فتح الرحمن في تفسير القرآن — الإسراء 17:1 – مريم 19:96
المحتويات
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:19
- الإسراء 17:22
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:77
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:92
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:98
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:1
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:7
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:13
- الكهف 18:14
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:25
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:38
- الكهف 18:40
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:58
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:70
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:75
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:80
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:89
- الكهف 18:91
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:103
- الكهف 18:105
- الكهف 18:107
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:5
- مريم 19:7
- مريم 19:9
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:15
- مريم 19:17
- مريم 19:20
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:30
- مريم 19:32
- مريم 19:35
- مريم 19:36
- مريم 19:38
- مريم 19:41
- مريم 19:43
- مريم 19:46
- مريم 19:49
- مريم 19:52
- مريم 19:54
- مريم 19:56
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:61
- مريم 19:64
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:71
- مريم 19:73
- مريم 19:75
- مريم 19:77
- مريم 19:79
- مريم 19:83
- مريم 19:87
- مريم 19:91
- مريم 19:94
- مريم 19:96
الإسراء 17:1
سُوْرَةُ الإسْراءِ
مكيةٌ إلا قولَه: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى آخرِ ثماني آياتٍ، قدرُ آيها مئةٌ وإحدى عشرةَ آيةً، وحروفُها ستةُ آلافٍ وأربعُ مئةٍ وستونَ حرفًا، وكَلِمُها ألفٌ وخمسُ مئةٍ وثلاثٌ وثلاثونَ كلمةً.
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾.
[١] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ (سُبْحَانَ) تنزيهُ اللهِ من كلِّ سوءٍ، ووصفُه بالبراءةِ من كلِّ نقصٍ، وتكونُ (سُبْحَانَ) بمعنى التعجُّبِ، (أَسْرَى)؛ أي: سَيَّرَهُ، و (العبدُ) هو محمدٌ - ﷺ -، لم يختلفْ في ذلكَ أحدٌ من الأمة، و (ليلًا) نصبٌ على الظرف.
﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ هو المسجدُ المحيطُ بالكعبةِ، وقيلَ: من بيتِ أُمِّ هانِئ من الحرم، قالَ ابنُ عباسٍ: "الحرمُ كلُّهُ مسجِدٌ" (١).
﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ هو مسجدُ بيتِ المقدسِ، وبينَهما مسيرةُ شهرٍ،
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢)، و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٣٤٧). وسُمِّيَ الأقصى، لبعدِ المسافةِ بينَهُ وبينَ المسجدِ الحرامِ، وقيل: كانَ هذا أبعدَ مسجدٍ عن أهلِ (١) مكةَ في الأرض يُعَظَّمُ بالزيارةِ، وقيل: لبعدِه عن الأقذارِ والخبائثِ، ورُوي أنه سُمِّيَ الأقصى؛ لأنه وسطُ الدنيا لا يزيدُ شيئًا ولا ينقُصُ.
﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ والبركةُ حولَه من جهتين: إحداهُما: بالنبوةِ والشرائعِ والرسلِ الذين كانوا في ذلك القطرِ في نواحيهِ وبواديه، والأخرى: النِّعَمُ من الأشجارِ والمياهِ والأرضِ المفيدةِ التي خَصَّ اللهُ الشامَ بها، وعنه - ﷺ - أنه قال: "إِنَّ اللهَ بَارَكَ فِيمَا بَيْنَ الْعَرِيشِ إِلَى الفُراتِ" (٢)، وخصَّ فلسطينَ بالتقديسِ، ولو لم يكنْ له من الفضيلةِ غيرُ هذهِ الآيةِ، لكانَتْ كافيةً فيه؛ لأنه إذا بورِكَ حولَهُ، فالبركَةُ فيه مضاعَفَةٌ.
﴿لِنُرِيَهُ﴾ أي: محمدًا - ﷺ - بعينِه ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في السمواتِ والملائكةِ والجنةِ والنارِ، ولقيا الأنبياءِ، وغيرِ ذلكَ مما رآه تلكَ الليلةَ من العجائبِ، وذهابِه ورجوعِه في جزءٍ من ليلةٍ.
﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لِما تقولون ﴿الْبَصِيرُ﴾ بأفعالِكم، وعيدٌ من اللهِ للكفارِ على تكذيبِهم محمدًا - ﷺ - في أمرِ الإسراءِ.
وأما قصةُ الإسراءِ، فملَخَّصُها: أن الله سبحانه وتعالى بعثَ رسوله - ﷺ -، وأنزلَ عليهِ الوحيَ، وأمرهُ بإظهارِ دينهِ، وأَيَّدَهُ بالمعجزاتِ الظاهرةِ، والآياتِ الباهِرَةِ، أسرى به ليلًا من المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصى، وهو بيتُ المقدسِ من إيليا، وقد فشا الإسلامُ في قريشٍ وفي
(١) في "ش": "لأهل".
(٢) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (١/ ١٤١)، (١/ ١٤٩ - ١٥٠). القبائلِ كلِّها، وكانَ الإسراءُ ليلةَ سبعَ عشرةَ من ربيعٍ الأولِ قبلَ الهجرةِ بسنةٍ.
وقال ابن الجوزيِّ: وقد قيلَ: كانَ في ليلةِ سبعٍ وعشرينَ من شهرِ رجبٍ.
وقيل: في شهرِ رمضانَ، والنبيُّ - ﷺ - ابنُ إحدى وخمسينَ سنةً وتسعةِ أشهرٍ وثمانيةٍ وعشرين يومًا.
واختلِفَ في الإسراءِ برسولِ الله - ﷺ -، فقيل: إنما كانَ جميعُ ذلكَ في المنام، والحقُّ الذي عليه أكثرُ الناسِ ومعظمُ السَّلَفِ، وعامةُ المتأخرين من الفقهاءِ والمحدِّثينَ والمتكلِّمين أنه أُسري بجسدِهِ - ﷺ - يقظةً؛ لأَن قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] تدلُّ على ذلك، ولو كانت رؤيا نومٍ، ما افتتنَ بها الناسُ حتى ارتدَّ كثيرٌ ممن كانَ أسلمَ، وقالَ الكفارُ: يزعمُ محمدٌ أنه أَتى بيتَ المقدسِ ورجعَ إلى مكةَ في ليلةٍ واحدةٍ، والعيرُ تطردُ إليه شهرًا مدبرةً، وشهرًا مقبلةً، ولو كانت رؤيا نوم، لم يُستبعَدْ ذلك منه.
قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: "هي رُؤْيا عينٍ رآها النبيُّ - ﷺ - لا رُؤْيا مَنامٍ" (١)، قالَ الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] أضافَ الأمرَ للبصرِ، وقوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]؛ أي: لم يُوهِمِ القلبُ العينَ غيرَ الحقيقة، بل صدق رُؤْيتَها.
واختلفَ السلفُ والخلفُ هل رأى نبيُّنا - ﷺ - ربَّهُ ليلةَ الإسراءِ؟ فأنكرته
(١) رواه البخاري (٣٦٧٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: المعراج. عائشةُ رضي الله عنها، ورُوي عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما قال: "رآهُ بعينِهِ" (١)، ومثلُه عن أبي ذَرٍّ، وكعبٍ، والحسنِ، وكان يحلفُ على ذلكَ، وحُكِيَ مثله عن ابنِ مسعودٍ، وأبي هريرةَ، والإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رضي الله عنه، وحَكَى النقاشُ عن الإمامِ أحمدَ أنه قالَ: "أَنا أقولُ بحديثِ ابنِ عباسٍ: "بعينه رآه" رآه، حتى انقطعَ نَفَسُ الإمامِ أحمدَ" (٢)، وعنِ ابنِ عباسٍ: أنه قال: "إِنَّ اللهَ اختصَّ موسى بالكلامِ، وإبراهيمَ بالخُلَّةِ، ومحمدًا بالرُّؤْية" (٣)، وحجتُه قولُه: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣].
واختلفوا في أنَّ نبينا - ﷺ - هل كَلَّمَ ربَّه عز وجل ليلةَ الإسراءِ؟ فذكِرَ عن جعفرٍ بنِ محمدٍ الصادقِ أنه قال: "أُوحِيَ إِلَيْه بِلا واسِطَةٍ"، وإلى هذا ذهبَ بعضُ المتكلِّمينَ أن محمدًا كلَّمَ ربَّهُ ليلةَ الإسراءِ، وحكوه عن ابنِ عباس، وابنِ مسعود.
واختلِفَ في المكانِ الذي أُسري به منه، فروي عنه - ﷺ -: أنه قالَ: "بَيْنَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعٌ، ومنهم من قال: بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ" (٤)، وفي رواية أنه قال: "بَيْنَا أَنا نَائِمٌ فِي بَيْتِ أُمِّ هَانِئ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ" والذي رجَّحه الطبريُّ أنه من المسجدِ المحيطِ بالكعبةِ، قالَ:
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٧٠).
(٢) انظر: "عمدة القاري" للعيني (١٥/ ١٤٤).
(٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٩١٤)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٩٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦١/ ١٠٤).
(٤) رواه البخاري (٣٦٧٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: المعراج، عن مالك بن صعصعة -رضي الله عنه-. وهذا الذي يُعرف إذا ذكرَ هذا الاسمُ (١)، وكانت ليلةَ الاثنين "إِذْ هَبَطَ عَلَيَّ الأَمِينُ جِبْرِيلُ عليه السلام" وَذَكَرَ القصةَ.
وكان من حديثِ المعراجِ الشريفِ ما رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: "أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ قال: فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتيتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الأَنِبْيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَصلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ"، وفي روايةٍ: "فَلَمَّا دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، إِذَا أَنَا بِالأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَدْ حُشِرُوا إِلَيَّ مِنْ قُبُورِهِمْ، وَمَثَلُوا لي (٢)، وَقَدْ قَعَدُوا صُفُوفًا صُفُوفًا يَنْتَظِرُونِي، فَسَلَّمُوا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: إِخْوَانُكَ الأَنْبيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ للهِ شَرِيكًا، وَزَعَمَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَنَّ للهِ وَلَدًا، اسْأَلْ هَؤُلاَءِ النَّبِيِّينَ هَلْ كَانَ للهِ عز وجل شَرِيكٌ؟ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥]، فَلَمْ يشْكُكْ - ﷺ -، وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ، وَكَانَ أَثْبَتَ يَقِينًا مِنْ ذَلِكَ".
قالَ أبو القاسمِ الحسنُ بنُ محمدِ بنِ حبيبٍ المفسِّرُ في "كتاب التنزيل" له: أن هذهِ الآيةَ أُنزلت على النبيِّ - ﷺ - ببيتِ المقدسِ ليلةَ أُسريَ به، وقد عدَّها غيرُه من العلماء في الشاميِّ، والذي قالَه أبو القاسم أخصُّ مما ذكروه.
وقال جماعةٌ من المفسِّرينَ: فلما أُنزلت، وسمعَها الأنبياءُ عليهم السلام، أقروا لله عز وجل.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٥).
(٢) في "ت": "إِليَّ". قال - ﷺ -: "ثُمَّ جَمَعَهُمْ جِبْرِيلُ عليه السلام، وَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، قال - ﷺ -: ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قيلَ: مَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِآدَمَ - ﷺ -، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ، فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا بِابْنَيِ الْخَالَةِ عِيسىَ ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيّا صَلَّى اللهُ عَلَيْهمَا، فَرَحَّبَا بِي، وَدَعَوا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فذكرَ مثلَ الأولِ فَفُتِحَ لَنَا، فَإذَا أَنَا بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَذَكَرَ مِثْلَهَا، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ عليه السلام، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ فذكرَ مثلَه، فإِذَا أَنَا بِهَارُونَ عليه السلام، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فذكرَ مثلَه، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى، فَرَحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ، ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَذَكَرَ مثلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لاَ يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذُهِبَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلاَلِ، قالَ: فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ، تغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: ما فَرَضَ رَبُّك عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ، قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّي قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ، قالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لاَ يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قالَ: فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي تَعَالَى وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلاَةٍ عَشْر، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلاَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، قالَ: فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ قال: فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتَ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ (١) وفي رواية: يَا مُوسَى! قد وَاللهِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي مِمَّا أَخْتَلِفُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَاهْبِطْ بِاسْمِ اللهِ (٢)، قال - ﷺ -: ثُمَّ حَمَلَنِي حَتَّى أَنْزَلَنِي عَلَى جَبَلِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِذَا أَنَا بِالْبُرَاقِ وَاقِفٌ عَلَى حَالِهِ فِي مُوْضِعِهِ، فَسَمَّيْتُ اللهَ، وَاسْتَوَيْتُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَمَا كَانَ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ أَشْرَفْتُ عَلَى مَكَّةَ وَمَعِي جِبْرِيلُ، قال - ﷺ -: لَمَّا كَانَتْ صَبِيحَةُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، أَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ مُتَحَيِّرًا فِي أَمْرِي، وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّاسَ يُكَذِّبُوبي، فَعُدْتُ مُعْتَزِلًا حَزِينًا إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، فَمَرَّ بِي أَبُو جَهْلٍ عَدُوُّ اللهِ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ
(١) رواه مسلم (١٦٢)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
(٢) رواه البخاري (٧٠٧٩)، كتاب: التوحيد، باب: قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. إِلَيَّ، فَقَالَ لِي كَالْمُسْتَهْزِئِ: هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ يَا مُحَمَّدُ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قُلْتُ: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟ قُلْتُ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيشٍ! يَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! هَلُمُّوا، فَانْتَقَضَتِ الْمَجَالِسُ، وَجَاؤُوا حَتَى جَلَسُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: حَدِّثْ قَوْمَكَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا حَدَّثْتَنِي، فَقَالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ، قَالُوا: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؟! قَالَ: نَعَمْ، فَبَقِيَ مِنْهُمُ الْمُتَعَجِّبُ، وَمِنْهُمُ الْمُصَفِّقُ، وَمِنْهُمُ الْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَى أُمِّ رَأْسِهِ، ثمَّ قَالُوا: هَلْ تستَطِيعُ أَنْ تنعَتَ لَنَا الْمَسْجِدَ؟ قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنْعَتُهُ حَتَّى الْتبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ؛ لِكَوْنِي دَخَلْتُهُ لَيْلًا، فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، قالَ - ﷺ -: وَآيَةُ ذَلِكَ أَنني مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ بِوَادي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابّةِ، فَنَدَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ وَأَنَا مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الشَّامِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِضُجْنَانَ مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلانٍ، فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتَ مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَإِنَّ عِيرَهُمُ الآنَ تُصَوِّبُ مِنَ الْبَيْضَاءِ ثنَيَّةِ التَّنْعِيمِ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ، إِحْدَاهُما سَوْدَاءُ، وَالأُخْرَى بَرْقَاءُ، فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثَّنِيَّةَ، فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوَّلًا إِلَّا الْجَمَلُ الَّذِي وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنِ الإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً، ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمُ افْتَقَدُوهُ مِنَ الَّليْلِ فَوَجَدُوهُ كَمَا غَطَّوْهُ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً، وَسَأَلُوا الْقَوْمَ الَّذِينَ نَدَّ لَهُمُ الْبَعِيرُ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاللهِ، لَقَدْ نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ بِالْوَادِي الَّذِي ذَكَرَهُ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إِلَيْهِ، وَإِنَّهُ لأَشْبَهُ الأَصْوَاتِ بِصَوتِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، فَجِئْنَا حَتَّى أَخَذْنَاهُ، وفي رواية: ومَرَرْتُ بِعِيرِكُمْ بِالتَّنْعِيمَ يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ تَطْلُعُ عَلَيْكُمْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَخَرَجُوا إِلَى الثَّنِيَّةِ وَجَلَسُوا يَنْتَظِرُونَ طُلُوعَ الشَّمْسِ لِيُكَذِّبُوهُ إِذْ قَالَ قَائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ طَلَعَتْ، قالَ آخرُ: هذهِ العيرُ قدْ أقبلَتْ يقدُمُها بعيرٌ أورقُ كما قالَ، فقالوا: إنْ هَذَا إلَّا سحرٌ مبينٌ (١)، فحينئذٍ آمَنَ من آمنَ، وكفرَ مَنْ كفرَ، وذهبَ الناسُ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه، فقالوا: هلَ لكَ يا أبا بكرٍ في صاحبِكِ أنَّه يزعُمُ أنه قد جاءَ الليلةَ بيتَ المقدسِ، وصلَّى فيهِ ورجعَ إلى مكةَ، فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه: "واللهِ لئنْ كان قالَ، لقد صدقَ، فما يُعْجِبُكم من ذلك؟ فو اللهِ إِنَّه لَيُخْبِرُنا عنِ الوحيِ من اللهِ يأتيهِ من السَّماءِ إلى الأرضِ في ساعةٍ واحدةٍ من ليلٍ أو نهارٍ، فنصدِّقُه، فهذا أبعدُ مما تعجبونَ منهُ، ثم أقبلَ حتى انتهى إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: يا نبيَّ الله! أَحَدَّثْتَ هؤلاءِ أنكَ جئتَ بيتَ المقدسِ هذهِ الليلةَ؟ قالَ: نعم، قالَ: صَدَقْتَ، فصفْه لي يا نبيَّ اللهِ؛ فإني جئتُه، قالَ رسول الله - ﷺ -: "فَرُفِعَ إِلَيَّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ"، وجعلَ يصفُه لأبي بكرٍ وهو يقولُ: صدقْتَ، أشهدُ أنكَ رسولُ الله، حتى انتهى، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: "وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيق" فسمِّي من ذلكَ اليومِ صديقًا، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]، ثم أنزلَ اللهُ سورةَ النجمِ تصديقًا له - ﷺ - (٢).
...
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٠٩)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١١٢٨٥). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٢٥٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٥٦ - ٦٥٧).
(٢) قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٨): بعد أن ذكر السياق الذي نقله المصنف هنا: هذا سياق فيه غرائب عجيبة.
الإسراء 17:2
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.
[٢] ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراةَ ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا﴾ أي: هديناهم لئلَّا ﴿تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ أي: رَبًّا يَكِلونَ إليهِ الأمورَ.
قرأ أبو عمرٍو: (يَتَّخِذُوا) بالغيب؛ لأنه خبرٌ عنهم، وقرأ الباقون: بالخطاب، يعني: قلْنا لهم: (لا تتَّخِذُوا) (١).
...
﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾.
[٣] ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ منادًى؛ أي: يا ذريةَ قومِ نوحٍ! وهذا مِنَّةٌ على جميعِ الناسِ؛ لأنهم كلَّهم من ذريةِ مَنْ أُنْجِيَ في السفينةِ من الغرقِ، وهو إيماءٌ إلى توبيخِ مَنْ أشركَ بالله؛ لأنهم موجودون من ذريةِ مَنْ أُنجيَ في السفينةِ، المعنى: كانوا مؤمنينَ، فكونوا مثلَهم واسْتَنُّوا بسنَّتِهم، ثم زادَهم توبيخًا بقوله:
﴿إِنَّهُ﴾ أي: نوحًا ﴿كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كثيرَ الشكرِ، فكونوا مثلَه، وكانَ - ﷺ - يستعظمُ القليلَ من فضلِ اللهِ عليه، ويستصغرُ كثيرَ خدمتِه له.
...
﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤)﴾.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٦).
الإسراء 17:4
[٤] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: أعلَمْناهم ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ التوراةِ.
﴿لَتُفْسِدُنَّ﴾ لامُ القسم، مجازُهُ: واللهِ لَتُفْسِدُنَّ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أي: أرضِ الشامِ وبيتِ المقدسِ ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ بالمعاصي.
﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لَتَسْتكبِرُنَّ عن طاعةِ الله.
...
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (٥)﴾.
[٥] ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾ أي: وعدُ عقابِ أولاهما، وهي مخالفةُ التوراةِ، وإحداثُهم المعاصي، وقتلُ أشعياءَ النبيِّ، الذي بَشَّرَ بعيسى ومحمدٍ عليهم الصلاة والسلام.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا﴾ هو بُخْتَ نَصَّر وأصحابهُ على الأظهَرِ ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذوي قوة وبطش ﴿فَجَاسُوا﴾ طافوا ﴿خِلَالَ الدِّيَارِ﴾ وسطَ المنازلِ ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ أي: قضاءً كائناَ لا خُلْفَ فيه، وتقدَّمَ خبرُ قصةِ بخت نَصَّرَ وتخريبِه بيتَ المقدس في سورةِ البقرةِ عند تفسيرِ قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩].
...
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾.
[٦] وقد روي أن سيدنا سليمانَ بنَ داودَ عليهما السلام عمرَ بيتَ المقدسِ من ذهبٍ وفضةٍ وياقوتٍ وزبرجدٍ، وكان عمدُه ذهبًا، أعطاهُ اللهُ ذلكَ، وسخَّرَ له الجنَّ والشياطينَ يأتونَه بهذه الأشياءِ في طَرْفةِ عين، وعملَ فيه عملًا لا يُوصَفُ، فلم يكنْ يومئذٍ في الأرضِ بيتٌ أبهى ولا أنورَ من ذلكَ المسجدِ، كان يضيءُ في الظلمةِ كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وكانتْ صخرةُ بيتِ المقدسِ أيامَ سليمانَ ارتفاعُها اثنا عشرَ ذراعًا، وكان الذراعُ ذراعَ الأمان ذراعٌ وشبرٌ وقَبْضةٌ، وكانَ ارتفاعُ القبةِ التي عليها ثمانيةَ عشرَ ميلًا، وفوقَ القبةِ غزالٌ من ذهبٍ بينَ عينيهِ دُرَّةٌ أو ياقوتةٌ حمراءُ تغزلُ نساءُ أهلِ البلقاءِ على ضوئِها بالليل، وهي من فوقِ مرحلتينِ من القدسِ، وكانَ أهلُ عمواسَ يستظلُّونَ بظلِّ القبةِ إذا طلعتِ الشمسُ من المشرقِ، وعمواسُ بفتح الميم وسكونها، وهي التي سُمِّي بها الطاعونُ على الراجحِ؛ لأنه منها ابتدأ، وكان في سنةِ ثماني عشرةَ من الهجرةِ، وهي بالقربِ من رملةِ فلسطينَ، مسافتُها عن بيتِ المقدسِ نحوُ بريدٍ ونصفٍ، وإذا غربتِ الشمسُ استظلَّ بها أهلُ بيت الرامةِ من الغور، ومسافتُها عن بيتِ المقدسِ أبعدُ من عمواسَ، وبينَ عمارةِ سليمانَ عليه السلام للمسجدِ الأقصى وبينَ الهجرةِ النبويةِ الشريفةِ على صاحبِها الصلاةُ والسلام ألفٌ وثمانُ مئةٍ وقريبُ سنتين، وسيأتي ذكر بنائِه في تفسيرِ سورةِ سبأ عندَ قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ١٣]، واستمرَّ على العمارةِ السليمانيةِ أربعَ مئةٍ وثلاثًا وخمسينَ سنةً إلى أَنْ غزاهم بُخْتَ نَصَّرُ، وخَرَّبَ العمارةَ السليمانيةَ، وأحرقَ بيتَ المقدسِ وخرَّبَهُ، واحتمل منه ثمانين عجلةً ذهبًا وفضةً، وأبادَ بني إسرائيل قتلًا وتشريدًا، واستمرَ بيتُ المقدسِ خرابًا سبعينَ سنةً كما تقدَّمَ ذكرُه في سورة البقرة، ثم أهلكَ الله بُخْتَ نَصَّرَ ببعوضةٍ دخلتْ دماغَهُ، ونَجَّى اللهُ مَنْ بقيَ من بني إسرائيلَ، ولم يمتْ ببابلَ (١).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٥٩)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٢٤٣).
الإسراء 17:7
﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾ الدولةَ العليَّهَ.
﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على الذين قتلوكم حينَ تبتُمْ.
﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ رُوي أنَّ الله تعالى أوحى إلى أرمياءَ النبيِّ عليه السلام أَنَّ كورشَ يعمرُ بيتَ المقدسِ، وهو ملكٌ من ملوكِ الفرسِ، وكان مؤمنًا، فسار كورشُ ببني إسرائيلَ، وحُلِّي بيتُ المقدسِ حتى ردَّه إليه، وعمر بيت المقدس، وعادَ البلدُ أحسنَ مما كانَ، وأصعدَ إليها من بني إسرائيل أربعينَ ألفًا، وقَرَّبوا القرابينَ على رسومِهم الأولى، ورجعت إليهم دولتُهم، وعظم محلُّهم عندَ الأممِ، واستمرَّ بيتُ المقدسِ عامرًا سبعَ مئةٍ وإحدى وعشرينَ سنةً.
﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ عددًا، والنفيرُ: من يَنْفِرُ مع الرجلِ من قومِه.
...
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾.
[٧] ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن ثوابه لها.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ فإنَّ وبالَها عليها.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ أي: عقابُ المرةِ الآخرةِ من إفسادِكم، وذلكَ قصدُهم قتلَ عيسى عليه السلام حينَ رُفِعَ، وتقدَّمَ ذكرُ قصتِهم مستوفىً في سورةِ آلِ عمرانَ، وقتلهم يحيى عليه السلام، وسببُه أنَّ عيسى عليه السلام كان قد حَرَّمَ نكاحَ بنتِ الأخِ، فكانَ لهرودوس، وهو الحاكمُ على بني إسرائيلَ بنتُ أخٍ، وأرادَ أن يتزوَّجَها كما هو جائزٌ في ملةِ اليهودِ، فنهاه يحيى عن ذلكَ، فطلبتْ أمُّ البنتِ من هرودوسَ أن يقتلَ يحيى، فلم يُجِبْها إلى ذلك، فعاوَدَتْه، وسألته البنتُ أيضًا، وَأَلَحَّتْ عليه، فأجابهما إلى ذلك، وأمر بيحيى فَذُبح ووُضِع رأسُه بينَ يدي هرودوسَ، فكانَ الرأسُ يتكلَّمُ ويقولُ: لا تَحِلُّ لكَ، واستمرَّ غَلَيانُ دمِه، فأمر بترابٍ فألقي عليهِ حتى بلغَ سورَ المدينة، فما زادَ إلا انبعاثًا، فبعث اللهُ عليهم مَلِكًا من جهة المشرق من ملوكِ بابل يقال له: حُرْدوسُ، فقتلَ منهم على دمِ يحيى سبعينَ ألفًا إلى أن سكنَ دمُه، وزعم قومٌ أن بخت نصر هو الذي غزاهم وقتلَهم على دمِ يحيى، وليسَ بصحيح؛ لأن بُخْتَ نَصَّرَ خَرَّبَ بيتَ المقدسِ قبلَ ولادةِ يحيى بنحو خمسِ مئةِ سنةٍ، ثم غزاهم طيطوسُ الروميُّ، وكان محلُّ ملكِه مدينةَ روما من بلادِ الفرنجِ، فقصدَ بيتَ المقدسِ، وأَوقعَ باليهودِ وقتلَهم وأسرَهم على آخرِهم إلَّا من اختفى، ونهبَ القدسَ وَخَرَّبه، وخَرَّبَ البيتَ المقدَّسَ، وأحرقَ الهيكلَ، وخلا القدسُ من بني إسرائيلَ كأَنْ لم تَغْنَ بالأمسِ، وكانتْ أعظمَ الوقعتينِ، فلم يعدْ لهم بعدَ ذلك رئاسةٌ ولا حكمٌ، وكانَ ذلكَ بعدَ رفعِ المسيحِ بنحوِ أربعينَ سنةً، وبينَ هذا التخريبِ والهجرةِ الشريفةِ خمسُ مئةٍ وثمانٌ وخمسونَ سنةً بالتقريبِ، فذلكَ قولُه تعالى:
﴿لِيَسُوءُوا﴾ أي: بعثناهم ليسوؤوا ﴿وُجُوهَكُمْ﴾ يُخْزوها، ويُدْخِلوا عليها الغمَّ والحزنَ، والضميرُ لأولي البأسِ الشديدِ. قرأ الكسائيُّ: (لنَسُوءَ) بالنونِ ونصبِ الهمزةِ على التعظيم إخبارًا من الله عن نفسه، وقرأ ابنُ عامرٍ، وحمزةُ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (لِيَسُوءَ) بالياءِ ونصبِ الهمزةِ؛
الإسراء 17:8
أي: ليسوءَ اللهُ وجوهكم، وقرأ الباقون: بالياءِ وضمِّ الهمزةِ وبعدَها واوُ الجمعِ على المعنى الأول (١).
﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ﴾ أي: بيتَ المقدسِ.
﴿كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ من المرتينِ.
﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ يُهْلِكوا ﴿مَا عَلَوْا﴾ غَلَبوا عليه ﴿تَتْبِيرًا﴾ مصدرٌ.
...
﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾.
[٨] ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بعدَ انتقامِه منكُم إن تبتُمْ، فيردَّ الدولةَ إليكم، فتابوا، فرحمهم ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ﴾ إلى المعصيةِ ﴿عُدْنَا﴾ إلى العقوبةِ، فعادوا بتكذيبِ محمدٍ - ﷺ -، فعاد الله بتسليطِه عليهم، فقتلَ قريظةَ وأجلى بني النضيرِ، وضربَ الجزيةَ على الباقينَ، فهم يُعطونها عن يَدٍ وهم صاغِرونَ.
﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾ سِجْنًا؛ من الحَصْرِ، لا يقدرون على الخروج منها، واستمرَّ بيتُ المقدسِ ومسجدُه خرابًا إلى أنْ تراجعَ البلدُ إلى العمارةِ قليلًا قليلًا، وترمَّمَ شعثُه، وملكَهُ الرومُ واستوطنوه، واستمرَّ المسجدُ الأقصى خرابًا يُلْقى فيه القماماتُ، وبقيَ الحالُ على ذلك حتى جاءَ الإسلامُ، وقدمَ أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه، وفتحَ القدسَ، وعمرَ المسجدَ الأقصى زادَ اللهُ شرفهَ في سنةِ خمسَ عشرةَ من
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٧١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٠٨).
الإسراء 17:9
الهجرةِ الشريفةِ، وقيل: في سنةِ ستَّ عشرةَ في ربيعٍ الأولِ، وقيل: لخمسٍ خَلَوْنَ من ذي القعدة، والله أعلم.
...
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩)﴾.
[٩] ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي﴾ أي: للطريقة التي ﴿هِيَ أَقْوَمُ﴾ أَصْوَبُ، وهي الإيمانُ ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ: (وَيَبْشُرُ) بفتحِ الياءِ وتخفيفِ الشينِ وضمِّها، من البشرِ، وهو البُشرى والبشارةُ، وقرأ الباقون: بضم الياءِ وتشديد الشينِ مكسورةً من بَشَّرَ المضعَّفِ على التكثير (١).
...
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو النارُ، عطفٌ على (وَيُبَشِّرُ)؛ أي: يبشرُ المؤمنين بِشارتين: بثوابِهم في الآخرةِ، وبعقابِ أعدِائهم.
...
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾.
[١١] ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ عندَ غضبِهِ ﴿بِالشَّرِّ﴾ على نفسِه ﴿دُعَاءَهُ﴾ أي:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٠).
الإسراء 17:12
كما يدعو اللهَ ﴿بِالْخَيْرِ﴾ ولو استجابَ اللهُ دعاءَهُ على نفسِه، لهلكَ، ولكنَّ اللهَ لا يستجيبُ له بفضلِه.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ ضجرًا لا صبرَ له على السَّراءِ والضَّراءِ. وحُذفت الواوُ من (يَدْعُ) في اللفظِ والخطِّ، ولم تحذفْ في المعنى؛ لأنها في موضعِ رفعٍ، فكان حذفُها باستقبالِها اللامَ الساكنة؛ كقوله: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤] ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤٦].
...
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ علامتينِ يُستدَلُّ باختلافِهما على الوحدانيةِ والقدرةِ ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ طَمَسْنا ضوءَهُ.
﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ أي: بَيِّنَةً يُبْصَرُ بها الأشياءُ.
﴿لِتَبْتَغُوا﴾ لِتَطْلُبوا ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ في النهارِ أسبابَ معاشِكم.
﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ بها ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ أي: لو تركَ اللهُ الشمسَ والقمرَ كما خَلَقَهما، لم يُعْرَفِ الليلُ من النهار، ولم يُعْلَمْ وقتُ فطرِ الصائمِ، ولا وقتُ الحجِّ ونحوِهما ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ بيناه بيانًا ظاهرًا.
***
الإسراء 17:13
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ عملَه ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ لا يفارقُه، وخُصَّ العنقُ بالذكرِ؛ لأنَّ الإلزامَ فيها أشدُّ.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ هي صحيفةُ عملِه ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ مبينًا مشروحًا. قرأ أبو جعفرٍ: (وَيُخْرَجُ) بالياءِ وضمِّها وفتح الراء، مجهولٌ، وعنهُ وجهٌ بكسرِ الراء؛ أي: الفاعلُ اللهُ تعالى، وقرأ يعقوبُ: بالياءِ وفتحِها وضمِّ الراء؛ أي: ويخرجُ له الطائر يوم القيامة كتابًا، وقرأ الباقون: بالنونِ وضمِّها وكسرِ الراء (١)؛ أي: يقول الله: ونحنُ نخرجُ له يومَ القيامةِ كتابًا، واتفقوا على نصبِ (كتابًا)، ووجهُ نصبِه على قراعة أبي جعفرٍ أنْ يكونَ حالًا؛ أي: ويخرج الطائرُ كتابًا، وكذا وجهُ النصبِ على قراءة يعقوبَ أيضًا، فتتفقُ القراءتانِ في التوجيهِ على الصحيحِ الفصيحِ الذي لا يختلَفُ فيه، وقرأ أبو جعفرٍ وابنُ عامر: (يُلَقَّاهُ) بضمِّ الياءِ وفتحِ اللامِ وتشديدِ القاف، يعني: يُلَقَّى الإنسانُ ذلكَ الكتابَ؛ أي: يُؤْتاه، وقرأ الباقون: بفتح الياءِ وإسكانِ اللامِ وتخفيفِ القاف (٢)؛ أي: يراه منشورًا، وأمالَهُ ابنُ ذكوانَ راوي ابنِ عامرٍ بخلافٍ عنه.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٦٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٢).
الإسراء 17:14
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿اقْرَأْ﴾ أي: يقال له: اقرأ ﴿كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أي: محاسبًا، ونصبهُ على التمييز، وفَوَّضَ تعالى حسابَ العبدِ إليه لئلَّا يُنْسَبَ إلى الظلمِ، ولتجبَ الحجةُ عليهِ باعترافِه.
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: من اجتهدَ حتى يهتديَ، فلها ثوابُه.
﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ أي: تغافلَ حتى ضلَّ.
﴿فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ لأنَّ عليها عقابَه.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ﴾ ولا تحملُ نفسٌ آثمةٌ ﴿وِزْرَ﴾ إثمَ نفس ﴿أُخْرَى﴾ لأن كُلًّا مطالَبٌ بعملِه، وأصلُ الوزرِ: الثقلُ، رُوي أنَّ سببَها أنَّ الوليدَ بنَ المغيرةِ المخزوميَّ قالَ لأهلِ مكَّةَ: اكفُروا بمحمدٍ، وإثْمُكُمْ عليَّ، فنزلَتْ هذهِ الآية (١)؛ أي: إن الوليدَ لا يحملُ آثامَكم، وإنما إثمُ كُلِّ واحدٍ عليهِ.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ينذرُ ويبينُ الشرائعَ، فلا حكمَ قبلَ الشرع، بل الأمرُ موقوفٌ إلى ورودِهِ بالاتفاقِ.
...
(١) انظر: "روح المعاني" للألوسي (١٥/ ٣٥).
الإسراء 17:16
﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ مُنَعَّمِيها. قراءة العامة: (أَمَرْنَا) بالقصر؛ أي: أمرناهم بالطاعةِ، وقرأ يعقوبُ: (آمَرْنَا) بالمدِّ؛ أي: كَثَّرْنا، وَ (أَمَّرْنا) بالتشديدِ سَلَّطْنا، والتلاوةُ بالأولِ والثاني (١).
﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ فخرجوا عن الطاعةِ ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ وجبَ عليها الوعيدُ.
﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ أهلكناها وما فيها هلاكَ استئصالٍ.
...
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ﴾ المكذِّبَةِ ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ كعادٍ وثمودَ مثالٌ لقريشٍ ووعيدٌ؛ أي: لستُمْ ببعيدٍ مما حصلوا فيه من العذابِ إذْ أنتم كَذَّبْتُم نبيَّكم، والقرنُ مئةُ سنةٍ على الأصحِّ، يعضُدُه الحديثُ في قولِه عليه السلام: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" (٢)، وروى محمدُ بنُ القاسمِ في ختنِهِ عبدِ اللهِ بنِ بِشْرٍ قال: وضعَ رسولُ اللهِ - ﷺ - على رأسِهِ وقالَ: "سَيَعِيشُ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (١/ ٦٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦).
(٢) رواه البخاري (٢٥٠٩)، كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد، ومسلم (٢٥٣٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-.
الإسراء 17:18
هَذَا الْغُلاَم قَرْنًا" قلتُ: كم القرنُ؟ قالَ: "مئةُ سنةٍ"، قالَ محمدُ بنُ القاسمِ: فما زِلْنا نَعُدُّ له حتى أكملَ مئةَ سنة، وماتَ رحمه الله (١).
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فيعاقِبُ عليها، والباءُ في (بِرَبِّكَ) زائدةٌ، والتقديرُ: وكفى ربُّك، هذه الباءُ إنما تجيءُ في الأغلبِ في مدحٍ أو ذمٍّ، فكأنها تُعطي معنى: اكْتَفِ بِرَبِّكَ؛ أي: ما أكفاه في هذا!
...
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ يعني: الدنيا، مقصورًا عليها هَمُّهُ، وجوابُ (مَنْ كَانَ) ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ من البسطِ والتقتيرِ وغيرِهما، لا ما يشاء هو.
﴿لِمَنْ نُرِيدُ﴾ أن نفعلَ له ذلكَ، أو إهلاكُه قَيَّدَ المعجَّلَ، والمعجَّلَ له بالمشيئةِ والإرادةِ؛ لأنه لا يجدُ كُلُّ مُتَمَنٍّ ما يتمناه، ولا كلُّ واحدِ جميعَ ما يهواه.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ يدخُلُها.
﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مطرودًا من رحمةِ اللهِ.
...
(١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٥/ ٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩٥).
الإسراء 17:19
﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ﴾ إرادةَ يقينٍ بها، وإيمانٍ باللهِ وبرسالاته.
﴿وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ وهي ملازمةُ أعمالِ الخيرِ وأقواله على حكمِ الشرعِ.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ مقبولًا، ولا يشكرُ اللهُ عملًا ولا سعيًا إلا أثابَ عليهِ، وغفرَ بسببِهِ.
...
﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿كُلًّا﴾ نصبٌ بقولهِ: ﴿نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾ أي: نُمِدُّ كلَّ واحدٍ من الخلائقِ الطائعَ والعاصي ﴿مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ رزقِهِ.
﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ممنوعًا في الدنيا عن مؤمنٍ وكافرٍ تفضُّلًا.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ في الرزقِ والعملِ، يعني: طالبَ العاجلةِ وطالبَ الآخرةِ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ،
الإسراء 17:22
وأبو جعفرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (مَحْظُورًا انْظُرْ) بضمِّ التنوينِ، والباقون: بكسره (١).
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ للمؤمنينَ.
﴿وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ لأَن التفاوتَ فيها بالجنةِ ودرجاتِها، والنارِ ودَرَكاتِها.
...
﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ﴾ فتصيرَ.
﴿مَذْمُومًا﴾ من غيرِ حمدٍ.
﴿مَخْذُولًا﴾ ذليلًا بلا ناصرٍ، الخطابُ مع النبي - ﷺ -، والمرادُ غيرُه.
...
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ مقتصرينَ على عبادتِه تعالى.
﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بِرًّا بهما، وعَطْفًا عليهما.
﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ (يَبْلُغَانِ) بألفٍ مطولةٍ بعدَ الغينِ وكسرِ النونِ على التثنية، وقرأ الباقونَ: بغير ألفٍ، وفتحِ النون على
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٤). التوحيدِ، واتفقوا على تشديدِ النونِ في الحالتين (١).
﴿عِنْدَكَ﴾ إشارةً إلى كفالتِهِ ﴿الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ المعنى: إذا أسنَّ والداك، أو أحدُهما، واحتاجا، أو أحدُهما في حالِ كبرِهما إلى أن تتولَّىَ منهما ما كانا يتولَّيانِهِ منكَ في حالِ الطفولةِ. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (كِلاَهُمَا) بالإمالةِ (٢).
﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ لفظٌ يقال لما يضجَرُ منه، وهي كلمةُ كراهيةٍ، وهذه اللفظةُ مثالٌ لجميعِ ما يمكنُ أن يقابَلَ به الآباءُ مما يكرهون، فلم تُرَدْ هذه في نفسِها، وإنما هي مثالٌ لأعظمَ منها. قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ، ويعقوبُ: (أُفَّ) بفتح الفاءِ من غير تنوينٍ، وقرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: بكسر الفاءِ مع التنوينِ، وقرأ الباقون: بكسرِ الفاءِ من غيرِ تنوينٍ، والقراءاتُ الثلاثُ لغاتٌ معناها واحدٌ (٣).
﴿وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ تَزْجُرْهما، والانتهارُ: إظهارُ الغضبِ في الصوتِ واللفظِ.
﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لينًا جيدَ المعنى.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٧٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٥).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٦).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٧٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٦ - ٣١٧).
الإسراء 17:24
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ تَدلَّلْ لهما وتواضَعْ.
﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ من أجلِ رحمتِكَ لهما.
﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ وهذا كلُّه في الأبوينِ المؤمنينِ، وقد نهى القرآنُ عن الاستغفارِ للمشركينَ الأمواتِ، ولو كانوا أُولي قربى، قالَ - ﷺ -: "رِضَا اللهِ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُهُ في سَخَطِ الوالدِ" (١)، وقال: "لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ وَلاَ عَاقٌّ وَلا مُدْمِنُ خَمْرٍ" (٢).
...
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾ من برِّ الوالدينِ وعقوقِهما.
﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ أبرارًا مطيعينَ بعدَ تقصيرِكم في حقِّ الوالدينِ وغيرِه.
﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ﴾ الراجعينَ بالتوبةِ ﴿غَفُورًا﴾ ما فرط منكُمْ.
(١) رواه الترمذي (١٨٩٩)، كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء من الفضل في رضا الوالدين، والبخاري في "الأدب المفرد" (٢)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٢٩)، وغيرهم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
(٢) رواه النسائي (٥٦٧٢)، كتاب: الأشربة، باب: الرواية في المدمنين في الخمر، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢٠١)، وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-.
الإسراء 17:26
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ والمرادُ: صلةُ الرحمِ، خوطبَ بذلكَ النبيُّ - ﷺ -، والمرادُ: الأمة ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ من الزكاةِ المفروضةِ.
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ التبذيرُ: الإتلافُ وإنفاقُ المالِ في فسادٍ.
...
﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: أمثالَهم؛ لأنهم أَطاعوهم.
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ مبالِغًا في الكفرِ.
...
﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ عن ذَوي القربى والمذكورينَ قبلُ حياءً من الرَّدِّ.
﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ انتظارَ رزقٍ من اللهِ ترجوهُ أن يأتيَكَ.
﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ طَيِّبًا؛ أي: عِدْهُم جميلًا، وقلْ: يرزقُنا اللهُ وإياكم.
***
الإسراء 17:29
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ونزل لما أعطى رسولُ الله - ﷺ - قميصَه، ولم يبقَ له ثوبٌ يخرجُ بهِ إلى الصلاةِ:
﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ (١) كنايةٌ عن نهايةِ الإمساكِ.
﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ كنايةٌ عن نهايةِ البَذْلِ.
﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ تُلامَ على إتلافِ مالِكَ.
﴿مَحْسُورًا﴾ منقَطِعًا عن النفقةِ والتصرُّفِ.
...
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ﴾ يوسِّعُ ﴿الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُ.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ فيعلَمُ من مصالِحهم ما يَخْفى عليهم.
...
﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ مخافةَ فقرٍ.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ وذلكَ أنَّ الجاهليةَ كانوا يَئِدُونَ بناتِهم خشيةَ
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٤).
الإسراء 17:32
الفاقة، فَنُهوا عن ذلكَ، وأخبرَهم أن رزقَهم ورزقَ أولادِهم على اللهِ.
﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ إثمًا عظيمًا. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (خَطَأً) بفتحِ الخاءِ والطاءِ مقصورًا، وقرأ ابنُ كثيرٍ: بكسرِ الخاءِ وفتحِ الطاءِ ممدودًا، وقرأ الباقون: بكسر الخاء وجزم الطاءِ، والقراءاتُ الثلاثُ معناها واحدٌ (١).
...
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ نهيٌ عن مقدِّماتِه؛ كالنظرةِ والغمزةِ، فَضْلًا عن مباشرتِه، وإذا نُهي عن مقدماتِه، فالنهيُ عنه أَوْلى، ولو أرادَ النهيَ عن نفسِ الزنى لقالَ: ولا تزنوا.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ فعلةً ظاهرةَ القبحِ.
﴿وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ بئسَ طريقًا طريقُه.
...
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ قولُه (وَلاَ تَقْتُلُوا) وما قبلَه من الأفعال جزمٌ بالنهيِ، والألفُ واللامُ التي في النفس هي
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩ - ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣١٨ - ٣١٩). للجنس، والحقُّ الذي يُقْتَلُ بهِ النفسُ هو ما فَسَّرَهُ النبيُّ - ﷺ - في قوله: "لاَ يَحِلُّ دَمُ الْمُسْلِمِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلاَثِ خِصالٍ: كُفْر بَعْدَ إِيمَانٍ، أَوْ زِنىً بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ قَتْلُ نَفْسٍ" (١)، وهي الحرابةُ، ومن ذلكَ الزندقةُ، ومسألةُ تركِ الصلاةِ؛ لأنها في معنى الكفرِ بعدَ الإيمانِ، ومنهُ قتلُ أبي بكرٍ مَنَعَةَ الزكاةِ، وقتلُ من امتنعَ في المدنِ من فروضِ الكفاياتِ.
﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ نصبٌ على الحالِ، ومعناه: بغيرِ هذهِ الوجوهِ المذكورةِ.
﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ﴾ أي: لقرابتِهِ الذي يَلي دمَهُ ﴿سُلْطَانًا﴾ تسلُّطًا على القاتلِ، إنْ شاءَ قتلَ، وإن شاءَ عفا، وإن شاءَ أخذَ الديةَ.
﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (تُسْرِفْ) بالخطاب لوليِّ القتيلِ، وقرأ الباقونَ: بالغيب (٢)؛ أي: لا يُسْرِفِ الوليُّ في القتلِ، والإسرافُ: أَنْ يقتلَ غيرَ القاتلِ، أو يقتلَ اثنينِ أو أكثرَ بالواحدِ.
﴿إِنَّهُ﴾ أي: الوليُّ ﴿كَانَ مَنْصُورًا﴾ بنصرةِ الشرعِ والسلطانِ، وقيل: الضميرُ عائدٌ على المقتولِ، ونصرُهُ قتلُ قاتلِهِ، وحصولُ الأجير له، واختارَ
(١) رواه أبو داود (٤٥٠٢)، كتاب: الديات، باب: الإمام يأمر بالعفو في الدم، والترمذي (٢١٥٨)، كتاب: الفتن، باب: ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، وابن ماجه (٢٥٣٣)، كتاب: الحدود، باب: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٠)، وثمة رواية عن ابن عامر أنه قرأ "تسرف" بالتاء.
الإسراء 17:34
ابنُ عطيةَ أن هذا أرجحُ الأقوال؛ لأنه المظلومُ، ولفظةُ النصرِ تقابِلُ أبدًا الظلمَ (١).
...
﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالفعلَةِ التي هي أسرعُ إلى إصلاحِ حالِه ومالِه.
﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى بلوغِه، وتقدَّمَ الكلامُ على الرشدِ، وأحكامِ البلوغِ، واختلافُ الأئمةِ فيه مستوفىً في سورةِ النساء عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦].
﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ إذا عاهدْتُم لكلِّ أحدٍ ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ عنهُ.
...
﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ ولا تَبْخَسوا فيه.
﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بالميزانِ السَّوِيِّ، وهو رومِيٌّ عُرِّبَ، ولا يقدحُ ذلكَ في عربيةِ القرآنِ؛ لأنَّ العجميَّ إذا استعملَتْه العربُ وأَجرته مُجرى كلامِهم في الإعرابِ والتعريفِ والتنكيرِ ونحوها، صار عربيًّا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (بالْقِسْطَاسِ) بكسرِ
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٥٣).
الإسراء 17:36
القافِ، والباقون: بضمِّها وهما لغتان (١).
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ عاقبةً وما يؤول إليه الأمرُ.
...
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾
[٣٦] ﴿وَلَا تَقْفُ﴾ لا تتْبَعْ ولا تَقُلْ ﴿مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ والقفوُ: اتِّباعُ الأثرِ، وأصلُه من القَفَا؛ أي: لا تقلْ سمعتُ ولم تسمعْ، ورأيتُ ولم ترَ، وعلمتُ ولم تعلمْ.
﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ قرأ ورشٌ عن نافعٍ: (وَالْفُوَادَ) بفتحِ الواوِ بغيرِ همزٍ، والضمير في (عنه) يعودُ على ما ليسَ للإنسانِ به علمٌ، ويكون المعنى: إن اللهَ تعالى يسأَلُ سمعَ الإنسانِ وبصرَهُ وفؤادَهُ عَمَّا قالَ مما لا علمَ له به، فيقعُ تكذيبُه من جوارحِهِ، وتلكَ غايةُ الخِزْيِ، ويحتملُ أن يعودَ الضميرُ في (عنه) على (كُلُّ) التي هي السمعُ والبصرُ والفؤادُ، والمعنى: إنَّ اللهَ يسألُ الإنسانَ عَمَّا حواهُ سمعهُ وبصرُه وفؤادُه، فكأنه قالَ: كلُّ هذهِ كانَ الإنسانُ عنهُ مسؤولًا؛ أي: عما حصلَ لهؤلاءِ من الإدراكاتِ، ووقعَ منها من الخطإِ، فالتقديرُ: عن أعمالِها مسؤولًا، فهو على حذفِ مضافٍ.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢١).
الإسراء 17:37
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ خيلاءَ ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لنْ تقطعَها بكبرِكَ حتى تبلغَ آخِرَها ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ أي: لن تقدرَ أن تُجاوزَها أو تسُاويَها بكبرِكَ، وهو تهكُّمٌ بالمختالِ، وملخَّصُه: أنتَ عاجزٌ فلا تتكبَّرْ.
...
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ المذكورِ من المناهي ﴿كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ قرأ الكوفيون، وابنُ عامرٍ: (سَيِّئُهُ) بضمِّ الهمزةِ والهاءِ وإلحاقِها واوًا في اللفظِ على الإضافة والتذكيرِ، ومعناه: كلُّ الذي ذكرناه من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (كانَ سيئه)؛ أي: سَيِّئ ما عَدَّدْنا عليكَ عندَ رَبِّكَ مَكْروهًا؛ لأن فيما عدَّ أمورًا حسنةً؛ كقولِه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ وغير ذلك، وقرأ الباقون: بفتحِ الهمزةِ ونصبِ تاء التأنيثِ معَ التنوين على التوحيدِ (١)، ومعناه: كلُّ الذي ذَكَرْنا من قوله: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ إلى هذا الموضعِ سيئةً، لا حسنةً، والكلُّ يرجعُ إلى المنهيِّ عنه دونَ غيرِه، ولم يقل: مكروهةً؛ لأن فيه تقديمًا وتأخيرًا، تقديرُه: كل ذلكَ كانَ مكروهًا، سيئةً، وقوله: مكروهًا على التكريرِ لا على الصفةِ، مجازُهُ كلّ ذلكَ كانَ سيئةً، وكانَ مكروهًا، أو رجعَ إلى المعنى دونَ اللفظ؛ لأن السيئةَ الذنبُ، وهو مذكَّرٌ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٢).
الإسراء 17:39
﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من الأحكامِ المتقدمةِ ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ وهو الموحى؛ لأنه في غايةِ الإحكام، ثم خوطبَ النبيُّ - ﷺ -، والمرادُ غيرُه بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا﴾ تلومُ نفسَكَ ﴿مَدْحُورًا﴾ مُبْعَدًا عن الخيرِ.
...
﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ أَخَصَّكُم أيها المشركونَ ﴿رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا﴾ لأنهم كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ اللهِ، والهمزةُ في (أَفَأَصْفَاكُمْ) للإنكارِ.
﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا﴾ بإضافتِكم الأولادَ إليه، وبتفضيلِ أنفسِكم عليه.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾.
[٤١] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ نَوَّعْنَا القولَ ﴿فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (لِيَذْكُرُوا) بسكونِ الذالِ وضمِّ الكافِ مخفَّفًا؛ من الذكرِ بعدَ النسيان، وقرأ الباقونَ: بفتحِ الذالِ والكافِ مع تشديدِهما (١)، من التذكُّرِ: التدبُّرِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، =
الإسراء 17:42
﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تصريفُنا ﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ عن الحقِّ.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿قُلْ﴾ قلُ يا محمدُ لهؤلاءِ المشركين: ﴿لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وحفصٌ عن عاصمٍ: (يَقُولُونَ) بالغيبِ على أنَّ الخطابَ معَ الرسولِ - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)؛ أي: كما تقولونَ أَيُّها المشركونَ.
﴿إِذًا لَابْتَغَوْا﴾ أي: طلبوا، يعني: الآلهةُ.
﴿إِلَى ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: صاحبِ العرشِ.
﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا ليغالبوهُ ويقهروهُ؛ كفعلِ ملوكِ الدنيا بعضِهم ببعضٍ.
قرأ أبو عمرٍو: (ذِي الْعَرْش سبِيلًا) بإدغامِ الشينِ في السينِ (٢).
...
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ:
= و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٤).
(١) المصادر السابقة.
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، وذكر أنه لم يقع في القرآن إدغام شين في سين إلا في هذا؛ من أجل زيادة الشين بالتفشّي، وينظر: "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٤).
الإسراء 17:44
(تقولُونَ) بالخطابِ، والباقون: بالغيبِ (١) ﴿عُلُوًّا﴾ تَعالِيًا.
﴿كَبِيرًا﴾ متباعِدًا عما يقولونَ.
...
﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ أي: تنزِّهُهُ السمواتُ والأرضُ ومَنْ فيهنَّ من الملائكةِ والإنسِ والجنِّ عن هذهِ المقالةِ التي لكم، والاشتراك الذي أنتم بسبيلهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ بخلافٍ عنه: (يُسَبِّحُ) بالياءِ على التذكيرِ؛ لقيامِ (لهُ) مقامَ تاءِ التأنيثِ؛ ولأن تأنيثَ (السمواتِ) غيرُ حقيقيٍّ، وقرأ الباقون: بالتاء مؤنثًا على اللفظ، والقراءتان حسنتان (٢).
﴿وَإِنْ﴾ أي: وما ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من حيٍّ وجمادٍ حتى صريرُ البابِ ﴿إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ أي: ينزِّهُ اللهَ ويحمَدُهُ ويمجِّدُه ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ﴾ تفهمونَ ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾ لأنه ليسَ بلغتِكم.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا﴾ فلذلكَ أمهلَكُم ﴿غَفُورًا﴾ لمن تابَ منكم.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٤ - ٣٢٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٥).
الإسراء 17:45
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.
[٤٥] وكان المشركونَ يؤذون النبيَّ - ﷺ - مصلِّيًّا، وجاءتْ أُمُّ لهبٍ بحجرٍ لترضَخَ به رأسَه، فلم تَرَهُ، فنزل: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا﴾ (١) على قلوبهم عن الفهم ﴿مَسْتُورًا﴾ ساتِرًا.
...
﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطيةً؛ كراهةَ.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ صَمَمًا يمنعُهم عن استماعِه.
﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا.
﴿عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ جمعُ نافرٍ؛ أي: نافرينَ. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ من روايةِ الدوريِّ: (أَدْبَارَهُمْ) بالإمالةِ، واختلِفَ عن ابنِ ذكوانَ، ورُوِيَ عن ورشٍ، وحمزةَ بينَ اللفظينِ، وقرأ الباقونَ: بإخلاصِ الفتحِ (٢).
...
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٤).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٥).
الإسراء 17:47
[٤٧] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ﴾ بسببِه ولأجله؛ من الهزءِ بكَ وبالقرآنِ.
﴿إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ وأنتَ تقرأُ القرآنَ ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ جمعُ نَجِيٍّ، وهم القومُ يتناجَوْن يتحدَّثون.
﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ﴾ المشركونَ، وهم الوليدُ بنُ المغيرةِ وأصحابهُ.
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ شَبَّهوا الخيالَ الذي عندَه بزعمِهم، وأقوالَه الوخيمةَ برأيهم بما يكونُ من المسحورِ الذي قد خبَّلَ السحرُ عقلَه، وأفسدَ كلامَه.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمدُ ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ مَثَّلوكَ بالشاعرِ والساحرِ والكاهنِ والمجنونِ. وتقدَّمَ اختلافُ القراء في ضَمِّ التنوينِ وكسرِه عندَ قوله: (مَحْظُورًا انْظُرْ)، وكذلك اختلافُهم في قوله: (مَسْحُورًا انْظُرْ).
﴿فَضَلُّوا﴾ في جميعِ ما نَسبوه إليكَ.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ لا يجدونَ ﴿سَبِيلًا﴾ إلى الهدى، أو إلى إفسادِ أمرِك وإطفاءِ نورِ اللهِ فيكَ بضربِهم الأمثالَ لكَ، واتِّباعِهم كلَّ حيلةٍ في جهتِك.
...
﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَقَالُوا﴾ تعجُّبًا وإنكارًا للبعثِ، واستبعادًا له:
﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا﴾ وهو ما مرَّ عليهِ الزمنُ حتى إنه بلغَ به غايةَ البِلى وَقرَّبه من عالم الترابِ.
الإسراء 17:50
﴿لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ تلخيصُه: قالوا: حياتنُا بعدَ الموتِ محالٌ. واختلافُ القراء في (أَإِذا) (أَإِنا) كاختلافِهم فيهما في سورة الرعدِ.
...
﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾.
[٥٠] ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ جوابًا لهم تعجيزًا وتوبيخًا ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾.
...
﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (٥١)﴾.
[٥١] ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ أي: يعظُم في نفوسِكم؛ كالسمواتِ والأرضِ مما لم يقبلِ الحياةَ إن استطعتم هذه الأشياءَ، ثمَّ انظروا بأدلَّةِ العقلِ هل نحن قادرونَ على جعلِ الروحِ فيه؛ لأنا أوجدناكم، ثم أحييناكم، فلا يمتنعُ علينا إيجادُنا الروحَ.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ استبعادًا ﴿مَنْ يُعِيدُنَا﴾ بعدَ الموتَ؟
﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾ أنشأَكُم ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فإنَّ القادَر على الإنشاءِ قادرٌ على الإعادةِ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾ أي: يحرِّكونَ.
﴿إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ﴾ استهزاءً بك.
﴿مَتَى هُوَ﴾ أي: الإعادةُ والبعثُ.
الإسراء 17:52
﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ أي: هو قريبٌ، لأنَّ (عَسَى) من اللهِ واجبٌ، نظيرُه ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
...
﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿يَوْمَ﴾ تقديرُه: يعيدُكم يومَ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾ من قبورِكم بالنفخِة الآخرةِ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ فَتُجيبون ﴿بِحَمْدِهِ﴾ بأمرِه، وقيلَ: تُبعثونَ من قبورِكم طائعينَ حامِدين.
﴿وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا، وفي القبورِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ لأن الإنسانَ لو مكثَ ألوفًا من السنينَ في الدنيا وفي القبر، عُدَّ ذلكَ قليلًا في مدةِ القيامةِ والخلودِ. قرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وعاصمٌ، ويعقوبُ، وخلفٌ: (لَبِثْتُمْ) و (لَبِثْت) بإظهارِ الثاءِ عندَ التاءِ حيثُ وقعَ، والباقون: بالإدغامِ (١)، وروي عن أبي جعفرٍ: (فَسَيُنْغِضُونَ) بإخفاءِ النونِ عندَ الغينِ، ورُوي عنهُ الإظهارُ، وهو أشهرُ، وتقدَّمَ ذكرُ مذهبه في ذلك مستوفىً في سورةِ النساءِ عندَ تفسيرِ قولِه تعالى: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا).
...
﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٦).
الإسراء 17:53
[٥٣] وكانَ المشركونَ يؤذونَ المسلمينَ، فشكَوْا إلى رسولِ اللهِ - ﷺ -، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي﴾ (١) المؤمنينَ ﴿يَقُولُوا﴾ للكافرينَ الكلمةَ ﴿الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهو ألَّا يكافئوهم على أذاهُم، ويقولوا لهم: يَهديكم اللهُ، وسببُ الآيةِ أَنَّ عمرَ بنَ الخطابِ رضي الله عنه شَتَمَهُ بعضُ الكفرةِ، فشتمَهُ عمرُ، وهَمَّ بقتلِه، فكادَ أن يثيرَ فتنةً، فنزلتِ الآيةُ (٢)، وهذا نُسخ بآيةِ السيفِ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ﴾ يفسِدُ ويهيجُ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ المراءَ والشرَّ.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ظاهرَ العداوة.
...
﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ﴾ خطابٌ لكفارِ مكةَ ﴿إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ يوفِّقْكُم فتؤمنوا ﴿أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ يُمِتْكُم على الشركِ فَتُعَذَّبوا.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ حَفِيظًا وكَفِيلًا، قيل: نُسِخَتْ بآيةِ القتالِ.
...
﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو عالمٌ بهم وبأحوالِهم.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٤).
(٢) المرجع السابق، الموضع نفسه.
الإسراء 17:56
﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ففضلَ إبراهيمَ بالخلَّةِ، وموسى بالتكليمِ، ومحمدًا بالمعراجِ.
﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ تفضيلًا لهُ، كانَ زبورُ داود مئةً وخمسينَ سورةً ليسَ فيها حلالٌ ولا حرامٌ، بل تمجيدٌ وتحميدٌ، ودعاءٌ، صلواتُ اللهِ تعالى وسلامُه عليهم أجمعينَ، وهذا خطابٌ مع الذينَ يعترِفون بتفضيلِ الأنبياءِ، المعنى: إذا اعترفْتُم بتفضيلهِم، فلِمَ تنكرونَ فضلَ محمدٍ - ﷺ -، وهو واحدٌ منهم. قرأ حمزةُ، وخلفٌ: (زُبُورًا) بضمِّ الزاي، والباقون: بفتحها (١).
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾.
[٥٦] ونزلَ فيمن عبدَ غيرَ اللهِ تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أَنَّهم أولياؤكم.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: دونِ اللهِ؛ ليكشفوا عنكم البلاءَ والضرَّ، وذلكَ أن المشركينَ أصابَهم قحطٌ شديدٌ، حتى أكلوا الكلابَ والجِيَفَ، فاستغاثوا بالنبيِّ - ﷺ - ليدعوَ لهم، فنزلت. قرأ عاصمٌ، وحمزةُ، ويعقوبُ: (قُلِ ادْعُوا) بكسرِ اللامِ في الوصلِ، والباقون: بالضمِّ (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٧).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٧)، ورويت عن الكسائي بضم اللام.
الإسراء 17:57
﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ القحطِ والجوعِ ﴿عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ لكم من العسرِ إلى اليسرِ.
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الأنبياءُ المذكورونَ في أولِ الآيةِ في قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾.
﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ يتضرَّعونَ ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبونَ ﴿إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ القربةَ إليه ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى رحمةِ اللهِ تعالى، يبتغي الوسيلةَ إليهِ بصالحِ الأعمال.
﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وأكبرُهم عيسى وأمُّه، وعزيرٌ، والملائكةُ، والشمسُ، والقمرُ والنجومُ، وما عُبِدَ من دونِ اللهِ، وهو مطيعٌ لله، وقيلَ غيرُ ذلكَ.
﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ لا أمانَ لأحدٍ منه، بل يحذَرُه كلُّ مَلَكٍ مقرَّبٍ، ونبيٍّ مرسَلٍ لشدتِه.
...
﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾.
[٥٨] رُوي أنَّ رسولَ الله - ﷺ - خرجَ يومًا على أصحابِه، فقال: "هَلْ
الإسراء 17:59
تَدْرُونَ مَا يُخَرِّبُ الْقُرَى؟ "، قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ، قال: "أَعْمَالُ السُّوءِ فَاجْتَنِبُوهَا"، وتلا: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بالموتِ والاستِئْصالِ.
﴿أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ بالقتلِ وأنواعِ العقابِ إنْ لم يؤمنوا.
﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ﴾ في اللوحِ المحفوظِ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوبًا.
...
﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿وَمَا مَنَعَنَا﴾ أي: وما صرَفَنا.
﴿أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ﴾ التي اقترحَتْها قريشٌ.
﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الذين أمثالُهم في الطبع؛ كعادٍ وثمودَ؛ لأنَّ سنةَ اللهِ فيمَنْ تقدَّمَ أنه كانَ إذا أُتِيَ بآيةٍ فلم يؤمنْ أن يهلِكَهُ، وكان تعالى قد حكمَ بإمهالِهم لإتمامِ أمرِ محمدٍ - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦].
﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً واضحةً ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾ أي: جَحَدوا بها أنها من عندِ اللهِ، فعاجلناهم بالعقوبةِ.
﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ﴾ المعجزاتِ ﴿إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ للعبادِ؛ ليؤمنوا.
***
الإسراء 17:60
﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ﴾ أي: واذكرْ وقتَ إيحائِنا إليك.
﴿إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ علمَ بمكرِهِمْ بكَ، فهو حافِظُكَ منهم، فأَمْضِ أمَركَ، ولا تَخَفْ أحدًا.
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ ليلةَ الإسراءِ ﴿إِلَّا فِتْنَةً﴾ أي: اختبارًا ﴿لِلنَّاسِ﴾، وتقدَّمَ الكلامُ على ذلكَ في أولِ السورةِ عندَ ذكرِ قصةِ المعراجِ. قرأ الكسائيُّ، وخَلَفٌ: (الرُّؤْيَا) بالإمالِة في الوقف فقطْ (١).
﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ﴾ أي: الملعونَ آكلُها، وهي المذكورةُ.
﴿فِي الْقُرْآنِ﴾ وهي الزقُّوم، وقولُه: (وَالشَّجَرَةَ) عطفٌ على قولِه: (الرُّؤْيا)؛ أي: جعلْنا الرؤيا والشجرةَ فتنةً، فكانتِ الفتنةُ في الرؤيا ما تقدَّمَ في قصةِ المعراجِ من ارتدادِ كثيرٍ ممَّنْ أسلمَ، والفتنةُ في الشجرةِ الملعونةِ أنه لما نزلَ أمرُها في سورةِ الصافات، قالَ أبو جهلٍ وغيرُه: هذا محمدٌ يتوعَّدُكم بنارٍ تحرقُ الحجارةَ، ثم يزعُمُ أنها تنُبت الشجرَ، وقد علمتُم أن النارَ تحرقُ الشجرَ، وما نعرفُ الزقُّوم إلا التمرَ بالزُّبْدِ، ثم أمرَ أبو جهلٍ جاريةً له فأحضرَتْ تمرًا وزُبْدًا، وقال لأصحابه: تَزَقَّموا، فافتتن أيضًا بهذهِ المقالةِ بعضُ الضُّعفاءِ، فأخبرَ اللهُ نبيَّه أنما جعلَ الإسراءَ وذكرَ شجرةِ الزقومِ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٨).
الإسراء 17:61
فتنةً واختبارًا؛ ليكفرَ مَنْ سبقَ عليهِ الكفرُ، ويصدِّقَ مَنْ سبقَ عليه الإيمانُ (١)، كما رُويَ عن أبي بكرٍ رضي الله عنه ما سبقَ ذكرُه في قصةِ المعراجِ، قالَ الكواشيُّ رحمه الله: لو نظرَ، يعني: أبا جهلٍ، النظرَ الصحيحَ، لما استبعدَ ذلك؛ لأنه يمكنُ وجودُ جسمٍ لطيفٍ في النارِ لا يحترقُ كالسَّمَنْدَرِ وَبْرُ دُوَيْبَةٍ تكونُ ببلادِ التركِ لا تؤثرُ فيهِ النارُ، وتُتَّخَذُ منهُ مناديلُ، فإذا اتَّسَخَت المنديلُ، أُلقيتْ في النارِ، فيذهبُ الوسخُ ويبقى المِنْديل، وأعجبُ من ذلكَ أكلُ النَّعامِ النارَ والحديدَ المحمَّى، انتهى.
﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ بأنواعِ التخويفِ ﴿فَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ تخويفُنا.
﴿إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ تمرُّدًا وعُتُوًّا عَظيمًا.
...
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: واذكرْ إِذْ قُلْنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ أي: خلقتَهُ من طينٍ، وثُصِبَ بنزعِ الخافضِ، وقاسَ إبليسُ في هذهِ النازلةِ فأَخطأَ، وذلك أنه لما رأى الفضيلةَ لنفسِه من حيثُ رأى أن النارَ أفضلُ من الطين، وجهلَ أنَّ الفضائل في الأشياءِ إنما تكونُ حيثُ خَصَّها الله تعالى، ولا يُنْظَرُ إلى أُصولها. واختلافُ القراءِ في: (أَأَسْجُدُ) كاختلافِهم في ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ في سورةِ البقرةِ [الآية: ٦]، وتقدَّمَ مذهبُ أبي جعفرٍ في ضمِّ التاءِ من قوله (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا) في سورةِ البقرةِ.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٥).
الإسراء 17:62
﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾.
[٦٢] ولما أُمِرَ الخبيثُ بالسجودِ لآدمَ ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ﴾ أَخْبِرْني عن.
﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ أي: فَضَّلْتَ، لِمَ فَضَّلْتَهُ ﴿عَلَيَّ﴾ وأنا خيرٌ منه، وتمَّ سؤالُ الخبيثِ، ثم ابتدأ آتيًا باللامِ الموطِّئَةِ للقسَمِ المحذوفِ فقال:
﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أثبتَ أبو عمرٍو، ونافعٌ، وأبو جعفرٍ: الياءَ في (أَخَّرْتَنِي) وَصْلًا، وأثبتَها يعقوبُ وَصْلًا ووَقْفًا، وحذفها الباقونَ في الحالين (١).
﴿لأَحْتَنِكَنَّ﴾ لأستأصِلَنَّ ﴿ذُرِّيَّتَهُ﴾ بالإغواءِ ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وهم المستثنَوْنَ بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
...
﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿قَالَ﴾ اللهُ تهديدًا له، وتحذيرًا منه؛ لئلَّا يُطاعَ:
﴿اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ من الإنسِ.
﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ﴾ على صنيعِكم ﴿جَزَاءً مَوْفُورًا﴾ موفرًا مُكَمَّلًا. قرأ أبو عمرٍو، والكسائيُّ، وخلادٌ، وحمزهُ: (اذْهَب فمَنْ) بإدغامِ الباءِ في الفاء، والباقون: بالإظهار (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٢٩).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن =
الإسراء 17:64
﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ اسْتَخِفَّ واسْتَزِلَّ ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ يعني: من ذريةِ آدمَ ﴿بِصَوْتِكَ﴾ أي: بالوسوسةِ.
﴿وَأَجْلِبْ﴾ اجمعْ ﴿عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ جمع راجل، المعنى: اجهدْ جهدَكَ، واجمعْ عليهم مكرَكَ وحيلَك ما أمكَنكَ، فلن أعجزَ عن منعِك ومنعِهم إذا شئتُ، قال أهلُ التفسير: كلُّ راكبٍ وماشٍ في معاصي الله فهو من جُنْدِ إبليسَ. قرأ حفصٌ عن عاصمٍ: (وَرَجِلِكَ) بكسر الجيم، والباقون: بإسكانِها، وهما لغتان (١).
﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ﴾ المحرَّمَةِ؛ كالربا والغُصوب ﴿وَالْأَوْلَادِ﴾ من الزنى، وما كانوا يَئدِونَهُ من البناتِ، ويُهَوِّدونه ويُمَجِّسونه ويُنَصِّرونه من أولادِهم.
﴿وَعِدْهُمْ﴾ بما لا يتمُّ لهم، وبأنهم غَيْرُ مبعوثينَ، فهذهِ مشاركَةٌ في النفوسِ.
﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ باطِلًا؛ لأنه لا يُغْني عنهم شيئًا.
...
= الجزري (٢/ ٨ - ٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٠).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٠).
الإسراء 17:65
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يعني: المخلَصينَ ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على إغوائِهم ﴿سُلْطَانٌ﴾ قدرةٌ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ حافِظًا لمن اعتمدَ عليه.
****
﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي﴾ يسوقُ.
﴿لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا من رزقِه.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ حيثُ هَيَّأَ لكم ما تحتاجونَ إليه، وسَهَّلَ عليكم ما يَعْسُرُ من أسبابِه.
...
﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ خوفَ الغرقِ.
﴿ضَلَّ﴾ ذهبَ عن أوهامِكم.
﴿مَنْ تَدْعُونَ﴾ من الآلهةِ ﴿إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فلا تدعونَ في ذلكَ الوقتِ سواهُ.
﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ﴾ من الغرقِ ﴿إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ عن الإيمانِ.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ للنعمِ، والإنسانُ هنا للجنسِ، وكلُّ واحدٍ لا يكادُ يؤدِّي شكرَ اللهِ كما يجبُ.
***
الإسراء 17:68
﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿أَفَأَمِنْتُمْ﴾ الهمزةُ للإنكار، والفاءُ للعطفِ على محذوفٍ؛ أي: نجوتُم من البحرِ، فَأَمِنتُمْ ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ نُغَوِّرَ.
﴿بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ ناحِيَتَهُ عن الأرضِ؛ كقارونَ.
﴿أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا عاصِفًا ترمي بالحصباءِ، وهي الأحجارُ الصغارُ.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا﴾ مَنْ يَتَوَكَّلُ بصرفِ ذلكَ عنكم.
...
﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ﴾ أي: في البحرِ ﴿تَارَةً﴾ مرةً.
﴿أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ ريحًا شديدةً تقصفُ الشجرَ.
﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ أي: تابِعًا مطالِبًا بالثأر. قرأ ابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو: (أَنْ نَخْسِفَ) (أَوْ نُرْسِلَ) (أَنْ نُعِيدَكُمْ) (فَنُرْسِلَ عَلَيْكُمْ) (فَنُغْرِقَكُمْ) بالنونِ في الخمسة؛ لقوله: (عَلَيْنَا)، وقرأ الباقون: بالياءِ، سوى أبي جعفرٍ ورويسٍ في قوله: (فَنُغْرِقَكُمْ) لقوله: (إِلَّا إِيَّاهُ)، وقرأ أبو جعفرٍ، ورويسٌ عن يعقوبَ: (فَتُغَرِقَكُم) بالتاء على التأنيث، يعني: الريحَ، ورُويَ عن أبي جعفرٍ وجهُ ثانٍ: (فتُغَرِّقَكُمْ) بفتحِ
الإسراء 17:70
الغينِ وتشديدِ الراء (١)، وقرأ أبو جعفرٍ: (الرِّيَاحَ) على الجمعِ، والباقون: على التوحيد (٢).
...
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ جعلْنا لهم شَرَفًا وفَضْلًا، وهذا هو كرمُ نفيِ النقصانِ، لا كرمُ المالِ، قالَ ابنُ عباسٍ: "هو أنَّهم يأكلونَ بالأيدي، وغيرُ الآدميِّ يأكلُ بفيهِ منَ الأرضِ" (٣).
﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ﴾ على الدوابِّ ﴿وَالْبَحْرِ﴾ على السُّفُنِ.
﴿وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ لذيذِ المطاعمِ والمشاربِ.
﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ وظاهرُ الآيةِ أن فضلَهم على كثيرٍ ممن خلقه، لا على الكُلِّ، وقال قومٌ: فُضِّلوا على جميعِ الخلقِ إلَّا على الملائكةِ، وقيلَ: إلَّا على جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ وملكِ الموتِ وأشباهِهم، وفي تفضيلِ الملائكةِ على البشرِ اختلافٌ، والتفضيلُ حقيقةً لا يعلمُه إلا الله ومن شاءَ من خلقِه، وتقدَّمَ في سورةِ البقرةِ عندَ تفسيرِ قولِه
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٠ - ٣٣٢).
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٠/ ٢٩٣)، و"البحر المحيط" لأبي حيَّان (٦/ ٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٢).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (ص: ٦٩٦).
الإسراء 17:71
تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ مذهبَ أهلِ السُّنةِ أنَّ الأنبياءَ أفضلُ من الملائكةِ، وإنْ كانوا رُسُلًا.
...
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١)﴾.
[٧١] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ.
﴿نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بمنِ ائْتَمُّوا به من نبيٍّ وغيرِه.
﴿فَمَنْ أُوتِيَ﴾ من المدعُوِّينَ ﴿كِتَابَهُ﴾ أي: كتابَ عملِه.
﴿بِيَمِينِهِ﴾ وهمُ السعداءُ.
﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ﴾ أي: ما فيه من الحسناتِ، ولم يذكرِ الأشقياءَ، وإنْ كانوا يقرؤون كتبَهم أيضًا، لأنهم إذا قرؤوا ما فيها، لم يُفْصِحوا به؛ خوفًا وحياءً، بخلافِ السعداءِ، فإنهم يقرؤون كتبَهم ظاهرًا مشهورًا ويُقْرِئُونها غيرَهم سُرورًا ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ﴾ أي: جميعُ المدعوِّينَ ﴿فَتِيلًا﴾ وهو ما في شقِّ النواةِ طولًا، وتقدَّم في سورةِ النساءِ.
...
﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ﴾ الدنيا ﴿أَعْمَى﴾ عن الهدايةِ ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ عن إثباتِ الحجَّةِ ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ، وورشٌ عن نافعٍ: (أَعْمَى) بالإمالةِ في الحرفينِ؛ لأن أَلفَها طرفٌ؛ لأنها بمعنى عامٍ، وهو من عَمَى
الإسراء 17:73
القلبِ، وافقَهم أبو عمرٍو ويعقوبُ في إمالةِ الأولِ، وفتحا الثانيَ، جَعلاهُ من أفعلِ التفضيل؛ لأن أفعلَ التفضيلِ يتصل بـ (من)، فصارتْ ألفُه وَسَطًا كألفِ (أَعْمَالكم)، فلم يمل، وقرأ الباقون: بفتحِهما على الأصلِ (١).
...
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾.
[٧٣] ولما طلب المشركونَ من النبيِّ - ﷺ - أن يجعلَ آيةَ رحمةٍ مكانَ آيةِ عذابٍ، وبالعكسِ، وأن يستلمَ آلهتَهم، وأن يطردَ الضعفاءَ والمساكينَ عنه، وأطمعوه في إسلامِهم، قالوا: فمالَ إلى بعضِ ذلكَ بخطراتِ القلبِ مما لا يمكن دفعُه، ولم يكنْ عَزْمًا؛ كَهَمِّ يوسفَ، والقولُ فيهما واحدٌ، وقد عفا الله عن حديثِ النفسِ، فنزل:
﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ (٢) المعنى: إن الشأنَ قاربوا.
﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾ لَيَصْرِفونَكَ بخدْعِهم.
﴿عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾ لتتقَوَّلَ ﴿عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا﴾ لو فعلْتَ ما طلبوا منكَ ﴿لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا﴾ صديقًا.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٦٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٣).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٥).
الإسراء 17:74
﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ على الحقِّ بعصمتِنا إياكَ.
﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾ المعنى: لَقاربتَ أن تسكُنَ إلى قولهم.
﴿شَيْئًا قَلِيلًا﴾ دليلٌ على أنه - ﷺ - عُصِمَ ولم يَرْكَنْ إليهم في شيءٍ ما، فبعدَ أن عصمَه خاطبَه تحذيرًا لغيره، وتقديره: ولو رَكَنْتَ.
...
﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ أي: عذابِ الدنيا.
﴿وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ في الآخرةِ؛ أي: لعذبناك عذابًا مضاعَفًا في الدارينِ.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ مانِعًا يمنعُ عنكَ عذابَنا.
...
﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ لينتزعونَكَ بسرعةٍ.
﴿مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ من أرضِ المدينةِ، قالتْ له اليهودُ: ما المدينةُ بأرضِ الأنبياءِ، إنما أرضُهم الشامُ، وهي الأرضُ المقدسةُ، ولكنك تخافُ الرومَ، فإن كنتَ نبيًّا، فاخرجْ إليها؛ فإن اللهَ سيحميكَ كما حَمَى غيرَكَ من الأنبياءِ، فنزلتِ الآيةُ.
الإسراء 17:77
﴿وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ﴾ (١) ولو خَرَجْتَ، لا يَبْقَوْنَ بعدَ خروجِك.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: بعدَ إِخراجك كُنَّا نُهْلِكُهم. قرأ نافعٌ، وابنُ عامرٍ، وابنُ كثيرٍ، وأبو عمرٍو، وأبو بكرٍ عن عاصمٍ: (خَلْفَكَ) بفتحِ الخاءِ وإسكانِ اللامِ من غيرِ ألفٍ، وقرأ الباقون: (خِلاَفَكَ) بكسرِ الخاءِ وفتحِ اللام وألفٍ بعدَها، ومعناهما واحدٌ (٢).
...
﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿سُنَّةَ﴾ نصبٌ مصدرٌ ﴿مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ أي: هذه سنتُنا أنَّ الأممَ إذا أَخْرجوا نبيَّهم، أو قتلوهُ، أُهْلِكوا.
﴿وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا﴾ لعادتِنا ﴿تَحْوِيلًا﴾ تغييرًا.
...
﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ميلِها من الزوالِ إلى الغروبِ، فيتناولُ صلاةَ الظهرِ والعصرِ ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ ظلامِه، يتناولُ المغربَ والعشاءَ.
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٤)، وفيها أن قراءة ابن عامر: "خلافك".
الإسراء 17:79
﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ صلاةَ الصبحِ، سُمِّيت قرآنًا؛ لأن القرآنَ هو عُظْمُها؛ إذْ قراءتُها طويلةٌ مجهورٌ بها ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ تشهدُه ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ إذا صعِدَ هؤلاءِ ونزلَ هؤلاءِ.
...
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ﴾ أي: وعليكَ صلاةُ بعضِ الليلِ.
﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أي: بالقرآنِ، والتهجُّدُ لا يكونُ إلا بعدَ النومِ.
﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ زيادةً على الفرائضِ، وكانتْ صلاةُ الليلِ فَرْضًا على النبيِّ - ﷺ - وعلى أُمَّتِه، فَنُسخَ في حقِّ أمتِهِ بالصلواتِ الخمسِ، وبقيَ الوجوبُ في حقِّهِ، وذهبَ قومٌ إلى أنَّ الوجوبَ نُسِخَ في حقِّه كأمتِهِ.
﴿عَسَى﴾ من اللهِ واجبٌ، لأنه لا يدعُ أن يعطيَ عبادَه أو يفعلَ بهم ما أَطمَعَهم فيه.
﴿أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ يومَ القيامةِ فيقيمَك.
﴿مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ هو مقامُ الشفاعةِ، يَغْبِطُهُ به الأولونَ والآخِرون؛ لأنَّ كلَّ مَنْ قُصِدَ من الأنبياءِ للشفاعةِ يحيدُ عنها، ويُحيلُ على غيرِه حتى يأتوا محمدًا - ﷺ - للشفاعة، فيقول: "أَنَا لَهَا" (١)، ثم يشفعُ، فَيُشَفَّعُ فيمن كانَ من أهلِها.
(١) رواه البخاري (٧٠٧٢)، كتاب: التوحيد، باب: كلام الرب -عز وجل- يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ومسلم (١٩٣)، كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
الإسراء 17:80
﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ المدينةَ ﴿وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾ مكةَ، المعنى: حيثُما أدخلْتَني وأخرجْتَني فليكنْ بالصدقِ مِنِّي، ولا تجعلْني ذا الوجهينِ؛ فإن ذا الوجهينِ لا يجوزُ أن يكونَ أمينًا، نزلتْ حينَ أُمِرَ النبيُّ - ﷺ - بالهجرةِ (١).
﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ حجةً تنصرُني على المخالِف.
...
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.
[٨١] ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلامُ ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ بطلَ الكفُر.
﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ هالِكًا عند مجيءِ الإسلام.
...
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ قرأ أبو عمروٍ، ويعقوبُ: بإسكانِ النونِ الثانيةِ، وتخفيفِ الزايِ، والباقون: بفتحِ النونِ وتشديدِ الزاي (٢).
﴿مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ للقلوبِ من الضلالة، و (مِنْ) يصحُّ أن تكونَ
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٦).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٥).
الإسراء 17:83
لابتداءِ الغايةِ، ويصحُّ أن تكونَ لبيانِ الجنسِ؛ كأَنه قال: ونُنْزِلُ ما فيه شفاءٌ من القرآنِ، قال ابنُ عطية: وأنكرَ بعضُ المتأوِّلينَ أن تكونَ (من) للتبعيضِ؛ لأنه تحفَّظَ من أن يلزمَه أن بعضَهُ لا شفاءَ فيه، وليس يلزمُه هذا، بل يصحُّ أن تكونَ للتبعيضِ بحسبِ أنَّ إنزالَه إنما هو مبعَّضٌ؛ كأنه قالَ: (وننزلُ من القرآنِ) شيئًا شيئًا (ما) فيهِ كلِّه (شفاءٌ)، واستعارةُ الشفاءِ للقرآنِ هو بحسبِ إزالتهِ للريبِ، وكشفِهِ غطاءَ القلبِ لفهمِ المعجزاتِ والأمورِ الدالةِ على الله تعالى المقررة لشرعه، انتهى (١).
﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنه سببُ الرحمة.
﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ نَقْصًا؛ لأنهم يُنكرونَ القرآنَ فيخسرونَ.
...
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾.
[٨٣] ونزلَ فيمنْ كان يدعو ويلجأُ إلى اللهِ في البلاءِ، ويتركُ ذلكَ في الرخاء: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ بِسَعَةِ الرزقِ وكشفِ البلاءِ ﴿أَعْرَضَ﴾ وَلَّى عن التضرُّعِ.
﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ بَعُدَ بناحيتِهِ، كأنه مستغنٍ مستبدٌّ بأمرِه. قرأ أبو جعفرٍ، وابنُ ذكوانَ عن ابنِ عامرٍ: (وَنَاءَ) بهمزةٍ بعدَ الألفِ، مثل فاعَ وجاءَ من النَّوْءِ، وهو النهوضُ والقيامُ، والباقون: يجعلونَ الهمزةَ قبلَ الألفِ (٢)،
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٨٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الإسراء 17:84
وأمالَ الكسائيُّ وخلفٌ لنفسِه، وعن حمزةَ فتحة النونِ والهمزةِ، وأمال أبو بكرٍ عن عاصمٍ، والسوسيُّ عن أبي عمرٍو بخلافٍ عنه، وخلادٌ عن حمزةَ فتحَ الهمزةِ فقط، وفتحوا النونَ، وقرأ الباقون: بفتحِ النونِ والهمزةِ على وزنِ نَعَى (١).
﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الشدةُ والبلاءُ ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾ شديدَ القنوطِ من رحمةِ اللهِ تعالى.
...
﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ طريقتِهِ.
﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا﴾ أوضحُ طريقًا.
...
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾.
[٨٥] روى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: أنه كانَ مع رسولِ الله - ﷺ -، فمرَّ على حرثٍ بالمدينةِ، وإذا فيه جماعةٌ من اليهودِ، فقالَ بعضُهم لبعضٍ: سلوهُ عن الرُّوحِ، فإن أجابَ فيه، عرفتم أنه ليسَ بنبيٍّ، وذلكَ أنه كانَ عندَهم في التوراةِ أنَّ الروحَ مما انفردَ اللهُ تعالى بعلِمه، ولا يُطْلع عليه أَحَدًا من عبادِه، قال ابنُ مسعودٍ: وقالَ بعضُهم: لا تسألوه؛ لئلَّا يأتيَ فيه بشيء تكرهونه،
= (٢/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٥ - ٣٣٦).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، والمصادر السابقة. قال: فسألوهُ، فوقفَ رسولُ الله - ﷺ - متوكئًا على عسيبٍ، فظننتُ أنه يُوحَى إليه، ثم تلا عليهم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (١).
قال الجمهور: وقعَ السؤالُ عن الأرواحِ التي في الأشخاصِ الحيوانيةِ ما هي؟ فالروحُ اسمُ جنسٍ على هذا، وهو الشكلُ الذي لا تفسيرَ له، وفسرَها جمهورُ المتكلمين بجسمٍ لطيفٍ مشتبكٍ بالبدنِ اشتباكَ الماءِ بالعودِ الأخضرِ، وقال كثيرٌ منهم: إنها عَرَضٌ، وهي الحياةُ التي صارَ البدنُ بوجودها حَيًّا، قالَ السَّهْرَوَرْدِيُّ: ويدلُّ للأول وصفُها في الأخبارِ بالهبوطِ والعُروج والتردُّدِ في البرزخ، وقيل: هو جبريلُ، أو ملكٌ أعظمُ منهُ ومن جميعِ الملائكة، وقيل: عيسى عليه السلام، وقيلَ: القرآنُ، قالَ ابنُ عطيةَ: والأولُ أظهرهُا وأصوبُها (٢)، قال الكواشيُّ: واختلفوا فيه، وفي ماهيته، ولم يأتِ أحدٌ منهم على دعواهُ بدليلٍ قطعيٍّ، غيرَ أنه شيءٌ بمفارقتهِ يموتُ الإنسانُ، وبملازمته له يبقى.
ثم أومأ تعالى إلى تعذُّرِ معرفتهِ حقيقةً بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من علمِه ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ أيُّها المؤمنونَ والكافرونَ.
﴿مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ في جنبِ علمِ اللهِ تعالى، فالخطابُ في هذا لجميعِ العالَم، وهو الصحيحُ.
وحُكِيَ أن عظيمَ الرومِ كتبَ إلى أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه يسألهُ عن الروحِ، فكتب لهُ الإمامُ عمرُ الآيةَ الشريفة
(١) رواه البخاري (٤٤٤٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾، ومسلم (٢٧٩٤)، كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم، باب: سؤال اليهود النبي - ﷺ - عن الروح.
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٨٢).
الإسراء 17:86
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ إلى آخرِها، فأرسلَ عظيمُ الرومِ إليه أنَّ هذا الجوابَ لا يَكْفيني، وإنما أريدُ جوابًا أفهمُه، فقال الإمام عمرُ: "لا أعرفُ غيرَ ذلك"، وكان ذلكَ بحضورِ الإمامِ عليِّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه، فاستأذنَ الإمامُ عمرُ في ردِّ جوابِ عظيمِ الرومِ، فأذِنَ له، فكتب: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الروحُ لطيفةٌ ربانيةٌ، نزلَتْ من الخزائنِ الرحمانية، أُودِعَتْ في الهياكلِ الجثمانيةِ، ضَمِنَ لها رزقَها، وجعلهَا عندَكَ رَهْنًا، فإذا وفي بما ضمِنَ، أَخذَ ما رَهَنَ"، انتهى.
...
﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآنِ كما منعْنا علمَ الروحِ عنكَ وعن غيرِكَ، اللامُ في (لَنَذْهَبَنَّ) جوابُ قسمٍ محذوفٍ مع نيابتِه عن جزاءِ الشرطِ، تقديرُه: واللهِ إنْ شِئْنا ذَهَبْنا بالقرآنِ، ومَحَوْناهُ من الصدورِ والمصاحِف.
﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ أي: من يتوكَلُ بردِّ القرآن إليك.
...
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿إِلَّا رَحْمَةً﴾ استثناء منقطع، أي: لكن لا نشاء ذلك.
﴿مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ كإنزالِه عليكَ، وإبقائِه في حفظِك.
الإسراء 17:88
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ متظاهرين.
﴿عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ﴾ في البلاغةِ والإعجازِ.
﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا يقدِرون على ذلكَ.
﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ مُعينًا، نزلتْ حينَ قالَ الكفار: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [الأنفال: ٣١]، فكذَّبَهم الله عز وجل (١)؛ لأنه في أعلى طبقاتِ البلاغةِ، لا يشبهُ كلامَ الخلقِ؛ لأنه غيرُ مخلوقٍ، ولو كانَ مخلوقًا، لأَتَوا بمثلِه.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ بَيَّنَّا ﴿لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كلِّ معنى هو كالمثلِ في غرابتِه ووقوعِه مَوْقِعًا في الأنفس. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ، وهشامٌ: (ولَقَد صَّرَّفْنَا) وشبهه بإدغامِ الدالِ في الصادِ، والباقون: بالإظهار (٢).
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جُحودًا للحقِّ.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٧١٤).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).
الإسراء 17:90
﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: المشركون تَعَنُّتًا واقتراحًا بعدَما ألزمَهم الحجةَ ببيانِ إعجازِ القرآنِ، وانضمامِ غيره من المعجزاتِ إليه.
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ يا محمدُ ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ عينًا ينبعُ منها الماءُ. قرأ أبو عمرٍو: (نُؤْمِن لَّكَ) بإدغامِ النونِ في اللام (١)، وقرأ الكوفيون، ويعقوبُ: (تفجُرَ) بفتحِ التاءِ وإسكانِ الفاءِ وضمِّ الجيمِ وتخفيفِها؛ لأنَّ الينبوعَ واحدٌ، وقرأ الباقونَ: بضمِّ التاءِ وفتحِ الفاءِ وكسرِ الجيمِ وتشديدِها؛ من التفجير، واتفقوا على تشديدِ قوله: (فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ) لأنها جمع، والتشديدُ يدلُّ على التكثيرِ، ولقوله: (تَفْجِيرًا) (٢).
...
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾.
[٩١] ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾ بستانٌ ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا﴾ وَسْطَها ﴿تَفْجِيرًا﴾ تشقيقًا.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٧).
الإسراء 17:92
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾.
[٩٢] ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفرٍ، وابنُ عامرٍ: (كِسَفًا) بفتحِ السينِ جمعُ كِسْفِة؛ أي: قطعة، وقرأ الباقون: بالإسكانِ على التوحيد، جمعُه أكسافٌ وكسوفٌ (١).
﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ضَمينًا لصحةِ قولكَ.
﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾.
[٩٣] ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ ذهبٍ ﴿أَوْ تَرْقَى﴾ تصعَدَ.
﴿فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ لصعودِك.
﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ فيهِ تصديقُك.
﴿قُلْ﴾ قرأ ابنُ كثيرٍ، وابنُ عامرٍ: (قَالَ) بالألف إخبارًا عن النبيِّ - ﷺ -، وكذا هو في مصاحفِ أهلِ مكةَ والشامِ، وقرأ الباقون: (قُلْ) بغيرِ ألفٍ على الأمرِ، وكذا هو في مصاحِفِهم؛ أي: قلْ يا محمدُ (٢):
﴿سُبْحَانَ رَبِّي﴾ تنزيهًا للهِ من أن يتحكَّمَ عليه، أو تعجُّبًا من اقتراحاتِهم.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٥ - ٣٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٩).
(٢) المصادر السابقة.
الإسراء 17:94
﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ أي: ما هذا في قوى البشرِ، وليسَ لبشرٍ ولا لرسولٍ الإتيانُ بشيءٍ منهُ إلا بإذنِ الله.
...
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ أي: أهلَ مكةَ.
﴿أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآنُ.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ جَهْلًا مهم: ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ولم يبعثْ مَلَكًا؟ فلا نؤمنُ به.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.
[٩٥] فردَّ تعالى عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ كَمَشْي الإنسِ؛ أي: لو سكنَ الأرضَ ملائكةٌ، واستقرُّوا فيها.
﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ لأن رسولَ كلِّ قومٍ من جنسِهم؛ لأنَّ القلبَ إلى الجنسِ أميلُ منهُ إلى غيرِ الجنسِ.
...
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أني رسولُه إليكم.
الإسراء 17:97
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يعلمُ أحوالَهم، فيجازيهم، فيه تسليةٌ للنبيِّ - ﷺ -، وتهديدٌ للكفار.
...
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أثبتَ نافع، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو الياءَ في (المهتدي) وَصْلًا، ويعقوبُ في الحالينِ، وحذفَها الباقونَ فيهما (١).
﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ يَهْدونهم.
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ أي: يُسْحبون عليها في النار، قيلَ للنبيِّ - ﷺ -: كيفَ يمشونَ على وجوهِهِمْ؟ قالَ: "الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ" (٢) ﴿عُمْيًا﴾ لا يُبْصرون ما يُقِرُّ أعينَهم ﴿وَبُكْمًا﴾ لا ينطقونَ بحجَّةٍ ﴿وَصُمًّا﴾ لا يسمعون ما يلتذُّونَ به.
﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ﴾ سكنَ لهيبُها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ١٧٥).
(٢) رواه البخارى (٤٤٨٢)، كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ...﴾، ومسلم (٢٨٠٦)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: يحشر الكافر على وجهه، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
الإسراء 17:98
﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ تَلَهُّبًا واشتعالًا، فالزيادة في حَيِّزِهم، وأما جهنمُ، فعلى حالِها من الشدَّةِ لا يُصيبُها فُتورٌ. قرأ أبو عمرٍو، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (خَبَت زدْنَاهُمْ) بإدغامِ التاءِ في الزاي، واختلِفَ عن هشامٍ راوي ابنِ عامر، وقرأ الباقون: بالإظهار (١).
...
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ تقدَّمَ تفسيرُ نظيرِها، والتنبيهُ على مذاهبِ القراء فيها في السورةِ.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (٩٩)﴾.
[٩٩] فأجابهم اللهُ تعالى بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ في عظمها وشدَّتها.
﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ في صغرِهم وضعفهم.
﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا﴾ وَقْتًا لعذابِهم.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٩).
الإسراء 17:100
﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أنه يأتيهم، وهو الموتُ أو القيامةُ.
﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ عِنادًا.
...
﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ المعنى: لو مَلَكْتُم ﴿خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ أي: رزقِهِ. قرأ نافعٌ، وأبو جعفرٍ، وأبو عمرٍو: (رَبِّيَ) بفتحِ الياءِ، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِذًا لأَمْسَكْتُمْ﴾ لَبَخِلْتُم ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ والفاقةِ.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ ضَيِّقًا بخيلًا.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا (١٠١)﴾.
[١٠١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالاتٍ واضحاتٍ، وهي في قولِ جمهورِ المفسِّرين: بياضُ اليد، والعصا، والطوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، وحَلُّ عقدةٍ من لسانِه، وانفلاقُ البحرِ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠). وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ رضي الله عنه: ثنا يزيد، أنبأ شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ سلمةَ يحدِّثُ عن صفوانَ بنِ عَسَّالٍ المراديِّ، قال: قال يهوديٌّ لصاحِبه: اذهبْ بنا إلى هذا النبيِّ حتى نسألَه عن هذهِ الآيةِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال: لا تقلْ له نبيٌّ، فإنه لو سمعَكَ، لصارتْ له أربعةُ أعينٍ، فسنألاهُ، فقال النبيُّ - ﷺ -: "لا تُشْرِكُوا بِاللهِ شَيْئًا، وَلاَ تَسْرِقُوا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، ولا تَسْحَرُوا، وَلاَ تأْكُلُوا الرِّبَا، وَلاَ تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقتُلَهُ، وَلاَ تَقْذِفُوا مُحْصنًا، أو قال: ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، شعبةُ هو الشاكُّ، وَأَنْتُمْ يَهُودُ عَلَيْكُمُ خَاصَّةً أَلَّا تَعْدُوا في السَّبْتِ"، فقبَّلا يديهِ ورجليه، وقالا: نشهدُ أنكَ نبيٌّ، قالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَتَّبِعَانِي؟ "، قالا: إن داودَ عليه السلامُ دعا أن لا يزالُ من ذريتِه نبيٌّ، فإنا نخشى إنْ أسلَمْنا أن تقتلَنا يهودُ (١).
﴿فَاسْأَلْ﴾ يا محمدُ مَنْ آمنَ من ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كعبدِ اللهِ بنِ سلامٍ وأصحابِه؛ لتحتجَّ بهِ على مَنْ لم يؤمنْ. قرأ ابنُ كثيرٍ، والكسائيُّ، وخلفٌ: (فَسَلْ) بالنَّقْلِ، والباقون: بالهمز (٢).
﴿إِذْ جَاءَهُمْ﴾ موسى. قرأ أبو عمرٍو، وهشامٌ عن ابنِ عامرٍ: (إذ جاءَهُمْ)
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٢٣٩)، والترمذي (٢٧٣٣)، كتاب: الاستئذان، باب: ما جاء في قبلة اليد والرجل، وقال: حسن صحيح، وغيرهما.
(٢) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٦/ ٨٥)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠).
الإسراء 17:102
بإدغامِ الذالِ في الجيم، والباقون: بالإظهار (١).
﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ سُحِرْتَ، فتخبَّطَ عقلُكَ.
...
﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾: قرأ الكسائيُّ: (عَلِمْتُ) بضم التاء، يخبرُ عن نفسِه أنه ليسَ بمسحورٍ، وأنَّ ما جاء به حقٌّ، وقرأ الباقون: بفتح التاءِ خطابًا لفرعونَ (٢)؛ لأنه كان في حِجْرِهِ، ولم يكنْ رأى منهُ شيئًا يدلُّ على ذلك؛ أي: لقد علمتَ أَني لستُ بمسحورٍ.
﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ الآياتِ التسعَ ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ولكنَّك عانَدْتَ. واختلافُ القراء في (هَؤُلاَءِ إِلَّا) كاختلافِهم في (هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ) في سورةِ البقرةِ ﴿بَصَائِرَ﴾ بيناتٍ تبُصِّرُكَ صِدْقي، وانتصابُه على الحال ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ هالِكًا ملعونًا.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٦ - ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٠ - ٣٤١)، وقراءة نصب التاء أصح في المعنى، وعليه أكثر القرَّاء؛ لأن موسى لا يحتج عليه بعلم نفسه، ولا يثبت عن عليٍّ رضي الله عنه رفع التاء؛ لأنه روي عن رجل من مراد -وهو كلثوم المرداوي وهو مجهول- عن علي، ولم يتمسك بها أحد من القراء غير الكسائي. اهـ كذا قاله البغوي.
الإسراء 17:103
﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿فَأَرَادَ﴾ فرعونُ ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ أي: يخرجَهم: موسى وقومَه.
﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ أرص مصرَ ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا﴾ تأكيدٌ.
...
﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعدِ إهلاكِه.
﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ﴾ أي: أرضَ الشامِ ومصرَ.
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ وهي الساعةُ.
﴿جِئْنَا بِكُمْ﴾ من قبورِكم إلى موقفِ القيامةِ ﴿لَفِيفًا﴾ جَمْعًا مختلِطين.
...
﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ يعني: القرآنَ، أنزلناهُ بالدينِ القائمِ وبالأمرِ الثابتِ.
﴿وَبِالْحَقِّ﴾ بالأوامرِ والنواهي ﴿نَزَلَ﴾ القرآنُ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمطيعينَ ﴿وَنَذِيرًا﴾ للعاصينَ.
***
الإسراء 17:106
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ قراءة العامةِ: (فَرَقْنَاهُ) بتخفيفِ الراء؛ أي: بَيَّنَّاه وأوضَحْناه، وقرأ أبانُ عن عاصمٍ: بتشديد الراء، أي: أنزلناهُ نُجومًا شيئًا بعدَ شيءٍ (١).
﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ قراءةُ العامةِ: (مُكْثٍ) بضمِّ الميمِ، وقرأ أبانُ عن عاصمٍ: بفتحِ الميمِ، وهما لغتان (٢) معناهما تُؤَدَةٌ وتثَبُّتٌ لِيفهموهُ.
﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ حسبَ الحوادثِ.
...
﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ تهديدٌ ووعيدٌ وتحقيرٌ للكفارِ.
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبلِ القرآنِ، وهم العلماءُ الذين قرؤوا الكتبَ السابقةَ، وعرفوا حقيقةَ الوحيِ وأمارةَ النبوَّةِ.
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآنُ ﴿يَخِرُّونَ﴾ يسقُطونَ ﴿لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: عليها، والأذقانُ جمعُ ذَقَنٍ، وهو مجمَعُ اللَّحْيَيْنِ.
﴿سُجَّدًا﴾ تعظيمًا لله تعالى، ونصبهُ على الحال.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٢١)، و"المحتسب" لابن جني (١/ ٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٢).
(٢) ذكر هذه القراءة العكبري في "إملاء ما منَّ به الرحمن" (٢/ ٥٣)، والفخر الرازي في "تفسيره" (٢١/ ٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٢)، عن ابن محيصن، وهي قراءة شاذة.
الإسراء 17:108
﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ عن خلفِ الموعدِ.
﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ كائِنًا لا محالةَ.
...
﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ كَرَّرَ القولَ لتكرُّرِ الفعلِ منهم، وهذه مبالغةٌ ومدحٌ لهم، وذكرَ الذقنَ؛ لأنها أقربُ ما في رأسِ الإنسانِ إلى الأرضِ، لا سيما عندَ سجودِه.
﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾ القرآنُ ﴿خُشُوعًا﴾ تَواضُعًا، وهذا محلُّ سجودٍ بالاتِّفاقِ، وتقدَّمَ اختلافُ الأئمةِ في سجودِ التلاوةِ وحكمِه، وسجودِ الشكرِ آخرَ سورةِ الأعرافِ مستوفًى.
...
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)﴾.
[١١٠] قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنه: "سجدَ رسولُ الله - ﷺ - بمكةَ ذاتَ ليلةٍ فجعلَ يقولُ في سجودِهِ يا اللهُ يا رَحْمَنُ"، فقال أبو جهلٍ: إن محمدًا ينهانا عن آلِهتنا، وهو يدعو إلهينِ، فأنزل اللهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ (١) المعنى: أنهما اسمانِ لواحدٍ، فإنْ دعوتموهُ باللهِ، فهو ذلكَ،
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ١٨٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٤٨). وإن دعوتموهُ بالرحمنِ، فهو ذلك. قرأ عاصمٌ، وحمزةٌ: (قُلِ ادْعُوا) (أَوِ ادْعُوا) بكسرِ اللامِ والواو في الوصل، وافقَهُما يعقوبُ في كسرِ اللامِ فقط، وقرأ الباقون: بضمِّهما (١).
﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ و (ما) صلةٌ، مجازُه: أَيًّا تَدْعو؛ كقولهِ (عَمَّا قَلِيل) و (جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ)، وتقديرهُ: أيَّ الأسماءِ تدعو به، فأنتَ مصيبٌ، ووقفَ حمزةُ، والكسائيُّ، ورويسٌ عن يعقوبَ على قوله: (أيًّا) دونَ (ما)، وعَوَّضُوا من التنوينِ ألفًا، ويبتدِئون (مَا تَدْعُوا) بتقدير: الذي تدعوهُ، ووقفَ الباقونَ على (ما) (٢).
﴿فَلَهُ﴾ سبحانَه ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ التي تقتضي أفضلَ الأوصافِ.
﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ أي: بقراءتك في صلاتِك، فَيَسُبَّكَ المشركونَ.
﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ ولا تُخْفيها عن أصحابِك المصلِّينَ معكَ.
﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ الفعلِ، وهو الجهرُ، والمخافة.
﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا وَسَطًا.
...
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٣٤)، ورويت القراءة بضم اللام عن يعقوب.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٣).
الإسراء 17:111
[١١١] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ قال الحسينُ بنُ الفضل: يعني: الحمدُ للهِ الذي عَرَّفَني أنه لم يَتَّخِذْ ولدًا (١)، والآيةُ ردٌّ على اليهودِ والنصارى والعربِ في قولهم: عزيرٌ وعيسى والملائكةُ ذرية اللهِ، تعالى عن أقوالِهم.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ في الألوهيةِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ أي: لم يَذِلَّ فيحتاجَ إلى وَليٍّ يتعزَّزُ به، وهو ردٌّ على العربِ في قولهم: لولا أولياءُ الله لَذَلَّ.
﴿وَكَبِّرْهُ﴾ عن أنْ يكونَ له شريكٌ أو وَلِيٌّ ﴿تَكْبِيرًا﴾ قال عمرُ رضي الله عنه: "قَوْلُ العبدِ: اللهُ أكبرُ، خيرٌ من الدنيا وما فيها"، وهي أبلغُ لفظةٍ للعربِ في معنى التعظيمِ والإجلالِ، ثم أَكَّدَها بالمصدر تحقيقًا لها وإبلاغًا في معناها، والله أعلم (٢).
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٢/ ٧٢٥).
(٢) إلى هنا تم الجزء الأول من تجزئة المؤلف لتفسيره، والمكون من جزأين، وجاء في آخره: "قال جامعه عفا لله عنه بكرمه: وكان الفراغ من جمع هذا الجزء عقب صلاة الظهر من يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر صفر ختم بالخير والظفر سنة أربع عشرة وتسع مئة من الهجرة الشريفة النبوية المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية والبركة والإكرام وكان جمعه بالمسجد الأقصى الشريف شرفه الله وعظمة بقبة موسى عمَّرها الله بذكره ووافق الفراغ من تبيضه عقب صلاة الظهر من يوم السبت السابع والعشرين من جمادى الأولى سنة سبع عشرة وتسع مئة، الحمد لله وحده وصلواته على من لا نبي بعده محمد وآله وصحبه وسلامه، حسبنا الله ونعم الوكيل".
* هذا وقد وقع في النسخة الخطية "ش" خرم من قوله: "واستعارة الشفاء للقرآن هو بحسب إزالته للريب، وكشفه غطاء القلب لفهم المعجزات" (ص: ١٢٥) من هذا المجلد إلى هنا. سُوْرَةُ الكَهفِ
مكيةٌ في قولِ جميعِ المفسرينَ، ورُويَ عن فرقةٍ أنَّ أولَ السورةِ نزلَ بالمدينةِ إلى قوله: ﴿جُرُزًا﴾ والأولُ أصحُّ، آيها: مئةٌ وعشر (١) آياتٍ، وحروفُها: ستةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وستون حرفًا، وَكَلِمُها: ألفٌ وخمسُ مئةٍ وسبعُ وسبعونَ كلمةً، وهي من أفضل سورِ القرآنِ، ورُوي عن رسولِ اللهِ - ﷺ - قال: "أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِسُورَةٍ عِظَمُها كَمَا بَيْنَ السَّمَواتِ وَالأَرْضِ، وَلمن جَاءَ بِهَا من الأجر مِثْلَ ذَلِكَ؟ " قالوا: أَيُّ سورةٍ هيَ يا رسولَ اللهِ؟ قالَ: "سُورَةُ الْكَهْفِ، مَنْ قَرَأَ بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَزِيَادَةُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، ومَنْ قَرَأَ بِهَا، أُعْطِي نُورًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَوُقِيَ بِهَا فِتْنَةَ الدَّجَّالِ (٢) " (٣).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾.
(١) في "ت": "عشرون".
(٢) في "ت": "القبر".
(٣) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" عن إسماعيل بن أبي رافع بلاغًا، كما ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٥/ ٤٧٥).
الكهف 18:1
[١] لما سألتْ قريشٌ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن المسائلِ الثلاث: الرُّوحِ والكهفِ وذي القرنينِ حَسْبَ ما أَمَرهم به اليهودُ، قالَ لهم رسولُ اللهِ: "غَدًا أُخْبِرُكُمْ"، ولم يقلْ: إن شاءَ الله، فعوتبَ بلبثِ الوحيِ عنهُ خمسةَ عشرَ يومًا، فأرجفَ به المشركونَ، وقالوا: إنَّ محمدًا قَدْ تركه رِئِيُّهُ الذي كانَ يأتيه من الجنِّ، وقال بعضُهم: قد عجزَ عن أكاذيبهِ، إلى غيرِ ذلكَ، فشقَّ ذلكَ عليه، فجاءه الوحيُ من الله سبحانَه بالجوابِ، فافتتحَهُ بحمدِ اللهِ تعالى، فقال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ (١) أي: الثناءُ له، وتقدَّمَ الكلامُ عليه مستوفىً في سورةِ الفاتحةِ.
﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ - ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآنَ.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ والعِوَجُ: فَقْدُ الاستقامَةِ، وهو بكسرِ العينِ في المعاني، وبفتحِها في الأشخاصِ؛ كالعصَا والحائطِ ونحوِهما.
...
﴿قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾.
[٢] ﴿قَيِّمًا﴾ مستقيمًا نصبٌ على الحال، وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، مجازُه: أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ قِيمًا، ولم يجعلْ له عِوَجًا، قالَ ابنُ عطية: ويصحُّ أن يكونَ معنى (قيمًا): قيامَهُ بأمرِ الله تعالى على العالَمِ (٢).
وهذا المعنى يؤيده ما بعده من النذارة والبشارة اللذين عنى العالم، وكان حفص عن عاصم يسكت يسيرًا على (عِوَجًا)؛ تنبيهًا على تمام الوقف
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٠/ ٣٨٥).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٣/ ٤٩٥).
الكهف 18:3
عليه، ثم يقول: (قَيِّمًا) (١) ﴿لِيُنْذِرَ﴾ الكافرين ﴿بَأْسًا﴾ عذابًا.
﴿شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ من عنده. روى أبو بكر عن عاصم: (لَدْنِهِ) بسكون الدال وإشمامها الضم من غير صوت يسمع؛ دلالة على أن أصلها الضم، وبكسر النون والهاء وصلتها بياء في اللفظ، فكسرُ النون لسكونها وسكون الدال قبلها، وكسر الهاء إتباع، وقرأ الباقون: بضم الهاء والدال، وإسكان النون، وابن كثير على أصله في الصلة بواو (٢).
﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ هو نعيم الجنة وما يتقدمه من خير الدنيا.
...
﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾.
[٣] ﴿مَاكِثِينَ﴾ مقيمين.
﴿فِيهِ أَبَدًا﴾ ظرف دال على زمن غير متناه. قرأ حمزةُ، والكسائيُّ (وَيَبْشُر) بفتح الياء وتخفيف الشين وضمها؛ من البشر، وهو البشرى والبشارة. وقرأ الباقون بضم الياء وتشديد الشين مكسورة من بَشَّر المضعف على التكثير (٣).
(١) انظر: "الكشف" لمكي (٢/ ٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٧ - ٣٤٨).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٨).
الكهف 18:4
﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾.
[٤] ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ وهم ثلاث طوائف: اليهود في عزير، والنصارى في المسيح، وبعض العرب في الملائكة.
...
﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.
[٥] ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ باتخاذ الولد لله تعالى ﴿مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ من قبلهم؛ لأن ذلك مستحيل في حقه تعالى ﴿كَبُرَتْ﴾ عظمت ﴿كَلِمَةً﴾ نصب على التمييز ﴿تَخْرُجُ﴾ أي: تظهر ﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ وهي قولهم: اتخذ الله ولدًا (١) ﴿إِنْ﴾ أي: ما ﴿يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ فهي (ما) النافية.
...
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾.
[٦] ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ هذه تسلية للنبي - ﷺ -؛ أي: لا تكن كذلك.
وقوله: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلها ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ من بعد ذهابهم عنك.
﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن ﴿أَسَفًا﴾ حزنًا على فوات إيمانهم.
(١) "وهي قولهم: اتخذ الله ولدًا" زيادة من "ت".
الكهف 18:7
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾.
[٧] ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ والمراد بما على الأرض: كل ما يزينها من علماء وصلحاء ونبات وزخارف ونحوه، ولم يدخل في هذا الجبال الصم، وكل ما لا زينة فيه؛ كالحيات والعقارب ونحوها ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ لنختبر الناظرين إليها.
﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أزهد في الدنيا.
...
﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.
[٨] ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ أي: الأرض.
﴿صَعِيدًا﴾ أملس مستويًا.
﴿جُرُزًا﴾ غليظًا يابسًا لا ينبت.
...
﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾.
[٩] ثم جاء بما هو أعجب من ذلك فقال:
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ أي: بل ظننت.
﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الغار في الجبل.
﴿وَالرَّقِيمِ﴾ لوح رُقم فيه أسماء أصحاب الكهف وخبرهم، ثم وضعوه
الكهف 18:10
على باب الكهف، وكان اللوح من رصاص، والرقيم بمعنى: المرقوم؛ أي: المكتوب، والرقم: الكتابة (١).
﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ أي: كانوا آية يعجب بها من علمها، وفيه معنى الإنكار على السائلين عن أصحاب الكهف؛ كأنه قال: لا تعجبوا من أمرهم، ففيما خلقناه من صنوف الخلق ما هو أعجب منه.
...
﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ جمع فتى، وهو الشاب الكامل.
﴿إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: رجعوا وهربوا إليه، وأما خبر مصيرهم إلى الكهف، فقال محمد بن إسحاق: مرح أهل الإنجيل، وعظمت فيهم الخطايا، وطغت فيهم الملوك حتى عبدوا الأصنام، وذبحوا للطواغيت، وفيهم بقايا على دين المسيح يعبدون الله تعالى، وكان ملك منهم يقال له: دقيانوس قد عبد الأصنام، وقتل من خالفه، وكان ينزل قرى الروم، فلا يترك في قرية نزلها أحدًا إلا فتنه حتى يعبد الأصنام، ويذبح للطواغيت، أو يقتله، حتى نزل مدينة أصحاب الكهف، وسيأتي ذكرها، فهرب أهل الإيمان منه، وكان حين قدمها أَمَرَ أن يجمع له أهل الإيمان، فمن وقع به خيره بين القتل وبين عبادة الأوثان، فمنهم من يرغب في الحياة، ومنهم من يأبى أن يعبد غير الله، فيقتل.
(١) ورد على هامش "ش": "وقيل:
أصحاب الرقيم قوم آخرون كانوا ثلاثةً خرجوا؍ " وتتمة الكلام مقدار عشرة أسطر، إلا أنها مطموسة.
؍ فلما رأى ذلك أهل الشدة في الإيمان بالله، جعلوا يسلمون أنفسهم للعذاب والقتل، فيقتلون ويقطعون، ثم يربط ما قطع من أجسامهم على سور المدينة من نواحيها، وعلى كل باب من أبوابها، حتى عظمت الفتنة، فلما رأى ذلك هؤلاء الفتية، حزنوا حزنًا شديدًا، وأقبلوا على الصيام والقيام والتسبيح والدعاء، وكانوا سبعة في قول ابن عباس، وأسماؤهم عنده: مكشلمينا، ويمليخا، ومرطونس، ونينوس، وسارينوس، ودوانوانس، وكفشططيوش، وقيل: كانوا ثمانية، وكثر الاختلاف في أسمائهم وأنسابهم وحِرفهم واسم كلبهم ولونه (١).
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ أي: رزقًا.
﴿وَهَيِّئْ﴾ وأصلح ﴿لَنَا مِنْ أَمْرِنَا﴾ الذي نحن فيه، وهو الإيمان وترك الكفر.
﴿رَشَدًا﴾ صوابًا، أي: اجعلنا راشدين. قرأ أبو جعفر (وَهَيِّي) و (يُهَيِّي) بإسكان الياء الثانية بغير همز (٢).
فظهر عليهم، وحملوا إلى الملك فقال: اختاروا إما أن تذعنوا لآلهتنا،
(١) قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٧٩) عن أسماء الفتية: ".. وفي تسميتهم بهذه الأسماء واسمَ كلبهم نظر في صحته، والله أعلم، فإن غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب، وقد قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ أي، سهلًا هيِّنًا فإن الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة". وقال أيضًا (٣/ ٧٧) عن لون الكلب: "واختلفوا في لونه على أقوال لا حاصل لها، ولا طائل تحتها، ولا دليل عليها، بل هي مما ينهى عنه، فإن مستندها رجم بالغيب".
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٤٩، ٣٥١).
الكهف 18:11
وإما أن أقتلكم، فقال مكشلمينا، وهو أكبرهم: إن لنا إلهًا ملك السموات والأرض جلت عظمته، لن ندعو من دونه إلهًا أبدًا، وقال بقية الفتية لدقيانوس كذلك، فقال الملك: ما يمنعني أن أعجل لكم العقوبة إلا أنكم شباب، ورأيت أن أجعل لكم أجلًا تذكرون فيه وتراجعون عقولكم، فأخذوا من بيوتهم نفقة، وخرجوا إلى كهف قريب من المدينة في جبل يقال له: بنجلوس، واسم الكهف حيرم، وأقاموا به يعبدون الله فيه، واتبعهم كلب كان لهم، وجعلوا نفقتهم إلى فتى منهم، وهو يمليخا، وكان من أجملهم وأجلدهم، فكان يبتاع طعامهم من المدينة سرًّا، فإذا دخل المدينة، لبس ثياب المساكين، ويشترى طعامهم، ويتجسس لهم الأخبار، ولبثوا كذلك زمانًا حتى أخبرهم يمليخا أن الملك يطلبهم، ففزعوا لذلك، وحزنوا، فبينا هم كذلك عند غروب الشمس يتحدثون ويتدارسون، إذ ضرب الله على آذانهم في الكهف.
...
﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾.
[١١] قال الله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ أي: أنمناهم إنامة ثقيلة ﴿فِي الْكَهْفِ سِنِينَ﴾ ظرف لـ (ضربنا) ﴿عَدَدًا﴾ نعت (سنين) أي: معدودة، وتخصيص الآذان بالذكر؛ لأنها الجارحة التي منها عِظَمُ فساد النوم، وقلما ينقطع نوم نائم إلا من جهة أذنه، ولا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع.
...
﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾.
[١٢] وألقي النوم عليهم، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابه ما أصابهم، فسمع الملك أنهم بجبل بنجلوس، فألقى الله في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم حتى يموتوا جوعًا فيه، وظنهم أيقاظًا وهم رقود، أراد الله تعالى أن يكرمهم، وأن يجعلهم آية، وكان القوم يُقلبون ذات اليمين وذات الشمال، ثم عمد رجلان كانا مؤمنين في بيت الملك يكتمان إيمانهما اسم أحدهما يندروس، والثاني روناس، فكتبا شأن الفتية وأنسابهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلاه في البنيان، فبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقومه وقرون بعده، وخلفت الملوك بعد الملوك، ثم مَلَكَ تلك البلاد رجل صالح اسمه نيدوسيس ثمانيًا وعشرين سنة، فتحزب الناس في ملكه، فكانوا أحزابًا، منهم من يؤمن بالله، ومنهم من يكفر ويكذب بالساعة، فبكى الملك الصالح، وتضرع إلى الله حين رأى أهل الباطل يزيدون ويظهرون على أهل الحق، ثم دخل بيته وأغلق بابه، ولبس مُسوحًا وجعل تحته رمادًا، وجعل يتضرع إلى الله تعالى، ويبكي ويدعو الله أن يظهر لهم آية يبين لهم بطلان ما هم عليه، حتى أراد الله أن يظهر على الفتية أصحاب الكهف، ويبين للناس شأنهم، ويجعلهم آية؛ ليعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن يستجيب لعبده الصالح، ويجمع كلمة المؤمنين، فألقى في نفس رجل من ذلك البلد الذي به الكهف أن يهدم بنيان لهم (١) الكهف، فيبني حظيرة لغنمه، فهدمه، وحجبه الله بالرعب حتى لا يقدر أن يتقدم حتى ينظر إليهم، وكلبهم دونهم، وأذن الله للفتية أن يجلسوا، فجلسوا مستبشرين، فسلم بعضهم على بعض، حتى كأنما استيقظوا من ساعتهم التي كانوا يستيقظون بها إذا أصبحوا من ليلتهم، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أيقظناهم بعد ما أنمناهم.
(١) "فم" ساقطة من "ت". وقوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ عبارة عن خروج ذلك الشيء إلى الوجود، وإلا فقد كان الله تعالى علم ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الفريقين ﴿أَحْصَى﴾ أحفظ ﴿لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ المعنى: أيهم أضبطُ غاية لأوقات لبثهم.
قال ابن عطية: والظاهر من الآية أن الحزب الواحد هم الفتية، إذ ظنوا لبثهم قليلًا، والحزب الثاني هم أهل المدينة الذين بعث الفتية على عهدهم، حين كان عهدهم التاريخ بأمر الفتية، قال: وهذا قول الجمهور من المفسرين (١).
وقيل: المراد بالحزبين: المختلفين في مدة لبثهم، وذلك حين تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك نيدوسيس، والمسلمون الآخرون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف، فقال المسلمون الأولون: مكثوا ثلاث مئة سنة وتسع سنين، وقال المسلمون الآخرون: بل مكثوا كذا وكذا، وقال آخرون: الله أعلم بما لبثوا.
فلما استيقظ الفتية من نومهم، قاموا إلى الصلاة، فصلوا كالذي كانوا يفعلون، لا يرون في وجوههم ولا في أبدانهم شيئًا ينكرونه، وهم يرون أن ملكهم دقيانوس في طلبهم، فلما قضوا صلاتهم، قالوا لصاحب نفقتهم: أنبئنا ما الذي قال الناس في شأننا عشي أمس عند هذا الجبار؟ وهم يظنون أنهم رقدوا كبعض ما كانوا يرقدون، وقد يخيل إليهم أنهم قد ناموا أطول مما كانوا ينامون حتى تساءلوا بينهم، فقال بعضهم لبعض: كم لبثتم نيامًا؟ قالوا: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ثم قالوا: ربكم أعلم بما لبثتم، وكل ذلك
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٠٠). في أنفسهم يسير، فقال لهم (١) صاحب نفقتهم: إن الملك أراد قتلكم، أو تذبحوا للطواغيت، فقال كبيرهم: يا إخوتاه! اعلموا أنكم ملاقو الله، فلا تكفروا بعد إيمانكم إذا دعاكم عدو الله، ثم قالوا لصاحب نفقتهم: انطلق إلى المدينة فتسمَّعْ ما يقال بها، وما الذي نُذكر به عند دقيانوس، وتلطف، ولا تشعرن بك أحدًا، وابتع لنا طعامًا فأتنا به، وزدنا على الطعام الذي جئتنا به، فقد أصبحنا جياعًا، ففعل كما كان يفعل، ووضع ثيابه (٢) وأخذ الثياب التي كان يتنكر فيها، وأخذ وَرِقًا من نفقتهم التي كانت معهم التي ضربت بطابع دقيانوس، وانطلق خارجًا، فلما مر بباب الكهف، رأى الحجارة منزوعة عن بابه، فعجب منها، ثم مر ولم يبال بها حتى أتى باب المدينة، فنظر في أعلى الباب علامة أهل الإيمان، فاستخفى وتحول إلى باب آخر، فرأى مثل ذلك، حتى خُيلَ إِليهِ أن المدينة ليست بالذي كان يعرف، ورأى ناسًا يحلفون باسم عيسى، ولم يميز منهم أحدًا، فازداد حيرة، وظن أنه نائم، فسأل عن اسم المدينة، فقيل له: أقسوس، فقال: لعل عقلي ذهب، فدفع الورق إلى البياع ليشتري طعامًا، فعجب البياع من الورق، وطرحها إلى رجل من أصحابه، فجعلوا ينظرون إليها، ويقول بعضهم لبعض: إن هذا رجل قد أصاب كنزًا، وجعل أهل المدينة يقولون: ما رأينا هذا الفتى قط، فحملوه إلى رجلين كانا رأسي المدينة ومدبري أمرها، وهما صالحان، اسم أحدهما أزيوس، والآخر أضطيوس، فنظرا إلى الورق، فعجبا منه، فقال أحدهما: أين الكنز يا فتى؟ فقال: ما وجدت
(١) "لهم" زيادة من "ت".
(٢) "ثيابه" زيادة من "ت". كنزًا، وهذا الورق ورق آبائي، ونقش هذه المدينة وضربها، ولكن والله ما أدري ما شأني، وإني رجل من أهل المدينة، أنا فلان بن فلان، فلم يعرفه أحد، ولا عرف أباه، قالوا: فنقش هذا الورق من ثلاث مئة سنة، وأنت غلام شاب؟! فقال: ما فعل الملك دقيانوس؟ قالوا: ما نعرف على وجه الأرض اليوم هذا الاسم إلا ملك قد هلك، وهلك بعده قرون، قال لهم: فما يصدقني أحد، لقد كنا فتية، وكان الملك أكرهنا على عبادة الأوثان، فهربنا منذ أيام إلى الكهف، وخرجت لأشتري لأصحابي طعامًا، وأتجسس الأخبار، فانطلقوا معي إلى الكهف في جبل بنجلوس؛ لأريكم أصحابي، فلما سمع أريوس ما يقول، قال: يا قوم! لعلَّ هذهِ آية من آيات الله جعلها لكم على يدي هذا الفتى، فانطلقوا بنا معه يرينا أصحابه، فانطلق معه أريوس وأطيطوس، وانطلق معهم أهل المدينة كبيرهم وصغيرهم، فلما سمع أصحاب الكهف الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، جزعوا وظنوا أنهم رسل الجبار دقيانوس بعث إليهم ليؤتى بهم، فسبق إليهم صاحبهم، وقص عليهم النبأ كله، فعرفوا عند ذلك أنهم كانوا نيامًا بإذن الله، وإنما أوقظوا ليكونوا آية للناس، وتصديقًا للبعث، ثم فتحوا التابوت النحاس الموضوع بباب الكهف، فوجدوا فيه لوحين من رصاص مكتوب فيهما أسماؤهم، وأنهم كانوا فتية آمنوا وهربوا من ملكهم دقيانوس الجبار؛ مخافة أن يفتنهم عن دينهم، فدخلوا هذا الكهف، فلما أخبر بمكانهم، أمر بسد الكهف عليهم، فكتبنا شأنهم وخبرهم ليعلمه من بعدهم إن عثر عليهم، فلما قرؤوه، عجبوا، وحمدوا الله الذي أراهم آية للبعث فيهم، ثم رفعوا أصواتهم بحمد الله وتسبيحه، ثم دخلوا على الفتية الكهف، فوجدوهم جلوسًا مشرقة وجوههم لم تبلَ ثيابهم، وجاء الملك
الكهف 18:13
الصالح نيدوسيس حتى وقف عليهم، واعتنقهم، وبكى، فدعوا له، فبينما الملك قائم إذ رجعوا إلى مضاجعهم، فناموا، فتوفى الله أنفسهم، فأمر الملك أن يجعلوا في توابيت الذهب، ثم رآهم في المنام، فقالوا له: إنا لم نخلق من ذهب ولا فضة، وإنما خلقنا من تراب، وإلى التراب نصير، فأمر الملك بتابوت من ساج، فجعلوا فيه، وحجبهم الله حين خرجوا من عندهم بالرعب، فلم يقدر أحد على الدخول إليهم، فأمر الملك، فجُعل على باب الكهف مسجد يصلى فيه، وجعل لهم عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة. وقد حكى المفسرون والمؤرخون قصة أهل الكهف على وجوه كثيرة بألفاظ مختلفة، والله أعلم (١).
...
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾.
[١٣] قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ ننزل ﴿عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ﴾ خبر الفتية ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق.
﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ﴾ شبان وأحداث، حكم لهم بالفتوة حين آمنوا بلا واسطة، ولذلك قال أهل اللسان: رأس الفتوة الإيمان.
﴿آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ ثبتناهم على ذلك.
...
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٠٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٦٣).
وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٧)، وما بعدها.
الكهف 18:14
﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قويناها على قول الحق، وصبرناها على هجر الأوطان ﴿إِذْ قَامُوا﴾ بين يدي الملك ديقيانوس حين أمرهم بالسجود للأصنام وعبادة غير الله تعالى ﴿فَقَالُوا﴾ مخلصين رادين عليه ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا﴾ ولئن دعونا إلهًا غيره ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا﴾ قولًا ﴿شَطَطًا﴾ جورًا، والشطط: هو الإفراط في الظلم.
...
﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾.
[١٥] ثم أنكروا حال قومهم فقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى.
﴿آلِهَةً لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ على عبادة الأصنام ﴿بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ حجة ظاهرة ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ فزعم أن معه إلهًا شريكًا؟!
...
﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾.
[١٦] ثم قال بعضهم لبعض: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ أي:
الكهف 18:17
اعتزلتم قومكم ومعبودهم ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ فإنكم لم تعتزلوا عبادته، المعنى: إذ بعدتم عن قومكم ومرادهم.
﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ فالجؤوا إليه.
﴿يَنْشُرْ﴾ يبسط ﴿لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بأن يسهلها عليكم ويعيذكم من عدوكم. قرأ أبو عمرو (يَنْشُر لَكمْ) بإدغام الراء في اللام من رواية السوسي، واختلف عنه من رواية الدوري، والوجهان صحيحان عن أبي عمرو (١) ﴿وَيُهَيِّئْ﴾ يسهل ﴿لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ ما يرتفق به الإنسان، قالوأ ذلك توكلًا على الله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (مَرْفِقًا) بفتح الميم وكسر الفاء، والباقون: بكسر الميم وفتح الفاء، ومعناهما واحد.
...
﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ قرأ ابن عامر، ويعقوب: (تَزْوَرُّ) بإسكان الزاي وتشديد الراء من غير ألف؛ مثل: تحمرُّ، وقرأ الكوفيون: بفتح الزاي وتخفيفها وألف بعدها وتخفيف الراء، أصله: تتزاور، فحذفت إحدى التاءين تخفيفًا، وقرأ الباقون: بتشديد الزاي وإثبات الألف، أصله تتزاور، قلبت التاء الثانية زايًا، ثم أدغمت،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٠). والقراءات بمعنى واحد (١)؛ أي: تميل وتعدل عن كهفهم.
﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ ظرف لـ (تزاور)، والمعنى: نحو الجهة المسماة باليمين.
﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ تجاوزهم، وتعدل عنهم.
﴿ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ وأصل القرض: القطع، ومنه سمي المقراض؛ لأنه يقطع به.
﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ أي: متسع من مكان (٢) الكهف، يصل إليهم النسيم، ويدفع عنهم كرب الغار ووخمه، ولا تصل إليهم الشمس عند طلوع ولا غروب.
﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ عجائبه الدالة على قدرته، ثم مدحهم فقال:
﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ بأن فتح له طريق الهداية فسلكها ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ أي: المخلص في إيمانه الذي أصاب الفلاح. أثبت نافع وأبو جعفر وأبو عمرو الياء في (المهتدي) وصلًا، وأثبتها يعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٣).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٢).
(٢) "مكان" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٣).
الكهف 18:18
وذم ضدهم فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ﴾ أي: يضلله تعالى بخذلانه.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ يرشده إلى فلاحه.
﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ يا محمد ﴿أَيْقَاظًا﴾ جمع يَقُظ؛ كعضُد؛ أي: منتبهين؛ لأنهم كانت أعينهم مفتحة في نومهم ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ نيام، جمع راقد، ويتنفسون مع ذلك ولا يتكلمون ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ مرة للجنب الأيمن، ومرة للجنب الأيسر.
قال ابن عباس: "كانوا يقلبون في السنة مرة من جانب إلى جانب؛ لئلا تأكل الأرض لحومهم" (١)، ويقال: كان يوم عاشوراء يوم تقلبهم.
﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ مادٌّ يديه ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ والوصيد: العتبة التي لباب الكهف، أو موضعها حيث ليست على الأصح، وقيل: هو فناء الباب، والباب الموصد: هو المغلق، وأكثر أهل التفسير على أنه كان من جنس الكلاب.
قال ابن عباس: "كان كلبًا أنمر، واسمه قطمير" (٢)، وقيل كان أسدًا،
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٦٦).
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٧٣). ويسمى الأسد كلبًا، فكانوا إذا انقلبوا انقلب موافقة لهم، وهو مثلهم في النوم واليقظة.
﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لو نظرت إليهم يا محمد.
﴿لَوَلَّيْتَ﴾ لرجعت هيبة وخوفًا.
﴿مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ هاربًا؛ لما ألبسهم الله من الهيبة حتى لا يصل إليهم أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيوقظهم الله من رقدتهم.
﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: بتشديد اللام الثانية، والباقون بتخفيِفها، وأبو جعفر وأبو عمرو يبدلان الهمز ياءً، وكلها لغات بمعنى: لامتلأْتَ (١).
﴿مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ خوفًا؛ لما ألبسهم الله من الهيبة، ولعظم أجرامهم، وانفتاح عيونهم، ولوحشة مكانهم. قرأ ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب: (رُعُبًا) بضم العين، والباقون: بإسكانها (٢).
وعن ابن عباس قال: "غزونا مع معاوية نحو الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء، فنظرنا إليهم، فقال ابن عباس: قد منع ذلك من هو خير منك، فقال: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، فبعث معاوية ناسًا فقال: اذهبوا فانظروا، فلما
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٥).
الكهف 18:19
دخلوا الكهف، بعث الله عليهم ريحًا، فأخرجتهم" (١).
...
﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: كما أنمناهم هذه المدة بقدرتنا، مثلَ ذلك أيقظناهم ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ عن حالهم وما جرى لهم.
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو رئيسهم مكشلمينا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ في نومكم؛ لأنهم استكثروا طول نومهم. قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وخلف: (لَبِثْتُمْ) (لَبِثْتَ) بإظهار الثاء عند التاء حيث وقع، والباقون: بالإدغام (٢).
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا﴾ لأنهم دخلوا الكهف طلوع الشمس، وبعثهم الله آخر النهار، فلما رأوا الشمس، قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فلما نظروا إلى
(١) انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٣٠١)، و"تغليق التعليق" لابن حجر (٤/ ٢٤٤)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٦٦). قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٧٦): "ولم يخبرنا بمكان هذا الكهف في أي البلاد من الأرض، إذ لا فائدة لنا فيه، ولا قصد شرعي، وقد تكلف بعض المفسرين فذكروا فيه أقوالًا، والله أعلم بأي بلاد الله هو، ولو كان لنا فيه مصلحة دينية لأرشدنا الله تعالى ورسوله إليه، وقد أعلمنا الله بصفته، ولم يعلمنا بمكانه".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٥).
الكهف 18:20
أظفارهم وأشعارهم، تيقنوا أن لبثهم أكثر من يوم.
فثم: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ يعني: يمليخا ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب (بِوَرْقِكُمْ) بإسكان الراء، والباقون: بكسرها (١)، والقراءتان معناهما واحد، وهي الفضة، مضروبة كانت أو غير مضروبة، المعنى: فأرسلوا واحدًا منكم بفضتكم ﴿هَذِهِ﴾ المعدة للنفقة ﴿إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ التي خرجنا منها، وهي المسماة في الإسلام طرسوس، وكان اسمها في الجاهلية أقسوس.
﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا﴾ يعني: أي أهلها ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ أحل وأطيب؛ لأنهم كان فيهم من يذبح للطواغيت ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ﴾ بشيء.
﴿مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ يترفَّق في الشراء، وفي طريقه، وفي دخوله (٢) المدينة حتى لا يطلع عليه.
﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ﴾ يعلمن ﴿بِكُمْ أَحَدًا﴾ من الناس.
...
﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا﴾ يطلعوا ﴿عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ﴾ يقتلوكم، قيل:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٢) "وفي دخوله" ساقطة من "ت".
الكهف 18:21
كان من عادتهم القتل بالحجارة، وهو أخبث القتل.
﴿أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ يردوكم إلى دينهم ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ لن تسعدوا لا في الدنيا ولا في الآخرة إن رجعتم إلى دينهم.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما أنمناهم وأيقظناهم لحكمة.
﴿أَعْثَرْنَا﴾ أطلعنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾ لحكمة، وهي ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ قوم نيدوسيس.
﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث ﴿حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لأن الكفار منهم كانوا ينكرون البعث والحساب، المعنى: ليعلموا أنَّ القادر على إنامة هؤلاء هذه المدة، وإبقائهم بلا غذاء قادر على إحياء الموتى وحشرهم.
﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ أي: المسلمون والكافرون ﴿بَيْنَهُمْ﴾ بين المتنازعين ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أمر الفتية ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ والتنازع في البنيان، فقال المسلمون: نبني عليهم مسجدًا يصلي فيه الناس؛ لأنهم على ديننا، وقال المشركون: نبني عليهم كنيسة؛ لأنهم من أهل نسبنا، فلما لم يتحقق المتنازعون ذلك قالوا:
﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ قرأ السوسي عن ابن عمرو: (أَعْلَمْ بِهِمْ) (أَعْلَمْ بِعِدَّتِهِمْ) وشبهه بإسكان الميم عند الباء إذا تحرك ما قبلها تخفيفًا لتوالي الحركات، فتخفى إذ ذاك بغنة، فإن سكن ما قبلها، ترك ذلك
الكهف 18:22
إجماعًا (١). فغلب المؤمنون كما أخبر تعالى في قوله:
﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ وهم نيدوسيس الملك وأصحابه:
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ﴾ لنجعلن على باب الكهف.
﴿مَسْجِدًا﴾ فجعلوا ثَمَّ مسجدًا يُصلى عليه.
**
﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿سَيَقُولُونَ﴾ أي: نصارى نجران حين ناظروا النبي - ﷺ - في عدد أصحاب الكهف: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا قول السيد، وكان يعقوبيًّا، وقيل: اليهود ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا قول العاقب، وكان نسطوريًّا.
﴿رَجْمًا﴾ مصدرة أي: ظنًّا وحسدًا، وهو يستعار من الرجم؛ كأن الإنسان يرمي الموضع المشكل المجهول عنده يظنه المرة بعد المرة يرجمه؛ عسى أن يصيب ﴿بِالْغَيْبِ﴾ من غير يقين.
﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ وهذا قول المسلمين، فصدقهم الله تعالى، والواو في قوله: (وثامنهم) واو عطف دخلت في آخر
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٨ - ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٧ - ٣٥٨). إخبار عن عددهم؛ لتفصل أمرهم، وتدل على أن هذه نهاية ما قيل، ولو سقطت، لصح الكلام، ولو كانت فيما قبل من قوله (ورابعهم) (وسادسهم)، لصح الكلام (١)؛ لأن الجملة الثانية إذا التبست بالأولى، جاز إثبات الواو وحذفها، ولا يجوز حذف الواو إذا لم ترتبط الثانية بالأولى.
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ أمر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن يردَّ علمَ عدتهم إليه عز وجل. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (رَبِّيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ أخبر تعالى أن عالم ذلك من البشر قليل، والمراد به قوم من أهل الكتاب، وكان ابن عباس رضي الله عنهما يقول: "أنا من ذلك القليل، وكانوا سبعة، وثامنهم كلبهم" (٣).
قال ابن عطية: ويستدل على هذا من الآية بأن القرآن لما حكى قول من قال: ثلاثة وخمسة، قرن بالقول: إنه رجم بالغيب، فقدح ذلك فيها، ثم حكى هذه المقالة، ولم يقدح فيها بشيء (٤).
﴿فَلَا تُمَارِ﴾ أي: لا تجادل ﴿فِيهِمْ﴾ في أهل الكهف ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾
(١) قوله:
"ولو كانت فيما؍ لصح الكلام" زيادة من "ت".؍
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٨).
(٣) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢/ ٣٦٦)، والعقيلي في "الضعفاء" (٤/ ٤٢٢)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٦١١٣).
(٤) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٠٨).
الكهف 18:23
إلا جدال عالم متيقن (١)؛ لأنه تعالى عرفك الحق من ذلك. قرأ الدوري عن الكسائي: (تمار) بالإمالة بخلاف عنه (٢).
﴿وَلَا تَسْتَفْتِ﴾ أي: لا تسأل ﴿فِيهِمْ﴾ في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾ من أهل الكتاب ﴿أَحَدًا﴾ عن قصتهم؛ لأنك خبير بذلك.
...
﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾.
[٢٣] ولما سئل - ﷺ - عن ذي القرنين والروح وأهل الكهف، فقال: "غدًا أخبركم"، ولم يستثن، نزل: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ (٣) أي: لأجل شيء تهم به.
﴿إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ أي: فيما يُستقبل من الزمان، لا اليوم الذي يلي يومك.
...
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ في الكلام حذف يقتضيه الظاهر، تقديره: إلا أن تقول: إلا أن يشاء الله، أو إلا أن تقول: إن شاء الله، فالمعنى: إلا أن تذكر مشيئة الله.
(١) "عالم متيقن" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٨).
(٣) انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٣٣١). ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ بالاستغفار ﴿إِذَا نَسِيتَ﴾ الاستثناء.
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن: معناه إذا نسيت الاستثناء، ثم ذكرت، فاستثن (١)، وجوز ابن عباس الاستثناء في اليمين إلى سنة ما لم يحنث، وعن الحسن وطاوس: ما دام في المجلس، واتفق الأئمة الأربعة على أن الاستثناء في اليمين بالله تعالى لا ينفع ويسقط الكفارة إلا أن يكون متصلًا باليمين لفظًا أو حكمًا، واختلفوا في الاستثناء في الطلاق والعتق (٢)، فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز، واشترط الشافعي أن ينوي الاستثناء قبل فراغ اليمين، وقال مالك وأحمد: لا يجوز الاستثناء فيهما.
واختلفوا في الاستثناء من غير الجنس، فقال أحمد، ومحمد بن الحسن، وزفر: لا يصح، وأكثر الشافعية والمالكية: يلزم صحة استثناء ثوب وغيره، والأشهر عن أبي حنيفة صحته من مكيل وموزون من أحدهما فقط، واستثناء الكل باطل بالاتفاق، وكذا الأكثر من عدد مسمى عند الإمام أحمد، وأبي يوسف، وابن الماجشون من المالكية، وقال الأئمة الثلاثة: يصح، ولا يصح الاستثناء إلا نطقًا إلا في يمين خائف بنطقه بالاتفاق، وإذا تعقب الاستثناء جملًا بواو العطف، وصلح عوده إلى كل واحدة، فللجميع عند الأئمة الثلاثة إلا لمانع؛ كبعد مفردات، وعند أبي حنيفة للأخيرة، والاستثناء من النفي إثبات، وبالعكس عند الشافعية والمالكية والحنابلة؛ خلافًا للحنفية في الأولى، ولبعضهم فيهما.
﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي﴾ يدلني.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٣).
(٢) "والعتق" زيادة من "ت".
الكهف 18:25
﴿لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا﴾ أي: يثبتني على طريق هو أقرب إليه وأرشد، والإشارة بهذا إلى الاستدراك الذي يقع من ناسي الاستثناء. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يَهْدِيَني) بإثبات الياء حالة الوصل، وابن كثير ويعقوب بإثباتها في الوصل والوقف، وحذفها الباقون في الحالين (١).
...
﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَلَبِثُوا﴾ يعني: أصحاب الكهف ﴿فِي كَهْفِهِمْ﴾ نيامًا أحياء.
﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ هذا إخبار من الله سبحانه عن مدة لبثهم في الكهف، وهو الأصح. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ثَلاَثَ مِئَةِ) بغير تنوين على الإضافة، والباقون: بالتنوين، وأبدلوا السِّنين من (ثَلاَثِ مِئَةٍ) (٢).
...
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.
[٢٦] وقوله: ﴿قُلِ﴾ معناه: أن الأمر في مدة لبثهم كما
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٥٩).
الكهف 18:27
ذكرنا، فإن نازعوك فيها، فأجبهم وقل:
﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي: هو أعلم منكم، وقد أخبر بمدة لبثهم.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال: "عند أهل الكتاب أنهم لبثوا ثلاث مئة شمسية، والله ذكر ثلاث مئة قمرية، والتفاوت بين الشمسية والقمرية في كل مئة سنة ثلاث سنين، فيكون في ثلاث مئة تسع سنين، فلذلك قال: وازدادوا تسعًا" (١).
﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: هو المختص بعلم ما غاب فيهما.
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي: ما أبصرَ اللهَ وأسمعَه! فلا يغيب عنه شيء ﴿مَا لَهُمْ﴾ أي: لأهل السموات والأرض ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمورهم.
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ فليس لأحد أن يحكم بحكم لم يحكم به الله. قرأ ابن عامر: (وَلاَ تشرِكْ) بالخطاب وجزم الكاف على النهي، وقرأ الباقون: بالغيب، ورفع الكاف على الخبر؛ أي: لا يشركُ الله في حكمه (٢).
...
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ولما قيل للنبي - ﷺ -: ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: ١٥]،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٦)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٨٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٠).
الكهف 18:28
نزل: ﴿وَاتْلُ﴾ واقرأ يا محمد ﴿مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ أي: القرآن، واعمل به.
﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ لا نقص في قوله. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: ﴿مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).
﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ ملجأ يلجأ إليه.
...
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ولما طلب عيينة بن حصن الفزاري وأصحابه من النبي - ﷺ - إبعاد أبي ذر وأصحابه من الفقراء من مجلسه؛ لرثاثة حالهم؛ ليجلسوا إليه، نزل: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ (٢) أي: احبسها.
﴿مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ طرفي النهار. قرأ ابن عامر: ﴿بِالْغَدَاةِ﴾ بضم الغين وإسكان الدال وواو بعدها، وقرأ الباقون: بفتح الغين والدال وألف بعدها (٣).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٠).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٥/ ٢٣٤)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٧)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٣٨٠).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦١).
الكهف 18:29
﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ تعالى، لا يبتغون عرضًا من الدنيا.
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ لا تجاوزهم نظرك إلى غيرهم ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: لا تطرد الفقراء لفقرهم ورثاثة حالهم، ولا تمل إلى الأغنياء لجمالهم وغناهم. قرأ أبو عمرو (تُرِيد زينَةَ) بإدغام الدال في الزاي (١).
﴿وَلَا تُطِعْ﴾ في طردهم ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ هو عيينة وأصحابه ﴿عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن القرآن والتوحيد ﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في الشرك وطلب الشهوات.
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ سرفًا وتضييعًا.
...
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَقُلِ﴾ يا محمد لهؤلاء الذين أغفلنا قلوبهم عن ذكرنا ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذي أنبأتكم به الحق ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بترك طرد المؤمنين، ثم خيرهم تهديدًا، فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ﴾ الإيمان ﴿فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ﴾ الكفر ﴿فَلْيَكْفُرْ﴾ المعنى: لستُ بطارد المؤمنين لهواكم، فاعملوا ما شئتم.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ هيأنا ﴿لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ والسرادق: هو ما أحاط بالبناء من الستر ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ من العطش ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦١).
الكهف 18:30
هو القيح والدم الأسود ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ينضجها ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المهل ﴿وَسَاءَتْ﴾ قبحت النار ﴿مُرْتَفَقًا﴾ أي: مجلسًا جامعًا، أو متكأ، وأصل الارتفاق: نصبُ المرفق تحت الخد.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ أي: لا نضيع أعمالهم، بل نثيبهم بها.
...
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.
[٣١] فإن قيل فأين جواب قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قيل: جوابه قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وأما قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ فكلام معترض، والعدن: الإقامة، يقال: عدنَ فلان بالمكان: إذا أقام به، وسميت عدنًا؛ لخلود المؤمنين فيها.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون في الجنة.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ واحدها سوار، وهو ما يُلبس في الذراع ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ (من) الأولى للابتداء، والثانية للبيان صفة لأساور، وتنكيرها لتعظيم حسنها من الإحاطة به ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ قرأ أبانُ عن عاصم: بكسر الباء،
الكهف 18:32
والباقون: بفتحها (١) ﴿ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾ جمع سندسة، وهو رفيع الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ثخينه، وهو فارسي معرب ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، وهي ستر كالبيت، ولا تكون أريكة إلا إذا اجتمعا؛ كما هو هيئة المتنعمين. قرأ أبو جعفر: (مُتَّكِينَ) و (مُتَّكُونَ) وشبهه بغير همز حيث وقع، والباقون: بالهمز (٢).
﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ أي: نعم الجزاء الجنة ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ مجلسًا ومقرًا.
...
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ أي: مثل حال هؤلاء المؤمنين والكافرين بحال.
﴿رَجُلَيْن﴾ وكانا أخوين في بني إسرائيل، مؤمن اسمه يهودا، وكافر واسمه قطروس، ورثا من أبيهما ثمانية آلاف دينار، فتشاطرا، فاشترى الكافر بها ضياعًا وعقارًا، وصرفها المؤمن في وجوه الخير، وآل أمرهما إلى ما أخبر الله تعالى به في قوله:
﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ﴾ بستانين ﴿مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ أي: جعلناه محيطًا بالجنتين ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ وسطهما ﴿زَرْعًا﴾ يقتات به؛ أي: جمعت
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٦/ ١٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٢).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٢).
الكهف 18:33
هذه الأرض أنواع الثمرات وأصناف الأقوات، ولم يكن بين الجنتين موضع خراب.
...
﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ﴾ مبتدأ، خبره ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ أعطت ثمرها. قرأ نافع، وابنُ كثير، وأبو عمرٍو: (أُكْلَها) بإسكان الكاف والباقون: بضمها (١) ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾ أي: تنقص ﴿مِنْهُ شَيْئًا﴾ بل أتت به في غاية الكمال ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ شققنا. قرأ يعقوب (وَفَجَرْنَا) بتخفيف الجيم، والباقون: بالتشديد (٢) ﴿خِلَالَهُمَا﴾ وسطهما ﴿نَهَرًا﴾ يجري بينهما؛ ليزيد بهاؤهما.
...
﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَكَانَ لَهُ﴾ لصاحب البستان ﴿ثَمَرٌ﴾ قرأ أبو عمرو: (ثُمْرٌ) بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ نافعٌ، وابنُ كثيرٍ، وابن عامرٍ، وحمزةُ، والكسائيُّ، وخلفٌ: بضم الثاء والميم، وقرأ أبو جعفرٍ، وعاصم،
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٦٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٣٦).
الكهف 18:35
ويعقوبُ: بفتحهما (١)، فمن قرأ بالضم، فهي الأموال الكثيرة المثمرة من كل صنف، جمع ثمار، ومن قرأ بالفتح، جمع ثمرة، وما يخرجه الشجر من الثمار المأكولة.
﴿فَقَالَ﴾ الكافر صاحب البستان ﴿لِصَاحِبِهِ﴾ المؤمن ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ يراجعه في الكلام ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا﴾ لإقباله على الدنيا، وتركه الآخرة ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ عشيرة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنَا أَكْثَرُ) بالمد (٢).
...
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَدَخَلَ﴾ الكافر.
﴿جَنَّتَهُ﴾ التي لا جنة له سواها، ولا حظَّ له في الجنة التي وعد المتقون، ولم يقل: جنتيه؛ لأن المراد ما هو جنته، وأخذ بيد أخيه المسلم يطوف به فيها، ويفاخره بها.
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالكفر ﴿قَالَ﴾ إعجابًا:
﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ﴾ تهلك ﴿هَذِهِ﴾ الجنة ﴿أَبَدًا﴾ لطول أمله.
...
(١): انظر "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٤).
الكهف 18:36
﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كائنة.
﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ كما تزعم.
﴿لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا؛ فإنه لم يعطني الجنة في الدنيا، إلا ليعطيني في الآخرة أفضل منها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر: (مِنْهُمَا) بميم بعد الهاء على التثنية؛ أي: من الجنتين، وكذلك هي في مصاحفهم، وقرأ الباقون: بحذف الميم على الإفراد، أراد: جنته، وكذلك هي في مصاحفهم (١).
...
﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ﴾ المسلم ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: أباك آدم؟ لأنه خلق من تراب.
﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: مَنِيٍّ ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ﴾ عدلك وكمَّلك ﴿رَجُلًا﴾ بشرًا ذكرًا.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
الكهف 18:38
﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ورويس عن يعقوب: (لَكِنَّا) بإثبات الألف بعد النون في الحالين، وحذفها الباقون وصلًا، ولا خلاف في إثباتها في الوقف إتباعًا للرسم، وأصله: لكن أنا، فحذفت الهمزة طلبًا للتخفيف؛ لكثرة استعماله، ثم أدغمت إحدى النونين في الأخرى، قال الكسائيُّ: فيه تقديم وتأخير، مجازه: لكن الله هو ربي (١).
﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (بِرَبِّيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَلَوْلَا﴾ أي: هَلَّا.
﴿إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ﴾ عند دخولها ﴿مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: الأمرُ ما شاء الله، وتشكره على إنعامه عليك، وقلت: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ اعترافًا بالعجز على نفسك، والقدرة لله.
ثم قال: ﴿إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ فتكبرتَ عليَّ. قرأ أبو عمرو،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
الكهف 18:40
وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (إِذ دخَلْتَ) بإدغام الذال في الدال، والباقون: بالإظهار (١).
...
﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿فَعَسَى﴾ فلعل ﴿رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ يعطيني في الآخرة ﴿خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ﴾ في الدنيا ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا﴾ أي: على جنتك ﴿حُسْبَانًا﴾ مرامي، جمع حسبانة، وهي الصواعق ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا﴾ أرضًا ﴿زَلَقًا﴾ يزلق عليها؛ لملاستها.
...
﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.
[٤١] ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ غائرًا في الأرض لا سبيل له.
﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: إن طلبته لم تجده، تلخيصه: أرجو أن أُرزق أفضلَ من جنتك، وأن تهلك جنتك. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالونُ عن نافع: (إِنْ تَرَنِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنَا أَقَلَّ)
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٧).
الكهف 18:42
بالمد كما تقدم في (أَنَا أَكْثَرُ) [الآية: ٣٤]، وأثبت نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو الياء في (يُؤْتيَنِي) وصلًا، وأثبتها ابن كثير ويعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١).
...
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ بالهلاك، فهلكت ثمرته. قرأ أبو عمرو: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ بضم الثاء وإسكان الميم، وقرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: بضم الثاء والميم، وقرأ أبو جعفر، وعاصم، وروح عن يعقوب: بفتحهما (٢).
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ هو التصفيق وتقليبهما ظهرًا لبطن تندمًا ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ أي: في عمارتها ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها، يعني: أن السقوف وقعت، ثم تهدمت الحيطان عليها، فهي خاوية، والحيطان على العروش، وتعطف على (يُقَلِّبُ).
﴿وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: بإسكان الياء، والباقون بفتحها (٣).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٨).
(٢) وقد تقدم قريبًا.
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الكهف 18:43
﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾.
[٤٣] قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ جماعة.
﴿يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من عذابه.
﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ ممتنعًا بنفسه من العذاب. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَكُن لَهُ) بالياء على التذكير للفصل بـ (له)، وقرأ الباقون: بالتاء مؤنثًا؛ لتأنيث (فئة) (١).
...
﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك الوقت، وهي اسم مكان، ويستعمل في الزمان.
﴿الْوَلَايَةُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بكسر الواو، يعني: السلطان والملك، وقرأ الباقون: بفتح الواو (٢)، بمعنى: النصرة والتولي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧].
﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأ أبو عمرو، والكسائي: (الْحَقُّ) بالرفع صفة للولاية، وقرأ الباقون: بالجر صفة لله (٣).
= (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٦٩ - ٣٧٠).
(٣) المصادر السابقة.
الكهف 18:45
﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ أفضل جزاءً لأهل طاعته.
﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ أي: عاقبة للمؤمنين، المعنى: ثواب الله تعالى للمؤمنين في الآخرة أفضل من غيره. قرأ عاصم، وحمزة، وخلف: (عُقْبا) بإسكان القاف (١).
...
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَاضْرِبْ﴾ يا محمد ﴿لَهُمْ﴾ لقومك.
﴿مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ أي: تكاثف بسبب نزوله ﴿نَبَاتُ الْأَرْضِ﴾ وامتزج الماء بالنبات حتى روي وحَسُن.
﴿فَأَصْبَحَ﴾ عن قريب ﴿هَشِيمًا﴾ أي: مهشومًا، تهشَّم: تكسر.
﴿تَذْرُوهُ﴾ تفرقه.
﴿الرِّيَاحُ﴾ فتذهب به، المعنى: شبه الدنيا بما فيها منها بنبات حسن، فيبس فتكسر، ففرقته الريح، فانعدم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيحُ) بغير ألف على الإفراد، وقرأ الباقون: بألف بعد الياء على الجمع (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٣)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧١).
الكهف 18:46
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ من السعادة والشقاوة، والإنشاء والإفناء ﴿مُقْتَدِرًا﴾ قادرًا.
...
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.
[٤٦] ثم زهَّد تعالى فيها، ووبخ المفتخرين بها، فقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ﴾ التي يفتخر بها عيينةُ وأصحابهُ الأغنياء.
﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتجمَّل بهما فيها (١).
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ عند الجمهور هي قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من المال والبنين ﴿ثَوَابًا﴾ جزاءً.
﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ أي: ما يتعلق بها من الأمل.
...
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم.
﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ وتسييرها: إزالتها من أماكنها، وتسييرها كما يسير السحاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: ٨٨]. قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابن كثير: (تُسَيَّرُ) بالتاء وضمها وفتح الياء، ورفع
(١) في "ت": "فيهما".
الكهف 18:48
﴿الْجِبَالَ﴾ مجهولًا، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وكسر الياء (١)، ونصب (الجبالَ) مفعول (نسير) خبر عن الله تعالى.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ ظاهرة ليس فيها ما يستظل به من شجر ولا بناء، قد ذهب عنها كل ما كان عليها.
﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: جمعنا المؤمنين والكافرين إلى الموقف والحساب.
﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: نترك ﴿مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ إلا قذفته الأرض.
...
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ أي: مصطفِّين، فثَمَّ يقال لهم:
﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، فرادى حفاةً عراةً، لا شيء معكم من المال والولد، ولما خرج من قصة إلى قصة، أضربَ فقال:
﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ تجازون وتحاسبون فيه، يقوله لمنكر البعث. قرأ الكسائي، وهشام (بَل زعَمْتُمْ) بإدغام اللام في الزاي، والباقون بالإظهار (٢).
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٢).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩١)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٣).
الكهف 18:49
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾
[٤٩] ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ الذي كتبت فيه أعمالهم ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ﴾ خائفين ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ من الذنوب.
﴿وَيَقُولُونَ﴾ عند معاينة ما فيه من القبائح:
﴿يَاوَيْلَتَنَا﴾ يا هلاكنا! ينادون هلكتهم التي هلكوها من بين الهلكات ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ تعجبًا من شأنه. وقف أبو عمرو، والكسائي بخلاف عنه على الألف دون اللام من قوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾ في النساء [الآية: ٧٨]، ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ هنا، و ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ في الفرقان [الآية: ٧]، ﴿فَمَالِ الَّذِينَ﴾ في سأل [الآية: ٣٦]، ووقف الباقون (فمال) على اللام إتباعًا للخط، بخلاف عن الكسائي (١)، قال ابن عطية: ومنعه قوم جملة؛ لأنها حرف جر، فهي بعض المجرور، وهذا كله بحسب ضرورة وانقطاع نفس، وأما أن يختار أحد الوقف فيما ذكرناه ابتداء، فلا (٢)، انتهى.
﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ عن جلبها (٣) ﴿وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ عدَّها وأثبتها.
قال ابن عباس: "الصغيرة التبسم، والكبيرة القهقهة" (٤).
(١) وقد تقدم عنهم ذلك في سورة النساء.
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٢/ ٨١).
(٣) في "ت": "تصدر عن جانبها".
(٤) رواه ابن أبي الدنيا في "الصمت وآداب اللسان" (٢٩٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ١٣٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٤١٤).
الكهف 18:50
﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا﴾ من خير وشر ﴿حَاضِرًا﴾ مكتوبًا لا يغيب منه شيء ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ لا يؤاخذ أحدًا بجرم لم يعمله.
...
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ.
﴿قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قرأ أبو جعفر (للملائكةُ) بضم التاء حالة الوصل إتباعًا، وروي عنه إشمام كسرتها الضم، والوجهان صحيحان عنه (١)، وتقدم الكلام على ذلك، وعلى تفسير السجود مستوفىً في سورة البقرة عند تفسير نظير هذه الآية.
﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء متصل ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عباس: "كان من حي من الملائكة يقال لهم: الجن، خُلقوا من نار السموم" (٢)، وتقدم في سورة البقرة أنه كان من الملائكة، لا من الجن على الأصح.
وقوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي: من الملائكة الذين هم خزنة الجنة، قال ابن عطية: ولا خلاف أن إبليس كان من الملائكة في المعنى؛
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٣).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١/ ٢٠١).
الكهف 18:51
إذ كان مقترنًا (١) بالأمر والنهي مرسلًا والملك مشتق من الملائكة، وهي الرسالة، فهو في عداد الملائكة يتناوله قول: (اسجدوا) (٢)، وقيل: كان من الجن حقيقة، لأن له ذرية، والملائكة لا ذرية لهم.
﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج عن طاعته.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ﴾ الهمزة للإنكار دخلت على فاء العطف، والواو لآدم وذريته، والهاء للخبيث، وتقديره: أفتتخذون إبليس وذريته.
﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أي: أعداء.
﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ من الله إبليسُ وذريته.
...
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾.
[٥١] ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ أي: ما أحضرتهم، يعني: إبليس وذريته، وقيل: جميع الخلق. قرأ أبو جعفر: (مَا أَشْهَدْنَاهُمْ) بالنون والألف على الجمع للعظمة؛ أي: أحضرناهم، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة من غير ألف على ضمير المتكلم (٣).
﴿خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ فأستعين بهم على خلقها، وأشاورهم فيها.
(١) في "ت": "متصرفًا".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٢٢).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٤).
الكهف 18:52
﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ﴾ عن الدين.
﴿عَضُدًا﴾ أعوانًا أعتضد بهم. قراعة العامة: (وَمَا كُنْتُ) بضم التاء، وقرأ أبو جعفر: بفتحها خطابًا للنبي - ﷺ - (١)؛ أي: لا يجوز ذلك الاعتضاد بأحد من المضلين.
...
﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿يَقُولُ﴾ قرأ حمزة: (نَقُولُ) بالنون، يخبر تعالى عن نفسه، وقرأ الباقون: بالياء (٢)؛ أي: يقول هو تعالى ثَمَّ للكفار: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ﴾ بزعمكم؛ يعني: الأوثان ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم يشفعون لكم.
﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا﴾ لم يجيبوا، ولم يشفعوا.
﴿لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ أي: مهلكا بينهم وبين آلهتهم.
...
﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر،
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٥).
الكهف 18:54
وخلف، وورش، وابن ذكوان: (رأى) بإمالة الراء والهمزة حيث وقع، وافقهم أبو عمرو في إمالة الهمزة فقط، وروي عن السوسي أربعة أوجه: فتح الراء والهمزة، وكسرهما، وفتح الراء وكسر الهمزة، وعكسه، وروي عن أبي بكر وجهان: كسر الراء وفتح الهمزة، وكسرهما، وروي عن حمزة: كسر الراء وفتح الهمزة، والباقون بفتحهما جميعًا (١).
﴿فَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ داخلوها.
﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ معدلًا وانصرافًا.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل جنس يحتاجون إليه ليتذكروا ويتعظوا.
﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ﴾ والمراد: جميع الناس، وهو الأصح.
﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ خصومة، المعنى: أن الإنسان أكثر جدالًا من غيره.
عن علي رضي الله عنه: أن رسول الله - ﷺ - طرقه وفاطمة ليلة، فقال: "ألا تُصلِّيان؟ " فقال علي: يا رسول الله ا! إن أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف رسولُ الله - ﷺ - حين قال ذلك، ولم يرجع إليه بشيء،
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩١)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
الكهف 18:55
ثم سمعه علي وهو مولٍّ يضرب فخذه وهو يقول (١): ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (٢).
...
﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ القرآن والرسولُ - ﷺ - ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ من الذنوب.
﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ تقديره: وما منع الناسَ الإيمانَ والاستغفارَ إلا انتظارُ إتيان مثل.
﴿سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: سنتنا في إهلاكهم؛ من الغرق والصيحة والظلة (٣) والريح وغير ذلك.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قرأ الكوفيون، وأبو جعفر: (قُبُلًا) بضم القاف والباء، جمع قبيل؛ أي: أصنافًا، وقرأ الباقون: بكسر القاف وفتح الباء، يعني: مقابلة عيانًا (٤).
(١) "وهو يقول" ساقطة من "ت".
(٢) رواه البخاري (١٠٧٥)، كتاب: أبواب التهجد، باب: تحريض النبي - ﷺ - على صلاة الليل والنوافل من غير إيجاب، ومسلم (٧٧٥)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: ما روي فيمن نام الليل أجمع حتى أصبح.
(٣) في "ت" "الظلمة".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٦).
الكهف 18:56
﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ للمؤمنين والكافرين.
﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ باقتراح الآيات تعنتًا، والسؤالِ عن قصة أهل الكهف.
﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليبطلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ﴾ من إدحاض القدم، وهو إزلاقها.
﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ أي: القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ به من العذاب ﴿هُزُوًا﴾ سخرية. قرأ حمزة وخلف (هُزْؤًا) بجزم الزاي حيث وقع، والباقون: بضمها، وحفص: بإبدال الهمزة واوًا (١).
...
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بالقرآن.
﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ تولى وترك العمل بها.
﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أغطية.
﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفهموا القرآن.
﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ثقلًا عن سماع الحق.
(١) سلفت في تفسير الآية (٦٧) من سورة البقرة.
الكهف 18:58
﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ يا محمد ﴿إِلَى الْهُدَى﴾ والمراد: من حقت عليه الشقاوة ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ لأنهم لا يفقهون ولا يسمعون.
...
﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ﴾ للمؤمنين.
﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ لهم خاصة في الآخرة والرحمة في الدنيا؛ بمعنى: النعمة، فهي تعمُّ المسلمَ والكافرَ.
﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ فيها.
﴿بَلْ لَهُمْ﴾ أي: لهلاكهم ﴿مَوْعِدٌ﴾ يعني: البعث.
﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ منجاة. قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: ﴿يُؤَاخِذُهُمْ﴾ (تُوَاخِذُنِي) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (١).
...
﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ المتقدمة؛ كقرى عاد وثمود وغيرهم.
﴿أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ بالتكذيب؛ كقريش.
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ﴾ أي: لإهلاكهم ﴿مَوْعِدًا﴾ أجلًا. قرأ أبو بكر
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٢)، و"محجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٧).
الكهف 18:60
عن عاصم: (لِمَهْلَكِهِمْ) بفتح الميم واللام التي بعد الهاء، وقرأ حفصٌ عنه: بفتح الميم وكسر اللام، وهو مصدر هلك، ومعنى القراءتين: جعلنا لوقت هلاكهم، وقرأ الباقون: بضم الميم وفتح اللام على المعنى الأول، وهو مصدر أهلك يهلك (١).
...
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ هو ابن عمران على الأصح ﴿لِفَتَاهُ﴾ وخادمه هو يوشع بن نون عليه السلام، كان يتبعه ويخدمه، ويأخذ منه العلم.
﴿لَا أَبْرَحُ﴾ لا أزال أسير.
﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ ملتقى العذب والمالح، [وقيل: المراد: المكان الجامع لملتقى بحري فارس والروم مما يلي الشرق] (٢)، وقيل غير ذلك، وقالت فرقة: البحران كناية عن موسى والخضر؛ فإن موسى عليه السلام كان بحر علم الظاهر، والخضر بحر علم الباطن، قال ابن عطية: وهذا قول ضعيف (٣). قرأ أبو عمرو: (لاَ أَبْرَح حَتَّى) بإدغام الحاء الأولى في الثانية (٤).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٢ - ٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٢٨).
(٤) انظر: "غيث النفع" للصفاقسي (ص: ٢٨١)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠).
الكهف 18:61
﴿أَوْ أَمْضِيَ﴾ أسير ﴿حُقُبًا﴾ زمانًا غير محدود، وجمعه أحقاب، والحقب أقل زمان، وقيل: ثمانون سنة.
...
﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (٦١)﴾.
[٦١] ﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ أي: موسى وفتاه.
﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ أي: بين البحرين، وهو الموضع الذي وعد موسى أن يجتمع فيه بالخضر، وفيه الصخرة، وفيه عين الحياة التي لا يصيب ماؤها ميتًا إلا حيي.
﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ الذي تزودا به، فأصابه شيء من برد ماء العين، فعاش ﴿فَاتَّخَذَ﴾ الحوت ﴿سَبِيلَهُ﴾ طريقه. قرأ أبو عمرو: (فَاتَّخَذَ سبِيلَهُ) بإدغام الذال في السين في الحرفين (١).
﴿فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ مسلكًا يسرب فيه من قوله: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ الرعد: ١٠]، وإنما كان الحوت مع يوشع، فنسي موسى أن يطلبه ويتعرف حاله، ونسي يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه في البحر.
وملخص القصة: ما روي عن أُبيِّ بنِ كعب: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل، فسئل: أيُّ الناسِ أعلمُ؟ قال: أنا، فعتِبَ الله عليه؛ إذ لم يردَّ العلمَ إليه، فأوحى الله إليه أن لي عبدًا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا ربِّ فكيف لي به؟ قال:
(١) المصدران السابقان.
الكهف 18:62
تأخذ معك حوتًا، فتجعله في مِكْتل، فحيثما فقدت الحوت، فهو ثَمَّ، فأخذ حوتًا، فجعله في مكتل، ثم انطلق، فانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام، حتى إذا أتيا الصخرةَ التي عند مجمع البحرين، وضعا رؤوسَهما فناما، واضطرب الحوت في المِكْتل حين أصابه بردُ الماء، فخرج منه، فسقط في البحر، فعلم يوشع بأمره، وأمسك الله جِرْيَة الماء عن الحوت، فصار عليه مثلُ الطاق، فصار للحوت سربًا، فلما استيقظ موسى، نسي صاحبه أن يخبره بالحوت، فانطلقا بقيةَ يومِهما وليلتِهما" (١).
...
﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ مجمع البحرين ﴿قَالَ﴾ موسى ﴿لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الغداء: ما يعد للأكل أول النهار، والعشاء: آخره ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا﴾ الذي سرنا بعد مجاوزة الصخرة ﴿نَصَبًا﴾ تعبًا، ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به؛ ليتذكر الحوت، ويرجع إلى مطلبه.
...
﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (٦٣)﴾.
(١) رواه البخاري (٤٤٤٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ﴾، ومسلم (٢٣٨٠)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر -عليه السلام-، عن أبي كعب رضي الله عنه.
الكهف 18:63
[٦٣] ﴿قَالَ﴾ فتاه: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ يعني: التي رقد عندها موسى.
﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ عند الصخرة.
﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي: ما أنساني ذكرَه إلا الشيطانُ، وهو اعتذار عن نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه. قرأ الكسائي: (أَنْسانِيه) بالإمالة، وقرأ حفص عن عاصم: (أَنْسَانِيهُ إِلَّا) بضم الهاء في الوصل، والباقون: بكسرها (١).
﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ قال ابن عباس: "أي: اتخذ موسى طريق الحوت في البحر عجبًا، فكان للحوت سربًا، ولموسى وفتاه عجبًا" (٢)، وقيل: هو جواب من موسى ليوشع حين قال له: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ فقال موسى: ﴿عَجَبًا﴾ أي: أعجب عجبًا، قال ابن زيد: "أي شيء أعجب من حوت كان دهرًا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيًّا، ويبس له الماء، قال: وكان شق حوت" (٣).
...
﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: أمر الحوت ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٠ - ٣٨١).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه.
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٦).
الكهف 18:65
نطلب؛ لأنه وعد وجود الخضر حيث ينسى بعض متاعه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والكسائي: (نَبْغِي) بإثبات الياء وصلًا، وحذفها تخفيفًا وإتباعًا لخط المصحف، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١).
﴿فَارْتَدَّا﴾ رجعا ﴿عَلَى آثَارِهِمَا﴾ يقتصَّانِ الأثرَ الذي جاءا فيه.
﴿قَصَصًا﴾ مصدر.
...
﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.
[٦٥] فأتيا الصخرة ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهو الخضر على الصحيح، واسمه: بليا بن ملكان بن يقطر بن عابر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح، وكان أبوه ملكًا، والخضر لقب له، سمي به لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إنَّما سُمِّي خضرًا؛ لأنه جلس على فَروةٍ بيضاءَ، فاهتزَّت تحته خضرًا" (٢)، وترك الملك زهدًا في الدنيا، وقال مجاهد: سمي خضرًا؛ لأنه إذا صلى اخضَّر ما حوله (٣)، فأتاه
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١ - ٤٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨١).
(٢) رواه البخاري (٣٢٢١)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الخضر مع موسى -عليهما السلام-.
(٣) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (١٦/ ٤٠٢)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٤٢٠).
الكهف 18:66
موسى وهو مسجًى بثوب مستلقيًا على قفاه، فسلم عليه، فقال: وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل، والخضر نبي عند الجمهور، وقيل: هو عبد صالح غير نبي، قال ابن عطية: والآية تشهد بنبوته لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي إليه (١).
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً﴾ نبوة وشفقة ﴿مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ وهو علم الباطن اللدني، فقال: يا موسى! أنا على علم علمنيه الله لا تعلمه أنت، وأنت على علم علمكه الله لا أعلمه أنا.
...
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى﴾ شرطِ.
﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ علمًا يرشدني. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (تُعَلِّمَنِي) بإثبات الياء وصلًا، وابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (٢)، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب: (رَشَدًا) بفتح الراء والشين، والباقون: بضم الراء وإسكان الشين، وهما لغتان (٣).
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٢٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٢).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٢).
الكهف 18:67
﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾.
[٦٧] ولما قال موسى هذا، قال له الخضر: كفى بالتوراة علمًا، وببني إسرائيل شغلًا، فقال موسى: الله أمرني بذلك، فحينئذ ﴿قَالَ﴾ الخضر:
﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لأنك ترى ما تنكره. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء في الأحرف الثلاثة، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾.
[٦٨] ثم عذر الخضر موسى في عدم صبره، فقال: ﴿كَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ علمًا، قال ابن عطية: كان علم الخضر معرفة بواطن قد أوحيت إليه لا تعطي ظواهر الأحكام أفعاله بحسبها، وكان علم موسى عليه السلام علم الأحكام والفتيا بظواهر أقوال الناس وأفعالهم (٢).
...
﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ إنما استثنى؛ لأنه لم يثق من نفسه بالصبر، وهذه عادة الأنبياء والأولياء. قرأ أبو جعفر: (سَتَجِدُنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
﴿وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ لا أخالفك فيما تأمر.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٢).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٢٩).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، =
الكهف 18:70
﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي﴾ فلا تبدأني بالسؤال ﴿عَنْ شَيْءٍ﴾ أنكرتَهُ مني.
﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ حتى أبتدئك بذكره، وأوضح لك علته. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (تَسْأَلنِّي) بفتح اللام وتشديد النون مكسورة مع إثبات الياء بعدها؛ لأن نون التوكيد المشددة التي يبنى معها (١) الفعل على الفتح دخلت على نون الوقاية، فحذفت، وبقيت نون التوكيد مكسورة للياء بعدها، وروي عن ابن ذكوان راوي ابن عامر حذف الياء في الحالين استغناء بالكسرة عنها، وقرأ الباقون: بإسكان اللام وتخفيف النون مكسورة؛ لأنه لم يلحق الفعل نون التوكيد، وأثبتوا الياء في الحالين إتباعًا لخط المصحف (٢)، فلما شرط الخضر على موسى ذلك، قَبِلَ شَرطَه.
...
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾.
[٧١] ﴿فَانْطَلَقَا﴾ يمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة، فاستحملا صاحبَها، فحملهما بغير أجر.
﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ﴾ وبلغا اللُّجَّ.
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٣)، وقرأ بفتح الياء -أيضًا- نافع.
(١) في "ت": "معه".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٧).
الكهف 18:72
﴿خَرَقَهَا﴾ الخضر؛ بأن أخذ فأسًا، فاقتلع لوحًا أو لوحين من ألواحها من قبل البحر، فسدَّ موسى الخرقَ بثيابه، و ﴿قَالَ﴾ للخضر:
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لِيَغْرَقَ) بالياء مفتوحة وفتح الراء (أَهُلُهَا) برفع اللام فاعلًا، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة وكسر الراء ونصب (أَهْلَها) مفعولًا خطابًا للخضر (١).
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ عظيمًا منكرًا، والإمر في كلام العرب: الداهية، وأصله كل شيء جديد كبير، وروي أن الماء لم يدخلها، وروي أن الخضر أخذ قدحًا من زجاج، ورقع به خرق السفينة.
وفي الآية دليل على أن الوصيَّ له أن ينقص مال اليتيم إذا رآه صلاحًا؛ مثل أن يخاف على ريعه ظالمًا، فيخرب بعضه، قال أبو يوسف: لو طمع السلطان في مال اليتيم، فصالحه الوصيُّ من مال اليتيم على الأقل مما طمع، لم يضمن؛ لأنه مأمور بحفظ مال اليتيم ما أمكنه، والحكم في المسألة كذلك بالاتفاق، والله أعلم.
...
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿قَالَ﴾ الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ تذكير لما ذكره قبل.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٤).
الكهف 18:73
﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ بنسياني. وتقدم مذهب أبي جعفر وورش في (لاَ تُواخِذْنِي) عند قوله: (لَوْ يُواخِذُهُمْ).
﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ تغشيني، يقال: رهقه: إذا غشيه.
﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ أي: لا تعسر علي متابعتك.
عن النبي - ﷺ -: "أن الأولى كانت من موسى نسيانًا، والثانية شرطًا، والثالثة عهدًا" (١). قرأ أبو جعفر: (عُسُرًا) (يُسُرًا) بضم السين فيهما حيث وقع (٢).
...
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿فَانْطَلَقَا﴾ بعد خروجهما من السفينة.
﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا﴾ لم يبلغ الحنث يلعب مع الصبيان، أحسنهم وجهًا، فأضجعه الخضر، فذبحه بالسكين ﴿فَقَتَلَهُ﴾، قال رسول الله - ﷺ -: "إن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش، لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا" (٣).
(١) رواه البخاري (٢٥٧٨)، كتاب: الشروط، باب: الشروط مع الناس بالقول، عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥).
(٣) رواه مسلم (٢٦٦١)، كتاب: القدر: باب: معنى: "كل مولود يولد على الفطرة"، عن أبي بن كعب رضي الله عنه.
الكهف 18:75
﴿قَالَ﴾ موسى توبيخًا ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (زَكِيَّةً) بغير ألف بعد الزاي وتشديد الياء، وقرأ الباقون: بالألف وتخفيف الياء (١)، ومعناهما واحد، مثل: قاسية وقسية؛ أي: طاهرة من الذنوب، وقال أبو عمرو بن العلاء: الزاكية: التي لم تذنب قط، والزكية التي أذنبت ثم تابت ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ لم تقتله قصاصًا.
﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ أي: منكرًا، والنكر: أعظم من الإمر. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُكُرًا) بضم الكاف حيث وقع، والباقون: بإسكانها، ومعناهما واحد (٢).
...
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾.
[٧٥] ﴿قَالَ﴾ الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ لن تطيق معي صبرًا، وزاد هنا: (لَكَ) توبيخًا لموسى؛ لأنه كان في الأولى معذورًا.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٥).
الكهف 18:76
﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (٧٦)﴾.
[٧٦] ولذلك ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ بعد هذه المرة.
﴿فَلَا تُصَاحِبْنِي﴾ وفارقني. قرأ روح عن يعقوب بخلاف عنه: (تَصْحَبْنِي) بفتح التاء وإسكان الصاد وفتح الحاء بغير ألف؛ من الصحبة، وقرأ الباقون: (تُصَاحِبْنِي) بالألف وضم التاء وكسر الحاء (١)؛ أي: لا تصحبني نفسك، ولا تزودني شيئًا من علمك.
﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ قرأ نافع وأبو جعفر: (لَدُنِي) بضم الدال وتخفيف النون، وروى أبو بكر عن عاصم: بتخفيف النون وإشمام الدال الضم بعد إسكانها، وقرأ الباقون: بضم الدال وتشديد النون (٢)، فالقراءة بالتخفيف بحذف النون الأصلية، والإتيان بنون الوقاية، ومن شدد أدخل نون الوقاية على الأصلية، فأدغم. المعنى: قد اتضح عذرك عندي في مفارقتي؛ لأني لم أحفظ وصيتك.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٢٨٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
الكهف 18:77
قال - ﷺ -: "يرحم (١) الله أخي موسى، استحيا فقال ذلك" (٢).
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "رحمة الله علينا وعلى موسى -وكان إذا ذكر أحدًا من الأنبياء بدأ بنفسه- لولا أنه عجَّل، لرأى العَجَبَ، ولكنه أخذته من صاحبه ذَمَامةٌ قال: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ فلو صبر، لرأى العجب" (٣).
...
﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي إنطاكية ﴿اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾ طلبا منهم ضيافة، وأعاد ذكر الأهل تأكيدًا ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ امتنعوا من إطعامهما.
قال قتادة: شر القرى التي لا تضيف الضيف (٤).
وعن أبي هريرة قال: أطعمتهما امرأة من أهل بربر بعد أن طلبا من الرجال فلم يطعموهما، فدعا لنسائهم، ولعن رجالهم (٥).
(١) في "ت": "رحم".
(٢) انظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٣٠٥).
(٣) رواه مسلم (٢٣٨٠)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل الخضر -عليه السلام-، عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-.
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٢).
(٥) المرجع السابق، الموضع نفسه. ومذهب أحمد: يجب على المسلم ضيافة المسلم المجتاز به يومًا وليلة بشرط أن يكون مجتازًا في قرية لا مصر، فإن أبي، فللضيف طلبه به عند الحاكم، فإن تعذر، جاز له الأخذ من ماله، ومن مر بثمر في شجر لا حائط عليه ولا ناظر، فله أن يأكل منه ولا يحمل، وكذا الحكم في الزرع، ولبن في الماشية، وهذا من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة.
﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ يسقط، هذا من مجاز كلام العرب؛ لأن الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا من السقوط، وكان الخضر رأى حائطًا ارتفاعه مئة ذراع قد قارب السقوط، فمسحه بيده.
﴿فَأَقَامَهُ﴾ عدله ﴿قَالَ﴾ موسى:
﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب: (لَتَخِذْتَ) بتخفيف التاء الأولى وكسر الخاء من غير ألف وصل؛ من تَخِذَ يَتْخَذُ: عمل شيئًا، على وزن لعلمت، فابن كثير، ورويس عن يعقوب يظهران الذال عند التاء، وأبو عمرو يدغمها، وقرأ الباقون: بتشديد التاء الأولى وفتح الخاء وألف وصل، وزن لاكتسبت، فيكون اتخذ افتعل، فحفص عن عاصم يظهر الذال، والباقون يدغمونها، وهما لغتان، مثل اتبع وتبع (١)، المعنى: أن موسى قال للخضر: قد علمت حاجتنا إلى الطعام، فلو طلبت على عملك جعلًا، لدفعنا به ألم الجوع.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٥ - ١٦ و ٣١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٣/ ٣٨٨ - ٣٨٩).
الكهف 18:78
﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٧٨)﴾.
[٧٨] فثم ﴿قَالَ﴾ الخضر ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي: لا أصحبك بعد هذا.
﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ سوف أخبرك.
﴿بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ وأنكرتَه عليّ، فقال له موسى: أخبرني بعلم ما لم أستطع عليه صبرًا قبل المفارقة.
...
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾.
[٧٩] فقال: ﴿مَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ لضعفاء، وكانوا عشرة إخوة: خمسة زَمْنى، وخمسة ﴿يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ مؤاجرة؛ طلبًا للتكسب ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أجعلها ذات عيب ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي: قدامهم ملك كافر اسمه الجلندا ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾.
روي أن الخضر اعتذر إلى القوم، وذكر لهم شأن الملك الغاصب، ولم يكونوا يعلمون بخبره، وقال: أردت إذا هي مرت به أن يدعها لعيبها، فإذا جاوزوا، أصلحوها فانتفعوا بها.
والغصب: هو الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، وهو محرم بالاتفاق.
واختلفوا في الصلاة في المغصوب، فقال أحمد: لا تصح، ولا يسقط
الكهف 18:80
الطلب بها، وقال مالك والشافعي: يصح مع التحريم، فلا يثاب، وقال الحنفية: تكره، وكذا حكم الحج وسائر العبادات مما له حكم من صحة أو فساد، والعقود كالبيع والنكاح ونحوهما.
﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا﴾ خِفْنا.
﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ يغشيهما.
﴿طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ بأن يطغى عليهما بعقوقهما، أو يحملهما حبُّه على متابعته، وذلك طغيان وكفر.
...
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾.
[٨١] ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ يعوضهما.
﴿رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ صلاحًا وتقوى.
﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ رحمة وعطفًا، ونصبه على التمييز، فأبدلهما الله تعالى جارية تزوجت نبيًّا، فولدت نبيًّا، فهدى الله به أمة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُمَا) بفتح الباء وتشديد الدال من بَدَّل، وقرأ الباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال من أبدل، وهما لغتان (١)، وفرق بعضهم
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الكهف 18:82
فقال: التبديل: تغيير شيء أو تغيير حاله وعينُ الشيء قائمة، والإبدال: رفع الشيء ووضع شيء آخر مكانه، وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (رُحُمًا) بضم الحاء، والباقون: بجزمها، ومعناهما واحد (١).
...
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وكان اسمهما أصرم وصريم.
﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - قال: "كان ذهبًا وفضة" (٢)، وعن ابن عباس: "كان لوحًا من ذهب مكتوب في أحد جانبيه: عجبًا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، عجبًا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبًا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبًا لمن أيقن بزوال الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي الآخر: أنا الله وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبى لمن خلقته للخير، وأجريته على يديه، والويل لمن
= (٢/ ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٦)، وباقي المصادر في التعليق السابق.
(٢) رواه الترمذي (٣١٥٢)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الكهف، وقال: غريب، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٩٧). خلقته للشر، وأجريته على يديه" (١)، وهذا قول أكثر المفسرين.
﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ فحُفِظا بصلاح أبيهما في أنفسهما ومالهما، وقيل: كان الجد السابع.
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ إيناس رشدهما ﴿وَيَسْتَخْرِجَا﴾ حينئذ ﴿كَنْزَهُمَا رَحْمَةً﴾ نعمة ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ قال أولًا: ﴿فَأَرَدتُّ﴾ ثم قال: ﴿فَأَرَدنَا﴾، ثم قال: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ توسعًا في اللغة، قال بعضهم: لما قال الخضر: (فأردت) أُلهم: من أنت حتى تكون لك إرادة؟! فجمع في الثانية، فأُلهم: من أنت وموسى حتى تكون لكما إرادة؟ فخص في الثالثة الإرادة لله (٢) تعالى؛ ليعلم أن الكل إليه.
﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: باختياري، بل بأمر الله وإلهامه.
﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ﴾ أي: ما لم تُطق.
﴿عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ اسطاع واستطاع بمعنى واحد.
ولما فارقه موسى، قال: أوصني، قال: لا تطلب العلم لتُحدِّثَ به، واطلبه لتعمل به.
واختلف في حياة الخضر، فكثير من العلماء ذهب إلى أنه حي، وهو يصلي الجمعة في خمسة مساجد: في المسجد الحرام، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد قباء، ومسجد الطور، في كل مسجد جمعة، ويأكل في كل جمعة أكلتين من كمأة وكرفس، ويشرب مرة من ماء
(١) رواه البيهقي في "الزهد" (٢/ ٢١٤).
(٢) في "ت": "بالله". لا زمزم، ومرة من جب سليمان الذي ببيت المقدس، ويغتسل من عين سلوان.
قال الشيخ أبو محمد نصر البندنيجي: سألت الخضر: أين تصلي الصبح؟ فقال: عند الركن اليماني، قال: وأقضي بعد ذلك شيئًا كلفني الله تعالى قضاءه، ثم أصلي الظهر بالمدينة، ثم أقضي شيئًا كلفني الله قضاءه، وأصلي العصر ببيت المقدس، حكى ذلك صاحب "مثير الغرام" (١) وغيره.
وسبب حياته -على ما حكاه البغوي-: أنه شرب من عين الحياة (٢).
وروى المشرف بسنده، وحكاه غيره: أن الخضر وإلياس -عليهما السلام- يصومان شهر رمضان ببيت المقدس (٣)، ويوافيان الموسم كل عام (٤)، وإلياس من أنبياء بني إسرائيل، وذهب قوم إلى أن الخضر ميت؛ لقوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وقال - ﷺ - بعدما صلى العشاء ليلة: "أَرَأَيْتَكمْ ليلتكم هذه؛ فإن رأس مئة سنة لا يبقى ممن هو اليوم
(١) اسم "مثير الغرام" أطلق على ثلاثة كتب، وهي:
١ - "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن" لأبي الفرج ابنِ الجوزي،
و ٢ - "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام" لشهاب الدين المقدسي المتوفى (٧٦٥)،
و ٣ - "مثير الغرام في زيارة الخليل عليه السلام" وإسحاق بن إبراهيم التدمري المتوفى (٨٣٣). انظر: "كشف الظنون" (٢/ ١٥٨٩ - ١٥٩٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٥).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٠/ ١٩٦): رواه أحمد في "الزهد" بإسناد حسن عن أبي رَواد، وقال السخاوي في "المقاصد الحسنة" (١/ ١٢): وهو معضَل.
(٤) قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ١٩٦): رواه الدارقطني في "الأفراد" من طريق عطاء، عن ابن عباس مرفوعًا، وفي إسناده محمد بن أحمد بن زيد، وهو ضعيف.
الكهف 18:83
على ظهر الأرض أحد" (١)، ولو كان الخضر حيًّا، لكان لا يعيش بعده.
...
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ هو الإسكندر الذي ملك الدنيا، وكان في زمن سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام، وقيل: اسمه عبد الله، أو مرزبان، وكان عبدًا صالحًا، أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فناصحه الله، وهو من ذرية نوح عليه السلام، وسمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مشرقها ومغربها، وقيل: بعثه الله إلى قومه، ولم يكن نبيًّا، فأمرهم بالتقوى، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله تعالى، ثم بعثه مرة أخرى إليهم، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه، فسمي ذا القرنين، وقيل غير ذلك.
قال ابن عطية: أحسن الأقوال أنه كان ذا ظفرتين من شعرهما قرناه، فسمي به، والظفائر قرون الرأس (٢).
وروي أن جميع من ملك الدنيا كلها أربعة: مؤمنان، وكافران، فالمؤمنان: سليمان بن داود، والإسكندر، والكافران: نمرود، وبخت نصر.
وتوفي الإسكندر بناحية السواد بشهرزور بعد أن غزا الهند حتى انتهى
(١) رواه البخاري (١١٦)، كتاب: العلم، باب: السهر في العلم، ومسلم (٢٥٣٧)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قوله - ﷺ -: "لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم"، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٣/ ٥٣٨).
الكهف 18:84
إلى البحر المحيط، فهال ذلك ملوك المغرب، فوفدت عليه رسلهم بالانقياد والطاعة، ودخل الظلمات مما يلي القطب الشمالي وبحر الشمس في الجنوب في أربع مئة رجل من أصحابه يطلب عين الحياة، فلم يصبها، فسار فيه ثمانية عشر يومًا، وبنى اثنتي عشرة مدينة سماها كلها إسكندرية، وكانت مملكته اثنتي عشرة سنة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة، وكان عمره ستًّا وثلاثين سنة، كذا نقله بعض المؤرخين، وقال الكواشي: قالوا: وعاش ألفًا وست مئة سنة، وحكى البيضاوي قولًا أن سبب تسميته بذي القرنين؛ لأنه انقرض في أيامه قرنان من الناس، والله أعلم (١).
﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ﴾ سأذكر لكم ﴿مِنْهُ﴾ من خبره ﴿ذِكْرًا﴾ خبرًا.
...
﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (٨٤)﴾ [الكهف: ٨٤].
[٨٤] ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن قويناه.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ أي: من أسباب كل شيء و (٢) أراده.
...
﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥].
[٨٥] ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: اقتفى طريقًا موصلًا إلى مراده. قرأ الكوفيون، وابن عامر: (فَأَتْبَعَ) (ثُمَّ أَتْبَعَ) بقطع الهمزة وإسكان التاء في المواضع الثلاثة، أي: أدرك، ولحق، وقرأ الباقون، وهم أهل الحجاز والبصرة:
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٣/ ٥١٩).
(٢) "و" زيادة من "ت".
الكهف 18:86
بوصل الهمزة وتشديد التاء في الثلاثة (١)؛ أي: سار، يقال: ما زلت أتبعه حتى اتبعته؛ أي: ما زلت أسير خلفه حتى لحقته، والمعنى: سلك طريقًا نحو الغرب.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (٨٦)﴾ [الكهف: ٨٦].
[٨٦] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (حَمِئَةٍ) بغير ألف بعد الحاء وهمز الياء؛ أي: ذات حمأة، وهو الطين الأسود، وقرأ الباقون: (حَامِيَةٍ) بالألف وفتح الياء من غير همز (٢)، أي: حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين.
وسأل معاوية كعب الأحبار: كيف تجد الشمس تغرب؟ قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة (٣).
﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا﴾ أي: عند تلك العين.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩ - ١١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩ - ١٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٤١٢)، والخطيب في "الجامع لأخلاق الراوي" (٢/ ١٩٧ - ١٩٨). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١).
الكهف 18:87
﴿قَوْمًا﴾ كافرين، لباسهم جلود الوحش، وطعامهم ما لَفَظَه البحرُ، فخيَّره الله بين أن يعذبَهم، أو يدعوهم إلى الإيمان كما قال تعالى:
﴿قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ والمراد منه: الإلهام، لأنه لم يكن نبيًّا على الأصح ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ يعني: إما أن تقتلهم إن لم يدخلوا في الإسلام.
﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ عفوًا؛ أي: خيَّرناك في قتل من لم يؤمن، وفي العفو عنه، أو الأسر بشرط الإيمان.
...
﴿قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (٨٧)﴾ [الكهف: ٨٧].
[٨٧] ﴿قَالَ﴾ الإسكندر: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ أشرك ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ بالقتل في الدنيا.
﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ في الأخرى ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ شديدًا.
...
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (٨٨)﴾ [الكهف: ٨٨].
[٨٨] ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ قرأ يعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (جَزَاءً الْحُسْنَى) بالنصب والتنوين وكسره للساكنين؛ أي: فله الحسنى جزاء، ونصب (جَزَاءً) على المصدر، وقرأ الباقون: بالرفع من غير تنوين على الإضافة (١)، فالحسنى: الجنة، وأضاف الجزاء إليها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، =
الكهف 18:89
﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ أي: لا نأمره بما يصعب عليه، بل بما يسهل.
وتقدم مذهب أبي جعفر في ضم السين من (يُسُرًا)، عند قوله: (عُسُرًا).
...
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٩].
[٨٩] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ أي: سلك طريقًا ومنازل.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (٩٠)﴾ [الكهف: ٩٠].
[٩٠] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾ أي: موضع طلوعها.
﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ﴾ هم الزنج.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ يخصهم؛ لأن أرضهم لا تحمل بناءً ولا شجرًا، ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوعها، ويظهرون منها عند ارتفاعها.
روي أنه وصل إليهم رجل، فرأى أناسًا يفرش أحدهم أذنه ويلبس الأخرى، قال: فبينا أنا عندهم، إذ سمعت شيئًا كالصلصلة، فغشي علَيَّ، فأفقت وهم يمسحونني بالدهن، فلما طلعت الشمس على الماء، إذا هي عليه كهيئة الزيت، فأدخلونا سربًا لهم، فلما ارتفعت، خرجوا إلى البحر يصطادون السمك، فيطرحونه في الشمس، فينضج لهم.
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠).
الكهف 18:91
﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (٩١)﴾ [الكهف: ٩١].
[٩١] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما حكم في القوم الذين هم عند مغرب الشمس، حكم في الذين عند مطلعها كذلك.
﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ﴾ بما عنده من الجند والآلات والعدد والأسباب ﴿خُبْرًا﴾ علمًا.
...
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢].
[٩٢] ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ يعني: طريقًا ثالثًا معترضًا بين المشرق والمغرب آخذًا من الجنوب إلى الشمال.
...
﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (٩٣)﴾ [الكهف: ٩٣].
[٩٣] ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (السَّدَّيْنِ) بفتح السين، والباقون: بضمها، وهما لغتان معناهما واحد (١)، وقال عكرمة: ما كان من صنعة بني آدم، فهو السد -بالفتح-، وما كان من صنع الله، فهو بالضم- (٢)؛ لأن السد -بالضم- فعل مبني لمفعول، وبالفتح مصدر، وهما الجبلان بين أرمينيا وأذربيجان، فلما
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢).
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٤٥٩).
الكهف 18:94
وصل إلى السدين ﴿وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من ورائهما.
﴿قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يُفْقِهُونَ) بضم الياء وكسر القاف على معنى: لا يُفهمون غيرهم قولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء والقاف (١)؛ أي: لا يَفهمون كلامَ غيرهم، قال ابن عباس: "لا يفهمون كلام أحد، ولا يفهم الناس كلامهم" (٢).
...
﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]
[٩٤] ﴿قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ أي: قال مترجمهم:
﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ قرأ عاصم: بهمزهما، والباقون: بغير همز تخفيفًا، وهما اسمان أعجميان مثل هاروت وماروت، وهم من ولد يافث بن نوح، والقراءة بالهمز وعدمه لغتان (٣)، أصلها من أجيج النار، وهو ضوؤها وشررها، شبهوا به؛ لكثرتهم وشدتهم.
قال المؤرخون: أولاد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث، فسام
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٩).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٥ - ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣). أبو العرب والعجم والروم، وحام أبو الحبشة والزنج والنوبة، ويافث أبو الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج.
عن ابن عباس: "هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء" (١)؛ لأنه لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه يحملون السلاح، فمنهم من طوله مئة وعشرون ذراعًا، أو خمسون، ومنهم من طوله وعرضه كذلك، ومنهم من يلتحف بأذنه ويفترش الأخرى.
وروي أنهم على مقدار واحد ذكرهم وأنثاهم، طول أحدهم مثل نصف الرجل المربوع منا.
قال علي -رضي الله عنه-: "منهم من طوله شبر، ومنهم من هو مفرط في الطول، لهم مخالب في موضع الأظفار من أيدينا، وأنياب وأضراس كأضراس السباع، لهم شعر في أجسادهم" (٢).
فلما وصل ذو القرنين إلى أولئك القوم، قالوا له شكاية: إن يأجوج ومأجوج.
﴿مفسدون في الأرض﴾ بالقتل والتخويف وإتلاف الزروع وفعل الخبيث.
﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ جعلًا نخرجه من أموالنا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (خَرَاجًا) بفتح الراء وألف بعدها، وهو المال المضروب على الأرض يؤدى في كل مدة، وقرأ الباقون: بإسكان الراء من غير ألف، مصدر خرج (٣)، وهو الجعل كما تقدم أولًا.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٠)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٥/ ١٩٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦١)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٥/ ١٩٠).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، =
الكهف 18:95
﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ حاجزًا لئلا يصلوا إلينا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (سَدًّا) بفتح السين، والباقون: بضمها، وهما لغتان (١).
...
﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (٩٥)﴾ [الكهف: ٩٥].
[٩٥] ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي﴾ أي: قَوَّاني ﴿فِيهِ رَبِّي﴾ هو من العلم وطلب ثوابه والمال.
﴿خَيْرٌ﴾ هو أفضل مما تعطونني أنتم. قرأ ابن كثير: (مَكَنَنِي) بنونين مخففتين، الأولى مفتوحة، والثانية مكسورة على الأصل، والباقون: بواحدة مكسورة مشددة على الإدغام (٢)، المعنى: ثواب الله خير من ثوابكم.
﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي: آلة أتقوى بها ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ هو أكبر من السد، فجاؤوه بذلك، فحفر ما بين السدين حتى بلغوا الماء.
...
= و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤).
الكهف 18:96
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (٩٦)﴾ [الكهف: ٩٦].
[٩٦] ثم قال: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى﴾ قِطعه، جمع زبرة. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رَدْمًا ائْتُونِي) بكسر التنوين ووصل التنوين مع همزة ساكنة بعده، من باب المجيء، وإذا ابتدأ، كسر همزة الوصل، وأبدل الهمزة الساكنة بعدها ياءً، والباقون: بقطع الهمزة ومدة بعدها في الحالين؛ من الإعطاء، وورش على أصله يلقي حركة الهمزة على التنوين قبلها (١)، فجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من زبر الحديد بعضها فوق بعض، وجعل بينهما الحطب والفحم.
﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى﴾ قرأ أبان عن عاصم: (سَوَّى) بتشديد الواو من غير ألف، وقرأ الباقون: (سَاوَى) بالألف وتخفيف الواو (٢)؛ أي: ملأ.
﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر: بضم الصاد والدال، وروى أبو بكر عن عاصم: بضم الصاد وإسكان الدال، والباقون: بفتحهما، وكلها لغات (٣)، معناها: الناحيتان من الجبلين؛ لأنهما يتصادفان؛ أي: يتقابلان، فلما ملأ ما بينهما بالزبر والحطب، ووضح حوله منافخ.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦).
الكهف 18:97
﴿قَالَ انفُخُوا﴾ فنفخوا النار.
﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ﴾ أي: الحديد ﴿نَارًا﴾ أي: كالنار.
﴿قَالَ آتُونِي﴾ قرأ حمزة، وأبو بكر بخلاف عنه: (قالَ ائْتُوني) بوصل الألف وهمزة ساكنة؛ من باب المجيء، وإذا ابتدأ ا، كسرا همزة الوصل، وأبدلا الهمزة الساكنة ياء، والباقون: بقطع الهمزة ومدة بعدها في الحالين من الإعطاء (١) ﴿أُفْرِغْ﴾ أصب.
﴿عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ نحاسًا مذابًا، فجعلت النار تأكل الحطب، وتصير النحاس مكان الحطب، حتى لزم الحديد النحاس، وكان طوله مئة فرسخ، وعرضه خمسين ذراعًا، وارتفاعه مئتي ذراع، وقيل غير ذلك.
...
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾ [الكهف: ٩٧].
[٩٧] ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ أي: يعلوه من فوقه؛ لملاسته ورفعته.
قرأ حمزة (فما اسطَّاعُوا) بتشديد الطاء، يريد: فما استطاعوا، فأدغم التاء في الطاء، وجمع بين ساكنين وصلًا، قال ابن الجزري: والجمع بينهما في مثل ذلك (٢) جائز مسموع، وقرأ الباقون: بتخفيفها على حذف (٣) التاء ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ خَرْقًا؛ لصلابته وسمكه.
...
(١) انظر: "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧)، وباقي المصادر في التعليق السابق.
(٢) "في مثل ذلك" زيادة من "ت".
(٣) المصادر السابقة.
الكهف 18:98
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨)﴾ [الكهف: ٩٨].
[٩٨] فلما فرغ منه ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ علي وعليكم؛ لعدم خروجهم بسببه ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي: وقت خروجهم.
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قرأ الكوفيون: (دَكَّاءَ) بالمد والهمز من غير تنوين؛ أي: أرضًا ملساء، والباقون: بالتنوين من غير همز (١)؛ أي: مستويًا مع وجه الأرض.
﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ واجبًا بالثواب والعقاب وغيرهما، هذا آخر كلام ذي القرنين.
روي أنهم يحفرون كل يوم الردم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غدًا، فيعيده الله كما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا إن شاء الله، فيعودون وهو كهيئته، فيحفرونه، ويخرجون، مقدمتُهم بالشام، وساقتهم بخراسان، فيشربون المياه، وينحصر الناس منهم في حصونهم، ولا يقدرون على إتيان مكة والمدينة وبيت المقدس، ويرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع كهيئة الدم، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيرسل الله تعالى عليهم دودًا في أعناقهم، فيهلكون جميعًا، فيرسل الله عليهم طيرًا، فتلقيهم في البحر، ويرسل مطرًا يغسل الأرض، وخروجهم يكون بعد خروج الدجال وقتلِ عيسى إياه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨).
الكهف 18:99
﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾ [الكهف: ٩٩].
[٩٩] ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ أي: بعض يأجوج ومأجوج من وراء السد يوم سد ﴿يَمُوجُ﴾ يضطرب ويختلط ﴿فِي بَعْضٍ﴾ لكثرتهم وعدم خروجهم.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لأن خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ﴾ أي: جميع الخلائق يوم القيامة للحساب.
﴿جَمْعًا﴾ في مكان واحد.
...
﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾ [الكهف: ١٠٠].
[١٠٠] ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ أي: أظهرناها.
﴿يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ حتى يشاهدوها عيانًا.
...
﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ [الكهف: ١٠١].
[١٠١] ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ عن القرآن والإيمان به، وقوله (أعينهم) كناية عن البصائر، لا عين الجارحة.
﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ لذكري؛ لإفراط صممهم عن الحق.
...
﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ [الكهف: ١٠٢].
[١٠٢] ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الاستفهام للإنكار ﴿أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي﴾ أي: ملائكتي وعيسى وعزيرًا والشياطين ﴿مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ المعنى: أفظن
الكهف 18:103
الكافرون اتخاذهم عبادي من دوني أربابًا ينفعهم، أو لا أعذبهم.
﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾ منزلًا، المعنى: جهنم معدة للكافرين كالنزل المعد للضيف. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (دُونِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) بتحقيق الهمزتين، والباقون بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تجعل بين بين (٢).
...
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ [الكهف: ١٠٣].
[١٠٣] ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ نصب على التمييز؛ أي: بالذين هم أشد الخلق وأعظمهم خسرانًا فيما عملوا.
...
﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ [الكهف: ١٠٤].
[١٠٤] ﴿الَّذِينَ ضَلَّ﴾ ضاع ﴿سَعْيُهُمْ﴾ عملهم الخير.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لكفرهم؛ كالرهبان؛ فإنهم خسروا دنياهم وآخرتهم.
﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ عملًا ينفعهم؛ لعجبهم، واعتقادهم
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٧)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٨٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٦)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩).
الكهف 18:105
أنهم على الحق. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (يَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١).
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥].
[١٠٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ بالقرآن ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث ﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ بطل اجتهادهم بكفرهم، فلا يثابون على أعمالهم.
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ أي: نزدريهم، فلا يكون لهم مقدار، قال - ﷺ -: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال: اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ " (٢).
...
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾ [الكهف: ١٠٦].
[١٠٦] ﴿ذَالِكَ﴾ المذكور من هبوط أعمالهم وخسة قدرهم، مبتدأ ﴿جَزَآؤُهُم﴾ مبتدأ ثان، خبره ﴿جَهَنَّمُ﴾ وهما خبر (ذلك).
﴿بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ سخرية.
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩١)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠).
(٢) رواه البخاري (٤٤٥٢)، كتاب: التفسير، باب: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، ومسلم (٢٧٨٥)، في أول كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الكهف 18:107
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧]
[١٠٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ﴾ في علم الله.
﴿جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ وهو وسط الجنة، ومعناه: البستان.
﴿نُزُلًا﴾ قال كعب: "ليس في الجنان جنة أعلى من جنة الفردوس، فيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر" (١).
...
﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ﴾ لا يطلبون ﴿عَنْهَا حِوَلًا﴾ تحويلًا.
...
﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ [الكهف: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ أي: ماؤه ﴿مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ تكتب به، وهي وعده لأوليائه، ووعيده لأعدائه وحكمه، وسمي المداد مدادًا؛ لإمداده الكاتب، وأصله من الزيادة ومجيء الشيء بعد الشيء.
﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أي: فني ماؤه ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ﴾ [أي: تفرغ].
﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ أي: علمه وحكمه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَنْفَد) بالياء على التذكير لتقديم الفعل، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢)
(١) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٦/ ٣٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الكهف 18:110
﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ﴾ بمثل ماء البحر ﴿مَدَدًا﴾ زيادة عليه، لينفد أيضًا، ولم تنفد (١) كلماته تعالى، ونصبه تمييز.
...
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
[١١٠] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ آدمي ﴿مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ منزه عما لا يليق به، وكان كفرهم بعبادة الأصنام، فلذلك خصص هذا الفعل فيما أوحي إليه ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يأمل حسن لقائه.
﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ خالصًا ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ لا يرائي بعمله.
قال ابن عباس: نزلت في جندب بن زهير العامري، قال للنبي - ﷺ -: إني أعمل العمل لله تعالى، فإذا اطلع عليه، سرني، فقال النبي - ﷺ -: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ولا يقبل ما شورك فيه"، فنزلت (٢).
وعنه -عليه السلام-: "اتقوا الشِّركَ الأصغرَ"، قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: "الرياء" (٣).
= (٢/ ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١).
(١) في "ت": "لنفذ أيضًا، ولم تنفذ".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧١). قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣١٣)، غريب.
(٣) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٤٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٨٣١)، عن محمود بن لبيد -رضي الله عنه-. ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤٣٠١)، عن محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج -رضي الله عنه-. وقال - ﷺ -: "من حفظ عشر آياتٍ من أول سورة الكهف، عُصِمَ من فتنة الدجال" (١).
وعنه - ﷺ -: "من قرأ سورةَ الكهف، فهو معصومٌ ثمانيةَ أيامٍ من كل فتنة، فإن خرج الدجال في الأيام الثمانية، عصمه الله من فتنة الدجال" (٢).
وروي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية قالت: كان رسول الله - ﷺ - في بيتي، فذكر الدجال، فقال: "آتٍ بين يديه ثلاث سنين: سنة تمسك السماء ثلث قطرها، والأرض ثلث نباتها، والثانية تمسك السماء ثلثي قطرها، والأرض ثلثي نباتها، والثالثة تمسك السماء قطرها كله، والأرض نباتها كله، فلا يبقى ذات ظلف ولا ذات ضرس من البهائم إلا هلك؛ وإن من أشد فتنته أن يأتي الأعرابي فيقول: أرأيت إن أحييت لك إبلك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له نحو إبله كأحسن ما تكون ضروعًا، وأعظمه أسنمة، قال: ويأتي الرجل قد مات أخوه، ومات أبوه، فيقول: أرأيت إن أحييت لك أباك، وأحييت لك أخاك، ألست تعلم أني ربك؟ فيقول: بلى، فيمثل له الشياطين (٣) نحو أبيه وأخيه، قالت: ثم خرج رسول الله - ﷺ - لحاجته، ثم رجع والقوم في اهتمام وغم مما حدثهم به، فأخذ بلحمتي الباب، فقال: مهيم أسماء؟ قلت: يا رسول الله! لقد خلعت
(١) رواه مسلم (٨٠٩)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: فضل سورة الكهف وآية الكرسي، عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
(٢) رواه الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (٢/ ٤٩ - ٥٠)، عن علي -رضي الله عنه-.
(٣) في "ت": "الشيطان". أفئدتنا بذكر الدجال، قال: إن يخرج، فأنا حجيجه، وإلا فإن ربي خليفتي على كل مؤمن، قالت أسماء: فقلت: يا رسول الله! والله إنا لنعجنن عجيننا، فما نخبزه حتى نجوع، فكيف بالمؤمنين يومئذ؟ قال: يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس" (١).
ومما ورد في أمر الدجال: ما روي عن الضحاك أنه قال: "الدجال ليس له لحية، وافر الشارب، طول وجهه ذراعان، وقامته في السماء ثمانون ذراعًا، وعرض ما بين منكبيه ثلاثون ذراعًا، ثيابه وخفاه وسرجه ولجامه بالذهب والجوهر، وعلى رأسه تاج مُرصَّع بالذهب والجوهر، هيئته المجوس، وكلامه الفارسية، تطوى له الأرض ولأصحابه طيًّا طيًّا، يطأ مجامعها، ويرد مناهلها إلا المساجد الأربعة: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، ومسجد الطور" (٢).
وفي الحديث الشريف: أن عينه اليمنى طافية (٣).
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٤٥٥)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٦/ ٤٥٥)، والطيالسي في "مسنده" (١٦٣٣)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ١٥٨).
(٢) لم أقف عليه، غير أن الألوسي في "روح المعاني" (١٥/ ١١) قال: فقد أخرج أحمد في "المسند" أن الدجال يطوف الأرض إلا أربعة مساجد: مسجد المدينة، ومسجد مكة، والأقصى، والطور... اهـ. والصحيح الثابت أنه "ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نَقْبٌ إلا عليه الملائكة صافِّين يحرسونها.. " كما رواه البخاري (١٧٨٢)، كتاب: فضائل المدينة، باب: "لا يدخل الدجال المدينة، ومسلم (٢٩٤٣) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: قصة الجسَّاسة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
(٣) رواه البخاري (٣٢٥٦)، كتاب: الأنبياء، باب: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ...﴾، = وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قام رسول الله - ﷺ - في الناس، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم ذكر الدجال فقال: "إني لأنذركموه، وما من نبي إلا أنذره قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكنني سأقول لكم فيه قولًا لم يقله نبيٌّ لقومه، تعلمون أنه أعور، وأن الله ليس بأعور" (١).
وعن خالد بن معدان قال: عصمة المؤمنين من المسيح الدجال بيت المقدس (٢).
وعن ربيعة بن يزيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تزالون تقاتلون الكفار حتى تقاتل بقيتكم جنود الدجال ببطن الأردن، بينكم النهر، أنتم غربيه، وهم شرقيه"، قال ربيعة: فقال المحدث من أصحاب رسول الله - ﷺ -: فما سمعت بنهر الأردن إلا من رسول الله - ﷺ - (٣).
والأردن هو نهر الشريعة المذكور في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ
= ومسلم (١٦٩)، كتاب: الإيمان، باب: ذكر المسيح ابن مريم والدجال، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
(١) رواه البخاري (٢٨٩٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: كيف يعرض الإسلام على الصبي، ومسلم (١٦٩)، (٤/ ٢٢٤٥)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ذكر ابن صياد.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٩٤٤٧)، عن أبي الزاهرية مرفوعًا: "معقل المسلمين من الملاحم دمشق، ومعقلهم من الدجال ببيت المقدس... ".
(٣) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢٤٥٨)، والطبراني في "مسند الشاميين" (٦٣٨)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٧٠٦٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٢/ ٣٢٣)، عن نهيك بن صريم -رضي الله عنه-. مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ} [البقرة: ٢٤٩]، وهو شرقي بيت المقدس، ومسافته عنه نحو يوم.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يتبع الدجال من أمتي سبعون ألفًا عليهم التيجان" (١).
ويرويه أبو أمامةَ عن رسول الله - ﷺ - قال: "ومع الدجال يومئذ سبعون ألف يهودي كلهم ذو تاج وسيف مُحَلَّى" (٢).
وروي أن نبي الله عيسى - ﷺ - يأخذ من حجارة بيت المقدس ثلاثة أحجار: الأول منها يقول: باسم إله إبراهيم، والثاني: باسم إله إسحاق، والثالث باسم إله يعقوب، ثم يخرج بمن تبعه من المسلمين إلى الدجال، فإذا رآه، انهزم عنه، فيدركه عند باب لُدّ، فيرميه بأول حجر، فيضعه بين عينيه، ثم الثاني، ثم الثالث، فيقع، فيضربه عيسى فيقتله، فيقتل الدجال واليهود، حتى إن الحجر والشجر ليقولان: يا مؤمن هذا تحتي يهودي، فأته فاقتله (٣).
(١) رواه مسلم (٢٩٤٤)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: في بقية من أحاديث الدجال، لكنه قال: "عليهم الطيالسة" بدل "التيجان"، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٢٢٤)، وغيرهما، لكن عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
(٢) رواه ابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (١٢٤٩)، والروياني في "مسنده" (١٢٣٩)، والطبراني في "الأحاديث الطوال" (٤٨)، وتمام الرازي في "فوائده" (٢٦٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٢٢٣).
(٣) انظر: تخريج الحديث المتقدم. قال - ﷺ -: "يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم إمامًا مقسطًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير" (١).
وأما لُدّ، فهي بليدة بأرض فلسطين شمالي مدينة الرملة، مسافتها عن بيت المقدس نحو يوم، والله أعلم.
...
(١) رواه البخاري (٢١٠٩)، كتاب: البيوع، باب: قتل الخنزير، ومسلم (١٥٥)، كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم.. ، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
مريم 19:1
سُوْرَةُ مريم عليها السَّلام
مكية بإجماع، إلا السجدة منها، ففيها خلاف، وآيها تسع وتسعون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وثمان مئة وحرفان، وكلمها: تسع مئة واثنتان وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١].
[١] ﴿كهيعص﴾ قرأ أبو عمرو: بإمالة الهاء وفتح الياء، وقرأ ابن عامر، وحمزة، وخلف: بضم الهاء وإمالة الياء ضد الأول، وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: بإمالة الهاء والياء جميعًا، واختلف عن نافع، فروي عنه إمالتها بين بين، وفتحها، والأول أشهر، وفتحها الباقون، وهم أبو جعفر، وابن كثير، ويعقوب، وحفص عن عاصم، وأبو جعفر يقطع الحروف على أصله، يسكت على كل حرف سكتة يسيرة في جميع أحرف الهجاء من أوائل السور، وأظهرَ دالَ (صاد) عند ذال (ذِكْرُ): نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وأدغمها الباقون، وأشبع مدَّ (ع): ورش بخلاف عنه (١)، واختلف في الحروف التي في أوائل السور
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، =
مريم 19:2
على قولين: فقيل: هي سر الله في القرآن، لا ينبغي أن يتعرض له، نؤمن بظاهره، ونترك باطنه، وقال الجمهور: بل ينبغي أن يتكلم فيها، وتطلب معانيها؛ فإن العرب قد تأتي بالحرف الواحد دالًا على كلمة، وليس في كتاب الله ما لا يفهم، وتقدم الكلام فيها أول سورة البقرة، قال ابن عباس: (كهيعص): هذه حروف دالة على أسماء من أسماء الله تعالى: (الكاف) من كبير، و (الهاء) من هاد، و (الياء) من علي، و (العين) من عزيز، و (الصاد) من صادق (١)، وقيل: معناه كافٍ لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده.
...
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢)﴾ [مريم: ٢].
[٢] ﴿ذِكْرُ﴾ خبر مبتدأ؛ أي: المتلوُّ ذكرُ ﴿رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ وفيه تقديم وتأخير، معناه: ذكر ربك عبده زكريا برحمته، و (رحمت) بالتاء في سبعة مواضع، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (زَكَرِيَّا) مقصورًا بغير همز حيث وقع، والباقون: بالهمز والمد (٣).
...
= و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٤١ - ٤٢٥ و ٢/ ٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥ - ٢٧).
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٤٠٥)، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١٠/ ٣٠٠)، وغيرهما.
(٢) انظرها في تفسير الآية (٢١٨) في سورة البقرة.
(٣) انظرها في تفسير الآية (٣٧) من سورة آل عمران.
مريم 19:3
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣].
[٣] ﴿إِذْ نَادَى﴾ دعا ﴿رَبَّهُ﴾ في محرابه ﴿نِدَاءً خَفِيًّا﴾ سرًّا جوفَ الليل؛ لأنه أسرع للإجابة. قرأ ابن كثير، وعاصم، وروح عن يعقوب: (زَكَرِيَّاءَ إِذْ) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية (١)، وتقدم ذكر زكريا ووفاته في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ [آل عمران: ٣٧].
...
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ [مريم: ٤].
[٤] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف من الكبر.
﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ كناية عن عموم الثيب، شبهه بلهب النار، ونصبه على التمييز، تقديره: اشتعل شيبُ رأسي. قرأ أبو عمرو: (الرَّأْس شَيْبًا) بإدغام السين في الشين (٢).
﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: عودتني الإجابة فيما مضى، وما أشقيتني قَطُّ بِرَدٍّ.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٤)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠).
مريم 19:5
﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ [مريم: ٥].
[٥] ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ العصبة.
﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: بعدي؛ ألا يقوموا مقامي في الدين، خاف تضييع بني عمه دين الله، وتغيير أحكامه؛ لما شاهد من بني إسرائيل من تبديل الدين، وقتل الأنبياء، فسأل ربه ولدًا صالحًا يأمنه على أمته لئلا يضيع الدين. قرأ ابن كثير: (وَرَائِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١) ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد.
﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أعطني من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ ولدًا.
...
﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٦].
[٦] ﴿يَرِثُنِي﴾ في النبوة والعلم ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملكَ.
﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: راضيًا بقضائك تقيًّا مرضيًّا. قرأ أبو عمرو، والكسائي: (يَرِثْنِي وَيَرِثْ) بجزم الثاء فيهما على جواب الدعاء، والباقون: بالرفع على الحال والصفة؛ أي: وليًّا وارثًا (٢).
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١).
مريم 19:7
﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ [مريم: ٧].
[٧] ﴿يَازَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار؛ أي: فاستجاب الله له دعاءه، فقال، أو: فنودي: (يا زكريا) ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾ بولد ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ سمي به لأنه حيي به الرحم اليائس.
﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم يسم قبله يحيى. قرأ ابن عامر، وعاصم، وروح عن يعقوب: (يَا زَكَرِيَّاءُ إِنَّا) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا خالصة (١)، وقرأ حمزة: (نَبْشُرُكَ) بفتح النون وجزم الباء وضم الشين مخففة، من البشر، وهو البشرى والبشارة، وقرأ الباقون: بضم النون وفتح الباء وكسر الشين مشددة (٢)؛ من بَشَّرَ المضعف على التكثير، والبشر والتبشير والإبشار لغات فصيحات.
...
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ [مريم: ٨].
[٨] ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى﴾ أي: كيف، ومن أين ﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، وليس في ما أستحق به ذلك، ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لا تلد.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧ و ١٤٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٧ - ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧ - ٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢).
مريم 19:9
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ يبسًا، أي: بلغت العتي من أجل الكبر.
قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (عِتِيًّا) بكسر العين، والباقون: بضمها، وهما لغتان (١).
...
﴿قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩)﴾ [مريم: ٩].
[٩] فثَم ﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما قلتُ لك.
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ﴾ أي: خلقُ يحيى من كبيرين ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ سهل.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ قرأ حمزة والكسائي: (خَلَقْنَاكَ) بالنون والألف على لفظ الجمع للتعظيم، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة من غير ألف على لفظ التوحيد (٢)، وكلاهما إخبار؛ أي: أوجدناك.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل يحيى ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ بل كنت معدومًا.
...
﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ [مريم: ١٠].
[١٠] ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ دلالة على حمل امرأتي. قرأ نافع،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤).
مريم 19:11
وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِيَ آية) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ أي: صحيحًا من غير خرس، روي أنه لم يقدر فيها أن يتكلم مع الناس، فإذا أراد (٢) ذكر الله، انطلق لسانه. روي عن يعقوب وقنبل: الوقفُ بالياء على (لَيَالِي).
...
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ [مريم: ١١].
[١١] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ صبيحة ليلة حمل امرأته.
﴿مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ من المصلَّى، أو من الغرفة، وكان الناس ينتظرونه ليخرج إلى الصلاة، فخرج متغيرًا لونُه، فأنكروه وقالوا: ما لك يا زكريا؟
﴿فَأَوْحَى﴾ أومأ ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إشارة بإصبعه ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾ صلوا.
﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طرفي النهار (٣). قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (المحرابَ) بالإمالة، والباقون: بالفتح (٤).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤).
(٢) "أراد" زيادة من "ت".
(٣) "النهار" ساقطة من "ش".
(٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤).
مريم 19:12
﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ [مريم: ١٢].
[١٢] ﴿يَايَحْيَى﴾ فيه حذف معناه: يولد له، وقلنا للمولود: يا يحيى ﴿خُذِ الْكِتَابَ﴾ أي: التوراة بلا اختلاف؛ لأنه ولد قبل عيسى عليه السلام، ولم يكن الإنجيل عند الناس موجودًا ﴿بِقُوَّةٍ﴾ بجد واجتهاد.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ﴾ النبوة، وقيل: الفهم للتوراة.
﴿صَبِيًّا﴾ شابًّا لم يبلغ حد الكهول.
وروي أنه نبئ وفهم التوراة وهو ابن ثلاث سنين، وروي أنه قال له الصبيان: لم لا تلعب؟ فقال: أللعبِ خُلِقتُ؟!
...
﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ [مريم: ١٣].
[١٣] ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: رحمة من عندنا، المعنى: رحمة للخلق، ولأبويه ﴿وَزَكَاةً﴾ تطهيرًا وبركة وصدقة تصدق الله بها على أبويه وأهل زمانه.
﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا، وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة، ولا هَمَّ بها.
...
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ [مريم: ١٤].
[١٤] ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: جعلناه محسنًا إليهما، مشفقًا عليهما.
﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ متكبرًا ﴿عَصِيًّا﴾ لربه.
***
مريم 19:15
﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ [مريم: ١٥].
[١٥] ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ﴾ أي: سلامة له من الشيطان.
﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ إلى الموقف.
قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون الإنسان في هذه الأحوال: يوم ولد فيخرج مما كان، ويوم يموت (١) فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم ير مثله، فخص يحيى بالسلامة في هذه المواطن (٢).
...
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ [مريم: ١٦].
[١٦] ﴿وَاذْكُرْ﴾ يا محمد ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ يعني: قصتها، وهذا ابتداء قصته ليست من الأولى.
﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: اعتزلتهم ناحية ﴿مَكانًا﴾ ظرف ﴿شَرقِيًّا﴾ نعته؛ أي: نحو المشرق في بيت المقدس، ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة.
...
﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧)﴾ [مريم: ١٧].
(١) "ويوم يموت" ساقطة من "ش".
(٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٦/ ٥٨ - ٥٩)، والبيهقي في "الزهد الكبير" (٢/ ٢٢٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٤/ ١٧٤).
مريم 19:17
[١٧] ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ سترًا تستتر به؛ لتخلو للعبادة، وقيل: لتغتسل من الحيض، وقد تقدم في تفسير سورة آل عمران أنها كانت لا تحيض.
﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني: جبريل عليه السلام.
﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ أتاها جبريل -عليه السلام- متمثلًا بصورة شاب أمرد سوي الخلق لتستأنس بكلامه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَتَمَثَّل لهَا) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).
...
﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨)﴾ [مريم: ١٨].
[١٨] فلما رأته يقصد نحوها ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ مطيعًا؛ أي: إن اتقيت، فستنتهي لتعوذي. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّيْ أَعُوذُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ [مريم: ١٩].
[١٩] ﴿قَالَ﴾ لها جبريل: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ﴾ قرأ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٥)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥).
مريم 19:20
أبو عمرو، ويعقوب، وورش عن نافع (لِيَهَبَ) بالياء بعد اللام؛ أي: ليهب لك ربك، وقرأ الباقون بخلاف عن قالون: (لِأهَبَ) بهمزة بين اللام والهاء (١)، وأخبر جبريل عن نفسه؛ لأنه الواهب بأمر ربه، ورسمها (لأهب) ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ ولدًا طاهرًا لا يقارف ذنبًا.
...
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ [مريم: ٢٠].
[٢٠] ﴿قَالَتْ﴾ مريم: ﴿أَنَّى﴾ من أين ﴿يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ولم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ زانية تبغي الرجال، تلخيصه: إنما يكون الولد من نكاح أو سفاح، وليسا عندي، ولا أحدهما.
...
﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾ [مريم: ٢١].
[٢١] فثَمَّ ﴿قَالَ﴾ جبريل: ﴿كَذَلِكِ﴾ أي: كما قلتُ لك.
﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ﴾ أي: خلقُ ولدٍ بلا أب ﴿عَلَىَّ هَيِّنٌ﴾ سهل.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ علامة ﴿لِلنَّاسِ﴾ ودلالة على قدرتنا ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن آمن به؛ لأنه سبب الرحمة.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك ﴿أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ مقدرًا لا يرد.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦).
مريم 19:22
قال ابن عباس: أنست به، فنفخ في جيب درعها، فَسَرتِ النفخةُ بإذن الله تعالى (١).
...
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ [مريم: ٢٢].
[٢٢] ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: حملت عيسى في بطنها.
﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: انفردت وهو في بطنها.
﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ بعيدًا من أهلها وراء الجبل بوادي بيت لحم قبل بيت المقدس، بينهما أربعة أميال؛ فرارًا من قومها أن يُعيِّروها بولادتها من غير زوج، وكانت مدة الحمل ساعة واحدة في قول ابن عباس، وقيل غير ذلك، وكان سنها ثلاث عشرة سنة، وقد ورد في حديث المعراج الشريف أن جبريل عليه السلام قال للنبي - ﷺ - حين أسري به: "انزلْ فصلِّ، فنزل فصلى، قال: أتدري أين صليت؟ صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام" (٢)، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يبعث بزيت يسرج في بيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام.
...
﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ [مريم: ٢٣].
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤١٥٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧٠/ ٨٦ - ٨٧).
(٢) تقدم تخريج حديث الإسراء والمعراج في "الصحيحين" وهذا لفظ النسائي في "سننه" (٤٥٠)، كتاب: الصلاة، باب: فرض الصلاة.
مريم 19:23
[٢٣] ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ وهو تحرك الولد للخروج وألم الولادة حتى ذهبت.
﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وكانت يابسة في الصحراء في شدة الشتاء، التجأت إليها؛ لتستند إليها، وتتمسك بها؛ إذ لم تكن لها قابلة تعينها، أو (١) لئلا يراها أحد.
﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ تمنت الموت استحياء من الناس، ومخافة لومهم. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتُّ) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢).
﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ قرأ حمزة، وحفص عن عاصم: (نَسْيًا) بفتح النون، والباقون: بكسرها (٣)، ومعناهما: حقيرًا.
﴿مَنْسِيًّا﴾ إذا أُلقي نسي، ولم يلتفت إليه.
...
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ [مريم: ٢٤].
[٢٤] ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، وروح عن يعقوب: (مِنْ) بكسر الميم
(١) في "ت": "و".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٨٠)، والمصادر السابقة، وهذه القراءة والتي قبلها رويتا بخلاف عن عاصم.
مريم 19:25
(تَحْتِهَا) بخفض التاء، وقرأ الباقون: بفتح الميم ونصب التاء (١)، وهو جبريل -عليه السلام- وكانت مريم على أكمة، وجبريل -عليه السلام- وراء الأكمة تحتها، لما سمع كلامها، وعرف جزعها، ناداها:
﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهرًا صغيرًا. قرأ أبو عمرو (جَعَل ربُكِ) بإدغام اللام في الراء (٢).
...
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥].
[٢٥] روي أن جبريل -عليه السلام- أو عيسى -عليه السلام- ضرب بعقبه الأرض، فظهرت (٣) عين ماء عذب، فجرى النهر اليابس، فاخضرَّت النخلة وأثمرت وأينعت ثمرتها، فقيل لها: ﴿وَهُزِّى﴾ أي: حركي.
﴿إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وأميليه إليك، والباء مزيدة للتأكيد، والهز: تحريك بجذب ودفع.
﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ قرأ حمزة: (تَسَاقَطْ) بفتح التاء والقاف وتخفيف السين، أصله: تتساقط، فحذف إحدى التاءين، وروى حفص عن عاصم: بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، على وزن تُفاعِل، وساقط بمعنى:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٩).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٨٥)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٩).
(٣) في "ش": "فظهر".
مريم 19:26
أسقط، والتأنيث لأجل النخلة، وقرأ يعقوب: بالياء على التذكير وفتحها وتشديد السين وفتح القاف، رده إلى الجذع، أي: يتساقط، وقرأ الباقون: بفتح التاء والقاف وتشديد السين؛ أي: تتساقط، فأدغمت إحدى التاءين في السين (١) ﴿رُطَبًا جَنِيًّا﴾ أي: مجنيًّا.
...
﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦].
[٢٦] ﴿فَكُلِي﴾ من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من ماء النهر.
﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ طيبي نفسًا بعيسى، وبانتفاء التهمة عنك؛ بحمل النخلة اليابسة، وجري النهر اليابس؛ لأنه إذا شوهد ذلك، لم يستبعد وجود ولد بلا فحل، وقرة العين مأخوذة من القر، وذلك أنه يحكى أن دمع الفرح بارد، ودمع الحزن سخن، وإنما معنى قرة العين: أن البكاء الذي يسخن العين ارتفع؛ إذ لا حزن بهذا الأمر الذي قرت العين به و (عَيْنًا) نصب على التمييز ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ أي: فإن رأيت ﴿مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ فسألك عن ولدك.
﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ صمتًا، والصوم في اللغة: الإمساك عن الطعام والكلام، أُمرت أن تنذُرَ السكوت؛ لأن عيسى يكفيها، ولئلا تجادل
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٩ - ٥٠).
مريم 19:27
السفهاء، وعرفتهم بصيامها إشارة، وكان هذا في شريعتهم، ولا يجوز في شرعنا أن ينذر أحد صمتًا.
﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ آدميًّا؛ أي: أنا ممنوعة من كلام البشر.
...
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ [مريم: ٢٧].
[٢٧] ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ فلما رأوه معها، بكَوْا وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالح، ثم ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ﴾ أي: فعلت.
﴿شَيْئًا فَرِيًّا﴾ عظيمًا من الافتراء.
...
﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ [مريم: ٢٨].
[٢٨] ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ كان رجلًا صالحًا عابدًا في بني إسرائيل، شُبهت به، روي أنه تبع جنازته يوم مات أربعون ألفًا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل، سوى سائر الناس، شبهوها به على معنى: أنا ظننا أنك مثله في الصلاح، وليس المراد منه الأخوة في النسب.
﴿مَا كاَنَ أَبُوكِ﴾ عمران ﴿امْرَأَ سَوْءٍ﴾ زانيًا ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ أي: زانية، فمن أين لك هذا الولد؟!
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ [مريم: ٢٩].
[٢٩] ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إلى عيسى عليه السلام؛ أي: كلموه ليجيبكم،
مريم 19:30
فغضب القوم، وقالوا: مع ما فعلت تسخرين بنا؟! ثم ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ﴾ أي: وجد.
﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حجر أمه ﴿صَبِيًّا﴾ وكان عيسى يرضع.
﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
[٣٠] فقالت له: تكلم، فأقبل عليهم بوجهه، ثم اتكأ على يساره، وأشار بسبابته، ثم ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ اعترف بالعبودية وهو ابن يوم أو أربعين؛ لئلا يُعبد.
﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ قال الأكثرون: أوتي الإنجيل وهو صغيرٌ طفلٌ، وكان يعقل عَقلَ الرجال. قرأ حمزة: (آتَانِيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١)، وقرأ أبو عمرو (فِي المَهْد صبِّيًّا) بإدغام الدال في الصاد (٢) ﴿وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾.
...
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾.
[٣١] ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ على من آمن بي واتبعني.
﴿أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي﴾ أمرني.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٣).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٨٥)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٣).
مريم 19:32
﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ قرأ الكسائي: (آتَانِي) (وَأَوْصَانِي) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١).
...
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢].
[٣٢] ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني برًّا بها؛ أي: كثير الإحسان إليها.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ بمخالفته.
...
﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ [مريم: ٣٣].
[٣٣] ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ أي: السلامة عند الولادة من طعن الشيطان.
﴿وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ عند الموت من الشرك.
﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ من الأهوال، ولما كلمهم عيسى بهذا، علموا براءة مريم، ثم سكت عيسى ولم يتكلم بعد ذلك حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان.
...
﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ [مريم: ٣٤].
[٣٤] ﴿ذَلِكَ﴾ المعنى ذلك الذي هذه قصته.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٣ - ٤٤).
مريم 19:35
﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ لا ما يقول النصارى من أنه إله، أو أنه ابن الله.
﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، ويعقوب: (قَوْلَ الْحَق) بنصب اللام؛ أي: قالَ قولَ الحق، وقرأ الباقون: برفعها (١)، أي: هذا الكلام قول الحق، والحق هو الله سبحانه.
﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ يشكُّون ويختلفون؛ لأن اليهود قالوا: عيسى ساحر كذاب، وبعض النصارى قال: هو الله، وبعضهم: ولده، وبعضهم: شريكه، وكذبوا جميعًا.
...
﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾ [مريم: ٣٥].
[٣٥] ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ أي: ما ينبغي له ذلك، وجيء بـ (مِنْ) للنفي العام؛ [لأنك إذا قلت: ما عندي رجل، جاز أن يكون عندك أكثر من رجل] (٢)، وإذا قلت: ما عندي من رجل، نفيت أن يكون عندك واحد وأكثر ﴿سُبْحَانَهُ﴾ عن صفات المخلوقين.
﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراد كونه ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قرأ ابن عامر:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٥)، وقراءة يعقوب في "النشر".
(٢) ما بين معكوفتين سقط من "ش".
مريم 19:36
(فَيَكُونَ) بنصب النون؛ لأن جواب الأمر بالفاء يكون منصوبًا، وقرأ الباقون: بالرفع على معنى: فهو يكونُ (١).
...
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٦].
[٣٦] ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ أطيعوه؛ لاختصاصه بالربوبية.
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هو الطريق المشهود له بالاستقامة. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب، (وإنَّ الله) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون: بفتحها عطفًا على ما قبل (٢)؛ أي: أوصاني بالصلاة والزكاة، وبأن الله.
...
﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ [مريم: ٣٧].
[٣٧] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: اليهود والنصارى، فجعله اليهود ولد زنا، والنصارى إلهًا.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: شهودهم يوم القيامة.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٦).
مريم 19:38
﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ [مريم: ٣٨].
[٣٨] ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي: ما أسمعَهم وأبصرَهم.
﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ حين لا ينفعهم ذلك، لأنهم يسمعون ويبصرون في الآخرة ما لم يسمعوا أو لم يبصروا في الدنيا.
﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: خطأ بَيِّن.
...
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾ [مريم: ٣٩].
[٣٩] ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ هو يوم القيامة يقع فيه الندم على ما فات ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ فرغ من الحساب، واستقر كلٌّ في مقره (١)، ويؤتى بالموت في صورة كبش أملح، ويذبح، وينادى على أهل النار وأهل الجنة: خلود بلا موت؛ كما ورد به الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - (٢).
﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عن الاهتمام لذلك المقام.
﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدقون به في الدنيا.
...
﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ [مريم: ٤٠].
[٤٠] ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ بأن نهلك جميع سكانها.
(١) في "ت": "مستقره".
(٢) رواه البخاري (٤٤٥٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩]، ومسلم (٢٨٤٩)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
مريم 19:41
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة، فيجازون. قرأ يعقوب: (يَرْجِعُونَ) بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١).
...
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ [مريم: ٤١].
[٤١] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام: (أَبْرَاهَامَ) بالألف (٢).
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ مبالِغا في الصدق بجميع ما صدر عن الله.
﴿نَبِيًّا﴾ النبي العالي في الرتبة بإرسال الله إياه.
...
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم: ٤٢].
[٤٢] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ﴾ آزر وهو يعبد الأصنام: ﴿يَاأَبَتِ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر: (يَا أَبَتَ) بفتح التاء حيث وقع، والباقون: بكسرها، ووقفًا: (يَا أَبَهْ) بالهاء، ووافقهما في الوقف ابن كثير، ويعقوب (٣).
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ﴾ صوتًا ﴿وَلَا يُبْصِرُ﴾ العبادة ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ﴾ أي: لا يدفع ﴿شَيْئًا﴾ من عذاب الله عنك؟!
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٧).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٨).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٨).
مريم 19:43
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (٤٣)﴾ [مريم: ٤٣].
[٤٣] ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ بالله والبيان.
﴿مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي﴾ على ديني ﴿أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ مستقيمًا.
...
﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾ [مريم: ٤٤].
[٤٤] ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ لا تطعه بعبادة الأصنام.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ عاصيًا.
...
﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ [مريم: ٤٥].
[٤٥] ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ﴾ يصيبك.
﴿عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قريبًا في النار. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّيْ أَخَافُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).
...
﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ [مريم: ٤٦].
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٨).
مريم 19:46
[٤٦] ﴿قَالَ﴾ آزرُ توبيخًا: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ أي: عن عبادة الأصنام.
﴿يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ عن شتم الأصنام ﴿لأَرْجُمَنَّكَ﴾ قال ابن عباس: معناه: لأضربنك (١)، وقيل: لأشتمنك ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ حينًا طويلًا.
...
﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾ [مريم: ٤٧].
[٤٧] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره.
﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ سأسأل الله لك توبة تنال بها المغفرة.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ بليغًا في البر واللطف. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ إنه) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨)﴾ [مريم: ٤٨].
[٤٨] ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ﴾ تعبدون.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٨٩)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ١١١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٩).
مريم 19:49
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأصنام، فارتحل من كوثا إلى الأرض المقدسة ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أعبدُه.
﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي﴾ بعبادته.
﴿شَقِيًّا﴾ أي: عسى أن يجيبني فيك، ولا يخيبني.
...
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾ [مريم: ٤٩].
[٤٩] ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فذهب مهاجرًا.
﴿وَهَبْنَا لَهُ﴾ بعد الهجرة.
﴿إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أولادًا كرامًا على الله، يأنس بهم بدلَ الكفار.
﴿وَكُلًّا﴾ من إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
...
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ [مريم: ٥٠].
[٥٠] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ نعمتنا، وهو ما بسط الله لهم، في الدنيا من سعة الرزق.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ أي: ثناءً حسنًا في جميع أهل الأديان، فكلهم يتولونهم، ويثنون عليهم.
...
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾ [مريم: ٥١].
[٥١] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قرأ الكوفيون (مُخْلَصًا)
مريم 19:52
بفتح اللام؛ أي: مختارًا اختاره الله لعبادته ونبوته، وقرأ الباقون: بكسرها (١) أي: أخلص هو نفسه لله وحده.
﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ والرسول من الأنبياء: الذي يكلف تبليغ أمة، وقد يكون نبي غيرَ رسول.
...
﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم: ٥٢].
[٥٢] ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ من موسى، لا من الجبل؛ لأن الجبل لا يمين له، إنما ذلك بالنسبة إلى الشخص، والطور: جبل بين مصر ومدين، ويقال: اسمه الزبير، وذلك حين أقبل من مدين ورأى النار، فنودي: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾ [القصص: ٣٠].
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيًا، قال ابن عباس: معناه: قربه فكلمه (٢) ومعنى التقريب: إسماعه كلامه.
...
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾ [مريم: ٥٣].
[٥٣] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ من نعمتنا عليه.
﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ وذلك حين سأل ربه فقال: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٤٩).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٩١).
مريم 19:54
هَارُونَ أَخِي (٣٠)} [طه: ٣٠ - ٣١]، فأجاب الله دعاءه، وأرسل إلى هارون، ولذلك سماه هِبةً له.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾ [مريم: ٥٤].
[٥٤] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم عليهما السلام، وهو الذبيح في قول الجمهور، وقالت فرقة: الذبيح إسحاق، والراجح الأول؛ لأن أمر (١) الذبح كان بمنى عند مكة بلا خلاف بين العلماء، وما روي قط أن إسحاق دخل تلك البلاد.
﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ لم يعد أحدًا شيئًا إلا وفى به، روي أنه ومحمد رجلًا (٢) أن يقيم مكانه حتى يرجع إليه، فأقام إسماعيل مكانه يومه وليلته حتى رجع إليه الرجل، وقيل: انتظره سنة، قال ابن عطية: وهو بعيد غير صحيح، والأول أصح (٣).
﴿وَكَانَ رَسُولًا﴾ إلى جرهم ﴿نَبِيًّا﴾ مخبرًا عن الله -عز وجل-.
﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (٥٥)﴾ [مريم: ٥٥].
[٥٥] ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ﴾ قومه وأمته.
﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ التي افترضها الله عليهم.
(١) "أمر" زيادة من "ت".
(٢) في "ش": "رجلان".
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٢١).
مريم 19:56
﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ صالحًا زكيًّا (١)؛ لأنه قام بطاعته.
...
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٥٦)﴾ [مريم: ٥٦].
[٥٦] ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ وهو جد أبي نوح، واسمه حنوخ -بحاء مهملة ونون وواو وخاء معجمة-، وسمي إدريس، لكثرة درسه الكتب، وهو ابن يرد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام، وكان إدريس خياطًا، وهو أول من خط بالقلم، وأول من خاط الثياب ولبس المخيط، وكان من قبله يلبسون الجلود، وأول من اتخذ السلاح وقاتل الكفار، وأول من نظر في علم الحساب، وأدرك إدريس من حياة شيث جد جده عشرين سنة، ولما صار له من العمر ثلاث مئة وخمس وستون سنة، رفعه الله إلى السماء، وكان قد نبأه الله تعالى، وانكشفت له الأسرار السماوية، ونزل عليه جبريل أربع مرات، وله صحف منها: لا تروموا أن تحيطوا بالله خبرة؛ فإنه أعظم وأعلى أن تدركه فطن المخلوقين، إلا من آثره. ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾.
...
﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ [مريم: ٥٧].
[٥٧] ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ الجنة؛ لأنه روي أنه أذيق الموت ساعة، ثم أُحيي، ثم أُدخل الجنة ولم يخرج منها، وقيل: رفع إلى السماء الرابعة، وروي ذلك عن النبي - ﷺ - (٢)، وقال كعب: صعد به ملك من الملائكة إلى
(١) في "ت": "زاكيًا".
(٢) وقد تقدم ذلك في حديث الإسراء والمعراج.
مريم 19:58
السماء، فلما صار في الرابعة، قبض روحه (١).
واختلفوا في أنه حي في السماء أم ميت؟ فقال قوم: هو ميت، وقال قوم: هو حي، وقالوا: أربعة من الأنبياء في الأحياء: اثنان في الأرض: الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى عليهم السلام.
...
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ [مريم: ٥٨].
[٥٨] ﴿أُولَئِكَ﴾ النبيون المذكورون من زكريا إلى إدريس ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، وقوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ يريد: إدريس ونوحًا ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ في السفينة، يريد: إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يريد: إسماعيل وإسحق ويعقوب ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: ومن ذرية إسرائيل: موسى وهارون وزكريا ويحيى، وعيسى بن مريم من ذريته ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ أرشدنا واصطفينا.
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ من خشية الله، أخبر تعالى أن الأنبياء كانوا يسجدون ويبكون لسماع آيات الله. قرأ حمزة، والكسائي: (وَبكِيًّا) بكسر الباء، والباقون: بضمها (٢)، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في سجود التلاوة وحكمه وسجود الشكر
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٩٢).
(٢) سلفت عند تفسير الآية (٨) من هذه السورة. مستوفىً آخر سورة الأعراف. وملخصه أنه كالصلاة يشترط له الطهارة واستقبال القبلة بالاتفاق، ولا يسجد له في وقت نهي عند الثلاثة؛ خلافًا للشافعي، وأما حكمه، فقال أبو حنيفة: هو واجب على التالي والسامع، سواء قصد السماع، أو لم يقصد، ويكبر ويسجد بلا رفع يد، ثم يكبر [ويرفع بلا تشهد ولا سلام، وقال مالك: هو فضيلة للقارئ وقاصد الاستماع، ويكبر] (١) لخفضه ورفعه، وليس له تسليم، وقال الشافعي: هو سنة للقارئ والمستمع [والسامع، وينوي ويكبر للإحرام رافعًا يديه، ثم للهوي بلا رفع، ويسجد كسجدة الصلاة، ويرفع مكبرًا، ويسلم من غير تشهد، وقال أحمد: هو سنة للقارئ والمستمع] (٢) دون السامع، وسجوده عن قيام أفضل، ويكبر إذا سجد وإذا رفع، والسلام ركن، وتجزئ واحدة بلا تشهد، وأما سجود الشكر، فقال أبو حنيفة ومالك (٣): هو مكروه، فيقتصر على الحمد والشكر باللسان، وخالف أبو يوسف ومحمد أبا حنيفة، فقالا: هي قربة يثاب فاعلها، وقال الشافعي وأحمد: يسن، وحكمه عندهما كسجود التلاوة، لكنه لا يفعل في الصلاة، وقد وقع الكلام على ذلك بأتم من هذا آخر سورة الأعراف، وذكر اختلاف الأئمة في عدد السجدات ومكانها (٤)، ونبه على كل شيء في محله فيما مضى من السجدات، وسيأتي التنبيه على ما بقي منها في محل كل سجدة إن شاء الله تعالى.
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) "ومالك" زيادة من "ت".
(٤) في "ت": "محلها".
مريم 19:59
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
[٥٩] ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد الأنبياء المذكورين ﴿خَلْفٌ﴾ وهم قوم سوء (فالخلْف) -بسكون اللام-: الطالح، وبفتحها: الصالح، والتلاوة بالأولى (١)، والمراد بالخلف هنا: أهل الكتابين والمجوس ومن لحق بهم.
﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضة بتركها ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ ملاذ النفس المحرمة ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وهو واد في جهنم تستعيذ أودية جهنم من حره، أعده الله للزاني المصر عليه، وشارب الخمرة المدمن عليها، ولآكل الربا الذي لا ينزع عنه، ولأهل العقوق، ولشاهد الزور.
...
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (٦٠)﴾ [مريم: ٦٠].
[٦٠] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَآمَنَ﴾ صدَّق النبي.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض.
﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَدْخُلُونَ) بفتح الياء وضم الخاء، والباقون: بضم الياء وفتح الخاء (٢) ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ لا ينقصون من أعمالهم شيئًا.
(١) في "ت": "بالأول".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: =
مريم 19:61
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾ [مريم: ٦١].
[٦١] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ أي: وعدهم بها وهي غائبة عنهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ آتيًا.
...
﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ [مريم: ٦٢].
[٦٢] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي: في الجنة.
﴿لَغْوًا﴾ أي: ما يلغى من الكلام ويؤثم.
﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ أي: لكن سلامًا بمعنى: سلامة.
﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ طرفي النهار، ولأنهار ثَمَّ ولا ليل، بل المراد: مقدارهما.
...
﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ [مريم: ٦٣].
[٦٣] ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ﴾ نعطي ﴿مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ متقيًا لله تعالى. قرأ رويس عن يعقوب (نُوَرِّثُ) بفتح الواو وتشديد الراء، والباقون: بالإسكان والتخفيف (١).
...
= ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٠).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥١).
مريم 19:64
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾ [مريم: ٦٤].
[٦٤] ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ هو قول جبريل عليه السلام لما استبطأه النبي - ﷺ -، فقال له: ذلك لأنا عبيد مأمورون لا نفعل شيئًا إلا بإذن.
﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الدنيا ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وما بين النفختين، وبينهما أربعون سنة.
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ أي: مما يلحقه النسيان.
...
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
[٦٥] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الخلق ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ اصبر على أمره ونهيه ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أي: شبيها ونظيرًا. قرأ أبو عمرو: (لِعِبَادَتِه هلْ) بإدغام الهاء في الهاء، (وَاصْطَبِر لعِبَادَتِه): بإدغام الراء في اللام، بخلاف عنه في الثاني (١).
...
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ [مريم: ٦٦].
[٦٦] [وكان أُبيُّ بن خَلَفٍ ينكر البعث، ففتَّت عظمًا، وقال: أنبعث
(١) انظر: "غيث النفع" للصفاقسي (ص: ٢٨٦)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٢).
مريم 19:67
بعد ما صرنا كذا؟! فنزل] (١): ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ (٢) قاله استهزاء وتكذيبًا. واختلف القراء في (أَئِذَا)، فقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (إِذَا) بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ الباقون: بهمزتين على الاستفهام، فالكوفيون، وهشام، وروح، وابن ذكوان بخلاف عنه: يحققون الهمزتين، والباقون: يحققون الأولى، ويسهلون الثانية، ومنهم أبو جعفر، وقالون، وأبو عمرو، ويفصلون بينهما بألف، واختلِف عن هشام في الفصل مع تحقيق الهمزتين (٣).
...
﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم: ٦٧].
[٦٧] ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ﴾ المعنى: أيقول الإنسان: سأخرج حيًّا بعد الموت، ولا يتأمل خلقنا له ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبل هذه الحالة.
﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ فيستدل على أن القادر على الإنشاء قادر على الإعادة.
قرأ نافع، وعاصم، وابن عامر: (يَذْكُرُ) بتخفيف الذال والكاف مع ضم الكاف؛ من الذكر، وقرأ الباقون: بتشديدهما وفتح الكاف (٤)؛ من التذكُّر (٥): التفكر.
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٢).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٢ - ٥٣).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٣).
(٥) في "ت": "التذكير".
مريم 19:68
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾ [مريم: ٦٨].
[٦٨] ثم أقسم بنفسه تعالى فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: الكفار.
﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ معهم؛ لأن كل كافر يحشر مع شيطانه في سلسلة.
﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ﴾ قبل دخولهم إياها ﴿جِثِيًّا﴾ جمع جاثٍ؛ أي: جاثين على الركب، وهي قعدة الخائف الذليل على ركبتيه، كالأسير ونحوه؛ لهول ذلك الوقت، وضيق المكان.
...
﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ [مريم: ٦٩].
[٦٩] ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ لنخرجَنَّ ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ طائفةً.
﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ جرأة، يبدأ بالأكثر جرمًا، فالأكثر، ثم الذين يلونهم؟ الأعتى فالأعتى منهم.
...
﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم: ٧٠].
[٧٠] ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ دخولًا؛ أي: نحن أعلم بالذين هم أحق بالعذاب ودخول النار، المعنى: نحشرهم، ثم نخرج الأعصى فالأعصى منهم، ثم نُدخل النار أولًا أحقَّهم بها، ثم أحقهم بها، على قدر ذنوبهم. قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (جِثيًّا) في الحرف المتقدم والآتي و (عِتِيًّا) و (صِلِيًّا) بكسر أولهن (١)، والباقون: بالضم (٢).
(١) في "ت": "أوائلهن".
(٢) انظر تفسير الآية (٨) من هذه السورة.
مريم 19:71
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ [مريم: ٧١].
[٧١] ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي: وما منكم ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ داخلها، وأصل الورود: الحضور، ويطلق على الحضور والدخول، فعلي وابن عباس -رضي الله عنهما- يفسران الورود بالدخول، لكنها تكون (١) على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، وعلى الكافرين نارًا، روي أنهم يمرون عليها لا يحسون بها؛ لخمودها، في الحديث: "تقول النار للمؤمن: جُزْ فقد أطفأ نورُك لهبي" (٢).
﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ حتم الأمر: أوجبه، أي: لازمًا قضاه الله عليكم.
...
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ [مريم: ٧٢].
[٧٢] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الشرك. قرأ الكسائي، ويعقوب: (نُنْجِي) بإسكان النون الثانية مخففًا، والباقون: بفتحها مشددًا (٣).
﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ على الركب، تلخيصه: ورودكم جهنم لا بد منه، ثم نخلص المؤمن منها، ونترك الكافر معذبًا فيها.
(١) "تكون" زيادة من "ت".
(٢) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٢٥٨)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٦/ ٣٩٤)، وتمام الرازي في "فوائده" (٩٦٠)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٩/ ٣٢٩)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/ ١٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٧٥)، عن يعلى بن منية رضي الله عنه.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٠٠ و ١٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٥).
مريم 19:73
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ [مريم: ٧٣].
[٧٣] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: القرآن وما بَيَّن الله فيه.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي قريش: النضر بن الحارث وأصحابه.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: فقراء أصحاب محمد - ﷺ -، وكانت فيهم قشافة، وفي عيشهم خشونة، وفي ثيابهم رثاثة، وكان المشركون يرجلون شعورهم، ويدهنون رؤوسهم، ويلبسون خير ثيابهم، فقالوا للمؤمنين:
﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا﴾ منزلًا ومسكنًا. قرأ ابن كثير: (مُقَامًا) بضم الميم: ظرف من قام، والباقون: بفتحها (١): مصدر من قام.
﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ مجلسًا، المعنى: قال المشركون للمؤمنين؛ احتقارًا بهم: أينا أطيب عيشًا وأحسن مجلسًا نحن أو أنتم؟
...
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ [مريم: ٧٤].
[٧٤] فأجابهم الله تعالى فقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أمة.
﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ لباسًا وأموالًا ﴿وَرِئْيًا﴾ قرأ أبو جعفر، وقالون عن نافع، وابن ذكوان عن ابن عامر (٢): (وَرِيًّا) بتشديد الياء غير مهموز؛ من
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٦).
(٢) "عن ابن عامر" ساقطة من "ت".
مريم 19:75
الري بمعنى النعمة (١)، وقرأ الباقون: بهمزة ساكنة بين الراء والياء (٢): هو المنظر والهيئة، (وَزِيًّا) بالمعجمة؛ من الزينة، والتلاوة بالأول والثاني.
...
﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ [مريم: ٧٥].
[٧٥] ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ﴾ أي: الكفر ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ هذا أمر بمعنى الخبر؛ أي: يمهله في غَيِّه ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ﴾ في الدنيا؛ بأن ينصر الله المسلمين عليهم، فيعذبهم بالقتل والأسر.
﴿وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ يعني: القيامة، فيصيرون إلى النار.
﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلًا إذا صاروا في النار ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ عددًا وقوة إذا نصر الله المسلمين.
...
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ [مريم: ٧٦].
[٧٦] ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ آمنوا بالإيمان ﴿هُدًى﴾ إيمانًا ورشدًا ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ الأعمال الصالحة؛ من الذكر وغيره.
﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ عاقبة.
...
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٢) المصادر السابقة.
مريم 19:77
﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧].
[٧٧] ونزل فيمن سخر بالبعث، وهو العاص بن وائل السهمي: قال خباب بن الأرت: كان لي على العاص بن وائل دين، فتقاضيته، فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد، قلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: فإني إذا مت ثم بعثت، فسيكون لي ثَمَّ مال وولد، فأعطيك، فإنكم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة؛ استهزاء واستخفافًا، فنزل قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (١) قرأ حمزة والكسائي: (وَوُلْدًا) بضم الواو وإسكان اللام في هذا الحرف، وفي الثلاثة الآتية: جمع ولد كأسَد وأُسْد، وقيل -بالفتح-: الابن والابنة، وبالضم: الأهل، وقرأ الباقون: بفتح الواو واللام فيهن (٢).
...
﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مريم: ٧٨].
[٧٨] ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ أي: نظر في اللوح المحفوظ.
﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي: عهد إليه أنه يعطيه ذلك.
...
(١) رواه البخاري (٤٤٥٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾، ومسلم (٢٧٩٥)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: سؤال اليهود النبي - ﷺ - عن الروح.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٨).
مريم 19:79
﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ [مريم: ٧٩].
[٧٩] ﴿كَلَّا﴾ رد عليه، يعني: أنه مخطئ فيما تصوره لنفسه.
﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ سنحفظ عليه قوله، فنجازيه عليه.
﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ نزيده عذابًا فوق عذابه.
...
﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٨٠].
[٨٠] ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي: نهلكه ونورث ماله وولده غيرَه.
﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ بلا أهل ولا مال.
...
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ [مريم: ٨١].
[٨١] ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يعني: مشركي قريش.
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ أصنامًا يعبدونها ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ ليعتزوا بهم.
...
﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ [مريم: ٨٢].
[٨٢] ﴿كَلَّا﴾ تفسيرها كالتي تقدمت ﴿سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ﴾ أي: ستجحد الآلهة عبادة المشركين.
﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ﴾ على المشركين ﴿ضِدًّا﴾ أي: ضد العز، وهو الذل.
***
مريم 19:83
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ [مريم: ٨٣].
[٨٣] ثم عَجَّب تعالى نبيه - ﷺ - منهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ سلَّطناهم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ تزعجهم إزعاجًا، وتسوقهم إلى المعاصي بسرعة، وأصل الأَزِّ: الحركة مع صوت متصل؛ من أزيز القِدْر: غليانها.
...
﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ [مريم: ٨٤].
[٨٤] ثم سلَّاه بقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾ بطلب العذاب قبل حينه.
﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ﴾ أنفاسهم وأعمارهم وأعمالهم؛ ليستوفوا آجالهم.
﴿عَدًّا﴾ فلا يزادون عليها، ولا ينقصون منها.
...
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
[٨٥] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يا محمد يوم.
﴿نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ نجمعهم من قبورهم.
﴿إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ركبانًا، جمع وافد.
...
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾ [مريم: ٨٦].
[٨٦] ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ جمع وارد، فيساقون رجَالة عطاشًا قد تقطعت أعناقهم من العطش.
***
مريم 19:87
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم: ٨٧].
[٨٧] ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ أي: لا يشفع ثَمَّ ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ توحيدًا وإيمانًا، المعنى: لا يشفع إلا المؤمن المأمور بالشفاعة المأذون له فيها، ولا يشفع إلا لمن أذن له أن يشفع فيه، وروي أن أهل العلم والفضل والصلاح يَشفعون فيُشفعون.
...
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ [مريم: ٨٨].
[٨٨] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود والنصارى، ومن زعم أن الملائكة بنات الله.
...
﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩)﴾ [مريم: ٨٩].
[٨٩] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ منكرًا عظيمًا.
...
﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٩٠].
[٩٠] ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ قرأ نافع، والكسائي: (يَكَادُ) بالياء على التذكير؛ لتقدم الفعل، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث؛ لتأنيث (السَّموات) (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، =
مريم 19:91
﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، والكسائي، وحفص عن عاصم: بالتاء وفتح الطاء مشددة من التفطر، وقرأ الباقون: بالنون وكسر الطاء مخففة؛ من الانفطار، ومعناهما واحد (١)؛ أي: يتشققن ﴿مِنْهُ﴾ أي (٢): من قولهم الكفر ﴿وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ﴾ أي: تنخسف.
﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ أي: سقوطًا من سماع قولهم.
...
﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١)﴾ [مريم: ٩١].
[٩١] ﴿أَنْ دَعَوْا﴾ يعني: لأن جعلوا ﴿لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾.
...
﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ [مريم: ٩٢].
[٩٢] ثم نفى سبحانه عن نفسه الولد فقال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ المعنى: لا يتأتى له تعالى اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد إنما يكون لحاجة ومجانسة، والله تعالى منزه عن ذلك؛ لامتناعهما في حقه سبحانه.
...
﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣].
[٩٣] ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما منهم.
= و"تفسير البغوي" (٣/ ١٠٨)، و"معجم القراءَات القرآنية" (٤/ ٦١)، وقرأ "يكاد" نافع والكسائي، دون حفص.
(١) المصادر السابقة.
(٢) "أي" زيادة من "ت".
مريم 19:94
﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ يوم القيامة ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا.
واستدل بعض العلماء على أن الولد يعتق على والده إذا ملكه بأي وجه من وجوه الملك، وأن الولد لا يكون عبدًا بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ إلى قوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، وقد اتفق الأئمة على أن من ملك والديه، وإن علوا، وأولاده، وإن سفلوا، فإنهم يعتقون عليه بملكه لهم، وأن ولاءهم له، واختلفوا فيما عدا الوالدين، والمولودين فقال أبو حنيفة وأحمد: كل ذي رحم محرم منه إذا ملكه، عتق عليه، وله ولاؤه، وقال مالك في المشهور عنه: يعتق عليه الوالدون والمولودون من علو وسفل، والإخوة والأخوات من كل جهة فقط دون أولادهم، وقال الشافعي: لا يعتق إلا عمود النسب من عُلْو وسُفْل فقط.
...
﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)﴾ [مريم: ٩٤].
[٩٤] ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ عَلِمَهم كلَّهم، فلا يخفى عليه أحد.
...
﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ [مريم: ٩٥].
[٩٥] ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ وحيدًا من ماله وولده، والكل اسم لجملة مرعية عن أجزاء محصورة، وكلمة (كل) عام تقتضي عموم الأسماء والإحاطة على سبيل الانفراد، وكلمة (كما) تقتضي عموم الأفعال.
***
مريم 19:96
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾ [مريم: ٩٦].
[٩٦] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ محبة.
...
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ [مريم: ٩٧].
[٩٧] ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ سهلنا القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك يا محمد.
﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: المؤمنين. قرأ حمزة: (لِتَبْشُرَ) بفتح التاء وتخفيف الشين وضمها؛ من البشر، وهو البشرى والبشارة، والباقون: بضم التاء وتشديد الشين مكسورة (١)؛ من بَشَّر المضعف على التكثير ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ جمع ألد، وهو الشديد الخصومة.
...
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ [مريم: ٩٨].
[٩٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ أمة ﴿هَلْ تُحِسُّ﴾ أي: ترى.
﴿مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ صوتًا خفيًّا، والله أعلم.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٧ - ٨٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٦٢).