Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — النور 24:1 – النمل 27:91

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. النور 24:1
  2. النور 24:2
  3. النور 24:3
  4. النور 24:4
  5. النور 24:5
  6. النور 24:6
  7. النور 24:7
  8. النور 24:8
  9. النور 24:11
  10. النور 24:12
  11. النور 24:13
  12. النور 24:14
  13. النور 24:16
  14. النور 24:19
  15. النور 24:21
  16. النور 24:22
  17. النور 24:23
  18. النور 24:24
  19. النور 24:27
  20. النور 24:28
  21. النور 24:30
  22. النور 24:31
  23. النور 24:32
  24. النور 24:33
  25. النور 24:34
  26. النور 24:36
  27. النور 24:37
  28. النور 24:39
  29. النور 24:40
  30. النور 24:41
  31. النور 24:44
  32. النور 24:45
  33. النور 24:46
  34. النور 24:48
  35. النور 24:51
  36. النور 24:53
  37. النور 24:55
  38. النور 24:56
  39. النور 24:58
  40. النور 24:59
  41. النور 24:61
  42. النور 24:62
  43. النور 24:63
  44. النور 24:64
  45. الفرقان 25:1
  46. الفرقان 25:3
  47. الفرقان 25:5
  48. الفرقان 25:7
  49. الفرقان 25:9
  50. الفرقان 25:11
  51. الفرقان 25:12
  52. الفرقان 25:15
  53. الفرقان 25:17
  54. الفرقان 25:19
  55. الفرقان 25:20
  56. الفرقان 25:21
  57. الفرقان 25:22
  58. الفرقان 25:25
  59. الفرقان 25:26
  60. الفرقان 25:28
  61. الفرقان 25:30
  62. الفرقان 25:32
  63. الفرقان 25:34
  64. الفرقان 25:38
  65. الفرقان 25:39
  66. الفرقان 25:41
  67. الفرقان 25:43
  68. الفرقان 25:45
  69. الفرقان 25:48
  70. الفرقان 25:49
  71. الفرقان 25:51
  72. الفرقان 25:53
  73. الفرقان 25:55
  74. الفرقان 25:58
  75. الفرقان 25:60
  76. الفرقان 25:61
  77. الفرقان 25:62
  78. الفرقان 25:64
  79. الفرقان 25:67
  80. الفرقان 25:68
  81. الفرقان 25:70
  82. الفرقان 25:72
  83. الفرقان 25:75
  84. الفرقان 25:76
  85. الشعراء 26:1
  86. الشعراء 26:2
  87. الشعراء 26:5
  88. الشعراء 26:7
  89. الشعراء 26:12
  90. الشعراء 26:15
  91. الشعراء 26:18
  92. الشعراء 26:20
  93. الشعراء 26:24
  94. الشعراء 26:28
  95. الشعراء 26:31
  96. الشعراء 26:35
  97. الشعراء 26:38
  98. الشعراء 26:40
  99. الشعراء 26:43
  100. الشعراء 26:46
  101. الشعراء 26:50
  102. الشعراء 26:53
  103. الشعراء 26:56
  104. الشعراء 26:59
  105. الشعراء 26:62
  106. الشعراء 26:64
  107. الشعراء 26:68
  108. الشعراء 26:72
  109. الشعراء 26:76
  110. الشعراء 26:80
  111. الشعراء 26:83
  112. الشعراء 26:87
  113. الشعراء 26:91
  114. الشعراء 26:96
  115. الشعراء 26:101
  116. الشعراء 26:104
  117. الشعراء 26:109
  118. الشعراء 26:112
  119. الشعراء 26:116
  120. الشعراء 26:119
  121. الشعراء 26:125
  122. الشعراء 26:130
  123. الشعراء 26:135
  124. الشعراء 26:138
  125. الشعراء 26:143
  126. الشعراء 26:149
  127. الشعراء 26:153
  128. الشعراء 26:156
  129. الشعراء 26:159
  130. الشعراء 26:165
  131. الشعراء 26:169
  132. الشعراء 26:174
  133. الشعراء 26:177
  134. الشعراء 26:180
  135. الشعراء 26:184
  136. الشعراء 26:188
  137. الشعراء 26:191
  138. الشعراء 26:194
  139. الشعراء 26:198
  140. الشعراء 26:200
  141. الشعراء 26:205
  142. الشعراء 26:209
  143. الشعراء 26:214
  144. الشعراء 26:217
  145. الشعراء 26:221
  146. الشعراء 26:224
  147. الشعراء 26:226
  148. النمل 27:1
  149. النمل 27:2
  150. النمل 27:5
  151. النمل 27:8
  152. النمل 27:9
  153. النمل 27:11
  154. النمل 27:13
  155. النمل 27:15
  156. النمل 27:17
  157. النمل 27:18
  158. النمل 27:19
  159. النمل 27:20
  160. النمل 27:21
  161. النمل 27:22
  162. النمل 27:23
  163. النمل 27:24
  164. النمل 27:26
  165. النمل 27:29
  166. النمل 27:30
  167. النمل 27:33
  168. النمل 27:35
  169. النمل 27:37
  170. النمل 27:38
  171. النمل 27:40
  172. النمل 27:41
  173. النمل 27:42
  174. النمل 27:43
  175. النمل 27:45
  176. النمل 27:47
  177. النمل 27:49
  178. النمل 27:50
  179. النمل 27:52
  180. النمل 27:55
  181. النمل 27:58
  182. النمل 27:59
  183. النمل 27:60
  184. النمل 27:61
  185. النمل 27:63
  186. النمل 27:64
  187. النمل 27:66
  188. النمل 27:68
  189. النمل 27:70
  190. النمل 27:74
  191. النمل 27:77
  192. النمل 27:81
  193. النمل 27:82
  194. النمل 27:83
  195. النمل 27:84
  196. النمل 27:87
  197. النمل 27:88
  198. النمل 27:89
  199. النمل 27:91

النور 24:1

سُوْرَةُ النُّورِ مدنية، وآيها: أربع وستون آية، وحروفها: خمسة آلاف وست مئة وثمانون حرفًا، وكلمها: ألف وثلاث مئة وست عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾. [١] ﴿سُورَةٌ﴾ خبر ابتداء مضمر، تقديره: هذه السورة. ﴿أَنْزَلْنَاهَا﴾ صفتها. ﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (وَفَرَّضنَاهَا) بتشديد الراء؛ أي: فصَّلنا وبَيَّنا ما فيها من الأحكام، والتشديد للتكثير، لكثرة ما فيها من الفرائض، وقرأ الباقون: بالتخفيف (١)؛ أي: أوجبنا ما فيها من الحدود والأحكام، وألزمناكم العملَ بها. ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ﴾ بالأمر والنهي ﴿بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قرأ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٣).

النور 24:2

حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذَكَّرُونَ) بتخفيف الذال حيث وقع، والباقون: بالتشديد (١). ... ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. [٢] ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ مبتدأ خبره ﴿فَاجْلِدُوا﴾ فاضربوا. ﴿كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ يعني: إذا كانا حرَّين بالغين عاقلين بكرين غير محصنين، وأما إذا كانا ثيبِّين، فعليهما الرجم بغير جلد بالاتفاق، والرجم بالحجارة حتى يموت، وشرائط الإحصان الموجب للرجم إذا زنى بعد وجودها فيه أربعة: العقل، والحرية، والبلوغ، والوطء في نكاح صحيح عند الشافعي وأحمد، ولم يشترطا (٢) الإسلام؛ خلافًا لأبي حنيفة ومالك؛ فإن الإسلام عندهما شرط، فتكون الشرائط عندهما خمسة، ولا يُحفر لرجم الرجل بالاتفاق، ولا للمرأة عند مالك وأحمد، ويحفر لها عند أبي حنيفة، وقال الشافعي: إن ثبت عليها بالبينة، استحب أن يحفر لها، وإن ثبت بإقرارها، لم يحفر لها (٣)، وتقدم في سورة النساء الكلام على حكم الزنا والجلد والتغريب في حق الحر والرقيق، وثبوته بالإقرار والبينة، (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٤). (٢) في "ش": "يشترط". (٣) "وإن ثبت بإقرارها لم يحفر لها" زيادة من "ت". واختلاف الأئمة في ذلك مستوفًى عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [الآية: ١٥]، وعند قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [الآية؛ ٢٥]، وقدم الزانية؛ لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل، وعرض نفسها عليه. ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ﴾ قرأ قنبل عن ابن كثير: (رَأَفَةٌ) بفتح الهمزة، واختلف عن البزي، وقرأ الباقون: بإسكانها (١)، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وورش: يبدلون الهمز بالألف على أصلهم، وأبو عمرو يدغم التاء في الجيم من قوله: (مِئَة جَّلْدَةٍ) (٢)، والرأفة: أرق الرحمة؛ أي: لا تخففوا جلدهما رأفة بهما، ولكن تصلَّبوا ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ في حكمه، وأوجعوهما ضربًا، وأقيموا حدوده كما أمركم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ اقتداءً برسول الله - ﷺ -، لأنه قال: "والله لو سرقَتْ فاطمةُ بنتُ محمدٍ، لقطعتُ يدها" (٣)، فتجب إقامة الحد على من لزمه بالاتفاق، ويُضرب الرجل قائمًا عند الثلاثة، وعند مالك: جالسًا، وأما المرأة، فتضرب جالسة باتفاقهم، وسوط الحد عند الشافعي ما بين قضيب وعصا رطب ويابس، وعند الثلاثة: يضرب بسوط لا جديد (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٤). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٤). (٣) رواه البخاري (٣٢٨٨)، كتاب: الأنبياء، باب: حديث الغار، ومسلم (١٦٨٨)، كتاب: الحدود، باب: قطع السارق الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود، عن عائشة -رضي الله عنها-. ولا خَلَق، ويجرد الرجل من ثيابه عند أبي حنيفة ومالك، وأما المرأة عندهما: ينزع عنها من الثياب ما يقيها ألم الضرب؛ مثل الفراء ونحوها، وعند الشافعي: لا يجرد، وعند أحمد: يكون على الرجل القميص والقميصان، والمرأة تشد عليها ثيابها، وأما الضرب، فلا يبالَغ فيه بحيث يشق الجلد، ويُفرق على أعضائه، إلا الوجه والفرج وموضع المقتل بالاتفاق. واختلفوا في أشد الجلد، فقال أبو حنيفة: التعزير أشد الضرب، ثم الزنا، ثم الشرب، ثم القذف، وقال مالك والشافعي؛ الجلد في الحدود كلها سواء، وقال أحمد: أشده الزنا، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير. واختلفوا في الذمي إذا زنى وهو حر بالغ عاقل (١) قد كان تزوج ووطئ في التزويج الصحيح، فقال أبو حنيفة ومالك: لا يرجم؛ لأن عندهما لا يتصور الإحصان في حقه؛ لأن الإسلام من شروط الإحصان عندهما كما تقدم، ويجلد مئة عند أبي حنيفة، وعند مالك يعاقبه الإمام اجتهادًا، وعند الشافعي وأحمد هو محصن، وليس الإسلام من شروط الإحصان، وعليه الرجم عندهما، وأما إذا كان غير محصن، فإنه يحد للزنا عند الثلاثة، وقال مالك: لا يحد. ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ وليحضر حدّهما إذا أقيم عليهما. ﴿طَائِفَةٌ﴾ فرقة ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ زيادة في التنكيل بالتفضيح، قال مالك: ينبغي للإمام أن يُحضر في حد الزنا طائفة من المؤمنين الأحرار العدول، والطائفة أربعة فصاعدًا، وقال أحمد: يجب حضور إمام أو نائبه (١) في "ت": "بالغ عاقل حر".

النور 24:3

وطائفة، ولو واحدًا، ويسن حضور شهوده، وبدأتهم بالرجم إن كان الحد رجمًا، وقال الشافعي: يستحب حضور الإمام وشهوده، وقال أبو حنيفة: للإمام أن يحضره، ويجوز أن يبعث بأمين، ويأمره بإقامة الحد، ويبدأ الشهود برجم المحصن، ثم الإمام، ثم الناس إن ثبت بالبينة، وإن ثبت بالإقرار، ابتدأه (١) الإمام، ثم الناس. وفي الحديث: "اتقوا الزنا؛ فإن فيه ستَّ خصال: ثلاث في الدنيا: يذهب البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر، وثلاث في الآخرة: السخطة، وسوء الحساب، والخلود في النار" (٢). ... ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾. [٣] ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ نزلت في قوم فقراء من المهاجرين هموا أن يتزوجوا بغاياكُنَّ بالمدينة، فأنزل الله عز وجل تحريمه (٣)؛ لأنهن كن زانيات ومشركات، وبين أنه لا يتزوج بهن إلا زان أو مشرك، وأن ذلك حرام على (١) في "ت": "ابتدأ". (٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٤/ ١١٨٣)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٦/ ٣١٧)، وابن حبان في "المجروحين" (١/ ٩٨)، عن حذيفة -رضي الله عنه-. (٣) انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٨/ ٢٥٢٢)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٧٨ - ١٨٠).

النور 24:4

المؤمنين، وإن كان ظاهر الآية خبر، فهو بمعنى النهي، وقيل غير ذلك. ... ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ قرأ الكسائي: (الْمُحْصِنَاتِ) بكسر الصاد حيث وقع، والباقون: بالفتح (١)، المعنى: الذين يقذفون بالزنا المسلمات الحرائر العفائف. ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ يشهدون على زناهن. ﴿فَاجْلِدُوهُمْ﴾ اضربوهم ﴿ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ قرأ أبو عمرو: (بِأَرْبَعَة شُّهَدَاءَ) بإدغام التاء في الشين في هذا الحرف والذي بعده (٢)، والقذف: هو الرمي بالزنا، أو لواطٍ، أو شهادةٍ عليه، ولم تكمل البينة، فكل من رمى محصنًا أو محصنة بالزنا، فقال: زنيت، أو يا زاني، فإن أقر المقذوف بالزنا، أو أقام القاذف أربعة من الشهود على زناه، سقط الحد عن القاذف، وترتب الحكم على المقذوف، كما تقدم الكلام عليه مستوفًى في سورة النساء، وإن أنكر المقذوف، ولم يقم القاذف البينة، وجب عليه الحد، وهو ثمانون جلدة إن كان القاذف حرًّا، وأربعون إن كان عبدًا بالاتفاق، إن كان المقذوف محصنًا، فإن كان غير محصن، فعلى القاذف التعزير. والإحصان: أن يكون حرًّا مسلمًا عاقلًا عفيفًا عن الزنا بالاتفاق، وهل (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٥). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٦).

النور 24:5

يشترط بلوغه؟ قال أحمد: لا يشترط إذا كان مثلُه يجامع، وقال الثلاثة: يشترط، ومالك يحد قاذف الصبية التي يوطأ مثلها، ولا يحد قاذف الصبي الذي يطأ مثلُه. وهل هو حق لله أو للآدمي؟ قال أبو حنيفة: هو حق لله، فلا يصح العفو عنه، لكن لو عفا المقذوف لا يحد القاذف، لا لصحة عفوه، بل لترك طلبه، حتى لو عاد فطلب، يحد، وقال مالك: لا بأس بعفو المقذوف عن قاذفه قبل بلوغ الإمام، ولا يجوز عفوه بعد ذلك، إلا أن يريد ستر نفسه، وقال الشافعي وأحمد: هو حق للآدمي يسقط بعفوه. ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ إذا شهدوا. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ لأنهم فسقوا برمي المحصنة. ... ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. [٥] ثم استثنى منه ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ القذف. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ حالهم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. واختلفوا في قبول شهادة القاذف بعد إقامة الحد عليه إذا تاب، فقال أبو حنيفة: لا تقبل شهادة المحدود فيه، وإن تاب عن جريمة القذف، لكن لا يرد شهادته بنفس القذف، وإنما يردها بإقامة الحد، ومالك والشافعي وأحمد يردون شهادته بنفس القذف، وقالوا: تقبل شهادته بعد التوبة، سواء كانت قبل الحد أو بعده، وصفتها عند الشافعي: أن يقول: قذفي باطل، وأنا نادم، ولا أعود إليه، وعند مالك وأحمد: توبته أن يكذِّب نفسه، إلا أن مالكًا اشترط مع التوبة بعد الحد ألَّا تقبل شهادته في مثل الحد الذي أقيم

النور 24:6

عليه، ودليل أبي حنيفة على عدم قبول شهادته على التأبيد قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، وذكره بالتأبيد يدل على أنها لا تقبل في كل حال، والاستثناء منصرف إلى ما يليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾، ومن قال بقبول شهادته إذا تاب، قال: لأن الله تعالى استثنى التائبين عقب النهي بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾. ... ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾. [٦] ولما نزلت هذه الآية في الذين يرمون المحصنات، تناول ظاهرها الأزواج وغيرهن، فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله! إن وجدتُ مع امرأتي رجلًا، أُمهله حتى آتي بأربعة شهداء! واللهِ لأضربنه بالسيف غير مصفح، فقال رسول الله - ﷺ -: "أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغيرُ منه، والله أغيرُ مني" (١)، ثم جاء بعد ذلك هلال بن أمية إلى النبي - ﷺ -، فرمى زوجته خولة بشريك بن سمحاء، فعزم النبي - ﷺ - على ضربه حد القذف، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ (٢) أي: يقذفون نساءهم ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ يشهدون على صحة ما قالوا ﴿إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي: غيرُ أنفسهم. واختلاف (١) رواه البخاري (٦٤٥٤)، كتاب: المحاربين، باب: من رأى مع امرأته رجلًا فقتله، مسلم (١٤٩٩)، كتاب: اللعان. (٢) رواه البخاري (٤٤٧١)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

النور 24:7

القراء في الهمزتين من (شُهَدَاءُ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من ﴿نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في سورة الحج. ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ ليدرأ عنه الحد ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ) برفع العين على خبر الابتداء (فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ) التي تدرأ الحد (أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ)، وقرأ الباقون: بالنصب؛ أي: فشهادة أحدهم أن يشهدَ أربعَ شهادات بالله (١). ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ أي: يلعن الزوج نفسه. ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما قذف زوجته به من الزنا، قرأ نافع، ويعقوب: (أَنْ لَعْنَةُ اللهِ) بإسكان النون مخففة، ورفع (لَعْنَتُ)، وقرأ الباقون: بنصبها مشددة، ونصب (لَعْنَتَ)، و (لعنت) (٢) رسمت بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣). ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٦). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦١)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ١٠٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٧). (٣) سلفت عند تفسير الآية (٦١) من سورة آل عمران.

النور 24:8

﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾. [٨] ﴿وَيَدْرَأُ﴾ أي: يدفع ﴿عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي: حد الزنا. ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما قذفها به. ... ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٩)﴾. [٩] ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماني به. قرأ حفص عن عاصم (وَالْخَامِسَةَ) بالنصب؛ أي: وتشهد الشهادة الخامسة، والباقون: بالرفع على الابتداء، وخبره في (أن) كالأولى (١)، وقرأ نافع، ويعقوب: بإسكان النون مخففة كالأولى، والباقون: بنصبها مشددة، واختص نافع بكسر الضاد وفتح الباء من (غَضِبَ) على الفعل الماضي، ورفع الجلالة بعده، واختص يعقوب برفع الباء من (غَضَبُ)، وقرأ الباقون: بنصب الضاد والباء على الاسم (٢). ... ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ وجوابه (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٧). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٨). محذوف للتعظيم؛ أي: لعذبكم، ولكشف الزناة بأيسر من هذا. فلما نزلت الآية، جمعهما رسول الله في المسجد، وتلاعنا، فتلكأت المرأة عند الخامسة لما وعظت، وقيل لها: إنها موجبة، ثم قالت: لا أفضحُ قومي سائرَ اليوم، فمضت، وفرق رسول الله - ﷺ - بينهما، وولدت غلامًا أشبهَ خلقِ الله بشريك، ثم كان الغلام بعد ذلك أميرًا بمصر، وهو لا يعرف لنفسه أبًا. وأما حكم الآية، فإنه إذا قذف الرجل المكلف امرأته المحصنة؛ أي: البالغة العاقلة الحرة المسلمة العفيفة بالزنا، وجب عليه الحد إن طلبت، وله إسقاط الحد باللعان، وهو شرعًا: شهادات مؤكدات بأيمان من الجانبين، مقرونة باللعن والغضب، قائمة مقام حد قذف في جانبه، وحد زنا في جانبها، وصفته: أن يبدأ الزوج فيقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميت به امرأتي هذه من الزنا، ويشير إليها، وإن لم تكن حاضرة، سماها، ونسبها حتى يكمل أربع مرات، ثم يقول في الخامسة: و ﴿أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيما رميتها به من الزنا، فيلزمها حينئذ الحد، ويدرأ عنها بأن تقول هي: أشهد بالله أنه من الكاذبين فيما رماني به من الزنا، أربع مرات، ثم تقول في الخامسة: و ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما رماني به من الزنا، فإن لاعنت المرأة قبل الزوج، اعتد به عند أبي حنيفة؛ لأن المقصود تلاعنهما، وقد وجد، وقال الثلاثة: لا يعتد به؛ لأنه على غير الترتيب المشروع. ويكون اللعان وهما قائمان بحضور الحاكم وجماعة في الأوقات والأماكن المعظمة، وإذا بلغ كل منهما الخامسة، وعظه الحاكم، فيقول: اتق الله؛ فإنها الموجبة للعذاب، وعذابُ الدنيا أهون من عذاب الآخرة. ويصح اللعان بين الزوجين، ولو كانا ذميين أو رقيقين أو فاسقين عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يشترط أن يكونا من أهل الشهادة؛ بأن يكونا حرين مسلمين (١) عاقلين بالغين غير محدودين في قذف، فإن لم يكن الزوج كذلك، فعليه الحد؛ لأن اللعان امتنع لمعنىً في جهته، فرجع إلى الموجب الأصلي. وإن نفى الولد في التعانه، انتفى بالاتفاق، ما لم يكن أقر به، ومالك يشترط استبراءها بحيضة وعدم وطئها بعد الاستبراء، فإن لاعن، ونكلت، حبست حتى تقر أربعًا، أو تلاعن عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك والشافعي إذا امتنعت من اللعان، حدت للزنا، فجلدت إن كانت بكرًا، وكانت على نكاحه، إلا أن يطلقها، وإن كانت ثيبًا، رجمت، واستحق الميراث منها، فإذا تم اللعان بينهما، سقط عنه الحد، ووقعت الفرقة والتحريم بينهما أبدًا عند مالك وأحمد، ولا يفتقر إلى تفريق الحاكم عندهما، وعند الشافعي تقع الفرقة المؤبدة بمجرد لعانه، وعند أبي حنيفة يشترط تفريق الحاكم بينهما بعد التعانهما، والفرقة طلقة بائنة عند أبي حنيفة، فلو أكذب نفسه، حُدَّ، وله أن ينكحها، وعند الثلاثة وأبي يوسف هي فسخ، ولا تحل له، ولو أكذب نفسه، والله أعلم. ... (١) "مسلمين" زيادة من "ت".

النور 24:11

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١)﴾. [١١] ولما خرج رسول الله - ﷺ - إلى غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع في سنة ست من الهجرة الشريفة، ومعه عائشة رضي الله عنها، وقعت قصة الإفك في تلك الغزوة، وهي قذف عائشة بصفوان بن المعطل، وكان صفوان حصورًا لا يأتي النساء. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول: سبحان الله، فو الذي نفسي بيده! ما كشفت من كَنَفِ أنثى قط، قالت: ثم قتل بعد ذلك في سبيل الله"، والقصة مشهورة في الحديث الشريف، فنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ﴾ (١) هو سوء الكذب ﴿عُصْبَةٌ﴾ جماعة ﴿مِنْكُمْ﴾ يعني: عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق، ومِسطح، وحسان بن ثابت، وحَمْنة بنتُ جحش، وغيرهم. ﴿لَا تَحْسَبُوهُ﴾ أي: الإفك، والخطاب لعائشة وأهلها وصفوان. ﴿شَرًّا لَكُمْ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (تَحْسَبُوهُ) (١) رواه البخاري (٣٩١٠)، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك، ومسلم (٢٧٧٠)، كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، عن عائشة -رضي الله عنها-. و (تَحْسَبُونَهُ) (يَحْسَبُهُ) (يَحْسَبُ) كيف أتى مستقبلًا بفتح السين، والباقون: بالكسر (١). ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ بأن تثابوا، وتظهر براءتكم ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: من العُصبة الكاذبة ﴿مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ جزاء ما اجترح من الذنب. ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ قرأ يعقوب: بضم الكاف، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (٢)، المعنى: والذي تحمل معظم الإفك من الأفاكين هو عبد الله بن أبيّ. ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أما ابن أُبي، فمات منافقًا، وأما حسان، فعمي بعد ذلك. وعن مسروق قال: "دخلنا على عائشة، وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعرًا يشبب بأبيات له، وقال: حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ؍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحْومِ الْغَوَافِلِ؍ فقالت عائشة: لكنك ليس كذلك، قال مسروق: فقلت لها: لم تأذنين له أن يدخل عليك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فقالت: أي عذاب أشدُّ من العمى؟! وقالت: إنه كان ينافح ويُهاجي عن رسول الله - ﷺ - " (٣). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٨). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٩). (٣) رواه البخاري (٣٩١٥)، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك، ومسلم =

النور 24:12

وروي عنها أنها قالت: "ما سمعت شعره إلا رجوت له الجنة" (١). وروي: أن النبي - ﷺ - أمر بالذين رموا عائشة، فجلدوا الحد جميعًا ثمانين ثمانين (٢). ... ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢)﴾. [١٢] ثم وبخ الخائضين فقال: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا. ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يعني: الإفك. ﴿ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بأمهاتهم ﴿خَيْرًا﴾ المعنى: هلا ظننتم أيها المؤمنون بالذين هم كأنفسكم خيرًا، والمؤمنون كلهم كالنفس الواحدة، نظيره ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]. ﴿وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ كذب ظاهر، وسمي الإفك إفكًا؛ لكونه = (٢٤٨٨)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت -رضي الله عنه-. قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٢٧٣): "الأكثرون على أن المراد بذلك، يعني: الذي تولى كبر الإفك، إنما هو عبد الله بن أبي سلول قبَّحه الله ولعنه، وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث، وقال ذلك مجاهد وغير واحد. وقيل: المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك، لما كان لإيراده كبير فائدة، فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر، وأحسن مآثره أنه كان يذبُّ عن رسول الله - ﷺ - بشعره". (١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (١٨/ ٨٨). (٢) انظر: "المعجم الكبير" للطبراني (٢٣/ ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٧٩).

النور 24:13

مصروفًا عن الحق؛ من قولهم: أفكَ الشيءَ: إذا قلبه عن وجهه، وذلك أن عائشة -رضي الله عنها- كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة والشرف، فمن رماها بالسوء، قلب الأمر عن وجهه. وروي أن هذا النظر السديد وقع من أبي أيوب الأنصاري وامرأته، وذلك أنه دخل عليها فقالت: "يا أبا أيوب! أسمعت ما قيل؟! فقال: نعم، وذلك كذب، أكنتِ أنتِ يا أم أيوب تفعلين ذلك؟! قالت: لا والله، قال: فعائشة واللهِ أفضلُ منك، قالت أم أيوب: نعم" (١)، فهذا الفعل ونحوه هو الذي عاتب الله المؤمنين؛ إذ لم يفعله جميعهم. قرأ أبو عمرو، وهشام، والكسائي، وخلف (٢): (إِذ سَّمِعْتُمُوهُ) بإدغام الذال في السين، والباقون: بالإظهار (٣). ... ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾. [١٣] ثم بين الحكم في القذف فقال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ أي: على ما زعموا ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾ على القذف. (١) رواه إسحاق بن راهويه في "مسنده" (١٦٩٨)، والطبراني في "تفسيره" (١٨/ ٩٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٤٦)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٦/ ٤٨). (٢) في "ت": "خلاد". (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٣٩).

النور 24:14

﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ وهذا في حق عائشة رضي الله عنها، ومعناه: فأولئك هم الكاذبون في غيبي وعلمي. ... ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أيها الخائضون بالحلم والإمهال لتتوبوا ﴿لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ جريتم ﴿فِيهِ﴾ من القذف ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ دائم في الآخرة. ... ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥)﴾. [١٥] ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أي: تأخذون حديث الإفك من الأفاكين. قرأ أبو عمرو، وهشام، وحمزة، والكسائي، وخلف: (إِذ تَّلَقَّوْنَهُ) بإدغام الذال في التاء، والباقون: بإظهارها، ومنهم البزي يشدد التاء على أصله، والتلاوة المتواترة (تَلَقَّوْنَهُ): بفتح اللام والقاف مع تشديدها؛ أي: تقبلونه، وقرئ بكسر اللام وضم القاف مخففة؛ من الولق، وهو الإسراع بالكذب (١) ﴿بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ بأن يرويه بعض عن بعض. ﴿وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ كلامًا بلا مساعدة من القلوب. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٢٠).

النور 24:16

﴿مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ لأنه ليس تعبيرًا عن علم به في قلوبكم. ﴿وَتَحْسَبُونَهُ﴾ أي: خوضكم في عائشة ﴿هَيِّنًا﴾ صغيرةً. ﴿وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ كثير الوزر. ... ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَلَوْلَا﴾ أي: وهَلَّا ﴿إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ يعني: الإفك. وتقدم اختلاف القراء في الإدغام والإظهار في (إِذْ سَمِعْتُمُوهُ) ﴿قُلْتُمْ مَا يَكُونُ﴾ أي: ما يجوز ﴿لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ﴾ هذا اللفظ هنا بمعنى التعجب. ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ زور يبهت من يسمعه. ... ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿يَعِظُكُمُ﴾ الله؛ أي: ينهاكم كراهة ﴿أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: الخوض ﴿أَبَدًا﴾ ما دمتم أحياء. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن الإيمان يمنع عنه. ... ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ في الأمر والنهي. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأمر عائشة وصفوان ﴿حَكِيمٌ﴾ حكم ببراءتهما. ***

النور 24:19

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩)﴾. [١٩] ونزل في عبد الله بن أبيِّ وأصحابه المنافقين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ (١) أي: يفشُوَ القذف بها. ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا﴾ بالجلد ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ عذاب النار. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ براءةَ عائشة، وشرَّ ما خضتم فيه، وكذبَ الخائضين. ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ذلك. ... ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾. [٢٠] ونزل في مِسْطح وحسان وحَمنة: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وجواب (لولا) محذوف؛ اي: لعاجلكم بالعقوبة، وتكرير ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ زيادة مبالغة في المنة عليهم والتوبيخ لهم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (رَءُوفٌ) بالإشباع على وزن فَعول، والباقون: بالاختلاس على وزن فَعُل (٢)، والرأفة: أشد الرحمة. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٨١). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٢).

النور 24:21

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ تزيينَه في قذف عائشة. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب، والكسائي، وقنبل، وحفص عن عاصم (١): (خُطُوَاتِ) بضم الطاء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ بالقبيح ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ هو ما أنكره الشرع. ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ لكم في الدارين ﴿مَا زَكَى﴾ أي: لم يكن زاكيًا ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: ما طَهُر من دنسها ﴿مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ آخر الدهر. قرأ روح عن يعقوب بخلاف عنه: (زَكَّى) بتشديد الكاف، والباقون: بالتخفيف (٣). ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي﴾ يطهِّر ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من الذنب بالرحمة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم. ... (١) "عن عاصم" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٢). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٣).

النور 24:22

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ولما حلف أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- ألَّا ينفق على مسطح، وكان ابن خالته، وكان من فقراء المهاجرين بدريًّا؛ لخوضه في عائشة -رضي الله عنها-، نزل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ﴾ (١) قرأ أبو جعفر: (يَتَأَلَّ) بهمزة مفتوحة بين التاء واللام مع تشديد اللام مفتوحة، وقرأ الباقون: بهمزة ساكنة بين الياء والتاء وكسر اللام خفيفة، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: يبدلون الهمزة بألف ساكنة على أصولهم (٢)، ومعنى القراءتين: لا يحلفْ ﴿أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ في الدين ﴿وَالسَّعَةِ﴾ في المال. ﴿أَنْ يُؤْتُوا﴾ على ألَّا يؤتوا ﴿أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ صفات لموصوف واحد؛ أي: ناسًا جامعين لها. ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ عنهم خوضَهم في عائشة. ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إذا عفوتم. ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فلما قرأها رسول الله - ﷺ - على أبي بكر، قال: "بلى أحب أن يغفر الله لي" ورجع إلى مسطح نفقتَه التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبدًا". ... (١) تقدم تخريجه في حديث الإفك. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٣).

النور 24:23

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾. [٢٣] ونزل في شأن قذف (١) عبد الله بن أُبيِّ عائشةَ رضي الله عنها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ (٢) العفيفات ﴿الْغَافِلَاتِ﴾ عن الفاحشة ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بالله ورسوله. ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ عُذِّبوا في الدنيا بالحد (٣)، وفي الآخرة بالنار. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وجمع المؤمنات، وإن أريدت عائشة وحدها؛ لأن من قذف واحدة من نسائه - ﷺ -، فكأنه قد قذفهن. قيل لابن جبير: من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة؟ قال: "ذلك لمن قذف عائشة خاصة" (٤). وقال ابن عباس: "هذا فيمن قذف زوجات النبي - ﷺ -، ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة، فقد جعل الله له توبة" (٥). ... (١) "قذف" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٨٢). (٣) في "ت": "بالجلد". (٤) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٣/ ١٥١). وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٥٥٧)، والحاكم في "المستدرك" (٦٧٣١) عن ابن عباس، مثله. (٥) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ١٦٤).

النور 24:24

﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ العامل في قوله: (يَوْمَ) فعلٌ مضمر يقتضيه العذاب؛ أي: يعذبونه يومَ، ونحو هذا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَشْهَدُ) بالياء على التذكير؛ لتقدم الفعل، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث (١)، وهذا قبل أن يختم على أفواههم، روي أنه يختم الأفواه، فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. ... ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ حسابَهم العدلَ. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ الذي لا شك فيه. ... ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿الْخَبِيثَاتُ﴾ من الكلمات والقول. ﴿لِلْخَبِيثِينَ﴾ من الناس ﴿وَالْخَبِيثُونَ﴾ من الناس ﴿لِلْخَبِيثَاتِ﴾ من القول. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٤).

النور 24:27

﴿وَالطَّيِّبَاتُ﴾ من القول ﴿لِلطَّيِّبِينَ﴾ من الناس. ﴿وَالطَّيِّبُونَ﴾ من الناس ﴿لِلطَّيِّبَاتِ﴾ من القول، المعنى: أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس، والطيب لا يليق إلا بالطيب، فعائشة لا يليق بها الخبائث من القول؛ لأنها طيبة، فيضاف إليها طيبات الكلام من الثناء الحسن وما يليق بها، وقيل: معناه: الخبيثات: الزواني للخبيثين: الزناة، وبالعكس، والطيبات: العفائف للطيبين: العفيفين، وبالعكس، والتكرير للتأكيد إيذانًا أن كل واحد منهما لا يصلح إلا لصاحبه. ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: عائشة وصفوان، ذكرهما الله بلفظ الجمع؛ كقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]؛ أي: أخوان، وقيل: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني الطيبين والطيبات. ﴿مُبَرَّءُونَ﴾ منزهون ﴿مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الخبيثون والخبيثات فيهم من القذف. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هي العفو عن ذنوبهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الجنة. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وورش عن نافع، وحفص عن عاصم: (بُيُوتًا) (بُيُوتكُمْ) بضم الباء، والباقون: بكسرها (١) ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ تستأذنوا. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

النور 24:28

﴿وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ بأن تقولوا: السلام عليكم أأدخل؟ ﴿ذَلِكُمْ﴾ الاستئذان والتسليم ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من تركه. ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وتعملون بما هو أصلح لكم. وتقدم اختلاف القراء في (تَذَكَّرُونَ) أول السورة. ... ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا﴾ له الإذن ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ﴾ عند الاستئذان للدخول: ﴿ارْجِعُوا فَارْجِعُوا﴾ ولا تُلِحُّوا في الدخول ﴿هُوَ﴾ أي: الرجوع. ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ أطهر لقلوبكم من الريبة والدخولِ بغير إذن. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم (١) عليه. ... ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] فلما نزلت آية الاستئذان قالوا: كيف بالبيوت التي بين مكة والمدينة والشام، وعلى ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى: = (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦). (١) في "ت": "فمجازيكم".

النور 24:30

﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ (١)، كالرباط والخان ﴿فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ﴾ أي: منفعة. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ وعيد لمن دخل مدخلًا لفساد، أو تطلع على عورات. ... ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ ينقصوا من نظرهم، و (من) تبعيض؛ لأنهم إنما نُهوا عن النظرة إلى ما لا يحل لهم، فلا يجوز للرجل النظر إلى الأجنبية قصدًا لغير ضرورة عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة؛ يجوز له النظر إلى الوجه والكفين مع أمن الشهوة، فين لم يأمن، لم يجز إلا لضرورة، فإن كانت عجوزًا (٢) لا تُشتهى، جاز النظر إلى وجهها وكفيها عند أبي حنيفة ومالك، وعند أحمد: إلى وجهها فقط، واختلف في مذهب الشافعي، فألحقها الغزالي بالشابة، وجوز الروياني النظر إلى وجهها وكفيها. ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ عن الزنا، ولم يدخل (من) في حفظ الفروج؛ لأن الزنا لا رخصة فيه ﴿ذَلِكَ﴾ أي: غض البصر وحفظ الفرج ﴿أَزْكَى لَهُمْ﴾ أنفع لهم وأطهر. (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٨٦). (٢) في "ش": "عجوزة".

النور 24:31

﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء، فليكونوا على حذر منه في كل حركة وسكون. ... ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ عما لا يحل لهن النظر إليه من الرجال، وهي العورة عند أبي حنيفة وأحمد، وعند مالك: ما عدا الوجه والأطراف، والأصح من مذهب الشافعي: أنها لا تنظر إليه كما لا ينظر هو إليها. ﴿وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ يعم الفواحش وستر العورة وما دون ذلك مما فيه حفظ. ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ المستترة؛ كالسوار والخلخال والقلائد لمن لا يحل له النظر إليها ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كالثياب والخاتم؛ فإن في سترها حرجًا، وقيل غير ذلك. ﴿وَلْيَضْرِبْنَ﴾ ليسدلن ﴿بِخُمُرِهِنَّ﴾ جمع خمار، وهو غطاء الرأس. ﴿عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ صدورهن. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر: (جِيُوبِهِنَّ) بكسر الجيم، والباقون: بضمها (١). ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ التي أمرن بسترها ﴿إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ أي: أزواجهن. ﴿أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ﴾ فيجوز لجميع المذكورين عند الشافعي النظر إلى الزينة الباطنة سوى ما بين السرة والركبة، إلا (٢) الزوج، فيباح له ما بينهما، وعند مالك: ينظرون إلى الوجه والأطراف، وعند أبي حنيفة: ينظرون إلى الوجه والرأس والصدر والساقين والعضدين، ولا ينظرون إلى ظهرها وبطنها وفخذها، وعند أحمد: ينظرون إلى ما يظهر غالبًا؛ كوجه ورقبة ويد وقدم ورأس وساق، وأبيح النظر لهؤلاء؛ لكثرة مداخلتهم عليهن، واحتياجهن إلى مداخلتهم. ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ أي: نساء أهل دينهن، وهو قول الشافعي، فيحرم عنده نظر الذمية إلى المسلمة؛ لأنها لا تتحرج عن وصفها للرجال، وعند الثلاثة: يجوز نظرها إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ لأنها من جملة النساء، ولأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن قد كن يدخلن على نساء النبي؛ فلم يكنَّ يحجبن، ولا أمرن بالحجاب، وأما المسلمة، فلا (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٨). (٢) في "ت": "إلى". خلاف في جواز نظرها إلى المسلمة سوى ما بين السرة والركبة، فأبو حنيفة يوجب ستر الركبة، والثلاثة لا يوجبونه. ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ اختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هو عام، فيكون عبد المرأة محرمًا لها، فيجوز له الدخول عليها إذا كان عفيفًا، وأن ينظر إلى مولاته كالمحارم، وهو مذهب مالك والشافعي، وكل منهما على أصله في النظر كما تقدم، وقال آخرون: المراد: الإماء دون العبيد، فيكون العبد حكمه حكم الأجنبي معها، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد، مع اتفاقهما على جواز رؤيته إليها، فأبو حنيفة يجوز رؤيته إلى وجهها وكفيها، وأحمد يجوز رؤيته إلى ما يجوز للمحرم النظر إليه منها كما تقدم، قال أحمد: ولا يلزم من النظر المحرمية، فلا يباح لها الحج ولا السفر معه، ﴿أَوِ التَّابِعِينَ﴾ الذين يتبعون القوم ليصيبوا من فضل طعامهم، لا همة لهم سوى ذلك. ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ المعنى: غير ذوي الحاجة إلى النساء، وهو من لا ينتشر عليه، ولا يطيق غشيانهن، ولا يشتهيهن ولا تشتهينه، فعند أبي حنيفة ومالك: ينظر الوجه والكفين، وعند الشافعي وأحمد: ينظر كالمحارم. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (غَيْرَ) بالنصب على الحال من الذكر الذي في (التَّابِعِينَ)، وقرأ الباقون: بالخفض على نعت (التابعين) (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٨). ﴿أَوِ الطِّفْلِ﴾ أي: الأطفال ﴿الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: لم يعرفوها؛ لعدم التمييز، فلا حجاب منهم بالاتفاق. والعورة: من العوار: العيب، وتقدم ذكر عورة الرجل والمرأة والأمة، واختلاف الأئمة في ذلك مستوفًى في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ كانت المرأة إذا مشت، ضربت برجلها؛ ليسمع صوتُ خلخالها، فنزلت الآية نهيًا عن ذلك (١) ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ من التقصير الواقع في أمره ونهيه. ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قرأ ابن عامر: (أَيُّهُ) بضم الهاء إتباعًا للضمة قبلها بعد حذف الألف للساكنين، ويقف بلا ألف على الخط، وقرأ الباقون: بفتحها؛ للدلالة على الألف المحذوفة وصلًا (٢)، ويقف أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (أَيُّهَا) بالألف على الأصل، والباقون: يقفون بلا ألف متابعة للمصحف (٣). ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بسعادة الدارين. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٩٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦١ - ١٦٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٩). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٩).

النور 24:32

﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ أي: زَوِّجوا ﴿الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ جمع أَيِّم، وهو من لا زوج له من الرجال والنساء، بكرًا كان أو ثيبًا. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ أي: الخيرين ﴿مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ اتفق الأئمة على أن النكاح سنة؛ لقوله - ﷺ -: "من أحبَّ فطرتي، فليستنَّ بسنتي (١)، ومن سُنَّتي النكاحُ" (٢)، فإن كان تائقًا يخاف العنت، وهو الزنا، وجب عليه عند أبي حنيفة وأحمد، وقال مالك والشافعي: وهو مستحب لمحتاج إليه يجد أهبته، ومن لم تتق نفسه إليه، فقال أبو حنيفة وأحمد: النكاح أفضل له من نفل العبادة، وقال مالك والشافعي: بعكسه، وعند الشافعي: إن لم يتعبد، فالنكاح أفضل. واختلفوا في تزويج المرأة نفسَها، فأجازه أبو حنيفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] نهى الرجال عن منع النساء عن النكاح، فدل على أنهن يملكن النكاح، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، أضاف النكاح إلى المرأة أيضًا، ولقوله - ﷺ -: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بنفسها من وليها، والبكرُ تُستأمر بنفسها، وإذنُها صُماتُها" (٣)، (١) "بسنتي" ساقطة من "ش". (٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (١٠٣٧٨)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٤٨)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٧٧)، عن عبيد بن سعد مرسلًا. (٣) رواه مسلم (١٤٢١)، كتاب: النكاح، باب: استئذان الثيب في النكاح بالنطق، والبكر بالسكوت، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. والاستئمار طلب الأمر من قبلها، ومنعه الثلاثة وقالوا: إنما يزوجها وليها؛ بدليل هذه الآية؛ لأن الله خاطب الأولياء به؛ كما أن تزويج العبيد والإماء إلى السادات، ولقوله - ﷺ -: "أَيُّما امرأةٍ نكحت بغير إذن وليها، فنكاحُها باطل، ثلاث مرات" (١). واختلفوا هل يجبر السيد على تزويج رقيقه إذا طلبوا ذلك؟ فقال أحمد: يلزمه ذلك إلا أمة يستمتع بها، فإن امتنع السيد من الواجب عليه، فطلب العبد البيع، لزمه بيعه، وخالفه الثلاثة. ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لا يمنعَنَّ فقرُ (٢) الخاطب أو المخطوبة من المناكحة؛ فإن في فضل الله غنيةً عن المال. ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ ذو سعة لا تنفد نعمته ﴿عَلِيمٌ﴾ يبسط الرزق ويقدر بحكمته. قرأ رويس عن يعقوب بخلاف عنه: (يُغْنِهُمُ اللَّهُ) بضم الهاء والميم، والباقون: بكسرهما (٣). واختلف الأئمة في الزوج إذا أعسر بالصداق والنفقة والكسوة والمسكن، هل تملك المرأة فسخ نكاحها؟ فقال أبو حنيفة: لا تملك الفسخ بشيء من ذلك، وتؤمر بالاستدانة للنفقة لتحيل عليه، فإذا فرضها (١) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، كتاب: النكاح، باب: في الولي، والترمذي (١١٠٢)، كتاب: النكاح، باب: ما جاء: لا نكاح إلا بولي، وقال: حسن، وابن ماجه (١٨٧٩)، كتاب: النكاح، باب: لا نكاح إلا بولي، عن عائشة -رضي الله عنها-. (٢) "فقر" ساقطة من "ش". (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٠).

النور 24:33

القاضي، وأمرها بالاستدانة، صارت دينًا عليه، فتتمكن من الإحالة عليه، والرجوع إلى تركته لو مات، وقال مالك: لها الفسخ بإعساره بالصداق قبل الدخول، فيؤمر بطلاقها، فإن امتنع، فرق الحاكم بينهما، ويتشطر صداقها عليه، ويبقى دينًا في ذمته تتبعه به إذا أيسر، ولم يفرق بإعساره به بعد الدخول، وإن أعسر بنفقتها، أُمر بفراقها، فإن امتنع، فرق الحاكم بينهما بطلقة رجعية، وله الرجعة إن أيسر في العدة، وقال الشافعي: إذا أعسر بالنفقة، فلها فسخ النكاح، وكذا بالكسوة والمسكن، ويمهل ثلاثة أيام، وتفسخ صبيحة الرابع، ولها الفسخ بالإعسار بالمهر قبل وطء لا بعده ويسقط به المهر، وقال أحمد: إن أعسر بنفقة أو ببعضها، أو بكسوة أو ببعضها، أو بسكنى، فلها الفسخ، وكذا إن أعسر بمهر حالٍّ قبل الدخول أو بعده، ما لم تكن عالمة بعسرته، فإن فسخت قبل الدخول، سقط المهر، وبعده، يستقر في ذمته، واتفق الشافعي وأحمد على أن الفسخ لا يصح إلا بحكم حاكم، فيفسخ بطلبها (١)، أو تفسخ بأمره. ... ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ يطلب العفة عن الزنا ﴿الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾ أي: (١) "بطلبها" زيادة من "ت". قدرة على النكاح ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ﴾ يوسِّع عليهم ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾. قال - ﷺ -: "يا معشرَ الشباب! من استطاع منكم الباءة، فليتزوج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع، فعليه بالصوم؛ فإنه له وِجاء" (١). ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾ أي: يطلبون عقد الكتابة. ﴿مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ عبدًا كان أو أمة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أمر ندب. وسبب نزول الآية: ما روي أن غلامًا لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه، فأبى عليه، فأنزل الله الآية، فكاتبه حويطب على مئة دينار، ووهب له منها عشرين، فأداها، وقتل يوم حنين في الحرب (٢)، والكتابة بيع سيد رقيقه بمال في ذمته مباح معلوم، وهي مستحبة بالاتفاق، فيقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا من المال، والعبدُ يقبل ذلك، فإذا أدى المالَ، عتق، ويصير العبد أحقَّ بمكاسبه بعد الكتابة، وسميت كتابة؛ لأن العبد كتب عليه الوفاء بالمال، والسيد كتب عليه العتق عند أدائه، وتصح عند أبي حنيفة ومالك بمال حالٍّ ومؤخل ومنجَّم، وعند الشافعي وأحمد تصح في نجمين فأكثر، ولا تجوز عندهما حالًّا، ولا في نجم واحد. ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ كسبًا وأمانة، وهو قول الشافعي وأحمد، وقال (١) رواه البخاري (١٨٠٦)، كتاب: الصوم، باب: الصوم لمن خاف على نفسه العزوبة، ومسلم (١٤٠٠)، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٨٦). و"تفسير القرطبي" (١٢/ ١٨٤). مالك: الخير هو القوة على الأداء، وقال بعض الحنفية: المراد بالخير: إقامة الصلاة وأداء الفرائض، وقال بعضهم: المراد: ألَّا يضر بالمسلمين بعد العتق، فإن كان يَضُرُّ بهم، فالأفضل ألَّا يكاتبه، فلو فعل، صح. ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ خطاب للمسلمين، فعند أبي حنيفة ومالك: هو مستحب، وعند الشافعي وأحمد: هو واجب، فمذهب الشافعي ليس له حد، بل عليه أن يحط عنه ما شاء من المال، أو يدفعه إليه، والحط أولى، وفي النجم الأخير أليق، ومذهب أحمد: يجب على السيد أن يؤتيه ربع مال الكتابة إن شاء، ويضعه عنه، وإن شاء قبضه ثم دفعه إليه (١). قال - ﷺ -: "ثلاثة حقٌّ على الله عونُهم: المكاتب الذي (٢) يريد الأداء، والناكح يريد العفاف، والمجاهد في سبيل الله" (٣). واختلفوا فيما إذا مات المكاتب قبل أداء النجوم، فقال أبو حنيفة ومالك: إن ترك وفاء بما بقي عليه من المكتابة، كان حرًّا، وإن كان فيه فضل، فالزيادة لأولاده الأحرار، وقال الشافعي وأحمد: يموت رقيقًا، وترتفع الكاتبة، سواء ترك مالًا، أو لم يترك؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع. (١) "ثم دفعه إليه" زيادة من "ت". (٢) "الذي" زيادة من "ت". (٣) رواه النسائي (٣١٢٠)، كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في المجاهد والناكح والمكاتب، وعون الله إياهم، وقال حسن، وابن ماجه (٢٥١٨)، كتاب: العتق، باب: المكاتب، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-. ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ﴾ إماكم ﴿عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الزنا. ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ إن طلبن تعففًا وامتناعًا عن الزنا، [و (إِنْ) هنا بمعنى (إِذْ)؛ لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا] (١) إن لم يردن التحصن، نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول المنافق، كانت له ست جوار يكرههن على الزنا، وضرب عليهن الضرائب -جمع الضريبة، وهي الغلة المضروبة على العبد والجزية-، فشكا بعضهن إلى رسول الله - ﷺ -، فنزلت (٢). قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (الْبِغَاءِ إِنْ) بتحقيق الهمزتين، وأبو عمرو: بإسقاط الهمزة الأولى، وقرأ قالون، والبزي: بتسهيل الأولى بين بين، مع تحقيق الثانية، وأبو جعفر، ورويس: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية، واختلف عن قنبل وورش، فروي عن الأول جعل الهمزة الثانية بين بين، وروي عنه إسقاط الهمزة الأولى، وهو الذي عليه الجمهور من أصحابه، وروي عن الثاني إبدال الهمزة الثانية ياء مكسورة، وروي عنه تسهيلها بين بين (٣). ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ﴾ أي: أموال ﴿الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بكسبهن وبيع أولادهن. (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) رواه مسلم (٣٠٢٩)، كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾، عن جابر -رضي الله عنه- قال: كان عبد الله بن أبي سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئًا، فأنزل الله -عز وجل-. وفي لفظ: أن جارية لعبد الله بن أبي سلول يقال لها مسيلة، وأخرى يقال لها أميمة، فكان يُكرههما على الزنا، فشكتا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فأنزل الله. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٨٧ - ١٨٨). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٠ - ٢٥١).

النور 24:34

﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾ على الزنا. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن، والوزرُ على المكرِه. قرأ ابن ذكوان بخلاف عنه: (إِكْرَاهِهِنَّ) بالإمالة. ... ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ مفصَّلات بالحلال والحرام، والحدود والأحكام. قرأ، ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُبيِّنَاتٍ) بكسر الياء، والباقون: بفتحها (١). ﴿وَمَثَلًا مِنَ﴾ أمثال ﴿الَّذِينَ خَلَوْا﴾ مضوا. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ يعني: ما ذكر من قصص القرون الماضية. ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الشرك والكبائر، وهذا تخويف لهم أن يلحقهم ما لحقَ مَنْ قبلهم من المكذبين. ... ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: صاحب نورهما، (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥١). ونورُهما: الشمس والقمر، المعنى: هو هادٍ مَنْ فيهما بنوره. ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ أي: صفة نور الله في قلب المؤمن ﴿كَمِشْكَاةٍ﴾ [هي الكوة في الجدار غير نافذة، روي أن المراد بالنور الثاني هنا: محمد - ﷺ -، وقوله: (مَثَلُ نُورِهِ)؛ أي: نور محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب، وقيل: إن المشكاة هندية معربة. قرأ الدوري عن الكسائي: (كَمِشْكَاةٍ)] (١) بالإمالة (٢) ﴿فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ سراج ضخم، والمعنى: مثل مصباح في مشكاة ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ في قنديل، مثل بها؛ لأن النور فيها أشد، ثم شبه القنديل بالكوكب فقال: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قرأ أبو عمرو، والكسائي: (دِرِّيءً) بكسر الدال مع المد والهمزة من الدَّرْء، وهو الدفع؛ لأن الكوكب يدفع الشيطان من السماء، وقرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: بضم الدال والمد والهمز، بمعنى: أن الكوكب يدفع الظلام بضيائه، وقرأ الباقون: بضم الدال وتشديد الياء من غير مد ولا همز (٣)؛ أي: شديد الإنارة، نُسب إلى الدُّر في صفائه وحسنه، وإن كان (٤) الكوكب أكثر ضوءًا من الدر، لكنه يفضل الكواكب بصفائه؛ كما يفصّل الدرُّ سائرَ الحب. ﴿يُوقَدُ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بتاء مفتوحة وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي؛ أي: توقد المصباح، وقرأ (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٢). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٣ - ٢٥٤). (٤) "كان" ساقط من "ش". نافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بياء مضمومة وإسكان الواو وتخفيف القاف ورفع الدال على التذكير مجهول مستقبل؛ [أي: يوقد المصباح، وقرأ الباقون، وهم: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بضم التاء والدال مع التخفيف على التأنيث مجهول مستقبل] (١) (٢)؛ أي: توقد الزجاجة؛ أي: نارها؛ لأن الزجاجة لا توقد. ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ أي: زيت شجرة ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ كثيرة النفع؛ لأن دهنها الزيت، فهو إدام وفاكهة ومصحة من الباسور ﴿زَيْتُونَةٍ﴾. قال رسول الله - ﷺ -: "كلوا الزيت وادَّهِنوا بالزيت؛ فإنه من شجرة مباركة" (٣). ﴿لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ بل بينهما؛ كالشام وأجودُ الزيتون زيتونهُ. وقال ابن عباس وغيره: معناه أنها في منكشف من الأرض؛ لتصيبها عين (٤) الشمس طول النهار، وتستدير عليها، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي شرقية وغربية، تأخذ حظها من الأمرين، فيكون زيتها أضوأ (٥). (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٥ - ٢٥٦). (٣) رواه الترمذي (١٨٥١) كتاب: الأطعمة، باب: ما جاء في أكل الزيت، وابن ماجه (٣٣١٩)، كتاب: الأطعمة، باب: الزيت، عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. (٤) "عين" ساقطة من "ت". (٥) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠١)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ١٩٦).

النور 24:36

﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ لصفائه ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ فكأنه لفرط ضيائه. ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني: نور المصباح على نور الزجاجة. قرأ أبو عمرو (يَكَاد زَّيْتُهَا) بإدغام الدال في الزاي (١)، وفائدة جعل المصباح في زجاجة، والزجاجة في كوة غير نافذة، شدة الإضاءة؛ لأن المكان كما تضيق، كان أجمع للضوء، بخلاف الواسع، فالضوء ينتشر فيه، وخص الزجاج؛ لأنه أحكى الجواهر لما فيه، وهذا تمثيل للنبي - ﷺ -، فالمشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح النبوة فيه، ومن شجرة مباركة شجرة النبوة، يكاد زيتها يضيء: يكاد أمر محمد يتبين للناس أنه نبي، ولو لم يتكلم؛ كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار. ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ﴾ لدين الإسلام ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن الأسباب كلها بمشيئته. ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾ تقريبًا لأفهامهم. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ظاهرًا كان أو خفيًّا. ... ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ متعلق بما قبله؛ أي: (كَمِشْكَاةٍ) في بيوت. ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: تُعَظَّم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٧). قال ابن عباس: "المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض" (١). وقيل: هي أربعة بناها الأنبياء: الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل، والأقصى بناه داود وسليمان، [بل بناه يعقوب -عليه السلام- كما ورد في الحديث، فلا تغفل عنه] (٢)، ومسجد المدينة، ومسجد قباء بناهما رسول الله - ﷺ -. ﴿وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ يتلى فيها كتابه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ قرأ ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (يُسَبَّحُ) بفتح الباء مجهولًا القائم مقام الفاعل له، فيحسن الوقف على (وَالآصَالِ)؛ لأنك تضمر فعلًا؛ كأنه لما قيل (يُسَبَّحُ لَهُ)، قيل: من يسبحه؟ قيل: يسبحه رجال، ولا يجوز الوقف عليه، وقرأ الباقون بكسر الباء، جعلوا التسبيح فعلًا للرجال (يُسَبِّحُ) (٣)؛ أي: يصلي له فيها بالغداة والعشي، والمراد: الصلوات المفروضات، فالتي تؤدى بالغداة: صلاة الفجر، والتي تؤدى بالآصال: صلاة الظهر والعصر والعشاءين؛ لأن اسم الأصيل يجمعها. ... (١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٩٤٨). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٥٧).

النور 24:37

﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿رِجَالٌ﴾ قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد؛ لأنه ليس على النساء جمعة ولا جماعة في المساجد. ﴿لَا تُلْهِيهِمْ﴾ لا تشغلهم ﴿تِجَارَةٌ﴾ هي صنعة التاجر عن بيع وشراء. ﴿وَلَا بَيْعٌ﴾ قال الفراء: التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يديه. ﴿عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ عن الصلاة المفروضة ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ لوقتها. ﴿وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ لمستحقيها عند وجوبها؛ لأن مؤخر الصلاة عن وقتها لا يكون مقيمًا لها. ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ هو يوم القيامة ﴿تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ وتقلُّبُها تنقُّلُها (١) عن أماكنها؛ لهول ذلك اليوم، فتنقلب القلوب في الجوف، وترتفع إلى الحنجرة، ولا تنزل ولا تخرج، وتقلُّب البصر: شُخوصه. ... ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ﴾ اللام في ﴿لِيَجْزِيَهُمُ﴾ متعلقة بـ ﴿يُسَبِّحُ﴾ المعنى: كان تسبيحهم وخوفهم ليثيبهم، وقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ فيه حذف مضاف تقديره: ثواب أحسن ما عملوا. (١) "تنقلها" زيادة من "ت".

النور 24:39

﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما لم يستحقوه بأعمالهم. ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال كثير من الصحابة: نزلت هذه الآية في أهل الأسواق الذين إذا سمعوا النداء بالصلاة، تركوا كل شغل، وبادروا إليها، فرأى سالم بن عبد الله بن عمر أهل الأسواق وهم مقبلون إلى الصلاة، فقال: "هؤلاء الذين أراد الله بقوله: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (١). ... ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩)﴾. [٣٩] ثم ضرب لأعمال الكافرين مثلًا فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾ هو ما يُرى من ضوء الشمس نصفَ النهار كالماء على وجه الأرض. ﴿بِقِيعَةٍ﴾ جمع قاع، وهو المستوي من الأرض، وفيه يكون السراب. ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ﴾ يتوهمه العطشان. ﴿مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ جاء ما غلب على ظنه أنه ماء. ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ مما ظنه، فيزداد عطشًا، فكذلك الكافر، يحسب أن عمله ينفعه، فعند الموت والبعث، لم يغن عنه شيئًا، فيزداد انقطاعًا. (١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٠٧).

النور 24:40

﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ أي: بالمجازاة، والضمير في. ﴿عِنْدَهُ﴾ عائد على العمل. ﴿فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ جزاءَ كفره، فألقي في النار. ﴿وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لا يشغله حساب عن حساب. ... ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ﴾ عطف على قوله: ﴿كَسَرَابٍ﴾، وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار؛ أي: أعمالهم في فسادها وجهالتهم فيها كالظلمات. ﴿فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ عميق، منسوب إلى اللج؛ أي: ذو لُجًّ، وهو معظم الماء. ﴿يَغْشَاهُ﴾ يعلو البحرَ. ﴿مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ﴾ فوق الموج ﴿مَوْجٌ﴾ آخر؛ لأن الموج يركب بعضه بعضًا؛ لكثرته. ﴿مِنْ فَوْقِهِ﴾ فوق الموج ﴿سَحَابٌ﴾ قرأ البزي عن ابن كثير: (سَحَابُ) بغير تنوين (ظُلُمَاتٍ) بالخفض على الإضافة، وقرأ قنبل عنه: (سَحَابٌ) بالتنوين (ظُلُمَاتٍ) بالخفض على البدل من قوله: (أو كَظُلُمَاتٍ)، وقرأ الباقون: (سَحَابٌ) (ظُلُمَاتٍ) كلاهما بالرفع والتنوين (١)، فيكون تمام الكلام عند قوله: (سَحَابٌ)، ثم ابتدأ. ﴿ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ﴾ فشبهت أعمال الكفار واغترارهم بها بسراب يغتر به من طلبه، ثم شبهت لسوادها لكفرهم بظلمات بعضها فوق بعض، والمراد؛ ظلمة الموج على ظلمة البحر، وظلمة الموج على الموج، وظلمة السحاب على الموج، فشبه عمل الكافر بالظلمات، وقلبه بالبحر، وما يغشى قلبَه من الشرك بالموج، والختم على قلبه بالسحاب، فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، وقلبه وجميع أحواله ظلمة، ومصيره إلى جهنم. ﴿إِذَا أَخْرَجَ﴾ يعني الناظر (٢) ﴿يَدَهُ لَمْ يَكَدْ﴾ لم يقرُبْ من أن ﴿يَرَاهَا﴾ فضلًا أن يراها؛ لشدة الظلمة. ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا﴾ هداية وإيمانًا في الدنيا. ﴿فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ هداية في الآخرة إلى الجنة. نزلت هذه الآية عامة في جميع الكفار، وقيل: إنها نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، تَعَبَّدَ في الجاهلية، ولبس المسوح، والتمس الدين، فلما جاء الإسلام، كفر (٣). ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٢)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٣٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٩ - ٢٦٠). (٢) "يعني الناظر" زيادة من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٦).

النور 24:41

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، والرؤية رؤية الفكر. ﴿أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ﴾ باسطاتٍ أجنحتَها في الهواء يُصفقن بهن، قيل: خص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء والأرض، فتكون خارجة عن حكم من في السموات والأرض. ﴿كُلٌّ﴾ من المصلين والمسبحين ﴿قَدْ عَلِمَ﴾ اللهُ ﴿صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ وقيل: المعنى: كل مكلف علم عبادته ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾. ... ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: تقديرها وتدبير أمورها وتصريف أحوالها كما يشاء. ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ مرجعُ الجميع. ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي﴾ أي: يسوق ﴿سَحَابًا﴾ أي: غيمًا؛ لانسحابه في الهواء. ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ بين أجزاء الغيم، فيجعله شيئًا وَاحدًا بعد أن كان قطعًا. قرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: (يُوَلِّفُ) بفتح الواو من غير همز (١). ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ متراكمًا بعضُه فوق بعض. ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فُتوقِه، جمع خَلَل. ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ معناه: ينزل من جبال في السماء، تلك الجبالُ من برد. قال ابن عباس: "أخبر الله تعالى أن في السماء جبالًا من برد" (٢)، ومفعول الإنزال محذوف تقديره: وينزل من السماء من جبال فيها بردًا، فاستغنى عن ذكر المفعول؛ للدلالة عليه. قال أهل النحو: ذكر الله تعالى (من) ثلاث مرات في هذه الآية، فقوله: (مِنَ السَّمَاءِ) لابتداء الغاية؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء، وقوله: (مِنْ جِبَالٍ) للتبعيض؛ لأن ما ينزله الله بعضُ تلك الجبال، وقوله: (مِنْ بَرَدٍ) للتجنيس؛ لأن تلك الجبال جنس البرد (٣). ﴿فَيُصِيبُ بِهِ﴾ أي: بالبرد ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ فيهلك زرعه وأمواله. ﴿وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ فلا يضره. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦١). (٢) ذكره عنه البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٠٧)، وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٢/ ٢٨٩) دون نسبة. (٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٨/ ١٥٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٧).

النور 24:44

﴿يَكَادُ سَنَا﴾ أي: ضوء ﴿بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ﴾ يختطفها من شدة ضوئه. قرأ أبو جعفر: (يُذْهِبُ) بضم الياء وكسر الهاء، فقيل: إن باء (بِالأَبْصَارِ) تكون زائدة؛ كما هي في: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، قال ابن الجزري: والظاهر أن تكون بمعنى (مِنْ)؛ كما جاءت في قول الشاعر: شُرْبَ النزيفِ ببردِ ماءِ الحَشْرَجِ (١) أي: من برد، ويكون المفعول محذوفًا؛ أي: يذهب النور من الأبصار، وقرأ الباقون: بفتح الياء والهاء (٢)، وأبو عمرو يدغم الدال من (يَكَادُ) في السين من (سَنَا بَرْقِهِ) (٣). ... ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ يذهب بأحدهما، ويجيء بالآخر، وينقص من أحدهما، ويزيد في الآخر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ التقليب ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لأصحاب الاعتبار. (١) عجز بيت منسوب إلى الراعي النميري، وعروة بن أذينة، وعمر بن أبي ربيعة، وجميل بن معمر، وصدره: فلثمتُ فاها آخذًا بقرونها وانظر: "الكامل" للمبرد (١/ ٣٨١). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٢). (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦١).

النور 24:45

﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ أي: من نطفة، والمراد: كل حيوان يشاهد في الدنيا، ولا يدخل فيه الملائكة والجن؛ لأنا لا نشاهدهم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (خَالِقُ) بألف بعد الخاء وكسر اللام ورفع القاف وخفض (كُلِّ) بالإضافة، وقرأ الباقون: (خَلَقَ) بفتح اللام والقاف من غير ألف على الفعل، ونصب (كُلَّ) مفعولًا به (١). ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ كالحيات، وسمي الزحف على البطن مشيًا؛ اتساعًا؛ لقيامه مقام المشي. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ﴾ كالأناسي والطير. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ كالبهائم، ولم يذكر من يمشي على أكثر من أربع مثل حشرات الأرض؛ لأنها في الصورة كالتي تمشي على أربع، وتذكير الضمير؛ لتغليب العقلاء، والتعبير بـ (من) عن الأصناف؛ ليوافق التفصيل الجملة، والترتيب؛ لتقديم ما هو أعرق في القدرة. ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ مما ذكر، ومما لم يذكر. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يفعل ما يشاء. واختلاف القراء في (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٣).

النور 24:46

الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من ﴿نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ في سورة الحج [الآية: ٥]. ... ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٦)﴾. [٤٦] و ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تقدم تفسير (آيَاتٍ مُبيِّنَاتٍ)، واختلاف القراء فيها، واختلافهم في (يَشَاءُ إِلَى) كاختلافهم في (يَشَاءُ إِنَّ). ... ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] ولما خاصم بشر المنافقُ يهوديًّا كان بينهما خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد - ﷺ -، وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف؛ فإن محمدًا يحيف علينا، نزل قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾ (١) يعني: المنافقين ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا﴾ لهما. ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى﴾ بالامتناع عن قبول حكمه. ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ بعد قولهم هذا. ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ليسوا بالمخلصين في الإيمان. ... (١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٨٨).

النور 24:48

﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨)﴾. [٤٨] ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى كتابه. ﴿وَرَسُولِهِ﴾ محمد - ﷺ -. ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ قرأ أبو جعفر: (لِيُحْكَمَ) بضم الياء وفتح الكاف (١)، وكذلك في الحرف الآتي مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الكاف؛ أي: ليحكم الرسولُ بينهم بحكم الله. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن الإتيان إليه؛ خوفًا أن يحكم عليهم. ... ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ منقادين بسرعة؛ لثقتهم أنه كما يحكم عليهم بالحق، يحكم لهم أيضًا بالحق. ... ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كفر ﴿أَمِ ارْتَابُوا﴾ شكوا في نبوته؟! هذا استفهام ذم وتوبيخ، أي: هم كذلك. ﴿أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي: يميل في الحكم. ﴿بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لإعراضهم عن الحق، وطلبهم ما ليس لهم. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٤).

النور 24:51

﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ﴾ نصب خبر (كانَ) المعنى: إنما كان الواجبُ. ﴿الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: إلى كتاب الله ﴿وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا﴾ قولك ﴿وَأَطَعْنَا﴾ أمرك، والطاعة: موافقة الأمر طوعًا، وهي تجوز لله ولغيره ﴿وَأُولَئِكَ﴾ أي: القائلون هذا القول ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ البالغون آمالهم في دنياهم وآخرتهم. ... ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فيما يأمرانه و ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ على ما صدر عنه من الذنوب ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من عمره ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الناجون. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: (وَيَتَّقِهِ) بكسر القاف وإسكان الهاء على نية الوقف، وحفص: بإسكان القاف واختلاس كسرة الهاء تخفيفًا، وأبو جعفر، ويعقوب، وقالون، وهشام: بكسر القاف واختلاس كسرة الهاء، وأصله (يتقهي)، حذفت الياء التي بعد الهاء؛ لسكونها وسكون الياء قبل الهاء، ولم يعتد بالهاء حاجزًا لسكونها، وبقيت الكسرة تدل عليها، ثم حذفت الهاء الأولى للجزم، وقرأ الباقون: بكسر القاف وإشباع كسرة الهاء وصلتها بياء حالة الوصل (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٥).

النور 24:53

﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ يعني: المنافقين ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ والقسم جهد اليمين أبلغُ ما يمكن من الأقسام، فمن قال: أقسم بالله، فقد جهد يمينه. ﴿لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ﴾ وذلك أنهم كانوا يقولون لرسول الله - ﷺ -: أينما كنت، نكن معك، لئن خرجت، خرجنا، وإن أقمت، أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد، جاهدنا، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَا تُقْسِمُوا﴾ لا تحلفوا، تم الكلام، ثم قال: ﴿طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ أي: أمثل من إقسامكم طاعة لا يُشك فيها؛ لأنكم لا تصدقون. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم. ... ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بتبليغ ما خاطبهم الله به؛ مبالغةً في تبكيتهم. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: تتولوا. قرأ البزي: (فَإِن تَّوَلَّوْا) بتشديد التاء (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٦).

النور 24:55

﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ﴾ على محمد - ﷺ - ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ. ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من الطاعة. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ إلى الحق. ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ أي: التبليغ البين، ونُسخت بآية السيف. ... ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ولما اشتد خوف الصحابة، واستبطؤوا النصر، نزل تسليةً لهم ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ وهو جواب قسم مضمر تقديره: وعدهم، وأقسم ليستخلفنهم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ (١) بأن يجعلهم خلفاءها وساكنيها بعد الكفار متصرفين فيها. ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (كَمَا اسْتُخْلِفَ) بضم التاء وكسر اللام مجهول الفاعل (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، ويبتدئ ألفه بالضم، وقرأ الباقون: بفتح التاء واللام معلومًا، ويبتدئون (١) روى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٧/ ٢١٧) عن أبي العالية، نحوًا منه. وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" (٨/ ٢٦٢٧) عند تفسيره لهذه الآية. ألفه بالكسر (١)، ضميره يرجع إلى (الله)، المعنى: يستخلفكم استخلافًا كاستخلاف الله داود وسليمان وبني إسرائيل أرضَ الجبارين. ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام؛ بأن يظهره على جميع الأديان. ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ﴾ قرأ ابن كثير، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: بإسكان الباء وتخفيف الدال؛ من أبدل، وقرأ الباقون: بفتح الباء وتشديد الدال؛ من بدَّل، وهما لغتان (٢)، وقيل التبديل: تغيير حال إلى حال، والإبدال: رفعُ الشيء وجعلُ غيره مكانه. ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ وكان رسول الله - ﷺ - وأصحابه مكثوا بمكة عشر سنين خائفين، ثم هاجروا إلى المدينة، وكانوا يصبحون في السلاح، ويبيتون فيه، فأظهر الله دينهم، ونصرهم، وأبدلهم من بعد الخوف أمنًا. ﴿يَعْبُدُونَنِي﴾ فعل مستأنف؛ أي: هم يعبدونني. ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أي: يعبدونني موحدين. ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ هذه النعمَ. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ العاصون، وكان أول من كفر بهذه النعمة بعدما أنجز الله وعده الذين قتلوا عثمان بن عفان رضي الله عنه فغير الله تعالى ما بهم، وأدخل عليهم الخوف الذي كان رفعه عنهم حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخوانًا. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٨ - ٤٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٦). (٢) المصادر السابقة.

النور 24:56

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فيما أمركم به. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي: افعلوها على رجاء الرحمة. ... ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة: (يَحْسَبَنَّ) بالغيب، ونصب السين؛ أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين، وقرأ الباقون: بالخطاب وكسر السين (١)؛ أي: لا تحسبن يا محمد الذين كفروا. ﴿مُعْجِزِينَ﴾ أي: فائتين اللهَ ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بأن لا يقدر عليهم. ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ التقدير: الذين كفروا ليسوا معجزين، ومأواهم النار. ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المأوى الذي يصيرون إليه. ... {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٧).

النور 24:58

بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)}. [٥٨] قال ابن عباس: وجه رسول الله - ﷺ - غلامًا من الأنصار يقال له: مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة؛ ليدعوه، فدخل ورأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ (١) هذه اللام لام الأمر. ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني: العبيد والإماء، هم. ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ﴾ من الأحرار، وليس المراد منهم: الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء، بل الذين عرفوا أمر النساء، ولكن لم يبلغوا. ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ أي: ليستأذنوا في ثلاثة أوقات. ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ لأنه وقت القيام من المضاجع، وطرحِ ما يُنام فيه من الثياب. ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾ للقيلولة. ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ إلى وقت الظهر؛ لأنه وقت القيلولة والتكشف. ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ لأنه وقت التجرد للنوم، فهذه الأوقات أوقات خلوة، فالاستئذان لهؤلاء مشروع فيها لهم، ولغيرهم في جميع الأوقات. ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن (١) انظر "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٨٩). عاصم: (ثَلاَثَ) بنصب الثاء بدلًا عن قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) أي: أوقاتَ ثلاثِ عوراتٍ، وقرأ الباقون: بالرفع (١)؛ أي: هذه الأوقات ثلاثُ عورات لكم؛ لأن الإنسان يختل ستره فيها، واتفقوا على النصب في قوله: (ثَلاَثَ مَرَّاتٍ) المتقدم؛ لوقوعه ظرفًا، وقرأ أبو عمرو (بَعْد صَّلاَةِ الْعِشَاءِ) بإدغام الدال في الصاد (٢). ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ يعنى: العبيد والخدم والصبيان ﴿جُنَاحٌ﴾ إثم في الدخول بغير استئذان ﴿بَعْدَهُنَّ﴾ أي: بعد هذه الأوقات الثلاثة. ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ للخدمة ﴿بَعْضُكُمْ﴾ يطوف. ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ يعني: إن كان بكم وبهم حاجة إلى المخالطة. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ الأحكامَ. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فيما يشرع لكم. واختلف في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة (٣)، قال ابن عباس: "لم يكن للقوم ستور ولا حجاب، وكان الخدم والولائد يدخلون، فربما يرون منهم ما لا يحبون، فأُمروا بالاستئذان، وقد بسط الله الرزق، فاتخذ الناس الستور" (٤)، فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان، وذهب قوم إلى أنها (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٨). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٨). (٣) في "ت": "هو منسوخ". (٤) رواه أبو داود (٥١٩٢)، كتاب: الأدب، باب: الاستئذان في العورات الثلاث، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٣٢)، والبيهقي في "السنن الكبرى" =

النور 24:59

غير منسوخة، قال سعيد بن جبير: "إن ناسًا يقولون: نسخت، واللهِ ما نُسخت، ولكنها مما تهاون به الناس" (١). ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ أي: الأحرار إذا بلغوا ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات في الدخول عليكم. ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأحرار البالغين. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كرر تأكيدًا ومبالغة في الأمر بالاستئذان. ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هي من قعدت عن الحيض والولد؛ لكبرها. = (٧/ ٩٧). قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣٠٤) عن إسناد ابن أبي حاتم، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس. وقال القرطبي في "تفسيره" (١٢/ ٣٠٣): هذا متن حسن، وهو يرد قول سعيد بن جبير، فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية، ولكن على أنه كانت على حال ثم زالت، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري ونحوها. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٦٣).

النور 24:61

﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ أي: لا يُردن الرجال؛ لكبرهن. ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ الظاهرة؛ كالملحفة والجلباب الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، فأما الخمار، فلا يجوز وضعه. ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ غير مظهِرات محاسنَهن. ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ عن وضع الثياب. ﴿خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ لأنه أبعد من التهمة. ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لمقالهن للرجال ﴿عَلِيمٌ﴾ بمقصودهن، وتقدم ذكر الخلاف في النظر إلى العجوز التي لا تشتهى في السورة. ... ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ كان هؤلاء يتوقَّون مؤاكلة الناس ومجالستهم؛ لأن الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله إليه، والأعرج يأخذ من المجلس أكثر من موضع، والمريض لا يخلو من رائحة يؤذي بها، أو شيء ينجس، فنزلت الآية مبيحة لهم. ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ فيه دلالة على أن يأكل في بيته من مال عياله وزوجته، فيدخل فيها بيوت الأولاد؛ لأن بيت الولد كبيته؛ لقوله - ﷺ -: "أنتَ ومالُكَ لأبيك" (١)، ولذلك لم يذكر الأولاد في الآية. وتقدم استدلال الإمام أحمد بهذا الحديث على أن للرجل أن يأخذ من مال ولده ما شاء ويتملكه في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [الآية: ٢٦٧]. ﴿أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ﴾ وهذا فيما ليس مُحرزًا. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وقالون عن نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (بِيُوتِ) و (بِيُوتًا) و (بِيُوتِكُمْ) و (بِيُوتِهِمْ) وما جاء منه بكسر الباء حيث وقع، والباقون: بالضم (٢)، وقرأ حمزة: (إِمَّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم، (١) رواه أبو داود (٣٥٣٠)، كتاب: الإجارة، باب: في الرجل يأكل من مال ولده، وابن ماجه (٢٢٩٢)، كتاب: التجارات، باب: ما للرجل من مال ولده، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢٠٤)، وغيرهم عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما-. (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٤٥ - ٢٤٦). والكسائي بكسر الهمزة فقط، وذلك في الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١). ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ هو بيت موكله، فله أن يأكل من زرعه وضرعه إذا احتاج، ولا يدخر، والمفاتيح: الخزائن. ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ الصديق: الذي صدقك في المودة، قال ابن عباس: "نزلت في الحارث بن عمرو، خرج غازيًا مع رسول الله - ﷺ -، وخلف مالك يزيد على أهله، فلما رجع، وجده مجهودًا، فسأله عن حاله، فقال: تحرَّجْتُ أن آكل من طعامك بغير إذنك، فأنزل الله الآية" (٢). ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين ﴿أَوْ أَشْتَاتًا﴾ متفرقين، نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة، كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده حتى يجد ضيفًا يأكل معه (٣). ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا﴾ من هذه البيوت للأكل أو غيره ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: على أهل دينكم، وقال ابن عباس: "معناه إذا دخلت المسجد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" (٤) ﴿تَحِيَّةً﴾ مصدر؛ أي: تحيون أنفسكم تحية. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ وصفت بالبركة والطيب؛ لما فيها من (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٦٩). (٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٢٢٥). (٣) انظر: "تفسير الطبري" (١٨/ ١٧٠)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٠). (٤) رواه الطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٧٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٦٥٠)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥١٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٨٦٣).

النور 24:62

الأجر والثواب؛ لأن البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء. ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ كرره ثالثًا؛ لمزيد التأكيد. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ الحقَّ في الأمور. ... ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ثم أكد الحصر بقوله: ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ﴾ أي: مع رسول الله - ﷺ - ﴿عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ نحو الجهاد والعيد والجمعة، والتشاور في أمر نزل ﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ لم يتفرقوا ﴿حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ في الانصراف، وكان - ﷺ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة، وأراد رجل الخروج، وقف حيث يراه، فيأذن له إن شاء، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فأفاد أن المستأذن مؤمن، وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك ﴿فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ﴾ في الانصراف ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ قصدهم. قرأ أبو عمرو: (لِبَعْض شَّأْنِهِمْ) بإدغام الضاد في الشين في هذا الحرف فقط (١). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٠).

النور 24:63

﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ لا اعتراض عليك. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ إن خرجوا بإذنك لخروجهم عنك. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لفرطات العباد ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتيسير عليهم. ... ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا: يا محمد، ولكن فخموه، وقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، في لين وتواضع، وهذه الآية مخاطبة لجميع معاصري محمد - ﷺ -، وقال ابن عباس: "معناه: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه؛ فإن دعاءه موجب، ليس كدعاء غيره" (١). ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ أي: قد علم ﴿اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ﴾ يخرجون واحدًا بعد واحد ﴿لِوَاذًا﴾ يلوذ بعضهم ببعض يتستر به. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ﴾ أي: يميلون ﴿عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: عن أمر الله تعالى، أو أمر نبيه - ﷺ - ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أي: محنة وبلاء. ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ... (١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٢٣٠).

النور 24:64

﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ خلقًا وملكًا. ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الأحوال والأعمال، المعنى: عليه محيط بجميع الأشياء. ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ جميعًا، الخطاب للمنافقين على سبيل الالتفات. قرأ يعقوب: (يَرْجِعُونَ) بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١). ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ بالمجازاة عليه. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تُنْزِلوا النساءَ الغرفَ، ولا تعلموهنَّ الكتابة، وعلموهن الغزلَ وسورة النور" (٢)، والله أعلم. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٠). (٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٥٧١٣)، وابن حبان في "المجروحين" (٢/ ٣٠٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٤٩٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٥٣)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٤/ ٢٢٤)، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٩٣): فيه محمد بن إبراهيم الشامي، قال الدارقطني: كذاب. فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد الخامس اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر

الفرقان 25:1

سُوْرَةُ الفُرقَانِ مكية، وآيها: سبع وسبعون آية، وحروفها: ثلاتة آلاف، وسبع مئة وثلاثة وثمانون حرفًا، وكلمها: ثماني مئة واثنتان وتسعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾. [١] ﴿تَبَارَكَ﴾ وزنه تفاعَلَ، ومعناه: تَعَظَّم وتقدَّس، وقيل: معناه: جاء بالبركة، فعل مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، سمي فرقانًا؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر. ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ -. ﴿لِيَكُونَ﴾ العبد، أو الفرقان ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الجن والإنس ممن عاصره، أو جاء بعده ﴿نَذِيرًا﴾ محذرًا. ... ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾. [٢] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾. ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ رَدٌّ على النصارى.

الفرقان 25:3

﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ردٌّ على قريش في قولهم: إن لله شريكًا. ﴿وَخَلَقَ﴾ أحدثَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات. ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ هيأه لما أراد منه. ... ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾. [٣] ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يعني: عبدة الأوثان. ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام. ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ لا يستطيعون. ﴿لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفع ضر، ولا جلب نفع. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتة وإحياء ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ بعثًا بعد الموت، ومن كان كذلك، فكيف يعبد؟! لأن الإله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء. ... ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾. [٤] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: النضر بن الحارث وأصحابه: ﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد. ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني: اليهود؛ فإنهم يلقون إليه أخبار

الفرقان 25:5

الأمم، وهو يعبر عنه بعبارته، وقال ابن عباس: "أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس، أحدهم أبو فكيهة مولى الحضرميين، وجبر ويسار وعداس وغيرهم، كانوا بمكة، زعم الكفار أن محمدًا اختلق القرآن، وأعانوه على اختلاقه" (١). ﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يعني؛ قائلي هذه المقالة. ﴿ظُلْمًا﴾ كفرًا ﴿وَزُورًا﴾ كذبًا؛ لنسبتهم القرآن إلى غير قائله. ... ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾. [٥] ﴿وَقَالُوا﴾ المشركون؛ القرآنُ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره المتقدمون ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد؛ أي: طلب أن تُكتب له؛ لأنه كان لا يكتب. ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تقرأ ﴿عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غدوةً وعشيًّا. ... ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾. [٦] فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ الله (٢). ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٢)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٧٨). (٢) لفظ الجلالة "الله" لم يرد في "ت".

الفرقان 25:7

﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأنه أعجزكم بفصاحته. ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فلذلك لم يعجِّل عقوبتكم مع كمال قدرته. ... ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾. [٧] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكافرون إنكارًا وسخرية منهم به: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ بزعمه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة. وتقدم اختلاف القراء في قوله: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وكتبت اللام في المصحف مفردة من قوله: (مَالِ هَذَا) واتباعه سنة، أما أكله الطعام، فلأنه بشر، ومشيه في الأسواق، فلقضاء حوائجه تواضعًا، ولا ينافيان الرسالة، ثم جاؤوا بحرف التحضيض فقالوا: ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ نصب جواب التحضيض. ﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يصدقه. ... ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾. [٨] ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ أي: ينزل عليه ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء ينفقه، فيستغني عن تحصيل المعاش.

الفرقان 25:9

﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (نَأْكُلُ) بالنون؛ أي: نأكل نحن منها، وقرأ الباقون: بالياء (١)؛ أي: يأكل هو، المعنى: ليس مَلَكًا ولا مَلِكًا ولا غنيًّا، فلا نتبعه؛ لأنه دوننا. ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ الذين أشير إليهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قد سُحر، فغُلب على عقله. ... ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾. [٩] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه بالمسحور والكاهن والشاعر وغيره ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه. ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾. [١٠] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ في الدنيا. ﴿خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: مما قالوا، ثم بين ذلك الخير، فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بيوتًا مشيدة. قرأ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٥).

الفرقان 25:11

ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (وَيَجْعَلُ) برفع اللام استئنافًا، وقرأ الباقون: بجزمها عطفًا على محل (جَعَلَ) لأنه جواب الشرط (١)؛ لأن التقدير: تبارك الذي إن يَشَأْ يجعلْ، وقرأ أبو عمرو: (لَك قُّصُورًا) و (رَبُّك قَّدِيرًا) بإدغام الكاف في القاف فيهما (٢). قال - ﷺ -: "عَرَضَ عليَّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبعُ يومًا، وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثًا فإذا جُعت، تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعتُ، حَمِدْتُك وشكرتك" (٣). ... ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾. [١١] ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بل أتوا أعجب من ذلك كله، وهو تكذيب. ﴿بِالسَّاعَةِ﴾ بالقيامة، فكيف يصدقونك. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارًا ملتهبة. قرأ أبو عمرو: (بِالسَّاعَة سَّعِيرًا) بإدغام التاء في السين (٤). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٦). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٦). (٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه، وقال: حديث حسن، وعلي بن يزيد ضعيف الحديث، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٥٤)، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-. (٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٦).

الفرقان 25:12

﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾. [١٢] ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: إذا قابلتهم، وصاروا بإزائها. ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ هو الصوت الذي يهمهم به المغتاظ ﴿وَزَفِيرًا﴾ هو الصوت من الصدر، روي أن جهنم تزفر يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه (١). ... ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي: تضيق عليهم إذا ألقوا فيها، فيكون أشدَّ لعذابهم؛ فإن الكربَ مع الضيق، والرَّوْحَ مع السَّعة، فلذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. قرأ ابن كثير: (ضَيْقًا) بإسكان الياء مخففة، والباقون: بكسرها مشددة (٢). ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدين، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل. ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ويلًا. ... ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾. [١٤] في الحديث: "أول من يُكسى حُلَّةً من النار إبليسُ، فيضعها على (١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٤)، وابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣١٢)، عن عبيد بن عمير. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٦).

الفرقان 25:15

حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: واثبوره، وهم ينادون ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ثبوره، وينادون: يا ثبورهم" فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ (١) لأن عذابكم كثير لا يفنى. ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ كعذابكم. ... ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾. [١٥] ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفة النار. ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ أي: وُعِدَها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ معدةً في علمه تعالى ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ ثوابًا ومقرًّا. ... ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾. [١٦] ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من النعيم. ﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مطلوبًا يطلبه المؤمنون بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]. ... (١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ١٥٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.

الفرقان 25:17

﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكر يوم نحشرهم. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١). ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الملائكة، وعيسى، وعزير، والجن، وقيل: الأصنام. ﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى للمعبودين إثباتًا للحجة على العابدين. قرأ ابن عامر: (فَنَقُولُ) بالنون، والباقون: بالياء (٢). ﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أخطؤوا الطريق. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾، واختلافهم في الهمزتين من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾ كاختلافهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾، وكلاهما في سورة الأنبياء. ... ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾. [١٨] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نزهوا الله من أن يكون معه آلهة ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٧). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٨).

الفرقان 25:19

ما يجوز ولا يستقيم ﴿لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو جعفر: (نُتَّخَذَ) بضم النون وفتح الخاء، فيكون (مِنْ أَوْلِيَاءَ) حالًا، و (مِنْ) زائدة لمكان النفي المتقدم؛ كما تقول: ما اتخذتُ زيدًا من وكيل، والمعنى: ما كان لنا أن نُعبد من دونك، ولا نستحق الولاء ولا العبادة، وقرأ الباقون: بفتح النون وكسر الخاء (١)؛ أي: ما جاز أن نواليهم ليعبدونا. ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بأنواع النعم. ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا ذكر الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هَلْكى، وأصله من البور، وهو الفساد، ومنه: بوار السلعة، وهو كسادها. ... ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾. [١٩] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خطاب للكفار ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وروي عن قنبل (بِمَا يَقُولُونَ) بالغيب (٢)؛ أي: بقولهم: (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا) إلى آخره ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (تَسْتَطِيعُونَ) بالخطاب؛ يعني: للعابدين، وقرأ الباقون: بالغيب (٣)؛ يعني: للمعبودين. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩).

الفرقان 25:20

﴿صَرْفًا﴾ دفعًا للعذاب، وقيل: حيلة ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيعينكم عليه؛ أي: أنتم وهم عجزة عن جلب نفع، أو دفع ضر. ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يشرك ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ هي النار. ... ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ تقديره: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلا آكلين الطعام، وماشين في الأسواق، وجاز حذفه لدلالة (مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عليه، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ابتلاء ومحنة، وهذا على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض؛ بأن يقول المريض: لو شاء الله، لجعلني مثل الصحيح، والغني فتنة للفقير، والفقيرُ الشاكر فتنة للغني، والرسولُ المخصوص بكرامة النبوة فتنةٌ لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك الحكماء وحكام العدل. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علة للجَعْل، والتوقيف بتاء (تَصْبِرُونَ) خاص للمؤمنين المحققين، فهو لأمة محمد - ﷺ -؛ أي: جعلنا بعضكم لبعض فتنة؛ لنعلم أيكم يصبر على البلاء.

الفرقان 25:21

﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فيجازي كلًّا بعمله، وهو وعد للصابرين، ووعيد للعاصين. قال - ﷺ -: "إذا نظر أحدُكم إلى من فُضِّلَ عليه من المال والجسم، فلينظرْ إلى مَنْ هو دونَه في المال والجسم" (١). ... ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث، فلا يخافون عذابنا. ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فتخبرنا أن محمدًا صادق. ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك، وجواب القسم محذوف. ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفر. ﴿وَعَتَوْا﴾ طغوا، والعتو: أشدُّ الكفر، وأفحشُ الظلم. ﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغًا أقصى مراتبه؛ لطلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به. ... (١) رواه هنَّاد بن السَّري في "الزهد" (١/ ٤٧)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٢٦١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٥٧٤)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٧)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ. ورواه البخاري (٦١٢٥)، كتاب: الرقاق، باب: لينظر إلى من هو أسفل منه، ومسلم (٢٩٦٣)، في أول كتاب: الزهد والرقائق، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: "المال والخلق" بدل "المال والجسم".

الفرقان 25:22

﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم. ﴿يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ عند الموت ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكافرين، المعنى: أن الملائكة تمتنع ثَمَّ من بشرى المجرمين بالجنة، وتخصها بالمؤمنين. ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: تقول الملائكة لهم: حرامًا محرمًا عليكم دخول الجنة. ... ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿وَقَدِمْنَا﴾ قصدنا ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي: الكفار. ﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ من الخير؛ كصدقةٍ وصلةِ رحمٍ في الدنيا. ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ هو ما يُرى من الغبار في شعاع الشمس الداخل من الكوة. ﴿مَنْثُورًا﴾ مفرقًا. ... ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم يستقرون فيها. ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ من هؤلاء المشركين.

الفرقان 25:25

﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ موضعَ القيلولة، وهو الاستكان نصفَ النهار في الحر، وإن لم يكن نوم؛ لأنه لا نوم في الجنة. روي أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود: "ولا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يَقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار" (١). ... ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: عن الغمام، وهو الغيم الأبيض الرقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. قرأ أبو عمرو، والكوفيون: (تَشَقَّقُ) بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بالتشديد؛ أي: تتشقق، فأدغم (٢). ﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ ابن كثير: (وَنُنْزِلُ) بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة، مع تخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب (الملائكةَ) مفعولًا؛ من (أَنْزَلَ) إخبارًا عن الله تعالى، وهي كذلك في المصحف المكي، وقرأ الباقون: (وَنُزِّلَ) مجهولًا بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام، ورفع (الملائكةُ) فاعلًا؛ من (نَزَلَ)، وكذلك هي في مصاحفهم (٣). (١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص: ٤٦٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥١٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨١). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، =

الفرقان 25:26

﴿تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمام، روي أنه تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة بأيديهم صحائف أعمال العباد (١). ... ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: الملك حقًّا يوم القيامة هو ملك الرحمن، لا مَلِكَ يقضي غيرُه. ﴿وَكَانَ﴾ ذلك اليوم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ صعبًا، وعلى المؤمنين يسيرًا. ... ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ أي: الكافر ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا على تفريطه في جنب الله تعالى، والظالم هو عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه كان أسلم، أو جنح إلى الإسلام، وكان أبي بن خلف خليلًا له، فنهاه عن الإسلام، فقبل نهيه، فنزلت الآية فيهما (٢)، فقتل عُقبة يوم بدر صبرًا (٣)، وأما أبي بن = و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨١). (١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٥٠). (٢) انظر: "أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٢). (٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣٩٨٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٩٨٦) عن ابن عباس، وفيه: فقام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقتله. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٥/ ٢٦٩). خلف، فقتله النبي الله - ﷺ - يوم أحد بيده (١)، روي أنه يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه، ثم يأكل هكذا، كما نبتتا (٢)، أكلهما تحسرًا. ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمد ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الجنة، وهو الإيمان. قرأ أبو عمرو: (يَا لَيْتَنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتُ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بإدغامها (٤). (١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٢٦٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٥٨) باب: شدة رسول الله - ﷺ - في اليأس، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، به، وعندهما: أن أبيًّا كان قد حلف وهو بمكة ليقتلنَّ رسول الله - ﷺ - فلما بلغت رسولَ الله - ﷺ - حلفته قال رسول الله - ﷺ -: "بل أنا أقتله إن شاء الله"، فأقبل أبي متقنعًا في الحديد وهو يقول: إن نجوت لا نجا محمد، فحمل على رسول الله - ﷺ - يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، يقي رسول الله - ﷺ - بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله - ﷺ - ترقوة أبي بن خلف من فُرجة بين سابغة الدرع والبيضةِ، فطعنه بحربته، فوقع أبيُّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور. فقالوا: ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكرهم قول رسول الله - ﷺ - "أنا أقتل أبيًّا" ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقًا لأصحاب السعير. (٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٧١) عن عطاء. وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٦٠) عن الضحاك. (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣). (٤) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣).

الفرقان 25:28

﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (١): (يَا وَيْلَتَى) بالإمالة، بخلاف عن الأول (٢) ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ يعنى: أُبَيَّ بنَ خلف. ﴿خَلِيلًا﴾ والخلة: هي ألَّا تكون لطمع، ولا لخوف، بل في الدين. ... ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ الإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول، وهذا آخر كلام الظالم، وهذه الآية عامة في كل متحابِّين اجتمعا على معصية الله تعالى، قال - ﷺ -: "المرءُ على دينِ خليله، فلينظرْ أحدُكم من يُخالل" (٣). ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ وهو كل متمرد عاتٍ من الإنس والجن ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ والخذلان: تركُ النصرة، فيتبرأ منه عند نزول العذاب والبلاء. (١) "وخلف" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣). (٣) رواه أبو داود (٤٨٣٣)، كتاب: الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، والترمذي (٢٣٧٨)، كتاب: الزهد، باب: (٤٥)، وقال: حسن غريب، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٣٤)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الفرقان 25:30

﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَقَالَ﴾ أي: ويقول ﴿الرَّسُولُ﴾ محمد - ﷺ - في ذلك اليوم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا. روى أنس عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "من عَلَّقَ مُصْحَفًا، ولم يتعاهَدْه، جاء يوم القيامة متعلِّقًا به يقول: يا رَبِّ! هذا اتخذني مهجورًا، اقض يا ربِّ بيني وبينه" (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والبزي عن ابن كثير، وروح عن يعقوب: (قَوْمِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ... ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾. [٣١] ثم سلَّاه عن فعل قومه بأن أعلمه أن غيره من الرسل كذلك، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما ﴿جَعَلْنَا﴾ لك يا محمد عدوًا من المشركين، جعلنا. ﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: أعداء ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فأنت كالأنبياء في البلاء، وأنا ناصركم. ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ والباء في (بِرَبِّكَ) للتأكيد، المعنى: اكتف بربك؛ فإنه ناصرك وهاديك. (١) رواه الثعلبي، كما ذكر الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٤٥٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤ - ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٥)، و"للنشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٤).

الفرقان 25:32

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ﴾ أي: أُنزل ﴿عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كالتوراة والإنجيل والزبور، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: نزل (١) كما أردناه ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقًا؛ ليقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه؛ لأن حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود؛ حيث كان أميًّا، وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه جملة، تَعَيَّا بحفظه، ولأن نزوله بحسب الوقائع، ومنه الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه؛ ليكون أوعى لرسول الله - ﷺ -، وأيسر على العامل به. قرأ ورش عن نافع: (فُوَادَكَ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (٢). ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أنزلنا بعضه في إثر بعض، وبيناه تبيينًا. ... ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يا محمد هؤلاء الكفار ﴿بِمَثَلٍ﴾ يضربونه لك جدلًا ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ المبطل لما جاؤوا به ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بيانًا، والتفسير: هو كشف ما قد غُطِّي. (١) "نزل" زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٤).

الفرقان 25:34

﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾. [٣٤] ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال: ﴿الَّذِينَ﴾ أي: هم الذين ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ فيساقون ويجرون. ﴿إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأ طريقًا. ... ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. معينًا، وهو من تحمل الوزر؛ أي: ثقل الحال. ... ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ هم القبط، وتقديره: فأَنْذَرا، فكذبوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أهلكناهم إهلاكًا. ... ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أي: نوحًا، ومن كذب رسولًا

الفرقان 25:38

واحدًا، فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع. ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ عبرة يتعظون بها. ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة. ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ سوى ما حل بهم من عاجل العذاب. ... ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطف على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص عاصم: (وَثَمُودَ) بنصب الدال غير منون، والباقون: بالتنوين (١). ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هو بئر لم تطو بالحجارة، وكان أصحابه قوم يعبدون الأصنام، فأرسل إليهم شعيب، فكذبوه، فخسف بهم وبمنازلهم وأموالهم، وانهارت بئرهم، وقيل: كان نبيهم حنظلة بن صفوان، فقتلوه، فأهلكوا، كما تقدم تفسيره (٢) في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الآية: ٤٥] وقيل غير ذلك، وقيل: الرس: المعدن، وجمعه رساس. ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: أهلكنا بين عاد وأصحاب الرس. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٦). (٢) "تفسيره" ساقطة في "ت".

الفرقان 25:39

﴿كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم (١) إلا الله. ... ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَكُلًّا﴾ من المهلَكين ﴿ضَرَبْنَا﴾ بينا ﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ البراهين على الإيمان، ولم نهلكهم من غير إنذار. ﴿وَكُلًّا﴾ منهم بعد التكذيب ﴿تَبَّرْنَا﴾ دمرنا ﴿تَتْبِيرًا﴾ وكلُّ مكسَّرٍ كزجاج أو ذهب أو فضة تبرٌ. ... ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني قريشًا مروا في متاجرهم إلى الشام. ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: سدوم، عظمى قرى قوم لوط. ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الرمي بالحجارة. ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ فيتفكرون فيؤمنون. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّوْءِ أَفَلَمْ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ لا يخافون بعثًا، فلا يؤمنون. ... (١) في "ت": "يعلمها".

الفرقان 25:41

﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به. قرأ حفص عن عاصم: (هُزُوًا) بفتح الواو منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز، وحمزة وخلف يسكنان الزاي (١)، نزلت في أبي جهل، كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - ﷺ -، قالوا استهزاء به: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ليثبت الحجة علينا. ... ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿إِنْ كَادَ﴾ محمد ﴿لَيُضِلُّنَا﴾ أي: قد قارب أن يصرفنا. ﴿عَنْ﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنَا﴾ لفرط جهاده في الدين. ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لصرفنا عن عبادتها، ثم تهددهم فقال: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا هم أم المؤمنون. ... (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٣٤).

الفرقان 25:43

﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾. [٤٣] ثم وبخ كل من عبد غير الله تعالى فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى حجرًا أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، وروي عن ورش: إبدالها ألفًا خالصة، وإذا أبدلها، مدّ؛ لالتقاء الساكنين مدًّا مشبعًا، وقرأ الباقون: بالهمز (١). ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ يحفظه من اتباع هواه. **** ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ ما تقول سماع طالب الإفهام ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما يعاينون من الحجج. ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ بالجهل بالمنافع. ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا؛ لأن الأنعام تهتدي لمراعيها، وهم على خلاف ذلك. ... ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٧).

الفرقان 25:45

[٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنعه، ومعناه: تنبيه، والرؤية هاهنا رؤية القلب. ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه؛ يعني: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه لا شمس معه، وهو أطيب الأحوال، ولذلك وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقيل: هو إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى الغروب؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب. ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ دائمًا لا شمس معه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يبين معنى الظل ونفعه؛ لأنه لولا الشمس، لما عرف الظل، ولولا النور، لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها. ... ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: نسخناه بها. ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: على مهل، والقبض: جمعُ المنبسطِ من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض، فإذا طلعت الشمس، قبض الله الظل جزءًا فجزءًا. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا بظلمته.

الفرقان 25:48

﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ينتشر فيه الخلق للمعاش. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (١) ﴿بُشْرًا﴾ ناشرات للسحاب، جمع نشور. قرأ ابن عامر: بالنون وضمها وإسكان الشين على التخفيف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالنون وفتحها وإسكان الشين على أنه مصدر وصف به، وقرأ عاصم: بالباء الموحدة وضمها وإسكان الشين تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وضم الشين على المعنى الأول (٢). ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدامَ المطر. ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان؛ من عذوبة وملوحة، وحرارة وبرودة وغيرها. وما تغير بمكثه، أو بطاهر لا يمكن صونه عنه؛ كالتراب والطحلب (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩). وورق الشجر ونحوها، فهو طاهر [في نفسه، مطهر لغيره، يرفع الأحداث، ويزيل الأنجاس بالاتفاق، فإن تغير عن أصل خلقته بطاهر] (١) يغلب على أجزائه مما يستغني عنه الماء غالبًا، لم يجز التطهير به عند الثلاثة، وجوز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات، ما لم تزل رقته، وقال أيضًا: بجواز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة؛ كالخل وماء الورد ونحوهما، وخالفه الثلاثة، ومحمد بن الحسن، وزفر، واتفقوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة، نجس، قل أو كثر، والماء المستعمل: وهو ما أزيل به حدث، لا يطهر الأحداث عند الثلاثة، وقال مالك: يجوز الوضوء بماء توضيء به مرة مع الكراهة، وإذا بلغ الماء قلتين، وخالطته نجاسة، فقال الشافعي وأحمد (٢): لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وقال أبو حنيفة: ينجس الماء بملاقاة النجاسة ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، وقال مالك: لا ينجس الماء بوقوع النجاسة فيه ولو كان قليلًا ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، وقدر القلتين خمس مئة رطل عراقي تقريبًا، وأربع مئة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل مصري، ومئة وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي، وتسعة وثمانون رطلًا وسبعا رطل حلبي، وثمانون رطلًا وسبعا رطل ونصف سبع رطل قدسي، ومساحتهما مربعًا ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا ومدورًا، وذراع طولًا وذراعان ونصف ذراع عمقًا، والمراد: ذراع اليد، والرطل مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو سبع القدسي وثمن (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) "وأحمد" زيادة من "ت".

الفرقان 25:49

سبعه، وسبع الحلبي وربع سبعه، وسبع الدمشقي ونصف سبعه، ونصف المصري وربعه وسبعه وتسعون مثقالًا. ... ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾. [٤٩] ثم بين الحكمة في إنزال الماء فقال: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ قفرًا، وتذكير (ميتًا) رجع به إلى الموضع والمكان. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بكسر الياء مشددًا، والباقون: بإسكانها مخففًا (١). ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ أي: نسقي من ذلك الماء أنعامًا مما خلقنا. ﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ أي: بشرًا ﴿كَثِيرًا﴾ والأناسي: جمع إنسي، وقدمت الأرض على الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما. ... ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: المطر في البلاد والأوقات المختلفة، قال ابن عباس: "ما عام بأمطرَ من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض" (٢). قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهشام: (وَلَقَد صَّرَّفْنَاهُ) (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٩). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٢٠).

الفرقان 25:51

بإدغام الدال في الصاد، والباقون: بالإظهار (١). ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بإسكان الذال وضم الكاف مع تخفيفها، وقرأ الباقون: بفتح الذال والكاف مع تشديدهما، وهما لغتان (٢)؛ أي: يتفكروا في نعم الله. ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا، وهو قولهم: مُطرنا بنَوْء كذا وكذا. ... ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾. [٥١] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ رسولًا، ولقسمنا النُّذرَ بينهم كما قسمنا المطر؛ لنخفف عليك أعباء النبوة، ولكنَّا حمَّلناك ثقلَ نِذارة جميع القرى؛ لتستوجب بذلك الدرجة الرفيعة، ويعظم أجرك. ... ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فيما ندبوك إليه من عبادة آلهتهم ومداهنتهم. ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٠).

الفرقان 25:53

﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلطهما، وأفاض أحدهما في الآخر في مرأى العيون، وبينهما حاجز من قدرة الله عز وجل. ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ شديد العذوبة، قامع للعطش. ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ حاجزًا من قدرته. ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ منعًا ممنوعًا عن الإدراك؛ لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، أو المراد بالبحر العذب: النهر العظيم؛ مثل النيل، وبالبحر المالح: البحر الكبير، وبالبرزخ: ما يحول بينهما من الأرض. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: المعني ﴿بَشَرًا﴾ إنسانًا. ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ أي: ذكورًا ينسب إليهم. ﴿وَصِهْرًا﴾ أي: إناثًا يصاهر بهن. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (وكان) هي التي للدوام قبل وبعد، لا أنها تعمل (١) (١) في "ت": "تعطي".

الفرقان 25:55

مضيًّا فقط. وتقدم في السورة مذهب أبي عمرو في إدغام الكاف في القاف من قوله (رَبُّك قَّدِيرًا). ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: هؤلاء المشركين. ﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوا ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادته. ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ معينًا للشيطان على ربه بالمعاصي. ... ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين. ... ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الوحي. ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ فتقولوا: إنما يطلب محمد - ﷺ - أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لا لطلب أموالكم جعلًا لنفسي، لكن من شاء إنفاقها لوجه الله تعالى، فلا أمنعه. واختلاف القراء في الهمزتين من (شَاءَ أَنْ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ) في سورة الحج.

الفرقان 25:58

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ لأنه حقيق أن يتوكل عليه دون غيره. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ صلِّ له شكرًا، ونَزِّهه عن صفات النقصان، قال - ﷺ -: "من قالَ في كل يوم: سبحانَ اللهِ وبحمدِه مئةَ مرةٍ، غُفرت ذنوبه، ولو كانت مثلَ زبدِ البحر" (١). ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظهر منها وما بطن. ﴿خَبِيرًا﴾ مطلعًا، وهذا توعُّد. ... ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدتهما؛ لأنه لم يكن ثَم شمس ولا قمر. ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيف. وتقدم الكلام عليه في سورة طه. ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي: عنه، والفاء زائدة ﴿خَبِيرًا﴾ مفعول (سَلْ)؛ أي: سل رجلًا خبيرًا به وبرحمته، يخبرك، (١) رواه البخاري (٦٠٤٢)، كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح، ومسلم (٢٦٩١)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الفرقان 25:60

والمراد: جبريل، والعلماء، وأهل الكتب المنزلة. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ما نعرف الرحمن؛ لأن قريشًا كانت لا تعرف هذا في أسماء الله تعالى، وكان مسيلمة الكذاب تَسَمَّى برحمن اليمامة، فغالطت قريش بذلك وقالت: إن محمدًا يأمر بعبادة رحمن اليمامة (٢). ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي: (يَأْمُرُنَا) بالغيب إخبارًا عن النبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالخطاب له - ﷺ - (٣). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩١). (٢) رواه أبن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠) عن عطاء، وذكره الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٨٨)، و"البغوي" في "تفسيره" (٣/ ٣٤٠). ومعلوم أن الله سبحانه قد حمى اسمه (الله والرحمن) أن يتسمى به أحد غيره جلَّ جلاله وما ورد من مثل هذا (رحمن اليمامة) فهو غير وارد؛ لأنه مضاف إلى اليمامة، ولذلك عندما تجرَّأ الخبيث مسيلمة على التسمية به، كساه اللهُ جلباب الكذب وشهر به بين الأمم وعلى مدى الأزمان، فصار اسمه (مسيلمة الكذاب). انظر: "فتح الباري" لابن حجر (١٠/ ٥٧١)، و"تفسير ابن كثير" (١/ ٢٢). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٢).

الفرقان 25:61

﴿وَزَادَهُمْ﴾ الأمر بالسجود ﴿نُفُورًا﴾ تباعدًا عن الإيمان، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم، فمن جهل وجود الرب سبحانه، أو علم وجوده، وفعل فعلًا، أو قال قولًا (١) لا يصدر إلا من كافر، فكافر بالاتفاق، ونافي الإسلام مخطيء آثم كافر عند أئمة الإسلام بغير خلاف. ... ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾. [٦١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة، سميت بالبروج المقصور؛ لأنها لها كالقصور لسكانها، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع، فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة [هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة] (٢) مائية. (١) "أو قال قولًا" زيادة من "ت". (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

الفرقان 25:62

﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم السين وفتح الراء من غير ألف على الجمع؛ يعني: النجوم، وقرأ الباقون: بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على الإفراد؛ يعني: الشمس (١). ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئًا بالليل. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف هذا هذا، وما نقص من أحدهما زاد في الآخر. ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قرأ حمزة وخلف: (يَذْكُرَ) بتخفيف الذال مسكنة وتخفيف الكاف مضمومة؛ من الذكر، وقرأ الباقون: بتشديدهما مفتوحتين؛ من التذكير (٢). ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما. ... ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأ، خبره: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٢). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٣).

الفرقان 25:64

﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ رويدًا بالسكينة والوقار. ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ بما يكرهون. ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم. ... ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ على وجوههم ﴿وَقِيَامًا﴾ على أقدامهم، يقال: بات لمن دخل عليه الليل وإن لم ينم، قال ابن عباس: "من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا" (١) وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أبعد من الرياء. ... ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ دائمًا لازمًا كلزوم الغريم الغريم. ... ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أي: بئس موضع قرار وإقامة (٢). ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٢). (٢) "وإقامة" زيادة من "ت".

الفرقان 25:67

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يجاوزوا الحد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يضيقوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (يُقْتِرُوا) بضم الياء وكسر التاء؛ من (أقتر)، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يَقْتِرُوا) (١) بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون: بفتح الياء وضم التاء مستقبل (قتر) مخففًا، وكلها لغات صحيحة (٢)، وقال ابن عباس: "الإسراف: النفقة في المعصية، والإقتار: منع حق الله تعالى" (٣). ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ عدلًا بين الشيئين، وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ الآية، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: خيرُ الأمورِ أوسطُها (٤). (١) "يقتروا" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٤). (٣) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٣) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. (٤) وجاء في لفظ: "أوساطها" بدل: "أوسطها"، وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥١٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٦٠١) عن مطرف، والخطابيُّ في "العزلة" (ص: ٩٨) عن أكثم بن صيفي. قال السخاوي: وقد رواه ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" لكن بسند فيه مجهول، عن علي مرفوعًا، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٤٥ - ٢٤٦).

الفرقان 25:68

﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادة الأوثان. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها (١) ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لا يفعلون كالمشركين بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات. ﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ كالجاهلية الذين كان عندهم الزنا مباحًا. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: شيئًا من هذه الأفعال ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: جزاء إثم، وهي العقوبة. قرأ الليث عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال حيث وقع، وأظهرها الباقون (٢). ... ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿يُضَاعَفْ﴾ أي: يتزايد ﴿لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أي: يهان دائمًا في العذاب. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب: (يُضَعَّفْ) بالتشديد مع حذف الألف، وجزم الفاء، والدال من (يَخْلُدْ) على جواب الشرط، وقرأ ابن عامر: بالتشديد مع حذف الألف كما تقدم، ورفع الفاء والدال على الابتداء، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بإثبات الألف بعد (١) "قتلها" زيادة من "ت". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٥).

الفرقان 25:70

الضاد والتخفيف ورفع الفاء والدال كابن عامر، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف وجزم الفاء والدال (١)، وقرأ ابن كثير وحفص: (فِيهِ مُهَانًا) بإشباع كسرة الهاء وصلتها بياء في الوصل (٢). ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته بينه وبين ربه ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فبدلوا بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل الكافرين، وبالزنا عفة وإحصانًا. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعفو عن السيئات، ويثيب على الحسنات. ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ عن المعاصي ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يتلافى به ما فرط (٣). ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾ يرجع إليه ﴿مَتَابًا﴾ مرضيًّا، أي: من أراد حقيقة التوبة، فليرد بها الله. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٨). (٣) "يتلافى به ما فرط" زيادة من "ت".

الفرقان 25:72

﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة، ولا يحضرون محاضر الكذب، ومن أعظم الزور الشركُ بالله تعالى، وتقدم حكم تعزير شاهد الزور في سورة الحج ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يشمل المعاصي كلها، وكلَّ سقط من فعل أو قول. ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أي: معرضين. ... ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعظوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآن. ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يقيموا عليها غير واعين لها، بل أكبوا عليها حرصًا على استماعها. ... ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (وَذُرِّيَّاتِنا) بالألف جمعًا؛ حملًا على المعنى؛ لأن لكل واحد منهم ذرية، وقرأ الباقون: بغير ألف على الإفراد إرادة الجنس (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٧)، و"النشر في =

الفرقان 25:75

﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أولادًا أبرارًا أتقياء، فتقر أعيننا بذلك، مأخوذ من القرور، وهو الماء البارد؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: صالحين لاقتداء المتقين بنا. ... ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ وهي كل بناء مرتفع، والمراد: أعلى منازل الجنة. ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بصبرهم على أذى المشركين، والمكروهات، وعن الشهوات. ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ يستقبلون في الغرفة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بفتح الياء وإسكان اللام وتخفيف القاف؛ من (لقَي)، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف (١). ﴿تَحِيَّةً﴾ ملكًا، وقيل: بقاءً دائمًا في الجنة. ﴿وَسَلَامًا﴾ سلامة من الآفات. ... = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٨). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٩).

الفرقان 25:76

﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال ﴿حَسُنَتْ﴾ أي: الغرفة. ﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ موضعَ قرار وإقامة. ... ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ ما يبالي بمغفرتكم. ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ معه آلهة، وقيل: معناه: ليس يثقل عليه عذابكم لولا دعاؤكم إياه بالتوحيد والطاعة. ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يا أهل مكة بما أخبرتكم به؛ حيث خالفتموه. ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ أي: العذاب ﴿لِزَامًا﴾ أي: لازمًا يحيط بكم لا محالة، وهذا تهديد لهم، واختلفوا فيه، فقال قوم منهم عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: هو يوم بدر، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وقال آخرون: هو عذاب الآخرة، والله سبحانه أعلم. ***

الشعراء 26:1

سُوْرَةُ الشُّعَراءِ مكية في قول الجمهور، وقال مجاهد: فيها مدني قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الآية: ١٩٧]، وقوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ إلى آخرها. آيها: مئتان وسبع وعشرون آية، وحروفها: خمسة آلاف وخمس مئة واثنان وأربعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئتان وسبع وتسعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١)﴾. [١] ﴿طسم (١)﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإمالة الطاء هنا، والنمل، والقصص، وقرأ الباقون: بفتحها، وأظهر أبو جعفر، وحمزة (١) نون (سين) عند الميم هنا، وفي القصص؛ للتبيين والتمكين، وأدغم الباقون النون في الميم لمجاورتها حروف الفم، وأبو جعفر يقطع الحروف على أصله (٢)، وتقدم الكلام في الخلاف في (١) "حمزة" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٠)، و "التيسير" للداني (ص: ١٦٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

الشعراء 26:2

حروف الهجاء أول سورة البقرة، ونُبِّه عليه أول سورة مريم. روي عن ابن عباس قال: "طسم عجزت العلماء عن تفسيرها" (١). وقيل: هو قسم معناه: أقسم بطَوْلي وسناي وملكي، وهو اسم من أسماء الله تعالى. ... ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾. [٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه. ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرآن الظاهرَ إعجازُه وصحته. ... ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾. [٣] ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: قاتلُها غمًّا ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إن لم يؤمنوا، وهذا تسلية للنبي - ﷺ - لما كان فيه من القلق والحرص على إيمانهم، وخوطب بـ (لعل) على ما في نفس البشر من توقع الهلاك في مثل تلك الحال، ومعنى الآية: لا تهتم يا محمد بهم، وبلغ رسالتك، وما عليك من إيمانهم، فإن ذلك بيد الله، لو شاء لآمنوا. ... ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾. [٤] ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ دلالةً تُلجئهم إلى الإيمان. = (١/ ٢٤١ - ٢٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٣ - ٣٠٤). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٥١)، و"تفسير أبي السعود" (١/ ٢١).

الشعراء 26:5

﴿فَظَلَّتْ﴾ أي: فتظل ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ رقابهم ﴿لَهَا خَاضِعِينَ﴾ يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله تعالى. واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ آيَةً) كاختلافهم فيهما من قوله (١): (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء. وقوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ ولم يقل: خاضعة، وهي صفة الأعناق؛ لأنه لما وصفت الأعناق بالخضوع، وهي صفة من يعقل، أجريت مجرى العقلاء، وقيل: المراد بالأعناق: الرؤساء والكبراء، وقيل غير ذلك. ... ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥)﴾. [٥] ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ في الوحي والتنزيل، وهو القرآن، المعنى: ما يأتيهم من شيء من القرآن. ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ﴾ وعن الإيمان به. ﴿مُعْرِضِينَ﴾ إصرارًا على ما كانوا عليه. ... ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ محمدًا ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ أخبار. ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهو وعيد لهم. ... (١) "قوله": زيادة من "ت".

الشعراء 26:7

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧)﴾. [٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ صنف. ﴿كَرِيمٍ﴾ حسن نافع من النبات مما يأكل الناس والأنعام. ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾. [٨] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لَآيَةً﴾ على توحيدي وكمال قدرتي. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: سبق علمي فيهم أنهم لا يؤمنون. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩)﴾. [٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بالانتقام من الكفرة ﴿الرَّحِيمُ﴾ للمؤمنين. ... ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر يا محمد إذ ﴿نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ حين رأى الشجرة والنار ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا بني إسرائيل باستعبادهم وتعذيبهم. ... ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾. [١١] يعني: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ﴾ عقابَ الله بطاعته. ***

الشعراء 26:12

﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾. [١٢] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ من تكذيبهم إياي. ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ للعقدة التي به. ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ﴾ ليؤازرني، ويظاهرني على تبليغ الرسالة. ... ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي: تَبِعة، وهو قتله القبطي ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ به. قرأ أبو عمرو: (قَال رَّبِّ) بإدغام اللام في الراء، وروي عن رويس، وروح، وغيرهما، وجميع رواة يعقوب: إدغام كل ما أدغمه أبو عمرو من حروف المعجم من المثلين والمتقاربين، وقرأ الباقون: بالإظهار (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ يعقوب: (وَيَضِيقَ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقَ) بنصب (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٧).

الشعراء 26:15

القاف فيهما على معنى: وأن يضيق، وقرأ الباقون: بالرفع فيهما ردًّا على قوله: (إِنِّي أَخَافُ) وأثبت يعقوب الياء من (١) (يُكَذِّبُوبي) و (يَقْتُلُونِي)، وحذفها الباقون (٢). ولم يطلب موسى هارون توقفًا في امتثال الأمر، بل حرصًا على تبليغ الرسالة؛ لاحتمال عوارض تصد عنها. ... ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿قَالَ﴾ الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ ردع عن الخوف ﴿فَاذْهَبَا﴾ أنت وهارون ﴿بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ سامعون، فأنصركم عليه، وذكر (مَعَكُمْ) بلفظ الجمع، وهما اثنان أجراهما مجرى الجماعة، أو أراد: معكما ومع بني إسرائيل نسمع ما يجيبكم فرعون. ... ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: رسولا رب العالمين؛ لأن موسى كان الأصل، وهارون تابعه. ... ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى الشام، ولا تستعبدهم. (١) في "ش": "في". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٥٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٧).

الشعراء 26:18

﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨)﴾. [١٨] وكان فرعون استعبدهم أربع مئة سنة، وكانوا في ذلك الوقت ست مئة ألف وثلاثين ألفًا، فانطلق موسى إلى مصر، وهارونُ بها، فأخبره بذلك، وذهبا إلى باب فرعون ليلًا، ودقا الباب، ففزع البوابون وقالوا: من بالباب؟ فقال موسى: أنا رسول رب العالمين، فذهب البواب إلى فرعون، فقال (١): إن مجنونًا بالباب يزعم أنه رسول رب العالمين، فتركه حتى أصبح، ثم دعاهما فدخلا عليه، وأديا رسالة الله عز وجل، فعرف فرعون موسى؛ لأنه نشأ في بيته، فثم قال له: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ صبيًّا صغيرًا. ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ وهي ثلاثون سنة (٢). قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف (٣): (لَبِثتَّ) بإدغام الثاء في التاء، وكذلك (لَبثتُّمْ) كيف جاء، وأظهرها الباقون (٤). ... ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ يعني: قتل القبطي. ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ أي: من الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي. (١) في "ش": "وقال". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، و"تفسير الطبري" (١٣/ ٩٤). (٣) "خلف" ساقطة من "ت". (٤) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٨) دون ذكر خلف.

الشعراء 26:20

﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي: فعلت ما فعلت حينئذ. ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أي: المخطئين؛ لأنه لم يتعمد قتله. ... ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ إلى مدين. ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ أي: نبوة. ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ درجة ثانية للنبوة، فرب نبي ليس برسول، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الحج. ... ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾. [٢٢] ثم حاجه -عليه السلام- في مَنِّه عليه بالتربية وترك القتل، فقال: ﴿وَتِلْكَ﴾ أي: التربية. ﴿نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يريد: كيف تمنُّ عليَّ بالتربية، وقد استعبدت قومي؟ فتعبيدُك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إلي. ... ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أيُّ شيء الذي تزعم أنك رسوله؟

الشعراء 26:24

﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أنه خالقهما، فآمِنوا. ... ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] فتحير فرعون في جوابه، فثم ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه، وكانوا خمس مئة رجل؛ استبعادًا لقول موسى: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ جوابه، سألته عن حقيقته، وهو يذكر أفعاله. ... ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿قَالَ﴾ موسى زيادة في البيان: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فعلم فرعون أنه محجوج، فنسبه إلى الجنون. ... ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ يتكلم بكلام لا نعقله، ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل. ***

الشعراء 26:28

﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] فزاد موسى في البيان: ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من النيرات والموجودات. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فتستدلون بما أقول، فتعرفون ربكم. ... ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] فلما لزمت فرعونَ الحجةُ، وانقطع عن الجواب ﴿قَالَ﴾ تكبرًا عن الحق: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ عدولًا إلى التهديد عن المحاجة بعد الانقطاع، وهكذا دَيْدَنُ المعاند المحجوج. قرأ أبو عمرو: (قَال لَّئِنِ) بإدغام اللام في اللام، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتَ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (١). ... ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكَ﴾ الواو للحال دخلت عليها همزة الإنكار؛ أي: أتفعل ذلك ولو جئتك ﴿بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ برهان واضح يبين صدق دعواي. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٥ - ١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٠٩).

الشعراء 26:31

﴿قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿قَالَ﴾ فرعون: ﴿فَأْتِ بِهِ﴾ فإنا لا نسجنك حينئذ. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في أن لك بينة. ... ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ حية عظيمة، روي أنها ارتفعت قدر ميل، ثم انحطت إلى فرعون وهي تقول: مرني يا موسى بما شئت، وفرعون يقول: بالذي أرسلَكَ إلا أخذْتَها فعادت عصا (١). ... ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾. [٣٣] فقال فرعون: هل غيرها؟ قال: نعم ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ من جيبه ﴿فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ ذات نور ﴿لِلنَّاظِرِينَ﴾ لها شعاع يكاد يغشي الأبصار ويسد الأفق. ... ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ فائق في علم السحر. (١) رواه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ١٥)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٥٩)، عن السدي.

الشعراء 26:35

﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ أغراهم به في قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ ثم استشارهم في أمره. ... ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿قَالُوا﴾ يعني: الملأ: ﴿أَرْجِهْ﴾ أخره ﴿وَأَخَاهُ﴾ المعنى: اترك التعرض له بالقتل. قرأ ابن كثير، وهشام عن ابن عامر: (أَرْجِئْهُو) بالهمز وضم الهاء ووصلها بواو، وابن ذكوان عن ابن عامر: بالهمز، ويكسر الهاء ولا يصلها بياء، وأبو عمرو، ويعقوب: بالهمز والضم من غير صلة، والباقون: بغير همز، ثم نافع برواية ورش، والكسائي، وخلف: يشبعون الهاء كسرًا، ويسكنها عاصم وحمزة، ويختلسها أبو جعفر وقالون، وتقدم ذكر ذلك في حرف الأعراف [الآية: ١١١]. ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ﴾ هي مدائن الصعيد من نواحي مصر. ﴿حَاشِرِينَ﴾ جماعة يحشرون الناس؛ أي: يجمعونهم، وهم الشُّرَط. ... ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ يفضلون عليه في هذا الفن. واتفق القراء على هذا الحرف أنه (سحَّار) على وزن فعَّال بتشديد الحاء وألف بعدها؛ لأنه جواب لقول فرعون فيما استشارهم فيه من أمر موسى بعد قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾، فأجابوه بما هو أبلغ من قوله؛ رعاية

الشعراء 26:38

لمراده؛ بخلاف التي في الأعراف؛ فإن ذلك جواب لقولهم، فتناسب اللفظان، وأما التي في يونس، فهي أيضًا جواب من فرعون لهم؛ حيث قالوا: ﴿إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الآية: ٧٦] فرفع مقامه على المبالغة، والله أعلم. قرأ أبو عمرو، والكسائي من رواية الدوري: (سَحَّارٍ) بالإمالة أيضًا (١)، واختلف عن ابن ذكوان، وروي عن ورش وحمزة (٢): الإمالة بين بين، وقرأ الباقون: بالفتح (٣). ... ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ وهو يوم الزينة، وهو عيد كان لهم يتزينون ويجتمعون فيه كل سنة، قال ابن عباس: "وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز" (٤). ... ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ حث للناس على الاجتماع. ... (١) "أيضًا" ساقطة من "ت". (٢) "حمزة" زيادة من "ت". (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٠). (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٥٧).

الشعراء 26:40

﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿لَعَلَّنَا﴾ لكي ﴿نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا﴾ أي: تجعل لنا جعلًا. ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾ لموسى. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (أَيِنَّ) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين بين؛ أي: بين الهمزة والياء، وفصل بين الهمزتين بألف: أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون، واختلف عن هشام، وقرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين (١). ... ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وعدهم فرعون بالإحسان إليهم بشرط غلبة موسى. قرأ الكسائي: (نَعِمْ) بكسر العين، والباقون: بنصبها (٢). ... (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٠ - ٣١١). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١١).

الشعراء 26:43

﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي: بعدما قالوا له: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ [الأعراف: ١١٥]. ... ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا﴾ حالفين. ﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ والقسم بغير الله من أقسام الجاهلية، قال - ﷺ -: "لا تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم، ولا بالطواغيت، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون" (١). ... ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ﴾ تتبع ﴿مَا يَأْفِكُونَ﴾ ما يزورون ويخيلون أن حبالهم وعصيهم حيات. قرأ حفص عن عاصم: (تَلْقَفُ) بإسكان اللام مع تخفيف القاف، وقرأ الباقون: بفتح اللام مع تشديد القاف، وقرأ البزي: بتشديد التاء وصلًا؛ كأنه أراد: تتلقَّفُ، فأدغم (٢). (١) رواه أبو داود (٣٢٤٨)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: في كراهية الحلف بالآباء، والنسائي (٣٧٦٩)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الحلف بالأمهات، وابن حبان في "صحيحه" (٤٣٥٧)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- لكن بلفظ: "بالأنداد" بدل "بالطواغيت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٢)، =

الشعراء 26:46

﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ وإنما يدل الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله، ويدل على أنهم لما رأوا ما رأوا، لم يتمالكوا أنفسهم، فكأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم. ... ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ... ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾. [٤٨] ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ قال عكرمة: أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (١)، فالمغرور من اعتمد على شيء من أعماله وأقواله وأحواله. ... ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ تقدم تفسير نظيرها، واختلاف القراء في الهمزتين في سورة طه. = و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١١). (١) انظر: "تفسير ابن كثير" (٣/ ١٦٠)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٥١٣).

الشعراء 26:50

﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿قَالُوا لَا ضَيْرَ﴾ أي: لا ضرر علينا بما تصنع بنا. قرأ حمزة: (لاَ ضَيْرَ) بالمد؛ بحيث لا يبلغ الإشباع (١) ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ فيثيبنا. ... ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا﴾ أي: لأن كنا. ﴿أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ في زماننا. ... ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾. [٥٢] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (أَنِ اسْرِ) بوصل الألف ويكسرون النون من (أن) للساكنين وصلًا؛ كان سرى (٢) يسري (٣)، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة وحمزة يسكت على الساكن قبل الهمز؛ لبيان الهمز وتحقيقه (٤) ﴿بِعِبَادِي﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (بِعِبَادِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٥). (١) سلف كلام المصنف في اختلاف القرّاء عند تفسير الآية (٢) من سورة البقرة. (٢) في "ت": "سري". (٣) "يسري" ساقطة من "ت". (٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٢). (٥) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، =

الشعراء 26:53

﴿إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ أي: يتبعكم فرعون وقومه؛ ليحولوا بينكم وبين الخروج من مصر، فسر بهم، حتى إذا اتبعكم مصبحين، كان لكم تقدم عليهم؛ بحيث لا يدركونكم قبل وصولكم البحر، بل يكونون على إثركم حين تلجون البحر، فيدخلون مدخلكم، فأطبقه عليهم، فأغرقهم. ... ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ﴾ حين أخبر بسراهم. ﴿فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ أي: جامعين الناس. ... ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤)﴾. [٥٤] وقال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ﴾ أي: طائفة. ﴿قَلِيلُونَ﴾ ومنه: ثوب شراذم؛ أي: بالٍ منقطع، وكانت الشرذمة ست مئة وسبعين ألفًا، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون. ... ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ مغضِبون، والغيظ: أشد الغضب، وهو الحرارة التي يجدها الإنسان من ثوران دم قلبه. ... = و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٣).

الشعراء 26:56

﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن ذكوان عن ابن عامر: (حَاذِرُونَ) بألف بعد الحاء؛ أي: تامُّو الأسلحة، وقرأ الباقون: بحذف الألف؛ أي: متيقظون (١). ... ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين كانت ممتدة على حافتي النيل. ﴿وَعُيُونٍ﴾ من الماء. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر (٢)، وابن ذكوان: (وَعِيُونٍ) بكسر العين حيث وقع، والباقون: بضمها (٣). ... ﴿وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. [٥٨] ﴿وَكُنُوزٍ﴾ وهي أموالهم الظاهرة من الذهب والفضة، سميت كنوزًا؛ لأنها لم يُعط منها حقُّ الله تعالى. ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ أي: المنازل الحسنة والمجالس البهية. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٣). (٢) "وأبو بكر" زيادة من "ت". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٢ - ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٤).

الشعراء 26:59

﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ كما وصفنا ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ بهلاكهم. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وذلك أن الله تعالى ردهم إلى مصر بعد غرق فرعون وقومه، وخولهم في أموالهم ومساكنهم. ... ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ﴾. [٦٠] ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ﴾ أي: لحقوهم القبط. ﴿مُشْرِقِينَ﴾ عند شروق الشمس وإضاءتها. ... ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ أي: رأى كل الآخر. قرأ حمزة، وخلف: (تَرَاءَى) بإمالة فتحة الراء حالة الوصل، وأما إذا وقفا، أمالا الراء والهمزة جميعًا، ومعهما الكسائي في الهمزة فقط، وأما ورش: على أصله فيهما بين بين؛ بخلاف عنه (١). ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ سيدركنا قوم فرعون، ولا طاقة لنا بهم. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٥ - ١٦٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٤ - ٣١٥).

الشعراء 26:62

﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿قَالَ﴾ موسى ثقةً بوعد الله إياه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ طريق النجاة. قرأ حفص عن عاصم: (مَعِيَ) بفتح الياء (١)، وقرأ يعقوب: (سَيَهْدِينِي) بإثبات الياء (٢). ... ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ ولما وصل موسى إلى البحر، جاء بموج كالجبال، فقال يوشع: يا مكلم الله! أين أمرت؟ فقال: هاهنا، فكبح فرسه بلجامه حتى طار الزبد من شدقيه، ثم أقحمه اللج، فارتسب في البحر، وأراد بقيتهم أن يفعلوا مثله فلم يقدروا (٣) ﴿فَانْفَلَقَ﴾ ماء البحر بعد أن ضربه، فانشق اثني عشر طريقًا لاثني عشر سبطًا. ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾ أي: كل جزء من البحر ﴿كَالطَّوْدِ﴾ أي: الجبل. ﴿الْعَظِيمِ﴾ وهو بحر القلزم، وتقدم ذكره ومحله في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾ [الآية: ٥٠]، وروي (٤) أن (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٦). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٦). (٣) انظر: "تفسير الطبري" (٣/ ٣٥٧). (٤) في "ت": "روي".

الشعراء 26:64

موسى عليه السلام قال عند ذلك: يا من كان قبل كل شيء، والمكون لكل شيء، والكائن بعد كل شيء (١). ... ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿وَأَزْلَفْنَا﴾ قَرَّبنا ﴿ثَمَّ﴾ حيث انفلق البحر. ﴿الْآخَرِينَ﴾ هم القبط، جمعناهم في البحر حتى غرقوا. ... ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ﴾ من الغرق. ... ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ يعني: فرعون وقومه. ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: إهلاك القبط ﴿لَآيَةً﴾ عبرة للمعتبرين. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: المصريين ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ قالوا: لم يكن فيهم (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٧١)، عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام.

الشعراء 26:68

مؤمن إلا آسية امرأة فرعون، وحزبيل المؤمن، ومريم بنت ناموسا التي دلت على عظام يوسف عليه السلام. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ في انتقامه من أعدائه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين حين أنجاهم. ... ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ على مشركي العرب. ﴿نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: (نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ) بتحقيق الهمزتين، والباقون: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثانية (١). ... ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ﴾ استفهام بمعنى التقرير. ... ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا﴾ والصنم: ما كان على صورة ابن آدم من حجر أو غيره. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٧).

الشعراء 26:72

﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ أي: نقيم على عبادتها، ويظل: عرفُها: فعلُ الشيء نهارًا، وباتَ: عرفُها في فعله ليلًا، وطفق: غاية للوجهين، ولكن قد تجيء يظل بمعنى العموم، وهذا الموضع من ذلك، والعكوف: اللزوم، ومنه: المعتكف. ... ﴿قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم. ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ﴾ أي: يسمعون دعاءكم ﴿إِذْ تَدْعُونَ﴾. ... ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ﴾ إن عبدتموهم ﴿أَوْ يَضُرُّونَ﴾ إن تركتم عبادتهم. ... ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾. [٧٤] فلما عجزوا عن الجواب ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ فقلدناهم. ... ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾. ***

الشعراء 26:76

﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ﴾. ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: أصنامكم ﴿عَدُوٌّ لِي﴾ أي: أعداء، ووحَّده على معنى: أن كل معبود لكم عدو لي، وقوله: (عَدُوٌّ لِي) دون (لكم) زيادة نصح وتأدب؛ ليكون أعطف لقلوبهم، وأسرع لها إلى إيمانهم. ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ استثناء منقطع؛ كأنه قال: فإنهم عدو لي، لكن رب العالمين وليي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (عَدُوٌّ لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾. [٧٨] ثم وصف معبوده فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي﴾ مبتدأ، خبره: ﴿فَهُوَ يَهْدِينِ﴾ إلى إصلاح الدارين. ... ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ تعديد للنعمة في الرزق. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٨).

الشعراء 26:80

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ من مرضي، وأسند إبراهيم المرض إلى نفسه، والشفاء إلى الله عز وجل، وهذا أحسن الأدب في العبارة، والكل من عند الله؛ كالخضر حين قال في العيب: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ [الكهف: ٧٩]، وفي الخير: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ [الكهف: ٨٢]. ... ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١)﴾. [٨١] ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ أدخل (ثم) هنا للتراخي؛ أي: يميتني في الدنيا، ثم يحييني في الآخرة. قرأ يعقوب: (يَهْدِينِي) (يَسْقِيني) (يَشْفِينِي) (يُحْيِينِي) بإثبات الياء في الأربعة في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (١). ... ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ أي: خطاياي يوم الجزاء، وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنياء: ٦٣]، وقوله لسارة: هذه أختي، وقوله للكوكب (٢): ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦]، وعلق المغفرة بيوم الدين، وإن (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٨). (٢) في "ت": "للكواكب".

الشعراء 26:83

وجدت هنا؛ لأن فائدتها ثَمَّ تظهر، وأصل الطمع: نزوعُ النفس إلى الشيء شهوةً، وهذا كله احتجاج من إبراهيم على قومه، وإخبار أنه لا يصلح للإلهية من لا يفعل هذه الأفعال. ... ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا﴾ نبوة. ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ بآبائي المرسلين. ... ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ﴾ ثناء حسنًا ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأمم بعدي، فأعطاه الله ذلك، فجعل كل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه. ... ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَاجْعَلْنِي﴾ وارثًا ﴿مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ في الآخرة، وتقدم معنى الوراثة فيها (١) في أول سورة المؤمنون. ... ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ وقال هذا قبل أن يتبين له أنه (١) "فيها" زيادة من "ت".

الشعراء 26:87

عدو لله؛ كما تقدم في سورة التوبة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (لِأَبِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ يعني: العباد. ... ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾. [٨٨] وتبدل منه ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ أي: لا ينفعان أحدًا. ... ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿إِلَّا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن. ﴿مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشرك. ... ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ﴾ قُربت ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ فنظروا إليها. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٩).

الشعراء 26:91

﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١)﴾. [٩١] ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ﴾ أُظهرت. ﴿لِلْغَاوِينَ﴾ الكافرين، فيرونها مكشوفة، ويتحسرون على أنهم المسوقون إليها. ... ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ يوم القيامة: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ﴾. ... ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الآلهة ﴿هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ﴾ بدفع العذاب عنكم. ﴿أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ بدفعه عن أنفسهم؟ ... ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾. [٩٤] ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ أُلقوا على رؤوسهم ﴿فِيهَا﴾ في النار. ﴿هُمْ﴾ أي: الآلهة ﴿وَالْغَاوُونَ﴾ الكفار. ... ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾. [٩٥] ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ﴾ أتباعه ﴿أَجْمَعُونَ﴾ ومن أطاعه من الجن والإنس. ***

الشعراء 26:96

﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿قَالُوا﴾ أي: الداخلون فيها. ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ يخاصم بعض بعضًا. ... ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾. [٩٧] ويقول العابدون للمعبودين: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ... ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾. [٩٨] ﴿إِذْ نُسَوِّيكُمْ﴾ نعدلكم في العبادة ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فنعبدكم. ... ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩)﴾. [٩٩] ﴿وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ﴾ أي: رؤساؤهم الذين اقتدوا بهم؛ كإبليس والشياطين وقابيل؛ لأنه أول من سن القتل، وعمل بالمعاصي. ... ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾. [١٠٠] فثم تشفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون في أصدقائهم، فيقول المشركون تأسفًا: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ﴾ أي: من يشفع لنا؟ ***

الشعراء 26:101

﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾. [١٠١] ﴿وَلَا صَدِيقٍ﴾ هو من صدقك مودته ﴿حَمِيمٍ﴾ قريب خاص، وحامَةُ الرجل: خاصته، قال - ﷺ -: "إن الرجل ليقول في الجنة: ما فعل صديقي فلان؟ وصديقُه في الجحيم، فيقول الله تعالى: أخرجوا له صديقه إلى الجنة" (١)، قال الحسن: استكثروا من الأصدقاء المؤمنين؛ فإن لهم شفاعة يوم القيامة (٢). ... ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾. [١٠٢] فلما أيسوا من الشفاعة قالوا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ رجعة إلى الدنيا. ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: فنؤمن؛ ليشفع لنا، و (لو) هنا بمعنى ليت. ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾. [١٠٣] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: فيما ذكر من قصة إبراهيم. ﴿لَآيَةً﴾ عظة لمن يعتبر بها. ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: قومه ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ به. ... (١) رواه البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٤) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا، وفيه جهالة، وذكره القرطبي "في تفسيره" (١٣/ ١١٨). (٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٦٤).

الشعراء 26:104

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾. [١٠٤] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالإمهال. ... ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾. [١٠٥] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ القوم مؤنثة من حيث الـ (قوم): الأمة والجماعة، ولذلك تصغر على قويمة، وجمع (المرسلين)، وإن كانوا واحدًا؛ لأن من كذب رسولًا واحدًا، فقد كذب جميع المرسلين. ... ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾. [١٠٦] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ﴾ في النسب، لا في الدين. ﴿نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ الله، فتتركوا عبادة غيره؟! ... ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٠٧)﴾. [١٠٧] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ على الوحي. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾. [١٠٨] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ بطاعته ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ فيما آمركم به من الإيمان. ***

الشعراء 26:109

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾. [١٠٩] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على الدعاء والنصح. ﴿مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ يعقوب: (وَأَطِيعُوني) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١)، وكذلك في الأحرف السبعة بعد، وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، ويعقوب: (أَجْرِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وكذلك في الأحرف الأربعة بعد. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١١٠)﴾. [١١٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كرره تأكيدًا. ... ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾. [١١١] ﴿قَالُوا﴾ إنكارًا عليه: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ﴾ أي: وقد اتبعك ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ جمع الأرذل؛ يعني: السفلة، سموا بذلك؛ لاتضاع حِرفهم؛ كالحجامة والحياكة، وهذا لا يضر بالديانات، فكأنهم قالوا: إنما آمنوا لحقارتهم. قرأ يعقوب: (وَأَتْبَاعُكَ) بقطع الهمزة وإسكان التاء مخففة وضم (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣١٩). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٠).

الشعراء 26:112

العين وألف قبلها على الجمع، وقرأ الباقون: بوصل الهمزة وتشديد التاء مفتوحة وفتح العين من غير ألف (١). ... ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾. [١١٢] ﴿قَالَ﴾ نوح: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ المراد: انتفاء عليه بإخلاص أعمالهم، واطلاعه على سرائرهم. ... ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾. [١١٣] ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ﴾ ما جزاؤهم. ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ لما عبدتموهم. ... ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾. [١١٤] ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ جواب لما أوهم قولهم من استدعاء طردهم، وتوقيف إيمانهم عليه. ... ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾. [١١٥] ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أي: وما أنا إلا رجل مبعوث لإنذار المكلفين عن الكفر والمعاصي، سواء كانوا أعزاء أو أذلاء. قرأ قالون عن (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٦٥)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ١٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٠).

الشعراء 26:116

نافع، وأبو جعفر: (أَنَا إِلَّا) بالمد حيث وقع؛ بخلاف عن الأول (١). ... ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١١٦)﴾. [١١٦] ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَانُوحُ﴾ عما تقول. ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ أي: المقتولين. ... ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)﴾. [١١٧] ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ قرأ يعقوب: (كَذَّبُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢). ... ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾. [١١٨] ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ فاحكم بيني وبينهم حكمًا. ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من قصدهم. قرأ ورش، وحفص: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣). ... (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٠). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢١). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢١).

الشعراء 26:119

﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾. [١١٩] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء من الناس والطير والحيوان كلها. ... ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾. [١٢٠] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ أي: أغرقنا بعد إنجاء نوح وأهله من بقي من قومه. ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١)﴾. [١٢١] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٢٢)﴾. [١٢٢] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تقدم تفسير نظيرها. ... ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾. [١٢٣] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾. ... ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾. [١٢٤] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ﴾ يعني: في النسب، لا في الدين. ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾؟

الشعراء 26:125

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٢٥)﴾. [١٢٥] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ على الرسالة. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٢٦)﴾. [١٢٦] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ... ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢٧)﴾. [١٢٧] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ... ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾. [١٢٨] ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾ هو المكان المرتفع ﴿آيَةً﴾ علامة. ﴿تَعْبَثُونَ﴾ بمن مر بكم؛ لأنهم كانوا يبنون الغرف في الأماكن العالية؛ ليشرفوا على المارة، فيسخرون منهم، ويعبثون بهم. ... ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾. [١٢٩] ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ أي: حصونًا، وقيل: مصانع الماء تحت الأرض ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ أي: كأنكم تبقون فيها خالدين لا تموتون، وقال ابن زيد: (لعل) استفهامٌ بمعنى التوبيخ؛ أي: فهل تخلدون حتى تبنوها؟

الشعراء 26:130

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾. [١٣٠] ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ أَخذتم وسَطَوتم ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ قتلًا بالسيف، وضربًا بالسوط، والبطش: الأخذ بعنف، والجبار: الذي يضرب ويقتل على الغضب. قرأ ورش عن نافع، والدوري عن الكسائي: (جَبَّارِينَ) بالإمالة؛ بخلاف عن الأول (١). ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)﴾. [١٣١] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ... ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢)﴾. [١٣٢] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: أعطاكم من الخير ما تعلمون. ... ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣)﴾. [١٣٣] ثم ذكر ما أعطاهم فقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾. ... ﴿وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. [١٣٤] ﴿وَجَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ أنهار. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٢).

الشعراء 26:135

﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾. [١٣٥] ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عصيتموني ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ في الدنيا والآخرة. ... ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦)﴾. [١٣٦] ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ سووا بين وعظه وتركه، والوعظ: كلام يلين القلب بذكر الوعد والوعيد. ... ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧)﴾. [١٣٧] ثم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا ﴿إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو (١)، ويعقوب، والكسائي: بفتح الخاء وإسكان اللام؛ أي: اختلاق الأولين وكذبهم (٢)، وقرأ الباقون: بضم الخاء واللام؛ أي: عادة الأولين من قبلنا (٣). ... (١) "وأبو عمرو" زيادة من "ت". (٢) "وكذبهم" زيادة من "ت". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٢).

الشعراء 26:138

﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾. [١٣٨] وأمرهم أنهم يعيشون ما عاشوا، ثم يموتون، ولا بعث ولا حساب. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ على ما نحن عليه. ... ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩)﴾. [١٣٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾ بريح صرصر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾. [١٤٠] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ تلخيصه: أن هودًا أنذر قومه، ووعظهم، فلم يتعظوا، فأهلكوا. ... ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾. [١٤١] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾. ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾. [١٤٢] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. ***

الشعراء 26:143

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣)﴾. [١٤٣] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤)﴾. [١٤٤] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ... ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٤٥)﴾. [١٤٥] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ... ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦)﴾. [١٤٦] ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ أي: في الدنيا. ﴿آمِنِينَ﴾ من الموت والعذاب. ... ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. [١٤٧] ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. ... ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾. [١٤٨] ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ﴾ عطفها على (جَنَّاتٍ) مع أن الجنة تعم النخل

الشعراء 26:149

وغيره؛ تفضيلًا لها ﴿طَلْعُهَا﴾ هو ما يطلع من النخلة في جوفه شماريخ القنو. ﴿هَضِيمٌ﴾ لطيف لين، ويوصف بهضيم ما دام في كُفَرَّاه، والكُفَرُّ -بضم الكاف وفتح الفاء وتشديد الراء-: كم النخل؛ لأنه يستر في جوفه. ... ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾. [١٤٩] ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ﴾ قرأ الكوفيون، وابن عامر: (فَارِهِينَ) بألف بعد الفاء؛ أي: حاذقين، وقرأ الباقون: بغير ألف؛ أي: بَطرين. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠)﴾. [١٥٠] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ فإن في طاعتي طاعةَ الله تعالى. ... ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١)﴾. [١٥١] ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين. ... ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾. [١٥٢] ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بالمعاصي والكفر (١). (١) في "ت": "بالكفر والمعاصي".

الشعراء 26:153

﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله فيما أمرهم به. ... ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣)﴾. [١٥٣] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ المسحر: الذي سُحِر كثيرًا حتى غلب على عقله. ... ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾. [١٥٤] ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تأكل الطعام، وتشرب الشراب، ولست بملك. ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ على صحة ما تقول. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أنك رسول الله إلينا. ... ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾. [١٥٥] ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ﴾ أي: بعد ما أخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها. ﴿لَهَا شِرْبٌ﴾ نصيب من الماء ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ فاقتصروا على شربكم، فكانت تشرب جميع الماء يومًا، ويشربون يومًا (١). فيه دليل على جواز قسمة المنافع بالمهايأة؛ لأن قوله: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ﴾ من (١) "ويشربون يومًا" زيادة من "ت".

الشعراء 26:156

المهايأة، واختلفوا في حكم المهايأة، فقال أبو حنيفة: يجبر عليها الممتنع إذا لم يكن الطالب متعنتًا، وقال الثلاثة: هي جائزة بالتراضي، ولا إجبار فيها. ... ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾. [١٥٦] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ كضرب وعقر. ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عظم اليوم لعظم ما يحل فيه. ... ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧)﴾. [١٥٧] روي أن عاقرها قال: لا أعقرها حتى ترضوا أجمعين، فاستؤذن صغارهم وكبارهم، فرضوا (١) ﴿فَعَقَرُوهَا﴾ أسند العقر إلى كلهم؛ لأنهم رضوا بذلك، فأُخذوا جميعًا ﴿فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ﴾ على عقرها؛ خوفًا من نزول العذاب، لا ندمَ توبة. ... ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨)﴾. [١٥٨] ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الموعود ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. (١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٢/ ٢٣١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٥/ ١٥١٥)، عن قتادة. وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٣/ ٤٩٢).

الشعراء 26:159

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾. [١٥٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ... ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾. [١٦٠] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾. ... ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١)﴾. [١٦١] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾. ... ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢)﴾. [١٦٢] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣)﴾. [١٦٣] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. ... ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤)﴾. [١٦٤] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ***

الشعراء 26:165

﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾. [١٦٥] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من جميع الناس، عبر عن الفاحشة بالإتيان؛ كما عبر به عن الحلال في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، المعنى: أتطؤون الذكور من الناس، مع كثرة إناثهم؟! ... ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. [١٦٦] ﴿وَتَذَرُونَ﴾ وتتركون ﴿مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ لأجل استمتاعكم. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ متجاوزون الحلال إلى الحرام. ... ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾. [١٦٧] ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ﴾ عن إنكارك علينا. ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ من قريتنا. ... ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾. [١٦٨] ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ﴾ المبغضين. ***

الشعراء 26:169

﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾. [١٦٩] ثم دعا فقال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾ من العمل الخبيث؛ أي: من شؤمه وعذابه. ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾. [١٧٠] ﴿فَنَجَّيْنَاهُ﴾ فعصمناه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ من العذاب ﴿أَجْمَعِينَ﴾. ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١)﴾. [١٧١] ﴿إِلَّا عَجُوزًا﴾ هي امرأته ﴿فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، تقديره: إلا عجوزًا مقدَّرًا غبورها أهلكناها؛ لأنها كانت معينة على الفاحشة، راضية بها، والاستثناء من الأهل؛ لأن الزوجة منهم. ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾. [١٧٢] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ أي: أهلكناهم. ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾. [١٧٣] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ على شُذَّاذهم ومسافريهم ﴿مَطَرًا﴾ حجارة. ﴿فَسَاءَ﴾ أي: فقبح ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ مطرُهم. ***

الشعراء 26:174

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤)﴾. [١٧٤] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)﴾. [١٧٥] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾. ... ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾. [١٧٦] ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر: (لَيْكَةَ) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها، ولا همزة بعدها، وبفتح تاء التأنيث في الوصل مثل طلحةَ، وكذلك رسم في جميع المصاحف، وقرأ الباقون: بألف الوصل مع إسكان اللام وهمزة مفتوحة بعدها وخفض تاء التأنيث، وحمزة: على أصله يقف على الساكن قبل الهمز، وورش: ينقل حركة الهمزة إلى الساكن قبلها، وحمزة: له النقل إذا وقف بخلاف عنه؛ فـ (أَيْكَة) اسم نكرة لشجر كثير ملتفّ، ثم دخله التعريف، و (لَيْكَة) أيضًا غير مصروف؛ لتعريفه وتأنيثه: اسم علم لبلد، أو شجر (١)، وتقدم ذكر الأيكة ومحلها في سورة الأعراف، فمن قرأ: (الأَيْكَةِ) أراد: الشجر، ومن قرأ: (لَيْكَة) أراد: البلد كما تقول فيمن صرف ثمود (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٤).

الشعراء 26:177

أراد: الأب، ومن لم يصرفه أراد: القبيلة، وكذلك اختلافهم في سورة (ص)، وأجمعوا على الألف واللام وجر التاء في (الحجر)، و (ق) لإجماع المصاحف على ذلك. ... ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧)﴾. [١٧٧] ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ وإنما لم يقل في شعيب: أخوهم؛ لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، وإنما أُرسل إليهم بعد مدين، وكان من أصحاب مدين، فلما ذكر مدين، قال: أخاهم شعيبًا في سورتي الأعراف، وهود، وفي الحديث: "إن شعيبًا أخا مدين أُرسل إلى أصحاب مدينَ، وإلى أصحابِ الأيكةِ" (١). ... ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨)﴾. [١٧٨] ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾. ... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩)﴾. [١٧٩] ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٤/ ٤٨)، عن قتادة من قوله.

الشعراء 26:180

﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٠)﴾. [١٨٠] ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وإنما كانت دعوة الأنبياء كلهم فيما حكى الله عنهم على صيغة واحدة؛ لاتفاقهم على الأمر بالتقوى والطاعة، والامتناع من أخذ الأجر على تبليغ الرسالة. ... ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾. [١٨١] وكان أصحاب الأيكة يطففون، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ﴾ أتموه. ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ﴾ الناقصين لحقوق الناس. ... ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢)﴾. [١٨٢] ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ بميزان العدل. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (بِالْقِسْطَاسِ) بكسر القاف، والباقون: بضمها (١). ... ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾. [١٨٣] ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ لا تنقصوا شيئًا من حقوقهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٥).

الشعراء 26:184

﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ بالقتل وقطع الطريق. ... ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾. [١٨٤] ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأمم المتقدمين، والجبلة: الخلق، يقال: جُبل؛ أي: خُلق. ... ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾. [١٨٥] ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾. ... ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦)﴾. [١٨٦] ﴿وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ تقدم تفسير نظيره، وأتوا بالواو؛ للدلالة على أنه جامع بين وصفين منافيين للرسالة؛ مبالغةً في تكذيبه. ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ في دعواك. ... ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾. [١٨٧] ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (كِسَفًا) بفتح السين؛ أي: قطعًا، وقرأ الباقون: بالإسكان؛ أي: قطعة (١)، واختلافهم في الهمزتين من (السَّمَاءِ إِنْ) (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٦).

الشعراء 26:188

كاختلافهم فيهما من قوله: (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣]. ... ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨)﴾. [١٨٨] ﴿قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فهو مجازيكم بأعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾. [١٨٩] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ هو أنه أصابهم حر شديد، وكانوا يدخلون الأسراب فيجدونها أشد حرًّا، فخرجوا، فجاءتهم سحابة، فدخلوا تحتها يستظلون، فأمطرت عليهم نارًا، فاحترقوا ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾. ... ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾. [١٩٠] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٦).

الشعراء 26:191

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)﴾. [١٩١] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ هذا آخر القصص السبع المذكورة؛ تسلية لرسول الله - ﷺ -، وتهديدًا للمكذبين به، وكرر في هذه القصة ما كرره في غيرها تقريرًا لمعانيها في الصدور؛ ليكون أبلغ في الوعظ والزجر. ... ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢)﴾. [١٩٢] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن المنزل ﴿لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ... ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾. [١٩٣] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ هو جبريل -عليه السلام-؛ لأنه أمين على الوحي. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (نَزَّلَ) بتشديد الزاي ونصب (الرُّوحَ الأمينَ) مفعولًا، الفاعل الله تعالى؛ أي: نزل الله به جبريل -عليه السلام-؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقرأ الباقون: بالتخفيف، ورفعهما الفاعل (الرُّوحُ الأَمِين) (١). ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٧).

الشعراء 26:194

﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾. [١٩٤] ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ يا محمد حتى وعيته. ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين. ... ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. [١٩٥] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ قال ابن عباس: "بلسان قريش؛ ليفهموا ما فيه" (١)، المعنى: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان، وهم خمسة: هود، وصالح، وشعيب، وإسماعيل، ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين. ... ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾. [١٩٦] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: ذكر إنزال (٢) القرآن. ﴿لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ لمثبتٌ في كتب الأنبياء قبلك. ... ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾. [١٩٧] ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على صحة القرآن، ونبوة محمد - ﷺ - ﴿أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قرأ ابن عامر: (تَكُنْ) بالتاء (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٢). (٢) "إنزال" زيادة من "ت".

الشعراء 26:198

على التأنيث (آيَةٌ) بالرفع، جعل الآية اسمًا، وخبره (أَنْ يَعْلَمَهُ)، وقرأ الباقون: (يَكُنْ) بالتذكير (آيَةً) بالنصب، جعلوا الآية خبرَ (يَكُنْ) (١)، معناه: أولم يكن لهؤلاء المتكبرين علماء بني إسرائيل آيةً؛ أي: علامة على نبوة محمد - ﷺ -؛ لأنهم كانوا يخبرون بوجوده في كتبهم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، وهم: بنيامين، وثعلبة، وأسد، وأسيد، وكان إخبارهم آية على صدقه، قال ابن عباس: "بعثَ أهلُ مكة إلى اليهود، وهم بالمدينة، فسألوهم عن محمد - ﷺ -، فقالوا: إن هذا الزمان زمانه، وإنا نجد في التوراة نعتَهُ وصفته" (٢). ... ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨)﴾. [١٩٨] ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ يعني: القرآن ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ جمع أعجم، وهو الذي لا يُفصح، ولا يحسن العربية، وإن كان عربيًّا في النسب، والعجمي: المنسوب للعجم، وإن كان فصيحًا. ومعنى الآية: ولو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان. ... ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾. [١٩٩] ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ بغير لغة العرب ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٢٨). (٢) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٣٥٧).

الشعراء 26:200

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠)﴾. [٢٠٠] وقالوا: ما نفقه قولك ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ أي: أدخلنا الشك والشرك ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾. ... ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾. [٢٠١] ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ بالقرآن ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ عند الموت. ... ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٢٠٢)﴾. [٢٠٢] ﴿فَيَأْتِيَهُمْ﴾ فيأخذهم ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ به في الدنيا. ... ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾. [٢٠٣] ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ مؤخَّرون؛ لنؤمن ونصدق، يتمنون الرجعة. ... ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾. [٢٠٤] ولما أوعدهم النبي - ﷺ - بالعذاب، قالوا: إلى متى توعدنا بالعذاب، ومتى هذا العذاب؟! فنزل قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾

الشعراء 26:205

فيقولون: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٢]. ... ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥)﴾. [٢٠٥] ثم خاطبَ النبيَّ - ﷺ -؛ لإقامة الحجة عليهم في أن مدة الإرجاء والإمهال والإملاء لا تغني مع نزول العذاب بعدها، ووقوع النقمة، وذلك في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾ كثيرة في الدنيا؛ يعني: كفار مكة، ولم نهلكهم. تقدم اختلاف القراء في (أَرَأَيْتَ) في سورة الفرقان عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الآية: ٤٣]. ... ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦)﴾. [٢٠٦] ﴿ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا﴾ يعني: العذاب. ... ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾. [٢٠٧] ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ لم يغن عنهم تمتُّعهم المتطاولُ بنعيم الدنيا في دفع العذاب عنهم. ... ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾. [٢٠٨] ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ رسل ينذرونهم. ***

الشعراء 26:209

﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾. [٢٠٩] ﴿ذِكْرَى﴾ محلها نصب؛ أي: ينذرونهم تذكرةً، وقيل: رفع؛ أي: تلك ذكرى ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في تعذيبهم؛ حيث قدمنا الحجة عليهم، وأعذرنا إليهم. ... ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠)﴾. [٢١٠] ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿الشَّيَاطِينُ﴾ وذلك أن المشركين كانوا يقولون: إن الشياطين يلقون القرآن على لسان محمد - ﷺ -، فنزلت الآية. ... ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾. [٢١١] ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ أن يتنزلوا بالقرآن ﴿وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ذلك. ... ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾. [٢١٢] ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ﴾ أي: عن استراقه من السماء. ﴿لَمَعْزُولُونَ﴾ أي: محجوبون بالشهب مرجومون. ... ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾. [٢١٣] ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ قال ابن عباس:

الشعراء 26:214

"يحذر به غيره، يقول: أنت أكرم الخلق علي، ولو اتخذت إلهًا غيري، لعذبتك" (١). ... ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [٢١٤] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ فجمع - ﷺ - قومه، وقال: "إني نذيرٌ لكم بين يَدَي عذاب شديد" (٢). ... ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾. [٢١٥] ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ أَلِنْ جانبك، وتواضَعْ. ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ من عشيرتك وغيرهم؛ فإن الفاسق والمنافق لا يُخفض له الجناح. ... ﴿فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦)﴾. [٢١٦] أي: خالفوك. ﴿فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٤). (٢) رواه البخاري (٤٤٩٢)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، ومسلم (٢٠٨)، كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

الشعراء 26:217

﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾. [٢١٧] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ ليكفيك كيدَ الأعداء. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (فَتَوَكَّلْ) بالفاء عطفًا على (فَقُلْ)، وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون: بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم (١). ... ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾. [٢١٨] ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ للتهجُّد. ... ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾. [٢١٩] أي: ويرى تقلبك ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ أي: تصفح أحوال المتهجدين من أصحابك، وعن ابن عباس قال: "من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيًّا" (٢). ... ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾. [٢٢٠] ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تقوله ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما تنويه. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٠). (٢) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (١/ ٢٤).

الشعراء 26:221

﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١)﴾. [٢٢١] ولما قال المشركون: إن الشيطان يلقي السمع (١) على محمد، نزل جواب قولهم: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾؟ ... ﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾. [٢٢٢] ثم بين فقال: ﴿تَنَزَّلُ﴾ أي: تتنزل ﴿عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذاب. ﴿أَثِيمٍ﴾ مبالغة من آثم، وهم الكهنة الذين كانت تسرق الجن السمع فتلقيه إليهم. قرأ البزي: (تَّنزَّلُ) بتشديد التاء في الحرفين حالة الوصل (٢). ... ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣)﴾. [٢٢٣] ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ أي: يلقون إلى الكهنة ما يسمعون من الملائكة عند استراق السمع ﴿وَأَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكهنة. ﴿كَاذِبُونَ﴾ لأنهم كانوا يخلطون مع ما يستمعون (٣) كذبًا كثيرًا. جاء في الحديث: "الكلمةُ يخطَفُها الجني، فَيَقُرُّها في أذن وليه، فيزيد فيها أكثر من مئة كذبة" (٤). (١) "السمع" زيادة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٠). (٣) في "ش": "يسمعون". (٤) رواه البخاري (٥٤٢٩)، كتاب: الطب، باب: الكهانة، ومسلم (٢٢٢٨)، كتاب: =

الشعراء 26:224

فإذا صدقت تلك الكلمة، كانت سبب ضلال من سمعها، وقال: (أَكْثَرُهُمْ)؛ لأن من الأفاك من قد يصدق. ... ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾. [٢٢٤] ونزل في جماعة من الكفار كانوا يقولون الشعر، ويقولون: نحن نقول كما يقول محمد، واتبعهم غواة على ذلك ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ السفهاء الذين يروون هجاء المسلمين. قرأ نافع: (يَتْبَعُهُمُ) بفتح الباء مخففًا، والباقون: بكسر الباء مشددًا (١). ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥)﴾. [٢٢٥] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ﴾ تمثيل لذهابهم في كل فن من القول. روي عن يعقوب وقنبل: الوقفُ بالياء على (وَادِي). ﴿يَهِيمُونَ﴾ يذهبون على غير قصد، كما يذهب الهائم على وجهه. ... = السلام، باب: تحريم الكهانة وإتيان الكهان، عن عائشة -رضي الله عنها-. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣١).

الشعراء 26:226

﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾. [٢٢٦] ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾: فعلنا ﴿مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾. ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾. [٢٢٧] ولما نزلت هذه الآية، جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، ومن كان ينافح عن النبي - ﷺ -، وكان غالب شعرهم توحيدًا وذكرًا، فقالوا: يا رسول الله! قد نزل هذا، والله يعلم أنا شعراء، فقال - ﷺ -: "إنَّ المؤمنَ يجاهدُ بسيفه ولسانه، وإن الذي ترمونهم به نَضْحُ النبل" (١)، ونزل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء لشعراء الإسلام ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله تعالى. ﴿وَانْتَصَرُوا﴾ أي: بالرد على المشركين ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي: هُجوا؛ لأن الكفار بدؤوهم بالهجاء، قال - ﷺ - لحسان: "اهجُ المشركين؛ فإن جبريلَ معك" (٢)، ثم أوعد شعراء المشركين فقال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أشركوا ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ أيَّ مرجعٍ يرجعون (١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٣٨٧)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٥٠٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٥٧٨٦)، وغيرهم عن كعب بن مالك -رضي الله عنه-. (٢) رواه البخاري (٣٠٤١)، كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، ومسلم (٢٤٨٦)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل حسان بن ثابت -رضي الله عنه- عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-. إليه بعد مماتهم، قال ابن عباس: "إلى جهنم والسعير" (١)، و (أَيَّ) نعت لمصدر محذوف نُصب بـ: (ينقلبون)، لا بـ (يعلم)، لأنها استفهام، تقديره: ينقلبون انقلابًا أيَّ منقلب، والله أعلم. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٨١).

النمل 27:1

سورة النمل مكية، وآيها: ثلاث وتسعون آية، وحروفها: أربعة آلاف وسبع مئة وتسعون حرفًا، وكلمها: ألف ومئة وتسع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾. [١] ﴿طس﴾ تقدم الكلام (١) عليه، ومذاهب القراء فيه أولَ سورة الشعراء، وهو اسم من أسماء الله تعالى، قاله ابن عباس (٢)، قيل: معناه هنا: لطيف وسميع. ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه الآيات المذكورات ﴿آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ؛ لأنه خط فيه ما هو كائن، فهو يبينه للناظرين. قرأ ابن كثير: (القُرَانِ) و (قُرَان) و (قُرَانًا) حيث وقع: بالنقل، والباقون: بالهمز (٣). (١) في "ت": "القول". (٢) تقدم ذكره عنه، وتخريجه. (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٥).

النمل 27:2

﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾. [٢] ﴿هُدًى﴾ أي: هو هدى من الضلالة. ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ للمصدقين به. ... ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٣)﴾. [٣] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ قرأ ورش: (الصَّلاَة) بتغليظ اللام. ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ المعنى: المؤمنون الموصوفون بهذه الصفات يوقنون بالبعث. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ بخلق الشهوة فيهم، فاعتقدوا أعمالهم القبيحة حسنة؛ لشهوتهم إياها، لا أنا حَسَّنَّا لهم الفواحشَ، وأمرناهم بها. قرأ أبو عمرو: (بِالآخِرَة زَّيَّنَّا) بإدغام التاء في الزاي (١). ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ يترددون بتحير. ... (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٥).

النمل 27:5

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ في الدنيا؛ بالقتل والأسر. ﴿وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أشد الناس خسرانًا؛ لفوت المثوبة، واستحقاق العقوبة. ... ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦)﴾. [٦] ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ لتؤتاه. ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أي: وحيًا من عند الله ذي الحكمة، وهذه الآية رد على كفار قريش في قولهم: إن القرآن من تلقاء محمد بن عبد الله. ... ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾. [٧] ثم قص تعالى خبر موسى عليه السلام، والتقدير: اذكر ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ في مسيره من مدين إلى مصر: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت ﴿نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ أخبركم به عن حال الطريق؛ لأنه كان قد ضل عنها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٤٨ - ٤٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٦).

النمل 27:8

﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ﴾ هي الشعلة المضيئة. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (بِشِهَابٍ) بالتنوين، جعلوا القبس نعتًا للشهاب، وقرأ الباقون: بغير تنوين على الإضافة (١). ﴿قَبَسٍ﴾ هو العود الذي في أحد طرفيه نار، قال في (طه): ﴿فَلَمَّا قَضَى﴾ [الآية: ١٠] ترجِّيًا، وهنا (سَآتِيكُمْ) إخبارًا؛ لأن الراجي إذا قوي ترجيه، ربما حكم بوقوع الفعل، المعنى: أن موسى قال لزوجته لما ضربها الطلق، ورأى النار: اثبتوا مكانكم، سآتيكم بجزء منها. ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون من البرد، وكان ذلك في شدة الشتاء. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨)﴾. [٨] ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: بورك على من في طلب النار، وهو موسى عليه السلام ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ وهم الملائكة، والمراد بالنار: النور؛ لأن موسى حسبه نارًا، وهذا تحية من الله -عز وجل- لموسى -عليه السلام- بالبركة؛ كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه فقالوا: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: ٧٣]، ثم نزه تعالى نفسه فقال: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٨٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٦).

النمل 27:9

﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ من تمام ما نودي به؛ لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبيهًا، وللتعجيب من عظمة ذلك الأمر. ... ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾. [٩] ثم تعرف إلى موسى بصفاته فقال: ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ﴾ والهاء في (إِنَّهُ) ضمير الشأن، والشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان لله تعالى، وروي أن موسى لما سمع الخطاب، فلم ير أحدًا، قال: من الذي يكلمني؟ فقيل: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ (١). ... ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠)﴾. [١٠] ثم أرى موسى آية على قدرته تعالى ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ عطف على ﴿بُورِكَ﴾ أي: نودي أن بورك من في النار، وأن ألق عصاك. ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك باضطراب. وتقدم اختلاف القراء في (رَآهَا) في سورة الأنبياء عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية: ٣٦]. ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حية صغيرة. ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ وهرب من الخوف. ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع بعد هربه. (١) رواه ابن أبي عاصم في "السُّنة" (١/ ٣٠٥) وأبو نعيم عن أنس مطولًا، كما في "الدر المنثور". (٣/ ٥٣٩).

النمل 27:11

فقال الله تعالى: ﴿يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: من أمنته لا ينبغي أن يخاف من حية. ... ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن من ظلم من المرسلين بذنب صدر منه؛ كآدم ويونس وداود وموسى (١) ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ توبة بعد ذنب. ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أغفر له، وأزيل الخوف عنه. ... ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢)﴾. [١٢] ثم أراه الله تعالى آية أخرى، فقال: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ أي: قميصك؛ لأنه يُجاب؛ أي يقطع، والجيب: الفتح في الثوب لرأس (١) وعن الفراء أن الاستثناء هنا متصل، لكل من جملة محذوفة، تقديره: وإنما يخاف غيرُهم إلا من ظلم. وردَّه النحاس. وقدره الزمخشري بـ: "لكن" وهي علامة على أنه منقطع. انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٧/ ٥٥). وقد ذكر الطبري رحمه الله في "تفسيره" (١٩/ ٤٣٢) أقوال النحويين واختلافهم، وذكر من جملة ذلك: في هذه الآية وجهان: أحدهما أن يقول: إن الرسل معصومة مغفور لها آمنة يوم القيامة، ومن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا فهذا يخاف ويرجو. والآخر أن يجعل الاستثناء من الذين تركوا في الكلمة؛ لأن المعنى: لا يخاف لدي المرسلون، إنما الخوف على من سواهم.

النمل 27:13

الإنسان، وكانت عليه مدرعة من صوف لا كُمَّ لها ولا أزرار، فأدخل يده في جيبه، وأخرجها، فإذا هي تبرق مثل البرق، فذلك قوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ حال ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ آفة برص. ﴿فِي تِسْعِ﴾ أي: آية في تسع ﴿آيَاتٍ﴾ و ﴿إِلَى﴾ متعلق بمحذوف؛ أي: مرسلًا إلى فرعون في تسع آيات، وهي: اليد، والعصا، والفلق، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطمس، أنت مرسل بهن ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ تعليل للإرسال. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾. [١٣] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً﴾ حال يُبصر بها، ونسب البصر إليها مجازًا، وهو في الحقيقة لمتأمليها ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر. ... ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أنكروا الآيات، ولم يقروا أنها من عند الله. ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا﴾ أي: وقد استيقنتها ﴿أَنْفُسُهُمْ﴾ واستيقن أبلغُ من أيقن، المعنى: لما جاءتهم آياتنا واضحات، واستيقنوا صدقها، جحدوا بها ﴿ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ شركًا وتكبرًا. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ وسوء منقلبهم حين كذبوا موسى، وفي هذا تمثيل لكفار قريش؛ إذ كانوا مفسدين مستعلين.

النمل 27:15

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾. [١٥] ثم ابتدأ بقصص فيه غيوب وعبر، وليس بمثال لقريش، فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾ أي: علم القضاء، ومنطق الطير والدواب، وتسبيح الجبال. ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ بالنبوة، وتسخير الجن والإنس والشياطين ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: من لم يؤت علمًا. ... ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ في النبوة والملك دون سائر أولاده، وكانوا تسعة عشر. قرأ أبو عمرو: (وَوَرِث سُّلَيْمَانُ) بإدغام الثاء في السين (١)، و (ورث) بمعنى صار إليه ذلك بعد موت أبيه، فسمي ميراثًا تجوزًا، وهذا نحو قولهم: "العلماء ورثة الأنبياء"، وحقيقة الميراث في المال، والأنبياءُ لا تورث أموالهم؛ لأن النبي - ﷺ - قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا، فهو صدقة" (٢) فأعطي سليمان ما أعطي داود عليهما السلام من (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٩). (٢) رواه البخاري (٢٩٦٢)، كتاب: أبواب الخمس، باب: فرض الخمس، ومسلم (١٧٥٨)، كتاب: الجهاد والسير، باب: قول النبي - ﷺ -: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"، عن عائشة -رضي الله عنها-. الملك، وزيد له تسخير الجن والريح، وفهم منطق الطير، فثم اعترف بأنعم الله تعالى. ﴿وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ أي: فَهْمَ أصواته، والمنطق: الكلام، روي أنه صاح ورشانُ، فقال: إنه يقول: لدوا للموت وابنوا للخراب، وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول: ليت الخلق لم يخلقوا، والطاوس يقول: كما تدين تدان، والهدهد يقول: كل حي ميت، وكل جديد بال، والخطاف يقول: قدموا خيرًا تجدوه، والحمامة تقول: سبحان ربي الأعلى ملء سمواته وأرضه، والقطا يقول: من سكت سلم، والببغاء يقول: ويل لمن الدنيا همه، والدراج يقول: الرحمن على العرش استوى، والقُبر يقول: اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد، والنسر يقول: ابن آدم عش ما شئت آخره الموت، والعقاب يقول: في البعد من الناس أنس، والحمار يقول: اللهم العن العشار، والفرس يقول إذا التقى الصفان: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، والزرزور يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق (١). ﴿وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يؤتاه الأنبياء والملوك من أمر الدنيا والآخرة. ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ الزيادة الظاهرة على ما أعطي غيرنا. ... (١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، عن كعب. ورواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ١٩٤)، عن كعب بإسناد واه جدًّا. انظر: "كشف الخفاء" للعجلوني (٢/ ١٨٣).

النمل 27:17

﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَحُشِرَ﴾ جُمع ﴿لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ﴾ في مسير كان له. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحبسون ثم يُساقون، وأصل الوزع: الكف، والوزَّاع: هو الحابس، وهو النقيب، وكان معسكره مئة فرسخ: في مئة فرسخ خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة وعشرون للوحش، وخمسة وعشرون للطير، وكان يأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرخاء فتسير به، فأوحى الله إليه وهو بين السماء والأرض: أني قد زدت في ملكك: أنه لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء إلا جاءت الريح فأخبرتك، فبينا هو يسير، رآه وجندَه حَرَّاث، فقال: لقد أوتي آل داود ملكًا عظيمًا، فمشى إليه سليمان وقال: إنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه، ثم قال: والله لتسبيحة واحدة يتقبلها الله خير مما أوتي آل داود (١). ... (١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٣٧)، والحاكم في "المستدرك" (٤١٤١) عن محمد بن كعب، وذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٨٩ - ٣٩٠)، والقرطبي في "تفسيره" (١٣/ ١٧٦)، وذكر القرطبي عن ابن عطية قوله: واختُلف في معسكره ومقدار جنده اختلافًا شديدًا، غير أن الصحيح أن ملكه كان عظيمًا مِلأَ الأرض، وانقادت له المعمورة كلُّها.

النمل 27:18

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ وقف يعقوب، والكساني (وَادِي) بإثبات الياء (١). روي أن سليمان -عليه السلام- سار من اصطخر إلى اليمن حتى مر بواد النمل، وهو واد بالطائف، وقيل: بالشام، كثير النمل، والمشهور أنه النمل الصغير، وقيل: كان نمل ذلك المكان أمثال الذباب، وقيل كالبخاتي ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ وكانت ملكة النمل لما رأت جند سليمان: ﴿يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ ولم يقل: ادخلن؛ لأنه لما جعل لها قولًا، خاطبها خطاب الآدميين ﴿لَا يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ يكسرنكم ﴿سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: ﴿يَحْطِمَنَّكُمْ﴾ بإسكان النون مخففًا، والباقون: بفتحها مشددًا (٢). ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بهلاككم إقامة لعذرهم. ... ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨ - ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٣٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤١).

النمل 27:19

[١٩] وسمع سليمان كلام النمل من ثلاثة أميال، وقيل: كان اسمها طاخية. وعن قتادة: أنه دخل الكوفة، فالتف عليه الناس، فقال: سلوا عما شئتم، وكان أبو حنيفة -رضي الله عنه- حاضرًا وهو غلام حَدَث، فقال: سلوه عن نملة سليمان، أكانت ذكرًا أم أنثى؟ فسألوه، فأفحم، فقال أبو حنيفة: كانت أنثى، فقيل له: من أين عرفت؟ فقال: من كتاب الله، وهو قوله: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ولو كان ذكرًا، لقال: قال نملة وذلك أن النملة مثل الحمامة والشاة في وقوعها على الذكر والأنثى، فيميز بينهما بعلامة؛ نحو قولهم: حمامة ذكر، وحمامة أنثى، وهو وهي (١). روي أنه لما أشرف على الوادي، حبس جنده حتى دخل النمل بيوتهم. وروي أنه قال لعظيم النمل: لِمَ قلت ادخلوا مساكنكم، أخفت عليهم مني ظلمًا؟ قال: لا، ولكن خشيت أن يفتنوا بما يرون من ملكك، فيشغلهم ذلك عن طاعة الله (٢). ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ حال مؤكدة، والتبسم أول الضحك، وهو ما لا صوت له ﴿مِنْ قَوْلِهَا﴾ تعجبًا من حذرها وتحذيرها. ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني. قرأ ورش، والبزي: (أَوْزِعْنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣). (١) "الكشاف" للزمخشري (٣/ ٣٦١)، و"تفسير الرازي" (٢٤/ ١٦١). (٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٣/ ١٧١) عن أبي إسحاق الثعلبي، قال: رأيت في بعض الكتب... فذكره. (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: =

النمل 27:20

﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في جملتهم، قال ابن عباس: "يريد مع إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ومن بعدهم من النبيين" (١). ... ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (٢٠)﴾. [٢٠] روي أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء، وكان يعرف موضع الماء، ويراه تحت الأرض كما يرى في الزجاجة، ويعرف قربه وبعده، فينقر الأرض فتجيء الشياطين، فيسلخونه ويستخرجون الماء، فنزل سليمان منزلًا، فاحتاج إلى الماء وقت الصلاة، فطلب الهدهد فلم يجده (٢). ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ ليرى الهدهد، فلم يره، والتفقد: طلبُ ما فُقد، ومعنى الآية: طلب ما فقد من الطير. ﴿فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ في جملة الطير. قرأ ابن كثير، وعاصم، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: (مَا لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، ثم أدركه الشك في غيبته، فقال: = ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٩١). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٤٢) عن ابن عباس. وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٢). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٢).

النمل 27:21

﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ﴾ يعني: أكان من الغائبين؟ والميم صلة. ... ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢١)﴾. [٢١] فلما تحقق غيبته، قال: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا﴾ أي: تعذيبًا. ﴿شَدِيدًا﴾ بنتف ريشه وذنبه، ورميه في الشمس، فلا يمتنع على الهوام. ﴿أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾ لأقطعن حلقه، ورسمت (أَوْ لأَاذْبَحَنَّهُ) في بعض المصاحف بزيادة ألف بعد (لأَ). ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ برهان ظاهر على عذره. قرأ ابن كثير: (لَيَأْتِيَنَّنِي) بنونين: الأولى مفتوحة مشددة، والثانية مكسورة مخففة، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة، أصلها: لَيَأْتِينِي، ثم دخلت النون مشددة، وهي محسوبة بنونين تأكيدًا للقسم، وبعدها نون مكسورة للوقاية كنون ضربني، وبني الفعل على الفتح، ففتح الياء التي هي لام الفعل، وقرأ الباقون: بنون واحدة مكسورة مشددة، وكذلك هو في مصاحفهم (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٧٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٣).

النمل 27:22

﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾. [٢٢] وكان سبب غيبة الهدهد: أن سليمان -عليه السلام- لما فرغ من عمارة بيت المقدس، خرج للحج، فأقام في الحرم مدة طويلة، يقرب كلَّ يوم خمسة آلاف ناقة، وخمسة آلاف بقرة، وعشرين ألف شاة، وقال لمن حضره من أشراف قومه: إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي، صفته كذا وكذا (١)، يعطى النصر على جميع من ناوأه، وتبلغ هيبته مسيرة شهر، القريب والبعيد عنده في الحق سواء، لا تأخذه في الله لومة لائم، يدين بدين الحنيفية، طوبى لمن أدركه وآمن به، ثم خرج من مكة يطلب صنعاء اليمن، فرأى مكانًا أعجبه، فنزل ليتغدى ويصلي الظهر، وكان الهدهد دليل الماء كما تقدم، واسمه يعفور، فقصد أن يرتفع لينظر في طول السماء وعرضها، فارتفع فرأى بستانًا لبلقيس، فمال إلى خضرته، فإذا بهدهد اسمه عنفير، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان: من أين أقبلت؟ قال: من الشام مع صاحبي سليمان ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والرياح، فمن أين أنت؟ قال: من هذه البلاد، وملكتها بلقيس، وما أظن ملك سليمان بأعظم من ملكها، فهل أنت منطلق معي تنظر ملكها؟ فقال: أخاف أن يفقدني سليمان وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء، فقال: إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة، فانطلق معه، ونظر ملكها. ﴿فَمَكَثَ﴾ وقتًا ﴿غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ ثم جاء. قرأ عاصم، وروح عن يعقوب: (١) "وكذا" ساقطة من "ت". (فَمَكَثَ) بفتح الكاف، والباقون: بضمها، لغتان (١)، المعنى: أن الهدهد أبطأ في غيبته قدرًا يسيرًا، فسأل سليمان عريفَ الطير النسرَ عن الهدهد، فقال: أصلح الله الملك، ما أدري أين هو، ولا أرسلته إلى مكان، فغضب وقال لسيد الطير العقاب: عليَّ به، فارتفع في الهواء، فرأى الهدهد قد أقبل من نحو اليمن، فانقض عليه (٢) فقال: بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني، ولم تتعرض لي بسوء، فقال: ويلك إن نبي الله قد حلف ليعذبنك، فتلقته الطيور وقالت: ويلك إن نبي الله قد توعدك، وحلف ليهلكنك، قال: وما استثنى؟ قالوا: بلى، إن لم تأت بسلطان مبين، فقال: نجوت إذًا، فجاء العقابُ سليمانَ بالهدهد، وقال: قد أتيتك به، فلما قرب الهدهد، رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه تواضعًا لسليمان، فأخذ برأسه وجذبه إليه بشدة، وتهدده، فقال: يا نبي الله! اذكر وقوفك بين يدي الله، فارتعد وعفا عنه، ولطف به؛ خوفًا من الله تعالى، ولئلا يلحقه العجب، وهو الداء العضال، ثم سأله عما لقي في غيبته. ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك (٣)، والإحاطة: العلمُ بالشيء من جميع جهاته. ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ﴾ اسم أرض باليمن، أو رجل. قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير: (سَبَأَ) بفتح الهمزة من غير تنوين، وروى قنبل عن ابن (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٣). (٢) "عليه" زيادة من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٢ - ٣٩٤).

النمل 27:23

كثير: بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون: بالخفض والتنوين (١)، فمن قرأ منونًا مصروفًا، جعله اسم رجل، ومن قرأ غير مصروف، جعله اسم البلد، والقراءة بإسكان الهمزة تخفيفًا، والنسابون يقولون: هو سبأ بن يشجب بن قحطان، وقد جاء في الحديث: أن النبي - ﷺ - سئل عن سبأ فقال: "كان رجلًا له عشرة من البنين، تيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة" (٢). ﴿بِنَبَإٍ﴾ خبر ﴿يَقِينٍ﴾. ... ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾. [٢٣] قال سليمان: وما ذاك؟ قال: ﴿إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أي: تملك قومها، واسمها بلقيس بنت شراحيل من نسل يعرب بن قحطان، وأمها جنية؛ لأنه ما كان يرى التزوج من الإنس، ولم يكن له ولد غيرها، فملكت ملكه. ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ يليق بها من أسباب الدنيا. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ سرير ضخم كان مضروبًا من الذهب، مكللًا بالدر (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٥٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٧)، قال مكي عن قراءة الإسكان في الوصل: غير مختار ولا قوي. (٢) رواه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ١١١ - ١١٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٨/ ٣٢٤)، عن فروة بن مسيك -رضي الله عنه-.

النمل 27:24

والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، وقوائمه من الياقوت والزمرد، وعليه سبعة أبيات، وعلى كل بيت باب مغلق. قال ابن عباس: "كان عرش بلقيس ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا، وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا" (١)، وقيل غير ذلك. ... ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا﴾ وكانوا مجوسًا ﴿يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ القبيحة ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ سبيل الصواب. ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ إليه، وخفي حالها على سليمان، مع قربها منه؛ لأنه كان نازلًا بصنعاء، وهي بمأرب، وبينهما ثلاثة أميال لحكم يعلمها الله تعالى؛ ليعلم الإنسان أنه لا يعلم إلا ما عُلِّم. ... ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ قرأ أبو جعفر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (أَلاَ) بتخفيف اللام، ويقفون: (أَلاَ يَا)، ويبتدئون: (اُسْجُدُوا) بهمزة مضمومة على الأمر على معنى: ألا يا هؤلاء اسجدوا: وجعلوه أمرًا من الله (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٥). تعالى مستأنفًا: فحذفت همزة الوصل بعد (يا) وقبل السين من الخط على مراد الوصل دون الفصل. قال الحافظ أبو عمرو الداني: كما حذفوها في قوله: (يَبْنَؤمَّ) في طه على مراد ذلك. قال ابن الجزري: أما (يا بنؤم). فقد رأيته في المصاحف الشامية من الجامع الأموي، ورأيته في المصحف (١) الكبير الذي يذكر أنه الإمام من الفاضلية بالديار المصرية. وفي المصحف المدني: بإثبات إحدى الألفين، ولعل الداني رآه في بعض المصاحف محذوف الألفين، فنقله كذلك. وقرأ الباقون: بتشديد اللام، و (يَسْجُدُوا) عندهم كلمة واحدة، مثل ألا يقولوا، فلا يجوز القطع على شيء منها (٢)، المعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم؛ لئلا يسجدوا ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ المستتر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فخبء السماء: المطر، وخبء الأرض: النبات. ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ وصف له بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود. قرأ الكسائي، وحفص عن عاصم: (تُخْفُونَ) و (تُعْلِنُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٣). ... (١) "المصحف" زيادة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٦). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٨).

النمل 27:26

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ هو المستحق للعبادة والسجود، لا غيره، وعرش ملكة سبأ وإن كان عظيمًا، فهو صغير حقير في جنب عرشه عز وجل، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم. ... ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾. [٢٧] فلما فرغ الهدهد، من كلامه ﴿قَالَ﴾ له سليمان: ﴿سَنَنْظُرُ﴾ من نظر التأمل ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فيما أخبرت. ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فيه (١). ... ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ثم دلهم الهدهد على الماء، فاستخرج، وارتووا وتوضؤوا وصلوا، ثم كتب سليمان كتابًا صورته: "من عبد الله سليمان بن داود إلى بلقيس ملكة سبأ، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي، وأتوني مسلمين"، ثم طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، ثم قال له: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ﴾ قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة: (فَأَلْقِهْ) بسكون الهاء تخفيفًا لغة صحيحة، وقرأ أبو جعفر، (١) "فيه" زيادة من "ت".

النمل 27:29

ويعقوب، وقالون، وهشام بخلاف عن الأول: (فَأَلْقِهِ) باختلاس كسرة الهاء لتدل الكسرة على الياء المحذوفة، وقرأ الباقون: بإشباع الكسرة، وصلتها بياء في الوصل (١)؛ لأن الهاء لما يتحرك ما قبلها، ثبت الحرف الذي بعدها؛ لعدم اجتماع الساكنين، المعنى: اقذفه ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى بلقيس وقومها. ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ تنحَّ مستترًا ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ يردُّون من الجواب. ... ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩)﴾. [٢٩] فأخذ الهدهد الكتاب، وأتى بلقيس وهي نائمة في قصرها، فألقاه على نحرها، فلما رأت الخاتم، أرعدت وخضعت خوفًا؛ لأن ملك سليمان كان فيه، وعرفت أن مُلكَ المرسل إليها أعظم من ملكها، ثم تأخر الهدهد يسيرًا، ثم جلست مع أشراف قومها، وكانوا اثني عشر ألفًا، ثم ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ مختوم، قال - ﷺ -: "كرامةُ الكتابِ خَتْمُه" (٢). واختلاف القراء في الهمزتين من (الْمَلأُ إِنِّي) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٤٩). (٢) رواه الطبراني في "المعجم الأوسط" (٣٨٧٢)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٩٩): فيه محمد بن مروان السدي الصغير، وهو متروك.

النمل 27:30

أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحج، قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾. [٣٠] ثم قرأت عليهم ما في الكتاب، وهو: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ... ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ لا تتكبروا ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ طائعين مؤمنين. ... ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (٣٢)﴾. [٣٢] ثم ﴿قَالَتْ﴾ اختبارًا لقومها وتطييبًا لقلوبهم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي﴾ أشيروا علي ﴿فِي أَمْرِي﴾ فيما عرض لي. ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً﴾ منفذة ﴿أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون. قرأ نافع، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وابن كثير، ورويس عن يعقوب: (الْمَلأُ أَفْتُونِي) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وهي أن تبدل واوًا محضة، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٠).

النمل 27:33

الهمزتين (١)، [وما ذكر من تسهيل إحدى الهمزتين] (٢) إنما هو في حالة الوصل، فإذا وقفت على الكلمة الأولى، وبدأت بالثانية، حققت الهمز في ذلك لجميع القراء، وأثبت يعقوب الياء بعد النون في (تشهَدُوني)، وحذفها الباقون (٣). ... ﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿قَالُوا﴾ مجيبين لها: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ﴾ الأجساد والآلات. ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ شجاعة ونجدة في الحرب، وهذا تعرض منهم بالقتال إن أمرتهم بذلك. ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ في القتال وتركه. ﴿فَانْظُرِي﴾ من الرأي ﴿مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ فنحن لك تبع. ... ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] فأومأت إلى المسالمة، و ﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً﴾ قهرًا ﴿أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥١). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥١).

النمل 27:35

﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ ليستقيم أمرهم، تحذرهم مسير سليمان إليهم، وتناهى الخبر عنها هاهنا، فصدق الله تعالى قولها. فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كما قالت. ... ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] وكانت بلقيس امرأة لبيبة، قد سيست وساست، وعرفت تدبير الملك، فأرادت أن تداري عن بلدها، فقالت للملأ من قومها: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ أختبر بذلك سليمان، إن كان ملكًا، أخذ الهدية وانصرف، وإن كان نبيًّا لم يأخذها، ولم نأمنه على بلادنا. ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ﴾ أي: بأي شيء. ﴿يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ من قبول الهدية أو ردها، وما يقال لهم. وقف يعقوب والبزي: (بمَهْ) بزيادة هاء بعد الميم بخلاف عنهما (١)، والهدية: اسم للشيء المعطى بملاطفة ورفق. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] فأهدت بلقيس لسليمان وُصَفاءَ ووصائفَ، وألبستهم لباسًا واحدًا لئلا يُعرفوا، وكان عددهم خمس مئة جارية، وخمس مئة غلام، وأربع (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥١) عن البزي. لبنات، كل لبنة مئة رطل من ذهب، وتاجًا مكللًا بالجواهر، ومسكًا وعنبرًا، وحقة فيها درة ثمينة، وخرزة جزعية معوجة الثقب، وكتبت كتابًا فيه نسخة الهدايا، وقالت فيه: إن كنت نبيًّا، فميز بين الوصفاء والوصائف، وأخبر بما في الحقة قبل فتحها، واثقب الدرة ثقبًا مستويًا من غير علاج إنس ولا جن، وأمرت الغلمان أن يكلموه بكلام فيه لين شبه كلام النساء، والجواري بكلام فيه غلظة شبه كلام الرجال، وأرسلت الهدية مع المنذر بن عمرو من قومها ذي لب ورأي، وضمت إليه رجالًا من قومها، وقالت له: انظر إليه، فإن نظر إليك نظر غضب، فاعلم أنه مَلِك، فلا يهولنك منظره، وإن رأيته هشًّا لطيفًا، فاعلم أنه نبي كريم، فتفهم قوله، ورد الجواب كما سمعت. فانطلق الرسول بالهدايا، وأقبل الهدهد نحو سليمان مسرعًا يخبره الخبر، فأمر سليمان أن يضربوا لبنات الذهب والفضة، وأن يبسطوها من موضعه الذي هو فيه إلى تسعة فراسخ ميدانًا واحدًا، وأن يتركوا على طريقهم موضعًا على قدر اللبنات خاليًا، وأن يجعلوا حول الميدان حائطًا مشرفًا من الذهب والفضة، ثم أمر الجن فجاؤوا بأحسن دواب البحر، فجعلها مع أولاد الجن عن يمين الميدان وشماله، وجلس هو في الميدان، وحوله الجن والإنس والشياطين والطير والوحش، فجعل الرسل يمرون بكراديس الجن والإنس والشياطين، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليًا، وكل الأرض مفروشة، خافوا أن يُتهموا بذلك، فطرحوا ما معهم في ذلك المكان، وتقاصرت نفوسهم لما رأوا ما لم تر أعينهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَ﴾ رسلها ﴿سُلَيْمَانَ﴾ نظر إليهم بوجه حَسَنٍ طَلْق، وقال: ما وراءكم؟ فأخبر الخبر، وأعطي كتابها، فنظر فيه فقال: أين الحقة؟ فجيء بها، فقال: إن فيها درة ثمينة غير مثقوبة، وجزعة معوجة الثقب، فأمر سليمان الأرضة، فأخذت شعرة ودخلت في الدرة حتى خرجت من الجانب الآخر، ودخلت دودة أخرى بخيط في الخرزة المثقوبة حتى خرجت من الجانب الآخر، فجمع بين طرفيه، وختمه، ودفعها إليهم، وميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم بغسل وجوههم وأيديهم، فكانت الجارية تأخذ الماء بإحدى يديها وتجعله على اليد الأخرى، والغلام يأخذ من الآنية يضرب به وجهه، فلما اعتبر الهدية. ﴿قَالَ أَتُمِدُّونَنِ﴾ أتزيدونني ﴿بِمَالٍ﴾ وأكثر استعمال الإمداد في المحبوب، والمد في المكروه. ﴿فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ﴾ من النبوة والملك ﴿خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ﴾ من الدنيا، ثم أضرب عن إنكاره عليهم مبينًا سبب حملهم على الإمداد. فقال: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ لفخركم بزخارف الدنيا (١)، المعنى: إن الله تعالى أعطاني نبوة وملكًا لا مزيد عليه، فلا حاجة بي إلى دنياكم، بل حاجتي إلى إيمان قومكم. قرأ حمزة، ويعقوب: (أَتُمِدُّونِّي) بنون واحدة مشددة وإثبات الياء، وقرأ الباقون: بنونين خفيفتين، وأثبت الياء وصلًا نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وفي الحالين: ابن كثير، ويعقوب، وحمزة (٢)، إلا أن حمزة ويعقوب يدغمان النون كما تقدم، وقرأ نافع، (١) "الدنيا" ساقطة من "ش". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٠١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٢).

النمل 27:37

وأبو جعفر، وأبو عمرو، وحفص، ورويس: (آتَانِيَ اللهُ) بفتح الياء وصلًا، وقف عليها بالياء يعقوب، وحذفها ورش وقفًا، واختلف في الوقف عن أبي عمرو، وقالون، وقنبل، وحفص، وحذفها الباقون في الحالين، وقرأ الكسائي: (آتَانِي اللَّهُ) بالإمالة (١). ... ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ثم قال سليمان للمنذر بن عمرو أمير الوفد: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ أي: لا طاقة لهم بهم. قرأ حمزة، ويعقوب: (إِلَيْهمْ) بضم الهاء حيث وقع (٢)، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون بخلاف عنه: يصلون الميم بواو حيث وقع، وقرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (لاَ قِبَل لَّهُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (٣). ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا﴾ من سبأ ﴿أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ إن لم يأتوا مسلمين. فلما رجع رسلها إليها، قالت: قد عرفت أنه ليس بملك، وما لنا به عن طاقة، وأرسلت إليه: أني قادمة عليك، وجحلت سرائرها داخل سبعة (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٣). (٢) سلفت عند تفسير الآية (٦) من سورة الفاتحة. (٣) انظر: "الغيث" للصفافسي (ص: ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٤).

النمل 27:38

أبواب داخل قصرها، وقصرها داخل سبعة قصور، وأغلقت الأبواب، وجعلت عليه حرسًا، وارتحلت إلى سليمان في اثني عشر ألف قَيْلٍ، مع (١) كل قَيْلٍ ألوف كثيرة. ... ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨)﴾. [٣٨] وكان سليمان رجلًا مَهِيبًا لا يبدأ بشيء حتى يسأل عنه، فجلس يومًا على سريره، فرأى رهجًا وجمعًا جمًّا على فرسخ عنه، فقال: ما هذا؟ قال: بلقيس بجنودها، فأقبل حينئذ سليمان على جنوده، و ﴿قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ فيحرم علي أخذه منها (٢). واختلاف القراء في الهمزتين من ﴿الْمَلأُ أَيُّكُمْ﴾ كاختلافهم فيهما من ﴿الْمَلأُ أَفْتُونِي﴾ [يوسف: ٤٣ والنمل: ٣٢]. ... ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ﴾ المارد القوي ﴿مِنَ الْجِنِّ﴾ والإنس، مأخوذ من العفر، وهو التراب، فكأنه يصرع قرنه عليه من الخبر، واسمه كوذي: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ أي: من مجلسك الذي تقضي فيه، وكان يجلس إلى القضاء إلى نصف النهار. (١) "مع" ساقطة من "ش". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٩٩ - ٤٠١).

النمل 27:40

﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ على ما فيه من درر وجوهر. ... ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾. [٤٠] فقال سليمان: أسرع من هذا ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ أي: من كتابها إليه، وهو آصف بن برخيا، وكان صِدّيقًا يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى، وهو يا حي يا قيوم، وقيل غيره (١)، وكان بينه وبين عرشها مقدار شهرين: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ أي: تحريك أجفانك إذا نظرت. قرأ حمزة، وخلف بخلاف عن خلاد: (آتِيكَ) بإمالة فتحة الهمزة في الحرفين (٢). رُوي أن آصف قال لسليمان: أرسل طرفك، فنظر نحو اليمين، فدعا آصف، فسار الكرسي تحت الأرض، ونبع لدى سليمان قبل أن يرجع إليه طرفه (٣). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٣)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٠٢)، و"روح المعاني" للآلوسي، (١٩/ ٢٠٣) وذكر الآلوسي رحمه الله الاختلاف في الذي قال ذلك وناقش مسألة طلب سليمان أن يأتوه بالعرش دون أن يحضره هو بنفسه. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٤). (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٣)، ورواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٤٦٨) عن وهب بن منبه.

النمل 27:41

﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾ ثابتًا لديه، وحُمل إليه من مأرب إلى الشام في قدر ارتداد الطرف ﴿قَالَ هَذَا﴾ أي: حصول مرادي ﴿مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ عَلَيَّ. ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ليختبرني ﴿أَأَشْكُرُ﴾ النعمة ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ بكون غيري أعلم مني. ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن نفع شكره عائد عليه؛ لأن الشكر قيد النعمة الموجودة، وصيد النعمة المفقودة. ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ بترك الشكر على النعمة ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ عن شكرهم ﴿كَرِيمٌ﴾ ذو فضل على الشاكر والكافر. وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في (رَآهُ عِنْدَهُ) ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل: ١٠]، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (لِيَبْلُوَنيَ) بفتح الياء الأخيرة، والباقون: بإسكانها (١)، واختلافهم في الهمزتين من (أَأَشْكُرُ) كاختلافهم فيهما من (أَأَنْتَ فَعَلْتَ) في سورة الأنبياء [الأنبياء: ٦٢]. ... ﴿قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (٤١)﴾. [٤١] ولما جاءت بلقيس، خاف الجن أن تفشي سرهم إلى سليمان؛ لأن أمها كانت جنية (٢)، وأن يتزوجها سليمان، فتلد له ولدًا فلا ينفكون من (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٥). (٢) قال الماوردي: وهذا مستنكر للعقول؛ لتباين الجنسين واختلاف الطبعين؛ إذ الآدمي جسماني والجني روحاني، وهذا من صلصال كالفخار، وذاك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع. ورده =

النمل 27:42

التسخير، فقالوا: إن في عقلها شيئًا، وإنها شَعْراء الساقين، وإن حافرها كحافر حمار، قال سليمان: ﴿نَكِّرُوا﴾ غيروا ﴿لَهَا عَرْشَهَا﴾ بأن تجعلوا أعلاه أسفله، ومكان الجوهر الأحمر أخضر، وبالعكس. ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي﴾ إلى معرفته. ﴿أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ فغير عرشها لاختبار عقلها. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْ﴾ بلقيس ﴿قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ عرفته، لكن شبهت عليهم، لم تقل: نعم؛ خوفًا من أن تكذب، ولم تقل: لا؛ خوفًا من التكذيب، فعرف سليمان كمال عقلها؛ حيث لم تقر ولم تنكر. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا﴾ من تتمة كلام بلقيس؛ أي: آمنا بالآيات المتقدمة من أمر الهداية والرسل من قبل هذه المعجزة في العرش. ﴿وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ طائعين له لما أخبرنا بما اقترحنا عليه من الدلالة على نبوته، وقيل: هو من كلام سليمان -عليه السلام- على جهة تعديد نعم الله = القرطبي كما في "تفسيره" (١٣/ ٢١٣). وفي حلِّ نكاح الإنس للجن خلاف، ففي "الفتاوى السراجية" للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء؛ لاختلاف الجنس، وفي "فتاوى البارزي" من الشافعية: لا يجوز التناكح بينهما، ورجَّح ابن العماد جوازه. كذا في "فيض القدير" للمناوي (١/ ١٨٦).

النمل 27:43

عليه وعلى آبائه؛ أي: وأوتينا العلم بالله تعالى وقدرته على ما يشاء من قبل هذه الآيات، وكنا مسلمين منقادين لحكمه، لم نزل على دينه. ... ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿وَصَدَّهَا﴾ الله بتوفيقها للإسلام عن عبادة ﴿مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الشمس، وقيل: المعنى: وصدها منعَها من الإيمان قبل ذلك ما كانت تعبد من دون الله. ﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ يعبدون الشمس، فنشأت فيهم، ولم تعرف إلا عبادتها. ... ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤)﴾. [٤٤] ولما أراد سليمان أن ينظر إلى قدميها وساقيها من غير أن يسألها كشفهم لما قيل له: إن رجليها كحافر الحمار، وهي شعراء الساقين (١)، وليريها ملكًا أعظم من ملكها، أمر الشياطين فبنوا له صرحًا؛ أي: قصرًا من زجاج؛ كأنه الماء بياضًا، وجعل صحن الدار قوارير، وجعل تحته أمثال الحيات والضفادع، فإذا رئي، ظن ماء حقيقة، ووضع سريره في صدر (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٤)، و"تفسير القرطبي" (١٣/ ٢٠٧). الصحن، وجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن والإنس، ودعا بلقيس، فلما جاءت ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ القصر. ﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ هي معظم الماء، ﴿وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا﴾ لتنجو منه إلى سليمان، فنظر سليمان، فإذا هي أحسن الناس ساقًا وقدمًا، إلا أنها كانت شَعراء الساقين. قرأ قنبل عن ابن كثير: (سَأْقَيْهَا) بالهمز الساكن؛ لجواز أن يكون من العرب من يهمز مفرد ساق وجمعه، والباقون: بغير همز (١)، فلما رأى سليمان ذلك، صرف بصره عنها. ثم ﴿قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ بنيان مملس ﴿مِنْ قَوَارِيرَ﴾ من زجاج، وليس بماء حقيقة، ثم دعاها إلى الإسلام، فأجابت، و ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بعبادتي غيرك. ﴿وَأَسْلَمْتُ﴾ أي: وقد أسلمت ﴿مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أخلصت له التوحيد. وأراد سليمان تزوجها، فكره شعر ساقيها، فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى، فقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن، فقالوا: لا ندري، ثم سأل الشياطين، فقالوا: نحتال لك حتى تصير كالفضة البيضاء، فأخذوا النورة والحمام، فكانت النورة والحمام من يومئذ، ويقال: إن الحمام الذي ببيت المقدس بباب الأسباط إنما بني لها، وإنه أول حمام بني على وجه الأرض، فلما تزوجها سليمان أحبها حبًّا شديدًا، (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٧).

النمل 27:45

وأقرها على ملكها، وأمر الجن فابتنوا بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعًا وحسنًا، ثم كان سليمان يزورها في كل شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيام، وولدت له فيما ذكر، وتقدم ذكر سليمان وقدر عمره ومدة ملكه ومحل قبره وتاريخ وفاته في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [الآية: ١٠٢]. ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ﴾ أي: بأن. ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحِّدوه. ﴿فَإِذَا هُمْ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿فَرِيقَانِ﴾ مؤمن وكافر. ﴿يَخْتَصِمُونَ﴾ يقول كلٌّ: الحقُّ معي. ... ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ أي: العذاب الذي يوعدون به. ﴿قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ قبل التوبة؛ لأئهم كانوا يعتقدون لجهلهم أن العذاب

النمل 27:47

إذا نزل بهم تنفعهم توبتهم، فيصرون على كفرهم، فأومأ صالح إلى بطلان اعتقادهم بقوله: ﴿لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ من كفركم قبل نزول العذاب بكم. ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فإن العذاب إذا نزل لا يرفع. ... ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا﴾ أصله: تطيرنا؛ أي: تشاءمنا ﴿بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ من المؤمنين؛ أي: أصابنا بسببكم شؤم، وهو القحط، وتفريق كلمتنا، وأصل التطير: أن الرجل كان إذا سافر، مر بطائر، فزجره، فإن مر سانحًا، وهو الذي ولاه مياسره، فلا يتمكن من رميه، فيتشاءم به، ثم استعمل في كل ما يُتشاءم به. ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ﴾ أي: السبب الذي يجيء منه خيركم وشركم. ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: لا يأتي به إلا هو تعالى، وسمي طائرًا؛ لسرعة نزوله، ولا شيء أسرع من قضاء محتوم. ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ تختبرون بالخير والشر. ... ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ وهي الحِجْر ﴿تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ أي: أنفس،

النمل 27:49

والرهط: ما دون العشرة، وليس فيهم امرأة، وتقدم الكلام عليه في سورة هود (١)، وأسماؤهم: رأب، وغلم، والهذيل، ومصدع، وشحيط، ولحيط، وسالف، وقدار، وسمعان رأس الماكرين. ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ وهم الذين اتفقوا على عقر الناقة، وهم غواة قوم صالح، ورأسهم قدار بن سالف، وهو الذي تولى عقرها، كانوا يعملون بالمعاصي. ... ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا﴾ تحالفوا ﴿بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ لنقتلنه ﴿وَأَهْلَهُ﴾ أي: قومه الذين أسلموا معه، البيات: مباغتة العدو ليلًا. ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: إهلاكهم. ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا، ووجه دعواهم الصدق، وقد جحدوا ما فعلوا بهم: أنهم اعتقدوا أنهم إذا بيتوا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لَتُبَيِّتُنَّهُ) (ثُمَّ لَتَقُولُنَّ) بالتاء فيهما، وضم التاء الثانية في الأول، وضم اللام الثانية في الثاني؛ أي: يأمر بعضهم بعضًا بالتحالف على إهلاك صالح وأهله ليلًا؛ من البيات، وقرأ الباقون: بالنون في الفعلين وفتح التاء واللام إخبارًا عن أنفسهم (٢)، وقرأ أبو بكر عن عاصم: (مَهْلَكَ) بفتح الميم (١) عند تفسير الآية (٩٢). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، =

النمل 27:50

واللام؛ أي: هلاك أهله، وقرأ حفص: بفتح الميم وكسر اللام، والباقون: بضم الميم وفتح اللام (١)، وتقدم معناه. ... ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ أي: غدروا غدرًا حين قصدوا تبييتَ صالح والفتكَ به. ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: جازيناهم جزاء مكرهم ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ مرادنا منهم. ... ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ قرأ الكوفيون، ويعقوب: (أَنَّا) بفتح الهمزة ردًّا على العاقبة؛ أي: كانت العاقبة أنا دمرناهم، وقرأ الباقون: بالكسر على الاستئناف (٢)، المعنى: أن أولئك التسعة أرادوا الفتك بصالح وأهله، فأهلكناهم. = و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٨). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٨). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٥٩).

النمل 27:52

قال ابن عباس: "أرسل الله الملائكة تلك الليلة (١) إلى دار صالح يحرسونه، فأتى التسعةُ دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة، فقتلتهم" (٢) ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أهلكهم الله بالصيحة. ... ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ نصب على الحال؛ أي: خالية. ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بسبب ظلمهم وكفرهم. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا. ... ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الكفر والمعاصي، وهم صالح ومن نجا معه من العذاب، وكانوا أربعة آلاف. ... ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿وَلُوطًا﴾ أي: واذكر لوطًا. (١) "الليلة" ساقطة من "ش". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٨).

النمل 27:55

﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي إتيان الرجال في الأدبار. ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ بقلوبكم أنها خطيئة وفاحشة. ... ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ عاقبة فعلكم. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِنَّكُمْ) كاختلافهم فيهما من (أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا) في سورة الشعراء [الآية: ٤١]. ... ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ يتنزهون عن إتيان الذكور. ... ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا﴾ بتخفيف الدال؛ أي: جعلناها، وقرأ الباقون: بتشديد الدال (١)؛ أي: قدرنا عليها؛ من القدر والقضاء. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٠).

النمل 27:58

﴿مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، وغَبَر بمعنى: بقي، وقد يجيء أحيانًا في بعض كلام العرب يوهم أنه بمعنى مضى. ... ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا﴾ وهي حجارة السجيل، أهلكت جميعهم. قال ابن عطية: وهذه الآية أصلًا لمن جعل من الفقهاء الرجم في اللوطية، وبها تأنس؛ لأن الله عذبهم على كفرهم به، وأرسل عليهم الحجارة لمعصيتهم، ولم يقس هذا القول على الزنا، فيعتبر الإحصان (١). وتقدم الكلام على ذلك مستوفىً في سورة النساء، وملخصه: أن مذهب مالك -رحمه الله- رجم الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا، ومذهب الشافعي وأحمد حكمه كالزنا، فيه الرجم مع الإحصان، والجلد مع عدمه، ومذهب أبي حنيفة: يعزر، ولا حد عليه؛ خلافًا لصاحبيه، وعن أحمد رواية أن من تلوط بغلام، قُتل، بكرًا كان أو ثيبًا؛ لقوله - ﷺ -: "من وجدتموه يعملُ عملَ قومِ لوط، فاقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به" (٢)، ولكن (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٢٦٥). (٢) رواه أبو داود (٤٤٦٢)، كتاب: الحدود، باب: فيمن عمل عمل قوم لوط، والترمذي (١٤٥٦)، كتاب: الحدود، باب: ما جاء في حد اللوطي، وابن ماجه (٢٥٦١)، كتاب: الحدود، باب: من عمل عمل قوم لوط، والإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٠٠)، وغيرهم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.

النمل 27:59

الصحيح من مذهبه الأول ﴿فَسَاءَ﴾ فبئس ﴿مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ثم أمر الله محمدًا - ﷺ - بحمده، ثم بالسلام على خير خلقه، فقال: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على هلاك كفار الأمم الخالية. ﴿وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ هم الرسل. ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أجمع القراء على مد (آللَّهُ)؛ لأنها همزة استفهام دخلت على همزة الوصل؛ لتفرق بين الاستفهام والخبر، وأجمعوا على عدم تحقيقها؛ لكونها همزة وصل، وهمزة الوصل لا تثبت بالابتداء، وأجمعوا على تليينها، واختلفوا في كيفيته، فقال كثير منهم: تبدل ألفًا خالصة، وقال آخرون: تسهل بين بين (١)، وقرأ أبو عمرو، وعاصم، ويعقوب: (يُشْرِكُونَ) بالغيب إخبارًا عن الكفار، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)، المعنى: آلله أنفع لعابديه، أم الأصنام لعابديها؟ وهذا إلزام لهم، وتبكيت، لا أن في أصنامهم خيرًا. ... (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦١). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٤٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦١).

النمل 27:60

﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: عبادة ما تعبدون من أوثانكم خير أم عبادة من خلق السموات والأرض؟ فهو رد مردود على ما قبله من المعنى المتقدم، وفيه معنى التوبيخ لهم، والتنبيه على قدرة الله تعالى، وعجز آلهتهم. ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنْزَل لَّكُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١). ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ﴾ بساتين ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ أي: حُسن، تبهج من رآها. وقف الكسائي (ذَاهْ) بالهاء (٢). ﴿مَا كَانَ﴾ أي: ما ينبغي ﴿لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ لأنكم لا تقدرون عليها. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ استفهام على طريق الإنكار؛ أي: هل معه معبود سواه أعانه على صنعه؟ ﴿بَلْ﴾ ليس معه إله ﴿هُمْ قَوْمٌ﴾ يعني: كفار مكة ﴿يَعْدِلُونَ﴾ يشركون. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَإِلَهٌ) كاختلافهم (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٢). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٢).

النمل 27:61

فيهما من (أَإِنَّكُمْ) حيث وقع، وتقدم التنبيه عليه قريبًا. ... ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ يُستقر عليها. ﴿وَجَعَلَ خِلَالَهَا﴾ أي: وسطها ﴿أَنْهَارًا﴾ تطرد بالمياه. ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت. ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ﴾ العذب والمالح. ﴿حَاجِزًا﴾ مانعًا لا يختلط أحدهما بالآخر. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيدَ الله، فلا يؤمنون. ... ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ﴾ المجهود الذي مسه الضر. ﴿إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ الضر. ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ﴾ أي: سكان. ﴿الْأَرْضِ أَإِلَهٌ﴾ بعد هلاك المتقدمين. ﴿مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا﴾ الذي خلقكم بهذه النعمة؟! ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والمراد نفي التذكر؛ لأن القلة تستعمل بمعنى

النمل 27:63

النفي. قرأ أبو عمرو، وهشام عن ابن عامر، وروح عن يعقوب: (يَذَّكَّرُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: على أصلهم في تخفيف الذال. ... ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ﴾ بالنجوم. ﴿فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ليلًا، وبعلامات الأرض نهارًا. ﴿وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (٢). ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدام المطر، وتقدم الكلام على (نُشْرًا)، واختلاف القراء فيها، وتوجيه قراءتهم في سورة الفرقان عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا﴾ [الآية: ٤٨]. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على فعل ذلك ﴿تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٣). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٣).

النمل 27:64

﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث. ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات. ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يفعل ذلك. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم على دعواكم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إشراككم، والاستفهام في جميع هذه الآيات توبيخ لا استرشاد. ... ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] ولما سأل المشركون رسول الله - ﷺ - عن وقت قيام الساعة، نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) رفع بدل من (مَنْ)؛ لأنه فاعل (يَعْلَمُ) تقديره: لا يعلم إلا اللهُ الغيبَ في السموات، فأعلم الله تعالى أنه لا يعلم وقت الساعة سواه، وجاء بلفظ يعم الساعة وغيرها. ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: البشر ﴿أَيَّانَ﴾ متى ﴿يُبْعَثُونَ﴾. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤١١).

النمل 27:66

عن عائشة رضي الله عنها قالت: "من زعم أن محمدًا - ﷺ - يعلم الغيب، فقد أعظم على الله الفِرْية" (١). ... ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ (بل) بمعنى: هل. قرأ أبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (أَدْرَكَ) بقطع الهمزة مفتوحة وإسكان الدال من غير ألف مفتوحة وألف بعدها (٢) وأصله: تدارك، أدغمت التاء في الدال؛ أي: تتابع واجتمع علمهم بحدوث الآخر، فليس من اختص بشيء من علمها فهم جهالة بها. ﴿بَلْ هُمْ﴾ اليوم في الدنيا ﴿فِي شَكٍّ مِنْهَا﴾ من الساعة. ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ جمع عمي؛ أي: عنها عمون بقلوبهم. ... ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: مشركي مكة ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ من قبورنا؟ قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِذَا) بكسر الألف على (١) رواه البخاري (٦٩٤٥)، كتاب: التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾، ومسلم (١٧٧)، كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤١١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص ت ٣٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٥).

النمل 27:68

الخبر (أَئِنَّا) على الاستفهام، ويحققان الهمزة الأولى، ويسهلان الثانية، وأبو جعفر وقالون: يفصلان بينهما بألف، وابن عامر، والكسائي: (أئذا) بالاستفهام في الأول مع تحقيق الهمزتين وبالإخبار في الثانية مع زيادة نون فيه فيقولان (إنّا لمخرجون)، وهشام راوي ابن عامر يفصل بألف في الاستفهام مع تحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما، فابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب يحققون الأولى، ويسهلون الثانية، ويفصل بينهما أبو عمرو بألف، وعاصم، وحمزة، وخلف، وروح عن يعقوب: يحققون الهمزتين (١). ... ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا﴾ أي: البعث الذي تَعِدُنا به ﴿نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل محمد - ﷺ -، وليس ذلك بشيء ﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا. ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. ... ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ تهديد لهم بأن ينزل بهم ما نزل بالمكذبين من قبلهم. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤١٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٧).

النمل 27:70

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ في تكذيبهم وإعراضهم. ﴿وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا تهتم بتدبيرهم الحيل في إهلاكك، فأنا كافيك وناصرك عليهم. قرأ ابن كثير: (ضِيْقٍ) بكسر الضاد؛ أي: شدة، والباقون: بالفتح؛ أي: غمّ (١). ... ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ العذاب الموعود. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن العذاب ينزل بالتكذيب. ... ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ﴾ اللام زائدة؛ أي: ردفكم، المعنى: دنا وقرب منكم. ﴿بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ من العذاب، فحل بهم عذاب يوم بدر. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ حيث إنه لم يعجل عقوبتهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٨).

النمل 27:74

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ النعمة. ... ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ تُخفي. ﴿صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر. ... ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الغائبة: اسم لكل مستتر، المعنى: ليس شيء في الوجود. ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ، أثبته تعالى ويعلمه. ... ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾. [٧٦] ولما اختلف أهل الكتاب في دينهم، وفي عيسى عليه السلام، نزل: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ﴾ (١) المنزل على محمد - ﷺ -. ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الذين هم في زمان محمد - ﷺ - ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأنه مذكور فيه. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤١٣).

النمل 27:77

﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَهُدًى﴾ لمن اتبعه. ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ فإنهم المنتفعون به. ... ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي﴾ يفصل ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ بعدله. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فلا يرد حكمه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم وبحقيقة ما يقضي فيه. ... ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فإنه ناصرك عليهم. ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الدين الواضح، وهو الإسلام. ... ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يعني: الكفار. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ معرضين، لما كانوا لا يعون ما يسمعون، ولا ينتفعون به، سماهم موتى صمًّا وعميًا. قرأ ابن كثير: (وَلاَ يَسْمَعُ) بالياء وفتح الميم (الصُّمُّ) بالرفع فاعلًا، ونصب (الدُّعَاءَ)

النمل 27:81

مفعولًا، وقرأ الباقون: بالتاء وضمها وكسر الميم ونصب (الصُّمَّ) و (الدُّعَاءَ) مفعولين، والفاعل مضمر (١)، المعنى: لا تقدر يا محمد على هدايتهم. واختلاف القراء في الهمزتين من (الدُّعَاءَ إِذَا) كاختلافهم فيهما من (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) في سورة الكهف [الآية: ١٠٢]. ... ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قرأ حمزة: (تَهْدِي) بالتاء وفتحها وإسكان الهاء من غير ألف (٢)، ونصب (العُمْيَ) مفعولًا، وقرأ الباقون: بالباء وكسرها وفتح الهاء وألف بعدها، وجر (العُمْيِ) (٣)، ووقف يعقوب (بِهَادِي) بإثبات الياء (٤)، تلخيصه: لا سبيل إلى هداية هؤلاء عن ضلالتهم؛ حيث الهداية لا تحصل إلا بالبصر. ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٦٩). (٢) "ألف" ساقطة من: "ش". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٠). (٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٠).

النمل 27:82

﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ﴾ أي: وجب العذاب. ﴿عَلَيْهِمْ﴾ من ظهور أشراط الساعة. ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ قيل: هي رجل، وأكثرهم: هي دابة، وظهورُها من أشراط الساعة. قال ابن عباس: "هي ذات زغب وريش، لها أربع قوائم" (١). روي أن لها رأس ثور، وعين خنزير، وأذن فيل، ولون نمر، وصدر أسد، وخاصرة هر، وقرن إيل، وقوائم بعير، بين كل مفصلين اثنا عشر ذراعًا (٢). في الحديث: أن طولها ستون ذراعًا. وعنه - ﷺ -: "أنها تخرج من الصفا أول ما يبدو رأسها ذات وبر وريش، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب" (٣)، وروي غير ذلك. ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ قال ابن عباس: "تكلم المؤمن والكافر" (٤). (١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ٨٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٥). (٢) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٣٠٦٦)، عن حذيفة -رضي الله عنه-. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف للزيلعي (٣/ ١٩)، و "الفتح السماوي" للمناوي (٢/ ٨٩١). (٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٠/ ١٤)، عن حذيفة -رضي الله عنه-. (٤) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٢٦)، بلفظ: "تكُلِّم المؤمنَ، وتُكَلِّم الكافرَ".

النمل 27:83

﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ قرأ الكوفيون، ويعقوب: (أَنَّ النَّاسَ) بفتح الألف؛ أي: تخبر الدابة من رآها أن أهل مكة ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ بمحمد والقرآن ﴿لَا يُوقِنُونَ﴾ وقرأ الباقون: بالكسر على الاستئناف (١)؛ أي: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون: لا يصدقون. ... ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَحْشُرُ﴾ نجمع. ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: من كل قرن من الناس متقدم؛ لأن كل عصر لم يَخْلُ من كَفَرة بالله، من لدن تفرق بني آدم، (مِنْ) للتبعيض، والمراد: الرؤساء. ﴿فَوْجًا﴾ جماعة ﴿مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن، و (مِنْ) للتعيين؛ لأن جميع الكفار مكذبون. ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحبس أولهم على آخرهم، فيحشر رؤساء الأمم بين يدي أممهم إلى الموقف حتى يجتمعوا، ثم يساقون إلى النار. ... ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٩)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٤١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (١/ ٣٧١).

النمل 27:84

[٨٤] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا﴾ مكان الحساب ﴿قَالَ﴾ تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ أي: كذبتم بها غير عالمين بها، ولم تتفكروا في صحتها، بل كذبتم جاهلين، ونصب (عِلْمًا) على التمييز. ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أم أي شيء كنتم تعملون بعد ذلك؟ وهو للتبكيت؛ إذ لم يفعلوا غير التكذيب. ... ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب. ﴿عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا﴾ بتكذيبهم بآيات الله. ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ﴾ باعتذار لختم أفواههم. ... ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ﴾ أي: خلقناه. ﴿لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بالنوم والقرار. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ مضيئًا، تُبْصَر فيه الأشياء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون فيعتبرون. ***

النمل 27:87

﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم. ﴿يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ هو قرن ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام. ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يلقى عليهم الفزع إلى أن يموتوا. روي أن النفخات ثلاث: الأولى نفخة الصور للفزع، والثانية نفخة الصعق للموت، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين للبعث، وهذه النفخة الأولى، المعنى: إذا نفخ في الصور، مات من شدة النفخة جميع الخلائق. ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من ثبت عليه من الملائكة، ثم يموتون بعد ذلك، وقيل الاستثناء: فيمن قضى الله من ملائكته وأنبيائه وشهداء عبيده أن ينالهم نوع الفزع في الصور، قال - ﷺ -: "ينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض، إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه أخرى، فأكون أول من رفع رأسه، فإذا موسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أكان ممن استثنى الله، أم رفع رأسه قبلي؟ ومن قال: أنا خير من يونس بن متَّى، فقد كذب" (١). ﴿وَكُلٌّ﴾ أي: جميع الخلائق ﴿أَتَوْهُ﴾ قرأ حمزة، وخلف، وحفص عن (١) رواه البخاري (٣٢٣٣)، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، ومسلم (٢٣٧٧)، كتاب: الفضائل، باب: في ذكر يونس -عليه السلام-، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وهذا سياق رواية البغوي في "تفسيره" (٣/ ٤١٩).

النمل 27:88

عاصم: (أَتَوْهُ) بفتح التاء وقصر الهمزة على صيغة الفعل الماضي؛ أي: جاؤوا لأمر الله؛ أي: أجابوه، وقرأ الباقون: بمد الهمز وضم التاء على وزن فاعِلُوه: (١) اسم فاعل من المجيء. ﴿دَاخِرِينَ﴾ صاغرين. ... ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ واقفة؛ من جمدَ مكانَه. ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ المعنى: إذا رأيت الجبال وقت النفخة الأولى، ظننتها ثابتة في مكان واحد؛ لعظمتها؛ لأن النظر لا يحيط بها، وهي في الحقيقة تسير سيرًا سريعًا كالسحاب إذا ضربته الريح. ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ أي: فعلَه ﴿الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أحكمَه. ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ من الأفعال الباطنة والظاهرة، فيجازيهم عليها. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وهشام: (يَفْعَلُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (٢). ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣). (٢) المصادر السابقة.

النمل 27:89

﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ وهي قول: لا إله إلا الله ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: "فمنها يصير الخير إليه" (١)؛ يعني: له من تلك الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب، أما أن يكون له شيء خير من الإيمان، فلا؛ فإنه ليس شيء خيرًا من قول: لا إله إلا الله. ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قرأ الكوفيون: (فَزَعٍ) بالتنوين (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم؛ أي: فزع شديد، وقرأ الباقون: بغير تنوين على إضافة (فَزَعِ) إلى (يَوْمِئِذٍ)؛ لأنه أعم؛ فإنه يقتضي الأمن من فزع ذلك اليوم، ويفتح نافع وأبو جعفر ميم (يَوْمَئِذٍ)، ويكسرها الباقون (٢). ... ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ الشرك ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ أي: ألقوا رؤوسهم. ﴿فِي النَّارِ﴾ ويقال لهم تبكيتًا: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي والشرك؟! (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٣٥)، وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٣٨٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٠)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٣ - ٣٧٤).

النمل 27:91

﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾. [٩١] ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ﴾ أي: قل يا محمد لقومك: إنما أمرت. ﴿أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني: مكة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي: جعلَها حرمًا آمنًا، لا يسفك فيها دم، ولا يظلم أحد، ولا يصاد صيد ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ بالملك والعبودية. ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي: عابدًا لله. ... ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ واتل معناه: تابعْ بقراءتك بين آياته، واسرُدْ. ﴿فَمَنِ اهْتَدَى﴾ إلى الإسلام ﴿فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ أي: فلنفسه ثوابه. ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن الإيمان، وأخطأ طريق الهدى. ﴿فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ المخوِّفين، فليس علي إلا التبليغ للرسالة، وهذا نُسخ بآية السيف. ... ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾. [٩٣] ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على نعمه ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ وعدٌ بعذاب الدنيا؛ كبدر والفتح ونحوهما، وبعذاب الآخرة. ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ أنها آيات الله حين (١) لا تنفع المعرفة. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فلا تحسبوا أن تأخير عذابكم لغفلته عن أعمالكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (تَعْمَلُونَ) بالخطاب للكفار، وقرأ الباقون: بالغيب إخبارًا عنهم (٢)، والله أعلم. ... (١) "حين" ساقطة من "ش". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٥).