فتح الرحمن في تفسير القرآن — القصص 28:1 – الأحزاب 33:72
المحتويات
- القصص 28:1
- القصص 28:4
- القصص 28:6
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:12
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:26
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:42
- القصص 28:44
- القصص 28:46
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:52
- القصص 28:55
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:64
- القصص 28:67
- القصص 28:70
- القصص 28:72
- القصص 28:74
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:67
- الروم 30:1
- الروم 30:2
- الروم 30:5
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:11
- الروم 30:14
- الروم 30:17
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:22
- الروم 30:24
- الروم 30:26
- الروم 30:29
- الروم 30:31
- الروم 30:33
- الروم 30:35
- الروم 30:38
- الروم 30:40
- الروم 30:41
- الروم 30:43
- الروم 30:46
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:52
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:58
- الروم 30:60
- لقمان 31:1
- لقمان 31:4
- لقمان 31:7
- لقمان 31:10
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:17
- لقمان 31:19
- لقمان 31:21
- لقمان 31:22
- لقمان 31:24
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:30
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- السجدة 32:1
- السجدة 32:3
- السجدة 32:5
- السجدة 32:7
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:14
- السجدة 32:16
- السجدة 32:18
- السجدة 32:19
- السجدة 32:22
- السجدة 32:24
- السجدة 32:26
- السجدة 32:28
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:15
- الأحزاب 33:16
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:21
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:34
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:39
- الأحزاب 33:41
- الأحزاب 33:42
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:47
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:54
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:57
- الأحزاب 33:58
- الأحزاب 33:61
- الأحزاب 33:64
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:70
- الأحزاب 33:72
القصص 28:1
سورة القصص
مكية، إلا قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [الآية: ٥٢ إلى ٥٥]، وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة بالجحفة وقت هجرة النبي - ﷺ -، وهي قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [الآية: ٨٥]، وآيها: ثمان وثمانون آية، وحروفها: خمسة آلاف وثماني مئة حرف، وكلمها: ألف وأربع مئة وإحدى وأربعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم (١)﴾.
[١] ﴿طسم﴾ تقدم الكلام عليه ومذاهب القراء فيه أول الشعراء.
...
﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)﴾.
[٢] ﴿تِلْكَ﴾ أي: هذه ﴿آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرَآنُ مبينٌ للأحكام.
...
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ نقص عليك شيئًا من خبرهما.
القصص 28:4
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق الذي لا شك فيه.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون بأن ما تأتيهم به صدق.
...
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾.
[٤] ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا﴾ استكبر وتجبر ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ أرضِ مصر.
﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ فرقًا مختلفة في خدمته.
﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ هم بنو إسرائيل، ثم فسر الاستضعاف فقال: ﴿يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ والسبب في ذلك: أن كاهنًا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكُك على يده، فطمع بجهله أن يرد القدر، وسُمي: هذا استضعافًا؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم.
﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ فكذلك اجترأ على خلق كثير من أولاد الأنبياء كما تقدم في سورة البقرة لتخيل فاسد.
...
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ يعني: بني إسرائيل، يستضعفهم فرعون، ونحن نريد أن ننعم ونعظم المن عليهم، ولما كانت إرادة الله تعالى بالمنة عليهم بالنجاة وغيرها كائنة لا محالة،
القصص 28:6
جعلت الإرادة كأنها مقارنة استضعافهم.
﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ قادةً يقتدى بهم في الخير. وتقدم اختلاف القراء في (أَئِمَّةً) في سورة الأنبياء عند قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ [الآية: ٧٣].
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ أملاكَ فرعونَ والقبط.
...
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نوطِّنَ لهم في أرض مصر والشام، ونجعلها لهم مستقرًا.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل.
﴿مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يَتَوَقَّون مما أخبرهم به الكاهن؛ أي: سيظهر للقبط ما كانوا يخافونه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وَيَرَى) بالياء وفتحها، وإمالة فتحة الراء بعدها، ورفع الأسماء الثلاثة فاعلين، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وكسر الراء، ونصب الأسماء الثلاثة مفعولًا (١).
...
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ يوخابد بنت لاوا، وحيَ إلهام لا نبوة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦).
القصص 28:8
﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ما أمكنك إخفاؤه، ولما وضعت موسى أمه، وخرجت القابلة من عندها، رآها بعض العيون، فقالت أخته: هذا الحرسي بالباب، فألقته أمه في التنور وهو يُسْجَر، فدخلوا فقالوا: ما شأن هذه القابلة عندك؟ قالت: هي مصافية لي فأرضعته ثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة.
﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ القتلَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ البحر، والمراد هنا: النيل.
﴿وَلَا تَخَافِي﴾ عليه الغرق ولا الضيعة ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾ على فراقه.
﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ لتربيه ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ فجمع في (١) هذه الآية بين أمرين ونهيين، وخبرين وبشارتين، والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق لمتوقع، والحزن خوف يلحق لواقع، فخافت عليه، فوضعته في تابوت مطبق، ثم ألقته في النيل ليلًا (٢).
...
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾.
[٨] وكان لفرعون إبنة يحبها، وبها برص، فوصفوا لها ريق حيوان شبه الإنسان يخرج من النيل يوم كذا عند طلوع الشمس، تلطخ به وجهها، فتبرأ، فأقبل التابوت على وجه الماء، فقال فرعون: عليَّ به.
(١) "في" ساقطة من "ش".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٦). ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ أي: أخذوه، والالتقاط: هو وجود الشيء من غير طلب، وتقدم حكم اللقطة واللقيط في سورة يوسف (١).
﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ يقتل رجالهم.
﴿وَحَزَنًا﴾ يسبي (٢) نساءهم، واللام في (لِيَكُونَ) تشبه لام (كي)، وتسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًا وحزنًا، ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وحُزْنًا) بضم الحاء وسكون الزاي، والباقون: بفتحهما، لغتان (٣) بمعنى.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ في كل شيء؛ لأنهم قتلوا ألوفًا لأجله، ثم أخذوا موسى ليكبر وليفعل بهم ما كانوا يحذرون، ففتح التابوت، فوجدوا فيه طفلًا (٤) صغيرًا في مهده بين عينيه نور، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يرضع منه لبنًا، ولعابه يسيل، وأقبلت بنت فرعون، فلما أخرجوه من التابوت، عمدت إلى مكان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت، فقبلته وضمته إلى صدرها.
...
(١) عند تفسير الآية (١٠).
(٢) في "ش": "يستعبد".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧).
(٤) "طفلًا" ساقطة من "ش".
القصص 28:9
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.
[٩] وأحبه فرعون وزوجته آسية بنت مزاحم وابنته حبًّا شديدًا، فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك! إن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقًا، فاقتله، فهم فرعون بقتله، فثبطته عنه آسية، وكانت من خيار النساء من بنات الأنبياء من بني إسرائيل، وكانت أمًّا للمساكين، ترحمهم وتتصدق عليهم.
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ﴾ أي: هو قرة ﴿عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (امْرَأَهْ) (قُرَّهْ) بالهاء فيهما (١).
﴿لَا تَقْتُلُوهُ﴾ قال - ﷺ -: "لو قالت يومئذ: قرةُ عين لي كما هو لك، لهداه الله كما هداها" (٢)، فاستوهبت آسية موسى من فرعون، فوهبها إياه، فتوسمت فيه النجابة.
فقالت: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا﴾ في مهامنا ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ نتبناه.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أن هلاكهم على يده، وسمته آسية موسى؛ لأن تابوته وجد بين الماء والشجر، والماء في لغتهم (مو)، والشجر (شا).
قال ابن عباس: "لو أن عدو الله قال في موسى كما قالت آسية: {عَسَى
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧).
(٢) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١١٣٢٦)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٤٤).
القصص 28:10
أَنْ يَنْفَعَنَا}، لنفعه الله، ولكنه أبي؛ للشقاء الذي كتبه الله عليه" (١).
...
﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه؛ لأنها دهشت لما علمت أن فرعون قد التقطه، وكانت قد نسيت وعدَ الله بسلامته.
﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أي: بأمر موسى، وتبوح بسرها.
﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ أي: شددنا عليه بالصبر والعصمة.
﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين بوعد الله حين قال لها: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ [القصص: ٧].
...
﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ﴾ مريم: ﴿قُصِّيهِ﴾ اتبعي أثره، وانظري فيه.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي: بعد.
روي أنها كانت تمشي جانبًا، وتنظر إليه مزورة اختلاسًا، تُري أنها لا تنظره.
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٤٠٩٧).
القصص 28:12
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أنها أخته، وأنها ترقبه.
...
﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾.
[١٢] وكان هَمُّ امرأةِ فرعون من الدنيا أن تجد له مرضعة، فكلما أتوه بمرضعة، لم يأخذ ثديها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ جمع مرضعة؛ أي: منعناه عن شرب لبن غير أمه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل قَصِّها أثرَه.
﴿فَقَالَتْ﴾ أخته حين رأت ذلك:
﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ﴾ يضمونه ﴿لَكُمْ﴾، ويرضعونه، وهي امرأة قد قُتل ولدها، فأحبُّ شيء إليها أن تجد صغيرًا ترضعه.
﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ والنصح: ضد الغش، وهو تصفية العمل من شوائب الفساد، فقال لها هامان: قد عرفت أهله؟ قالت: إنما قلت: هم للملك ناصحون، قالوا: نعم.
...
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.
[١٣] فجاءت بأمها وهو يصيح بعد أن مكث ثماني ليال لا يقبل ثديًا، وهم في طلب مرضعة له، فلما شم ريحها، قبل ثديها، فقال فرعون: من أنت حتى قبل ثديك؟ قالت: إني طيبة الريح، طيبة اللبن، لا أوتى بصبي
القصص 28:14
إلا قبل ثديي، فدفعه إليها، وأجرى أجرتها عليها، فكانوا يعطونها كل يوم دينار (١)، وأخذتها؛ لأنها مال حربي، لا أنها أجرة حقيقة على إرضاعها ولدَها، فذهبت به إلى بيتها، فذلك قوله تعالى:
﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا﴾ برد موسى إليها ﴿وَلَا تَحْزَنَ﴾ بفراقه.
﴿وَلِتَعْلَمَ﴾ علمَ مشاهدة.
﴿أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ الذي وعدها به ﴿حَقٌّ﴾ برده إليها.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحةَ ذلك، فمكث عندها إلى أن فطمته، وردَّته، فتبناه فرعون وآسية.
...
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ منتهى قوته، وهو ما فوق الثلاثين ﴿وَاسْتَوَى﴾ اعتدلت قوته، وبلغ أربعين سنة، وهو سن بعث الأنبياء.
﴿آتَيْنَاهُ﴾ قبل نبوته ﴿حُكْمًا﴾ حكمة وفقهًا ﴿وَعِلْمًا﴾ بمصالح الدارين، فكان يتكلم بالحق، وينكر عليهم قبل النبوة.
﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٢٨)، و"تفسير ابن كثير" (٦/ ٢٢٣).
القصص 28:15
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَدَخَلَ﴾ موسى ﴿الْمَدِينَةَ﴾ هي مدينة مَنْف من أرض مصر، وتقدم ذكرها في سورة يوسف، وهي مدينة فرعون موسى التي كان ينزلها، وفيها كانت الأنهار تجري تحت سريره. روي أن فرعون خاف من موسى، فأخرجه من مدينته، فغاب عنها سنتين، حتى كبر واشتد، فدخلها مستخفيًا ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ وقت غرة ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يوم عيد لهم، وهم مشغولون بلهوهم.
﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ﴾ إسرائيليًّا وقبطيًّا ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ يختصمان.
﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أتباعه، روي أنه السامري ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من القبط الذين هم على دين فرعون.
﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ طلب منه الغوث ﴿الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ﴾ وهو الإسرائيلي.
﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وهو القبطي، وكان موسى قد أعطي شدة عظيمة.
﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ بالعصا، ولم يتعمد قتله، بل أراد دفع ظلمه.
﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ فقتله، فندم، فدفنه في الرمل.
و ﴿قَالَ هَذَا﴾ القتل ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: بسببه؛ لأنه هيج غضبي.
﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر العداوة، وهذا كان قبل النبوة، وهو مقتضى التلاوة، والسورة تدل عليه.
القصص 28:16
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بقتل القبطي من غير أمر.
﴿فَاغْفِرْ لِي﴾ ذنبي ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ لاستغفاره.
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوب عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم.
...
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بإنعامك ﴿عَلَيَّ﴾ بالمغفرة والقوة والحكم، قسم محذوف الجواب، تقديره: أقسم بما أنعمت لأتوبنَّ، وتفسير الجواب.
﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا﴾ عونًا ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرًا، قال ابن عباس: "لم يستثنِ، فابتُلي من الغد" (١).
...
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا﴾ على نفسه، ونصبُه على الحال.
﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ينتظر المكروه بأن يستعاد.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٣١).
القصص 28:19
﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستغيثه، ويصيح به من بعد على قبطي آخر، قال ابن عباس: أُتي فرعون، فقيل له: إن بني إسرائيل قتلوا منا واحدًا، فخذ لنا حقنا، فقال: ابغوا لي قاتله، ومن يشهد عليه، فلا نستقيم أن نقضي بغير بينة، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة، إذ مر موسى من الغد، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيًّا، فاستغاثه على الفرعوني، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي (١).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى﴾ أي: قال للإسرائيلي:
﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهر الغواية؛ لأنك تسببت لقتل رجل، وتقاتل آخر.
...
﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.
[١٩] وكان موسى قد غضب غضبًا شديدًا ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ قرأ أبو جعفر: (يَبْطُشَ) بضم الطاء، والباقون: بكسرها (٢)، وذلك أن موسى أدركته الرقة على الإسرائيلي، فمد يده ليبطش بالفرعوني، فظن الإسرائيلي أنه يقصد قتله؛ لمكان غضبه، وسمع قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٢٦١٨) في حديث طويل.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢).
القصص 28:20
فثم ﴿قَالَ﴾ الإسرائيلي: ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ﴾ أي: ما تريد ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل ظلمًا.
﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فلما قال ذلك، علموا حينئذ من قاتلُ الأول، فوصل ذلك إلى فرعون، فهمُّوا بقتل موسى.
...
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] قلما أرسل فرعون الذباحين لقتله، أخذوا الطريق الأعظم.
﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ مؤمن، وكان ابنَ عم فرعون، واسمه خربيل، وقيل غيره، وهو مؤمن آل فرعون.
﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخرها.
﴿يَسْعَى﴾ أي: يسرع في مشيه، فأخذ طريقا قريبًا حتى يسبق إلى موسى، فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقًا آخر.
﴿قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يعني: أشراف قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ أي: يتشاورون بسببك.
﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج.
...
﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿فَخَرَجَ﴾ موسى ﴿مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ التعرُّضَ له في الطريق.
القصص 28:22
﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين، فلما أخبر فرعون بهربه، بعت في طلبه، فقال: اركبوا بنيان الطريق؛ فإنه لا يعرف الطريق.
...
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.
[٢٢] وخرج موسى هاربًا بلا زاد ولا ظهر، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل حتى ترى خضرته في بطنه، وما وصل إلى مدين حتى وقع خفُّ قدميه.
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ قصدها ماضيًا إليها، وهي قرية شعيب، سميت بمدين بن إبراهيم، وهي على بحر القلزم، وتقدم ذكرها في سورة الأعراف (١) وطه، وهي على مسيرة اثني عشر يومًا من مصر، وكان موسى لا يعرف طريقها، فلذلك.
﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ قصدَ الطريق ووسطَه إليها، فبُعث إليه ملك، فدله على الطريق. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
(١) عند تفسير الآية (٨٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢).
القصص 28:23
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ أي: وصل إليه وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾ جماعة ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ مواشيهم.
﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ من مكان أسفل منهم ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ تَكُفَّان غنمَهما عن الماء؛ لئلا تختلط بغنم القوم؛ لضعفها عن السقي معهم.
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع الناس؟
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي﴾ غنمنا معهم؛ لعجزنا ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء؛ لأنا لا نستطيع أن نزاحم الرجال. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وأبو عمرو: (يَصْدُرَ) بفتح الياء وضم الدال على اللزوم؛ أي: يذهب الرعاء بمواشيهم عن الماء، والباقون: بضم الياء وكسر الدال (١)، فالمفعول محذوف؛ أي: يصدر الرعاء مواشيهم من الماء، وأشمَّ الصاد الزاي حمزة، والكسائي، وخلف، ورويس، والرعاء جمع راع؛ كتاجر وتجار.
﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر على رعي الغنم، وهو شعيب، وهو نبي القوم، وكلهم يحسدونه على ما آتاه الله، قال لهما موسى: وهذا الماء لهم
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٣٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣).
القصص 28:24
خاصة؟ قالتا: لا، بل لجميع الخلق، وكانوا إذا فرغوا، عمدوا إلى حجر عظيم لا يرفعه إلا عشرة نفر يطبقونه على رأس البئر؛ لئلا يقدر على تنحيته.
...
﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤)﴾.
[٢٤] فسكت موسى -عليه السلام- حتى فرع الناس من سقي أغنامهم، فأطبقوا الحجر، وانصرفوا، فقام موسى، وقال للمرأتين: قرِّبا أغنامكما من الحوض، ثم إنه تقدم إلى البئر، وضرب الصخرة برجله، فدحاها أربعين ذراعًا على ضعفه من الجوع وسقوط خُفِّ قدمه.
﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أغنامهما.
﴿ثُمَّ﴾ بعد فراغه ﴿تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ كان ظل شجرة، فجلس في ظلها من شدة الحر وهو جائع.
﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ﴾ طعام قليل أو كثير.
﴿فَقِيرٌ﴾ محتاج.
...
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)﴾.
[٢٥] فانصرفت المرأتان إلى أبيهما شعيب، فأخبرتاه بما كان، فقال لإحداهما: اذهبي فأتيني به ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ واضعة كم درعها على وجهها حياء منه، فأومأت إليه.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أجرَ سقيك، فقام موسى، ومرت المرأة بين يديه، فكشفت الريح عن ساقيها، فقال لها موسى: تأخري ورائي، ودليني على الطريق، فتأخرت، وكانت تقول: عن يمينك، وشمالك، وقدامك، حتى وقف على باب شعيب (١)، فلما ردت المرأة لأبيها، وأخبرته، فأذن له بالدخول، وشعيب يومئذ شيخ كبير، وقد كُفَّ بصره، فسلم موسى عليه، فرد عليه السلام، وعانقه، ثم أجلسه بين يديه، وكان قد هُيئ العشاء، فقال: اجلس يا شاب فتعش، فقال: معاذ الله، فقال شعيب: ألست جائعًا؟ قال: بلى، ولكن أخاف أن يكون عوضًا عما سقيت لهما، وإنا أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضًا من الدنيا، فقال شعيب: لا والله يا شاب، ولكنها عادتي وعادة آبائي، نَقْري الضيف، ونطعم الطعام، فأكل على اسم الله، فلما فرغ من أكله، حمد الله، وأثنى عليه بالجميل، ثم سأله شعيب عن حاله وقصته.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ من حين مولده إلى حين جاءه.
﴿قَالَ﴾ له شعيب: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يعني: فرعون وقومه؛ لأنه لم يكن له سلطان على مدين.
...
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٦٠). عن السدي، وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٣٥).
القصص 28:26
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتخذه أجيرًا يرعى غنمنا.
﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ﴾ على العمل ﴿الْأَمِينُ﴾ فقال لها أبوها: وما علمُك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته، فإنه رفع الحجر من رأس البئر، لا يرفعه إلا عشرة، وأما أمانته، فإنه قال لي: امش خلفي حتى لا تصف الريح بدنك. قرأ أبو جعفر، وابن عامر: (يَا أَبَتَ) بفتح التاء حيث وقع على تقدير: يا أبتاه، ووقفوا (يَا أَبَهْ) بالهاء الساكنة، ووافقهما على الوقف ابن كثير، ويعقوب، وقرأ الباقون، ومنهم ابن كثير، ويعقوب: بكسر التاء لأن.... به، والجزم يحرك إلى الكسر (١).
...
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] فرغب شعيب في تزويجه.
و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ واسمها صافوراء، وهي التي ذهبت إليه وطلبت استئجاره. قرأ ابن كثير: (هَاتينِّ) بالمد وتشديد النون (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٦٠ و ١٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٥)، =
القصص 28:28
﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾ تكون أجيرًا ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ أي: سنين، منصوب على الظرف، واحدتها حجة.
﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا﴾ أي: خدمة عشر سنين ﴿فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ تبرُّع لا إلزام مني.
﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزام أتم الأجلين.
﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ في حسن الصحبة والوفاء بما قلت. قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ أُرِيدُ) (سَتَجِدُنِيَ) بفتح الياء فيهما، وقرأ الباقون: بإسكانهما فيهما (١).
...
﴿قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿قَالَ﴾ موسى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا الشرط.
﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ لا تخرج عنه.
﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ﴾ أي: أيَّ الأجلين، و (ما) صلة ﴿قَضَيْتُ﴾ أتممت، الثمانَ أو العشرَ ﴿فَلَا عُدْوَانَ﴾ فلا يُعتدى ﴿عَلَيَّ﴾ بطلب الزيادة على أحدهما.
= و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥ - ١٦).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥ - ١٦). ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حفيظ، فجمع شعيب المؤمنين من أهل مدين، وزَوَّجه ابنته صافوراء، ودخل موسى البيت، وأقام يرعى غنم شعيب عشرَ سنين.
والإجارة: بيعُ المنفعة بعِوَض، وهي -بكسر الهمزة-: مصدر أَجَره يأجُره أجرًا، وإجارة، فهو مأجور، واشتقاقها من الأجر، وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرًا، ومن شرط صحتها أن تكون المنفعة والعوض معلومين بالاتفاق، فإذا استأجر رجل رجلًا لعمل معين؛ كخياطة ثوب، أو بناء حائط، أو رعي غنم، ونحو ذلك بأجرة معلومة، صح بغير خلاف.
وتقدم ذكر الخلاف في منافع الحر، هل يجوز أن تكون صداقًا؟ في سورة النساء، وأما إجارة الملك في العقار ونحوه، فتصح مدة معلومة، وإن طالت، بالاتفاق، واختلفوا في إجارة الوقف، فقال أبو حنيفة: لا تزاد على ثلاث سنين، وقال مالك: تجوز سنتين، ولمن مرجعها له عشر سنين، وقال الشافعي وأحمد: تجوز مدة يمكن فيها بقاء العين غالبًا، وهي عند أبي حنيفة عقد جائز تنفسخ بموت أحد المتعاقدين إن عقدها لنفسه، وإن عقدها لغيره لا تنفسخ؛ كالوكيل والوصي ومتولي الوقف لبقاء المستحق عليه والمستحق، حتى لو مات المعقود له صارت عند مالك والشافعي وأحمد عقدًا لازمًا لا تنفسخ بالموت، والوارث قائم مقامه، وإذا كانت الأجرة مؤجلة، فمات المستأجر، فمذهب أحمد أن الأجرة على حكمها في التأجيل، وتقدم بها وارثه مؤجلة، وعند مالك والشافعي تحل الأجرة بالموت.
القصص 28:29
﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ المشروطَ بينهما؛ أي: أتمه، مكث بعد ذلك عند صهره عشرًا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم قصد المسير إلى أهله، فبكى شعيب، وقال: يا موسى! كيف تخرج عني وقد ضعفتُ وكبرتُ؟! فقال له: قد طالت غيبتي عن أمي وخالتي وهارون أخي وأختي، فإنهم في مملكة فرعون، فقام شعيب، وبسط يديه، وقال: يا رب إبراهيمَ الخليل، وإسماعيلَ الصفي، وإسحاقَ الذبيح، ويعقوبَ الكظيم، ويوسفَ الصديق! رُدَّ قوتي وبصري، فأَمَّنَ موسى على دعائه، فرد الله عليه بصره وقوته، ثم أوصاه بابنته.
﴿وَسَارَ﴾ موسى ﴿بِأَهْلِهِ﴾ نحو مصر ﴿آنَسَ﴾ أبصر.
﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: من جهته ﴿نَارًا﴾ وكان في البرية في ليلة مظلمة، فضرب خيمته على الوادي، وأدخل أهله فيها، وهطلت السماء بالمطر والثلج، وكانت امرأته حاملًا، فأخذها الطلق، فأراد أن يقدح، فلم يظهر له نار، فاغتمَّ لذلك، فلما رأى النار من بعيد.
﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ قرأ أبو جعفر: (لِأَهْلِهُ امْكُثُوا) بضم الهاء في الوصل (١).
(١) لم أقف عليها من قراءة أبي جعفر، وسلفت عند تفسير الآية (١٠) من سورة طه: أن ضمَّ الهاء في الوصل هي قراءة حمزة.
القصص 28:30
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن الطريق؛ لأنه كان قد أخطأ الطريق. قرأ الكوفيون، ويعقوب: (إِنِّي آنَسْتُ) (لَعَلِّي آتِيكُمْ) بإسكان الياء فيهما، وافقهم ابن عامر في (إِنِّي آنَسْتُ)، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (١).
﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ قرأ عاصم: (جَذْوَةٍ) بفتح الجيم، وحمزة وخلف: بضمها، والباقون: بكسرها، وكلها لغات صحيحة (٢)، معناها: قطعة غليظة من حطب فيها نار لا لهبَ لها.
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون.
...
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ﴾ من جانب.
﴿الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ عن يمين موسى. قرأ يعقوب: (الْوَادِي) بإثبات الياء حالة الوقف.
﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ وهي القطعة من الأرض بلا شجر، وبركتها؛
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧١ - ١٧٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧ - ١٨).
القصص 28:31
لأن الله كلم موسى فيها، وبعثه نبيًّا ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي: من ناحيتها، وهي شجرة عُنَّاب.
﴿أَنْ﴾ يحتمل أن تكون مفسرة؛ لأن النداء قول، أو مخففة من الثقيلة؛ أي: نودي بأن.
﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
...
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ وهي الحية الصغيرة من سرعة حركتها، وتقدم اختلاف القراء في (رَآهَا) في سورة الأنبياء.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ هاربًا منها ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ولم يلتفت، فنودي:
﴿يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ عن المخاوف.
...
﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩).
القصص 28:32
[٣٢] ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ هو القميص، وتقدم الكلام عليه في سورة النمل.
﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ بَرَص، فخرجت لها شعاع كضوء الشمس.
﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي: يدَك ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن كثير: (الرَّهَبِ) بفتح الراء والهاء، ورواه حفص عن عاصم: بفتح الراء وإسكان الهاء، وقرأ الباقون: بضم الراء وإسكان الهاء، وكلها لغات بمعنى الخوف (١)، ومعنى الآية: إذا هالَكَ أمرُ يدك، وما تَرى من شعاعها، فأدخلْها في جيبك، تَعُدْ إلى حالتها الأولى.
﴿فَذَانِكَ﴾ إشارة إلى العصا واليد البيضاء. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ورويس: بتشديد النون والمد، وهي لغة قريش، والباقون: بالتخفيف (٢) ﴿بُرْهَانَانِ﴾ حجتان ومعجزتان.
﴿مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ وكانوا أحقاء بأن يرسل إليهم.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠).
(٢) المصادر السابقة، إلا "تفسير البغوي".
القصص 28:33
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ بها. قرأ يعقوب: (يَقتُلُوني) بإثبات الياء (١).
﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ فإنما قال ذلك؛ للعقدة التي كانت في لسانه من وضع الجمرة في فيه.
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا﴾ معينًا.
﴿يُصَدِّقُنِي﴾ بتلخيص الحق، وتقرير الحجة، لا أن يقول له: صدقت، أو للجماعة: صدقوه، يؤيد ذلك قوله قبل: ﴿هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ لأن ذلك يقدر عليه الفصيح وغيره.
﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ يعني: فرعون وقومه. قرأ حفص: (مَعِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ نافع (رِدًا) منون غير مهموز بوزن سِوًى طلبًا للخفة، وقرأ أبو جعفر: (رِدَا) بالألف من غير تنوين في الحالين، وقرأ
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١).
القصص 28:35
الباقون: بإسكان الدال وبالهمز والتنوين (١)، وقرأ عاصم وحمزة: (يُصَدِّقُنِي) برفع القاف على الحال؛ أي: رِدْءًا مصدقًا، وقرأ الباقون: بالجزم جوابًا لـ (أرسلْه) (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ ورش عن نافع: (يُكَذِّبُوني) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها في الحالين، والباقون: بحذفها فيهما (٤).
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ سنقويك بأخيك، والعضد: قوام اليد، وبشدتها تشتد، وهو ما بين المرفق والكتف، ويقال للضعيف: هو يد بلا عضد، وكان هارون يومئذ بمصر.
﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾ قوة بالعصا، وحجة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢).
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢ - ٢٣).
القصص 28:36
﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا﴾ أي: تمتنعان منهم بآياتنا، فلا يصلون إليكما بسوء.
﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ أي: لكما ولأتباعكما الغلبةُ على فرعون وقومه.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحات.
﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى﴾ مختلق ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ الذي تدعونا إليه ﴿فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ كائنًا في أيامهم.
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ قرأ ابن كثير: (قَالَ مُوسَى) بغير واو؛ كما هي في مصحف أهل مكة على الاستئناف، وقرأ الباقون: بالواو، وكذلك هي في مصاحفهم (١)؛ لأنه عطف جملة على جملة.
﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ﴾ بالحق من المبطل.
﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ أي: العقبى المحمودة في الدار الآخرة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤).
القصص 28:38
﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: الكافرون لا ينجح سعيهم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ أَعْلَمُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَكُونُ لَهُ) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء؛ لتأنيث العاقبة (٢).
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ نفى علمه بإله غيره دون وجوده؛ إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم، ولذلك أمر ببناء الصرح؛ ليصعد إليه، ويطلع على الحال بقوله:
﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ اجعله آجرًا، وهو أول من عمله.
﴿فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ قصرًا عاليًا.
﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ﴾ أصعد ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ فأقتله.
﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ أي: موسى في ادعائه إلهًا غيري.
﴿مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ يقول هذا جهلًا وتمويهًا على قومه. قرأ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤).
القصص 28:39
الكوفيون، ويعقوب: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون بفتحها (١).
وكان من قصة الصرح: أن هامان جمع خمسين ألف بنَّاء وصانع، وأخذوا في ذلك، وأسسوا حتى بنوا الصرح، وارتفع في الهواء ارتفاعًا لم يبلغه أحد من الخلق، أراد الله أن يفتنهم فيه، واشتد ذلك على موسى وهارون؛ لأن بني إسرائيل كانوا معذبين في بنائه، فلما فرغوا منه، ارتقى فرعون فوقه، وأخذ سهمًا، فرمى به نحو السماء، فرد إليه وهو ملطخ دمًا، قال: قد قتلت إله موسى، ثم أمر الله جبريل -عليه السلام- أن يهدم الصرح، فجعل عاليه سافله، وهلك تحته ألف ألف رجل من عسكر فرعون، ولم يبق أحد ممن عمل فيه إلا هلك؛ ممن كان على دين فرعون (٢).
...
﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ بغير استحقاق.
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ قرأ نافع، وحمزة، والكسائي،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٥٨١) عن السدي، وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٤١).
القصص 28:40
ويعقوب، وخلف: (يَرْجِعُونَ) بفتح الياء، وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١).
﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ البحر.
﴿فَانْظُرْ﴾ يا محمد.
﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ وحذِّرْ قومك من مثلها.
قال - ﷺ - حكاية عن الله تعالى: "الكبرياءُ ردائي، والعَظَمَةُ إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما، ألقيته في النار" (٢).
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ قدوة للضلال، ورؤساء ﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ عمل
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥).
(٢) رواه مسلم (٢٦٢٠)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكبر، وابن ماجه (٤١٧٥)، كتاب: الزهد، باب: البراءة من الكبر والتواضع، وغيرهما، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وهذا لفظ ابن ماجه.
القصص 28:42
أهل ﴿النَّارِ﴾ وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في (أَئِمَّةً) أول السورة.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ﴾ لا يُمنعون من العذاب.
...
﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ خزيًا وعذابًا.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ المشوَّهين بسواد الوجه وزرقة العيون.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ التوراة.
﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى﴾ يعني: قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم.
﴿بَصَائِرَ﴾ جمع بصيرة، وهي نور القلب؛ كالبصر نور العين ﴿لِلنَّاسِ﴾ فقط، ليبصروا ذلك الكتاب، ويهتدوا به ﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ بما فيه من المواعظ.
***
القصص 28:44
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿وَمَا كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ أي: بجانب غروب الشمس من الطور، وهو الذي كان فيه الميقات؛ حيث ناجى موسى ربه.
﴿إِذْ قَضَيْنَا﴾ أي: عهدنا ﴿إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ بالرسالة إلى فرعون.
﴿وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ الحاضرين ذلك المقام، فتذكرَه من ذات نفسك.
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَلَكِنَّا﴾ أوحينا إليك ذلك، وأوحينا إليك أَنَّا.
﴿أَنْشَأْنَا﴾ بعد عهد الوحي إليه إلى عهدك ﴿قُرُونًا﴾ كثيرة.
﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ﴾ أي: على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيه.
﴿الْعُمُرُ﴾ أي: أمد انقطاع الوحي، فجددنا بك العهد.
﴿وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا﴾ مقيمًا ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ كمقام موسى وشعيب.
﴿تَتْلُو عَلَيْهِمْ﴾ على أهل مكة ﴿آيَاتِنَا﴾ أي: لم تشاهد ما تقدمك، فتخبر به أهل مكة.
﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ إليك بأخبار المتقدمين، فتتلوها عليهم.
***
القصص 28:46
﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ناحية الجبل.
﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ليلة المناجاة، والمعنى: لو لم نوح إليك هذا كله، ما علمت.
﴿وَلَكِنْ﴾ أعلمناك ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم أهل مكة.
﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأن أهل مكة لم يجئهم نذير قبل محمد - ﷺ -، وكانوا في فترة بينه وبين عيسى عليه السلام، وهي مدة تقرب من ست مئة سنة.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون.
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الكفر والمعاصي، وجواب (لولا) محذوف يقتضيه الكلام، تقديره: لعاجلناهم بما يستحقونه من العقوبة.
﴿فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ ينذرنا.
﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدقين، فأرسلناك؛ لتزول حجتهم، وينقطع عذرهم ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
القصص 28:48
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا﴾ يعني: القرآن، ومحمد - ﷺ -.
﴿قَالُوا﴾ كفار مكة: ﴿لَوْلَا أُوتِيَ﴾ هَلَّا أُعطي محمد.
﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة وغيرها من الآيات.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: فقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمد - ﷺ -.
﴿قَالُوا سِحْرَانِ﴾ أي: موسى ومحمد ﴿تَظَاهَرَا﴾ تعاونا، وهذا قول العرب، وقيل المراد: موسى وهارون، وهو قول من لم يؤمن بهما في زمانهما. قرأ الكوفيون: (سِحْرَانِ) بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف قبلها؛ أي: التوراة والقرآن، يعني: كل سحر يقوي الآخر، نسب التظاهر إلى السحرين على الاتساع، وقرأ الباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الحاء، على المعنى الأول (١).
﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ﴾ منهم من كتبهم ﴿كَافِرُونَ﴾ وكان العرب قد بَعثوا إلى رؤساء اليهود بالمدينة، فسألوهم عن محمد - ﷺ -، فأخبروهم أنه صادق، وأن نعته وصفته عندهم.
...
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦).
القصص 28:49
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا﴾ يعني: التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ﴾ جواب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ولما كان (فأتوا) أمرًا، والأمر يقتضي الإجابة، قال:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ دعاءك إلى الإتيان بكتاب.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في كفرهم.
﴿وَمَنْ﴾ استفهام نفي.
﴿أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾؟ المعنى: لا أحد أضل ممن اتبع هواه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم باتباع الهوى.
...
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
[٥١] ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ﴾ أي: أنزل عليهم القرآن متواصلًا.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الأدلة، فيؤمنون.
القصص 28:52
﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ونزل في علماء المؤمنين من أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، مبتدأً ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ (١) الضمير للقرآن، وخبر (الذين): ﴿هُمْ بِهِ﴾ بمحمد - ﷺ - ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه مذكر في كتبهم.
...
﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن ﴿قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: من قبل وجوده ونزوله ﴿مُسْلِمِينَ﴾ مؤمنين بمحمد - ﷺ -.
﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ أي: يضعف لهم أجرهم ضعفين؛ لإيمانهم بالكتابين ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على العمل بالشريعتين ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون بالطاعة المعصية المتقدمة ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في الطاعة.
...
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٢٩٨٨ - ٢٩٨٩).
القصص 28:55
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ القبيحَ من القول، واللغو من الكلام: ما هو ساقط العبرة، وهو الذي لا معنى له ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ وذلك أن المشركين كانوا يسبون مؤمني أهل الكتاب، ويقولون: تبًّا لكم، تركتم دينكم، فيعرضون عنهم، ولا يردون عليهم.
﴿وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ فكلٌّ مطالب بعمله.
﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ سلام توديع ومتاركة، وليس هو سلام التحية؛ أي: لا نعارضكم في شيء ما؛ لأنا.
﴿لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ لا نطلب صحبتهم؛ لئلا نكون مثلهم، والجهل نقيصة، وهو معرفة الشيء على خلاف ما هو عليه، وهذا منسوخ بآية السيف.
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ولما حرص النبي - ﷺ - في إيمان أبي طالب، نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (١) هدايتَه ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فيدخله في الإسلام.
(١) رواه البخاري (٣٦٧١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة أبي طالب، ومسلم (٢٤)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على صحة إسلام من حضره =
القصص 28:57
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بالمستعدين لذلك.
...
﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ أي: يأخذْنا العرب لقتلنا، والقائلون قريش، وسبب نزولها: أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إنا لنعلم أن الذي تقول حق، ولكنا إن اتبعناك على دينك، خفنا أن تخرجنا العرب من أرض مكة، والاختطاف: الانتزاع بسرعة، فنزل توبيخًا لهم:
﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ﴾ (١) نسكنهم ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ يأمنون فيه العدو والخسف مع كفرهم، فكيف لو أسلموا؟! إن العرب كانت تغير بعضهم على بعض، ويقتل بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمِنون؛ حيث كانوا لحرمة الحرم.
﴿يُجْبَى﴾ يجمع، ويحمل ﴿إِلَيْهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (تُجْبَى) بالتاء على التأنيث؛ لأجل الثمرات، وقرأ الباقون: بالياء
= الموت ما لم يشرع في النزع وهو الغرغرة، عن سعيد المسيب، عن أبيه -رضي الله عنه-.
(١) انظر: "السنن الكبرى" للنسائي (١١٣٨٥)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٥).
القصص 28:58
على التذكير؛ للحائل بين الاسم المؤنث والفعل (١) ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما به صلاح حالهم وقوام أمرهم.
﴿رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا﴾ ونصبه حال من (ثمرات).
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أن ما تقوله حق؛ لأنهم جهلة لا يتفطنون له.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ﴾ أهل ﴿قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ والبطر: الطغيان في النعمة. قال -صلى الله عليه وسلم-: " [فاضوا] في البطر، فأكلوا رزق الله، وعبدوا الأصنام" (٢).
﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: يسكنها المارة والمسافرون ساعة أو يومًا.
﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ جميعَ المخلوقات.
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٨).
(٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٤٤٨)، عن عطاء من قوله.
القصص 28:59
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى﴾ في كل زمان.
﴿حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا﴾ أي: في أعظمها ﴿رَسُولًا﴾ ينذرهم؛ لأن الرسل إنما تبعث غالبًا إلى الأشراف، وهم غالبًا يسكنون المدن، وقيل: المراد بأم القرى هاهنا: مكة، وبالرسول: محمد - ﷺ -. قرأ حمزة، والكسائي: (إِمِّهَا) بكسر الهمزة حالة الوصل إتباعًا، وإذا ابتدأا، ضماها، وبه قرأ الباقون في الحالين (١).
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ترغيبًا وترهيبًا.
﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون؛ أي: أهلكتهم بظلمهم.
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أسباب الدنيا ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ تتمتعون بها أيام حياتكم، ثم أنتم وهي إلى فناء.
﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ لأنه مستمر.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٩).
القصص 28:61
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أن الباقي خير من الفاني. قرأ أبو عمرو: (يَعْقِلُونَ) بالغيب، وهو أبلغ في الموعظة، وقرأ الباقون: بالخطاب، وهو وجه من أبي عمرو، إلا أن الأشهر عنه الغيب (١).
...
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٦١)﴾.
[٦١] فبعد ذكر الحياة الدنيا، وما عند الله، وتفاوتهما، عَقَّبه بالفاء مدخلًا عليها همزة الاستفهام، فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا﴾ هو الجنة.
﴿فَهُوَ لَاقِيهِ﴾ صائر إليه.
﴿كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ويزول عن قريب.
﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في النار؟!
روي أنها نزلت في النبي - ﷺ - وأبي جهل، وقيل: نزلت في حمزة وعلي وأبي جهل، وقيل: في عمار والوليد بن المغيرة، وقيل: في المؤمن والكافر (٢). قرأ الكسائي، وقالون، وأبو جعفر بخلاف عنه: (ثُمَّ هْوَ) بإسكان الهاء تخفيفًا، والباقون: بضمها (٣).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٩).
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢٠/ ٩٧)، و"أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٥).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
القصص 28:62
في الحديث: "من كانت الدنيا همّه، جعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن كانت الآخرة همّه، جعل الله الغناء في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة" (١).
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَيَوْمَ﴾: واذكر يوم.
﴿يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أين هم شركائي في الدنيا؟
﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ثبت عليهم مقتضاه، وهو: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] وهم رؤوس الكفر:
﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ أي: أضللناهم كما ضللنا، لم نُكرههم على الغي، إنما غووا باختيارهم، مع تسويلنا لهم.
﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم ومن كفرهم، فصرنا أعداء، وكذبوا علينا.
﴿مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إنما عبدوا أهواءهم.
...
= (٢/ ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٠).
(١) رواه ابن ماجه (٤١٠٥)، كتاب: الزهد، باب: الهم بالدنيا، وابن حبان في "صحيحه" (٦٨٠)، وغيرهما، عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-.
القصص 28:64
﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿وَقِيلَ﴾ لمن عبد غير الله توبيخًا وتهديدًا:
﴿ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ﴾ استعينوا بآلهتكم؛ لتخلصكم من العذاب.
﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لم يجيبوهم بنفع؛ لعجزهم.
﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ لأربابهم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ﴾ جوابه محذوف؛ أي: لما اتبعوهم في الدنيا، ولما رأوا العذاب في الأخرى.
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: يسأل الله الكفارَ.
﴿فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين دعوهم إلى الله، وهذا النداء كالأول، ويحتمل أن يكون كل منهما بواسطة من الملائكة، ويحتمل غير ذلك.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿فَعَمِيَتْ﴾ خفيت ﴿عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ﴾ الأخبار.
﴿يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ لا يسأل بعضهم بعضًا عن خبر.
***
القصص 28:67
﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الناجين، و (عَسَى) حرف تَرَجٍّ، وهو من الله واجب.
...
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٨)﴾
[٦٨] ولما قال المشركون: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] يعني: الوليد بن المغيرة، أو عروة بن مسعود الثقفي، نزل جوابًا لهم: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ (١) لا مانع له.
﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: ليس لهم الاختيار في شيء، ثم نزه نفسه تعالى فقال: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ﴾ تخفي.
﴿صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ يُظْهِرون.
(١) انظر: "أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٥).
القصص 28:70
﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ﴾ أي: هو مستحقُّه.
﴿فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ يحمده أولياؤه في الدارين.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ فصلُ القضاء بين الخلائق.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١).
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني يا أهل مكة.
﴿إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا نهار معه.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ بنهار تطلبون فيه المعيشة.
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ سماعَ فهم وقبول، وقرن بالضياء السمع؛ لأن السمع [يدرك] للأبصار البصر. قرأ قنبل عن ابن كثير: (بِضِئَاءٍ) بهمزتين، والباقون: بفتح الياء والهمز بعدها (٢)، واختلاف القراء في (أَرَأَيْتُمْ)
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٠)، و"الغيث" للصفاقسي =
القصص 28:72
كاختلافهم في ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا ليل فيه.
﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ استراحةً عن متاعب الأشغال.
﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ قدرةَ الله، فتوحدون؟! وقرن بسكون الليل البصر؛ لأن غيرك يبصر من منفعة الظلام ما لا تبصر أنت من السكون.
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالنهار.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمَ الله سبحانه.
= (ص: ٣١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣١).
القصص 28:74
﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يومَ.
﴿يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ وكرر هذا المعنى إبلاغًا وتحذيرًا، وهذا النداء هو ظهور كل ما وعد الرحمن على ألسنة المرسلين؛ من وجوب الرحمة لقوم، والعذاب لآخرين، ومن خضوع كل جبار، وذلة الكل لعزة رب العالمين، فيتوجه حينئذ توبيخ الكفار، فيقول الله لهم على معنى التوبيخ: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ﴾؟!
﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أخرجنا في ذلك اليوم ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ أي: شاهدًا، وهو رسولها، وفي هذا الموضع حذف يدل عليه الظاهر، تقديره: ليشهد الشهيد على الأمة بخيرها وشرها.
﴿فَقُلْنَا﴾ للأمم على جهة استبراء الحجة والإعذار في المحاورة: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ حجتكم بأن لله شريكًا، فيسقط حينئذ في أيديهم.
﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الإلهية، لا شريك له.
قال ابن عطية: ومن هذه الآية انتزع قول القاضي عند إرادة الحكم: أبقيَتْ لك حجة؟ (١)
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٢٩٧).
القصص 28:76
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الباطل في الدنيا.
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ هو اسم أعجمي؛ كهارون، فلذلك لم ينصرف، وهو ابن عم موسى على الأشهر؛ لأنه يصهر بن فاهث بن لاوى بن يعقوب، وموسى بن عمران بن فاهث، وفد من بني إسرائيل بإجماع، وآمن بموسى، واتبعه، وكان يلقب: المنور؛ لحسن صوته، وكان يقرأ التوراة من قلبه، وكان عاملًا لفرعون.
﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ترفع وجاوز الحد على بني إسرائيل، بظلمه وكفره وكثرة ماله، وخالف موسى، وكَذَّبه.
﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ الأموالَ المدخرة ﴿مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ﴾ (ما) موصولة، و (مفاتحه) جمع مفتاح -بالكسر-، وهو الذي يُفتح به الباب.
﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ أي: تُثقلهم، وتميل بهم إذا حملوها، وكان فقرًا جدًّا، فتعلم صنعة الكيمياء من كلثوم أخت موسى، وكانت تعرف ذلك، فرزق مالًا عظيما يُضرب به المثل على طول الدهر، وكان مفاتيح كنوزه تحمل على أربعين بغلًا، وقيل غير ذلك.
﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ﴾ متعلق بقوله ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ والمراد بقومه: المؤمنون منهم ﴿لَا تَفْرَحْ﴾ بحطام الدنيا.
القصص 28:77
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ البَطِرين بالمال، ولم يشكروا على ما أُعطوا.
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ اطلبْ فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة الجنةَ، وهو أن تشكره على نعمه، وتنفقَ المال في رضاه.
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ هو أن تأخذ ما يكفيك.
﴿وَأَحْسِنْ﴾ إلى عباد الله ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ فيما أنعم عليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ لا تعصِ؛ لأن من عصى الله، فقد طلب الفساد في الأرض.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ لسوء أفعالهم.
﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ﴾ أي المال.
﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ من ﴿عِنْدِي﴾ أي: علم الله فيَّ خيرًا، فرآني أهلًا لذلك، ففضلني بالمال عليكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (عِنْدِيَ) بفتح
القصص 28:79
الياء، والباقون: بإسكانها، واختلف عن ابن كثير (١)، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ الكافرة.
﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ للمال، وهذا توبيخ له؛ لأنه كان قد علم حال من تقدمه وهلاكه، فلم ينزجر.
﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ لعلمه بهم، بل يدخلون النار بغير حساب ولا سؤال.
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ في زينته على بغلة شهباء عليها سرج ذهب، ومعه أربعة آلاف فارس (٢) ﴿فِي زِينَتِهِ﴾ عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر، وعن يمينه ثلاث مئة غلام، وعن يساره ثلاث مئة جارية، عليهم الحلي والديباج (٣) ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ من المال ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ جَدٌّ وبَخْتٌ عظيم من الدنيا.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٢).
(٢) "فارس" ساقطة من "ش".
(٣) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٣/ ٤٣٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٧/ ١٢٩).
القصص 28:80
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ وهم أحبار بني إسرائيل الزاهدون في الدنيا لغابطي قارون: ﴿وَيْلَكُمْ﴾ وأصل وَيْل: الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر.
﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾ في الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ﴾ صَدَّق بتوحيد الله.
﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ مما أُوتي قارون في الدنيا.
﴿وَلَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: يوفق هذه الكلمة التي قالها العلماء، وقيل: لا يرزق الأعمال الصالحة.
﴿إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ على طاعة الله.
﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾.
[٨١] وسبب هلاك قارون: أنه بغى على موسى، وكان أول طغيانه: أن أوحي إلى موسى: أنْ مُرْ بني إسرائيل أن يعلقوا أرديتهم خيوطًا أربعة خضرًا على لون السماء يذكرون إذا رأوها أن كلامي نزل منها، قال موسى: ألا نأمرهم بجعلها كلها خضرًا؛ فإنهم يحقرون هذه الخيوط؟ فقال: يا موسى! إن من أمري ليس بصغير وإن هم لم يطيعوني في الصغير، لم يطيعوني في الكبير، فأمرهم، ففعلوا، وامتنع قارون، ولما عبروا البحر، جعل موسى الجودة والقربان في هارون، فقال: يا موسى! تذهب بالرسالة، وهارون بالقربان والجودة، فما يبقى لي، وأنا أقرأ بني إسرائيل للتوراة؟! ليس لي على هذا صبر، فقال موسى: من الله، فقال: لا أصدقك حتى تأتي على ذلك بآية، فأمر موسى أشراف قومه بوضع عصيهم في بيت، ففعلوا، وباتوا يحرسونها، فأصبحت عصا هارون مورقة خضراء، فقال قارون: ما هذا بأعجب مما تصنع من السحر، واعتزل موسى، وجعل موسى يداريه؛ لما بينهما من القرابة، وهو لا يلتفت إليه، وبنى دارًا، وصَفَّحها بالذهب، وجعل أبوابها ذهبًا، وتكبر بسبب كثرة ماله على موسى، ولما نزلت الزكاة، صالحه موسى على أن يعطيه عن كل ألف دينار دينارًا، وعن كل ألف درهم درهمًا، وعن كل ألف شاةٍ شاة، ثم رجع موسى إلى بيته، فجمعها، فرآها جملة عظيمة، فلم تسمح بذلك نفسه، فمنعها، وخرج عن طاعة موسى، وأحضر امرأة بَغِيًّا، وأمرها بقذف موسى بنفسها، فلما كان يوم العيد، قام موسى خطيبًا، فقال: من سرقَ قطعناه، ومن زنى غيرَ محصَنٍ جلدناه، ومن زنى محصنًا رجمناه، فقال قارون: ولو كنت أنت؟! قال: وإن كنت أنا، فقال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فأُحضرت، فأنشدها موسى بالله أن تصدق، فقالت: جعل لي قارون جُعلًا على أن أرميكَ بنفسي، فخرَّ موسى ساجدًا يبكي، وقال: يا رب! إن قارون قد بغى علي، فأقبل موسى حتى دخل قارون، وقال: يا عدو الله! تبعث إلي المرأة على رؤوس بني إسرائيل تريد فضيحتي؟! يا أرض خذيه، فساخت داره في الأرض ذراعًا، وسقط قارون عن سريره، فأخذته الأرض إلى ركبتيه، فقال: يا موسى! أغثني، فقال: يا عدو الله تبني مثل هذه الدار، وتشرب في آنية الذهب والفضة، وأنا أدعوك إلى [حظك] فلا تقبله، وتقول: إنما أوتيته على علم عندي؟! يا أرض خذيه، فأخذته، روي أنه ناشده سبعين مرة،
القصص 28:82
وهو لا يلتفت إليه؛ لشدة غضبه، ثم قال: يا أرض خذيه، فانطبقت عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (١) من دون عذابه، فأوحى الله إلى موسى: ما أغلظَ قلبَكَ، استغاث بك سبعين مرة فلم تغثه؟! فوعزتي وجلالي لو استغاث بي مرة واحدة، لأغثته.
﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ الممتنعين مما حل به.
روي أنه خُسف به إلى الأرض السفلى، ولما خسفت به، قال بنو إسرائيل: إنما دعا عليه ليستبد بأمواله، فدعا موسى، فخسف بجميع أمواله (٢).
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ﴾ أي: صار أولئك الذين تمنوا ما رزق من المال والزينة.
﴿بِالْأَمْسِ﴾ أي: بالوقت القريب منهم، استعاره هنا؛ لأن أمس عبارة عن اليوم الذي قبل يومك، يتندمون.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٥٥ - ٤٥٦).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٥٦ - ٤٥٧). و ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ يضيق.
﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ فلم يعطنا ما تمنينا.
﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ لتوليده فينا ما ولده فيه، فخسف به لأجله.
﴿وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ لنعمة الله؛ كقارون. (وَيْكَأَنَّ) كتبت موصولة كلمة واحدة في جميع المصاحف، وكذلك (وَيْكَأَنَّهُ) لكثرة الاستعمال، لأن أصلها: (وَيْ) تعجب و (ما) متصلة بـ (أن) عند البصريين، ولذلك فتحت الهمزة، فصار معناها الندامة، والتنبيه على الخطأ، وعند الكوفيين أن (وَيْكَ) ويلك، ومعناها: ألم تر، واختلف في الوقف عليهما، فوقف أبو عمرو: (وَيْك) على الكاف مقطوعة من الهمزة، وإذا ابتدأ، ابتدأ بالهمزة (أَنَّ)، و (أَنَّهُ)، ووقف الكسائي (وَيْ) على الياء مقطوعة من الكاف، وإذا ابتدأ، ابتدأ بالكاف (كَأَنَّ) و (كَأَنَّهُ)، ووقف الباقون (وَيْكَأَنَّ) (وَيْكَأَنَّهُ) موصولة اتباعًا للمصحف، وهذا هو الأولى والمختار في مذاهب الجميع؛ اقتداء بالجمهور، وأخذًا بالقياس الصحيح (١)، وقرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (لَخَسَفَ) بفتح الخاء والسين، الفاعل الله تعالى، وقرأ الباقون: بضم الخاء وكسر السين مجهولًا (٢).
...
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٦١)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٣ - ٣٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٤).
القصص 28:83
﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].
[٨٣] ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ أي: الجنة.
﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا﴾ بَغْيًا.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ عَمَلًا بالمعاصي ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ المحمودة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾.
عن علي رضي الله عنه: أنها نزلت في أهل التواضع من الولاة وأهل القدوة (١).
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بعمل صالح.
﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ أي: من ثوابها الموازي لهما.
﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أخبر تعالى أن السيئة لا يُضاعف جزاؤها؛ فضلًا منه ورحمة.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨٥)﴾.
[٨٥] ولما خرج رسول الله - ﷺ - من الغار مهاجرًا إلى المدينة، سار في
(١) انظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤٤٤).
القصص 28:86
غير الطريق مخافة الطلب، فلما أمن، رجع إلى الطريق، ونزل الجحفة بين مكة والمدينة، فاشتاق إلى مكة، فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ (١) أنزله شيئًا بعد شيء ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ إلى مكة، ولما وُعد - ﷺ - بالعَوْد إلى مكة بعد قول المشركين له: إنَّكَ لفي ضلال مبين، نزل:
﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: هو أعلم بالفريقين، فيجازي كلًّا بعمله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ﴾ أي: يوحى إليك القرآن.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ نصب على أنه استثناء منقطع؛ أي: لكن رحمة من ربك، فأعطاك القرآن.
﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا﴾ مُعينًا ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ عبادتهم.
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٢٦)، عن الضحاك.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤).
القصص 28:87
﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾ لا يصرفُنَّكَ.
﴿عَنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ عن قراءتها، والعمل بها.
﴿بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ أي: بعد وقت إنزالها إليك، و (إذ) تضاف إلى الزمان؛ كحينئذ. قرأ يعقوب: (يَصُدُّنْكَ) مجزوم النون، والباقون: بفتحها مشددة (١).
﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ إلى توحيده ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الخطاب الظاهر للنبي - ﷺ -، والمراد: أهل دينه، وجميع الآية يتضمن المهادنة والموادعة، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وسبب هذه الآية: ما كانت قريش تدعو رسول الله - ﷺ - من تعظيم أوثانهم، وعند ذلك ألقى الشيطان في أمنيته أمرَ الغرانيق كما تقدم في سورة الحج.
...
﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ نهي عما هم بسبيله، فهم المراد، وإن عري اللفظ عن ذكرهم.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي: إلا هو.
(١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٧/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٥)، والقراءة المشهورة على يعقوب كقراءة الجمهور. ﴿الْحُكْمُ﴾ فصلُ القضاء، وإنفاذُ القدرة في الدارين.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إخبار بالحشر والعودة من القبور. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم حيث وقع؛ من رجوع الآخرة، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١)، قال ابن عطية: وقرأ أبو عمرو بالوجهين (٢)، والله أعلم.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٢٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٥).
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٣٠٤).
العنكبوت 29:1
سُوْرَةُ العَنْكَبُوتِ
مكية، إلا الصدر منها العشر الآيات، فإنها مدنية، نزلت في شأن من كان من المسلمين بمكة، وآيها: تسع وستون آية، وحروفها: أربعة آلاف ومئة وخمسة وتسعون حرفًا، وكلمها: تسع مئة وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١)﴾.
[١] ﴿الم﴾ تقدم الكلام عليه أول سورة البقرة، وملخصه: أن معناه: أنا الله أعلم، وتقدم الخلاف في الحروف التي في أوائل السور أول سورة مريم. قرأ أبو جعفر: بتقطيع الحروف، يسكت على كل حرف سكتة يسيرة كما تقدم التنبيه عليه غير مرة.
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾.
[٢] ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ قرأ ورش: (المَ احَسِبَ النَّاسُ) بفتح الميم وحذف الهمزة، وإلقاء حركتها على الميم تخفيفًا، ويجوز بالمد والقصر في (ميم) كما تقدم عن الجمهور حالة الوصل في أول سورة آل عمران،
العنكبوت 29:3
لكن الوصل هنا مختص بمذهب ورش، وقرأ الباقون: بإسكان الميم وفتح الهمزة (١).
﴿أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ استفهام تقريع وتوبيخ، والمعنى: أظنوا تركهم غيرَ مفتونين؛ لقولهم: آمنا؟! والفتنة: الامتحان بالشدائد، تلخيصه: لا بد من امتحانهم، وإذا أحب الله عبدًا، جعله للبلاء غرضًا.
نزلت في قوم من المؤمنين كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، فكانت صدورهم تضيق لذلك (٢)، فنزلت الآية تسلية ومعلمة أن هذه سيرة الله في عباده اختبارًا للمؤمنين؛ ليعلم الصادق، ويرى ثواب الله له، ويعلم الكاذب، ويرى عقاب الله إياه.
قال ابن عطية: وهذه الآية وإن كانت نزلت بهذا السبب في هذه الجماعة، فهي في معناها باقية في أمة محمد - ﷺ - موجود حكمها بقية الدهر (٣).
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كالأنبياء والأولياء، فمنهم من نُشر
(١) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ١٥٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٣٩).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٥ - ١٩٦).
(٣) "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٣٠٥).
العنكبوت 29:4
بالمنشار، وعذب بأنواع العذاب، فلم ينصرف عن دينه.
﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ بالامتحان ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في الإيمان.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ أي: فليظهرن الصادق من الكاذب.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (أم) معادلة للألف في قوله: (أَحَسِبَ)، المعنى: أظن المسيئون، وهم الكفار.
{أَنْ يَسْبِقُونَا أي: يفوتونا، فلا نقدر على الانتقام منهم؟!
{سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} بئس حكمًا يحكمون لأنفسهم بهذا الظن.
﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٥)﴾.
[٥] ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ﴾ يأمل ثوابه، ويخشى البعث والحساب.
﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ﴾ هو الأمد المضروب للثواب والعقاب ﴿لَآتٍ﴾ لكائن.
روي عن يعقوب، وقنبل: الوقف بالياء على (لآتِي).
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فلا يفوته شيء.
﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَمَنْ جَاهَدَ﴾ جهاد حرب، أو جهاد نفس، بالصبر على مضض الطاعة.
العنكبوت 29:7
﴿فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثوابه لها.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ فلا حاجة به إلى جهادهم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ لنبطلنها بسترها وترك العقوبة عليها.
﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: نضاعف لهم الحسنات.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾.
[٨] ونزل في سعد بن أبي وقاص، وهو من السابقين الأولين لما أسلم، فحلفت أمه ألَّا تأكل ولا تشرب حتى يكفر بمحمد، فقال: والله! لو كان لك مئة نفس، فخرجت نفسًا نفسًا، ما كفرت: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ (١) نصب بـ (وصينا)؛ أي: وصيناه أن يفعل بهما ما يحسن.
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنه لي شريك.
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في ذلك، وجاء في الحديث: "لا طاعة للمخلوق في
(١) انظر: "صحيح مسلم" (٤/ ١٨٧٧)، و"أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٥٢١).
العنكبوت 29:9
معصية الخالق" (١)، ثم أوعد بالمصير إليه، فقال:
﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من صالح أعمالكم وسيئها، وأجازيكم عليها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي﴾ زمرة.
﴿الصَّالِحِينَ﴾ وهم الأنبياء والأولياء، وهي الجنة.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: طاعته والإسلام.
﴿جَعَلَ فِتْنَةَ﴾ أي: عذاب ﴿النَّاسِ﴾ إياه هنا ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ فساوى بين العذابين، فخاف العاجل، وأهمل الآجل، وهم ناس كانوا يؤمنون بألسنتهم، فإذا مسهم أذى من الكفار، صرفهم عن الإيمان.
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ دولة للمؤمنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المرتدون.
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٦٦)، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" (٦٠٢)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٨٧٣)، وغيرهم عن عمران بن حصين -رضي الله عنه-.
العنكبوت 29:11
﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ على دينكم، ولكنا أُكرهنا على الكفر، فقال تعالى: تكذيبًا لهم:
﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ من الإيمان والكفر؟!
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حقيقةَّ، فثبتوا على الإيمان عند البلاء.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ في إيمانهم؛ بترك الإسلام عند البلاء. وهذه الآيات العشر من أول السورة إلى هنا مدنية، وباقي السورة مكية.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ الطريق الذي نسلكه في ديننا ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ أوزاركم؛ أي. إن كان فيها إثم، فنحتمله، فأخبر الله عز وجل أن ذلك باطل، وأنهم لو فعلوه، لم يتحمل عن أحد من هؤلاء المغترين بهم شيء من خطاياهم التي تختص بهم بقوله تعالى:
﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يزعمون؛ لأنهم لو يعلمون أنهم لا يقدرون على ذلك، وهذا من قول كفار مكة لمن آمن منهم.
العنكبوت 29:13
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أوزار أعمالهم التي عملوها.
﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ هي أثقال الذين أضلوهم.
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾ سؤال توبيخ.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ على الله من الكذب.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ﴾ بقي ﴿فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ينذرهم فلا يلتفتون إليه، وفسر العدد بسنة، ثم بعام؛ استثقالًا لتكرير لفظ واحد بلا فائدة، ولما جاء بقصة نوح تهويلًا لما جرى عليه من قومه، ذكر الألف أولًا؛ ليكون أفخم في أذن السامع، ثم أخرج منها الخمسين؛ إيضاحًا لمجموع العدد.
وقد وقع في كلام المؤرخين أن نوحًا عاش العدد المذكور فقط، وظاهر الآية الشريفة يخالفه؛ لأنه يدل على أنه لبث العدد المذكور في قومه بعد إرساله إليهم ينذرهم، وأن الطوفان وقع بعد ذلك، وقد روي أنه عاش ألفًا وأربع مئة وخمسين سنة، وهو يوافق الآية الشريفة؛ لأن ظاهرها يدل على أنه عاش أكثر مما ذكره المؤرخون، وتقدم ذكر نسبه وتاريخ مولده ومحل قبره في سورة آل عمران عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾
العنكبوت 29:15
[الآية: ٣٣]، وتقدم ذكر الاختلاف عمره حين بعثه الله إلى قومه في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] وتقدم ذكر تاريخ ركوبه في السفينة، وخروجه منها، وما بين الطوفان والهجرة الشريفة النبوية المحمدية في سورة هود عند آخر القصة.
فلما أنذرهم هذه المدة، وهي تسع مئة وخمسون سنة، فلم يؤمنوا، أذن له في الدعاء، فدعا عليهم.
﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ ما أطاف وأحاط بغلبة؛ كالسيل، فغرقوا.
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ مشركون.
﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ من الغرق.
﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينة، أو العقوبة.
﴿آيَةً﴾ علامة على قدرة الله تعالى في شدة بطشه ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ يقتضي أنه أخذ قومه فقط، وقد اختلف في ذلك، فقالت فرقة: إنما غرق في الطوفان طائفة من الأرض، وهي المختصة بقوم نوح، وقالت فرقة هي الجمهور: وإنما غرقت المعمورة كلها، وهذا هو ظاهر الأمر؛ لاتخاذه السفينة، وغير ذلك من الدلائل.
فإن قيل: كيف غرق الجميع، والرسالة إلى البعض؟ فالوجه في ذلك أن يقال: إن اختصت شيء بأمة ليس هو بألَّا يهدي غيرها ولا يدعوها إلى توحيد الله تعالى، وإنما هو بألَّا تؤخذ بفعال غيرها، ولا يبث العبادات
العنكبوت 29:16
فيهم، لكن إذا كانت نبوة قائمة هذه المدة الطويلة، والناس حولها يعبدون الأوثان فلا محال أن دعاءه إلى توحيد الله قد كان بلغ الكل، فنالهم الغرق؛ لإعراضهم وتماديهم.
﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ عطف على نوح؛ أي: وأرسلنا إبراهيم.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ أطيعوا الله وخافوه، وهذه القصة تمثيل لقريش، وكان نمرود وأهل مدينته عَبَدَةَ أصنام، فدعاهم إبراهيم -عليه السلام- إلى عبادة الله، ثم فرد لهم ما هم عليه من الضلال.
﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الكفر ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الخير والشر.
﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ (١) أصنامًا.
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ تخلقون كذبًا.
(١) من قوله: "بخيط في الخرزة... " (ص: ١٣٦) من سورة النمل الآية (٣٦) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا﴾ من سورة العنكبوت سقط من "ت" وذلك بمقدار إحدى عشرة لوحة من النسخ الخطية.
العنكبوت 29:18
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ لا يستطيعون أن يرزقوكم.
﴿فَابْتَغُوا﴾ فاطلبوا ﴿عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ فإنه المالك له.
﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على نعمه.
﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالمعاد والحشر. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١).
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ رسلَهم، فأهلكوا.
﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وكل أحد بعد ذلك مأخوذ بعمله.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ بالدلائل والنظر. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (تَرَوْا) بالخطاب، والباقون: بالغيب على الحكاية (٢).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، =
العنكبوت 29:20
﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ يخلقه ابتداءً نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم شخصًا سويًّا، ثم يميته ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ حيًّا وقتَ البعث.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لا يفتقر في فعله إلى شيء.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾ إلى ديارهم وآثارهم.
﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ أي: خلقه ابتداء على غير مثال.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ وهي نشأة القيام من القبور، المعنى: إذا قَدَر على بدء الخلق أولًا، فهو على إنشائه وإحيائه بعد الموت أقدرُ. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (النَّشَاءَةَ) بفتح الشين والمد حيث وقع، والباقون: بسكون الشين مقصورة، وهما لغتان (١)؛ كالرأفة والرآفة، ووقف حمزة على وجهين في ذلك: أحدهما: أن يلقي حركة الهمزة على الشين، ثم يسقطها طردًا للقياس، والثاني: أن يفتح الشين، ويبدل الهمزة ألفًا إتباعًا للخط، ومثله قد سمع من العرب (٢).
= و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٣).
العنكبوت 29:21
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيقدر على النشأة الأخرى كما قدر على الأولى.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من حق عليه العذاب.
﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بتيسيره لأعمال من سبقت عليه (١) الرحمة، لا معترض عليه.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ترجعون.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ الله، وإن هربتم.
﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا﴾ تعجزونه.
﴿فِي السَّمَاءِ﴾ لو كنتم فيها، المعنى: لا مخلَصَ لكم من الله.
﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعكم منه (٢).
﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابه، والوليُّ أخصُّ من النصير.
(١) في "ت": "له".
(٢) في "ت": "فيه".
العنكبوت 29:23
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بدلائل وحدانيته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ بالبعث ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ أي: ييئسون منها يوم القيامة، فعبر عنها بالماضي؛ للتحقيق والمبالغة.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ بكفرهم، فهذه الآيات في تذكير أهل مكة، وتحذيرهم، وهي معترضة في قصة إبراهيم عليه السلام.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ثم عاد إلى قصة إبراهيم، فقال تعالى:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ حين دعاهم إلى الإيمان.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وجعلها عليه بردًا وسلامًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ يصدقون.
﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم لقومه: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ
العنكبوت 29:26
بَيْنِكُمْ} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ورويس: (مَوَدَّةُ) رفعًا بلا تنوين (بَيْنِكُمْ) خفضًا بالإضافة على معنى: إن الذين اتخذوا من دون الله هي مودة بينكم في الحياة الدنيا، ثم تنقطع ولا تنفع في الآخرة، وقرأ حمزة، وحفص عن عاصم، وروح عن يعقوب: (مَوَدَّةَ) نصبًا من غير تنوين على الإضافة بوقوع الاتخاذ عليها، وقرأ الباقون: (مَوَدَّةً) بالنصب والتنوين (بَيْنَكُمْ) بالنصب (١)، معناه: إنما اتخذتم هذه الأوثان مودةً بينكم.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تتوادُّون على عبادتها، وتتواصلوْن عليها في الدنيا.
﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ أي: يتبرأ القادة من الأتباع.
﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ المعنى: يلعن الأتباعُ القادةَ.
﴿وَمَأْوَاكُمُ﴾ جميعًا، العابدون والمعبودون، والتابعون والمتبعون.
﴿النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يُخلصونكم منها.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿فَآمَنَ لَهُ﴾ أي: لإبراهيم ﴿لُوطٌ﴾ لما رأى النار لا تحرقه، وهو أول من آمن به.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٤ - ٤٥).
العنكبوت 29:27
﴿وَقَالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى﴾ حيث أمرني.
﴿رَبِّي﴾ بالهجرة إليه، فهاجر من كوثا سواد الكوفة إلى حران، ثم إلى فلسطين، وهو أول من هاجر، ومعه لوط وسارة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل غير ذلك، ومنه قيل: لكل نبي هجرة، ولإبراهيم هجرتان. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي يمنعني من أعدائي.
﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يأمرني بما فيه صلاحي.
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾ فلم يبعث الله نبيًّا بعد إبراهيم إلا من نسله ﴿وَالْكِتَابَ﴾ يريد به: الجنس؛ ليتناول التوراة والزبور والإنجيل والقرآن ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ هو الثناء الحسن.
﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: في زمرتهم، وهم الأنبياء وأتباعهم صلوات الله عليهم أجمعين.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٦).
العنكبوت 29:28
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وهي إتيان الرجال.
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (إِنَّكُمْ) بالإخبار، وقرأ الباقون، وهم: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (أَئِنَّكمْ) بالاستفهام، فأبو عمرو يحقق الهمزة الأولى، ويسهل الثانية، وهو على أصله في إدخال ألف بينهما، والباقون: يحققون الهمزتين (١).
* * *
﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ طريق المارة، كانوا يجلسون عليها، فمن مر بهم، أخذوه، فأخبثوا به. اتفق القراء على الاستفهام في هذا الحرف، وهم على أصولهم، فنافع، وابن كثير،
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٠ و ٥٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٢ - ١٧٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٦٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٢ - ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٦ - ٤٧). وأبو جعفر، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: يحققون الهمزة الأولى، ويسهلون الثانية بين الهمزة والياء، ويفصل بين الهمزتين بألف: أبو جعفر، وأبو عمرو، وقالون، واختلف عن هشام، والباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: يحققون الهمزتين (١).
﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ﴾ أي: مجلسكم ومتحدَّثكم، والنادي والندِيُّ: مجلس القوم ما داموا فيه، فإذا خرجوا منه، فليس بنادي ﴿الْمُنْكَرَ﴾ هو إتيان الرجالِ بعضهم بعضًا في المجالس، روي أنهم كانوا يجلسون على الطريق، وعند كل واحد منهم (٢) قصعة فيها حصًا، فمن مر بهم، حذفوه، فمن أصابه منهم، فهو أحق به، فيأخذ ما معه، وينكحه، ويغرمه ثلاثة دراهم، ولهم قاض يقضي بينهم بذلك، ومنه: هو أجورُ من قاضي سدوم، وكان من أخلاقهم مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وفرقعتها، وحل الأزرار، والسباب والفحش، ورمي البندق، واللعب بالحمام.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ لما أنكر عليهم.
﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ له استهزاءً:
﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ فيما تعدنا من نزول العذاب.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٦٣ و ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٧).
(٢) "منهم" ساقطة في "ت".
العنكبوت 29:30
﴿قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] فعند ذلك ﴿قَالَ﴾ لوط: ﴿رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بتصديق قولي.
﴿عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ لحملهم الناس على ما لا يجوز.
* * *
﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ من الله بإسحاق ويعقوب.
قرأ هشام: (أَبْرَاهَامَ) بالألف.
﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ هي سدوم.
﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ﴾ بالكفر والمعاصي.
* * *
﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿قَالَ﴾ إبراهيم للرسل؛ إشفاقًا على المؤمنين، ومجادلة عنهم: أرأيتم إن كان فيهم مئة بيت من المؤمنين، أتتركونهم؟ قالوا: ليس فيهم ذلك، فجعل يتحدر حتى انتهى إلى عشرة أبيات، فقالت الملائكة: ليس فيها عشرة، ولا خمسة، ولا ثلاثة، ولا اثنان، فحينئذ قال إبراهيم:
﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ سُمِّيَ بذلك؛ لأن حبه لِيطَ بقلب عمّه إبراهيم؛ أي: تعلق ولصق، وكان إبراهيم يحبه حبًّا شديدًا، فراجعوه حينئذ، و ﴿قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ لا تخف أن يقع حَيْف على مؤمن.
العنكبوت 29:33
﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: بإسكان النون الثانية، وتخفيف الجيم، والباقون: بفتح النون وتشديد الجيم (١).
﴿وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ أي: الباقين في العذاب.
* * *
﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾ ظن أنهم من الإنس.
﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ فأجأته المساءة والغم خيفة عليهم من قومه. قرأ نافع، وابن عامر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (سِيءَ) بإشمام السين الضم (٢).
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أصله أن الرجل إذا طالت ذراعه، أدرك ما لم يدرك القصير، فجعل ضيق الذراع عبارة عن تحمل ما لا يطاق، والمعنى: اغتم غمًّا شديدًا؛ خوفًا أن يخبث قومه بهم.
﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الملائكة ﴿لَا تَخَف﴾ علينا ﴿وَلَا تَحْزَنْ﴾ بإهلاكنا إياهم.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٨).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٩).
العنكبوت 29:34
﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (مُنْجُوكَ) بإسكان النون وتخفيف الجيم، والباقون: بفتح النون وتشديد الجيم (١).
* * *
﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ قرأ ابن عامر: بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون: بإسكان النون (٢) وتخفيف الزاي.
﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾ عذابًا.
﴿مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم.
* * *
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا﴾ أي: من القرية (٣).
﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ آثار منازلهم الخربة.
﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يتدبرون الآيات تدبُّرَ ذوي العقول.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٣)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٠).
(٣) "أي: من القرية" زيادة من "ت".
العنكبوت 29:36
﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ نصب بأرسلنا مقدرة.
﴿فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ افعلوا ما ترجون به العاقبة.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾.
* * *
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة.
﴿فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ باركين على الركب ميتين.
* * *
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ نصب بمضمر؛ أي: أهلكناهما. قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص: (وَثَمُودَ) بغير تنوين على تأويل القبيلة، والباقون: بالتنوين، فمن نون، وقف بالألف، ومن لم ينون، وقف بغير ألف، وإن كانت مرسومة، فبذلك جاءت الرواية عنهم منصوصة (١).
﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ﴾ يا أهل مكة.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٠).
العنكبوت 29:39
﴿مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: منازلهم بالحِجْر واليمن ما وصف من إهلاكهم.
﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الطريق السوي.
﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ عقلاء متمكنين من النظر.
* * *
﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ﴾ أي: وأهلكناهم.
﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ والدلالات.
﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ فائتين عذابنا.
* * *
﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿فَكُلًّا﴾ منهم ﴿أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ عاقبناه به.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وهم قوم لوط، والحاصب: الريح التي تحمل الحصباء، وهي الحصا الصغار.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني: ثمود.
العنكبوت 29:41
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني: قارون وأصحابه.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني: قوم نوح، وفرعون وقومه.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيعاقبهم بغير جرم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالتعريض للعذاب.
* * *
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾.
[٤١] ولما كانت العنكبوت أضعف الحيوان، وبيته أضعف البيوت، ضرب مثلًا للأصنام وعابديها، فقيل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني: الأصنام، يرجون نفعها ونصرها.
﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ تأوي إليه، وهو في غاية الضعف، لا يدفع عنها حرًّا ولا بردًا، وكذلك الأوثان لا تملك لعابديها نفعًا ولا ضرًّا.
﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أن نفعهم بمعبوديهم كنفع العنكبوت ببيتها، لما عبدوهم.
وروي عن علي -رضي الله عنه-: أنه قال: "طهروا بيوتكم من نسيج العنكبوت؛ فإن تركه يورث الفقر" (١).
* * *
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٨٠).
العنكبوت 29:42
﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾ أي: قل للكفرة: إن الله يعلم ﴿مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْلَم مَّا) بإدغام الميم في الميم، والباقون: بالفك (١)، وقرأ أبو عمرو، وعاصم، ويعقوب: (يَدْعُونَ) بالغيب؛ لذكر الأمم، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)، فأما موضع (ما) من الإعراب، فقيل: معناه: أن الله يعلم الذين تدعون من دون الله من جميع الأشياء: أن حالهم هذه، وأنهم أمر لا قدرة له، و (من) تبيين، المعنى: الله مطلع عليكم وعلى أعمالكم، فيجازيكم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القاهر على كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل شيئًا إلا بحكمة وتدبير.
* * *
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] وكان الجهلة والسفهاء من قريش يقولون: إن ربَّ محمد يضرب
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٤/ ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥١).
العنكبوت 29:44
المثل بالذباب والعنكبوت، ويضحكون من ذلك، فنزل: ﴿وَتِلْكَ﴾ أي: وهذه.
﴿الْأَمْثَالُ﴾ الأشباه، والمثل: كلام سائر يتضمن تشبيه الآخر بالأول، يريد: أمثال القرآن التي شبه ما أحوال كفار هذه الأمة بأحوال كفار الأمم المتقدمة.
﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ لكفار مكة.
﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾ يعلم (١) فائدة ضربها.
﴿إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ الذين يعقلون عن الله، فيعملون بطاعته، ويجتنبون سخطه.
* * *
﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالغرض الصحيح الذي هو حق لا باطل، وهو أن تكون مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين منهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ لدلالة ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على عظم قدرته وتوحيده.
* * *
﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن.
(١) في "ت": "يفهم".
العنكبوت 29:46
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ﴾ المعروفة.
﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ ما قَبُحَ من الأعمال ﴿وَالْمُنْكَرِ﴾ ما لا يُعرف في الشرع، قال - ﷺ -: "من لم تَنْهَهُ صلاتُه عن الفحشاء والمنكر، لم يَزْدَدْ من الله إلا بُعدًا" (١).
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ أي: أفضل الطاعات؛ لأن ثواب الذكر الذكر، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]، وسئل - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ فقال: "أن تفارقَ الدنيا ولسانُك رَطْبٌ من ذكر الله" (٢).
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء.
* * *
﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَلَا تُجَادِلُوا﴾ تخاصموا ﴿أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: باللين إذا بذلوا الجزية ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ بالمعاندة، استثناء من الجنس؛ أي: إلا الذين أبوا أن يعطوا الجزية، ونصبوا الحرب، فأولئك
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١١٠٢٥)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٥٠٩)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٩/ ٣٠٦٦)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٤٤).
(٢) رواه ابن حبان في "صحيحه" (٨١٨)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٩٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥١٦)، عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه-.
العنكبوت 29:47
انتصِرُوا منهم، وجادلوهم بالسيف حتى يؤمنوا (١)، أو يُقِرُّوا بالجزية.
﴿وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ المعنى: أخبروهم أنكم مؤمنون بالله، وجميع كتبه.
روي أن رسول الله - ﷺ - جاءه رجل من اليهود، ومُرَّ بجنازة، فقال: يا محمد! هل تتكلم هذه الجنازة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "الله أعلم"، فقال اليهودي: إنها تتكلم، فقال - ﷺ -: "ما حدثكم أهلُ الكتاب، فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان باطلًا، لم تصدِّقوه، وإن كان حقًّا، لم تكذِّبوه" (٢).
* * *
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكإنزالنا التوراة ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ﴾ التوراة؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه.
﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ﴾ وهم من أسلم من كفار مكة ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾ وذلك أن اليهود عرفوا أن محمدًا نبي، والقرآن حق، فجحدوا.
* * *
(١) في "ت": "يسلموا".
(٢) رواه أبو داود (٣٦٤٤)، كتاب: العلم، باب: رواية حديث أهل الكتاب، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٢١٢١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٢٠٦)، عن ابن أبي نملة الأنصاري، عن أبيه.
العنكبوت 29:48
﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن.
﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ﴾ تكتبه ﴿بِيَمِينِكَ﴾ وقوله: بيمينك؛ لأن الكتابة غالبًا تكون باليمين، المعنى: لم تكن قارئًا ولا كاتبًا، ولو كنت تعرف شيئًا من ذلك.
﴿إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ في نبوتك، وقالوا: الذي نجده في كتبنا أمي لا يكتب ولا يقرأ، وإنما أخذه من كتب من تقدمه.
* * *
﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: محمد - ﷺ - ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي: ذو آيات واضحات.
﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ لأنهم يجدونه في كتبهم كذلك لا يكتب ولا يقرأ، وقيل: المعنى: بل القرآن آيات بينات في صدور المؤمنين الذين حفظوه؛ لأن من خصائص القرآن كونه معجزًا، وهو محفوظ في الصدور، بخلاف سائر الكتب؛ لأن من تقدم كانوا لا يقرؤون كتبهم إلا نظرًا، فإذا أطبقوه، لم يعرفوا منه شيئًا، سوى الأنبياء، وما نقل عن قارون.
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ اليهود.
* * *
العنكبوت 29:50
﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ أي: هَلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (آيَةٌ) على التوحيد إرادة الجنس، وقرأ الباقون: (آيَاتٌ) على الجمع؛ كالناقة، والعصا، والمائدة (١).
﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرته، ينزلها إذا شاء، وليس إلي من ذلك شيء.
﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ كُلِّفت الإنذارَ وإبانتَه بالدلائل الواضحة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن.
﴿يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ بصدقك، وهو أعظم الآيات، لأنه ثابت على مرور الأيام؛ بخلاف سائر الآيات، فإنها انعدمت.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ القرآن الذي هو آية مستمرة.
﴿لَرَحْمَةً وَذِكْرَى﴾ تذكيرًا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٢).
العنكبوت 29:52
﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ولما لم يصدقوا بالقرآن، نزل: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا﴾ لي بالبلاغ، وعليكم بالتكذيب؛ لأنه ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يخفى عليه حالي وحالكم.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ﴾ أي: بغير الله.
﴿وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ والمغبونون؛ لاشترائهم الكفر بالإيمان.
* * *
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ونزل فيمن استعجل العذاب استهزاءً: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ بقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال: ٣٢].
﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ في اللوح المحفوظ؛ أنهم يعذبون فيه، وهو يوم القيامة.
﴿لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ عاجلًا.
﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة في الدنيا، كيوم بدر، والآخرة عند نزول الموت بهم.
﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه.
العنكبوت 29:54
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ أعاده تأكيدًا.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ جامعة لهم.
* * *
﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ﴾ يُصيبهم ﴿الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ أي: من جميع جوانبهم، المعنى: إذا غشيهم العذاب، أحاطت بهم جهنم.
﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا﴾ جزاء ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي. قرأ نافع، والكوفيون: (وَيَقُولُ) بالياء؛ أي: ويقول لهم الموكَّلُ بعذابهم، وقرأ الباقون: بالنون (١)، وهي إما نون العظمة، أو نون جماعة الملائكة.
* * *
﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾.
[٥٦] ونزل فيمن كان يؤذى بمكة من ضعفاء المسلمين، ويخشى الجوع إن خرج ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فاخرجوا، فأنا رازقكم حيث كنتم.
﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ والفاء في (فَإِيَّايَ) جواب شرط محذوف، تقديره: إن
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٣).
العنكبوت 29:57
لم تتمكنوا من العبادة بأرض؛ لكثرة المعاصي، فاعبدون بغيرها، في الحديث: "من فرَّ بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرًا من الأرض، استوجبَ الجنةَ، وكان رفيقَ إبراهيمَ ومحمدٍ" (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم: (يَا عِبَادِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ ابن عامر: (أَرْضِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ يعقوب: (فَاعْبُدُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٤).
* * *
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ثم شجَّع المهاجرين بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أي: مرارته؛ كما يجد الذائق طعم المذوق، المعنى: كل أحد ميت أينما كان، فلا تقيموا بدار الشرك خوفًا من الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ فنجازيكم بأعمالكم. قرأ أبو بكر عن عاصم:
(١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٧/ ٢٨٨) عن الحسن مرسلًا، وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٣٥١).
(٢) انظر "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٤).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٢ - ٥٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٤).
(٤) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٤).
العنكبوت 29:58
(يُرْجَعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ويعقوب: على أصله في فتح التاء وكسر الجيم (١).
* * *
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) بالثاء المثلثة ساكنة بعد النون، وإبدال الهمزة ياء؛ من الثواء، وهي الإقامة، يقال: ثوى الرجل: إذا أقام، وأثويته: إذا أنزلته منزلًا يقيم فيه، وقرأ الباقون: بالباء الموحدة وفتحها وتشديد الواو وهمز بعدها (٢)، وأبو جعفر: على أصله في إبدال الهمزة ياء مفتوحة (٣)؛ من التبوء وهو المنزل، أي: لننزلنهم.
﴿مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ علالي ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٣/ ٣٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٥٤ - ٥٥).
(٢) المصادر السابقة.
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٥).
العنكبوت 29:59
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الشدائد ومفارقة الأوطان وأذى المشركين.
﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ يعتمدون.
* * *
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾.
[٦٠] ولما قال النبي - ﷺ - للمؤمنين الذين كانوا بمكة، وقد آذاهم المشركون: "هاجروا إلى المدينة"، فقالوا: كيف نخرج إلى المدينة، وليس لنا فيها دار ولا مال، فمن يطعمنا ما ويسقينا؟! فأنزل الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ (١) أي: وكم.
﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ هي كل نفس تدب على الأرض من الحيوان. وتقدم اختلاف القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورة الحج عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الآية: ٤٥].
﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لا تطيق حمله؛ ضعفًا عن حمله وكسبه.
﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ حيث كنتم.
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم: لا نجد ما ننفق في المدينة.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في ضمائركم.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١).
العنكبوت 29:61
قال - ﷺ -: "لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خِماصًا، وتروح بطانًا" (١).
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: كفارَ مكة.
﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود، وإن اعترفوا بذلك.
فقل: ﴿فَأَنَّى﴾ أي: فكيف ﴿يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن طاعته وتوحيده، مع اعترافهم أنه خالق الأشياء العظام التي هي دلائل القدرة؟! والاستفهام فيه للتوبيخ والتقريع.
* * *
﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق ﴿لَهُ﴾ والضمير في قوله: (يَقْدِرُ لَهُ) لمن يشاء، فكأن بسط الرزق وقدره جُعلا لواحد، ويحتمل أن يكون تقديره: ويبسط لمن يشاء، ويقدر لمن يشاء، فحذف من يشاء، ووضع الضمير موضعه.
(١) تقدم تخريجه.
العنكبوت 29:63
﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يصلح العباد، وما يفسدهم.
* * *
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ معترفين بأنه الموجد للممكنات بأسرها.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على ثبوت الحجة عليكم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما يقولون؛ لأنهم مع إقرارهم بذلك يشركون.
* * *
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ﴾ واللهو: هو الاستمتاع بملذات الدنيا.
﴿وَلَعِبٌ﴾ أي: عبث، وسميت بذلك؛ لتشاغلهم بها، وسرعة فنائها.
﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ أي: حياتها ﴿لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ أي: حياة لا موت فيها، وسميت بالحيوان؛ لأن في الحيوان زيادة مبالغة على الحياة، وهو مصدر حَيِيَ، وقياسه حَيْيَان، قلبت الياء واوًا؛ لئلا تحذف إحدى الألفات، والحياة حركة، والموت سكون، والحيوان مقر الحياة، وهو ضربان: ماله الحاسة، والآخر ماله البقاء الدائم، تلخيصه: لهم البقاء السرمدي.
العنكبوت 29:65
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لم يؤثروا الدنيا على الآخرة.
* * *
﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿فَإِذَا رَكِبُوا﴾ أي: الكفار ومعهم أصنامهم.
﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في البحر، وخافوا الغرق.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي: لم يشركوا أحدًا معه في الدعاء.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ عنادًا.
* * *
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ من النعم، لفظه أمر، ومعناه التهديد.
﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ بما بأيديهم من النعم. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وقالون: (وَلْيَتَمَتَّعُوا) بإسكان اللام أمرًا تهديدًا، وقرأ الباقون: بكسرها (١)، جعلوها لام كي، تلخيصه: لا فائدة لهم في الإشراك إلا الكفر والتمتع.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبةَ ذلك حين يُعاقبون.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٨).
العنكبوت 29:67
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ أهلُ مكة.
﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًاءَامِنًا﴾ يأمنون فيه.
﴿وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ كانت العرب حول مكة يغزو بعضهم بعضًا، وأهل مكة آمنون.
﴿أَفَبِالْبَاطِلِ﴾ الأصنام والشياطين ﴿يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ الله﴾ محمد والإسلام ﴿يَكْفُرُونَ﴾ وهذا تذكير لأهل مكة.
* * *
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بزعمه الشريكَ والولدَ لله تعالى.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ﴾ محمدٍ والقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُ﴾ من غير توقف عنادًا.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ مقام للكافرين؟ استفهام بمعنى التقرير؛ لأن همزة الإنكار إذا أدخلت على النفي، صار إيجابًا، أي: ألا يستوجبون الثواء فيها، وقد افتروا هذا الكذب الشنيع؟!
* * *
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا﴾ أي: من أجلنا؛ لنصرة ديننا. ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ لنزيدنهم هداية إلى سبل الخير. قرأ أبو عمرو: (سُبْلَنَا) بإسكان الباء، والباقون: بضمها (١)، وكذلك اختلافهم في (رسلنا) و (رسلهم) و (رسلكم) حيث وقع.
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ بالنصر والمعونة، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٥٩).
الروم 30:1
سُورَةُ الرُّومِ
مكية، إلا قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾، آيها: ستون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وخمس مئة وأربعة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثمان مئة وتسع عشرة كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
* * *
﴿الم (١)﴾.
[١] نقل المفسرون أنه كان بين فارس والروم قتال، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم؛ لأنهم أصحاب كتاب مثلهم، والمشركون يحبون ظهور فارس؛ لأنهم كانوا مجوسًا لا كتاب لهم كالمشركين، فبعث كسرى ملك فارس جيشًا، وبعث قيصر ملك الروم جيشًا، فالتقيا فغلب فارس الروم، فبلغ ذلك المسلمين بمكة، فشق عليهم، وفرح به كفار مكة، وقالوا للمسلمين: إنكم أهل كتاب، والنصارى أهل كتاب، ونحن أميون، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من الروم، وإنكم إن قاتلتمونا، لنظهرن عليكم، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿الم﴾ (١) تقدم التنبيه على
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٥)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٢٥)، و "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٥٤)، =
الروم 30:2
معناه، ومذهب أبي جعفر في تقطيع الحروف أول سورة العنكبوت.
* * *
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢)﴾.
[٢] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ حين قاتلهم الفرس.
* * *
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ أقربها، وهي أذرعات وبصرى، وهي أدنى الشام إلى أرض العرب والعجم ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ الفرسَ.
* * *
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ هو ما بين ثلاث إلى عشر، فلما نزلت الآيات، قال أبو بكر: "لا يقر الله أعينكم، ستكون لهم الغلبة عليكم" فَنَاحَبَهُ؛ أي: راهنه أُبي بن خلف على عشر قلص إلى ثلاث سنين، فأخبر النبي - ﷺ - بذلك، فقال: "إنما البضع من الثلاث إلى التسع، فزايده في الخطر، وماده في الأجل"، وذلك قبل تحريم القمار، فجعلا المناحبة على مئة قلوص إلى تسع سنين، فمات أُبي بن خلف من طعنة النبي - ﷺ - حين بارزه، ثم نصرت الروم بعد سبع سنين، وكان يوم الحديبية أو بدر، فأخذ أبو بكر الرهن من
= و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٤٧٨). ورثة أُبي، وجاء به يحمله إلى النبي - ﷺ -، فقال له: "تصدق به" (١). وقرأ عبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، والحسن، وعيسى بن عمر: (غَلَبَتِ الرُّومُ) بفتح الغين واللام، و (سَيُغْلَبُونَ) بضم الياء وفتح اللام (٢)، وقالوا: نزلت حين أخبر النبي - ﷺ - غلبة الروم فارس، ومعنى الآية: غلبت الروم فارس في أدنى الأرض إليكم، وهم من بعد غلبهم سيغلبهم المسلمون في بضع سنين، وعند انقضاء هذه المدة أخذ المسلمون في جهاد الروم، قال البغوي: والأول أصح، وهو قول أكثر المفسرين (٣).
وقد حكى بعض المؤرخين في معنى ذلك: أن بيت المقدس لما فتح على يد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في سنة خمس عشرة، أو ست عشرة من الهجرة الشريفة، واستمر بأيدي المسلمين أربع مئة وسبعًا وسبعين سنة، ثم تغلب عليه الفرنج، واستولوا عليه في شعبان سنة اثنتين وتسعين وأربع مئة من الهجرة الشريفة، واستمر بأيديهم إحدى وتسعين سنة، إلى أن فتحه الله على يد الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -رحمه الله- في يوم الجمعة سابع عشري رجب سنة ثلاث وثمانين وخمس مئة، ووقع من الاتفاقات العجيبة أن الناصر صلاح الدين كان قبل ذلك استولى على مدينة حلب في صفر سنة تسع وسبعين وخمس مئة فامتدحه القاضي محي الدين بن الزكي قاضي دمشق بقصيدة منها:
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ١٧ - ١٨).
(٢) انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٣).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٧). وَفَتْحُكُمْ حَلَبًا بِالسَّيْفِ في صَفَرٍ؍ مبشرٌ بفتوحِ القدسِ في رَجَبِ؍
فكان كما قال، وفتح القدس في رجب كما تقدم، فقيل له: من أين لك هذا؟ فقال: أخذته من تفسير ابن مرجان (١) في قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، وكان الإمام أبو الحكم بن مرجان الأندلسي قد صنف تفسيره المذكور في سنة عشرين وخمس مئة، وبيت المقدس يومئذ بيد الفرنج لعنهم الله.
قال ابن خلكان في "تاريخه" في ترجمة ابن الزكي: ولما وقفت أنا على هذا البيت وهذه الحكاية، لم أزل أتطلب تفسير ابن مرجان حتى وجدته على هذه الصورة، ولكن رأيت هذا الفصل مكتوبًا في الحاشية بخط الأصل، ولا أدري هل كان من أصل الكتاب، أم هو ملحق، قال وذكر له حسابًا طويلًا وطريقًا في استخراج ذلك حين حزره من قوله تعالى: ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾، انتهى (٢)، وقد صحيح البغوي الأول كما تقدم.
﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ من قبل قتالهم وبعده، فأي الفريقين كان له الغلبة، فهو بأمر الله وقضائه.
﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم يغلب الروم فارس.
﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾.
* * *
(١) "برجان" في: "ت".
(٢) انظر: "وفيات الأعيان" لابن خلكان (٤/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
الروم 30:5
﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾.
[٥] ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ من له كتاب على من لا كتاب له.
﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فينصر هؤلاء تارة، وهؤلاء أخرى.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب.
﴿الرَّحِيمُ﴾ بالمؤمنين.
* * *
﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ نصب على المصدر؛ أي: وعد الله وعدًا بظهور الروم على فارس.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ صحة وعده؛ لجهلهم.
* * *
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾.
[٧] ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ من أمر معاشهم، ولا فرق بين عدم العلم وبين العلم المقصور على الدنيا.
﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ساهون لا يتفكرون فيها، وكرر الضمير تأكيدًا.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾.
[٨] ثم وبخهم على ترك النظر فيما يدلهم على المطلوب منهم فقال:
الروم 30:9
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: ألم يحدثوا الفكرة الصالحة في قلوبهم.
فيقولوا: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أي: لم يخلقهما عبثًا، بل لحكم ظاهرة ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ آتٍ (١) لوقت معلوم، إذا انتهت إليه، فنيت، وهو يوم القيامة.
﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ بالبعث والجزاء.
﴿لَكَافِرُونَ﴾ جاحدون، يظنون بقاء الدنيا، وعبر عنه بلقاء الله؛ لأنه عظم الأمر، وفيه النجاة والهلكة.
* * *
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾.
[٩] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أهل مكة.
﴿فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ المعنى: ألم يسافروا، فيعترفوا (٢) مصارع المهلكين؛ كعاد وثمود بعد أن.
﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ حرثوها وقلبوها للزراعة، وسمي الثور ثورًا؛ لإثارته الأرض؛ كما سميت بقرة لبقرها الأرض.
(١) "آتٍ" زيادة من "ت".
(٢) في "ت": "فيعتبروا".
الروم 30:10
﴿وَعَمَرُوهَا﴾ أي: المدمَّرين ﴿أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ أكثر من عمارة أهل مكة، فأُهلكوا، فما الظن بأهل مكة، وهم دونهم في العدد والعُدَد وقوة الجسد.
﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فلم يؤمنوا، فأهلكهم الله.
﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ فيدمرهم من غير جرم.
﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بكفرهم.
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ﴾ أي: آخر أمر ﴿الَّذِينَ أَسَاءُوا﴾ العمل بكفرهم.
﴿السُّوأَى﴾ تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، يعني: الخلة التي تسوْؤهم، وهي جهنم.
﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ أي: لأجل أن كذبوا (١).
﴿بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ محمد - ﷺ -، والقرآن.
﴿وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (عَاقِبَةُ) بالرفع اسم كان، وخبرها (السُّوءَى)، وقرأ الباقون: بالنصب على خبر كان (٢)، وتقديره: ثم كان السوءى عاقبة الذين أساؤوا.
(١) "أى: لأجل أن كذبوا" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
الروم 30:11
﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئهم ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بالبعث بعد الموت.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجزيهم بأعمالهم. قرأ أبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: (يُرْجَعُونَ) بالغيب مع ضم حرف المضارعة، واختلف عن يعقوب، فقرأ رويس: بالخطاب، وروح: بالغيب، وكل منهما يفتح حرف المضارعة على أصل يعقوب، وقرأ الباقون: بالخطاب مع الضم (١).
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ﴾ أي: ييئس.
﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون من كل خير.
* * *
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ الذين عبدوهم دون الله.
﴿شُفَعَاءُ﴾ يجيرونهم من عذاب الله.
﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ﴾ أي: بآلهتهم ﴿كَافِرِينَ﴾ جاحدين، يتبرأ كل
= (٢/ ٢٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٥).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨ و ٣٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٧).
الروم 30:14
واحد منهم من الآخر، وكتب (شُفَعَؤُاْ) بواو قبل الألف؛ كما كتب (عُلَمَؤُاْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) في الشعراء [الآية: ١٩٧]، و (السُّوأَى) بألف قبل الياء إثباتًا للهمزة على صورة الحرف الذي منه حركتها.
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ بعد الحساب إلى الجنة والنار، فلا يجتمعون أبدًا.
* * *
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ بستان مخضر في الجنة.
﴿يُحْبَرُونَ﴾ يُسرون، وكل أرض ذات نبات وماء روضة، ونكرت إرادةً الجنس، وتفخيمًا لها.
* * *
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ بالبعث يوم القيامة.
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ لا يغيبون عنه.
* * *
الروم 30:17
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾.
[١٧] سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن المواقيت الخمس، هل هي في كتاب الله تعالى؟ قال: "نعم"، ثم تلا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ (١) أي: نزهوا الله.
﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ تدخلون في المساء، والمراد: صلاتا المغرب والعشاء.
﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ أي: تدخلون في الصباح، وهو صلاة الفجر.
* * *
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: "يحمده أهل السموات والأرض ويصلون" (٢)، ﴿وَعَشِيًّا﴾ هي صلاة العصر.
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ تدخلون في الظهيرة، وهي صلاة الظهر.
واتفق الأئمة على أن الصلوات المفروضات في اليوم والليلة خمس، وعلى أنها سبع عشرة ركعة، الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث، والعشاء أربع، والفجر ركعتان، وتجب الصلاة بأول الوقت لغير معذور، وعليه بآخره بالاتفاق.
فأول وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وهو ابتداء طول الظل بعد تناهي
(١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١٠٣)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٥٩٦)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٤١).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١). قصره بالاتفاق، وآخر وقتها: إذا صار ظل الشيء مثله بعد الذي زالت فيه الشمس عند الشافعي وأحمد، وقال مالك: هو آخر وقت الظهر، وهو بعينه أول وقت العصر المختار يكون وقتًا لهما ممتزجًا بينهما، فإذا زاد زيادة بينة، خرج وقت الظهر المختار، واختص الوقت بالعصر، وعند أبي حنيفة آخر وقت الظهر مصير ظل الشيء مثليه، وخالفه صاحباه، فوافقا الشافعي وأحمد.
ثم العصر، ووقتها من خروج وقت الظهر على الاختلاف بينهم، وآخر وقتها المختار مصير ظل كل شيء مثليه عند مالك والشافعي وأحمد، ووقت الضرورة عند الشافعي وأحمد إلى غروب الشمس، وهو آخر الوقت عند أبي حنيفة، وقال مالك: وقت الضرورة ببقاء خمس ركعات من النهار يدرك ما الظهر والعصر، وما دون ذلك يدرك ما العصر دون الظهر.
ثم المغرب، ووقتها من مغيب الشمس بالاتفاق، قال مالك: وقت المغرب في الأخبار مغيب الشمس، وهو وقت واحد مضيق غير ممتد، لا يؤخر عنه، مقدر آخره بالفراغ منها في حق كل مكلف، وآخر وقتها عند الشافعي وأحمد مغيب الشفق الأحمر بالأفق، وهو من بقايا شعاع الشمس، وعند أبي حنيفة هو البياض الذي يبقى بعد الحمرة؛ خلافًا لصاحبيه.
ثم العشاء، ووقتها من مغيب الشفق على الاختلاف بينهم، وآخر وقتها المختار عند مالك والشافعي وأحمد ثلث الليل الأول، ووقت الضرورة عند مالك بقاء أربع ركعات من الليل قبل طلوع الفجر يدرك ما المغرب والعشاء، وما دون ذلك يدرك بها العشاء وحدها، وعند الشافعي وأحمد وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني، وهو البياض الذي يبدو من قبل
الروم 30:19
المشرق معترضًا بالأفق ولا ظلمة بعده، وهو آخر الوقت عند أبي حنيفة.
ثم الفجر، ووقتها من طلوع الفجر الثاني وهو الصادق إلى طلوع الشمس بالاتفاق، وتعجيلها أفضل عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة يستحب الإسفار، فمن أدرك قبل الشمس ركعة، فقد أدرك الصلاة عند الشافعي، وعند مالك مع الطمأنينة، وعند أحمد يدرك الوقت بتكبيرة الإحرام، وكذا الحكم عندهم في جميع الصلوات، وعند أبي حنيفة إذا طلعت الشمس وهو في صلاة الفجر بطلت صلاته، وليس كذلك إذا خرج الوقت في بقية الصلوات، والزائد على قدر واجب في الصلاة في قيام ونحوه نفل بالاتفاق.
* * *
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كالإنسان من النطفة، والطائر من البيضة.
﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ عكسه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (الْمَيِّت) بالتشديد في الحرفين، والباقون: بالتخفيف (١).
﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالمطر وإخراج النبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.
﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: كذلك نحييكم عند البعث. قرأ حمزة،
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٨).
الروم 30:20
والكسائي، وخلف: (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء وضم الراء، والباقون: بضم التاء وفتح الراء، واختلف عن ابن ذكوان (١).
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ دلائله الدالة على قدرته ووحدانيته.
﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾ أي: خلق أصلكم، وهو آدم ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ تنبسطون في الأرض، و (إِذَا) للمفاجأة؛ أي: فاجأتم وقت كونكم بشرًا منتشرين.
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ حواء من ضلع آدم، والنساء بعدها من أصلاب الرجال ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ لتأووا إلى أزواجكم.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً﴾ الجماع ﴿وَرَحْمَةً﴾ الولد، فبرحمة الله يتعاطفون، ويرزق بعض بعضًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في عظمة الله وقدرته.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٧)، و"التيسير" للداني (٣/ ٤٩٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٩).
الروم 30:22
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ باللغات.
﴿وَأَلْوَانِكُمْ﴾ أبيض وأسود وغيرهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ظاهرة ﴿لِلْعَالِمِينَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: بكسر اللام الثالثة، جمع عالم، وهو ذو العلم، وخص العلماء؛ لأنهم أهل النظر والاستدلال، دون الجهال المشغولين بحطام الدنيا وزخارفها، وقرأ الباقون: بفتح اللام (١)، جمع العالم، وهم الخلق، معناه: الآيات حجة على كل مخلوق.
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ أي: نومكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
﴿وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: جعل الليل للسكنى، والنهار للتصرف في طلب المعاش.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واعتبار.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٩).
الروم 30:24
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا﴾ من الصواعق.
﴿وَطَمَعًا﴾ في الغيث.
﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (وَيُنْزِلُ) بالتخفيف، والباقون: بالتشديد (١).
* * *
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ أي تدوما قائمتين إلى أجلهما.
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: من القبور ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ المعنى: من دلائله على ألوهيته قيام السموات والأرض، ثم خروج الموتى حين يقال: يا أهل القبور اخرجوا، فيخرجون بلا توقف ولا إباء.
* * *
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٦٩).
الروم 30:26
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ مطيعون لا يمتنعون عليه، والمراد: طاعة الإرادة، لا طاعة العبادة.
* * *
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ينشئه من العدم أولًا.
﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ بعد الموت للبعث.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي هو هين عليه، وما شيء عليه بعزيز.
﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الوصف الذي ليس لغيره مثله.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ صفتان موافقتان لمعنى الآية؛ لأنه وصف الوحدانية.
* * *
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ثم عقبه بصفات التشريك فقال: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: بين لكم شبهًا من حالكم، و (مِنْ) هذه ابتدائية؛ أي: أخذ مثلًا وانتزعه من أقرب شيء منكم، وهي أنفسكم، ثم بين المثل فقال: {هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا
الروم 30:29
﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من عبيدكم وإمائكم، و (مِنْ) هنا تبعيض.
﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من المال، و (مِنْ) هنا زائدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ﴾ في المال.
﴿سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ أي: تخافون مواليكم خيفة ﴿كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: أمثالكم من الأحرار، المعنى: هل ترضون أن يشارككم مَنْ ملكت أيمانكم فيما رزقناكم، فتكونوا سواء، فتخافونهم أن ينفردوا بأمر دونكم، كما تخافون الشركاء الأحرار؟ فإذا لم ترضوا ذاك، فكيف ترضون لله بشريك فيما يملكه؟ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا التفصيل ﴿نُفَصِّلُ﴾ نبين ﴿الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ينظرون إلى هذه الدلائل بعقولهم.
* * *
﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] فلما لم ينزجروا، أضرب عنهم فقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالكفر ﴿أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل تقليدًا للجهالة ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ﴾ أي: أضلَّه.
﴿اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ مانعين من العذاب.
* * *
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾ أخلصْ دينك لله، وذكر الوجه؛ لأنه جامع
الروم 30:31
حواس الإنسان وأشرفه ﴿حَنِيفًا﴾ مائلًا إليه عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ خلقة الله. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (١)، ويعقوب: (فِطْرَهْ) بالهاء (٢)، وهو نصب على الإغراء؛ أي: الزم فطرة الله.
﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ وهي الإسلام.
﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ خبر بمعنى النهي؛ أي: لا تبدلوا دين الله.
﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ المستقيم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ استقامته؛ لعدم تدبرهم.
* * *
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ أي: فأقم وجهك أنت وأمتك منيبين؛ أي: راجعين إليه بالتوبة، لأن مخاطبته - ﷺ - تدخل معه فيها الأمة.
﴿وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
* * *
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ بدل من المشركين؛ أي:
(١) "والكسائي" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٠).
الروم 30:33
جعلوه فرقًا مختلفة فيما يعبدونه على اختلاف (١) أهوائهم. قرأ حمزة، والكسائي: (فَارَقُوا) بألف بعد الفاء وتخفيف الراء؛ أي: خرجوا من دينهم وتركوه، وقرأ الباقون: بغير ألف مشددًا على المعنى الأول (٢).
﴿وَكَانُوا شِيَعًا﴾ أي: صاروا فرقًا مختلفة.
﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ﴾ من الدين.
﴿فَرِحُونَ﴾ مسرورون؛ ظنًّا منهم أنه الحق.
* * *
﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ قحط وشدة ﴿دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ﴾ منقلبين.
﴿إِلَيْهِ﴾ بالدعاء.
﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ خصبًا ونعمة.
﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ فأجاء فريق منهم بالإشراك.
* * *
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ثم أمرهم إيعادًا وتهديدًا فقال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: بسبب ما أتيناهم، ثم خاطب هؤلاء الذين فعلوا هذا خطاب تهديد.
فقال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ حالكم في الآخرة.
(١) "اختلاف" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧١).
الروم 30:35
﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا﴾ أي: حجة.
﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ أي: يبين عذرهم عن شركهم.
* * *
﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً﴾ نعمة من مطر ونحوه.
﴿فَرِحُوا بِهَا﴾ فرح البطر.
﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ قحط ونحوه.
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من أعمالهم الخبيثة.
﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ فأجاؤا القنوط، وهو الإياس من رحمته تعالى. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي، وخلف: (يَقْنِطُونَ) بكسر النون، والباقون: بفتحها (١).
* * *
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ يوسِّعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يضيق.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٢).
الروم 30:38
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فيستدلون بها على قدرته وحكمته.
* * *
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ بأن تبره وتصله ﴿وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ من الزكاة، وتقدم الكلام عليهما في سورة التوبة، واختلاف الأئمة فيهما، وفي بقية الأصناف الثمانية ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ يطلبون ثوابه.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ حيث حصلوا بما بسط لهم من (١) النعيم المقيم.
* * *
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ قرأ ابن كثير: (أَتيتُمْ) بقصر الهمزة، وقرأ الباقون: بالمد (٢)؛ أي: أعطيتم، ومن قصر، فمعناه: ما جئتم من ربا ذلك على وجه الإعلام (٣)؛ كما تقول: أتيت خطأً، وأتيت صوابًا، فهو يؤول في المعنى إلى قول من مد ﴿لِيَرْبُوَا﴾ أي: يزيد ﴿فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ قرأ
(١) "من" ساقطة في "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٢).
(٣) في "ت": "ومجيئهم ذلك على وجه الإعطاء".
الروم 30:40
نافع، وأبو جعفر، ويعقوب: (لِتُرْبُوا) بالتاء المضمومة وسكون الواو على الخطاب؛ أي: لتربوا أنتم، وتصيروا ذوي زيادة من أموال الناس، وقرأ الباقون: بالغيب وفتح الياء والواو، وجعلوا الفعل للربا (١)؛ لقوله: ﴿فَلَا يَرْبُو﴾ أي: لا ينمو ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ ولا يبارك فيه.
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ﴾ تبتغون ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾ اتفق القراء على مد (مَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ) من أجل قوله: (وَإِيَتاءِ الزَّكَاةِ)، ثم رجع من الخطاب إلى الغيبة.
فقال: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ تُضاعَف حسناتهم.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ المعنى: هو المختص بهذهِ الأشياء ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فلم يجيبوا عجزًا.
فقال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به من المعبودين. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (تُشْرِكُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٤٩٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٥١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٣).
الروم 30:41
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾ الجدب وقلة البركة ﴿فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ السواحل والمدن التي على ظهر البحر والأنهار، وقال الحسن بن أبي الحسن: البر والبحر هما المعروفان المشهوران في اللغة، قال ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح، وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات، ونزول رزايا وحدوث فتن، وتغلب عدو، وهذه الثلاثة توجد في البر (١) والبحر (٢).
﴿بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: جزاءً بما كسبت.
﴿أَيْدِي النَّاسِ﴾ من الذنوب.
﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ قرأ روح عن يعقوب، وقنبل بخلاف عنه: (لِنُذِيقَهُمْ) بالنون، والباقون: بالياء (٣) أي عقوبة ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ من الذنوب ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن معاصيهم بالتوبة.
* * *
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ليروا
(١) "البر" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٣٤٠).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٤).
الروم 30:43
منازلهم ومساكنهم خاوية ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ فأهلكوا بكفرهم.
* * *
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ تقدم تفسيره.
﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ المستقيم، وهو دين الإسلام.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ يوم القيامة ﴿لَا مَرَدَّ لَهُ﴾ لا يقدر أحد على رده ﴿مِنَ اللَّهِ﴾. قرأ حمزة: (لاَ مَرَدَّ لَهُ) بالمد بحيث لا يبلغ الإشباع (١).
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتفرقون: فريق إلى الجنة، وفريق إلى النار.
* * *
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: وَبالُ كفره.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ يوطِّئون منزلًا في الجنة.
* * *
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من عطائه.
﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ لا يُظهر عليهم أمارات الرحمة، ولا يرضاه لهم دينًا.
(١) سلفت عند تفسير الآية (٢) من سورة البقرة.
الروم 30:46
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ الشمال والصبا والجنوب؛ فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور، فريح العذاب ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالمطر.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المنافع التابعة لها.
﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ في البحر بالرياح.
﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا من رزقه بتجارة البحر.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ نعمة الله.
* * *
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات على صدقهم.
﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ عذبنا الذين كذبوهم.
﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بإنجائهم من العذاب لإيمانهم.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الرِّيحَ)
الروم 30:49
بغير ألف على التوحيد إرادة الجنس، والباقون: بألف على الجمع (١)، ولا خلاف في الحرف المتقدم قبل هذا أنه على الجمع.
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ أي: تنشره ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ﴾ أي: نحوها.
﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من قلة وكثرة.
﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ قرأ ابن عامر، وأبو جعفر: بإسكان السين على التوحيد، وقرأ الباقون: بفتح السين جمع كسفة؛ أي: قطعًا، واختلف عن هشام (٢) ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ أي: المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ وسطه.
﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالودق.
﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بالمطر.
* * *
﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: الخلق ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ المطر.
﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل السحاب ﴿لَمُبْلِسِينَ﴾ آيسين.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٤).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٤ - ٧٥).
الروم 30:50
﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (أَثَرِ) بقصر الهمزة وحذف الألف بعد الثاء على التوحيد، وقرأ الباقون: بمد الهمزة وألف بعد الثاء على الجمع (١)، وأمال الدوري عن الكسائي فتحة الثاء (٢)، و (رَحْمَتِ) رسمت بالتاء في سبعة مواضع، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣)، المعنى: انظر إلى تأثير المطر.
﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بالنبات والأشجار وأنواع الثمار.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: محييها بعد الموت.
﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وهو الله تعالى.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من البعث وغيره.
* * *
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا﴾ مضرة على زرعهم، فأفسدته ﴿فَرَأَوْهُ﴾ أي:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٥).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٩)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٥٤ - ٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٦).
(٣) سلفت عند تفسير الآية (٢١٨) من سورة البقرة.
الروم 30:52
النبات ﴿مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته ﴿لَظَلُّوا﴾ أي: ليظلُّنَّ ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ بعد اصفراره ﴿يَكْفُرُونَ﴾ يجحدون ما سلف من النعم.
* * *
﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
* * *
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ تقدم تفسير نظير هاتين الآيتين. واختلاف القراء فيهما مستوفًى في سورة النمل [الآية: ٨١]، وكذا الحكم في التفسير والاختلاف هنا.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ أي: من النطف ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ أي: من بعد ضعف الطفولة قوة الشباب. قرأ أبو عمرو: (خَلَقكُّمْ) بإدغام القاف في الكاف، وقرأ: (مِنْ بَعْد ضَعْفٍ) بإدغام الدال في الضاد (١)، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ أي: قوة الشباب ﴿ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٧ - ٧٨).
الروم 30:55
ضعف الشيخوخة وشيبها. قرأ حمزة، وعاصم بخلاف عن رواية حفص: بفتح الضاد في الأحرف الثلاثة، والباقون: بضم الضاد فيهما، فالضم لغة قريش، والفتح لغة تميم (١).
﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من ضعف وقوة وشبيبة وشيبة.
﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بتدبير خلقه ﴿الْقَدِيرُ﴾ على ما يشاء.
* * *
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ التي فيها القيامة.
﴿يُقْسِمُ﴾ يحلف ﴿الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ﴿مَا لَبِثُوا﴾ في القبور ﴿غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ استقلوا ذلك لما استقبلوا من هول يوم القيامة، ويكذبون ثَمَّ، فيفتضحون.
﴿كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الصرف عن الصدق ﴿كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يُصرفون إلى الكذب في الدنيا. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: ﴿كَذَلِك كَّانُوا﴾ بإدغام الكاف الأولى في الثانية (٢).
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٥ - ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٧).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٨).
الروم 30:56
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ﴾ من الملائكة والإنس مُنْكِرين عليهم كذبَهم:
﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ أي: فيما كتبه الله لكم في سابق علمه من اللبث في القبور.
﴿إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ والفاء بعد جواب شرط محذوف يدل عليه الكلام، تقديره: إن شككتم في يوم البعث.
﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الذي كنتم تنكرونه في الدنيا.
﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أنه حق. قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، ويعقوب، وخلف: (لَبِثْتُمْ) و (لَبِثْتَ) حيث وقع بإظهار الثاء عند التاء، والباقون: بالإدغام (١).
* * *
﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ﴾ اعتذارهم ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تُطلب منهم العتبى؛ أي: لا يقال لهم: أَرضوا ربكم
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٨).
الروم 30:58
بالتوبة والطاعة (١) كما دُعوا إليه في الدنيا؛ من قولهم: استعتبني فلان، فأعتبته؛ أي: استرضاني، فأرضيته، وحقيقة أعتبته: أزلت عَتْبه، والعتب في معنى الغضب. قرأ الكوفيون: (يَنْفَع) بالياء على التذكير، والباقون: بالتاء على التأنيث (٢).
* * *
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ وصفناهم فيه بأنواع الصفات التي هي في الغرابة كالأمثال. قرأ ابن كثير: (القُرَانِ) حيث وقع بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عنادًا:
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ أي: أصحاب باطل.
* * *
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الطبع، وهو الختم.
﴿يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ﴾ الجهلَة ﴿الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ توحيد الله.
(١) "الطاعة" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٨).
(٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٨).
الروم 30:60
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿فَاصْبِرْ﴾ على أذاهم ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصرك، وإظهار دينك، لا بد من إنجازه ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يحملنك على الخفة والطيش ﴿الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ بالبعث، والخطاب للنبي - ﷺ -، والمراد: أمته. قرأ رويس عن يعقوب: (يَسْتَخِفَّنْكَ) بتخفيف النون، والباقون: بالتشديد (١)، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٧٩).
لقمان 31:1
سُوْرَةُ لُقمَان
مكية غير ثلاث آيات، أولهن: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾، آيها: أربع وثلاثون آية، وحروفها: ألفان ومئة وعشرة أحرف، وكلمها: خمس مئة وثمان وأربعون كلمة.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.
[١] ﴿الم﴾.
[٢] ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى الكتب المتقدمة أنها في القرآن معنى.
﴿آيَاتُ الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿الْحَكِيمِ﴾ أي: ذي الحكمة.
* * *
﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾.
[٣] ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ قرأ حمزة: (وَرَحْمَةٌ) بالرفع على الابتداء؛ أي:
لقمان 31:4
هو هدى ورحمة، وقرأ الباقون: بالنصب على الحال من الآيات (١) ﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾.
* * *
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ بيان لإحسانهم.
* * *
﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الظافرون بطلبتهم.
* * *
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٦)﴾.
[٦] وكان النضر بن الحارث بن كلدة يَتَّجِر، فيأتي الحيرة، فيشتري أخبار الأعاجم، ويحدث بها قريشًا، ويقول: إن محمدًا يحدثكم بحديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم بحديث رستم وإسفنديار وأخبار الأكاسرة، فيستملحون حديثه، ويتركون سماع القرآن، فأنزل الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٣). مَنْ يَشْتَرِي} (١) يستبدل ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ باطله، وقيل: نزلت فيمن يشتري المغنيات، قال - ﷺ -: "لا يحل شراء المغنيات، ولا بيعهن، وأثمانهن حرام" (٢)؛ لأن في مثل هذا نزلت هذه الآية.
﴿لِيُضِلَّ﴾ ليصير آخر أمره إلى الضلال.
﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ طريق الإسلام ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بل بجهل.
﴿وَيَتَّخِذَهَا﴾ أي: السبيل ﴿هُزُوًا﴾ سخرية.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ لإهانتهم الحق باستئثار الباطل عليه. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لِيَضِلِّ) بفتح الياء (وَيَتَّخِذُهَا) برفع الذال عطفًا على (يشتري)، و (هُزُؤًا) بضم الزاي والهمز، وقرأ حفص عن عاصم: (لِيُضِلَّ) بضم الياء، (وَيَتَّخِذَهَا) بنصب الذال عطفًا على (لِيُضِلَّ)، و (هُزُوًا) بضم الزاي وفتح الواو منونة بغير همز، وقرأ حمزة، وخلف: (لِيُضِلَّ) بضم الياء (وَيَتَّخِذَهَا) بفتح الذال (هُزْءًا) بإسكان الزاي مع الهمز، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (لِيُضِلَّ) بضم الياء (وَيَتَّخِذَهَا) بفتح الذال (هُزُؤًا) بضم الزاي والهمز (٣).
(١) انظر: "أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٨).
(٢) رواه الترمذي (٣١٩٥)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة لقمان، وقال: حديث غريب، وعلي بن يزيد يضعَّف في الحديث، وابن ماجه (٢١٦٨)، كتاب: التجارات، باب: ما لا يحل بيعه، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٥٧)، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-.
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٤ و ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٥ و ٣٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٣ - ٨٤).
لقمان 31:7
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ لا يعبأ بها.
﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ وهو الثقل الذي يغير إدراك المسموعات. قرأ نافع: (أُذْنَيْهِ) بإسكان الذال، والباقون: بضمها (١).
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وذكر البشارة على التهكم.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨)﴾.
[٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ لما ذكر الكفرة وتوعدهم بالنار، عقب بذكر المؤمنين، ووعدهم بجنات النعيم؛ ليبين الفرق.
* * *
﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾.
[٩] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال من ضمير (لَهُمْ) ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مصدران مؤكِّدان، الأول مؤكد لنفسه؛ لأن معنى ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ وعدهم بها، فأكد معنى الوعد بالوعد، ﴿وَهُوَ﴾ دال على معنى الثبات، أكد به معنى الوعد، وأكدا جميعًا ﴿لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾.
﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يغلبه شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٥).
لقمان 31:10
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ جمع أعمدة، وهي جمع عمود البيت؛ يعني: السواري ﴿تَرَوْنَهَا﴾ استشهاد برؤيتهم لها كذلك، والمراد: نفي العمد أصلًا، وهو الأصح، فهي واقفة كالقبة، والقدرة أعظم من ذلك.
﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ جبالًا رست؛ أي: ثبتت في الأرض.
﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ لئلا تضطرب بكم.
﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ ثم رجع من الغيبة إلى الحضور.
فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ والزوج في اللغة: النوع والصنف، وليس بالذي هو ضد الفرد، وقوله: ﴿كَرِيمٍ﴾ أي: كثير المنفعة.
* * *
﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾.
[١١] ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ يعني: الذي ذكرتُ مما تعاينون مخلوقُ الله.
﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من آلهتكم التي تعبدونها.
﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: بل هذا الذي قريش فيه ضلال مبين، فذكرهم بالصفة التي تعم معهم سواهم ممن فعل فعلهم من الأمم.
لقمان 31:12
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ﴾ وهو ابن ناعور ابن أخت أيوب عليه السلام، وقيل غير ذلك ﴿الْحِكْمَةَ﴾ العقل والعلم، ولم يكن نبيًّا، وكان قاضيًا في بني إسرائيل في زمن داود عليه السلام، روي أنه خيره الله بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة.
وروي عن ابن عمر: أنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "حقًّا أقوله، لم يكن لقمان نبيًّا، ولكن كان عبدًا كثيرَ التفكر، حسنَ اليقين، أحب الله تعالى، فأحبه، فمنَّ عليه بالحكمة" (١) انتهى، وكان يؤازر داود؛ لحكمته، وعاش ألف سنة، وقبرُ لقمان بقرية صرفند ظاهر مدينة رملة فلسطين، وعليه مشهد، وهو مقصود للزيارة، وقال قتادة: قبره بالرملة ما بين مسجدها وسوقها، وهناك قبور سبعين نبيًّا ماتوا بعد لقمان جوعًا في يوم واحد، أخرجهم بنو إسرائيل من القدس، فألجؤوهم إلى الرملة، ثم أحاطوا بهم هناك، فتلك قبورهم.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: وقلنا له: أن اشكر لله على ما أعطاك من الحكمة.
قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف: (أَنُ اشْكُرْ) بضم النون في الوصل، والباقون: بالكسر (٢).
(١) رواه الديملي في "مسند الفردوس" (٥٣٨٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٨٥).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٥).
لقمان 31:13
﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لأن ثوابه له.
﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ نعمةَ ربه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ عن خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ محمود على صنعه.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ﴾ واسمه أنعم، وقيل: أشكم.
﴿وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ يذكره بالآخرة ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. قرأ ابن كثير: (يَا بُنَيْ) بإسكان الياء مخففة [في هذا الحرف، وقرأ حفص عن عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء مشددة في الأحرف الثلاثة على قولك: يَا بُنَيَّا، ووافقه البزي في: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ)، وقرأ قنبل: (يَا بُنَيْ أَقِمِ الصَّلاَةَ) بإسكان الياء مخففة] (١)، وقرأ الباقون: بكسر الياء مشددة في الثلاثة على إدغام إحدى الياءين في الأخرى (٢).
* * *
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ أي: توالى
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٦).
لقمان 31:15
عليها ضعف على ضعف؛ لأن الحمل ضعف، والطلق ضعف، والوضع ضعف ﴿وَفِصَالُهُ﴾ أي: مدة فطامه ﴿فِي عَامَيْنِ﴾ وفيه دليل على أن أقصى مدة الرضاع حولان.
﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ أي: وصيناه بشكرنا، وشكر والديه. قرأ أبو عمرو: (أَنِ اشْكُر لِّي) بإدغام الراء في اللام، ورُوي عنه الإظهار، والوجهان صحيحان عنه (١).
﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ المرجع، قال سفيان بن عيينة: من صلى الصلوات الخمس، فقد شكر الله، ومن دعا لوالديه في أدبار الصلوات الخمس، فقد شكر والديه (٢).
* * *
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ باستحقاقه الإشراك.
﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ في الشرك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ أي: صِحابًا معروفًا، وهو البر والصلة.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٦).
(٢) انظر: "تفسير النسفي" (٣/ ٢٨٢).
لقمان 31:16
﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ﴾ أي: دينَ ﴿مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أقبلَ على طاعتي، وهو النبي - ﷺ - وأصحابه.
﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ وجيء بهاتين الآيتين اعتراضًا في قصة لقمان؛ لمناسبة بينهما؛ لأن فيهما نهيًا عن الشرك كما في القصة.
* * *
﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾.
[١٦] ثم قال لقمان مخاطبًا ابنه: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: زِنَةَ حبةٍ من حب الخردل. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مِثْقَالُ) برفع اللام؛ أي: إن وقع زنة حبة، وقرأ الباقون: بالنصب (١) على معنى: إن كان العملُ مثقالَ حبة، وتقدم نظيره في سورة الأنبياء.
﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ قال ابن عباس: "هي صخرة تحت الأرضين السبع، وهي التي يكتب فيها أعمال الفجار، وخضرة السماء منها" (٢).
﴿أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ للجزاء.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ باستخراجها ﴿خَبِيرٌ﴾ بمكانها، لا يفوته شيء،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٥)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٧).
(٢) انظر: "تفسير الصنعاني" (٣/ ١٠٦)، و"تفسير ابن أبي حاتم" (٩/ ٣٠٦٤)، و"تفسير ابن كثير" (٣/ ٤٤٧) وقال: كأنه من متلقى الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب.
لقمان 31:17
ويجازي به، روي أن آخر كلمة تكلمها هذه، ثم انشقت مرارته؛ لهيبتها، فمات.
* * *
﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وابدأ بنفسك، وتقدم تفسير المعروف والمنكر والحكم فيه في سورة التوبة.
﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ من الأذى بسبب ذلك؛ فإنه يورث المحن.
﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ مما عزمه الله؛ أي: قطعه قطعَ إيجاب.
* * *
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تُعرض بوجهك عن الناس تكبرًا واحتقارًا لهم. قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: (تُصَعِّرْ) بتشديد العين من غير ألف، والباقون: بتخفيفها وألف قبلها (١)، ومعناهما واحد؛ من الصَّعَر: داء يأخذ الإبل، فتميل أعناقها منه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٨).
لقمان 31:19
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ بطرًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيته.
﴿فَخُورٍ﴾ على الناس صاحبُ خيلاء.
* * *
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ اعدل، فلا تَدب، ولا تَثب.
﴿وَاغْضُضْ﴾ انقص.
﴿مِنْ صَوْتِكَ﴾ واخفضه في محل الخطاب دون الإرهاب للعدو.
﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ أقبح ﴿الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لأن أوله زفير، وآخره شهيق؛ كصوت أهل النار.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ بأن جعله سببًا لمنافعكم ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ بأن مكنكم من الانتفاع به.
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ أكملَ عليكم ﴿نِعَمَهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (نِعَمَهُ) بفتح العين وضم الهاء على الجمع
لقمان 31:21
والتذكير؛ لأن أنعمه كثيرة، وقرأ الباقون: بإسكان العين وتاء منونة منصوبة على التأنيث والتوحيد (١)؛ إرادة الجنس.
﴿ظَاهِرَةً﴾ هي حسن الصورة وتسوية الأعضاء ﴿وَبَاطِنَةً﴾ هي المعرفة، ولما كان النضر بن الحارث، وأُبي بن خلف، وأمية بن خلف، وأشباههم يجادلون النبي - ﷺ - في الله وفي صفاته.
نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٢) مستفادٍ من دليل.
﴿وَلَا هُدًى﴾ راجعٍ إلى الرسول.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ أنزله الله، بل بالتقليد.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.
[٢١] كما قال ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وجواب (أَوَ لَوْ) محذوف، تقديره: أتتبعون الشيطان، وإن كان يدعوهم إلى عذاب السعير؟ والتقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطًا به، ومنه القلادة، ثم
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٨٩)، والقراءة جاءت بخلاف عن أبي عمرو وابن كثير وعاصم.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥١٢).
لقمان 31:22
استعمل في تفويض الأمر إلى الغير؛ كأنه ربطه في عنقه، واصطلاحًا: قبول قول الغير بلا حجة، فيخرج الأخذ بقوله عليه السلام؛ لأنه حجة في نفسه.
* * *
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يخلص دينه لله.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في عمله (١).
﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي: اعتصم بالعهد الأوثق، وهو: لا إله إلا الله.
﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ فيعطي كلًّا جزاءه.
* * *
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فإنه لا يضرك. قرأ نافع: (يُحْزِنْكَ) بضم الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي (٢) ﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ في الدارين.
(١) في "ت": "علمه".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٠).
لقمان 31:24
﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ بالإهلاك والتعذيب.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فمُجازٍ عليه.
* * *
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ نمهلهم مدة آجالهم ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ﴾ نلجئهم.
﴿إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد.
...
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح الدليل المانع من إسناد الخلق إلى غيره بحيث اضطروا إلى إذعانه.
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ على إلزامهم وإلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم.
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه التوحيدَ ووجوبَه عليهم.
...
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يستحق العبادةَ فيهما غيرُه.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ الذي لا حاجة له في وجوده وكماله إلى شيء.
﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود؛ أي: كذلك هو بصفته وذاته.
***
لقمان 31:27
﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾.
[٢٧] ولما نزل بمكة: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، وهاجر رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، أتاه أحبار اليهود، وقالوا: يا محمد ما تريد بقولك: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إيانا أم قومك؟ فقال؛ كُلًّا، فقالوا: أليست التوراة فينا؟ قال: هي في علم الله قليل.
فنزل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ (١) أي: شجرة شجرة حتى لا يبقى من جنس الشجر واحدة إلا قد بُريت أقلامًا.
﴿وَالْبَحْرُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (وَالْبَحْرَ) بالنصب عطفًا على (ما) التي هي اسم (أن)، وقرأ الباقون: بالرفع على أنه ابتداء، وخبره في الجملة التي بعده (٢).
﴿يَمُدُّهُ﴾ يزيده، وينصبُّ فيه ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ (٣)؛ أي: من خلفه ﴿سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨١). وانظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ١٩٩).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٠ - ٩١).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٠ - ٩١).
لقمان 31:28
﴿مَا نَفِدَتْ﴾ المعنى: لو أن جميع أشجار الأرض أقلام، وتنصبُّ في البحر سبعة أبحر، ومياهها مداد، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد، لنفدت الأقلام والمداد، ولم تنفد ﴿كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾؛ يعني: علمه ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
* * *
﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.
[٢٨] ونزل ردًّا على منكري البعث: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾ مع كثرتكم.
﴿إِلَّا كَنَفْسٍ﴾ أي: إلا كخلق نفس ﴿وَاحِدَةٍ﴾ وبعثِها.
﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ فلا يفوته شيء.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ يُدخل أحدَهما في الآخر.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى منتهى معلوم: الشمس إلى آخر السنة، والقمر إلى آخر الشهر، وقيل: الأجل المسمى: القيامة التي تنقضي فيها هذه البنية.
لقمان 31:30
﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: لتعلموا أن الله ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: صفة الألوهية حق ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام ﴿الْبَاطِلُ﴾ المعدوم. قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَدْعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على كل شيء ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.
* * *
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ أي: إن ذلك من نعمة الله عليكم، و (نِعْمَتِ) رُسمت بالتاء في أحد عشر موضعًا، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٢).
(٢) سلفت عند تفسير الآية (٢٣١) من سورة البقرة.
لقمان 31:32
﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾ من عجائبه.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ صبور على أمر الله.
﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه.
* * *
﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾ يعني: الكفار، وهم في البحر ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ لأن موج البحر يرتفع ويتراكب كالظلل، وهي السحب.
﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ لا يذكرون معه (١) سواه.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ عدل، موف في البر بما عاهد الله عليه في البحر من التوحيد له، قيل: نزلت في عكرمة بن أبي جهل، هرب عام الفتح إلى البحر، فجاءهم ريح عاصف، فقال عكرمة: لئن أنجاني الله من هذا، لأرجعن إلى محمد، ولأضعن يدي في يده، فسكنت الرياح، فرجع عكرمة إلى مكة، فأسلم وحسن إسلامه (٢).
﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ الدالةِ على قدرتنا ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غدَّار.
﴿كَفُورٍ﴾ للإحسان إليه.
* * *
(١) "معه" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥١٥).
لقمان 31:33
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ أي: عذابَ يوم.
﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا﴾ أي: لا يقضي عنه، و (يُجزي) -بالضم-: يغني، والتلاوة بالأول.
﴿مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ ما روي عن يعقوب وقنبل: الوقف بالياء على (جَازِي) (١).
﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالثواب والعقاب ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فيه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان، والغرور: التطميع بما لا يحصل، ومعنى الآية: أن تعمل بالمعصية، وتتمنى المغفرة.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾.
[٣٤] ولما سئل النبي - ﷺ - عن الساعة، وعن نزول الغيث، وعن وضع الحمل، والكسب، والموت، نزل: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٢) وقتُ
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٢٢١).
(٢) انظر: "أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٩ - ٢٠٠). قيامها ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ في محله المعين له فيعلمه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم: (وَيُنَزِّلُ) بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون: بإسكان النون وتخفيف الزاي (١) ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ من ذكر وأنثى، وأسود وأبيض، وغير ذلك.
﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ من خير وشر ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ من بَرٍّ وبحر، قال - ﷺ -: "مفاتحُ الغيبِ خمسة" وتلا هذه الآية (٢).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بالأشياء كلها ﴿خَبِيرٌ﴾ يعلم بواطنَها وظواهرَها، والله أعلم.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٨)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٤).
(٢) رواه البخاري (٤٣٥١)، كتاب: التفسير: باب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
السجدة 32:1
سُوْرَةُ السَّجدَة
وتسمى: سورة المضاجع، مكية غير ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾ إلى تمام ثلاث آيات، وآيها: ثلاثون آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وثمانية عشرة حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الم (١)﴾.
[١] ﴿الم﴾ اختلفوا في إعراب أوائل السور على ثلاثة أقوال: قيل: محلها رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذه ألف لام ميم، أو مبتدأ وما بعده خبر، وقيل: محلها نصب على إضمار فعل؛ أي: اقرأ ألف لام ميم، وقيل: في محل جر على إضمار جر بالقسم؛ أي: وألفٍ لام ميم، وتقدم تفسيره واختلاف القراء فيه غيرَ مرة.
* * *
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.
[٢] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا شك في الكتاب أنه تنزيل.
السجدة 32:3
﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه معجز، وإذا تُؤُمِّل، وُجد كذلك.
* * *
﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون: ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقَ محمدٌ القرآنَ.
﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ هم العرب.
﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأن العرب لم يُبعث إليهم أحد قبل النبي - ﷺ -؛ لأنهم كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارك إياهم.
* * *
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٤)﴾.
[٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ تقدم الكلام فيه في سورة طه ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون عذابه.
﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ المعنى: إذا خالفتموه، فلا ناصر يذب عنكم، ولا شافع يشفع لكم.
﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ بمواعظ الله؟!
* * *
السجدة 32:5
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.
[٥] ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يقضي القضاء وينزله ﴿مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ) كاختلافهم فيهما من قوله: (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿إِلَيْهِ﴾ المعنى: ينزل الملك بالوحي من السماء إلى الأرض، ثم يرجع إلى مقره منها.
﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ من أيامكم؛ لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمس مئة سنة (١)، فيكون هبوط الملك وصعوده في قدر يوم واحد، وأما قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ [المعارج: ٤] فهو مدة المسافة بين سدرة المنتهى والأرض، ثم عوده إلى السدرة، فالملك يسيره في قدر يوم واحد من أيام الدنيا.
* * *
﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾.
[٦] ﴿ذَلِكَ﴾ المدَبِّرُ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: يعلم الظاهر والباطن ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالبُ ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده.
* * *
(١) في "ت": "عام".
السجدة 32:7
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ قرأ نافع، والكوفيون: (خَلَقَهُ) بفتح اللام؛ أي: كل شيء (١) خلقه حسن، وقرأ الباقون: بإسكانها (٢)، أي: أحسنَ كمل (٣) خلقَ كلِّ شيء؛ أي: أتقنه وأحكمه.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ﴾ أي: آدم ﴿مِنْ طِينٍ﴾.
* * *
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾.
[٨] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ذريته.
﴿مِنْ سُلَالَةٍ﴾ من نطفة؛ لأنها تُسل من الإنسان.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ ضعيف.
* * *
﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.
[٩] ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ قَوَّمه وسَوَّى خلقَه ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ أي: جعل فيه الشيء الذي اختص تعالى به، ولذلك أضافه إليه، فصار بذلك حيًّا حساسًا بعد أن كان جمادًا، لا أن ثَمَّ حقيقة نفخ، ئم عاد إلى ذريته فقال:
(١) "شيء" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ١٥٦)، و "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٨).
(٣) "كمل" ساقطة في "ت".
السجدة 32:10
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ﴾ بعد أن كنتم نُطفًا.
﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ يعني: لا تشكرون إلا شكرًا قليلًا.
* * *
﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَقَالُوا﴾ منكرو البعث: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ ذهبنا وصرنا ترابًا، و (صَلَلْنَا) بالصاد المهملة: تغيرنا، والتلاوة بالأول ﴿أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ المعنى: أنبعث بعد موتنا وانعدامنا؟ واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا) في الإخبار بالأول منهما، والاستفهام بالثاني، وعكسه، والاستفهام فيهما، فقرأ ابن عامر، وأبو جعفر: (إِذَا) بالإخبار (أَئِنَّا) بالاستفهام، وابن عامر: يحقق الهمزتين، وأبو جعفر: يسهل الثانية ويفصل بينهما بألف، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين، وقرأ نافع، والكسائي، ويعقوب: (أَئِذَا) بالاستفهام (أَئِنَّا) بالإخبار، فنافع يسهل الهمزة الثانية، ورواية قالون: يفصل بينهما بألف، ووافقه رويس عن يعقوب في التسهيل، والكسائي: يحقق الهمزتين، وافقه روح عن يعقوب، وقرأ الباقون: (أَئِذَا) (أَئِنَّا) بالاستفهام فيهما، فابن كثير وأبو عمرو: يسهلان الهمزة الثانية منهما، وأبو عمرو: يفصل بينهما بألف، وعاصم وحمزة وخلف: يحققون الهمزتين (١)، فمن قرأ بالاستفهامين، فذلك
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٦٢ - ٣٦٤ و ٣٧٢ - ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٩٩).
السجدة 32:11
للتأكيد، ومن استفهم في الأول فقط، فإنما يقصد بالاستفهام الموضع الثاني، تقديره: أنبعث ونحشر إذا، ومن استفهم في الثاني فقط، فمعناه: إذا كنا ترابًا، أنبعث؟
قال الله عز وجل: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ أي: بالبعث بعد الموت.
* * *
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١١)﴾.
[١١] ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ﴾ يقبض أرواحكم ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أي: وكل بقبض أرواحكم، وهو عزرائيل -عليه السلام-، والتوفي: هو استيفاء العدد، معناه: أنه يقبض أرواحهم حتى لا يبقى أحد من العدد الذي كتب عليهم الموت.
روي أن الدنيا لملك الموت كراحة اليد، يأخذ منها صاحبها ما أحب بلا تعب، فهو يقبض أنفس الخلق في مشارق الأرض ومغاربها، وله أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، روي أن أعوانه ينزعون الروح، فإذا بلغت ثغرة النحر، نزعها هو (١).
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت أحياءً، فيجزيكم بأعمالكم. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُون) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢).
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ٥٤١).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٢٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٠).
السجدة 32:12
﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أي: وليتك يا محمد ترى ﴿إِذِ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون ﴿نَاكِسُو﴾ مطأطِئو ﴿رُءُوسِهِمْ﴾ خجلًا وندمًا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة، فتمنى تعالى أن يراهم نبيُّه -عليه السلام- على الحالة الرديئة؛ لأنهم آذوه.
﴿رَبَّنَا﴾ أي: ويقولون: ربَّنا ﴿أَبْصَرْنَا﴾ صدقَ وعدِك.
﴿وَسَمِعْنَا﴾ منك تصديقَ رسلك، تقديره: لو رأيت حالهم، لرأيت العجب.
﴿فَارْجِعْنَا﴾ إلى الدنيا ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فيها.
﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ هنا بما أنكرنا ثَمَّ.
* * *
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ رشدَها إلى الإيمان، وأجبرناها عليه.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ﴾ أي: ثبت ﴿الْقَوْلُ مِنِّي﴾ بالوعيد، وهو: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الشياطين ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ وهو قوله لإبليس: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥].
* * *
السجدة 32:14
﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ثم يقال: ﴿فَذُوقُوا﴾ هذا الذي أنتم فيه؛ من التنكيس والخزي.
﴿بِمَا نَسِيتُمْ﴾ بسبب نسيانكم ﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو يوم القيامة، واشتغالكم بملذاتكم عن الاعتداد له ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ تركناكم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الدائم في جهنم ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
* * *
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ثم أثنى -عز وجل- على المؤمنين فقال: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وعظوا ﴿بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ سقطوا على وجوههم ساجدين خوفًا منه.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ نزهوا الله عما لا يليق به، حامدين له على ما وفقهم.
﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ على الإيمان به، والسجود له، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم، ويُسن عند الشافعي وأحمد أن يقرأ في فجر الجمعة في الركعة الأولى: ﴿الم﴾ السجدة، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان] وكره أحمد المداومة عليهما؛ لئلا يُظن أنها مفضلة
السجدة 32:16
بسجدة، وعند أبي حنيفة ومالك: لا يسن، بل كره أبو حنيفة تعيين سورة غير الفاتحة بشيء من الصلوات؛ لما فيه من هجران الباقي، وكره مالك قراءة السجدة في صلاة الفرض جهرًا أو سرًّا، فإن قرأ، هل يسجد؟ فيه قولان.
* * *
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿تَتَجَافَى﴾ ترتفع ﴿جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ جمع مضجع، وهو الفِراش، وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون للصلاة.
وقال ابن رواحة يمدح النبي - ﷺ -:
وَفِينا رسولُ الله يَتْلو كتابَهُ؍ إذا انشقَّ معروفٌ من الفجرِ ساطعُ؍
أرانا الهدى بعدَ العمى فقلوبُنا؍ به موقِناتٌ أَنَّ ما قالَ واقعُ؍
يبيتُ يُجافي جَنْبَهُ عن فِراشِهِ؍ إذا استثقلَتْ بالكافرينَ المضاجِعُ (١)؍
﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ من النار ﴿وَطَمَعًا﴾ في الجنة.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ يتصدقون تطوعًا.
* * *
﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ لا مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبي مرسَل.
(١) رواه البخاري (٥٧٩٩)، كتاب: الأدب، باب: هجاء المشركين، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
السجدة 32:18
﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ هو ما تقر به أعينهم. قرأ حمزة، ويعقوب: (أُخْفِي) بسكون الياء معلومًا مستقبلًا؛ أي: أخفي أنا، وقرأ الباقون: بفتحها مجهولًا على بناء الفعل للمفعول (١).
﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الخير.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - ﷺ -: "يقول الله تبارك وتعالى: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، بَلْهَ ما اطلعتم عليه" (٢)، و (بَلْهَ)؛ أي: غيرَ.
* * *
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾.
[١٨] ولما وقع تنازع بين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وبين الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخي عثمان لأمه، فقال الوليد: لعلي: اسكت، فإنك صبي، فقال له علي: "اسكت؛ فإنك فاسق"، نزل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ (٣) عند الله، أفرد مؤمنًا وفاسقًا حملًا على لفظ (مَنْ) وجمع (لا يَسْتَوُونَ) حملًا على معناها؛
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٢٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠١).
(٢) رواه البخاري (٤٥٠٢)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، ومسلم (٢٨٢٤)، في أول كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها.
(٣) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٠٧)، عن عطاء، ورواه الواحدي في "أسباب النزول" (ص: ٢٠١ - ٢٠٢)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
السجدة 32:19
لأنها للعموم؛ لأنه لم يرد مؤمنًا واحدًا وفاسقًا واحدًا، بل أراد جميع المؤمنين وجميع الفاسقين.
* * *
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ثم بين التفاوتَ بينهما فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ استحقاقًا تكرمًا منه تعالى ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ التي يأوي إليها المؤمنون.
﴿نُزُلًا﴾ جزاءً وثوابًا ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بسبب أعمالهم.
* * *
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ عبارة عن خلودهم فيها ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ إهانة لهم، وزيادة في غيظهم، قال هنا: (الَّذِي) أراد: العذاب، وفي سبأ (الَّتِي) أراد: النار.
* * *
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ أي: الأقرب عذاب الدنيا من
السجدة 32:22
القتل والأسر والمحن ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ عذاب الآخرة؛ أي: نذيقهم العذاب هنا قبل العذاب.
ثم ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: من بقي منهم ﴿يَرْجِعُونَ﴾ يتوبون.
* * *
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ فلم يتفكروا فيها، و (ثُمَّ) لاستبعاد الإعراض عنها مع فرط وضوحها.
﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أجمعين ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ وظاهر الإجرام هنا: أنه الكفر، وروى معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقدَ لواءً في غير حق، ومن عَقَّ والديه، ومن نصر ظالمًا" (١).
* * *
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: من لقاء موسى ليلة الإسراء، قاله ابن عباس وغيره ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: المنزَل على موسى، وهو التوراة ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ روي أن
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٢٠/ ٦١). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٥٥٥).
السجدة 32:24
التوراة إنما جعلت هدى لبني إسرائيل خاصة دون بني إسماعيل.
* * *
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ من بني إسرائيل ﴿أَئِمَّةً﴾ قادة في الخير يُقتدى بهم؛ يعني: الأنبياء الذين كانوا فيهم. واختلاف القراء في (أَئِمَّةً) كاختلافهم فيه في الحرف المتقدم في سورة الأنبياء [الآية: ٧٣] ﴿يَهْدُونَ﴾ يدعون إلى الطاعة ﴿بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (لِمَا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي: بصبرهم، وقرأ الباقون: بفتح اللام وتشديد الميم (١)؛ أي: حين صبروا على دينهم، وعلى البلاء من عدوهم.
﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ إمعانهم فيها النظر.
* * *
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ يقضي بين الأنبياء وأممهم.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أمر الدين.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٤).
السجدة 32:26
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ﴾ يُبيِّنْ ﴿لَهُمْ﴾ أي: لأهل مكة. قرأ زيد عن يعقوب: (نَهْدِ) بالنون، والباقون: بالياء (١)، فالفاعل على القراءتين مضمر؛ أي: الله.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ أي: الأمم؛ كعاد وثمود ﴿يَمْشُونَ﴾ أهل مكة ﴿فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يمرون على ديارهم في متاجرهم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ المواعظَ فيتعظون؟!
* * *
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ أي: اليابسة المعدومة النبات. واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (الْمَاءَ إِلَى) كاختلافهم فيهما من قوله: (أَوْلِيَاءَ إِنَّا) في سورة الكهف [الآية: ١٠٢]، المعنى: ألم يستدلوا على قدرتنا بسوقنا المطر إلى الأرض التي لا نبات فيها؟! قال ابن عباس: "هي أرض باليمن" (٢).
(١) انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٥).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٢٧).
السجدة 32:28
﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ كالتبن ﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ كالحبوب والفواكه.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ ذلك فيؤمنون؟!
* * *
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ولما قال الكافرون للمؤمنين استهزاء: متى الساعة فيقضى بيننا وبينكم؟! نزل: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ (١) أي: القضاء والحكم.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في الوعد.
* * *
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ وهو يوم القيامة.
﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي: يُمْهَلون، فإنه يوم نصر للمسلمين على الكفرة، والفصل بينهم.
* * *
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يا محمد، وهو منسوخ بآية السيف.
﴿وَانْتَظِرْ﴾ وعدي بنصرك ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ هلاكك.
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ١١٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٦/ ٥٥٧). عن جابر -رضي الله عنه-، قال: كان النبي - ﷺ - لا ينام حتى يقرأ: ﴿تَبَارَكَ﴾، و ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ (١)، والله أعلم.
* * *
(١) رواه الترمذي في (٢٨٩٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٥٤٢)، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٣٤٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (١٢٠٧)، وغيرهم.
الأحزاب 33:1
سُوْرَةُ الأحْزَابِ
مدنية، وآيها: ثلاث وسبعون آية، وحروفها: خمسة آلاف وسبع مئة وستة وتسعون حرفًا، وكلمها ألف ومئتان وثمانون كلمة.
بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيِمِ
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾.
[١] رُوي أن أبا سفيان بن حرب، وعِكْرمة بن أبي جهل، وأبا الأعور بنَ سفيان السلمي قدموا المدينة، فنزلوا على عبد الله بن أُبي رأس المنافقين بعد قتال أُحد، وقد أعطاهم النبي - ﷺ - الأمان على أن يكلموه، فقام عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وطُعمة بن أُبيرق، ومعتب بن قُشير، وجَدُّ بن قيس، فقالوا للنبي - ﷺ -، وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، وندعك وربَّكَ، فشق على النبي - ﷺ - قولُهم، فقال عمر: يا رسول الله! ائذن لي في قتلهم، فقال: "إني قد أعطيتُهم الأمانَ"، فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي - ﷺ - عمرَ أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ (١)، ولم يقل: يا محمد؛ كـ: يا آدم، ويا موسى، ويا عيسى؛ تشريفًا له، وأما تصريحه باسمه في قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٩] فللإعلام أنه كذلك، وللتنبيه على اتباعه. قرأ نافع: (النَّبِيء) و (النَّبِيئُونَ) و (النَّبِيئَينَ) و (نَبِيئُهُمْ) و (الأَنْبِئاء) و (النُّبُوءة) بالمد والهمز حيث وقع، فيكون معناه: المخبر؛ من أنبأ ينبئ؛ لأنه إنباء عن الله، وخالفه قالون في حرفين من هذه السورة يأتي ذكرهما إن شاء الله تعالى، وقرأ الباقون: بترك الهمزة وتشديد الياء (٢)، وله وجهان: أحدهما: هو أيضًا من الإنباء، تركت الهمزة فيه تخفيفًا؛ لكثرة الاستعمال، والثاني: هو بمعنى الرفع، مأخوذ من النبوَة، وهو المكان المرتفع.
﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دُمْ على التقوى.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من أهل مكة؛ يعني: أبا سفيان، وعكرمة، وأبا الأعور.
﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ من أهل المدينة: عبد الله بن أُبي، وعبد الله بن سعد، وطعمة، فيما يخالف شريعتك، ويعود بوهن في الدين.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلق، وهذا تسلية للنبي - ﷺ -؛ أي: لا عليك منهم، ولا من إيمانهم، فالله عليم بما ينبغي لك، حكيم في هدى من يشاء، وإضلال من يشاء.
* * *
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٢).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٢ - ٣٥٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٩).
الأحزاب 33:2
﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾.
[٢] ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ واعمل به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُون) بالغيب، يعني: الكفرة والمنافقين؛ أي: إن الله خبير بمكائدهم، فيدفعها عنك، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)، وقوله: (كان) في هاتين الآيتين هي التي تقتضي الدوام (٢)؛ أي: كان ويكون (٣)، وليست الدالة على زمان مخصوص للمضي.
* * *
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثِقْ به ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ حافظًا ورازقًا لك، والوكيل: القائم بالأمر، المغني فيه عن كل شيء.
* * *
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾.
[٤] ولما قال الكفار: إن لمحمد قلبين: قلب معنا، وقلب مع أصحابه، نزل:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٨ - ٥١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٩).
(٢) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٢).
(٣) "أي: كان ويكون" زيادة من "ت". ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ وقيل: نزلت في أبي معمر جميل بن معمر الفهري، وكان لبيبًا حافظًا، وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد - ﷺ -، فانهزم مع المشركين ببدر، وإحدى نعليه بيده، والأخرى في رجله، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان، ما نسي نعله في يده (١).
﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي﴾ جمع التي. قرأ أبو عمرو، والبزي عن ابن كثير: (اللَّايْ) بياء ساكنة بدلًا من الهمزة في الحالين، وروي عنهما تسهيل الهمزة بين بين، والوجهان صحيحان، وقرأ أبو جعفر، وورش عن نافع: بتسهيل الهمزة كذلك، وقرأ قالون عن نافع، وقنبل عن ابن كثير، ويعقوب: بتحقيق الهمزة، وحذف الياء بعدها؛ لأن الهمزة المكسورة بدل الياء، وقرأ الكوفيون، وابن عامر: بإثبات الياء ساكنة بعد الهمزة، وكلها لغات معروفة (٢)، وكذلك التعليل والاختلاف في (المجادلة)، وموضعَي (الطلاق).
﴿تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ عاصم: (تُظَاهِرُونَ) بضم التاء وتخفيف الظاء، وألف بعدها، وكسر الهاء مع تخفيفها؛ كـ (تقاتلون)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: كذلك، إلا أنهم بفتح الياء والهاء، أصله:
(١) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧ - ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٩ - ١١٠). تتظاهرون، حذفت إحدى التاءين، وقرأ ابن عامر: كذلك، إلا أنه بتشديد الظاء على إدغام إحدى التاءين في الظاء، وقرأ الباقون، وهم: نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو (١)، ويعقوب: (تَظَّهَّرُونَ) بفتح التاء وتشديد الظاء والهاء وفتحها من غير ألف بينهما، أصله: تتظهرون، وأدغمت التاء في الظاء، فشددت (٢).
وصورة الظهار: أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي؛ أي: حرام كبطن أمي؛ لقربه من الفرج، وكنِّي عنه بالظهر، لأنه قوام البنية، المعنى: ما جعل نساءكم اللاتي تقولون لهم هذا في التحريم كأمهاتكم، ولكنه منكر وزور، وفيه كفارة، وسيأتي الكلام على ذلك، وعلى الكفارة فيه، واختلاف الأئمة في حكمه في (سورة المجادلة) إن شاء الله تعالى.
وكان الرجل في الجاهلية يتبنى ولد غيره، فينسب إليه، ويتوارثان، وكان النبي - ﷺ - قد أعتق زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله - ﷺ - زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ﴾ (٣) من تبنيتموه ﴿أَبْنَاءَكُمْ﴾ حقيقة
(١) "وأبو عمرو" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥١٩)، و "التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٣٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٠ - ١١١).
(٣) انظر: "أسباب النزول" للواحدي (ص: ٢٠٢).
الأحزاب 33:5
في الحكم والحرمة والنسب، ونُسخ التبني بهذا، والأدعياء: جمع دَعِيّ، وهو من دُعي إلى غير أبيه، تلخيصه: ممتنع أن يكون لرجل قلبان، وأن تكون زوجة الرجل أمه، وأن يكون شخص واحد ابن رجلين، إنما.
﴿ذَلِكُمْ﴾ النسب ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ لا حقيقة له.
﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ وهو أن غير الابن لا يكون ابنًا.
﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ الطريق المستقيم.
* * *
﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.
[٥] وكان زيد يدعى بابن محمد - ﷺ -، فنزل: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) الذين ولدوهم.
﴿هُوَ﴾ أي: دعاؤهم بآبائهم ﴿أَقْسَطُ﴾ أعدل ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ﴾ فتنسبوهم إليهم، ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: فهم إخوانكم ﴿فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ أولياؤكم، المعنى: إذا جهل نسبه، يقول: يا أخي! يا مولاي! يريد: الأخوة في الدين، والولاية فيه.
﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ والخطأ هنا بمعنى: النسيان.
(١) رواه البخاري (٤٥٠٤)، كتاب: التفسير، باب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، ومسلم (٢٤٢٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد -رضي الله عنهما- عن ابن عمر -رضي الله عنهما-.
الأحزاب 33:6
﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أي: لا إثم عليكم إذا قلتم لولد غيركم: يا بني! سهوًا، وقيل: خطؤهم: التسمية قبل النهي، قال ابن عطية: وهذا ضعيف، لا يوصف ذلك بخطأ إلا بعد النهي، وإنما الخطأ هنا بمعنى النسيان، وما يكون مقابل العمد، والخطأ مرفوع عن هذه الأمة عقابه، وقد قال - ﷺ -: "رُفع عن أمتي الخطأُ والنسيان وما أُكرهوا عليه" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يريد: لما مضى من فعلهم في ذلك، ثم هي صفتان لله تعالى تَطَّرِد في كل شيء.
* * *
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٦)﴾.
[٦] ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في كل شيء من أمر الدين والدنيا، فيحكم فيهم بما يشاء. قرأ نافع: (النَّبِيءُ أَوْلَى) بالمد والهمز في (النَّبِيء)، وإبدال الهمز الثاني واوًا محضة مفتوحة (٢).
﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أي: كأمهاتكم في وجوب تعظيمهن، وتحريم
(١) رواه ابن ماجه (٢٠٤٥)، كتاب: الطلاق، باب: طلاق المكره والناسي، وابن حبان في "صحيحه" (٧٢١٩)، والحاكم في "المستدرك" (٢٨٠١)، وغيرهم عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٣٦٩).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٢). نكاحهن، لا في النظر إليهن، والخلوة بهن؛ فإنه حرام في حقهن؛ كما في حق الأجانب، ولا يقال لبناتهن: أخوات المؤمنين، ولا لإخوانهن وأخواتهن: هم أخوال المؤمنين وخالاتهم، قالت عائشة: "لستُ بأم نسائِكم، وإنما أنا أم رجالكم" (١)، فبان بهذا أن معنى هذه الأمومة تحريم نكاحهن.
﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ وذوو القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التوارث.
﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ في اللوح المحفوظ.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ يعني: ذوي القرابات بعضهم أولى بميراث بعض من أن يرثوا بالإيمان والهجرة، وكان في صدر الإسلام يتوارثون بالهجرة والمؤاخاة، فنسخ بهذه الآية، وصارت بالقرابة، وتقدم حكم ميراث ذوي الأرحام واختلاف الأئمة فيه آخر سورة الأنفال.
﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن فعلكم ﴿إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ الذين يتولونكم من المعاقدين ﴿مَعْرُوفًا﴾ بالوصية جائزٌ.
﴿كَانَ ذَلِكَ﴾ يعني: نسخ الميراث بالهجرة، ورده إلى ذوي الأرحام.
﴿فِي الْكِتَابِ﴾ أي: اللوح المحفوظ ﴿مَسْطُورًا﴾ مكتوبًا.
* * *
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٢٠٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٧٠).
الأحزاب 33:7
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾.
[٧] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ حين استُلُّوا من نسل (١) آدم مثل الذر ﴿مِيثَاقَهُمْ﴾ عهودهم بتبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضًا، وخُصَّ محمد مع جماعة منهم بالذكر (٢)؛ لأنهم أصل الشرائع صلوات الله عليهم أجمعين، وكان محمد - ﷺ - أول الأنبياء في الخلق، وآخرهم في البعث، فلذلك قدم هنا تشريفًا له، فقال:
﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ فهؤلاء هم أولو العزم من الرسل.
﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ عظيم الشأن على الوفاء بما حملوا.
* * *
﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٨)﴾.
[٨] ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ أي: فعلنا ذلك ليسأل الله الأنبياء الذين صدقوا عن الوفاء بميثاقهم في إبلاع الرسالة، والحكمة في سؤالهم، مع علمه أنهم صادقون، تبكيتُ من أُرسلوا إليهم، وإثبات الحجة عليهم، ويعطف على ﴿أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾.
﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ﴾ بالرسل ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ المعنى: أن الله أكد على الأنبياء الدعوة إلى دينه؛ لأجل إثابة المؤمنين، وأعد للكافرين عذابًا أليمًا.
(١) في "ت": "ظهر".
(٢) "بالذكر" زيادة من "ت".
الأحزاب 33:9
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٩)﴾.
[٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله - ﷺ - يوم الخندق.
﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ هم الأحزاب، وكان ذلك في شوال من السنة الخامسة من الهجرة، وسببها أن نفرًا من اليهود حَزَّبوا الأحزابَ على رسول الله - ﷺ -، وقدموا على قريش بمكة يدعونهم إلى حربه؛ لأن رسول الله - ﷺ - أجلى بني النضير من ديارهم، فلما علم رسول الله - ﷺ - بذلك (١)، أمر بحفر الخندق حول المدينة برأي سلمان الفارسي يحول بين المؤمنين (٢) والكفار، وعمل فيه بنفسه، وفرغ من الخندق، وأقبلت قريش ومن تبعهم من بني قريظة، مقدَّمُهم أبو سفيان، وكانوا عشرة آلاف نزلوا قريبًا من الغابة، والنبي - ﷺ - في ثلاثة آلاف، واشتد البلاء حتى ظن المؤمنون كل الظن، وأقام رسول الله - ﷺ - والمشركون بضعًا وعشرين ليلة، لم يكن بين القوم حرب إلا الرمي بالحصا والنبال.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ ليلًا، وهي الصبا، فأطفأت النيران، وأكفأت القدور، قال - ﷺ -: "نُصِرْت بالصَّبا، وأُهلكت عاد بالدَّبور" (٣).
(١) في "ت": "فلما بلغ النبي - ﷺ - ذلك".
(٢) في "ت": "المسلمين".
(٣) رواه البخاري (٩٨٨)، كتاب: الاستسقاء، باب: قول النبي - ﷺ -: "نصرت بالصبا"، ومسلم (٩٠٠)، كتاب: صلاة العيدين، باب: في ريح الصبا والدبور، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-.
الأحزاب 33:10
﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ هم ألف ملك، فكبرت في جوانب العسكر، وقلعت الأوتاد وأطناب الفساطيط، ولم تقاتل يومئذ، وماجت الخيل بعض في بعض، وقذف الرعب في قلوبهم، فقال طليحة بن خويلد الأسدي: النجاءَ النجاءَ من سحر محمد، فارتحلوا ليلًا منهزمين بغير قتال، وانقلبوا خاسرين، فبلغ ذلك رسولَ الله - ﷺ -، فقال: "الآن نغزوهم ولا يغزونا" (١)، فكان ذلك حتى فتح مكة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُونَ) بالغيب؛ أي: بما يعمل المشركون من التحزب والمحاربة، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)؛ أي: بما تعملون من حفر الخندق.
* * *
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ﴾ بدل من (إِذْ جَاءَتكمْ) ﴿مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ من أعلى الوادي من قبل المشرق: بنو غطفان ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ من بطن الوادي من قبل المغرب: قريش.
﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ﴾ مالت حيرة وشخوصًا من الرعب.
﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم.
(١) رواه البخاري (٣٨٨٣)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق، عن سليمان بن صرد -رضي الله عنه-.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٧)، و"تفسر البغوي" (٣/ ٥٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٠٩).
الأحزاب 33:11
﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ أي: اختلف الظنون، فظن المؤمنون النصر لهم، وظن المنافقون استئصال محمد وأصحابه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (الظُّنُونَا هُنَالِكَ)، و (الرَّسُولاَ وَقَالُوا)، و (السَّبِيلاَ رَبَّنَا) بألف في الثلاثة وصلًا ووقفًا؛ لأنها مثبتة في المصاحف، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، ويعقوب: بغير ألف في الحالين على الأصل، وقرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بألف في الوقف دون الوصل، واتفقت المصاحف على رسم الألف في الثلاثة دون سائر الفواصل (١).
* * *
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾.
[١١] ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: ثَمَّ ﴿ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختُبروا بالحصر والقتال؛ ليتبين المخلص من المنافق ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ حُرِّكوا حركة شديدة من شدة الفزع.
* * *
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ معتب بن قشير وأصحابه.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٨ - ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ١١٣ - ١١٤).
الأحزاب 33:13
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شك وضعف اعتقاد: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وعدًا باطلًا، وهو قول أهل النفاق: يعدنا محمد فتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور.
* * *
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: من المنافقين، وهم أوس بن قيطي وأصحابه: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ اسم أرض، والمدينةُ في ناحية منها.
﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (مُقَامَ) بضم الميم؛ أي: لا إقامة لكم. وقرأ الباقون: بالفتح (١)؛ أي: لا مكان لكم تنزلون وتقيمون فيه.
﴿فَارْجِعُوا﴾ أمروهم بالهروب من عسكر رسول الله - ﷺ -.
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ هم بنو سلمة وبنو حارثة.
﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ أي: خالية ضائعة غير حصينة، وهي مما تلي العدو، ويخشى عليها السراق، فكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ بل هي حصينة.
﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ من القتال.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٤).
الأحزاب 33:14
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: المدينة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ نواحيها، المعنى: لو دخل الأحزاب المدينة من جوانبها.
﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ الردة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين.
﴿لَآتَوْهَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (لأَتَوْهَا) بقصر الهمزة؛ أي: لجاؤوها وقبلوها، وقرأ الباقون: بالمد (١)؛ أي: لأعطوها السائلين.
﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا﴾ أي: ما احتبسوا عن الفتنة ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ ولأسرعوا الإجابة إلى الشرك طيبةً به أنفسُهم، وقيل: وما لبثوا بالمدينة بعد الارتداد إلا قليلًا حتى هلكوا.
وحَدُّ حرم المدينة: ما بين ثَوْر إلى عَيْر، وهما جبلان، فثور جبل صغير إلى الحمرة بتدوير خلف أُحد من جهة الشمال، وغير مشهور بها، وقدر الحرم: بريد ببريد، وقد ورد في الحديث: "اللهم إني أُحَرِّمُ ما بين لابَتَيْها" (٢)، وفي رواية: "ما بينَ جَبَلَيها" (٣)، وفي رواية: "ما بين
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٦).
(٢) رواه البخاري (٥١٠٩)، كتاب: الأطعمة، باب: الحيس، ومسلم (١٣٦٥) (٢/ ٩٩٣)، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
(٣) رواه مسلم (١٣٧٤)، كتاب: الحج، باب: الترغيب في سكنى المدينة، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
الأحزاب 33:15
مَأْزِمَيْها" (١)، ولابتا المدينة: هما الحرَتَّان الشرقية والغربية، والحرة هي: الأرض ذات الحجارة السود، ورواية "ما بين لابتيها" أرجح؛ لتوارد الرواة عليها، ورواية "جبليها" لا تنافيها، فيكون عند كل لابة جبل، فما بين لابتيها بيان لحد حرمها من جهتي المشرق والمغرب، وما بين جبليها بيان لحده من جهتي الجنوب والشمال، وأما رواية "مَأْزِميها"، فالمأزم: المضيق بين الجبلين، وقد يطلق على الجبل نفسه، وهذا يدل على أن صيدها وشجرها محرم، وهو قول الثلاثة؛ خلافًا لأبي حنيفة، ولا جزاء فيه بالاتفاق، والله أعلم، وتقدم ذكر حدود الأرض المقدسة في المائدة، وحرم مكة في التوبة.
* * *
﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ هم بنو حارثة، هموا يوم أُحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل، عاهدوا الله من قبل حفر الخندق.
﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ منهزمين، فوقع يوم الخندق من بني حارثة هذا الاستئذان.
﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ عنه، وهذا توعُّد.
(١) رواه البخاري (٢٧٣٢)، كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل الخدمة في الغزو، ومسلم (١٣٦٥) (٢/ ٩٩٣)، كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
الأحزاب 33:16
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿قُلْ﴾ لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ لأي من حضر أجلُه، مات أو قتل ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ﴾ بعد هذا الفرار.
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي: إلا مدة آجالكم، وهي قليل.
* * *
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾.
[١٧] ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه.
﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ هزيمة ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ نصرة.
﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا﴾ قريبًا ينفعهم.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ناصرًا يمنعهم.
* * *
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ أي: المثبطين الناسَ عن رسول الله - ﷺ -.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي: أقبلوا إلينا، ودعوا محمدًا وأصحابه، نزلت في أخوين كان أحدهما مؤمنًا، والآخر منافقًا ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ لا يحضرون الحرب ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياء من غير احتساب.
الأحزاب 33:19
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بُخلاءَ بالنفقة في سبيل الله ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ في تلك الحالة.
﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ في الرؤوس؛ من الخوف والجبن.
﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ لأن من قرب من الموت، وغشيه أسبابه، يذهب عقله، ويشخص بصره فلا يَطْرِف.
﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾ آذوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ سليطة.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: عند الغنيمة يشاحون المؤمنين، ويقولون: أعطونا؛ فإنا شهدنا معكم القتال، فلستم أحقَّ بالغنيمة منا، وعند البأس هم أجبن قوم.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ صدقًا ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطل جهادهم؛ لنفاقهم.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: الإحباط ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هينًا.
* * *
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿يَحْسَبُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿الْأَحْزَابَ﴾ الطوائفَ المختلفة.
الأحزاب 33:21
﴿لَمْ يَذْهَبُوا﴾ عن قتالهم جبنًا وفرقًا.
﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ﴾ كرة ثانية ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ يتمنوا لو كانوا في بادية مع الأعراب؛ من الخوف والجبن.
﴿يَسْأَلُونَ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (يَسَّاءَلُونَ) بتشديد السين وفتحها وألف بعدها؛ أي: يتساءلون، وقرأ الباقون: بإسكانها من غير ألف (١) ﴿عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ يتعرفون أحوالكم.
﴿وَلَوْ كَانُوا﴾ يعني: هؤلاء المنافقين ﴿فِيكُمْ﴾ في الخندق.
﴿مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً؛ رميًا بالحجارة والنبال يقيمون به عذرهم.
* * *
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها المخلفون ﴿فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قدوة صالحة؛ لأنه يقتدى به. قرأ عاصم: (أُسْوَةٌ) بضم الهمزة، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (٢).
﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ أي: ثوابه ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ونعيم الآخرة.
﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في جميع أوقاته وأحواله.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٤٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١١٨).
الأحزاب 33:22
﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ واجتماعهم عليهم، ثم رأوا زلزلتهم وخوفهم ورحيلهم منهزمين. واختلاف القراء في (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ) كاختلافهم في (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ) في سورة (الكهف) [الآية: ٥٣] ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من النصر، وهو قوله تعالى في البقرة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [الآية: ٢١٤]، فالآية تتضمن أن المؤمنين يلحقهم مثلُ ذلك البلاء، فلما رأوا ما أصاب الأحزابَ من الشدة، قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله.
﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ﴾ الخوف عند مجيء الأحزاب.
﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ لأمر الله.
* * *
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع رسول الله - ﷺ -.
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ نَذْرَه (١)؛ بأن قاتل حتى استُشهد؛ كحمزة، ومصعب بن عمير، وأنس بن النضر، والنحب: النذر، واستعير للموت،
(١) "نذره" زيادة من "ت".
الأحزاب 33:24
وهو من النفس، قيل: ومنه النحيب؛ لما فيه من التنفس.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الشهادةَ؛ كعثمان وطلحة، قال رسول الله: - ﷺ - "من أحبَّ أن ينظرَ إلى رجل يمشي على وجه الأرض قد قضى نحبَهُ، فلينظُرْ إلى هذا" يشير إلى طلحة (١)؛ لأنه وقى النبي - ﷺ - بيده، فصارت شلاء.
﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾ عهدهم (٢) ﴿تَبْدِيلًا﴾ شيئًا من التبديل.
* * *
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ثم ذكر تعالى جزاء الفريقين فقال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ بجزاء وفائهم بالعهد، واللام في (لِيَجْزِيَ) لام الصيرورة والعاقبة، ويحتمل أن تكون لام كي.
﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بأن يدعهم على النفاق ﴿إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيهديهم إلى الإيمان. واختلاف القراء في الهمزتين من (إِنْ شَاءَ أَوْ) كاختلافهم فيهما من قوله ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥].
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
* * *
(١) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٤٨٩٨)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٩٣٨٢)، وابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٤/ ٦٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (١/ ٨٨)، وغيرهم عن عائشة -رضي الله عنها-.
(٢) "عهدهم" زيادة من "ت".
الأحزاب 33:25
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قريش وغطفان ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ لم تُشف صدورُهم بنيل ما أرادوا ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ظَفَرًا ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ بالملائكة والريح.
﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ يقهر أعداءه ﴿عَزِيزًا﴾ ينصر أولياءه.
* * *
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ثم بعد ذهاب الأحزاب إلى بلادهم، رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة بأصحابه، فجاءه جبريل -عليه السلام-، وقال: "وضعتم السلاح؟ إن الملائكة لم تضع أسلحتها منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك بالمسير إلى قريظة، وإني مزلزلٌ حصونَهم"، فأمر رسول الله - ﷺ - مناديًا، فأذن: "أن من كان سامعًا مطيعًا، فلا يصلينَّ العصرَ إلا في بني قريظة"، وأعطى رايته عليًّا، فسار بالناس حتى دنا من الحصن، فحاصرهم - ﷺ - خمسًا وعشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، فقالوا لأبي لبابة: أننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح، وتقدم خبر أبي لبابة في سورة الأنفال، فطلب بنو قريظة من النبي - ﷺ - أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل رسول الله - ﷺ - في طلبه، فجاء راكبَ حمارٍ، وكان رجلًا جسيمًا، فقال - ﷺ -: "قوموا إلى سيدكم"، فأنزلوه، فنزل، فقالوا: يا أبا عمرو! إن رسول الله - ﷺ - قد ولاك مواليك لتحكم فيهم، فقال لمواليه: "عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ " قالوا: نعم، قال: "وعلى من هاهنا؟ " في الناحية التي فيها رسول الله - ﷺ -، وهو معرض عن رسول الله - ﷺ - إجلالًا له، فقال رسول الله - ﷺ -: "نعم"، فقال: "أحكمُ فيهم أن يُقتل الرجال، وتُقسم الأموال، وتُسبى الذراري والنساء"، فكبر النبي - ﷺ -، وقال: "لقد حكمتَ بحكم الله من فوق سبعةِ أرقعةٍ"، فاسْتُنْزِلوا، ثم رجع رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وحبسهم في دار بنت الحارث: امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة، فحفر به خندقًا، وضُربت أعناقُهم فيه، وكانوا ستَّ مئة، أو سبع مئة، وقيل: كانوا بين الثمان مئة إلى التسع مئة، ثم قسم الأموال والسبايا، واصطفى لنفسه - ﷺ - ريحانة بنت شمعون، فكانت في ملكه حتى مات، ولم يستشهد في هذه الغزوة سوى خلاد بن زيد بن ثعلبة، دلت عليه امرأةٌ من بني قريظة رحًى شدخت رأسه، فقال - ﷺ -: "له أجرُ شهيدين"، وقتلها به (١).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله - ﷺ - كان يقول: "لا إله إلا الله وحدَه، أعزَّ جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزابَ وحده، ولا شيء بعده" (٢)، وكانت هذه الغزوة في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة الشريفة، فأنزل الله تعالى في قصة بني قريظة:
(١) هذا السياق كله في "سيرة ابن هشام" (٤/ ١٩٩) وما بعدها. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ١٠٣).
(٢) رواه البخاري (٣٨٨٨)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق، ومسلم (٢٧٢٤)، كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل.
الأحزاب 33:27
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: أعانوهم؛ يعني: الأحزاب ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ حصونهم، وكل ما يُمتنع به أو فيه صيصية. قرأ يعقوب: (صَيَاصِيهُمْ) بضم الهاء، وابن كثير، وأبو جعفر: يضمان الميم، ويصلانها بواو في اللفظ حالة الوصل، واختلف عن قالون (١).
﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ﴾ يعني: بني قريظة ﴿الرُّعْبَ﴾ قرأ ابن عامر، والكسائي، وأبو جعفر، ويعقوب: (الرُّعُبَ) بضم العين، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ منهم، وهم الرجال.
﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ منهم، وهم النساء والذراري.
* * *
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ هي كل أرض تفتح إلى يوم القيامة. قرأ أبو جعفر: (تَطَوْها) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (٣).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾.
(١) سلفت عند تفسير الآية (٦) من سورة البقرة.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٠).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢١).
الأحزاب 33:28
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾.
[٢٨] كان للنبي - ﷺ - تسع نسوة، فآذينه، وسألنه زيادة نفقة، وتغايرن، فغمَّه ذلك، فصعد إلى غرفة له، فمكث فيها ولم يخرج إلى أصحابه، فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ (١) أمر وجوب في تخييرهن، وهو من خصائصه - ﷺ - ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ﴾ أي: أجبن إلى ما أعرضُ عليكن، ولم يرد حقيقة الإقبال والمجيء ﴿أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكنَّ متعة الطلاق ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ أصل التسريح: الإرسال؛ كالطلاق.
وتقدم اختلاف الأئمة فيه في سورة البقرة، وملخصه: أن صريح اللفظ الذي يقع به الطلاق من غير نية عند مالك والشافعي ثلاثة: الطلاق، والفراق، والسَّراح، وعند أبي حنيفة وأحمد: هو لفظ الطلاق ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ طلاقًا للسنة.
واتفق الأئمة على أن السنة في الطلاق أن يطلقها واحدة في طُهر لم يصبها فيه، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، وإن طلق المدخول بها في حيضها أو طهر أصابها فيها، وهي ممن تحبل، فهو طلاق بدعة محرم، ويقع بالاتفاق، وجَمْعُ الثلاث بدعة عند أبي حنيفة ومالك، وقال أحمد: هو محرم؛ خلافًا للشافعي، ويقع بلا خلاف بينهم.
* * *
(١) رواه مسلم (١٤٧٨)، كتاب: الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقًا إلا بالبينة، عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-.
الأحزاب 33:29
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ و (مِنْ) للتبيين (١)؛ لأنهن كلهن كنَّ محسنات، فأخبر بذلك عائشة -رضي الله عنها-، فاختارت رسول الله، ثم اختارت الباقياتُ الصالحاتُ اختيارها.
واختلف الأئمة فيما إذا قال الزوج لامرأته: اختاري نفسك، فاختارت، فقال أبو حنيفة: تطلق واحدة بائنة، وقال مالك: إذا أطلق التخيير، ولم يقيده بعدد مخصوص، فإنها تطلق ثلاثًا، وقال الشافعي وأحمد: تطلق واحدة يملك فيها الرجعة، وإذا قامت من مجلسها قبل أن تختار نفسها، انقطع التخيير باتفاقهم.
واختلفوا فيما إذا قال: أمرُك بيدك، فقال أبو حنيفة: إذا قال: أمرك بيدك في تطليقة، فاختارت نفسها، يقع طلقة رجعية، وإن نوى الثلاث، صح، فلو قالت: اخترت واحدة، فهي ثلاث، وهو كالتخيير يتوقف على المجلس، قال مالك: إن طلقت نفسها ثلاثًا، فناكرها، وذكر أنه قصد بالتمليك طلقة واحدة، فقوله مع يمينه، وإن لم يكن له نية، فلها أن توقع ما شاءت من عدد الطلاق، ولا مناكرة له عليها، فإن مكنته من نفسها، فوطئها أو باشرها، سقط تمليكها، ولها أن تمنع نفسها لتنظر في أمرها، فإذا أبطأت على زوجها، ومنعته نفسها، ولم توقع طلاقًا، كان له
(١) "للتبيين" زيادة من "ت".
الأحزاب 33:30
مخاصمتها إلى الحاكم، فيوقفها الحاكم ويأمرها أن توقع الطلاق، أو تسقط التمليك، فإن أبت الأمرين، أسقط الحاكم تمليكها، وقال الشافعي: له تفويض طلاقها إليها، وهو تمليك في الجديد، فيشترط لوقوعه تطليقها على الفور، وفي قول عنه: توكيل، فلا يشترط الفور، وعلى القولين له الرجوع قبل تطليقها، ولو قال: طلقي، ونوى ثلاثًا، فقالت: طلقت، ونوتهن، فثلاث، ولم لا، فواحدة، ولو قال: ثلاثًا، فوحدت، أو عكسه، فواحدة، وقال أحمد: إذا قال: أمرك بيدك، فلها أن تطلق ثلاثًا، وإن نوى واحدة، وهو في يدها أبدًا ما لم يقل: فسختُ، أو يطأها، فيبطل بذلك، والله أعلم.
* * *
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ معصيةٍ ظاهرةٍ؛ من نشوز، وسوء خلق. قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (١).
﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامر: (نُضَعِّفْ) بالنون وتشديد العين وكسرها من غير ألف قبلها، ونصب (العذابَ)، وقرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (يُضعَّفْ) بالياء وتشديد العين وفتحها
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢١).
الأحزاب 33:31
من غير ألف قبلها، ورفع (العذابُ)، وقرأ الباقون: كذلك، إلا أنهم بتخفيف العين وألف قبلها، وهما لغتان مثل: بَعَّدَ وباعَدَ (١).
﴿ضِعْفَيْنِ﴾ مثلين ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ أي: عذابُها ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ هينًا، وتضعيف عقوبتهن على المعصية؛ لشرفهن؛ كتضعيف عقوبة الحرة على الأمة، وتضعيف ثوابهن؛ لترفع منزلتهن، وفيه إشارة إلى أنهن أشرف نساء العالمين.
* * *
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ يطع ﴿مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ يعقوب: (مَنْ تَأتِ مِنْكُنَّ) (وَمَنْ تَقْنُتْ) بالتاء على التأنيث فيهما، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير (٢)؛ لأن (مَنْ) أداة تقوم مقام الاسم، يعبر به عن الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث.
﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا﴾ نعطِها ﴿أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ أي: مثلَي أجر غيرها.
قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وَيَعْمَلْ) (يُؤْتهَا) بالياء فيهما نسقًا على
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢١ - ١٢٢).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٦٠)، و"المحتسب" لابن جني (٢/ ٢٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢١ - ١٢٢)، والقراءة المشهورة عن يعقوب كقراءة الجمهور.
الأحزاب 33:32
قوله: (مَنْ يَأْتِ) و (يَقْنُتْ)، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث في الأول، وبالنون في الثاني (١).
﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ واسعًا في الجنة.
* * *
﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي: ليس قدرُكن عندي مثلَ قدرِ غيرِكن من النساء الصالحات، أنتن أكرمُ عليَّ، وثوابكن أعظمُ لديَّ، ولم يقل: كواحدة؛ لأن الأحد عام يصلح للواحد والاثنين، والجمع، والمذكر والمؤنث ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ أي: إن أردتن أن تكنَّ متقيات.
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ﴾ تَلِنَّ ﴿بِالْقَوْلِ﴾ للرجال، ولا تُرققن الكلام. واختلاف القراء في الهمزتين من (النِّسَاءِ إِنِ) كاختلافهم فيهما من (الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ريبة، والمرأة مندوبة إلى الغلظة في المقالة إذا خاطبت الأجانب؛ لقطع الأطماع.
﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أي: بعيدًا من طمع المريب.
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٣).
الأحزاب 33:33
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم: (وَقَرْنَ) بفتح القاف من القرار؛ أي: الزمْنَ بيوتَكن، وقرأ الباقون: بالكسر؛ من الوقار؛ أي: كُنَّ أهلَ وقار وسكون، قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وورش، وحفص بُيُوتَكُنَّ: بضم الباء، والباقون: بكسرها (١).
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ تُبْرِزْنَ محاسنكن للرجال ﴿تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ الذين كانوا بين آدم ونوح، والأخرى: بين عيسى ومحمد - ﷺ -، وقيل غير ذلك. قرأ البزي عن ابن كثير: (وَلاَ تَّبَرَّجْنَ) بتشديد التاء (٢).
﴿وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أمره ونهيه.
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الإثم ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نصب نداء، والمراد: زوجات النبي - ﷺ -، وقال: (عَنْكُمْ)، ولم يقل: عنكن؛ لأنه - ﷺ - كان بينهن، فغُلِّبَ.
﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ من الرجس.
وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "في بيتي أُنزلت: {إِنَّمَا يُرِيدُ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٨)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٤).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٤).
الأحزاب 33:34
اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ} قالت: فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجلل فاطمة وحسنًا وحسينًا بكسائه، وعلي خلف ظهره، ثم قال - ﷺ -: "اللهم هؤلاء أهلُ بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرًا"، قالت أم سلمة: فقلت: يا رسول الله! أما أنا من أهل البيت؟ قال: "بلى إن شاء الله" (١).
* * *
﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآن.
﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ السنة. تقدم اختلاف القراء في كسر الباء وضمها من (بيوتكن).
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا﴾ بأوليائه ﴿خَبِيرًا﴾ بجميع خلقه.
* * *
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٢٩٢)، والحاكم في "المستدرك" (٤٧٠٥)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٢/ ١٥٠)، وغيرهم.
الأحزاب 33:35
[٣٥] روي أن أزواج النبي - ﷺ - قلن: يا رسول الله! ذكر الله الرجال في القرآن، ولم يذكر النساء بخير، فما نهينا خير نذكر به؟ إنا نخاف ألَّا يقبل منا طاعة، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ (١) المنقادين لحكم الله ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ وهم من آمن حقيقة.
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ العابدين المطيعين لله في الفرض، وللرسول في السنة ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ فيما عوهدوا عليه أن يفوا به ويكملوه ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ عن الشهوات، وعلى الطاعات والرزايا ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ الخائفين لله، المستكينين لربوبيته الوقورين ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ بالفرض والنفل، وهما الزكاة وصدقة التطوع ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ كذلك في الفرض والنفل.
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ من الزنا وشبهه.
﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ بقلوبهم وألسنتهم، قال - ﷺ -: "من استيقظَ من الليل، وأيقظ امرأته، فصليا جميعًا ركعتين، كُتبا من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات" (٢).
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لجميع المؤمنين ﴿مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ على طاعتهم.
(١) رواه الطبراني في "تفسيره" (٢٢/ ١٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٦١٤)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) رواه أبو داود (١٤٥١)، كتاب: الصلاة، باب: الحث على قيام الليل، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٣١٠)، وابن ماجه (١٣٣٥)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء فيمن أيقظ أهله من الليل، وابن حبان في "صحيحه" (٢٥٦٨)، والحاكم في "المستدرك" (١١٨٩)، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة -رضي الله عنهما-.
الأحزاب 33:36
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.
[٣٦] ونزل في امتناع زينب وأخيها من تزويج زيد بن حارثة بعد أن خطبها رسول الله - ﷺ - له ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ (١) لعبد الله بن جحش.
﴿وَلَا مُؤْمِنَةٍ﴾ زينب.
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ هو خطبتها لزيد ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي: الاختيار ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ المعنى: لا يجوز لأحد أن يريد إلا ما أراد الله ورسوله. قرأ الكوفيون، وهشام عن ابن عامر: (أَنْ يَكُونَ) بالياء على التذكير؛ للحائل بين التأنيث والفعل، وقرأ الباقون: بالتاء؛ لتأنيث الخيرة (٢).
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ أخطأ خطأً ظاهرًا.
* * *
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾.
[٣٧] فرضيت زينب وأخوها، وتزوجت بزيد، وبقيت معه مدة، ثم
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٥). أُلقي في نفس زيد كراهتها، فجاء النبيَّ - ﷺ - فقال: أريد طلاق صاحبتي، فقال: "أرابك منها شيء؟ "، قال: لا والله ولكنها تترفع علي، فقال له: "أمسكْ عليكَ زوجَك"، فنزل قوله تعالى:
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ (١) بالإسلام ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بالعتق: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ لا تفارقها، نهي تنزيه. قرأ أبو عمرو، وهشام، وحمزة، والكسائي، وخلف: (وَإِذ تَّقُولُ) بإدغام الذال في التاء، والباقون: بالإظهار (٢).
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ما علمته، وهو ﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ أي: مظهره، وهو أنه تعالى كان قد أعلمه - ﷺ - أن زينب ستصير زوجة له.
﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ أي: اليهود أن يقولوا: تزوجَ امرأةَ ابنه.
﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلا تفعلْ مثل ذلك، وهذا عتاب شديد، قال عمر، وابن مسعود، وعائشة: "ما نزلت على رسول الله - ﷺ - آية هي أشدُّ عليه من هذه الآية" (٣)، وعن عائشة: "لو كتم نبيُّ الله شيئًا مما أنزل عليه، لكتم هذه الآية" (٤)، فطلقها زيد، فلما انقضت عدتها، قال لزيد: "اذهبْ
(١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ١١١): غريب بهذا اللفظ، ورواه مسلم في "صحيحه" (١٤٢٨) في النكاح مختصرًا من حديث أنس.
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٦).
(٣) انظر: "عمدة القاري" للعيني (١٩/ ١١٩).
(٤) رواه مسلم (١٧٧)، كتاب: الإيمان، باب: معنى قوله الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾. ورواه البخاري (٦٩٨٤)، كتاب: التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، لكن عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
الأحزاب 33:38
فاذكرْها عليَّ" فقال زيد: "يا زينب! إن نبي الله أرسلني إليك يذكرك، قالت: ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر به ربي"، وقامت إلى مسجدها.
فنزل: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ (١) أربًا، ولم يذكر أحد من الصحابة في القرآن باسمه سوى زيد في هذا المحل -رضي الله عنه- ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فدخل - ﷺ - عليها بغير إذن، ولا عقد نكاح، ولا صَداق، ولا شهود، وأطعم الناس خبزًا ولحمًا، المعنى: فعلنا ذلك.
﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ إثم ﴿فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وهم الذين تبنوهم ﴿إِذَا قَضَوْا﴾ أي: الأدعياء ﴿مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ تلخيصه: فعل ذلك ليعلم أن نكاح زوجة المتبنَّى حلال؛ بخلاف زوجة الابن.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ مكونًا لا محالة، قال أنس: "كانت زينب تفتخر على أزواج النبي - ﷺ - وتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سموات" (٢).
* * *
﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: أحله له ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ نصب مصدر ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ هم الأنبياء عليهم السلام،
(١) رواه مسلم (١٤٢٨)، كتاب: النكاح، باب: زواج زينب بنت جحش -رضي الله عنها- عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
(٢) رواه البخاري (٣٤٣٠)، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، عن أبي بكرة -رضي الله عنه-.
الأحزاب 33:39
المعنى: لا تؤاخذ بكثرة النساء كالأنبياء قبلك؛ فإنهم كانوا أكثر نساءً؛ كداود وسليمان عليهما السلام.
﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ قضاءً مقضيًّا.
* * *
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾ هم الأنبياء، أثنى الله عليهم؛ يعني: سنة الله في الأنبياء الذين يبلغون رسالات الله ﴿وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ أي: يفعلون ما يؤمرون، ولا يخافون لائمة أحد.
﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ كافيًا للمخاوف.
* * *
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ولما قيل: إن محمدًا تزوج امرأة ابنه، نزل: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الذين لم يلدهم، فلا يحرم عليه زوجة من تبناه بعد فراقها وانقضاء عدتها، و (محمد) معناه: المستغرق لجميع المحامد، وهو الذي كثر حمدُ الحامدين له مرة بعد أخرى، وتقدم تفسير (محمد) في سورة آل عمران بأتم من هذا، وكذلك تفسير (أحمد)، وذكر نسبه الشريف، ولا يجري فيه القول الضعيف أنه لا يجوز أن يقال له: أبو المؤمنين [ولا عبرة من منع ذلك في الحسنين من الأمويين؛ للخبر الصحيح الآتي في الحسن:
الأحزاب 33:41
"إن ابني هذا سيد" (١)، ومعاوية، وإن نقل عنه ذلك، ولكن نقل عنه ما أنه رجع عن ذلك، وغير معاوية من بقية الأمويين المانع بذلك لا يعتد به، وعلى الأصح، فقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ إنما سيق لانقطاع حكم النبي - ﷺ - لا يمنع من الإطلاق المراد به: أنه أبو المؤمنين في الاحترام والإكرام من هو أحق] (٢).
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ نصب اللام والميم عطفًا على خبر (كَانَ). قرأ عاصم: (وَخَاتَمَ) بفتح التاء على الاسم؛ أي: آخرهم، وقرأ الباقون: بكسرها على الفاعل (٣)؛ لأنه ختم النبيين، فهو خاتمهم؛ أي: لا يُنَبَّأُ نبي بعده أبدًا، وإن نزل عيسى بعده، فهو ممن نبئ قبله، ولأنه ينزل بشريعته، ويصلي إلى قبلته، فكأنه من أمته.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ عموم، والمقصد به هنا: علمه تعالى بما رآه الأصلحَ لمحمد - ﷺ -، وبما قدره في الأمر كله.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾.
[٤١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾ بما هو أهله من التهليل والتكبير
(١) رواه البخاري (٣٤٣٠)، كتاب: المناقب، باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾.
(٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٨).
الأحزاب 33:42
والتحميد والتقديس ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبكم، وعلى كل حال.
* * *
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ أي: صلوا له ﴿بُكْرَةً﴾ وهي صلاة الصبح ﴿وَأَصِيلًا﴾ هي صلاة العصر، وقيل: المراد: التسبيح باللسان، فيقال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، وسميت هذه الكلمات ذكرًا كثيرًا؛ لأنه يقولها الطاهر والجنب والمحدث.
* * *
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ صلوات الله: رحمتُه ومغفرته، وصلاةُ الملائكة: الدعاءُ والاستغفار للمؤمنين، المعنى: يفعل الله بكم ذلك.
﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان، تلخيصه: برحمته وبسبب دعاء الملائكة فزتم.
﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ حتى اعتنى بصلاح أمرهم.
* * *
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ تعالى ﴿سَلَامٌ﴾ أي: يسلم الله عليهم، ويسلمهم من الآفات.
الأحزاب 33:45
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ هو الجنة.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ قرأ نافع: (النَّبِيءُ) بالمد والهمز (إِنَّا): بتسهيل الهمزة، واختلف في كيفية تسهيلها، فذهب جمهور القراء المتقدمين إلى أنها تبدل واوًا خالصة مكسورة، وذهب بعضهم إلى أنها تجعل بين الهمزة والياء، وهو مذهب أئمة النحو والمتأخرين من القراء، وهو الأوجه في القياس، وقرأ الباقون: بتشديد الياء، وتحقيق الهمزة من (إِنَّا) (١) ﴿شَاهِدًا﴾ على أمتك، والرسلِ بالبلاغ، ونصبه على الحال، وكذلك جميع المنصوبات بعد ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ لأهل طاعته بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ لأهل معصيته بالنار.
* * *
﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بتسهيله وأمره، وتقديرِه ذلك في وقته وأوانه ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: [يهتدى بك في الدين كما يهتدى] (٢) بالسراج المنير في الظلام، فجعله شاهدًا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة، وهي من خصائصه عليه السلام.
* * *
(١) انظرها في تفسير الآية (١) من هذه السورة.
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
الأحزاب 33:47
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ تفضلًا جزيلًا، قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية، دعا رسول الله عليًّا ومعاذًا، فبعثهما إلى اليمن، وقال: "اذهبا، فبشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنه قد نزل عليَّ، وقرأ الآية" (١).
* * *
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ في فسخ عهد، لا فيما لا يحل.
﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ اصبر عليه، ولا تجازهم، ونُسخ بآية السيف.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهو كافيك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ مفوضًا إليه.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: عقدتم عليهن.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تطؤوهن. قرأ حمزة،
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧١٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٨٤١). والكسائي، وخلف: (تُمَاسُّوهُنَّ) بضم التاء وألف بعد الميم، والباقون: بفتح التاء من غير ألف (١).
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ تحسبونها بالأقراء والأشهر.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ إذا لم يكن لهن صَداق، وإن كان لهن صداق، فنصفه بلا متعة، وتقدم الحكم في ذلك، واختلاف الأئمة فيه، وفي حكم العدة بالخلوة في سورة البقرة.
﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ خَلُّوا سبيلهن ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ بلا إضرار بهن، وقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فيه دليل على أن الطلاق قبل النكاح غير واقع؛ لأن الله تعالى رتب الطلاق على النكاح، فلو قال: متى تزوجتُ فلانة، أو كل امرأة أتزوجها، فهي طالق، لم يقع عليه طلاق إذا تزوج عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: يقع طلاقًا، وقال مالك: إن عين امرأة بعينها، أو من قبيلة، أو بلد، فتزوجها، وقع الطلاق، وإن عَمَّ فقال: كل امرأة أتزوجها من الناس كلهم، فهي طالق، لم يلزمه شيء، والله أعلم.
* * *
{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٢)، و "التيسير" للداني (ص: ٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٢٩).
الأحزاب 33:50
أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٠)}.
[٥٠] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، وتقدم قريبًا مذهب نافع في الهمزتين من (النَّبِيءُ إِنَّا) ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من الإماء.
﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ أي: غَنَّمَكَ من الكفار؛ كصفية وجويرية، وقد كانت مارية مما ملكت يمينه، فولدت له إبراهيم ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ نساء قريش.
﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ نساء بني زهرة ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ إلى المدينة، فمن لم تهاجر معه منهن، لم يجز له نكاحها.
عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: "خطبني رسول الله - ﷺ - لما فتح مكة، فأنزل الله هذه الآية، فلم أحل له؛ لأني لم أكن من المهاجرات، وكنت من الطلقاء" (١)، ثم نسخ شرط الهجرة بقوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ [فلا يحل له غير المؤمنة، المعنى: أبحنا لك جميع المذكورات، وأبحنا لك امرأة مؤمنة] (٢) ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ بطلب نكاحها من غير صداق.
(١) رواه الترمذي (٣٢١٤)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، وقال: حسن صحيح، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٠٧)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٧٤)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٥٤).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المعنى: إذا وهبتك مؤمنة نفسها، حلت لك خاصة بلفظ الهبة بلا صداق، كالزيادة على الأربع، وكان من خصائصه - ﷺ - أن يتزوج بلا ولي ولا شهود، وإذا خطب امرأة، يحرم على غيره خطبتها حتى يتركها (١)، والواهبةُ نفسَها هي أم شريك بنتُ جابر من بني أسد، وقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل: خولة بنت حكيم من بني سليم، وقيل: زينب بنت خزيمة الأنصارية (٢). قرأ نافع (لِلنَّبِيءِ إِنْ) بالهمز والمد في (النَّبِيءِ)، وتسهيل الهمز الثاني بين بين، وقرأ: (أَرَادَ النَّبِيءُ أَنْ) بالهمز والمد في (النَّبِيءُ)، وإبدال الهمز الثاني واوًا محضة مفتوحة، وخالفه قالون في الحرف الأول، وهو (لِلنَّبِيِّ إِنْ)، فقرأ بتشديد الياء، وتحقيق الهمز بعدها؛ كبقية القراء (٣).
واختلف الأئمة في انعقاد النكاح بلفظ الهبة في حق الأمة، فقال أبو حنيفة: ينعقد بلفظ الهبة والصدقة والتمليك والبيع والشراء، وعنه في لفظ الإجارة خلاف، وقال مالك: ينعقد بلفظ يدل على التأبيد مدة الحياة؛
(١) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٩/ ١٢٨).
(٢) انظر: "التلخيص الحبير" (٣/ ١٣٨)، و"فتح الباري" (٨/ ٥٢٥ - ٥٢٦) قال ابن حجر في "الفتح" بعد أن ذكر من خَرَّج الآثار في اللواتي وهبن أنفسهن له صلى الله عليه وسلم، وبعد أن ذكر الحكم الحديثي لكلٍّ، قال: عن عكرمة عن ابن عباس: "لم يكن عند رسول الله ﷺ امرأة وهبت نفسها له" أخرجه الطبري وإسناده حسن. والمراد أنه لم يدخل بواحدةٍ ممَّن وهبت نفسها له وإن كان مباحًا له؛ لأنه راجع إلى إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾.
(٣) سلفت هذه القراءة في تفسير الآية (١) من هذه السورة. كأنكحت، وزوجت، وملكت، وبعت، وكذا وهبت بتسمية صداق، وقال الشافعي وأحمد: لا ينعقد إلا بلفظ النكاح والتزويج.
واختلفوا في اشتراط الشهادة لصحة النكاح، فقال مالك: يصح بلا إشهاد بشرط الإعلان، وتركِ التواصي بالكتمان، وقال الثلاثة: تشترط، فعند أبي حنيفة: ينعقد بحضور رجلين، ورجل وامرأتين، ولا تشترط العدالة، وعند الشافعي وأحمد: تشترط الذكورة، والشافعي يشترط العدالة، والصحيح عنه: أنه ينعقد بمستوري العدالة، فلو بان فسق الشاهد عند العقد، فباطل، وأحمد يشترط العدالة في شاهديه ظاهرًا فقط، فلو بانا بعده فاسقين، فالعقد صحيح.
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أوجبنا على المؤمنين.
﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ من الأحكام ألَّا يتزوجوا أكثر من أربع.
﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من الإماء مباح لهم فوق أربع زوجات.
﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ ضيق، وهذا يرجع إلى أول الآية؛ أي: أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك والموهوبة لئلا يضيق عليك.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما يعسر التحرز عنه.
﴿رَحِيمًا﴾ بالتوسعة في مظان الحرج.
* * *
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (٥١)﴾.
الأحزاب 33:51
[٥١] ﴿تُرْجِي﴾ تؤخِّر ﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ عنك بطلاق أو غيره ﴿وَتُؤْوِي﴾ تضم.
﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ منهن. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تُرْجِي) بإسكان الياء بغير همز، وقرأ أبو جعفر: (وَتُووِي) بواوين بغير همز، والباقون: بالهمز فيهما (١)، واختلف المفسرون في معنى الآية، فأشهر الأقاويل أنه في القَسْم بينهن، وذلك أن التسوية بينهن في القَسْم كان واجبًا عليه، فلما نزلت هذه الآية، سقط عنه، وصار الاختيار إليه فيهن.
﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلبت أن تؤوي إليك امرأة.
﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ فصلته بالإرجاء.
﴿فَلَا جُنَاحَ﴾ أي: لا إثم ﴿عَلَيْكَ﴾ في فعلك بنسائك، فأباح الله له ترك القسم لهن، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن في نوبتها، ويطأ من يشاء منهن في غير نوبتها، ويرد إلى فراشه من عزلها؛ تفضيلًا له على سائر الرجال، فرضين بذلك، واخترنه على هذا الشرط.
﴿ذَلِكَ﴾ التخيير ﴿أَدْنَى﴾ أقرب إلى رضاهن.
﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ بتخييرهن.
﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ بترك القسم لهن ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ من
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣١)، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وشعبة ويعقوب: (ترجى).
الأحزاب 33:52
تقريب وتبعيد، وعزل وإيواء؛ لعلمهن أن ذلك بوحي من الله.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من الميل إلى بعض النساء.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ لا يعاجل بالعقوبة.
* * *
﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (تَحِلُّ) بالتاء على التأنيث على معنى جماعة النساء، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير على معنى جمع النساء (١)، وهما جنسان؛ لأن تأنيث لفظ النساء ليسس بحقيقي ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد هؤلاء التسع اللاتي خيرتهن واخترنك، ورضين بمرادك ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ غيرهن ﴿مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ قرأ البزي: (وَلاَ أَنْ تَّبَدَّلَ) بتشديد التاء على أصله (٢)، وذلك أن النبي - ﷺ - لما خيرهن، فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهن، وحرم عليه النساء سواهن، ونهاه عن تطليقهن، وعن الاستبدال بهن، وهن: خمس من قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة، واسمها رملة بنت أبي سفيان، وأم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية، وسودة بنت أبي زمعة، وغير القرشيات: زينب
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٢).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٢). بنت جحش الأسدية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية.
واختلف في أنه هل أبيح له النساء من بعد؟ قالت عائشة: "ما مات رسول الله - ﷺ - حتى أحل له النساء" (١)، وقال أنس: "مات على التحريم" (٢)، وممن قال بحل النساء له: أبي بن كعب، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم.
﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ حسن الأزواج المستبدلة، قال ابن عباس: "يعني: أسماء بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب، فلما استشهد جعفر -رضي الله عنه- أراد رسول الله - ﷺ - أن يخطبها، فنهي عن ذلك (٣).
(١) رواه النسائي (٣٢٠٤)، كتاب: النكاح، باب: ما افترض الله عز وجل على رسوله -عليه السلام- وحرَّمه على خلقه، والترمذي (٣٢١٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الأحزاب، وقال: حسن.
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٧٧).
(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٥٧٨)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٤/ ٣٩٤)، والقرطبي في "تفسيره" (١٤/ ٢٢١)، قال ابن العربي كما ذكره عنه القرطبيُّ-: وهذا حديث ضعيف ١ هـ. وقال ابن عادل: وقال بعض المفسرين:
ظاهر هذا ناسخ لما كان قد ثبت له عليه الصلاة والسلام من أنه إذا رأى واحدة فوقعت في قلبه موقعًا كانت تحرم على الزوج ويجب عليه طلاقها؍ ففي أول الأمر أحلَّ الله من وقع في قلبه؛ تفريغًا لقلبه وتوسعًا لصدره لئلا يكون مشغول القلب بغير الله، ثم لما استأنس بالوحي نُسخ ذلك.
؍
الأحزاب 33:53
﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قال ابن عباس: "ملك بعد هؤلاء مارية" (١).
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ حافظًا.
وفي الآية دليل على جواز النظر إلى من يريد نكاحها من النساء.
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رجلًا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي - ﷺ -: "انظر إليها؛ فإن في أعين نساء الأنصار شيئًا" (٢)، قال الحميدي: يعني: الصغر، فإذا خطب الرجل امرأة، أبيح له النظر إليها بالاتفاق، فعند أحمد: ينظر إلى ما يظهر غالبًا، كوجه ورقبة ويد وقدم، وعند الثلاثة: لا ينظر غير الوجه والكفين.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾.
[٥٣] ونزل تأديبًا لناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله - ﷺ -، فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك، فيأكلون
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٧٨).
(٢) رواه مسلم (١٤٢٤)، كتاب: النكاح، باب: ندب النظر إلى وجه المرأة وكفيها لمن يريد تزوجها، والحميدي في "مسنده" (١١٧٢). ولا يخرجون، وكان رسول الله - ﷺ - يتأذى منهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ (١) أي: إلا وقت الإذن ﴿لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ فيؤذن لكم فتأكلون. قرأ نافع: (بُيُوتَ النَّبِيءِ إِلَّا) بالمد والهمز وتسهيل الهمزة من (إلَّا)، وخالفه قالون في هذا الحرف أيضًا، فقرأه بتشديد الياء كبقية القراء كما تقدم في قوله: (لِلنَّبِيءِ إِنْ) وهذان الحرفان اللذان تقدم التنبيه عليهما أول السورة، ونبه عليهما في سورة البقرة.
﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ أي: منتظرين نضجه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: (إِنَاهُ) بإمالة فتحة النون (٢).
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ للأكل ﴿فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ فرغتم منه ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ اخرجوا من منزله ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ جر عطف على (نَاظِرِينَ) ﴿لِحَدِيثٍ﴾ تديرونه بينكم بعد الأكل.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ الاستئناسَ بعدَ الأكل ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ فلا يأمركم بالخروج، وكان - ﷺ - أشد الناس حياءً (٣)، وأكثرهم عن العورات غضاءً، والحياء: رقة تعتري وجه الانسان عند فعل ما يتوقع
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٨٠)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٣٩٥)، و"زاد المسير" لابن الجوزي (٥/ ١٣٦)، و "تفسير القرطبي" (١٤/ ٢٢٤)، و "البحر المحيط" لأبي حيان (٩/ ١٦٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٤٨ - ٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٣).
(٣) روى البخاري (٣٣٦٩) كتاب المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -، ومسلم (٢٣٢٠)، كتاب: الفضائل، باب: كثرة حيائه - ﷺ -، من حديث أبي سعيد الخدري قال: كان النبي - ﷺ - أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها. كراهته، أو ما يكون تركه خيرًا من فعله، والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته.
﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يمتنع من تعريفكم الحق والصواب حياء منكم.
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: نساء النبي - ﷺ -، وإن لم يذكرن؛ لأن الحال تدل عليهن.
﴿مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ أي: من وراء ستر، فبعد آية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر إلى امرأة من نساء رسول الله - ﷺ - متنقبة كانت أو غير متنقبة. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلُوهُنَّ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
﴿ذَلِكُمْ﴾ السؤال ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ من الريبة.
وقد صح في سبب نزول الحجاب ما روي عن عائشة -رضي الله عنها-: أن أزواج النبي - ﷺ - كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع، وهو صعيد أفيح، وكان عمر -رضي الله عنه- يقول للنبي - ﷺ -: احجب نساءك، فلم يكن يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوجُ النبي - ﷺ - ليلة من الليالي عشيًّا، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة! حرصًا على أن ينزل آية الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب (٢).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٤).
(٢) رواه البخاري (١٤٦)، كتاب: الوضوء، باب: خروج النساء إلى البَراز، ومسلم = وعن أنس قال: قال عمر: "وافقني ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله! لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يا رسول الله! يدخل عليك البرُّ والفاجر، فلو أمرتَ أمهاتِ المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب، قال: وبلغني بعض ما آذين به رسولَ الله - ﷺ - نساؤه، قال: فدخلت عليهن، فجعلت أستفزُّ بهن واحدة واحدة، قلت: والله لتنتهُنَّ، أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن، حتى أتيت على زينب، فقالت: يا عمر! أما كان في رسول الله - ﷺ - يعظ نساءه حتى تعظهن أنت؟! قال: فخرجت، فأنزل الله عز وجل: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ إلى آخر الآية [التحريم: ٥] " (١).
واستدل بعض العلماء بأخذ الناس عن أزواج النبي - ﷺ - من وراء حجاب على جواز شهادة الأعمى إذا تيقن الصوت، وهو مذهب مالك وأحمد، ولم يجزها أبو حنيفة، وقال الشافعي: يجوز فيما رآه قبل ذهاب بصره، أو يقر في أذنه، فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به.
= (٢١٧٠)، كتاب: السلام، باب: إباحة الخروج للنساء لقضاء حاجة الإنسان.
(١) رواه البخاري (٤٢١٣)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال ابن حجر في "الفتح" (١/ ٥٠٥) وليس في تخصصيه العدد بالثلاث ما ينفي الزيادة عليها؛ لأنه حصلت له الموافقة في أشياء غير هذه، ومن مشهورها قصة أسارى بدر وقصة الصلاة على المنافقين، وهما في "الصحيح".
الأحزاب 33:54
ولما قال رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ -، قيل: هو طلحة بن عبيد الله: "لئن قبض رسول الله - ﷺ -، لأنكحن عائشة"، نزل احترامًا له - ﷺ -، وتطييبًا لقلبه:
﴿وَمَا كَانَ﴾ (١) أي: ما يجوز ﴿لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشيء من الأشياء.
﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ إذا مات، أو فارقهن.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ يعني: إيذاءه، ونكاحَ نسائه ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ذنبًا.
﴿عَظِيمًا﴾ فنكاحُ أزواجه محرم على غيره بالإجماع.
* * *
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾.
[٥٤] وبالغ في الوعيد عليه فقال: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ لنكاحهن على ألسنتكم.
﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ فيعلم ذلك فيجازيكم.
* * *
(١) رواه ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٨/ ٢٠١) عن أبي بكر بن محمد بن عمرو ابن حزم. ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣١٥٠)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ٦٩) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- نحوه.
الأحزاب 33:55
﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٥٥)﴾.
[٥٥] ولما نزلت آية الحجاب، قال ذوو المحارم: ونحن أيضًا لا نكلمهن إلا من وراء حجاب؟ فنزل: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ وإنما لم يذكر العم والخال؛ لأنهما بمنزلة الوالدين، والعرب تسمي العم أبًا، والخالة أمًّا. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ) كاختلافهم فيهما (مِنَ الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور، واختلافهم فيهما من (أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء [الآية: ٩٩] ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المسلمات، وتقدم ذكر الخلاف بين الأئمة في الكتابيات في سورة النور.
﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الإماء، فلا يكون العبد محرمًا لمولاته، وقيل: هو عام، فيكون العبد محرمًا لمولاته، وتقدم ذكر الحكم في ذلك، واختلاف الأئمة فيه في سورة النور؛ أي: لا إثم عليهن في ترك الاحتجاب عن هؤلاء، ثم التفت من الغيبة إلى الخطاب فقال: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمِرْتُنَّ به.
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يخفى عليه خافية.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ صلاةُ الله: رحمة، وصلاة الملائكة: الدعاء، وصلاة المؤمنين: سؤال الصلاة عليه.
الأحزاب 33:57
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ ادعوا له.
﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ حيوه بتحية الإسلام.
سئل رسول الله - ﷺ -: كيفَ الصلاة عليكم أهل البيت؟ قال: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد" (١).
واختلف المفسرون وأصحاب المعاني في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ هل (يصلون) راجعة على الله والملائكة، أم لا؟ فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون؛ لعلة التشريك، وخصوا الضمير بالملائكة، وقدروا الآية: إن الله يصلي وملائكته، والملائكة يصلون، واختلف الأئمة في الصلاة على النبي - ﷺ - في التشهد الأخير في الصلاة، فقال أبو حنيفة: هي سنة، وتجب في العمر مرة، والمختار في مذهبه أنها مستحبة كلما ذكر، وعليه الفتوى، وقال مالك: هي سنة في الصلاة، ولكنها واجبة في الجملة، وقال الشافعي: هي فرض، وقال أحمد: هي ركن، فتبطل الصلاة عندهما بتركها، عمدًا كان أو سهوًا.
* * *
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ أي: يخالفون أمره ويعصونه بنسبة الولد
(١) رواه البخاري (٤٥١٩) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، من حديث كعب بن عُجرة رضي الله عنه. والشريك إليه سبحانه، هم اليهود، قالوا: عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، وثالث ثلاثة، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله، والأصنام شركاؤه.
﴿وَرَسُولَهُ﴾ بتكذيبه، وقولهم: شاعر ومجنون.
﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل ﴿وَالْآخِرَةِ﴾ بالنار.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ فيحرم أذى النبي - ﷺ - بالقول والفعل بالاتفاق.
واختلفوا في حكم من سبه والعياذ بالله تعالى من المسلمين، فقال أبو حنيفة والشافعي: هو كفر كالردة يقتل ما لم يتب، وقال مالك وأحمد: يقتل ولا تقبل توبته، [وقتله حدًّا لا كفرًا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل توبته] (١).
وأما الكافر إذا سبه صريحًا بغير ما كفر به؛ من تكذيبه ونحوه، فقال أبو حنيفة: لا يقتل؛ لأن ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر، وقال الشافعي: ينتقض عهده، فيخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق، والمن والفداء، ولا يبلغ المأمن؛ لأنه كافر لا أمان له، ولو لم يشرط عليه الكف عن ذلك، بخلاف ما إذا ذكره بسوء يعتقده ويتدين به؛ كتكذيب ونحوه، فإنه لا ينتقض عهده بذلك إلا باشتراطه، وتقدم التنبيه على ذلك في سورة التوبة، وقال مالك وأحمد: يقتل ما لم يسلم، واختار جماعة من أئمة مذهب أحمد أن سابه -عليه السلام- يقتل بكل حال، منهم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: هو الصحيح من المذهب، وأما حكم قذفه - ﷺ -،
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". فعند أبي حنيفة حكمه كالسب من مسلم وكافر كما تقدم، وظاهر كلام أصحاب مالك فيما اطلعت عليه من كتبهم، ومنهم القاضي عياض في "الشفا" (١): أنه كالسب، يقتل به المسلم، ويسقط القتل عن الكافر بإسلامه، وحكى القاضي عياض عن ابن سحنون أنه أوجب على الذمي إذا قذف النبي - ﷺ - حد القذف، ثم قال: ولكن انظر ماذا يجب عليه، هل حد القذف في حق النبي - ﷺ - هو القتل؛ لزيادة حرمته - ﷺ - على غيره، أم هل يسقط القتل بإسلامه، ويحد ثمانين جلدة؟ فتأمله، انتهى.
وفي مذهب الشافعي ثلاثة أقوال حكاها النووي رحمه الله في "الروضة": أحدها: أنه كالمرتد، والثاني: أنه يقتل حدًّا، والثالث: أنه يجلد ثمانين جلدة (٢).
ومذهب أحمد -رضي الله عنه-: أن من قذفه - ﷺ -، أو قذف أمه، قتل، مسلمًا كان أو كافرًا، فلا تقبل من المسلم توبة، ولا من الكافر إسلامه.
وحكم من سب سائر أنبياء الله وملائكته حكمُ من سب نبينا عليهم السلام، وأما من سب الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله من المسلمين بغير الارتداد عن الإسلام، ومن الكفار بغير ما كفروا به من معتقدهم في عزير والمسيح ونحو ذلك، فحكمه حكم من سب النبي - ﷺ -، وكل من الأئمة الأربعة -رضي الله عنهم- على أصله كما قدمته، والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *
(١) انظر: (٢/ ٢٦٦) وما بعد.
(٢) انظر: "روضة الطالبين" للنووي (١٠/ ٣٣٢).
الأحزاب 33:58
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٥٨)﴾.
[٥٨] ونزل في عائشة وصفوان رضي الله عنهما: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ بغير ذنب.
﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ظاهرًا.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)﴾.
[٥٩] كان زي الحرائر والإماء واحدًا، فربما تعرض ببعض الحرائر، فنزل نهيًا للحرائر عن التشبه بالإماء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ﴾ يُرْخين.
﴿عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جمع جلباب، وهي الملاءة تشتمل ما المرأة فوق الدرع والخمار (١) ﴿ذَلِكَ﴾ الفعل ﴿أَدْنَى﴾ أقربُ إلى.
﴿أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بأن يتعرض لهن ذو ريبة.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لما سلف مع التوبة ﴿رَحِيمًا﴾ بعباده.
* * *
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾.
[٦٠] ونزل فيمن كان يظهر خلاف ما يضمر، وفيمن كان يرعب قلوب
(١) "والخمار" زيادة من "ت".
الأحزاب 33:61
المسلمين: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وكذبهم.
﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فجور؛ يعني: الزناة ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ بالكذب بما يضعون من الأخبار الكاذبة عن سرايا المسلمين؛ بأنهم قتلوا وكسروا وأخذوا، فترعب قلوب المؤمنين.
﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ لنسلطنك عليهم.
﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلا زمانًا قليلًا حتى يخرجوا منها.
* * *
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.
[٦١] ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مطرودين، نصب على الحال من (لاَ يُجَاوِرُونَك) ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ وجدوا.
﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ أي: الحكم فيهم هذا على جهة الأمر به.
* * *
﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي: كسنة الله.
﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ من المنافقين؛ أي: هذا الحكم فيهم.
﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ لأنه لا يبدلها.
* * *
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾.
[٦٣] وكان اليهود والمشركون يسألونه - ﷺ - عن الساعة امتحانًا
الأحزاب 33:64
واستهزاءً، فنزل: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ﴾ أي: أي شيء يعلمك أمر الساعة؟ ثم أومأ إلى قربها فقال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ﴾ شيئًا ﴿قَرِيبًا﴾ وانتصابه على الظرف، وفيه تهديد لهم.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ﴾ أي: عذب ﴿الْكَافِرِينَ﴾ المكيين بالقتل ببدر.
﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا﴾ نارًا في الاخرة.
* * *
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحفظهم.
﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع عنهم.
* * *
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ظهرًا لبطن حين يُسحبون عليها ﴿يَقُولُونَ﴾ المعنى: اذكر يوم يقول التابع والمتبوع: ﴿يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ في الدنيا.
* * *
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ أي: مقدمينا في الكفر.
الأحزاب 33:68
﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ أخطؤوا بنا طريق الهداية. قرأ ابن عامر، ويعقوب: (سَادَاتِنَا) بكسر التاء وألف قبلها على جمع (١) الجمع، وقرأ الباقون: [بفتح التاء بلا ألف قبلها (٢)، وتقدم اختلافهم في (الرَّسُولاَ) و (السَّبِيلاَ) عند (الظُّنُونَا) [الآية: ١٠].
﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: عذبهم مثل عذاب غيرهم ﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ قرأ عاصم: (كَبِيرًا) بالباء الموحدة من تحت، وقرأ الباقون] (٣): بالثاء المثلثة، واختلف عن هشام راوي ابن عامر (٤).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)﴾.
[٦٩] ونزل نهيًا عن أذى النبي - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ بأن رموه بالأُدرة، وهو مرض الأنثيين، فوضع ثوبه على الحجر
(١) "جمع" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٦).
(٣) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٣ - ٥٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٣٦).
الأحزاب 33:70
ليتوضأ، فهرب الحجر بثوبه حتى وقف به بين ملأ بني إسرائيل، فأدركه فضربه ثنتي عشرة ضربة، فرأوه أحسنَ الناس جسدًا (١)، واتهموه بقتل هارون في التيه، فأمر الله الملائكة حتى مروا به على بني إسرائيل، فعرفوا أنه لم يقتله، وقذفوه بالبغي أنه فجر بها، وجعلوه ساحرًا مجنونًا.
﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ بأن أوضح ما نسب إليه، فظهرت براءته منهم.
﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ ذا جاه.
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ أي: صوابًا.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾.
[٧١] ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ يتقبل حسناتكم، ويثيبكم عليها.
﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ نال غاية مطلوبه، والطاعة: موافقة الأمر، والمعصية: مخالفته.
(١) انظر ما رواه البخاري في (٢٧٤)، كتاب: الغُسل، باب: من اغتسل عُريانًا وحده في الخلوة، ومسلم (٣٣٩)، كتاب: الحيض، باب: جواز الاغتسال عريانًا في الخلوة، من حديث أبي هريرة.
الأحزاب 33:72
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ هي كل ما افترض على العباد؛ كصلاة وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار، فعرضت الأمانة بما فيها.
﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ عرضَ تخيير، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن، وإن عصيتن عوقبتن.
﴿فَأَبَيْنَ﴾ امتنعن ﴿أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ خِفْن منها خشية ألَّا يؤدينها، فيلحقهن العقاب.
﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ مع ضعفه، وهو آدم -عليه السلام-، روي أنه قال: أحمل الأمانة بقوتي أم بالحق؟ فقيل: من يحملها يحملها بنا، فإن ما هو منا لا يحمل إلا بنا، فحملها.
﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا﴾ لنفسه بمعصية ربه.
﴿جَهُولًا﴾ بأمر الله، وما احتمل من الأمانة.
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ بما خانوا الأمانة، ونقضوا الميثاق، واللام تعليل. ﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة، ونصبه عطف على (لِيُعَذِّبَ)، واللام في قوله (لِيُعَذِّبَ) متعلقة بحمل؛ أي: حملها؛ ليعذب العاصي، ويثيب المطيع.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ حيث تاب على فرطاتهم، وأثاب بالفوز على طاعاتهم.
وقد تقدم في تفسير هذه السورة (١) أن من خصائص رسول الله وجوب تخيير نسائه بين فراقه والإقامة معه، وأن يتزوج بأي عدد شاء، وأن يتزوج بلا ولي ولا شهود، وإذا خطب امرأة يحرم على غيره خطبتها حتى يتركها، وله خصائص غير ذلك، منها: أن له أن يتزوج في زمن الإحرام، وكان واجبًا عليه السواك والأضحية والوتر، ووجب عليه قيام الليل ولم ينسخ، وفرض عليه إنكار المنكر إذا رآه على كل حال.
ومُنِع من الرمز بالعين، والإشارة بها، وإذا لبس لأْمَة الحرب أن ينزعها حتى يلقى العدو، ومنع أيضًا من الشِّعر والخط وتعليمهما، ومنع من نكاح الكتابية كالأَمَةِ مطلقًا، ومنع من الأخذ من صدقة التطوع.
وأبيح له الوصال في الصيام، وهو ألَّا يفطر بين يومين فأكثر، وأبيح له خمس خمس الغنيمة وإن لم يحضره، وأبيح له الصفا من المغنم، وهو ما كان يختاره قبل القسمة؛ كجارية وعبد وثوب وسيف ونحوه، ودخول مكة محلًا ساعة، وإذا ادعي عليه أو ادعى هو فقوله بلا يمين، وجعلت تركته صدقة، وله أخذ الماء من العطشان، ويلزم كلَّ أحد أن يقيه بنفسه وماله، فله طلب ذلك، وحرم على غيره نكاح زوجاته فقط، وتقدم في
(١) عند تفسير الآية (٥٠). التفسير، وهن أزواجه في الدنيا والآخرة، وهن أمهات المؤمنين بمعنى: في حكم الأمهات في تحريم النكاح، وتقدم في التفسير، والنجس منا طاهر منه، ولم يكن له فيء في شمس ولا قمر، لأنه يوارى، والظل نوع ظلمة، وكانت تجتذب الأرض أثقاله، وساوى الأنبياء في معجزاتهم، وانفرد بالقرآن والغنائم، وجُعلت له الأرض مسجدًا وترابها طهورًا، ونُصر بالرعب مسيرة شهر، وبُعث إلى الناس كافة، وكل نبي إلى قومه، ومعجزاته باقية إلى يوم القيامة، وانقطعت معجزات الأنبياء بموتهم، وتنام عينه ولا ينام قلبه، فلا ينقض وضوءه بنومه مضطجعًا، ويرى من خلفه كما يرى أمامه، قال الإمام أحمد وجمهور العلماء: هذه الرؤية رؤية بالعين حقيقة، والدفن في البنيان مختص به، قالت عائشة: "لئلا يتخذ قبره مسجدًا"، وقال جماعة: لوجهين: أحدهما: قوله: "تدفن الأنبياء حيث يموتون" رواه الإمام أحمد (١)، والثاني: لئلا تمسه أيدي المنافقين، وزيارة قبره - ﷺ - مستحبة للرجال والنساء، ومنها: أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم، فقال: (يا آدمُ) (يا نوحُ) (يا إبراهيمُ) (يا داودُ) (يا زكريا) (يا يحيى)، ولم يخاطَب هو إلا (يا أيها الرسولُ) (يا أيها النبيُّ) (٢) (يا أيها المزملُ) (يا أيها المدثرُ)، وتقدم في التفسير، قال الإمام أحمد رضي الله عنه: خص النبي - ﷺ - بواجبات ومحظورات ومباحات وكرامات، والله أعلم.
(١) لم أقف عليه هكذا. وقد روى ابن ماجه (١٦٢٨)، كتاب: الجنائز، باب: ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -، من حديث ابن عباس في حديث طويل وفيه: "ما قبض نبي إلا دفن حيث يقبض" وإسناده ضعيف كما ذكر الحافظ في "الفتح" (١/ ٥٢٩).
(٢) "يا أيها النبي" سقط من "ت".