود 11:28

﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿قَالَ﴾ نوحٌ ﴿يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أَخْبِروني. ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ حُجَّةٍ ﴿مِنْ رَبِّي﴾ شاهدةٍ بصحةِ دَعْواي. ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي: النبوةَ ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ (فَعُمِّيَتْ) بضمِّ العينِ وتشديدِ الميم؛ أي: شُبِّهَتْ ولُبِّسَتْ، وقرأ الباقون: بفتح العينِ وتخفيفِ الميم؛ أي: خَفِيَتْ (١). ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ أنُلْزِمُكُمُ الهدايةَ ﴿وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ لا تريدونها؟ استفهامٌ بمعنى الإنكارِ. ... ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على التبليغِ وإيمانِكم ﴿مَالًا﴾ أَجْرًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٧).

هود 11:30

والكسائيُّ، وخلفٌ عن عاصمٍ: (أَجْرِي) بإسكان الياءِ حيثُ وقع: والباقون بفتحِها (١). ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذلكَ أنهم قالوا له: اطردْ عنكَ المؤمنينَ؛ حَسَدًا لهم ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ أي: صائرونَ إليه، فيجزي من طَرَدَهم. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ أمرَ اللهِ ولقاءَه. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وقنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (وَلكنِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢). ... ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ من يمنعُني من عذابِه. ﴿إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ لأجلِ إيمانهم ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعظون. قرأ أبو عمروٍ: (وَيَا قَوْم منْ) بإدغامِ الميم في الميم (٣). ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٨). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٨). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٩).

هود 11:31

﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ فآتي منها ما تطلبونَ. ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ فأخبرُكم بما تريدونَ. ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي﴾ تحتقرُ ﴿أَعْيُنُكُمْ﴾ من المؤمنين ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ أي: إيمانًا وتوفيقًا؛ لجهلي بحالهم، وذلك أنهم قالوا: هم أراذلُنا، ولن يؤتيَهم اللهُ خيرًا. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ فيجازيهم عليه ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ إنْ آذيتُهم. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ خاصَمْتَنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا﴾ فَأطْنَبْته. ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذابِ. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في الدَّعْوى. ... (١) المصادر السابقة.

هود 11:33

﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ﴾ عاجِلًا أوآجِلًا. ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتينَ. ... ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي﴾ نَصيحتي. ﴿إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾ أي: نصحَكم. ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ يُضِلَّكم، تقديرُ الكلام: إنْ كانَ اللهُ يريدُ أن يغويَكم، فإن أردتُ أن أنصحَ لكم، لا ينفعكُم نصحي. قرأ نافعٌ، وأبو عمرٍو، وأبو جعفر: (نُصْحِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ فإليه الإغواء والهدايةُ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخبارٌ في ضمنِه تهديدٌ ووعيدٌ. قرأ يعقوبُ: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء، والباقون: بضمها (٢). ... (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٩). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٠).

هود 11:35

﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ هؤلاء الكفرةُ ﴿افْتَرَاهُ﴾ افترى نوحٌ هذا التوعُّدَ بالعذاب، وأراد الإرهابَ علينا بذلك، وقيل: إن هذه الآيةَ اعترضَتْ في قصةِ نوحِ، وهي في شأنِ محمدٍ - ﷺ - مع كفارِ قريشٍ، وذلك أنهم قالوا: افترى القرآنَ، وافترى هذهِ القصةَ عن نوحٍ، فنزلتِ الآيةُ في ذلك، والأولُ هو قولُ ابنِ عباسٍ (١)، قال القرطبيُّ: وهو أظهرُ؛ لأنه ليسَ قبلَه ولا بعده إلا ذكرُ نوحٍ وقومِه، فالخطاب منهم ولهم (٢). ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾ المعنى: إن صحَّ أني افتريتُه، فعلي جزاءُ افترائي. ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ من الكفرِ والتكذيبِ. قرأ أبو جعفرٍ بخلاف عنه: (بَرِيٌّ) و (بَرِيُّونَ) حيثُ وقعَ بتشديدِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ والمدِّ. ... ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ معنى الكلام: الإياسُ من إيمانهم، واستدامةُ كفرِهم تحقيقًا لنزولِ الوعيدِ بهم. (١) انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٣٢ - ٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٩٨). (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ٢٩).

هود 11:37

﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ فلا تحزنْ ﴿بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فإني مُهْلِكُهم، فحينئذٍ دعا عليهم فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ [نوح: ٢٦]، ورُوي أنهم كانوا يبطِشونَ بنوحٍ فيخنقونه حتى يُغشى عليه، فإذا أفاقَ، قال: رَبِّ اغفرْ لقومي فإنهم لا يعلمونَ. ... ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بمنظرٍ مِنَّا؛ أي: اصنعْها محفوظًا أن تنُالَ بسوءٍ، وأن يُحال بينَكَ وبينَ عملِها، وأن تُخطئ في عملِها، لأنه لما أُمِرَ بعملِ السفينةِ، لم يدرِ كيفَ يصنعُها، فأوحيَ إليه أن اصنعْها كجؤجُؤِ الطائرِ، فإنَّكَ بعيني، فأخذ القَدُّومَ، وجعل يضربُ ولا يخطئ، ورُوي أن السفينةَ كان طولُها ثلاثَ مئةِ ذراعٍ، وعرضُها خمسينَ ذراعًا، وطولُها في السماء ثلاثين ذراعًا، وقيلَ غيرُ ذلك، وكانتْ من خشبِ الساجِ، وجعلَ لها ثلاثةَ بُطونٍ، فحملَ في البطنِ الأسفلِ الوحوشَ والسباعَ والهوامَّ، وفي البطنِ الوسطِ الدوابَّ والأنعام، وركبَ هو ومَنْ معه البطنَ الأعلى معَ ما يحتاجُ إليه من الزاد. ﴿وَوَحْيِنَا﴾ وتعليمِنا لكَ صورةَ العملِ بالوحيِ. ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ تراجِعْني. ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في إهلاكِ الكفارِ وابنِك كنعانَ وامرأتِكَ واعلةَ. ﴿إِنَّهُم مُّغرَقُونَ﴾ محكومٌ بغرقِهم. ***

هود 11:38

﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَيَصْنَعُ﴾ أي: وطَفِقَ يصنعُ ﴿الْفُلْكَ﴾ رُوي أن نوحًا عليه السلام لبثَ يغرسُ الشجرَ مئةَ عام، ثم جعلَ يقطعُ الخشبَ ويضربُ الحديدَ ويهيئ عدةَ الفلكِ من القارِ وغيره. ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ جماعةٌ ﴿مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ فكانوا يتضاحَكون ويقولون: يا نوحُ! صرت نجارًا بعد ما كنت نبيًّا! ﴿قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ في المستقبلِ عند رؤيةِ الهلاكِ. ﴿كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ منا الآنَ. ... ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُذِلُه، وهو الغرقُ. ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عذابُ الآخرةِ، فصنعَ نوحٌ السفينةَ في سنتين، وقيلَ غيرُ ذلك. ... ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: وقتُ الوعدِ بإهلاكهم. واختلافُ القراء في حكم الهمزتين من قوله (جَاءَ أَمْرُنَا) في هذا الحرف وجميعِ ما في السورة كاختلافِهم فيها من قوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] في سورةِ النساءِ. ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ أَي: جاشَ بالماء، وهو تنورُ الخبزِ في قولِ الأكثرِ، وكان هو الآيةَ بينَ نوحٍ وبينَ ربِّهِ، واختلِفَ في موضعِ التنور، فقيلَ: بالكوفة، وقيل: بالشام بموضعٍ يُقال له عَيْنٌ وردة، وقيلَ غيرُ ذلك. ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا﴾ أي: في السفينة. ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ صِنْفَين من الحيوان. ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذكرًا وأنثى، وقيل لهما: زوجان؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما يُقال له: زوجٌ؛ لأنه لابدَّ لأحدِهما من الآخر. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (مِنْ كُلِّ) بالتنوين؛ أي: من كلِّ صنفٍ زوجينِ، اثنينِ ذكرَه تأكيدًا، والباقون: بغيرِ تنوينٍ على الإضافةِ على معنى: احمل اثنينِ من كلِّ زوجينِ، والقراءتانِ ترجعان إلى معنىً واحدٍ (١). وعندَ فورانِ التنورِ حُشِرَ الحيوانُ لنوحٍ عليه السلام، فجعل يضربُ بيديه فيقعُ الذكرُ في اليمنى، والأنثى في اليسرى، فيلقيهما في السفينة، ورُوي أن أول ما أَدخلَ السفينةَ الدُّرَّةُ، وآخرَ ما أدخلَ الحمارُ، فتمسَّكَ الشيطانُ بذنبِهِ، فزجرَهُ نوحٌ فلم ينزجرْ، فقالَ له: ادخلْ ولو كانَ معكَ الشيطانُ، قال ابنُ عباسٍ: "زَلَّتْ هذهِ الكلمةُ على لسانِه، فدخلَ الشيطانُ حينئذٍ"، وكان عندَ مؤخرِ السفينة، فلما كثرتْ أرواثُ الدوابِّ، تأذَّى نوحٌ من رائحتها، فأوحي إليه أنِ امسحْ على ذَنَبِ الفيلِ، ففعلَ، فخرجَ منه (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ١٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٠ - ١١١).

هود 11:41

خنزيرٌ وخنزيرةٌ، فَكَفيا نوحًا وأهلَه ذلكَ الأذى، فلما وقعَ الفأرُ يخربُ السفينةَ ويقرِضُ حبالَها، أوحي إليه أنِ اضربْ بينَ عيني الأسدِ، ففعلَ، فعطسَ، فخرجَ منه هِرٌّ وهرةٌ، فَكَفياهم الفأرَ، ورويَ أن الحيةَ والعقربَ أتيا نوحًا، فقالتا: احملْنا، فقالَ: إنكما سببُ الضررِ والبلاءِ فلا أحملُكُما، قالتا: احملْنا ونحن نضمنُ لك أَلَّا نضرَّ أحدًا ذكرك (١)، فمن قرأَ حينَ خاف مضرتهما: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾ [الصافات: ٧٩] ما ضَرَّتَاهُ. ﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحملْ أهلَكَ من النسبِ ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بالهلاكِ، وهو كنعانُ، وامرأتُك واعلةُ مستثنىً من الأهلِ. ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ أي: واحملْ مَنْ آمنَ بكَ، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ وهم بنوه الثلاثةُ سامٌ وحامٌ ويافثُ، وثلاثُ نسوةٍ لهم، وامرأةُ نوحٍ غيرُ الهالكةِ، وتقدَّم في سورةِ الأعراف أنَّ من آمن به كانوا أربعين رجلًا، وأربعين امرأة، وهم الذين نجوا معه في السفينة، وفي ذلك خلاف، والله أعلم. ... ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾. [٤١] فلما دهمَهم الماءُ، ندبَهم إلى الركوبِ ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ فركبوا في السفينة يومَ الجمعةِ لعشرٍ مضينَ من رجبٍ من عينِ وردةَ، فأتتِ (١) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٦/ ١٩٧٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠٢)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٢٨).

هود 11:42

البيتَ فطافَتْ به أسبوعًا، وقد رفعَهُ اللهُ من الغرقِ وبقيَ موضعه. ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ أي: اركبوا مُسَمِّينَ أو قائلين: باسم الله عندَ مجراها ومرساها، فكانَ إذا أرادَ أن تجريَ قال: بسم الله، فجرت، وإذا أراد أن ترسوَ قال: بسم الله، فرست. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عاصمٍ: (مَجْرَاهَا) بفتح الميم؛ أي: جَرْيَها، والباقون: بضمِّها؛ أي: إجرائِها، وأمالَ الراءَ أبو عمرٍو والأربعةُ المذكورون، ولم يُمِلْ حفصٌ غيرَ هذا الحرفِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، فرويَ عنه الإمالةُ والفتحُ، قال ابنُ الجزري: وقد غلطَ مَنْ حكى فتحَ الميمِ عن ابنِ ذكوانَ من المؤلفين، وشُبْهَتُهم في ذلك والله أعلم: أنهم رأوا فيها عنه الفتحَ والإمالةَ، فظنوا فتحَ الميم، وليسَ كذلك، إنما أريد فتحُ الراء وإمالتُها، انتهى. ورُوي عن ورشٍ الفتحُ والإمالةُ بينَ بينَ (١). ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تنبيهٌ لهم على نعمةِ الله عليهم ورحمتِه لهم. ... ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ﴾ في اضطرابِ الماءِ وارتفاعِه. ﴿كاَلْجِبَالِ﴾ عِظَمًا وارتفاعًا. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٠٩ - ١١١).

هود 11:43

﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ كنعانَ، وكان كافرًا ﴿وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ معتَزلٍ عن أبيه. ﴿يَابُنَيَّ﴾ قرأ عاصمٌ: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بالكسرِ مشدَّدًا (١)، وقوله: (بُنَيَّ) مصغرًا ليكونَ أعطفَ له ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾. قرأ أبو عمرٍو والكسائيُّ، ويعقوبُ: (ارْكَب معَنَا) بإدغامِ الباءِ في الميمِ؛ لقربِ المخرَجِ، واختلِفَ عن ابنِ كثيرٍ وعاصمٍ وقالونَ وخَلَّادٍ، وقرأ الباقون، وهم: ابنُ عامر، وأبو جعفرٍ، وخلفٌ لنفسِه (٢)، وعن حمزةَ، وورشٌ عن نافعٍ: بإظهارِ الباءِ على الأصل (٣)، تلخيصُه: اركبْ معنا تنجُ. ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ فتهلك. ... ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿قَالَ﴾ له ابنُه ﴿سَآوِي﴾ سألتجِئُ. ﴿إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ يمنعُني من الغرقِ. ﴿قَالَ﴾ له نوحٌ ﴿لَا عَاصِمَ﴾ لا مانعَ ﴿الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ من عذابِ الله. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٣). (٢) في "ن": "بنفسه". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٤).

هود 11:44

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ استثناءٌ متصلٌ. ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بينَ نوحٍ وابنهِ ﴿الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ بالماءِ، رُوي أن الماءَ علا على رؤوسِ الجبال أربعينَ ذراعًا، وعقمتِ النساءُ أربعينَ سنةً، وأدركَ الصغارُ على دينِ آبائِهم، وماتتِ البهائمُ بآجالِها. ... ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَقِيلَ﴾ بعدَ ما تناهَى أمرُ الطوفان: ﴿يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الذي خرجَ منكِ؛ أي: اشربيهِ. ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ أَمْسِكي عن إنزالِ القَطْر؛ لأن الأرض كانتْ تنبعُ الماءَ، والسماءَ تمطرُ بأجمعِها. ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ نقصَ. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ عن ابنِ عامر، ورويسٌ عن يعقوبَ: (وَقِيلَ) (وَغِيضَ) بإشمامِ الضمِّ للقافِ والغينِ، واختلافُ القراءِ في الهمزتين من قوله: (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي) كاختلافِهم فيهما من قوله: (السّفَهَاءُ أَلاَ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ١٣]. ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فُرِغَ من إهلاكِ قومِ نوحٍ. ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ يعني: استقرَّتِ السفينةُ ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ اسمُ جبلٍ بالجزيرةِ بقربِ المَوْصِلِ ﴿وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ هلاكًا لهم.

هود 11:45

﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وَعَدْتنَي بنجاةِ أهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الذي لا خُلْفَ فيه ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ أعدَلُهم. ... ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿قَالَ﴾ اللهُ ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: أهلِ ولايتِك ولا دينك، وهو ولدُه من صُلْبِه في قولِ الأكثرِ ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ قرأ الكسائيُّ، ويعقوبُ: (عَمِلَ) بكسرِ الميمِ وفتحِ اللام (غَيْرَ) بنصبِ الراء؛ أي: عَمِلَ شركًا، وقرأ الباقون: بفتح الميمِ ورفعِ اللام منوَّن ورفعِ الراءِ تعليلٌ لانتفاءِ الأهليةِ (١)، وجُعلت ذاتُه عملًا غيرَ صالح مبالغةً في ذمِّه. ﴿فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا تعلمْ أصوابٌ هو أم ليسَ صوابًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (تَسْأَلَنِّ) بفتح اللام وكسر النون وتشديدِها، وابنُ كثيرٍ كذلكَ، إلا أنه يفتحُ النونَ، والباقون: بإسكانِ اللامِ وكسرِ النونِ وتخفيفِها، وأثبتَ الياءَ بعدَ النونِ وصلًا أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ، وورشٌ، وأثبتَها في الحالين يعقوبُ (٢) {إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٤ - ١١٥). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، =

هود 11:47

الْجَاهِلِينَ} يعني: أن تدعوَ بهلاكِ الكفارِ، ثم تسألَ نجاةَ كافرٍ. ... ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] وحُكِيَ أن نوحًا كانَ لا يعلمُ بكفرِ ابنِهِ ﴿قَالَ﴾ نوحٌ ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ﴾ في المستقبلِ ﴿مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ ما لا علمَ لي بصحَّتِهِ ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ أعمالًا، وكان - ﷺ - على قدمِ الاستغفارِ إلى أن تُوُفِّيَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ أَعِظُكَ) (إِنِّيَ أَعُوذُ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ﴾ انزلْ من السفينةِ ﴿بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ أي: سلامةٍ ﴿وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ﴾ والبركةُ: الخيرُ التامُّ ﴿وَعَلَى أُمَمٍ﴾ أي: ذريةِ أممٍ ﴿ممَّن﴾ كانَ ﴿مَعَكَ﴾ في السفينةِ، يعني: على قرونٍ تجيءُ بعدكَ من ذريةِ مَنْ معكَ من ولدِك، وهم المؤمنون ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدنيا. ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الأخرى، وهم الكافرونَ أهلُ الشقاوة، = و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٥ - ١١٦). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٦).

هود 11:49

وتقدَّمَ أن نوحًا ركبَ السفينةَ بعشرٍ مضَتْ من رجبٍ، وجرتْ بهم ستةَ أشهرٍ، وخرجوا منها يومَ عاشوراءَ، فصامَ نوحٌ ومَنْ معه شكرًا لله عز وجل، وكان الطوفانُ بعدَ هبوطِ آدمَ بألفينِ ومئتينِ واثنتينِ وأربعينَ سنةً، وبينَ الطوفانِ والهجرةِ الشريفةِ النبويةِ على صاحبِها أفضلُ الصلاةِ والسلامِ ثلاثةُ آلافٍ وتسعُ مئةٍ وأربعٌ وسبعونَ سنةً. ... ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا﴾ أي: آياتِ القرآن ﴿إِلَيْكَ﴾ بأخبارِ الأمم الماضية. ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ أي: من قبلِ نزولِ القرآن. ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذى قومِكَ؛ كنوح. ﴿إِنَّ الْعَاقِبَةَ﴾ آخرَ الأمرِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ بالسعادةِ والنصرِ. ... ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَإِلَى﴾ أي: وأرسلْنا إلى ﴿عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في النسبِ، لا في الدين، وتقدَّمَ ذكرُه في سورةِ الأعرافِ. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وَحِّدُوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، والكسائيُّ: (غَيْرِهِ) بخفضِ الراءِ حيثُ وقعَ إذا كانتْ قبلَ (إِلَهٍ) (مِنْ) التي

هود 11:51

تخفضُ، والباقون: بالرفع (١). ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ﴾ باتخاذِ الأوثانِ شركاءَ. ... ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالةِ ﴿أَجْرًا﴾ جُعْلًا. ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ خَلقَني. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (فَطَرَنيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ... ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢)﴾. [٥٢] ولما حُبِسَ القَطْرُ عن قومِ هودٍ ثلاثَ سنينَ، وعقمتْ أرحامُ نسائِهم، فلم يلدْنَ، قال لهم هود: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الذنوبِ السالفةِ، وآمِنوا ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من عبادةِ العِجْلِ وغيرِه. ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ مُتتابعًا ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾ في العددِ والمالِ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٧). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦ - ١٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٧ - ١١٨).

هود 11:53

والبدنِ ﴿إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الموجودة ﴿وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ لا تُدْبِروا مشركينَ. ... ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ﴾ دليل على قولكَ ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي: بقولكَ ﴿وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدِّقينَ. ... ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ يعني: لستَ تتعاطى ما تتعاطى من مخالفتنا وسبِّ آلهتِنا إلَّا لأنَّ بعضَ آلهتِنا اعْتَراكَ، أي: أصابَكَ بسوء؛ أي: بِخَبَلٍ وجُنُونٍ لسبِّكَ إياها، فَثَمَّ اسْتِخفافًا بهم وبآلهتِهم. ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ على نفسي. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (إنِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانها (١). ﴿وَاشْهَدُوا﴾ أنتم أيضًا على ﴿أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. ... ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الآلهةَ ﴿فَكِيدُونِي﴾ احتالوا في أمري أنتم وهم (١) المصادر السابقة.

هود 11:56

﴿جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ لا تُمْهِلونِ. قرأ يعقوبُ: (تنظِروُني) بإثباتِ الياء بعدَ النون، والباقون: بحذفها (١). ... ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ اعتمدْتُ عليه ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ أي: مالكُها وقادرٌ عليها، والناصيةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرأسِ، وخُصَّتْ بالذكر؛ لأنَّ العربَ كانتْ تجرُّ بناصيةِ الأسيرِ الممنون عليه؛ لتكونَ تلكَ علامةً أنه قُدِرَ عليه، وقُبِضَ على ناصيتِهِ، والدَّابةُ: جميعُ الحيوانِ، وخُصَّ بالذكرِ إذ هو صنفُ المخاطبينَ والمتكلمُ. ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: إن أفعالَ اللهِ عز وجل هي في غايةِ الإحكامِ، وقولُه الصدقُ، ووعدُه الحقُّ، فجاءتِ الاستقامةُ في كلِّ ما ينضافُ إليهِ سبحانَهُ. ... ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولوا؛ يعني: تُعْرِضوا عما دعوتُكُم إليه. قرأ البزيُّ عنِ ابنِ كثيرٍ: (فَإِن تَّوَلَّوا) بتشديدِ التاء (٢). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨١١). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٤٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =

هود 11:58

﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ المعنى: ما عَلَيَّ كبيرُ هَمٍّ منكُمْ إنْ تولَّيْتُم، فقد بَرِئَتْ ساحتي بالتبليغ، وأنتم أصحابُ الذنب في الإعراضِ عنِ الإيمانِ. ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ أطوعَ منكم يُوَحدونه. ﴿وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا﴾ بإشراكِكم ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (على) بمعنى اللام؛ أي: لكلِّ شيءٍ حفيظٌ، فهو يحفظُني ويجازيكم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابُنا، وهو السَّمُومُ، كانتْ تدخلُ أنوفَ الكفارِ وتخرجُ من أدبارِهم، فتقطعُ أعضاءهم. ﴿نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ من العذابِ، وكانوا أربعة آلافٍ ﴿بِرَحْمَةٍ﴾ بنعمةٍ ﴿مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديدٍ، المعنى: نجوا من عذابَي الدنيا والآخرةِ بسببِ إيمانهم. ... ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿وَتِلْكَ عَادٌ﴾ إشارةٌ إلى قبورِهم وآثارِهم {جَحَدُوا بِآيَاتِ = (ص: ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١١٨).

هود 11:60

رَبِّهِمْ} كفروا بها ﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ يعني: هودًا، ذُكر بلفظِ الجمع، لأن من كَذَّبَ رسولًا واحدًا، كانَ كمَنْ كَذَّبَ جميعَ الرُّسُلِ. ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ يعني: السفْلَةَ ﴿أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ معاندٍ، أي: معارضٍ بالخلافِ، وهم رؤساؤهم ومقدَّموهم. ... ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَأُتْبِعُوا﴾ أُرْدِفُوا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ تلحقُهم، واللعنةُ: الإبعادُ والطردُ عن الرحمةِ ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيضًا. ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ جَحَدُوا نعمتَه ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ﴾ من رحمةِ اللهِ تعالى ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ عطفُ بيانٍ لِعادٍ؛ ليتمَيَّزوا عن عادٍ الثانيةِ، وهي عادُ إِرَم. ... ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (٦١)﴾. [٦١] ﴿وَإِلَى ثَمُودَ﴾ أي: وأرسلنا إلى ثمودَ، وتقدَّمَ تفسيرُه في سورةِ الأعرافِ ﴿أَخَاهُمْ﴾ في النسبِ ﴿صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ﴾ ابتدأَ خَلْقَكم من آدمَ، وآدمُ ﴿مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ أي: خلقَكُم لِعِمارتها، وقيل: أطالَ أعمارَكم، قيل: كانتْ أعمارُهُم من ألفِ سنةٍ إلى ثلاثِ مئةِ سنةٍ.

هود 11:62

﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ من المؤمنينَ ﴿مُجِيبٌ﴾ لدعائِهم. ... ﴿قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿قَالُوا﴾ يعني: ثمودَ ﴿قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا﴾ للسيادةِ في ديننا ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ القولِ. ﴿أَتَنْهَانَا﴾ استفهامٌ معناهُ الإنكارُ ﴿أَن﴾ أي: عن أن ﴿نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الآلهةِ ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ من التوحيدِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ في الريبةِ، وهي قلقُ النفسِ وانتفاءُ الطمأنينةِ. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بيانٍ وبصيرةٍ. ﴿مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ نبوةً. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعُني من عذابه ﴿إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي﴾ بقولكم هذا ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أي: غيرَ بَصَارةٍ في خسارتكم. ... ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ نصبٌ على الحالِ

هود 11:65

والقطع، وذلكَ أنَّ قومَهُ طلبوا منه أن يُخْرِجَ ناقةً عُشَراءَ من هذهِ الصخرةِ، وأشاروا إلى صخرةٍ، فدعا صالحٌ، فخرجت منها ناقةٌ، وولدَتْ في الحالِ ولدًا مثلَها، فهذه معنى قوله ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾. ﴿فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ﴾ من العشبِ، فليس عليكم مُؤْنتها. ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا﴾ جزم بالنهي ﴿بِسُوءٍ﴾ بعقرٍ ﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ جوابُ النهي ﴿عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ مِنْ عقرِها، وهو ثلاثة أيام. ... ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ﴾ لهم صالحٌ: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ﴾ عِيشوا في ديارِكم ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثم تهلكونَ ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ فيه، تقدَّمَ ذكرُ القصةِ في الأعراف. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ نعمة ﴿مِنَّا وَمِنْ﴾ عطفٌ على (نَجَّيْنا)؛ أي: ونجيناهم من ﴿خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ أي: عذابهم في الدنيا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم، والباقون: بكسرها على إضافة (يَوْمِ) إلى (إِذْ)، وأبو عمرٍو يدغمُ الياءَ في الياءِ (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، =

هود 11:67

﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ القادرُ على كلِّ شيءٍ. ... ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾. [٦٧] ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿الصَّيْحَةُ﴾ في اليومِ الرابعِ، وذلك أنَّ جبريلَ عليه السلام صاحَ صيحةً واحدةً، فهلكوا. ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه في سورةِ الأعراف [الآية: ٥]. ... ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ يقيموا في ديارهم. ﴿أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ قرأ حمزةُ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (ثَمُودَ) غيرَ منوَّنٍ، والباقونَ: بالتنوين (١). ﴿أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ قرأ الكسائيُّ: (لِثَمُودٍ) بالخفضِ والتنوينِ، والباقون: بنصبِ الدال، فمن أجازَ الصرفَ لأنه اسمٌ مذكرٌ، ومن لم يُجِزْهُ جعلَهُ اسمًا للقبيلةِ (٢). = و"تفسير البغوي" (٢/ ٤١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٠). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢١). (٢) المصادر السابقة.

هود 11:69

﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ هم جبريلُ ومَنْ معه من الملائكةِ. ﴿إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ بالبشارةِ بإسحقَ ويعقوبَ، وبإهلاكِ قومِ لوطٍ. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ نصبٌ على المصدرِ، والعاملُ فيه مضمَرٌ من لفظِه؛ كأنه قال: أسْلمْ سلامًا. ﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأٌ وخبر، أي: سلامٌ عليكم. وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (سِلْمٌ) بكسرِ السينِ بلا ألفٍ وسكونِ اللام، بمعنى: السلام، كما يقال: حِلٌّ وحَلالٌ (١). ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ﴾ أي: فما أبطأ بمجيئِه ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ مَشْوِيٍّ بالحجارةِ المحمَّاةِ في حُفَيرة، وكانَ سَمينًا يسيلُ دَسَمًا. ... ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ إلى العجلِ. قرأ أبو عمرٍو: (رَأَى) بإمالةِ الهمزةِ فقط، وقرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: بإمالةِ الراءِ تبًعًا للهمزة، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي بكرٍ (٢). (١) المصادر السابقة. (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر"لابن الجزري (٢/ ٤٤ - ٤٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٢).

هود 11:71

﴿نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ﴾ أضمرَ ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ خوفًا ظهرَ أثرهُ عليه، وذلك أنهم كانوا إذا نزلَ بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامِهم، ظنوا أنه لم يأتِ بخير، وإنما جاءَ لشرٍّ. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ يا إبراهيمُ. ﴿إِنَّا﴾ ملائكةُ الله ﴿أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾. ... ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ سارَةُ بنتُ هارانَ بنِ ناحور، وهي ابنةُ عمِّ إبراهيمَ ﴿قَائِمَةٌ﴾ خلفَ الستر تسمعُ كلامَهم. ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: تبسَّمَتْ سرورًا بزوالِ الخيفةِ، وهو قولُ الجمهورِ، قيل: ضَحِكَتْ؛ أي: حاضَتْ، قال ابنُ عطيةَ: وهو ضعيفٌ قليلُ التمكُّنِ (١). ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ﴾ أي: بعد ﴿إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ فَبُشِّرَتْ أنها تعيشُ حتى ترى ولدَ ولدِها. قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَعْقُوبَ) بنصبِ الباءِ عطفًا على (إِسْحَاقَ)، والباقون: بالرفعِ على أنه مبتدأٌ خبرُه الظرفُ (٢)؛ أي: ويعقوبُ مولودٌ من بعدِه، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من قوله: (وَرَاءِ إِسْحَاقَ) كاختلافِهم فيهما من قوله: (هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٥]. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ١٨٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٤).

هود 11:72

﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى﴾ أي: يا عجبًا، وتقالُ هذهِ اللفظةُ عندَ ورودِ أمرٍ عظيمٍ. ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا﴾ وكانت ابنةَ تسعينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. واختلافُ القراءِ في قوله: (أَأَلِدُ) كاختلافهم في قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]. ﴿بَعْلِي﴾ بعلُ المرأةِ: زوجُها ﴿شَيْخًا﴾ نصبٌ حالٌ، وكانَ سِنُّ إبراهيمَ مئةً وعشرينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك، فأنكرت ذلك عادةً، وقالت: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: وجودَ الولدِ من كبيرين ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ وهو استعجابٌ من حيثُ العادة دونَ القدرةِ، وكانَ بينَ البشارةِ والولادةِ سنةٌ. ... ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿قَالُوا﴾ أي: الملائكةُ منكِرينَ: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ بإيجادِ الولدِ من كبيرين؟ ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ نبوَّتُه، و (رَحْمَتُ) رُسمت بالتاء في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، والكسائيُّ (١). (١) انظر: الآية (٢١٨) من سورة البقرة.

هود 11:74

﴿وَبَرَكَاتُهُ﴾ الأسباطُ من بني إسرائيلَ؛ لأنَّ أكثرَ الأنبياءِ منهم، وكلُّ الأسباطِ من ولدِ إبراهيمَ، وقيل: المعنى: حقيقةُ الرحمةِ والبركةِ حالَّتانِ. ﴿عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصبٌ نداءٌ؛ أي: بيتَ إبراهيمَ، وفيه دليلٌ أن زوجةَ الرجلِ من أهلِ بيته؛ لأنها خوطبَتْ به، فيقوى القولُ في زوجاتِ النبيِّ - ﷺ - بأنهن من أهلِ بيتِه الذينَ أذهبَ اللهُ عنهم الرَجْسَ، بخلافِ ما تذهبُ إليهِ الشيعةُ من قولهم: أَهْلُ بيتِه الذين حُرِموا الصدقَةَ، فيدفعونَ الزوجاتِ؛ بغضًا في عائشةَ رضي الله عنها. ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ محمودٌ في أفعالِه. ﴿مَّجيدٌ﴾ كثيرُ الرفعةِ والشرفِ. ... ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الخوفُ. ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾ بإسحاقَ ويعقوبَ. ﴿يُجَادِلُنَا﴾ فيه إضمارٌ؛ أي: أخذَ يجادِلُنا، ومعناهُ: يجادلُ رُسُلَنا. ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ في إهلاكِهم، ومجادلتُه إياهم أَنْ قالَ لهم: أَتُهْلِكونَ قومًا فيهم خمسونَ مؤمنًا؟ قالوا: لا، قال: أربعونَ؟ قالوا: لا، فما زالَ ينقصُ حتى قالَ: واحد؟ قالوا: لا ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [العنكبوت: ٣٢]. ***

هود 11:75

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ غيرُ عَجولٍ. ﴿أَوَّاهٌ﴾ كثيرُ التأَوُّهِ من الذُّنوبِ ﴿مُنِيبٌ﴾ تائبٌ. ... ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾. [٧٦] وكان في قرى لوطٍ أربعُ مئةِ ألفٍ، فقالتِ الرسلُ عندَ ذلك: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ الجدالِ. ﴿إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ بإهلاكِهم. ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ﴾ نازلٌ بهم ﴿عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ عنهم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ يعني: هؤلاءِ الملائكةَ. ﴿لُوطًا﴾ على صورةِ غِلْمانٍ مُرْدٍ حِسانِ الوجوهِ. ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: حزنَ لوطٌ بمجيئهم. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (سِيءَ) و (سِيئَتْ) بإشمامِ السينِ الضَّمَّ حيث وقعَ (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لاين الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٥).

هود 11:78

﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ وضيقُ الذَّرع: عبارة عن ضيقِ الوُسْعِ، وهو كنايةٌ عن شِدَّةِ الانقباض، المعنى: اغتمَّ غَمًّا شديدًا خشيةً من قومِهِ أن يقصِدُوهُم بالفاحشةِ لَمَّا رأى جَمالَهم، فيحتاجُ إلى المدافعةِ عنهم. ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ شديدٌ. ... ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾. [٧٨] رُوي أنهم جاؤوا منزلَ لوطٍ سرًّا، ولم يعلمْ بهم إلا أهلُ بيتِ لوط، فخرجتِ امرأتُه فأخبرَتْ قومَها، وقالت: إنَّ في بيتِ لوطٍ رجالًا ما رأيتُ مثلَ وُجوهِهِمْ قَطُّ. ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ يُسرِعون، وقيلَ: يُسْتَحَثُّونَ. ﴿وَمِنْ قَبْلُ﴾ أي: ومن قبلِ ذلكَ الوقتِ. ﴿كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إتيانَ الذكورِ في أدبارِهم. ﴿قَالَ﴾ لهم لوطٌ حينَ قصدوا أضيافَهُ: ﴿يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: بالنكاحِ أحلُّ، وَقَى أضيافَهُ ببناتِهِ، وكان في ذلكَ الوقتِ تزويجُ المسلمةِ من الكافرِ جَائزًا كما زَوَّجَ النبيُّ - ﷺ - ابنتيه من أبي العاصِ بنِ وائلٍ، وعُتْبَةَ بنِ أبي لهبٍ قبلَ الوحيِ وهما كافرانِ. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بتركِ الفواحشِ ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ تَفْضحونِ.

هود 11:79

﴿فِي ضَيْفِي﴾ بفعلِكم الخبيثِ؛ لأنَّ العارَ يلزمُني بذلك. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (تُخْزُوني) بإثباتِ الياءِ حالةَ الوصلِ، ويعقوبُ بإثباتِها وَصْلًا ووقفًا (١)، وقرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (ضَيْفِي) بإسكان الياءِ، والباقون: بفتحها (٢). ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ صالحٌ يأمرُ بالمعروفِ وينهى عن المنكرِ؟ ... ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ أي: حاجةٍ، فلا ننكحُهُنَّ. ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ من إتيانِ الذكورِ. ... ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿قَالَ﴾ لهم لوطٌ عندَ ذلكَ: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أنصارًا وأعوانًا ﴿أَوْ آوِي﴾ أَنْضَمُ. ﴿إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ عشيرةٍ منيعةٍ، وجوابُ (لو) محذوفٌ؛ أي: لَقاتَلْتُكم وحُلْتُ بَينكم وبينَهم. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦ - ١٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٦ - ١٢٧). (٢) المصادر السابقة.

هود 11:81

﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٨١)﴾. [٨١] وكان لوط قد أغلقَ عليه وعلى أضيافِه بابَه، وهو يناشِدُهم من وراءِ البابِ، وهم يعالجونَ في تسَوُّرِ الجدارِ، فلما رأتِ الملائكةُ ما يلقى لوطٌ منهم. ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوءٍ، وإنَّ ركنَكَ لشديدٌ، فخلِّ بينَنا وبينَهم، ففتحَ البابَ، فصفقَ جبريلُ وجوهَهم بجناحه، فأعمى أبصارَهُم، فذهبوا يتهدَّدونَ لوطًا يقولونَ: مكانَكَ حَتَى نصبحَ. ﴿فَأَسْرِ﴾ يا لوطُ ﴿بِأَهْلِكَ﴾ بابنتكَ وامرأتك. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (فَاسْرِ) بوصلِ الألفِ من سَرَى، والباقون: بقطعِها من أَسْرَى، ومعناهُما واحدٌ، وهو سيرُ الليلِ (١). ﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفةٍ منهُ، قيلَ: إنه السَّحَرُ الأولُ. ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو (امْرَأَتُكَ) برفع التاء على الاستئنافِ، من الالتفاتِ؛ أي: لا يلتفتْ منكم أحدٌ إلا امرأتُك، فإنها تلتفتُ فتهلكُ، وكان لوطٌ قد أخرجَها معه، ونهى من تبعَه ممن أَسْرى بهم أَنْ يلتفتَ سوى زوجتِه، فإنها لما سمعتْ هَدَّةَ العذابِ، (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤١٧ - ٤١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٢٧ - ١٢٨).

هود 11:82

التفتَتْ، وقالت: واقوماه! فأدرَكها حجرٌ فقتلَها. وقرأ الباقون: بنصب التاءِ على الاستثناءِ من الإسراء (١)؛ أي: فأسرِ بأهلكَ إلَّا امرأتَكَ فلا تَسْر بها، وخَلِّفْها معَ قومها، فإنَّ هَواها إليهم، قال القرطبيُّ: وهي القراءةُ البينةُ الواضحةُ المعنى (٢). ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ من العذابِ، فقال لهم لوطٌ: متى موعدُ هلاكِهم؟ فقالتِ الملائكةُ: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ قال لوطٌ: أريدُ أسرعَ من ذلك، فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾؟ ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢)﴾. [٨٢] فخرج لوطٌ وطوى اللهُ له الأرضَ في وقْتِه حتى نَجا، ووصلَ إلى إبراهيمَ عليهما السلام ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ عذابُنا. ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ وذلكَ أن جبريلَ عليه السلام حملَ مَدائِنَهم، الخمسَ، وهي سدومُ، وهي القريةُ العظمى، وعَمُورا، وأَدْم، وأصبؤين، ولُوشَع بمنْ فيها على جناحه، وكانوا أربعَ مئةِ ألفٍ، ورفعَها حتى سمعتِ الملائكةُ نباحَ الكلابِ وصياحَ الدِّيكةِ، لم يُكْفَأْ لهم إناءٌ، ولم ينتبهْ نائمٌ، ثم قلبَها فجعلَ عاليَها سافلَها. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا﴾ أي: على شذَّاذِ القُرى، وهم مَنْ لم يكنْ فيها. (١) المصادر السابقة. (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ٨٠).

هود 11:83

﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ سجِّيل وسِجِّينٌ: الصلب من الحجارةِ والطين. ﴿مَنْضُودٍ﴾ متتابع يتبعُ بعضُها بعضًا. ... ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿مُسَوَّمَةً﴾ نعتُ الحجارةِ؛ أي: مُعَلَّمَة، عليها أمثالُ الجبالِ لا تشبهُ حجارةَ الدنيا ﴿عِندَ رَبِّكَ﴾ في خزائِنِه. ﴿وَمَا هِيَ﴾ يعني: تلكَ الحجارةَ ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: مشركي مكة. ﴿بِبَعِيدٍ﴾ أي: بمكانٍ بعيدٍ. ... ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ أي: وأرسلْنا إلى مَدْيَنَ ﴿أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكان قومُ شُعيبٍ يُطَفِّفُونَ معَ شِرْكِهم، فقال: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: لا تَبْخَسوا. ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ سَعَةٍ وخِصْبٍ، فلا حاجةَ لكم إلى التَّطْفيفِ ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ يحيطُ بكم فيهلِكُكُم، والمرادُ: يومُ القيامةِ. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنّي أَرَاكُمْ) (إِنّي أَخَافُ) بإسكانِ الياء، وافَقَهم الكسائيُّ في (إِنّي أَرَاكُمْ) (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزريّ =

هود 11:85

﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا﴾ أَتِمُّوا ﴿الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدلِ. ﴿وَلَا تَبْخَسُوا﴾ لا تنقِصُوا ﴿النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي: لا تَسْعَوْا في فسادٍ. ... ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أي: ما أبقاه اللهُ لكمْ من الحلال. وقفَ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ على (بَقِيَّة) بالهاءِ (١)، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من التطفيفِ. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لأنه لا ينتفعُ بالثوابِ إلا مؤمنٌ. ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أحفظُكم من القبائح، إِنْ عَلَيَّ إلا البلاغُ. ... ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾. [٨٧] وكانَ شعيبٌ - ﷺ - كثيرَ الصلاةِ ﴿قَالُوا﴾ لهُ سُخريةً واستهزاءً: = (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٨١١). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٩).

هود 11:88

﴿يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ من الأوثانِ. ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من البَخْسِ والتَّطفيفِ. ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قالوهُ استهزاءً به، وأرادوا: الضَّالَّ السَّفيهَ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (أَصَلاَتُكَ) بحذفِ الواوِ على التوحيدِ، والباقونَ بإثباتها على الجمعِ (١)، واختلافُهم في الهمزتينِ مِنْ (نَشَاءُ إِنَّكَ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلَى) في سورةِ البقرة [الآية: ١٤٢]. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ﴾ بصيرةٍ. ﴿من ربِّي﴾ وهو ما آتاهُ الله من العلمِ والنبوةِ. ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ مالًا حلالًا، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: فهلْ يسعُ لي مع هذا الإنعام أن أشوبَ الحلالَ بالحرامِ. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ المعنى: ما أريدُ أن أنفردَ بشهواتِكُم اللاتي نهيتُكم عنها لأَستبدَّ بها دونَكُم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٢٩).

هود 11:89

﴿إِنْ أُرِيدُ﴾ فيما آمرُكُم به وأنهاكُمْ عنه. ﴿إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ مُدَّةَ استطاعتي. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: لا أقدرُ على توفيقِ نفسي، فكيفَ توفيق غيري؟ والتوفيق: تسهيلُ سُبُلِ الخيرِ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ (توفيقي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (١) ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجعُ في جميعِ أموري. ... ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾ خِلافي. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (شِقَاقِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحِها (٢). ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾ أي: على فعلٍ يصيُبكم. ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرقِ. ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريحِ ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الصَّيْحَةِ. ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ لأنهم قريبو المنازلِ والهلاكِ منكم. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"الكشف"لمكي (١/ ٥٣٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣١). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، والمصادر السابقة.

هود 11:90

﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ عَمَّا أنتم عليه. ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾ عظيمُ الرحمةِ للتائبين ﴿وَدُودٌ﴾ مُحِبٌّ أَولياءَهُ. ... ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾. [٩١] وجاءَ في الخبر: "أَنَّ شُعَيبًا كانَ خطيبَ الأنبياءِ" (١) ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ﴾ لا نفهمُ ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ احتقارًا بكَ. ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ عاجِزًا عن التصرُّفِ، وذلك أنه كانَ ضريرَ البصر. ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ﴾ عشيرتُك ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾ لقتلْناكَ بالحجارةِ، والرجمُ: أقبحُ القتلِ، وقالوا ذلكَ تألُّفًا لقومِه؛ لأنهم كانوا على دينهم لا خوفًا منهم؛ لأنَّ الرهطَ ما دونَ العشرةِ. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ تمنعُنا عِزَّتُكَ عن الرجمِ، بل قومُكَ الأعزةُ. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَهْطِي﴾ أترون رهطي. (١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٧١)، عن محمد بن إسحاق. وانظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٠/ ٦٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٥٠٤).

هود 11:93

﴿أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: أَهْيَبُ عندَكم من الله. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ، وهشامٌ عنِ ابنِ عامرٍ: (أَرَهْطِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحِها (١). ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أي: اللهَ ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي: كالمنبوذِ وراءَ ظهورِكم. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (وَاتَّخَذْتُمُوهُ) بإظهارِ الذالِ عندَ التاء، والباقونَ: بالإدغام (٢). ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ خبرٌ في ضمنِه توعُّدٌ، ولفظُ الرجالِ والرهطِ لا يعمُّ النساءَ، ويعمُّ الناسَ ونحوَه الكلُّ بالاتفاقِ، والقومُ للرجالِ، ولهنَّ تبعًا. ... ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿وَيَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ قُوَّتِكم طالبينَ هلاكي. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (مَكَانَاتِكُمْ) بالألف على الجمع، والباقون: بغيرِ ألفٍ على التوحيدِ. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٢). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٢).

هود 11:94

﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ بقوةِ اللهِ ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أَيُّنا الجاني على نفسِه، والمخطئُ في فعلِه، فذلكَ قولُه: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ يُذِلُّهُ. ﴿وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ فسيعلمُ كذبَهُ ويذوقُ وبالَ أمرِه. ﴿وَارْتَقِبُوا﴾ انتظروا العذابَ. ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ أرقُبُ نزولَ عذابِكم. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤)﴾. [٩٤] ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ قيل: صاحَ بهم جبريلُ صيحةً، فخرجَتْ أرواحُهم من أجسادِهِم، أُنِّثَ الفعلُ على لفظِ الصيحةِ، وقالَ في قصةِ صالحٍ: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ فَذُكِّر على معنى الصياحِ، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: "ما أهلكَ اللهُ أُمَّتينِ بعذابٍ واحدٍ إلا قومَ صالحٍ وقومَ شُعيبٍ أهلكَهم اللهُ بالصيحةِ، غيرَ أَنَّ قومَ صالحٍ أخذَتْهم الصيحةُ من تحتِهم، وقومَ شعيبٍ من فوقِهم" (١). ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ميتين. ... ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا﴾ لم يُقيموا ﴿فِيهَاَ﴾ في الأرص ﴿أَلَا بُعْدًا﴾ هلاكًا. (١) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ٩٢).

هود 11:96

﴿لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ﴾ هَلَكَتْ ﴿ثَمُودُ﴾ شَبَّهَهم بهم؛ لأن عذابَهم كانَ شبيهًا بعذابِهم. ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ بالتوراةِ. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حُجَّةٍ بينةٍ. ... ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾. [٩٧] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ والملأُ: الجمعُ من الرجالِ. ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ بالكفرِ بموسى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ أي: ليسَ بمصيبٍ في مذهبهِ، ولا مفارقٍ للسفاهةِ. ... ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾ المغرَقين مَعه؛ أي: يتقدَّمُهم. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ﴾ أدخلَهم. ﴿النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ أي: المدخلُ المدخولُ فيه، وأوقعَ الفعلَ الماضي في (أَوْرَدَهُمْ) موقعَ المستقبلِ؛ للإيذانِ أن ذلكَ واقعٌ لا محالةَ؛ لأنَّ الماضيَ متيقَّنُ الوجودِ.

هود 11:99

﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يُلْعَنون أيضًا بدخولهم في جهنمَ. ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي: بئسَ العونُ المعانُ، وقيل: بئسَ العطاءُ المعطَى لهم، والرفدُ في كلامِ العربِ: العَطِيَّةُ. ... ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾. [١٠٠] ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا﴾ من القرى ﴿قَائِمٌ﴾ ما بقي حيطانُه وسقطَتْ سُقوفُهُ ﴿وَحَصِيدٌ﴾ انمحَقَ أَثَرُه. قرأ أبو عمرٍو: (المَرْفُود ذلِكَ) بإدغام الدالِ في الذالِ (١). ... ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾. [١٠١] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ لم نُهْلِكْهم ظلمًا ﴿وَلَكِنْ﴾ كانوا أنفسَهم يظلمونَ ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالشِّركِ. ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي: نزلَ عذابُه ﴿وَمَا زَادُوهُمْ﴾ أي: الأصنامُ بعبادتِهم. ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ تَخْسيرٍ. (١) ذكرها الصفاقسي في "الغيث" (ص: ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٣)، عن حمزة والكسائي وورش.

هود 11:102

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾. [١٠٢] ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ﴾ أي: مثلُ ذلكَ الأخذِ أخذُ رَبِّكَ. ﴿الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وأهلُها ظالمونَ، فحذفَ المضافَ؛ مثلَ: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾. ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ وَجيعٌ، وهو مبالغةٌ في التهديدِ، قالَ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية" (١). ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾. [١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لعبرةً. ﴿لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ يعتبرُه عظةً. ﴿ذَلِكَ﴾ يومُ القيامةِ ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ المعنى: يُجْمَعُ الأولونَ والآخِرون جميعًا ثَمَّ ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ فيه على جميع الخلق ولهم. ... (١) رواه البخاري (٤٤٠٩)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾، ومسلم (٢٥٨٣)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.

هود 11:104

﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾. [١٠٤] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ﴾ أي: ذلكَ اليومَ. قرأ يعقوبُ: (يُؤَخّرُهُ) بالياء، والباقون: بالنون، وأبو جعفرٍ، وورشٌ: بفتح الواوِ بغيرِ همزٍ (١). ﴿إِلَّا لِأَجَلٍ معدُودٍ﴾ معلومٍ عندَ اللهِ. ... ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥)﴾. [١٠٥] ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ الضميرُ عائدٌ إلى (يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ: (يَأْتِي) بإثباتِ الياءِ وصلًا، وابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ: بإثباتِها في الحالَينِ، والباقون: بحذفها في الحالَينِ، فالقراءةُ بالإثباتِ على الوصلِ، وبالحذفِ اكتفاءً بالكسرةِ (٢). ﴿لَا تَكَلَّمُ﴾ لا تتَكلَّمُ ﴿نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ في الشفاعةِ، وكُلُّ الخلائقِ سُكوتٌ إِلَّا مَنْ أذنَ له في الكلامِ. قرأ البزيُّ عنِ ابنِ كثيرٍ: (لا تكَلَّمُ) بالمدِّ وتشديدِ التاءِ. ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ بالعذابِ ﴿وَسَعِيدٌ﴾ بالنعيمِ. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٢٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٤ أ ١٣٥). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٥).

هود 11:106

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ باستحقاقِهم النارَ بالكفرِ والمعصيةِ ﴿فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ هو تردُّدُ النفسِ من شِدَّهِّ الحزنِ ﴿وَشَهِيقٌ﴾ صوتٌ مُمْتَدٌّ. ... ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: سمواتُ الآخرةِ وأرضُها؛ فإنَّ لهما سماءً وأرضًا، بدليل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وتلكَ دائمة أبدًا وقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، ولأنه لا بدَّ لأهلِ الآخرهِّ مما يُقِلُّهم ويُظِلُّهم إما سماءٌ يخلقُها الله، أو يظلُّهم العرشُ، وكلُّ ما أظلَّكَ، فهو سماءٌ. ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناءٌ من الخلودِ في النارِ؛ لأنَّ بعضَهم، وهم فُسَّاقُ الموحِّدين، يخرجونَ منها ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ من غيرِ اعتراضٍ. ... ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾. [١٠٨] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾ باستحقاقِهم الجنةَ بالإيمانِ والطاعةِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (سُعِدُوا) بضمِّ السين، من سُعِدَ بمعنى أُسْعِدَ، والباقونَ: بفتحِها من سَعِدَ، وهما لغتان (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، =

هود 11:109

﴿فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ إلَّا من دخلَ النارَ من عُصاةِ المؤمنين، فإنَّهم مفارقونَ الجنةَ أيامَ عذابِهم، وهمُ المرادُ بالاستثناءِ الأولِ، تلخيصُه: عذابُ الفريقينِ ونعيمُهم دائمًا أبدًا إلا قدرَ مشيئةِ اللهِ تعالى فيهم بما يشاءُ ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ مقطوعٍ. ... ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (١٠٩)﴾. [١٠٩] ثم قال تعالى مُخاطبًا نبيَّه - ﷺ -، والمرادُ غيرُه: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾ وشَكٍّ. ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ إنَّهم ضُلَّالٌ. ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا﴾ كان. ﴿يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ تقليدًا لآبائِهم من غيرِ دليلٍ. ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ حَظَّهم من العذابِ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ أي: وافيًا. ... ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١١٠)﴾. [١١٠] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراةَ. ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ فمِنْ مصدِّقٍ به ومكذِّبٍ كما فعلَ قومُكَ بالقرآن. = و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٥).

هود 11:111

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخيرِ العذابِ عنهم. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بإهلاكِ الكفارِ، وإنجاءِ الأبرارِ. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من القرآنِ. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقعِ الريبةِ، وهي قلقُ النفسِ. ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١١)﴾. [١١١] ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ أي: وإنَّ كلًّا من الأممِ التي عَدَدْناهم المختلفينَ، المؤمنينَ منهم والكافرين. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (وَإِنْ) بإسكانِ النونِ على إعمالِ المُخَفَّفَةِ عملَ الثقيلةِ اعتبارًا لأصلِها الذي هو التثقيلُ، وقرأ الباقون: بتشديدها (١). ﴿لمَّا﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامر، وعاصمٌ، وحمزةُ: بتشديد الميمِ، والباقونَ: بالتخفيف (٢)، ووجهُ تخفيفِ (لما) أن اللامَ هي الداخلةُ في خبرِ (أَنَّ) المخفَّفةِ والمشدَّدةِ، و (ما) زائدةٌ، واللامُ في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ، وذلك القسمُ في موضع خبرِ (إِن)، و (لَيُوَفِّيَنَّهُمْ) جوابُ ذلكَ القسمِ المحذوفِ، والتقديرُ: وإنَّ كلًّا لأُقْسِمُ لَيُوفينهم، ووجهُ تشديدِ (لَمَّا) الجازمةِ حذفُ الفعلِ المجزومِ؛ لدلالةِ المعنى عليه، والتقدير: وإنَّ كلًّا لما ينقص من جزاءِ عملِه، ويدلُّ عليه قولُه: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٦). (٢) المصادر السابقة.

هود 11:112

﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ لما أخبرَ [بعدمِ] (١) انتقاصِ جزاءِ أعمالِهم، أَكَّدَهُ بالقسمِ، قالتِ العربُ: قاربتُ المدينةَ ولما؛ أي: ولما أدخلْها، فحذفَ أدخُلْها؛ لدلالةِ المعنى عليه، والله أعلمُ، تلخيصُه: وإنَّ جميعَهم واللهِ ليوفينَّهم ربُّكَ أعمالَهم من حسنٍ وقبيحٍ، وإيمانٍ وجحودٍ. ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديدٌ ووعيدٌ. ... ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾. [١١٢] قال - ﷺ -: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُها"، قيلَ: أَشَيَّبَكَ منها قصصُ الأنبياءِ وهلاكُ الأممِ الماضية؟ قالَ: "لا، ولكنْ قولُه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ " (٢) أي: افتقرْ إلى اللهِ تعالى بصحَّةِ العزمِ، والاستقامةُ: التبرُّؤُ من الحولِ والقوةِ، وقيل: هي الميلُ إلى العدلِ. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ أي: وليستقمِ المؤمنُ معك. ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾ لا تَخْرجوا عن حدودِ الله. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يَخْفى عليه من أعمالِكم شيءٌ. ... (١) (بعدم) لم ترد في جميع النسخ، والسياق يقتضيها. (٢) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٣٩)، عن أبي علي السّري: أنه رأى النبي - ﷺ - في رؤيا فقال: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: شيبتني... ، فذكره.

هود 11:113

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾. [١١٣] ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تَطْمَئِنُّوا وتسكُنوا إلى قولهم، والركونُ: هو المحبةُ والميلُ بالقلبِ ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ فَتُصيبَكم. ﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي: أعوانٍ يحفظونَكم من العذابِ ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. عن بعضِهم: أنه سمعَ هذهِ الآيةَ، فغشيَ عليه، فلما أفاقَ، قيلَ له في ذلكَ، فقال: هذا لمن رَكَنَ، فكيفَ بمن ظَلَمَ. ... ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾. [١١٤] ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ أولَه وآخرَه، يعني: صلاةَ الصبحِ والمغربِ، قاله ابنُ عباسٍ، والحسنُ، ورجَّحه الطبريُّ، وقيلَ غيرُ ذلك (١). قرأ أبو عمرو: (الصَّلاة طَّرَفَي) بإدغام التاء في الطاء (٢). ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ ساعاتِه، واحدتُها زُلفَةٌ. قرأ أبو جعفرٍ: (وَزُلُفًا) بضّمِّ اللام، والباقون: بالفتح (٣). (١) انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ١٢٧). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٨). (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

هود 11:115

﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ﴾ الصلواتِ الخمسَ. ﴿يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الخطيئاتِ، نزلَتْ فيمَنْ ألمَّ بما لم يَحِلَّ. عن ابنِ مسعودٍ أن رجلًا أصابَ من امرأةٍ قبلةً حرامًا، فأتى النبيَّ - ﷺ -، فسألَهُ عن ذلكَ وكفارتها، فنزلتِ الآيةُ، فقالَ الرجلُ: ألي هذهِ يا رسولَ الله؟ فقال: "لكَ ولمن عملَ بها من أمتي" (١). وقال - ﷺ -: "الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبائِرُ" (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكورُ من الوصيةِ بالاستقامةِ وتركِ الطغيانِ والميلِ إلى الظالمين ﴿ذِكْرَى﴾ موعظةٌ ﴿لِلذَّاكِرِينَ﴾ أي: لمن ذكرَهُ، وخَصَّهم بالذكرِ؛ لأنهم المنتفعونَ بهِ. ... ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١١٥)﴾. [١١٥] ﴿وَاصْبِرْ﴾ يا محمدُ على ما تلقى من أَذَى قومِكَ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في أعمالِهم. ... = (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٨). (١) رواه البخاري (٥٠٣)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلاة كفارة، ومسلم (٢٧٦٣)، كتاب: التوبة، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. (٢) رواه مسلم (٢٣٣)، كتاب: الطهارة، باب: الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة.... ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

هود 11:116

﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (١١٦)﴾. [١١٦] ﴿فَلَوْلَا﴾ أي: فهلَّا ﴿كَانَ مِنَ الْقُرُونِ﴾ التي أهلَكْناهم. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ والآيةُ للتوبيخِ. ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾ أي: ذوو جودٍ وخيرٍ، وسُمِّيَ الفضلُ والجودةُ بقيةً؛ لأنَّ الرجلَ يستبقي أفضلَ ما يخرجُه، يقالُ: هو من بقيةِ الناسِ؛ أي: خيارِهم. قوأ ابنُ جمازٍ عن أبي جعفرِ (بِقْيَةٍ) بكسرِ الباءِ وسكونِ القافِ وفتحِ الياءِ مخففةً، والباقون: بفتح الباء وكسر القاف وتشديد الياء (١)، معناه: فهلَّا كانَ من القرونَ من قبلِكم أولو بقيةٍ من خيرٍ. ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يقومون بالنهي عن الفسادِ، ومعناه جَحْدٌ، أي: لم يكنْ فيهم أولو بقيةٍ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ استثناءٌ منقطعٌ، أي: لكنَّ قليلًا. ﴿مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ نَهَوا عن الفسادِ، وهم أتباعُ الأنبياءِ، و (مِنْ) في (مِمَّنْ) للبيانِ لا للتبعيضِ، تقديرُه: لكنَّ قليلًا منهم أنجيناهُم؛ لأنهم كانوا كذلكَ. ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا﴾ نُعِّموا ﴿فِيهِ﴾ من الشهواتِ. ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ كافرينَ. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٣٨).

هود 11:117

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾. [١١٧] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ﴾ منهُ لهم، تعالى عن ذلك. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ لأعمالِهم مؤمنونَ. ... ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨)﴾. [١١٨] ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ مسلمينَ كلَّهم. ﴿وَلَا يَزَالُونَ﴾ أي: أهلُ الباطلِ ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾ على أديانٍ شتى؛ من بين يهوديٍّ، ونصرانيٍّ، ومجوسيٍّ، ومشركٍ. واختلفَ الأئمةُ في حكمِ المللِ، فقال أبو حنيفةَ: الكفرُ ملَّةٌ واحدةٌ؛ لأنه ضلالٌ، وهو ضدُّ الإسلام، ويتوارثون، وإذا تنصَّرَ يهوديٌّ، أو عكسُه، تُرِكَ على حالِهِ، ولا يُجبَرُ على الإسلام. وقال مالكٌ: الكفرُ مللٌ شَتَّى، فلا تَوارُثَ بينَ اليهوديِّ والنصرانيِّ، وأما إذا انتقلَ الكافرُ من ملَّة إلى أخرى، أُقِرَّ على كفرهِ، وأُخِذَتْ منه الجزيةُ، كقول لأبي حنيفةَ. وقال الشافعيُّ: الكفرُ ملَّةٌ واحدةٌ، ويتوارثون؛ كقولِ أبي حنيفة، لكن لا توارثَ بينَ ذميٍّ وحربيٍّ، وأما إذا تنصر يهودي، أو عكسه، أو تهوَّدَ وثنيٌّ، أو تنصَّرَ، فلا يُقبل منهُ بعدَ انتقالِه إلا الإسلامُ، أو القتلُ. وقالَ أحمدُ: الكفرُ مللٌ شتَّى مختلفةٌ، فلا يتوارثونَ مع اختلافِ مِلَلِهم؛ كقولِ مالكٍ، وأما إذا تهوَّدَ نصرانيٌّ، أو عكسُه، لم يُقبلْ منه إلا الإسلامُ، أو

هود 11:119

الدينُ الذي كانَ عليه، وإن انتقلَ كتابيٌّ أو مجوسيٌّ إلى غيرِ دينِ أهلِ الكتابِ، لم يُقَرَّ، ويؤمرُ أن يسلمَ، فإن أبي، قُتِلَ وإن انتقلَ غيرُ الكتابيِّ إلى دينِ أهلِ الكتابِ، أُقِرَّ وكذا الوثنيُّ إذا تمجَّسَ، والله أعلم. ... ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾. [١١٩] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أي: لكنْ من رحمَ ربُّكَ، فهداهُ إلى الحقِّ فهم لا يختلفون ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للرحمةِ، يعني: الذين رحمَهم، وقيلَ: معناه: للاختلافِ خلقَهم. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ وجبَ حكمُه، وهو. ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ أي: من عُصاتِهما. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ واللام في (لأملأنَّ) لامُ القسم، إذِ الكلمةُ تتضمَّنُ القسمَ، والجنُّ جميعٌ لا واحدَ له من لفظِه، والجِنَّةُ للمبالغةِ، وإن كانَ الجنُّ يقعُ على الواحدِ، فالجِنَّةُ جمعُهُ. ... ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)﴾. [١٢٠] ﴿وَكُلًّا﴾ أي: كلَّ نبأٍ ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ﴾ أخبارِهم. ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنثبتَ، أي: نسكِّنَ بهِ فؤادكَ؛ لتزدادَ يقينًا،

هود 11:121

ويقوى قلبُك. قرأ ورشٌ عن نافعٍ (فُوَادَكَ) بفتحِ الواو وبغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (١). ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ﴾ أي: السورةِ ﴿الْحَقُّ﴾ صدقُ الأنبياءِ. ﴿وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فيتَّعظون بما جرى للأممِ. ... ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (١٢١)﴾. [١٢١] ثم تهدَّدَهم بقوله ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ على حالِكم ﴿إِنَّا عَامِلُونَ﴾ على حالِنا. قرأ أبو بكرٍ عن عاصم: (مَكَانَاتِكُمْ) على الجمعِ، والباقونَ على الإفرادِ. ... ﴿وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢)﴾. [١٢٢] ﴿وَانْتَظِرُوا﴾ بنا الدوائرَ ﴿إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ حلولَ النقمِ بكم. ... ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾. [١٢٣] ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: علمُ ما غابَ عن العبادِ فيهما. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٠). ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ في المعادِ. قرأ نافعٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُرْجَعُ) بضم الياء وفتح الجيم؛ أي: يُرَدُّ، والباقون: بنصب الياءِ وكسرِ الجيم؛ أي: يعودُ حتى لا يكونَ للخلقِ أمرٌ (١). ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ثِقْ به؛ فإنه كافيكَ. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢). وتقدَّمَ في أولِ سورةِ الأنعامِ ما رُوي عن كعبٍ أنه قال: "فاتحةُ التوراةِ فاتحةُ الأنعامِ ﴿اَلحمْدُ لِلَّهِ﴾ إِلَى ﴿يَعْدِلُونَ﴾ وخاتمةُ التوراةِ خاتمةُ هودٍ ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ " (٣). عن أبي بكرٍ رضي الله عنه قال: يا رَسُولَ اللهِ! شِبْتَ، قالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ، وَالْوَاقِعَةُ، وَالْمُرْسَلاَتُ، وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ، وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" (٤)، والله أعلم. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٠ - ١٤١). (٢) المصادر السابقة. (٣) تقدم تخريجه. (٤) رواه الترمذي (٣٢٩٧)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة، وقال: حسن غريب، وأبو يعلى في "مسنده" (١٠٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣١٤)، وغيرهم.