فتح الرحمن في تفسير القرآن — طه 20:1 – المؤمنون 23:117
المحتويات
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:5
- طه 20:7
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:16
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:22
- طه 20:25
- طه 20:28
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:38
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:43
- طه 20:46
- طه 20:49
- طه 20:53
- طه 20:55
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:62
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:67
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:75
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:86
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:92
- طه 20:95
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:100
- طه 20:103
- طه 20:105
- طه 20:109
- طه 20:112
- طه 20:114
- طه 20:116
- طه 20:118
- طه 20:121
- طه 20:124
- طه 20:126
- طه 20:129
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:134
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:73
- الأنبياء 21:75
- الأنبياء 21:78
- الأنبياء 21:80
- الأنبياء 21:82
- الأنبياء 21:83
- الأنبياء 21:84
- الأنبياء 21:85
- الأنبياء 21:87
- الأنبياء 21:88
- الأنبياء 21:89
- الأنبياء 21:90
- الأنبياء 21:92
- الأنبياء 21:94
- الأنبياء 21:97
- الأنبياء 21:99
- الأنبياء 21:101
- الأنبياء 21:104
- الأنبياء 21:105
- الأنبياء 21:107
- الأنبياء 21:110
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:8
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:15
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:21
- الحج 22:23
- الحج 22:24
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:43
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:48
- الحج 22:50
- الحج 22:53
- الحج 22:55
- الحج 22:58
- الحج 22:60
- الحج 22:62
- الحج 22:64
- الحج 22:66
- الحج 22:68
- الحج 22:71
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:76
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:19
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:21
- المؤمنون 23:23
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:28
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:33
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:39
- المؤمنون 23:42
- المؤمنون 23:45
- المؤمنون 23:47
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:53
- المؤمنون 23:56
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:68
- المؤمنون 23:70
- المؤمنون 23:73
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:78
- المؤمنون 23:83
- المؤمنون 23:87
- المؤمنون 23:90
- المؤمنون 23:92
- المؤمنون 23:94
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:103
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:109
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:117
طه 20:1
سورة طه عليه السلام (١)
[مكية، وآيها مئة وخمس وثلاثون آية] (٢)، وحروفها: خمسة آلاف ومئتان واثنان وأربعون حرفًا، وكلمها ألف وثلاث مئة وإحدى وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿طه (١)﴾ [طه: ١].
[١] ﴿طه﴾ قرأ أبو عمرو، وورش بخلاف عنه: بفتح الطاء وإمالة الهاء، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإمالتهما جميعًا، وقرأ الباقون: بفتحهما (٣)، وأبو جعفر: بتقطيع الحروف على أصله (٤)، ولم يُمِل أحد الطاء مع فتح الهاء، و (طه) اسم من أسماء محمد - ﷺ -، وقيل: معناه بالسريانية: يا رجل، وقيل: هو قسم أقسم الله
(١) "عليه السلام" زيادة من "ت".
(٢) ما بين معكوفتين بياض في "ش".
(٣) في "ت": "بفتحها".
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٦٧).
طه 20:2
بطَوْله وهدايته، وقيل: هو أمر من الوطء، والهاء كناية عن الأرض؛ أي: اعتمد على الأرض بقدميك.
...
﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه: ٢].
[٢] ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لم ننزله عليك لتتعب به.
نزلت لما أطال رسول الله - ﷺ - القيام في الصلاة وبالغ فيه حتى قام على إحدى رجليه بعد نزول القرآن، فأمره الله أن يخفف على نفسه؛ شفقة عليه، وإكرامًا له (١). أمالَ رؤوسَ آي هذه السورة: ورش عن نافع، وأبو عمرو بخلاف عنهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف (٢).
...
﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ [طه: ٣].
[٣] ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن نزلناه عظة وتذكيرًا بالأحكام.
﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ اللهَ تعالى.
...
﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ [طه: ٤].
[٤] ﴿تَنْزِيلًا﴾ بدل من قوله: (تَذْكِرَةً).
(١) انظر "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٦٩).
طه 20:5
﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ صفة أقامها مقام الموصوف، والعلى: جمع العليا.
...
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
[٥] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ رفع بالابتداء ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ استواء يليق بعظمته بلا كيف، وهذا من متشابه القرآن، نؤمن به، ولا نتعرض لمعناه، وقال الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه لرجل مسألة عن الاستواء، فقال له مالك: "الاستواء معلوم -يعني: في اللغة-، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وأظنك رجل سوء، أخرجوه عني"، فأدبر الرجل وهو يقول: يا أبا عبد الله لقد سألت فيها أهل العراق وأهل الشام، فما وفق فيها أحد توفيقك (١).
وسئل الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: "هو كما أخبر، لا كما يخطر للبشر".
وتقدم الكلام على ذلك مستوفىً (٢) في سورة الأعراف.
...
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ [طه: ٦].
[٦] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من جميع المخلوقات.
(١) رواه اللالكائي في "اعتقاد أهل السنة" (٣/ ٣٩٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦).
(٢) "مستوفًى" ساقطة في "ت".
طه 20:7
﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ التراب الندِيّ تحت الظاهر.
...
﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه: ٧].
[٧] ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ ترفع صوتك به.
﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ ما أسره لغيره.
﴿وَأَخْفَى﴾ هو ما أسر في نفسه.
...
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
[٨] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وَحَّدَ نفسه سبحانه.
﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يريد: التسميات التي تضمنت المعاني التي هي في غاية الحسن، وتقدم ذكر الأسماء الحسنى، والكلام عليها في سورة الأعراف عند قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].
...
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩)﴾ [طه: ٩].
[٩] ﴿وَهَلْ﴾ أي: وقد ﴿أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ استفهام بمعنى التقرير.
...
﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ [طه: ١٠].
[١٠] ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان بخلاف عن هشام وأبي بكر: (رَأَى) بإمالة الراء تبعًا للهمزة، وأمال
طه 20:11
أبو عمرو الهمزة فقط (١)، وملخص القصة: أن موسى استأذن شعيبًا -عليهما السلام- في الخروج بزوجته، فأذن له، فخرج بها سائرًا على غير الطريق غيرة نحو الطور الأيمن الغربي في ليلة شاتية باردة، فأخذ امرأتَه الطلقُ، فقدح زنده مرارًا فلم يورِ، فأبصر نارًا من بعيد.
﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أقيموا. قرأ حمزة (لِأهْلِهُ امْكُثُوا) بضم الهاء في الوصل، والباقون: بكسرها فيه (٢).
﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت ﴿نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ بشعلة نار في طرف عود أو فتيلة. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (إِنِّيْ آنَسْتُ)، و (لَعَلِّيْ آتِيكُمْ) بإسكان الياء فيهما، وافقهم ابن عامر في الأول، والباقون: بفتح الياء فيهما (٣)، ولم يقل: (آتيكم) بلا (لعلي)؛ لأنه لم يكن متيقنًا الوفاء بالوعد ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ أي: هاديًا يدلني على الطريق.
...
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١)﴾ [طه: ١١].
[١١] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ رأى شجرة خضراء من العَوْسَج من أسفلها إلى أعلاها نار بيضاء تتقد، وسمع (٤) تسبيح الملائكة، وأُلقيت عليه السكينة، فثَمَّ ﴿نُودِيَ يَامُوسَى﴾.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧١).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧١).
(٤) في "ت": "تسمَّع".
طه 20:12
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ [طه: ١٢].
[١٢] ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (أَنِّي) بفتح الهمزة؛ أي: بأني، وأبو عمرو: يدغم الياء في الياء في قوله (نُودِي يَّا مُوسَى)، والباقون: بكسرها؛ أي: نودي موسى، فقيل إني (١)، فنافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: يفتحون الياء، والباقون: يسكنونها، روي أنه لما سمع هذا النداء، فقال: من المتكلم؟ فقال تعالى: (أَنَا رَبُّك).
﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أي: ألقهما؛ لأنهما كانا من جلد حمار ميت.
﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ المطهر. وقف يعقوب: (بِالْوَادِي) بإثبات الياء (٢) ﴿طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما، ورأى الوادي. قرأ الكوفيون، وابن عامر: (طُوًى) بالتنوين، على أنه اسم الوادي، وقرأ الباقون: بغير تنوين، على أنه اسم البقعة، واتفقوا على ضم الطاء (٣).
وعن ابن عباس: "قيل له: (طوى)؛ لأن موسى طواه بالليل إذ مر به، فارتفع إلى أعلى الوادي" (٤)، فهو مصدر عمل فيه ما ليس من لفظه؛ كأنه قال: إنك بالواد الذي طويته طوى؛ أي: تجاوزته فطويته بسيرك.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٢).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٢).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٢).
(٤) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٥/ ٥٦٠).
طه 20:13
﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣)﴾ [طه: ١٣].
[١٣] ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قرأ حمزة: (وَأَنَّا) بتشديد النون (اخْتَرْنَاكَ) بالنون مفتوحة وألف بعدها على الخبر عن نفسه، بلفظ الجمع في الكلمتين؛ تعظيمًا لله تعالى، وقرأ الباقون: (وَأَنَا) بتخفيف النون (اخْتَرْتُكَ) بتاء مضمومة من غير ألف (١)، على لفظ الواحد فيهما على الخبر عن نفسه في اللفظ، ومعناه: إني اصطفيتك برسالاتي ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ إليك.
...
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه: ١٤].
[١٤] ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنَّنِيْ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ لعبادتي؛ لأن الصلاة مشتملة على قراءة، والقراءة مشتملة على أذكار. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِذِكْرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣).
...
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)﴾ [طه: ١٥].
[١٥] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ القيامة ﴿آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أُسِرُّها، ولا أقول:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٠ - ١٥١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٤).
(٣) المصادر السابقة.
طه 20:16
هي آتية؛ أي: أسترها عن العباد، ولا أذكرها لهم؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى قيامها، كانوا على وَجَلٍ منها في كل وقت ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ بعملها من خير وشر.
...
﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٦].
[١٦] ثم نهى تعالى موسى - ﷺ -، والمراد: غيره بقوله: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا﴾ أي: عن الإيمان بها ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ من الكفار.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ في عبادة غير الله ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك إن انصددت عنها.
...
﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧].
[١٧] ﴿وَمَا تِلْكَ﴾ أي: وما التي ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في يدك اليمنى ﴿يَامُوسَى﴾ سؤال تقرير، والحكمة فيه تنبيهه على أنها عصا، حتى إذا قلبها حية، علم أنه معجز عظيم، وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا، وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه.
ويروى أن (١) عصا موسى هي التي هبط بها آدم من الجنة، وأنها من ورق آس من أحد الخطوط المستطيلة في وسط الورقة، وأن طولها اثنا عشر ذراعًا بذراع موسى عليه السلام، وكانت العصا شعبتين، وفي أسفلها سنان، ولها محجن.
(١) في "ت": "أنه".
طه 20:18
﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾ [طه: ١٨].
[١٨] ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ فقيل: ما تصنع بها؟ قال: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أعتمد عليها عند الوثبة، ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ أي: أضرب بها الأغصان ليسقط ورقها، فترعاه الغنم، (وَأَهُسُّ) بالمهملة: أزجر بها (١)، والتلاوة بالأول.
﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ﴾ جمع مأربة -بضم الراء وفتحها-؛ أي: حوائج ﴿أُخْرَى﴾ على تأنيث الجمع في المعنى، وأراد بالمآرب: ما يستعمل فيه العصا في السفر، فكان يحمل بها الزاد، ويشد بها الحبل فيستقي الماء من البئر، ويحارب بها السباع، وتماشيه وتحدثه، ويركزها فتورق، وتحمل أي ثمرة أحب له (٢)، وتضيء له شعبتاها (٣) في الليل كشمعتين، وتطرد عنه الهوام، وغير ذلك (٤). قرأ ورش، وحفص: (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٥).
(١) وهي قراءة عكرمة، انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١١٧).
(٢) "له" ساقطة من "ت".
(٣) في "ت": "شعبتها".
(٤) قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ١٤٦): "وقد تكلف بعضهم لذكر شيء من تلك المآرب التي أبهمت، فقيل: كانت تضيء له بالليل، وتحرس له الغنم إذا نام، ويغرسها فتصير شجرة تظله، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة، والظاهر أنها لم تكن كذلك، ولو كانت لما استنكر موسى عليه الصلاة والسلام صيرورتها ثعبانًا، فما كان يفر منها هاربًا، ولكن كل ذلك من الأخبار الإسرائيلية".
(٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٧).
طه 20:19
﴿قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩)﴾ [طه: ١٩].
[١٩] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿أَلْقِهَا يَامُوسَى﴾ انبذها.
...
﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠)﴾ [طه: ٢٠].
[٢٠] قال وهب: ظن موسى أنه يقول: ارفضها، ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ على وجه الرفض (١)، ثم حانت منه نظرة، ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ عظيمة ﴿تَسْعَى﴾ تمشي مسرعة على بطنها، قال هنا: (حَيَّة)، وفي غيره (جَانّ)، وهو الخفيف من الحيات، و (ثعبان)، وهو عظيمها؛ لأن الحية تعم الذكر والأنثى، والصغير والكبير.
...
﴿قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه: ٢١].
[٢١] فلما رآها لا تمر بحجر إلا ابتلعته، ولا شجر إلا اقتلعته، ويُسمع لأنيابها صريف شديد، ولى مدبرًا وهرب، ثم ذكر ربه، فوقف استحياء منه، ثم نودي: أن يا موسى! أقبل، ارجع حيث كنت، فرجع وهو شديد الخوف ﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿خُذْهَا﴾ بيمينك.
﴿وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ أي: سنردها عصا كما كانت، فأدخل موسى يده في كمه ليأخذها، فسمع النداء: أرأيت لو أذن لها أن تضربك كان يغنيك؟! فكشف يده وأدخلها في فيها؛ فإذا هي عصا كما
(١) رواه الإمام أحمد في "الزهد" (ص: ٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٨٤٧).
طه 20:22
كانت، ويده في شعبتيها في الموضع الذي كان يضعها إذا توكأ، وأري ذلك موسى عند المخاطبة؛ لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون.
...
﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾ [طه: ٢٢].
[٢٢] ثم نبه على آية أخرى فقال: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ أي: اجمعها إلى جيبك ما بين أسفل العضد إلى الإبط، وأصله من جناح الطير؛ لأنه يجنح به؛ أي: يميل، فكأن الإنسان يجنح بجانبيه عند العطفات والالتفات، المعنى: أدخلها تحت عضدك.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص، فكان ليده نور ساطع يضيء كضوء الشمس والقمر.
﴿آيَةً أُخْرَى﴾ دلالة على صدقك.
...
﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾ [طه: ٢٣].
[٢٣] ﴿لِنُرِيَكَ﴾ المعنى: فعلنا ذلك لنريك.
﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ الآية ﴿الْكُبْرَى﴾ العظمى (١)، وكانت يده أكبر آياته.
...
﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ [طه: ٢٤].
[٢٤] ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ ترفَّع وعلا وتجاوز الحد في الكفر.
...
(١) "العظمى" زيادة من "ت".
طه 20:25
﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥)﴾ [طه: ٢٥].
[٢٥] ﴿قَالَ﴾ موسى:
﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ وسِّعه لتحمل الحق والمشاق، ورديء أخلاق فرعون وجنده.
...
﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦].
[٢٦] ﴿وَيَسِّرْ﴾ سَهِّل ﴿لِي أَمْرِي﴾ لأبلِّغ الرسالة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ [طه: ٢٧].
[٢٧] ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً﴾ رثة ﴿مِنْ لِسَانِي﴾ حدثت بسبب إلقائي الجمرة في فيَّ، وذلك أن موسى في صغره لطم فرعون لطمة عظيمة، وأخذ بلحيته، فأراد قتله، فقالت آسية؛ أيها الملك! إنه صغير لا يعقل، جرِّبْه إن شئت، فجعل في طست جمرًا، وفي آخر جوهرًا، ووضعتهما لدى موسى، فأراد أخذ الجوهر، فأخذ جبريل يده ووضعها على الجمر، فأخذ جمرة ووضعها في فيه، فاحترق، فصار بلسانه لُكْنة منها (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٩).
(٢) قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ١٥٤): "رواه النسائي في "السنن الكبرى"، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في "تفسيريهما"، كلهم من حديث =
طه 20:28
﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨].
[٢٨] ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ أي: احلل العقدة كي يفقهوا كلامي، والفقه لغةً: الفهم.
...
﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩)﴾ [طه: ٢٩].
[٢٩] ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا﴾ معينًا ﴿مِنْ أَهْلِي﴾ والوزير: من الوزر: الثقل؛ لأن الوزير يتحمل أثقال الملك، ويعتمد عليه.
...
﴿هَارُونَ أَخِي (٣٠)﴾ [طه: ٣٠].
[٣٠] وكان هارون أجمل شكلًا، وأفصح لسانًا من موسى، فلذلك قال: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾.
...
﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١].
[٣١] ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قَوِّ به ظهري.
...
= يزيد بن هارون، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس -رضي الله عنهما- مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا".
طه 20:32
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ [طه: ٣٢].
[٣٢] ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ الذي حَمَّلْتني. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر بخلاف عن الثاني: (أَخِي أَشْدُدْ) بفتح الألف في الوصل والقطع، (وأُشْرِكْه): بضم الألف، وسكَّنا الياء من (أَخِيْ)، فهما خبر من موسى (١)، فـ (أَشْدُدْ) جزم جواب الطلب كجواب الشرط، (وأُشْرِكْهُ) عطف عليه، المعنى: أعتضد به أنا، وأجعله أنا شريكي، وقرأ الباقون: بوصل همزة (اشدد)، وتبتدأ (٢) بالضم، وبفتح همزة (أَشْرِكْهُ) دعاء من موسى، المعنى: افعل أنت اللهم ذلك به، وفتحَ الياء من (أَخِيَ): أبو عمرو، وابن كثير، وسكَّنها الباقون، وهم: نافع، والكوفيون، ويعقوب (٣)، وقرأ ابن كثير: (وَأَشْرِكْهُو فِي أَمْرِي) بإشباع الهاء ووصلها بواو في الدرج، والباقون باختلاس ضمتها (٤).
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و "تفسير البغوي" (٣/ ١٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٩ - ٨٠).
(٢) في "ش": "تتبدل".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٩).
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٠).
طه 20:33
﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣].
[٣٣] ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ﴾ تسبيحًا ﴿كَثِيرًا﴾.
...
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٤].
[٣٤] ﴿وَنَذْكُرَكَ﴾ ذكرًا ﴿كَثِيرًا﴾ فإن التعاون يهيج الرغبات، ويؤدي إلى تزايد الخير.
...
﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (٣٥)﴾ [طه: ٣٥].
[٣٥] ﴿إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ تعلم أحوالنا. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (نُسَبِّحَك كَّثيرًا وَنَذْكُرَك كَّثيرًا إِنَّك كُّنْتَ) بإدغام الكاف في الكاف من الأحرف الثلاثة (١).
...
﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ [طه: ٣٦].
[٣٦] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ طِلْبتك.
﴿يَمُوسَىَ﴾ مِنَّةً عليك.
...
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ [طه: ٣٧].
[٣٧] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ قبل هذه المرة.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٠).
طه 20:38
﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨)﴾ [طه: ٣٨].
[٣٨] ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ ألهمناها ﴿مَا يُوحَى﴾ ما يُلْهَم.
...
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه: ٣٩].
[٣٩] ثم فسر الإلهام فقال: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ اجعليه ﴿فِي التَّابُوتِ﴾ فأخذت قطنًا محلوجًا، ووضعته في التابوت، وألقت موسى فيه، وشدت عليه وأحكمته؛ لئلا يصل إليه الماء، وكان يدخل من النيل نهر إلى دار فرعون ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ بحر النيل.
﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ أي: الجانب، وسمي ساحلًا؛ لأن الماء يسحله؛ أي: يقشره.
﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وهو فرعون، وهذا إخبار لأم موسى بصيغة الأمر لليم، فألقته فيه، فدخل دار فرعون، فبصر به، فأمر بإخراجه، فأُخرج، وفتحوا التابوت، فإذا فيه صبي أحسن الناس وجهًا، فأخذه فرعون وأحبه هو وآسيا حبًّا شديدًا؛ بحيث لا يصبران عنه، يصدق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس: "أحبه وحببه إلى الناس" (١)، والواو بعد عاطفة على محذوف تقديره: ألقيت عليك محبة لتحب.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٢١)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٥/ ٢٨٤)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ١٩٦).
طه 20:40
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ لتربى على حفظي ورعايتي. قرأ أبو جعفر: (وَلْتُصْنَعْ) بإسكان اللام وجزم العين، فيجب له إدغامها، وقرأ الباقون: بكسر اللام ونصب العين (١)، وأبو عمرو ورويس: يدغمان العين في العين على أصلهما في إدغام المتماثلين، وفتح نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو الياء من (عَيْنِيَ)، وسكنها الباقون (٢).
...
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ [طه: ٤٠].
[٤٠] ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ ظرف (لتصنع)؛ لأن أخته مريم خرجت متعرفة خبره، فجاءتهم، وكان لا يقبل ثدي مرضعة ﴿فَتَقُولُ﴾ أي: فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: امرأة تحضنه وترضعه ويقبل ثديها؟ قالوا: نعم، من هي؟ قالت: أمي، قالوا: لها لبن؟ قالت: نعم لبن أخي هارون، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، فجاءت بالابن (٣)، فقبل ثديها.
فذلك قوله تعالى: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ بلقائك ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ ليزول حزنها ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ هو القبطي، فاغتممت خوفًا من الله تعالى
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨١).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨١).
(٣) في "ت": "بالأم".
طه 20:41
﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ بأن غفر لك، وأُنجيت من فرعون.
﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ مصدر؛ أي: اختبرناك اختبارًا بإيقاعك في المحن، وتخليصك منها ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ عند شعيب، قال وهب: لبث عنده ثمانيًا وعشرين سنة: عشر مهر ابنته، وأقام عنده ثماني عشرة سنة حتى ولد له. وتقدم اختلاف القراء في الإدغام والإظهار من (لَبِثْتَ) في سورة الكهف [الآية: ١٩]، ومدين: بين مصر ومكة، مسافتها عن مصر نحو اثني عشر يومًا، وهي منزلة للحجاج، تعرف في هذه الأزمنة بمغارة شعيب، تقدم ذكرها في سورة الأعراف.
﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ﴾ موعد مقدر في علمي ﴿يَامُوسَى﴾ أنك تجيء، وأستنبئك فيه، وكان مجيؤه على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء.
...
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١].
[٤١] ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ أي: اصطفيتك ﴿لِنَفْسِي﴾ بأن جعلتك نبيًّا.
...
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ [طه: ٤٢].
[٤٢] ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ هارون إلى الناس ﴿بِآيَاتِي﴾ التسع.
﴿وَلَا تَنِيَا﴾ تفتُرا.
﴿فِي ذِكْرِي﴾ التسبيح والتقديس والالتجاء إلي.
***
طه 20:43
﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣)﴾ [طه: ٤٣].
[٤٣] ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ بإدعائه الربوبية. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (لِنَفْسِيَ اذْهَبْ) (ذِكَرِيَ اذْهَبَا) بفتح الياء فيهما، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤].
[٤٤] ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ سهلًا، أي: ارفقا به، ولا تعنِّفاه، وكَنِّياه، لما له من حق التربية، وكان يكنى بأبي مصعب.
﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿أَوْ يَخْشَى﴾ الله، فيسلم، قالوا: تذكر فرعون وخشي، وروي أنه أحب اتباع موسى، فشاور هامان، فقال: كنت أرى لك رأيًا وعقلًا، أنت الآن ربٌّ تريد أن تكون مربوبًا؟! وأنت منا الآن تُعبد، تريد الآن أن تَعبد؟! فقلبه عن رأيه (٢).
...
﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥)﴾ [طه: ٤٥].
[٤٥] وكان هارون يومئذ بمصر، فأمر الله موسى أن يأتي بهارون، وأوحي إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى، فتلقاه إلى مرحلة، وأخبره بما أوحي إليه.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٢ - ٨٣).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٢٣)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٥/ ٢٨٨).
طه 20:46
﴿قَالَا﴾ يعني: موسى وهارون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ يعجل عقوبتنا ﴿أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ يجاوز الحد في الإساءة إلينا.
...
﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه: ٤٦].
[٤٦] ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ بعوني.
﴿أَسْمَعُ﴾ ما يقول ﴿وَأَرَى﴾ ما يصدر منه.
...
﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ [طه: ٤٧].
[٤٧] ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا﴾ فأتياه فقالا (١): ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ أرسلَنا إليك.
﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى الشام ﴿وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾ بأشغالك الشاقة.
﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ حجة على صدقنا ﴿مِّن رَّبِّكَ﴾ لأن الرسالة لا تثبت إلا بحجة ظاهرة، قال فرعون: وما هي؟! فأخرج موسى يده لها شعاع كشعاع الشمس، ﴿وَالسَّلَامُ﴾ المنجِّي من سخط الله تعالى.
﴿عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ التوحيد.
...
﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ [طه: ٤٨].
[٤٨] ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ﴾ بما جئنا به.
﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عنه.
(١) في "ت": "فَأْتياه فقولا" بصيغة الأمر، والصواب "فأَتياهُ فَقَالا" بصيغة الماضي.
طه 20:49
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ [طه: ٤٩].
[٤٩] ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ خاطبهما أولًا، ثم خص موسى بالنداء؛ لأنه الأصل، وهارون تابعه.
...
﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠].
[٥٠] ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ أي: أعطى خليقته كل شيء يحتاجون إليه ﴿ثُمَ هَدَى﴾ أي: عَرَّفَ كيف يُرتفق بما أعطى.
...
﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (٥١)﴾ [طه: ٥١].
[٥١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ سؤال عن حال الأمم الماضية.
...
﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه: ٥٢].
[٥٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿عِلْمُهَا﴾ محفوظ.
﴿عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ اللوح المحفوظ.
﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي: لا يخطئ ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ شيئًا، فلا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا من وَحَّده حتى يجازيَه.
***
طه 20:53
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ [طه: ٥٣].
[٥٣] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ قرأ الكوفيون: (مَهْدًا) بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف، مصدر وصف به، أي: كالمهد يتمهدونها، وقرأ الباقون: (مِهَادًا) بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها (١)، وهو اسم ما يمهد كالفراش، المعنى: وَطَّأَ لكم الأرض لتسكنوها.
﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ أي: جعل لكم فيها طرقًا لتسلكوها.
﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطر، ثم الإخبار عن موسى -عليه السلام-، ثم أخبر الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه بقوله:
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ مختلفة النفع والطعم واللون، جمع شتيت؛ كمرضى جمع مريض.
...
﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ [طه: ٥٤].
[٥٤] ﴿كُلُوا﴾ من النبات ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أسيموها فيه؛ أي: أخرجنا مبيحين لكم الأكل ورعي الدواب.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول جمع نهية؛ لأنها تنهى صاحبها عن القبيح.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٥).
طه 20:55
﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ﴾ [طه: ٥٥].
[٥٥] ثم عرفهم أن الأرض أصلهم ومصيرهم، فقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ لأنكم من آدم، وآدم من التراب ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ مقبورين بعد الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ﴾ عند البعث ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم.
...
﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ [طه: ٥٦].
[٥٦] ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ يعني: فرعون ﴿كُلَّهَا﴾ يعني: الآيات التسع، ﴿فَكَذَّبَ﴾ بها ﴿وَأَبَى﴾ الإسلام.
...
﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾ [طه: ٥٧].
[٥٧] ﴿قَالَ﴾ يعني: فرعون: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَامُوسَى﴾ هذا تعلل وتحير، ودليل على أنه علم كونه محقًا حتى خاف منه على ملكه؛ فإن ساحرًا لا يقدر أن يخرج ملكًا مثله من أرضه.
...
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ [طه: ٥٨].
[٥٨] ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ أي: بسحر يماثله ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ أي: فاضرب بيننا وبينك ميقاتًا، والموعد بمعنى: الوعد؛ لقوله:
طه 20:59
﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ لا نجاوزه ﴿نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ فإن الإخلاف لا يلائم الزمان والمكان. قرأ أبو جعفر (نُخْلِفْهُ) بإسكان الفاء جزمًا جواب الأمر، فتمتنع الصلة، وقرأ الباقون: بالرفع والصلة (١).
﴿مَكَانًا سُوًى﴾ يعني وسطًا بين الموضعين؛ أي: نتواعد مكانًا، فتستوي مسافته على الفريقين. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، ويعقوب، وخلف: (سُوًى): بضم السين، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (٢)، وروي عن أبي بكر إمالة (سُوًى) حالة الوقف؛ وفاقًا لمن قرأ بالإمالة، وروي عنه الفتح أيضًا (٣).
...
﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ [طه: ٥٩].
[٥٩] ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة.
﴿وَأَنْ يُحْشَرَ﴾ أن يُجمع ﴿النَّاسُ ضُحًى﴾ ضحوةً نهارًا؛ ليكون أبعد من الريبة، وأبينَ لكشف الحق.
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٢٧). و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٦).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٧).
طه 20:60
﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ [طه: ٦٠].
[٦٠] ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ مكره وسحرته، وكانوا اثنين وسبعين، وقيل: أكثر من ذلك، وحضر أهل دولته، وجاء موسى -عليه السلام- ببني إسرائيل معه.
﴿ثُمَّ أَتَى﴾ الموعد.
...
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (٦١)﴾ [طه: ٦١].
[٦١] ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ يعني: للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ وهذه مخاطبة محذور، وندبهم في هذه الآية إلى قول الحق إذا رأوه، ولا يباهتوا بكذب.
فقال: ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ﴾ أي: يهلككم ﴿بِعَذَابٍ﴾ عظيم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (فَيُسْحِتكمْ) بضم الياء وكسر الحاء، والباقون: بفتحهما، ومعناهما واحد (١).
﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ على الله تعالى. قرأ حمزة (خَابَ) بالإمالة حيث وقع، واختلف عن ابن ذكوان (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"الكشف" المكي (٢/ ٩٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٨).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٤ - ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٨٨).
طه 20:62
﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢)﴾ [طه: ٦٢].
[٦٢] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يعني: السحرة تناظروا في أمر موسى، وقالوا: إن كان ساحرًا، سنغلبه، وإن كان (١) ما يأتي به من السماء، فله أمره.
﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ أخفوا كلامهم من فرعون.
...
﴿قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾ [طه: ٦٣].
[٦٣] ﴿قَالُوا﴾ تفسير لـ ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾:
﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ يعني: موسى وهارون. قرأ أبو عمرو: (إِنَّ) بتشديد النون (هَذَيْنِ) بالياء على الأصل، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إِنْ) بتخفيف النون (هَذَانِ) بالألف، فابن كثير يشدد النون من (هَذَانِّ)، وحفص يخففها؛ أي: ما هذان إلا ساحران؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، أي: ما نظنك إلا من الكاذبين، وقرأ الباقون: (إِنَّ) بتشديد النون كأبي عمرو، و (هَذَانِ) بالألف وتخفيف النون من (هَذَانِ) كحفص، فيكون (إِنَّ) بمعنى: نعم، و (هَذَانِ) مبتدأ، و (سَاحِرَانِ) خبر مبتدأ محذوف، واللام داخلة على الجملة، تقديره: هذان لهما ساحران، أو (هذان) مبتدأ، (ساحران) خبره، واللام زائدة (٢)، قال
(١) "كان" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٨ - ١٢٩)، =
طه 20:64
الكواشي: والقراءة بتشديد (إِنَّ) ونصب (هَذَيْنِ) زعموا أنها مخالفة لخط المصحف، وزعم بعضهم أنما حمله على ذلك خشية اللحن، وهذا طعن في عدالة أبي عمرو وعلمه؛ لأنه هو الذي قرأها؛ لأن هذا يشعر أنه قرأها من تلقاء نفسه، لم يأخذها متواترة عن النبي - ﷺ -، وأنه غير عالم بتعليل (إِنَّ هَذَانِ) بالرفع وتشديد (إِنَّ)، وكيف يجوز اعتقاد مثل هذا بمن شهد له بالعدالة والبراعة في علم العربية، حتى زعموا أنه قال: إني لأستحي من الله أن أقرأ: (إِنَّ هَذَانِ) يعنون: بالرفع وتشديد (إِنَّ)، وكيف يجوز أن يعتقد بأحد من المسلمين أنه يستحيي من قراءة ما صح وتواتر عن النبي - ﷺ -، مع أن أبا عمرو وغيره من الأئمة كانوا ينشدون ويسمعون الأشعار المنحولة والغريبة، ولا يؤخذ ذلك عليهم، انتهى.
﴿يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ مصر ﴿بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ بدينكم وشريعتكم ﴿الْمُثْلَى﴾ تأنيث الأمثل، وهو الأعدل.
...
﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾ [طه: ٦٤].
[٦٤] ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (فَاجْمَعُوا) بوصل الهمزة وفتح الميم من جَمَع: لمّ؛ أي: لا تتركوا منه شيئًا. وقرأ الباقون: بالقطع وكسر الميم (١)؛ من أجمع: أحكم؛ أي: أحكموا ما تكيدون به موسى، واعزموا كلكم على كيده مجتمعين له، ولا تختلفوا فينحل أمركم.
= و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٠).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩١).
طه 20:65
﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين؛ ليكون أهيب في صدور الناس، فجاؤوه في سبعين صفًا، كل صف ألف، فثَمَّ رغبهم فرعون في غلب موسى بما هو اعتراض فقال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ﴾ فاز بالمطلوب ﴿مَنِ اسْتَعْلَى﴾ غلب.
...
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ [طه: ٦٥].
[٦٥] ﴿قَالُوا﴾ يعني: السحرة تأدبًا: ﴿يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ عصاك ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾.
...
﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ [طه: ٦٦].
[٦٦] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ ما معكم؛ احتقارًا لهم، وليظهر الحق من الباطل، فألقوه.
﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ جمع العصا ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر، وروح عن يعقوب: (تُخَيَّلُ) بالتاء مضمومة على التأنيث مع فتح الياء لتأنيث جماعة الحبال والعصي، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير (١)، ردوه إلى الكيد أو السحر.
(١) انظر: "تفسير الطبري" للطبراني (٧/ ١٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٢).
طه 20:67
﴿أَنَّهَا تَسْعَى﴾ روي أنهم ألقوا حبالهم وعصيهم، ولطخوها بالزئبق، فلما ضربت عليها الشمس، اضطربت، فخيل إليه وإلى الناس أنها تسير وتتحرك، وكانت قد أخذت ميلًا من كل جانب.
...
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧)﴾ [طه: ٦٧].
[٦٧] ﴿فَأَوْجَسَ﴾ أضمر ﴿فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ ظنًّا منه أنها تقصده كعادة البشر.
...
﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨)﴾ [طه: ٦٨].
[٦٨] ﴿قُلْنَا﴾ لموسى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ أي (١): الغالب القاهر لهم.
...
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٩].
[٦٩] ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ من العصا ﴿تَلْقَفْ﴾ تبتلع ﴿مَا صَنَعُوا﴾ بقدرة الله تعالى. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (تلْقَفُ) برفع الفاء على الحال والاستئناف، وقرأ حفص عن عاصم: بإسكان اللام مع تخفيف القاف والجزم، وقرأ الباقون: بتشديد القاف والجزم جواب (وَأَلْقِ)، فالفاعل موسى، نسب إليه التلقف؛ لأنه كان بسببه، والبزي عن ابن كثير:
(١) "أي" ساقطة من "ت".
طه 20:70
على أصله في تشديد التاء من (تّلَقَّفْ) وصلًا؛ كأنه أراد: تتلقف، فأدغم (١).
﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ﴾ مكر ﴿سَاحِرٍ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سِحْرٍ) بكسر السين [وإسكان الحاء من غير ألف؛ أي: حيلة سحر، وقرأ الباقون: بالألف وفتح السين] (٢) وكسر الحاء، بإضافة الكيد إلى الفاعل، وهي أولى من إضافته إلى الفعل، وإن كان ذلك لا يمتنع في العربية (٣) ﴿وَلَا يُفلِحُ﴾ لا يسعد ﴿السَّاحِرُ﴾ المراد: الجنس ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ من الأرض.
...
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾ [طه: ٧٠].
[٧٠] فألقى موسى عصاه، فالتقمت ما جاؤوا به، فتحقق عند السحرة أنه ليس بسحر، وإنما هو من آيات الله ومعجزاته ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ شكرًا لله على الهداية، روي أنهم رأوا الجنة ومنازلهم فيها في سجودهم، ثم رفعوا رؤوسهم.
و ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدم هارون؛ لكبر سنه.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٣).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٤).
طه 20:71
﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ [طه: ٧١].
[٧١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قرأ حفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب، وقنبل عن ابن كثير بخلاف عنه: (أَمَنْتُمْ) بهمزة واحدة على الخبر، والباقون: بهمزتين على الاستفهام، فحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وخلف، وروح عن يعقوب يقرؤون بتحقيق الهمزتين على الأصل، والباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، ولم يدخل أحد منهم ألفًا بين الهمزة المحققة والمسهلة في هذا المحل؛ كما أدخلها من أدخلها منهم في (أَأَنْذَرْتَهُمْ) وبابه، لكراهية اجتماع ثلاث ألفات بعد الهمزة (١)، وأبو عمرو يدغم التاء في السين من قوله: (السَّحَرَة سُّجَّدًا) (٢)، ومعنى الكل إنكارة أي: أصدقتم لموسى، وآمنتم بربه من غير أمري إياكم.
﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ لرئيسكم ومعلمكم.
﴿الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ وأنتم تواطأتم على ما فعلتم.
﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ اليد اليمنى والرجل اليسرى، و (مِنْ) لابتداء الغاية؛ لأن القطع مبتدأ من مخالفة العضو العضو؛ أي:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٥).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٥).
طه 20:72
لأقطعنها مختلفات، وابتداء الغاية داخلها (١) بالاتفاق، لا انتهاؤها عند المالكية والشافعية والحنابلة، وعن أبي بكر من أصحاب أحمد: إن كانت الغاية من جنس المحدود كالمرافق، دخلت، وإلا، فلا، وعند الحنفية: إن قامت الغاية بنفسها، لم تدخل؛ كبعتك من هنا إلى هنا، وإن تناوله صدر الكلام، فالغاية لإخراج ما وراءه؛ كالمرافق، والغاية في الخيار، ومنع أبو حنيفة دخول العاشر في قوله: من درهم إلى عشرة ونحوِه، وأدخله صاحباه.
﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ أي: عليها ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ يريد: نفسه وربَّ موسى عليه السلام ﴿أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ وأدوم عقابًا.
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ [طه: ٧٢].
[٧٢] ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ لن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الدلالات على صدق موسى ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي: ولن نؤثرك على الله الذي فطرنا، فالواو في قوله: (وَالَّذِي) عاطفة، وقيل هي واو قسم، و (فَطَرَنا) معناه: خلقنا واخترعنا.
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ فافعل يا فرعون ما شئت. روي عن يعقوب وقنبل: الوقف بالياء على (قَاضِي) (٢) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إنما
(١) في "ت": "داخل".
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧٢).
طه 20:73
تحكم فينا مدة حياتنا؛ فإن سلطانك في الدنيا، وسيزول عن قريب.
...
﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾ [طه: ٧٣].
[٧٣] ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ ولما رأوا موسى تحرسه عصاه وهو نائم، قالوا: ليس بساحر؛ لأن الساحر يبطل سحره إذا نام، فكرهوا معارضته خوفَ الفضيحة، فأكرههم فرعون على الإتيان بالسحر، فذلك قوله:
﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ و (ما) موصولة منصوبة عطف على (خَطَايَانَا) أي: ليغفر خطايانا، والذي أكرهتنا عليه ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ﴾ عطاءً منك إذا أُطيع ﴿وَأَبْقَى﴾ عقابًا منك إذا عُصي، وهذا جواب لقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: ٧١].
...
﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ [طه: ٧٤].
[٧٤] ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ أي: يأت موعدَ ربه.
﴿مُجْرِمًا﴾ أي: مشركًا، والمجرم: من اكتسب الخطايا والجرائم.
﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة ينتفع بها.
قالت فرقة: هذه الآية بجملتها هي من كلام السحرة لفرعون على جهة الموعظة له والبيان فيما فعلوه، وقالت فرقة: بل هي من كلام الله تعالى لمحمد - ﷺ -؛ تنبيهًا على قبح مافعل فرعون، وحسنِ ما فعل السحرة، وموعظة وتحذيرًا.
طه 20:75
﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ [طه: ٧٥].
[٧٥] ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ أي: مات على الإيمان.
﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ في الدنيا.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ هي القرب من الله تعالى. قرأ السوسي عن أبي عمرو: (يَأْتِهْ) بإسكان الهاء، (مُومِنًا) بإسكان الواو بغير همز، وقرأ أبو جعفر، وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: باختلاس كسرة الهاء، بخلاف عنهم، إلا رويس، وقرأ الباقون: بإشباع الهاء، وكلها لغات (١).
...
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (٧٦)﴾ [طه: ٧٦].
[٧٦] ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ أي: أطاع الله، وأخذ بأزكى الأمور.
...
﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ [طه: ٧٧].
[٧٧] ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي: سر بهم ليلًا من أرض مصر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف، من
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٧).
طه 20:78
سرى، ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة؛ من أسرى، ومعناهما واحد، وهو سير الليل، وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمزة (١).
﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: اجعل ﴿لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ بالضرب بالعصا ﴿يَبَسًا﴾ يابسًا، ليس فيه ماء ولا طين، وذلك أن الله أيبس له الطريق في البحر، وتقدم ذكر القصة في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ (٥٠)﴾ [البقرة: ٥٠].
﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ لحاقًا. قرأ حمزة: (لاَ تَخَفْ) بالجزم على النهي، وقرأ الباقون: بالألف والرفع على النفي (٢)؛ لقوله: ﴿وَلَا تَخْشَى﴾ المعنى: لا تدرَك وأنت آمن.
...
﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ [طه: ٧٨].
[٧٨] ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ فلحقهم ﴿فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ وكان هو فيهم.
﴿فَغَشِيَهُمْ﴾ فغطاهم ﴿مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ما غرقهم، وهو إبهام أهول من النص.
...
(١) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ٥٣٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٧).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٨).
طه 20:79
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ [طه: ٧٩].
[٧٩] ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ من أول أمره وإلى هذه النهاية، ثم أكد تعالى بقوله:
﴿وَمَا هَدَى﴾ مقابلة لقول فرعون ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ [غافر: ٢٩].
...
﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ [طه: ٨٠].
[٨٠] ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ فرعون.
﴿عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ لما جاءه موسى، وإنزال التوراة عليه.
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ ظاهر هذه الآية أن القول قيل لبني إسرائيل حينئذ عند حلول هذه النعم التي عدَّد الله عليهم، وبين خروجهم من البحر وبين هذه المقالة مدة وحوادث.
...
﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١].
[٨١] ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ لذائذه ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ لا تجاوزوا حد الله لكم فيه؛ كالسرف والبطر والمنع عن المستحق.
﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ فيلزمكم (١) عذابي.
(١) في "ت": "فليلزمكم".
طه 20:82
﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ هلك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أَنْجَيْتكُمْ) (وَوَعَدْتُكُمْ) (مَا رَزَقْتكمْ) بالتاء المضمومة على لفظ الواحد من غير ألف في الثلاثة، وقرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (وَعَدْنَاكُمْ) بالنون مفتوحة وبعدها ألف؛ من الوعد، وقرأ الباقون، وهم نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر: (وَاعَدْنَاكُمْ) بألف بين الواو والعين؛ من المواعدة (١)، وقرأ الكسائي: (فَيَحُل عَلَيْكُمْ) بضم الحاء، (وَمَنْ يَحْلُلْ) بضم اللام الأولى؛ أي: ينزل، وقرأ الباقون: بكسر الحاء واللام منهما (٢)، أي: يجب، والحرف الثالث مجمَع عليه، وهو الآتي قريبًا.
...
﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه: ٨٢].
[٨٢] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ من الشرك.
﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أدى الفرائض.
﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ لزم السنة.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٣٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٩٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٠ - ١٠١).
طه 20:83
﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣)﴾ [طه: ٨٣].
[٨٣] ولما سار موسى بسبعين رجلًا لمناجاة ربه وللإتيان بالتوراة، فلما قرب من الطور، أسرع المسير نحوه شوقًا إلى مناجاة ربه.
فقال تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ﴾ أي: أيُّ شيء أوجب سبقك وعجلتك.
﴿عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى﴾؟
...
﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾ [طه: ٨٤].
[٨٤] واقتضى السؤال عن السبب السؤال عن العذر، فقدم العذر اعترافًا منه بالنقص تأدبًا مع الله تعالى ﴿قَالَ هُمْ أُولَاءِ﴾ بالقرب مني يأتون.
﴿عَلَى أَثَرِي﴾ ما تقدمتهم إلا بخطا يسيرة لا يُعتد بها عادة، ثم ذكر موجب العجلة فقال:
﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ فإن المسارعة إلى امتثال أمرك توجب مرضاتك. قرأ رويس عن يعقوب: (إِثْرِي) بكسر الهمزة وإسكان الثاء، والباقون: بفتحها (١).
...
﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ [طه: ٨٥].
[٨٥] ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ﴾ أي: ابتلينا الذين خلفتهم مع
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٢).
طه 20:86
هارون، وكانوا ست مئة ألف، فافتتنوا بالعِجْل غير اثني عشر ألفًا من بعد انطلاقك إلى الجبل.
﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ بصياغته له؛ لأنه كان سبب ذلك، وكان منافقًا من طائفة من بني إسرائيل يقال لها: السامرة أظهروا الإسلام.
...
﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ [طه: ٨٦].
[٨٦] ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ شديد الغضب.
﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ أي: صدقًا، وهو أربعون ليلة.
﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ أي: مدة ذهابي عنكم.
﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ﴾ يجب.
﴿عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ عهدي.
...
﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧)﴾ [طه: ٨٧].
[٨٧] ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي: باختيارنا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم: (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم، وحمزة، والكسائي، وخلف: بضمها، والباقون: بكسرها، وكلها لغات بمعنى واحد (١)، وقيل: ضم
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٥)، و"النشر في =
طه 20:88
الميم معناه: لم يكن لنا ملك، فنخلف موعدك بقوته وسلطانه، وإنما أخلفناه بنظر أدى إليه ما فعل السامري، وفتح الميم من (مَلْك)، والمعنى: ما فعلنا ذلك بأنا ملكنا الصواب، ولا وُفِّقنا له، بل غلبتنا أنفسُنا، وكسر الميم قد أكثر استعماله فيما تحوزه اليد، ومعناها كالتي قبلها.
﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب: (حَمَلْنَا) بفتح الحاء والميم مخففة؛ أي: حملنا نحن. وقرأ الباقون: بضم الحاء وكسر الميم مشددة مجهولًا (١)؛ أي: حَمَّلَنا غيرُنا.
﴿أَوْزَارًا﴾ أثقالًا ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ من حلي قوم فرعون كانوا استعاروها بسبب عرس، فبقيت عندهم، وكانت معهم حين خرجوا من مصر.
﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحنا الحلي في حفيرة.
﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: إلقاءً مثلَ إلقائهم.
﴿أَلْقَى السَّامِرِيُّ﴾ ما معه من الحلي.
...
﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه: ٨٨].
[٨٨] ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ﴾ من تلك الحلي المذابة.
= القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٣ - ١٠٤).
(١) المصادر السابقة.
طه 20:89
﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾ جسدًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ صوت يُسمع.
﴿فَقَالُوا﴾ أي: السامري وأتباعه ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ أي: تركه موسى هاهنا، وذهب يطلبه، تلخيصه: غلبنا بسبب كيد السامري.
...
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه: ٨٩].
[٨٩] ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ أي: يعلمون.
﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يرد عليهم جوابًا.
﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ لأنه عاجز عن ذلك، فكيف يتخذ إلهًا؟! هذا غاية الجهل.
...
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠)﴾ [طه: ٩٠].
[٩٠] ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ قبل أن يرجع إليهم موسى:
﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي: بالعجل محنةً واختبارًا، فلا تعبدوه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا شريك له.
﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ على ديني في عبادة الله ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ الذي أمركم به.
...
﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾ [طه: ٩١].
[٩١] ﴿قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ أي: لا نزالُ نعبدُه.
﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فاعتزلهم هارون بمؤمنيه.
طه 20:92
﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢)﴾ [طه: ٩٢].
[٩٢] فلما رجع موسى، وسمع الصياح، وكانوا يرقصون حول العجل، قال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة، فلما بصر بهارون، أخذ شَعره بيمينه، ولحيته بشماله، و ﴿قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ بعبادة العجل.
...
﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٣].
[٩٣] ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ (لا) زائدة، المعنى: أي شيء صدَّكَ عن قتالهم وصدّهم واللحوق بي؟ أثبت نافع وأبو عمرو الياء في (تتَّبِعَنِي) وصلًا، وأثبتها في الحالين: أبو جعفر، وابن كثير، ويعقوب، وفتحها أبو جعفر وصلًا، وحذفها الباقون في الحالين (١).
﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ بالصلابة في الدين والمحاماة عليه؟
...
﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ [طه: ٩٤].
[٩٤] ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أي: بشعر رأسي، وكان قد أخذ ذؤابته. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٥).
طه 20:95
عاصم: (يَبْنَؤُمِّ) بكسر الميم على حذف الياء تخفيفًا، والباقون: بفتحها (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (بِرَأْسِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ﴾ إذا قاتلت أحدَ الفريقين بالآخر.
﴿فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ لم تحفظ وصيتي حين قلت لك: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: ارفق بهم.
...
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥)﴾ [طه: ٩٥].
[٩٥] ثم أقبل موسى على السامري ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ﴾ أي: ما طلبك.
﴿يَاسَامِرِيُّ﴾ وما الذي حملك على فعلك؟
...
﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾ [طه: ٩٦].
[٩٦] ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا﴾ أي: علمت ما لم يعلموا ﴿بِهِ﴾.
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (تَبْصُرُوا) بالتاء على الخطاب، والباقون: بالغيب على الخبر (٣).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٦).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٧)، =
طه 20:97
﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أخذت ملء كفي من تراب موطئ فرس جبريل عليه السلام.
﴿فَنَبَذتُهَا﴾ ألقيتها في فم العجل المصاغ. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب: (فَنَبَذْتُهَا) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١)، فإن قيل: كيف عرفَ جبريلَ ورآه من بين سائر الناس؟ قيل: لأن أمه لما ولدته في السنة التي يقتل فيه البنون، وضعته في كهف حذرًا عليه، فبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام ليربيه لما قضى على يديه من الفتنة.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما حدثتك ﴿سَوَّلَتْ﴾ زينت.
﴿لِي نَفْسِي﴾ وحسنته في.
...
﴿قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (٩٧)﴾ [طه: ٩٧].
[٩٧] ﴿قَالَ﴾ له موسى ﴿فَاذْهَبْ﴾ من بيننا طريدًا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ﴾ طول عمرك. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير،
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٧).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٨ - ٩ و ١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٨). وعاصم، ويعقوب، وخلف عن حمزة: (فَاذْهَبْ فَإِنَّ) بإظهار الباء عند الفاء، والباقون: بالإدغام (١).
﴿أَن تَقُولَ لَا مسَاسَ﴾ لا مخالطة مع أحد، فكان يهيم في البرية مع الوحوش والسباع، وإذا مس أحدًا، أو مسه أحد، حُمَّا جميعًا، فكان إذا رأى أحدًا قال: لا مساس؛ أي: لا تقربني، وفر منه، عاقبه الله بذلك، وروي أن ذلك موجود في أولاده إلى الآن.
﴿وَإِنَّ لَكَ﴾ يا سامري ﴿مَوْعِدًا﴾ أي: لعذابك يوم القيامة.
﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بكسر اللام؛ من أخلفتُ الموعدَ: غبت عنه؛ أي: لن تتخلف أنت عن الإتيان إلى الموعد، وهو الحشر، بل تصل إليه، وقرأ الباقون: بفتح اللام (٢)؛ أي: لن تخلف الموعد، بل تبعث إليه.
﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ﴾ بزعمك.
﴿الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ أي: دمت عليه مقيمًا.
﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قراءة الجمهور: بضم النون وفتح الحاء وكسر الراء مشددة؛ من الإحراق بالنار، وقرأ أبو جعفر: بضم النون وإسكان الحاء وكسر الراء خفيفة، ومعناه كالأول، وروي عنه وجه ثان: بفتح النون وإسكان الحاء وضم الراء خفيفة، وهي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله
(١) المصادر السابقة.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٠٩).
طه 20:98
عنه (١)؛ أي: لنبردنه، ومنه قيل للمبرد: المحرق.
﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ﴾ لنذرينه ﴿فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ لا يصادف منه شيء.
روي أن موسى أخذ العجل فذبحه، فسال منه دم؛ لأنه كان قد صار لحمًا ودمًا، ثم أحرقه بالنار، ثم ذراه في البحر، وروي أنه ذبحه، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في البحر (٢)، وتقدم ذكر القصة في سورة البقرة [الآية: ٥٢].
...
﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾ [طه: ٩٨].
[٩٨] ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا أحدَ يماثله أو يدانيه في كمال العلم والقدرة.
﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تمييز؛ أي: وسع علمه كل شيء.
...
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾ [طه: ٩٩].
[٩٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ مخاطبة للنبي - ﷺ -؛ أي: مثل ما ذكرناه لك من أخبار بني إسرائيل ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ﴾ أخبار.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٠).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٣٨)، "زاد المسير" لابن الجوزي (٤/ ٣٢١)، و"تفسير القرطبي" (٧/ ٢٩٢)، و"تفسير اللباب" لابن عادل (٢/ ٣٧٧).
طه 20:100
﴿مَا قَدْ سَبَقَ﴾ من أخبار الأمور الماضية والأمم؛ تبصرة لك، وزيادة في علمك.
﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن، وقيل: ذكرهًا جميلًا، وصيتًا عظيمًا بين الناس.
...
﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (١٠٠)﴾ [طه: ١٠٠].
[١٠٠] ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ﴾ عن القرآن، فلم يؤمن به.
﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ إثما ثقيلًا، ووحد الضمير في (فإنه) ردًّا إلى لفظ (مَنْ).
...
﴿خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ [طه: ١٠١].
[١٠١] ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ في عقاب الوزر، والجمع في (خالدين) نظرًا إلى المعنى، ونصبه حال من ضمير (يحمل).
﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ بئس ما حملوا على أنفسهم من الإثم كفرًا بالقرآن.
...
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ [طه: ١٠٢].
[١٠٢] ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ القرن. قرأ أبو عمرو: (ننفُخُ) بنون مفتوحة وضم الفاء إخبارًا عن الله تعالى؛ لقوله: (وَنَحْشُرُ)، وقرأ الباقون:
طه 20:103
بالياء وضمها وفتح الفاء مجهولًا (١) ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ المشركين.
﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ زرق العيون من العطش.
...
﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ [طه: ١٠٣].
[١٠٣] ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارون ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ويتكلمون خفية؛ لهول ذلك اليوم قائلين: ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا، وقيل: في القبور؛ استقصارًا لمدة لبثهم فيها.
﴿إِلَّا عَشْرًا﴾ ليالي. وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في الإدغام والإظهار من (لَبِثْتُمْ) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [طه: ٤٠].
...
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ [طه: ١٠٤]
[١٠٤] قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: يتسارون بينهم.
﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أعقلهم وأعدلهم وأوفرهم رأيًا:
﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ قصر ذلك في أعينهم في جنب ما استقبلهم من أهوال يوم القيامة.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٢).
طه 20:105
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾ [طه: ١٠٥].
[١٠٥] ولما سئل رسول الله - ﷺ -: ما يُصنع بالجبال يوم القيامة؟ أنزل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ (١) يقلعها من أصلها، ويجعلها كالرمل.
...
﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦)﴾ [طه: ١٠٦].
[١٠٦] ثم يرسل الرياح عليها ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يترك أماكنها.
﴿قَاعًا﴾ مستويًا من الأرض ﴿صَفْصَفًا﴾ أملس لا نبات فيه.
...
﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ [طه: ١٠٧].
[١٠٧] ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ارتفاعًا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨)﴾ [طه: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ المنادي للحشر، وهو إسرافيل -عليه السلام- حين ينادي: أيتها العظام البالية، والجلود المتمزقة، واللحوم المتفرقة! هلمي إلى عرض الرحمن، فيأتون سريعًا.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٣٩)، و"تفسير النسفي" (٣/ ٦٧).
طه 20:109
﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يعوج مدعو عن صوته، بل يتبعه من غير انحراف عننه.
﴿وَخَشَعَتِ﴾ هو خفيت وذلت ﴿الْأَصْوَاتُ﴾ أي: أربابها.
﴿لِلرَّحْمَنِ﴾ هيبة وإجلالًا.
﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ صوتًا خفيًّا؛ من هميس الإبل، وهو صوت أقدامها إذا مشت، المعنى: لا تسمع إلا مشي الأقدام بخفاء إلى المحشر خوفًا.
...
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ [طه: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ لأحد من الناس ﴿إِلَّا﴾ شفاعة.
﴿مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ أن يشفع فيشفع.
﴿وَرَضِيَ لَهُ﴾ للمشفوع فيه ﴿قَوْلًا﴾ بأن قال: لا إله إلا الله.
...
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
[١١٠] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: يعلم تعالى جميع أحوالهم؛ يعني: الذين يتبعون الداعي.
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ﴾ تعالى ﴿عِلْمًا﴾ لا يدركونه، ولا يعلمون ما هو صانع بهم، ونصب (علمًا) تمييز.
...
﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾ [طه: ١١١].
[١١١] ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت ﴿الْوُجُوهُ﴾ وجوه العصاة.
طه 20:112
﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ أي: خسر من أشرك بالله، والظلم: الشرك.
...
﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾ [طه: ١١٢].
[١١٢] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ﴾ قرأ ابن كثير: (فَلاَ يَخَفْ) مجزومًا على النهي جواب (١) لقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ) نهى المؤمن الصالح أن يخاف، وقرأ الباقون: (فَلاَ يَخَافُ) مرفوعًا استئنافًا (٢)؛ أي: فهو ليس يخاف.
﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ نقصًا من حسناته.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾ [طه: ١١٣].
[١١٣] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بيناه في هذه السورة.
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: هذا الكتاب.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ أي: بلسان العرب.
﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ﴾ كررنا في القرآن ﴿مِنَ الْوَعِيدِ﴾ وعيدًا.
(١) في "ت": "جوابًا".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٣).
طه 20:114
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الشرك ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ﴾ الوعيد.
﴿ذِكْرًا﴾ اعتبارًا وعظة بهلاك من تقدمهم.
...
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
[١١٤] ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ عما يقول المشركون.
﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أي: بقراءته.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ قراءته؛ أي: تثَبَّتْ حتى يفرغ جبريل من قراءته، ثم اقرأه؛ لأنه كان - ﷺ - يسابق جبريل خوفَ النسيان (١). قرأ يعقوب: (نَقْضِيَ) بالنون مفتوحة وكسر الضاد وفتح الياء نصبًا على تسمية الفاعل (وَحْيَهُ) بالنصب، وقرأ الباقون: (يُقْضَى) بالياء مضمومة وفتح الضاد، ورفع (وَحْيُهُ) (٢).
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ بالقرآن؛ أي: حفظًا وفهمًا.
...
﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥].
[١١٥] ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أوصيناه ألا يأكل من الشجرة.
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ١٤٢)، وأخرج نحوه ابنُ أبي حاتم عن السُّدي، كما في "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٣٥ - ٣٦).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٤).
طه 20:116
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا الزمان ﴿فَنَسِيَ﴾ العهد ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ صبرًا عما نُهي عنه.
وعطف قصة آدم على قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ للدلالة على أن أساس بني آدم على العصيان، وعرقهم راسخ في النسيان، قال ابن عباس: "إنما سمي الإنسان إنسانًا؛ لأنه عُهد إليه، فنسي" (١).
...
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (١١٦)﴾ [طه: ١١٦].
[١١٦] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أن يسجد.
قرأ أبو جعفر: (لِلْمَلاَئِكَةُ اسْجُدُوا) بضم التاء حالة الوصل إتباعًا، وروي عنه: إشمام كسرتها الضم، والوجهان صحيحان عنه (٢)، وتوجيه قراءته مستوفًى في سورة البقرة [الآية: ٣٤].
...
﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
[١١٧] ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ حواء.
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١٩)، والطبراني في "المعجم الصغير" (٩٢٥)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٥٤٥)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٧/ ٣٧٥).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٠ - ٢١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٥).
طه 20:118
﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ فتتعب في الدنيا بتحصيل ما يُحتاج إليه منها؛ كمأكل ومشرب وملبس، وخص آدم بالشقاء؛ لأن طلب المكاسب غالبًا يكون بالرجال.
...
﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨].
[١١٨] ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾.
...
﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ [طه: ١١٩].
[١١٩] ﴿وَأَنَّكَ﴾ قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: (وَإِنَّكَ) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون: بالفتح نسقًا على قوله: (أَلَّا تَجُوعَ) (١).
﴿لَا تَظْمَأُ﴾ تعطش ﴿فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ تبرز للشمس؛ لأنه ليس في الجنة شمس، وأهلها في ظل ممدود.
...
﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ [طه: ١٢٠].
[١٢٠] ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ فأنهى إليه وسوسة.
﴿قَالَ يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أي: من أكل منها لا يموت.
﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ لا يفنى.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٦).
طه 20:121
﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ [طه: ١٢١].
[١٢١] ﴿فَأَكَلَا﴾ يعني: آدم وحواء ﴿مِنْهَا﴾ وسارعت إلى ذلك حواء، فلما رآها آدم قد أكلت، أكل، فطارت عنهما ثيابهما.
﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ أي: عوراتهما.
﴿وَطَفِقَا﴾ جعلا ﴿يَخْصِفَانِ﴾ يلصقان.
﴿عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ ويضمان شيئًا إلى شيء يستتران بالورق، وهو ورق التين.
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ بأكل الشجرة ﴿فَغَوَى﴾ أي: ضلَّ عن المطلوب منه.
...
﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾ [طه: ١٢٢].
[١٢٢] ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اصطفاه وقربه بالحمل على التوبة؛ من جبيت الشيء: قربته إلي، وجمعته بي.
﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ قبِلَ توبته ﴿وَهَدَى﴾ هداه إلى المداومة على التوبة.
...
﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾ [طه: ١٢٣].
[١٢٣] ﴿قَالَ اهْبِطَا﴾ يا آدم وحواء ﴿مِنْهَا﴾ ثم أخبرهما أن إبليس والحية يهبطان معهما بقوله: ﴿جَمِيعًا بَعْضُكُمْ﴾ يا ذرية آدم وإبليس ﴿لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ إلى يوم القيامة، و (عدو) يوصف به الواحد والاثنان والجمع.
طه 20:124
﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ يا آدم وحواء، وجُمعا؛ لأنهما أصل البشر ﴿مِنِّي هُدًى﴾ دعاء شرعي، وقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ شرط، وجوابه في قوله:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ﴾ رسولي وكتابي. قرأ الدوري عن الكسائي: (هُدَايَ) بالإمالة (١).
﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ في الدنيا ﴿وَلَا يَشْقَى﴾ في الآخرة.
...
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ [طه: ١٢٤].
[١٢٤] ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ أي: القرآن، وكفر به.
﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ ضيقًا ونكدًا شاقًّا من العيش.
﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ البصر، وقيل: أعمى عن الحجة.
...
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ [طه: ١٢٥].
[١٢٥] ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ بحجتي، أو بالعين، روي أنه يحشر من قبره بصيرًا، فإذا سيق إلى الموقف، عمي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (حَشَرْتنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٨).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٩).
طه 20:126
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٦].
[١٢٦] ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ تركت العمل بها.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل تركك آياتنا ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ أي: تترك في النار كالمنسي.
...
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾ [طه: ١٢٧].
[١٢٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثل جزائنا المعرضَ عن آياتنا.
﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ أشرك.
﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ وهو حشره أعمى أبدًا.
﴿أَشَدُّ﴾ مما يعذب به في الدنيا والقبر.
﴿وَأَبْقَى﴾ أدومُ ضرًّا من ضيق العيش في الدنيا.
...
﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (١٢٨)﴾ [طه: ١٢٨].
[١٢٨] ثم ابتدأ يوبخهم ويذكرهم العبر بقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ أي: يبين الله لهم. قرأ زيد عن يعقوب: (نَهْدِ) بالنون، والباقون: بالياء (١)، والمراد: كفار مكة.
(١) ذكرها القرطبي في "تفسيره" (١١/ ٢٦٠) من قراءة ابن عباس والسَّلمي.
طه 20:129
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي: الأمم.
﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ديارهم ومنازلهم إذا سافروا، والخطاب لقريش، كانوا يسافرون إلى الشام، فيرون ديار المهلكين من أصحاب الحجر وثمود وقريات لوط.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ لذوي العقول.
...
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (١٢٩)﴾ [طه: ١٢٩].
[١٢٩] ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ﴾ أي: حكمة.
﴿سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب.
﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ أي: لازمًا لهم في الدنيا.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ مضروب، وهو يوم القيامة، معطوف على (كَلِمَةٌ) فيه تقديم وتأخير تقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى، لكان لزامًا.
...
﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾ [طه: ١٣٠].
[١٣٠] ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ فيك، وهذا منسوخ بآية القتال ﴿وَسَبِّحْ﴾ أي: صل ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: وأنت حامد؛ بأن وُفِّقت للتسبيح.
طه 20:131
﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وهي صلاة العصر.
﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ ساعاته جمع أَنِيّ؛ كنجِيِّ، وإنًا؛ كمِعًى ﴿فَسَبِّحْ﴾ والمراد: صلاة المغرب والعشاء ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ صلاة الظهر، سميت طرفًا؛ لأنها في آخر الطرف الأول من النهار، وأول الطرف الآخر منه، فهو في طرفين منه؛ أي: سبحه في جميع الأوقات.
﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ وقرأ الكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (تُرضَى) بضم التاء مجهولًا؛ أي: يرضاك ربك، وقرأ الباقون: بفتحها؛ أي: ترضى بما تُعطى من الثواب يا محمد (١).
...
﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١)﴾ [طه: ١٣١].
[١٣١] ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تنظر ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ أعطينا ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ أي: أصنافًا من الكفرة ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قراءة العامة: بجزم الهاء؛ أي: زينتها، وقرأ يعقوب: بفتح الهاء (٢)؛ أي: نور النبات.
﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنجعل فتنتهم فيما أعطيناهم.
﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ ثوابه في الميعاد.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٥)، "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢١).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٤٨). و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢٢).
طه 20:132
﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ مما رزقوا.
...
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ [طه: ١٣٢].
[١٣٢] ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ﴾ أي: أهل بيتك ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ مع ائتمارك بها ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ أنت وهم ﴿عَلَيْهَا﴾ على الإتيان بها؛ فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر.
﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ لا نكلفك رزق نفسك ولا غيرك.
﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ وإياهم.
﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلتَّقْوَى﴾.
روي أنه - ﷺ - كان إذا أصاب أهلَه ضرٌّ، أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية.
...
﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ [طه: ١٣٣].
[١٣٣] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين.
﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿يَأْتِينَا﴾ محمد.
﴿بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ كموسى وعيسى.
﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم، وابن جماز عن أبي جعفر: (تَأْتِهِمْ) بالتاء؛ لتأنيث البينة، وقرأ الباقون:
طه 20:134
بالياء على التذكير (١)؛ لتقدم الفعل، ولأن البينة هي البيان، فرد إلى المعنى.
﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ أي: ما في الكتب المتقدمة من أخبار الأمم التي أهلكت لما اقترحوا الآيات، فأتتهم، فلم يؤمنوا بها.
...
﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ [طه: ١٣٤].
[١٣٤] ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل محمد.
﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة.
﴿رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ يدعونا.
﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ﴾ بالقتل والسبي في الدنيا.
﴿وَنَخْزَى﴾ بالعقاب يوم القيامة.
...
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾ [طه: ١٣٥].
[١٣٥] ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ منتظر، نحن نتربص بكم العذاب، وأنتم تتربصون بنا الدوائر ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ فانتظروا.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢٣). ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ وإذا جاء أمر الله، وقامت القيامة.
﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ الطريق المستقيم ﴿وَمَنِ اهْتَدَى﴾ من الضلالة، أي: ستعلمون من هذا (١)، والله سبحانه أعلم.
...
(١) "من هذا" زيادة من "ت".
الأنبياء 21:1
سورة الأنبياء
مكية بإجماع، وآيها مئة واثنتا عشرة آية، وحروفها: أربعة آلاف وثماني مئة وتسعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئة وثمان وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ [الأنبياء: ١].
[١] ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ أي: وقت حسابهم؛ يعني: يوم القيامة،
نزلت تخويفًا لمنكري البعث، وهي عامة في جميع الناس، وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ عما يُفعل بهم ﴿مُعْرِضُونَ﴾ من التأهب لذلك المقام.
روي أن رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان يبني جدارًا، فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا أنزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل اليوم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ فنفض يده من البنيان وقال: والله لا بنيت أبدًا، وقد اقترب الحساب (١).
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١١/ ٢٦٦).
الأنبياء 21:2
﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ [الأنبياء: ٢].
[٢] ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ يعني: المشركين.
﴿مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يعني: القرآن ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: محدث التنزيل، لا نفس القرآن؛ أي: ما يأتيهم شيء من القرآن.
﴿إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ مستهزئين به؛ لفرط غفلتهم.
...
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾ [الأنبياء: ٣].
[٣] ﴿لَاهِيَةً﴾ غافلة ﴿قُلُوبُهُمْ﴾ عما يراد منها.
﴿وَأَسَرُّوا﴾ وأخفوا ﴿النَّجْوَى﴾ هي التناجي سرًّا؛ أي: كتموا ما تناجَوْا به.
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا، ثم بين الله تعالى سرهم الذي تناجوا به، وهو قول بعضهم لبعض: ﴿هَلْ هَذَا﴾ أي: محمد - ﷺ - ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ثم قال بعضهم لبعض على جهة التوبيخ في الجهالة: ﴿أَفَتَأْتُونَ﴾ أفتحضرون السحر؛ أي: ما يقول، شبهوه بالسحر، المعنى: أفتتبعون ﴿السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ تعلمون أنه سحر؟!
...
﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ [الأنبياء: ٤].
[٤] ﴿قَالَ﴾ أمر للنبي - ﷺ - أن يقول لهم وللناس أجمعين: {رَبِّي يَعْلَمُ
الأنبياء 21:5
الْقَوْلَ} أي: أقوالكم ﴿فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وهو بالمرصاد في المجازاة عليها. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (قَالَ رَبِّي) بألف بعد القاف؛ أي: أخبرهم النبي - ﷺ - أن ربه يعلم القول. وقرأ الباقون: بغير ألف على الأمر، وتقدم معناه، وهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار (١).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأفعالهم.
...
﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ [الأنبياء: ٥].
[٥] ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أخلاط أحلام رآها في النوم.
﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ اختلقه.
﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ أي: كذاب، وما جاءكم به شعر؛ يعني: أن المشركين اقتسموا القول فيه، ولما اقتضت الآية المتقدمة أنهم قالوا: إن ما عنده سحر، عدد الله في هذه الآية جميع ما قالته طوائفهم، ووقع الإضراب بكل مقالة عن المتقدمة؛ ليبين اضطراب أمرهم، فبعد اختلافهم في القرآن، رجعوا إلى مقترحهم من الآيات.
فقالوا: ﴿فَلْيَأْتِنَا﴾ محمد ﴿بِآيَةٍ﴾ كالناقة والعصا.
﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ بالآيات.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٨)، و "التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٢٩).
الأنبياء 21:6
﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [الأنبياء: ٦].
[٦] فنزل: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل مشركي قريش ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ أي: أهل قرية عند مجيء الآيات التي اقترحوها، فلذلك ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ وهذه الأمة موعودة ألَّا تستأصل إلى قيام الساعة، فلذلك لم تُعط مقترحَها.
﴿أَفَهُمُ﴾ أي: كفار قريش ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ عند مجيء الآيات؟! هم أعتى من ذلك.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ [الأنبياء: ٧].
[٧] ونزل جواب ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ وطلبهم (١).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ قرأحفص عن عاصم: (نُوحِي) بالنون وكسر الحاء على لفظ الجمع، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الحاء على ما لم يُسم فاعله (٢).
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ أهلَ العلم بالكتابين. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلُوا) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
...
(١) "وطلبهم" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٠).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٠).
الأنبياء 21:8
﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ [الأنبياء: ٨].
[٨] ثم أعلم تعالى أنه كمن تقدمه من الأنبياء بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ أي: الأنبياء ﴿جَسَدًا﴾ ولم يقل: أجسادًا؛ لأنه اسم جنس.
﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ هذا رد لقولهم ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧]؛ أي: لم نجعل الرسل ملائكة، بل جعلناهم بشرًا يأكلون الطعام ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ في الدنيا.
...
﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾ [الأنبياء: ٩].
[٩] ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ الذي وعدناهم بإهلاك أعدائهم.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ﴾ من المؤمنين بهم.
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ المفرطين في غَيهم وكفرهم.
...
﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
[١٠] ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ يا معشر قريش ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ شرفُكم وما تحتاجون إليه من مصالح دينكم ودنياكم ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتؤمنون.
...
﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)﴾ [الأنبياء: ١١].
[١١] ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ أهلكنا ﴿مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: كافرة؛
الأنبياء 21:12
يعني: أهلها، والقصم: الكسر بانفصال، ظاهر المعنى: أهلكنا كثيرًا من أهل القرى الظالمين.
﴿وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ أي: جئنا ببدلهم، فسكنوا مساكنهم.
...
﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ [الأنبياء: ١٢].
[١٢] ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا﴾ أي: المهلكون ﴿بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا﴾ أي: القرية.
﴿يَرْكُضُونَ﴾ مسرعين.
نزلت هذه الآية في أهل حصورا، وهي قرية باليمن كان أهلها من العرب، فبعث الله إليهم نبيًّا يدعوهم إلى الله (١)، فكذبوه وقتلوه، فسلط الله عليهم بُخت نصَّر حتى قتلهم وسباهم، فندموا وانهزموا (٢).
...
﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣)﴾ [الأنبياء: ١٣].
[١٣] فقالت لهم الملائكة: ﴿لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ﴾ نُعِّمْتُم ﴿فِيهِ﴾ من الدنيا ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ﴾ التي كانت لكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ شيئًا من دنياكم؛ استهزاءً بهم.
...
(١) "يدعوهم إلى الله" زيادة من "ت".
(٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٩).
الأنبياء 21:14
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤)﴾ [الأنبياء: ١٤].
[١٤] فأتبعهم بخت نصر وأصحابه (١)، وأخذتهم السيوف، ونادى مناد من جَوِّ السماء: يا ثارات الأنبياء! فلما رأوا ذلك ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ اعترفوا حين لا ينفع الاعتراف.
...
﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾ [الأنبياء: ١٥].
[١٥] ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ﴾ أي: قولهم: يا ويلنا ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ سميت لأنهم دعوا ويلهم ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا﴾ أي: محصودين بالموت والسيف ﴿خَامِدِينَ﴾ ساكنين.
...
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾ [الأنبياء: ١٦].
[١٦] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ أي: عبثًا، بل لمصالح الدارين.
...
﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٧].
[١٧] ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ هو الولد والمرأة ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ من الحور والولدان والملائكة؛ لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده لا عند غيره.
(١) "وأصحابه" ساقطة من "ت".
الأنبياء 21:18
﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ولكن لم نفعل؛ لاستحالته في حقنا.
...
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].
[١٨] ﴿بَلْ﴾ إضراب عن اتخاذ اللهو.
﴿نَقْذِفُ﴾ نرمي ﴿بِالحَقِّ﴾ الإيمان.
﴿عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الشرك ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ يكسره ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ هالك.
﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ اللهَ سبحانه به من الولد ونحوه.
...
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩)﴾ [الأنبياء: ١٩].
[١٩] ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ عبيدًا وملكًا ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ من الملائكة، نسبوا إليه تشريفًا، لا أنه تعالى في مكان.
﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ لا يتعظمون عنها ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يَعْيَون.
...
﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ٢٠].
[٢٠] ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ يضعُفون، وأصل الفتور: السكون بعد حدَّة.
***
الأنبياء 21:21
﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ [الأنبياء: ٢١].
[٢١] ﴿أَمِ﴾ معناها: بل ﴿اتَّخَذُوا﴾ والهمزة لإنكار اتخاذهم ﴿آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ لأن كل الأصنام منها.
﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ يحيون الموتى؛ زيادة توبيخ، أي: ليست آلهتهم كذلك، فهي غير آلهة لأن من صفة الإله القدرة على الإحياء والإماتة.
...
﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ [الأنبياء: ٢٢].
[٢٢] ثم بين تعالى أمر التمانع بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض.
﴿آلِهَةٌ إِلَّا﴾ أي: غيرُ ﴿اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وذلك بأنه كان يبغي بعضهم على بعض، ويهلك من فيهما؛ لوجود التمانع؛ لأن كل أمر بين اثنين أو أكثر لا يجري على نظام واحد، ثم نزه تعالى نفسه عما وصفه به أهل الجهالة والكفر فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.
...
﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (٢٣)﴾ [الأنبياء: ٢٣].
[٢٣] ثم وصف تعالى نفسه بأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ سؤال إنكار؛ إذ له أن يفعل في ملكه ما يشاء؛ لأنه يضع الأشياء في محلها.
﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ لأنهم عبيد حقيقة، وفي أفعالهم خلل كثير.
***
الأنبياء 21:24
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٤)﴾ [الأنبياء: ٢٤].
[٢٤] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام إنكار، وفي تكرار هذا التقرير مبالغة في الإنكار، وزيادة على الأول، وهي قوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فكأنه قررهم هنا على قصد الكفر بالله تعالى، ثم دعاهم إلى الحجة والإتيان بالبرهان بقوله (١): ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: حجتكم على ذلك ﴿هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿ذِكْرُ﴾ عظة ﴿مَنْ مَعِيَ﴾ على ديني. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢) ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ يعني: الكتب المنزلة، ومعناه: راجعوا القرآن والتوراة والإنجيل وسائر الكتب، هل تجدون فيها أن الله اتخذ ولدًا؟ فلما لم يرجعوا عن كفرهم، أضرب عنهم فقال:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: جميع الكفار.
﴿لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ﴾ القرآنَ والتوحيد؛ لجهلهم.
﴿فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن النظر فيما يجب عليهم.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
(١) "بقوله" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٢).
الأنبياء 21:25
[٢٥] ولما أخبر تعالى أنهم لا يعلمون الحق لإعراضهم، أتبعَ ذلك بإعلامه أنه ما أرسل قط رسولًا إلا أوحى إليه: أن الله تعالى فرد صمد.
فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وَحِّدونِ. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (نُوحِي) بالنون وكسر الحاء على التعظيم؛ لقوله: (أَرْسَلْنَا)، وقرأ الباقون: بالياء وفتح الحاء على ما لم يسم فاعله (١)، وقرأ يعقوب: (فَاعْبُدُوني) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢).
...
﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ [الأنبياء: ٢٦].
[٢٦] ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عن ذلك ﴿بَلْ﴾ أي: بل هم.
﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ مشرفون؛ يعني: الملائكة، وهذا تكذيب وردّ لقول خزاعة: الملائكة بنات الله، والعبودية تنافي الولادة.
...
﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾ [الأنبياء: ٢٧].
[٢٧] ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي: يتبعون أمره، ولا يتقدمون قولَه بقولهم.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٢).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٢).
الأنبياء 21:28
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ لا يأتون إلا مراده.
...
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨)﴾ [الأنبياء: ٢٨].
[٢٨] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما عملوا، وما هم عاملون.
﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وهو من قال: لا إله إلا الله.
﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ هيبته ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
...
﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩].
[٢٩] ثم تهدد المشركين بتهديد من يدعي الربوبية فقال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: من جميع الخلائق ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
وعن ابن عباس قال: "إن الله فضل محمدًا - ﷺ - على أهل السماء، وعلى الأنبياء -صلوات الله عليهم-، قالوا: فما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، وقال لمحمد: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١]، قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٣).
الأنبياء 21:30
الآية [إبراهيم: ٤]، وقال لمحمد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] (١).
﴿فَذَلِكَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
[٣٠] ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن كثير: (أَلَمْ) بغير واو كما هي في المصحف المكي، وقرأ الباقون: بواو قبل اللام كما هي في مصاحفهم (٢)، المعنى: ألم يعلم الكافرون.
﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ أي: جنساهما.
﴿رَتْقًا﴾ شيئًا واحدًا، والرتق: هو الضم والالتحام.
﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فصلنا بينهما بالهواء، فجعلت السماء سبعًا، والأرض سبعًا، وعلم الكفار ذلك ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ النازل من السماء.
﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: أحييناه به؛ لأنه سبب حياته، والنبات داخل فيه.
﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ مع ظهور الآيات؟!
...
(١) رواه الدارمي في "سننه" (٤٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٦١٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٣٣٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٥١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٣).
الأنبياء 21:31
﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ [الأنبياء: ٣١].
[٣١] ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابتَ ﴿أَنْ﴾ أي: لئلَّا.
﴿تَمِيدَ بِهِمْ﴾ أي: تتحرك ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ في الرواسي ﴿فِجَاجًا﴾ طرقًا واسعة ﴿سُبُلًا﴾ تفسير الفجاج ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ إلى مصالحهم.
...
﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء: ٣٢].
[٣٢] ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ أي: أن تقع على الأرض إلا بإذنه.
﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا﴾ التي فيها من الشمس والقمر والنيرات.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون فيؤمنون.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣].
[٣٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ تنوينه بدل من محذوف، أي: كل واحد من المذكور ﴿فِي فَلَكٍ﴾ والفلك: مدار النجوم الذي يضمها، والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك.
﴿يَسْبَحُونَ﴾ يجرون بسرعة كالسابح، وذكر ضمير (يسبحون)، وجمع جمع العقلاء؛ لوصفهم بالسباحة، وهي فعل من يعقل.
***
الأنبياء 21:34
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ [الأنبياء: ٣٤].
[٣٤] ونزل نفيًا للشماتة بالموت لما قال المشركون: إن محمدًا سيموت:
﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ (١) البقاء.
﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ وحذفت الهمزة من (أَفَهُم)؛ لدلالة الأولى عليها. قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتَّ) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢).
...
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾ [الأنبياء: ٣٥].
[٣٥] ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ تزهق بملابسة أيسر جزء من الموت، وهذا تهويل لشأنه.
﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ نختبركم ﴿بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ﴾ بالشدة والرخاء، وكل ما يصح أن يكون ابتلاء.
﴿فِتْنَةً﴾ امتحانًا وكشفًا؛ ليظهر كيف شكركم فيما تحبون، وكيف صبركم فيما تكرهون.
﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم. قراءة الجمهور: (تُرْجَعُونَ) بالخطاب
(١) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" (٧/ ٤٢٧).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٤).
الأنبياء 21:36
بضم التاء وفتح الجيم، ويعقوب: بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الثعلبي عن ابن ذكوان: بالغيب بفتح الياء وكسر الجيم (١).
...
﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ [الأنبياء: ٣٦].
[٣٦] ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ورش، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وخلف، وابن ذكوان بخلاف عنه: (رَآكَ) و (رَآهُ) و (رَآهَا) بإمالة الهمزة والراء، وأمال الدوري عن أبي عمرو الهمزة بخلاف عنه، وأمال السوسي الراء (٢).
﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ سخريًّا، نزلت في أبي جهل، مر به النبي - ﷺ -، فضحك وقال: هذا نبي بني عبد مناف (٣) ﴿أَهَذَا﴾ أي: يقول بعضهم لبعض: أهذا ﴿الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي: يعيب أصنامكم.
﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ أي: بما يذكر به من الوحدانية.
﴿هُمْ كَافِرُونَ﴾ جاحدون، وذلك أنهم كانوا يقولون: لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة الكذاب، و (هُمْ) الثانية صلة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٤).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٥).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٩٨).
الأنبياء 21:37
﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ [الأنبياء: ٣٧].
[٣٧] ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: مستعجلًا، هذا توطئة للرد عليهم في استعجالهم العذاب، وطلبهم آية مقترحة، وهي مقرونة بعذاب مجهر، ووصف تعالى الإنسان الذي هو اسم الجنس بأنه خُلق من عجل، وقيل: المراد بالإنسان: آدم عليه السلام، لأنه لما دخلت الروح رأسه، أبصر ثمار الجنة، فقام نحوها عَجِلًا قبل أن تبلغ الروح رجليه ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ نقماتي، قيل لهم ذلك على جهة الوعيد أن الآيات ستأتي.
﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ فلا تطلبوا العذاب من قبل وقته، فأراهم يوم بدر.
وقرأ يعقوب: (تستَعْجِلُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [الأنبياء: ٣٨].
[٣٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ وقت العذاب.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يعنون: النبي - ﷺ - وأصحابه.
...
﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾ [الأنبياء: ٣٩].
[٣٩] ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ السياط ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من العذاب، وجواب
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٥).
الأنبياء 21:40
﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ محذوف، معناه: لو علموا، لما أقاموا على كفرهم، ولما استعجلوا، ولا قالوا: متى هذا الوعد؟
...
﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ [الأنبياء: ٤٠].
[٤٠] ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ﴾ الساعة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة.
﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ فتحيرهم.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون.
...
﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾ [الأنبياء: ٤١].
[٤١] ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف: (وَلَقَدُ اسْتُهْزِئَ) بضم الدال في الوصل، وأبو جعفر: على أصله في فتح الياء من غير همز (١).
﴿بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كما استهزئ بك، فصبروا.
﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ فنزل بالمستهزئين العذاب جزاء استهزائهم.
...
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٦).
الأنبياء 21:42
﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢)﴾ [الأنبياء: ٤٢].
[٤٢] فاصبر أنت، و ﴿قُلْ﴾ للمستهزئين: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يحفظكم.
﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ من عذابه.
﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ﴾ عن القرآن ومواعظه.
﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يُخطرونه ببالهم.
...
﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ [الأنبياء: ٤٣].
[٤٣] ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ المعنى: أيظنون أن آلهتهم تمنعهم من دوننا؟ ثم وصف الآلهة بالضعف فقال:
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ من عذابنا.
﴿يُصْحَبُونَ﴾ يُجارون.
...
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ [الأنبياء: ٤٤].
[٤٤] ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ في الكلام تقدير بعد محذوف؛ كأنه قال: ليس ثَمَّ شيء من هذا كله، بل ضل هؤلاء؛ لأنا متعناهم ومتعنا آباءهم، فنسوا عقاب الله، وظنوا أن حالهم لا يبيد، ثم وقفهم تعالى على مواضع العبر في الأمم في قوله:
الأنبياء 21:45
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ رؤية العين يتبعها رؤية القلب ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أَطرَافِهَا للمشركين بالفتح على محمد - ﷺ -، ونزيد في أطرافها للمؤمنين نصرًا عليهم.
﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أم نحن؟
﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (٤٥)﴾ [الأنبياء: ٤٥].
[٤٥] ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ﴾ أُخَوفكم ﴿بِالْوَحْيِ﴾ بالقرآن.
﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ﴾ قرأ ابن عامر: (تُسمِعُ) بالتاء وضمها وكسر الميم من أَسمعَ، خطابًا للنبي - ﷺ -، ونصب (الصُّمَّ الدُّعَاءَ) مفعولين، وقرأ الباقون: بالياء مفتوحة غيبًا، وفتح الميم ورفع (الصُّمُّ) فاعلًا، ونصب (الدُّعَاءَ) مفعولًا (١)؛ من سمع، إخبار عن الكفار.
﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ أي: هم صم عن الدعاء إلى الإيمان وقت الإنذار. واختلاف القراء في الهمزتين من (الدُّعَاءَ إِذَا) كاختلافهم فيهما من (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) في سورة الكهف [الآية: ١٠٢].
﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٤٦)﴾ [الأنبياء: ٤٦].
[٤٦] ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ﴾ شيء قليل في الدنيا ﴿مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٥)، و "تفسير البغوي" (٣/ ١٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٧).
الأنبياء 21:47
الذين خُوِّفوا به في الأخرى، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ عند نزولها بهم:
﴿يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بشركنا؛ أي: لدعوا على أنفسهم بالويل، واعترفوا عليها بالظلم.
...
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
[٤٧] ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ أي: ذوات القسط، والقسط: العدل.
﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي: لأجله ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ من الظلم.
وفي الأخبار: أن الميزان له لسان وكفتان، توزن به الأعمال (١)، ليتيين للناس المحسوس المعروف عندهم، والخفة والثقل متعلقة بأجسام يقرنها الله تعالى يومئذ بالأعمال، فإما أن تكون صحف الأعمال، أو مثالات تخلق، أو ما شاء الله تعالى.
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ صفة لحبة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مِثْقَالُ) برفع اللام على أن (كان) تامة؛ أي: وإن وقع زنة حبة، وقرأ الباقون: بنصب اللام (٢)، على معنى: وإن كان الشيء أو العمل
(١) سلف عند تفسير الآية (٨) من سورة الأعراف، ورواه البيهقي في "شعب الإيمان" عن ابن عباس، كما في "الدر المنثور" (٤/ ١٩٥)، وأخرج نحوه اللالكائي في "شرح أصول اعتقاد أهل السُّنة والجماعة" (١٧٩٣) عن سلمان، وانظر "فتح الباري" لابن حجر (٢١/ ١٦٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٦٢)، و"النشر في =
الأنبياء 21:48
مثقال حبة؛ أي: زنة مثقال حبة من خردل ﴿أَتَيْنَا﴾ جئنا.
﴿بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ حافظين، تَوَعَّدَهم.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ [الأنبياء: ٤٨].
[٤٨] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ التوراة ﴿وَضِيَاءً﴾ التوراة أيضًا؛ أي: آتيناهم الفرقان مضيئًا. قرأ قنبل عن ابن كثير: (وَضِئَاءً) بهمزتين قبل الألف وبعدها، وقرأ الباقون: بهمزة واحدة بعد الألف (١) ﴿وَذِكْرًا﴾ عظة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
...
﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾ [الأنبياء: ٤٩].
[٤٩] ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ يخافونه في الخلاء كخوفه بين الناس.
﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ وأهوالها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.
...
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء: ٥٠].
[٥٠] ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآن ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ لمن تذكَّر به وتبرَّك
= القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٨).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٣٩).
الأنبياء 21:51
﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ على محمد ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ جاحدون؟ وهذا استفهام توبيخ وتعيير.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١].
[٥١] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ نبوته ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل موسى وهارون؛ أي: كما هديناهما وآتيناهما النبوة، هدينا إبراهيم واصطفيناه من قبل ذلك، وقيل معنى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: هديناه صغيرًا.
﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أخبر تعالى أنه آتاه ذلك وهو عالم أنه لذلك أهل.
...
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢)﴾ [الأنبياء: ٥٢].
[٥٢] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ تهاونًا بهم.
﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ الأصنام المصورة.
﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا﴾ أي: عليها ﴿عَاكِفُونَ﴾ والعكوف: الملازمة للشيء، والعامل في (إِذْ) قولُه (آتينا).
...
﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾ [الأنبياء: ٥٣].
[٥٣] فلما عجزوا عن الإتيان بالدليل على ذلك ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ فقلدناهم.
***
الأنبياء 21:54
﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ [الأنبياء: ٥٤].
[٥٤] فثم ﴿قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ الذين قلدتموهم.
﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ خطأ ظاهر.
...
﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥)﴾ [الأنبياء: ٥٥].
[٥٥] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ أي: أجادٌّ أنت فيما تقول أم تلعب؟
...
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾ [الأنبياء: ٥٦].
[٥٦] فثم أضرب عنهم مخبرًا أنه جِدٌّ، ومثبتًا الربوبية وحدوث الأصنام.
﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾ عبارة عن الأصنام كأنها تعقل، وهذا من حيث لها طاعة وانقياد، وقد وصفت في مواضع بما يوصف به (١) من يعقل؛ أي: فكيف يُعبد المخلوق ويُجحد الخالق؟!
﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ﴾ المذكور من التوحيد ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ بصحته.
...
﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٧].
[٥٧] ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ﴾ لأكسرن ﴿أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا﴾ عنها
(١) "به" زيادة من "ت".
الأنبياء 21:58
﴿مُدْبِرِينَ﴾ إلى عيدكم، وكان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فكانوا إذا رجعوا من عيدهم، دخلوا على الأصنام، فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان ذلك العيد، قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم! لو خرجت معنا إلى عيدنا، لأعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم، فلما كان في بعض الطريق، ألقى نفسه وقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] يقول: أشتكي رجلي، فلما مضوا، نادى في آخرهم، وقد بقي ضَعِيفُو الناس: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ فسمعوها منه.
...
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء: ٥٨].
[٥٨] ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، وكانوا قد وضعوا طعامهم لدى أصنامهم زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا، أكلوه، فلما لم يبق عندهم أحد، أخذ الفأس ودخل عليهم، والطعام لديهم، وقال استهزاء بهم: ﴿أَلَا تَأكُلُونَ﴾ [الصافات: ٩١]، فلم يجيبوه، فأكبَّ عليهم به (١).
﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ فتاتًا. قرأ الكسائي: بكسر الجيم، والباقون: بضمها، وهما لغتان معناهما واحد (٢)، وقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ ونحوه معاملة للأصنام بحال من يعقل؛ من حيث كانت تُعبد وتُنزل منزلة من يعقل.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ٣٨). وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٣)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٢٩٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٠).
الأنبياء 21:59
﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أي: كسر جميع الأصنام إلا كبيرها؛ فإنه تركه ولم يكسره، وعلق الفأس في عنقه.
﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ﴾ إلى الأصنام (١)؛ أي: الصنم الأعظم.
﴿يَرْجِعُونَ﴾ فيسألونه عن كاسرها، وهذا تبكيت لهم، وإثبات للحجة عليهم.
...
﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ [الأنبياء: ٥٩].
[٥٩] فلما رجع القوم من عيدهم إلى بيت آلهتهم، ورأوا ذلك ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي: من المجرمين.
...
﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ [الأنبياء: ٦٠].
[٦٠] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الذين سمعوا قول إبراهيم: ﴿وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ يعيبهم.
﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ هو الذي نظن أنه صنع هذا.
...
﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ [الأنبياء: ٦١].
[٦١] فبلغ ذلك نمرود الجبار وأصحابه ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي: ظاهرًا بمرأى من الناس.
(١) "إلى الأصنام" ساقطة من "ت".
الأنبياء 21:62
﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أنه قال لآلهتنا ما قال، وأنه كسرها؛ لئلا نأخذه بلا بينة.
...
﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢)﴾ [الأنبياء: ٦٢].
[٦٢] فلما جيء به ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون عن نافع، ورويس عن يعقوب: (أَأَنْتَ) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والألف، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون: يفصلون بين الهمزتين بإلف، وورش: يبدلها ألفًا خالصة، وروي عنه التسهيل بين بين، وقرأ الباقون وهم الكوفيون، وابن ذكوان، وروح: بتحقيق الهمزتين من غير فصل بينهما كل القرآن، واختلف عن هشام في الفصل بألف مع تحقيق الهمزتين، واختلف عنه أيضًا في تسهيل الثانية بين بين وتحقيقها (١).
...
﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٣].
[٦٣] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ غضب من أن تعبدوا معه هذه الصغار، وهو أكبر منها، فكسرهن، وأراد إبراهيم بذلك إقامة الحجة عليهم، فذلك قوله:
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ١٤١ - ١٤٢). ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ عن حالهم. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلُوهُمْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
﴿إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ أي: إن قدروا على النطق، قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق، وفي ضميره: أنا فعلت ذلك.
عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله - ﷺ - قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: اثنتين منهن في ذات الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾، وقوله لسارة: هذه أختي" (٢).
وملخص قصة سارة: أنه لما نجى الله خليله - ﷺ - من النمرود الجبار، استجاب له رجال من قومه على خوف من نمرودَ وملئِه، ثم إن إبراهيم وأصحابه أجمعوا على فراق قومهم، فخرج إبراهيم هو وأهله ومن معه، فنزل الرها، ثم سار إلى مصر، وصاحبها فرعون، فَذُكِرَ لفرعون جمال سارة زوج الخليل عليه السلام، وهي ابنة عمه هاران، فسأل إبراهيمَ عنها، فقال: هذه أختي؛ يعني: في الإسلام؛ خوفًا أن يقتله، فقال له: زينها وأرسلها إلي، فأقبلت سارة إلى الجبار، وقام إبراهيم يصلي، فلما دخلت إليه ورآها، أهوى إليها يتناولها بيده، فأيبس الله يده ورجله، فلما تخلى عنها، أطلقه الله، وتكرر ذلك منه، فأطلقها، ووهبها هاجر (٣).
(١) المصدران السابقان.
(٢) رواه البخاري (٣١٧٩)، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، ومسلم (٢٣٧١)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل -عليه السلام-.
(٣) انظر: و"تفسير ابن كثير" (٥/ ٣٥٠)، وأصل القصة في "الصحيح" كما سلف. =
الأنبياء 21:64
وفي بعض الأخبار: أن الله تعالى رفع الحجاب بين إبراهيم وسارة حتى ينظر إليها من وقت خروجها من عنده إلى وقت انصرافها؛ كرامة لهما صلوات الله عليهما، وتطييبًا لقلب إبراهيم عليه السلام.
ثم سار إبراهيم من مصر إلى الشام، وأقام بين الرملة وإيليا، فهو أول من هاجر من وطنه في ذات الله، والحديث الوارد أنه لم يكذب إلا ثلاث كذبات ليس هذا من باب الكذب الحقيقي الذي يُذم فاعله، وإنما أطلق الكذب على هذا تجوزًا، ويجوز أن يكون الله عز وجل أذن له في ذلك لقصد الصلاح، وتوبيخهم، والاحتجاج عليهم؛ كما أذن ليوسف عليه السلام حتى أمر مناديه فقال لإخوته: ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]، ولم يكونوا سرقوا (١).
...
﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾ [الأنبياء: ٦٤].
[٦٤] ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: فتفكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم.
﴿فَقَالُوا﴾ ما نراه إلا كما قال ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بعبادتكم من لا يتكلم.
...
= وانظر: "صحيح مسلم" (٢٣٧١)، باب: من فضائل إبراهيم الخليل.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٥).
الأنبياء 21:65
﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ [الأنبياء: ٦٥].
[٦٥] ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ رُدُّوا إلى الكفر بعد اعترافهم بالظلم، ومنه: نكس المريض: عاد إلى المرض بعد العافية، وأصله قلبُ أعلى الشيء أسفله، وقالوا:
﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي: لقد علمت عجزهم عن المنطق، فكيف نسألهم؟!
...
﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦)﴾ [الأنبياء: ٦٦].
[٦٦] فلما اتجهت الحجة لإبراهيم عليه السلام ﴿قَالَ﴾ لهم:
﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾ إن عبدتموه.
﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ إن تركتم عبادته؟!
...
﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ [الأنبياء: ٦٧].
[٦٧] ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ أي: نتنًا وقذرًا لكم ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أليس لكم عقل تعرفون هذا الذي يعرفه كل عاقل فتؤمنون؟! قرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: (أُفَّ) بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم: بكسر الفاء مع التنوين، وقرأ الباقون: بكسر الفاء من غير تنوين (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٢٩ - ٤٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" =
الأنبياء 21:68
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء: ٦٨]}.
[٦٨] فلما لزمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب، أضربوا عن محاجته، ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ﴾ بالنار؛ لأنها أوجح وأبشع.
﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ على الذي أهانها ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ النصر لها.
...
﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
[٦٩] فلما جمع نمرود قومه لإحراق إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، حبسوه في بيت بكوثا شهرًا، وبنوا بنيانًا كالحظيرة، قيل: طوله في السماء ثلاثون ذراعًا، وعرضه عشرون ذراعًا، وملؤوه من الحطب، وأوقدوا في نواحيه النيران، فصارت نارًا واحدة شديدة، حتى إن الطير لتحترق إذا مرت بها.
وروي أنهم لم يعلموا كيف يلقونه فيها، فجاء إبليس وعلمهم عمل المنجنيق، فعملوه، وعمدوا إلى إبراهيم عليه السلام، فغلُّوه ووضعوه في كفة المنجنيق، فثم قال إبراهيم: "لا إله إلا أنت سبحانك، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك، فاستغاثت الملائكة قائلة: يا رب! هذا خليلك قد نزل به من عدوك ما أنتَ أعلمُ به، فقال تعالى: إن خليلي ليس في خليل سواه، وأنا إلهه، وليس له إله غيري، فإن استغاث بكم، فانصروه، وإلا، فخلُّوا بيني وبينه، فأتاه خازن المياه فقال له: إن أردت أخمدت النار، وأتاه خازن الرياح فقال له: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم:
= لابن الجزري (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٢). لا حاجة لي إليكم، حسبي الله ونعم الوكيل، وتعرض له جبريل وهو يقذف به في لجة الهواء إلى النار، وقال له: هل لك من حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، وأما إلى الله، فبلى، قال جبريل: فاسأل ربك، فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فلم يستنصر بغير الله، ولا جنحت همته لما سوى الله، بل استسلم لحكم الله مكتفيًا بتدبير الله -عز وجل- عن تدبير نفسه، وكان يومئذ ابن ست عشرة سنة، ولما وقع في النار، لم يحترق سوى وثاقه"، فذلك قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) أي: ابردي ليسلم، فذهبت حرارتها وإحراقها، وبقيت إضاءتها وإشراقها.
قال ابن عباس: "لو لم يقل: بردًا وسلامًا، [لمات إبراهيم من بردها، ولو لم يقل: على إبراهيم، لبقيت بردًا وسلامًا] (٢) أبدًا" (٣).
وروي أنه لم يبق في ذلك الوقت نار بمشارق الأرض ومغاربها إلا خمدت، ظانة أنها المعنية بالخطاب، قال كعب الأحبار: "جعل كل شيء يطفئ عنه النار إلا الوزغ؛ فإنه كان ينفخ في النار" فلذلك أمر النبي - ﷺ - بقتلها، وسماها فويسقًا (٤).
وعن علي رضي الله عنه: "أن البغال كانت تتناسل، وكانت أسرع الدواب في نقل الحطب لنار إبراهيم، فدعا عليها، فقطع الله نسلها، ولما
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٦ - ١٦٧)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٣٠٣)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ١٧٥)، و"روح المعاني" للآلوسي (١٢/ ٤٢٥).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٧).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٧)، و"تفسير القرطبي" (١١/ ٣٠٤).
الأنبياء 21:70
سقط في النار، تلقته الملائكة، فأجلسوه على الأرض، فإذا بعين ماء عذب وروضة وورد ونرجس، فأقام بها سبعة أيام، وجاءه ملك بقميص من حرير الجنة، وطنفسة، فألبسه القميص، وأجلسه على الطنفسة، وجعل يحدثه ويقول له: إن ربك يقول لك: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي" (١).
وروي أنه قال: "ما كنت قط أنعمَ مني من الأيام التي كنتُ فيها في النارِ" (٢).
...
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٧٠].
[٧٠] فلما رأوه، وقد أكرمه الله بما كرمه، آمن بالله جمع كبير في سر؛ خوفًا من نمرود، وخرج إبراهيم من مكانه يمشي، وفارقه جبريل عليه السلام، فأقبل نحو منزله، فأرسل إليه نمرود وسأله عن كسوته ورفيقه، فقال: "إنه ملك أرسله إلي ربي، وقص عليه القصة"، فقال نمرود: إن إلهك الذي تعبده لإله عظيم، وإني مقرب قربانًا إليه؛ لما رأيت من عزته وعظمته وقدرته فيما صنع بك حين أبيت إلا عبادته (٣)، فقرب أربعة آلاف بقرة، ثم احترم إبراهيم بعد ذلك، وكف عنه، وقد عذب الله النمرود بإرسال البعوض عليه وعلى جيشه، فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا، ودخلت واحدة منها في منخر الملك نمرود، فلبثت في منخره، عذبه الله بها، فكان يضرب رأسه بالمرازب حتى أهلكه الله عز وجل،
(١) انظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر (٦/ ١٨٥).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٧/ ٤٤) عن المنهال بن عمرو.
(٣) "إلا عبادته" زيادة من "ت".
الأنبياء 21:71
وسلط الله على مدينة كوثا الزلازل حتى خربت.
﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ (١) إحراقًا.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ في نفقاتهم على كيده.
...
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١].
[٧١] ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا﴾ ولد هارون أخي إبراهيم من نمرود وقومه من أرض العراق.
﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ هي أرض الشام، بارك الله فيها بالخصب وكثرة الأنهار والأشجار، ولأن أكثر الأنبياء يبعثون منها.
روي أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة، وبينهما يوم وليلة.
...
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾ [الأنبياء: ٧٢].
[٧٢] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ ولده لصلبه بدعائه حيث قال: ﴿هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ولد الولد ﴿نَافِلَةً﴾ زيادة من غير سؤال.
﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
...
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٣].
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٦٨).
الأنبياء 21:73
[٧٣] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ يقتدى بهم في الخير (١) ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يدعون الناس إلى ديننا. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (أَئِمَّةً) بهمزتين محققتين على الأصل، والباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية بين بين، وروي عنهم وجه: أنها تجعل ياء خالصة مكسورة تخفيفًا لاستثقالهم تحقيق همزتين في كلمة واحدة، وأبو جعفر يدخل بينهما ألفًا مع تسهيل الثانية، وهشام راوي ابن عامر روى عنه المد مع تحقيق الهمزة الثانية (٢).
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ وهي جميع الأعمال الصالحة.
﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ المحافظة عليها، وحذفت الهاء من (إقامة)؛ لإضافتها إلى الصلاة.
﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ إعطاءها ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ موحِّدين.
...
﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ [الأنبياء: ٧٤].
[٧٤] ﴿وَلُوطًا﴾ سمي بذلك؛ لأن حبه لِيطَ بقلب إبراهيم؛ أي: تعلق ولصق، وكان عمه إبراهيم يحبه حبًّا شديدًا، وهو ممن آمن به وهاجر معه إلى مصر وعاد إلى الشام.
﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا﴾ حكمة وفصلًا بين الخصوم ﴿وَعِلْمًا﴾ بما ينبغي علمه
(١) "يقتدى بهم في الخير" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٢ - ١٤٣).
الأنبياء 21:75
للأنبياء عليهم السلام ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ﴾ سدوم.
﴿الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ﴾ أي: يعمل أهلها.
﴿الْخَبَائِثَ﴾ إتيان الرجال، وقطع السبل، والمكس، وغير ذلك من المعاصي.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾ بعملهم الخبائث.
...
﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ [الأنبياء: ٧٥].
[٧٥] ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ أي: في أهل رحمتنا.
﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الذين سبقت لهم منا الحسنى.
...
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ [الأنبياء: ٧٦].
[٧٦] ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى﴾ دعا على قومه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إبراهيم ولوط ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الغرق، وتكذيب قومه.
...
﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧].
[٧٧] ﴿وَنَصَرْنَاهُ﴾ منعناه ﴿مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أن يصلوا إليه بسوء.
الأنبياء 21:78
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لاجتماع الأمرين: تكذيب الحق، والانهماك في الشر؛ لأنهما لم يجتمعا في قوم إلا أهلكهم الله.
...
﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨)﴾ [الأنبياء: ٧٨].
[٧٨] ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ أي: اذكرهما ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ كان زرعًا أو كرمًا ﴿إِذ نَفَشَتْ فِيهِ﴾ دخلت فيه ﴿غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ فأكلته، والنفش: انتشار الغنم ليلًا بلا راع، وأصله الانتشار.
﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: عالمين، لا يخفى علينا علمه، جمع اثنين فقال: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ وهو يريد داود وسليمان؛ لأن الاثنين جمع، وهو مثل قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وهو يريد: أخوين، وقيل: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ أي: لحكم الحاكمينِ والمتحاكمين، وأقل الجمع ثلاثة حقيقة بالاتفاق.
...
﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ [الأنبياء: ٧٩].
[٧٩] ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أي: الحكومة ﴿سُلَيْمَانَ﴾ وعلمناه القضية.
فيه دليل على أن الصواب كان مع سليمان؛ لأن الغنم رعت الزرع بلا راع ليلًا، فتحاكما إلى داود، فحكم لصاحب الزرع بالغنم، فقال سليمان: غير هذا أرفق بهما، وكان سنه إحدى عشرة سنة، فعزم عليه داود بالأبوة والنبوة ليحكمن بينهما، فدفع الغنم إلى صاحب الزرع ينتفع بدرها ونسلها وصوفها، وإلى صاحب الغنم الحرث يصلحه، فإذا عاد كحاله حين هلك، ترادا، فقال له: القضاء ما قضيت، هذا كان في شريعتهم.
وأما في شريعتنا، فما أفسدته البهائم من الزرع والشجر وغيرهما نهارًا بلا راع، فلا ضمان على ربها عند مالك والشافعي وأحمد، وما أفسدته ليلًا، ففيه الضمان عندهم إن فرط، وإلا، فلا؛ لأن في عرف الناس أن أصحاب الزرع يحفظونه بالنهار، والمواشي تسرح بالنهار، وترد بالليل إلى المراح.
وعند أبي حنيفة: لا ضمان في ذلك في ليل ولأنهار، إلا أن يكون معها سائق أو قائد، إلا أن ترسل عمدًا.
واختلفوا فيما أتلفت من الأنفس والأموال سوى الزروع والثمار، فقال مالك: لا ضمان على ربها في ليل ولا نهار، وقال الشافعي: يضمن ما أتلفت من نفس ومال إذا كان معها ليلًا أو نهارًا، فإن بالت أو راثت بطريق، فتلف به نفس أو مال، فلا ضمان عليه، وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا كانت يزيد راكب أو سائق أو قائد، فيضمن ما جنت يدها أو فمها، أو وطؤها برجلها، وقيد أحمد بما [إذا كان قادرًا على التصرف فيها، ولا يضمن عندهما ما نفحت برجلها، وقيد أحمد] (١) بما إذا لم يكبحها؛ أي: يجد بها زيادة على المعتاد، أو يضربها على وجهها، ولا يضمن عندهما ما جنت بذنبها، والله أعلم.
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". وكان حكم داود وسليمان -عليهما السلام- بوحي عند بعض، ومنع الأنبياء من الاجتهاد؛ لاكتفائهم بالوحي، فكان حكم سليمان ناسخًا لحكم داود باجتهاد عند بعض؛ ليدركوا فضيلة المجتهدين، وجوز الخطأ عليهم؛ لأن المجتهد لا يقدر على إصابة الحق في كل حادثة، وأما العلماء، فلهم الاجتهاد في الحوادث إذا لم يجدوا فيها نص كتاب أو سنة، وإذا أخطأوا، فلا إثم عليهم.
وتقدم ذكر مذاهب الأئمة في جواز اجتهاد النبي - ﷺ - في أمر الدنيا، وحكم المجتهدين بعده في سورة التوبة عند ذكر قصة حنين، ومما يوضح أن داود وسليمان كانا على الصواب قوله: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني: داود وسليمان.
﴿آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ الفهم في القضاء والنبوة.
قال الحسن: لولا هذه الآية، لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله تعالى حمد هذا بصوابه، وأثنى على هذا باجتهاده (١).
﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ يقدسن الله تعالى معهُ.
﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على الجبال.
﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قادرين على المذكور من التسبيح والتفهيم، وكان داود يفهم تسبيح الحجر والشجر، وكانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير.
...
_________
(١) انظر: "الأم" للإمام الشافعي (٧/ ٩٣)، و"السنن الكبرى" للبيهقي (١٠/ ١١٨).
الأنبياء 21:80
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾ دروع ﴿لَكُمْ﴾ واللبوس في اللغة: اسم لكل ما يُلبس في الأسلحة، والمراد: الدروع؛ لأنها كانت من صفائح، فهو أول من سردها وحلقها؛ لتجتمع التحفة والحصانة.
﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي: يحرزكم من الحرب. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بالتاء على التأنيث، يعني: الصنعة، ورواه أبو بكر، ورويس عن يعقوب: بالنون إلى الله تعالى لقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير؛ أي: داود (١).
﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ نعمتنا عليكم؟ خطاب لداود وأهل بيته، وقيل: لأهل مكة، فهل أنتم شاكرون نعمتي بطاعة الرسول؟
...
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ [الأنبياء: ٨١].
[٨١] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ﴾ أي: وسخرنا لسليمان ﴿الرِّيحَ﴾ وهي هواء متحرك، وهو جسم لطيف يمتنع بلطفه من القبض عليه، ويظهر للحس بحركته، وتذكر وتؤنث. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحَ) بألف بعد الياء على
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٣)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٤).
الأنبياء 21:82
الجمع، والباقون: بغير ألف على التوحيد (١) ﴿عَاصِفَةً﴾ قوية.
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ هي الشام، فكانت تسير به وبجنده على البساط، وكان عرضه فرسخًا في فرسخ، منسوج بإبريسم، عملته له الجن -حيث شاء، ثم يعود من يومه إلى منزله، وكان يقيل بمكان بينه وبينه شهر، ويمسي بآخر بينه وبينه شهر، وكان يغدو من إيلياء فيقيل بإصطخر، ثم يروح منها فيكون رواحها بكابل، وكان مقامه بتدمر، بناها له الشياطين بالصّفّاح والعَمَد وألوان الرخام.
﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ علمناه.
﴿عَالِمِينَ﴾ بصحة التدبير فيه، فنفعل مقتضى الحكمة.
...
﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ [الأنبياء: ٨٢].
[٨٢] ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ﴾ أي: وسخرنا منهم ﴿مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ في البحر لاستخراج الدُّرِ ونحوه ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: سواه من الأعمال.
﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ لئلا يعصوه، ولئلا يفسدوا عملهم، لأنهم كانوا إذا فرغوا من عمل قبل الليل، أفسدوه إن لم يشتغلوا بغيره.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٥).
الأنبياء 21:83
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ [الأنبياء: ٨٣].
[٨٣] ﴿وَأَيُّوبَ﴾ أي: واذكره ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ لما ابتلي بفقد جميع ماله وولده، وتمزيق جسده، وكان برًّا تقيًّا رحيمًا بالمساكين، مؤديًا لحق الله، شاكرًا لأنعم الله، وتقدم ذكر نسبه في سورة النساء، وكان صاحب أموال عظيمة، وكانت له الثنية جميعها من أعمال دمشق ملكها، فابتلاه الله تعالى بأن أذهب أمواله حتى صار فقيرًا، ثم ابتلاه في جسده حتى تجذم ودوَّد، وبقي رميًّا على مزبلة لا يطيق أحدٌ أن يشم رائحته (١)، ورفضه كل الناس غير زوجته رحمة بنت أفراييم بن يوسف بن يعقوب عليهم السلام؛ فإنها استمرت صابرة تخدمه حتى باعت ظفيرتها بشيء أكله، فتزايا لها إبليس، وقال لها: اسجدي لي لأرد مالكم، فاستأذنت أيوب، فغضب وحلف ليضربنها مئة، ثم عافاه الله تعالى بعد ثلاث سنين، أو سبع، ورزقه، ورد على امرأته شبابها وحسنها، وولدت له ستة وعشرين ذكرًا،
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٥٠٥) عن الحسن، وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ١٧٦ - ١٧٩) في خبر طويل، وانظر "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٨٥). ومعلوم أن الله تبارك وتعالى حمى أنبياءه -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام- من كل ما ينفِّر، وعصمهم من مثل ما روي عن سيدنا أيوب -عليه السلام-. قال العلامة جمال الدين القاسمي في "محاسن التأويل" عند تفسيره لهذه الآية: إن أسانيدها مختلفة واهية، لا يقام لها وزن. وقال صاحب "أضواء البيان" (٤/ ٢٣٩): كل ذلك من الإسرائيليات، وغاية ما دلَّ عليه القرآن أن الله سبحانه ابتلى أيوب، وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كلَّ ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم.
الأنبياء 21:84
ولما عوفي، أمره الله أن يأخذ عرجونًا من النخل فيه مئة شمراخ، فيضرب به زوجته رحمة؛ ليبر في يمينه، ففعل، وكان أيوب نبيًّا في عهد يعقوب، وعاش ثلاثًا وتسعين سنة ﴿أَنِّي﴾ أي: بأني ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ أي: الضرر والشدة. قرأ حمزة: (مَسَّنِي الضُّرُّ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١) ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ وشكواه لم تخرجه عن الصبر، ولذلك وصف بالصبر بقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ [ص: ٤٤]؛ لأنها إلى الخالق بأوجز عبارة، وألطف إشارة إلى أنه تعالى أهل أن يَرحم، وأيوب أهل أن يُرحم، وفي الحديث: "إذا أحب الله عبدًا ابتلاه؛ ليسمع تضرعه" (٢).
...
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء: ٨٤].
[٨٤] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ نداءه ﴿فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ﴾ أولاده، روي أن الله تعالى أحياهم ﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ آتاه الله مثلهم.
﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ لأيوب ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ عظة للمطيعين؛ ليصبروا كصبره، فيثابوا كثوابه، وتأتي تتمة قصته في سورة (ص) إن شاء الله تعالى.
سئل رسول الله - ﷺ -: أي الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٦).
(٢) رواه هنّاد بن السّري في "الزهد" (١/ ٢٣٩)، وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١٢٢)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٧٨٨)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٩٧٠)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
الأنبياء 21:85
فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة" (١).
...
﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥)﴾ [الأنبياء: ٨٥].
[٨٥] ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ يعني: ابن إبراهيم.
﴿وَإِدْرِيسَ﴾ تقدم ذكره في سورة مريم.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ هو بشر بن أيوب، بعثه الله بعد أبيه، وسماه ذا الكفل، وكان مقامه بالشام، وقبره في قرية كفل حارس من أعمال نابلس، وسمي بذلك؛ لأنه تكفل بصيام جميع نهاره، وقيام جميع ليله، وأن يقضي بين الناس ولا يغضب، فوفى، فشكر الله له، ونبأه، فسمي ذا الكفل.
﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على أمر الله.
...
﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٦)﴾ [الأنبياء: ٨٦].
[٨٦] ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ يعني: النبوة.
﴿إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الكاملين في الصلاح، فإن الأنبياء صلاحهم معصوم عن كدر الفساد.
...
(١) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٠٢٣)، كتاب: الفتن، باب: الصبر على البلاء، والنسائي في "السنن الكبرى" (٧٤٨١)، والإمام أحمد في المسند (١/ ١٧٢)، وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
الأنبياء 21:87
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾ [الأنبياء: ٨٧].
[٨٧] ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: اذكر صاحب الحوت، وهو يونس بن متى عليه السلام، سمي به لابتلاع النون إياه، وهو الحوت.
﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ غضب على قومه لكفرهم، لا مغاضبًا لربه؛ إذ مغاضبة الله معاداة له، ومعاداة الله كفر لا تليق بالمؤمنين، فكيف بالأنبياء؟!
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ﴾ أي: نُضَيِّق ﴿عَلَيْهِ﴾ قراءة العامة: بالنون مفتوحة وكسر الدال، وقرأ يعقوب: بالياء مضمومة وفتح الدال مخففة على المجهول (١).
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ بطن الحوت والبحر والليل ﴿أَنْ﴾ أي: بأن ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ بمغاضبتي، روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: وإما من مكروب يدعو بهذا الدعاء إلا استجيب له" (٢).
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٨٨ - ١٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٦).
(٢) رواه التر مذي (٣٥٠٥)، كتاب: الدعوات، باب: (٨٢)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٤٩٢)، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ١٧٠)، وغيرهم عن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-.
الأنبياء 21:88
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ [الأنبياء: ٨٨].
[٨٨] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أجبناه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ من تلك الظلمات.
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ من كل كرب إذا استغاثوا بنا. قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُجِّي) بنون واحدة وتشديد الجيم وتسكين الياء، على معنى: (نُنَجِّي)، ثم حذفت إحدى النونين تَخفيفًا، كما جاء عن ابن كثير وغيره قراءة ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ في الفرقان [الآية: ٢٥]، قال الإمام أبو الفضل الرازي في كتابه "اللوامح": ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ على حذف النون الذي هو فاء الفعل من (نُنَزِّل). قراءة أهل مكة ووجه النضب في المؤمنين: أن المصدر قام مقام الفاعل، فبقي الـ (المؤمنين) مفعولًا به صريحًا، تقديره: نجي النجاء المؤمنين، ونظيره ﴿ليَجْزِىَ قَوْمَا﴾ على قراءة أبي جعفر في الجاثية [الآية: ١٤]؛ أي: ليجزي الجزاء قومًا، وقرأ الباقون: بنونين، الثانية ساكنة مع تخفيف الجيم مستقبل أنجينا، وقد اعترض الزمخشري وغيره على قراءة ابن عامر وأبي بكر، وزعموا أنها لحن، فرد الكواشي اعتراضهم، وبين وجه الصحة فيها، وأشبع الكلام في ذلك (١).
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٠)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١١٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٨٩ - ١٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٧). وتقدم ذكر يونس عليه السلام، ووفاته، ومحل قبره في سورة النساء [الآية: ١٦٣]، وتقدم طرف من ذكر قصته في سورة يونس [الآية: ٩٨]، ولنذكر في هذا المحل باقيها باختصار، فنقول وبالله التوفيق: يونس بن متى عليه السلام، قيل: إنه من بني إسرائيل، وإنه من سبط بنيامين، وتزوج بنت رجل من الأولياء اسمه زكريا كان مقيمًا بالرملة، فأقام يونس عنده، ثم بعد وفاة زكريا، توجه إلى بيت المقدس يعبد الله تعالى، وكانت بعثته في أيام يوثم بن عَزِّيا هو أحدِ ملوك بني إسرائيل، وبعثه الله إلى أهل نينوى قبالة الموصل، بينهما دجلة، وكانوا يعبدون الأصنام، فنهاهم وواعدهم العذاب في يوم معلوم إن لم يتوبوا، وضمن ذلك عن ربه -عز وجل-، وخرج يونس من بين أظهرهم، فلما أظلهم العذاب، آمنوا، فكشفه الله عنهم كما تقدم في سورة يونس، وجاء يونس لذلك اليوم، فلم ير العذاب حل بهم، ولا علم بإيمانهم، فذهب مغاضبًا، ودخل في سفينة من سفن دجلة، فوقفت السفينة ولم تتحرك، فقال رئيسها: فيكم من له ذنب، فتساهموا على من يلقونه في البحر، فوقعت المساهمة على يونس، فرموه، فالتقمه الحوت، وسار به إلى الأيكة، وكان من شأنه ما أخبر الله تعالى به.
وملخص قصته: أن الحوت التقمه، فكان يونس يسجد على قلب الحوت، والحوت يقول: يا يونس! أسمعني تسبيح المغمومين، وهو يقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، فتقول الملائكة: "إلهنا! إنا نسمع تسبيح مكروب، كان لك شاكرًا، اللهم فارحمه في كربته وغربته"، واختلف في مدة لبثه، فمنهم من قال: أربعين يومًا، وقيل: ثلاثة أيام، فلما انقضت مدة قدرها الله تعالى له، أمر الحوت أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه، فشق ذلك على الحوت؛ لاستئناسه بذكر الله
الأنبياء 21:89
تعالى، فقيل له: اقذفه، فقذفه في الساحل، فذلك قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥)﴾ [الصافات: ١٤٥]، وخرج يونس مثل الفرخ المنتوف (١)، وقد ذهب بصره، وهو لا يقدر على القيام، فأنبت الله شجرة من يقطين لها أربعة آلاف غصن، فكانت فِراشه وغطاءه، وأمر الله الظبية فجاءته وأرضعته حتى قوي، وهبط جبريل -عليه السلام-، فسلم عليه، وأمرَّ يده على رأسه وجسده، فأنبت الله لحيته، ورد عليه بصره، وأوحى الله إليه بإيمان قومه حين رأوا العذاب، ثم هبط إليه ملك، ودفع إليه حلتين، وقال: سر إلى قومك؛ فإنهم يتمنونك، فاتزر بواحدة، وارتدى بأخرى، وسار يونس -عليه السلام-، فاجتمع بزوجته وولديه قبل وصوله إلى قومه، ثم وصل الخبر إلى قومه، فوثب الملك عن سريره، وخرجوا كلهم إلى يونس -عليه السلام-، وسلموا عليه، وفرحوا به، وحملوه إلى المدينة، وأقام فيهم يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر إلى أن توفاه الله تعالى، وفي قصته خلاف بين المفسرين والمؤرخين، والله أعلم.
...
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩)﴾ [الأنبياء: ٨٩].
[٨٩] ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى﴾ دعا.
﴿رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ بلا ولد يرثني.
(١) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٧/ ٤٥٩)، وابن أبي الدنيا في "الفرج بعد الشدة" (٣٨)، و"العقوبات" (١٧١) عن عبد الله بن مسعود، ولم يرفعه، بلفظ: "كهيئة الفرخ الممعوط الذي ليس عليه ريش" ولم أقف على باقيه، وانظر: "فتح الباري" لابن حجر: (١٠/ ٢١٢).
الأنبياء 21:90
﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ خير من يبقى بعد من يموت. واختلاف القراء في الهمزتين من (زَكَرِيَّا إِذْ) كاختلافهم فيهما في أول سورة مريم.
...
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ ولدًا.
﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ بتحسين خَلْقها وخُلقها، وجعلِها ولودًا بعد العقم ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: مَنْ ذُكر من الأنبياء.
﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون في عمل الطاعات.
﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ طمعًا وخوفًا.
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ متواضعين ذللًا. قرأ الدوري عن الكسائي: ﴿يُسَارِعُونَ﴾ بالإمالة، وأمال أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (مُوسَى) و (عِيسَى) و (يَحْيَى) حيث وقع (١).
...
﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾.
[٩١] ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ منعته مما لا يحل، وهي مريم بنت عمران.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١١ - ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٤٨).
الأنبياء 21:92
﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ أمرنا جبريلَ حتى نفخ في جيب درعها، فأجرينا فيها روح عيسى -عليه السلام- المخلوقة.
﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ دلالة على كمال قدرتنا حمل امرأة بلا مساسة ذكر، وكون ولد من غير أب، ووحد الآية، ولم يقل: آيتين؛ لأن معنى الكلام: وجعلنا شأنهما آية؛ لأن الآية فيهما واحدة.
...
﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾.
[٩٢] ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الأمة: الملة، و (هذه) إشارة إلى الإسلام، فأبطل ما سواه من الأديان، و (أمتكم) رفع خبر (إن)، و (أمة واحدة) نصب حال.
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ قرأ يعقوب: (فَاعْبُدُونِي) بإثبات الياء (١).
...
﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ثم التفت من الخطاب إلى الغيبة فقال: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفوا في الدين، فصاروا فرقًا.
﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ فنجازيه.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٤).
الأنبياء 21:94
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ لا يجحد عمله ﴿وَإِنَّا لَهُ﴾ للسعي ﴿كَاتِبُونَ﴾ في صحيفة عمله، فنثيبه عليه.
...
﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾.
[٩٥] ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على أهل قرية حكمنا بإهلاكهم أن تقبل أعمالهم؛ لأنهم لا يرجعون عن كفرهم، وقيل: المعنى: حرام عليهم الرجوع إلى الدنيا بعد الهلاك. قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (وَحِرْمٌ) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتح الحاء والراء وألف بعدها، ومعناهما واحد؛ لأنهما لغتان مثل حِلّ وحلال (١).
...
﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: فتح سدهما. قرأ ابن عامر، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (فُتِّحَتْ) بالتشديد على التكثير،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٠).
الأنبياء 21:97
والباقون: بالتخفيف (١)، وتقدم تفسير يأجوج ومأجوج، واختلاف القراء فيهما في سورة الكهف (٢).
﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ هو المكان المرتفع ﴿يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون.
...
﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ هو يوم القيامة ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ مرتفعة الأجفان ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فلا تكاد تطرف؛ لهول ما ترى، يقولون:
﴿يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ اليوم.
﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بوضعنا العبادة في غير موضعها.
...
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾.
[٩٨] ونزل خطابًا لعابدي الأصنام وإبليس وأتباعه:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥١).
(٢) عند تفسير الآية (٩٤) منها.
الأنبياء 21:99
﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ ما يُرمى به فيها للوقود.
﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ فيها داخلون.
...
﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾.
[٩٩] ثم وبخهم، وأخبرهم أن آلهتهم يدخلون النار بقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾؛ أي: الأصنام ﴿آلِهَةً﴾ على الحقيقة ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ لأن المؤاخذ المعذب لا يكون إلهًا.
﴿وَكُلٌّ﴾ من العابد والمعبود منهم ﴿فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا خلاص لهم منها. قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: ﴿هَؤُلاَءِ آلِهَةً﴾ بتحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل ياء (١).
...
﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾ أنين وتنفس شديد.
﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ شيئًا؛ لشدة غليان النار، ولما بهم من الألم، ومنعوا السمع؛ لأن فيه (٢) أنسًا.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٣).
(٢) في "ت": "فيها".
الأنبياء 21:101
﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾.
[١٠١] ولما سمع عبد الله بن الزبعرى السهمي ذلك، قال للنبي - ﷺ -: أليس اليهود عبدوا عزيرًا، والنصارى المسيح، وبنو مليح الملائكة؟ فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا﴾ (١) المنزلة ﴿الْحُسْنَى﴾ السعادة، يعني: عزيرًا والمسيح والملائكة.
﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ وأنزل في ابن الزبعرى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ [الزخرف: ٥٨].
...
﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ صوتها الخفي إذا دخلوا الجنة.
﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ﴾ من النعيم ﴿خَالِدُونَ﴾ مقيمون.
...
﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ﴾ قرأ أبو جعفر: بضم الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي (٢) ﴿الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ النفخة الآخرة
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٤ - ١٧٥).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٣).
الأنبياء 21:104
﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تستقبلهم عند باب الجنة مهنئين يقولون لهم:
﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ فيه الجنة والثواب.
...
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ وطيُّها: تكوير نجومها، ومحو رسومها. قرأ أبو جعفر: (تُطْوَى) بالتاء وضمها على التأنيث وفتح الواو ورفع (السَّمَاءُ) على ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: بالنون مفتوحة على التعظيم وكسر الواو ونصب (السَّمَاءَ) (١).
﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (لِلْكُتُبِ) بضم الكاف والتاء من غير ألف على الجمع، وقرأ الباقون: بكسر الكاف وفتح التاء مع الألف على الإفراد (٢)، و (السِّجِل) الصحيفة (للكتب)؛ أي: لأجل ما كتب، معناه: كطي الصحيفة على مكتوبها، والسجل: اسم مشتق من المساجلة، وهي المكاتبة، والطيُّ: هو الدرج الذي ضد النشر، ثم أومأ إلى تبديل السماء فقال:
﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ نرده مثل أول خلقه، وأول خلقه إيجاد
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٩٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٥).
الأنبياء 21:105
عن عدم، والخلق هنا يعم جميع الخلائق، المعنى: كما أوجدناه عن عدم، فكذلك نعيده عند البعث عن عدم.
﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ مصدر مؤكد؛ لأن نعيده عِدة بالإعادة.
﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ذلك.
...
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ وفي جميع الكتب المنزلة. قرأ حمزة، وخلف: (الزُّبُورِ) بضم الزاي، والباقون: بفتحها (١).
﴿مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ أي: اللوح المحفوظ؛ لأنها كلها أخذت منه ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة، أو الأرض المقدسة.
﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ هو محمد - ﷺ - وأمته، يفتحون أرض الكفار، ويدخلون الجنة. قرأ حمزة: (عِبَادِي الصَّالِحُونَ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾ [الأنبياء: ١٠٦].
[١٠٦] ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٥).
الأنبياء 21:107
﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ عاملين، وهم أمة محمد - ﷺ -.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
[١٠٧] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ جميعًا، فهو رحمة للمؤمن في الدارين، وللكافر في الدنيا بتأخير عذاب الاستئصال والمسخ ونحوه.
...
﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ [الأنبياء: ١٠٨].
[١٠٨] ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ منزه عما لا يليق بصفات الوحدانية ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ استفهام بمعنى الأمر؛ أي: آمنوا بالمذكور.
...
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (١٠٩)﴾ [الأنبياء: ١٠٩].
[١٠٩] ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ أعلمتكم.
﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ فاستوينا في العلم بما أعلمتكم به ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ وما أعلم.
﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ أي: لا أعلم متى يحل بكم العذاب، وهو (١) أهولُ وأخوفُ.
...
(١) في "ت": "وهذا".
الأنبياء 21:110
﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾ [الأنبياء: ١١٠].
[١١٠] ﴿إِنَّهُ﴾ الضمير عائد إلى الله عز وجل ﴿يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾ وفي هذه الآية تهديد؛ أي: يعلم جميع الأشياء الواقعة منكم، وهو بالمرصاد في الجزاء عليها.
...
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (١١١)﴾ [الأنبياء: ١١١].
[١١١] ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ أي: تأخير العذاب عنكم.
﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار؛ ليرى كيف صنيعكم، وهو أعلم.
﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تمتعون إلى انقضاء آجالكم.
...
﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ [الأنبياء: ١١٢].
[١١٢] ﴿قَالَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (قَالَ) بالألف إخبار عن النبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: (قُلْ) بغير ألف على الأمر (١)؛ أي: أمره الله تعالى أن يقول على جهة الدعاء: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ وقرأ أبو جعفر: (رَبُّ) بضم الباء، وقال ابن الجزري: ووجهه أنه لغة معروفة جائزة في نحو يا غلامي تنبيهًا على الضم، وأنت تنوي الإضافة، وليس ضمه على أنه منادى مفرد؛ كما ذكره أبو الفضل الرازي؛ لأن هذا ليس من نداء النكرة المقبل عليها،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٦). وقرأ الباقون: بكسر الياء اكتفى بها عن الياء (١)، ومعنى ﴿احْكُمْ﴾: افصل بيني وبين مكذبي بالعذاب، فالحق بمعنى العذاب هنا، فعذبوا يوم بدر، وقرأ زيد عن يعقوب: (رَبِّي) بالياء (أَحْكَمُ) بقطع الألف وفتح الكاف ورفع الميم على وزن أفعل على الابتداء والخبر من الإحكام (٢).
﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من الكذب والباطل. قرأ الدوري عن ابن ذكوان: (يَصِفُونَ) بالغيب، وقرأ الباقون: بالخطاب (٣)، والله أعلم.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٦).
(٢) انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ٩٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٧)، وهذه القراءة ليست متواترة عن يعقوب.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٥٧).
الحج 22:1
سورة الحج
قال الجمهور: هي مختلطة، منها مكي، ومنها مدني، قال ابن عطية: وهذا هو الأصح (١)، والله أعلم؛ لأن الآيات تقتضي ذلك، وآيها: ثمان وسبعون آية، وحروفها: خمسة آلاف ومئة وخمسة وسبعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئتان وإحدى وتسعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [الحج: ١].
[١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ أطيعوه، وهذا تحذير لجميع العالم.
﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ حركتها الشديدة ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ لا يوصف لعظمته، والزلزلة: التحريك العنيف، وزلزلة الساعة: هي كالمعهود في الدنيا، إلا أنها في غاية الشدة، واختلف فيها، فقال الجمهور: هي في الدنيا على القوم الذين تقوم عليهم القيامة، وقيل: هي في القيامة على
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ١٠٥).
الحج 22:2
جميع العالم. قرأ أبو عمرو ﴿السَّاعَةِ شَيْءٌ﴾؛ بإدغام التاء في الشين (١).
...
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ٢].
[٢] ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني: الزلزلة ﴿تَذْهَلُ﴾ تشغل ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ من الولد، فتترك إرضاعه في حال إلقامه ثديها؛ لشدة الأمر.
﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ﴾ أي: حبلى ﴿حَمْلَهَا﴾ ولدها قبل تمامه، والحمل -بالفتح-: ما تحمله الإناث، و -بالكسر-: ما يحمل على الظهر والرأس، والتلاوة بالأول، وهذا دليل لمن قال: إن الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأن بعد البعث لا يكون حبل، ومن قال: هي في القيامة، جعل ذلك تهويلًا لشأنها، يعني: لو فُرض ثَمَّ حامل، لوضعت.
﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ تشبيه لهم من الخوف. قرأ أبو عمرو: (النَّاس سُّكَارَى) بإدغام السين في السين (٢) ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ السُّكر الحقيقي الذي هو من الخمر. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَكْرَى) بفتح السين وإسكان الكاف من غير ألف فيها. وقرأ الباقون: بضم السين وفتح الكاف وألف بعدها، وهما لغتان لجمع السكران؛ مثل: كَسْلَى وكُسالى (٣)، وقرأ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦١).
(٢) المصدران السابقان.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٠٠)، =
الحج 22:3
أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: بالإمالة فيهما، واختلف عن ورش وابن ذكوان في الإمالة والفتح (١).
﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فأرهقهم هوله بحيث طير عقولهم، وأذهب تمييزهم.
...
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ [الحج: ٣].
[٣] وكان النضر بن الحارث كثير الجدال في الله تعالى بالباطل، يقول: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وينكر البعث وإحياء من صار ترابًا، فنزل فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ﴾ (٢) في جداله ﴿كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ عاتٍ مستمر في الشر.
...
﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ [الحج: ٤].
[٤] ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ قُضي على الشيطان ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ تبعه.
﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ لأن من شأنه الإضلال ﴿وَيَهْدِيهِ﴾ يدعوه.
= و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٢).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٦٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٢ - ١٦٣).
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٨).
الحج 22:5
﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ بما يزين له من الباطل، والهاء في (عليه)، وفي (فأنه) للشيطان، وفي (يضله) لمتوليه، وفي معنى قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: من أعان ظالمًا، سُلِّط عليه.
...
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ [الحج: ٥].
[٥] ثم ألزم الحجة على منكري البعث فقال:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ شك ﴿مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: إن ارتبتم في البعث، فاستدلوا على صحته ببدء خلقكم.
﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني: أصلكم آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ مَنِيّ، خلقتم أنتم منها ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ دم جامد ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ لحمة صغيرة قدر ما تمضغ، وذلك أن النطفة تصير دمًا غليظًا، ثم تصير لحمًا.
﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ مصورة تامة الخلق.
﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ النطفة قبل أن تصور، وهي ما تمجه الأرحام، وما يعني السقط ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ قدرتنا على البعث.
﴿وَنُقِرُّ﴾ نثبتُ ﴿فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ثبوتَه. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقت الولادة. قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، ورويس: (نَشَاءُ إِلَى) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا خالصة مكسورة، وهو قول جمهور القراء المتقدمين، وذهب بعضهم إلى أنها تجعل بين الهمزة والياء، وهو مذهب أئمة النحو والمتأخرين من القراء، وهو الأوجه في القياس، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح: بتحقيق الهمزتين (١).
واتفق الأئمة على أن الأَمَة تكون أمَّ ولد بما أسقطته من ولد [تام الخلق، وتكون عند مالك أم ولد] (٢) بالعلقة والمضغة، سواء كانت مخلقة أو غير مخلقة، وعند أبي حنيفة: إن كان قد تبين له شيء من خلق بني آدم؛ كإصبع أو عين أو غير ذلك، فهي به أم ولد، وعند الشافعي وأحمد: إذا وضعت ما فيه صورة، ولو خفية، صارت أم ولد.
واتفقوا على أن المولود إذا استهل صارخًا، غسل وصلي عليه، فإن لم يستهل صارخًا، لم يصل عليه عند الثلاثة، وعند أحمد: إذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر، غسل، وصلي عليه.
﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ من الرحم ﴿طِفْلًا﴾ اسم جنس؛ أي: أطفالًا.
﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ كمال عقلكم وقوتكم.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قبل بلوغ الكبر.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أخسه، وهو الخرف.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٥).
(٢) ما بين معكوفتين ساقط من "ش".
الحج 22:6
﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ عَلِمَه قبل ﴿شَيْئًا﴾ أي: لينسى معارفه وعلمه الذي كان معه، فلا يعلم من ذلك شيئًا.
﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ يابسة ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ﴾ المطر ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تحركت بالنبات ﴿وَرَبَتْ﴾ قرأ أبو جعفر (وَرَبَأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الباء؛ أي: ارتفعت، وقرأ الباقون: بحذف الهمزة؛ أي؛ انتفخت (١).
﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ نوع.
﴿بَهِيجٍ﴾ حسن، فهذا دليل آخر على البعث.
...
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ [الحج: ٦].
[٦] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور، مبتدأ، خبره: ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: لتعلموا أن الله هو الحق ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
...
﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٧].
[٧] ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ بمقتضى وعده الذي لا يقبل الخلف.
...
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾ [الحج: ٨].
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٠٢). و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٧).
الحج 22:8
[٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: النضر بن الحارث، وكرر الآية ردعًا للجاهل وتوبيخًا؛ لأنه يجادل بظن من غير تحقيق.
﴿وَلَا هُدًى﴾ ليس معه من ربه رشاد ولا برهان.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ واضح.
...
﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ [الحج: ٩].
[٩] ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاويًا جانبه متكبرًا ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لِيَضلَّ) بفتح الياء على اللزوم، وقرأ الباقون: بالضم (١)، أي: ليُضل هو الناسَ.
﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ عذاب وهوان، فقتل النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط ببدر صبرًا ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو النار.
...
﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ [الحج: ١٠].
[١٠] ويقال له: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: النازل بك.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ من العمل.
﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ إنما هو مُجازٍ لهم على أعمالهم.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٨).
الحج 22:11
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ [الحج: ١١].
[١١] ونزل فيمن دخل في الإسلام من غير اعتقاد صحته: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (١) أي: شك واضطراب، وأصله من حرف الشيء، وهو طرفه، نحو حرف الجبل، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف؛ لأنه على طرف وجانب في الدين، لم يدخل فيه على الثبات والتمكن؛ كالقائم على حرف الجبل، مضطرب غير مستقر يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف؛ لضعف قيامه.
﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ﴾ صحة وسلامة في نفسه وماله ﴿اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ سكن إليه ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وعسرة ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ رجع إلى الكفر ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا﴾ بفوات ما كان يؤمله ﴿وَالْآخِرَةَ﴾ بخلوده في النار. قرأ روح، وزيد عن يعقوب: (خَاسِرَ) بإثبات الألف بعد الخاء على وزن فاعل، وخفض (الآخِرَةِ) (٢).
﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الضرر الظاهر.
(١) روى البخاري (٤٤٦٥)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان الرجل يقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلامًا، ونتجت خيله قال: هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته، ولم تنتج خيله، قال: هذا دين سوء.
(٢) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٨)، وليست هذه القراءة هي المتواترة عن يعقوب.
الحج 22:12
﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾ [الحج: ١٢].
[١٢] ﴿يَدْعُو﴾ يعبد ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ إن لم يعبده.
﴿وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ إن عبده.
﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ عن الهداية الذاهب عن الحق.
...
﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (١٣)﴾ [الحج: ١٣].
[١٣] ﴿يَدْعُو﴾ تكريرًا تأكيدًا لكفره ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ بكونه معبودًا؛ لأنه يوجب القتل في الدنيا، والعذاب في الآخرة ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ الذي يتوقع بعبادته، وهو الشفاعة والتوسل بها إلى الله تعالى. و (اللامِ) في قول الكسائي مقدمة في غير موضعها، و (مَنْ) في موضع نصب، و (ضَرُّه) مبتدأ، و (أَقْرَبُ) خبره، والجملة صلة (مَنْ)، وخبر (مَنْ) محذوف، والتقدير: يقول لمن ضره أقرب من نفعه آلهة، والمعنى: أنه يضر ولا ينفع.
﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ الناصر ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ الصاحب المعاشر.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (١٤)﴾ [الحج: ١٤].
[١٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ من إثابة الموحد، وعقاب المشرك.
***
الحج 22:15
﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾ [الحج: ١٥].
[١٥] ولما ظن الكفار أن محمدًا - ﷺ - لن يُنصر، نزل: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (١) المعنى: أن الله ينصر نبيه، فمن ظن خلافه.
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ فليشدد حبلًا في سقف بيته ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ليختنق به فيموت. قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، وورش عن نافع، ورويس عن يعقوب: (لِيَقْطَعْ) بكسر اللام؛ لأنها لام أمر أصلها الكسر، كما لو ابتدأ بها، ولا اعتداد بحرف العطف، والباقون: بإسكانها تخفيفًا (٢)، واعتدادًا بحرف العطف مبتدأ به.
﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ تلخيصه: هل يذهب فعله غيظه؟! وهذا مبالغة في الزجر؛ كما يقال للعدو: إن لم ترض، فاختنق، ومت غيظًا، وإلا، فلا نظر بعد الموت.
...
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (١٦)﴾ [الحج: ١٦].
[١٦] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك؛ يعني: ما تقدم من آيات القرآن.
﴿أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ﴾ أي: وأنزلنا أن ﴿اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ هدايته.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ١٢٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٠٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"تفسير البغوي" (١/ ٢٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٦٩).
الحج 22:17
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الحقيقة ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ يعني: اليهود، سموا به؛ لقولهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا﴾ [الأعراف: ١٥٦]، أي: ملنا إليك، وقيل: لأنهم هادوا؛ أي: تابوا عن عبادة العجل، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة، ويقولون: إن السموات والأرض تحركت حين آتى الله موسى التوراة.
﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ جمع صابئ، أصله الخروج، يقال: صبأ فلان: إذا خرج من دين إلى دين آخر، وهم قوم عدلوا عن اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة، ويستقبلون القبلة، ويوحدون الله تعالى، ويقرؤون الزبور. قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَالصَّابِينَ) (وَالصَّابُونَ) بغير همز، والباقون: بالهمز (١).
﴿وَالنَّصَارَى﴾ سموا به لقولهم: ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: لأنهم نزلوا قرية يقال لها: ناصرة، وقيل: لاعتزائهم إلى نصرة قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام.
﴿وَالْمَجُوسَ﴾ هم عبدة النار والشمس والقمر.
﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هم عبدة الأوثان، قال قتادة: الأديان ستة: خمسة للشيطان، وواحد للرحمن (٢).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣١٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٠).
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ١٦).
الحج 22:18
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يحكم بين الفرق المذكورة، فيدخل الكافر النار، والمؤمن الجنة ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ عالم به.
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ بقلبك ﴿أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ قال مجاهد: سجود هذه الأشياء بظلالها (١)، وقيل: المراد بسجود من ليس من أهله: انقياده لما أريد منه.
﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني: المسلمين ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بترك السجود، وهم الكفار، وهم مع كفرهم تسجد ظلالهم لله عز وجل.
﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ أي: يهنه الله بالشقاوة.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يكرمه بالسعادة، المعنى: من يُذِلُّه الله تعالى، فلا مُعِزَّله.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من الإكرام والإهانة بإرادته ومشيئته، وهذا محل سجود بالاتفاق.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٠٦).
الحج 22:19
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾.
[١٩] ونزل في حمزة، وعلي، وعبيدة بن الحارث حين برزوا ببدر إلى عتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ (١) أي: طائفتان. قرأ ابن كثير: (هَذَانِّ) بالمد وتشديد النون، والباقون: بالتخفيف (٢)، والخصم: مصدر يعم المفرد والجمع، والذكر والأنثى، فلذلك قال:
﴿اخْتَصَمُوا﴾ ردًّا إلى المعنى ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ في دينه.
﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ﴾ هيئت.
﴿لَهُمْ ثِيَابٌ﴾ يلبسونها ﴿مِنْ نَارٍ﴾ وسمي ما يتخذ من النار ثيابًا؛ لإحاطته باللابس كالثوب ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الماء البالغ نهاية الحر. قال ابن عباس: لو سقطت قطرة منه على جبال الدنيا، لأذابتها (٣).
...
﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾ يذاب بالحميم المسكوب على رؤوسهم.
(١) رواه البخاري (٣٧٤٨)، كتاب: المغازي، باب: قتل أبي جهل، ومسلم (٣٠٣٣)، كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾، عن أبي ذر -رضي الله عنه-.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧١).
(٣) انظر: "تفسير أبي السعود" (٦/ ١٠١).
الحج 22:21
﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من شحوم وغيرها، فيقطعها، وتخرج من أدبارهم ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أيضًا تذاب.
...
﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ﴾ سِياط مختصة بهم، جمع مِقْمَعة.
﴿مِنْ حَدِيدٍ﴾ يُضربون بها.
...
﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ من النار.
﴿مِنْ غَمٍّ﴾ يلحقهم، فخرجوا.
﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ وذلك أن النار تضربهم بلهبها، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج منها، فتضربهم الزبانية بمقامع الحديد، فيهوون إلى قعرها سبعين خريفًا، فالمراد: إعادتهم إلى معظم النار، لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية، ثم يعودون إليها.
﴿وَذُوقُوا﴾ أي: ويقال لهم: ذوقوا ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ البالغ نهاية الإحراق، هؤلاء أحد الخصمين.
***
الحج 22:23
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾.
[٢٣] وقال في الآخر، وهم المؤمنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يلبسون الحلي في الجنة.
﴿مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع سوار.
﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ اللؤلؤ: اسم جامع للحَبِّ يخرج من البحر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، ويعقوب: (وَلُؤْلُؤ) بالنصب على معنى: ويحلون لؤلؤًا، ولأنها مكتوبة في المصاحف بالألف، فأبو جعفر يترك الهمزتين، فيسكن الواو الأولى، وينصب الثانية، وأبو بكر عن عاصم: يترك الأولى فقط، وقرأ الباقون: بالخفض عطفًا على (أساور)، وأبو عمرو يترك الهمزة الأولى، واختلفوا في وجه إثبات الألف فيه، فقال أبو عمرو: أثبتوها كما أثبتوا في (قالوا)، و (كانوا)، وقال الكسائي: أثبتوها للهمزة؛ لأن الهمزة حرف من الحروف (١).
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا﴾ في الجنة ﴿حَرِيرٌ﴾ هو الإبريسم المحرم لبسُه على الرجال، ولا خلاف بين الأئمة في تحريم لبس الحرير على الرجل إلا في
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٥)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١١٧ - ١١٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٢).
الحج 22:24
الحرب المباح، أو لضرورة؛ كحكة، أو جرب في جسده، واختلفوا في الجلوس عليه، والاستناد إليه، فأجازه أبو حنيفة، ومنعه الثلاثة كلبسه، وحكم الصبي عند أحمد كالرجل.
...
﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَهُدُوا﴾ أُرشدوا ﴿إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو القرآن، وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله، وقيل غير ذلك ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ طريق الجنة، و (الحميد) هو الله المحمود في أفعاله.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ﴾ تقديره، وهم يصدون ﴿سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي؛ لأن الصد بمعنى دوام الصفة لهم، وهذه الآية نزلت عام الحديبية حين صُد النبي - ﷺ - عن المسجد الحرام.
﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: ويصدون عن المسجد الحرام.
﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ قبلةً لصلاتهم، ومنسكًا ومتعبدًا، وقال ابن عباس وغيره: المراد منه جميع الحرم (١).
(١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٢/ ٣٢). ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ المقيم ﴿وَالْبَادِ﴾ أي: الآتي إليه من البادية. قرأ حفص عن عاصم: (سَوَاءً) نصب بإيقاع الجعل عليه؛ لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين، وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء، وما بعده خبره، وتمام الكلام عند قوله: (للناس) (١)، وأثبت أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: الياء في (البادي) وصلًا، وأثبتها ابن كثير ويعقوب وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين، وهي في الإمام بغير ياء (٢)، المعنى: المقيم فيه، والوارد إليه سواء، لا يخص بعضًا دون بعض.
وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام، واختلف في مكة، فذهب عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومجاهد، وجماعة إلى أن الأمر كذلك في دور مكة، وأن القادم له النزول حيث وجد فارغًا، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبي، وقال ذلك سفيان الثوري وغيره، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول.
وروي أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- قُبضوا وما تُدعى دور مكة إلا السوائبَ، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن (٣)، وكانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة، فاتخذ رجل بابًا، فأنكر عليه عمر
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٤).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٥).
(٣) رواه ابن ماجه (٣١٠٧)، كتاب: المناسك، باب: أجر بيوت مكة، والدارقطني في "سننه" (٣/ ٥٨)، وغيرهما عن علقمة بن نضلة -رضي الله عنه-. وقال: أتغلق بابًا في وجه حج (١) بيت الله، فقال: إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة، فتركه، فاتخذ الناس الأبواب.
قال ابن عطية: وقال جمهور من الأمة، منهم الإمام مالك: ليست الدور كالمسجد، ولأهلها المتاع بها، والاستبداد، وعلى هذا العمل اليوم، وهذا الخلاف متركب على الاختلاف في مكة، هل هي عَنْوة أو صلح؟ فمن رآها صلحًا، فإن الاستواء عنده في المنازل بعيد، ومن رآها عنوة، أمكنه أن يقول: الاستواء فيها قرره (٢) الأئمة الذين لم يُقطعوها أحدًا، وإنما سكنى من سكن من قبل نفسه (٣).
واختلف الأئمة في فتحها، فذهب مالك وأصحابه: إلى أنها فتحت عنوة بالسيف، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: فتحت صلحًا.
واختلفوا في جواز بيع دور مكة وإجارتها، فقال أحمد: لا يجوز بيع رَباع مكة والحرم، وهي المنازل، ولا إجارتها؛ لأنها فتحت عنوة، وقال مالك: يجوز إجارتها وبيعها؛ لأن النبي - ﷺ - منَّ بمكة على أهلها، فلم تقسم، ولا سبي أهلها؛ لما عظم الله من حرمتها، ولكن الكراهة عنده في كراء دور مكة قوية؛ طلبًا للمواساة بها، وروي عنه أيضًا كراهة كرائها في أيام الموسم خاصة، وقال أبو حنيفة: لا بأس ببيع بناء بيوت مكة، ويكره بيع أرضها، وكذا الإجارة، وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن:
(١) "حج" زيادة من "ت".
(٢) في "ش" "فيما قدره".
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ١١٦).
الحج 22:26
لا بأس بالبيع في الأرض والبناء، وأما مذهب الشافعي، فلم يختلف في جواز البيع والإجارة؛ لأنها فتحت عنده صلحًا.
﴿وَمَنْ يُرِدْ﴾ أي: يفعل ﴿فِيهِ﴾ أي: في المسجد ﴿بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ هو الميل عن الحق، والباء زائدة، معناه: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم، والمراد بالإلحاد هنا: الشرك وجميع المعاصي ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جواب لـ (مَنْ).
...
﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿بَوَّأْنَا﴾ هيأنا ﴿لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ ليبنيه؛ لأن البيت كان رفع إلى السماء زمن الطوفان؛ وكان من ياقوتة حمراء، ثم لما أمر الله إبراهيم -عليه السلام- ببنائه، لم يدر أين يبني، فأعلم الله مكانه بريح أرسلها، فكنست ما حوله، فبناه على أُسِّه القديم ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي: وقلنا له: لا تشرك بي شيئًا.
﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر، وحفص عن عاصم: (بَيْتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ بالبيت ﴿وَالْقَائِمِينَ﴾ أي: المقيمين به.
﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المصلين.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٦).
الحج 22:27
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ أي: نادِ فيهم ﴿بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مشاة.
﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ بعير مهزول ﴿يَأْتِينَ﴾ أي: النوق.
﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ﴾ طريق ﴿عَمِيقٍ﴾ بعيد، والضامر: هو كل ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذلك.
روي أن إبراهيم -عليه السلام- لما أُمر بالأذان بالحج، قال: "يا رب! وإذا ناديتُ، فمن يسمعني؟ فقيل له: نادِ يا إبراهيم، فعليك النداء، وعلينا البلاغ، فصعد على أبي قبيس فقال: أيها الناس! ألا إن ربكم قد بنى بيتًا، وكتب عليكم الحج، فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينًا وشمالًا، وشرقًا وغربًا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، فجرت التلبية على ذلك".
قال ابن عباس: "فأول من أجابه أهل اليمن (١)، فهم أكثر الناس حجًّا" (٢).
واتفق الأئمة على أن الحج فرض على كل مسلم بالغ عاقل صحيح مرة في العمر مع الاستطاعة، فعند الشافعي ومالك: يجب على التراخي، وقيد مالك بما إذا لم يخش الفوت، وعند أبي حنيفة وأحمد: على الفور.
واختلفوا في العمرة، فقال أبو حنيفة ومالك: هي سنة، وقال الشافعي
(١) في "ت": "اليمين".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ١٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١٣). وأحمد: هي فرض كالحج، وتقدم الكلام على ذلك، وعلى أوجه الحج الثلاثة، وهي: الإفراد، والتمتع، والقران في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) [الآية: ١٩٦].
(١) جاء في هامش الأصل: روي عن بعض.... قال: "كنا مع رسول الله - ﷺ - بمنى، إذ أقبلت طائفة من اليمن، فقالوا: فداك الأمهات والآباء، أخبرنا بفضائل الحج، قال: بلى، أي رجل خرج من منزله حاجًّا أو معتمرًا، فكلما رفع قدمًا، ووضع قدمًا تناثرت الذنوب من بدنه كما يتناثر الورق من الشجر، فإذا ورد المدينة.... بالسلام صافحته الملائكة بالسلام، فإذا ورد ذا الحليفة واغتسل، طهره الله من الذنوب، وإذا لبس ثوبين جديدين، جدد الله له الحسنات، وإذا قال: لبيك اللهم لبيك، أجابه الله -عز وجل- بلبيك وسعديك، أسمع كلامك، وأنظر إليك، فإذا دخل مكة، وطاف وسعى بين الصفا والمروة، وصل الله له الخيرات، فإذا وافى عرفات، وضجت الأصوات بالحاجات، باهى الله بهم ملائكته بسبع سموات، ويقول: ملائكتي وسكان سمواتي! أما ترون إلى عبادي، أتوني من كل فج عميق شعثًا غبرًا، قد أنفقوا الأموال، وأتعبوا الأبدان، فوعزتي وجلالي وكرمي [لأجزين] منهم المحسن، [ولأطهرنهم] من الذنوب كيوم ولدتهم أمهاتهم، فإذا رموا الحجارة وحلقوا الرؤوس، وزاروا البيت، نادى مناد من بُطنان العرش: ارجعوا مغفورًا لكم، واستأنفوا العمل" (١). قال - ﷺ -: "من مات ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٢) انتهى.
______
(١) لم أقف عليه.
(٢) رواه الترمذي (٧٤٠)، باب: ما جاء في التغليظ في ترك الحجِّ، من حديث عليٍّ رضي الله عنه وقال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعَّف في الحديث. اهـ وذكر الحافظ ابن حجر ما ملخصه: أن هذا الحديث له طرق صحيحة إلا أنها موقوفة، وأن له أصلًا. وقد خطَّأ رحمه الله مَن ادَّعى أنه موضوع، ومَحمَلُ الحديث على مَن استحلَّ التَّرك. انظر: "التلخيص الحبير" (٣/ ١٢٢).
الحج 22:28
﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ ليحضروا ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ دينية ودنيوية.
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عند التذكية ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ عندهم؛ لأنهم كانوا يحرصون على علمها وعدها لأجل الحج، وهي عشر ذي الحجة عند الأئمة الثلاثة، وأكثر أهل العلم، وعند مالك: هي أيام النحر الثلاثة.
﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل والبقر والغنم، فلا تجوز الأضحية من غيرها.
﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ أمر إباحة ليس بواجب، وإنما قال ذلك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون من لحوم هداياهم شيئًا، وأما الأضحية، فإنها مشروعة بأصل الشرع بالاتفاق.
واختلفوا في حكمها، فقال أبو حنيفة: هي واجبة على كل مسلم حر مقيم ملكَ نصابًا من أي الأموال كان، وقال الثلاثة: هي سنة غير مفروضة، واستثنى مالك الحاج الذي بمنى، فإن سنته عنده الهدي، ويجوز الأكل منها باتفاقهم، فقال أبو حنيفة: له أن يأكل منها، ويطعم الأغنياء والفقراء، ويدخر، ويستحب ألّا ينقص الصدقة من الثلث، وقال مالك: يأكل ويطعم، وليس لما يأكله ولا لما يطعمه حد، وقال الشافعي وأحمد: يأكل الثلث، ويهدي الثلث، ويتصدق بالثلث، ولو أكل أكثر، جاز.
واختلفوا في الأفضل مما يضحى به، فقال مالك: الأفضل الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، قال الثلاثة: أفضلها الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، والضأن أفضل من المعز بالاتفاق، ويجوز الذكر والأنثى والخصي، وشرطها سلامة من عيب ينقص اللحم، فلا تجزئ العجفاء، وهي الهزيلة، ولا ذات عرج وعور ومرض، وتجزئ الجماء، وهي التي خلقت بغير قرون، ولا يضر شق أذن وخرقها، بغير خلاف في ذلك، وتجزئ الشاة عن واحد باتفاقهم، وتجزئ البدنة والبقرة عن سبعة عند الثلاثة، وقال مالك: هما كالشاة لا تجزئ إلا عن واحد.
واختلفوا فيما يجزئ في الأضحية والهدي، فقال أبو حنيفة وأحمد: يجزئ الجذع من الضأن، وهو ما له ستة أشهر، والثني مما سواه، فمن المعز ما له سنة، ومن البقر ما له سنتان، ومن الإبل ما له خمس سنين، وقال مالك: الجذع من الضأن ما له سنة، والثني مما سواه، فمن المعز ما له ثلاث سنين، ومن البقر ما دخل في الثالثة، ومن الإبل ما له ست سنين، وقال الشافعي: من الإبل ما طعن في السادسة، ومن البقر والمعز ما طعن في الثالثة، ومن الضأن ما طعن في الثانية، والسنة أن يذبحها بنفسه إن كان يحسن، وإلا يحضُرها.
واختلفوا فيما إذا ذبحها كتابي، فقال مالك: لا يجوز، وقال الثلاثة: يجوز مع الكراهة.
وله أن ينتفع بجلدها، ولا يعطى الجازر بأجرته شيئًا منها، ولا يبيعها ولا شيئًا منها بالاتفاق، وأما الهدي الواجب بأصل الشرع؛ كدم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته، وجزاء الصيد، وما أوجبه على نفسه بالنذر، فلا يجوز الأكل منها عند الشافعي، وقال مالك: يأكل من
الحج 22:29
هدي التمتع، ومن كل هدي وجب عليه، إلا من أربعة أشياء: فدية الأذى، وجزاء الصيد، ونذر المساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، وقال أبو حنيفة وأحمد: يأكل من هدي التطوع، ودم التمتع والقران، ولا يأكل من واجب سواهما، وسيأتي ذكر وقت الذبح والكلام عليه في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى.
﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ﴾ هو ذو البؤس؛ أي: الشدة.
﴿الْفَقِيرَ﴾ الذي لا شيء له.
...
﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ يزيلوا أوساخهم، والمراد: الخروج عن الإحرام بالحلق، وقص الشارب، وقلم الأظافر، ولبس الثياب، وقال ابن عباس وابن عمر: قضاء التفث: مناسك الحج كلها (١).
﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ما ينذرون من البر في حجهم ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ ليدوروا طواف الإفاضة ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الكعبة؛ لأنه أول بيت وضع للناس. قرأ ابن عامر، وأبو عمرو، وورش، ورويس، وقنبل: (ثمَّ لِيَقْضُوا) بكسر اللام، والباقون: بإسكانها (٢)، وتقدم توجيه قراءتهم عند
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ١٤٩).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٧).
الحج 22:30
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾، وهذا الحرف نظيره، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (وَلِيُوفُوا) (وَلِيَطَّوَّفُوا) بكسر اللام فيهما، والباقون: بإسكانها منهما (١)، وقرأ أبو بكر عن عاصم: (وَلْيُوَفُّوا) بفتح الواو وتشديد الفاء (٢).
وطواف الإفاضة ركن، وبه تمام الحج بالاتفاق، وأول وقته عند أبي حنيفة طلوع الفجر من يوم النحر، وآخره آخر اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره إلى اليوم الثالث، لزمه شاة، وعند الشافعي وأحمد: أول وقته بعد نصف الليل من ليلة النحر، والأفضل فعله يوم النحر، فإن أخره عن أيام منى، جاز، وعند مالك: يجوز تأخيره إلى آخر ذي الحجة؛ لأنه بكماله عنده من أشهر الحج، لكنه قال: لا بأس بتأخير الإفاضة إلى أيام التشريق، وتعجيلها أفضل، فإن أخرها إلى المحرم، فعليه دم.
...
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من أعمال الحج {وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٦ - ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٨).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٨). اللَّهِ} هي ما لا يحل انتهاكه، وتعظيمها: ترك ملابستها.
﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ في الدار الآخرة.
﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ أكلًا بعد الذبح ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تحريمه؛ أي: في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ [الآية: ٣] استثناء منقطع؛ لأن المحرَّم ليس من جنس الأنعام.
﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ﴾ القذر ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ بيان للرجس؛ لأن الرجس: الأوثان وغيرها؛ أي: اجتنبوا الرجس من هذا القبيل.
﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الكذب والبهتان.
روي أن النبي - ﷺ - قام خطيبًا فقال: "يا أيها الناس! عدلت شهادة الزور بالشرك بالله، ثم قرأ هذه الآية" (١).
واختلف الأئمة في عقوبة شاهد الزور، فقال أبو حنيفة: لا يُعزر، بل يوقف في قومه، ويقال لهم: إنه شاهد زور، وقال الثلاثة: يعزر، ويوقف في قومه، ويعرفون أنه شاهد زور، وقال مالك: يشهر في الجوامع
(١) رواه أبو داود (٣٥٩٩)، كتاب: الأقضية، باب ما جاء في شهادة الزور، والترمذي (٣٠٠)، كتاب: الشهادات، باب: ما جاء في شهادة الزور، وابن ماجه (٢٣٧٢)، كتاب: الأحكام، باب: شهادة الزور، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٢١)، وغيرهم عن خريم بن فاتك - رضي الله عنه -. وفي إسناده مجهول، كما ذكر الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/ ١٩٠).
الحج 22:31
والأسواق والمجامع، وقال أحمد: يطاف به في المواضع التي يشتهر فيها، فيقال: إنا وجدنا هذا شاهد زور، فاجتنبوه.
...
﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ﴾ اجتنبوا معصية الله تعالى مخلصين ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ يعني: من أشرك لا يكون حنيفًا.
﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ سقط ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى الأرض.
﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ تستلبه ﴿الطَّيْرُ﴾ والخطف والاختطاف: تناول الشيء بسرعة. قرأ أبو جعفر، ونافع: (فَتَخَطَّفُهُ) بفتح الخاء وتشديد الطاء؛ أي: تتخطفه، فحذفت إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بإسكان الخاء وتخفيف الطاء؛ من خطف يخطف (١).
﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تميل وتذهب به ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ أي: بعيد مهلك لا يرجى خلاصه منه، المعنى: ومن يشرك بالله، فقد هلكت نفسه هلاكًا يشبه أحد الهلاكين. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحُ) بألف بعد الياء على الجمع، والباقون: بغير ألف على التوحيد (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٨ - ١٧٩).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٧٩).
الحج 22:32
﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: المذكور من اجتناب الرجس وقول الزور.
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ وهي الهدي والبدن، وأصلها من الإشعار، وهو إعلامها ليعرف أنها هدي، وتعظيمها: استسمانها واستحسانها.
﴿فَإِنَّهَا﴾ أي: الفعلة، وهي اجتناب الرجس، وتعظيم الشعائر.
﴿مِنْ﴾ أفعال ذوي ﴿تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ وذكر القلوب؛ لأنها منشأ التقوى والفجور، والآمرة بهما.
...
﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في البدن ﴿مَنَافِعُ﴾ قبل تسميتها للهدي؛ من دَرِّها ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها ويوجبها هديًا، فإذا فعل ذلك، لم يكن له شيء من منافعها.
﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل نحرها ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ والمراد: الحرم كله، فتنحر فيه، واتفق الأئمة على جواز ركوب الهدي للحاجة ما لم يضربه.
...
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة سلفت قبلكم.
الحج 22:35
﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (مَنْسِكًا) بكسر السين بمعنى: موضع القربان، وقرأ الباقون: بفتح السين، مصدر بمعنى النسك، وهو إهراقة الدماء (١).
﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ عند النحر ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقيد بهيمة الأنعام؛ لأن من البهائم ما لا يجوز في القرابين؛ كالخيل والحمر.
﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ أخلصوا وأطيعوا ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ المطيعين المتواضعين، والخبت: المكان المطمئن من الأرض، روي أن قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ نزل في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم (٢).
...
﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ﴾ خافت واضطربت ﴿قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ من المحن ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٠).
(٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤٨ - ٤٩).
الحج 22:36
﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَالْبُدْنَ﴾ جمع بَدنَة، سميت بذلك؛ لعظم أبدانها، وهي الإبل خاصة.
﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أعلام دينه، سميت شعائر؛ لأنها تُشْعَر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها، فيعلم أنها هَدْي، وتقدم الكلام على ذلك واختلاف الأئمة فيه في أول سورة المائدة.
﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ النفع في الدنيا، والأجر في العقبى.
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ عند نحرها ﴿صَوَافَّ﴾ أي: قيامًا على ثلاث قوائم، قد صفت رجليها وإحدى يديها، ويدُها اليسرى معقولة عند الذبح، وهي جمع صافَّة.
واختلف الأئمة في التسمية عند الذبح، فمذهب الشافعي: أن التسمية سنة، وتحل الذبيحة إذا تركها عامدًا أو ناسيًا، ومذهب الثلاثة: إن تركها عمدًا، لم تحل، وإن تركها ناسيًا، حلت.
﴿فَإِذَا وَجَبَتْ﴾ سقطت ﴿جُنُوبُهَا﴾ إلى الأرض ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ إن شئتم ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ﴾ هو ذو القناعة الذي لا يتعرض ولا يسأل.
﴿وَالْمُعْتَرَّ﴾ المتعرض بغير سؤال.
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك التسخير.
﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ مع عظمها وقوتها ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ إنعامنا عليكم.
الحج 22:37
﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ لن ترفع إليه ﴿لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ وذلك أن الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن، لطخوا الكعبة بدمائها قربة إلى الله تعالى، فنزلت الآية: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (١) يعني: النية والإخلاص، وما أريد به وجه الله. قرأ يعقوب: (لَنْ تنَالَ) (وَلَكِنْ تنَالُهُ) بالتاء على التأنيث فيهما؛ لتأنيث الجماعة، وتأنيث التقوى، وقرأهما الباقون: بالياء على التذكير (٢).
﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا﴾ يعني: البدن ﴿لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ لأعلام دينه، ومناسك حجه، وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أبلانا وأولانا، وقيل: التسمية والتكبير. على الهدي والأضحية أن يقول الذابح: بسم الله والله أكبر ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ الموحدين، روي أن قوله: ﴿الْمُحْسِنِينَ﴾ نزل في الخلفاء الأربعة كما تقدم في المخبتين، فأما ظاهر اللفظ، فمقتض للعموم في كل محسن.
...
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١)، و"تفسير البيضاوي" (٤/ ١٢٨)، و"عمدة القاري" للعيني (١٠/ ٢٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٣).
الحج 22:38
[٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ﴾ يذهب غوائل المشركين وأذاهم.
﴿عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بفتح الياء والفاء وإسكان الدال من غير ألف، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الدال وألف بعدها مع كسر الفاء (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ خائن في أمانته.
﴿كَفُورٍ﴾ بالله تعالى؛ حيث أشرك.
...
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾.
[٣٩] ولما كان المشركون من أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله - ﷺ -، فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون إلى رسول الله - ﷺ -، فيقول لهم: "اصبروا فإني لم أؤمر بقتال" حتى هاجر رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله عز وجل:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ (٢). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم، وخلف باختلاف عنه: (أُذِنَ) بضم الهمزة مجهولًا،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١ - ٢٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٤).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٦). قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣٨٧ - ٣٨٨) غريب جدًّا.
الحج 22:40
[والباقون: بفتحها؛ أي: أذن الله للذين يقاتلون (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (يُقَاتَلُونَ) بفتح التاء مجهولًا] (٢)؛ أي: يقاتلهم عدوهم، وقرأ الباقون: بكسرها معلومًا (٣)؛ أي: يقاتلون هم عدوهم.
﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ بسبب كونهم مظلومين باعتداء الكفار عليهم.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ ونسخت هذه الآية سبعين آية؛ لأنها أول آية نزلت في الإذن بالقتال، ونزلت بالمدينة (٤).
...
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ يعني: مكة، بدل من ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ بغير ذنب ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا﴾ المعنى: لم يخرجوا من ديارهم إلا بسبب قولهم:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٤ - ١٨٥).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) المصادر السابقة.
(٤) في "ش": "في المدينة". ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾ وحده ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بالجهاد وإقامة الحدود. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: (دِفَاعُ) بكسر الدال وألف بعد الفاء، وقرأ الباقون: (دَفْعُ) بفتح الدال وإسكان الفاء من غير ألف (١).
﴿لَهُدِّمَتْ﴾ لخربت. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: بتخفيف (٢) الدال، والباقون: بتشديدها، فالتخفيف يكون للقليل والكثير، والتشديد يختص بالكثير (٣)، وقرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب، وقالون، والأصبهاني عن ورش، وهشام عن ابن عامر: بإظهار التاء عند الصاد من (صَوَامِعُ)، والباقون: بإدغامها (٤).
﴿صَوَامِعُ﴾ منابر الرهبان ﴿وَبِيَعٌ﴾ جمع بِيعة، وهي كنيسة النصارى.
﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ أي: مواضع صلوات، وهي كنائس اليهود.
﴿وَمَسَاجِدُ﴾ هي للمسلمين.
﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ المعنى: لولا دفع الله عن المتعبدين بالمجاهدين، لانقطعت العبادات، وخربت المتعبدات، وقدم مصليات الكافرين على مساجد المؤمنين؛ لأنها أقدم.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٥).
(٢) في "ش": "بفتح" وهو خطأ.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٥ - ١٨٦).
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٦).
الحج 22:41
واتفق الأئمة على منع أهل الذمة من إحداث الكنائس والبيع في بلاد الإسلام فيما اختطه المسلمون من الأمصار، وما فتح عنوة، واتفقوا على جواز ذلك فيما شرطوه فيما فتح صلحًا على أنه لنا، واختلفوا في إعادة المنهدم منها، فقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز إعادته، وقال مالك وأحمد: لا يجوز، قال أحمد: ولو هدم ظلمًا، وأما رم المتشعث منها، فيجوز عند الثلاثة، وعند مالك: إن اشترطوه جاز، وإلا فلا.
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: ينصر دينه، وقد نجز وعده بتسليط المهاجرين والأنصار على العرب والعجم، وأورثهم أرضهم وديارهم.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ ممتنع في سلطانه.
...
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بنصرهم على عدوهم حتى تمكنوا من البلاد، قال قتادة: هم أصحاب محمد - ﷺ - ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ أي (١): آخر أمور الخلق ومصيرهم إليه.
...
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢)﴾.
[٤٢] ثم سلى نبيه فقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾.
(١) "أي" ساقطة من "ت".
الحج 22:43
﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾.
...
﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ أمهلتهم.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ عاقبتهم.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بإهلاكهم، يخوف به من يخالف النبي - ﷺ - ويكذبه، وقوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ مجهولًا؛ لأن موسى لم يكذبه قومه بنو إسرائيل، وإنما كذبه القبط. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (أَخَذْتُهُمْ) (أَخَذْتُهَا) (١) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (٢)، وقرأ ورش عن نافع: (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٣).
...
(١) "أخذتها" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٨).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٨).
الحج 22:45
﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿فَكَأَيِّنْ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو جعفر: بألف ممدودة بعد الكاف، وبعدها همزة مكسورة، وأبو جعفر يسهل الهمزة، والباقون: بهمزة مفتوحة بعد الكاف وبعدها ياء مكسورة مشددة، ووقف أبو عمرو ويعقوب (فَكَأَيْ) بغير نون حيث وقع، ووقف الباقون: (فَكَأَيِّنْ)، وهي كاف التشبيه ضمت إلى الاستفهام، فصار المعنى: وكم (١).
﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ يعني: أهلها. قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (أَهْلَكْتُهَا) بالتاء مضمومة من غير ألف على الإفراد، وقرأ الباقون: بالنون مفتوحة وألف بعدها جمعًا على التعظيم (٢).
﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: مشرِكٌ أهلُها ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة.
﴿عَلَى عُرُوشِهَا﴾ سقوفها؛ بأن سقطت السقوف، ثم سقطت عليها الحيطان.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: وكم من بئر متروكة مع وجود الماء وآلاتها فيها؛ لهلاك أربابها. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: (وَبِيرٍ) بغير همز، والباقون: بالهمز (٣).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٨ - ١٨٩).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٩).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن =
الحج 22:46
﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ مجصَّص من الشيد مرتفع محكم أخليته بإهلاك أربابه (١)، أفلم يعتبر كفار مكة بذلك؟
روي أن هذه البئر كانت بحضرموت في بلدة يقال لها: حاصوراء، وذلك أن أربعة آلاف ممن آمن بصالح -عليه السلام- نجوا من العذاب، فأتوا حضرموت، ومعهم صالح، فلما حضروه، مات صالح، فسمي: حضرموت؛ لأن صالحًا لما حضره (٢) مات، فبنوا حاصوراء، وقعدوا على (٣) هذه البئر، وأمَّروا عليهم رجلًا، فأقاموا دهرًا، وتناسلوا حتى كثروا، ثم إنهم عبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله عز وجل إليهم نبيًّا يقال له: حنظلة بن صفوان، وكان حمالًا فيهم، فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله، وعطلت بئرهم، وخربت قصورهم (٤).
...
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: كفار مكة، فينظروا إلى مصارع المكذبين من الأمم الخالية ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي: يعلمون بها، فيه دليل على أن العقل محله القلب، وهو قول المالكية والشافعية
= الجزري (١/ ٣٩٠ - ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٨٩).
(١) في "ت": "أربابها".
(٢) في "ت": "حضروه".
(٣) في "ش": "في".
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٤).
الحج 22:47
وأصحاب أحمد، والأطباء قالوا: وله اتصال بالدماغ، والمشهور عن أحمد أنه في الدماغ، وفاقًا للحنفية، والعقل ما يحصل به المَيْزُ، وهو نور في القلب كالعلم، وهو غريزة، ويختلف، فعقل بعض الناس أكثر، وهو مأخوذ من عقال البعير، يمنع ذوي العقول من العدول عن سواء السبيل.
﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ ما يذكر لهم من أخبار القرون الماضية، فيعتبروا بها.
﴿فَإِنَّهَا﴾ أي: القصة.
﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ المعنى: أعينهم صحيحة، وقلوبهم عُمي، والعمى الضار هو عمى القلب، فأما البصر، فليس بضار في أمر الدين.
...
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ولما قال: النضر بن الحارث ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، نزل: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ (١) بإهلاك الكفار وعذابهم، فأنجز الله ذلك يوم بدر.
﴿وَإِنَّ يَوْمًا﴾ من أيام العذاب الذي استعجلوه.
(١) تقدم تخريجه.
الحج 22:48
﴿عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ في الدنيا؛ في الشدة، فكيف تستعجلونه؟! قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (يَعُدُّونَ) بالغيب؛ لقوله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ)، وقرأ الباقون: بالخطاب؛ لأنه أعم؛ لأنه خطاب للمستعجلين والمؤمنين (١).
...
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ وكَمْ من أهل قرية، عطف الأولى بالفاء؛ لأنها بدل عن قوله ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ وهذه بالواو؛ لأنها في حكم ما تقدمها من الجملتين؛ لبيان أن المتوعد به يحيق بهم لا محالة، وأن تأخيره لعادته تعالى.
﴿أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ أمهلتها كما أمهلتكم ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ مثلكم.
﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ بالعذاب ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وإلي حكم الجميع.
...
﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أوضحُ لكم ما أُنذركم به، ليس إلي أن أعجل عذابًا، ولا أن أؤخره.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٠).
الحج 22:50
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠)﴾.
[٥٠] ثم قسم حالة المؤمنين والكافرين بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة، ورزقهم فيها.
...
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ بالطعن فيها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بتشديد الجيم من غير ألف؛ أي: مثبطين الناس عن الإيمان، وقرأ الباقون: بالتخفيف والألف (١)؛ أي: مسابقين مشاقين للساعين فيها بالقبول ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾
[٥٢] ولما ألقى الشيطان بقراءة نفسه في قراءة النبي - ﷺ - محاكيًا نغمته - عليه السلام - لما قرأ في الصلاة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى؛ بحيث يسمعها من دنا إليه من الكفار، فظنوها من قوله عليه السلام، وأشاعوها، حزن لذلك - ﷺ -، فنزل تسلية له:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩١). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ (١) هو الذي جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه ﴿وَلَا نَبِيٍّ﴾ هو الذي لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله، فكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا.
﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ أي: تلا وقرأ كتاب الله.
﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ﴾ بقراءة نفسه ﴿فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ في قراءته، المعنى: ما من رسول (٢) ولا نبي قبلك إلا مكنا الشيطان أن يلقي في قراءتهم مثل ما ألقى في قراءتك، فلا تهتم لذلك. قرأ أبو جعفر: (أُمْنِيَتِهِ) بتخفيف الياء، والباقون: بتشديدها (٣).
﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله.
﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي: يثبتها.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال الناس ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم، وما نقل من أن الشيطان ألقاها على لسان النبي - ﷺ -، أو أنه أصابته -عليه السلام- سِنَة، فقالها، أو حدَّثَ نفسه فسها، فهذا كله ضعيف واه لم يُرو بسند صحيح؛ لعصمته - ﷺ -، ونزاهته عن مثل ذلك، وعن جريان الكفر على قلبه أو لسانه عمدًا أو سهوًا، أو يكون للشيطان عليه سبيل.
...
(١) تقدم ذكر قصة الغرانيق والتعليق عليها، فيما ذكره الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣٩١ - ٣٩٣). وانظر: "فتح الباري" لابن حجر (٨/ ٤٣٩).
(٢) "ما من رسول" ساقطة من "ش".
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩١).
الحج 22:53
﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ اختبارًا.
﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هو الشك.
﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عن قبول الحق، وهم المشركون، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، فازدادوا عتوًا، وظنوا أن رسول الله - ﷺ - يقوله من عند نفسه، ثم يندم فيبطل.
﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ المشركين ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي: خلاف شديد.
...
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ التوحيد والقرآن، وهم المؤمنون ﴿أَنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ وتعطف عليه (وليعلم).
﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ﴾ أي: تلين ﴿لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ وتطمئن ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دين الإسلام. وقف يعقوب (لَهَادِي): بإثبات الياء (١).
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٢).
الحج 22:55
﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ﴾ شك ﴿مِنْهُ﴾ من القرآن.
﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾ فجأة.
﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ أي: عقم فلا خير فيه للكفار، وهو يوم بدر في قول الأكثر؛ لأنه ذكر الساعة من قبل، والعقم في اللغة: المنع، يقال: رجل عقيم: إذا مُنع من الولد.
...
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ تقديره: الملك لله يوم يزول شك الكافرين، وهو يوم القيامة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بين المؤمنين والكافرين.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
...
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ يُهانون فيه.
***
الحج 22:58
﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ونزل في الذين قالوا للنبي - ﷺ -: ما لنا إذا هاجرنا فقتلنا أو متنا؟ ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) فارقوا أوطانهم في طاعة الله تعالى.
﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ قرأ ابن عامر: (قُتِّلُوا) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (٢).
﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ لا ينقطع أبدًا وهو رزق الجنة، وقيل حسنًا؛ أي: حلالًا.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإنه يرزق بغير حساب.
...
﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ هو الجنة؛ لأن فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مَدْخَلًا) بفتح الميم، والباقون: بضمها (٣).
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ فلا يعجل على المسيء بالعقوبة.
(١) انظر: "تفسير أبي السعود" (٦/ ١١٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٢).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٢).
الحج 22:60
﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٦٠)﴾.
[٦٠] ونزل في المسلمين الذين طلب المشركون قتالهم في الأشهر الحرم، فامتنعوا عليهم، ثم قاتلوهم ﴿ذَلِكَ﴾ (١) أي: الأمر ذلك.
﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: جازى الظالم بمثل ظلمه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (عَاقَب بِّمِثْلِ) بإدغام الباء في الباء (٢) ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾ تُعُدِّي (٣) ﴿عَلَيْهِ﴾ بالمعاودة إلى العقوبة.
﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ على ظالمه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ عن المؤمنين.
﴿غَفُورٌ﴾ لهم قتالهم في الأشهر الحرم.
...
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿ذَلِكَ﴾ النصر ﴿بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يدخل ظلمة هذا في مكان ضياء ذاك بمغيب الشمس، وضياء ذاك في مكان ظلمة هذا بطلوعها.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٧/ ١٩٥)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٧١).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٣).
(٣) "تعدي" زيادة من "ت".
الحج 22:62
﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء.
...
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿ذَلِكَ﴾ الوصف بكمال القدرة والعلم ﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الذي لا يجوز أن يعبد إلا هو ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة ﴿هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء.
﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ استفهام معنى الخبر.
﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ محكم للأمور برفق ﴿خَبِيرٌ﴾ بما ظهر وبطن.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٣).
الحج 22:64
﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ في ذاته عن كل شيء.
﴿الْحَمِيدُ﴾ المستوجب للحمد بصفاته وأفعاله.
...
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ جعلها مذللة لكم.
﴿وَالْفُلْكَ﴾ أي: وسخر الفلك ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ أي: لكيلا تسقط.
﴿عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إلا بمشيئته، وذلك يوم القيامة. قرأ أبو عمرو، وقالون، والبزي: (السَّمَا أَنْ) بإسقاط الهمزة الأولى بلا عوض منها، ويهمزون الثانية، وقرأ ورش، وقنبل، وأبو جعفر، ورويس: بتسهيل الثانية، فيجعلونها بين الهمزة والألف، ويفتحونها شبه مَدَّة، وقرأ الباقون، [وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح: بتحقيق الهمزتين (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو جعفر،
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٩٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٤).
الحج 22:66
وابن عامر، وحفص: (لَرَءُوفٌ) بالإشباع حيث وقع على وزن فَعول، وقرأ الباقون] (١): بالاختلاس على وزن فَعُل (٢)، والرأفة: أشد الرحمة.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ في الأرحام.
﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند انقضاء الأجل.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بالبعث.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ هو بديل بن ورقاء ﴿لَكَفُورٌ﴾ بالله تعالى وبأنعمه.
...
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ يعني: شريعة هم عاملون بها. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (مَنْسِكًا) بكسر السين، والباقون: بفتحها، وتقدم توجيه القراءتين في الحرف المتقدم [الآية: ٣٤].
﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ أي: لا تنازعهم في الأمر.
(١) ما بين معكوفتين ساقطة من "ش".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٥).
الحج 22:68
﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي: في الذبائح، وذلك أن المشركين قالوا للنبي - ﷺ -: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتله الله -يعني: الميتة-، فنزلت الآية:
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ (١) إلى دينه.
﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ﴾ طريق إلى الحق سويٍّ.
...
﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ وقد ظهر الحق.
﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من المجادلة الباطلة.
...
﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ أيها المؤمنون والكافرون.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين، فتعرفون حينئذ الحق من الباطل.
...
﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه شيء.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٣١).
الحج 22:71
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الموجود فيهما.
﴿فِي كِتَابٍ﴾ في اللوح المحفوظ.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: الإحاطة به ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.
...
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾.
[٧١] ثم أومأ إلى جهالة الكفار بعبادتهم غير المستحق لها، فقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ حجة وبرهانًا على جواز عبادته ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ يعني: فعلوه عن جهل لا عن علم.
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ﴾ المشركين ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب.
...
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ أي: القرآن.
﴿بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أثر الإنكار ﴿الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ يصولون ويبطشون.
﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ هم النبي - ﷺ - وأصحابه رضي الله عنهم، وأصل السطو: القهر.
الحج 22:73
﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ أي: بأشد من سماع القرآن.
﴿النَّارُ﴾ أي: هي النار ﴿وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النار.
...
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾.
[٧٣] ولما كانت دعواهم بأن لله شريكًا جارية في الغرابة والشهرة مجرى الأمثال التي يسار بها، قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ﴾ أي: جُعل ﴿مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ استماع تدبر وتفكر، ثم جهلهم لذلك فقال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ آلهة. قرأ يعقوب: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يقدروا على خلقه مع صغره، والمراد: الذباب المعروف؛ لأنه مثل في الضعف والحقارة ﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ متعاونين عليه، فكيف إذا كانوا منفردين؟
﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ﴾ أي: يسلب ﴿الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ من حلي الأصنام، مع ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ﴾ يخلصوه ﴿مِنْهُ﴾ لعجزهم، وهذه صفة العاجز، فكيف تعبدونه؟! قال ابن عباس: "كانوا يُطْلون أصنامهم بالزعفران، فإذا
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٦).
الحج 22:74
جف، سلبه الذباب، فتعجز الأصنام وعابدوها عن أخذه منهم" (١) ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ﴾ العابد ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ المعبود.
...
﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظموه حق عظمته، ولا وصفوه حق وصفه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ لا يغلبه شيء، وآلهتهم مقهورة عاجزة.
...
﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾.
[٧٥] ولما قال المشركون: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص: ٨]، نزل: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي﴾ (٢) يختار ﴿مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وهم: جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
وغيرهم ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ رسلًا، يدعون إلى الحق، ويبلغون ما نزل عليهم؛ مثل: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد، وغيرهم من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، فأخبر أن الاختيار إليه، يختار من شاء من خلقه.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يختاره لرسالته.
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٢).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٣٣)، و"تفسير القرطبي" (١٢/ ٩٨).
الحج 22:76
﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما قَدَّموا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما خَلَّفوا.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ في الآخرة. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١).
...
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ في صلاتكم ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ وحّدوه، والعبادة عبارة عن الخضوع والتذلل، وهو تعظيم الله [بأمره ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ من صلة الرحم ومكارم الأخلاق.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾] (٢)؛ لكي تسعدوا وتفوزوا بالجنة، وهذا محل سجود عند الشافعي وأحمد؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك، وتقدم اختلاف الأئمة في سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم.
...
(١) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ٢٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١٩٧).
(٢) ما بين معكوفتين ساقطة من "ت".
الحج 22:78
﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ﴾ لله، ومن أجل إعلاء دينه ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ بنية صادقة خالصة لله عز وجل، وقد روي أن رسول الله - ﷺ - لما رجع من غزوة تبوك قال: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" (١)، وأراد بالجهاد الأصغر: جهاد الكفار، وبالأكبر: جهاد النفس.
﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ اختاركم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ضيق في شرعة الملة، والحرج: ما يتعذر عليه الخروج عما يقع فيه، وذلك أنها -أي: الملة- حنيفة سمحة، ليست كشدائد بني إسرائيل وغيرهم، بل فيها التوبة والكفارات والرخص، ونحو هذا مما كثر عده.
﴿مِلَّةَ﴾ أي: كَمِلَّة ﴿أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ ونصب بنزع حرف الصفة، وقوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ﴾ خطاب للعرب؛ لأنهم كانوا من نسل إبراهيم.
﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ المعنى: الله سماكم المسلمين.
﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إنزال القرآن في الكتب المتقدمة.
(١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٣٩٥): غريب جدًّا، وذكره الثعلبي هكذا من غير سند. ورواه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" (١٣/ ٥٢٣)، عن جابر -رضي الله عنه- بإسناده فيه ضعف. وانظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (ص: ١٩٦)، و"الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٥١)، و"كشف الخفاء" للعجلوني (١/ ٥١١). ﴿وَفِي هَذَا﴾ الكتاب، وهو القرآن ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة أن قد بلغكم ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن رسلهم قد بلَّغتهم، واللام في (١) (لِيَكُونَ) متعلقة بقوله: (اجْتبَاكُمُ).
﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ المفروضةَ بالمداومة عليها.
﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أَدُّوها كما أنعم عليكم.
﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ ثقوا به، وارفضوا التوكل على سواه.
﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ الذي يليكم نصره وحفظه.
﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا إله إلا هو إليه المصير، والله أعلم.
...
(١) "في": ساقطة من "ت".
المؤمنون 23:1
سُوْرَةُ المؤمنُونَ
مكية وآيها: مئة وثماني عشرة آية، وحروفها: أربعة آلاف وثماني مئة وحرفان، وكلمها: ألف وثماني مئة وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾.
[١] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي: سعد المصدقون ونالوا البقاء في الجنة، والفلاح: هو النجاح والبقاء، و (قَدْ) تُثبت المتوقع، كما أن (لما) تنفيه، ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك، صدرت بها بشارتهم.
وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "لقد أُنزل علي عشر آيات، من قام بهن، دخل الجنة، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى عشر آيات" (١). قرأ ورش عن نافع: (قَدَ أَفْلَحَ) بنقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وهو الدال، وحذفها، وحمزة له النقل إذا وقف بخلاف عنه، والوجهان من
(١) رواه الترمذي (٣١٧٣)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة المؤمنون، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٤٣٩)، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٤)، والحاكم في "المستدرك" (١٩٦١)، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. وإسناده ضعيف، انظر: "الضعفاء" للعقيلي (٤/ ٤٦٠).
المؤمنون 23:2
النقل والتحقيق عن حمزة صحيحان معمول بهما (١). وقرأ أبو عمرو، وورش، وأبو جعفر (٢): (الْمُومِنُونَ) حيث وقع بواو ساكنة بغير همز، والباقون: يهمزونه (٣).
...
﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾.
[٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ مُخبتون أذلاء، ملزمون أبصارَهم مساجدَهم، وهو المسنون عند الأئمة الثلاثة، وقال مالك: ينظر أمام قبلته، وليس عليه أن ينظر إلى حيث يسجد، ولا إلى موضع معين، والخشوع قريب من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والخشوع في البدن والبصر والصوت، قال الله تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ [طه: ١٠٨]، وأضيفت الصلاة إلى المؤمنين؛ لأنهم هم المنتفعون بها.
روي أن سبب نزولها: أن المسلمين كانوا يلتفتون في صلاتهم (٤) يمنة ويسرة، فنزلت الآية (٥)، وأمروا أن يكون بصر المصلي حذاء قبلته، أو بين يديه، وفي الحرم إلى الكعبة.
...
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠١).
(٢) "أبو جعفر" زيادة من "ت".
(٣) سلفت في عند تفسير الآية (٣) من سورة البقرة.
(٤) في "ش": "صلواتهم".
(٥) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٨٣).
المؤمنون 23:3
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ﴾ وهو كل ما لا يجمل في الشرع من قول وفعل ﴿مُعْرِضُونَ﴾.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ﴾ المفروضة (١) ﴿فَاعِلُونَ﴾ أي: مؤدُّون.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ بالتعفف عن الحرام، والفرج: اسم يجمع سوءة الرجل والمرأة.
...
﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: زوجاتهم، والآية في الرجال خاصة؛ بدليل قوله:
﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من السراري.
﴿فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ على إتيانهن في المآتي.
...
(١) "المفروضة" زيادة من "ت".
المؤمنون 23:7
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.
[٧] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي: طلب سوى الزوجات والسراري.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ المعتدون، استدل بذلك بعض العلماء على أن الاستمناء باليد حرام، وهو مذهب الثلاثة، ومذهب أحمد: يُباح إذا لم يجد طَوْلًا لحرة، ولا ثمنَ أمة، وخاف الزنا، فإن فعله لغير حاجة، عُزر لفعله محرمًا، وحكم المرأة عنده كالرجل، فتستعمل شيئًا مثل الذكر عند الخوف من الزنا.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ جمع أمانة، وهي كل ما يؤتمن عليه؛ كأموال وحرم وأسرار. قرأ ابن كثير: (لِأمَانَتِهِمْ) بغير ألف بعد النون على التوحيد؛ لقوله: (وَعَهْدِهِمْ)، وقرأ الباقون: بالألف على الجمع، لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) [النساء: ٥٩].
﴿وَعَهْدِهِمْ﴾ لمن عاهدهم أو عاهدوه ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٢).
المؤمنون 23:10
(صَلاَتِهِمْ) على التوحيد، والباقون: (صَلَوَاتِهِمْ) على الجمع (١) والتوحيد، اسم جنس، فهو في معنى الجمع.
﴿يُحَافِظُونَ﴾ يداومون، وكررت الصلاة؛ لأنها أعظم العبادات.
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿أُولَئِكَ﴾ أهل هذه الصفة ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ يوم القيامة منازلَ الكفار من الجنة؛ لأن لكل واحد منزلين: منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالمؤمن يرث منزل الكافر من الجنة، والكافر يرث منزل المؤمن من النار.
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ هو أعلى الجنة.
﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ لا يموتون ولا يخرجون، وقد ورد "أن الله تعالى خلق ثلاثة أشياء بيده: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي وجلالي! لا يدخلها مدمن خمر ولا ديوث" (٢).
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَلَقَدْ﴾ ابتداء كلام، والواو في أوله عاطفة جملة الكلام على
(١) المصادر السابقة.
(٢) رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٥/ ١٥٥٥)، والبيهقي في "الأسماء والصفات" (٢/ ٢٣٥)، عن عبد الله بن الحارث -رضي الله عنه-.
المؤمنون 23:13
جملة وإن تباينت في المعاني ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ هو آدم عليه السلام.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أي: من طينة مستلة، والسلالة: خلاصة الشيء، والعرب تسمي النطفة: سلالة، والولد: سليلًا؛ لأنهما مسلولان من الرجل.
...
﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: ابن آدم ﴿نُطْفَةً﴾ من مني.
﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ الرحم.
...
﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ وتقدم تفسيرها في سورة الحج، والنطفة تقع في اللغة على قليل الماء وعلى كثيره، وهي ها هنا مني ابن آدم.
﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ و (خلقنا) في الثلاثة المواضع بمعنى: صيرنا.
﴿فَكَسَوْنَا﴾ أي: ألبسنا ﴿الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (عَظْمًا) (فَكَسَوْنَا الْعَظْمَ) بفتح العين وإسكان الظاء من غير ألف على التوحيد فيهما، وقرأهما الباقون: بكسر العين وفتح الظاء وألف بعدها على الجمع (١).
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ بنفخ الروح فيه، وقيل: هو تغير أحواله من ولادة إلى رضاع إلى قعود إلى قيام إلى مشي إلى أكل وشرب إلى تقلب في البلاد.
﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي: تعالى وتقدس، وتبدل منه.
﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ المقدِّرين، والخلق في اللغة: التقدير.
روي أن ابن أبي السرح كان يكتبها لدى النبي - ﷺ -، فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فقال - ﷺ -: "اكتبها، فهكذا أنزلت"، فارتد وقال: إن كان محمد يوحى إليه، فأنا يوحى إلي، ثم أسلم يوم الفتح (٢).
قال (٣) الكواشي: وليس لأحد بهذه الحكاية طعن في القرآن، ولا في إعجازه؛ لأن الكلمة والكلمتين قد تتفق لمن لم يتقدم له قدم في قرآن ولا كلام ولا شعر، ولا يحصل بالكلمة والكلمتين إعجاز، وأقل ما يحصل الإعجاز بالسورة الواحدة، قال ابن جريج: إنما جمع الخالقين؛ لأن عيسى كان يخلق.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٣).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٧/ ٢٧٣)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١٣٤٧)، عن السدي. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٤٤٤).
(٣) في "ت": "فقال".
المؤمنون 23:15
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد تمام خلقكم.
﴿لَمَيِّتُونَ﴾ عند انقضاء آجالكم، والميت: من مات، والمائت: من سيموت.
...
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ للمحاسبة والمجازاة.
...
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ أي: سموات، جمع طريقة، سميت بذلك؛ لتطارق بعضها فوق بعض ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ فنسقط السماء عليهم.
...
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ بمقدار ما علمنا من كفايتهم.
﴿فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ فجعلناه ثابتًا مستقرًا، ثم أخرجنا منه ينابيع، وكل ماء في الأرض من السماء، ثم امتن عليهم بإبقاء الماء فقال:
﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ﴾ أي: على إزالته.
المؤمنون 23:19
﴿لَقَادِرُونَ﴾ فتموتون عطشًا، وتهلك مواشيكم، وتخرب أراضيكم.
وفي الخبر: "أن الله تعالى أنزل أربعة أنهار من الجنة: سيحان، وجيحان، ودجلة، والفرات" (١).
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "خمسة أنهار" فزاد بعد الأربعة: "والنيل" (٢).
...
﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ﴾ أي: بالماء ﴿جَنَّاتٍ﴾ بساتين (٣).
﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا﴾ في الجنات ﴿فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ تتفكهون بها ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ تغذيًا، وخص النخل والأعناب بالذكر؛ لأنها أكثر فواكه العرب بالحجاز بالطائف والمدينة وغيرهما؛ ولأنهما أشرف الثمار، وذكرها مثالًا؛ تشريفًا لها، وتنبيهًا عليها.
...
(١) رواه ابن أبي الدنيا عن ابن عطاف، كما ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٦/ ٩٥).
(٢) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٦/ ٣١٥)، وابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٣٤)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١/ ٥٧). وقد روى مسلم (٢٨٣٩)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ - "سيحان وجيحان، والفرات والنيل، كلٌّ من أنهار الجنة".
(٣) "بساتين" زيادة من "ت".
المؤمنون 23:20
﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَشَجَرَةً﴾ عطف على ﴿تَخْرُجُ﴾ أي: وأنشأنا لكم شجرة هي الزيتون.
﴿مِنْ طُورِ﴾ أي: جبل ﴿سَيْنَاءَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بكسر السين، والباقون: بفتحها (١)، ومعناهما: البركة؛ أي: من جبل مبارك.
﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (تُنْبِتُ) بضم التاء وكسر الباء؛ من أنبت، فالباء زائدة، وفائدة زيادتها دلالتها على ملازمة الإنبات للدهن؛ أي: تخرج الدهن، وقرأ الباقون: بفتح التاء وضم الباء؛ من نبت (٢)؛ أي: تنبت بثمرة الدهن، وهو الزيتون، وقيل: تنبت ومعها الدهن؛ كما تقول: خرج زيد بسلاحه، فملخص الاختلاف بين القراء: أن قراءة ابن كثير، وأبي عمرو (سِينَاءَ) بكسر السين (تُنْبِتُ) بضم التاء وكسر الباء، وقراءة نافع، وأبي جعفر: بكسر السين، و (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء، وقراءة الكوفيين، وابن عامر، وروح: بفتح السين، و (تَنْبُتُ) بفتح التاء وضم الباء، وقراءة رويس: بفتح السين وضم التاء وكسر الباء.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٥).
المؤمنون 23:21
﴿وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ والصبغ: هو الإدام، معطوف على الدهن؛ أي: تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنًا يدهن به ويسرج منه، وكونه إدامًا يصبغ فيه الخبز؛ أي: يُغمس فنيه للائتدام.
...
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ آية تعتبرون بها.
﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ من الألبان. قرأ أبو جعفر (تسقِيكُمْ) بالتاء مفتوحة؛ أي: تسقيكم الأنعامُ، وقرأ الباقون: بالنون؛ أي: نحن، وفتح النونَ: نافع، وابن عامر، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم، وضمها الباقون (١).
﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ في ظهورها وأصوافها وشعورها.
﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ فتنتفعون بأعيانها.
...
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي: الإبل في البر.
﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٦).
المؤمنون 23:23
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحدوه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ معبود سواه. قرأ أبو جعفر، والكسائي: (غَيْرِهِ) بكسر الراء على نعت الإله حيث وقع، والباقون: بالرفع على التقديم (١)؛ أي: ما لكم غيره من إله.
﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ أفلا تخافون أن يهلككم إذا عبدتم غيره؟!
...
﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ الملأ: الأشراف.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يعلوكم؛ بأن يصير متبوعًا، وأنتم له تبع.
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ ألَّا يعبد سواه ﴿لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً﴾ بإبلاغ الوحي.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي يدعونا إليه نوح.
﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ وفي قول هؤلاء استبعاد بعثة البشر، وهم مقرون بالملائكة.
(١) انظر: "التيسير" للداني (صى: ١١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٧).
المؤمنون 23:25
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أي: جنون.
﴿فَتَرَبَّصُوا بِهِ﴾ فاحتملوه وانتظروا.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: إلى أن يموت.
...
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿قَالَ﴾ بعدما أيس من إيمانهم: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي﴾ بإهلاكهم ﴿بِمَا كَذَّبُونِ﴾ أي: بسبب تكذيبهم إياي. قرأ يعقوب: (كَذَّبُوني) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بحفظنا؛ أي: محفوظة؛ لأنه كان يعمل السفينة، ولا يخطئ في عملها ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أمرنا.
﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ بالركوب. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَمْرُنَا) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ روي أنه قيل لنوح: إذا فار الماء من التنور، اركب
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١١).
المؤمنون 23:28
أنت ومن معك، فلما نبع الماء منه، أخبرته امرأته، فركب، وهو تنور الخبز في قول الأكثر، ومحله الكوفة عن يمين الداخل مما يلي باب كندة، وقيل: عين وردة من الشام، وقيل غير ذلك.
﴿فَاسْلُكْ﴾ فأدخل ﴿فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ صنفين من الحيوان.
﴿اثْنَيْنِ﴾ ذكرًا وأنثى، وقيل لهما زوجان؛ لأن كل واحد منهما يقال له زوج؛ لأنه لا بد لأحدهما من الآخر. قرأ حفص: (مِنْ كُلٍّ) بالتنوين؛ أي: من كل صنف زوجين اثنين، ذكره تأكيدًا، والباقون: بغير التنوين على الإضافة (١)، على معنى: احمل اثنين من كل زوجين، والقراءتان ترجعان إلى معنًى واحد، وتقدم ذكر القصة مستوفًى في سورة هود.
﴿وَأَهْلَكَ﴾ أي: واحمل أهلك من النسب ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ أي: سبق عليه الحكم بالهلاك، وهو كنعان، وامرأتك واعلة مستثنى من الأهل.
﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: أشركوا؛ بالدعاء لهم بالإنجاء ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ لا محالة.
...
﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ﴾ استقررت.
﴿أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ راكبًا فيها عاليًا فوقها.
﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٨).
المؤمنون 23:29
﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (مَنْزِلًا) بفتح الميم وكسر الزاي؛ أي: مكانًا، والمراد: بطن السفينة، وقرأ الباقون: بضم الميم وفتح الزاي، مصدر بمعنى: الإنزال (١)، وبركة السفينة: النجاة فيها ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ثناء مطابق لدعائه.
...
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فيما فعل بنوح وقومه ﴿لَآيَاتٍ﴾ دلالات على قدرتنا.
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ لمصيبين ببلاء، ومختبرين اختبارًا يؤدي إلى ذلك، و (إِنْ) عند سيبويه مخففة من الثقيلة، واللام لام تأكيد.
...
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد إهلاك قوم نوح.
﴿قَرْنًا آخَرِينَ﴾ يعني: قوم عاد.
...
﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ يعني: هودًا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٨).
المؤمنون 23:33
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: قلنا لهم على لسان الرسول: اعبدوا الله.
﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ فتؤمنون.
وقيل: إن القرن هم ثمود، ورسولهم صالح، قال البغوي: الأول أظهر (١).
...
﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ أي: بالمصير إليها ﴿وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ نعمناهم، ووسعنا عليهم.
﴿مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ منه.
...
﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ لمغبونون؛ حيث أذللتم أنفسكم.
...
﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ﴾ قرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف عن عاصم: (مِتُّمْ) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٦).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٩).
المؤمنون 23:36
﴿وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم، استفهام بمعنى التوقيف على جهة الاستبعاد، وبمعنى الهزء بهذا الوعد، و (أَنَّكمْ) الثانية بدل من الأولى، وفيها معنى تأكيد الأول، وكررت لطول الكلام.
...
﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾.
[٣٦] ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ﴾ كناية عن البعد، التقدير: بَعْدَ الوجود.
﴿لِمَا تُوعَدُونَ﴾ قرأ أبو جعفر: بكسر التاء منهما بغير تنوين، والباقون بفتحها فيهما، ووقف بالهاء: البزي، والكسائي، وروح، والباقون: يقفون عليهما بالتاء، وهو المختار (١).
...
﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ أرادوا: أنه لا وجود غير هذا الوجود ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت بعض، ويولد بعض ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ بعد الموت كما تزعم.
...
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿إِنْ هُوَ﴾ يعنون: الرسول.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٦٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ١٣١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٦)، و"النشر في القراءات العشر"لابن الجزري (٢/ ١٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٠٩ - ٢١١).
المؤمنون 23:39
﴿إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ﴾ بمصدقين بالبعث.
...
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ﴾ بسبب تكذيبهم إياي. قرأ يعقوب: (كَذَّبُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١).
...
﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ﴾ عن زمان قليل و (ما) صلة لتوكيد معنى القلة ﴿لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ على تكذيبهم إذا عاينوا العذاب.
...
﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ﴾ بما استحقوا من أفعالهم، وبما حق منا في عقوبتهم، صاح عليهم جبريل عليه السلام، فدمرهم.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً﴾ هلكى كغثاء السيل لا ينتفع به، وهو ما يحمله الماء على وجهه من الزبد والبالي من النبات.
﴿فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يحتمل الإخبار والدعاء.
...
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١١).
المؤمنون 23:42
﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا﴾ أقوامًا.
﴿آخَرِينَ﴾ كقوم صالح ولوط وشعيب.
...
﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ المكتوبَ لها ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ عنه.
...
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى﴾ مترادفين واحدًا بعد واحد. قرأ أبو عمرو: (رُسْلَنَا) بإسكان السين حيث وقع، والباقون: بضمها، وقرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (تَتْرًى) بالتنوين، ويقفون بالألف، وهي ألف إلحاق، وقرأ الباقون: بغير تنوين، ونصبها على القراءتين حال، وأمال فتحة الراء: ورش، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو عمرو في الوقف بخلاف عنه (١) ﴿كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ أضاف الرسول مع الإرسال إلى المرسِل، ومع المجيء إلى المرسَل إليهم؛ لأن الإرسال الذي هو مبدأ الأمر منه، والمجيء الذي هو منتهاه إليهم. قرأ نافع، وأبو عمرو،
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٢).
المؤمنون 23:45
وابن كثير، وأبو جعفر، ورويس: (جَاءَ أُمَّةً) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية (١)، وهي أن تجعل بين بين، وقرأ الباقون، وهم: الكوفيون، وابن عامر، وروح: بتحقيق الهمزتين، ولم يقع في القرآن همزة مضمومة بعد همزة مفتوحة من كلمتين سوى هذا الحرف فقط (٢).
﴿فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا﴾ أهلكنا بعضهم في إثر بعض.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ يُتمثل بهم في الشر ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالله.
...
﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة ظاهرة؛ كاليد والعصا وغيرهما.
...
﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإيمان.
﴿وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ متكبرين بالظلم.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٤٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٢).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٣).
المؤمنون 23:47
﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿فَقَالُوا﴾ يعني: فرعون وقومه ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ يعنون: موسى وهارون ﴿وَقَوْمُهُمَا﴾ يعني: بني إسرائيل ﴿لَنَا عَابِدُونَ﴾ خاضعون متذللون كالعباد.
...
﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ بالغرق في بحر قلزم، وتقدم ذكره في سورة البقرة.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني: قوم موسى.
...
﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ﴾ عيسى عليه السلام ﴿وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ولم يقل: آيتين؛ لأن المراد جعلنا قصتهما آية، وهي آيات مع التفصيل ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ أي: مكان مرتفع، وهو بيت المقدس، وهي أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلًا، وقيل: دمشق، وقيل: رملة فلسطين.
قال ابن عطية: ويترجح أن الربوة هي بيت لحم من بيت المقدس؛ لأن
المؤمنون 23:51
ولادة عيسى هنالك كانت، وحينئذ كان الإيواء، وقيل: الربوة بأرض مصر (١). قرأ ابن كثير، وعاصم: (رَبْوَةٍ) بفتح الراء، والباقون: بضمها (٢) ﴿ذَاتِ قَرَارٍ﴾ مستوية يستقر عليها ساكنوها ﴿وَمَعِينٍ﴾ ماء جار ظاهر؛ من المعن: الإسراع والإبعاد.
...
﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ هو خطاب لمحمد - ﷺ -، والمراد به: أن الله تعالى أخبر أنه قد قال لجميع الرسل قبله: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالات.
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ والصلاح: هو الاستقامة على ما توجبه الشريعة.
﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فأجازيكم عليه.
...
﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ أي: ملتكم التي أنتم عليها ﴿أُمَّةً﴾ شريعة ﴿وَاحِدَةً﴾ وهي الإسلام. قرأ الكوفيون: (وَإِنَّ) بكسر الهمزة على الابتداء، والباقون: بفتحها، وانفرد ابن عامر بتخفيف النون، وجعل (أن) صلة، مجازه: وهذه أمتكم، والباقون: بتشديد [النون (٣)؛ على معنى: وبأن هذه.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ١٤٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٣).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"النشر في القراءات =
المؤمنون 23:53
﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ فاحذرون. قرأ يعقوب: (فَاتّقُونِي) بإثبات] (١) الياء.
...
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿فَتَقَطَّعُوا﴾ أي: الأتباع ﴿أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ تفرقوا دينهم.
﴿زُبُرًا﴾ جمع زبور، وهو الفرقة والطائفة، فصاروا فرقًا يهودًا ونصارى ومجوسًا، وتحزبوا في دينهم أحزابًا.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ بما عندهم من الباطل.
﴿فَرِحُونَ﴾ بما ابتدعوه، معتقدون أن دينهم حق.
...
﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾.
[٥٤] ثم قال تهديدًا لهم وتسلية له - ﷺ -: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ﴾ جهالتهم.
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ إلى حين إتيان العذاب، ونُسخت بآية السيف.
...
﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ﴾ أي: ما نعطيهم ونجعله مددًا لهم.
﴿مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ﴾ في الدنيا.
...
= العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٨)، و"معجم القراءات القرانية" (٤/ ٢١٤ - ٢١٥).
(١) ما بين معكوفتين سقط من "ش".
المؤمنون 23:56
﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ أي: لا يتوهمون أن تعجيلنا (١) لرضانا عنهم. قرأ الدوري عن الكسائي: (نُسَارِعُ) و (يُسَارِعُونَ) بالإمالة (٢).
﴿بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أن ذلك استدراج لهم.
...
﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ثم أخبر عن المسارعين إلى الخيرات فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون من عقابه.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون.
...
﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ شركًا جليًّا ولا خفيًّا.
...
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾ يؤدون ما أدوا من زكاة وغيرها.
(١) "أن تعجلينا" ساقطة من "ش".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٦ - ٢١٧).
المؤمنون 23:61
﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ خائفة ألَّا تقبل منهم ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: لأنهم ﴿إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ فحذفت اللام؛ أي: لأنهم يوقنون أن مرجعهم إلى الله، فيكون قوله ﴿أَنَّهُمْ﴾ علة لقوله: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾.
...
﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بهذه الصفات ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ يبادرون إلى الأعمال الصالحة.
﴿وَهُمْ لَهَا﴾ أي: من أجلها ﴿سَابِقُونَ﴾ إلى رضوان الله تعالى.
...
﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ طاقتَها، فمن لم يستطع القيام، فليصلِّ قاعدًا، أو من لم يستطع الصوم، فليفطر.
﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ﴾ وهو اللوح المحفوظ ﴿يَنْطِقُ بِالْحَقِّ﴾ بما سُطر فيه.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُنقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيئاتهم.
...
﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ثم ذكر الكفار فقال: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ في غفلة.
﴿مِنْ هَذَا﴾ القرآن.
المؤمنون 23:64
﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: دون الشرك، وهي سعايات فساد.
﴿هُمْ لَهَا عَامِلُونَ﴾ فيعذبون بها.
...
﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿حَتَّى﴾ هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية، وهي:
﴿إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ﴾ أي: أغنياءهم ﴿بِالْعَذَابِ﴾ وهو قتلهم يوم بدر.
﴿إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ﴾ يرفعون أصواتهم بالدعاء.
...
﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ﴾ لا تَضِجُّوا.
﴿إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ﴾ لا تُمنعون، المعنى: استغاثتكم لا تمنعكم من عذابنا.
...
﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون القهقرى عن الإيمان.
...
﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ متعظمين بالبيت الحرام، كانوا يقولون:
المؤمنون 23:68
لا يظهر علينا أحد؛ لأنا أهل الحرم.
﴿سَامِرًا﴾ أي: سمَّارًا؛ أي: متحدثين، ونصبه على الحال.
﴿تَهْجُرُونَ﴾ قرأ نافع: بضم التاء وكسر الجيم؛ من الإهجار، وهو الإفحاش؛ أي: تفحشون، وقرأ الباقون: بفتح التاء وضم (١) الجيم؛ من هجر، وهو الهذيان؛ من قولهم: هجر الرجل في منامه: إذا هذى (٢).
...
﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ألم يعتبر المشركون القرآن، فيعلموا حال من تقدمهم، فيؤمنوا ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ جاءتهم براءة من العذاب لم تأت آباءهم.
...
﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾ محمدًا - ﷺ -.
﴿فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ جاحدون، وهو استفهام توبيخ وإنكار عليهم؛ لإعراضهم عنه بعد معرفتهم إياه بالصدق والأمانة.
...
(١) في "ت": "وكسر" وهو خطأ.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢١٨).
المؤمنون 23:70
﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ جنون، وليس كذلك.
﴿بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن وما فيه من شرائع الإسلام.
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾؛ لأنه يخالف شهواتهم.
...
﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في جعل شريك له، والحق هو الله.
﴿لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ لما سبق تقريره في سورة الأنبياء في قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الآية: ٢٢].
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ﴾ بما يذكرهم، وهو القرآن.
﴿فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليه.
...
﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ﴾ على ما جئتهم به.
﴿خَرْجًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (خَرَاجًا) بفتح الراء وألف بعدها، والباقون: بإسكان الراء من غير ألف، وتقدم تفسيره في سورة الكهف عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ [الآية: ٩٤].
المؤمنون 23:73
﴿فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ أي: رزقه وثوابه. قرأ ابن عامر: (فَخَرْجُ رَبِّكَ) بإسكان الراء من غير ألف، والباقون: بفتح الراء وألف بعدها (١).
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ أفضل المعطين.
...
﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام.
...
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ لعادلون عن الطريق.
...
﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ولما أراد النبي - ﷺ - الدعاء برفع القحط عن قريش، نزل: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ﴾ قحط وجوع.
﴿لَلَجُّوا﴾ لتمادَوْا ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾ وكفرهم بمحمد - ﷺ -.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ عن الهدى.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥ و ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٠).
المؤمنون 23:76
روي أن أهل مكة قحطوا حتى أكلوا العِلْهَز، وهو وَبَر الجمال، وذلك حين دعا رسول الله - ﷺ - بقوله: "اللهمَّ سَبْعًا كسني يوسف" الحديث، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: أنشدك الله والرحِمَ ألست تزعم أنك بُعثت رحمة للعالمين؟! فقال: "بلى"، فقال: قد قتلت الآباء بالسيف، والأبناءَ بالجوع، فادع الله يكشف عنا هذا القحط، فنزلت الآية (١). قرأ الدوري عن الكسائي: (طُغْيَانِهِمْ) بالإمالة حيث وقع (٢).
...
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ يعني: القتل والجوع.
﴿فَمَا اسْتَكَانُوا﴾ فما خضعوا.
﴿لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ أي: لم يتضرعوا، بل مضوا على تمردهم.
...
﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ هو القتل يوم بدر.
﴿إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون من كل خير.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (١٨/ ٤٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٣)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ١١١)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٢/ ٤٠٥)، و"لباب النقول" للسيوطي أيضًا (ص: ١٥٢).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٠).
المؤمنون 23:78
﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ القلوب.
﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ أي: لم تشكروا قليلًا ولا كثيرًا.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: القدرة التي عنها ذلك، والاختلاف هنا: التعاقب.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فتستدلون بالصنعة على صانعها فتؤمنون؟!
...
﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ﴾ وقوله: (بَلْ) إضراب، والجحد قبله مقدر؛ كأنه قال: ليس لهم نظر في هذه الآيات، أو نحو هذا، و (الأَوَّلُونِ) يشير به إلى الأمم الكافرة؛ كعاد وثمود.
...
﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ محشورون، قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبار بالأول منهما، والاستفهام بالثاني، وعكسه، والاستفهام فيهما، وفي ضم الميم وكسرها من (متنا)، فقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (إذا) بالإخبار، (مُتْنَا): بضم الميم، (أَئِنَّا): بالاستفهام، فابن عامر يحقق الهمزتين، وأبو جعفر يسهل الثانية، ويفصل بينهما بألف، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين، وقرأ نافع: (أَئِذَا): بالاستفهام وتسهيل الهمزة الثانية، (مِتْنَا): بكسر الميم و (إِنَّا): بالإخبار، ووافقه رويس عن يعقوب في حكم الهمزتين، وخالفه في الميم، فقرأها: بالضم، وقرأ الكسائي: (أَئِذَا): بالاستفهام، ويحقق الهمزتين، (مِتْنَا): بكسر الميم، و (إِنَّا): بالإخبار، ووافقه روح عن يعقوب في حكم الهمزتين، وقرأ: (مُتْنَا) بضم الميم؛ كرويس، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا): بالاستفهام فيهما، فابن كثير، وأبو عمرو يسهلان الهمزة الثانية منهما، وأبو عمرو يفصل بينهما بألف، واتفقا على ضم الميم من (مُتْنَا)، وعاصم، وحمزة، وخلف: يحققون الهمزتين منهما، ويكسر حمزة وخلف الميم، واختلف عن عاصم، فقرأ أبو بكر عنه: بالضم، وحفص: بالكسر، فمن قرأ بالاستفهامين، فذلك للتأكيد، ومن استفهم في الأول فقط، فإنما يقصد بالاستفهام الموضع الثاني (١)، تقديره: أنبعث ونحشر إذا، ومن استفهم في الثاني فقط، فمعناه: إذا كنا ترابًا، أنبعث؟
...
(١) سلفت عند تفسير الآية (٥) من سورة رعد.
المؤمنون 23:83
﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ﴾ هذا الوعد ﴿وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: وعدهُ آباءَنا قومٌ ذكروا أنهم رسل الله، فلم نر له حقيقة.
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم التي كتبوها، جمع أسطورة.
...
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿قُلْ﴾ يا محمد مجيبًا لأهل مكة:
﴿لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ من الخلق.
﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خالقها؟
...
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥)﴾.
[٨٥] فإنهم ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فثم.
﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ الأدلة الدالة على الصانع، فتؤمنون؟
...
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾.
***
المؤمنون 23:87
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله تعالى.
...
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملكوت: الملك، والتاء فيه للمبالغة.
﴿وَهُوَ يُجِيرُ﴾ يمنع من (١) السوء ﴿وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ ولا يمنع (٢) منه من أراده بسوء ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قيل: معناه: أجيبوا إن كنتم تعلمون.
...
﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾.
[٨٩] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ فكيف تخدعون عن طاعته؟ المعنى: كيف يخيل لكم الحق باطلًا؟ اختلف القراء في (سَيَقُولُونَ لِلهِ) في الحرفين الأخيرين، فقرأ أبو عمرو، ويعقوب: بإثبات ألف الوصل قبل اللام فيهما، ورفع الهاء من الجلالتين جوابًا على اللفظ؛ لأنك تقول: من رب هذا؟ فالجواب: فلان؛ لأنه جواب (من) لفظًا، وكذلك رسمًا في المصاحف البصرية، وقرأ الباقون: (لِلهِ) بغير ألف فيهما، وخفض الهاء،
(١) في "ش": "عن".
(٢) "ولا يمنع" ساقطة من "ش".
المؤمنون 23:90
وكذلك رسمًا في مصاحف الحجاز والشام والعراق (١)، فجعلوا الجواب على المعنى؛ يقول القائل للرجل: من مولاك؟ فيقول: لفلان؛ أي: أنا لفلان، وهو مولاي، واتفقوا على الحرف الأول أنه (لِلهِ)؛ لأن قبله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾، فجاء الجواب على لفظ السؤال، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُونَ) بتخفيف الذال، والباقون: بالتشديد (٢)، وقرأ رويس عن يعقوب: (بِيَدِهِ) باختلاس كسرة الهاء، والباقون: بالإشباع (٣).
...
﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق.
﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في ادعائهم الشريك، وتكذيب الرسل.
...
﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾.
[٩١] ثم أكد تكذيبهم بقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٤ - ٢٥٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢١).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢١).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٢).
المؤمنون 23:92
﴿إِلَهٍ﴾ أي: شريك، فالتقدير: ولو كان معه آلهة.
﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ لانفرد به، ولم يرض بإضافة خلقه.
إلى غيره ﴿وَلَعَلَا﴾ ارتفع ﴿بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ مغالبة وتكبرًا؛ لأن كل إله يطلب انفراده بألوهيته وخلقه ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾ أي: تعظَّم ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ له من الشريك والولد.
...
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾.
[٩٢] ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (عَالِمُ) برفع الميم على الابتداء، واختلف عن رويس حالة الابتداء، وقرأ الباقون: بجرها على نعت الله في (سُبْحَانَ اللهِ) (١).
﴿فَتَعَالَى﴾ الله (٢) ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به من الأصنام وغيرها.
...
﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣)﴾.
[٩٣] ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي﴾ أي: إن أريتني.
﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ من القتل والعذاب.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٢).
(٢) لفظ الجلالة "الله" لم يرد في "ت".
المؤمنون 23:94
﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: فاجعلني خارجًا منهم إذا نزل بهم العذاب.
...
﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾.
[٩٥] ثم أومأ إلى حلول العذاب بهم فقال: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب ﴿لَقَادِرُونَ﴾ وقد أراه عذاب المشركين ببدر وغيرها.
...
﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ثم أمره بالعفو عنهم فقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي﴾ أي: بالخلة التي.
﴿هِيَ أَحْسَنُ﴾ وهي الصفح ومكارم الأخلاق ﴿السَّيِّئَةَ﴾ الصادرةَ منهم إليك (١)، ونسخت بآية السيف، ثم تهددهم بقوله:
﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ من الشريك.
...
﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾.
[٩٧] ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ﴾ أمتنعُ وأعتصم بك ﴿مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ وساوسِهم ونزغاتهم، وأصل الهمزة: شدة الدفع.
...
(١) "إليك" ساقطة من "ش".
المؤمنون 23:98
﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ عند الموت، ويحوموا حولي في شيء من الأحوال؛ لأن الشيطان إذا حضره يوسوسه.
...
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾.
[٩٩] ثم أخبره أن هؤلاء الكفار الذين ينكرون البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت، فقال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ جمع الضمير تعظيمًا لله تعالى؛ أي: ردوني إلى الدنيا. قرأ يعقوب: (يَحْضُرُونِي) (ارْجِعُونِي) بإثبات الياء فيهما، وحذفها الباقون (١)، واختلافهم في الهمزتين من (جَاءَ أَحَدَهُمُ) كاختلافهم فيهما من: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
...
﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ بأن أقول: لا إله إلا الله. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢).
﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ ضَيَّعْت من عمري.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٣).
المؤمنون 23:101
﴿كَلَّا﴾ ردع عن طلب الرجعة، واستبعاد لذلك ﴿إِنَّهَا﴾ يعني: سؤاله الرجعة ﴿كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ ولا ينالها.
﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أي: أمامهم ﴿بَرْزَخٌ﴾ أي: حاجز، وهو القبر.
﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فلا يرجعون أبدًا؛ لأنه لا رجوع بعد البعث.
...
﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.
[١٠١] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهو القرن، وهذا عند النفخة الأولى، وقيل: عند النفخة الثانية إذا بعث الناس ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ يفتخرون بها ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في الآخرة؛ كما يفتخرون في الدنيا ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ كما يتساءلون في الدنيا؛ لاشتغال كلٍّ بنفسه. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَلاَ أَنْسَاب بَّيْنَهُمْ) بإدغام الباء الأولى في الثانية (١).
...
﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ بالحسنات.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والدرجات.
...
﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٤).
المؤمنون 23:103
[١٠٣] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ بالسيئات.
﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ غبنوها، فهم.
﴿فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ وجمع الموازين من حيث الموزون جمع، وهي أعمال، ومعنى الوزن: إقامة الحجة على الناس بالمحسوس على عادتهم وعرفهم.
...
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿تَلْفَحُ﴾ تحرق ﴿وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ عابسون، بادية أسنانهم؛ لتشمير شفاههم منها؛ لشدة ما يلقون.
وفي الحديث: "إن النار لتشويه، وتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى تضرب سرته" (١).
...
﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿أَلَمْ﴾ أي: يقال لهم: ألم.
﴿تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ يعني: القرآن.
﴿فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ تذكيرًا لهم بما استحقوا هذا العذاب لأجله.
...
(١) رواه الترمذي (٢٥٨٧)، كتاب: صفة جهنم، باب: ما جاء في صفة أهل النار، وقال: حسن صحيح غريب، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٨٨)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٩٠)، وغيرهم عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
المؤمنون 23:106
﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ أي: غلبنا الشقاء الذي كتب علينا فلم نهتد. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (شَقَاوَتنُا) بفتح الشين والقاف وألف بعدها، وقرأ الباقون: بكسر الشين وإسكان القاف من غير ألف، وهما لغتان (١).
﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الهداية.
...
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] فعند دخولهم النار يقولون:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا﴾ خالفناك.
﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا.
...
﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿قَالَ﴾ الله لهم مجيبًا بعد ألف سنة ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ ابعدوا في جهنم أذلاء؛ من خسأت الكلب: إذا زجرته.
﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب عنكم، فلا سبيل إليه. قرأ يعقوب: (تُكَلِّمُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢)، فعند ذلك أيس الكفار من
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٤).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات =
المؤمنون 23:109
الفرج، وهو آخر كلام يتكلم به أهل النار، ثم لا يتكلمون بعده إلا بالشهيق والزفير، ويصير لهم عواء كعواء الكلب، لا يَفْهَمون ولا يُفْهَمون.
...
﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾.
[١٠٩] ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ وهم المؤمنون.
﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾.
...
﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (سُخْرِيًّا) بضم السين؛ من التسخير، وهو العمل بلا أجر، وقرأ الباقون: بالكسر؛ من الهزء والسخرية (٢).
= القرآنية" (٤/ ٢٢٥).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ١٥ - ١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٦).
المؤمنون 23:111
﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ من فرط انشغالكم بالاستهزاء بهم وتسخيرهم.
﴿وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ نزلت في بلال وصهيب وعمار وسلمان، كان المشركون يسخرون بهم وبالإسلام، ويؤذونهم (١).
...
﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ﴾ النعيم المقيم.
﴿بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بمطلوبهم. قرأ حمزة، والكسائي: (إِنَّهُمْ) بكسر الألف على الاستئناف، وقرأ الباقون: بفتحها (٢)؛ أي: لأنهم.
...
﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢)﴾.
[١١٢] ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: في الدنيا أحياء.
﴿عَدَدَ سِنِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: (قُلْ كَمْ) بضم القاف بلا ألف بعدها، أمر لمالك أن يسألهم، وقرأ الباقون: بفتح القاف وألف بعدها (٣)، إخبار عن الله تعالى أنه هو الذي (٤) يسألهم، وقرأ نافع، وابن
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٦).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧).
(٤) "الذي" ساقطة من "ش".
المؤمنون 23:113
كثير، وعاصم، ويعقوب، وخلف: (لَبِثْتُمْ) بإظهار الثاء عند التاء حيث وقع، والباقون: بالإدغام (١)، وقرأ أبو عمرو: (عَدَد سِّنِينَ) بإدغام الدال في السين في هذا الحرف لا غير (٢).
...
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾.
[١١٣] ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ استقصروا مدة لبثهم، وشَكُّوا فيها؛ لعلم ما هم بصدده من العذاب.
﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ الحاسبين، وهم الملائكة الذين يحصون أعمال الخلق وأعمارهم. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
...
﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾.
[١١٤] ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ في الدنيا.
﴿إِلَّا﴾ لبثًا ﴿قَلِيلًا﴾ لأن أيام السرور قليلة.
﴿لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مدة لبثكم، لما أجبتم بهذا الجواب. قرأ
(١) انظر: "الكشف" لمكي (٢/ ١٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٧).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٧).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٧).
المؤمنون 23:115
حمزة، والكسائي: (قُلْ إَنْ) على الأمر، والباقون: (قال) (١) على الخبر، كما تقدم في ﴿قَالَ كَمْ﴾ [الآية: ١١٢].
...
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾.
[١١٥] ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ لا لغرض صحيح، ونصبه على الحال، وهو توبيخ على تغافلهم.
﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة، فنجازيكم. قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢).
...
﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.
[١١٦] ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ الذي يحق له الملك مطلقًا؛ أي: تنزه عن مقالتهم في جهته من الصاحبة والولد، ومن حسابهم أنهم لا يرجعون إليه، وغير ذلك.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ الحسن العظيم.
...
(١) "قال" ساقطة من "ت" و"ش".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨ - ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٨).
المؤمنون 23:117
﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾.
[١١٧] ثم توعد تعالى عبدة الأصنام بقوله: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يعبده.
﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ أي: في برهان له به، أي: لا حجة له عليه، ولا فيما يفعل من عبادة غير الله.
﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ أي: مكافأته عند الله، فهو يجازيه بما يستحقه.
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لا يبلغون أمنياتهم، ولا ينجح سعيهم، وجعل فاتحة هذه السورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وخاتمتها ﴿لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة.
...
﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.
[١١٨] ثم أمر رسوله - ﷺ - أن يستغفر للمؤمنين، ويسأل لهم الرحمة، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾ لأن كل راحم يتصرف على إرادة الله تعالى وتوفيقه، وتقديره لمقدار هذه الرحمة، ورحمته تعالى لا مشاركة له فيها، والله أعلم.