فتح الرحمن في تفسير القرآن — يوسف 12:1 – النحل 16:127
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:14
- يوسف 12:16
- يوسف 12:18
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:28
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:34
- يوسف 12:35
- يوسف 12:37
- يوسف 12:38
- يوسف 12:40
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:49
- يوسف 12:51
- يوسف 12:53
- يوسف 12:55
- يوسف 12:56
- يوسف 12:58
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:71
- يوسف 12:73
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:79
- يوسف 12:81
- يوسف 12:83
- يوسف 12:85
- يوسف 12:87
- يوسف 12:89
- يوسف 12:90
- يوسف 12:91
- يوسف 12:93
- يوسف 12:95
- يوسف 12:97
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:105
- يوسف 12:108
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:19
- الرعد 13:22
- الرعد 13:23
- الرعد 13:26
- الرعد 13:29
- الرعد 13:31
- الرعد 13:32
- الرعد 13:33
- الرعد 13:34
- الرعد 13:35
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:41
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:13
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:51
- الحجر 15:1
- الحجر 15:3
- الحجر 15:4
- الحجر 15:8
- الحجر 15:10
- الحجر 15:14
- الحجر 15:17
- الحجر 15:19
- الحجر 15:22
- الحجر 15:25
- الحجر 15:28
- الحجر 15:32
- الحجر 15:36
- الحجر 15:41
- الحجر 15:43
- الحجر 15:46
- الحجر 15:48
- الحجر 15:51
- الحجر 15:54
- الحجر 15:55
- الحجر 15:59
- الحجر 15:62
- الحجر 15:66
- الحجر 15:68
- الحجر 15:72
- الحجر 15:74
- الحجر 15:79
- الحجر 15:82
- الحجر 15:86
- الحجر 15:90
- الحجر 15:95
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:5
- النحل 16:7
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:12
- النحل 16:14
- النحل 16:16
- النحل 16:19
- النحل 16:23
- النحل 16:25
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:30
- النحل 16:32
- النحل 16:34
- النحل 16:36
- النحل 16:38
- النحل 16:41
- النحل 16:42
- النحل 16:44
- النحل 16:47
- النحل 16:49
- النحل 16:51
- النحل 16:53
- النحل 16:57
- النحل 16:60
- النحل 16:62
- النحل 16:63
- النحل 16:64
- النحل 16:67
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:79
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:85
- النحل 16:87
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:93
- النحل 16:95
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:102
- النحل 16:103
- النحل 16:104
- النحل 16:107
- النحل 16:108
- النحل 16:111
- النحل 16:113
- النحل 16:114
- النحل 16:117
- النحل 16:120
- النحل 16:123
- النحل 16:125
- النحل 16:127
يوسف 12:1
سورة يوسف عليه السلام
مكيةٌ، آيُها مِئَةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وثلاثةٌ وأربعونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ وستٌّ وسبعونَ كلمةً.
عن ابنِ عطاءٍ: لا يسمعُ سورةَ يوسفَ محزونٌ إلا استروَحَ (١).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رُوِيَ أنَّ اليهودَ سألوا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن قصةِ يوسفَ عليه السلام، فنزلتِ السورةُ، ولم يتكررْ من معناها في القرآن شيءٌ كما تكررتْ قصصُ الأنبياءِ عليهم السلام (٢).
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١)﴾ [يوسف: ١].
[١] قوله عز وجل: ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليه، ومذاهبُ القراء فيه في أولِ سورةِ يونسَ.
﴿تِلْكَ﴾ أي: هذهِ السورةُ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ أي: البيِّن حلالُه
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٣٤).
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ١١٨).
يوسف 12:2
وحرامُه وحدودُه وأحكامُه؛ من أبانَ بمعنى: أظهرَ.
...
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف: ٢].
[٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: الكتابَ المتضمِّنَ قصةَ يوسفَ وغيرَها.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بِلُغَتِكم. قرأ ابنُ كثير (قُرَانًا) بالنقل (١)، و (قرآنًا) حالٌ و (عربيًّا) صفةٌ له.
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لكي تعلموا معانيَهُ، وتفهموا ما فيه، والعقلُ: إدراكُ معنى الكلام.
...
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ [يوسف: ٣].
[٣] ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ نبين لك خبرَ مَنْ تقدَّمك أحسنَ بيانٍ.
﴿بِمَا أَوْحَيْنَا﴾ بإيحائنا ﴿إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ أي: هذه السورةَ.
﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: وقد كنتَ قبلَ القرآنِ.
﴿لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ أي: الساهِين عن قصةِ يوسفَ لا تعلَمُها.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٥).
يوسف 12:4
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ [يوسف: ٤].
[٤] ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ﴾ أي: واذكرْ إذ قالَ يوسفُ.
﴿لِأَبِيهِ﴾ ويوسفُ اسمٌ عبرانيٌّ لا يجري فيه الإعرابُ.
﴿يَاأَبَتِ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (يَا أَبَتَ) بفتحِ التاءِ حيثُ وقعَ على تقديرِ: يا أبتاهُ، ووقفًا (يَا أَبَهْ) بالهاءِ الساكنة، ووافقهما على الوقف ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ، وقرأ الباقون، ومنهم ابن كثيرٍ، ويعقوبُ: بكسر التاءِ؛ لأن أصلَه (يا أَبَهْ)، والجزمُ يحرَّكُ إلى الكسرِ (١).
﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (أَحَدَ عْشَرَ) بإسكانِ العين، والباقون: بفتحها (٢).
﴿كَوْكَبًا﴾ أي: نجمًا من نجومِ السماءِ.
﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ولم يقل: رأيتها لي ساجدةً، جمعَهم جمعَ العقلاء؛ لوصفِهم بالسجودِ.
وكان يوسفُ قد رأى في نومِه وهو ابنُ اثنتي عشرةَ سنةً ليلةَ القدرِ، ورأى أن أحدَ عشرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ قد نزلوا فسجدوا له.
روي عن جابرٍ: أن يهوديًّا جاءَ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقال: يا محمدُ!
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٣٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣١، ٢٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٦).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٧).
يوسف 12:5
أخبرْني عن النجومِ التي رآهنَّ يوسفُ، فسكتَ رسولُ الله - ﷺ -، فنزلَ جبريلُ فأخبرَه بذلك، فقال عليه السلام لليهوديِّ: "إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ هَلْ تُسْلِمُ؟ "، قال: نعم، قال: "جَرْبَانُ؛ وَالطَّارِقُ، والذَّيالُ، وقَابِسٌ، وَعَمُودَان، وَالْفُلَيْقُ، وَالْمُصَبِّحُ، وَالصَّروخُ، وَالْفَرْغُ، وَوَثَّابٌ، وَذُو الْكَتِفَيْنِ رَآهَا يُوسُفُ، وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ نَزَلْنَ مِنَ السَّمَاءِ، وَسَجَدْنَ لَهُ"، فقالَ اليهوديُّ: إي واللهِ إنها لأسماؤها (١).
وكان النجومُ في التأويلِ إخوتَه، وكانوا أحدَ عشرَ؛ لأنه يُستضاء بالإخوةِ كما يُستضاءُ بالكواكبِ، وَالشَّمسُ أُمُّه، والقمرُ أبوه.
...
﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ [يوسف: ٥].
[٥] فلما ذكر ذلك لأبيه ﴿قَالَ يَبُنَيَّ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (يَا بُنَيَّ) بفتحِ الياءِ، والباقونَ: بكسرِها، وتصغيرُ (بني) للشفقةِ (٢).
﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ فهمَ يعقوبُ عليه السلام من رؤياه أنَّ اللهَ يصطفيهِ لرسالتِه، ويفوقُ على إخوته، فخافَ عليه حسدَهم، فأمره
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٠١)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ٢٥٩)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٢٥٠)، والحاكم في "المستدرك" (٨١٩٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٧).
يوسف 12:6
بالكتمان. قرأ الكسائيُّ بخلافٍ عنه: (رُؤْيَاكَ) بالإمالةِ (١).
﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ فيحتالون في هلاكِك؛ لأنهم يعلمونَ تأويلَها.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يحملُهم على الحسدِ والكيدِ.
﴿مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوةِ بَيِّنُها.
قال - ﷺ -: "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وإذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلاَ يُحَدِّثْ بِهِ، وَلْيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ شَرِّ مَا رَأَى؛ فَإنَّهَا لاَ تَضُرُّهُ" (٢).
...
﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾ [يوسف: ٦].
[٦] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ يقولُه يعقوبُ عليه السلام ليوسفَ، أي: كما رفعَ منزلتَكَ بهذهِ الرؤيا، فكذلك ﴿يَجْتَبِيكَ﴾ يصطفيكَ ﴿رَبُّكَ﴾ بما هو أعظمُ منها.
﴿وَيُعَلِّمُكَ﴾ أي: وهو يعلِّمُكَ ﴿مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، وما يَؤولُ أمرُها إليه، وكانَ يوسفُ أعبرَ الناسِ للرؤيا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٧).
(٢) رواه البخاري (٦٦٣٧)، كتاب: التعبير، باب: إذا رأى ما يكره فلا يخبر بها ولا يذكرها، ومسلم (٢٢٦١)، كتاب: الرؤيا، عن أبي سلمة -رضي الله عنه-.
يوسف 12:7
﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوةِ وباحتياجِ إخوتِك إليكَ ﴿وَعَلَى آلِ﴾ أي: أولادِ ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنبوةِ أيضًا؛ لأنهم كانوا أنبياءَ.
﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: أبيكَ وجَدِّك؛ فإنَّ الجدَ أبٌ في الأصالةِ، يقالُ: فلانُ بنُ فلانٍ، وبينَهما عدةُ آباءٍ ﴿إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بجعلِهما نَبِيَّيْنِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بمَنْ يستحقُّ الاجتباءَ ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعِه، وكان بينَ رؤيا يوسفَ وتحقيقِها بمصيرِ أبيه وإخوته إليه أربعونَ سنةً في قولِ الأكثرِ.
...
﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧].
[٧] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ أي: في خبرِه وخبرِ إخوته، وهم روبيلُ، وهو أكبرهم، وشمعون، ولاوى، ويهودا، وزلون، ويساخر وأمُّهم لَيَّا بنتُ ليَّانَ، وهي ابنةُ خالِ يعقوبَ، وولد له من سُرِّيتينِ اسمُ إحداهما زُلْفَى، والأخرى بُلْهة أربعة، وهم: دان، ونَفْتالي، وكاد، وأشر، ثم تُوفيت ليا، فتزوج يعقوبُ أختَها راحيل، فولدت له يوسفَ وبنيامين، فكان بنو يعقوبَ اثني عشرَ رجلًا.
﴿آيَاتٌ﴾ عِظاتٌ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عنها، وغيرِ السائلين، وذلك أن اليهود لما سألوا رسولَ الله - ﷺ - عن قصةِ يوسفَ، فذكر لهم القصةَ، فوجدوها موافقةً لما في التوراةِ، فعجبوا منه، فهذا معنى قوله تعالى: (لآياتٌ)؛ أي: دلالة على نبوةِ محمدٍ رسولِ الله - ﷺ -. قرأ ابنُ كثيرٍ: (آيَةٌ)
يوسف 12:8
على التوحيد، والباقون: (آيَاتٌ) على الجمعِ (١).
...
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ [يوسف: ٨].
[٨] ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ﴾ اللامُ فيه جوابُ القسم، تقديرُه: واللهِ ليوسفُ ﴿وَأَخُوُه﴾ بنيامينُ.
﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ وكان يعقوبُ شديدَ الحبِّ ليوسفَ، فكان يرى منه الميلُ إليه ما لا يرى لإخوته.
﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جماعةٌ عشرةٌ تُعْصَبُ بنا الأمورُ، وفينا كفايةٌ، ويفضِّلُهما علينا، ولا كفايةَ فيهما؛ لصغرهما، وأصلُ العصبةِ والعصابةِ التَّعَصُّبُ والشَّدُّ، وتطلق على الثلاثةِ أو العشرةِ إلى الأربعين.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: خطأ من رأيهِ ظاهرٌ؛ لاختيارِهما علينا، وليسَ المرادُ الضلالَ عن الدين. قرأ أبو عمرٍو، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (مُبينِ اقْتُلُوا) بكسرِ التنوينِ في الوصلِ لالتقاءِ ساكن التنوين والقافِ، وقرأَ الباقونَ: بكسر النونِ وضمِّ التنوين إتباعًا لضمةِ التاءِ ومراعاةً لها، واختلِف عن ابنِ ذكوانَ في الكسرِ والضمِّ، والوجهانِ صحيحان عنه (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٤٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٠).
يوسف 12:9
﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٩].
[٩] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ كانت هذهِ مقالَة شمعون، أو دان.
﴿أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا﴾ أي: أَبْعِدوه إلى أرضٍ بعيد من أبيه.
﴿يَخْلُ﴾ أي: يخلُصْ ﴿لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فيُقبِلُ بكلِّيتهِ عليكم.
﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعدَ يوسفَ والفراغ من أمرِه.
﴿قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ يصلُحُ حالُكم عندَ أبيكم، وقيل: معنى (صالحين)؛ أي: تائبين، تُحْدِثوا بعد ذلك توبة، فيقبلُها الله منكم.
...
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (١٠)﴾ [يوسف: ١٠].
[١٠] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ هو يهودا على الأصحِّ.
﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ نَهاهم عن قتلِه، وقال: القتلُ كبيرةٌ عظيمةٌ.
﴿وَأَلْقُوهُ﴾ اطرحوه ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قَعْرِهِ، والغَيابةُ: ما غابَ عن العينِ، والجبُّ: البئرُ التي لم تُطْوَ؛ لأنها جُبِّبَتْ من الأرض؛ أي: قُطعتْ، والبئرُ بينَ مصرَ ومدينَ على ثلاثةِ أميالٍ من منزلِ يعقوبَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (غَيَابَاتِ) على الجمع (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٠). في الموضعينِ، والباقون: (غَيَابَةِ) على الواحدِ فيهما.
﴿يَلْتَقِطْهُ﴾ يأخذْه من غيرِ طلبٍ ولا قصدٍ ﴿بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ المسافرينَ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما عَزَمْتُم عليه من القتلِ؛ فإنَّ القتلَ عظيمٌ، وهم كانوا يومئذٍ بالِغينَ، ولم يكونوا أنبياءَ بعدُ.
وأما حكمُ اللقيطِ، وهو الطفلُ المنبوذُ، فالتقاطُه مندوبٌ عندَ أبي حنيفة، وعندَ الثلاثة فرضُ كفايةٍ، وهو حرٌّ مسلمٌ إن وُجِدَ في بلدٍ فيه مسلمٌ يولَدُ لمثلِه عندَ الثلاثةِ، وقال أبو حنيفةَ: إن التقطَ من بِيعَةٍ أو كنيسةٍ أو قريةٍ من قُراهم، فيكونُ ذِمِّيًّا، وأما حضانتهُ، فلواجِدِه إن كانَ عدلًا بالاتفاق، وما وُجِدَ معه فنفقتُه منه، وإلَّا من بيتِ المالِ بالاتفاق، ومن ادَّعاهُ لحقَ به نَسَبًا لا دينًا عندَ الثلاثةِ، وعن مالكٍ في استِلْحاقِ الملتقَطِ المسلمِ بغيرِ بينةٍ قولان، وفي مسلمٍ غير الملتقط أقوالٌ، ثالثُها: إن أتى بوجه، لحق؛ كمن زعمَ أنه طرحَه؛ لأنه لا يعيشُ له ولدٌ، وسمعَ أنه إذا طرحَهُ عاشَ، وأما الذميُّ، فإنه لا يلحقُه إلا ببينةٍ، وميراثُه وديتُه لبيتِ المالِ بالاتفاق.
وأما اللُّقَطَةُ، وهي المالُ الضائعُ من رَبِّه، فقالَ أبو حنيفةَ: أخذُها أفضلُ، وقال مالكٌ: يُستحبُّ أخذُها بنيةِ حفظِها إنْ كانتْ مما لهُ خَطَرٌ، وقال الشافعيُّ: يُستحبُّ لواثقٍ بأمانةِ نفسِه، وقالَ أحمدُ: تركُها أفضلُ، ويجوزُ أخذُها لمن أمنَ نفسَه.
فمن وجدَ ما تقلُّ قيمتُه، ولا تتبعُه الهِمَّةُ، ملكَه بغيرِ تعريفٍ بالاتفاق، وأما الحيوانُ الممتنِعُ بنفسِه؛ كبعيرٍ وفرسٍ ونحوِهما، فيجوزُ التقاطُه عندَ أبي حنيفةَ، وعندَ الشافعيِّ إن وُجِدَ بمفازةٍ، جازَ التقاطُه للحفظِ، ويحرمُ للتملُّكِ، وإن وُجِدَ بقريةٍ، جازَ التقاطُه للتملُّكِ، وقالَ مالكٍ: لا يلتقِطُ الإبلَ في الصحراءِ، وعنهُ في غيرِ الإبلِ خلافٌ، وقال أحمدُ: لا يجوزُ التقاطُها، ولا يبرأُ مَنْ أخذَها إلا بدفعِها إلى الإمام، وما عدا ذلكَ من سائرِ الأموالِ، فقال أبو حنيفةَ: يُعَرِّفُها مدةً يغلبُ على ظَنِّه أن صاحبَها لا يطلُبُها بعدَ ذلكَ الزمانِ الذي عَرَّفَ فيه، قال: وتعريفُ ما دونَ عشرةِ دراهمٍ أيامًا بلا تقدير، وما فوقَها حولًا، ثم يتصدَّقُ بها إن شاءَ، فإن جاءَ صاحبُها، فأمضى الصدقةَ، وإلا ضمنَها الملتقِطُ أو المسكينُ إن شاءَ، وإن كانتْ قائمةً، أخذَها منه، ولا تُدفعُ إليه إلا ببينةٍ، ويحلُّ للملتقِط دفعُها بذكرِ علامةٍ، ولا يُجبر على ذلك، وقال مالكٍ: يُعَرِّفها سنةً، فإذا جاءَ طالبُها، فعرَفَها بعلامتها، دفعَها إليه بلا بَيِّنةٍ، وإن لم يأتِ لها طالبٌ، فإن شاءَ تركَها في يده أمانةً، وإن شاءَ تصدَّقَ بها بشرطِ الضمانِ، وإن شاءَ تملَّكها على كراهةٍ، وقال الشافعيُّ: يعرِّفها سنةً، والحقير زمنًا يظنُّ أن فاقدَه يُعرِضُ عنه غالبًا، وإذا عَرَّفَ سنةً، لم يملكها حتى يختارَهُ بلفظ؛ كتملكتُ، فإذا ظهرَ المالكُ، أخذَها، وإن تلفتْ، غرمَ مثلَها أو قيمتَها يومَ التملُّكِ، وإن وصفَها، وظنَّ صدقَه، جازَ الدفعُ، ولا يجب، وقالَ أحمدُ: يعرِّفُها سنةً، ثم تدخلُ في ملكِه بعدَ الحولِ حكمًا كالميراث، فمتى جاءَ طالبُها، فوصفَها، لزَم دفعُها إليه أو مثلُها إن هلكتْ بِلا بينةٍ.
ولا فرقَ بينَ لُقَطَةِ الحرمِ وغيرِه عندَ الثلاثِة، وعند الشافعيِّ لا تحلُّ لقطةُ الحرمِ للتملُّكِ، ويجبُ تعريفُها قطعًا، والله أعلم.
***
يوسف 12:11
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (١١)﴾ [يوسف: ١١].
[١١] فلما أجمعَ إخوةُ يوسفَ على التفريقِ بينَه وبينَ والدِه بضربٍ من الحِيَلِ.
﴿قَالُوا﴾ ليعقوبَ:
﴿يَاأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ لِمَ تخافنُا عليه؟ بدؤوا بالإنكارِ عليه في تركِ إرسالِه معهم. وأجمعَ القراءُ على قراءةِ (مالَكَ لاَ تأمَنَّا) بإدغامِ النونِ الأولى في الثانية، واختلفوا في اللفظِ به، فقرأ أبو جعفرٍ بإدغامِه محضًا من غيرِ إشارةٍ، بل يلفظُ بنونٍ مفتوحةٍ مشدَّدةٍ، وهو على أصلِه في إبدالِ الهمزِ حرفَ مَدٍّ، وقرأ الباقونَ بالإشارة، واختلفوا فيها، فبعضُهم جعلَها رَوْمًا، فيكونُ حينئذٍ إخفاءً، ولا يتمُّ معها الإدغامُ الصحيحُ، وبعضُهم جعلها إِشْمامًا، فيشيرُ إلى ضمِّ النونِ بعدَ الإدغامِ، فيصحُّ معه حينئذٍ الإدغامُ، قالَ ابنُ الجزريَّ: وبالقولِ الثاني قطعَ سائرُ أئمةِ أهلِ الأداءِ من مُؤَلِّفي الكتبِ، وحكاه أيضًا الشاطبيُّ، قال: وهو اختياري، لأني لم أجدْ نصًّا يقتضي خلافَه، ولأنه الأقربُ إلى حقيقةِ الإدغامِ، وأصرحُ في اتباعِ الرسمِ، انتهى (١).
﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ قائمونَ بمصلحتِه وحِياطتِه حتى نردَّه إليكَ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥١ - ١٥٢)، وذكر البغوي أن قراءة أبي جعفر هي رواية عن نافع أيضًا.
يوسف 12:12
﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (١٢)﴾ [يوسف: ١٢].
[١٢] ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا﴾ إلى الصحراءِ.
﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ نُنَعَّمْ ونَلْهو. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ عامرٍ: بالنونِ فيهما، وابنُ كثيرٍ: بكسرِ العين من (نَرْتعَ)، وروايةُ قنبل يثبتُ الياءَ بعدَ العينِ وصلًا ووقفًا، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: بالياء فيهما معَ كسرِ العين من (يَرْتعَ)، وقرأ الباقون، وهم: الكوفيون، ويعقوبُ: بالياءِ فيهما معَ إسكانِ العين من (يَرْتع)؛ كأبي عمرٍو وابنِ عامرٍ، فالقراءةُ بالنون فيهما أُسندَ الفعلُ إلى جميعِهم، ولم يكونوا أنبياءَ يومئذٍ، وبالياء فيهما أُسنِدَ الفعلُ إلى يوسفَ، وبكسر العين من (نَرْتعَ) من الرعي، فلامُه ياء حُذِفَتْ للجزم، وبقيت الكسرةُ تدلُ عليها، وبإسكانِ العين جزمًا جوابًا (لأرسلْه) (١).
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أن ينالَه مكروهٌ.
...
﴿قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (١٣)﴾ [يوسف: ١٣].
[١٣] ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوبُ: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي﴾ قرأ نافعٌ (لَيُحْزِنُنِي) بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي، والباقون: بفتحِ الياءِ وضمِّ الزاي، وفتحَ أبو جعفرٍ،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٦)، و "التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٢ - ١٥٤).
يوسف 12:14
ونافعٌ، وابن كثيرٍ ياءَ الإضافِة، وأَسكنها الباقون (١).
﴿أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي: ذهابُكم به، والحزنُ هاهنا ألمُ القلبِ بفراقِ المحبوبِ.
﴿وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾، وكان يعقوبُ قد رأى في منامِه أن الذئبَ قد شَدَّ على يوسفَ، فكانَ يخافُ من ذلك ﴿وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ﴾ مشغولون بعملِكم. قرأ أبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وورشٌ عن نافعٍ: (الذِّيبُ) بإسكان الياء بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (٢).
...
﴿قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (١٤)﴾ [يوسف: ١٤].
[١٤] ﴿قَالُوا لَئِنْ﴾ التقديرُ: واللهِ لَئِنْ ﴿أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ عَشَرَةٌ، وجوابُ القسم ﴿إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ ضعفاءُ مغبونونَ.
...
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٥].
[١٥] ثم قالوا ليوسف: أما تحبُّ الخروجَ معنا؟ قال: بلى، قالوا:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٩٦، ٢٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٤ - ١٥٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٥). فسل أباكَ، قال: يا أَبي! إني أَرى من إخوتي اللطفَ فأُحِبُّ أن ترسلَني معهم إلى الصحراءِ، فأرسلَهُ.
﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ جَعَلوا يحملونَه على عواتِقِهم إكرامًا لهُ، وسرورًا به، فلما أَبعدوا به عن العيون، أَلْقَوه، وجعلوا يضربونَهُ، وكلما لجأَ إلى واحدٍ منهم، ضربَهُ، ولا يزدادُ عليهِ إلا غلظةً وحنقًا، وجعلَ يبكي بكاءً شديدًا، وينادي: يا أبتاه! يا يعقوبُ! ما أسرعَ ما نَسُوا عهدَكَ، وضَيَّعوا وَصيَّتَكَ، لو تعلمُ ما يَصنعُ بابنِك أولادُ الإماءِ! قالو!: فأخذَه روبيلُ فجلدَ بهِ الأرضَ، وثبتَ على صدره، وأرادَ قتلَه، فقال: مهلًا يا أخي، لا تقتلْني، فقال له: قُلْ لرؤياكَ تُخَلِّصُك من أيدينا، ولوى عنقَه ليكسرَها، فنادى: يا يهودا! وكان أرفَقَهم به اتَّقِ اللهَ وحُلْ بيني وبينَ من يريدُ قتلي، فأخذَتْه رقةٌ ورحمةٌ، فقال يهودا: ألستُمْ قد أعطيتموني موثقًا ألا تقتلوه؟ قالوا: بلى، قال: فأنا أدلُّكم على ما هو خيرٌ لكم من القتل، ألقوه في الجبِّ، قالوا: نفعلُ.
﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ عزموا على إلقائهِ.
﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ تقدَّم تفسيرُه، واختلافُ القراءِ فيهِ، ومحلُّ الجبِّ عندَ تفسيرِ الحرفِ المتقدِّمِ، وجعلَ يوسفُ يتعلَّق بثيابِهم، فنزعوها من يديه، فتعلق بشفيرِ البئر، فربطوا يديه، ونزعوا قميصَه لما عزموا عليه من الكذبِ، فقال: يا إخوتي! ردوا عليَّ ثوبي أسترُ به عورتي في حياتي، ويكونُ كفنًا لي بعدَ مماتي، فلم يفعلوا، وألقوه، وكان يعقوبُ قد جعلَ قميصَ إبراهيمَ الذي كُسِيه لما ألُقي في النار في قصبةٍ، وشدَّ رأسَها، وعلَّقها في عنقِ يوسفَ، لما كانَ يخافُ عليه من العينِ، وكان لا يفارقُه، فأخرجَهُ جبريلُ وألبسَه إياه، وقامَ على صخرةٍ بجانبِ البئرِ، فأرادوا رضخَهُ بحجرٍ، فمنعَهم
يوسف 12:16
يهودا، وجاءه جبريلُ ليؤنسَه، وقال له: إذا هِبْتَ شيئًا، فقلْ: يا صريخَ المستصرخين، ويا غياثَ المستغيثين، ويا مفرجَ كربِ المكروبين، قد ترى مكاني، وتعلمُ حالي، ولا يخفى عليك شيء من أمري، فلما قالَها، حَفَّتْه الملائكةُ، فأنسَ بهم.
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وكانَ ابنَ ثماني عشرة سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ فيما يُستقبل ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ الذي فعلوا بك.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّكَ يوسفُ؛ لعلوِّ قدرِك، وبعد عهدِهم عنك.
...
﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (١٦)﴾ [يوسف: ١٦].
[١٦] ثم نحروا سَخْلَةً، ولطَّخوا قميصه بدمِها، ولم يشقُّوه ﴿وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ﴾ أي: مُتباكينَ وقتَ المساء، ليكونوا أَجْرَأَ على الاعتذارِ بالكذب.
****
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (١٧)﴾ [يوسف: ١٧].
[١٧] فرُوي أن يعقوبَ سمعَ صياحَهم وعويلَهم، فخرجَ فقال: ما لكم يا بني؟ أصابَكم في غنمِكم شيء؟ قالوا: لا، قال: فما أصابكم؟ وأين يوسفُ؟
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ من السِّباقِ في الرَّمْيِ بالسهامِ.
﴿وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا﴾ ثيابِنا.
يوسف 12:18
﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ﴾ بمصدِّقٍ.
﴿لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ لسوءِ ظَنِّكَ بنا، وفرطِ محبتِكَ ليوسفَ.
...
﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [يوسف: ١٨].
[١٨] ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي: مكذوبٍ فيه؛ لأنه لم يكنْ دمَ يوسفَ، فقالَ يعقوبُ: كيفَ أكلَه الذئبُ، ولم يشقَّ قميصَه؟ فاتَّهمهم، و ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أيَ: زَيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ (بَل سوَّلَتْ) بإدغامِ اللام في السين، والباقون: بالإظهار (١).
﴿فَصَبْرٌ﴾ أي: فأمري صبرٌ.
﴿جَمِيلٌ﴾ والصبرُ الجميلُ: ما لا شكوى فيهِ إلى مخلوقٍ.
﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ﴾ أي: أطلبُ منه العونَ.
﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من شأنِ يوسفَ.
...
﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾ [يوسف: ١٩].
[١٩] ولبثَ في البئرِ ثلاثةَ أيامٍ ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾ جماعةٌ يسيرون من مَدْيَنَ إلى مصرَ، أخطأوا الطريقَ، فنزلوا قريبًا من الجبِّ، وكان في قَفْرٍ بعيدٍ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٦). من العمران، وكان ماؤه مِلْحًا، فعذُبَ حينَ أُلقي يوسفُ فيه.
﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ الذي يردُ الماء ليستقيَ لهم منه، وهو مالكُ بنُ ذعْرٍ الخزاعيُّ.
﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ ليملأَها، فتعلَّق يوسفُ بالحبلِ، فلما خرجَ، إذا هو بغلامٍ أحسنَ ما يكونُ من الغلمانِ، قالَ النبيُّ - ﷺ - "قَدْ أُعْطِيَ يُوسُفُ شَطْرَ الْحُسْنِ، وَالنِّصْفُ الآخَرُ لِسَائِرِ النَّاسِ" (١)، فلما رآه مالكُ بنُ ذعرٍ.
﴿قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (يَا بُشْرَايَ) بياءٍ مفتوحة بعدَ الألف؛ أي: بَشَّرَ المستقي نفسَهُ وأصحابَهُ، يقولُ: أبشروا بغلامٍ، وقرأ الباقونَ، وهم الكوفيون: (يَا بُشْرَى) بغيرِ ياءٍ إضافةٍ على وزن فُعْلَى (٢)، يريدُ: نادى المستقي رَجُلًا من أصحابِه اسمهُ بُشْرى، وأمالَ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ فتحةَ الراء، وقرأ ورشٌ الراءَ بينَ اللفظين، والباقون: بإخلاصِ فتحِها،
(١) رواه مسلم (١٦٢)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- في حديث الإسراء الطويل، وفيه: "... ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف، إذا هو قد أعطي شطر الحسن". وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٣٦) عن ربيعة الجرشي قال: قسم الحسن نصفين، فجعل ليوسف وسارة النصف، والنصف الآخر لسائر الناس.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٧).
يوسف 12:20
واختلِفَ عن أبي عمرٍو، وابن ذكوانَ (١).
﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ الضميرُ للواردِ وأصحابه؛ أي: أخفَوا أمرَ يوسفَ، وقالوا: دفعَه لنا أهلُ الماءِ لنبيعَه لهم بمصرَة لئلا يطالبَهم رُفْقَتُهم بالشركة فيه، ورُوي أنَّ إِخوةِ يوسفَ أخفَوا شأنَه؛ لأنه لما أخذَهُ المدلي، علم به يهودا؛ لأنه كان يأتيه بطعامه، فذهبَ وإخوتَه إلى السيارة، فقالوا: هذا عبدٌ لنا أَبَقَ، فاشتروهُ منا، ويوسفُ ساكتٌ لا يتكلَّمُ مخافةَ القتلِ.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ لم تخفَ عليه أسرارُهم.
...
﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ [يوسف: ٢٠].
[٢٠] ﴿وَشَرَوْهُ﴾ السيارةُ من إخوته. قرأ ابنُ كثيرٍ: (وَشَرَوْهُو) بواو يصلُها بهاء الكناية في الوصلِ، وتقدَّمَ التنبيهُ عليه أولَ سورةِ البقرة (٢) ﴿بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ ناقصٍ عنِ القيمةِ.
﴿دَرَاهِمَ﴾ لا دنانيرَ ﴿مَعْدُودَةٍ﴾ قليلةٍ؛ لأنهم كأنوا لا يَزِنُون إلا ما بلغَ أوقيةً، وهو أربعونَ درهمًا، ويَعُدُّون ما دونَها، وكانت الدراهمُ عشرينَ درهمًا، فاقتسَمَها إخوةُ يوسفَ درهمينِ درهميِن.
﴿وَكَانُوا﴾ إخوةُ يوسفَ ﴿فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾ ليبعدَ عنهم.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥ - ٣٦)، وباقي المصادر في التعليق السابق.
(٢) عند تفسير الآية: (٢).
يوسف 12:21
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢١)﴾ [يوسف: ٢١].
[٢١] فلما قدمتِ السيارةُ بيوسفَ مصرَ، دخلوا به السوقَ يعرضونه للبيع، وكانتْ قوافلُ الشامِ تنزلُ بالناحيةِ المعروفةِ اليومَ بالموقفِ، وهي ظاهرَ مصرَ خارجَ كومِ الجارحِ بالقربِ من الجامعِ الطولونيِّ، فوقفَ الغلامُ، ونوديَ عليه، فاشتراهُ قِطْفيرُ صاحبُ أمرِ الملك، وكان على خزائنِ مصرَ يُسَمَّى العزيزَ، واشتراهُ بعشرينَ دينارًا وزوجِ نعلٍ، وثوبينِ أبيضين، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ﴾ هو قِطفيرُ المذكورُ ﴿لِامْرَأَتِهِ﴾ واسُما زَليخَا، وقيل: رَاعِيل ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾ منزلَهُ؛ أي: أَحْسِني تعهُّدَه.
﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ فيما نحتاجُ إليه، وكانَ العزيزُ لا يولَدُ له فقال:
﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبنَّاهُ؛ لما رأى فيه من مخايلِ الفلاحِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكإنجائِنا يوسفَ من الشدائدِ وعطفِ قلبِ العزيزِ عليه.
﴿مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مصرَ؛ بأن جعلناهُ حاكمًا عليها.
﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ هي تعبيرُ الرؤيا.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ الهاءُ في (أمره) لله تعالى؛ أي: لا مانعَ
يوسف 12:22
لقضائِه، وقيل: ليوسفَ؛ أي: إنه يدبره، ولا يَكِلُه إلى سِواه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ مرادَ الله تعالى.
...
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه﴾ منتهى شبابِه وقُوَّته، جمعُ شدٍّ، وهو ثلاثٌ وثلاثونَ سنةً في أظهرِ الأقوالِ.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ نبوةً ﴿وَعِلْمًا﴾ فِقْهًا.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ المطيعينَ.
...
﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَرَاوَدَتهُ﴾ أي: طالبته مرةً بعدَ مرةٍ برفقٍ وسهولةٍ.
﴿الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا﴾ وهي زليخا احتالَتْ عليه، وأرادتْ خدعَهُ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لتنالَ غرضَها منه، وكانت تكتمُ حُبَّهُ، فخَلَتْ به، وتزيَّنَتْ له، وعَرَّفَتْه أنها تحبُّه، وأنه إِن واتاها على ما تريدُه منه، حَبَتْهُ بمالٍ عظيمٍ، فامتنعَ من ذلك، ورامَتْ أن تغلبَهُ.
﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ عليها وعليه، وكانت سبعةً.
﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ قرأ أبو عمرٍو، ويعقوبُ، وعاصمٌ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (هَيْتَ) بفتح الهاءِ والتاءِ من غيرِ همزٍ؛ أي: هَلُمَّ وأَقْبِلْ إلى ما أدعوكَ إليه، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ (هِيتَ) بكسرِ الهاءِ وفتحِ التاءِ من غيرٍ همزٍ، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامرٍ، فرويَ عنه وجهِان: بكسر الهاءِ وضمِّ التاءِ وفتحِها مهموزًا في الوجهين، وقرأ ابنُ كثير: بفتح الهاءِ وضمِّ التاءِ من غيرِ همزٍ، ومعناه تَهَيَّأتُ لكَ (١).
﴿قَالَ﴾ يوسفُ لها عندَ ذلك: ﴿مَعَاذَ اَللَّهِ﴾ أستجيرُ بالله مما دَعَوْتيني إليه.
﴿إِنَّهُ رَبِّىَ﴾ المعنى: زوجُكِ قِطفيرُ سيدي.
﴿أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ حينَ أوصاكِ بإكرامي، فما جزاؤه أن أخونَهُ، وقيل: المرادُ (بربي): اللهُ سبحانه، أحسنَ إليَّ بما أعطاني. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ: (رَبِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ الدوريُّ عن الكسائيِّ (مَثْوَايَ) بالإمالة (٣).
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ لا يسعد الزُّناةُ؛ فإنَّ الزنى ظلمٌ على الزاني والمزنيِّ بأهلِه.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٥٨ - ١٦٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦١).
(٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦١).
يوسف 12:24
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف: ٢٤].
[٢٤] ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أي: بمخالطتِه، والهمُّ: هو المقاربةُ من الفعلِ من غيرِ دخولٍ فيه.
﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ بخطراتِ القلبِ الذي لا يقدرُ البشر على التحفُّظِ منه، ورجعَ عندَ ذلكَ ولم يتجاوزْه.
﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ رُوي أنّه رأَى صورةَ يعقوبَ عاضًّا على أصبغِه، وبه كانَ يُخَوَّفُ صغيرًا، وقيلَ غيرُ ذلكَ، وجوابُ لولا محذوفٌ، تقديرُه؛ لولا أنْ رأى برهانَ رَبِّهِ، لواقعَ المعصيةَ، وقيل: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ؛ أي: ولقد همتْ به، ولولا أن رأى برهانَ رَبِّه، لهمَّ بها.
﴿كَذَلِكَ﴾ فعلْنا مثل ذلك ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ الزنى.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ قرأ الكوفيون، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ (الْمُخْلَصِينَ) بفتحِ اللامِ حيثُ وقَع؛ أي: المختارين، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ أي: المخلِصين لله الطاعةَ، واختلافُهم في الهمزتين من (الْفَحْشَاءَ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما مهن (شُهَداءَ إِذْ) في سورة البقرة.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٢).
يوسف 12:25
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ [يوسف: ٢٥].
[٢٥] ورُوي أنها سترَتْ صنمًا كانَ عندَها، فقال: لِمَ سترتِهِ؟ قالت: أَسْتَحيي أن يراني على معصية، فقال: أتستحيينَ ممن لا يسمعُ ولا يبصرُ، وأنا أحقُّ أن أستحييَ من ربي؟ وهرب (١).
﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾ وَحَّدَ البابَ، وأرادَ: الجنس؛ أي: تسابقا إليه، وذلك أن يوسفَ فرَّ منها ليخرجَ، وأسرعتْ وراءه لتمنعَه الخروجَ، فأدركَته، فلزمَتْه.
﴿وَقَدَّتْ﴾ شَقَّتْ ﴿قَمِيصَهُ﴾ نِصفين ﴿مِنْ دُبُرٍ﴾ من خَلْفِه.
﴿وَأَلْفَيَا﴾ وَجَدا ﴿سَيِّدَهَا﴾ زوجَها قِطفيرَ، وكان عِنِّينًا لا يأتي النساءَ ﴿لَدَى الْبَابِ﴾ عندَ البابِ جالسًا، فلما رأتْهُ.
﴿قَالَتْ﴾ سابقةً بالقولِ لزوجِها:
﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا﴾ أي: زنًا، ثم خافَتْ عليه أن يُقتلَ فقالتْ: ﴿إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ﴾ أي: يُحْبَسَ ﴿أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يضربُ بالسياطِ.
(١) قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٢/ ١٩١): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله جلَّ ثناؤه أخبر عن همِّ يوسف وامرأة العزيز كل واحد منهما بصاحبه لولا أن رأى يوسف برهان ربه، وذلك آية من آيات الله زجرته عن ركوب ما هم به يوسف من الفاحشة. وجائز أن تكون تلك الآية صورة يعقوب، وجائز أن تكون صورة الملك، وجائز أن يكون الوعيد في الآيات التي ذكرها الله في القرآن على الزنا، ولا حجة للعذر قاطعة بأي ذلك من أي. والصواب أن يقال في ذلك ما قاله الله تبارك وتعالى، والإيمان به، وترك ما عدا ذلك إلى عالمه.
يوسف 12:26
﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾ [يوسف: ٢٦].
[٢٦] فلما عَرَّضَتْهُ للهلاكِ ﴿قَالَ﴾ يوسفُ دفعًا عن نفسِه، وتنزيهًا لعرضه: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ يعني: طلبَتْ مني الفاحشةَ، فأبيتُ وفررتُ.
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ كانَ طفلًا في المهد، وهو ابنُ خالها، أنطقَه اللهُ، وقد وردَ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبي - ﷺ -: "تَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى اَبْنُ مَرْيَمَ" (١)، وقيلَ: كان رجلًا حكيمًا ذا رأيٍ، وهو ابنُ عمِّها. قرأ أبو عمرٍو (وَشَهِد شاهِدٌ) بإدغامِ الدالِ في الشين (٢).
﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ لأنه إذا طلبَها، دفعتْهُ عن نفسِها، فشقَّتْ قميصَه مِنْ قُدَّام، أو يسرع ليدركَها فيعثرَ في ثوبِهِ فينشَقَّ.
...
﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ [يوسف: ٢٧].
[٢٧] ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ﴾ لأنها إذا تبعَتْه هي، تعلَّقَتْ
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٠٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٧٩)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٦٣٦)، وغيرهم.
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٣).
يوسف 12:28
بقميصِه لتلحقَهُ فتشقَّهُ ﴿وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قولِه، وإنما ألقى اللهُ الشهادةَ على لسانِ أهلِها؛ لتكونَ ألزمَ عليها، وسُمِّيَ قولُ الشاهدِ شهادةً؛ لأنه قائمٌ مقامَ الشهادةِ في ثبوتِ صدقِ يوسفَ وكذبِها.
...
﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [يوسف: ٢٨].
[٢٨] ﴿فَلَمَّا رَأَى﴾ زوجُها ﴿قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ عرفَ براءةَ يوسفَ.
﴿قَالَ﴾ لها: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: قولُكِ: ما جزاءُ مَنْ أرادَ بأهلِكَ سوءًا ﴿مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ حِيَلِكُنَّ.
﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ﴾ معاشرَ النسوةِ ﴿عَظِيمٌ﴾ وسُمِّيَ كيدُ الشيطانِ ضعيفًا؛ لأنه وسوسةٌ، وكيدُ النساءِ عظيمًا؛ لأنه مواجهةٌ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وابنُ ذكوانَ: (رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) (رَأَى قَمِيصَهُ) بإمالةِ الراءِ تبعًا للهمزة، واختلِفَ عن هشامٍ وأبي بكرٍ، وأمال أبو عمرٍو الهمزة فقط (١).
...
﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ [يوسف: ٢٩].
[٢٩] ثم أقبلَ مخاطبًا ليوسفَ حاذفًا حرفَ النداءِ فقالَ: {يُوسُفُ أَعْرِضْ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦١).
يوسف 12:30
عَنْ هَذَا} الأمرِ، لا تذكرْهُ لأحدٍ، ثم قالَ لها: ﴿وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾ توبي من صنيعِك.
﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ المتعمِّدينَ للذنبِ، وقيل: هذا من قولِ الشاهدِ لهما، وقوله: (من الخاطئين)، ولم يقل: منَ الخاطئاتِ؛ لأنه لم يقصدِ الخبرَ عن النساءِ، وإنما قصدَ القومَ الخاطئين، وكان العزيزُ حليمًا قليلَ الغيرةِ.
...
﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾ [يوسف: ٣٠].
[٣٠] واتصل خبرُ زليخا ويوسف بنساءِ الخاصَّة، فَعَيَّرْنَها بذلكَ، فذلكَ قوله: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ هي مدينةُ مصرَ.
﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ ورُسمت (امْرَأَتُ) بالتاءِ في سبعةِ مواضعَ، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ (١).
﴿تُرَاوِدُ فَتَاهَا﴾ غلامَها ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ لتنالَ شهوتَها منه.
﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ أصابَ حُبُّهَ شَغافَ قلبِها. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (قَد شغَفَهَا) بإدغامِ الدالِ في الشين، والباقون: بالإظهار (٢).
(١) وانظر: الآية (٣٥) من سورة آل عمران.
(٢) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٥/ ٣٠١)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٤).
يوسف 12:31
﴿إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ بَيِّنٍ من حبِّ عبدِها.
...
﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١)﴾ [يوسف: ٣١].
[٣١] ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ بِغِيبَتِهِنَّ لها ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ دَعَتْهُنَّ إليها. قرأ يعقوبُ: (إِلَيْهُنَّ) بضمِّ الهاءِ حيثُ وقَع (١).
﴿وَأَعْتَدَتْ﴾ أعدَّت؛ أي: هَيَّأَتْ.
﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ ما يُتَّكَأُ عليه، وقُرِئَ في الشواذِّ (مُتْكًا) بضمِّ الميمِ وإسكانِ التاء (٢)، وهو الأَتْرُجُّ، وصنعَتْ لهنَّ طعامًا وشرابًا، وعملَتْ مجلسينِ مُذْهَبينِ، وفرشَتْهما بديباجٍ أصفرَ مُذْهَبٍ، وأَرْخَتْ عليهما ستورَ الديباجِ، وأمرتِ المواشطَ بتزيينِ يوسفَ وإخراجِه من المجلس الذي يُحاذي المجلسَ الذي كانتْ معَ النسوةِ فيه، وكانَ المجلسُ محاذيًا للشمسِ، فأخذنَهُ المواشطُ، ونَظَمْنَ شعرَهُ بأصنافِ الجواهرِ، وألبسنَهُ ثوبَ ديباجٍ أصفرَ قد نُسِجَ بداراتٍ حمرٍ مُذْهَبَةٍ فيها أطيارٌ صغارٌ خضرٌ مبطَّن ببطانةٍ خضراءَ، ومن تحتِه غلالةٌ حمراءُ، وعلى رأسِهِ تاجٌ قد نُظِمَ بالدرِّ والجوهرِ، وأخرجْنَ من تحتِ التاجِ أطرارَ شعرِه على جبهتِه، وردَدْنَ ذوائبَهُ على صدرِهِ، وجعلْنَ جُمَّتَهُ مكشوفةً، والتاجُ يحيطُ بها، وفي أذنيه قرطَي جوهرٍ،
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٦).
(٢) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ٣٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٦). ومن خلفِ طوقِ القباءِ شعرٌ مسبلٌ بينَ كتفيهِ منظومٌ مشبكٌ بالذهبِ والجوهرِ، وفي عنقه طوقٌ منظومٌ بذهبٍ مشذرٍ بجوهرٍ أحمرَ ودُرٍّ فاخرٍ، وفي وسطِه منطقةُ ذَهَبٍ، فيها كواكبُ جوهرٍ ملوَّنٍ، ولها معاليقُ منظومة، وألبسنَهُ خُفَّيْنِ أبيضينِ منقوشيِن بأخضرَ على نقوشِ ذهبٍ، وجعلْنَ للقباءِ الذي عليه وشاحينِ على كتفيهِ وكُمَّيْهِ من جوهرٍ أخضرَ، وعَقْرَبْنَ صُدْغَيه على خَدَّيهِ، وكحلْنَ عينيه، ودفعْنَ إليه مِذَبّةً مذهبةً شعرُها أخضرُ، وكانَ يوسفُ إذا سارَ في الأزقَّة رُئي تلألؤُ وجهه على الجُدرِ، وحُكِيَ أنه ما زالَ النساءُ يملْنَ إلى يوسفَ ميلَ شهوةٍ حتى نبأه الله، فألقى عليه هيبةَ النبوة، فشغلَتْ هيبتُه كلَّ من رآهُ عن حسنهِ.
﴿وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ﴾ بعدَ الجلوسِ على المتكأ.
﴿سِكِّينًا﴾ نِصابُها من جوهرٍ، وكُنَّ يأكُلْن اللحمَ حَزًّا بالسكين، وقيلَ: ليقطعنَ بها الفاكهةَ، فيقال: إنهن أخذْنَ أترجًّا، وهنَّ يقطعنَهُ، فلما فرغَ النساءُ من طعامهنَّ، وشربْنَ أقداحًا، قالت لهنَّ: قد بلغني حديثُكن في أمري مع عبدي، فقلْنَ لها: الأمرُ كما بلغَكِ لأنك أعلى قدرًا من هذا، ومثلُكِ يرتفعُ عن أولادِ الملوكِ بحسنِك وشرفِكِ، فكيفَ رضيت (١) بغلامِكِ؟! قالت: لم يبلُغْكُنَّ الصدقُ، ولا هو عندي بهذا.
﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ وأومأتْ إلى المواشطِ أن يُخْرِجْنَ يوسفَ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَقَالَتُ اخْرُجْ) بضمِّ التاءِ في الوصلِ (٢)، وقرأ يعقوبُ: (عَلَيْهُنَّ) بضمِّ الهاء حيثُ
(١) في "ظ" و"ت": "رضيتين"، والصواب ما أثبت.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، = وقعَ مثل (إِلَيْهُنَّ) (١)، فرفعْنَ المواشطُ الستورَ عن المجلس الذي فيه يوسفُ، وبرزَ منه محاذِيًا بوجهِه الشمسَ، فأشرقَ المجلسُ وما فيهِ من وجهِ يوسفَ، وأقبلَ بالمذبّةِ وهُنَّ يَرْمُقْنَهُ، فوقفَ على رأسِ زَليخا يَذُبُّ عنها.
﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظَمْنَهُ، وهالَهُنَّ حسنُهُ، فاشتغلْنَ برؤيتِه.
﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ موضعَ الفاكهةِ التي كانت معهنَّ؛ أي: جَرَحْنَها لَمَّا رأينه دهشًا، وبقينَ لا يعينَ الكلامَ ذهولًا منهنَّ بما بهرَهُنَّ من حسنِ يوسفَ.
﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ كلمةٌ تفيدُ معنى التنزيهِ. قرأ أبو عمرٍو، (حَاشَا للهِ) بإثباتِ الألفِ بعدَ الشينِ حالةَ الوصلِ في الموضعين، وحذفَها الباقون وصلًا ووقفًا (٢).
﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ نصبٌ خبرُ (ما)، وذلك أن زليخا قالتْ لهنَّ: ما لكُنَّ قد اشتغلْتُنَّ عن خطابي بالنظرِ إلى عبدي؟! فقلنَ: معاذ اللهِ! ما هذا عبدكِ.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ مع علمِهِنَّ أنه بشرٌ؛ لأنه ثبتَ في النفوس أن لا أكملَ ولا أحسنَ خَلْقًا من الملَكِ، ولم يبقَ منهنَّ امرأةٌ إلا حاضَتْ وأنزلَتْ شهوةً من محبتِهِ.
...
= "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٦).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٦).
يوسف 12:32
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ (٣٢)﴾ [يوسف: ٣٢].
[٣٢] ﴿قَالَتْ﴾ زليخا عندَ ذلك ﴿فَذَلِكُنَّ﴾ (كُنَّ) للنسوةِ، و (ذا) ليوسفَ.
﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ فقلْنَ: ما ينبغي لأحدٍ أن يلومَكِ في هذا، ومن لامَكِ فقدْ ظلمَكِ، فدونكه، ولم تقل: هذا مع حضورِه، رفعًا لمحلِّه، فلما بانَ عذرُها لهنَّ، اعترفَتْ ببراءته فقالت:
﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ امتنعَ، فخاطِبْنَهُ لي، فكانت كلُّ واحدةٍ منهن تخاطبهُ وتدعوه سرًّا إلى نفسِها، وتتبذَّلُ له، وهو يمتنعُ عليها فإذا يئستْ منهُ أن يجيبَها لنفسِها، خاطبتْهُ من جهةِ زَليخا، وقالتْ: مولاتُك تحبُّكَ وأنتَ تكرَهُها، ما ينبغي أن تخالِفَها، فيقولُ: ما لي بذلكَ حاجةٌ، فلما رأيْنَ ذلك، أجمعْنَ على أَخذه غَصْبًا، فقالَتْ زليخا: لا يجوزُ هذا.
﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ﴾ به من قضاءِ شهوتي ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ بالسجنِ ﴿وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ الذليلينَ، ولأمنعنَّا اللذاب، وأنتزعُ جميعَ ما أعطيتُه، ونونُ التأكيدِ تُثَقَّلُ وتُخفف، فالوقفُ على قوله: (لَيُسْجَنَنْ) بالنونِ؛ لأنها مشددة، وعلى قوله: (وَلَيَكُونًا) بالألفِ؛ لأنها مخففةٌ، وهي شبيهةٌ بنونِ الإعراب في الأسماءِ؛ كقولك: رجلًا، ومثله (لَنَسْفَعًا).
...
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣)﴾ [يوسف: ٣٣].
[٣٣] فاختارَ يوسفُ السجنَ على المعصيةِ، وأقسمَتْ زَليخا بإِلَهِها،
يوسف 12:34
-وكانَ صنمًا من زَبَرْجدٍ أخضرَ باسمِ عُطارد- إنْ لم يفعلْ لتعجلنَّ له ذلكَ، ثم أمرتْ بنزعِ ثيابهِ، وألبسَتْه الصوفَ.
﴿قَالَ رَبِّ﴾ أي: يا ربِّ ﴿السِّجْنُ﴾ أي: المحبسُ. قراءة العامةِ بكسرِ السين، وقرأ يعقوبُ: بالفتح على المصدر (١).
﴿أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أحبَّ سُكنى السجنِ على قضاءِ حاجتهنَّ، وقيل: لو لم يقلْ: السجنُ أحبُّ إليَّ، لم يُبْتَلَ بالسجن، والأَوْلى بالمرءِ أن يسألَ الله العافيةَ.
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ أي: وإن لم تُنَجِّني أنت، ومعناه: الاستسلامُ لله تعالى والتوكُّلُ عليه ﴿أَصْبُ﴾ أَمِلْ ﴿إِلَيْهِنَّ﴾ مأخوذٌ من الصَّبوةِ، وهي أفعالُ الصِّبا.
﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ الذين لا يُراعونَ أوامرَ اللهِ ونواهيَهُ، وهو قولٌ يتضمَّنُ التشكيَ إلى اللهِ من حالِه معهنَّ، والدعاءَ إليهِ في كشفِ بلواه.
...
﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٤)﴾ [يوسف: ٣٤].
[٣٤] فلذلك قالَ بعدَ مقالةِ يوسفَ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أي: أجابَه إلى إرادتِه ﴿فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ بأنْ حالَ بينَهُ وبينَ المعصيةِ.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ صِفتان لائقتانِ بقوله: (استجابَ).
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٨).
يوسف 12:35
﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ [يوسف: ٣٥].
[٣٥] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ أي: للعزيزِ وأصحابِه في الرأيِ رأيٌ بخلافِ الأول، وذلك أنهم أرادوا أن يقتصروا من يوسف على الأمرِ بالإعراضِ، ثم بدا لهم.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ﴾ الدالَّةِ على براءتِه من شَقِّ القميصِ وكلامِ الشاهدِ وقطعِ الأيدي.
﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ إلى مدةٍ ينقطعُ كلامُ الناسِ في ذلك، رُويَ أن المرأةَ قالَتْ لزوجِها: إن هذا العبدَ العبرانيَّ قد فضحَني في الناسِ يخبرُهم أني راودتُه عن نفسِه، فإما أن تأذنَ لي فأعتذرَ للناسِ، وإما أن تحبسَه، وكان العزيزُ مِطْواعًا (١) لها، وجُمَيلًا ذلولًا حتى أنساهُ ذلكَ ما رأى من الآياتِ، فأمرَ به فحُبس (٢).
...
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٣٦)﴾ [يوسف: ٣٦].
[٣٦] ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾ عبدانِ للملكِ، كان أحدُهما ساقيَهُ، واسمُه مرطس، والآخَرُ صاحب طعامِه، واسمُه راسان، وكان المصريون قد بذلوا لهما رشوةً ليسمَّا الملكَ، فردَّها الساقي، وقبلَها الخبازُ، وسمَّ
(١) في "ظ" و "ت": "مطواعة" والصواب ما أثبت.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٢/ ٢١٣). طعامَه، فعرَّفَ الساقي الملكَ بذلك، فقال لصاحبِ الطعامِ كلُ طعامَكَ، فأبى فأكلتْ منه بهيمةٌ فهلكتْ، فحبَسهما الملكُ، وكان يوسفُ عندَ دخوله السجنَ قال: أنا أعبرُ الأحلامَ.
﴿قَالَ أَحَدُهُمَا﴾ وهو الساقي ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ أستخرجُها من العنبِ، لأنه رأى في نومه أنه قد دخلَ بستانًا، فإذا بكرمةٍ عليها ثلاثةُ عناقيدَ، فعصرَ العناقيدَ في زجاجةٍ، فأتى به الملكَ فشربَه.
﴿وَقَالَ الْآخَرُ﴾ وهو الخباز ﴿إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا﴾ لأنه رأى أنه خرج من مطبخِ الملكِ وعلى رأسهِ ثلاثُ سِلالٍ فيها الخبزُ وأنواعُ الأطعمة.
﴿تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ من ذلك الطعامِ، وكانا صادِقَينِ في قولهما.
﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرْنا ما قصصْنا عليك، وما يَؤولُ أمرُه إليه.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ العالِمينَ بتأويلِ الرؤيا. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ) (إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ) بإسكانِ الياءِ فيها، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (إِنَّي) في الحرفينِ (١)، وكان يوسفُ عليه السلام إذا مرضَ إنسانٌ في السجنِ عادَه، وقامَ عليه، وإذا ضاقَ، وسَّعَ له، وإذا احتاجَ، جمعَ له شيئًا، وكانَ مع هذا يجتهدُ في العبادةِ، ويقومُ الليلَ كلَّه للصلاة، وقال لقومٍ في السجنِ انقطعَ رجاؤهم وحَزِنوا: أبشِروا واصبِروا تُؤْجَروا؛ فإن لهذا آخِرًا، فقالوا له: باركَ اللهُ فيكَ ما أحسنَ خَلْقَكَ وخُلُقَكَ، لقد أحسنتَ إلينا.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٦٩).
يوسف 12:37
﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧)﴾ [يوسف: ٣٧].
[٣٧] ثم ﴿قَالَ﴾ للساقي والخبازِ.
﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾ تأكلانِه في اليقظةِ. قرأ قالونُ عن نافعٍ، وعيسى عن أبي جعفرٍ: (تُرْزَقَانِهِ) باختلاس كسرةِ الهاءِ بخلافٍ عنهما (١) ﴿إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا﴾ أخبرتُكما ﴿بِتَأْوِيلِهِ﴾ بكيفيتهِ وكميتهِ.
﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا﴾ وإن رأيتُما ذلكَ في النوم، أخبرتُكما بما يؤولُ إليه، فقالا له: من أينَ لكَ ذلك؟ فقال:
﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بأنْ أوحاه إليَّ، ولم أقلْه تكهُّنًا ولا تنجُّمًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (رَبِّيَ) بفتحِ الياء، والباقونَ: بإسكانها (٢).
﴿إِنِّي تَرَكْتُ﴾ رفضتُ.
﴿مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وتكرارُ (هم) على التأكيد.
...
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٠).
يوسف 12:38
﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ [يوسف: ٣٨].
[٣٨] ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أظهرَ أنهُ من ولدِ الأنبياء. قرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (آبَاِئي) بإسكانِ الياء، والباقونَ: بفتحِها.
﴿مَا كاَنَ﴾ ينبغي ﴿لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنا معاشرَ الأنبياء معصومون من الشركِ.
﴿ذَلِكَ﴾ التوحيدُ والعلمُ ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا﴾ بذلكَ.
﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ بإرسالِنا إليهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ المرسَلِ إليهم.
﴿لَا يَشْكُرُونَ﴾ فضلَ اللهِ عليهم، بل يكفرون.
...
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ [يوسف: ٣٩].
[٣٩] ثم دعاهم إلى الإسلام فقال: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي: يا صاحِبَيَّ فيه ﴿ءأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ﴾ أي: آلهة شتَّى عاجزةٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ.
﴿أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفردُ بالألوهية ﴿القَهَّارُ﴾ الغالبُ على كلِّ شيءٍ.
يوسف 12:40
واختلاف القراء في الهمزتين من قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ) كاختلافِهم فيهما من (أَأَنْذَرْتَهُمْ) في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦].
...
﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾ [يوسف: ٤٠].
[٤٠] ثم قالَ لهما ولِمَنْ على دينهما ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: اللهِ (١) ﴿إِلَّا أَسْمَاءً﴾ أي: مسمَّياتٍ؛ لأنَّ الاسمَ لا يُعبَدُ ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ آلهةً ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ تخرُّصًا ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجةٍ وبرهانٍ.
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ في جميعِ الأشياءِ ﴿إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ﴾ أي: التوحيدُ ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الثابتُ المستقيمُ.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيخبِطون في جهالاتِهم.
...
﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ [يوسف: ٤١].
[٤١] ثم شرعَ في تفسيرِ رؤياهُما وقالَ: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا﴾ وهو الساقي ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ﴾ يعني: الملكَ.
(١) "أي: الله" ليست في "ت" و"ظ".
يوسف 12:42
﴿خَمْرًا﴾ والعناقيدُ الثلاثةُ، فلبثُكَ في السجنِ ثلاثةَ أيام ثُمَّ خروجُك منهُ وعودُكَ إلى ما كنتَ عليهِ عندَ الملك.
﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ وهو الخبازُ، فخروجُه من المطبخِ خروجُه من عملِه، والسلالُ الثلاثُ، فلبثُه في السجنِ ثلاثةَ أيامٍ، ثم يُخرجه الملكُ.
﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ فلما سمعا قولَ يوسفَ، قالا: إنما كنا نلعبُ، وما رأينا شيئًا، فقال:
﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ﴾ أي: في معناه ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ تسألان؛ أي: ما قلتُ واقعٌ حتمًا، صدقتُما أو كذبتُما.
...
﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ [يوسف: ٤٢].
[٤٢] ﴿وَقَالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِى ظَنَّ﴾ أي: علمَ.
﴿أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا﴾ وهو الساقي. رُوِيَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياء على (نَاجِي).
﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: سيدِكَ الملكِ، فقل له: في السجنِ غلامٌ محبوسٌ ظلمًا طالَ حبسُه.
﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي: فأَنسى الساقيَ ذكرَ يوسفَ لسيدِه، فلم يذكرْه له، وقيل: أنسى الشيطانُ يوسفَ ذكرَ الله حتى استغاثَ بغيرِه، وتلكَ غفلةٌ عرضتْ ليوسفَ.
يوسف 12:43
﴿فَلَبِثَ﴾ مكث ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وهي سبعُ سنينَ في قولِ الأكثرِ، وكانَ قد لبثَ قبلَه خمسَ سنينَ، فجملَتُه اثنتا عشرةَ سنة.
روُي أن جبريلَ عليه السلام قال له: من الذي حَبَّبَكَ إلى أبيكَ دونَ إخوتِكَ، وحفِظَكَ في الشدائدِ؟ فقال: الله، فقال: إنه يقولُ: أحسبْتَ أني أنساكَ في السجنِ حتى استغثْتَ بغيرِي وأنا أقربُ إليكَ وأقدرُ على خلاصِك؟ لتلبثَنَّ فيه بضعَ سنين، قال: وربِّي عنِّي راضٍ؟ قال: نعم، قالَ: فلا أبالي إذن (١).
ورُوي أن يوسفَ لما قالَ ذلكَ، قيل له: أَتَّخَذْتَ من دوني وكيلًا؟ لأطيلنَّ حبسَكَ، فقالَ: يا ربَّ! أنسى قلبي كثرةُ البلوى، قالَ - ﷺ -: "لَوْلاَ كَلِمَةُ يُوسُفَ، مَا لَبثَ في السِّجْنِ مَا لَبِثَ" (٢).
...
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (٤٣)﴾ [يوسف: ٤٣].
[٤٣] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ﴾ يعني: ملكَ مصرَ الأكبرَ، وهو الريان بنُ الوليدِ، من العمالِقَةِ، وهو فرعونُ يوسفَ، والقبطُ تسمِّيه نَهْراوُش، وكان عظيمَ الخلقِ، جميلَ الوجهِ، عاقِلًا متمكِّنًا، وهو جدُّ فرعونِ موسى، وكان أقوى
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٥).
(٢) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٦٢٠٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٤٨)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. وفي الباب: عن ابن عباس، والحسن البصري، وغيرهما. أهلِ الأرضِ في زمانِه، وكان محلُّ ملكِه مدينةَ مَنْف من أرضِ مصرَ، وكانتْ في غربيِّ النيلِ على مسافةِ اثني عشرَ ميلًا من مدينةِ فُسطاطِ مصرَ المعروفةِ يومئذٍ بمصرَ القديمةِ، ومَنْفُ أولُ مدينةٍ عمرَتْ بأرضِ مصرَ بعدَ الطوفانِ، وكانت دارَ الملكِ بمصرَ في قديمِ الزمانِ، ولما دنا فَرَجُ يوسفَ، رأى الملكُ رؤيا عجيبةً هالَتْه، فجمعَ السحرةَ والكهنةَ والمعبِّرينَ، وقَصَّها عليهم فقال:
﴿إِنِّي أَرَى﴾ قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتحِ الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ خَرَجْنَ من البحرِ.
﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ أي: وخرجَ عقبَهُنَّ سبعُ بقراتٍ عجافٍ، وهي التي بلغَتْ من الهزالِ النهايةَ، فابتلعتِ العجافَ السمانَ، فدخلَتْ في بطونهن، ولم يتبيَّنْ على العجافِ منها شيءٌ.
﴿وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقدَ حَبَّها ﴿وَأُخَرَ﴾ أي: وسبعًا أُخَرَ ﴿يَابِسَاتٍ﴾ قد أدركَتْ فالْتَوَتِ اليابساتُ على الخضرِ حتى غلبْنَ عليها، ولم يبقَ من خضرتِها شيء، فقال لعرَّافيه ومنجِّميه:
﴿يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ عَبِّروها.
﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُ﴾ تفسِّرونَ. قرأ الكسائيُّ، وخلفٌ: (لِلرُّؤْيَا) بالإمالةِ (٢)، واختلافُ القراءِ في الهمزتينِ من (الْمَلأُ أَفْتُوني)
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي =
يوسف 12:44
كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهُاءُ أَلاَ) في سورةِ البقرة [الآية: ١٣].
...
﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (٤٤)﴾ [يوسف: ٤٤].
[٤٤] ﴿قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: أخلاطُ رؤيا كاذبة، والأضغاثُ جمعُ ضِغْثٍ: وهو الحزمةُ من النباتِ، والأحلامُ جمعُ حلمٍ، وهو ما يُرى في النومِ.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ﴾ الباطلةِ كهذه الرؤيا ﴿بِعَالِمِينَ﴾ لاختلاطِها.
...
﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (٤٥)﴾ [يوسف: ٤٥].
[٤٥] ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا﴾ من القتلِ، وهو الساقي.
﴿وَادَّكَرَ﴾ بدالٍ مهملةٍ، أي: تذكَّرَ أمرَ يوسفَ.
﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي: حينٍ، وهو مدُة لبثِ يوسفَ في السجنِ، وبالهاءِ والتخفيف (أَمَهٍ): بعدَ نسيانٍ، والتلاوةُ بالأولِ.
﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أُنَبِّيكُم) بالمدِّ (١)، وذلك أن الغلام جثا بينَ يديِ الملكِ وقالَ: إنَّ في السجنِ رجلًا يعبرُ الرؤيا.
= (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٢).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٣).
يوسف 12:46
﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ أي: فأرسلني أيها الملكُ إليه. قرأ يعقوبُ: (فَأَرْسِلُوني) بإثباتِ الياءِ بعدَ النون، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)﴾ [يوسف: ٤٦].
[٤٦] فأرسلوه، فأتى السجنَ، ولم يكنِ السجنُ في المدينة، وإنما هو ببوصيرَ من عمل الجيزَةِ، وكان الوحيُ ينزلُ عليه فيه، وسطحُ السجنِ موضعٌ معروفٌ بإجابةِ الدعاءِ، فقال: ﴿يوُسُفُ﴾ يعني: يا يوسفُ.
﴿أَيُّهَا الصِّدِّيق﴾ فيما عبرتَ لنا من الرؤيا، والصدِّيقُ: الكثيرُ الصدقِ، ولذلك سُمِّي أبو بكرٍ صِدِّيقًا، وهو فِعِّيلٌ للمبالغةِ والكثرةِ.
﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فإن الملكَ رأى هذهِ الرؤيا.
﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ﴾ أي: الملكِ وأصحابِه؛ لاحتمالِ أنه يُخترَمُ في الطريق؛ لأنه لم يكنْ جازمًا بالرجوع. قرأ الكوفيون، وابن عامرٍ، ويعقوبُ: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٤).
يوسف 12:47
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ منزلتَكَ وتأويلَ الرؤيا فيخرجوكَ من السجنِ.
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] فـ ﴿قَالَ﴾ يوسفُ معبرًا: أما البقراتُ السمانُ، والسنبلاتُ الخضرُ، فسبعُ سنينَ مخصباتٌ، والبقراتُ العجافُ، والسنبلاتُ اليابساتُ، فسبعُ سنينَ مجدباتٌ، ثم قالَ مرشدًا لهم:
﴿تَزْرَعُونَ﴾ أي: ازرعوا، فهو خبرٌ بمعنى الأمر ﴿سَبْعَ سِنِينَ﴾ على عادتِكم ﴿دَأَبًا﴾ قراءة العامةِ: (دَأْبًا) بإسكانِ الهمز؛ أي: تلازمونَ ذلكَ.
وقرأ حفصٌ عن عاصمٍ: بفتح الهمزِ (١)؛ أي: بجدٍّ وتعبٍ.
﴿فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ أي: اتركوه في أصلِه لئلا يفسدَ.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ﴾ أي: تدرسون قليلًا للأكلِ بقدرِ الحاجةِ.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾.
[٤٨] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ الخصبةِ.
﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ صعابٌ.
﴿يَأْكُلْنَ﴾ أي: السنونَ يُفنينَ ويُهلكنَ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٤).
يوسف 12:49
﴿مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ أي: يؤكلُ فيهن ما أعددتم لهنَّ من الطعامِ، أضافَ الأكلَ إلى السنينَ على طريقِ التوسُّع.
﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ تُحْرِزونَ وتَدِّخرونَ.
...
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ أي: بعدَ السنينَ المجدبةِ.
﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ يُمْطَرون، من الغيثِ.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ العنبَ والزيتَ، والمرادُ: كثرةُ النعيمِ والخير. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَعْصِرُونَ) بالخطاب؛ لأن الكلامَ كلَّه بالخطاب، وقرأ الباقون: بالغيبِ ردًّا إلى (الناس) (١).
...
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾.
[٥٠] ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وذلكَ أن الساقيَ لما رجعَ إلى الملكِ، وأخبرَه بما أفتاه يوسفُ من تأويلِ رؤياه، عرفَ الملكُ أنَّ الذي قالَه كائنٌ، فقال: عَلَيَّ بهِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٥). ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ﴾ فقال: أَجِبِ الملكَ، فأبى أن يخرجَ حتى تظهرَ براءتُه، ثم ﴿قَالَ﴾ للساقي ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ يعني: سيدَكَ الملكَ.
﴿فَاسْأَلْهُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلْهُ) بالنقلِ (١).
﴿مَا بَالُ﴾ ما حالُ ﴿النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ولم يذكر امرأةَ العزيزِ تأدبًا ومراعاةً لحقِّها.
﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ حينَ قلنَ لي: أطعْ مولاتَك، وأراد بذلك إظهارَ براءته بعدَ طولِ المدةِ حتى لا ينظرَ الملكُ إليهِ بعينِ التهمةِ، قال - ﷺ -: "لَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ" (٢)، وروي أنه قال: "رَحِمَ اللهُ أَخِي يُوسُفَ إِنْ كانَ إِلَّا ذَا أَنَاةٍ، لَوْ كُنْتَ أَنَا، لأَسْرَعْتُ الإِجَابَةَ" (٣)، يقولُ ذلكَ هضمًا للنفس، في هذا دليلٌ على وجوبِ الاجتهادِ في نفي التُّهَمِ، ونفيِ الوقوفِ في مواقفِها، في الحديث: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَقِفْ مَوَاقِفَ التُّهَمِ" (٤).
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٦).
(٢) رواه البخاري (٣١٩٢)، كتاب: التفسير، باب: قوله عز وجل: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾، ومسلم (١٥١)، كتاب: الإيمان، باب: زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة، عن أبي هريرة -رضى الله عنه-.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٤٦)، والحاكم في "المستدرك" (٢٩٤٨)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٤) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١٣٦): غريب.
يوسف 12:51
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.
[٥١] فجمعَهنَّ الملكُ، وامرأةُ العزيزِ معهنَّ، ثم ﴿قَالَ﴾ مخاطبًا للنسوةِ، والمرادُ: امرأةُ العزيزِ: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ﴾ أَمْرُكُنَّ ﴿إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ هلْ وجدتُنَّ منه ميلًا إليكنَّ.
﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ﴾ تنزيهٌ له وتعجُّبٌ من عِفَّتِهِ ﴿مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ رِيبَةٍ، فَثَمَّ ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ معترفةً مخافةَ أن يشهدْنَ عليها ﴿الْآنَ حَصْحَصَ﴾ وضحَ ﴿الْحَقُّ﴾ وتبيَّنَ ﴿أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في قوله، وتقدَّمَ التنبيهُ على (امْرَأَت)، و (حَاشَ للهِ)، واختلاف القراء فيهما.
...
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾.
[٥٢] فلما علمَ ذلكَ يوسفُ في السجنِ قالَ ﴿ذَلِكَ﴾ التثبتُ.
﴿لِيَعْلَمَ﴾ العزيز ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ﴾ في زوجتِهِ ﴿بِالْغَيْبِ﴾ في حالِ غيبتِهِ.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ أي: وليعلمَ أن اللهَ لا يهدي.
﴿كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ العاصِينِ.
...
﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾.
يوسف 12:53
[٥٣] رُويَ أن يوسفَ لما قالَ هذهِ المقالَة قالَ له جبريلُ عليهما السلام: ولا حينَ هَمَمْتَ؟ فقالَ: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ (١) من الخطأ.
﴿إِنَّ النَّفْسَ﴾ أي: جميعَ النفوسِ ﴿لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ بنيلِ شهوتها الرديَّةِ.
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ أي: إلا البعضَ الذي رحمَهُ ربي بالعصمةِ.
﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (نَفْسِيَ) (رَبِّيَ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (٢)، واختلافُهم في الهمزتينِ من قوله (بِالسُّوءِ إِلَّا) كاختلافِهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في سورةِ البقرةِ [الآية: ٣١].
...
﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾.
[٥٤] فلما ظهرتْ براءتُه للملكِ، عرفَ علمَه ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ﴾ أجعَلْه خالِصًا.
﴿لِنَفْسِي﴾ دونَ غيرِهِ، ووجَّهَ إليه، فأُخرج، وغُسِّلَ من دَرَنِ السجنِ، وألُبسَ ما يليقُ بالدخولِ على الملوكِ، ودعا لأهلِ السجنِ فقالَ: اللهمَّ أعطفْ عليهم قلوبَ الأخيار، ولا تُعَمِّ عليهم الأخبار؛ فهم أعلمُ الناسِ بالأخبارِ، وكتبَ على بابِ السجنِ: هذا قبورُ الأحياء، وبيتُ الأحزان،
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢١٥٨)، والحارث بن أبي أسامة في "مسند" (٧١٦)، والبيهقي في "الزهد الكبير" (٢/ ١٦٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٦ - ١٧٧).
يوسف 12:55
وتجربةُ الأصدقاء، وشماتةُ الأعداء، وجاءَ الملكَ، فلما دخلَ عليه قال: اللهمَّ إني أسألُك من خيرهِ، وأعوذُ بعزتِك وقدريك من شرِّه، ثم سلَّم عليه، ودعا له بالعبرانية، فقال: ما هذا اللسانُ؟ قالَ: لسان آبائي، وكانَ الملكُ يعرفُ سبعين لسانًا، فكلمه بها، فأجابه بجميعِها، فتعجَّبَ منه، وامتلأ قلبُه من حبِّه.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ شِفاهًا، فقالَ: أحبُّ أن أسمعَ رؤيايَ منكَ، فحكاها، ونعتَ له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها.
﴿قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ﴾ مُمَكَّنٌ.
﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمَنٌ على خزائني وأمري، فما تَرَى؟ قال: تزرعُ زرعًا كثيرًا، وتأخذُ من الناس خُمْسَ زُروعِهم في السنينَ المخصبةِ، وتَدَّخِرُ الجميعَ في سُنبلِهِ ليكونَ قصبهُ وسنبلُه عَلَفًا للدوابِّ، ويكفيكَ ولأهلِ مصرَ السنينَ المجدبةَ، ويأتيكَ الخلقُ من النواحي، فتمتارُ منكَ في حكمِك، ويُجمَعُ عندك من الكنوز ما لم يُجْمَعْ لأحدٍ قبلَكَ، فقالَ الملك: ومن لي بذلك؟
...
﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
[٥٥] ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ مملكتِكَ.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ حافظٌ عليها ﴿عَلِيمٌ﴾ عالمٌ بوجوهِ التدبيرِ والتصرُّفِ، وإنما طلبَ ذلكَ شفقةً على المسلمينَ، لا منفعةً لنفسِه، فخَلَعَ عليه خِلَعَ الملوكِ، وألبسَه تاجًا، وأمرَ أن يُطافَ به، وركب الجيشُ معهُ، وعزلَ قِطفيرًا وجعلَه مكانَه مستخْلَفًا على الملكِ، وتردَّدَ إلى قصرِ الملكِ، وجلسَ
يوسف 12:56
على سريرِ العزيزِ، وماتَ قِطفيرٌ، فزوَّجَه امرأتَه زليخا، فوجدها عذراءَ، فقال لها يوسفُ: هذا خيرٌ مما أردتِ، فقالت: اعذرْني؛ إنَّ زوجي كانَ عِنِّينًا، ولم تَرَكَ امرأةٌ إلا صَبا قلبُها إليكَ من حسنِك.
...
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ولم يزلْ يتلطَّفُ بالملِكِ حتى آمنَ، واتبعَ يوسفَ على دينِه، وكثيرٌ من الناسِ، ويوسفُ عليه السلام هو الذي بنى مدينةَ الفَيُّومِ من أعمالِ مصرَ، واستوثقَ له ملكُ مصرَ، فأقام فيهم العدلَ، وأحبَّه الرجالُ والنساءُ، فذلك قولُه تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: أرضَ مصرَ ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا﴾ أي: ينزل ﴿حَيْثُ يَشَاءُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (نَشَاءُ) بالنون، ردًّا على قوله: (مَكَّنَّا)، وقرأ الباقونَ: بالياءِ ردًّا على قوله (يَتبَوَّأ) (١).
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا﴾ أي: بنعمتِنا ﴿مَنْ نَشَاءُ﴾ في الدنيا والآخرة.
﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الصابرين.
...
﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشركَ، ثم جاءَ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٧).
يوسف 12:58
القحطُ، وكانَ يوسفُ لا يشبعُ مدةَ القحطِ مخافةَ نِسيانِ الجياعِ، فباعَ الطعامَ من أهلِ مصرَ في السنةِ الأولى بالدنانيرِ والدراهمِ، والثانيةِ بالحليِّ والجواهرِ، وفي الثالثةِ بالدوابِّ والمواشي، وفي الرابعةِ بالعبيدِ والإماءِ، وفي الخامسةِ بالضِّياعِ والعقارِ، وفي السادسةِ بأولادِهم، وفي السابعةِ برقابِهم، فقال يوسفُ للملكِ: كيف رأيتَ صنيعَ ربِّي فيما خَوَّلَني، فما ترى؟ قال: الرأيُ رأيُكَ، ونحن لكَ تَبَعٌ، قال: إني أُشهِدُ اللهَ وأُشهدِكَ أَنِّي قد أعتقتُ أهلَ مصرَ عن آخرِهم، وردَدْتُ عليهم أملاكَهم.
...
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.
[٥٨] وكان يوسفُ لا يبيعُ أحدًا من المجتازين إلا حِمْلَ بعيرٍ تقسيطًا بينَ الناسِ، وتزاحمَ الناسُ عليه، وأصابَ أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصابَ أرضَ مصرَ من القحطِ، ونزلَ بيعقوبَ ما نزلَ بالناسِ، وكان منزلُه بأرضِ فلسطينَ بغورِ الشام، فأرسلَ بنيهِ العشرةَ إلى مصرَ للميرةِ، وأمسكَ بنيامينَ شقيقَ يوسفَ، فذلك قولُه تعالى:
﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القراء في الهمزتين من قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ﴾ في سورة البقرة [الآية: ١٣٣] وكذلك اختلافُهم في (وَجَاءَ إِخْوَةُ).
﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ﴾ أنهم إخوتُه.
﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لبعدِ عهدِهم، وقلةِ تأملِهم في حلاهُ من التَّهَيُّبِ والاستعظامِ.
***
يوسف 12:59
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٥٩)﴾.
[٥٩] وكانَ بين أن قذفوه في البئرِ وبينَ أن دخلوا عليه أربعين سنة، فلما نظر إليهم يوسفُ وكلَّموهُ بالعبرانيةِ، قالَ: "أخبروني من أنتم؟ قالوا: قومٌ من أرض الشام، قال: بل أنتم جواسيسُ جئتُم تَطَّلِعون على عورة بلادي، قالوا: لا والله! لسنا بجواسيس، وإنما جئنا نمتارُ، ونحن إخوةُ بنو أبٍ واحدٍ، وهو شيخٌ صديقٌ نبيٌّ من أنبياءِ الله، وكان قد قال لنا: إن بمصرَ مَلِكًا صالحًا، فانطلقوا إليه، وأقرؤوه مِنِّي السلامَ، وهو يقْرِئُكَ السلامَ، فبكى يوسفُ وعصرَ عينيه، وكنا اثني عشرَ، هلكَ منا واحدٌ وبقي منا واحدٌ عندَه يتسلَّى به عن أخيه الهالك، قال: فاتركوا بعضكم رهينةً عندي، وأتوني بأخيكم من أبيكم، ويراسلني أبوكم على لسانِه، ويخبرني أبوكم مِمَّ حزنُه حَتَّى أصدقَكم، فتركوا عندَه شمعونَ، وكان يوسفُ يحسِنُ إليه.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أعطَى لكلٍّ منْهم حِمْلَ بعيرَ، والجهازُ: ما يُهَيّأُ لمن يُشَبَّعُ.
﴿قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ يعني: بنيامينَ.
﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ أُتِمُّهُ، فأزيدكم حملَ بعيرٍ لأجلِ أخيكم.
﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ المضيفينَ، وكان قد أحسنَ ضِيافَتَهم. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ بخلافٍ عن الثاني: (أَنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجوزي (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٨).
يوسف 12:60
﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (٦٠)﴾.
[٦٠] ثم قال تهديدًا: ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ أي: ليس لكم عندي طعامٌ أَكيلُه لكم.
﴿وَلَا تَقْرَبُونِ﴾ في داري وبلادي، و (تَقْرَبُونِ) جزم نهي. قرأ يعقوبُ: (تَقْرَبُوني) بالياء بعدَ النونِ، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ سنطلُبه منه باجتهادٍ ورفقٍ.
﴿وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ﴾ ما أمرتنَا به.
...
﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيٌ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (لِفِتْيَانِهِ) بألفٍ بعدَ الياءِ ونونٍ مكسورةٍ، جمعُ فَتىً جمعَ كَثْرَة، وقرأ الباقون: (لِفِتْيَتِهِ) بتاءٍ مكسورةٍ بعدَ الياء من غيرِ ألفٍ، جمعُ فَتىً أيضًا جَمْعَ قِلَّةٍ (٢)، معناه: قال لغلمانه:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٨).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٧٥)، والمصادر السابقة.
يوسف 12:63
﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ أي: أثمانَ ما أخذوه ﴿فِي رِحَالِهِمْ﴾ أَوْعِيَتِهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا﴾ أي: كرامتَهم علينا.
﴿إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا رأوا إحسانَه إليهم، وليعلموا أنه لم يطلبْ عودَهم لأجلِ الثمنِ، وأنهم إذا رأوا الثمنَ عادوا؛ لأنهم لا يستحلُّون أكلَه.
...
﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ﴾ قرأ يعقوبُ: (أَبِيهُمُ) بضمِّ الهاء، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وقالونُ بخلافٍ عن الثالثِ، (أَبِيهِمُو) بضمِّ الميم ووصْلِها بواوٍ في اللفظِ حالةَ الوصل.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مُنِعَ﴾ أي: يُمْنَعُ ﴿مِنَّا الْكَيْلُ﴾ إنْ لم نحملْ أخانا إليه، وذكروا إحسانَهُ، وأنه قد ارتهنَ شمعونَ، وأخبروه بالقصةِ، والمرادُ بالكيل: الطعامُ؛ لأنه يُكالُ.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا﴾ بنيامينَ ﴿نَكْتَلْ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَكْتَلْ) بالياء؛ أي: يكتلْ لنفِسه كما نكتالُ نحن، وقرأ الباقون: بالنون، بمعنى نكتلْ نحن وهوَ الطعامَ (١) ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ضامنونَ بردِّه إليك.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٧٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥ - ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٩).
يوسف 12:64
﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ يوسفَ.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كيفَ آمنُكم عليه وقد فعلتُم بيوسفَ ما فعلْتُم؟
﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (حَافِظًا) بألفٍ بعدَ الحاءِ وكسرِ الفاءِ على التفسير؛ كما يقال: هو خيرٌ رَجُلًا، وقرأ الباقون: بكسرِ الحاءِ وإسكانِ الفاءِ من غيرِ ألفٍ على المصدرِ، يعني: خيرَكم حِفْظًا (١)، ونصبُه تمييز في الوجهين، المعنى: ولكنَّ حفظَ اللهِ خيرٌ من حفظِكم إياه، وحفظي، رُوي أنه لما قالَ ذلكَ، قال تعالى: وعِزَّتي لأردَّنَّ عليكَ كليهما.
﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ فأرجو أن يرحَمَني بحفظِه.
...
﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ﴾ الذي حملوه من مصر ﴿وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ ثمنَ الطعامِ ﴿رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فعندَ عودِ بضاعتهم إليهم.
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾ من البغي؛ أي: ما نكذِبُ على هذا الملكِ، ولا في وصفِ إجمالِه وإكرامِه.
(١) انظر: المصادر السابقة.
يوسف 12:66
﴿هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا﴾ فهذا هو العيانُ من الإحسانِ، أوفى لنا الكيلَ، وردَّ علينا الثمنَ، أرادوا تطييبَ نفسِ أبيهم.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ نجلبُ لهم الطعامَ ﴿وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾ بنيامينَ في الذهابِ والمجيء.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ﴾ أي: وِقْرَ ﴿بَعِيرٍ﴾ نَصيبَ أخينا.
﴿ذَلِكَ﴾ أي: حملُ البعيرِ ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي: ذلكَ مكيلٌ قليلٌ لا يكفينا، يعنون: ما يُكالُ لهم، وأرادوا أن يزدادوا إليه ما يُكالُ لأخيهم.
...
﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿قَالَ﴾ لهم يعقوبُ: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ الياءَ بعدَ النونِ في (تُؤْتُوني) وصلًا، وأثبتَها ابنُ كثيرٍ، ويعقوبُ في الحالين (١).
﴿مَوْثِقًا﴾ عَهْدًا ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مؤكَّدًا.
﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ أي: تردُّونَه إليَّ ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: إلا أن تهكِوا جميعًا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٠ - ١٨١).
يوسف 12:67
﴿فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أعطَوْه عهدَهم ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ: ﴿اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شهدٌ.
...
﴿وَقَالَ يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَقَالَ﴾ لهم يعقوبُ لما أرادوا الخروجَ من عندِه: ﴿يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ خافَ عليهِمُ العينَ؛ لجمالِهم، والمدينةُ التي أمرَهم أن يدخلوها من أبوابٍ متفرقةٍ هي الفَرْما، وهي أولُ مدنِ مصرَ من جهةِ الشَّمال بالقربِ من قَطْيا، وهي قريةُ أمِّ إسماعيلَ بنِ إبراهيمَ عليهما السلام، وكان لها أربعةُ أبواب، فدخلوا منها.
﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لا أقولُ ذلك دَفْعًا لما قضي، سواءٌ دخلتُم متفرقين أو مجتمعين.
﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ أي: ما الحكمُ ﴿إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ.
﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ وإلى اللهِ فليفوِّضْ أمورَهم المفوِّضونَ.
...
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا﴾ متفرقينَ ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ من الأبوابِ المتفرقةِ.
يوسف 12:69
﴿مَا كَانَ يُغْنِي﴾ رأيُ يعقوبَ ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ من قضائِه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنهم سُرِّقوا وافْتُضِحوا، وأُخِذَ أخوهم منهم، وازدادَ حزنُ أبيهم ﴿إِلَّا﴾ لكنْ ﴿حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ هي الشفقةُ عليهم.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ أي: هو عالمٌ عاملٌ بتعليمِنا إياه.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما علمَ يعقوبُ.
...
﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
[٦٩] ﴿وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ﴾ قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنَا أن نأتيكَ به، قد جِئْنا به، فقال: أحسنتُم وأصبتُم، وستجدون ذلكَ عندي، ثم أنزلَهم وأكرمَهم وأجلسَ كلَّ اثنينِ منهم على مائدةٍ، فبقيَ بنيامينُ وحدَه، فبكى وقال: لو كانَ أخي يوسفُ حيًّا لأجلسَني معه، فأجلسَه يوسفُ معه، وجعلَ يؤاكِلهُ، وأنزلَ كلَّ اثنينِ في مكانٍ، فلم يبقَ لبنيامينَ ثانٍ، فقالَ: هذا لا ثانيَ له، فيكون معي، فباتَ عندَ يوسفَ فذلك قولُه عز وجل:
﴿آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ فلما خلا به، قال له: ما اسمُك؟ قال: بنيامينُ، قال: أتحبُّ أن أكونَ أخاكَ بدلَ أخيكَ الهالكِ؟ فقال: ومَنْ يجدُ مثلَكَ؟ ولكنْ لم يلدْك يعقوبُ، ولا راحيلُ، فبكى يوسفُ وقامَ إليه وعانقَهُ، و ﴿قَالَ﴾ له: ﴿إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسفُ. قرأ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن =
يوسف 12:70
نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (أَنَا أَخُوكَ) بالمدِّ (١).
﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾ أي: لا يلحقك بؤسٌ، وهو الشدةُ.
﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بِنا فيما مضى؛ فقد أحسنَ اللهُ إلينا، وجمعَنا، فلا تُعْلِمْهم بأمرِنا، فقال: لا أفارقكَ، فقال: قد علمتَ اغتمامَ والدي بي، وإذا احتبستُكَ، ازدادَ غَمُّهُ، ولا يمكِنُني أخذُك إلا بعدَ أن أرميَكَ بالسرقةِ، فقالَ: افعلْ ما شئتَ.
...
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] فوفى يوسفُ الكيلَ لكلِّ واحدٍ من إخوته حِمْلَ بعير، وحَمَّلَ لبنيامينَ بعيرًا باسمِه كما حَمَّلَ لهم ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ أي: هَيَّأَ لهم أسباب الميرةِ،
﴿جَعَلَ السِّقَايَةَ﴾ وهيَ مكيالٌ يُكالُ به، ويشربُ فيه الملكُ.
﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ بنيامينَ، فلما انفصلوا عن مصرَ نحوَ الشام، أرسلَ يوسفُ من استوقَفهم فوقفوا.
﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى منادٍ. قرأ أبو جعفر، وورشٌ عن نافع: (مُوَذِّنٌ) فتح الواوِ بغيرِ همزٍ (٢).
= الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨١).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨١).
(٢) المصادر السابقة.
يوسف 12:71
﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أي: القافلةُ، والمرادُ: أهلُها، والأصلُ في العيرِ أن تكونَ حميرًا، ثم كثرَ ذلكَ حتى قيل لكلِّ قافلةٍ: عيرٌ ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ وصفَهم بالسرقةِ من حيثُ سرقَ في الظاهرِ أحدُهم، وهذا كما تقولُ: بنو فلانٍ قتلوا فلانًا، وإنما قتلَه أحدُهم.
...
﴿قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿قَالُوا﴾ إخوةُ يوسفَ ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ عطفوا على المؤذِّنِ وأصحابه:
﴿مَاذَا﴾ أي: ما الذي ﴿تَفْقِدُونَ﴾؟ والفَقْدُ: غيبةُ الشيءِ عن الحسِّ بحيثُ لا يُعرفُ مكانُه.
...
﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ هو جامٌ كهيئةِ المكوكِ من فِضَّة. قرأ أبو عمرٍو: ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ﴾ بإدغام الدال في الصاد (١).
﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ﴾ بالصُّواع ﴿حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من طعامٍ.
﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ ضمينٌ لمن ردَّه، يقولُه المؤذِّنُ.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٢).
يوسف 12:73
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿قَالُوا﴾ يعني: إخوةَ يوسفَ ﴿تَاللَّهِ﴾ أي: واللهِ! وخُصَّتْ هذهِ الكلمةُ بأنْ أُبدِلَتِ الواوُ فيها بالتاءِ في اليمينِ دونَ سائرِ أسماءِ اللهِ تعالى.
﴿لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ استَشْهَدوا بعلمِهم لما ظهرَ من دينهم وأمانتِهم ﴿مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ أرض مصرَ ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾ ما سَرَقْنا قط.
...
﴿قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿قَالُوا﴾ يعني: المناديَ وأصحابه ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ﴾ أي: السارقُ، أو الصواعِ، أي: جزاءُ سرقتِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ﴾ في قولكم؟
...
﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ﴾ مبتدأٌ، خبرُهُ ﴿مَنْ وُجِدَ﴾ السَّرَقُ ﴿فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ أي: جزاءُ السارقِ أن يسلَّم إلى المسروقِ منه، فيسترقَّهُ سنةً، وهذا حكمُ السارقِ في شرعِ يعقوبَ ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ بالسرقةِ.
...
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾.
يوسف 12:76
[٧٦] ﴿فَبَدَأَ﴾ المفتشُ، وقيل: يوسفُ؛ لأنهم رُدُّوا إلى مصر ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ﴾ لإزالةِ التهمَةِ ﴿قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامينَ، فلم يجدْ شيئًا.
﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا﴾ أي: السرقةَ ﴿مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ﴾ واختلافُ القراء في حكمِ الهمزتينِ من قوله: (وَعَاءِ أَخِيهِ) كاختلافِهم فيهما من (خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ) في سورة البقرة [الآية: ٢٣٥].
﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ أي: علَّمناهُ، وأوحينا إليه.
﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ أي: لم يكنْ له أخذُ أخيه ﴿فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي: حكمِ ملكِ مصرَ، وهو أن يغرمَ السارقُ مثلَيْ ما أَخَذَ، ويُضربَ، لا أن يُستعبَدَ، فأجرى اللهُ على ألسنةِ إخوتِه حكمَ دينهم؛ ليصحَّ أخذُه منهم.
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الاستثناءُ في هذه الآية حكايةُ حالٍ التقديرُ: إلا أن يشاءَ اللهُ ما وقعَ من هذهِ الحيلةِ.
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ بالعلمِ والعملِ؛ كيوسف. قراءة العامةِ: (نَرْفَعُ) و (نَشَاءُ) بالنون فيهما، وأهلُ الكوفةِ ينونون (دَرَجَاتٍ)، وقرأ يعقوبُ: (يَرْفَعُ) و (يَشَاءُ) بالياء فيِهما (١).
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من الخلقِ.
﴿عَلِيمٌ﴾ واللهُ فوقَ كلِّ عالم، ولا يناسُبه أحدٌ في علمِه.
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٤٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٤ - ١٨٥).
يوسف 12:77
﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامينُ ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أرادوا يوسُفَ، وكانَ دخلَ كنيسةً فأخذَ صنمًا صغيرًا من ذَهَبٍ فدفَنَهُ، وقيلَ غيرُ ذلك.
﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ أي: أضمرَ مقالَتَهم كأنْ لم يسمَعها.
﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ أي: مكانةً في السرقةِ حيث سرقتُم أخاكم.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ تقولون، والمشهورُ أنه ذكرَها في نفسِه، ولم يصرِّحْ بها لإخوتِه.
...
﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨)﴾.
[٧٨] وفي القصةِ أنهم غضبوا غضبًا شديدًا، وكان بنو يعقوبَ إذا غَضِبوا لا يُطاقون، وكانَ منهم مَنْ إذا صاحَ غَضَبًا ألقتِ الحواملُ أَجِنَّتَها خوفًا، وهو روبيلُ وكانَ إذا مسَّهُ أحدٌ من ولدِ أبيهِ، سكنَ غضبهُ، فقالَ لإخوتهِ اكفوني الملكَ، وأكفيكُم الأسواقَ، أو اكفوني الأسواقَ وأكفيكُم الملكَ، فدخلوا على يوسفَ، فقالَ روبيلُ: لتردَّنَّ علينا أخانا، أو لأصيحَنَّ صيحةً لا يبقى بمصرَ حامِلٌ إلا ألقَتْ ولدَها، وقامت كلُّ شعرةٍ في جسدِهِ
يوسف 12:79
فخرجَتْ من ثيابه، فقالَ يوسفُ لابنٍ له صغيرٍ اسمُهُ أفرايينُ: قمْ إلى روبيلَ فمسَّهُ، ففعلَ، فسكنَ غضبهُ، فقالَ: إنَّ هنا بذرًا من بذرِ يعقوبَ، قال يوسفُ: ومَنْ يعقوبُ؟ قالَ: أيُّها الملكُ! لا تذكرُ يعقوبَ؟ إنَّه إسرائيلُ اللهِ ابنُ ذبيحِ اللهِ ابنِ خليلِ اللهِ، ورُوي أنه غضبَ ثانيةً، فركضَه يوسفُ برجله فوقعَ على الأرضِ، فقالَ: أنتم معشرَ العبرانيين تظنون أَنْ لا أحدَ أشدُّ منكم، فَثَمَّ خضعوا.
و ﴿قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ يحبُّه كثيرًا يشقُّ عليه فِراقُه ﴿فَخُذْ أَحَدَنَا﴾ عبدًا ورهينةً ﴿مَكَانَهُ﴾ بدلًا منهُ.
﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلينا في الكيل والضيافةِ، فتمِّمْ إحسانَكَ.
...
﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ﴾ مصدرٌ؛ أي: نعوذُ باللهِ معاذًا من ﴿أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقلْ: مَنْ سرقَ؛ تحرُّزًا من الكذبِ.
﴿إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ إنْ أخذْنا بريئًا بمجرمٍ.
...
﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ يَئِسُوا من أخيهم. قرأ أبو جعفرٍ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ بخلافٍ عنهما (اسْتَايَسُوا) و (لا تَايَسُوا) (لا يَايَسُ) (اسْتَايَسَ) بالألفِ وفتحِ الياءِ من غيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ، وإسكانِ الياءِ من غيرِ ألفٍ في اللفظِ، وإذا وقفَ حمزةُ، ألقى حركةَ الهمزةِ على الياءِ على أصلِه (١).
﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي: تخلَّصوا من الناسِ يتناجَوْنَ في تدبيرِ أمورِهم سِرًّا؛ لأن النجيَّ مَنْ تسُارُّهُ، وهو مصدرٌ يعمُّ الواحدَ والجمعَ، والذكرَ والأنثى.
﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ في السنِّ، وهو روبيلُ الذي نهى عن قتلِ يوسفَ ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا﴾ عهدًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ﴾ هذا ﴿مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ قَصَّرْتُم في شأنِه، و (ما) مزيدةٌ.
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ لن أفارقَ أرضَ مصرَ.
﴿حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في الانصرافِ إليه.
﴿أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ بردِّ أخي، أو بوحيٍ يُبَرِّئُني عندَ أبي.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أعدلُ مَنْ فصلَ بينَ الناسِ. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: (لِي أَبي) بإسكانِ الياء، وافقَهم ابنُ كثيرٍ في (لِي)، والباقون: بفتحِها (٢).
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٥ - ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٦).
يوسف 12:81
﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ﴾ هذا من قولِ كبيرِهم، وقيل: من قولِ يوسفَ عليه السلام، والأولُ أظهرُ ﴿فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ﴾ بنيامينَ.
(سَرَقَ) وأخذَ ما لم يؤتَمَنْ عليه في خُفْيَةٍ.
﴿وَمَا شَهِدْنَا﴾ بأنَّ السارقَ يسترَقُّ ﴿إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ من سُنَّتِكَ.
﴿وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ﴾ أي: لم نعلمْ أنه يسرقُ، وقيل: معناه: وما شهدْنا عليه إلا بما علمْ؛ نا أي: لا نقطعُ عليه بالسرقةِ، لكنَّا رأينا الصواعَ قد أُخرج من رحلِه، وما كُنا لِما غابَ من أمورِه في نهارِه وليلِه حافظينَ.
...
﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أي: أهلَ القرية، وهي مصرُ. قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَسَلْ) بالنقلِ، والباقون: بالهمز (١).
﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ أي: الإبلَ التي عليها الأحمالُ، والمرادُ: أصحابُها؛ لأنهم كانوا قد صحبهم قافلةٌ من كنعانَ من جيرانِ يعقوبَ، المعنى: أرسلْ إلى أهلِ مصرَ وأصحابِ العيرِ فاسأَلْهم عن ذلكَ.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٥٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٦ - ١٨٧).
يوسف 12:83
﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٨٣)﴾.
[٨٣] فرجعوا إلى أبيهم، وذكروا له ما قالَهُ كبيرُهم ﴿قَالَ﴾ يعقوبُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ زَيَّنَتْ ﴿لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ أردتُموه، وإلا فما أَدرى الملكَ بِسُنَّتي لولا فتواكُم، والسُّولُ: ما يتمنَّاه الإنسانُ ويحرِصُ عليه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وهشامٌ: (بَل سوَّلَتْ) بإدغامِ اللام في السين، والباقون: بالإظهارِ (١).
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ ليسَ فيه شكوى ولا ضجرٌ بقضاءِ الله، ثم تَرَجَّى من اللهِ فقالَ:
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ يوسفَ وبنيامينَ وكبيرِهم المقيمِ بمصرَ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي ﴿الْحَكِيمُ﴾ بتدبيرِ خَلْقِهِ.
...
﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ أي: أعرضَ؛ كراهةً لما صادفَ منهم.
﴿وَقَالَ يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ والأسفُ: شدةُ الحزنِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَا أَسَفي) بالإمالة، ورُوي عن أبي عمرٍو: الفتحُ والإمالةُ بينَ بينَ، ووقفَ رويسٌ راوي يعقوبَ بخلافٍ عنه: (يَا أَسَفَاهُ) بزيادةِ هاءٍ بعدَ الألف (٢).
(١) المصادر السابقة.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٩ - ٥٠)، و"إتحاف فضلاء =
يوسف 12:85
﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ عَمِيَ بصرُه من ملازمةِ البكاء، فلم يُبْصرْ بهما سِتّ سنينَ.
﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ حابسٌ حزنَه لا يظهِرُه.
...
﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿قَالُوا﴾ أولادُ يعقوبَ: ﴿تَاللَّهِ﴾ بمعنى: واللهِ!
﴿تَفْتَأُ﴾ أي: لا تزال، وحُذِفَتْ (لا) في هذا الموضعِ منَ القسمِ لدلالةِ الكلامِ عليها؛ تقديرُه: تالله لا تفتأ.
﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ لا تفتُرُ من حُبِّهِ.
﴿حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ باليًا من المرضِ.
﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ﴾ الميتينَ.
...
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي﴾ هو أشدُّ الحزنِ الذي لا يصبرُ عليه صاحبُه حتى يَبُثَّهُ أو يَشْكُوَهُ.
﴿وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ والحزنُ: هو أشدُّ الهَمِّ. قرأ الكوفيون، وابنُ كثيرٍ،
= البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٧). ويعقوبُ: (حُزْنِي) بإسكانِ الياءِ، والباقون: بفتحها (١).
﴿وَأَعْلَمُ﴾ يا بنِيَّ ﴿مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ وهو أن رؤيا يوسفَ صادقة وأنه حيٌّ، وأني وأنتم سنسجدُ له.
روُي أنه قيلَ له: يا يعقوبُ! ما الذي أذهبَ بصرَكَ، وقَوَّسَ ظَهْرَكَ؟ قالَ: أذهبَ بصري بُكائي على يوسفَ، وقوَّسَ ظهري حُزْني على أخيه، فأوحى الله إليه: أَتشكوني؟! وَعِزَّتي لا أَكْشِفُ ما بِكَ حَتَّى تدعوَني، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى﴾ فأوحى الله إليه: وعِزَّتي لو كانا ميتينِ لأَخْرَجْتُهما لك، وإنما وَجَدْتُ عليكم أنكم ذبحتم شاةً، فقامَ ببابِكم مسكينٌ فلم تُطعموه منها شيئًا، وإنَّ أحبَّ خلقي إليَّ الأنبياءُ، ثم المساكينُ، فاصنعْ طعامًا، فادعُوا عليه المساكينَ، فصنعَ طعامًا، ثم قالَ: من كانَ صائمًا، فليفطرِ الليلةَ عندَ آلِ يعقوبَ.
وقد حُكي أن ابتلاءَ يعقوبَ بيوسفَ كان سببهُ التفاتَه في صلاتِه إليه ويوسفُ نائمٌ؛ محبةً له.
فإن قيل: كيف استجازَ يوسفُ أن يعملَ مثلَ هذا بأبيه، ولم يخبرْه بمكانِه، وحبسَ أخاهُ معَ علمِه بشدةِ وَجْدِ أبيه؛ ففيه معنى العُقوقِ، وقطيعةُ الرحمِ، وقلةُ الشفقةِ؟ فالجوابُ: أنه عملَ ذلكَ بأمرِ الله تعالى، أمرَهُ به ليزيدَ في بلاءِ يعقوبَ، فيضاعِفَ له الأجرَ، ويلحقَه في الدرجةِ بآبائِه الماضين، واللهُ أعلم.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٨).
يوسف 12:87
﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي: تَطَلَّبوا خبرَهما، والتحسُّسُ بالحاء: طلبُ الشيءِ بالحاسَّةِ في الخير، وبالجيم: في الشر، والتلاوة بالأولِ.
﴿وَلَا تَيْأَسُوا﴾ تَقْنَطوا مِن ﴿مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ أي: رحمتِه التي يحيي بها العبادَ ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ باللهِ.
...
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (٨٨)﴾.
[٨٨] فخرجوا راجعينَ إلى مصرَ حتى وصلوا إليها، فدخلوا على يوسف.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَاأَيُّهَا الْعَزِيزُ﴾ بلغةِ مصرَ: الملكُ.
﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ الجوعُ والشدةُ ﴿وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ﴾ رَديئة أو قليلةٍ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (مُزْجَاةٍ) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ (١).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٨٩).
يوسف 12:89
﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ الذي نستحقُّه ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا﴾ أي: تفضَّلْ بالمسامحةِ والإغضاء عن رداءةِ البضاعةِ، وكانت دراهمَ زيُوفًا لا تؤخَذُ إلا بنقصانٍ، واستدلَّ مالكٌ وغيرهُ من العلماءِ بقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ على أن أجرةَ الكَيَّالِ على البائعِ، وكذلكَ الوزَّان، لأنَّ الرجلَ إذا باعَ عِدَّةً معلومةً من طعامٍ، أَوجَبَ العَقْدُ عليه أن يُفْردَها بعيِنها، ويحوزَها المشتري، والحكمُ كذلكَ بالاتفاقِ حيثُ كانَ المبيعُ مَكيلًا أو مَوْزونًا، أما إذا كانَ الثمنُ كذلكَ، فالأجرةُ على المشتري عندَ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ، وفي مذهبِ مالكٍ خلافٌ.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ والتصدُّقُ: التفضُّل.
وسمعَ الحسنُ إنسانًا يقولُ: اللهمَّ تصدَّقْ عليَّ، فقالَ: إن الله لا يتصدَّقُ، وإنما يتصدَّقُ مَنْ يبتغي الثوابَ، ولكنْ قل: اللهمَّ أَعْطِني، أو تفضَّلْ عليَّ، أو ارحَمْني، ونحوَهُ.
...
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾.
[٨٩] فلما كلموه بهذا الكلام، أدركَتْهُ الرِّقَّةُ، فارفضَّ دمعُه، وباحَ بالذي يكتُمُ.
﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ إِذْ فَرَّقْتُم بينَهما، وصنعتُم ما صنعتُم.
﴿إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ﴾ لا تعلمونَ قبحَه، فلذلكَ أقدمْتُم عليه؟
***
يوسف 12:90
﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ثم تعرَّفَ لهم فعرفوهُ، و ﴿قَالُوا أَإِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (إِنَّكَ) بهمزةٍ واحدةٍ على الخبرِ، والباقونَ: بهمزتينِ، على الاستفهام، وهم على أُصولهم، فالكوفيونَ، وابنُ عامرٍ، وروحٌ عن يعقوبَ: بتحقيقِ الهمزتينِ، وورشٌ ورويسٌ: يحققان الأولى، ويسهِّلانِ الثانيةَ، وأبو عمرٍو، وقالونُ عن نافعٍ: يسهِّلانِ الثانيةَ، ويُدْخلان بينهما ألفًا (١).
﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ من أبي وأمي.
﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بأنْ جمعَ بينَنا.
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ﴾ اللهَ ﴿وَيَصْبِرْ﴾ على امتثالِ الأمرِ واجتنابِ النهي. قراءة العامة: (يَتَّقِ) بحذفِ الياءِ في الحالين، جزمٌ (بمَنْ)؛ لأنها شرطٌ، وقرأ قنبلٌ عن ابنِ كثيرٍ: (يَتَّقِي) بإثباتِ الياءِ في الحالينِ لغةً للعربِ يُثبتون الياءَ في الجزمِ (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٤)، و "تفسير البغوي" (٢/ ٤٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩١).
يوسف 12:91
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المتَّصفين بهذهِ الصفاتِ.
...
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾.
[٩١] ﴿قَالُوا﴾ معتذرينَ: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أي: فَضَّلَكَ ﴿عَلَيْنَا﴾ بالصبرِ والحلمِ والعقلِ.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ أي: وما كُنَّا في صنيعِنا بكَ إلا مخطئينَ مُذْنبين، يقالُ: خَطَأَ: إذا تعمَّدَ، وأخطأَ: إذا كانَ غيرَ متعمدٍ.
...
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٩٢)﴾.
[٩٢] فلما اعترفوا بذنوبهم ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ﴾ لا تقريعَ ولا توبيخَ.
﴿عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ ولا أذكرُ لكم ذنبَكُم بعدَ اليومِ، ثم دعا لهم؛ تطييبًا لقلوبِهم.
﴿يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ما صدرَ منكم في حَقِّي ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ ولما عرفوه، قالوا له: نستحيي من الحضور لديكَ؛ لإساءتِنا إليك، فقال: لقدْ شُرِّفْتُ بكم؛ لأنَّ المصريينَ وإنْ ملكتُهم ما ينظرونَ إليَّ إلا بالعينِ الأولى؛ لأني كنتُ عبدًا فيهم.
***
يوسف 12:93
﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ثم سألَهم عن أبيه فقالوا: عَمِي، فقال: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا﴾ هو قميصُ إبراهيمَ الذي ألبسَهُ إياه جبريلُ حين ألُقي في النار، وكان معلَّقًا في عنق يوسفَ حينَ ألُقي في الجبِّ كما تقدّمَ في أول القصةِ، ففي هذا الوقتِ جاء جبريلُ عليه السلام، وقال: أرسلْ ذلكَ القميصَ؛ فإن فيه ريحَ الجنةِ، لا يقعُ على مبتلًى ولا سقيمٍ إلا عُوفيَ.
﴿فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ﴾ يعود ﴿بَصِيرًا﴾ حالٌ؛ أي: مُبْصِرًا.
﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ﴾ بأبيكم وأهلِه ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
...
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (٩٤)﴾.
[٩٤] فقال يهوذا: أنا أَحْزَنْتُه بالقميصِ الملطَّخِ بالدَّمِ، فسأُفرِحُهُ بهذا القميصِ، فحملَه من مصرَ إلى كنعانَ، وبينهما ثمانونَ فرسخًا.
﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ أي: انفصلَتْ، وخرجَتْ من عمرانِ مصرَ.
﴿قَالَ أَبُوهُمْ﴾ يعقوبُ لحاضريهِ من حَفَدَتِهِ:
﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ لأن الصَّبا حملتْ ريحَ يوسفَ من ثمانينَ فرسخًا، فأوجدَهُ اللهُ ريحَ القميصِ من مسيرةِ ثمانِ ليالٍ.
﴿لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ تُجَهِّلُونِ، والفَنَدُ: الخَرَفُ، يُقال: شَيْخ مُفَنَّدٌ، ولا يُقال: عجوز مُفَنَّدَةٌ؛ لأنه لم يكن لها رأيٌ في شبيبِتها فتفندَ في كبرِها.
يوسف 12:95
قرأ يعقوبُ: (تُفَنِّدُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾.
[٩٥] وكانوا يعتقدونَ موتَ يوسفَ، فلذلك ﴿قَالُوا﴾ يعني: أولادَ أولادِه.
﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ أي: في خَطَئِكَ في حُبِّ يوسفَ قديمًا، وتعتقدُ أنك تلقاهُ حديثًا، والضلالُ: هو الذهابُ عن طريقِ الصوابِ.
...
﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ أي: المبشِّرُ عن يوسفَ، وهو يَهوذا ﴿أَلْقَاهُ﴾ أي: القميصَ ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ وجهِ يعقوبَ.
﴿فَارْتَدَّ﴾ فرجعَ ﴿بَصِيرًا﴾ فَثَمَّ ﴿قَالَ﴾ لأولادِ أولادِه:
﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من حياةِ يوسفَ.
ورُويَ أنَّ يعقوبَ سألَ البشيرَ عن يوسفَ، قال. ملكَ مصرَ، قال: وما أصنعُ بالملكِ، على أيِّ دينٍ هو؟ فالَ: على الإسلامِ، قالَ: الآنَ تَمَّتِ
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).
يوسف 12:97
النعمةُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو، وابنُ كثيرٍ: (إِنِّيَ أَعْلَمُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ مذنبين. قرأ أبو جعفرٍ: (خَاطِينَ) بإسكانِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (٢).
...
﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أَخَّرَهُم لوقتِ السَّحَر؛ لأنه أَرْجى للإجابةِ، وهو الوقتُ الذي يقولُ الله: "هَلْ مِن دَاعٍ فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ " (٣). قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤)، ورُوي أن يعقوبَ استقبل القبلةَ قائِمًا يدعو، وقامَ يوسفُ خلفَهُ يُؤَمِّنُ، وقاموا خلفَهُ أَذِلَّةً خاشعينَ حتى نزلَ جبريلُ وقال:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧) و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).
(٣) رواه البخاري (١٠٩٤)، كتاب: أبواب التهجد، باب: الدعاء والصلاة من آخر الليل، ومسلم (٧٥٨)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠ - ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٢).
يوسف 12:99
إِنَّ اللهَ قَدْ أجابَ دعوتَكَ في ولدِكَ، وعقدَ مواثيقَهم بعدَكَ على النبوَّةِ.
...
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩)﴾.
[٩٩] وكان يوسفُ قد أرسلَ بمئتي راحلةٍ إلى أهلِه وجهازٍ ليرتحلوا إليهِ، وكانوا اثنين وسبعينَ إنسانًا لما دخلوا مصرَ ما بينَ ذكرٍ وأنثى، وكانوا لما خرجوا منها هاربينَ من فرعونَ ستَّ مئةِ ألفٍ وخمسَ مئةٍ وبضعةً وسبعين رجلًا سوى الذريَّةِ والهَرْمَى، وكانت الذريةُ والهرمَى ألفَ ألفٍ ومئتي ألفٍ، ولما دنا يعقوبُ وأهلُه من مصرَ، خرجَ يوسفُ والملكُ الأكبرُ في أربعةِ آلافٍ من الجندِ وعظماءِ المصريينَ يتلَقَّونهم، وكان يعقوبُ يمشي وهو يتوكأُ على يهوذا، فلما رأى الخيلَ، قالَ ليهوذا: هذا فرعونُ مصرَ؟ قال: هذا ابنُك، فلما دنا كلُّ واحدٍ منهُما من صاحبِه، فذهبَ يوسفُ يبدؤُهُ بالسلام، فقال جبريلُ: لا حتى يبدأَ يعقوبُ بالسلامِ، فقال يعقوبُ: السلامُ عليكَ يا مُذْهِبَ الأحزانِ، وتعانَقا، وبَكَيا، فقال يوسفُ: يا أبتِ! بكيتَ حتى ذهبَ بصرُكَ، ألم تعلمْ أنَّ القيامةَ تجمعُنا؟ قالَ: بلى يا بنيَّ، ولكن خشيتُ أن تسلَبَ دينَكَ فَيُحالَ بيني وبينَك.
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى﴾ أي: ضمَّ ﴿إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ أباه وخالتَه لَيَّا، وكانتْ أُمُّه راحيلُ قد ماتت، والعربُ تسمِّي العمَّ أبًا، والخالةَ أمًّا.
﴿وَقَالَ﴾ لهم لما قاربَ البلدَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ استثناءٌ متعلِّقٌ بالدخول الموصوفِ بالأمنِ؛ كأنه قال: اِسْلَموا وَأْمَنوا في دخولكم إنْ شاءَ الله.
يوسف 12:100
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] فلما عاد إلى مصر، جلسَ على سريره، وجمع الناسَ، وإخوتُه حولَه ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ﴾ معه ﴿عَلَى الْعَرْشِ﴾ وهو سريرُ الملك. قرأ ابنُ كثيرٍ: (أَبَوَيْهِي) وشبهَهُ بياءٍ يصلُها بهاءِ الكنايةِ في الوصلِ حيثُ وقعَ.
﴿وَخَرُّوا لَهُ﴾ إخوتُه وأبواه ﴿سُجَّدًا﴾ كذلكَ كانت تحيتُهم، فنُهينا عنه في شريعةِ الإسلام.
﴿وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وكانَ بينهما نحوُ خمسينَ سنةً، وقيلَ غيرُ ذلك. قرأ الكسائيُّ: (رُؤْيَايَ) بالإمالةِ (١) ﴿قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ صِدْقًا.
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي﴾ أنعمَ عليَّ ﴿إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ ولم يقلْ: من الجبِّ؛ تكرمًا لئلَّا يستحييَ إخوتهُ، ومن تمامِ الصفحِ ألَّا يذكرَ ما تقدَّمَ من الذنب. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو (بِيَ إِذْ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٣). ﴿وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ الباديةِ؛ لأنهم كانوا أصحابَ ماشيةٍ وعَمَدٍ، وهي الخيامُ، ينتقلون في الماءِ والمرعى.
﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ﴾ أفسدَ ﴿الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ بوسوستِهِ، وأصلُ النزغِ: نَخْسُ الرائِضِ الدابةَ لتتحرَّكَ.
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾ أي: لطيفُ التدبير له، واللطيفُ: الذي يوصلُ الإحسانَ إلى غيرهِ بالرفقِ ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بوجوهِ المصالحِ ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعل. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (إخْوَتِيَ) بفتح الياء، والباقونَ: بإسكانها (١)، واختلافُهم في الهمزتينِ من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كاختلافِهم فيهما من (يَشَاءُ إِلى صِرَاطٍ) في سورةِ البقرةِ.
وأقامَ يعقوبُ بمصرَ عندَ يوسفَ أربعًا وعشرينَ سنةً، ثم ماتَ، فلما حضرَتْهُ الوفاةُ أَوْصى بحملِه ودفنِه عندَ أبيهِ إسحاقَ بمغارةِ حَبْرونَ عندَ قبرِ إبراهيمَ عليه السلام، وتقدم ذكرُ ذلكَ في سورةِ البقرةِ.
قال سعيدُ بنُ جُبيرٍ: لما ماتَ يعقوبُ، نقلَه يوسفُ في تابوتٍ من ساج إلى بيت المقدسِ، فوافقَ يومَ موتِ أخيه عيصٍ، فدُفِنا في قبرٍ واحدٍ، وكانا وُلدا في بطنٍ واحدٍ، وكان عمرُهما مئةً وسبعةً وأربعينَ سنة (٢).
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٤).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٨٩).
يوسف 12:101
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾.
[١٠١] فلما جمعَ اللهُ تعالى ليوسفَ شملَه، علمَ أن نعيمَ الدُّنيا لا يدومُ، فسألَ اللهَ حُسْنَ العاقبةِ فقالَ: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني: ملكَ مصرَ، والملكُ اتِّساعُ المقدورِ لمن له السياسةُ والتدبيرُ.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ تعبيرِ الرؤيا، و (مِنْ) للتبعيضِ؛ لأنه لم يؤتَ كُلَّ الملكِ ولا كُلَّ التأويلِ.
﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدِعَهما، وانتصابُ (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ) على النداءِ.
﴿أَنْتَ وَلِيِّي﴾ أي: متولِّي أمري ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي﴾ اقْبِضْني إليك ﴿مُسْلِمًا﴾ مخِلصًا ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ من آبائي النبيينَ.
واختلفوا في مدةِ غَيبةِ يوسفَ عن أبيهِ، فقيل: اثنتانِ وعشرونَ سنةً، وقيل: أربعونَ، وقيل: ثمانون، ولما ماتَ الملكُ الأكبرُ، وهو الريانُ بنُ الوليدِ المتقدِّمُ ذكرهُ، خلفَه ابنهُ دريموش، ويسميهِ أهلُ الأثر: دارمَ بنَ الريان، وهو الفرعونُ الرابعُ عندَهم، فخالفَ سنةَ أبيه، وكانَ يوسفُ خليفته، فيقبلُ منه بعضًا، ويخالفُ في البعضِ، فماتَ يوسفُ في أيامِه وله مئةٌ وعشرونَ سنةً، فَكُفِّنَ وحُمل في تابوب من رخام، ودُفِنَ في الجانبِ الغربيِّ من بحرِ النيلِ، فأخصبَ ونقص الشرقيُّ، فَحُوِّلَ إليه، فأخصبَ ونقصَ الغربيُّ، فاتفقوا على أن يجعلوهُ في الشرقيِّ عامًا، وفي الغربيِّ عامًا، ثم حدثَ لهم من الرأيِ أن يجعلوا لهُ حِلَقًا وثاقًا، وشدُّوا التابوتَ في وسطِ النيلِ فأخصبَ الجانبانِ كلاهُما، ولم يزلْ ثَمَّ حتى كانَ زمنُ موسى عليه السلام وفرعون، فلما سارَ موسى ببني إسرائيل من مصرَ أخرجَهُ وهو في التابوت، وحمله على عجلٍ من حديدٍ، ودفنَه بحبرونَ في البقيعِ خلفَ الحيزِ السليمانيِّ حذاءَ قبرِ أبيه يعقوبَ، وجوارَ جَدَّيه إبراهيمَ وإسحاقَ عليهم السلام، وتقدم ذكرُ ذلك ملخَّصًا في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولهِ تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، ونزلَ عليه جبريلُ أربعَ مراتٍ، وبينهَ وبينَ موسى أربعُ مئةِ سنةٍ، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنه قال: قالَ رسولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ الْكَرِيمَ ابْنَ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ ابْنِ الْكَرِيمِ يُوسُفُ بنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ يُوسُفُ، ثُمَّ جَاءَنِي الدَّاعِي، لأَجَبْتُ" (١).
وسُئِلَ رسولُ الله - ﷺ -: "مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قالَ: أَتْقَاهُمْ لله، قَالُوا: ليسَ عن هذا نسألُكَ، قالَ: فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللهِ بْنِ نَبِيِّ اللهِ بْنِ نَبِيِّ اللهِ بْنِ خَلِيلِ اللهِ" (٢).
فهؤلاءِ الأنبياءُ الأربعةُ وهم: إبراهيمُ الخليلُ، وولدهُ إسحاقُ، وولدهُ يعقوبُ، وولدهُ يوسفُ، قبورُهم في محلٍّ واحدٍ، وعليهِم من الوقارِ
(١) رواه الترمذي (٣١١٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة يوسف، وقال: حسن، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٢٥٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٢٥)، وغيرهم عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٢) رواه البخاري (٣١٧٥)، كتاب: الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، ومسلم (٢٣٧٨)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل يوسف عليه السلام، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
يوسف 12:102
والجلالةِ ما لا يَكادُ يُوصَفُ، صَلواتُ اللهِ وسلامُه عليهِم أجمعينَ. ووُلدَ ليوسفَ من امرأةِ العزيزِ ولدانِ: أفراييمُ والدُ رحمةَ زوجةِ أيوبَ، وميشا.
...
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من نبأ يوسفَ ﴿مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ لأنك لم تحضرْهُ، ولا قرأتَهُ في كتابٍ، وقد أُخْبِرْتَ بهِ، كما جرى.
﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا﴾ أَحْكَموا ﴿أَمْرَهُمْ﴾ على كيدِ يوسفَ.
﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بهِ. والإجماعُ لغةً: العزمُ والاتفاقُ، واصطلاحًا: اتفاقُ مجتهدِي الأُمَّةِ في عصرٍ على أمرٍ ولو فِعْلًا بعدَ النبيِّ - ﷺ -، وهو حُجَّةٌ قاطعةٌ بالاتفاقِ، ولا يختصُّ الإجماعُ بالصحابةِ بالاتفاقِ.
...
﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ يا محمدُ ﴿وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانِهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ إنما يؤمن مَنْ شاءَ الله.
...
﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ على إرشادِكَ إياهم ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعْلٍ.
﴿إِنْ هُوَ﴾ يعني: القرآنَ ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ عامَّةً.
***
يوسف 12:105
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ تقدَّمَ اختلافُ القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورةِ آلِ عمران عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [الآية: ١٤٦]؛ أي: وكَمْ ﴿مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الآياتِ الدالةِ على الوحدانيةِ.
﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ يُشاهدونَها ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ لا يَتَّعِظونَ بها.
...
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ بعبادتِهم الوثنَ.
عن ابنِ عباسٍ أَنَّه قال: "نزلَتْ في تلبيةِ المشركينَ من العربِ، كانوا يقولونَ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ إِلَّا شَرِيكٌ هَوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ" (١).
...
﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ﴾ نِقْمَة تتغَشَّاهُمْ.
﴿مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾ يعني: الصواعقَ.
(١) انظر: "صحيح مسلم" (٢/ ٨٤٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٥٩٣).
يوسف 12:108
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأةً ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيءِ القيامةِ.
...
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ ﴿هَذِهِ سَبِيلِي﴾ طريقي؛ يعني: الدعوةَ إلى التوحيدِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (سَبِيِليَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ يقينٍ ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: ومَنْ آمنَ بي أيضًا يدعو إلى اللهِ.
﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ تنزيهًا له ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ورُويَ أن هذهِ الآية ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ إلى آخرِها كانَتْ مرقومةً على رايةِ يوسفَ عليه السلام.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ يا محمدُ ﴿إِلَّا رِجَالًا﴾ وليسوا بملائكةٍ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٦).
يوسف 12:110
﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (نُوحِي) بالنون، وكسرِ الحاءِ، والباقون: بالياء وفتحِ الحاءِ (١).
﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الأمصارِ، قالَ الحسنُ: لَمْ يبعثِ اللهُ نبيًّا من البدوِ، ولا منَ الجنِّ، ولا من النساءِ؛ لجفائِهِم وقسوتِهم وجهلِهم (٢).
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: هؤلاءِ المشركينَ ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ آخِرُ أمرِ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأممِ المكذِّبَةِ فيعتبروا.
﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ حَضٌّ على الآخرةِ والاستعدادِ لها، والاتقاءِ للموبقاتِ فيها، ثُمَّ وَبَّخهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فيؤمنون. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (تَعْقِلُونَ) بالخطابِ، والباقونَ: بالغيب.
...
﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ (حَتَّى) مُتعَلِّقَةٌ بمحذوفٍ دلَّ عليهِ الكلامُ؛ كأنه قيل: وما أرسلْنا من قبلِكَ إلا رجالًا، فتراخَى نصرُهم، حتى إذا استيأسوا عن النَّصْرِ.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ قرأ نافع، وابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥).
يوسف 12:111
وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (كُذِّبُوا) بالتشديدِ، يعني: الرسلَ ظَنُّوا أنَّ الأممَ قد كَذَّبوهم تكذيبًا لا يُرْجى بعدَهُ إيمانهم، وظَنُّوا بمعنى: أيقنوا، وقرأ الباقون: (كُذِبُوا) بالتخفيف (١)، معناه: ظنَّ الأممُ أن الرسلَ كَذبوا في وعيدِ العذابِ.
﴿جَاءَهُمْ﴾ يعني: الرسلَ ﴿نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصِمٌ، ويعقوبُ: (فَنُجِّيَ) بنونٍ واحدةٍ وتشديدِ الجيم وفتحِ الياء على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وقد أجمعتِ المصاحفُ على كتابتِه بنونٍ واحدة، وقرأ الباقون: بنونينِ، الثانيةُ ساكنةٌ مخفاةٌ عندَ الجيمِ، وتخفيفِ الجيمِ وإسكانِ الياءِ (٢)؛ أي: نحنُ نُنْجِي مَنْ نشاءُ عندَ نزولِ العذابِ، وهم المؤمنون.
﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا﴾ عذابُنا ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: المشركينَ.
...
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي: في خبرِ يوسفَ وإخوتِه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٧)، وأنكرت عائشة رضي عنها قراءة التخفيف كما ذكر البغوي ذلك عنها.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٩٨). ﴿عِبْرَةٌ﴾ أي: اعتبارٌ ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لذوي العقولِ.
﴿مَا كَانَ﴾ أي: القرآنُ ﴿حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ يُخْتَلَقُ.
﴿وَلَكِنْ﴾ كانَ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتبِ المنزلةِ ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يَحتاجُ إليه العبدُ ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ نعمةً.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يُصَدّقونَ به، والله أعلم.
الرعد 13:1
سورة الرعد
مكية إلا قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ االآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية، وقيل: مدنية إلا قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ الآيتين نزلتا بمكة، وآيها ثلاث وأربعون آية، وحروفها ثلاثة آلاف وخمس مئة وستة أحرف، وكلمها ثمان مئة وخمس وخمسون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١)﴾.
[١] ﴿المر﴾ قال ابنُ عباسٍ: "معناهُ: أنا اللهُ أَعلمُ وأَرى" (١) وتقدَّمَ ذكرُ السَّكْتِ والإمالةِ في أولِ سورةِ يونسَ (٢).
﴿تِلْكَ﴾ أي: أخبارُ الأممِ المتقدمةِ ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ أي: الكتبِ المنزلةِ على الأنبياءِ قبلَكَ ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآنَ، مبتدأٌ، خبرُه ﴿الْحَقُّ﴾ فاعتصِمْ به.
(١) تقدم تخريجه.
(٢) في الآية (١) منها.
الرعد 13:2
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ يعني: مشركي مكةَ.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لعدمِ تأمُّلِهم فيه.
...
﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢)﴾.
[٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمعُ أَعْمِدَةٍ، وهي جمعُ عمودِ البيتِ، يعني: السَّواري ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استشهادٌ برؤيتِهم لَها كذلكَ، والمرادُ: نفيُ العَمَدِ أصلًا، وهو الأصحُّ، فهي واقفةٌ كالقبَّةِ، والقدرةُ أعظمُ من ذلكَ.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيفٍ، وتقدَّمَ الكلامُ عليه في سورةِ الأعرافِ.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ذَلَّلَهما لمنافعِ خَلْقِه على ما يريدُه تعالى.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ لوقتٍ معلومٍ، وهو انقضاءُ الدنيا.
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ في خَلْقِه من غيرِ شريكٍ له فيه.
﴿يُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾ يُبين البراهينَ.
﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لكي تُصَدِّقوا وعدَه.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ بَسَطَها ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابِتَ، قالَ
الرعد 13:4
ابنُ عباس: "كانَ أبو قُبيسٍ أولَ جبلٍ وُضِعَ على الأرضِ" (١) ﴿وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا﴾ أي: خلقَ في الأرضِ حينَ بسطَها من كلِّ نوعٍ من الثمراتِ ﴿زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ أي: نوعين: حلوٌ، وحامضٌ، ونحوُهما.
﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ يُلْبِسُهُ مكانَه، فيصيرُ الجوُّ مظلمًا بعدَ ما كان مضيئًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصم: ﴿نُغْشِي﴾ بالنون (٢)، والباقون: بالياء ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ.
﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيها، والتفكُّرُ: تصرُّفُ القلبِ في معاني الأشياءِ.
...
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ متلاصقاتٌ مختلفاتٌ مع تلاصُقِها طيبةٌ إلى سبخةٍ، وكثيرةُ الريعِ إلى قليلهِ، ونحوُ ذلك.
﴿وَجَنَّاتٌ﴾ بساتينُ ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ﴾ هي النخلاتُ يجمعُهُنَّ أصلٌ واحدٌ، ومنهُ قولُ النبيِّ - ﷺ - في العباسِ: "عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ" (٣).
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٨٨٩).
(٢) "بالنون" ساقطة من "ت".
(٣) رواه مسلم (٩٨٣)، كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ النخلةُ المنفردةُ بأصلِها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ) بالرفعِ في الأربعةِ عطفًا على (جَنَّاتٌ)، وقرأها الباقونَ: بالخفضِ عطفًا على (أَعْنَابٍ) (١).
﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وهي متغايرةٌ في الألوانِ والطُعومِ. قرأ ابنُ عامرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ: (يُسْقَى) بالياءِ على التذكيرِ؛ أي: يُسْقَى المذكورُ، وقرأ الباقونَ: بالتاءِ على التأنيث؛ أي: تُسْقَى الجنةُ بما فيها، وأمالَ حمزةُ، والكسائيُّ القافَ (٢).
﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ في الثمرِ والطَّعْم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (وَيُفَضِّلُ) بالياء؛ لقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ﴾، وقرأ الباقون: بالنون على معنى: ونحن نفضِّلُ بعضَها على بعضٍ في الأُكُل (٣)، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ: (الأُكْلِ) بإسكانِ الكافِ، والباقون: بضمِّها (٤)، والأُكْلَةُ بضمِّ الهمزةِ: اللقمةُ، وبكسرِها: الحالةُ يؤكَلُ عليها،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٠٩ - ٥١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٤ - ٢٠٦).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧).
(٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧).
الرعد 13:5
وبفتحها: المرةُ الواحدةُ، كذلك بنو آدمَ من أبٍ واحدٍ، واختلفَتْ خَلْقُهُم وأخلاقُهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكورِ ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعمِلون عقولَهم بالتفكُّرِ.
...
﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ يا محمدُ من إنكارِهم النشأةَ الآخرةَ، مع إقرارِهم بابتداءِ الخلقِ من اللهِ عز وجل، وقد تقرر في القلوب أنَّ الإعادةَ أهونُ من الابتداء.
﴿فَعَجَبٌ﴾ تصويبٌ لعَجَبِهِ - ﷺ -، والعجبُ: تغيرُ النفسِ برؤيةِ المستبعَدِ في العادة. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ عن حمزةَ: ﴿تَعْجَبْ فَعَجَبٌ﴾ بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (١).
﴿قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا﴾ بعدَ الموتِ.
﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: أَنُبْعَثُ خَلْقًا جديدًا بعدَ الموتِ؟ واختلافُ القراءِ في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبارِ بالأولِ منهما، والاستفهامِ بالثاني،
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٨ - ٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧). وعكسِه، والاستفهامِ فيهما، فقرأ ابنُ عامرٍ، وأبو جعفر: (إذَا) بالإخبارِ (أَئِنَّا) بالاستفهامِ، فابنُ عامرٍ يحقِّقُ الهمزتينِ، وأبو جعَّفَرٍ يسهِّلُ الثانيةَ، ويفصلُ بينَهما بألفٍ، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامرٍ في الفصلِ مع تحقيقِ الهمزتين، وقرأ نافعٌ، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (أَئِذَا) بالاستفهامِ، (إِنَّا) بالإخبار، فنافعٌ يسهِّلُ الهمزةَ الثانيةَ، وراويه قالونُ يفصلُ بينَهما بألفٍ، وافقه رويسٌ عن يعقوبَ في التسهيلِ، والكسائيُّ يحقِّقُ الهمزتينِ، وافقه روحٌ عن يعقوبَ، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا) بالاستفهام فيهما، فابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو يسهِّلانِ الهمزةَ الثانيةَ منهما، وأبو عمرٍو يفصلُ بينَهما بألفٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، وخلفٌ يحققون الهمزتين (١)، فمن قرأ بالاستفهامينِ، فذلكَ للتأكيدِ، ومن استفهمَ في الأولِ فقط، فإنما القصدُ بالاستفهامِ الموضعُ الثاني، تقديرُه: أَنُبْعَثُ ونُحْشَرُ إذًا، ومن استفهمَ في الثاني فقط، فمعناه: إِذا كُنَّا تُرابًا أَنُبْعَثُ؟
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: منكرو البعثِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ أي: أعمالُهم الخبيثةُ.
﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يُنْقَلون عنها.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٢ - ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢ - ٣٦٤، ٣٧٢ - ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠٧ - ٢٠٩).
الرعد 13:6
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾.
[٦] ونزلَ فيمن طلبَ العذابَ قبلَ حينهِ استهزاءً بالنبيِّ - ﷺ -: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ أي: بالنِّقمةِ قبلَ العافيةِ، والاستعجالُ: طلبُ تعجيلِ الأمرِ قبلَ مجيءِ وقتِهِ.
﴿وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ جَمْعُ مَثُلَة؛ أي: عقوباتُ أمثالِهم من المكذِّبينَ، المعنى: قد عرفوا ما نزلَ بالأممِ قبلَهم من الهلاكِ، فكيفَ يستعجلونه؟
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ أي: يغفرُ ذنوبَهم مع ظلمِهم أنفسَهم بالمعاصي والشركِ إنْ تابوا ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ للكفارِ.
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عِنادًا:
﴿لَوْلَا﴾ أي: هلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ أي: على محمد - ﷺ -.
﴿آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ أي: حجَّةٌ على صدقِ نبوَّتهِ؛ كإحياءِ عيسى الموتى، وقلبِ عَصا موسى حيةً، قالَ اللهُ تعالى:
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ ما عليكَ إلا البلاغُ.
﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ نبيٌّ يرشدُهم. وقفَ ابنُ كثيرٍ (هادي) بإثباتِ الياءِ بعدَ
الرعد 13:8
الدال، ورُوي ذلكَ عن يعقوبَ وقنبلٍ؛ لأنها الأصلُ، ولأن الذي حُذفتِ الياءُ لأجلهِ، وهو التنوينُ، قد زالَ، وقرأ الباقونَ: بحذفها وقفًا؛ لأن الأصلَ هو الوصلُ، ٤ وهي في الإمامِ بغيرِ ياءٍ، والحذفُ والإثباتُ جائزان (١)، وكذلكَ حكمُ اختلافِهم في (وَالٍ) و (وَاقٍ) و (بَاقٍ).
...
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.
[٨] ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ من ذكرٍ وأنثى، وتامٍّ وناقصٍ، وأَبيضَ وأسودَ، وواحدٍ واثنينِ وأكثرَ.
﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ أي: تنقصُ ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ أي: تأخذُهُ زائدًا، فنقصانُ الأرحامِ: وضعُها لأقلَّ من تسعةِ أشهرٍ، وزيادتُها: وضعُها لأكثرَ من تسعةِ أشهرٍ، وقيلَ غيرُ ذلك، وأقلُّ مدةِ الحملِ ستةُ أشهرٍ بالاتفاق، وغالبُها تسعةُ أشهرٍ، واختلفوا في أكثرِها، فقال أبو حنيفةَ: سنتانِ، وقال مالكٌ: خمسٌ، وهو المشهورُ عنه، وقال الشافعيُّ وأحمدُ: أربعٌ.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ﴾ في علمه ﴿بِمِقْدَارٍ﴾ بتقديرٍ معلومٍ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٠١ - ٢١٩)، قال مكي: والحذف والإثبات لغتان للعرب والحذف أكثر.
الرعد 13:9
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.
[٩] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غابَ عن خلقِه ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شاهدوه.
﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كُلُّ شيءٍ دونَهُ.
﴿الْمُتَعَالِ﴾ عن صفاتِ المخلوقين، وقولِ المشركين. قرأ ابنُ كثيرٍ ويعقوبُ: (الْمُتَعَالِي) بإثباتِ الياءِ، وحذفَها الباقون (١).
...
﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ﴾ أي: استوى في علمِ اللهِ خافي القولِ وظاهرهُ، ومُخفيهِ ومُظهِرهُ ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ﴾ مستترٌ يطلبُ الخفاءَ.
﴿بِاللَّيْلِ﴾ بظلامِه: رُوِيَ عن يعقوبَ وقنبلٍ: الوقفُ بالياءِ على (مُسْتَخْفِي).
﴿وَسَارِبٌ﴾ سالكٌ في سَرْبِهِ؛ أي: طريقِه ﴿بِالنَّهَارِ﴾ والسَّرْبُ بفتحِ السينِ وسكونِ الراء: الطريقُ، قال ابنُ عباسٍ: "هُوَ صاحبُ رِيبةٍ مستخفٍ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١١).
الرعد 13:11
بالليلِ، وإذا خرجَ بالنهارِ، أرى الناسَ أنه بريءٌ من الإثمِ" (١).
...
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾.
[١١] ﴿لَهُ﴾ أي: الإنسانِ المؤمنِ.
﴿مُعَقِّبَاتٌ﴾ أي: الملائكةُ تتعاقبُ في حفظِه.
﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: من قُدَّامِهِ ومن ورائِه، والتعقيبُ: العودُ بعدَ البَدْءِ، وإنما ذُكر بلفظِ التأنيثِ؛ لأن المرادَ: الجماعاتُ التي يعقبُ بعضُها بعضًا.
﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ أي: بأمرِ الله، فإذا جاءَ القدرُ، خَلَّوْا عنه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من النعمةِ.
﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ هو بكثرةِ المعاصي.
﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عذابًا ﴿فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يَرُدُّه شيءٌ ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ أي: المرادُ هَلاكُهم ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ من دونِ الله ﴿مِنْ وَالٍ﴾ وَليٍّ. وتقدَّمَ اختلافُ القراءِ في (وَالٍ) عندَ (هَادٍ) (٢)، وفيه دليلٌ على أنَّ خلافَ مرادِ اللهِ مُحالٌ.
(١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١١٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٧/ ٢٢٢٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١١).
الرعد 13:12
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من الصاعقةِ ﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيثِ ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ﴾ الغيمَ المنسحبَ بالماء.
﴿الثِّقَالَ﴾ بالمطرِ، قال عليٌّ: "السَّحابُ غِرْبالُ الماءِ" (١).
...
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ والرعدُ اسمُ مَلَكٍ يسوقُ السحابَ، والصوتُ المسموعُ تسبيحُه، فإذا سَبَّحَ، لم يبقَ مَلَكٌ إلا رفعَ صوتَه بالتسبيحِ، فينزلُ القطرُ، وعن عبدِ اللهِ بنِ الزبيرِ أنه كانَ إذا سمعَ صوتَ الرعدِ، تركَ الحديثَ، وقالَ: "سُبْحانَ من يُسَبِّحُ الرعدُ بحمدِه، والملائكةُ من خيفتَهِ، ويقولُ: إنَّ هذا الوعيدَ لأهلِ الأرضِ لشديدٌ" (٢).
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أيضًا تسُبِّحُ ﴿مِنْ خِيفَتِهِ﴾ أي: خيفةِ الله تعالى.
﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ جمعُ صاعقةٍ، وهي العذابُ المهلِكُ ينزلُ من البرقِ.
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦١٧)، عن كعب. وانظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥١٨).
(٢) رواه الإمام مالك في "الموطأ" (٢/ ٩٩٢)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٢٣)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢٩٢١٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٣/ ٣٦٢)، عن عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه-.
الرعد 13:14
﴿فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهلِكُه.
﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ﴾ بتكذيبِهم عظمتَهُ وتوحيدَهُ.
﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ العقوبةِ، يقال: محلَ الرجلُ بالرجلِ: إذا مكرَ بهِ وأخذَه بسعايةٍ شديدةٍ.
...
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (١٤)﴾.
[١٤] رُوي أن عامرَ بنَ الطُّفَيل، وأَرْبَدَ بنَ ربيعةَ أخا لَبيدٍ وَفَدا على رسولِ الله قاصِدَيْنِ قتلَه، فأخذَهُ عامرٌ بالمجادلةَ، ودارَ أربدُ من خلفِه ليضربَهُ بالسيفِ، فتنبَّهَ له رسولُ اللهِ - ﷺ -، وقال: "اللَّهُمَّ اكْفِنِيِهِما بِمَا شِئْتَ"، فأرسلَ اللهُ على أربدَ صاعقةً فأحرقَتْهُ، وولَّى عامِرٌ هاربًا، فنزلَ ببيتِ امرأةٍ سلوليةٍ، فرميَ بغُدَّةٍ عظيمهٍ، فماتَ، وكانَ يقولُ: غُدَّة كغدَّةِ البعيرِ، ومَوْتٌ في بيتِ سَلوليَّةٍ؟! فنزلت الآيةُ:
﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ (١) أي: هو المستحقُّ لها، وهي لا إلهَ إلا اللهُ.
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الآلهةُ الذين يدعونَهم الكفار.
﴿لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ يريدونه.
﴿إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ أي: لا ينتفعُ عبدةُ الأصنامِ
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ١٢٠)، و "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٤)، و"تفسير القرطبي" (٩/ ٢٩٦ - ٢٩٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٦١٦ - ٦١٧).
الرعد 13:15
بدعائِهم إلا كانتفاعِ عطشانَ يمدُّ يدَه إلى ماءٍ في حفيرة لا يصلُ إليه.
﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ الأصنامَ ﴿إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ لا يفيدُ شيئًا، ولا يُغْنيهم.
...
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ينقادون.
﴿طَوْعًا﴾ هم المؤمنون.
﴿وَكَرْهًا﴾ هم المنافقونَ والكافرونَ الذين أُكْرِهوا على السُّجودِ بالسيفِ.
﴿وَظِلَالُهُمْ﴾ جاءَ في التفسيرِ أن الكافرَ يسجدُ لغيرِ اللهِ، وظِلُّه يسجُد لله ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ البُكَرِ ﴿وَالْآصَالِ﴾ العَشايا، جمعُ أُصلٍ، والأُصلُ جمعُ أَصيلٍ، وهو ما بينَ العصرِ وغروبِ الشمسِ، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتفاق، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوة، وحكمُه، وسجودُ الشكرِ آخِرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى.
...
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿قُلْ﴾ للمشركينَ استفهام إنكارٍ ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقُها وَمُدَبِّرُهَا، فإن لم يعترفوا، فأنت ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ رَبُّ، هما وإن اعترفوا.
﴿قُلْ﴾ أنتَ إلزامًا لهم: ﴿أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ.
﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أصنامًا.
﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ ومَنْ لا يملكُ لنفسِه شيئًا، فلا يملكُ لغيرِه، ومن هو كذلكَ، فكيف يُعْبَدُ ويُتَّخَذُ وَلِيًّا. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ، ورُويسٌ عن يعقوبَ: (أَفَتَّخَذْتُمْ) بإظهارِ الذالِ عندَ التاء، والباقون: بالإدغام (١)، ثم ضربَ لهم مثلًا فقال:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ يعني: الكافرُ والمؤمنُ ﴿أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ يعني: الكفرُ والإيمانُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ (أَمْ هَلْ يَسْتَوِي) بالياءِ على التذكير؛ لأنه تأنيثٌ غيرُ حقيقيٍّ، والفعلُ مقدَّمٌ، وقرأ الياقون: بالتاء على التأنيث (٢)؛ لأنه مؤنَّثٌ لم يفصلْ بينَه وبينَ فاعلِه شيءٌ، ثم استفهمَ مُنْكِرًا مُعَجِّبًا منهم فقالَ:
﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ المعنى: لم يَتَّخِذوا آلهةً يخلقونَ شيئًا فيشتبهُ خلقُهم بخلقِ اللهِ تعالى.
﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ بلا شريكٍ، فيعبَدُ بلا شركةٍ.
﴿وَهُوَ الْوَاحِدُ﴾ المتوحِّدُ بالألوهيةِ ﴿الْقَهَّارُ﴾ الغالبُ على كلِّ شيءٍ.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٤).
الرعد 13:17
﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)﴾.
[١٧] ثم ضربَ مثلَين للحقِّ والباطلِ، فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطرَ.
﴿فَسَالَتْ﴾ من ذلكَ الماءِ ﴿أَوْدِيَةٌ﴾ جمع وادٍ ﴿بِقَدَرِهَا﴾ صغيرًا وكبيرًا.
﴿فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا﴾ هو ما علا وجهَ الماءِ من رغوةِ الماءِ وغيرِها.
﴿رَابِيًا﴾ عاليًا على الماءِ، فالماءُ الصافي هو الحقُّ، والذاهبُ الزائلُ الذي يتعلَّقُ بالأشجارِ وجوانبِ الأودية هو الباطلُ، فهذا أحدُ المثلين، والمثلُ الآخرُ قولُه تعالى:
﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يُوقِدُونَ) بالغيب؛ لقوله تعالى: (مَا يَنْفَعُ النَّاسَ)، ولا مخاطبةَ هاهنا، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)؛ أي: ومن الذي توقدون.
﴿عَلَيْهِ فِي النَّارِ﴾ كالذهبِ والفضةِ ﴿ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ﴾ طلبَ زينةٍ يُتَزَيَّنُ بها.
﴿أَوْ مَتَاعٍ﴾ وهو ما يُنْتفعُ بهِ؛ كالنحاسِ والرصاصِ يُذابُ فَيُتَّخَذُ منه الأواني، والإيقادُ: جعلُ النارِ تحتَ الشيءِ ليذوبَ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و "تفسير البغوي" (٢/ ٥٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٤).
الرعد 13:18
﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾ أي: إذا سُبِكَ بالنارِ، كانَ له زبدٌ، وهو خَبَثُهُ، فالصافي يُنتفعُ به كالماءِ مَثَلُ الحقِّ، وزبدُه يبطلُ كزبدِ الماءِ مَثَلُ الباطلِ.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ﴾ أي: يُمَثِّلُ ﴿اللَّهُ الْحَقَّ﴾ الذي يتقرَّرُ في القلوب.
﴿وَالْبَاطِلَ﴾ الذي يعتريها أيضًا.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ﴾ الذي علا السيلَ والفلزَّ، وهو ما يَنْفيه الكيرُ مما يُذاب من جواهرِ الأرض.
﴿فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾ باطِلًا، والجفاءُ: هو ما يرمي به سيلُ الوادي إلى جنباته من الغُثاءِ، وجَفَأَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ وألقتْ زَبَدَها.
﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ من الماءِ وخلاصةِ الفلزِّ من الذهبِ والفضةِ والنحاسِ.
﴿فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ لمنافعهم.
﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ فيظهرُ الحقُّ منَ الباطلِ.
...
﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ أجابوا ﴿لِرَبِّهِمُ﴾ وأطاعوه.
﴿الْحُسْنَى﴾ الجنةُ، وكلُّ ما يختَصُّ به المؤمنُ من نعمِ اللهِ سبحانه، و (السُّوءَى) النارُ.
﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ﴾ هم الكافرون {لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا
الرعد 13:19
وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ} لبذلوه افتداءً لأنفسِهم من النارِ، فلا يُقْبَلُ منهم.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ﴾ هو المناقشةُ فيه، فلا يُغْفَرُ لهم شيءٌ من ذنوبهم.
﴿وَمَأْوَاهُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ المستقرُّ.
...
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.
[١٩] ثم أدخلَ همزةَ الإنكارِ على الفاءِ مبينًا أَنْ لا مساواةَ بينَ حالِ المستجيبِ وضدّهِ فقالَ: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ ويؤمنُ به، وهو حمزةُ رضيَ اللهُ عنهُ ﴿كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ عن الحقِّ لا يبصرُه، وهو أبو جهلٍ وغيرُه ممن كانَ كذلك.
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يَتَّعِظُ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذَوو العقولِ فيستجيبونَ.
...
﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ إذا عاهدوا.
﴿وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ العهدَ الموثَّقَ.
...
﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ والمرادُ: صلَةُ الرَّحِمِ
الرعد 13:22
عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: "ثَلاَثةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يومَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبادَ لَهُ ظَهْر وَبَطْن، وَالأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تنادِي: أَلاَ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ" (١).
﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ سِرًّا وعلانيةً.
﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ وهو عدمُ المسامحةِ فيه.
...
﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على المكارِهِ ﴿ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ لا غيرُ ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ في مواساةِ المحتاجِ.
﴿سِرًّا﴾ هو ما يُنْفَق تَطَوُّعًا ﴿وَعَلَانِيَةً﴾ هي الزكاةُ المفروضةُ.
﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ فيجازونَ الإساءةَ بالإحسانِ، وهذا بخلافِ خُلُقِ الجاهليَّةِ، رُويَ أنها نزلَتْ في الأنصارِ، ثم هي عامَّةٌ بعدَ ذلكَ في كلِّ مَنِ اتصفَ بهذهِ الصفة ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ عاقبةُ الدنيا، وهي الجنةُ.
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾.
(١) رواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" (٢/ ١٨٧)، عن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-.
الرعد 13:23
[٢٣] ثم بَيَّنَهُ بقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بساتينُ إقامةٍ.
﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ أي: من عملَ صالحًا.
﴿مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ المعنى: يدخلون الجنةَ بجميعِ أهلهم؛ تكميلًا لفرحِهم.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ من أبوابِ الجنةِ.
...
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أي: هذا الثوابُ لكم بسببِ صبرِكم على مشاقِّ الدينِ، تلخيصُه: تعبتُمْ ثَمَّ، فاسترحْتُم هنا ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾.
...
﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾.
[٢٥] ونزل في الكفارِ صفةٌ حالة مضادَّة للمتقدمَةِ ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ المأخوذَ عليهم بالطاعةِ.
﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ فيؤمنون ببعض الأنبياءِ، ويكفرون ببعضٍ ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي والظلمِ.
﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ الإبعادُ من رحمةِ اللهِ ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ضدُّ ﴿عُقْبَى الدَّارِ﴾، والأظهرُ في الدارِ هنا أنها دارُ الآخرةِ.
***
الرعد 13:26
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ يُوَسِّعُ.
﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يَهَبُ للكافرِ المالَ ليهلِكَهُ به.
﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُ على المؤمنِ لِيَعْظُمَ بذلكَ أَجْرُهُ، فالكلُّ بمشيئةِ الله تعالى، ثم استجهلَهم في قوله: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فرحَ بَطَرٍ لا فرحَ شكرٍ للنعمةِ.
﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ كائنةً ﴿فِي﴾ جنبِ ﴿الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ ذاهب يُستمتعُ به قليلًا، ثم يفنى.
...
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهلِ مكةَ:
﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ تكونُ دليلًا على صدقِهِ.
﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ إضلالَهُ.
﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ يرشِدُ إلى دينه ﴿مَنْ أَنَابَ﴾ رجعَ عن مُنْكَرٍ.
...
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ﴾ تسكنُ ﴿قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ إذا ذَكروه، أو ذُكِر لهم.
الرعد 13:29
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فيستقرُّ فيها اليقينُ.
...
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأٌ، خبرُه ﴿طُوبَى لَهُمْ﴾ أي: طيبُ العيشِ ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ مرجعٌ إلى الجنةِ. قرأ يعقوبُ: (مَآبِي) بإثباتِ الياءِ في الحالين حيثُ وقعَ إذا لم ينون، والباقون: بحذفها (١)، وقرأ أبو عمرٍو: (الصَّالِحَات طُوبَى) بإدغامِ التاءِ في الطاءِ (٢).
...
﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ إرسالِنا الرسلَ قبلَكَ يا محمدُ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ ثُمَّ بينَ المرسَلَ إليهم فقال: ﴿فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ﴾ عَلَّلَ ذلكَ فقال: ﴿لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ وشرائعِ الإسلامِ.
﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ الواسعِ الرحمةِ.
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿هُوَ﴾ أي: الرحمنُ الذي كفرتُم به.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٧).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٦).
الرعد 13:31
﴿رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدْتُ ﴿وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي: توبتي.
قرأ يعقوبُ: (مَتَابِي) بإثباتِ الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾.
[٣١] ولما اقترحَ مشركو مكةَ منهم أبو جهلِ بنُ هشامٍ، وعبدُ اللهِ بنُ أبي أميةَ على النبيِّ - ﷺ - إزالةَ جبالِ مكةَ لتتفسَّحَ، وجَرْيَ مياهٍ بأرضِهم ليغرسوا الأشجارَ ويزرعوا، وإحياءَ موتاهم، وأنه إنْ فعلَ ذلكَ، آمنوا به، نزل:
﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ﴾ (٢) نُقِلَتْ ﴿بِهِ الْجِبَالُ﴾ عن أماكِنها.
﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ﴾ أي: شُقَّتْ فجُعِلَتْ أنهارًا وعيونًا.
﴿أَوْ كُلِّمَ﴾ أي: أُحْييِ.
﴿بِهِ الْمَوْتَى﴾ وجوابُ (لو) محذوفٌ، وتقديرُه: لكانَ هذا القرآنَ؛
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٧).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٥ - ١٥٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٣٢).
الرعد 13:32
لكونه غايةً في التذكيرِ، ونهايةً في الإنذارِ ﴿بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ في إيمانِ مَنْ آمَنَ (١)، وكفرِ مَنْ كفرَ.
﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ﴾ أي: يعلم، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ﴾ فآمنوا ﴿جَمِيعًا﴾ وتقدم اختلاف القراء في ﴿ييأس﴾ في سورة يوسف عند قوله تعالى ﴿فلما استيأسوا منه﴾.
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا﴾ من الكفر.
﴿قَارِعَةٌ﴾ واهية تقرعهم بأنواع البلايا من سرايا رسول الله - ﷺ - وغزواته.
﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ أي: تنزل أنت يا محمد بنفسك.
﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ وهو فتح مكة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.
...
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٣٢)﴾.
[٣٢] وكانَ الكفارُ يسألونَ عن هذهِ الأشياءِ على سبيلِ الاستهزاءِ، فأنزلَ اللهُ تسليةً لنبيِّهِ - ﷺ -: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كاستهزائِهم بكَ.
قرأ أبو جعفرٍ: (اسْتُهْزِيَ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ.
(١) من قوله: "والباقون (غيابة)... " من سورة يوسف (الآية: ١٠) (ص: ٣٩٦) إلى قوله: "إيمان من آمن" من سورة الرعد (الآية: ٣١) سقط من "ش"، بمقدار عشر لوحات من باقي النسخ الخطية.
الرعد 13:33
﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ أَمْهَلْتُ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ في الدنيا بالقتلِ، وفي الآخرةِ بالنارِ.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ تعجيبٌ من شِدَّةِ أخذِهِ لهم. قرأ يعقوبُ: (عِقَابِي) بإثباتِ الياءِ (١).
...
﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.
[٣٣] ثم احتجَّ عليهم موبِّخًا فقال: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: أَفَاللهُ الذي هو رقيبٌ على كلِّ نفسٍ، يعلَمُ خيرَها وشرَّها، وجوابُه محذوفٌ تقديرُه: كَمَنْ ليسَ كذلك، وهم أصنامُكم؟
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ المعنى: أَفمَنْ له القدرةُ والوحدانيَّةُ، ويُجْعَلُ له شريكٌ، أَهْلٌ أَنْ ينتقمَ ويعاقِبَ أم لا؟ والأنفسُ من مخلوقاتِه، وهو قائمٌ على الكُلِّ.
﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بَيِّنوا شركاءَكم بأسمائِهم وصفاتِهم حتى نعرفَ هل يجوزُ أن يُعْبَدوا.
﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أي: تخبرون اللهَ ﴿بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ فإنه لا يعلمُ لنفسِهِ شريكًا.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٨).
الرعد 13:34
﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: تسُمُّونهم شركاءَ من غيرِ أن يكونَ لذلكَ حقيقةٌ.
﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ﴾ كيدُهم بِشِرْكِهم. قرأ الكسائيُّ، وهشامٌ: (بَل زُيِّنَ) بإدغامِ اللامِ في الزاي، والباقون: بالإظهار (١).
﴿وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ﴾ قرأ الكوفيونَ، ويعقوبُ: (وَصُدُّوا) بضمِّ الصادِ على تعدِّي الفعل، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)، أي: وصَدُّوا الناسَ: صَرَفوهم عن الدينِ.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانِه ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يوفِّقُه.
...
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالقتلِ والأَسْرِ.
﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ أشدُّ شَقًّا للقلبِ.
﴿وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ مانعٍ يمنعُهم من العذابِ: تقدم التنبيهُ على مذاهبِ القراء في (هَادِي)، ومثلُه (وَاقِي) (٣).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢١٩).
(٣) عند تفسير الآية (٧) من هذه السورة.
الرعد 13:35
﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ ﴿الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ كقولهِ تعالى ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل: ٦٠]؛ أي: الصفةُ العليا.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ ثمرُها دائمٌ لا ينقطعُ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أُكْلُهَا) بإسكانِ الكافِ، والباقون: بضمِّها (١).
﴿وَظِلُّهَا﴾ ظليلٌ لا يزولُ، وهو رَدٌ على الجهميّةِ حيثُ قالوا: إن نعيمَ الجنةِ يَفْنى.
﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: مصيرُهم.
﴿وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ﴾ لا غيرُ.
...
﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ، وهم الصحابةُ رضي الله عنهم.
﴿يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ.
﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ﴾ يعني: الكفارَ الذين تَحَزَّبوا على رسولِ الله - ﷺ - من
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٢٠).
الرعد 13:37
اليهودِ والنصارى ﴿مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي: بعضَ القرآنِ، وهو ما يخالفُ شرائِعَهم، أو يوافقُ ما حَرَّفوه منها، قالَ ابنُ عباسٍ: "آمَنَ اليهودُ بسورةِ يوسُفَ، وكفرَ المشركونَ بجميعِهِ" (١).
﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ نصبًا عطفًا على (أَنْ أَعْبُدَ)؛ أي: أُمرت فيما أُوحيَ عليَّ بأَنْ أعبدَ اللهَ، وبأَنْ لا أُشركَ به.
﴿إِلَيْهِ أَدْعُو﴾ لا إلى غيرِه ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ مَرْجِعي.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثلَ هذا الإنزالِ المشتملِ على أصولِ الدياناتِ المجمَعِ عليها ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿حُكْمًا عَرَبِيًّا﴾ أي: حكمةً مترجمةً بلسانِ العربِ ليسهُلَ لهم فهمُه.
﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ باستقبالِ قبلتِهم بعدَما حُوِّلْتَ عنها.
﴿بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ بأنهم كفار.
﴿مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ناصرٍ ﴿وَلَا وَاقٍ﴾ حاجزٍ، وهذا خطابٌ له - ﷺ -، وتحريضٌ للسامعينَ على التمسُّكِ بالدين. وتقدَّمَ التنبيهُ على مذاهِب القراءِ في (مَآبِي) و (وَاقِي) (٢).
...
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٤/ ٤٩٥).
(٢) عند تفسير الآية (٧) من هذه السورة.
الرعد 13:38
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (٣٨)﴾.
[٣٨] ولما عيَّره اليهودُ، وقيل: المشركون بكثرةِ الزوجاتِ، واقترحوا عليه الآياتِ، نزلَ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ (١) ولم نجعلْهم ملائكةً.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ ولم يكنْ في وُسْعِهِ.
﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنه القادرُ على ذلك.
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ﴾ أمرٍ قضاهُ اللهُ ﴿كِتَابٌ﴾ وقت معلومٌ يقعُ فيه.
...
﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من الشرائعِ بنسخِها ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما يَشاءُ فيتركُهُ غيرَ منسوخ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وعاصم، ويعقوبُ: (وَيُثْبِتُ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصلُه؛ يعني: اللوحَ المحفوظَ، فلا يُبَدَّلُ فيه ولا يُغَيَّرُ.
...
﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتِكَ يا محمدُ.
﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من إنزالِ العذابِ بهم.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٦).
الرعد 13:41
﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبلَ ذلكَ، فلا تحزنْ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ تبليغُ الرسالةِ لا غيرُ ﴿وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ والجزاءُ يومَ القيامةَ، قال ابنُ عباسٍ: "نُسِخَتْ بآيةِ السيفِ وفرضِ الجهاد" (١).
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أهلُ مكةَ ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ بفتحِ ديارِ الشركِ، فما زادَ في بلادِ الإسلام، نقصَ من بلادِ الشركِ، أفلا يعتبرون؟
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ﴾ لا ناقض (٢) ﴿لِحُكْمِهِ﴾ والمعنى: إنه حكمَ للإسلامِ بالإقبالِ، وعلى الكفرِ بالإدبارِ ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيحاسبُهم عمَّا قليلٍ في الآخرة بعدَما عَذَّبَهم بالقتلِ والإجلاءِ في الدنيا.
...
﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كادوا أنبياءَهم، والمكرُ: إيصالُ
(١) تقدم تخريجه. وانظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٢٠).
(٢) "لا ناقض" سقط من "ش".
الرعد 13:43
المكروهِ إِلى الإنسانِ من حيثُ لا يشعرُ ﴿فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ أي: عندَ اللهِ جزاءُ مكرِهم، لا يغلبه أحدٌ على مرادِه.
﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ تنبيهٌ وتحذيرٌ في طَيِّ إخبارٍ، ثم توعَّدَهم بقوله:
﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ﴾: قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (الْكَافِرُ) على التوحيدِ؛ إرادةً للجنسِ، وقرأ الباقون: (الْكُفَّارُ) على الجمعِ (١) ﴿لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ الآخرة، فيدخلُ المؤمنون الجنةَ، والكافرون النار.
...
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم أهلُ الكتابِ:
﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ من اللهِ، وإنما أنت مُدَّعٍ.
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لما أظهرُ من الأدلةِ على رسالتي.
﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ يعني: مؤمني أهلِ الكتابِ يشهدون بنعتي في كتبِهم، والله أعلم.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٥٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"تفسير البغوي" (١/ ٥٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٢١).
إبراهيم 14:1
سُورَةُ إبراهيم عليه السلام
مَكِّيَّةٌ، إلا من قوِله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾، وآيُها: ثلاث وخمسونَ، وحروفُها ثلاثةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وأربعة وثلاثون حرفًا، وكَلِمُها: ثمانُ مئةٍ وثلاثون كلمةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾.
[١] ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليه، ومذاهبُ القراءِ فيه في أولِ سورة يونَس (١) ﴿كِتَابٌ﴾ رفعٌ على خبرِ ابتداءِ مضمرٍ تقديرُه: هذا كتابٌ.
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ صفةٌ لكتاب ﴿إِلَيْكَ﴾ يا محمُد، وهو القرآنُ.
﴿لِتُخْرِجَ النَّاسَ﴾ بالدعاءِ والإنذارِ، وعَمَّ الناسَ؛ إذ هو مبعوثٌ إلى جميعِ الخلقِ.
﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفرِ ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمانِ ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي: بتسهيلِه وتمكينِه لهم.
(١) الآية (١) منها.
إبراهيم 14:2
﴿إِلَى صِرَاطِ﴾ إلى دينِ ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالبِ.
﴿الْحَمِيدِ﴾ المستحقِّ للحمدِ.
...
﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾.
[٢] ﴿اللَّهِ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (الله) بالرفع على القطعِ على الابتداءِ، وخبرُه (الذي)، ويصحُّ رفعُه على تقديرِ: هو الله الذي، وافقَهم رويسٌ راوي يعقوبَ في الابتداءِ خاصة، وإذا وصلَ خَفَضَ، وقرأ الباقون: بالخفضِ في الحالين نعتًا للعزيزِ الحميدِ، وقال أبو عمروٍ: والخفض على التقديمِ والتأخيرِ، مجازُه: إلى صراطِ اللهِ العزيزِ الحميدِ (١).
﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ﴾ أي: شِدَّةٌ وبلاءٌ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ يلقونَهُ.
﴿مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ وعيدٌ لمن كفرَ ولم يخرجْ من الظلماتِ إلى النور.
...
﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾.
[٣] ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ﴾ يؤثرون.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٤٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨).
إبراهيم 14:4
﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ يأخذونَ ما تعجَّل منها تهاونًا بأمرِ الآخرةِ.
﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يمنعونَ الناسَ عن الإيمان ﴿وَيَبْغُونَهَا﴾ يطلبونَها؛ أي: سبيلَ اللهِ ﴿عِوَجًا﴾ زَيْغًا ومَيْلًا عن الحقِّ.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ ووصفُ الضلالِ بالبعدِ عبارةٌ عن تعمُّقِهم فيه، وصعوبةِ خروجهم.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ بلغتِهم؛ ليفهموا عنه، وقد بُعث النبيُّ - ﷺ - من العربِ بلسانِهم، والناسُ تبعٌ لهم، وبَعَثَ رسلَه منهم إلى الأطرافِ يترجمون لكلِّ قومٍ بلغتِهم.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ ما أُمروا به، فتلزمُهم الحجةُ ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بالخذلانِ ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بالتوفيقِ.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يُغْلَبُ على مشيئتهِ.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يُضِلُّ ولا يَهْدي إلا بحكمةٍ.
...
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
[٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وهي العصا، واليدُ، وسائرُ التسعِ.
إبراهيم 14:6
﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ بالدعوةِ.
﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ تقدَّمَ تفسيرُهما قريبًا.
﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ﴾ أي: وقائعِه في الأممِ الماضيةِ من الكفارِ، وأَنْعُمِهِ عليهم وعلى غيِرهم من أهلِ طاعتِه، وعَبَّرَ عن النعمِ والنقمِ بأيامِ؛ إذْ هي في أيام.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ على البلاءِ.
﴿شَكُورٍ﴾ للنعماءِ، وفيه تنبيهٌ على أَن الصبرَ والشكرَ عنوانُ المؤمنِ.
...
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ﴾ يُذيقونَكُم ﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدَّهُ وأسوأَهُ.
﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ وقال هنا (يَذُبِّحُونَ)، وفي البقرةِ بغيرِ واو؛ فحيثُ طرحَ الواوَ، فَسَّرَ العذابَ بالتذبيحِ، وحيثُ أثبَتها، جعلَ التذبيحَ جنسًا مستقلًا بنفسِه، فعطفه على العذابِ يوضِّحُه.
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ يتركوهن أحياءً.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ البلاءُ في هذهِ الآيةِ يحتملُ أن يريدَ به المحنةَ، ويحتملُ أن يريدَ به الاختبارَ، والمعنى متقاربٌ.
إبراهيم 14:7
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ﴾ أي: أعلمَ ﴿رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ﴾ يا بني إسرائيل نِعَمي، ووَحَّدْتُموني ﴿لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ هو من فَضْلي وثَوابي.
﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ﴾ إحساني إليكم ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ فَلَعَلِّي أُعَذِّبُكم على الكفرِ عذابًا شديدًا، ومن عادةِ أكرمِ الأكرمينَ أن يصرِّحَ بالوعدِ، ويُعرِّضَ بالوعيدِ.
...
﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ من الثقلينِ.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ﴾ عن خلقِه ﴿حَمِيدٌ﴾ يستوجبُ المحامدَ كلَّها، دائمٌ في ذلكَ في ذاتِه وهذا القولُ يتضمَّنُ عظمتَه تعالى، وتحقيرَهم وتوبيخَهم.
...
﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.
[٩] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ من كلامِ
إبراهيم 14:10
موسى عليه السلام ﴿وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ، خبُره ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ المعنى: لكثرتهم لا يُحصى: عددهم إلا اللهُ. لَمَّا قرأ ابنُ مسعود هذهِ الآيةَ، قالَ: "كذبَ النَّسَّابونَ من بعدُ" (١)؛ يعني: أن النسابين يدعون علمَ الأنسابِ، وقد نفى تعالى علمَها إلا عنهُ، وقالَ ابن عباس: "بين إبراهيم وبينَ عدنانَ ثلاثونَ قرنًا، لا يعلمُهم إلا الله" (٢).
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالاتِ الواضحات. قرأ أبو عمروٍ: (رُسْلُهُمْ) (لِرُسْلِهِمْ) وشبهَه بإسكانِ السين، والباقون: بضمها (٣).
﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ عَضُّوا أناملَهم غيظًا على الرسلِ.
﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ على زعْمِكم.
﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ﴾ من الإيمان ﴿مُرِيبٍ﴾ موجبٍ الريبةَ.
...
﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ هذا استفهامٌ بمعنى نفيِ
(١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٣/ ١٨٧). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٩).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٤٧).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٠ - ٢٣١).
إبراهيم 14:11
ما اعتقدوه، والشكُّ: ما استوى طَرَفاهُ وهو الوقوفُ بينَ الشيئين لا يميلُ القلبُ إلى أحدِهما.
﴿فَاطِرِ﴾ أي: خالقِ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ﴾ إلى الإيمانِ والتوبةِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ﴾ شيئًا ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ وهو ما بينَكُم وبينَه تعالى؛ فإنَّ الإسلامَ يَجبُّهُ دونَ المظالمِ.
﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (ويُوَخِّرَكُمْ) وشبهَه بفتحِ الواوِ بغير همزٍ، والباقونَ: بالهمز (١).
﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو الموتُ، فلا يعاجلُكم بالعذابِ والهلاكِ ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لا فضلَ لكم علينا، وإنما.
﴿تُرِيدُونَ﴾ بقولكم ﴿أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ﴾ برهانٍ ﴿مُبِينٍ﴾ ظاهرٍ على صدقِكم.
...
﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾.
[١١] فَثَمَّ ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ﴾ معترفةً بالبشريةِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣١).
إبراهيم 14:12
﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بالنبوةِ والتوحيدِ.
﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: ليسَ في استطاعتِنا أن نأتيَ بما اقْتَرحْتُموه، وإنما هو أمرٌ متعلِّقٌ بمشيئةِ الله تعالى، فيخُصُّ كلَّ نبىِّ بنوعٍ من الآياتِ.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واللامُ في قوله (فَلْيَتَوكَّلِ) لاُم الأمرِ، وسُكِّنَتْ طلبا للتخفيف، ولِكثرةِ استعمالِها، وللفرقِ بينها وبين لامِ (كَيْ) التي أُلزمَتِ الحركةَ إجماعًا.
...
﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ﴾ المعنى: وأيُّ عذرٍ لنا في تركِ التوكل.
﴿عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ بَيَّنَ لنا طرقَ النجاة. قرأ أبو عمرٍو: (سُبْلَنَا) بإسكانِ الباءِ، والباقون: بضمها (١). ثم أقسموا أن يقعَ منهم الصبرُ على الأذيَّةِ في ذاتِ الله فقالوا:
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ في أبدانِنا وأعراضِنا.
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لِيَثبُتَ الثابتونَ.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٩ - ٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢).
إبراهيم 14:13
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ﴾ لَتَصِيرُنَّ.
﴿فِي مِلَّتِنَا﴾ حَلَفوا على أن يكونَ أحدُ الأمرين، وليسَ المرادُ الرجوعَ، لأنهم لم يكونوا في مِلَّتهم قَطُّ، وإنما هو بمعنى الصيرورة.
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ أي: إلى رسلهِم: ﴿لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾.
...
﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَهم.
﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعدِ هلاكِهم ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الإسكانُ.
﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ أي: موقفَ الحسابِ.
﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾ بالعذابِ. قرأ ورشٌ عن نافعٍ (وَعِيديِ) بإثباتِ الياءِ وصلًا، ويعقوبُ: بإثباتها في الحالين، وحذفَها الباقونَ فيهما (١).
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٢).
إبراهيم 14:15
﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ أي: سأل الأنبياءُ النصرَ ﴿وَخَابَ﴾ خسرَ.
﴿كُلُّ جَبَّارٍ﴾ الذي يجبرُ الخلق على مرادِه ﴿عَنِيدٍ﴾ معاندٍ للحق. قرأ حمزةُ: (خَافَ) و (خَابَ) بالإمالةِ (١).
...
﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ أي: أمامِه ﴿جَهَنَّمُ﴾ يُلْقى فيها.
﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ هو ما يسيلُ من جلودِ أهلِ النارِ من القيحِ والدَّمِ.
...
﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يَتكَلَّفُ جَرْعَهُ.
﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يُجَوِّزُه حَلْقَهُ.
﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: كأن أسبابَ الموتِ أحاطَتْ به من جميعِ جهاتِه.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ فيستريح.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٣).
إبراهيم 14:18
﴿وَمِنْ وَرَائِهِ﴾ أي: بين يديهِ في كُلِّ وقتٍ يستقبلُه.
﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ وهو الخلودُ في النار.
...
﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ﴾ التقديرُ: مثلُ أعمالِ الذين كفروا.
﴿كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: قَوِيَتْ عليه ففرَّقَتْهُ.
﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ريحُهُ، فحُذِفَتِ الريحُ، ووُصِفَ اليومُ بالعصوفِ مجازًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (الرِّيَاحُ) على الجمع، والباقون: بالإفراد (١). وهذا مثلٌ ضربَهُ اللهُ لأعمالِ الكفارِ، يريدُ أنهم لا ينتفعون بأعمالِهم التي عملوها في الدنيا؛ من الصدقةِ، وصلةِ الرحمِ، وإغاثةِ الملهوفِ، لأنهم أشركوا فيها غيرَ الله، فهي كالرمادِ الذي ذرتْهُ الريحُ، لا ينتفعُ به، فذلك قوله:
﴿لَا يَقْدِرُونَ﴾ في الآخرةِ ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ في الدنيا ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا ينتفعون ثَمَّ بما صنعوا هنا.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ الذي لا تُدْركُ غايتُه فَيُرجَى الخلوصُ منه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٣)، وهي بخلاف عن عاصم.
إبراهيم 14:19
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ خطابٌ للنبيِّ - ﷺ -، والمرادُ به أُمَّتُهُ.
﴿أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (خَالِقُ) بألفٍ وكسرِ اللام ورفعِ القافِ على وزن فاعِل، وجَرِّ ما بعدَهُ إِضافةً، وقرأ الباقون: (خَلَقَ) بفتح اللام والقافِ بغيرِ ألفٍ على وزن فَعَلَ، ونصبِ ما بعدَه، إلا أن التاء من السمواتِ تكسر لأنها تاءُ جمع المؤنث (١).
﴿بِالْحَقِّ﴾ لم يخلْقهُنَّ عبثًا سبحانَهُ ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ يُعْدِمْكُم.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يخلقُه مكانَكم أطوعَ له منكم.
...
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ ممتنعٍ، بل هو سهلٌ يسيرٌ.
...
{وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٥٤)، و"الكشاف" للزمخشري (٢/ ٣٧٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٤).
إبراهيم 14:21
لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)}.
[٢١] ﴿وَبَرَزُوا﴾ أي: ويبرزُ الكفارُ من قبورِهم.
﴿لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أي: لحسابِه.
﴿فَقَالَ﴾ أي: فيقولُ ﴿الضُّعَفَاءُ﴾ هم الأتباعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمانِ، وهم المتبوعون: ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ جمعُ تابعٍ، وهو المستَنُّ بآثارِ مَنْ يتبعُه.
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ دافعونَ.
﴿عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: هل أنتم مُغْنونَ عنا بعضَ شيءٍ هو بعضُ عذابِ اللهِ، فَثَمَّ.
﴿قَالُوا﴾ يعني: القادةَ المتبوعين.
﴿لَوْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ إلى الإيمان ﴿لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ إليه.
﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ الألفُ للتسويةِ، وليستْ بألفِ استفهامٍ، بل هي كقولِه: (أَأَنْذَرْتُهُمْ أَمْ لَمْ تنذِرْهُمْ)، المعنى: مستوٍ علينا الجزعُ والصبرُ ﴿مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ مخلصٍ.
...
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٢)﴾.
إبراهيم 14:22
[٢٢] ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فُرِغَ من الحسابِ، ودخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، وأهلُ النارِ النارَ، قامَ خطيبًا في الأشقياء فقالَ:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ الذي لا ريبَ فيه، وهو البعثُ والحسابُ، والجنةُ والنارُ، فوفى لكم به.
﴿وَوَعَدْتُكُمْ﴾ وعدَ الباطلِ، وهو أنْ لا بعثَ ولا حسابَ، ولا جنةَ ولا نارَ.
﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ كَذَبْتكم.
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسلُّطٍ أُلْجِئكُم به إلى الكفرِ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) ﴿إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ إلَّا دعائي إياكُم، وهو استثناءٌ منقطعٌ، تقديره: لكنْ دعوتُكم.
﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أسرعْتُم إجابتي.
﴿فَلَا تَلُومُونِي﴾ بوسوستي.
﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ حيثُ أطعتموني، ولم تُطيعوا رَبَّكم.
﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثِكم.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ قراءة العامةِ: (بِمُصْرِخِيَّ) بفتحِ الياء، وقرأ حمزةُ: بكسرِها، قالَ ابنُ الجزريِّ: وهو لغةُ بني يربوعٍ، نصَّ على ذلك
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٤).
إبراهيم 14:23
قُطْرُبٌ، وأجازَها هو والفَرَّاءُ، وإمامُ اللغةِ والنحوِ والقراءةِ أبو عمرِو بنُ العلاء، وقالَ القاسمُ بنُ مَعْنٍ النَّحْوِيُّ: هي صوابٌ، ولا عبرةَ بقولِ الزمخشريِّ وغيرِه مِمَّنْ ضَعَّفَها أَوْ لَحَّنَها؛ فإنها قراءةٌ صحيحة اجتمعتْ فيها الأركانُ الثلاثةُ، وقرأ بها أيضًا يحيى بنُ وَثَّابٍ، وسليمانُ بنُ مهرانَ الأعمشُ، وحمرانُ بنُ أعين، وجماعةٌ من التابعينَ، وقياسُها في النحوِ صحيحٌ، وذلكَ أن الياءَ الأولى، وهي ياءُ الجمع، جَرَتْ مَجرى الصحيحِ لأجلِ الإدغامِ، فدخلتْ ساكنةً عليها ياءُ الإضافةِ، وحُرِّكت بالكسرِ على الأصلِ في اجتماعِ الساكنين، وهذه اللغةُ شائعةٌ ذائعةٌ باقيةٌ في أفواهِ الناس إلى اليومِ، يقولون: ما فِيِّ أفعلُ كذا، ويطلقونها في كلِّ ياءاتِ الإضافةِ المدغمِ فيها، فيقولون: ما عَلَيِّ منكَ، ولا إِلَيِّ أمرُك، وبعضُهم يبالغُ في كسرَتِها حتى تصيرَ ياءً، انتهى (١). وقال الشيطانُ:
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: بإشراكِكم إيايَ في الدنيا معَ اللهِ في الطاعة؛ أي: تبرأْتُ منهُ واستنكرتُه. قرأ أبو عمرٍو، وأبو جعفرٍ: (أَشْرَكْتُمُوني) بإثباتِ الياءِ وَصْلًا، ويعقوبُ: بإثباتِها في الحالينِ، وحَذَفَها الباقون فيهما.
﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ تتمةُ كلامِ الخبيثِ.
...
﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي:
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩).
إبراهيم 14:24
من تحتِ ما علا منها؛ كالمباني والأشجارِ ﴿الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمينَ فيها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ المعنى: أدخلَتْهم الملائكةُ الجنةَ بأمرِ الله تعالى.
﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ أي: يسلِّمُ بعضُهم على بعض، ويسلِّمُ الملائكةُ عليهم.
...
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هو ألم تعلَمْ.
﴿كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ هي كلمةُ التوحيدِ.
﴿كَشَجَرَةٍ﴾ أي: كثمرةِ شجرةٍ ﴿طَيِّبَةٍ﴾ هي النخلةُ.
﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ متمكِّنٌ في الأرضِ ﴿وَفَرْعُهَا﴾ أغصانُها مرتفعةٌ.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾ أي: نحوَ السماءِ، كذلك أصلُ هذهِ الكلمةِ راسخٌ في قلبِ المؤمنِ بالمعرفةِ والتصديقِ، فإذا تكلَّمَ بها، صَعِدَتْ نحوَ السماءِ كصعودِ هذهِ الشجرة.
...
﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا﴾ تُعطي جَناها. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو:
إبراهيم 14:26
(أُكْلَهَا) بإسكانِ الكافِ، والباقونَ: بضمها (١).
﴿كُلَّ حِينٍ﴾ أَقَّتَهُ اللهُ لإثمارِها، والحينُ في اللغةِ: الوقتُ، واختلفوا في معناهُ هنا، فقيل: هو سنةٌ؛ لأنَّ النخلةَ تحملُ كلَّ سنةٍ مرةً، وقيلَ: ستةُ أشهرٍ؛ لأن ذلكَ مدةُ إطلاعِها إلى وقتِ صِرامِها.
﴿بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ بإرادةِ خالقِها، كذلكَ عملُ المؤمنِ يصعدُ كلَّ وقتٍ، وشُبِّهَ الإيمانُ بالشجرةِ؛ لأنَّ الشجرةَ لا بدَّ لها من أصلٍ ثابتٍ، وفرعٍ قائمٍ، ورأسٍ عالٍ، كذلكَ الإيمانُ لا بدَّ له من تصديقٍ بالقلبِ، وقولٍ باللسانِ، وعملٍ بالأبدانِ.
﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ بضربِ الأمثالِ؛ لأن فيها زيادةَ إفهامٍ لذوي العقولِ والأفهامِ.
...
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي كلمةُ الشِّرْكِ.
﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ هي الحَنْظَلُ. قرأ الكسائيُّ: (خَبِيثَةٍ) بإمالةِ التاءِ حيثُ وقفَ على هاءِ التأنيثِ.
﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ﴾ اسْتُؤْصِلَت قَلْعًا. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (١/ ٣٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٥).
إبراهيم 14:27
كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (خَبِيثَةٌ اجْتُثَّتْ) بضمِّ التنوينِ في الوصلِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ (١).
﴿مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ استقرارٍ.
...
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ هو قولُ: لا إلهَ إلا اللهُ ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قبلَ الموتِ ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ يعني: في القبرِ، وردَ في الحديثِ: "إِنَّ الرُّوحَ تَعُودُ إِلَى الْمَيِّتِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فِي قَبْرِهِ، فَيَقُولاَنِ: مَا رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَدِينيَ الإِسْلاَمُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّد، فَيَنْتَهِرَانِهِ الثَّانِيَةَ وَيَقُولاَنِ: مَا رَبَّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وَهِيَ آخِرُ فِتْنَةٍ تُعْرَضُ، فَيَقُولُ: اللهُ رَبِّي، وَمُحَمَّد نَبِيِّي، وَالإِسْلاَمُ دِيِني، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ قَدْ صدَقَ عَبْدِي"، وذلكَ قولُه: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية (٢)، وكانَ - ﷺ - إذا فرغَ من دفنِ الميتِ، وقفَ عليهِ وقالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأخِيكُمْ، وَسَلُوا لَهُ التَّثْبيتَ؛ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ" (٣).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٥).
(٢) رواه البخاري (١٣٠٣)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في عذاب القبر، ومسلم (٢٨٧١)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه، عن البراء بن عازب -رضي الله عنه- نحوه.
(٣) رواه أبو داود (٣٢٢١)، كتاب: الجنائز، باب: الاستغفار عند القبر للميت في =
إبراهيم 14:28
﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾ المشركينَ، فلا يُثَبِّتُهُمْ.
﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ من توفيقٍ وخذلانٍ وغيرِهما، لا اعتراضَ عليه.
...
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: شكرَ نعمتِه عليهم في محمدٍ - ﷺ -.
﴿كُفْرًا﴾ كفروا به. واختلافُ القراء في الهمزتينِ من (يَشَاءُ أَلَمْ) كاختلافِهم فيهما من (السُّفَهاءُ أَلاَ) في سورة البقرة [الآية: ١٣]، و (نِعْمَت) رُسِمَتْ بالتاءِ في أحدَ عشرَ موضعًا، وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ (١).
﴿وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ﴾ الذينَ شايعَوهم في الكفرِ.
﴿دَارَ الْبَوَارِ﴾ الهلاكِ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، وورشٌ عن نافعٍ، والدوريُّ عن الكسائيِّ، وابنُ ذكوانَ عنِ ابنِ عامرٍ: (البَوَارِ) بالإمالةِ، واختلِفَ فيه عن حمزةَ، وابنِ ذكوانَ، فرُوي عن الأولِ الإمالةُ بينَ بينَ، وعنِ الثاني الإمالةُ والفتحُ، وقرأ الباقون: بالفتح (٢).
= وقت الانصراف، والحاكم في "المستدرك" (١٣٧٢)، وغيرهما عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه-.
(١) انظر: الآية (٢٣٢) من سورة البقرة.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٦).
إبراهيم 14:29
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)﴾.
[٢٩] ثمَّ بَيَّنَ دارَ البوارِ فقالَ: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها، فَيُقاسونَ حَرَّها.
﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ المستقرُّ.
...
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ أمثالًا، وليسَ للهِ نِدٌّ.
﴿لِيُضِلُّوا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (لِيَضِلُّوا) بفتحِ الياءِ على اللزومِ، واختلِفَ عن رويسٍ راوي يعقوبَ، وليسَ الضلالُ ولا الإضلالُ غرضهم في اتخاذِ الأنداد، لكنْ لما كانَ نتيجتَه، كانَ كالغرضِ، وقرأ الباقونَ: بالضمِّ؛ أي: لِيُضلوا هم الناسَ (١).
﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذي هو التوحيدُ.
﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ في الدنيا بشهواتِكم ﴿فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ وعيدٌ وتهديدٌ، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٦١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٧).
إبراهيم 14:31
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وروحٌ عن يعقوبَ: (لِعِبَادِي) بإسكانِ الياء، والباقون: بفتحها (١).
﴿يُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ أي: الصلواتِ الخمسَ.
﴿وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا﴾ صدقةَ التنفُّلِ.
﴿وَعَلَانِيَةً﴾ الزكاةَ المفروضةَ، ونصبُهما على المصدرِ؛ أي: إنفاقَ سرٍّ وعلانيةٍ، وقولُه: (يُقِيمُوا) قالتْ فرقةٌ من النحويينَ: جزمُه بإضمارِ لامِ الأمرِ، وقال فرقةٌ: وهو فعلٌ مضارعٌ يبنى لما كانَ في معنى فعلِ الأمرِ، لأنَّ المرادَ: أقيموا.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ مُخَالَّةٌ؛ أي: مصادَقَةٌ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ويعقوبُ: (لاَ بَيع)، (وَلا خِلاَلَ) بالفتحِ وعدمِ التنوينِ، والباقون: بالرفعِ والتنوينِ (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٧).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٧).
إبراهيم 14:32
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، خبرُه ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ تعيشون به، وهو يشملُ المطعومَ والملبوسَ.
﴿وَسَخَّرَ﴾ ذَلَّل ﴿لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ السفنَ.
﴿لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ حيثُ توجَّهْتم.
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ لانتفاعِكم.
...
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ أي: مُتَّصِلَي السيرِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يتعاقبان بالزيادةِ والنقصانِ، والإضاءةِ والإظلامِ، والحركةِ والسكون فيهما.
...
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ﴾ أي: بعضِ جميعِ ﴿مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ فإنَّ الموجودَ من كل صنفٍ بعضُ ما في قدرةِ الله.
إبراهيم 14:35
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي: تستوفوا عَدَّها. وتقدمَ التنبيهُ على مذاهب القراء في (نِعْمَتَ) ورسمِها.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ﴾ بالمعصيةِ ﴿كَفَّارٌ﴾ لِنِعَمِ ربِّهِ.
...
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ أي: واذكرْ إذْ قالَ ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرِ (إبْرَاهَامَ) بالألف (١)، ومعنى إبراهيم بالسريانية: الأبُ الرحيمُ.
﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ﴾ مكةَ ﴿آمِنًا﴾ يُؤْمَنُ فيه، والفرقُ بينَه وبينَ قوله: ﴿اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ [البقرة: ١٢٦] أن المسؤولَ في الأولِ إزالةُ الخوفِ عنه، وتصييرهُ آمِنًا، وفي الثانيةِ جعلُه من البلادِ الآمنة.
﴿وَاجْنُبْنِي﴾ بَعِّذني.
﴿وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ جمعُ صَنَمٍ، وهو ما كانَ مُصَوَّرًا، والوثنُ ما كانَ غيرَ مصوَّرٍ.
...
﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾.
(١) كما تقدم عنه. وانظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٨).
إبراهيم 14:36
[٣٦] ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ﴾ أي: الأصنامَ ﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ أي: ضَلُّوا بسببهنَّ.
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي﴾ على الإسلامِ ﴿فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ من أهلِ ديني.
﴿وَمَنْ عَصَانِي﴾ ولم يؤمنْ بي ﴿فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ بتوبتِكَ على الكفرةِ حتى يؤمنوا. قرأ الكسائيُّ (عَصانِي) بالإمالة (١).
...
﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿رَبَّنَا إِنِّي﴾ قرأ نافعُ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، (إِنِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي: بعضَ ذريتي، وهم إسماعيلُ ومَنْ وُلِدَ منه، وذلك أن إبراهيمَ عليه السلام لما سارَ إلى مصرَ، ومعه زوجتُه سارةُ، وهبهَا فرعونُ مصرَ هاجرَ، فلما قدمَ إلى الشام، وأقامَ بينَ الرملةِ وإيليا، وكانت سارةُ لا تحمل، فوهبَتْ هاجرَ لإبراهيمَ عليه السلام، فوقعَ عليها، فولدَتْ
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٩). له إسماعيلَ عليه السلام، ومعناهُ بالعبرانيِّ مُطيعُ اللهِ، وكانَتْ ولادتُه لمضيِّ ستٍّ، وثمانينَ سنةً من عُمْرِ إبراهيمَ، فحزنَتْ سارةُ لذلك، ووهبهَا اللهُ إسحَقَ، وولدَتْهُ ولها تسعونَ سنةً، ثم غارَتْ سارةُ من هاجرَ وابنِها، وطلبتْ من إبراهيمَ أن يُخْرِجَهما عنها، فسارَ بهما إِلى الحجاز، وتركَهما بمكةَ بإذنِ اللهِ تعالى، وليس بمكةَ يومئذٍ أحدٌ، ولا بها ماءٌ، ووضعَ عندَهما جرابًا فيه تمرٌ، وسقاءً فيه ماءٌ، ثم قَفّى إبراهيمُ منطلقًا، فتبعَتْه أمُّ إسماعيلَ فقالَتْ: يا إبراهيمُ! أينَ تذهبُ وتترُكُنا بِهذا الوادي الذي ليسَ فيه أنيسٌ ولا شيء؟ وقالتْ له ذلكَ مِرارًا، وهو لا يلتفِتُ إليها، فقالت له: آللهُ أَمَرَكَ بهذا؟ قال: نعم، فقالت: إذًا لا يُضَيِّعُنا الله، ثم رجعتْ، فانطلق إبراهيمَ عليه السلام، حتى إذا كانَ عندَ الثنيةِ حيثُ لا يرونَهُ، استقبلَ القبلةَ بِوَجْهِه، ثم دعا بهؤلاءِ الدَّعواتِ، ورفعَ يديهِ فقال:
﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ يعني: وادي مكةَ؛ لأنها حجريةٌ لا تنُبتُ ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ سماه محرَّمًا لأنه يحرم عندَهُ ما لا يحرُمُ عندَ غيرِه.
﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ واللامُ لامُ (كي)، وهي متعلقة بـ (أسكنتُ).
﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً﴾ أي: قلوبًا ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ (أَفْئِيدَةً) بياءٍ بعدَ الهمزةِ (١)، و (مِنْ) للتبعيضِ؛ أي: أفئدةً من أفئدةِ الناسِ، قالَ مجاهدٌ: لوقالَ: (أَفْئِدَةَ النَّاسِ)، لزاحَمَتْهم فارسُ والرومُ والتركُ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٩). والهندُ، وقال سعيدُ بنُ جبير: لحجَّ اليهودُ والنصارى والمجوسُ، ولكنَّه قالَ: (أفئدةً من الناسِ)، فهم المسلمون (١).
﴿تَهْوِي﴾ تميلُ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ وتقصدُهم بسرعة.
﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ ما رزقْتَ سكانَ القرى ذواتِ الماءِ.
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ تلكَ النعمةَ، فأجابَ اللهُ دعوتَهُ، وجعله حَرَمًا آمنًا يُجبى إليه ثمراتُ كلِّ شيءٍ.
ورُويَ أنَّ الطائفَ كانتْ من مدائنِ الشامِ بأُرْدُنّ، فلما دعا إبراهيمُ بهذا الدعاء، أمرَ اللهُ جبريلَ عليه السلام حتى قَلَعَها من أصلِها، فأدارَها حولَ البيتِ سَبْعًا، ووضعَها قريبَ مكةَ، وبهذهِ القصَّةِ سُمِّيَت الطائفَ، وهو موضعُ ثَقيف، ومنها أكثرُ ثمراتِ مكةَ.
وجعلَتْ أمُّ إسماعيلَ تُرضعه وتشربُ من ذلكَ الماءِ حتَّى إذا نَفِدَ ما في السقاءِ، وعطشَتْ، وعطشَ ابنُها، وجعلَتْ تنظرُ إليه يتلوَّى، فانطلقتْ كراهةَ أن تنظرَ إليه، فوجدتِ الصفا أقربَ جبلٍ في الأرض يَليها، فقامَتْ عليه، ثم استقبلتِ الواديَ تنظُر إليهِ هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطَتْ من الصفا، حتى إذا بلغتِ الواديَ رفعتْ طرفَ درعِها، ثم سَعَتْ سعيَ الإنسانِ المجهودِ حتَّى جاوزتِ الواديَ، ثم أَتَتِ المروةَ، فقامتْ عليها ونظرتْ هل ترى أحدًا، فلم ترَ أحدًا، ففعلتْ ذلكَ سبعَ مراتٍ، قالَ ابنُ عباسٍ رضي الله عنه: قالَ النبيُّ - ﷺ -: "فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا"، فلما أشرفتْ على المروةِ، سمعتْ صوتًا فقالت: مَهْ؛ تريدُ نفسَها، ثم تسمَّعَتْ،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٦٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٤٧). فسمعتْ أيضًا، فقالتْ: قد أَسْمعْتَ إنْ كانَ عندَكَ غوثٌ، فإذا هي بالمَلَكِ عندَ موضعِ زمزم، فبحثَ بعقِبه، أو قالَ بجناحِه حتى ظهرَ الماءُ، فجعلَتْ تُحَوِّضُهُ وتقولُ بيدِها هكذا، وجعلت تغرفُ من الماءِ في سقائِها، وهي تقولُ بعدَما تغرفُ: زَمْ زَمْ، قالَ ابن عباس: قالَ النبيُّ - ﷺ -: "رَحِمَ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ، أوقال: لَوْ لَمْ تغرِفْ مِنَ الْمَاءِ، لَكَانَ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا".
قال: فشربتْ وأرضعتْ ولدَها، فقالَ لها الملَكُ: لا تخافي الضَّيْعَةَ؛ فإنَّ هاهنا بيتَ اللهِ عز وجل يَبْنيه هذا الغلامُ وأبوه، وإن اللهَ عز وجل لا يُضيِّعُ أهلَه، وكان البيتُ مرتفعًا من الأرضِ كالرابيةِ تأتيهِ السيولُ فتأخذُ عن يمينِه وشمالِه، فكانَ كذلكَ حتَّى مَرَّتْ بهم رُفْقَةٌ من جُرْهُم مُقبلينَ من طريقِ كُدَيٍّ، فنزلوا في أسفلِ مكةَ، فرأوا طائرًا عائِفًا، فقالوا: إن هذا الطائرَ لَيدورُ على ماءٍ، لَعَهْدُنا بهذا الوادي وما فيه ماءٌ، فأرسلوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ، فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا وأمُّ إسماعيلَ عندَ الماءِ، فقالوا: أتأذنينَ لنا أن ننزلَ عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حَقَّ لكم في الماء، قالوا: نعم، ورُوي أنهم قالوا: أَشْرِكينا في مائك نشرِككِ في ألبانِنا، ففعلتْ، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كانَ بها أهلُ أبياتٍ منهم، وشبَّ إسماعيلُ عليه السلام وتعلَّمَ العربيةَ منهم، أعجَبَهم حينَ شَبَّ، فلما أدركَ زَوَّجوهُ امرأةً منهم، وماتتْ هاجرُ، وجاءَ إبراهيمُ عليه السلام مكةَ (١)، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِه مستوفىً، وبناءُ الكعبةِ
(١) رواه البخاري (٣١٨٤)، كتاب: الأنبياء، باب: "يزفُّون"، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
إبراهيم 14:38
الشريفةِ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [الآية: ١٢٥].
...
﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي﴾ من فراقِ إسماعيلَ وأُمِّهِ.
﴿وَمَا نُعْلِنُ﴾ نُظْهِرُ من التجلُّدِ لِسارةَ.
﴿وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه العالِمُ بعلمٍ ذاتِيٍّ تستوي نسبتُه إلى كلِّ معلومٍ، و (مِنْ) للاستغراق.
...
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي﴾ أَعْطاني.
﴿عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ وتقدَّمَ أن إسماعيلَ وُلِدَ لمضيِّ ستٍّ وثمانينَ سنةً من عمرِ أبيه، وأما إسحاقُ ولدَ لمضيِّ تسعينَ سنةً من عمرِ أبيه، وقيلَ غيرُ ذلك، وتقدَّم ذكرُ إسماعيلَ وإسحاقَ، ومقدارُ عمرِهما في سورةِ البقرة ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ لَمجيبُهُ.
...
﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ مُتَمِّمَها.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ وبعضِ؛ لأنه علمَ أنَّ من ذُرِّيته من لا يؤمنُ.
إبراهيم 14:41
﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، أبو جعفرٍ، وورشٌ، حمزةُ الياءَ في (دُعَائِي) وصلًا، وفي الحالينِ يعقوبُ والبزيُّ، واختلِفَ عن قنبلٍ وصلًا ووقفًا، وحذفَها الباقونَ في الحالين (١).
...
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ قيل: استغفرَ لهما وهما حَيَّانِ رجاءَ إسلامِهما، وقيلَ: إن أُمَّهُ أسلمَتْ، فأرادَ إسلامَ أبيه.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ﴾ أي: يَثْبُتُ ﴿الْحِسَابُ﴾.
...
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾.
[٤٢] ثم وعدَ المظلومَ وأوعدَ الظالم فقالَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ الخطابُ للنبيِّ - ﷺ -، والمرادُ بالنهيِ غيرُه ممَّنْ يليقُ به أن يحسبَ مثلَ هذا، والغفلةُ معنىً تمنعُ الإنسانَ منَ الوقوفِ على حقيقةِ الأمورِ، واستدلَّ بعضُهم على قيامِ الساعةِ بموتِ المظلومِ مظلومًا، ورُوي أنه وُجِدَ على جدارِ صَخْرَةِ بيتِ المقدسِ:
نَامَتْ عُيُونُكَ وَالْمَظْلُومُ مُنْتَبِهٌ؍ يَدْعُو عَلَيْكَ وَعَيْنُ اللهِ لِمْ تنَمِ؍
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٠).
إبراهيم 14:43
﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ بالياء. قراءة العامة: (يُؤَخِّرُهُمْ) بالياء؛ أي: اللهُ تعالى، وأبو جعفرٍ، وورشٌ ينصبان الواوَ بغيرِ همزٍ، وقرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (نُؤَخِّرُهُمْ) بنونِ العظَمَةِ (١).
﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ أي: لا تغمضُ.
﴿فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ من هولِ ما تراهُ من ذلكَ اليوم.
...
﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعينَ في خوفٍ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي: رافعِيها.
﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي: لا تغمضُ عينُهم فهي شاخصةٌ.
﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ أي: صِفْرٌ من الخير، لا تعي شيئًا؛ لخوفِها، ويقالُ لكلِّ أجوفٍ خالٍ: هواءٌ، فكأنه سُمِّي بذلكَ لحلولِ الهواءِ فيه.
...
﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ﴾ يا محمدُ ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ﴾ وهو يومُ القيامةِ.
﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٤/ ٣٧٠)، و"إملاء ما منَّ به الرحمن" للعكبري (٢/ ٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠، ٤٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٢).
إبراهيم 14:45
﴿رَبَّنَا أَخِّرْنَا﴾ أَمْهِلْنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: رُدَّنا إلى الدنيا.
﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ إلى التوحيدِ.
﴿وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيما جاؤونا به، فيجابون توبيخًا على إنكارِهم البعثَ:
﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ حلفتُم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ عنها؟!
...
﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَسَكَنْتُمْ﴾ قُرِّرْتُمْ ﴿فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ كقومِ نوحٍ وعادٍ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ عَرَفْتُم عقوبتَنا إياهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ من أحوالِهم؛ أي: بَيَّنَّا لكم أنكم مثلُهم في الكفرِ واستحقاقِ العذابِ.
...
﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ وهو تكذيبُ الرسل.
﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ﴾ أي: محفوظٌ عندَهُ يجازيهم عليه.
﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ أي: قريشٍ ومتقدمي الكفارِ.
﴿لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ قراءة العامة: (لِتَزُولَ) بكسرِ اللامِ الأولى وفتح الثانية، معناه: لم يكنْ مكرُهم بمزيلٍ الجبالَ، وقرأ الكسائيُّ بفتحِ اللام الأولى وضمِّ الثانية (١)؛ أي: إنَّ مكرَهم وإنْ عَظُمَ حتى بلغَ بمحلٍّ يزيلُ الجبالَ لم يقدِروا على إزالةِ أمرِ محمدٍ - ﷺ -.
وروي أن الآيةَ نزلَتْ في نمرود الجبارِ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه، قال النمرودُ: إنْ كانَ ما يقولُ إبراهيمُ حقًّا، فلا أنتهي حتى أعلمَ ما في السمواتِ، فبنى صرحًا عظيمًا ببابلَ، ورامَ الصعودَ إلى السماءِ ينظرُ إلى إله إبراهيمَ، واختلِفَ في طولِ الصَّرحِ في السماء، فقيل: خمسةُ آلافِ ذراعٍ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ، ووَهْبٍ، وقيل: فرسخانِ، وهو قولُ كعبٍ، ومقاتلٍ، ثم عمدَ إلى أربعةِ أفراخٍ من النسورِ، وأطعمَها اللحمَ والخبزَ حتى كبَرتْ، ثم قعدَ في تابوتٍ ومعه غلامٌ له، وقد حملَ القوسَ والنشَّابَ، وجعلَ لذلكَ التابوتِ بابًا من أعلاه، وبابًا من أسفلِه، ثم ربطَ التابوتَ بأرجلِ النسورِ، وعلَّق اللحمَ على عصًا فوقَ التابوتِ، ثم خَلَّى عن النسورِ فَطِرْنَ طمَعًا في اللحمِ حتى أَبْعَدْنَ في الهواءِ، وحالتِ الريحُ بينَها وبينَ الطيرانِ، وقالَ لغلامه: افتحِ البابَ الأعلى فانظرْ ففتحَ، فإذا السماءُ كهيئتِها، وفتحَ البابَ الأسفلَ فإذا الأرضُ سوداءُ مظلمةٌ، ونودي: أيها الطاغي! أين تريد؟! فأمرَ عند ذلكَ غلامَه فرمى بسهمٍ، فعادَ إليه السهمُ متلطِّخًا بالدم، فقال: كُفِيتُ شُغْلَ إلهِ السماءِ، واختلِفَ في ذلكَ السهمِ بأيِّ شيءٍ تَلَطَّخَ؟ فقيل: من سمكةٍ في السماءِ، من بحرٍ معلَّقٍ في الهواء، وقيل: أصابَ طيرًا من الطيورِ فتلطخ بدمِه، ثم أمرَ نمرودُ غلامَه أن يضربَ العصا، وينكسَ اللحمَ، ففعل
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٣).
إبراهيم 14:47
ذلك، فهبط النسورُ بالتابوتِ، فسمعت الجبالُ حفيفَ التابوتِ والنسورِ، ففزعَتْ، وظنتْ أن حدثَ في السماءِ أمرٌ، أو أنَّ الساعةَ قد قامت، فكادتْ تزولُ عن أماكِنها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ثم أرسلَ اللهُ ريحًا على صرحِ نمرود، فألقتْ رأسَه في البحر، وانكفأتْ بيوتُهم، وأخذت النمرودَ الرجفةُ، وتبلبلَتْ ألسنةُ الناسِ حينَ سقطَ الصرحُ من الفزعِ، فتكنموا بثلاثةٍ وسعبينَ لسانًا، فلذلك سميت: بابِل؛ لتبلبلِ الألسنِ بها، وكانَ لسانُ الناسِ يومئذٍ بالسريانيةِ (١).
...
﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ تقديُره: فلا تحسبنَّ اللهَ مخلِفَ رسلِه وعدَهُ من النصرِ لأوليائِه، وهلاكِ أعدائِه، وهذا تثبيتٌ للنبيِّ - ﷺ - ولغيرِه من أُمَّتهِ، المعنى: لا تحسَبْ يا محمدُ أنتَ ومن اعتبرَ بالأمرِ من أمتكَ أنَّ اللهَ لا ينجِزُ ميعادَه في نصرةِ رسلهِ ومعاقبةِ مَنْ كفرَ بهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ غالبٌ لا يُدَافَعُ.
﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ من الكَفَرَةِ، لا سبيلَ إلى عفوِه عنهم.
...
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٣/ ٢٤٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٦٩).
إبراهيم 14:48
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ أي: تبدَّلُ أوصافُها بتغيرِ آكامِها وآجامِها وأشجارِها ﴿وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أيضًا تبُدَّلُ بزوالِ شمسِها وقمرِها، وكونِها مرةً كالدِّهانِ، ومرةً كالمُهْلِ.
﴿وَبَرَزُوا﴾ خرجوا من قبورِهم ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ أي: لحسابه. قرأ أبو عمرٍو، وورشٌ عن نافعٍ، والدوريُّ عن الكسائي: (القَهَّارِ) بالإمالةِ حيثُ وقعَ، واختلِفَ عن حمزةَ وابنِ ذكوانَ (١).
...
﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ﴾ أي: مقرونينَ مع شياطينِهم.
﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ القيودِ، واحِدُه صَفَدٌ.
...
﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿سَرَابِيلُهُمْ﴾ قُمُصُهُمْ.
﴿مِنْ قَطِرَانٍ﴾ وهو عصارةُ شجرٍ تسمَّى الأَبْهُلَ يُستخرَجُ بالنارِ، وهو كريهُ اللونِ والطعمِ والرائحةِ، سريعُ الالتهابِ، تُطْلَى به الإبلُ الجَرْبى، فيحرقُ الجربَ والجلدَ، تُطلى به جلودُ الكفارِ فيصيرُ قُمُصًا لهم، فيضطرِمُ عليهم
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٤).
إبراهيم 14:51
نارًا. قراءة العامة: بفتحِ القاف وكسر الطاءِ على كلمةٍ واحدةٍ، وقرأ يعقوبُ بروايةِ زيدٍ: (قِطْرٍ) بكسر القاف وسكون الطاء وتنوينِ الراء (آنٍ) بهمزةٍ مقطوعةٍ ممدودة على كلمتين؛ أي: من نحاسٍ مُذابٍ انتهى حَرُّهُ (١)، وأبو عمرو يُدغم الدالَ من (الأَصْفَادِ) في السينِ من (سَرَابِيلُهُمْ) (٢).
﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ﴾ أي: تُغَطِّيها.
﴿النَّارُ﴾ لأنهم لم يتوجَّهوا بها إلى الحقِّ.
...
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ من خيرٍ وشرٍّ، تلخيصُه: برزوا للجزاءِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: فاصلُه بينَ خلقِه بالإحاطةِ التي له بدقيقِ أمورِهم وجليلِها.
...
﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿هَذَا﴾ أي: القرآنُ ﴿بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾ كفايةٌ لهم ﴿وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٧٢)، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ٧٠)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٤ - ٢٤٥).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٤). لِيُخَوَّفوا به ﴿وَلِيَعْلَمُوا﴾ بالحجَجِ التي أقامَها اللهُ تعالى.
﴿أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريكَ له ﴿وَلِيَذَّكَّرَ﴾ ليتَّعِظَ ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ذَوو العقولِ.
روي أن قولَه: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ نزلت في أبي بكرٍ الصديقِ رضي الله عنه (١)، واللهُ أعلمُ.
...
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (٩/ ٣٨٦).
الحجر 15:1
سُوْرَةُ الحِجر
مكيةٌ، وآيُها تسعٌ وتسعونَ آيةً، وحروفُها ألفانِ وسبعُ مئةٍ وأحد وسبعونَ حرفًا، وكَلِمُها ستُّ مئةٍ وأربعٌ وخمسونَ كلمةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾.
[١] ﴿الر﴾ تقدَّمَ الكلامُ عليه، ومذاهبُ القراء فيه أولَ سورةِ يونسَ (١) ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ﴾ أي: وآيات قرآنٍ.
﴿مُبِينٍ﴾ يُبَيِّنُ الحقَّ من الباطلِ، والحلالَ من الحرامِ، عطفُ القرآنِ على الكتابِ، وإن كان هو هو؛ لاختلافِ لفظيهما، وتنكيُره للتفخيمِ؛ أي: آياتُ الجامعِ؛ لكونِهِ كتابًا كاملًا، وقرآنًا يبينُ الرشدَ من الغيِّ بيانًا عربيًّا.
...
﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾.
[٢] ﴿رُبَمَا﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ: بتخفيف الباءِ، والباقونَ: بتشديدها، وهما لغتان، و (رُبَّ) للتقليلِ، و (كَمْ) للتكثيرِ،
(١) الآية (١) منها.
الحجر 15:3
و (رُبَّ) تدخلُ على الاسمِ، و (رُبَّمَا) على الفعل، يقال: رُبَّ رجلٍ جاءني، ورُبَّما جاءني رجلٌ، وأدخل (ما) هاهنا؛ للفعلِ بعدَها (١).
﴿يَوَدُّ﴾ يتمنَّى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يومَ القيامةِ عندَ دخولهم النارَ، ومعرفتِهم بدخولِ المسلمينَ الجنةَ.
﴿لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ في الدنيا، فينجون النَّجاءَ الذي مانِعُه أن لم يكونوا مسلمين، فإن قيلَ: (ربما) للتقليل، وهذا التمنِّي يكثرُ من الكفار، فالجواب: أنهم إِذا شاهدوا أهوالَ يومِ القيامةِ، تذهبُ عقولُهم، فإذا ثابَتْ إليهم عقولُهم، وذلك قليلٌ، سألوا الإسلامَ، ويجوزُ أنهم لما تَمَنَّوا الإسلامَ، فلم ينفعْهم تَمَنِّيهم شيئًا، كان قليلًا؛ لأنه لم تحصلْ به فائدةٌ.
...
﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.
[٣] ثم تَهَدَّدَهم بقوله: ﴿ذَرْهُمْ﴾ يا محمدُ.
﴿يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ بنيلِ شهواتِ الدنيا.
﴿وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ أي: يشغلْهم أملُهم لطولِ أعمارِهم عنِ النظر، والإيمانِ باللهِ ورسوله. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ: (وَيُلْهِهُمُ) بضمِّ الهاءِ الثانيةِ والميمِ (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٤٩).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٠).
الحجر 15:4
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وَبالَ صنيعِهم إذا عاينوا جزاءَهُ، والآيةُ منسوخةٌ بآيةِ القتال.
...
﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: وما أهلَكْنا أهلَ قريةٍ إلا لوقتِ أجلِها المحدودِ، والواوُ في (ولها) لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ، فيقالُ: جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وجاءني زيدٌ وعليهِ ثوبٌ.
...
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ المعلوم، (مِنْ) صلةٌ.
﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه.
...
﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: مشركي مكةَ للنبيِّ - ﷺ -:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآنُ.
﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي: إنكَ لتقولُ قولَ المجانين حين تَدَّعي أن اللهَ نَزَّلَ عليكَ الذِّكْرَ.
...
﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾.
[٧] ﴿لَوْ مَا﴾ هَلَّا ﴿تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ يشهدون لكَ.
الحجر 15:8
﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في دعواكَ.
...
﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾.
[٨] قال الله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالقرآن. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (نُنَزِّلُ) بنونين، الأولى مضمومةٌ، والثانيةُ مفتوحةٌ، وكسرِ الزاي (الْمَلاَئِكَةَ) بالنصبِ، وروى أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بالتاءِ مضمومةً، وفتحِ النونِ والزاي (الْمَلاَئِكَةُ) بالرفع، وقرأ الباقونَ كذلكَ، غير أنهم يفتحون التاءَ، والبزيُّ عن ابنِ كثيرٍ يشدِّدُ التاءَ وصلًا (١).
﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾ و (إذًا) جوابٌ للمشركين، وجزاءُ الشرطِ مقدَّرٌ، تقديرُه: ولو نَزَّلْنا الملائكةَ، ما أَخَّرْنا عنهم العذابَ عندَ معاينةِ الملائكةِ.
...
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.
[٩] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ رَدٌّ لإنكارِهم ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للقرآنِ ﴿لَحَافِظُونَ﴾ من الزيادةِ والنقصانِ والتبديلِ، وقيل: الضميرُ في (له) راجعٌ إلى محمدٍ - ﷺ -؛ أي: نحفظُه من الأَسْوأ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٠ - ٣٥١).
الحجر 15:10
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾ رُسُلًا ﴿فِي شِيَعِ﴾ أي: أُمَمِ.
﴿الْأَوَّلِينَ﴾ والشيعةُ: هم القومُ المجتمعةُ المتفقةُ كلمتُهم.
...
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كما فعلوا بكَ، ذَكَرَهُ تسليةً للنبيِّ - ﷺ -.
...
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما سَلَكْنا الكفرَ والاستهزاءَ بالرسلِ في قلوبِ شيعِ الأولينَ، كذلكَ ﴿نَسْلُكُهُ﴾ نُدْخِلُهُ.
﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ من أهلِ مكة، والسَّلْكُ: إدخالُ الشيءِ في الشيءِ.
...
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ يعني: حتى لا يؤمنوا بمحمدٍ - ﷺ - وبالقرآنِ ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ مضتْ.
﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سنةُ اللهِ فيهم بإهلاك مَنْ لم يؤمنْ منهم، وهذا وعيدٌ لأهلِ مكةَ.
***
الحجر 15:14
﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاءِ المقترِحين.
﴿بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ﴾ أي: الملائكةُ في البابِ.
﴿يَعْرُجُونَ﴾ يصعَدُون وهم يرونَهم عيانًا.
...
﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (سُكِرَتْ) بتخفيفِ الكاف؛ أي: حُبِسَتْ ومُنِعَتِ النظرَ، وقرأ الباقون: بتشديدها؛ أي: سُدَّتْ (١).
﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ بَلْ سحرَنا محمدٌ بذلك.
...
﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ أي: قصورًا، وهي منازلُ الشمسِ والقمرِ والكواكبِ السيارةِ، وهي اثنا عَشَرَ برجًا: الحملُ، والثورُ، والجوزاءُ والسَّرَطانُ، والأسدُ، والسنبلَةُ، والميزانُ، والعقربُ، والقَوْسُ، والجَدْيُ، والدَّلْوُ، والحوتُ.
﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ أي: السماءَ بالنجومِ.
﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ المستدِلِّين بها على قدرةِ خالقِها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٧٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٢).
الحجر 15:17
﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ فلا يقدرُ أن يصعدَ إليها ويطِّلِعَ على أحوالها.
...
﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ استثناءٌ منقطعٌ؛ أي: ولكنْ منِ استرقَ السمعَ؛ أي: اختلَسَهُ سِرًّا.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ لَحِقَهُ.
﴿شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ كوكبٌ مضيءٌ، وذلك أنَّ الشياطينَ يركبُ بعضُهم بعضًا إلى السماءِ الدنيا، فَيَسْتَرِقونَ السمعَ منَ الملائكةِ، فَيُرْمَوْنَ بالكواكبِ، فلا يخطئ أبدًا، فمنهم من يقتلُه، ومنهم من يحرقُ وجههُ أو يدهُ أو حيثُ شاءَ الله، أو يُخَبِّلُهُ لئلَّا يعودَ إلى استراقِ السمع، فيصيرُ غولًا في الأرض يغتالُ الناسَ.
عن ابنِ عباسٍ: أنهم كانوا لا يُحْجَبونَ عن السَّمواتِ إلى أن وُلِدَ عِيسى، فَمُنِعوا عن ثلاثِ سمواتٍ، فلما وُلدَ محمدٌ - ﷺ -، مُنِعُوا عن السمواتِ كلِّها (١).
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٥٧٧)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٠).
الحجر 15:19
﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ بَسَطْناها على وجهِ الماءِ، يقال: إنها مسيرةُ خمسِ مئةِ سنةٍ في مثِلها دُحِيَتْ من تحتِ الكعبةِ.
﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جِبالًا ثوابِتَ، وقد كانتِ الأرضُ تميدُ إلى أن أرساها بالجبالِ.
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ مقدَّرٍ بما تقتضيه حكمتُه.
...
﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ ما تعيشون به من المطاعِمِ والملابِسِ.
﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ أي: وجعَلْنا لكم مَنْ لستم له برازقينَ من العيالِ والخدمِ وسائرِ ما يظنون أنهم يرزقونهم ظنًّا كاذبًا، المعنى: اللهُ الرزاقُ، فلا تعتقدوا أنكم تَرْزُقون أحدًا.
...
﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.
[٢١] ثم أوضحَهُ بقوله: ﴿وَإِنْ﴾ أي: وما ﴿مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ أي: و (١) إلا ونحن قادرونَ على إيجادِه..
(١) "و" زيادة من "ت".
الحجر 15:22
﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ﴾ مع كثرته، وتَمَكُّنِنا منه.
﴿إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ بحدٍّ محسوبٍ على قدرِ المصلحةِ.
...
﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (الرِّيحَ) على الإفراد، وعلى تأويلِ الجنس، والباقون: بالجمع (١) ﴿لَوَاقِحَ﴾ حوامِلَ تحملُ الماءَ إلى السحابِ، فهي جمَعُ لاقحةٍ، يقال: ناقةٌ لاقحةٌ: إذا حملتِ الولدَ.
﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ فجعلْناه لكم سَقْيًا.
﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ أي: ليستْ خزائنهُ في أيديكم.
...
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ الباقونَ، والوارثُ من صفاتِ الله.
...
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: مَنْ تقدَّمَ من الأممِ من لَدُنْ أُهْبِطَ آدمُ إلى الأرضِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٣).
الحجر 15:25
﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ أي: بمن تأخَّرَ في الزمنِ إلى يوم القيامة، فنجازي كُلًّا بعملِه.
...
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ جميعًا للجزاءِ.
﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ﴾ متقِنٌ أفعالهَ.
﴿عَلِيمٌ﴾ بكلِّ شيءٍ.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ المرادُ: آدم عليه السلام، سُمِّيَ إنسانًا، لأنه عُهِدَ إليهِ فنسيَ، ودخلَ مَنْ بعدَهُ في ذلكَ؛ إذ هو من نسلِهِ.
﴿مِنْ صَلْصَالٍ﴾ طينٍ يابسٍ غيرِ مطبوخٍ، فإذا طُبِخَ، فهو فَخَّارٌ.
﴿مِنْ حَمَإٍ﴾ جمع حَمْأَةٍ، وهو الطينُ الأسودُ المتَغيِّرُ ﴿مَسْنُونٍ﴾ مصوَّرٍ.
﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَالْجَانَّ﴾ هو أبو الجنِّ، كآدم أبو البشرِ، وقيلَ: هو إبليسُ ﴿خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل آدَمَ ﴿مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ أي: نارِ الحرِّ الشديدِ بالنهار؛ لأنه ينفذُ في المسامِّ.
***
الحجر 15:28
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ واذكرْ وقتَ قوله ﴿لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ﴾ أي: سأخلقُ.
﴿بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ والبشرُ آدَمُ، وهو مأخوذٌ من البشرِة، وهو وجهُ الجلدِ في الأشْهَرِ منَ القولِ.
...
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ عَدَّلْتُ خَلْقَه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فصارَ بشرًا حَيًّا، والروحُ: جسمٌ لطيفٌ يحيا به الإنسانُ، وأضافَه إلى نفسِه تشريفًا إضافةَ خَلْقٍ ومُلْكٍ؛ إلى خالقٍ ومالك؛ أي: من الروحِ الذي هو لي.
﴿فَقَعُوا﴾ فاسْقُطوا ﴿لَهُ سَاجِدِينَ﴾ سجودَ تحيةٍ لا سجودَ عبادةٍ.
...
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أُكِّدَ بتأكيدينِ؛ للمبالغِة في التعميمِ ومنعِ التخصيصِ.
...
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناءٌ من الملائكةِ؛ لأنه كانَ منهم، وهو الظاهرُ من هذهِ الآيةِ ومن كثيرٍ من الأحاديثِ، وذلك أن الله تعالى أمرَ الملائكة
الحجر 15:32
بالسُّجودِ، ولو لم يكنْ إبليسُ منهم لم يذنبْ في تركِ السجودِ، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ أنه من الملائكةِ على الأصحِّ.
﴿أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ لآدم.
...
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ كانَ اسمُهُ: عزازيل، فحينئذٍ سماه: إبليسَ؛ من الإبلاسِ، وهو الإبعادُ؛ أي: يا مُبْعَدُ.
...
﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ أرادَ: أني أفضلُ منه؛ لأنه طينيٌّ، وأنا ناريٌّ، والنارُ تأكلُ الطينَ، وتقدمَ الكلامُ على ذلكَ في سورةِ الأعرافِ.
...
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ أي: من الجنةِ ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ طريدٌ.
...
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ فهو ملعونٌ في السماواتِ والأرضِ إلى يومِ الجزاءِ.
***
الحجر 15:36
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾
[٣٦] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من قبورِهم وقتَ النفخةِ الآخِرَة، أرادَ ألَّا يموتَ.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ عندَ الله، هو يومُ موتِ الخلائقِ، وهو وقتُ النفخةِ الأولى، ومدةُ موتِ الخبيثِ أربعونَ سنةً قدرَ ما بينَ النفختينِ.
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ أضلَلْتني، الباءُ للقسم؛ أي: أقسمُ بإغوائِكَ إيايَ ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ حُبَّ الدنيا ومعاصيَكَ.
﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ﴾ أُضِلَّنَّهم ﴿أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ واستثنى الخبيثُ المخلَصين؛ لعلمِه أنَّ كيده لا يضرُّهم. قرأ الكوفيون، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ: (الْمُخْلَصِينَ) بفتحِ اللامِ حيثُ وقَعَ؛ أي: من أخلَصْتَهُ بتوحيدِكَ، فهديتَهُ
الحجر 15:41
واصطَفيَتُه، وقرأ الباقون: بكسرها؛ يعني: المؤمنينَ الذين أخلصوا لكَ الطاعةَ والتوحيدَ (١).
...
﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿قَالَ﴾ اللهُ تعالى: ﴿هَذَا﴾ أي: الإخلاصُ.
﴿صِرَاطٌ عَلَيَّ﴾ بمعنى إليَّ ﴿مُسْتَقِيمٌ﴾ والمعنى: هذا طريق عليَّ بأَنْ أُراعيَه وهو ألَّا يتبعَكَ المخلَصون. قرأ يعقوبُ: (عَلِيٌّ) بكسرِ اللامِ ورفعِ الياءِ وتنوييها، من العلوِّ أي: رفيع، وقرأ الباقون: بفتح اللامِ والياءِ من غيرِ تنوينٍ على المعنى الأولِ (٢).
...
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على قلوبهم.
﴿سُلْطَانٌ﴾ قدرة وتسلُّطٌ.
﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أي: لكنْ من اتبعَكَ.
﴿مِنَ الْغَاوِينَ﴾ لكَ عليهم سلطانٌ.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٤).
(٢) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٣)، و "تفسير البغوي" (٢/ ٥٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٤).
الحجر 15:43
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ لَمصيرُ الغاوينَ ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيدٌ للضمير.
...
﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ بعضُها فوقَ بعضٍ؛ لأنَّها سبعُ طباق، أعلاها جهنمُ، ثم لَظَى، ثم الحُطَمَةُ، ثم السَّعِيُر، ثمَّ سَقَرُ، ثمَّ الجحيمُ، وفيه أبو جهلٍ، ثم الهاويةُ، وأشهرُ منازلِها جهنمُ، وهو موضعُ العصاةِ من المؤمنينَ الذين لا يخلَّدونَ.
﴿لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ﴾ من إبليسَ وأتباعِه ﴿جُزْءٌ﴾ نصيبٌ.
﴿مَقْسُومٌ﴾ للطبقةِ الأولى، وهي العليا، الموحِّدونَ من أهلِ الكبائرِ، وللثانيةِ النصارى، وللثالثةِ اليهودُ، وللرابعةِ الصابئونَ، وللخامسةِ المجوسُ، وللسادسةِ أهلُ الشركِ، وللسابعةِ المنافقون. قرأ أبو جعفرٍ: (جُزٌّ) بتشديدِ الزايِ بغيرِ همزٍ، وقرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: بضمِّ الزايِ مع الهمزِ، والباقون: بإسكان الزاي والهمز (١).
...
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ بساتينَ.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
الحجر 15:46
﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهارٍ. قرأ ابنُ كثيرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ، وأبو بكر عن عاصمٍ: (وَعِيُونٍ) بكسرِ العين، والباقون: بضمِّها (١).
...
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] يقال لهم: ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: الجناتِ. قرأ رويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (وَعُيُونٌ ادْخِلُوها) بضمِّ التنوينِ وكسرِ الخاء على ما لم يُسَمَّ فاعلهُ، فهي همزةُ قطعٍ نُقِلَتْ حركتُها إلى التنوينِ، وقرأ الباقون: بضمِّ الخاءِ على أنه فعلُ أمرٍ، والهمزةُ للوصلِ، وهم على أصولهم في التنوينِ، فأبو عمروٍ، وعاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ يقرؤونَ بكسرِ التنوينِ في الوصلِ، والباقونَ: بالضمِّ بخلافٍ عنِ ابنِ ذكوانَ (٢).
﴿بِسَلَامٍ﴾ أي: سالمينَ من كلِّ آفة، وتسلِّمُ عليكمُ الملائكةُ.
﴿آمِنِينَ﴾ من كلِّ مخوفٍ.
...
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ حِقْدٍ بسببِ عداوةٍ كانَتْ بينَهم في الدنيا.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٥).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٥).
الحجر 15:48
﴿إِخْوَانًا﴾ نصبٌ على الحالِ ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾ جمعُ سَريرٍ.
﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ في الوجوِه، إذ الأسرَّةُ متقابلةٌ، فهي أحسنُ في الرتبةِ.
...
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿لَا يَمَسُّهُمْ﴾ لا يُصيبُهم ﴿فِيهَا نَصَبٌ﴾ وهو التعبُ.
﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ فإنّ تمامَ النعمةِ الخلودُ.
...
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
[٤٩] ﴿نَبِّئْ﴾ أَعْلِمْ يا محمدُ.
﴿عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تابَ. قرأ أبو جعفر: (نَبيِّ) بإسكانِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمز (١)، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمروٍ، وابنُ كثيرٍ: (عِبَادِيَ) (أَنِّيَ) بفتحِ الياءِ فيهما، والباقون: بإسكانها (٢).
...
﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ لمن لم يتب.
عن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ: "إِنَّ اللهَ
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٦).
الحجر 15:51
خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِئَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وتسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً واحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ، لَمْ يَيْأَسْ مَنِ الْجَنَّةِ، ولَوْ يَعْلَمْ الْمُؤمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مَنْ النَّارِ" (١).
...
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾.
[٥١] ثم عطفَ على (نَبِّئ عِبَادِي) ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ﴾ أي: عن خبرِ ضيفِ ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ والضيفُ اسمٌ يقعُ على الواحدِ والجمعِ، والمذكرِ والمؤنثِ، والمرادُ بالضيفِ: الملائكةُ.
...
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾ أي: نسلِّم سلامًا.
﴿قَالَ﴾ إبراهيمُ ﴿إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ خائِفون؛ لأنهم لم يأكلوا من طعامِهِ.
...
﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ قرأ حمزةُ (نَبْشُرُكَ) بفتحِ النونِ وإسكانِ الباءِ وتخفيفِ الشينِ وضَمِّها، من البِشْرِ، وهو البشرى والبِشارَةُ، وقرأ
(١) رواه البخاري (٦١٠٤)، كتاب: الرقاق، باب: الرجاء مع الخوف، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الحجر 15:54
الباقون: بضمِّ النونِ وفتح الباءِ وتشديدِ الشينِ مكسورةً من بَشَّرَ المضعَّفِ على التكثيرِ (١).
﴿بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ في صغرِه، حكيمٍ في كبِره، وهو إسحاقُ عليه السلام.
...
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] فتعجَّبَ إبراهيمُ من أن يُولَدَ لهُ مع كِبَرِه وكبر امرأتِهِ.
﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي﴾ بالولدِ ﴿عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾ أي: على حالَ الكِبَرِ.
﴿فَبِمَ﴾ فبأيِّ شيءٍ ﴿تُبَشِّرُونَ﴾ قرأ نافعٌ بكسرِ النونِ وتخفيفِها، وتقريرُ هذهِ القراءة أنه حُذِفَتِ النونُ التي للمتكلِّم، وكسرتِ النونُ التي هي علامةُ الرفعِ، ثم حذفتِ الياءُ لدلالةِ الكسرةِ عليها، قال ابنُ عطيةَ: وغلَّطَ أبو حاتم نافِعًا في هذهِ القراءةِ، وقال: إنَّ شاهدَ الشِّعْرِ في هذا اضطرارٌ، وهذا حمل منه (٢)، وقالَ الكواشيُّ: ولا يُلْتَفَتُ إلى الطاعنِ في هذهِ القراءةِ؛ لصحَّة نقلِها، بل لتواتُرِها، فتكونُ أصلًا يُحْتَجُّ به، لا لَهُ، وقرأ ابنُ كثيرٍ: بكسرِ النونِ مشدَّدَةً أي: (تُبَشِّرونِني)، أدغمت نونُ الجمعِ في نونِ الإضافة، ثم حذفتِ الياءُ للتعليلِ المتقدِّمِ، وقرأ الباقونَ: بفتح النونِ مخففةً علامة الرفعِ (٣).
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨ - ٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٧).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٦٥).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٨٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٥٨).
الحجر 15:55
﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدقِ الواجبِ وجودُهُ.
﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ﴾ الآيِسِينَ.
...
﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ﴾ قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، ويعقوبُ: (يَقْنِطُ) بكسر النون، والباقون: بفتحِها، وهما لغتان، أي:. يَيْأَسْ (١).
﴿مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ المخطِئون، المعنى: لا أنكرُ وجودَ الولدِ مِنَّا قُنوطًا، بل استبعادًا، والقنوطُ من رحمةِ اللهِ كبيرةٌ؛ كالأَمنِ من مكرِهِ.
...
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: فما شأنكُم الذي أُرسلتُم لأجلِه سوى البشارةِ.
...
﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ وهم أهلُ مدينةِ سَدومَ الذين بُعِثَ فيهم لوطٌ عليه السلام، والمجرم: الذي يرتكبُ المحظوراتِ.
(١) المصادر السابقة.
الحجر 15:59
﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ الآلُ: القومُ الذين يؤولُ أمرهم إلى المضافِ إليه، والاستثناءُ منقطِعٌ من قومٍ؛ لأنَّ القومَ موصوفون بالإجرام، وآلُ لوطٍ لم يجرموا.
﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ مما يعذَّبُ به القومُ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (لَمْنُجُوهُمْ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
...
﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ استثناءٌ من آلِ لوطٍ، فيكونُ استثناءً من استثناءٍ، تقديره: أهلكناهُم إلا آلَ لوطٍ إلا امرأتَهُ ﴿قَدَّرْنَا﴾ حَكَمْنا.
﴿إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقِين في الهلاكِ الذين لم يُسْتَثْنَوا منه. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (قَدَرْنَا) بتخفيفِ الدالِ، والباقونَ: بتشديدِها (٢).
...
﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ﴾ اختلافُ القراءِ في حكمِ الهمزتينِ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٥٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٠).
الحجر 15:62
من قولِه: ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ﴾ كاختلافِهم فيهما مِنْ ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ في سورةِ النساءِ.
...
﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿قَالَ﴾ لوطٌ لهم ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ لا أعرفكُمُ.
...
﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يشكُّونَ أنه نازلٌ بهم، وهو العذابُ، وكان لوطٌ يعدُ قومَه نزولَ العذابِ فلا يُصَدِّقونه.
...
﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] فقالت الملائكةُ: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ باليقينِ من عَذابِهم.
﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولِنا.
...
﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ فاذهبْ بهم. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ: (فَاسْرِ) بوصلِ الألفِ من سَرَى، وقرأ الباقون: بقطعِها، من أَسْرَى، ومعناهما واحدٌ، وهو سيرُ الليلِ (١).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الحجر 15:66
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ بطائفةٍ منه، قيل: إنه السَّحَرُ الأولُ.
﴿وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ﴾ سِرْ خَلْفَهم.
﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ لينظرَ ما وراءَه فيرَى من الهولِ ما لا يُطيقُه.
﴿وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ بالذهابِ إليه، وهو الشامُ. قرأ أبو عمرٍو: (حَيْث تؤْمَرُونَ) بإدغامِ الثاءِ في التاءِ (١).
...
﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ أي: أعلمناهُ ﴿أَنَّ دَابِرَ﴾ أي: آخِرَ.
﴿هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ مهلَكٌ.
﴿مُصْبِحِينَ﴾ أي: أوحينا إليه أَنَّهم يهلكونَ جميعًا وقتَ الصُّبحِ.
...
﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ﴾ أي: سدومَ إلى لوطٍ. واختلاف القراء في (جَاءَ أَهْلُ) كاختلافهم في (جَاءَ آلَ) [الحجر: ٦١].
﴿يَسْتَبْشِرُونَ﴾ طَمَعًا في نيلِ شهوتِهم الخبيثةِ من الملائكةِ.
...
= (٢/ ٢٩٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٠).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦١).
الحجر 15:68
﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿قَالَ﴾ لوطٌ لقومِه: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ﴾ بفضيحةِ ضَيْفي.
...
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ﴾ بفعلِ الخبيثِ فيهم؛ لأن مَنْ أُهِينَ ضيفُه فقد أُهِين. قرأ يعقوبُ (تَفْضَحُونِي) (تُخْزُونِي) بإثباتِ الياءِ فيها، والباقونَ: بحذفِها (١).
...
﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ أي: عن ضيافةِ الناسِ؛ لأنهم كانوا يأخذون المارَّ بهم لِيَخْبُثُوا به، فيحولُ بينَهم وبينَه، ويُبَيِّتُهُ عندَه ضيفًا، فنَهوْهُ عن ذلكَ.
...
﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ أُزَوِّجُهُنَّ إياكُم إن أسلَمْتُم، فَأْتوا الحلالَ، ودعوا الحرامَ.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦١).
الحجر 15:72
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ ما آمُرُكُمْ به، وقيل: أرادَ بالبناتِ: نساءَ قومِه؛ لأنَّ النبيَّ كالوالدِ لأُمَّتِهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ: (بَنَاتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾.
[٧٢] قالَ ابنُ عباسٍ: "ما خلقَ اللهُ تعالى خَلْقًا أكرمَ عليهِ من محمدٍ - ﷺ -، وما أَقْسَمَ بحياةِ أحدٍ إلا بحياتِه، فقال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ " (٢) أي: وحياتِكَ، فهو قسمٌ من اللهِ جل جلاله بمدةِ حياةِ محمدٍ - ﷺ -، وأصلُه ضَمُّ العينِ من العُمُرِ، ولكنَّها فُتِحَتْ لكثرةِ الاستعمالِ، أو معناه: وَبقَائِكَ يا مُحَمَّدُ، ولم يقسم اللهُ بحياةِ أحدٍ غيرِه؛ لأنه أكرمُ البريَّةِ عندَه.
﴿إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ ضلالَتِهم ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرونَ.
...
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ أي: صيحةُ جبريلَ بهم ﴿مُشْرِقِينَ﴾ مصادِفين شروقَ الشمسِ؛ لأنَّ ابتداءَ عذابِهم كانَ عندَ طلوعِ الصُّبْحِ، وآخرَه عندَ طلوعِ الشمسِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٧٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٢).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٤)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٩٣٤)، وغيرهما.
الحجر 15:74
﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾.
[٧٤] فإن جبريلَ قلعَ الأرضين بهم، ورفعَها إلى السماءِ، ثم أهوى بها نحوَ الأرضِ، ثم صاحَ بهم صيحةً عظيمةً ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ مُنْخَفِضَها.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على شذاذِ القُرى، وهُمْ مَنْ لم يَكُنْ فيها.
﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ سِجِّيلٌ وسِجِّينٌ: الصلبُ منَ الحجارةِ والطينِ.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي: المتفرِّسينَ.
...
﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿وَإِنَّهَا﴾ أي: قريةُ قومِ لوطٍ ﴿لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ بطريقٍ ثابتٍ يسلُكه الناسُ، لم يَنْدَرِسْ بعدُ، فاتَّعِظوا بآثارهم يا قريشُ إذا ذهبتُمْ إلى الشامِ؛ لأنها في طريقِكم.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ ورسولِه.
...
﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ الغَيْضَةِ، وهو شجرٌ مجتمعٌ،
الحجر 15:79
والأيكةُ أبعدُ الأرضِ منَ السماء، وهم قومُ شعيبٍ.
﴿لَظَالِمِينَ﴾ بعثَهُ اللهُ إليهم، فكذَّبوه، فَأُهْلِكوا بالظُّلَّةِ، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ الأعرافِ.
...
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بالإهلاكِ ﴿وَإِنَّهُمَا﴾ أي: قريةُ قومِ لوطٍ والأيكةُ.
﴿لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ بطريقٍ واضحٍ مستبينٍ.
...
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ هم ثمودُ، والحِجْرُ: واديهم بينَ المدينةِ والشامِ.
﴿الْمُرْسَلِينَ﴾ أرادَ صالحًا، وقال: المرسَلين من حيثُ يجبُ بتكذيبِ رسولٍ واحدٍ تكذيبُ جميعِهم؛ إذ القولُ في المعتَقَداتِ واحدٌ للرسلِ أجمعَ، فهذهِ العبارةُ أشنعُ على المكذِّبين.
...
﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ هي الناقةُ، وخروجُها من الصخرة، وكثرةُ شربها، وولادتَهُا مثلُها في العِظَم في الحالِ وغزارةِ لبنِها.
﴿فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: الآياتِ.
***
الحجر 15:82
﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ﴾ من خرابها، والنحتُ: النَّقْرُ بالمعاولِ ونحوِها في الحجارةِ.
...
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ صيحةُ العذابِ ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقتَ الصبحِ.
...
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من عَدَدِهم وعُدَدِهم وبناءِ حصونِهم.
...
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين جنسَي السمواتِ والأرضِ.
﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لم نوجدْ شيئًا عَبَثًا ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ فيجازَى المحسنُ بإحسانِه، والمسيءُ بإساءتِه.
﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ أي: أعرضْ عن المشركينَ إعراضًا جميلًا، وأَكَّدَ الصفحَ بنعتِ الجمالِ؛ إذِ المرادُ منه أن يكونَ لا عَتْبَ فيه ولا حِقْدَ، ونُسِخَتْ بآيةِ القتالِ.
الحجر 15:86
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ بخلقِهِ.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ هي الفاتحةُ؛ لأنها سبعُ آياتٍ بإجماعٍ، ولأنها تُثَنَّى في الصلاةِ، وتقدَّمَ الكلام على ذلكَ في أولِ التفسيرِ.
﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطفٌ على السبعِ؛ لأنَّ ما عدا الفاتحةَ قرآنٌ.
...
﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ أي: لا تنظَرنَّ يا محمدُ.
﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أَصنافًا من الكفارِ، نهى اللهُ رسولَه - ﷺ - عن الرغبةِ في الدنيا، ومزاحمةِ أهلِها عليها.
﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يؤمنوا.
﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أي: تواضَعْ ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وارْفُقْ بهم.
...
﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ بُرْهانُهُ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأَبو عمرٍو: (إِنِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانِها (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٦٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، =
الحجر 15:90
﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾ أي: وأنذرْ قريشًا إنذارًا مِثْلَ ما أَنْزَلْنا من العذابِ.
﴿عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ﴾ المتحالِفين.
...
﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾.
[٩١] ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ﴾ المنزلَ على النبيِّ - ﷺ -.
﴿عِضِينَ﴾ عَضَوْهُ؛ أي: فَرَّقُوه إلى سحرٍ وكهانةٍ وشعرٍ وغيرِ ذلك.
...
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢)﴾.
[٩٢] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يومَ القيامةِ سؤالَ توبيخٍ.
...
﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
[٩٣] ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فَرِّقْ بينَ الحقِّ والباطلِ بتبليغِ الرسالةِ.
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٣).
الحجر 15:95
قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، ورويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (فَاصْدَعْ) بإشمام الصادِ الزايَ (١).
﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ولا تلتفِتْ إليهم، ونُسِخَتْ بآيةِ السيفِ.
...
﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾.
[٩٥] ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ بكَ، وبالقرآنِ، وهم قومٌ من كفارِ مكةَ أهلَكَهم الله.
...
﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعني: الأصنامَ.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمرِهم.
...
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ من الشركِ والاستهزاءِ.
...
﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قُلْ: سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٠ - ٢٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ١٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٣).
الحجر 15:99
﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ المصلِّين.
رُوِيَ أنه - ﷺ - كانَ إذا أحزنه أَمْرٌ، فَزِعَ إِلى الصَّلاةِ (١).
...
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.
[٩٩] ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ الموتُ؛ لأنه مُتَيَقَّنٌ لا شَكَّ فيه، واللهُ أعلم.
...
(١) رواه أبو داود (١٣١٩)، كتاب: الصلاة، باب: وقت قيام النبي - ﷺ - من الليل، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٣٨٨)، وغيرهما عن حذيفة -رضي الله عنه-. فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
تَأليف
الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى
المُجَلَّد الرابع
اعتَنَى بِهِ
تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
نُوْرُ الدِّيْن طَالب
إصدَارات
وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
دولة قطر
النحل 16:1
سُوْرَةُ النَّحل
وكانت تسمَّى: سورةَ النِّعَمِ؛ بسببِ ما عَدَّدَ اللهُ فيها من نِعَمِه على عبادِه، وهي مكيةٌ، إلَّا من قولِه تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ﴾ إلى آخرها، نزلَ بالمدينةِ، وآيُها مئةٌ وثمانٍ وعشرونَ آيةً، وحروفُها سبعةُ آلافٍ وسبعُ مئةٍ وسبعةُ أحرفٍ، وكَلِمُها ألفٌ وثماني مئة وإحدى وأربعونَ كلمةً.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾.
[١] ﴿أَتَى﴾ قَرُبَ ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: عذابُه، وذلك أنَّ الكفارَ كانوا يستعجلونه استهزاءً، فنزل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، فوثبَ النبيُّ - ﷺ - قائِمًا، وحَذَّرَ الناسَ مِنْ قيامِ الساعةِ، فنزل: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ (١) لا تطلُبوا الأمرَ قبلَ حينهِ، فاطمأَنُّوا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَتىَ) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ (٢)، ولما نزلَتْ هذهِ الآيةُ، قالَ - ﷺ -: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةَ
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٠٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٠٨).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥، ٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٦٧).
النحل 16:2
كَهَاتينِ، وَأَشَارَ بِإِصْبَعَيْهِ" (١)؛ أي: كادتْ لتسبقني.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى﴾ تَبَرَّأَ وتعاظَمَ ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ بهِ من آلهتِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تشرِكُونَ) بالخطاب، والباقونَ: بالغيب (٢).
...
﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾.
[٢] ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قراءة العامةِ: بضمِّ الياءِ وكسرِ الزاي (الْمَلاَئِكَةَ) نصبٌ، وهم في تشديدِ الزايِ على أصولهم المتقدمةِ في البقرةِ، فيخَفِّفُها منهم ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، ورُويسٌ عن يعقوبَ. وقرأ روحٌ عن يعقوبَ (تنَزَّلُ) بالتاءِ مفتوحةً، وفتح الزاي مشددةً، ورفعِ الملائكة (٣)؛ كالمتفقِ عليهِ في سورةِ القدرِ.
﴿بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي: بما يحيي القلوبَ الميتةَ بالجهلِ من وحيهِ.
﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ هم الأنبياءُ عليهم السلام، وتقدَّم في سورةِ
(١) رواه البخاري (٦١٣٨)، كتاب: الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، ومسلم (٢٩٥٠)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قرب الساعة، عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٥١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٦٦٧).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٠٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٨).
النحل 16:3
البقرةِ عندَ تفسيرِ قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [الآية: ٩٨] عددُ نزولِ جبريلَ عليه السلام على جماعةٍ من الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام.
﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ خَوِّفوا المشركينَ وعَرِّفُوهُمْ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ خافونِ. قرأ يعقوبُ: (فَاتَّقُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقونَ: بحذفِها (١).
...
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالواجبِ اللائقِ.
﴿تَعَالَى﴾ ارتفعَ.
﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ واختلافُ القراء في (يُشْرِكُونَ) كالحرفِ المتقدِّمِ.
...
﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾.
[٤] ونزلَ في منكري البعثِ: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: ماءِ الرجلِ.
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ مُجادِلٌ للخصومِ ﴿مُبِينٌ﴾ للحجَّةِ بعدَ ما كانَ ميِّتًا جَمادًا.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٩).
النحل 16:5
رُوي أن أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ أتى النبيَّ - ﷺ - بعَظْمٍ رَميمٍ وقال: يا محمدُ! أَتَرى اللهَ يُحيي هذا بعدَما قَدْ رَمَّ؟! فنزلَتْ (١).
...
﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ يعني: الإبلَ والبقرَ والغنمَ ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ ما استُدْفِئ به من الثيابِ والأخبيةِ المستعملةِ من أوبارِها.
﴿وَمَنَافِعُ﴾ بالنسلِ والركوبِ والحملِ وغيرِها.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ يعني: لُحومَها.
...
﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ زينةٌ ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ أي: الإبلَ، تردُّونها إلى المُراح، بضمِّ الميم، وهو المبيتُ والمأوى أيضًا.
﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ تُرْسِلونها غُدْوَةٌ إلى المراعي، وقَدَّمَ الإراحةَ على التسريح؛ لأنها في المراح أحسنُ خُلُقًا منها في المسرحِ، وأكثرُ لبنًا، وأعجبُ إلى صاحبِها.
...
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٨).
النحل 16:7
﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ أحمالَكم.
﴿إِلَى بَلَدٍ﴾ هي مكةُ، أو جميعُ البلادِ.
﴿لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ﴾ واصلينَ إليه لو لم تُخْلَقِ الإبلُ فَرَضًا.
﴿إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ بجهدِها. قرأ أبو جعفرٍ: (بِشَقِّ) بفتح الشينِ، والباقون: بكسرِها، وهما لغتان، مثلُ: رِطْلٍ ورَطْلٍ (١).
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ بخلقِه. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (رَؤُوفٌ) بالإشباعِ على وزنِ فَعولٍ حيثُ وقعَ (٢).
﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَالْخَيْلَ﴾ أي: وخلقَ الخيلَ، وهي اسمُ جنس لا واحدَ لهُ من لفظِه؛ كالإبلِ، والنساءِ ﴿وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي: وجعلَها زينةً لكم معَ المنافع التي فيها.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٠).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٦٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٧ - ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٠).
النحل 16:9
واحتجَّ بهذهِ الآيةِ مَنْ حَرَّمَ لحومَ الخيلِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ؛ لأنَّه عَلَّلَ خلقَ هذهِ الأشياءِ بالركوبِ والزينةِ، ولم يذكرِ الأكلَ، وعن مالكٍ روايةٌ أخرى أَنَّها مكروهةٌ، وقالَ الشافعيُّ وأحمدُ وأبو يوسفَ ومحمدُ بنُ الحسنِ بإباحةِ لحومِ الخيلِ، وقالوا: ليسَ المرادُ من الآيةِ بيانَ التحليلِ والتحريمِ، بل المرادُ منهُ تعريفُ اللهِ عبادَه نعمَهُ وتنبيهَهُم على كمالِ قدرته وحكمتِه، وحُجَّتُهم ما رُوي عن جابرٍ رضي الله عنه قال: "نَهَى رَسولُ اللهِ - ﷺ - يومَ خيبرَ عن لحومِ الحمرِ، ورَخَّصَ في لُحومِ الخيلِ" (١)، وأَمَّا لحومُ البغالِ والحُمُرِ الأهليَّةِ، فمحَرَّمَةٌ بالاتفاقِ (٢)، ورُوي عن مالكٍ أنها مكروهةٌ كراهةً مغلَّظَةً.
﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن مخلوقاتِ اللهِ من الحيوان وغيرِه لا يُحيط بعلمِها بَشَرٌ، بل ما يخفى عليه أكثرُ مما يعلمُه.
...
﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ يعني: بيانُ الطريقِ الحقِّ لكم، والقَصْدُ: الطريقُ المستقيمُ.
﴿وَمِنْهَا﴾ أي: ومن السبيلِ؛ لأنها تُذَكَّر وتؤنَّثُ ﴿جَائِرٌ﴾ أي: عادلٌ
(١) رواه البخاري (٥٢٠١)، كتاب: الذبائح والصيد، باب: لحوم الخيل، ومسلم (١٩٤١)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: في أكل لحوم الخيل، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.
(٢) في "ت": "على الاتفاق".
النحل 16:10
عن الحقِّ، فقصدُ السبيلِ: دينُ الإسلامِ، والجائرُ: سائرُ مللِ الكفرِ.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾ إلى صلاحِكم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ ولم يَضِلَّ أحدٌ.
...
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾ تشربونَهُ.
﴿وَمِنْهُ﴾ أي: ينبتُ بسببِهِ.
﴿شَجَرٌ فِيهِ﴾ في النباتِ.
﴿تُسِيمُونَ﴾ تَرْعَوْن دوابَّكم؛ من سامَتِ الماشيةُ: رَعَتْ.
...
﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿يُنْبِتُ﴾ اللهُ ﴿لَكُمْ بِهِ﴾ يعني: الماء. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ: (نُنْبِتُ) بنونِ العَظَمة، والباقون: بالياء (١).
﴿الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وبعضِ كلِّها إن لم ينبتْ في الأرضِ كلَّ ما يمكنُ من الثمار.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في الصنعةِ، فيستدلُّون بها على صانعِها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧١ - ٢٧٢).
النحل 16:12
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَسَخَّرَ﴾ ذلَّل.
﴿لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ مُذَلَّلاتٌ.
﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإذنِه. قرأ ابنُ عامرٍ: (وَالشَّمْسُ، وَالْقَمَرُ، والنُّجُومُ، مُسَخَّرَاتٌ) برفعِ الأسماءِ الأربعة على الابتداءِ، فـ (الشمسُ) مبتدأ، (والقمرُ والنجومُ) عطفٌ عليه، والخبرُ (مسخراتٌ بأمرِه)، وافقه حفصٌ عن عاصمٍ في الحرفينِ الأخيرينِ، وهما (والنجومُ مسخراتٌ)، فرفعَهما على الابتداءِ والخبرِ، وقرأ الباقون: بنصبِ الأربعةِ وكسرِ تاءِ (مُسَخَّراتٍ) عطفًا على (النهارَ) (١).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قالَ في الآيةِ قَبْلُ: (لآيَةً)؛ لأنَّ شيئًا واحدًا منها يعمُّ تلكَ الأربعةَ، وهو النباتُ، وقالَ في هذه الآيةِ: (لآيَاتٍ)، لأنَّ كلَّ واحدٍ مما ذُكر آيةٌ في نفسِه، لا يشركُ معَ الآخرِ؛ فالليلُ لانتفاعِ البشرِ بالسكون فيه، والنهارُ للسَّعْيِ في المعاشِ وغيرِه، والشمسُ والقمرُ منافعُهما أكثرُ من أن تُحْصى، والنجومُ هداياتٌ.
...
﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَمَا ذَرَأَ﴾ خَلَقَ ﴿لَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ من الأشجارِ والدوابِّ
(١) المصادر السابقة.
النحل 16:14
وغيرِها ﴿مُخْتَلِفًا﴾ نصبٌ على الحال ﴿أَلْوَانُهُ﴾ أصنافُه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ يعتبرونَ.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ﴾ العذبَ والمِلْحَ.
﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ يعني: السمكَ، وُصِفَ بالطَّراوةِ لتسارُعِ الفسادِ إليه، فَيُسارَعُ إلى أكلِه طريًّا.
﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ﴾ أي: من الملح، عطفٌ على (لِتَأْكُلُوا).
﴿حِلْيَةً﴾ زينةً ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤُ والمرجانُ، فدلَّ على أنهما من الحليِّ.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ فواعلَ من مَخَرَتِ السفينةُ: إذا جَرَتْ فشقَّتِ الماءَ بصدرِها.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بركوبِها للتجارةِ.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ لتوالي نعمِه عليكم.
...
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ ثوابتَ؛ يعني: جبالًا.
النحل 16:16
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: لئلَّا تميلَ وتضطربَ.
﴿وَأَنْهَارًا﴾ منصوبٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديرُه: وجعلَ فيها أنهارًا.
﴿وَسُبُلًا﴾ طُرُقًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ تعتبرونَ وتَرْشُدونَ.
...
﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَعَلَامَاتٍ﴾ هي معالمُ الطرقِ، وكُلُّ ما يُستدَلُّ به.
﴿وَبِالنَّجْمِ﴾ عامٌّ في كلِّ نَجْم.
﴿هُمْ﴾ أي: قريشٌ ﴿يَهْتَدُونَ﴾ إلى القبلةِ، أو في السيرِ؛ لأنهم كانوا كثيري الأسفارِ للتجارةِ، مشهورينَ بالاهتداءِ في مسايرِهم بالنجومِ.
...
﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ﴾ أي: اللهُ ﴿كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ أي: الأصنامُ، تلخيصُه: اللهُ الخالقُ خيرٌ أم آلهتكم العَجَزَةُ؟ ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ فَتَتَّعِظونَ وتُؤْمنون. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (تَذْكُرُونَ) بالتخفيف حيثُ وقعَ.
...
﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ لا تَضْبِطوا عَدَّها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ﴾ لتقصيرِكم في أداءِ شكرِها ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم حيثُ لم يقطَعْها لتفريطِكم بالتقصيرِ.
النحل 16:19
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ من عقائدكم وأعمالكم.
...
﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾.
[٢٠] و ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: الأصنامَ التي تعبدونَها من دونه. قرأ عاصمٌ، ويعقوبُ: (يَدْعُونَ) بالغيبِ، والباقونَ: بالخطابِ (١).
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ لعجزِهم ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأنهم يُتَّخَذون من الحجارةِ وغيرِها.
...
﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿أَمْوَاتٌ﴾ يعني: الأصنامَ ﴿غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ أي: لا يعقبُ موتَها حياةٌ.
﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ أي: الأمواتُ ﴿أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ متى يُحشرونَ.
...
﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ثم نفى ألوهيةَ الأصنامِ، وعَرَّفَهم الإلهَ حقيقةً فقالَ: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا يُشارَكُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٤).
النحل 16:23
﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ﴾ جاحِدَةٌ.
﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ متعظِّمونَ عن الإيمانِ.
...
﴿لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿لَا جَرَمَ﴾ حَقًّا ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ فيجازِيهِم.
قرأ حمزةُ: (لاَ جَرَمَ) بالمدِّ بحيثُ لا يبلغُ الإشباعَ.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ عامٌّ في الكافرينَ والمؤمنين، في الحديثِ: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرٍ" (١)، وفيه: أَنَّهُ مَنْ سَجَدَ للهِ سَجْدَةً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَرِئ مِنَ الْكِبْرِ.
...
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لكفارِ مكةَ.
﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ استهزاءً.
﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أباطيلُهم.
...
(١) رواه مسلم (٩١)، كتاب: الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.
النحل 16:25
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ﴾ أي: قالوا ذلكَ ليحمِلوا ذنوبَهم.
﴿كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وإنما ذَكَرَ الكمالَ؛ لأنَّ البلايا التي تلحَقُهم في الدنيا، وما يفعلونَ من الحسناتِ، لا تُكَفِّرُ عنهم شيئًا.
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ﴾ أي: ذنوبِ ﴿الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغيرِ حُجَّةٍ، فيصدُّونَهم عن الإيمانِ ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ بِئْسَ شيئًا تحمَّلُوا.
...
﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وهم نمرودُ بنُ كنعانَ، بنى الصرحَ ببابلَ ليصعدَ إلى السماء، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ مستوفىً في آخرِ سورةِ إبراهيمَ، فهبتْ ريحٌ فألقتْ رأسَهُ في البحر، وخرَّ عليهم الباقي وهم تحتَهُ، فذلك قولُه تعالى:
﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ﴾ أي: قصدَ خرابَ بنائِهم.
﴿مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ من أساسِهِ ﴿فَخَرَّ﴾ سَقَطَ ﴿عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ يعني: أَعْلَى البيوتِ من فوقِهم.
﴿وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيئهِ.
***
النحل 16:27
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾ اللهُ ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾ بزعمِكم. قرأ البزيُّ عن ابنِ كثيرٍ: (شُرَكَايَ) بياءٍ مفتوحةٍ بغيرِ همزٍ ولا مَدٍّ، قال الكواشيُّ: لأنَّ الأصلَ تركُ المدِّ؛ لأن المدَّ إنما يكونُ بزيادةِ حرفٍ ليسَ من أصلِ الكلمةِ، فرجعَ إلى الأصلِ معَ صحةِ القراءة وتواترِها، فلا تأثيرَ لطعنِ الطاعنِ فيها، والباقون: بفتحِ الياءِ والمدِّ بلا همزٍ؛ لأن الأشهرَ في (فَعيل) أن يُجمع على (فُعَلاء)؛ كشهيدٍ وشهداءَ (١).
﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ تخاصِمُون في شأنِهم. قرأ نافعٌ: (تشُاقُّونِ) بكسر النونِ على الإضافةِ، أصلُه: تشُاقُّونَنِي، فحُذِفَ أحدُ النونينِ والياء، وتُركتِ الكسرةُ تدلُّ عليها. وقرأ الباقون: بفتح النونِ إخبارٌ عن غيرِ مضافٍ (٢)، تلخيصُه: ليحضُرْ من تزعمونَ، وليدفَعْ عنكم العذابَ.
﴿قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أي: النبوةَ.
﴿إِنَّ الْخِزْيَ﴾ الهوانَ ﴿الْيَوْمَ وَالسُّوءَ﴾ العذابَ.
﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وفائدةُ قولهم إظهارُ الشماتةِ وزيادةُ الإهانةِ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧١ - ٣٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٦).
النحل 16:28
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقبضُ أرواحَهم ملكُ الموتِ وأعوانُه.
قرأ حمزةُ، وخلفٌ في هذا الحرفِ وفي الآتي: (يَتَوَفَّاهُمْ) بالياءِ على التذكيرِ، والباقونَ: بالتاء على التأنيث (١) ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفرِ. قرأ أبو عمرٍو (الْمَلاَئِكَة ظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ) بإدغامِ التاءِ في الظاء (٢).
﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ أي: استسلَموا وانقادوا حينَ عاينوا الموتَ، وقالوا:
﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ شِرْكٍ، فتُجيبهم الملائكةُ: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فهو يُجازيكم عليه، قالَ عكرمةُ: المعنيُّ بذلك مَنْ قُتِلَ من (٣) الكفارِ ببدرٍ.
...
﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمانِ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٦).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٧).
(٣) "من" ساقطة من "ت".
النحل 16:30
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] وكانَ أحياءُ العربِ يبعثونَ أيامَ الموسمِ مَنْ يأتيهِمْ بخبرِ النبيِّ - ﷺ -، فإذا جاءَ، سأل الذين قعدوا على الطريقِ عنه، فيقولون: ساحرٌ، وكاهنٌ، وشاعرٌ، وكذابٌ، ومجنونٌ، ويأمرونَه بالانصرافِ، ويقولون: لا تَلْقَهُ خيرٌ لكَ، فيدخلونَ مكةَ ويسألونَ أصحابَ النبيِّ - ﷺ -، فيخبرونَ بصدقِهِ، وأَنه نبيٌّ مبعوثٌ، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني: المؤمنين (١) ﴿مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا﴾ أنزلَ ﴿خَيْرًا﴾ ثم ابتدأَ فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدُوا ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ كرامةٌ من الله، وهي تضعيفُ الأجرِ إلى العشرِ ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ أي: ولَثوابُهم في الآخرةِ خيرٌ منها ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ الجنةُ.
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ثم فَسَّرَها ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من أنواعِ المشتَهَياتِ ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾:
...
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦١٢).
النحل 16:32
[٣٢] ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تقدَّمَ التنبيهُ على اختلاف القراء في (تَتَوَفَّاهُمْ) ﴿طَيِّبِينَ﴾ طاهرينَ من الكفرِ والمعاصي.
﴿يَقُولُونَ﴾ لهم عندَ الموتِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ ويقولونَ لهم في الآخرةِ: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: بما كانَ من أعمالِكم.
...
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرُ الكفارُ ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ لقبضِ أرواحِهم. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَأْتِيهِمُ) بالياءِ مُذَكَّرًا، والباقون: بالتاءِ مؤنثًا (١).
﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ وعيدٌ يتضَمَّنُ قيامَ الساعةِ وعذابَ الدنيا.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلكَ الفعلِ من الشركِ والتكذيبِ.
﴿فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فَعُوقبوا.
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ بتدميرِهم ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: آذَوْا أنفسَهم، وظلموها بنفسِ فعلهم، وإن كانوا لم يقصِدوا ظُلْمَها.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٧٨).
النحل 16:34
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ جزاءُ سيئاتِ عملِهم الخبيثِ ﴿وَحَاقَ﴾ نزلَ.
﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ والحَيْقُ لا يُستعملُ إلا بالشرِّ.
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني البَحيرةَ والسائبةَ والوصيلَة والحاميَ، فلولا أنَّ اللهَ رَضِيَها لنا، لَغَيَّرَ ذلكَ، وهدانا إلى غيرِها، قالوا ذلكَ بغيًا واستهزاءً لَمَّا نزلَ قولُه تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩].
﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فأشركوا وكَذَّبوا الرسُلَ.
﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ الموضِّحُ للحقِّ، وليس إليهم الهدايةُ.
...
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾.
النحل 16:36
[٣٦] ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ كما بَعَثْنا فيكم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (أَنُ اعْبُدُوا) بضمِّ النونِ وشبهَه حيثُ وقعَ (١).
﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهو كلُّ معبودٍ من (٢) دونِ الله.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ﴾ وَفَّقَهم للإيمانِ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ ثَبَتَتْ بالسابقةِ حتى ماتَ على كفرِه.
﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يا معشرَ قريشٍ.
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: عاقبةُ أمرِهم لعلَّكم تعتبرونَ.
...
﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ﴾ يا محمدُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ قرأ الكوفيون: بفتحِ الياءِ وكسرِ الدالِ؛ أي: لا يهدي اللهُ من أَضلَّهُ، وقرأ الباقون: بضمِّ الياءِ وفتحِ الدال، يعني: من أضلَّه اللهُ فلا هاديَ له (٣).
﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ بدفعِ العذابِ عنهم.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٧٨).
(٢) "من" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٩).
النحل 16:38
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ونزل فيمَنْ حلفَ أن اللهَ لا يبعثُ الموتى ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ (١) قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ يبعثُه.
﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ مَصْدَران.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ وأكثرُ الناسِ في هذه الآية: الكفارُ المكذِّبونَ بالبعثِ من القبور.
...
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ المعنى: يبعثُ اللهُ جميعَ الخلائقِ يومَ القيامةِ ليبينَ لهم الحقَّ من الباطلِ المختلَف فيهما.
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ في إنكارِ البعثِ.
...
﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ لا يتعاظَمُنا شيء. قرأ ابن عامرٍ، والكسائيُّ: (فَيَكُوَن) بنصبِ النونِ، والباقونَ:
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٧/ ٣١١ - ٣١٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٥٨ - ١٥٩).
النحل 16:41
بالرفع (١)، وتقدَّمَ توجيهُ قراءتهم في سورةِ البقرةِ عندَ تفسير قولِه تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [الآية: ١١٧].
...
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
[٤١] ونزل في شأنِ النبيِّ - ﷺ - والصحابةِ حيثُ أُخرِجوا من مكةَ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ﴾ أي: في طلبِ رضاهُ ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ من أهلِ مكةَ.
﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ فأنزلَهم المدينةَ، وأطعَمَهُمُ الغنيمةَ، فهذا الثوابُ في الدنيا، وكان عُمَرُ إذا أعطى الرجلَ من المهاجرينَ عطاءً يقولُ: "خُذْ، هذا ما وعدَ اللهُ لكَ في الدنيا حسنة، وما ادخر لكَ في الآخرةِ أفضلُ، ثم تلا هذهِ الآيةَ" (٢). قرأ أبو جعفرٍ: (لَنُبَوِّيَنَّهُمْ) بفتحِ الياءِ بغيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ.
﴿وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ الضميرُ للكفارِ؛ أي: لو علموا أن المؤمنين مُكْرَمون عند اللهِ، لآمنوا.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٠).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي" (ص: ١٥٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٠).
النحل 16:42
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الشدائدِ من أذى الكفارِ ومفارقةِ الوطنِ.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ مُفَوِّضينَ الأمرَ إليه.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ونزلَ لما قالَتْ قريشٌ: إنَّ اللهَ أعظمُ من أن يكونَ رسولُه بشرًا، فهلَّا بعثَ إلينا مَلَكًا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ (١) أي: أهلَ الكتبِ المتقدمةِ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (نُوحِي) بالنونِ وكسرِ الحاءِ على لفظِ الجمعِ، وقرأ الباقون: بالياءِ وفتح الحاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه (٢)، وقرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلُوا) بالنقلِ، والباقون: بالهمزِ (٣).
﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ وفي الآية دليلٌ على أنه تعالى لم يرسلِ امرأةً ولاَ مَلَكًا للدعوةِ العَّامةِ.
...
(١) انظر: "تفسير الطبري" (ص: ١٥٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨١).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨١).
النحل 16:44
﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] وقوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ متعلقٌ بفعلٍ مضمَرٍ تقديرُه: أرسلناهم بالبيناتِ.
﴿وَالزُّبُرِ﴾ الكتبِ.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ﴾ القرآنَ.
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ من الشرائعِ والأحكامِ.
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يتأمَّلونَ الحقائقَ.
...
﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ أي: عملوا المُنْكَراتِ السيئاتِ، وهم كفارُ مكةَ ﴿أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ كما خسف بقارونَ.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ كما فعل بقومِ لوطٍ.
...
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ أي: متقلِّبينَ في متاجِرهم ومسائِرهم.
﴿فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائِتينَ.
***
النحل 16:47
﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ تنَقُّصٍ؛ أي: يأخذَهم بنقصِ أموالِهم وآجالِهم حتى يَهْلِكوا جميعًا ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيثُ أمهلَكُم. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (لَرؤُوفٌ).
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ استفهامُ إنكارٍ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تَرَوا) بالخطابِ، وقرأ الباقون: بالغيبِ خبرًا عن الذين يمكرونَ السيئات (١)، وهو اختيارُ الأئمةِ.
﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من جسمٍ قائمٍ له ظِلٌّ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ ترجعُ من جانبٍ إلى جانبٍ. قرأ أبو عمروٍ، ويعقوبُ: (تتفَيَّؤُا): بالتاءِ على التأنيث، والباقون: بالياء على التذكير (٢).
﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ بمعنى الأَيمان، يوضِّحُه أن قابلَه بجمعٍ فقالَ:
﴿وَالشَّمَائِلِ﴾ جمعُ شِمال، فهي في أولِ النهارِ على حالٍ، ثم تنقصُ ثم تعودَ في آخرِ النهارِ إلى حالٍ أخرى، فاليمينُ أولَ النهارِ، والشمائلُ آخرَهُ،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦١٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٢).
النحل 16:49
ويقال للظلِّ بالعشيِّ: فَيْءٌ؛ لأنه فاءَ؛ أي: رجعَ من المشرقِ إلى المغربِ، ولا يقالُ قبلَ الزوالِ إلَّا ظِلٌّ فقط.
﴿سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ فميلانُها ودورانُها سجودُها لله تعالى.
﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون أذلاء.
...
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يستسلِمُ، وأخبرَ بـ (ما)؛ لأنها أعمُّ من (مَنْ)، وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ بيانٌ لِما في السمواتِ والأرضِ، والمرادُ: كلُّ نفسٍ دَبَّتْ على وجهِ الأرض، عَقَلَتْ أو لم تعقِلْ.
﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ خصَّهم بالذكرِ، وهم من جملةِ ما في السمواتِ؛ لرفعِ شأنِهم، أو لخروجِهم من جملةِ الموصوفينَ بِالدَّبيبِ؛ لأن لهم أجنحة كما قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر: ١]، وكانَ الطيرانُ أغلبَ عليهم من الدَّبيبِ.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لا يَتَعَظَّمون.
...
﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي: غالبًا قاهرًا لهم؛ كقوله ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح: ١٠] فلا يعجِزُه شيءٌ، ولا يغلِبُه أحدٌ، أو يخافونَ أن يأتيَهُم العذابُ من فوقِهم إن عَصَوه.
النحل 16:51
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ به، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتِّفاقِ، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوةِ، وحكمِه، وسجودِ الشكرِ آخرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى.
...
﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ذُكَرَ العددُ معَ أنَّ المعدودَ يدلُّ عليهِ؛ دلالةً على أنَّ مساقَ النهي إيماءٌ بأن الاثنينيةَ تنُافي الأُلوهيةَ كما في ذكرِ الواحدِ في قولهِ:
﴿إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ للدلالةِ على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانيةِ دونَ الإلهيةِ، أو للتنبيهِ على أن الوحدةَ من لوازم الإلهيةِ.
﴿فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ نقلَ من الغيبةِ إلى التكلمِ مبالغةً في الترهيبِ، وتصريحًا بالمقصودِ، كأنه قالَ: فأنا ذلكَ الإلهُ الواحدُ، فإيايَ فارهبونِ لا غيرُ. قرأ يعقوب: (فَارْهَبُونِي) بإثباتِ الياءِ، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا.
﴿وَلَهُ الدِّينُ﴾ الطاعةُ والإخلاصُ.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٣).
النحل 16:53
﴿وَاصِبًا﴾ دائِمًا ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ تخافونَ؟ استفهامُ إنكارٍ.
...
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَمَا بِكُمْ﴾ أي: وأيُّ شيءٍ اتصلَ بكم ﴿مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ لا يأتي بها أحد سواه.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ﴾ القحطُ والمرضُ ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ تَتَضَرَّعونَ.
...
﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ﴾ وهمُ الكفارُ.
﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ بعبادةِ غيرِه.
...
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿لِيَكْفُرُوا﴾ وهذهِ اللامُ تُسَمَّى: لامَ العاقبةِ؛ أي: حاصلُ أمرِهم هو كفرُهم ﴿بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من نعمةِ الكشفِ.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ عِيشوا في اللذَّةِ، وهو أمرُ تهديدٍ.
﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ أمرِكُم، أغلظُ الوعيدِ.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: الأصنامِ ﴿نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ من
النحل 16:57
الأموالِ، وهو ما جعلوهُ لأصنامِهم من حُروثِهم وأنعامِهم، فقالوا: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، ثم رجعَ من الخبرِ إلى الخطابِ فقال: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ﴾ يومَ القيامةِ ﴿عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ وهم خزاعةُ وكِنانُة، قالوا (١): الملائكةُ بناتُ اللهِ ﴿سُبْحَانَهُ﴾ هو مُنَزَّهٌ عن الولدِ والوالدِ.
﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: ويجعلونَ لأنفسِهم ما يتمنَّوْنَ، وهم البنونَ.
...
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ﴾ أي: صارَ.
﴿وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: مُتَغَيِّرًا.
﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوءٌ غيظًا، فهو يَكْظِمُهُ؛ أي: يُمْسِكُه ولا يُظْهِره.
...
﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿يَتَوَارَى﴾ يَسْتَخْفي ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ حياءً.
﴿مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ من البناتِ، ثم يتردَّدُ فيما يصنعُ بولدِه.
(١) في "ت": "وقالوا".
النحل 16:60
﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ﴾ أي: هوانٍ وذلٍّ ﴿أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ يَدْفِنُه حَيًّا.
﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ حيثُ وَأَدوا البناتِ خوفَ الفقرِ والعارِ، وحيثُ نسبوا إلى اللهِ تعالى ما هو مستقبَحٌ عندَهم.
...
﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يعني: لهؤلاءِ الذين يصفونَ للهِ البناتِ ﴿مَثَلُ﴾ أي: صفةُ ﴿السَّوْءِ﴾ وهو كفرُهم، ووأدُ البناتِ مع احتياجِهم إليهنَّ طلبَ النكاحِ.
﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ الصفةُ العليا، وهي التوحيدُ والغنى عن جميعِ خلقه.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ المنفرِدُ بكمالِ القدرةِ والحكمةِ.
...
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ﴾ فيعاجِلُهم بالعقوبةِ على كفرِهم ومعَاصيهم.
﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ مَنْ يَدِبُّ أصلًا بشؤمِ ظلمِهم، فهلاكُ الدوابِّ بآجالِها، وهلاكُ الناسِ عقوبةً.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ﴾ يُمْهِلُهم بحلمِه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سَمَّاهُ لأعمارِهم.
النحل 16:62
﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ مُذْ هَلَكوا أو عُذِّبوا حينئذٍ لا محالة. قرأ أبو جعفرٍ، وورشٌ عن نافع: (يُوَاخِذُ) (يُوَخِّرُ) بفتح الواوِ من غيرِ همزٍ، والباقون: بالهمزِ (١)، واختلافهم في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافِهم فيهما في قوله: (وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُم) في سورة النساء.
...
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ من البناتِ، والمشاركةِ، والاستخفافِ بالرسلِ، وأراذِلِ الأموالِ.
﴿وَتَصِفُ﴾ أي: تقولُ ﴿أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ يعني: الذكورَ من الأولاد، وهو قولُ مجاهدٍ وقَتادةَ، قالَ ابنُ عطية: وهو الأسبقُ من معنى الآية، وقالت فرقة: يريدُ: الجنةَ في المعاد إن كان محمدٌ صادقًا في البعثِ (٢)، ويؤيدُ هذا قولُه:
﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حَقًّا ﴿أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ في الآخرةِ ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ قرأ نافعٌ بكسرِ الراءِ وتخفيفِها؛ من الإفراطِ في المعاصي، وقرأ أبو جعفرٍ بكسرِ الراءِ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٤).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٠٣). وانظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ١٢٧)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٢٠)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٧٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٤١).
النحل 16:63
وتشديدِها معَ فتحِ الفاءِ؛ من التفريطِ في الطاعاتِ، وقرأ الباقون: بفتحِ الراءِ وتخفيفِها؛ أي: مُقَدَّمون إلى النارِ (١).
...
﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما أرسَلْناك إلى هذهِ الأمةِ.
﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الخبيثةَ.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ﴾ ناصرُهم ﴿الْيَوْمَ﴾ أي: يومَ القيامةِ، والألفُ واللامُ فيه للعهدِ؛ أي: هو وليُّهم في اليومِ المشهودِ، وهو وقتُ الحاجة، وهو عاجزٌ عن نصرِ نفسهِ، فكيف ينصرُ غيره؟! وهذهِ حكايةُ حالٍ آتيةٍ؛ أي: في حالِ كونِهم مُعَذَّبين في النارِ.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قرأ أبو عمرٍو (فَهُو ولِيُّهُمْ) بإدغامِ الواوِ في الواو (٢).
...
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٦).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦).
النحل 16:64
[٦٤] ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ﴾ للناسِ.
﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ من الدينِ والأحكامِ.
﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وعطف بالهدى والرحمة على موضع قولِه: (لِتُبيِّنَ)؛ لأن محلَّه النصبُ، ومجازُ الكلامِ: وما أنزلنا عليكَ الكتابَ إلا بيانًا للناس، وهدًى ورحمةً للمؤمنينَ.
...
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطرَ ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يُبْسِها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماعَ تَدَبُّرٍ وإنصافٍ.
...
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ لعظةً ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ قرأ أبو جعفرٍ: (تَسْقِيكُمْ) بالتاء مفتوحةً، والباقون: بالنونِ، وفتحَها نافعٌ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ، وأبو بكرٍ، وضمَّها الباقون (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٧)، وقراءة أبي جعفر ضعيفة، = ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي: بطونِ الأنعامِ؛ لأنه يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ، فمن أَنَّثَ فلمعنى الجمعِ، ومن ذَكَّرَ فلحكمِ اللفظِ.
﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ﴾ هو ما في الكرشِ من السّرجينِ.
﴿وَدَمٍ﴾ المعروفِ، وذلك أن الكرشَ إذا طحنَتِ العلفَ، صارَ أسفلُه فرثًا، وأوسطُه ﴿لَبَنًا خَالِصًا﴾ لا يشوبُه شيءٌ، وأعلاه دمًا، وبينها حاجزٌ من قدرةِ اللهِ تعالى، لا يختلطُ أحدُها بالآخرِ بلونٍ ولا طعمٍ ولا رائحةٍ، معَ شدةِ الاتصال، والكبدُ مسلَّطَةٌ عليها، تقسمِهُا بقدرةِ اللهِ تعالى، فَتُجري الدمَ في العروقِ، واللبنَ في الضَّرْع، ويبقى الفرثُ في الكرشِ، فسبحانَ القادرِ على ما يشاءُ.
﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ سَهْلًا لا يغصُّ بهِ شاربُهُ. قرأ ابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة، بخلافٍ عنه (١)، فيه دليلٌ لمن يقولُ بطهارةِ مَنِيِّ الآدمِيِّ، وإن جرى مجرى البولِ؛ لأنه لا يمتنعُ خروجُه طاهرًا وإن جرى مجرى البول، كما لا يمتنعُ خروجُ اللبنِ من بينِ الفرثِ والدمِ طاهرًا، وهو مذهبُ الشافعيِّ وأحمدَ، وقالَ أبو حنيفةَ ومالكٌ: هو نجسٌ إلَّا أن أبا حنيفة عندَه إِنْ كانَ رَطْبًا غُسِلَ، وإن كان يابِسًا فُرِكَ، وعندَ مالكٍ يُغْسَلُ رَطَبًا ويابِسًا.
...
= كذا في "تفسير القرطبي" (١٠/ ١٢٣).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٦٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٨).
النحل 16:67
﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ﴾ فالكنايةُ في (مِنْهُ) عائدة إلى (ما) محذوفةٍ (١)؛ أي: ما تتَّخِذون منه ﴿سَكَرًا﴾ أي: خَمْرًا، ثم نُسِخَتْ بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ لأنَّ النحلَ مكيةٌ، والمائدةَ مدنيةٌ ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الرُّطَبَ والتمرَ والعنبَ والزبيبَ.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بالتأمُّل في الآياتِ.
...
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أَلْهَمَها، وهو مُذَكَّر، وربما (٢) أُنِّثَ حملًا على المعنى.
﴿أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ تأوينَ إليها.
﴿وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ يَبْنُون لكِ من الأماكن. قرأ ابنُ عامرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (يَعْرُشُونَ) بضمِّ الراء، والباقون: بكسرها (٣).
...
(١) في "ت": "إلى محذوفة".
(٢) في "ت": "مذكور بما".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٨)، والقراءة بخلاف عن عاصم.
النحل 16:69
﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ حُلْوِها وحامِضها ومُرِّها وغيرِ ذلكَ.
﴿فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ﴾ أي: الطرق التي يطلب فيها الرعي. قرأ أبو عمرِو: (سُبُل ربِّكِ) بإدغامِ اللامِ في الراء (١) ﴿ذُلُلًا﴾ منقادةً بالتسخيرِ.
﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا﴾ أفواهِها ﴿شَرَابٌ﴾ هو العسلُ ينزلُ من السماء، فينبتُ في أماكنَ، فيأتي النحلُ فيشربُه، ثم يأتي الخليةَ فيلقيه في الشمعِ المهيأ له، لا كما يتوهَّمُ بعضُ الناسِ أنه من فضلاتِ الغذاءِ، وأنه يستحيلُ في المعدةِ عسلًا.
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾ من أبيضَ وأسودَ وأحمرَ، وغيرِ ذلكَ.
﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ أي: في العسلِ، قاله الجمهورُ، وقيل: في القرآنِ، قال البغويُّ: والأولُ أولى (٢)، ولا يقتضي العمومَ في كل علَّةٍ وفي كلِّ إنسانٍ، بل هو خبرٌ عن أنه يَشْفي كما يَشْفي غيرُه من الأدويةِ في بعضٍ، ورُويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: العَسَلِ وَالْقُرْآنِ" (٣).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيعتبرونَ.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ٢٨٨).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٣).
(٣) رواه ابن ماجه (٣٤٥٢)، كتاب: الطب، باب: العسل، والحاكم في "المستدرك" (٧٤٣٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٩/ ٣٤٤)، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. قال البيهقي: رفعه غير صحيح، والصحيح موقوف؛ رواه وكيع عن سفيان موقوفًا.
النحل 16:70
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ صِبيانًا أو شُبَّانًا أو كُهولًا ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ الهَرَمِ ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ عَلِمَهُ في حالِ شَبيبتِه.
﴿شَيْئًا﴾ أي: إذا علمَ شيئًا اعتراهُ النسيانُ، فيصيرُ بعدَ العلمِ ناسيًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ قرر تعالى علمَه وقدرتَه التي لا تتبدَّلُ ولا تدخلُها الحوادثُ، ولا تتغيرُ.
...
﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ بسطَ على واحدٍ، وضَيَّقَ على آخرَ.
﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١) المعنى: لا يعتقد الموالي أنهم يَرُدُّون شيئًا من الرزقِ على عبيدِهم، وإنما أنا الرادُّ عليهم فهم في الرزق سواء.
﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ بالإشراكِ به. قرأ أبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (تَجْحَدُونَ) بالخطابِ؛ لقوله: {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ
(١) من قوله: "على التأنيث والباقون... " (ص ٢٨) إلى هنا سقط من "ش"، بمقدار لوحتين تقريبًا من النسخ الخطية.
النحل 16:72
عَلَى بَعْضٍ} وقرأ الباقون: بالغيب؛ لقولهِ ﴿فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ (١).
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ من جنسِكم، والمرادُ حواءُ؛ لأنها خُلقت من قصيراءِ آدمَ ﴿أَزْوَاجًا﴾ نساءً.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أعوانًا وخَدمًا، جمعُ حافدٍ، وهو المعينُ المسرعُ في الطاعةِ، غريبًا كانَ أو قريبًا. قرأ أبو عمروٍ، ورويسٌ: (جَعَل لكُمْ) بإدغامِ اللامِ في اللامِ كُلَّ ما في هذهِ السورةِ (٢).
﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالاتِ، ثم وَبَّخهم بقوله: ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ أي: الأصنامِ، وما يُفضي إلى الشرك ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ القرآنِ.
﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ (بِنِعْمَتِ) رُسِمَتْ بالتاءِ، وكذلك في الموضعين بعدَها، وهما: (نِعْمَتَ اللهِ) وقفَ عليها بالهاءِ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ، والكسائيُّ، ويعقوبُ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٩).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، (٢/ ٣٠٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٩).
النحل 16:73
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ يعني: المطرَ ﴿وَالْأَرْضِ﴾ يعني: النباتَ ﴿شَيْئًا﴾ بدلٌ من ﴿رِزْقًا﴾ أي: لا يملكونَ من الرزقِ شيئًا قليلًا ولا كثيرًا، ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلكَ لعجزِهم.
...
﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ لا تُسَوُّوه بخلقِه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ أَنْ لا شبهَ.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
...
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ثم ضربَ اللهُ مثلًا للمؤمنِ والكافرِ، فقالَ تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا﴾ بدلٌ من (مَثَلًا) ﴿مَمْلُوكًا﴾ ليخرجَ منهُ الحر؛ لأن الخلقَ عبيدُ الله ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ ليخرجَ عنهُ المكاتَبَ.
﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ﴾ أي: حُرًّا رزقناه ﴿مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾ يعني: جماعةَ الأحرارِ والعبيدِ، وهذا مثلٌ
النحل 16:76
ضربه الله تعالى للكافرِ، رزقه الله مالًا، فلم يقدِّم فيه خيرًا، والمؤمنِ يعملُ في مالِه بطاعة الله تعالى.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: الثناءُ له، لا يستحقُّه غيرهُ.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: الكفارَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيضيفون نعمَه إلى غيرهِ.
...
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾.
[٧٦] ثم ضربَ مثلًا للأصنام فقالَ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ﴾ أخرسُ.
﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ﴾ عِيالٌ وثِقْلٌ ﴿عَلَى مَوْلَاهُ﴾ مَنْ يلِي أمرَه.
﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ﴾ يُرْسِلْهُ ﴿لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ﴾ لأنه لا يَفْهَمُ، ولا يُفْهَمُ عنه، هذا مثلُ الأصنامِ لا تسمعُ ولا تنطقُ، وهي كَلٌّ على عابدِها، تحتاج إلى حملِها ووضعِها وخدمتِها.
﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وهو اللهُ سبحانه قادرٌ متكلمٌ يأمرُ بالتوحيدِ.
﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يعني: يدلُّكم على صراطٍ مستقيمٍ.
***
النحل 16:77
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٧٧)﴾.
[٧٧] ولما سُئل رسولُ الله - ﷺ - عن الساعة، نزل: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) أي: ما غاب عن العباد.
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ﴾ أي: أمرُ مجيئِها.
﴿إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾ وهو النظرُ بسرعةٍ.
﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ لأنها كائنةٌ لا محالةَ، وكل ما هو آتٍ قريب ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ثم دلَّ على قدرته فقالَ: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ حمزةُ: (إِمِّهَاتِكُمْ) بكسرِ الهمزةِ والميمِ في الوصلِ، والكسائيُّ يكسرُ الهمزةَ في الوصلِ ويفتحُ الميمَ، والباقون: يضمُّونَ الهمزةَ ويفتحون الميمَ في الحالين، والابتداء للجميع بضمِّ الهمزةِ وفتح الميم.
﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ جُهَّالًا ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ المعنى: أوجدَكم ضُلَّالًا ورزقَكم الفهمَ والعلمَ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ اللهِ.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٢٨).
النحل 16:79
﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ قال ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (تَرَوا) بالخطابِ على أنه خطابُ العامةِ، والباقون: بالغيب؛ لقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١).
﴿إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ﴾ مُذَلَّلاتٍ للطيرانِ.
﴿فِي جَوِّ السَّمَاءِ﴾ والجوُّ: مسافةُ ما بينَ السماءِ والأرضِ، وقيل: المتباعدُ من الأرضِ.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الهواءِ.
﴿إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم المنتفعونَ بها.
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ هو ما يُسْكَنُ إليه، ويُنْقَطَعُ فيه.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ قِبابًا وأَخْبِيَةً مُتَّخَذَةً من أَدمَ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في كسرِ الباء من (بِيُوتًا) في سورة البقرة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٠).
النحل 16:81
﴿تَسْتَخِفُّونَهَا﴾ أي: يَخِفَّ عليكم حَمْلُها ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾ رَحِيلكم. قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: بإسكانِ العينِ، والباقون: بفتحِها، وهو أجزلُ اللغتينِ (١).
﴿وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ في بلدِكم لا تثقلُ عليكم في الحالتين.
﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ أي: الضأنِ ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ الإبلِ ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ المَعْزِ.
قرأ أبو عمروٍ، والكسائيُّ من روايةِ الدوريِّ (وَأَوْبِارهَا وَأَشْعَارِهَا) بالإمالة، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، ورُوي عن ورشٍ، وحمزةَ بالإمالةِ بينَ بينَ، وقرأهما الباقون: بالفتح (٢) ﴿أَثَاثًا﴾.
متاعَ البيتِ ﴿وَمَتَاعًا﴾ أي: شيئًا يُنتفَعُ به ﴿إِلَى حِينٍ﴾ إلى الموتِ.
...
﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا﴾ جمعُ ظُلَّةِ وهو ما يُستَظلُّ به.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا﴾ وهو ما يُسْتكنُّ به (٣) من كهوفِ الجبالِ.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (١/ ٦٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩١).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٧ - ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٢).
(٣) "به" ساقطة من "ت".
النحل 16:82
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ قُمُصًا من الكتانِ والقطنِ والصوفِ.
﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكرِ البردَ؛ لدلالتهِ عليه؛ لأنه نقيضُه.
﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ أي: الدروعَ والجواشنَ تدفعُ عنكم ألمَ الحرب والطعنِ والضربِ.
﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾ تُخْلِصون لله.
...
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا، فلا يلحقُكَ في ذلك عَتَبٌ.
﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وقد بَلَّغْتَ.
...
﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ التي عَدَّدَها عليهم.
﴿ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ بعبادةِ غيرِ اللهِ، وقيل: يعرفون نعمةَ اللهِ على محمدٍ - ﷺ - بالنبوةِ، ثم يُنكرونها بتكذيبهِ.
﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ أي: جميعُهم، والكفر: الجحود.
...
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: نبيًّا شهد لهم وعليهم.
النحل 16:85
﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: في الاعتذارِ.
﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ يُطْلَبُ منهم العتبى.
...
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: كفروا ﴿الْعَذَابَ﴾ يعني: جهنمَ.
﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ﴾ العذابُ ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يُمْهَلون.
...
﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يومَ القيامةِ ﴿شُرَكَاءَهُمْ﴾ أوثانَهم التي دَعَوْها شركاءَ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في (رَأَى الذين) في سورةِ الأنعامِ.
﴿قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ﴾ أربابًا، ونعبدُهم، كأنُّهم أرادوا بذلك تذنيبَ المعبودينَ، وإدخالَهم في المعصيةِ.
﴿فَأَلْقَوْا﴾ يعني: الأوثانَ.
﴿إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أجابوهم بقدرةِ اللهِ تعالى.
﴿إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ما كُنَّا ندعوكم إلى عبادتِنا فكأنهم كذَّبوهم في التذنيبِ لهم.
***
النحل 16:87
﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿وَأَلْقَوْا﴾ يعني: المشركينَ.
﴿إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ استسلموا، وانقادوا لحكمِه بعدَ استكبارِهِمْ في الدنيا.
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ضاعَ وبَطَلَ.
﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من أن الآلهةَ تشفعُ لهم.
...
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بمنعِ الناسِ عن الإسلام.
﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ المُعَدِّ لهم منَ النارِ، رُويَ أن اللهَ يُسلِّطُ عليهم حياتٍ لها أنيابٌ كالنخلِ، وعقاربَ كالبِغالِ الدُّهْمِ، ونحوَ ذلك.
﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ في الدنيا بالكفرِ.
...
﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ﴾ يعني: نبيًّا ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ فإنَّ كلَّ نبيٍّ بُعِثَ إلى الأُمَمِ منها.
﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾ يا محمدُ ﴿شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ الذين بُعِثْتَ إليهم.
النحل 16:90
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآنَ ﴿تِبْيَانًا﴾ تِفْعالًا من البيانِ.
﴿لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ يُحتاجُ إليه، وما كانَ فيه مُجْمَلًا، فأنتَ تُفَصله لهم.
﴿وَهُدًى﴾ من الضلالةِ ﴿وَرَحْمَةً﴾ للجميعِ، وإنما حِرمانُ المحرومِ من تفريطِهِ.
﴿وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ بالجنةِ.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ بالتوحيدِ والإنصافِ ﴿وَالْإِحْسَانِ﴾ هو أداءُ الفرائضِ ﴿وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ صلةِ الرَّحِمِ.
﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الزنا والمعاصي ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ الشِّرْكِ، وما لا يُعرفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ ﴿وَالْبَغْيِ﴾ الظلمِ والتجبُّرِ على الناسِ.
﴿يَعِظُكُمْ﴾ بالأمرِ والنهيِ.
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتَّعظونَ، رُويَ أن الوليدَ بنَ المغيرةِ لما سمعَ هذه الآيةَ من النبيِّ - ﷺ - قال: واللهِ إنَّ لهُ لحلاوةً، وإنَّ عليهِ لطلاوةً، وإنَّ أسفلَهُ لَمُغِدقٌ، وإن أعلاهُ لَمثْمِرٌ، وما يقولُ هذا بَشَرٌ (١).
...
﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾.
(١) انظر: "شعب الإيمان" للبيهقي (١٣٤)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٢).
النحل 16:91
[٩١] ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وعهدُ اللهِ: لفظٌ عامٌّ لجميعِ ما يُعْقَدُ باللسانِ، ويلتزمُه الإنسانُ من نفعٍ، أو صلةٍ، أو مواثقةٍ في أمرٍ موافقٍ للديانة.
﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ توثيقِها بذكرِ اللهِ، فتحنثوا فيها.
﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ أي: شاهدًا ورقيبًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ من نقضِ العهدِ والوفاءِ.
...
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٩٢)﴾.
[٩٢] ثم ضربَ لنقضِ العهدِ مثلًا؛ تبشيعًا له، وتحذيرًا منه، فقال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ التي غزلَتْهُ من صوفٍ وغيرِه.
﴿مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ إحكامٍ وبَرْمٍ، فجعلَتْه ﴿أَنْكَاثًا﴾ حالٌ، جمع نكثٍ، وهو ما يُنْكَثُ فتلُه؛ أي: يُنقَضُ، والمرادُ به: تشبيهُ الناقضِ بمن هذا شأنُه، ورُويَ أنَّ امرأةً من قريشٍ يقالُ لها: ريطَةُ بنتُ سعدِ بنِ تيم كانَتْ حمقاءَ، وكانَتْ هي وجواريها يَغْزِلْنَ من أولِ النهار إلى الظهرِ، ثم ينقضْنَ ما غزلْنَ (١).
﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ أي: دَغَلًا وخِيانَةً بينكم بسببِ.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٣)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٥٨٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٦٢).
النحل 16:93
﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ﴾ جماعةٌ ﴿هِيَ أَرْبَى﴾ أي: أكثرَ عددًا.
﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ من الجماعة التي حالفتموها، وهذا نهيٌ لمن يحالفُ قومًا، فإنْ وجدَ أيسرَ منهم وأكثرَ ذهبَ إليهم، وتركَ مَنْ (١) حالفَ.
﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾ أي: يختبرُكم.
﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا؛ من نقضِ العهودِ وغيرِها.
...
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على ملَّةِ الإسلامِ ﴿وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ بخذلانِهِ عَدْلًا ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ بتوفيقِهِ فَضْلًا.
﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وهذا سؤالُ توبيخٍ، ليس ثَمَّ سؤالُ تَفَهُّم.
...
﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٩٤)﴾.
[٩٤] ثم كررَ النهيَ تأكيدًا وإنذارًا فقال: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ فتغرُّونَ بها الناسَ فيسكنونَ إلى إيمانِكم، ويأمنون، ثم تنقضونها ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ﴾ أي: قدمُكم.
(١) في "ت": "ما".
النحل 16:95
﴿بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ استقامتِها على الإيمانِ، يقالُ لكل مُبْتَلًى بعدَ عافيةٍ: زَلَّتْ قدمُه.
﴿وَتَذُوقُوا السُّوءَ﴾ العقوبةَ في الدنيا ﴿بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بصدودِكم عن الوفاءِ إذا نقضْتُم، استنَّ بكم غيرُكم.
﴿وَلَكُمْ﴾ في الآخرةِ ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
...
﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩٥)﴾.
[٩٥] ونزلَ فيمَنْ نقضَ العهدَ لينالَ شيئًا من حُطامِ الدنيا: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا﴾ عَرَضًا ﴿قَلِيلًا﴾ من الدنيا ﴿إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثوابِ.
﴿هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من المال ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضلَ ما بينَ العِوَضَيْنِ.
...
﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿مَا عِنْدَكُمْ﴾ من حُطامِ الدنيا ﴿يَنْفَدُ﴾ يفنى (١).
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ دائمٌ. رويَ عن قنبلٍ، ويعقوبَ: الوقفُ بالياءِ على (بَاقِي) و (مُفْتَرِي) (٢).
(١) "يفنى" ساقطة من "ش".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٥).
النحل 16:97
﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو جعفرٍ، وعاصمٌ: (وَلَنَجْزِيَنَّ) بالنون، والباقون: بالياء، واختلِفَ عن ابن ذكوان (١).
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الوفاءِ في السراءِ والضراءِ.
﴿أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الطاعاتِ دونَ سواها، ويغفرُ سيئاتِهم بفضلِه، قالَ - ﷺ -: "مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ، أَضرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرَتَهُ، أَضرَّ بِدُنْيَاهُ، فآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى ما يَفْنَى" (٢).
...
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ﴾ في الدنيا ﴿حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هي الرزقُ الحلالُ.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهذا وعدٌ بنعيمِ الآخرةِ. واتفقَ القراءُ على النونِ في (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ) لأجلِ (فَلَنُحْيِيَنَّهُ) قبلَه.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٥).
(٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٤١٢)، وعبد بن حميد في "مسنده" (٥٦٨)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٠٩)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٥٣)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٤١٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٦٣٠٨)، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-.
النحل 16:98
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ﴾ أي: إذا أردتَ أن تقرأَ ﴿الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ تقدَّمَ الكلامُ في أولِ التفسيرِ على الاستعاذةِ وتفسيرِها ومذاهبِ الأئمةِ والقراءِ فيها مستوفىً في فصلِ الاستعاذةِ.
...
﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾.
[٩٩] ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ تسلُّط.
﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فإنَّهم لا يُطيعون أوامرَه، ولا يَقبلون وساوسَهُ إلا فيما يحتقرون على نُدورٍ وغَفْلَةٍ.
...
﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ يُطيعونه.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ أي: باللهِ ﴿مُشْرِكُونَ﴾ وقيل: الكنايةُ راجعةٌ على الشيطان؛ أي: والذينَ هم بسببهِ مشركونَ بالله.
...
﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.
[١٠١] ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ أي: نَسَخْنا آيةً بآيةٍ مصلحةً للعبادِ.
النحل 16:102
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ مما هو أصلحُ لخلقِه فيما يُغَيِّرُ ويُبَدِّلُ من أحكامِه. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمروٍ: (يُنْزِلُ) بالتخفيف، والباقون: بفتحِ النونِ والتشديدِ (١).
﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ﴾ يا محمدُ ﴿مُفْتَرٍ﴾ مُخْتَلِقٌ ذلكَ من تلقاءِ نفسِك.
وتقدَّم ما رُوي عن قنبلٍ ويعقوبَ في (مُفْتَرٍ) عندَ (بَاقٍ).
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ حكمةَ الأحكامِ وبيان الناسخِ من المنسوخ، وعَبَّرَ بالأكثرِ مراعاةً لما كانَ عند قليلٍ منهم من توقُّفٍ وقلةِ مبالغةٍ في التكذيبِ والظنِّ.
...
﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿قُلْ﴾ رَدًّا عليهم: ﴿نَزَّلَهُ﴾ أي القرآنَ ﴿رُوحُ الْقُدُسِ﴾ هو جبريلُ عليه السلام. قرأ ابنُ كثير: (الْقُدْسِ) بإسكانِ الدالِ، والباقونَ: بضمِّها (٢).
﴿مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدقِ ﴿لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالناسخِ، ويعلمون صدقَ ذلكَ.
﴿وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ المنقادينَ لحكمِه.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).
النحل 16:103
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] قال ابنُ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما: كانَ رسولُ الله - ﷺ - يعلِّمُ قَيْنًا بمكةَ اسمُه بلعامُ وكان نصرانيًّا أعجميَّ اللسانِ، فكانَ المشركون يرونَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يدخلُ عليه ويخرجُ، فقالوا: إنما يعلِّمُه بلعامُ، فنزل تكذيبًا لهم وتهديدًا: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ (١) آدميٌّ، ثم أبطلَ قولَهم بقوله:
﴿لِسَانُ﴾ أي: لغةُ ﴿الَّذِي يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ألسنتَهم ﴿إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ هو الذي لا يُفْصِحُ، وإن كانَ عربيًّا، والأعجميُّ: المنسوبُ إلى العجمِ وإنْ كانَ فَصيحًا، والأعرابيُّ: البدويُّ، والعربيُّ: منسوبٌ إلى العربِ وإنْ لم يكنْ فصيحًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء من لَحَدَ، والباقون: بضمِّ الياءِ وكسرِ الحاءِ من أَلْحَدَ (٢).
﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن هو ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ فصيحٌ، المعنى: لسانُ الذي يُشيرونَ إليه أنه يعلِّمُ محمدًا - ﷺ - فيه عُجْمَةٌ، والقرآنُ ذو بيانٍ وفصاحةٍ، فكيفَ يصدرُ عن أعجميٍّ؟!
...
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٤/ ١٧٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٦٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٦).
النحل 16:104
﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ثم تهدَّدَهم بقولهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لا يصدِّقون أنها من عندِ الله.
﴿لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ﴾ لا يرشدُهم ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ.
...
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ثم أخبرَ تعالى أنَّ الكفارَ هم المفترونَ فقالَ: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ﴾ إشارةٌ إلى قريشٍ ﴿هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ على الحقيقةِ، لأن تكذيبَ الآياتِ والطعنَ فيها بهذهِ الخرافاتِ أعظمُ الكذبِ.
...
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] رُوِيَ أنَّ عمارَ بنَ ياسرٍ سَبَّ النبيَّ - ﷺ - عندَ المشرِكينَ مُكْرَهًا، فقالَ المسلمونَ: قد كفرَ عمارٌ، فقالَ - ﷺ -: "كَلَّا، إِنَّ عَمَّارًا قَدْ مُلِئ إِيمانًا مِنْ قَرْنِهِ إِلىَ قَدَمِهِ، وَاخْتَلَطَ الإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَدَمِه"، فأتى عمارٌ رسولَ الله - ﷺ - فقال: نلتُ منكَ يا رسولَ الله، قالَ: "كَيْفَ وَجَدْتَ قَلْبَكَ؟ " قال: مطمئنًا،
النحل 16:107
فجعلَ النبيُّ - ﷺ - يمسحُ عيني عمارٍ ويقول: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ"، فنزلَ فيه وفيمن جرى مجراه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ (١) على كلمةِ الكفر استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكفرَ يطلق على القولِ والاعتقادِ.
﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لم تتغيرْ عقيدتهُ، لا يدخلُ في هذا الحكمِ.
﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: طابَ بهِ نفسًا.
﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ إذ لا أعظمَ من جرمِهِ.
واتفقَ الأئمةُ على أنَّ من أُكرِهَ على كلمةِ الكفر، يجوزُ له أن يقولَ بلسانه، وإذا قالَ غيرَ معتقدٍ بقلبِه، لا يكفرُ، وإن أَبى حتى يُقتل كانَ أفضلَ.
واختلفوا في طلاقِ المُكْرَهِ، فأجازه أبو حنيفةَ، وأبطَلَهُ الثلاثةُ، وأما المكره بحقٍّ، فهو مكلَّفٌ بالاتفاق.
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ﴿ذَلِكَ﴾ الوعيدُ ﴿بِأَنَّهُمُ﴾ الضميرُ لمن شرحَ بالكفرِ صدرًا.
﴿اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ بسببِ أنهم آثَروها عليها.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ لا يعصمُهم عن الزَّيْغِ.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٣٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ١٧٢).
النحل 16:108
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ فصرَفَهم عن طريقِ الهدى، وسَدَّ طرقَ هذهِ الحواسِّ حتى لا ينتفعَ بها في اعتبارٍ ولا تأملٍ.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ عما يراد بهم.
...
﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ﴿لَا جَرَمَ﴾ تقدَّمَ تفسيرهُ ومذهبُ حمزةَ فيه.
﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ المغبونون.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا﴾ قرأ ابنُ عامرٍ: (فَتَنُوا) بفتحِ الفاءِ والتاءِ، يعني: مَنْ أسلمَ من المشركينَ الذين فَتَنوا المسلمينَ. وقرأ الباقون: بضمِّ الفاءِ وكسرِ التاء (١)، يعني: الذين فُتِنوا: عُذِّبوا ومُنِعوا من الإسلامِ، فَتَنَهم المشركون.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٧).
النحل 16:111
﴿ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا﴾ على الهجرةِ والجهادِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: الفتنةِ والغفلةِ.
﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل: نزلَتْ في عبدِ الله بنِ أبي سَرْحِ حينَ ارتدَّ، ثم أسلمَ وحَسُنَ إسلامُه.
...
﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿يَوْمَ تَأْتِي﴾ المعنى: لغفورٌ رحيمٌ يوم تأتي ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: ذو نَفْسٍ ﴿تُجَادِلُ﴾ تُحاجُّ.
﴿عَنْ نَفْسِهَا﴾ فالنفسُ الأولى هي المعروفةُ، والثانيةُ بمعنى الذاتِ؛ كما تقولُ: نفسُ الشيءِ وعينُه؛ أي: ذاتُه، المعنى: يومَ يأتي كلُّ إنسانٍ يُجادِلُ عن ذاتِه، لا فكرهَ له بغيرِه.
﴿وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ جزاءَ.
﴿مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا ينقصون أجورَهم.
...
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾.
[١١٢] ثم ضربَ مثلًا بمن أنعمَ عليه فلم يَشْكُرْ، وأبطرَتْه النعمةُ فكفرَ، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ هي مكةُ ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ لا يُهاجُ أهلُها،
النحل 16:113
ولا يُغارُ عليها ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾ لا ينتقلون منها إلى غيرِها؛ لحسنِها.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا﴾ واسعًا ﴿مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ يُحْمَلُ إليها من البَرِّ والبحرِ.
﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ جمعُ نعمةٍ، رُويَ أن أهلَها كانوا يستنجون بالخبزِ.
﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ﴾ أي: أهلَها ﴿لِبَاسَ الْجُوعِ﴾ أي: ابتلاهم به حتى أكلوا الجِيَفَ والكلابَ الميتةَ، حتى كانَ أحدُهم ينظرُ إلى السماءِ فيرى شبهَ الدخانِ من الجوع.
﴿وَالْخَوْفِ﴾ بِشَنِّ الغاراتِ عليهم من بُعوثِ النبيِّ - ﷺ - وسراياه التي كانت تُطيفُ بهم.
﴿بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ولما كانَ الخوفُ يَتَغَشَّاهم من كلِّ جانبٍ تغشِّيَ الثوبِ للَّابسِ، استعارَ اللباسَ له، فكأنَّ اللباسَ قد صارَ جوعًا وخوفًا؛ كأنه قال: فأذاقَهم الله (١) ما يتغشَّاهم من الجوعِ والخوفِ.
...
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.
[١١٣] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ يعني: أهلَ مكةَ.
﴿رَسُولٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في حالِ ظلمِهم.
(١) لفظ الجلالة "الله" زيادة من "ت".
النحل 16:114
﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤)﴾.
[١١٤] ﴿فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أَمَرَهم بأكلِ ما أحلَّ اللهُ لهم، وشكرِ ما أنعمَ عليهم بعدَما زجرَهم على الكفرِ، وهَدَّدَهم عليه بما ذكرَ من التمثيلِ والعذابِ الذي حلَّ بهم؛ صَدًّا لهم عن صنيعِ الجاهليةِ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ تُطيعونَ.
...
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾.
[١١٥] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تقدَّمَ تفسيرُ نظيرِها، ومذاهبُ القراءِ فيها، واختلافُ الأئمةِ في حكمِها في سورةِ البقرة.
...
﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾.
[١١٦] ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ﴾ أي: تنعَتُ ﴿أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ إشارة إلى ما تقدَّمَ من السائبةِ والوصيلةِ والحامِ، المعنى: لا تُحِلُّوا حرامًا، ولا تحرِّموا حلالًا؛ لتفتروا على اللهِ الكذبَ فتقولوا: إن الله أمرنا بها.
النحل 16:117
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ لا يبلغون الأملَ.
...
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.
[١١٧] ﴿مَتَاعٌ﴾ أي: بقاؤهم فيها متاعٌ.
﴿قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرةِ.
...
﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾.
[١١٨] ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو ما ذُكر في سورةِ الأنعامِ، وهو كل ذي ظُفُرٍ ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بالتحريمِ.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالمعاصي.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩)﴾.
[١١٩] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ أي: بسببِها.
﴿ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ والإصلاحُ: الاستقامةُ على التوبةِ.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا﴾ أي: بعدَ التوبةِ.
﴿لَغَفُورٌ﴾ لذلك السوءِ ﴿رَحِيمٌ﴾ يُثيب على الإنابةِ.
***
النحل 16:120
﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠)﴾.
[١٢٠] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (إبراهام) بالألفِ في هذا الحرف والآتي (١).
﴿كَانَ﴾ وَحْدَهُ ﴿أُمَّةً﴾ من الأممِ؛ لكمالِه في جميعِ صفاتِ الخير ﴿قَانِتًا﴾ مُطيعًا.
﴿لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ مائِلًا عن الباطلِ.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ كما زعموا؛ فإن قريشًا كانوا يزعمونَ أنهم (٢) على مِلَّتِهِ.
...
﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾
[١٢١] ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ﴾ رُوي أنه كانَ لا يأكلُ إلَّا مع ضيفٍ، فجاءه فوجٌ من الملائكةِ في زِيِّ البشر، فقدَّم لهم الطعامَ، فخيلوا إليه أنَّ بهم جُذامًا، فقالَ: الآنَ وجبتْ مؤاكَلَتُكُمْ شكرًا لله على أنْ عافاني وابتلاكم.
﴿اجْتَبَاهُ﴾ اختارَهُ للنبوةِ ﴿وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دينِ الإسلام.
...
﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.
[١٢٢] ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ هي التنويهُ بذكرِه حتى ليسَ من أهلِ
(١) كما تقدم عنه. وانظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٩٩).
(٢) "أنهم" ساقطة من "ت".
النحل 16:123
دينٍ إلا وهم يتولَّوْنَهُ ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أهلِ الجنة.
...
﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾.
[١٢٣] ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ يا محمدُ.
﴿أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بلْ كان قدوةً للموحِّدين.
...
﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٢٤)﴾.
[١٢٤] ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ﴾ تقدَّمَ تفسيرُه، وحكمُ طلبِ القاضي لليهوديِّ في يوم السبتِ في سورةِ البقرةِ، ونُبِّهَ عليه في الأعراف؛ أي: جُعِلَ تعظيمُه والتخلِّي فيه للعبادةِ.
﴿عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي: على نبيِّهم، وهم اليهودُ، أمرهم موسى عليه السلام أن يتفرغوا للعبادةِ يومَ الجمعة، فأبوا وقالوا: نريدُ يومَ السبت؛ لأنه تعالى فرغَ فيه من خلقِ السمواتِ والأرضِ، فألزمَهم اللهُ السبتَ، وشَدَّدَ الأمرَ عليهم، وقيل: معناه: إنما جُعِلَ وبالُ السبتِ، وهو المسخُ، على المختلفين فيه بتحليلِ الصيدِ تارةً، وتحريمه أُخرى، وتقدَّمَ ذكرُ القصةِ في سورةِ البقرةِ.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمجازاةِ على الاختلاف بما يستحقُّه كلُّ فريقٍ.
النحل 16:125
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾.
[١٢٥] ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ أي: الإسلام. قرأ أبو عمرٍو: (سَبِيل ربِّكَ) بإدغام اللامِ في الراءِ (١).
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ بالمقالةِ المحكمةِ ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ التلطُّفِ من غيرِ تعنيفٍ، قالَ - ﷺ -: "أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولهِمْ" (٢).
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بالرفقِ واللينِ ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ وهو المجازي لهم، وهذا منسوخٌ بآيةِ السيف.
...
﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.
[١٢٦] ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ لما مَثَّلَ المشركون بحمزةَ رضي الله عنه يومَ أُحُدٍ، قال النبيُّ - ﷺ -: "وَاللهِ لئن أَظْفَرَنِي اللهُ بِهِمْ لأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنْهُمْ"، فنزلت، وهو إشارةٌ إلى وجوب التقاصُصِ على السَّواءِ.
﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ على تركِ القِصاصِ ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ معناهُ:
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٠).
(٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (١٦١١)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
وسنده ضعيف جدًّا، كما نقل العجلوني في "كشف الخفاء" (١/ ٢٢٦) عن السخاوي والسيوطي وغيرهما.
النحل 16:127
العفوُ خيرٌ من الانتقام، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "بَلْ أَصْبِرُ"، وَأَمسكَ عما أرادَ، وكَفَّرَ عن يمينه (١).
...
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (١٢٧)﴾.
[١٢٧] ثم صَرَّحَ بالأمرِ بالصبرِ، فقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: بمعونتِهِ وتثبيتِهِ ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ إنْ لم يؤمنوا.
﴿وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ: (ضِيقٍ) بكسر الضادِ؛ أي: شِدَّة، وقرأ الباقون: بالفتحِ؛ أي: غَمٍّ (٢).
...
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.
[١٢٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ المعاصيَ.
﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ في العملِ، والله أعلم.
...
(١) انظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد (٣/ ١٣)، و"شرح معاني الآثار" للطحاوي (٣/ ١٨٣)، و"المعجم الكبير" للطبراني (٢٩٣٧)، و"المستدرك" للحاكم (٤٨٩٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦١) وما بعدها، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٢٥٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٠ - ٣٠١).