فتح الرحمن في تفسير القرآن — سبأ 34:1 – الزمر 39:75
المحتويات
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:4
- سبأ 34:6
- سبأ 34:8
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:25
- سبأ 34:28
- سبأ 34:31
- سبأ 34:33
- سبأ 34:35
- سبأ 34:38
- سبأ 34:39
- سبأ 34:40
- سبأ 34:42
- سبأ 34:44
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:49
- سبأ 34:51
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:5
- فاطر 35:7
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:15
- فاطر 35:18
- فاطر 35:20
- فاطر 35:23
- فاطر 35:26
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:36
- فاطر 35:38
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:6
- يس 36:9
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:14
- يس 36:15
- يس 36:17
- يس 36:20
- يس 36:22
- يس 36:24
- يس 36:27
- يس 36:29
- يس 36:31
- يس 36:33
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:43
- يس 36:47
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:53
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:60
- يس 36:63
- يس 36:66
- يس 36:68
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:74
- يس 36:78
- يس 36:79
- يس 36:81
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:4
- الصافات 37:6
- الصافات 37:9
- الصافات 37:12
- الصافات 37:13
- الصافات 37:18
- الصافات 37:20
- الصافات 37:24
- الصافات 37:27
- الصافات 37:32
- الصافات 37:37
- الصافات 37:41
- الصافات 37:46
- الصافات 37:50
- الصافات 37:55
- الصافات 37:59
- الصافات 37:63
- الصافات 37:64
- الصافات 37:68
- الصافات 37:73
- الصافات 37:77
- الصافات 37:81
- الصافات 37:86
- الصافات 37:90
- الصافات 37:95
- الصافات 37:98
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:106
- الصافات 37:108
- الصافات 37:113
- الصافات 37:116
- الصافات 37:121
- الصافات 37:125
- الصافات 37:127
- الصافات 37:129
- الصافات 37:131
- الصافات 37:133
- الصافات 37:138
- الصافات 37:141
- الصافات 37:145
- الصافات 37:149
- الصافات 37:153
- الصافات 37:157
- الصافات 37:161
- الصافات 37:165
- الصافات 37:170
- الصافات 37:175
- الصافات 37:179
- ص 38:1
- ص 38:2
- ص 38:4
- ص 38:7
- ص 38:9
- ص 38:12
- ص 38:15
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:22
- ص 38:24
- ص 38:25
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:28
- ص 38:31
- ص 38:33
- ص 38:35
- ص 38:36
- ص 38:37
- ص 38:41
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:47
- ص 38:49
- ص 38:53
- ص 38:56
- ص 38:59
- ص 38:62
- ص 38:64
- ص 38:68
- ص 38:71
- ص 38:75
- ص 38:79
- ص 38:84
- ص 38:87
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:4
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:14
- الزمر 39:16
- الزمر 39:18
- الزمر 39:20
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:26
- الزمر 39:29
- الزمر 39:30
- الزمر 39:33
- الزمر 39:36
- الزمر 39:37
- الزمر 39:39
- الزمر 39:41
- الزمر 39:43
- الزمر 39:45
- الزمر 39:46
- الزمر 39:48
- الزمر 39:50
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:56
- الزمر 39:59
- الزمر 39:62
- الزمر 39:63
- الزمر 39:65
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:70
- الزمر 39:72
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
سبأ 34:1
سُوْرَةُ سَبَإٍ
مكية، واختلف في قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ﴾ [سبأ: ٦]، فقالت فرقة: هي مكية، والمراد: المؤمنون بالنبي - ﷺ -، وقالت فرقة: هي مدنية، والمراد: من أسلم بالمدينة من أهل الكتاب؛ كعبد الله بن سلام وأصحابه (١) وأشباههم، آيها: أربع وخمسون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وخمس مئة واثنا عشر حرفًا، وكلمها: ثماني مئة وثلاث وثمانون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾.
[١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: الثناء له، والألف واللام لاستغراق الجنس؛ أي: الحمدُ على تنوعه هو لله تعالى ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ كما هو في الدنيا؛ لأن أهل الحمد يحمدونه في
(١) "وأصحابه" ساقطة من "ت".
سبأ 34:2
الآخرة كما يحمدونه في الدنيا؛ لأن النعم في الدارين منه، وحذفت إحداهما لدلالة الأخرى عليها.
﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ المحكِم لأمور الدارين ﴿الْخَبِيرُ﴾ بالأشياء؛ لأن وجودها إنما هو به جلَّت قدرتُه.
﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.
[٢] ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: يدخل فيها من الأموات والكنوز والدفائن وغيرها ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من النبات والأموات عند الحشر، وماء العيون وسائر المخرَجات.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الوحي والرسل والكتب والأقدار والأمطار والصواعق والشهب.
﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي: يصعد فيها (١) من الملائكة والأعمال.
﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ للمفرِّطين في شكر نعمته.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾.
[٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استهزاءً واستبطاء للبعث: {لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
(١) "فيها" ساقطة من: "ت". قُلْ} لهم يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ الساعة. قرأ أبو بكر عن عاصم: (بَلَى) بالإمالة (١).
﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ورويس عن يعقوب: (عَالِمُ) برفع الميم على الاستئناف؛ أي: هو عالم الغيب، وقرأ الباقون: بخفضها من نعت قوله تعالى: (وَرَبِّي)، وقرأ منهم حمزة، والكسائي: (عَلَّامِ) بتشديد اللام على وزن فَعّال وجر الميم على المبالغة (٢)، روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، قال: واللات والعزى ما ثَمَّ ساعة تأتي، ولا قيام ولا حشر، فأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - أن يُقسم بربه مقابلة (٣) لقسم أبي سفيان؛ ردًّا وتكذيبًا وإيجابًا لما نفاه.
﴿لَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائي: بكسر الزاي، والباقون: بضمها؛ أي: لا يغيب.
﴿عَنْهُ مِثْقَالُ﴾ أي: وزن ﴿ذَرَّةٍ﴾ أي: نملة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: المثقال ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ ورفعُهما عطف على (مِثْقَالُ).
﴿إِلَّا﴾ وهو مثبت.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٩ - ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤١ - ١٤٢).
(٣) "بربه مقابلة" زيادة من "ت".
سبأ 34:4
﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾.
[٤] ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ اللام في (لِيَجْزِيَ) متعلقة بقوله: (لاَ يَعْزُبُ) أي: لا يغيب عنه شيء ليجزي المحسنَ والمسيء.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المؤمنون ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ وهي تغمد الذنوب.
﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هو الجنة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾.
[٥] ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ في إبطال أدلتنا ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بتشديد الجيم من غير ألف؛ أي: مُثَبِّطين الناس عن الإيمان، والباقون: بالتخفيف وألف بعد العين (١)؛ أي: مسابقين، يحسبون أنهم يفوتوننا.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ﴾ من سيئ العذاب.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥٨)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٣).
سبأ 34:6
﴿أَلِيمٌ﴾ مؤلم. قرأ ابن كثير، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (أَلِيمٌ) بالرفع صفة (عَذَابٌ)، والباقون: بالجر صفة (رِجْزٍ) (١).
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَيَرَى﴾ أي: ويعلم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هم الصحابة، أو من آمن من أهل الكتاب ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: القرآن ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ أي: يرون المنزل حقًّا.
﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ يعني: الإسلام، وليس بمعطوف على ما تقدم؛ لأن الله تعالى لم يُحصِ أعمال الخلق ليهتدوا كلهم إلى صراط مستقيم، لكنه مستأنف على تقدير: وهو يهدي، وقيل: هو معطوف على (الحق) أي: يرون المنزل حقًّا وهاديًا.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ سخرية بنبيهم.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٣).
سبأ 34:8
﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ هو محمد - ﷺ -. قرأ الكسائي: (هَل نَّدُلُكُمْ) وشبهه بإدغام اللام في النون، والباقون: بالإظهار (١).
﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم، ويقول لكم: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ قُطِّعتم كل تقطيع؛ أي: في القبور ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي: تنشؤون خلقًا جديدًا بعد تمزيق أجسادكم.
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾.
[٨] ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ الألف للاستفهام؛ أي: هو مفتر، أم به جنون؟ فرد الله تعالى ذلك بقوله:
﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: البعث.
﴿فِي الْعَذَابِ﴾ ثم ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ عن الهدى.
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩)﴾.
[٩] ثم أومأ تعالى إلى وحدانيته وعظيم قدرته بقوله: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٢٢٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٤).
سبأ 34:10
أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} المعنى: ألم يروا أنهم تحت سمائي وفوق أرضي، فيخافوا عذابي فيؤمنوا؟!
﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ تدل على قدرتنا على البعث.
﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ تائب مقبل على ربه، راجع إليه بقلبه. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَشَأْ) (يَخْسِفْ) (أَوْ يُسْقِطْ) بالياء في الثلاثة خبر عن الله تعالى، وأدغم الكسائي الفاء بالباء، وقرأهن الباقون: بالنون إخبارًا عن الله تعالى تعظيمًا (١)، وقرأ حفص عن عاصم: (كِسَفًا) بفتح السين جمع كِسْفة؛ أي: قطعًا، وقرأ الباقون: بالإسكان على التوحيد (٢)؛ أي: قطعه، وجمعه (٣) أكساف وكسوف، واختلافهم في الهمزتين من (السَّمَاءِ إِنْ) كاختلافهم فيهما من (الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾.
[١٠] ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان؛ احتجاجًا على ما منح (١)
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٧)، و"الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٥).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٥).
(٣) "وجمعه" زيادة من "ت".
سبأ 34:11
محمدًا؛ أي: لا تستبعدوا هذا، فقد تفضلنا على عبيدنا قديمًا بكذا وكذا، فقال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾ أي: النبوة والملك، وقلنا:
﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي﴾ رَجِّعي ﴿مَعَهُ﴾ التسبيح، فكان داود إذا سبح، سمع تسبيح الجبال، ويعقل معناه؛ معجزة له؛ كما سمع الخطاب من الشجرة، وعقل معناه ﴿وَالطَّيْرَ﴾ أي: وسخرنا له الطير بأصواتها، فكان داود يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ في تلاوة الزبور بصوته الحسن، فلا يُرى شيء أحسن من ذلك فمن سمع صدى الجبال. قراءة العامة: (وَالطَّيْرَ) بالنصب بإضمار فعل تقديره: وسخرنا الطير، وألنا له الحديد، وقرأ يعقوب: بالرفع ردًّا على (الجبال)؛ أي: أوبي أنت والطير، ووردت عن عاصم، وأبي عمرو (١).
﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ أي: جعلناه له لينًا كالشمع، فلا يفتقر إلى نار ولا مطرقة.
﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١)﴾.
[١١] ﴿أَنِ اعْمَلْ﴾ أمرناه أن اعمل، و (أن) مفسرة لا موضع لها من الإعراب ﴿سَابِغَاتٍ﴾ دروعًا تامة تعم البدن.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٨)، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٦).
سبأ 34:12
﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي: اجعل المسامير على قدر الحَلَق، والسرد: هو نسج الدروع، وأصل السرد: الوصل، ومنه: سرد كلامه: وصل بعضه ببعض، فكان يعمل كل يوم درعًا، ويبيعها بستة آلاف درهم، ينفق عليه وعلى عياله ألفين، ويتصدق على فقراء بني إسرائيل بأربعة آلاف، وعمل الدروع لأنه كان من عادته أن يَخْرج إلى الناس مُنَكَّرًا، ويسأل عن داود وما يقال فيه، فخرج يومًا، فلقيه ملك في صورة آدمي، فسأله عن داود، فقال: نعم العبد هو، إلا أنه يأكل هو وعياله من بيت المال، فتنبه داود، وسأل ربه أن يرزقه سببًا يقوم به، فرزقه صنعة الدروع، قال رسول الله - ﷺ -: "كان داودُ لا يأكل إلا من كسبِ يدِه" (١) ثم خاطب داود أهله فقال:
﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فأجازيكم عليه.
﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ أي: وسخرنا له. قرأ أبو بكر عن عاصم: (الرِّيحُ) بالرفع؛ أي: له تسخرت الريح، والباقون: بالنصب، ومنهم
(١) رواه البخاري (٣٢٣٥)، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣)﴾ من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. قال ابن حجر في "الفتح" (٦/ ٤٥٥): فكان ينسج الدروع ويبيعها، ولا يأكل إلا من ثمن ذلك، مع كونه كان من كبار الملوك، قال الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ (٢٠)﴾. أبو جعفر، قرأ: (الرِّياح) بفتح الياء وألف بعدها على الجمع (١).
﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ جريُها بالغداة مسيرة شهر، وبالعشي كذلك، فكانت تغدو بسليمان وجنوده على البساط من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما شهر للراكب المسرع، ويروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع.
﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ أذبنا له معدن النحاس، أساله الله حتى صار كالماء، فكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، وكان بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان.
﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ أي: بأمره، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "سخر الله الجن لسليمان، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به" (٢).
﴿وَمَنْ يَزِغْ﴾ يعدل ﴿مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ الذي أمرنا به من طاعة سليمان.
﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، وقيل: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكًا بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان، ضربه ضربة أحرقته.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٦ - ١٤٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٧).
سبأ 34:13
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ أي: مساجد ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد؛ لينشطوا إلى العبادة والاقتداء بهم، وعملوا له في أسفل كرسيه أسدين، وفي أعلاه نسرين، فإذا صعد، بسط له الأسدان ذراعيهما فارتقى عليهما، فإذا جلس أظله النسران بجناحيهما، ولم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرمًا، وكان مما عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود، ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه أني لم أقض ذلك على يدك، ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يده، فلما توفاه الله تعالى، استخلف سليمان -عليه السلام-، وكان مولده بغزة، وملك بعد أبيه وله اثنتا عشرة سنة، ولما كان في السنة الرابعة من ملكه في شهر أيار سنة تسع وثلاثين وخمس مئة لوفاة موسى -عليه السلام-، ابتدأ سليمان في عمارة بيت المقدس حسبما تقدم به وصية أبيه إليه، وجمع حكماء الإنس والجن، وعفاريت الأرض، وعظماء الشياطين، وجعل منهم فريقًا يبنون، وفريقًا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام، وفريقًا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدر والمرجان، وكان في الدر ما هو مثل بيضة النعامة، وبيضة الدجاجة، وبنى مدينة بيت المقدس، وجعلها اثني عشر ربضًا، وأنزل كل رَبَض منها سِبْطًا من أسباط بني إسرائيل، وكانوا اثني عشر سبطًا، ثم بنى المسجد بالرخام الملون، وسقفه بألوان الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت، وأنبت الله شجرتين عند باب الرحمة، إحداهما تنبت الذهب، والأخرى تنبت الفضة، فكان في كل يوم ينزع من كل واحدة مئتي رطل ذهبًا وفضة، وفرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة، وبألواح الفيروزج، فلم يكن يومئذ بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر، وفرغ منه في السنة الحادية عشرة من ملكه، وكان ذلك بعد هبوط آدم بأربعة آلاف وأربع مئة وأربع عشرة سنة، وبين عمارة سليمان لمسجد بيت المقدس والهجرة الشريفة النبوية المحمدية -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- ألف وثماني مئة وقريب سنتين، وتقدم ذكر ذلك ملخصًا في سورة الإسراء.
ولما فرغ من بناء المسجد (١)، سأل الله ثلاثًا: سأله حكمًا يوافق حكمه، وسأله ملكًا لا ينبغي لأحد من بعده، وسأله ألَّا يأتي هذا المسجدَ أحد لا يريد إلا الصلاة فيه إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وروي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إنَّ سُليمانَ بنَ داود -عليهما السلام- سأل ربَّه ثلاثًا، فأعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن يكون قد أعطاه الثالثةَ: سأله حُكمًا يصادف حُكمه فأعطاه، وسأله مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده فأعطاه، وسأله: أيُّما رجُلٍ يخرج من بيته لا يُريد إِلا الصلاةَ في هذا المسجد، أن يخرج من خطيئته كيومَ ولدته أمُّه، فنحن نرجو أن يكون قد أعطاه إيَّاه" (٢).
ولما رفع سليمان يده من البناء بعد الفراغ منه، جمع الناس وأخبرهم أنه
(١) في "ت": "مسجد بيت المقدس".
(٢) رواه النسائي في "سننه" (٦٩٣)، كتاب: المساجد، باب: فضل المسجد الأقصى والصلاة فيه، وابن ماجه (١٤٠٨)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس، وأحمد في "المسند" (٢/ ١٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. مسجد لله تعالى، وهو أمره ببنائه، وأن كل شيء فيه لله تعالى، من انتقصه، أو شيئًا منه، فقد خان الله تعالى، وأن داود عهد إليه ببنائه، ثم اتخذ طعامًا، وجمع الناس جمعًا لم ير مثله، ولا طعام أكثر منه، وقرب القرابين لله تعالى، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدًا (١).
واستمر بيت المقدس على ما بناه سليمان أربع مئة سنة وثلاثًا وخمسين سنة حتى غزاه بُخت نصَّر، فخرب المدينة، وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ جميع ما كان فيه من الذهب والفضة والجواهر، فحمله إلى دار مملكته من أرض العراق، واستمر خرابًا (٢) بيت المقدس سبعين سنة كما تقدم ذكره في سورة البقرة [الآية: ٢٥٩] وسورة الإسراء [الآية: ٦] (٣).
وبنى الشياطين لسليمان باليمن حصونًا كثيرة عجيبة من الصخر ﴿وَجِفَانٍ﴾ قصاع كبار ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جمع جابية، وهو الحوض الكبير.
قرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: (كَالْجَوَابِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٤) ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثابتات لها قوائم لا يحركن عن أماكنهن؛ لعظمهن،
(١) رواه بنحوه الطبراني في "المعجم الكبير" (٤٤٧٧) من حديث رافع بن عمير. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٨): وفيه محمد بن أيوب بن سويد الرملي، وهو متهم بالوضع.
(٢) "خرابًا" زيادة من "ت".
(٣) وسلف نحو هذا الخبر عند تفسير الآية (٩٧) و (١١٤) من سورة البقرة.
(٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٧ - ١٤٨).
سبأ 34:14
وكان يُصعد عليها بالسلاليم، وكانت باليمن.
﴿اعْمَلُوا﴾ أي: وقلنا: اعملوا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ نصبه على النداء؛ أي: اعملوا يا آل داود بطاعة الله ﴿شُكْرًا﴾ له على نعمه.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي: العامل بطاعتي شكرًا لنعمتي. قرأ حمزة: (عِبَادِي الشَّكُورُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).
﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾.
[١٤] روي أن سليمان -عليه السلام- كان يتحنث في بيت المقدس الشهر والشهرين، والسنة والسنتين، وأقل وأكثر، وينقطع عن الناس، ويدخل إليه طعامه وشرابه، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، ويعلمون ما في غد، فدخل بيت المقدس يومًا، وقال: اللهم عَمِّ موتي على الجن حتى تعلمَ الإنسُ أن الجنَّ لا تعلم الغيب، ثم قام يصلي متكئًا على عصاه، فمات قائمًا، وكان لمحرابه كوى بين يديه وخلفه (٢)، فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس؛ لطول صلاته قبل ذلك، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولًا
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٨).
(٢) "وخلفه" زيادة من "ت". كاملًا (١) ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: لما مات.
﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ هي الأرضة.
﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ عصاه؛ لأنها ينسأ بها؛ أي: يؤخر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِنْسَاتَهُ) بألف ساكنة بعد السين من غير همز، وهذه الألف بدل من الهمزة لغة مسموعة صحيحة، قال أبو عمرو بن العلاء: هو لغة قريش، وأصلها الهمز؛ من نسأت الغنم: سقتها بها، وقرأ ابن ذكوان: بإسكان الهمزة، لغة غريبة صحيحة ورد به القرآن، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة على الأصل، وحمزة إذا وقف جعلها بين بين على أصله (٢).
﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ سقط على وجهه ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ قرأ يعقوب (تُبُيّنَتِ) بضم التاء والباء وكسر الياء؛ أي: أعلمت الإنس الجن، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله، وقرأ الباقون: بفتح التاء والباء والياء (٣)؛ أي: علمت الجن وأيقنت ﴿أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ أي: في التعب والشقاء المُذِلَّ مسخَّرين لسليمان وهو ميت يظنون حياته، أراد الله بذلك أن يعلم
(١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٨١)، والحاكم في "المستدرك" (٨٢٢٢) وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ٣٠٤)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٥٩٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٠).
سبأ 34:15
الجن أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا يظنون ذلك؛ لغلبة الجهل، وقيل: معنى تبينت الجن: أي: ظهرت وانكشفت للإنس، وتبين أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب؛ لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، فلما خر ميتًا، وعلموا بموته، شكرت الجنُّ الأرضة، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب.
وتوفي سليمان وله اثنتان وخمسون سنة، فكان مدة ملكه أربعين سنة، فتكون وفاته في أواخر سنة خمس وسبعين وخمس مئة لوفاة موسى -عليه السلام-، وذلك بعد فراغ بناء بيت المقدس بتسع وعشرين سنة، وبين وفاته والهجرة الشريفة النبوية المحمدية ألف وسبع مئة وثلاث وسبعون سنة، والله أعلم.
﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥)﴾.
[١٥] فلما فرغ التمثيل لمحمد - ﷺ - بسليمان -عليه السلام-، رجع التمثيل للكفار بسبأ، وما كان من إهلاكهم بالكفر والعتو، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ اسم أرض باليمن، أو رجل. قرأ أبو عمرو، والبزي: بفتح الهمزة من غير تنوين، وروى قنبل: بإسكان الهمزة، وقرأ الباقون: بالخفض والتنوين (١)، فمن قرأ منونًا مصروفًا، جعله اسم رجل، ومن قرأ غير مصروف، جعله اسم البلد ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ قرأ حمزة، وحفص:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٨٠ و ٥٢٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٠ - ١٥١). (مَسْكَنِهِمْ) بإسكان السين وفتح الكاف بغير ألف على التوحيد، وهو اسم جنس يراد به الجمع، والكسائي، وخلف: كذلك، غير أنهما يكسران الكاف؛ أي: في موضع سكناهم، والباقون: بفتح السين وألف بعدها وكسر الكاف على الجمع (١)؛ لأن كل واحد له مسكن، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن.
﴿آيَةٌ﴾ اسم كان؛ أي: علامة دالة على قدرة الله تعالى ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدل من آية؛ أي: بستانان ﴿عَنْ يَمِينٍ﴾ من بلدهم ﴿وَشِمَالٍ﴾ منه، والمراد: جماعتان من البساتين بها أشجار كثيرة، وثمار طيبة، فقيل لهم:
﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الذي رزقكم ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ على ما رزقكم من النعمة؛ أي: اعملوا بطاعته.
﴿بَلْدَةٌ﴾ استئناف للدلالة على موجب الشكر؛ أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة ﴿طَيِّبَةٌ﴾ وطيبتها أنها لم يكن بها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وكان يمر بها الغريب فيموت قمله؛ لطيب الهواء.
﴿وَرَبٌّ﴾ أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربٌّ ﴿غَفُورٌ﴾ للذنوب مع الإيمان به، وهذا من قول الأنبياء لهم. وقرأ رويس عن يعقوب: (بَلْدَةً طَيِّبَة وَرَبًّا غَفُورًا) بالنصب في الكل على المدح (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥١ - ١٥٢).
(٢) انظر: "القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٢١)، و"إملاء ما كان به الرحمن" للعكبري (٢/ ١٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٢).
سبأ 34:16
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾.
[١٦] وبعث إليهم ثلاثة عشر نبيًّا، فذكروهم نعم الله، وخوفوهم عقابه ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة، فقولوا لربكم أن يحبس عنا هذه النعمة إن استطاع.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: على سدهم، وهو سد بنته بلقيس بين الجبلين، فحقنت به الشجر، وتركت فيه ثقبًا على مقدار ما يحتاجون إليه من الماء ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ وهو السيل الذي لا يُطاق، وأصله من العرامة، وهي الشدة والقوة، فخرب السد، وملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيرًا من الناس ممن لم يمكنه الفرار، وأغرق أموالهم، فتفرقوا في البلاد، فصاروا مثلًا، وكان ذلك بين عيسى ومحمد عليهما السلام.
﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ المذكورتين ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ثمر ﴿خَمْطٍ﴾ وهو شجر الأراك وثمره، وقيل: هو كل شجر مر الثمر. قرأ يعقوب: (بِجَنَّتَيهُم) بضم الهاء، وابن كثير وأبو جعفر: يضمان الميم ويصلانها بواو في اللفظ وصلًا، واختلف عن قالون، وقرأ أبو عمرو ويعقوب (أُكْلِ) بالإضافة من غير تنوين، وقرأ الباقون: بالتنوين، ومنهم نافع وابن كثير يسكنان الكاف، والباقون: يضمونها (١) ﴿وَأَثْلٍ﴾ هو الطرفاء، ولا ثمر له، أو شجر يشبه الطرفاء، عطف على (أُكُلٍ).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٢ - ١٥٣).
سبأ 34:17
﴿وَ﴾ كذلك ﴿شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ شجر معروف، وهو النبق، ووصف بالقلة؛ فإن جناه مما يطيب أكلُه، ولذلك يغرس في البساتين، وما بدلوا من السدر لم يكن من ذاك، بل كان سدرًا بريًّا لا ينتفع به، فكان شجرهم من خير الشجر، فصيره الله من شر الشجر، وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم.
﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿ذَلِكَ﴾ الجزاء ﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ النعمة ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ يعاقَب؛ أي: وهل يجازى مثلَ هذا الجزاء ﴿إِلَّا الْكَفُورَ﴾ البليغ في الكفران. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (نُجَازِي) بالنون مع كسر الزاي (الْكَفُورَ) بالنصب مفعولًا إخبارًا منه تعالى عن نفسه؛ لقوله: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ) والكسائي على أصله في إدغام اللام من (هل) في النون، وقرأ الباقون: (يُجَازِى) بضم الياء وفتح الزاي، ورفع (الْكَفُورُ) (١).
﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨)﴾.
[١٨] ولما هلك مالهم (٢)، قالوا: نحن نتوب، ويرد علينا خيرنا،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٣ - ١٥٤).
(٢) "مالهم" زيادة من "ت".
سبأ 34:19
فرد عليهم خير أكثر من ذلك ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ وهم باليمن ﴿وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ بالماء والشجر، وهي قرى الشام ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ متقاربة، تظهر الثانية من الأولى؛ لقربها منها، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام، فكانوا يبيتون بقرية، ويَقيلون بأخرى، وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام.
﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ للمبيت والمقيل، فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم، وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار، وقلنا لهم: ﴿سِيرُوا فِيهَا﴾ لمصالحكم ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا﴾ أي: ليلًا ونهارًا ﴿آمِنِينَ﴾ من العدو والجوع والعطش.
﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩)﴾.
[١٩] فبطروا النعمة، وسئموا الراحة، ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ فاجعل بيننا وبين الشام فلواتٍ ومفاوزَ؛ ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل، وتزود الأزواد، فعجل الله لهم الإجابة بتخريب القرى المتوسطة. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وهشام: (بَعِّدْ) بنصب الباء وكسر العين مشددة من غير ألف مع إسكان الدال، وقرأ الباقون سوى يعقوب كذلك، إلا أنهم بالألف بعد الباء وتخفيف العين (١)، وكلٌّ على وجه الدعاء
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٤ - ١٥٥).
سبأ 34:20
والسؤال، وقرأ يعقوب: (رَبُّنا) برفع الباء (باعَدَ) بفتح العين والدال وألف قبل العين على الخبر (١)، كأنهم استبعدوا أسفارهم القريبة ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بعدم شكر مولاهم.
﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لمن بعدهم يتحدثون بأخبارهم.
﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فرقناهم في البلاد كل التفريق.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ على الوحدانية والقدرة.
﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي الله ﴿شَكُورٍ﴾ لأنعمه.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ قرأ الكوفيون: (صَدَّقَ) بتشديد الدال؛ أي: إبليسُ صدق ظنه الذي ظنَّ فيهم، وهو كفرُهم حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ [ص: ٨٢] ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٧]، فصدق ظنه، وحققه بفعله ذلك بهم، واتباعهم إياه، وقرأ الباقون: بتخفيف الدال (٢)؛ أي: صدق عليهم في ظنه بهم، واختلف القراء في إدغام الدال من (قَدْ) وإظهارها عند الصاد من (صَدَّقَ)، فأدغمها أبو عمرو، وحمزة،
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٧).
سبأ 34:21
والكسائي، وخلف، وهشام، وأظهرها الباقون (١).
﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ الكفار ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: إلا فريقًا هم المؤمنون لم يتبعوه.
﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: ما كان تسليطنا إياه عليهم.
﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي: ليظهر ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فيتميز المؤمن من الكافر.
﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رقيب.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿قُلِ﴾ يا محمد لكفار مكة: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أنهم آلهة ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب: (قُلِ ادْعُوا) بكسر اللام في الوصل، والباقون: بالضم (٢)، وفي الآية حذف؛ أي: ادعوهم لينعموا
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٧).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٨).
سبأ 34:23
عليكم بجلب نفع أو دفع ضر، لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعارًا بتعيين الجواب فقال:
﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ في خير أو شر.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ في أمر ما.
﴿وَمَا لَهُمْ﴾ لآلهتهم ﴿فِيهِمَا﴾ في السموات والأرض.
﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: شركة مع الله.
﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: الآلهة.
﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين، فهو تعالى غني عن خلقه، وآلهتهم عجزة عن كل شيء.
﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ في الشفاعة لغيره. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (أُذِنَ) بضم الهمزة مجهولًا أقيم (لَهُ) مقام الفاعل، وقرأ الباقون: بفتحها معلومًا (١)، الفاعلُ اللهُ تعالى.
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا﴾ أزيل عنها الفزع. قرأ ابن عامر، ويعقوب:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٢٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٨).
سبأ 34:24
(فَزَّعَ) بفتح الفاء والزاي، الفاعلُ الله تعالى؛ أي: حتى إذا كشف تعالى الفزعَ عن قلب الشافع والمشفوع له بالإذن في الشفاعة، وقرأ الباقون: بضم الفاء وكسر الزاي (١) مجهولًا (٢)؛ كدُفِع إلى زيد: إذا علم المدفوع، المعنى: إذا أذن في الشفاعة، فرحوا، وسأل بعضهم بعضًا استبشارًا، ثم ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ في الشفاعة؟ ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ نصب مفعول؛ أي: قال القول الحق، وهو الإذن في الشفاعة.
﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ذو العلو والكبرياء.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فالرزق من السموات المطر، ومن الأرض النبات ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ يعني: إن لم يقولوا: رازقنا الله، فقل أنت: إن رازقكم الله.
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ أي: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل أحد الفريقين مهتد، والآخر ضال، المعنى: إنا على الهداية يقينًا؛ لأنا موحدون، وأنتم على الضلالة يقينًا؛ لأنكم مشركون، ولم
(١) "وكسر الزاي" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٥٨ - ١٥٩).
سبأ 34:25
يصرحوا بذلك تأدبًا؛ لأنه أدعى إلى الإيمان، وهذا غاية الإنصاف، وقريبًا من هذا قولهم: أخزى الله الكاذب.
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ثم أوضح ذلك فقال: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ اكتسبنا من الذنب.
﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بل كل مطالب بعمله.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ أى: يقضي.
﴿بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ الحاكم في القضايا المنغلقة.
﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي أن يقضى به.
﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ أي: أشركتموهم مع الله تعالى في العبادة، المراد بذلك: إظهار خطأ الكفار بعبادة العاجز، ثم ردهم عن اعتقادهم، فقال: ﴿كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ وحده ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره.
﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبيره، فأنى يكون له شريك في ملكه؟!
سبأ 34:28
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ نصب على الحال ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: عامة لهم ﴿بَشِيرًا﴾ بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالنار، حالان.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيحملهم الجهل على مخالفتك، قال - ﷺ -: "كان النبي يُبعث إلى قومِه خاصةً، وبُعثت إلى الناس عامةً" (١)، وقيل: (كَافَّةً)؛ أي: لتكف الناس عن المعاصي، والهاء للمبالغة.
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: الكافرون استهزاءً: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدوننا به.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون به رسول الله - ﷺ - والمؤمنين.
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾ هو يوم البعث.
﴿لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ إذا فاجأكم، وهو جواب تهديد.
(١) رواه البخاري (٣٢٨)، كتاب: التيمم، ومسلم (٥٢١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
سبأ 34:31
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ ولا بما دل عليه من البعث وغيره ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة والإنجيل.
﴿وَلَوْ تَرَى﴾ يا محمد ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ﴾ محبوسون.
﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ﴾ أي: يرد ﴿بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ في الجدال.
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ استُحقروا، وهم الأتباع.
﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم القادة والأشراف:
﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ لأنكم منعتمونا عن الإيمان.
﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ إنكارًا عليهم.
﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ مشركين باختياركم.
سبأ 34:33
﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ إبطالًا لإضرابهم بإضرابهم عن مجادلتهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: مكركم بنا دائمًا ليلًا ونهارًا، فأجرى الظرف مجرى المفعول به، وأضيف المكر إليهما اتساعًا، تلخيصه: إنما أشركنا بسببكم.
﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ والند: المثيل والشبيه.
﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ اعتقدوها في نفوسهم؛ أي: كل من المستكبرين والمستضعفين ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في النار من الأتباع والمتبوعين، وقيل استهزاءً بهم وإيجابًا لعذابهم:
﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الكفر والمعاصي في الدنيا؟!
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أغنياؤها.
﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ هذه الآية تسلية للنبي - ﷺ -؛ أي: يا محمد! هذه سيرة الأمم، فلا يهمك أمر قومك.
سبأ 34:35
﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكفار المترفون للفقراء المؤمنين؛ فخرًا بزخارف الدنيا.
﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ لأنه أحسن إلينا في الدنيا بالمال والولد، فلا يعذبنا.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يضيق ابتلاء، وليس في شيء من ذلك دليل على رضا الله تعالى والقرب منه؛ لأنه قد يعطي ذلك (١) إملاء واستدراجًا.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؛ كأنتم أيها الكفرة.
﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ أي: جماعة أموالكم وجماعة أولادكم ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ أي: تقريبًا، نصب مصدر، كـ ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧].
(١) "ذلك" زيادة من "ت".
سبأ 34:38
﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ استثناء منقطع.
﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ أن تضاعف حسناتهم الواحدة بعشر إلى سبع مئة ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (جَزَاءً) بالنصب على الحال مع التنوين وكسره وصلًا، ورفع (الضِّعْفُ) بالابتداء؛ كقولك: في الدار زيدٌ قائمًا، تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاءً، وقرأ الباقون: (جَزَاءُ) بالرفع من غير تنوين، وخفض (الضَّعْفِ) بالإضافة (١).
﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ المنازل الرفيعة ﴿آمِنُونَ﴾ من المكاره. قرأ حمزة: (في الْغُرْفَةِ) بإسكان الراء من غير ألف على التوحيد على اسم الجنس، والمراد به: الجمع، وقرأ الباقون: بضم الراء مع الألف على الجمع (٢)؛ لقوله: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا (٥٨)﴾ [العنكبوت: ٥٨].
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ تقدم تفسيره واختلاف القراء فيه.
﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ من الإحضار.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٤).
سبأ 34:39
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ كرر القول بذلك تأكيدًا وتبيينًا، وقصد به هنا رزق المؤمنين، وليس عليه (١) سوقه على المعنى الأول الذي قيل للكافرين، بل هذا هاهنا على جهة الوعظ والتزهيد في الدنيا، والحض على النفقة في الطاعات، ثم وعد بالخلف في ذلك بقوله:
﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ أي: فالله يعوضه هنا بالمال، أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى، وفي الآخرة بالثواب.
﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ خير مَنْ يعطي ويرزق، وقوله: ﴿خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ من حيث يقال في الإنسان إنه يرزق عياله، والأمير جنده، ولكن ذلك من مال يملك عليهم، والله تعالى من خزائن لا تفنى.
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - قال: "قال الله في: أَنفِق أُنْفِق عليك" (٢).
وفي "البخاري": "إن الملك ينادي كل يوم: اللهمَّ أعطِ منفقًا (٣) خَلَفًا، ويقول مَلَكٌ آخَرُ: اللهم أعطِ ممسِكًا تلَفًا" (٤).
(١) "عليه" ساقطة من: "ت".
(٢) رواه البخاري (٤٤٠٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ومسلم (٩٩٣)، كتاب: الزكاة، باب: الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف.
(٣) في "ت": "كل منفق".
(٤) رواه البخاري (١٣٧٤)، كتاب: الزكاة، باب قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾، =
سبأ 34:40
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ يعني: المستكبرين والمستضعَفين.
﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ إثباتًا للحجة على الكفار: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ في الدنيا؟ وهو استفهام تقرير؛ كقوله لعيسى -عليه السلام-: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (يَحْشُرُهُمْ) (ثُمَّ يَقُولُ) بالياء فيهما، والباقون: بالنون (١)، واختلافهم في الهمزتين من (هَؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ) كاختلافهم فيهما من (الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣].
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.
[٤١] فتتبرأ منهم الملائكة ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ تنزيهًا لك ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ الذي نتولاه، ونلتجئ إليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم.
﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ يطيعون ﴿الْجِنَّ﴾ أي: الشياطين؛ لأنهم زينوا لهم عبادة الملائكة، فكانوا يطيعونهم.
= ومسلم (١٠١٠)، كتاب الزكاة، باب: في المنفق والممسك، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٦١٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٥).
سبأ 34:42
﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ بالجن وبما يقولون من الكذب، والملائكة بنات الله.
﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ثم يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا﴾ بالشفاعة.
﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بالعذاب؛ لأن الأمر كله لله.
﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ قال هنا: (الَّتِي) أراد: النار، وفي السجدة: (الَّذِي) أراد: العذاب.
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾
[٤٣] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا﴾ يعنون محمدًا - ﷺ -.
﴿إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ فيستتبعكم بما يستبدعه.
﴿وَقَالُوا مَا هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ لعدم مطابقة ما فيه الواقع.
﴿مُفْتَرًى﴾ بإضافته إلى الله سبحانه وتعالى.
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ والمراد: محمد، والقرآن:
﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر سحريته.
سبأ 34:44
﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ يعني: العرب ﴿مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ يقرؤونها، فيعلمون ذلك.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ إلى العرب الذين بعثت ﴿إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ وليس المراد: من تقدمه من العرب؛ لأن إسماعيل كان مبعوثًا قبله إلى العرب.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم رسلَنا، وهم عاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وغيرهم.
﴿وَمَا بَلَغُوا﴾ كفارُ مكة ﴿مِعْشَارَ﴾ أي عشرَ؛ كالمرباع الربع.
﴿مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ أي: الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر.
﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي﴾ عنادًا.
﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري عليهم، يحذرهم عذاب من تقدم.
قرأ ورش عن نافع: (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون بحذفها في الحالين (١).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٦).
سبأ 34:46
﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ أي: بخصلة واحدة، وهي:
﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ﴾ أي: لأجله تعالى، وليس المراد: حقيقة القيام، بل الاهتمام بالمطلوب.
﴿مَثْنَى﴾ اثنين اثنين ﴿وَفُرَادَى﴾ واحدًا واحدًا في تجريد العناية في البحث عن شأن محمد - ﷺ - حتى يظهر لكم شأنه.
﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ جميعًا في حاله، فتعلموا.
﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ أي: جنون. قرأ رويس عن يعقوب: (ثُمَّ تَفَكَّرُوا) بتاء واحدة مشددة حيث وصل، ومع الابتداء يظهر التاءين كبقية القراء (١).
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قدامه (٢)؛ لأنه - ﷺ - جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به، وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى: أن الاثنين إذا التجأا إلى الله تعالى، وبحثا طلبًا للحق مع الإنصاف، هدوا إليه، وكذلك الواحد إذا فكر في نفسه مجردًا عن الهوى؛ لأن كثرة الجمع مما يقل فيه الإنصاف غالبًا، ويكثر فيها الخلاف.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٧).
(٢) "قدامه" زيادة من "ت".
سبأ 34:47
﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ﴾ أي: جُعْلٍ على إنذاري وتبليغي الرسالة.
﴿فَهُوَ لَكُمْ﴾ لا أسألكم شيئًا، نحو: ما لي في هذا، فهو لك؛ أي: ليس لي فيه شيء.
﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ما ثوابي ﴿إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلع. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (أَجْرِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١).
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ يلقيه على الباطل، فيزهقه، والمراد: الوحي، وآيات القرآن، واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ رفع بخبر (إِنَّ)؛ أي: وهو علام الغيوب. قرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم: (الْغِيُوبِ) بكسر الغين، والباقون: بضمها (٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٧).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٧).
سبأ 34:49
﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام وما فيه من الأحكام.
﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ أي: ذهب فلم يبق منه بقية تُبدئ شيئًا أو تعيد.
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (٥٠)﴾.
[٥٠] ولما قال كفار مكة له - ﷺ -: إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ (١) أي: إثمُ ضلالي على نفسي.
﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ من القرآن، وهدايتي بفضله، فلا منة عليَّ لغيره.
﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ لا يفوته شيء. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٦١٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١٤/ ٣١٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٨).
سبأ 34:51
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا﴾ حين البعث، وجواب (وَلَوْ) محذوف؛ أي: لرأيت أمرًا عظيمًا.
﴿فَلَا فَوْتَ﴾ لهم من العذاب ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ من الموقف إلى النار.
﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿وَقَالُوا﴾ عند معاينة العذاب: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بمحمد - ﷺ -.
﴿وَأَنَّى لَهُمُ﴾ أي: ومن أين لهم ﴿التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (التَّنَاؤُشُ) بالمد والهمز، معناه: الطلب؛ أي: وأنى لهم (١) طلب مرادهم وقَد بَعُد؟ وقرأ الباقون: بضم الواو دون همز (٢)، معناه: التناول؛ أي: كيف لهم تناول ما بَعُدَ عنهم، وهو الإيمان والتوبة؟
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ أي: بالقرآن، وبمحمد - ﷺ - ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا.
(١) "لهم" زيادة من: "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٦٩).
سبأ 34:54
﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ يعني: وكانوا يتكلمون بالشيء الغائب، وهو قولهم في رسول الله ما ليس فيه ﴿مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ من حيث لا يعلمون أنهم غير محققين صدق ما يقولون.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ من نفع الإيمان حينئذ. قرأ ابن عامر، والكسائي، ورويس عن يعقوب: (وَحِيلَ) بإشمام الحاء الضمَّ (١) ﴿كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ﴾ أي: بأشباههم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من كَفَرة الأمم الماضية.
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ مُوقِعٍ لهم في الريبة والتهمة، وهو أقوى ما يكون من الشك، وأشد إطلاقًا، والله أعلم.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٠).
فاطر 35:1
سُوْرَةُ فَاطِر
وتسمى: سورة الملائكة، مكية، وآيها: خمس وأربعون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف ومئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وسبع وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.
[١] ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ تقدم الكلام فيه أول سورة سبأ وقبلها ﴿فَاطِرِ﴾ أي: خالق ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والمراد: الانفراد بالابتداء؛ لخلقها على غير مثال سبق.
﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ وسائطَ بينه وبين أنبيائه في تبليغ رسالاته بالوحي.
﴿أُولِي﴾ أي: أصحاب ﴿أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ لبعضهم جناحان، ولبعضهم ثلاثة، ولبعضهم أربعة، وروي أن لجبريل عليه السلام ستَّ مئة جناح، منها اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب (١).
(١) روى البخاري (٣٠٦٠)، كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم آمين =
فاطر 35:2
﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ﴾ من الملائكة وغيرها ﴿مَا يَشَاءُ﴾ تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة؛ أي: ليس هذا ببدع في قدرته؛ فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، قال الجوهري: التواضع في الأشراف، والسخاء في الأغنياء، والتعفف في الفقراء.
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الزيادة والنقصان. واختلاف القراء في الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى) في سورة الحج [الآية: ٣٣].
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾.
[٢] ﴿مَا يَفْتَحِ﴾ أي: ما يرسل ﴿اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ نعمة، ونُكِّرت؛ لتشيع في جميع النعم ﴿فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ لا يستطيع أحد حبسها، وأنث الضمير؛ ردًّا إلى لفظ الرحمة ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إمساكه تعالى له، وذكر الضمير؛ ردًّا إلى معناها؛ لأن الرحمة بمعنى الخير ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ فيما أمسك.
﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما أرسل.
= والملائكة في السماء، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه، ومسلم (١٧٤) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى، عن زر بن حُبيش قال: حدثنا عبد الله بن مسعود: أن النبي - ﷺ - رأى جبريل له ست مئة جناح.
فاطر 35:3
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣)﴾.
[٣] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا﴾ احفظوا ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بشكرها، ولا تنسوها بكفرها، والخطاب لقريش، وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعبَّادِ غيرِ الله، و (نِعْمَت) رسمت بالتاء في أحد عشر موضعًا، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب.
﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ قرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (غَيْرِ اللهِ) بخفض الراء نعتًا لـ: (خَالِقٍ) على اللفظ، وخبرُ الابتداء: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾ وقرأ الباقون: برفعها نعتًا لـ (خَالِقٍ) محلًا (١)؛ لأن (خالق) مبتدأ محذوف الخبر، و (مِنْ) زائدة، تقديره: هل خالقٌ غيرُ الله يرزقكم ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ المطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ النبات والاستفهام على طريق التقرير؛ أي: لا خالقَ غيرُ الله يرزقكم.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تُصرفون عن الإيمان؟!
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾.
[٤] ثم سلَّى نبيه - ﷺ - بما سلف من حال الرسل مع الأمم، فقال تعالى:
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦١٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٤).
فاطر 35:5
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فتأَسَّ بهم في الصبر على تكذيبهم.
﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ وتنكير الرسل يؤذن بكثرة من كُذِّب منهم. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١).
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥)﴾.
[٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بالبعث وغيره ﴿حَقٌّ﴾ لا خُلْفَ فيه.
﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ الشيطان بتزيينه، وقوله: إن الله يغفر الذنوب جميعًا، اعملوا ما شئتم.
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ قديمًا ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ فاحذروه.
﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ﴾ أتباعه ﴿لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ يسوقهم إلى النار.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٥).
فاطر 35:7
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾.
[٧] ثم بين حال موافقته ومخالفته، فقال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
ونزل في أبي جهل ومشركي مكة، وقيل: في أصحاب الأهواء والبدع:
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٨)﴾.
[٨] ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ﴾ (١) أي: لُبس عليه ومُوِّه ﴿سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ جميلًا؛ بوسوسة الشيطان. واختلاف القراء في قوله: (فَرَآهُ) كاختلافهم في قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في سورة الأنبياء [الآية: ٣٦]، والاستحسان لغة: هو اعتقاد الشيء حسنًا، وعرفًا: العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي، وقال به الحنفية، والإمام أحمد في مواضع، وكتب أصحاب مالك مملوءة منه، ولم ينص عليه، وأنكره الشافعي.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ تلخيصه: أفمن ضل، كمن هُدي؟!
﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر؛ أي: لا تغتمَّ بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. قرأ أبو جعفر:
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦١٧)، و"تفسير القرطبي" (١٤/ ٣٢٥).
فاطر 35:9
(تُذْهِبْ) بضم التاء وكسر الهاء (نَفْسَكَ) بنصب السين، وقرأ الباقون: بفتح التاء والهاء ورفع السين (١).
﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فيجازيهم عليه.
﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾.
[٩] ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: (الرِّيحَ) بغير ألف على الإفراد، والباقون: بألف على الجمع (٢).
﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ هذه آية احتجاج على الكفرة في إنكارهم البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه، وهذا سواء مع إحياء الموتى.
﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ هو الذي لا نبت فيه قد اغبرَّ من القحط. قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مَيِّتٍ) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها (٣) ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها.
﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ أي: مثل إخراج النبات من الأرض تخرجون من القبور.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٦).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"الكشف" لمكي (١/ ٢٧٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٦).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٧).
فاطر 35:10
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾.
[١٠] ولما تعزز الكفار بأصنامهم، نزل قوله تعالى:
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ المعنى: عزةُ الدارين مختصة بالله سبحانه وتعالى، فلا تُطلب إِلَّا منه بتقواه، ومن أراد التعزز، فليتعزز بطاعته تعالى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ هو: لا إله إِلَّا الله، ونحوها.
﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ اختلف في الضمير في (يَرْفَعُهُ) على من يعود؟ فقيل: يرجع إلى الكَلِم، فيكون المعنى: أن الكلم الطيب يرفع العمل الصالح؛ بأن يُتقبل منه بسببه؛ لأنّ الطّاعة إنّما تقبل مع التوحيد؛ لأنّ طاعة الكافر مردودة، وقيل: يرجع إلى (العمل)، فيكون المعنى: أن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، فكأن التّوحيد إنّما قُبل بسبب الطّاعة؛ لأنّ التّوحيد مع المعصية لا ينفع؛ لأنّه يعاقب على المعصية، وقال بعضهم: الفعل مسند إلى الله تعالى؛ أي: والعمل الصالح يرفعه الله تعالى، بأن يتقبله، قال ابن عطية -رحمه الله-: وهذا أرجح الأقوال (١).
﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ﴾ أي: مكروا المكرات ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ والمراد: مكر المشركين به - ﷺ - حين اجتمعوا في دار الندوة، وتقدم ذكر القصة في الأنفال، المعنى: المحتالون في هلاكك.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٤٣١).
فاطر 35:11
﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بما يمكرون ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ﴾ الكفار ﴿هُوَ يَبُورُ﴾ يكسد ويبطل.
* * *
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (١١)﴾.
[١١] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ يعني (١): آدم ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني: بالتناسل من مَنِيِّ (٢) الرجال ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أنواعًا، وقيل: ذكرانًا وإناثًا.
﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ إِلَّا معلومة له.
﴿وَمَا يُعَمَّرُ﴾ أي: ما يطول عمر ﴿مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ أي: طويل العمر، سمي بما يؤول إليه ﴿وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي: من عمر معمر آخر. قرأ يعقوب: (يَنْقُصُ) بفتح الياء وضم القاف، والباقون: بضم الياء وفتح القاف (٣).
﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ هو اللوح المحفوظ.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارة إلى تحصيل هذه الأعمار، وإحصاء دقائقها وساعاتها.
(١) "يعني" زيادة من "ت".
(٢) "مني" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٨).
فاطر 35:12
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾.
[١٢] ثمّ ضرب مثلًا للمؤمن والكافر فقال: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ يعني: العذب والمالح، ثمّ ذكرهما.
فقال: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ طيب يكسر العطش.
﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ لذيذ سلس الدخول في الحلق.
﴿وَهَذَا﴾ أحدُهما ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة.
﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ منهما ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ هو السمك، وصف بالطراة؛ لتسارع الفساد إليه، فيسارع إلى أكله طريًّا.
﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ﴾ من الملح خاصّة.
﴿حِلْيَةً﴾ زينة ﴿تَلْبَسُونَهَا﴾ وهي اللؤلؤ والمرجان، فدل على أنّهما من الحلي، ولم يقل هنا: منه؛ لأنّه معلوم، وقد ذكر في سورة النحل.
﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ تمخر الماء؛ أي: تشقه بجريها فيه مقبلة ومدبرة بريح واحدة.
﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تعالى بالتجارة، وكلِّ سفر له وجهٌ شرعي.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ اللهَ على نعمه، استطراد في صفة البحرين وما فيهما من النعم، والمعنى: كما أنّهما وإن اشتركا في بعض الفوائد لا يتساويان من حيث إنهما لا يتساويان فيما هو المقصود بالذات من الماء، فإنّه خالط أحدهما ما أفسده وغيره عن كمال فطرته، وكذلك لا يتساوى
فاطر 35:13
المؤمن والكافر، وإن اتفق اشتراكهما في بعض الصفات؛ كالشجاعة والسخاوة؛ لاختلافهما فيما هو الخاصية العظمى، وبقاء أحدهما على الفطرة الأصلية، وهي التّوحيد، دون الآخر.
* * *
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ معنى يولج: يُدْخِل، وهذه عبارة عن أن ما نقص من اللّيل زاد في النهار، فكأنّه دخل فيه، وكذلك كلّ ما نقص من اللهار يدخل في اللّيل.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ هي مدة دوره.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الإشارة إلى الفاعل لهذه الأشياء.
﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى من الأصنام.
﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ هي القشرة الرّقيقة الملتفة على النواة، وتقدم تفسير الفتيل والنقير في سورة النِّساء [الآية: ٥٣ و ٧١].
* * *
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ لأنّهم جماد.
فاطر 35:15
﴿وَلَوْ سَمِعُوا﴾ على سبيل الفرض والتمثيل ﴿مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لعجزهم.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ أي: بإشراككم لهم، وعبادتكم إياهم، ويتبرؤون منكم.
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ﴾ بأحوال الدارين ﴿مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ عالمٍ به، وهو الله تعالى.
* * *
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ بكل حال.
﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن جميع خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود على صنعه.
واختلاف القراء في الهمزتين من (الْفُقَرَاءُ إِلَى) كاختلافهم فيهما من (نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) في سورة الحجِّ [الآية: ٥].
* * *
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ بإهلاككم.
﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ بدلَكم.
* * *
﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ بمتعذر.
* * *
فاطر 35:18
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب غيره، وأمّا قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فالمراد: الضالون والمضلون، وإضلال تابعيهم من جملة ذنوبهم، فلذلك حملوه.
﴿وَإِنْ تَدْعُ﴾ نفس ﴿مُثْقَلَةٌ﴾ وبالذنوب ﴿إِلَى حِمْلِهَا﴾ الّذي عليها من الذنوب.
﴿لَا يُحْمَلْ مِنْهُ﴾ من حملها ﴿شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ﴾ المدعو ﴿ذَا قُرْبَى﴾ ذا قرابة؛ كأم وأب وأخ.
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ إنّما ينتفع بإنذارك ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: يخافونه، ولم يروهُ، وخص الخاشون بالإنذار. لأنّهم هم المنتفعون به ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ خص من الأعمال إقامة الصّلاة؛ تنبيهًا عليها، وتشريفًا لها، ثمّ أومأ تعالى إلى غناه عن خلقه بقوله:
﴿وَمَنْ تَزَكَّى﴾ تَطهَّر عن دنس المعاصي، وأصلح العمل.
﴿فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ فصلاحُه مختصٌّ به.
﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازيهم على تزكيتهم.
* * *
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ المؤمن والكافر، وقيل: الجاهل والعالم.
فاطر 35:20
﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ أي: الشرك والإيمان؛ أي: لا تساوي بينهما، وقوله: (وَلَا النُّورُ) دخول (لَا) فيها وفيما بعدها إنّما هو على نيّة التكرار؛ كأنّه قال: ولا الظلمات والنور، ولا النور والظلمات، فاستغنى بذكر الأوائل عن الثواني، ودل مذكور الكلام على متروكه.
* * *
﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَلَا الظِّلُّ﴾ الجنَّة.
﴿وَلَا الْحَرُورُ﴾ النّار، وقال ابن عبّاس: الحرور: الريح الحارة ليلًا، والسموم نهارًا (١).
* * *
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ﴾ المؤمنون ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ الكفار، وقيل: العلماء والجهال، كلها أمثال ضُربت للمؤمن والكافر.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ﴾ الإنذارَ سماعَ هداية (٢) ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ إيمانَه.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ يعني: الكفار، شبههم في عدم الانتفاع بالمقبور.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٢١).
(٢) "الإنذار سماع هداية" زيادة من "ت".
فاطر 35:23
﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.
[٢٣] ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ ما أنت إِلَّا منذر تخوفهم بالنار، ونُسخ معناها بآية السيف.
* * *
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ محققين (١) ﴿بَشِيرًا﴾ بالوعد ﴿وَنَذِيرًا﴾ بالوعيد.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ﴾ من الأمم الماضية ﴿إِلَّا خَلَا﴾ مضى ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي يُنذر من عذاب الله، واكتفى بنذير هنا عن ذكر بشير؛ لدلالته عليه؛ لأنّ النذارة قرينة البشارة، وهما مذكوران قبل، وأمّا فترة عيسى، فلم يزل فيها من هو على دينه، وداعٍ إلى الإيمان.
* * *
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقد.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات.
﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ كصحف إبراهيم ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الواضح، وهو التوراة والإنجيل، والبينات والزبر والكتاب المنير شيء واحد، لكنه أكد
(١) في "ت": "محقين".
فاطر 35:26
أوصافه بعضها ببعض، وذكره بجهاته، والزبور من زبرت الكتاب: إذا كتبته.
* * *
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾.
[٢٦] ثمّ توعد قريشًا بذكر الأمم الكافرة فقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: إنكاري بالعقوبة، وتقدم اختلاف القراء في (نَكِيرِ) في آخر سبأ [الآية: ٤٥].
* * *
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ المراد: رؤية القلب ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة؛ لأنّه أهيبُ في العبارة.
فقال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ بالماء ﴿ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كالخضرة والصفرة والحمرة والبياض والسواد، وغير ذلك، وقيل: المراد: أجناسها وأصنافها، قدم النعت على الاسم، فلذلك نصب.
﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾؛ أي: طرق تكون في الجبال ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ واحدتها جُدَّة.
﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ بالشدة والضعف.
فاطر 35:28
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ أي: وطرق سود كالغرابيب؛ تشبيهًا بالغراب، يقال: أسود غِرْبيب؛ أي: شديد السواد.
* * *
﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وتم الكلام هاهنا، ثمّ ابتدأ.
فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ قال ابن عبّاس: "يريد: إنّما يخافني من خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني (١) "، وتقديم اسم الله تعالى وتأخير العلماء يؤذن بأنّه لا يخشى اللهَ تعالى إِلَّا العلّماءُ، ولو عكس، لكان المعنى: أن العلماءَ لا يخشون الله (٢) نحو ﴿وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ في ملكه ﴿غَفُورٌ﴾ لذنوب عباده. واختلاف القراء في الهمزتين من (العُلَمَاءُ إِنَّ) كاختلافهم فيهما من ﴿الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) [فاطر: ١٥].
* * *
(١) "وسلطاني" زيادة من "ت".
(٢) في "ت": "لا يخشون أحدًا إِلَّا الله".
(٣) انظر "تفسير البغوي" (٣/ ٦٢٢).
فاطر 35:29
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ﴾ يداومون على قراءة القرآن، ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ بجميع شروطها.
﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ في الصدقات ووجوه البرّ، فالسر من ذلك هو التطوع، والعلانيّة هو المفروض، وخبر (إِنَّ): ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ أي: تكسد ويتعذر ربحها.
* * *
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ بالإنفاق ﴿أُجُورَهُمْ﴾ أي: ثواب التلاوة وإقامة الصّلاة وإنفاقهم.
﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ سوى الثّواب ما لم تر عين، ولم تسمع أذن.
﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لهم ذنوبهم ﴿شَكُورٌ﴾ مثيب لأعمالهم.
* * *
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني: القرآن، و (مِن) للتببين.
﴿هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكدة.
﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما تقدمه من الكتب المنزلة.
فاطر 35:32
﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ عالم بالبواطن والظواهر.
* * *
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا﴾ أي: أعطيناه ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن، و (ثُمَّ) للترتيب، تقديره: والذي أوحينا إليك، ثمّ أورثناه ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ هم أمتك يا محمّد، ثمّ قسمهم.
فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ هو الّذي رجحت سيئاته ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ هو الّذي ساوت حسناته سيئاته ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ﴾ إلى الجنَّة ﴿بِالْخَيْرَاتِ﴾ بالأعمال الصالحة، وهو الّذي رجحت حسناته ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بتوفيقه، والأصناف الثّلاثة في الجنَّة، قال - ﷺ -: "سابقُنا سابق، ومقتصدُنا ناجٍ، وظالمنا مغفورٌ له" (١).
(١) رواه العقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٤٤٣)، والثعلبي في "تفسيره" (٨/ ١١١)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٢٤)، من طريق الفضل بن عميرة، عن ميمون بن سياه الكردي، عن أبي عثمان النهدي، عن عمر، به. قال العقيلي: الفضل بن عميرة لا يتابع على حديثه، ويروى من غير هذا الوجه بإسناد أصلح من هذا.
قلت: وهو ما رواه سعيد بن منصور في "سننه" (٢/ ١٥١ - ١٥٢) من طريق فرج ابن فضالة، عن الأزهر بن عبد الله الحرازي، عن عمر، به. وبإسناده ليس بالقوي، كما ذكر البيهقي في "البعث والنشور". وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ١٥٢ - ١٥٣). قال الزمخشري في "الكشاف" (٣/ ٦٢٢) =
فاطر 35:33
﴿ذَلِكَ﴾ أي: إيراثهم الجنَّة ﴿هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.
* * *
﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾.
[٣٣] ومما يدلُّ على دخولهم جميعهم الجنَّة قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ مبتدأ، خبره ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ قرأ أبو عمرو: بضم الياء وفتح الخاء مجهولًا، فالواو قام مقام الفاعل، والباقون: بنصب الياء وضم الخاء معلومًا (١)، فالواو الفاعل.
﴿يُحَلَّوْنَ﴾ نساءً ورجالًا ﴿فِيهَا﴾ أي: في الجنَّة ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ جمع أسورة، و (مِنْ) تبعيض ﴿مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ روي أن ذلك الذهب في صفاء اللؤلؤ (٢)، هذه حليتهم.
﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ قرأ نافع، وعاصم، وأبو جعفر: (وَلُؤْلُؤًا) بالنصب على معنى: ويحلَّون لؤلؤًا، فأبو جعفر يترك الهمزتين، فيسكن الواو الأولى، وينصب الثّانية، وأبو بكر عن عاصم يترك الأولى فقط، وقرأ
= عند إيراده لهذا الحديث: فليحذر المقتصد، وليملك الظالم لنفسه حذرًا، وعليهما بالتوبة النصوح المخلصة من عذاب الله، ولا يغترا بما رواه عمر رضي الله عنه، فإن شرط ذلك صحة التوبة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٨٥).
(٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٣/ ٦٢٣).
فاطر 35:34
الباقون: بالخفض عطفًا على (أَسَاوِرَ)، وأبو عمرو يترك الهمزة الأولى (١)، وتقدم في سورة الحجِّ اختلاف الأئمة في حكم الحرير والجلوس عليه عند تفسير نظير هذه الآية.
* * *
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: ويقولون إذا دخلوا الجنَّة:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ أي: أزال عنا كلّ شيء يوجب الحزن.
﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ﴾ للمذنبين ﴿شَكُورٌ﴾ مثيب للمطيعين.
* * *
﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ بمعنى: الإقامة.
﴿مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب.
﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ إعياء ومشقة، فاللغوب: نصب وزيادة؛ لأنّه نتيجة النصب.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٤ - ٥٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٨٥ - ١٨٦).
فاطر 35:36
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى﴾ لا يحكم ﴿عَلَيْهِمْ﴾ بالموت.
﴿فَيَمُوتُوا﴾ نصب جواب النَّفْي.
﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ﴾ مثلَ ذلك الجزاء.
﴿نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ مبالغ في الكفر والكفران. قرأ أبو عمرو: (يُجْزَى) بالياء وضمها وفتح الزاي مجهولًا، ورفع (كُلُّ) مفعول المجهول، وقرأ الباقون: بالنون وفتحها وكسر الزاي، ونصب (كُلَّ) مفعولًا صريحًا (١)، المعنى: الكفار معذبون أبدًا.
* * *
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: يستغيثون في جهنم بشدة وعويل، يقولون:
﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ منها ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ لأنّهم كانوا يعتقدون صلاح عملهم في الدنيا، فأجيبوا توبيخًا:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٨٧).
فاطر 35:38
﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ المعنى: ألم نطل أعماركم وقتًا يتذكر فيه التوبة من تذكر، وتعطف على معنى (١) ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ما بعد؛ لأنّ لفظه استخبار، ومعناه إخبار، تقديره: عمرناكم.
﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ محمّد - ﷺ -، وقيل: القرآن، وقيل: الشيب، ويجوز أن يراد: كُلُّ ما يؤذن بالانتقال.
﴿فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ يدفع عنهم العذاب.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والغيب: ما غاب عن البشر؛ أي: لا يخفى عليه خافية.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: ما فيها من المعتقدات، تعليل لهم؛ لأنّه إذا علم مضمرات الصدور، وهي أخفى ما يكون، علم كلّ غيب، و (ذَاتُ) تأنيث (ذو).
* * *
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ جمع خليف؛ أي: يخلف بعضكم بعضًا.
(١) "معنى" ساقطة من "ت".
فاطر 35:40
﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: وبَالُ كفره.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ بغضًا (١) واحتقارًا.
﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ أي: خسروا آخرتهم ومعادهم.
* * *
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا﴾ أيَّ شيء.
﴿خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ أي: شركة مع الله تعالى.
﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في خلقها، المعنى: أخبروني عن هؤلاء الشركاء بزعمكم، أَستبدوا بخلق شيء، أم شاركوه تعالى في شيء من خلقه.
﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ﴾ هل أعطينا كفار مكّة أو الأصنام.
﴿كِتَابًا﴾ ينطق بأنّهم شركاؤه.
﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ أي: على حجة وبرهان من ذلك الكتاب. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، وخلف، وحفص عن عاصم: (بَيِّنَةٍ) بغير ألف على التّوحيد إرادة الجنس، وقرأ الباقون: (بَيِّنَاتٍ) بالألف على الجمع (٢)؛
(١) "بغضًا" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٨٨).
فاطر 35:41
لكثرة ما جاء به - ﷺ -، ورسمها بالتاء، تلخيصه: هل لمعبوديكم ما يستحقون أن يعبدوا بسببه؟
﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ﴾ الرؤساء ﴿بَعْضًا﴾ الأتباع.
﴿إِلَّا غُرُورًا﴾ باطلًا، وهو ما يغر الإنسان.
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾.
[٤١] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ﴾ يَضْبِط ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي: كي لا ﴿تَزُولَا﴾ رُوي أنّه لما قالت النصارى: المسيح ابن الله، واليهود: عزير ابن الله، كادت السموات والأرض أن تزولا وتعدما، فأمسكهما الله تعالى (١).
﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ أي: ما ﴿أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ﴾ من بعد إمساكه.
﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ حيث أمسكهما عن الزَّوال بحلمه وغفرانه أن يعاجلهم بالعقوبة.
* * * *
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾.
[٤٢] ولما بلغ قريشًا أن أهل الكتاب كذبوا رسلَهم، حلفوا إنَّ جاءهم
(١) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٤/ ٣٥٧) عن الكلبي، وقال: وهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٨٩، ٩٠].
فاطر 35:43
رسول، اتبعوه، فنزل: ﴿وَأَقسَمُوا﴾ أي: كفار مكّة.
﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ منصوب على المصدر؛ أي: بغاية اجتهادهم.
﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ يعني: من اليهود والنصارى؛ لأنّ كلّ واحدة منهما أمم، وليس المراد: إحدى الأمتين دون الأخرى، بل هما جميعًا؛ لأنّ (إحدى) شائعة فيهما تصلح لكل واحدة منهما، ولم يقل: الأمتين، [ولا الأمم بلا إحدى؛ ليعم جميع أفراد الأمتين] (١)؛ لأنّ (إحدى) تأنيث (أحد)؛ كأنّه قال: ليكونن أهدى من كلّ واحدة من الأمم، ولو حذف إحدى، لجاز أن يراد: بعض الأمم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ هو محمد - ﷺ - ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ مجيء النذير من الإيمان.
﴿إِلَّا نُفُورًا﴾ أي: تباعدًا عن الهدى.
* * *
﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ بدل من (نُفُورًا)، ثمّ تعطف على (نُفُورًا)، أو (استكبارًا)، ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ العمل القبيح، وأضيف المكر إلى السيئ وهو صفته كما قيل: دار الآخرة، ومسجد الجامع، وجانب الغربي. قرأ حمزة: (السَّيِّءْ) بإسكان الهمزة في الوصل؛ لتوالي الحركات تخفيفًا، كما
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". أسكنها أبو عمرو في (بَارِئْكُمْ) لذلك، قال الكواشي: وزعم بعضهم لجهله بكلام العرب أنّه لحن، وهو اللاحن، ونصر العلّامة ابن الجزري في "النشر" صحتها، وقرأ الباقون: بكسرها، وإذا وقف حمزة، أبدلها ياء خالصة، وكذلك هشام إذا خفف من طريق الحلواني، إِلَّا أنّه يزيد على حمزة بالروم بين بين (١).
﴿وَلَا يَحِيقُ﴾ يحيط (٢) ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ أي: وَبالُ الشرك مختص بمن أشرك. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّيِّئُ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من (نشاءُ إِلَى) في سورة الحجِّ.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: هل ينتظرون هؤلاء إِلَّا نزول العقاب بهم كما نزل بمن تقدمهم.
﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ﴾ في نزول العذاب بالكفار.
﴿تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ للعذاب إلى غير مستحقه، ورسمت (لِسُنَّتِ) في الموضعين بالتاء، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (٣).
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٢ - ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٨٩ - ١٩٠).
(٢) "يحيط" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩١).
فاطر 35:44
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أي: المشركون
﴿فِي الْأَرْضِ﴾ إلى متاجرهم.
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ﴾ هلكوا.
﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لما كذبوا الرسل.
﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فأُهلكوا مع ذلك.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا﴾ بالأشياء كلها ﴿قَدِيرًا﴾ عليها.
* * *
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: لو جازى على الذنوب في الدنيا ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا﴾ أي: على ظهر الأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يعني: لأهلك الجميع، وقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ مبالغة، والمراد: بنو آدم؛ لأنّهم المجازون.
﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقتٍ معلوم، وهو القيامة. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ توعد، وفيه للمتقين وعد. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥]، والله أعلم.
* * *
يس 36:1
سُوْرَة يس - عليه السّلام -
مكية، وآيها: ثلاث وثمانون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وعشرون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وسبع وعشرون كلمة.
روى أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن رسول الله - ﷺ - قال: "إنَّ لكل شيء قلبًا، وإن قلبَ القرآن يس" (١)، وروي: "من قرأ يس، كتب الله له بقراءتها قراءةَ القرآن عشرَ مرات" (٢).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿يس (١)﴾.
[١] ﴿يس﴾ أمال الياء: حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب، وفتحها الباقون، وأبو جعفر يقطع الحروف
(١) رواه التّرمذيّ (٢٨٨٧)، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل يس، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. قال التّرمذيّ: هذا حديث غريب، لا نعرفه إِلَّا من هذا الوجه، وفيه هارون أبو محمّد شيخ مجهول، وفي الباب عن أبي بكر الصديق، ولا يصح من قِبل إسناده وإسناده ضعيف، وفي الباب عن أبي هريرة.
(٢) هو قطعة من حديث أنس السابق.
يس 36:2
على أصله، وأدغم نون السين في الواو بغنة: الكسائي، ويعقوب، وخلف، وهشام راوي ابن عامر، واختلف عن نافع، وعاصم، والبزي راوي ابن كثير (١) وابن ذكوان راوي ابن عامر، وقرأ الباقون: بالإظهار وجهًا واحدًا، وهم أبو عمرو، وحمزة، وأبو جعفر، وقنبل راوي ابن كثير، والخلاف في معنى (يس) كما تقدّم في الحروف المقطعة في أوائل السور، وتختص هذه بأقوال، منها: أن سعيد بن جبير قال: "إنّه من أسماء محمّد - ﷺ - (٢) دليله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وعن ابن عبّاس: "معناه: يا إنسان! بلغة طيء"، وقال أبو بكر الورَّاق: معناه: يا سيد البشر.
* * *
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾.
[٢] ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ أي: المحكم. قرأ ابن كثير: (وَالْقُرَانِ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٣).
* * *
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٧ - ١٨ و ٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩٥ - ١٩٦).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣١)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٤).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩٦).
يس 36:3
﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
[٣] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ المعنى: أنّه تعالى أقسم بالقرآن أن محمدًا من المرسلين، وهو رد على الكفار حيث قالوا: ﴿لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ [الرعد: ٤٣].
* * *
﴿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[٤] ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: طريق هدى، ومهيع: رشاد لا اعوجاج فيه، ولا عدول عن الحق، ولم يقسم الله - تبارك وتعالى - لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إِلَّا له - ﷺ -، وهو خبر بعد خبر إنّه من المرسلين، وإنه على صراط مستقيم. قرأ قنبل عن ابن كثير، ورويس عن يعقوب: (السِّرَاط) بالسين، وأشم الصاد الزاي: حمزة، والباقون: بالصاد (١)، وكلها لغات صحيحة.
* * *
﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾.
[٥] ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَنْزِيلَ) بنصب اللام بإضمار أعني، أو فعله؛ أي: نزله تنزيلَ، وقرأ الباقون: بالرفع (٢)؛ أي: هو تنزيلُ.
* * *
(١) سلف عند تفسير الآية (٥) من سورة الفاتحة.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٩)، و "التيسير" للداني (ص: ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩٧).
يس 36:6
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ﴾ نفي؛ أي: لم تنذَرْ ﴿آبَاؤُهُمْ﴾ لأنّ قريشًا لم يأتهم نبي قبل محمّد - ﷺ - ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ عن الإيمان والرشد.
* * *
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.
[٧] ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ وجب العذاب ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي: أهل مكّة بالكفر.
﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لما سبق في علمه تعالى من عدم إيمانهم.
* * *
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨)﴾.
[٨] ولما حلف أبو جهل أن يرضخ رأس النّبيّ - ﷺ - بحجر إنَّ رآه يصلّي، فرآه ساجدًا، فأراد أن يلقي عليه حجرًا، فلزق في يده، وتشبثت يده في عنقه، نزل قوله تعالى:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ (١) أراد: في أعناقهم وأيديهم؛ لأن الغُلَّ لا يكون في العنق دون اليد.
﴿فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ﴾ جمع ذقن، وهو مجتمع اللحيين؛ أي: فأيديهم مجموعة إلى أذقانهم.
(١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢٠/ ٤٩٥) عن عكرمة. وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٢).
يس 36:9
﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رافعو رؤوسهم مع غض الأبصار لا يستطيعون الإطراق؛ لأنّ من غُلَّت يده إلى ذقنه، ارتفع رأسه.
* * *
﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾.
[٩] فلما عاد أبو جهل إلى أصحابه، وأخبرهم بما رأى، وسقط الحجر من يده بعد أن فكوه عنها بجهد، قال رجل من بني مخزوم: أنا أقتله بهذا الحجر، فأتاه وهو يصلّي ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتّى نادوه، وأخبرهم بالحال فنزل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (سَدًّا) بفتح السين فيهما، وقرأ الباقون: بالضم (١)، وهما لغتان، والسدُّ: ما سدَّ وحال.
﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أعميناهم؛ من التغشية.
﴿فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ طريقَ الهدى، أو محمدًا - ﷺ - حيث أرادوه بالسوء.
* * *
﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي: مستوٍ عندهم.
﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ أعلمتهم محذِّرًا.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩٨).
يس 36:11
﴿أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ هذه مخاطبة لمحمد - ﷺ -، وضمنها تسلية له عنهم؛ أي: إنهم قد ختم عليهم بالكفر، فسواء إنذارك وتركه، والألف في قوله: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) ألفُ التسوية؛ لأنّها ليست كالاستفهام، بل المستفهم والمستفهم مستويان في علم ذلك. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون عن نافع، ورويس عن يعقوب: (أَأَنْذَرْتَهُمْ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثّانية بين الهمزة والألف، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون: يفصلون بين الهمزتين بألف، وورش: يبدلها ألفًا خالصة، وروي عنه التسهيل بين بين، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن ذكوان راوي ابن عامر، وروح راوي يعقوب: بتحقيق الهمزتين من غير فصل بينهما، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل بألف مع تحقيق الهمزتين، واختلف عنه أيضًا في تسهيل الثّانية بين بين وتحقيقها.
* * *
﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾.
[١١] ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ أي: إنّما ينفع إنذارك ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ القرآنَ، وعمل به ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالخلوات عند (١) مغيب الإنسان من عيون البشر.
﴿فَبَشِّرْهُ﴾ وحد الضمير مراعاة للفظ.
﴿بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ هو الجنَّة.
(١) في "ت": "عن".
يس 36:12
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ عند البعث ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ أسلفوا من الأعمال من خير وشر؛ ليجازوا عليه ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ ما سَنُّوا من حسنة وسيئة.
* * *
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ﴾ حفظناه وبيناه.
﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ هو اللوح المحفوظ.
قال - ﷺ -: "مَنْ سَنَّ في الإسلام سُنةً حسنةً يُعمل بها من بعده، كان له أجرُها ومثلُ أجر من عمل بها من غير أن ينقصَ من أجورهم شيئًا، ومن سنَّ في الإسلام سُنَّةً سَيِّئة يُعمل بها مِنْ بعده، كان عليه وِزْرُها ووزرُ من عمل بها مِن غير أن يَنْقُصَ من أوزارهم شيئًا" (١).
* * *
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ أي: مَثِّل للمشركين مثلًا من قصة أصحاب القرية، وهي أنطاكية.
﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ رسلُ عيسى -عليه السّلام-.
(١) رواه مسلم (١٠١٧) كتاب: العلم، باب: من سن سنة حسنة أو سيئة، من حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال الإمام النووي في "شرح مسلم" (١٦/ ٢٢٧): وسواء كان ذلك الهدى والضلالة هو الّذي ابتدأه، أم كان مسبوقًا إليه.
يس 36:14
﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا﴾ أي: أَرسل عيسى بأمرنا ﴿إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ هما يوحنا ويونس؛ ليدعواهم إلى الإسلام، فقربا منها، فرأيا شيخًا، وهو حبيب النجار، فأخبراه خبرهما، فقال: هل من آية؟ قالا: نبرئ الأكمه والأبرص والمريض، فأبرأا خلقًا كثيرًا، فدعاهما الملك، واسمه أنطيخس، وكان من ملوك الروم يعبد الأصنام، فقال: لم جئتما؟ قالا: ندعوك إلى عبادة الرّحمن، فقال: أَلَنا رَبٌّ سوى آلهتنا؟ قالا: نعم، من أوجدك وآلهتك، فقال: قُوما حتّى أنظر في أمركما، فذهبا عنه.
﴿فَكَذَّبُوهُمَا﴾ وضربوهما وحبسوهما.
﴿فَعَزَّزْنَا﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: بتخفيف الزاي؛ من عزه: غلبه، فالمفعول محذوف؛ أي: غلبنا أهل المدينة ﴿بِثَالِثٍ﴾ وقرأ الباقون: بتشديدها (١)؛ من القوة، والمفعول محذوف أيضًا؛ أي: قوينا المرسلين برسول ثالث، وهو شمعون الصفا رأس الحواريين؛ لأنّ عيسى بعثه بعد الرسولين تقويةً لهما، فتوصل إلى أن أَنِسَ به الملك، فقال له يومًا: سمعتُ إنك حبست رجلين، فهل سمعت ما يقولان؟ قال: لا، فأحضرهما، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله، قال: صِفاه وأوجزا، قالا: يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فدعا بغلام مطموس العينين موضع عينيه كالجبهة، فدعوا الله، فانشق له بصره، فقال شمعون للملك: ادع إلهك
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٩٩).
يس 36:15
حتّى يصنع كذلك، فيكون لك وله الشرف، فقال له: ليس لي دونك سر، إنَّ إلهي لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر، ثمّ قال لهما شمعون: إنَّ قدر إلهكما على إحياء ميت، آمنا به، فجيء بميت من سبعة أيّام، فدعوا علانية، وشمعون سرًّا، فحيي الغلام فقال: دخلت في سبعة أودية من نار، وأنا أحذركم ما أنتم فيه، فآمنوا، وقال: فتحت أبواب السَّماء، فرأيت شابًا يشفع لهؤلاء الثّلاثة، قال الملك: ومن هم؟ قال: شمعون، وهذان، فآمن الملكُ وبعض أصحابه بعد أن أخبره شمعون بالحال، وكفر آخرون.
﴿فَقَالُوا﴾ أي: رسل عيسى.
﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ﴾ أي: أهل أنطاكية ﴿مُرْسَلُونَ﴾ (١).
* * *
﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ لا مزيةَ لكم علينا.
﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وحوي ورسالة.
﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ في دعواكم.
* * *
﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ وقوله: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ﴾ جرى مجرى القسم في التوكيد، وكذلك: شهد الله، وعلم الله، ولم يأت باللام
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٤)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ١٤).
يس 36:17
في (مرسلين) الأوّل، وأتى بها في الثّاني؛ لأنّ الأوّل ابتداء إخبار، والثّاني جواب إنكار.
* * *
﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ التبليغ الظّاهر الأدلة الواضحة؛ لأنّه لو ادعى إنسان شيئًا، وقال: والله إنِّي لصادق بلا بينة، استُقبح ذلك، ولم يُسمع قولُه.
* * *
﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨)﴾.
[١٨] فثم ﴿قَالُوا﴾ للرسل: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ تشاءمنا ﴿بِكُمْ﴾ وذلك أن المطر حُبس عنهم، ثمّ قالوا للرسل:
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عن مقالتكم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ لنقتلنكم بالحجارة.
﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
* * *
﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ﴾ شؤمكم ﴿مَعَكُمْ﴾ بكفركم، ثمّ أدخل همزة الاستفهام على الشرط توبيخًا لهم، فقال:
﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ وُعظتم، وجواب الشرط محذوف؛ أي: أئن ذُكِّرتم تطيرتم بنا وكفرتم؟! قرأ أبو جعفر: (أَأَنْ) بفتح الهمزة الثّانية وتسهيلها بين
يس 36:20
بين، ويفصل بين الهمزتين بالف، وقرأ (ذُكِرْتُمْ) بتخفيف الكاف، وقرأ الباقون: بكسرها، وهم في التسهيل والتحقيق والفصل وعدمه على أصولهم كما تقدّم في (أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا) في سورة الشعراء [الآية: ٤١]، وقرؤوا (ذُكِّرْتُمْ): بتشديد الكاف (١).
﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ مشركون مجاوزون الحدَّ.
* * *
﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ﴾ وهو حبيب النجار، وكان قد آمن بالرسل، وكان منزله عند أقصى باب من أبواب المدينة.
﴿يَسْعَى﴾ يشتد عَدْوًا؛ ليعلِمَ الرسلَ بذلك.
ثمّ ﴿قَالَ﴾ لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾.
* * *
﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ على تبليغ الرسالة.
﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى خير الدارين.
* * *
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠ و ٢/ ٣٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٠ - ٢٠٢).
يس 36:22
﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾.
[٢٢] فقالوا: أنت على دينهم، وكان يكتم إيمانه، فقال عاتبًا على نفسه؛ تنبيهًا لهم، وإثباتًا للحجة عليهم: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بعد الموت فيجازيكم. قرأ حمزة، ويعقوب، وخلف: (وَمَا لِي) بإسكان إلياء، والباقون: بفتحها (١)، أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع إليهم؛ لأنّ الفطرة أثر النعمة، وكان عليه أظهر، وفي الرجوع معنى الزجر، وكان بهم أليق. وقرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم.
* * *
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: لا أتخذ من دونه آلهة. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَتَّخِذُ) كاختلافهم فيهما من (أَأَنْذَرْتَهُمْ).
﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ﴾ بسوء ﴿لَا تُغْنِ﴾ لا تدفِع ﴿عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ﴾ أي: شفاعة الأصنام ﴿شَيْئًا﴾ أي: لا شفاعة لها فتغني ﴿وَلَا يُنْقِذُونِ﴾ من مكروه ما. قرأ أبو جعفر: (يُرِدْنِي) بإثبات الياء ساكنة وقفًا، مفتوحة
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٢).
يس 36:24
وصلًا، وافقه يعقوب وقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١)، وقرأ ورش: (يُنْقِذُونِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢).
* * *
﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ إن عبدت غيره.
* * *
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (٢٥)﴾.
[٢٥] ثمّ أظهر إيمانه بقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ أي: أطيعون. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب: (إِنِّي إِذًا) (إِنِّي آمَنْتُ) بإسكان الياء فيهما، وافقهما ابن كثير في الأوّل، وقرأ يعقوب: (فَاسْمَعُوني) بإثبات الياء (٣).
* * *
﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] فلما قال ذلك، وثب إليه القوم وثبة رجل واحد، فقتلوه، فمات
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٦ - ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٣).
(٣) المصادر السابقة.
يس 36:27
وهو يقول (١): اللَّهُمَّ اهدِ قومي، وقبره بأنطاكية، فلما قتله قومه ﴿قِيلَ﴾ له: ﴿ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ فلما أفضى إلى الجنَّة ﴿قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾.
* * *
﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ أي: بالذي غفر لي من الذنوب.
﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ليؤمنوا، أراد بذلك الإشفاق والنصح لهم؛ أي: لو علموا ذلك، لآمنوا بالله تعالى، وفي ذلك قال النّبيّ - ﷺ -: "نصحَ قومَه حيًّا وميتًا" (٢)، وقال قتادة: نفعهم على حالة الغضب والرضا، وكذلك المؤمّن لا يكون إِلَّا ناصحًا للناس.
* * *
﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (٢٨)﴾.
[٢٨] فلما قُتل حبيب، غضب الله له، وعجل لهم النقمة، فأمر جبريل فصاح بهم صيحة واحدة، فهلكوا عن آخرهم، فذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ﴾ أي: قوم حبيب ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد إهلاكهم {مِنْ
(١) "يقول" ساقطة من "ت".
(٢) ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٥/ ٢٠) عن ابن عبّاس، ورواه ابن مردويه كما قال الحافظ ابن حجر في "الكافي الشاف" من حديث المغيرة بن شعبة، في قصة عروة بن مسعود.
يس 36:29
جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ} [أي: إنَّ الله كفى أمرهم بصيحة ملك، ولم ينزل لإهلاكهم جند من السَّماء] (١).
﴿وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ﴾ ملائكةً بعد إهلاك هؤلاء لتعذيب أحد، و (ما) في هذين الحرفين نافية.
* * *
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ثمّ بين عقوبتهم فقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ رُوي أن جبريل أخذ بعضادتي باب المدينة، ثمّ صاح بهم صيحة واحدة ﴿فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ ميتون، شبهوا بالرماد الّذي خمدت ناره وطفئت. قرأ أبو جعفر: (صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) بالرفع فيهما على أن (كان) تامة، و (صيحةً) فاعل؛ أي: ما وقعت إِلَّا صيحة واحدة، وقرأ الباقون: بالنصب على أن (كان) ناقصة (٢)؛ أي: ما كانت هي؛ أي: الأخذة، إِلَّا صيحةً واحدة.
* * *
﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ والحسرة: أن يلحق الإنسان من الندم ما يصير به حسيرًا، ونصب (حَسْرَةً) منادى، ومعنى النِّداء: احضري، فهذا
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٤).
يس 36:31
موضع حضورك، المعنى: يا حسرة من العباد على أنفسهم، وتندمًا وتلهفًا في استهزائهم برسل الله، وعدم إيمانهم بهم، ثمّ بين سبب الحسرة والندامة.
فقال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ تمثيل لفعل قريش.
* * *
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿أَلَمْ يَرَوْا﴾ أهل مكّة رؤيةَ البصر ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ وهم أهل كلّ عصر، سُموا بذلك؛ لاقترانهم بالوجود، و (كَمْ) هنا خبرية ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: الماضين ﴿إِلَيْهِمْ﴾ إلى المكبين ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: من مات لا يعود إلى الدنيا، أفلا يعتبرون؟!
* * *
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر بخلاف عنه: (لمَّا) بالتشديد، جعلوا (إِنْ) بمعنى الجحد، و (لَمَّا) بمعنى إِلَّا، تقديره: وما كلٌّ إِلَّا جميع، وقرأ الباقون: بالتخفيف (١)، جعلوا (إِنْ) للتحقيق، و (ما) صلة، مجازه: وكلٌّ لَجميع لدينا، المعنى: كلّ الخلائق يجتمعون لدينا في الموقف للحساب.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٦).
يس 36:33
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ اليابسة. قرأ نافع، وأبو جعفر: (الْمَيِّتَةُ) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها ﴿أَحْيَيْنَاهَا﴾ بالماء.
﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ جنسَ الحب؛ كالحنطة والشعير وما أشبههما.
﴿فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ وخص الحب بالذكر؛ لأنّه أكثر المطلوب.
* * *
﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا﴾ أي: في الأرض ﴿مِنَ الْعُيُونِ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (الْعِيُونِ) بكسر العين، والباقون: بضمها (١).
* * *
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ثمّ علل تفجير العيون فقال: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ثُمُرِهِ) بضم الثاء والميم؛ أي: الأموال الكثيرة
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٤ - ٣٦٥)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٥/ ٢٠٦).
يس 36:36
المثمرة من كلّ صنف، جمع ثمار، وقرأ الباقون: بفتحها (١)؛ أي: ليأكلوا من الثمر الحاصل بالماء ممّا يخرجه الشجر (٢).
﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (عَمِلَتْ) بغير هاء ضمير، حذفت من صلة الاسم، وهي مرادة، وهي في مصاحف أهل الكوفة كذلك، وقرأ الباقون: بالهاء، ووصلها ابن كثير على أصله، وهي في مصاحفهم كذلك (٣)؛ أي: يأكلون من الّذي عملته أيديهم من الزّرع والغرس، والهاء عائدة إلى (ما) الّتي هي بمعنى الّذي.
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ نِعَمَ الله عليهم؟
* * *
﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأصناف ﴿كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ من الحبوب والثمار ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ من الذكور والإناث ﴿وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ﴾ من دوابِّ البرّ البحر.
* * *
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٧).
(٢) في "ت": "الثمر".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٧).
يس 36:37
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ تدلُّ على قدرتنا ﴿اللَّيْلُ نَسْلَخُ﴾ نُزيل ضوءه، ونخرج ﴿مِنْهُ النَّهَارَ﴾ فنجيء بالظلمة؛ لأنّ الأصل هي الظلمة، والنهار داخل عليها، فإذا غربت الشّمس، سلخ النهار من اللّيل.
﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ داخلون في الظلام.
* * *
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ أي: موضع تستقر فيه، وهو مغربها لا تجاوزه، ومستقرها تحت العرش، ورد به الحديث عن النّبيّ - ﷺ - (١). قرأ أبو جعفر بخلاف عنه: (لِمُسْتَقِرٍّ) بكسر القاف، وقرأ الجمهور: بالفتح (٢).
﴿ذَلِكَ﴾ السيرُ ﴿تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ المحيطِ علمُه بكل معلوم.
* * *
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَالْقَمَرَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وروح عن
(١) رواه البخاريّ (٤٥٢٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾، ومسلم (١٥٩)، كتاب: الإيمان، باب: بيان الزمن الّذي لا يقبل فيه الإيمان من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن قول الله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ قال: "مستقرها تحت العرش".
(٢) انظر: "المحتسب" لابن جني (٢/ ٢١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٨).
يس 36:40
يعقوب: برفع الراء على الابتداء، والباقون: بنصبها (١) بفعل يفسره ﴿قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ حال؛ أي: قدرنا القمر ذا منازل، وهي ثمانية وعشرون منزلًا، وهي السرطان إلى الرشاء، وهو بطن الحوت، وهي مقسومة على اثني عشر برجًا، وهي الحمل إلى الحوت، فينزل القمر كلّ ليلة منزلًا من منازله، ويسير سيرًا غير متفاوت، ويستسر ليلتين إنَّ كان الشهر ثلاثين، وليلة إنَّ كان تسعًا وعشرين، فإذا قطع منازله، دَقَّ في رأي العين وتقوس ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ﴾ كعذق النخلة ﴿الْقَدِيمِ﴾ لأنّ العذق إذا عتق، دَقَّ وتقوَّسَ واصفرَّ، فشبه القمر به، وتقدم في سورة يونس ذكرُ منازل القمر، والكلام عليه بأتمَّ من هذا.
* * *
﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا﴾ أي: لا يصح لها ولا يستقيم.
﴿أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ أن تجتمع معه فتطمسَ نوره؛ لأنّ فلكها غيرُ فلكه، ولأنّها تقطع فلكها كلّ سنة مرّة، والقمر كلّ شهر مرّة.
﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وإن كان سير القمر أسرعَ من سيرها، فهما يتعاقبان بحساب معلوم، لا يجيء أحدهما قبل وقته، ولا يجتمعان حتّى يبطل الله سبحانه هذا التأليف، ويطلع الشّمس من مغربها، ويجمع بين
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٠)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٨).
يس 36:41
الشّمس والقمر، وهو من أشراط السّاعة.
﴿وَكُلٌّ﴾ تنوين عوض من المضاف إليه؛ أي: كلّ واحد من النيرين والنجوم.
﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ لأنّ كلّ واحد يجري في فلكه.
* * *
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية قوم نوح، والمراد بالذرية: الآباء والأجداد، واسم الذرية يقع على الآباء كما يقع على الأولاد. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (ذُرِّيَّاتِهِمْ) بالألف على الجمع مع كسر التاء؛ لكثرة من حمل معه في السفينة، وقرأ الباقون: (ذُرِّيَّتَهُمْ) بغير ألف على التّوحيد مع فتح التاء إرادة الجنس (١).
﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ المملوء، والمراد: سفينة نوح -عليه السّلام-، وهؤلاء من نسل من حُمل معه، وكانوا في أصلابهم.
* * *
﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ﴾ للذرية ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: في الفلك ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ من الإبل، وهي سفن البرّ.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٠٩).
يس 36:43
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ مع إيجاد السفن.
﴿فَلَا صَرِيخَ﴾ لا مُغيثَ ﴿لَهُمْ﴾ إذا وقعوا في الغرق.
﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ يخلصون من الغرق.
* * *
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ نصب على الاستثناء؛ كأنّه قال: إِلَّا أن نرحمهم، وقيل: نصب على المفعول من أجله؛ كأنّه قال: إِلَّا لأجل رحمتنا إياهم.
﴿وَمَتَاعًا﴾ عطف على (رحمةً) وقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾ يريد: إلى آجالهم المضروبة لهم.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من أمر الآخرة، فاعملوا لها.
﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من الدنيا، فلا تغتروا بها ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لتكونوا راجين رحمة الله، وجواب (إذا) محذوف، تقديره: إذا قيل لهم، أعرضوا، يدلُّ عليه (مُعْرِضِينَ) بعدُ.
* * *
﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ والآيات: العلامات والدلائل.
يس 36:47
﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ لأنّهم اعتادوا الإعراض، وتمرنوا عليه.
* * *
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لكفار مكّة:
﴿أَنْفِقُوا﴾ على المساكين.
﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ من الأموال.
﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ﴾ أنرزُق ﴿مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ ثم لم يرزقه مع قدرته عليه، فنحن نوافق مشيئة الله، فلا نطعم من لم يطعمه الله، وهذا ممّا يتمسك به البخلاء، ويقولون: لا نعطي من حرمه الله، وذلك أنّهم كانوا يسمعون المؤمنين يعلقون الأشياء بمشيئة الله، فأخرجوا هذا الجواب مخرجَ الاستهزاء بالمؤمنين، لا اعتقادًا، يوضح ذلك قولهم للمؤمنين: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قولكم لنا: أنفقوا من مالكم.
* * *
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ يوم البعث ﴿إِنْ كُنْتُمْ﴾ خطاب للنبي - ﷺ - وأصحابه ﴿صَادِقِينَ﴾ فيما تقولون.
* * *
يس 36:49
﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] قال الله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ﴾ ما ينتظرون.
﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ يعني: النفخة الأولى. اتفق القراء على نصب (صيْحَةً وَاحِدَةً)؛ إذ هو مفعول (يَنْظُرُونَ).
﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ قرأ حمزة: (يَخْصِمُونَ) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد، كيضربون؛ أي: يخصم بعضُهم بعضًا، وقرأ حفص عن عاصم، والكسائي، ويعقوب، وخلف، وابن ذكوان عن ابن عامر: بكسر الخاء وتشديد الصاد (١)، أصله يختصمون، أدغمت التاء في الصاد، فاجتمع ساكنان، فكسرت الخاء لهما، وقرأ أبو بكر عن عاصم بخلاف عنه: بكسر الياء إتباعًا للخاء، وقرأ أبو جعفر: بسكون الخاء وتشديد الصاد، فيجمع بين ساكنين، وقرأ ابن كثير، وورش عن نافع، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: بفتح الخاء وكسر الصاد مشددة، أصله: يختصمون أيضًا، نقلت حركة التاء إلى الخاء، ثمّ أدغمت التاء في الصاد؛ لقربها منه، وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: باختلاس فتحة الخاء وتشديد الصاد، أصله: يختصمون، حذفت فتحة التاء، فاجتمع ساكنان، فحركت الخاء حركة مختلسة؛ لتدل على أن أصل الخاء السكون، ثمّ أدغمت التاء في الصاد، المعنى: يُصاح بهم في النفخة الأولى وهم مشغولون يتبايعون ويتجادلون، فتأخذهم الصيحة وهم غادون.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٠ - ٢١١).
يس 36:50
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ وصية ﴿وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ ينقلبون؛ أي: عجلوا عن الوصيَّة وعن الرجوع إلى أهليهم (١).
* * *
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو قرن، وهي النفخة الأخيرة، وبينهما أربعون سنة، وتقدم ذكر النفخات الثلاث في سورة النمل.
﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يسرعون، وبين النفختين لا يعذبون.
* * *
﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] فإذا رأوا ما ثمّ ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ تحسرًا على رقدتهم (٢) بين الرقدتين:
﴿يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ أيقظنا (٣) ﴿مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ منامنا الّذي كنا فيه؟ حفص عن عاصم: يسكت يسيرًا على (مَرْقَدِنَا) (٤).
(١) في "ت": "إليهم".
(٢) في "ت": "قدرتهم".
(٣) "أيقظنا" زيادة من "ت".
(٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٣).
يس 36:53
ثمّ يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ أي: الّذي وعده، وهو من كلام الكفار.
﴿وَصَدَقَ﴾ أي: والذي صدق فيه.
﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ وهو الإنذار، أقروا حين لا ينفع الإقرار.
* * *
﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿إِنْ كَانَتْ﴾ النفخةُ الأخيرة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ قرأ أبو جعفر: (صَيْحَةٌ وَاحِدَةٌ) بالرفع فيهما، والباقون: بالنصب، وتقدم توجيه القراءات في الحرف المتقدم، وهو ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾.
﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب.
* * *
﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ حكاية لما يقال لهم حينئذ.
* * *
﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ عن النّار وأهلها. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: بإسكان الغين، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، مثل: السُّحْت، والسُّحُت.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، =
يس 36:56
﴿فَاكِهُونَ﴾ منعَّمون. قرأ أبو جعفر: (فَكِهُونَ) بغير ألف بعد الفاء، والباقون: بالألف (١)، وهما لغتان؛ مثل: الحاذر، والحذر.
* * *
﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ظُلَلٍ) بضم الظاء من غير ألف، جمع ظلة، وقرأ الباقون: بكسر الظاء وألف، جمع ظِلّ (٢).
﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، وهي ستر كالبيت، ولا تكون أريكة إِلَّا إذا اجتمعا، المعنى: لا تصيبهم الشّمس، وهم في الجنَّة على السرر المرخاة عليها الستور.
﴿مُتَّكِئُونَ﴾ قرأ أبو جعفر: (مُتَّكُونَ) بضم الكاف وسكون الواو بغير همز، والباقون: بكسر الكاف والهمز (٣).
* * *
= و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٣).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٤)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٤).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٥)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٥).
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٥).
يس 36:57
﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ يشتهون.
* * *
﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿سَلَامٌ﴾ أي: ولهم سلام ﴿قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ أي: يقوله الله قولًا، وهو مبالغة في تعظيمهم أن السّلام وقع منه بغير واسطة.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: "بَيْنَا أهلُ الجَنَّة في نعيمهم، إذ سَطَع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربُّ - عز وجل- قد أَشْرَف عليهم من فوقهم، فقال: السَّلامُ عليكم يا أهلَ الجنَّة، فذلك قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا ينقلبون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتّى يحتجبَ عنهم، فيبقى نورُه وبركتُه عليهم في ديارهم" (١).
* * *
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿وَامْتَازُوا﴾ فيه حذف، تقديره: ونقول للكفرة: امتازوا؛ أي: اعتزلوا من أهل الجنَّة ﴿الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ لأنّ العالم في الموقف مختلطون، وهذه معادلة لقوله لأصحاب الجنَّة: ﴿سَلَامٌ﴾.
(١) رواه ابن ماجه (١٨٤) باب: فيما أنكرت الجهمية. وإسناده ضعيف، انظر: "الكامل في الضعفاء" لابن عدي (٦/ ١٣).
يس 36:60
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أي: ألم أُوصِكم على لسان رسلي.
﴿يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ إبليس؛ أي: لا تطيعوه في معصية الله.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهرُ العداوة.
﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ وَحِّدوني ﴿هَذَا﴾ أي: العهد المعهود إليكم.
﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ طريق بليغ في الاستقامة.
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا﴾ خَلْقًا ﴿كَثِيرًا﴾: قرأ أبو عمرو، وابن عامر: (جُبْلًا) بضم الجيم وإسكان الباء وتخفيف اللام، جمع جبيل، وقرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، ورويس عن يعقوب: بضم الجيم والباء جميعًا، وتخفيف اللام، وروى روح عن يعقوب كذلك، إلا أنه بتشديد اللام، وقرأ الباقون، وهم نافع، وأبو جعفر، وعاصم: بكسر الجيم والباء وتشديد اللام (١)، جمع جبلة، وكلها لغات معناها واحد.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٤)، =
يس 36:63
﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ ما حل بهم فتؤمنون.
...
﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] فثَمَّ يقال لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ بها.
...
﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ ذوقوا حرها ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ في الدنيا.
...
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ نُخرسهم ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ بعملها.
﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بما صدر منهم، والمراد: جميع الجوارح؛ لأن كل عضو يعترف بما صدر منه، وفائدة نطق الأعضاء؛ ليعلم أن ما كان عونًا على المعاصي صار شاهدًا، فلا ينبغي لأحد أن يصحب أحدًا إلا لله تعالى؛ لئلا يُفتضح ثَمَّ بسبب صحبته.
= و "تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٧).
يس 36:66
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ﴾ محونا آثار عيونهم؛ يعني: قريشًا.
﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ فتبادروا إلى الطريق ﴿فَأَنَّى﴾ أي: فكيف ﴿يُبْصِرُونَ﴾ الطريق إلى مقاصدهم؟ أي: لا يبصرون، وكيف إنكار هنا، فيفيد النفي، المعنى: لو شئنا، لختمنا عليهم بالكفر، فلم يهتد منهم أحد أبدًا.
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ﴾ قردة وخنازير.
﴿عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: مسخًا يثبتهم على مكانهم بحيث يجمدون فيه. قرأ أبو بكر عن عاصم: (مَكَانَاتِهِمْ) بألف بعد النون على الجمع، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (١).
﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا﴾ إلى الدنيا ﴿وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ إليها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٢)، و "التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢١٩).
يس 36:68
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨﴾.
[٦٨] ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ نطيل عمره ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ قرأ عاصم، وحمزة: (نُنَكِّسْهُ) بضم النون الأولى وفتح الثانية وكسر الكاف مشددًا، وقرأ الباقون: بفتح النون الأولى وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففًا (١)، لغتان بمعنى: جعل أعلى الشيء أسفله، المعنى: من يُطل عمره، يرده بعد كمال خلقه وخلقه وعلمه إلى مثل حال صغره.
﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أن القادر على ذلك قادرٌ على البعث، فيؤمنون؟! قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر: (تَعْقِلُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢).
...
﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾.
[٦٩] ولما قال كفار مكة: إن محمدًا شاعر، وما يقوله شعر، أنزل الله تكذيبًا لهم: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ أي: ما يتسهل له عمله، ولا إنشاده موزونًا؛ لنفي الطعن فيه، فأما نحو: "أنا النبيُّ لا كَذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلِبْ" (٣)، فليس بشعر عند أرباب هذا الشأن، ثم بين الذي علَّمه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٠).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢١).
(٣) رواه البخاري (٢٧٠٩)، كتاب: الجهاد والسير، باب: من قاد دابة غيره في الحرب، ومسلم (١٧٧٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: في غزوة حنين، =
يس 36:70
﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: المعلَّم، وهو الموحى إليه - ﷺ -.
﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ الأحكام، المعنى: إنما منعناه من عمل الشعر وتعليمه؛ لئلا يتهم.
...
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿لِيُنْذِرَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (لِتُنْذِرَ) بالخطاب للنبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالغيب إخبارًا عن القرآن (١) ﴿مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ عاقلًا.
= من حديث البراء بن عازب. قال ابن حجر -رحمه الله-: قال ابن التين: كان بعض أهل العلم يقوله بفتح الباء من قوله: "لا كَذِبَ" ليخرجه عن الوزن. وقد أجيب عن مقالته ﷺ هذا الرجزَ بأجوبة أحدها: أنه نظم غيره، وأنه كان فيه: أنت النبي لا كذب.. أنت ابن عبد المطلب، فذكره بلفظ "أنا"... وذكر رحمه الله أجوبة أقربها للصواب والله أعلم: أنه دلَّ على جواز وقوع الكلام منه ﷺ منظومًا من غير قصدٍ إلى ذلك، ولا يسمى ذلك شعرًا، وكان قد وقع الكثير من ذلك في القرآن العظيم، منها: ﴿الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ﴾... ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ﴾ ﴿وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾... إلخ ما ذكر رحمه الله. انظر "الفتح" (٨/ ٣١) و (١٠/ ٥٤٢).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و "تفسير البغوي" (٣/ ٦٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢١).
يس 36:71
﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ ويجب العذاب ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ المصِرِّين على الكفر.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ تولَّينا خلقه بإبداعنا من غير إعانة أحد ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ متصرفون، لم تُخلق وحشية نافرة من بني آدم لا يقدرون على ضبطها.
...
﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾ سخرناها ﴿لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: ما يركبون.
﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ اللحم والوَدَك.
...
﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ كأصوافها وأوبارها وأشعارها.
﴿وَمَشَارِبُ﴾ من اللبن، جمع مَشْرَب، وهو الشرب. قرأ هشام، وابن ذكوان بخلاف عنهما: (وَمَشَارِبُ) بإمالة فتحة الشين (١).
﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ المنعمَ عليهم؟!
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٢).
يس 36:74
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ يعبدونها.
﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ أي: لعلهم يمنعون من العذاب بشفاعة آلهتهم.
...
﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الآلهةُ ﴿نَصْرَهُمْ﴾ أي: نصر عابديهم.
﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ أي: الكفارُ جندٌ للأصنام، يحضرونها في الدنيا، ويغضبون لها، وهي لا تنفعهم.
...
﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ يعني: كفار مكة في تكذيبك. قرأ نافع: ﴿يُحْزِنْكَ﴾ بضم الياء وكسر الزاي، والباقون: بفتح الياء وضم الزاي (١).
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ من الكفر وتكذيبِك، فنجازيهم عليه.
...
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾.
[٧٧] ونزل في أُبي بن خلف لما أنكر البعث، وأتى النبيَّ - ﷺ - بعظم
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٢).
يس 36:78
رميم، ففتَّه وقال: يا محمد! أترى يحيي اللهُ هذا بعدما بَلِيَ ورَمَّ؟ فقال النبي - ﷺ -: "نعم، ويدخلك النار".
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي: منيٍّ.
﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ﴾ شديد الخصومة ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُها بعدما كان ماء مهينًا، المعنى: ألم يستدل بخلقه على إمكان البعث؟!
...
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا﴾ بفتِّه العظام.
﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ من المني، فهو أغرب من إحياء العظم.
﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ بالية، ولم يؤنث (رَمِيم)؛ لأنه معدول من فاعله، وكل ما كان معدولًا عن وجهه ووزنه، كان مصروفًا عن إعرابه؛ كقوله: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ٢٨] أسقط الهاء لأنها مصروفة عن باغية.
وفي الآية حجة في إثبات الحياة في العظم، ونجاسته بالموت، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا تحل الحياة بالعظم، فلا ينجس بالموت، له أن المعنى أنها ترد كما كانت رطبة في بدن حساس.
واختلفوا في الآدمي هل ينجس بالموت؟ فقال أبو حنيفة: ينجس، إلا أن المسلم يطهر بالغسل، وتكره الصلاة عليه في المسجد، وعن مالك خلاف، والذي اختاره ابن رشد: الطهارة، وهو الأظهر عند صاحب "المختصر" (١)، وأما الصلاة في المسجد، فالمشهور من مذهبه كراهتها
(١) انظر: "مختصر خليل" (ص: ١٠) قال: والنجس ما استثني ما ذكر =
يس 36:79
كقول أبي حنيفة، وعند الشافعي وأحمد: لا ينجس بالموت، ولا تكره الصلاة عليه في المسجد.
...
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم تفاصيل المخلوقات قبل خلقها وبعده.
...
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ هما شجرتان يقال لإحداهما: المرخ، وللأخرى: العفار، يقطع منهما قضيبان وهما خضراوان، فيسحق المرخ وهو ذكر، على العفار وهو أنثى، فتنقدح النار بإذن الله تعالى.
﴿فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ تقدحون، وهذا دليل على القدرة على البعث؛ لأنه تعالى جمع بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب.
= ولو قملة أو آدميًّا، والأظهر طهارته.
يس 36:81
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.
[٨١] ثم ذكر ما هو أعظم من خلق الإنسان فقال:
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مع عظمها على غير مثال سابق ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أي: مثل الأناسي في الصغر؛ أي: لا يعجزه شيء. قرأ رويس عن يعقوب: (يَقْدِرُ) بياء مفتوحة وإسكان القاف من غير ألف، وضم الراء على أنه فعل مستقبل مثل يَصْرِف، وقرأ الباقون: بالباء وفتح القاف وألف بعدها وخفض الراء منونة على وزن فاعل (١).
﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ﴾ الكثير الخلق ﴿الْعَلِيمُ﴾ بجميع ما خلق.
...
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ قرأ ابن عامر، والكسائي: (فَيَكُونَ) بالنصب عطفًا على (يَقُولَ)، وقرأ الباقون: بالرفع (٢)؛ أي: فهو يكونُ، وهذا إشارة إلى سرعة تكوُّن الشيء، وأنه تعالى لا يلحقه نَصَب في إيجاد المعدوم وإعدام الموجود.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٢).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٤)، و "التيسير" للداني (ص: ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٣).
يس 36:83
﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ثم نزه تعالى نفسه تنزيهًا عامًّا مطلقًا فقال: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (بِيَدِهِ) باختلاس كسرة الهاء، والباقون: بإشباعها (١) ﴿مَلَكُوتُ﴾ أي: مُلْكُ ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾ وزيدت الواو والتاء للمبالغة، ومعناه: ضبطُ كل شيء، والقدرةُ عليه.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٢)، وهو وعد ووعيد للمقرين والمنكرين.
قال - ﷺ -: "اقرؤوا على موتاكم يس" (٣)، والله أعلم.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٣).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٤).
(٣) رواه أبو داود (٣١٢١)، كتاب: الجنائز، باب: القراءة عند الميت، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٩١٣)، وابن ماجه (١٤٨٨)، باب: ما جاء فيما يقال عند المريض إذا، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٧)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٠٠٢). من حديث معقل بن يسار. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٢/ ١٠٤): أعلَّه ابن القطان بالاضطراب وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، ونقل أبو بكر بن العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا يصح في الباب حديث. وقال أحمد في "مسنده": كانت المشيخة يقولون: "إذا قُرئت" يعني "يس" عند الميت خُفِّف عنه بها. اهـ.
الصافات 37:1
سُوْرَةُ الصَّافَّاتِ
مكية، وآيها: مئة وثمانون وآيتان، وحروفها: ثلاثة آلاف وثماني مئة وستة وعشرون حرفًا، وكلمها ثماني مئة وستون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١)﴾.
[١] ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ جمع صافَّة ﴿صَفًّا﴾ مصدر، وكذلك ﴿زَجْرًا﴾ و ﴿ذِكْرًا﴾ بعد؛ يعني: الملائكة صفوفًا في السماء كصفوف الصلاة.
...
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾.
[٢] ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ الملائكة تزجر السحاب وتسوقه.
...
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.
[٣] ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هم الملائكة يتلون ذكر الله، وهذا كله قسم، أقسم الله بها، وليس لغيره ذلك.
الصافات 37:4
﴿إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.
[٤] وجواب القسم: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ في معناه وذاته وصفاته، وجيء بالفاء لتدل أن القسم مجموع المذكورات، والواو لا تفيده. قرأ أبو عمرو، وحمزة: (وَالصَّافَّات صَّفًا. فَالزَّاجِرَات زَّجْرًا. فَالتَّالِيَات ذِّكْرًا) بإدغام التاء فيما بعدها من غير إشارة، والباقون: بكسر التاء من غير إدغام (١).
...
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.
[٥] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ مشارق الشمس ومغاربها، وحذفها لدلالة (مشارق) عليها، وقد قال في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الآية: ٩] أراد به: الجهة، فالمشرق جهة، والمغرب جهة، وقال في سورة الرحمن: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الآية: ١٧] يعني: مشرقي الصيف والشتاء، ومغربيهما، وقال في سورة المعارج: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [الآية: ٤٠] مشرق كل يوم من السنة، ومغربه.
روي أن الله تعالى خلق للشمس ثلاث مئة وستين كوة في المشرق، ومثلها في المغرب، على عدد أيام السنة، تطلع الشمس كل يوم من كوة منها، وتغرب في كوة منها، لا ترجع إلى الكوة التي تطلع منها إلى ذلك اليوم من العام المقبل، فهي المشارق والمغارب (٢)، المعنى: هو ربُّ جميع الموجودات.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٢٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٥٤)، وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٥/ ٦٣)، =
الصافات 37:6
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾.
[٦] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (بِزِينَةٍ) منونة (الْكَواكِبَ) نصب؛ أي: بتزييننا الكواكبَ، وقرأ حمزة، وخلف (١)، وحفص عن عاصم: (بِزِينَةٍ) منونة (الْكَوَاكِبِ) خفضًا بدلًا من (زينةٍ)، وقرأ الباقون: (بِزِينَةٍ) بغير تنوين، وجرّ (الْكَوَاكِبِ) إضافة، المعنى: زينا السماء القريبة إليكم بالكواكب.
...
﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾.
[٧] ﴿وَحِفْظًا﴾ نصب بمحذوف؛ أي: وحفظناها حفظًا بالشهب.
﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ متمرد يُرمون بها.
...
﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾.
[٨] ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يَسَّمَّعُونَ) بتشديد السين والميم؛ أي: لا يستمعون، فأدغمت التاء في السين، وقرأ الباقون: بتخفيفها (٢)؛ أي: لا يستطيعون الاستماع.
﴿إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ الملائكة؛ لأنهم في السماء.
= ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (٤/ ١١٦٣)، عن عكرمة، عن ابن عباس.
(١) "وخلف" ساقطة من "ت".
(٢) المصادر السابقة.
الصافات 37:9
﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يُرمون ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ بالشهب.
...
﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾.
[٩] ﴿دُحُورًا﴾ إبعادًا، وأصل الدحر: الطرد.
﴿وَلَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ دائم لا ينقطع.
...
﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿إِلَّا﴾ استثناء من الجنس، وتقدم حكم الاستثناء من غير الجنس، واستثناء الكل، وغير ذلك من أحكام الاستثناء في سورة الكهف.
﴿مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس الكلمة من كلام الملائكة مُسارقةً.
﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ لحقه ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ كوكب مضيء لا يخطئه، يثقب الجني فيقتله أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون لاستراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون إليه؛ طمعًا في السلامة ونيل المراد؛ كراكب البحر.
...
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾.
[١١] ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ فاستخبرْ كفار مكة توبيخًا، وسلهم سؤال مُحاجَّة.
قرأ رويس عن يعقوب: بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٧٢)، "ومعجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٠).
الصافات 37:12
﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ من الملائكة والسموات والأرضين وما فيهما، وجيء (بمن) تغليبًا للعقلاء، وقيل: أم من خلقنا من الأمم قبلهم، ثم أومأ إلى ضعفهم؛ لأن من خُلق من ضعف فهو ضعيف.
فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ لاصق يعلق باليد.
...
﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾.
[١٢] ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم التاء خبرًا عن النبي - ﷺ -؛ أي: قل يا محمد: بل عجبتُ، وقيل: هو خبر عن الله تعالى، والتعجب من الله ليس كالتعجب من الآدميين؛ لأنه من الناس إنكار وتعظيم، ومن الله قد يكون بمعنى الإنكار والذم، وقد يكون بمعنى الاستحسان والرضا كما جاء في الحديث: "عجبَ ربُّكم من شابٍّ ليست له صَبْوةٌ" (١)، وهي عبارة عما يظهره الله تعالى في جانب المتعجَّب منه من التعظيم أو التحقير، حتى يصير الناس متعجبين منه، وقرأ الباقون: بالفتح خطابًا للنبي - ﷺ - (٢)، المعنى: تعجبت يا محمد من تركهم الإيمان بعد قيام البرهان.
(١) رواه أحمد في "المسند" (٤/ ١٥١) وأبو يعلى في "مسنده" (١٧٤٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٧/ ٣٠٩) من حديث عقبة بن عامر، وفيه ابن لهيعة. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٧٠): وإسناده حسن.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، و "التيسير" للداني (ص: ١٨٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣١).
الصافات 37:13
﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: وهم يسخرون منك ومن تعجبك.
...
﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعظوا بالقرآن ﴿لَا يَذْكُرُونَ﴾ لا يتعظون.
...
﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾ تدل على صدقك.
﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يبالغون في السخرية والاستهزاء بك.
...
﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بَيِّن.
...
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي: أنبعث إذا متنا؟ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِذَا) (أَئِنَّا)، وفي ضم الميم وكسرها من (مِتْنَا) كاختلافهم في ذلك في سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ).
...
﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾.
[١٧] ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الأقدمون. قرأ أبو جعفر، وابن عامر،
الصافات 37:18
وقالون: بإسكان الواو، وهي (أو) التي هي للقسمة والتخيير، وقرأ الباقون: بفتح الواو، وهي واو العطف دخلت عليها ألف الاستفهام، واختلف عن ورش، فروي عنه كالأول، إلا أنه ينقل حركة الهمزة بعدها إليها كسائر السواكن، وروي عنه الفتح كالجمهور (١)، تلخيصه: ويقولون: أنبعث نحن ويُبعث آباؤنا أيضًا؟! استبعادًا لذلك؛ لأن آباءهم أقدم، فبعثُهم أغرب.
...
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد: ﴿نَعَمْ﴾ تُبعثون ﴿وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ صاغرون.
قرأ الكسائي: (نَعِمْ) بكسر العين، والباقون: بفتحها (٢).
...
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.
[١٩] وجواب الشرط المقدر ﴿فَإِنَّمَا هِيَ﴾ أي: إذا وجد ذلك، فما نفخة البعث إلا ﴿زَجْرَةٌ﴾ صيحة ﴿وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ﴾ أي: الخلائق أحياء.
﴿يَنْظُرُونَ﴾ ما يُفعل بهم.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٦)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٢).
الصافات 37:20
﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الكافرين ثَمَّ:
﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: الحساب والجزاء.
...
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾.
[٢١] ثم تقول الملائكة: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ القضاء بين الخلائق.
﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
...
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
[٢٢] ثم يقال للملائكة: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هم المشركون.
﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: أشباههم، فيحشر صاحب الربا والزنا والخمر وغيرهم، كلٌّ مع صاحبه.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
...
﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهم الأوثان ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ دلوهم وسوقوهم.
﴿إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ طريق النار.
الصافات 37:24
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احبسوهم ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ عن جميع أقوالهم وأفعالهم.
قال - ﷺ -: "لا تزولُ قدمُ ابنِ آدمَ يومَ القيامة حتى يُسأل عن أربعة: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به" (١).
...
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] فثَمَّ يقال لهم توبيخًا: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ لا ينصر بعضكم بعضًا كحالكم في الدنيا. قرأ أبو جعفر، والبزي: (لاَ تَّنَاصَرُونَ) بتشديد التاء (٢).
...
﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ منقادون أذلاء لا حيلة لهم.
(١) رواه الترمذي (٢٤١٧)، كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع، باب: ما جاء في شأن الحساب والقصاص، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه.
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٣).
الصافات 37:27
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: الأتباع على الرؤساء.
﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يتخاصمون.
...
﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع للرؤساء.
﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ عن الجهة التي كنا نأمنكم منها؛ لحلفكم إنكم على الحق، فصدقناكم، فأنتم أضللتمونا.
...
﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿قَالُوا﴾ أي: الرؤساء للأتباع: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ بل لم تكونوا على الحق فنضلكم عنه، إنما الكفر من قِبَلِكم.
...
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ من قوة فنقهركم على الكفر.
﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ ضالين.
****
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿فَحَقَّ﴾ وجب ﴿عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ بالعذاب، وهو: {لأَمْلأَنَّ
الصافات 37:32
جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [السجدة: ١٣].
﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ جميعًا العذاب.
...
﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ أضللناكم عن الهدى ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ ضالين.
...
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: التابعون والمتبوعون.
﴿يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ لاشتراكهم في الغواية.
...
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ الذين جعلوا لله شركاء.
...
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ يتكبرون عن كلمة التوحيد.
...
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِنَّا) كاختلافهم فيهما من (أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا) في سورة
الصافات 37:37
الشعراء [الآية: ٤١]، وكذلك (أَئِنَّكَ) (أَئِفْكًا)، المعنى: أنترك عبادة الأصنام لقول محمد؛ لأنهم وصفوه بالشعر والجنون.
...
﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾.
[٣٧] فرد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أتى بما أتى به المرسلون قبله.
...
﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ الوجيع بإشراككم.
...
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من الشرك.
...
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ﴾ أي: لكن عباد الله ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ على الاستثناء المنقطع. قرأ الكوفيون، ونافع، وأبو جعفر: (الْمُخْلَصينَ) حيث وقع بفتح اللام؛ أي: المختارين، وقرأ الباقون: بكسرها (١)؛ أي: المخلِصين لله الطاعة.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٤).
الصافات 37:41
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ هو طعامهم في الجنة بكرة وعشيًّا.
...
﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿فَوَاكِهُ﴾ جمع فاكهة، وهي ما يؤكل تلذذًا، لا للقوت؛ لأن أهل الجنة مستغنون عن حفظ الصحة بالغذاء؛ لأن أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، وكانت أرزاقهم فواكه خالصة ﴿وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ بثواب الله.
...
﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾.
[٤٣] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ أي: في جنات ليس فيها إلا النعيم.
...
﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾.
[٤٤] ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض؛ لدوران الأسِرَّة بهم.
...
﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾ هو الإناء بشرابه، فإن لم يكن فيه شراب، فهو إناء.
﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمر يجري كالماء.
الصافات 37:46
﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿بَيْضَاءَ﴾ أي: اللون ﴿لَذَّةٍ﴾ عذبة طيبة ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة (١).
...
﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي: لا تُذهب عقولهم ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بكسر الزاي؛ أي: لا تفنى خمورهم، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: لا تزال عقولهم.
...
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ لحسنهم عندهن ﴿عِينٌ﴾ حِسان الأعين.
...
﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾.
[٤٩] ﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ أي: القاصرات ﴿بَيْضٌ﴾ للنعام.
﴿مَكْنُونٌ﴾ مصون يستره النعام بريشه، فلا يصل إليه غبار.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٥).
(٢) المصادر السابقة.
الصافات 37:50
﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ يعني: أهل الجنة فيها عما كانوا عليه، وما وصلوا إليه.
...
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ صاحب في الدنيا ينكر البعث.
...
﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿يَقُولُ﴾ أي: في الدنيا هزؤًا: ﴿أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث؟ وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في الهمزتين من (أَئِنَّكَ).
...
﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ محاسَبون مجزيون، وتقدم التنبيه أيضًا على اختلاف القراء في (أَئِذَا مِتْنَا أَئِنَّا) في الآية السابقة، وهذا استفهام إنكار.
...
﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿قَالَ﴾ الله -عز وجل- لأهل الجنة: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ إلى النار؟ فإن في الجنة كوًى تنظر إلى النار، المعنى: أتحبون الاطلاع في النار، فتنظروا أهلكم ومنازلكم فيها لو لم تؤمنوا؟
الصافات 37:55
﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿فَاطَّلَعَ﴾ فنظر هذا المؤمن ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أي: رأى قرينه في وسط النار، وسُمي وسطُ الشيء سواء؛ لاستواء الجوانب منه. وتقدم اختلاف القراء في الفتح والإمالة من (رَآهُ) في سورة الأنبياء عند تفسير قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الآية: ٣٦].
...
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾.
[٥٦] فلما رأى قرينه فيها ﴿قَالَ﴾ متشمتًا به: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ أي: والله لقد قاربت أن تهلكني. قرأ ورش عن نافع: (لَتُرْدِينِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١).
...
﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ علي بالإيمان.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ معك في النار.
...
﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾.
[٥٨] وعند ذبح الموت استفهمَ أهل الجنة استفهام تحدث بنعم الله
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨).
الصافات 37:59
تعالى وتلذذ، لا استفهام شك، فقالوا: ﴿أَفَمَا﴾ الفاء عاطفة على محذوف تقديره: أنحن منعمون مخلدون، فما ﴿نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾.
...
﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى﴾ في الدنيا، نصب استثناء منقطع.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ كالكفار.
...
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وهذا من كلامهم على جهة الحديث بنعمة الله عليهم أنهم لا يموتون ولا يعذبون.
...
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾.
[٦١] فثم يقول الله تعالى لأهل الجنة تطييبًا لقلوبهم: ﴿لِمِثْلِ هَذَا﴾ الخلود والتنعيم ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ أي: لمثلِ (١) هذا يجب أن يعمل العاملون، لا للحظوظ الدنيوية المشوبة بالآلام السريعة الانصرام.
...
﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿أَذَلِكَ﴾ الذي ذكر لأهل الجنة ﴿خَيْرٌ نُزُلًا﴾ نصب تمييز،
(١) في "ت": "لنيل مثل".
الصافات 37:63
والنزل: ما يعد للنازل كضيف وغيره، ومنه أنزال الأجناد لأرزاقهم.
﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ المعدة لأهل النار، والألف من قوله: ﴿أَذَلِكَ﴾ للتقرير، والمراد: تقرير قريش والكفار، وجاء بلفظ التفضيل بين شيئين؛ لاشتراك بينهما من حيث كان الكلام تقريرًا، والاحتجاج يقتضي أن يوقف المتكلم خصمه على قسمين، أحدهما فاسد، ويحمله بالتقرير على اختيار أحدهما، ولو كان الكلام خبرًا، لم يجز، ولا أفاد أن يقال: الجنة خير من شجرة الزقوم، والزقوم ثمرةُ شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم يُكره أهلُ النار على تناوله، فهم يتزقمونه على أشد كراهية، ومنه قولهم: تزقَّمَ الطعامَ: إذا تناوله على كره ومشقة.
قال ابن عطية: وفي بعض البلاد الجدبة المجاورة للصحارى شجرة مرة مسمومة لها لبن إن مس جسم أحد، تورم ومات منه في أغلب الأمر، تسمى: شجرة الزقوم (١).
...
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً﴾ محنة.
﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأن الكفار لما ذكر أن الزقوم ينبت في النار، افتتنوا وكذبوا، وقالوا: النار تحرق الشجر، فكيف تنبته؟!
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٤٧٥).
الصافات 37:64
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾.
[٦٤] وروي أن ابنَ الزِّبَعرى قال: إن محمدًا يخوفكم الزقوم، وهو بلغة بربر: الزُّبْد والتمر، فأطعمهم ذلك أبو جهل، وقال: هذا ما يتوعدكم به محمد (١)، فقال تعالى:
﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ نابتة، فأصلها في قعر جهنم، وأغصانها ترتفع إلى دركاتها، من النار خلقت، وبها عذبت.
...
﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿طَلْعُهَا﴾ ثمرها ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ الحيات.
...
﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا﴾ مع قبحها؛ لشدة جوعهم.
﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ بحيث لا يحتمل الزيادة عليه.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ لخلطًا.
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ٣٧٤)، وأبو يعلى في "مسنده" (٢٧٢٠)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بنحوه، وانظر "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٩٦).
الصافات 37:68
﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾ من ماء حار، قد بلغ نهاية الحر، المعنى: أنهم يشربون الماء الحار على الزقوم مختلطًا في أجوافهم، فيصير شوبًا لهم.
...
﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ فالحميم خارج الجحيم، فإذا أكلوا الزقوم، سيقوا إلى الحميم فشربوه مع نكارته، ثم يردون إلى الجحيم.
...
﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ وجدوا ﴿آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾.
...
﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ متبعين بسنتهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون.
...
﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من الأمم الخالية.
...
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ أنبياء أنذروهم.
الصافات 37:73
﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ من الشدة والفظاعة.
...
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الموحدين نجوا من العذاب. وتقدم اختلاف القراء في (الْمُخْلَصِينَ) [الآية: ٤٠]، وتوجبه قراءاتهم في الحرف السابق، والخطاب مع النبي - ﷺ -، والمقصود: خطاب قومه؛ فإنهم أيضًا سمعوا أخبارهم، ورأوا آثارهم.
...
﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ دعانا مستنصِرًا على قومه، واللام بعد جواب قسم محذوف، والمخصوص بالمدح محذوف، تقديره: والله لقد نادانا نوح.
﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ أي: فأجبناه أحسن الإجابة، فو اللهِ نعم المجيبون نحن، أهلكنا قومه.
...
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الذي لحق قومه، وهو الغرق.
الصافات 37:77
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ مدة الدنيا؛ لأن الناس كلهم من نسله، وكان له ثلاثة أولاد: حام وسام ويافث، فسام أبو العرب وفارس والروم، وحام أبو السودان، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج.
...
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا عليه ثناءً حسنًا فيمن بعده من الأنبياء.
...
﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ﴾ أي: جعلنا هذا اللفظ يقال بعده.
﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ إلى يوم القيامة من الأنبياء (١)؛ لكرامته علينا.
...
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ أي: جزاءً كفعلنا بنوح.
﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.
(١) "من الأنبياء" ساقطة من "ت".
الصافات 37:81
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تعليل لإحسانه بالإيمان.
...
﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ من الكافرين.
...
﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾.
[٨٣] ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أهل سنته وأتباعه على أصل الدين، وإن اختلفت الشرائع ﴿لَإِبْرَاهِيمَ﴾ وإن طال الزمان بينهما، وروي أن بينهما ألفين وست مئة وأربعين سنة (١)، وقيل غير ذلك، بما في شيعته من معنى المشايعة.
...
﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ من الشرك، والمجيء هنا بمعنى: الإخلاص والإقبال على الطاعة.
...
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ موبخًا ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾؟!
(١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٥٠)، والقرطبي في "تفسيره" (١٥/ ٩١).
الصافات 37:86
﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿أَئِفْكًا﴾ استفهام بمعنى التقرير، وتبدل منه.
﴿آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ أي: أتأفكون إفكًا وهو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى الله؟! وتقدم التنبيه على اختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (أَئِفْكًا).
...
﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذا لقيتموه أن يصنع بكم؟
...
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨)﴾.
[٨٨] وكان قومه نجَّامين، فخرجوا إلى عيدٍ لهم، وتركوا طعامهم عند أصنامهم زعموا التبرك عليه، فإذا رجعوا أكلوه، وقالوا له: اخرج معنا.
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ في ذاتها، أراهم بأنه استدل بها على أنه مشارف للسقم؛ لئلا يخرجوه معهم.
...
﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
[٨٩] ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مطعون، وكانوا يفرون من الطاعون.
الصافات 37:90
﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠)﴾.
[٩٠] ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ إلى عيدهم.
...
﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾.
[٩١] ﴿فَرَاغَ﴾ أي: مال في خفاء ﴿إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ بزعمهم، وهي الأصنام، وبين أيديهم الطعام ﴿فَقَالَ﴾ استهزاءً بهم: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ فلم ينطقوا.
...
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾.
[٩٢] فقال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ فلم تجب.
...
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾.
[٩٣] ﴿فَرَاغَ﴾ مال ﴿عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ أي: كان يضربهم بيده اليمنى؛ لأنها أقوى على العمل من الشمال، فتسمعوا ذلك.
...
﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ (٩٤)﴾.
[٩٤] ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ يسرعون في المشي مع تقارب الخطا. قرأ حمزة: (يُزِفُّونَ) بضم الياء؛ أي: يحملون غيرهم على الإسراع، وقرأ
الصافات 37:95
الباقون: بنصب الياء (١)؛ أي: يسرعون هم.
...
﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥)﴾.
[٩٥] وكان بعض قد رآه يكسرها، وبعض لم يره، فأقبل من رآه مسرعًا نحوه، ثم جاء من لم يره يكسرها (٢)، فقال لمن رآه: من فعل هذا بآلهتنا؟ ثم قالوا له أجمعون: نحن نعبدها، وأنت تكسرها؟! فثم ﴿قَالَ﴾ موبخًا على وجه الحِجاج:
﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ من الحجارة وغيرها أصنامًا؟
...
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.
[٩٦] ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ من نحتكم ومنحوتكم، فاعبدوه وحده، وفيه دليل على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى.
...
﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾.
[٩٧] فثم ﴿قَالُوا﴾ بينهم: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا﴾ فاملؤوه حطبًا، وأضرموه بالنار، فإذا التهب ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ النار الشديدة.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٠ - ٢٤١).
(٢) "يكسرها" زيادة من "ت".
الصافات 37:98
﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾.
[٩٨] ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ شرًّا؛ بإلقائه (١) في النار.
﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ المقهورين، وتقدم ذكر القصة في سورة الأنبياء.
...
﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾.
[٩٩] ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [أي: حيث أمرني، فهاجر إلى الشام] (٢) ﴿سَيَهْدِينِ﴾ إلى ما فيه صلاح ديني. قرأ يعقوب: (سَيَهْدِينِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٣).
...
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠)﴾.
[١٠٠] فلما قدم الأرض المقدسة، سأل ربه الولد، فقال:
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ بعض الصالحين يُعينني على الدعوة والطاعة، ويؤنسني في الغربة.
...
﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾.
[١٠١] ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ في كبره، عليم في صغره، ففيه بشارة
(١) في "ت": "في إلقائه".
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٤٤١).
الصافات 37:102
أنه ابن، وأنه يعيش وينتهي في السن حتى يوصف بالحلم.
...
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾.
[١٠٢] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ يعني: المشي معه في الجبل، وكان له ثلاث عشرة سنة، أو سبع ﴿قَالَ يَابُنَيَّ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (يَا بُنَيَّ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (١).
﴿إِنِّي أَرَى﴾ أي: رأيت ﴿فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ من الرأي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَرَى) (أنِّيَ أَذْبَحُكَ) بنصب الياء فيهما، والباقون: بإسكانها (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (مَاذَا تُرِي) بضم التاء وكسر الراء كسرة خالصة بعدها ياء؛ أي: ماذا تُريناه من رأيك، أتجزع أم تصبر؟ وقرأ الباقون: بفتح التاء والراء، وأبو عمرو: يميل فتحة الراء، وورش: بين بين على أصلهما، والباقون: بإخلاص فتحها (٣)، وليس كرأي العين على القراءتين، وإنما
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و "الكشف" لمكي (١/ ٥٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٢).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٦ - ١٨٧)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٦٩ - ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٢). شاور ولده؛ ليعلم صبره، لا ليصبره، وشاوره ليأنس بالذبح؛ فإن صدور العظيم بغتة عظيم، وليحصل له الأجر بانقياده لطاعة الله وطاعة والده.
﴿قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ به ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ على ذلك، ومن أسند المشيئة إلى الله تعالى، والتجأ إليه، لم يعطب. قرأ أبو جعفر، وابن عامر: (يَا أَبَتَ) بفتح التاء، ووقفا: (يَا أَبَهْ) بالهاء، وافقهما في الوقف ابن كثير، ويعقوب (١)، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (سَتَجِدُنِيَ) بفتح الياء: والباقون: بإسكانه (٢).
والذبيح (٣) هو إسماعيل -عليه السلام- على قول الجمهور، وهو الراجح؛ بدليل أن ذكر البشارة بإسحاق -عليه السلام- بعد الفراغ من قصة المذبوح، فقال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فدل على أن المذبوح غيره، وأيضًا فإن الله تعالى قال في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [الآية: ٧١] فلما بشره بإسحاق، بشره بابنه يعقوب، فكيف يأمره بذبح إسحاق، وقد وعد له بنافلة منه، وهو قول العباس بن
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٧)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: "٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٣).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٣).
(٣) جاء على هامش "ت": "والقصة بحذافيرها تذكر في أكثر التفاسير والسير والقصص والتواريخ وشبهها، مع ما فيه من الكلام، وقد ذكرنا بعضها بتوفيق العزيز العلام". عبد المطلب، وابنه، وعبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والحسن البصري، ومجاهد، وغيرهم (١).
وروي عن معاوية أنه ذكر عنده: هل الذبيح إسماعيل أو إسحاق؟ قال: على الخبير سقطتم، كنت عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل فقال له: يا ابن الذبيحين! فضحك رسول الله - ﷺ -، فقيل لمعاوية: يا أمير المؤمنين! وما الذبيحان؟ فقال: إن عبد المطلب لما حفر زمزم، نذر لئن سهل الله له أمرها، ليذبحن أحد أولاده، قال: فخرج السهم على عبد الله، فمنعه أخواله، فقالوا له: افد ابنك بمئة من الإبل، ففداه، والثاني إسماعيل عليه السلام (٢).
وعن بعض علماء اليهود ممن أسلم وحسن إسلامه: أن علماء اليهود يعلمون أنه إسماعيل، ولكنهم يحسدون العرب أن يكون أبًا لهم (٣).
وعند أهل الكتابين (٤) أن الذبيح إسحاق، وهو قول عمر، وعلي،
(١) "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ١٠٨) وما بعد.
(٢) ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨٥)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٣٦). قال الذهبي في "مختصره": وإسناده واه. وانظر: "تخريج أحاديث الكاشف للزيلعي" (٣/ ١٧٨).
(٣) البغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٦٦)، والزمخشري في الكشاف (٥/ ٤٨٠)، ورواه ابن إسحاق وابن جرير عن محمد بن كعب، كما في "الدر المنثور" (٨/ ٣٤٤).
(٤) جاء على هامش "ت": "حكاه القرطبي وغيره عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله". وابن مسعود، وكعب، ومقاتل، وقتادة، وعكرمة، والسدي، وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا﴾ أمر بذبح مَنْ بُشر به، وليس في القرآن أنه بشر بولد سوى إسحق، وهو قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾ [الآية: ٧١]، وكلا القولين يروى عن رسول الله - ﷺ -.
وروي أنه لما بُشر بالولد، قال: هو بإذن الله ذبيح. ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قيل له: أوف بنذرك، فقال لولده: انطلق نقربْ قربانًا لله - عز وجل -، وأخذ سكينًا وحبلًا، فانطلق معه حتى ذهب بين الجبال، فقال: يا أبت! أين قربانك؟ ﴿قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، فمن قال: إن الذبيح إسماعيل، فيقول: إن الذبح كان بمكة، ومن الدليل عليه أن قرني الكبش كانا منوطين بالكعبة في أيدي بني إسماعيل إلى أن احترق البيت واحترق القرنان في أيام ابن الزبير والحجاج.
قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح إسحق كان أو إسماعيل؟ فقال: يا أصيمع! أين ذهب عقلك؟ متى كان إسحق بمكة؟ إنما كان إسماعيل بمكة، وهو الذي بنى البيت مع أبيه (١).
وعن ابن عباس قال: "الذبيح إنه إسماعيل، وتزعم اليهود أنه إسحق، وكذبت اليهود" (٢).
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٦٦٦).
(٢) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨٣)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٣٧). ومن زعم أن إسحق هو الذبيح، فيقول: كان موضع الذبح بالشام على ميلين من إيلياء، وهي بيت المقدس، وزعمت اليهود أنه كان على صخرة بيت المقدس، فأراد الشيطان فتنتهم، فجاء أم الغلام على صورة رجل، فقال: تدرين أين ذهب بابنك؟ قالت: ذهب به يحتطب، قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه، قالت: كلا، هو أرحم به، وأشد حبًّا له من ذلك، قال: زعم أن الله أمره بذلك، قالت: فإن أمره بذلك، فقد أحسن أن يطيع ربه، فأتى الابنَ فقال: تدري أين يذهب بك أبوك؟ قال: يحتطب، قال: لا والله ما يريد إلا ذبحك، قال: ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذلك، قال: فليفعل ما أمره به، فسمعًا وطاعة، ثم جاء الأبَ فقال: أين تريد؟ فقال: هذا الشعب لحاجة، قال: أرى الشيطان قد جاءك منامًا، فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه، فقال: إليك عني يا عدو الله، فوالله لأمضين لأمر ربي، فرجع إبليس بغيظه، لم يصب من إبراهيم وأهله شيئًا مما أراد.
وروي أن إبليس عرض لإبراهيم بهذا المشعر، فسابقه فسبقه إبراهيم، ثم ذهب إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الوسطى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم عرض له عند الجمرة الكبرى، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى إبراهيم -عليه السلام- لأمر الله تعالى، ومنه شُرع رمي الجمار في الحج، وهو من واجبات الحج، يجب بتركه الفدية باتفاق الأئمة. ولما عزما على الذبح، قال: يا أبتاه! اشدد وثاقي لئلا أضطرب، واجمع عليك ثيابك لئلا يصيبها دمي، واستحد شفرتك، وأسرع مَرَّها على حلقي، فهو أهون علي، وسلم على أمي، واردد عليها قميصي؛ فهو أسلى لها، فقال:
الصافات 37:103
نعم العون أنت يا بني على أمر الله تعالى، ففعل ما أمر به ابنه، وقبله بين عينيه وقد ربطه وهو يبكي.
...
﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣)﴾.
[١٠٣] ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ استسلما وانقادا لأمر الله ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه على جانب الجبهة، وكان ذلك بمنى عند الصخرة، ثم أوثقه، ووضع السكين على حلقه، فانقلبت السكين مرارًا، ولم تعمل شيئًا بقدرة الله سبحانه، فقال: أكبني لوجهي لئلا ترحمني إذا نظرته، ولئلا أجزع من الشفرة، ففعل ووضع الشفرة على قفاه، فانقلبت، فقال: اطعن بها طعنًا، فطعنه فانثنت (١)، وجواب (فلما) محذوف؛ أي: فلما أسلما وتله.
...
﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤)﴾.
[١٠٤] ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾.
...
﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)﴾.
[١٠٥] ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ أي: عملت بما أُمرت أجزل أجرهما،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٦٧ - ٦٦٨)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٧٨) عن ابن عباس.
الصافات 37:106
ونحو هذا مما يقتضيه المعنى، قرأ الكسائي، وخلف: (الرُّؤْيَا) بالإمالة (١).
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ تعليل لإفراج تلك الشدة عنهما بإحسانهما.
...
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦)﴾.
[١٠٦] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذبح ﴿لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ الاختبار الظاهر.
...
﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.
[١٠٧] ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ هو كبش رعى في الجنة أربعين خريفًا (٢)، روي أنه الذي قربه قابيل ابن آدم، فنظر إبراهيم، فإذا هو بجبريل -عليه السلام- معه كبش أملح أقرن، فقال: هذا فداء ابنك فاذبحه دونه، فكبر جبريل -عليه السلام-، وكبر الكبش، وكبر إبراهيم، وكبر ابنه -عليهما السلام- (٣)، فأخذ إبراهيم الكبش، وأتى به المنحر من منى، فلما ذبحه، قال جبريل: الله أكبر الله أكبر، فقال الذبيح: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٤).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٦٩)، ورواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٨٨) عن سعيد بن جبير. وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ١١٣).
(٣) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٦٩).
الصافات 37:108
إبراهيم: الله أكبر ولله الحمد، فبقي سنة، وتقدم في سورة البقرة [الآية: ١٨٥] وقت التكبير للعيدين، واختلاف الأئمة في صفته.
...
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)﴾.
[١٠٨] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناء حسنًا.
...
﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾.
[١٠٩] ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾.
...
﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾.
[١١٠] ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
...
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١١١)﴾.
[١١١] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدم تفسيره في قصة نوح.
قال البيضاوى: لعله طرح عنه (إنا) اكتفاء بذكره مرة في هذه القصة (١).
...
﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾.
[١١٢] ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ حال مقدرة من إسحاق؛ أي: يوجد نبيًّا.
(١) انظر: "تفسير البيضاوي" (٥/ ٢٣).
الصافات 37:113
﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فمن جعل الذبيح إسماعيل، قال: بشر بعد هذه القصة بإسحاق نبيًّا جزاء الطاعة، ومن جعل الذبيح إسحاق، قال: بشر بنبوة إسحاق، رواه عكرمة عن ابن عباس قال: "بشر به مرتين: حين ولد، وحين نبئ" (١).
...
﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾.
[١١٣] ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ يعني: إبراهيم في أولاده ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ بكون أكثر الأنبياء من نسله.
﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ كافر ﴿مُبِينٌ﴾ ظاهر.
...
﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾.
[١١٤] ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا﴾ أنعمنا ﴿عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ بالنبوة.
...
﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾.
[١١٥] ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ بني إسرائيل.
(١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٢٤)، والحاكم في "المستدرك" (٤٠٤٤). وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٠).
الصافات 37:116
﴿مِنَ الْكَرْبِ﴾ أي: من الغم ﴿الْعَظِيمِ﴾ وهو استرقاق فرعون.
...
﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾.
[١١٦] ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ يعني: موسى وهارون وقومهما.
﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ على القبط.
...
﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾.
[١١٧] ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ البليغ في بيان الحدود والأحكام، وهو التوراة.
﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨)﴾.
[١١٨] ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الطريق الموصل إلى الحق.
...
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩)﴾.
[١١٩] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ﴾.
...
﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠)﴾.
[١٢٠] ﴿سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
الصافات 37:121
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١)﴾.
[١٢١] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
...
﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾.
[١٢٢] ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدم تفسير نظيره.
...
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾.
[١٢٣] ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
...
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾.
[١٢٤] ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (وَإِنَّ الْيَاسَ) بوصل همزة (الْيَاسَ)، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مكسورة (١).
وإلياس من أنبياء بني إسرائيل، قال ابن عباس: "هو ابن عم اليسع"، وقال محمد بن إسحاق: هو ابن بشير بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٥).
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٨/ ١٥٨).
الصافات 37:125
روي أن سبطًا من أسباط بني إسرائيل كانوا ببعلبك ونواحيها، وعليهم ملك اسمه آجب قد أضل قومه، وأجبرهم على عبادة الأصنام، وكان يعبد هو وقومه صنمًا من ذهب يقال له: بعل، طوله عشرون ذراعًا، فبعث الله إليهم إلياس نبيًّا، فدعاهم إلى الله -عز وجل-، فلم يسمعوا منه شيئًا، إلا الملك؛ فإنه آمن، وبعلبك مدينة معروفة بالشام، وكان اسمها بك، وبعل هو اسم الصنم، وهو بلغة اليمن الرب، فنسبت المدينة إليه، وسميت بعلبك، وكانت امرأة الملك غير محصنة، قتالة للأنبياء والصالحين، واسمها أزبيل، فقتلت جارها، وكان رجلًا صالحًا اسمه مزدكي، وأخذت بستانه، فغضب الله تعالى له، فبعث إليه إلياس، وقال: قل له لتردن بستانه على ورثته، وإلا لتهلكن، فقال إلياس لقومه: ألا تتقون الله، وتردون البستان، وتذرون عبادة الأوثان!
...
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥)﴾.
[١٢٥] ثم وبخهم على ذلك فقال: ﴿أَتَدْعُونَ﴾ تعبدون.
﴿بَعْلًا﴾ اسم الصنم ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ وتتركون عبادته.
...
﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦)﴾.
[١٢٦] ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ قرأ يعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ) بنصب الأسماء الثلاثة، فنصب اسم (الله) بدل من (أَحْسَنَ) (رَبَّكُمْ) نعته، وتعطف
الصافات 37:127
عليه (وَرَبَّ آبَائِكُم)، وقرأ الباقون: برفع الأسماء الثلاثة (اللَّهُ) مبتدأ، (ربَّكُمْ) خبره، (وَرَبُّ آبَائِكُمْ) عطف عليه (١).
﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧)﴾.
[١٢٧] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ مجموعون للعذاب.
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨)﴾.
[١٢٨] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإنهم نجوا من العذاب، وتقدم اختلاف القراء في (الْمُخْلَصِين) [الآية: ٤٠]، فلما سمع الملك كلامه، غضب غضبًا شديدًا، وعاد إلى الكفر وعبادة بعل، وهمَّ بقتل إلياس، فلحق بالجبال متعبدًا، ثم دعا الله تعالى أن يريحه منهم، فأهلك الله الملك وقومه وزوجته، ورفع الله إلياسَ إلى السماء، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وكساه الريش، فكان إنسيًّا ملكيًّا، أرضيًّا سماويًّا.
وروي أن إلياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس، ويوافيان الموسم كل عام.
وروي أن إلياس موكل بالفيافي، والخضر موكل بالبحار، والله أعلم (٢).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٤٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٦).
(٢) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٩/ ٢١٠) عن الحسن. وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٦). وهذا الخبر هو من أخبار بني إسرائيل، ومرجعه إلى =
الصافات 37:129
﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩)﴾.
[١٢٩] ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾.
...
﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠)﴾.
[١٣٠] ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ قرأ نافع، وابن عامر، ويعقوب: (آلِ يَاسِينَ) بفتح الهمزة والمد، وقطع اللام من الياء وحدها مع كسرها؛ مثل: (آلِ يَعْقُوبَ)، وكذا رسمت في جميع (١) المصاحف، المعنى: أنه سلم على آل هذا النبي، فتكون على هذه القراءة كلمتين، فيجوز قطعها وقفًا، وقيل: المراد: آل محمد - ﷺ -، قال البغوي (٢): وهذا القول بعيد؛ لأنه لم يُسْبَق له ذكر، قال البيضاوي: لا يناسب نظم سائر القصص (٣)؛ فإن المذكور في سائر القصص هو السلام على الأنبياء؛ نحو: سلام على موسى وهارون، وسلام على نوح، فأضيف الآل إليه، وقرأ الباقون: بكسر الهمزة وقصرها، وإسكان اللام بعدها، ووصلها بالياء كلمة واحدة في
= مسلمة أهل الكتاب، ومن تتبع الروايات التي تذكر الخضر وإلياس، يجد اضطرابًا شديدًا وتضاربًا وتناقضًا عجيبًا، فمثلًا يرى رواية تقول: "إن الله أوحى إلى إلياس: إني قد جعلت أرزاقهم بيدك" وفي هذه الرواية "موكل بالبحار"!!، وهكذا الباطل يكون مضطربًا لجلجًا، وأما الحق فهو ثابت أبلج. انظر: "الإسرائيليات" للشيخ أبي شهبة (ص: ٢٦١ - ٢٦٤).
(١) في "ت": "بعض".
(٢) في "تفسيره" (٣/ ٦٧٧).
(٣) انظر: "تفسير البيضاوي" (٥/ ٢٦).
الصافات 37:131
الحالين (١)، وإن انفصلت رسمًا، فعلى قراءة هؤلاء [لا يجوز قطعها والوقف على اللام؛ لكونها من نفس الكلمة اتفاقًا، وتكون هذه الكلمة على قراءة هؤلاء] (٢) قطعت رسمًا، واتصلت لفظًا، ولا يجوز اتباع الرسم فيها وقفًا إجماعًا، ولم يقع لهذه الكلمة نظير في القراءة، [والمعنى على هذه القراءة: السلام على هذا النبي، وعلى من وسم باسمه، أو عليه وعلى] (٣) أهل دينه، وجمعوا معه؛ كقولهم للمهلب وقومه: المهلبون، وكان إلياس قبل زكريا عليه السلام.
...
﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١)﴾.
[١٣١] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.
...
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.
[١٣٢] ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ تقدم تفسيره.
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧).
(٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٣) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
الصافات 37:133
﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣)﴾.
[١٣٣] ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هو لوط ابن أخي إبراهيم عليهما السلام.
...
﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤)﴾.
[١٣٤] ﴿إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
...
﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾.
[١٣٥] ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الباقين في العذاب، وهي امرأته، وكانت كافرة، وكان نكاح الوثنيات والإقامة عليهن جائزًا، والغابرون: الباقون، ومعناه هنا: بقيت في الهلاك.
...
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾.
[١٣٦] ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ والتدمير: الإهلاك، وتقدم ذكر قصته في هود، والحجر.
...
﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧)﴾.
[١٣٧] ثم خاطب تعالى قريشًا، وهو على معنى: قل لهم يا محمد: ﴿وَإِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة ﴿لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: آثار قوم لوط إذا سافرتم ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقت الصباح.
الصافات 37:138
﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾.
[١٣٨] ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ أي: وبالنهار.
﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ بما حل بمن تقدمكم، فتعتبرون بهم؟!
...
﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩)﴾.
[١٣٩] ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ من جملة من أرسله الله عز وجل.
...
﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠)﴾.
[١٤٠] ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ هرب، وعبر عن هروبه بالإباق؛ من حيث هو عبد الله فَرَّ عن غير إذن من مولاه، فهذا حقيقة الإباق، روي أنه كان في سيرتهم أن يقتلوا الكذاب إذا لم تقم له بينة، فخاف يونس، وغضب مع ذلك، فأبق ﴿إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ السفينة المملوءة؛ لأن يونس لما لم ينزل العذاب بقومه، خرج كالمتسور منهم، فجاء إلى البحر ومعه امرأته وابنان له، فأركب امرأته في مركب، فحال بينهما الموج، جاءت موجة فأخذت أحد ابنيه، وأخذ الذئب الآخر، فبقي وحيدًا، فركب سفينة، فلما لججوا في البحر، وقفت، فقال الملاحون: هنا عبد آبق (١).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٧٨).
الصافات 37:141
﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾.
[١٤١] ﴿فَسَاهَمَ﴾ قارعَ أهل السفينة من الآبق.
﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ المقروعين المغلوبين.
...
﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.
[١٤٢] فألقوه في البحر ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ داخل في الملامة.
...
﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣)﴾.
[١٤٣] ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ الذاكرين الله قبل ذلك، وكان كثير الذكر.
...
﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾.
[١٤٤] ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ لصار بطن الحوت له قبرًا إلى يوم القيامة.
روي أنه أُوحي إلى الحوت: إنا جعلنا بطنك له سجنًا، ولم نجعله لك طعامًا (١).
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٤٨٦).
الصافات 37:145
﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾.
[١٤٥] ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ طرحناه ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ وجه الأرض ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ عليل كالفرخ الممعط، قد بلي لحمه، ودق عظمه، ولم يبق له قوة (١).
...
﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾.
[١٤٦] ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ هي القرع؛ ليستظل بظلها، ولئلا يقربه ذباب، وجاءته وعلة يشرب لبنها صباحًا ومساء، فاشتد لحمه، ونبت شعره.
...
﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾.
[١٤٧] ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ﴾ هو ما سبق من إرساله، وقيل: إرسال ثان.
﴿إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وهم أهل نينوى بأرض الموصل، أُرسل إليهم قبل الحوت، وأرسل إلى غيرهم بعد الحوت، وكانت الزيادة عشرين، وقيل: ثلاثين، وقيل: سبعين ألفًا.
...
﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.
[١٤٨] ﴿فَآمَنُوا﴾ عند نزول العذاب بهم ﴿فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ أبقيناهم ممتعين.
﴿إِلَى حِينٍ﴾ تنقضي آجالهم فيه، وتقدم ذكر قصته في سورة يونس (٢).
(١) تقدم ذكره.
(٢) في "ت": "الأنبياء".
الصافات 37:149
﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾.
[١٤٩] ولما زعم جهينة وبنو سلمة بن عبد الدار أن الملائكة بنات الله، نزل ردًّا عليهم: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ فسل يا محمد أهل مكة سؤالَ توبيخ.
﴿أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ المعنى: كيف يخصكم بالأسنى، ويختص بالأردأ، مع قدرته؟ هذا لا يقبله عقل.
...
﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾.
[١٥٠] ثم زادهم توبيخًا فقال: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ حاضرون ذلك، فيقدمون على ما يقولون.
...
﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾.
[١٥١] ثم صرح بتكذيبهم فقال: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ من كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾.
...
﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢)﴾.
[١٥٢] ﴿وَلَدَ اللَّهُ﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله، والولد يعم الذكر والأنثى، والقليل والكثير، تلخيصه: قالوا: لله ولد ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في قولهم.
الصافات 37:153
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣)﴾.
[١٥٣] ﴿أَصْطَفَى﴾ المعنى: أَختارَ تعالى ﴿الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
...
﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾.
[١٥٤] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكم الفاسد. قرأ أبو جعفر: (لَكَاذِبُونَ اصْطَفَى) بوصل الهمزة على لفظ الخبر، فيبتدئ بهمزة مكسورة حذف حرف الاستفهام، وهو مراد، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة وقطعها مما قبلها وصلًا (١)؛ لأنها همزة استفهام دخلت على همزة الوصل، فحذفت همزة الوصل استغناء عنها بهمزة الاستفهام، وبقيت همزة الاستفهام مفتوحة.
...
﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾.
[١٥٥] ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُونَ) بتخفيف الذال، والباقون: بتشديدها (٢).
﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦)﴾.
[١٥٦] ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ حجة واضحة أن لله ولدًا.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٨).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٩).
الصافات 37:157
﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾.
[١٥٧] ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ﴾ الذي لكم فيه حجة.
﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في قولكم.
...
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٥٨)﴾.
[١٥٨] ﴿وَجَعَلُوا﴾ أي: الملائكة المشركون ﴿بَيْنَهُ﴾ تعالى.
﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ أي: الملائكة ﴿نَسَبًا﴾ بقولهم: الملائكة بنات الله.
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ﴾ يعني: قائلي هذه المقالة.
﴿لَمُحْضَرُونَ﴾ في النار، والملائكة سميت بذلك؛ لأنها مستجنة؛ أي: مستترة من الأبصار.
...
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾.
[١٥٩] ثم نزه الله تعالى نفسه عما يصفه الناس ولا يليق به، فقال:
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا.
...
﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٠)﴾.
[١٦٠] ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء من (يَصِفُونَ)؛ لأن المخلصين يصفونه بصفاته العلا.
الصافات 37:161
﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾.
[١٦١] ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ يعني: المشركين ﴿وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ من الأصنام.
...
﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢)﴾.
[١٦٢] ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الضمير في (عليه) لله سبحانه.
﴿بِفَاتِنِينَ﴾ مضلين على الله بالإغواء.
...
﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.
[١٦٣] ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ إلا الذين سبق في علمه تعالى أنهم يصلونها. وقف يعقوب (صالي) بإثبات الياء (١).
...
﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (١٦٤)﴾.
[١٦٤] ثم أخبر جبريل -عليه السلام- أن لكل واحد منهم مقامًا مختصًا به، وأنهم عبيد مربوبون مسبحون، فقال: ﴿وَمَا مِنَّا﴾ أحد.
﴿إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ في السموات يَعبد فيه، ولا يتجاوزه إلا بإذن.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٤٩).
الصافات 37:165
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾.
[١٦٥] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ أقدامَنا للصلاة.
...
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾.
[١٦٦] ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ المنزهون الله تعالى عما لا يليق به.
...
﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧)﴾.
[١٦٧] ولما قال الكفار: لو كان لنا كتاب كالتوراة والإنجيل، لآمنا وخضعنا، فلما جاءهم -عليه السلام- بالقرآن، كفروا به، نزل: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (١).
...
﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨)﴾.
[١٦٨] ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا﴾ كتابًا ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ التي نزلت عليهم.
...
﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾.
[١٦٩] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ له، ولم نخالف مثلَهم.
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٦٩).
الصافات 37:170
﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾.
[١٧٠] ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ أي: فلما أتاهم ذلك الكتاب، وهو القرآن، كفروا به.
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم.
...
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾.
[١٧١] ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ عِدَتنُا بالنصر ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي:
﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]، وسميت جماعة الحروف كلمة؛ لأنها في معنى واحد.
...
﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾.
[١٧٢] ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الرسل ﴿لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ على من ناوأهم.
...
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾.
[١٧٣] ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ المؤمنين ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ المظفرون بإرادتهم، المستوجبون الفلاحَ في الدارين.
...
﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤)﴾.
[١٧٤] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أعرضْ عن كفار مكة وعن أذاهم.
الصافات 37:175
﴿حَتَّى حِينٍ﴾ أي: حين نأمرك بقتالهم، فالآية محكمة.
...
﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٥)﴾.
[١٧٥] ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ إذا نزل بهم العذاب ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما ينكرون.
...
﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦)﴾.
[١٧٦] فثَمَّ قالوا استهزاء واستعجالًا: متى نزول العذاب؟ فنزل: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١)؟
...
﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾.
[١٧٧] ﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ هي الرحبة التي يديرون أخبيتهم حولها ﴿فَسَاءَ﴾ فبئس ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ الذين أنذروا فلم يؤمنوا، والصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب. ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح، سموا الغارة: صباحًا، وإن وقعت في وقت آخر.
...
﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨)﴾.
[١٧٨] وكرر: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾.
(١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٧/ ١٨١).
الصافات 37:179
﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (١٧٩)﴾.
[١٧٩] ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ ما يُفعل بهم؛ تهديدًا لهم، وتسلية له - ﷺ -.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾.
[١٨٠] ثم نزه نفسه تعالى فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبةِ والقدرةِ؛ أي: مالكها ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ من اتخاذ الأزواج والأولاد.
...
﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١)﴾.
[١٨١] ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين بلَّغوا عن الله الشرائع والتوحيد، تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم.
...
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾.
[١٨٢] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على نصر أنبيائه، وإهلاك أعدائه، وعلى كل حال.
روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إذا سَلَّمتم عليَّ، فسلموا على المرسلين؛ فإنما أنا أحدُهم" (١)، والله أعلم.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ١٣٤)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٣٤) عن قتادة مرسلًا، ورواه ابن أبي حاتم أيضًا في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٣٤) عن قتادة، عن أنس بن مالك، عن أبي طلحة مرفوعًا. وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٤٩٠)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٢٦). فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ
تَأليف
الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ
المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى
المُجَلَّد السادس
اعتَنَى بِهِ
تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا
نُوْرُ الدِّيْن طَالب
إصدَارات
وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة
إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ
دولة قطر فَتْحُ الرَّحْمَن
ص 38:1
سُورَةُ ص
مكية بإجماع من المفسرين، وآيها: ثمان وثمانون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وتسعة وستون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وائنتان وثلاثون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾.
[١] ﴿ص﴾ أبو جعفر على أصله في السكت، فيقف على ص، والقراء العشرة متفقون على أن قراءة (صَادْ) بسكون الدال (١)؛ لأنها لا تستحق حركة بناء؛ لأن سكونها عارض؛ لأنها لفظ محكي (٢) كألفاظ الأعداد، ولا إعراب؛ لعدم مقتضيها، والجمهور على أنه حرف المعجم المعروف، ويدخله ما يدخل سائر السور من الأقوال.
واختلف في معناه على وجوه، منها: أنه مفتاح أسماء الله تعالى التي أولها صمد، وصادق الوعد، ومنها: أن معناه صدق الله، ومنها: أنه إشارة
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤١٤)، و "معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٣).
(٢) "لأنها لفظ محكي" زيادة من "ت".
ص 38:2
إلى صدود الكفار عن القرآن، وعن ابن عباس: معناه: "صدق محمد" (١)، وقيل غير ذلك.
﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْر﴾ أي: ذكر البيان، وهو قسم جوابه محذوف، تقديره: إنه لكلام معجز. قرأ ابن كثير: (وَالْقُرَانِ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢).
...
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾.
[٢] ثم قال: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة.
﴿فِي عِزَّةٍ﴾ تكبر عن الإيمان ﴿وَشِقَاقٍ﴾ عداوة للنبي - ﷺ -.
...
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾.
[٣] ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من الماضين ﴿فَنَادَوْا﴾ استغاثة عند حلول النقمة، ﴿وَلَاتَ﴾ بمعنى ليس، واسمها تقديره: ولاتَ الحينُ.
﴿حِينَ مَنَاصٍ﴾ والمناص: المفر، ناص ينوص: إذا فات، المعنى: ليس وقت فرار. ووقف الكسائي: (وَلاَهْ) بالهاء (٣).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٨٥)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٤٩١).
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٤).
(٣) انظر: "الكشف" لمكي (٢/ ٢٣٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٤).
ص 38:4
﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾.
[٤] ولما قال النبي - ﷺ - للكفار: إن إلهكم إله واحد، نفروا ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ هو محمد - ﷺ -.
﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ فيما يقوله على الله.
...
﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.
[٥] ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ كيف يسعُ الخلقَ كلَّهم إلهٌ واحد.
﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ بليغ في العجب.
...
﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦)﴾.
[٦] ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ﴾ وهم أشراف قريش بعد اجتماعهم في مجلس أبي طالب، وشكواهم إليه: أن رسول الله - ﷺ - يسب آلهتهم، فبكَّتهم النبي - ﷺ -، وأمرهم بالتوحيد، فنفروا من ذلك، وانطلقوا من ذلك (١) الجمع قائلين بعضهم لبعض:
﴿أَنِ امْشُوا﴾ سيروا على طريقتكم ﴿وَاصْبِرُوا عَلَى﴾ عبادة ﴿آلِهَتِكُمْ﴾ ولا تلتفتوا إلى قول محمد.
﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي نراه من زيادة أصحاب محمد - ﷺ -.
(١) "وانطلقوا من ذلك" زيادة من "ت".
ص 38:7
﴿لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ أي: لأمر يريده الله، وقيل: يريدون: ظهورَ محمد - ﷺ - وعلوه بالنبوة؛ أي: يراد الانقياد منا إليه، وذلك أن عمر -رضي الله عنه- لما أسلم، وحصل للمسلمين قوة بمكانه، قالوا ذلك.
...
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾.
[٧] ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا﴾ التوحيد ﴿فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ أي: دين قريش.
﴿إِنْ هَذَا﴾ القولُ بالتوحيد والبعث ﴿إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ كذب، اختلقه محمد من تلقاء نفسه.
...
﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾.
[٨] ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ أَخُصَّ بالقرآن من دوننا؟ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (أَانْزِلَ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، واختلف عن أبي عمرو وقالون، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين، واختلف عن هشام راوي ابن عامر في الفصل مع تحقيق الهمزتين (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٦).
ص 38:9
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ من القرآن، فلم يؤمنوا ﴿بَلْ لَمَّا﴾ أي: بل (١) لم.
﴿يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ فلذلك شكوا، فإذا عذبوا، زال شكهم، وآمنوا، فلا ينفعهم إيمانهم. قرأ يعقوب: (عَذَابِي) بإثبات الياء (٢).
...
﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾.
[٩] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ المعنى: أيملكون مفاتيح النبوة يعطونها من شاؤوا؟!
...
﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فإن زعموا ذلك.
﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: ليصعدوا في الطرق التي توصلهم إلى السماء، وليأتوا منها بالوحي لمن يختارون.
...
﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.
[١١] ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ (ما) زائده بمعنى النفي، و (هُنَالِكَ) إشارة إلى حيث وضعوا أنفسهم من الكفر ومعاداة
(١) "أي: بل" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٦).
ص 38:12
رسول الله - صلى الله عليه وسلم، المعنى: ما هم إلا جند من الكفار المتحزبين على رسول الله - ﷺ - مكسورٌ عن قريب، فمن أين لهم التدابير الإلهية؟! فلا يضيق صدرك، فإني ناصرك.
...
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢)﴾.
[١٢] ثم ذكر المتحزبين قبلهم فقال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ أي: البناء المحكم، وكان أيضًا يعذب الناس بالأوتاد.
...
﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ وهم قوم شعيب، وتقدم تفسير (الأيكة)، واختلاف القراء فيها في سورة الشعراء.
﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿الْأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا على الأنبياء.
...
﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾.
[١٤] ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: ما كل واحد من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ لأنهم إذا كذبوا واحدهم، فقد كذبوا جميعَهم؛ لأن دعوتهم واحدة.
﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ وجب عليهم عذاب. قرأ يعقوب: (عِقَابِي) بإثبات الياء (١).
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٧).
ص 38:15
﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ﴾ أي: ينتظر ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أي: كفار مكة ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ تحل بهم العذاب سريعًا، وهي النفخة الأولى. واختلاف القراء في الهمزتين من (هَؤُلاَءِ إِلَّا) كاختلافهم فيهما من (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣] ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: ليس بعدها إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فُوَاقٍ) بضم الفاء، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان، فالفتح لغة قريش، والضم لغة تميم.
...
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾.
[١٦] ولما نزل في الحاقة: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الآية: ٢٥]، استهزأ المشركون ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ كتابنا (٢) في الدنيا.
﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ والقِطُّ: الصحيفة التي أحصت كل شيء.
...
﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧)﴾.
[١٧] قال الله تعالى: ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ يا محمد فيك مما يؤذيك، فإني ناصرك، ولما أُمر بالصبر، أُمر بذكر داود -عليه السلام-، وما جرى
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٧)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٦٨٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).
(٢) "كتابنا" زيادة من "ت".
ص 38:18
له؛ ليعلم الكفار أن داود وإن كان عظيمًا عند الله تعالى، لما صدرت عنه المعصية (١)، لم يزل مستغفرًا إلى أن فارق الدنيا، فلعلهم يؤمنون؛ لأن كفرهم أعظم من ذنب داود، فقال تعالى:
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ذا القوة في الدين والعبادة.
قال - ﷺ -: "إنَّ أَحَبَّ الصيام إلى الله صيامُ داود، وأحب الصلاة إلى الله صلاةُ داود، وكان يصوم يومًا، ويفطر يومًا، وكان ينام نصف الليل الأول، ويقوم ثلثَه، وينام سدسَه" (٢) مع سياسته الملك، وكان قد قسم الدهر ثلاثة أيام يومًا: يقضي فيه بين الناس، ويومًا يخلو في عبادة ربه، ويومًا لنسائه وأشغاله ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رَجَّاع إلى الله.
...
﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ بتسبيحه ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ وقت العشاء.
﴿وَالْإِشْرَاقِ﴾ حين تشرق الشمس.
(١) انظر ما سيأتي من التعليق (ص ١٧ - ١٨) لتعلم أن الأخبار الواردة في شأن سيدنا داود -عليه السلام- غير ثابتة، وليس لها من الصحة أدنى نصيب، ومعلوم أن من أسباب وضعها واختلاقها أن يبرِّر واضعوها -وهم بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى- لأنفسهم المعاصي والآثام، وأما الذي نصَّ عليه القرآن في قصته: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾.
(٢) رواه البخاري (٣٢٣٨)، كتاب: الأنبياء، باب: أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، ومسلم (١١٥٩)، كتاب: الصيام، باب: النهي عن صوم الدهر، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
ص 38:19
﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿وَالطَّيْرَ﴾ عطف على الجبال.
﴿مَحْشُورَةً﴾ حال؛ أي: مجموعةً إليه.
﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ مطيع رجَّاع بصوته، فكان إذا سبح، سبحت الجبال، وجمعت له الطير، فسبحت معه.
...
﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَشَدَدْنَا﴾ قَوَّينا ﴿مُلْكَهُ﴾ بالعدل والتأييد.
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ النبوة ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ علم القضاء، والخطاب: قول يفهم منه من سمعه شيئًا مفيدًا.
...
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾.
[٢١] روي أن داود لما صار له ثمان وخمسون سنة، وهي السنة الثانية والعشرون من ملكه، كانت قصته مع أوريا وزوجته، وملخصها: أنه رأى في الكتب ما أُعطي إبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء - صلوات الله عليهم -، فقال: يا رب! أرى الخير كله قد ذهب به آبائي الذين كانوا قبلي، فأوحى الله إليه أنهم ابتلوا فصبروا، فقال: يا رب! لو ابتليتني، لصبرت، فأوحي إليه أنك تبتلى في شهر كذا في يوم كذا، فاحترس، فلما جاء الموعد، دخل محرابه، وأغلق عليه بابه، فجاءه الشيطان في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن، فوقعت بين رجليه، فأراد أخذها ليري بني إسرائيل قدرة الله تعالى، فذهبت إلى كوة هناك، فأراد أخذها، فذهبت، فنظر في الكوة، فإذا بامرأة من أجمل النساء تغتسل، فعجب داود من حسنها، فالتفتت فأبصرت ظله، فنقضت شعرها، فغطى جميع بدنها، فزاد عجبًا، فسأل عنها، فقيل: هي تيشارع امرأة أوريا بن حنانا، وزوجها في غَزاة في البلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود، فكتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا، وقدمه قبل التابوت (١)، وكان من قدم على التابوت، لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه، أو يستشهد، فبعثه وقدمه، ففتح عليه [ثم أرسل إليه أن قدمه إلى جيش كذا، أعظم من الأول، فقدمه، ففتح عليه] (٢)، فأمره أن يقدمه ثالثة إلى جيش أعظم من الأولين، ففعل، فقتل، وانقضت عدتها، فتزوجها داود، وهي أم سليمان -عليه السلام-، فلما دخل بها، لم يلبث إلا يسيرًا حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين في يوم عبادته، وهما جبريل وميكائيل، فطلبا أن يدخلا عليه، فمنعهما الحرس، فتسورا المحراب عليه، فما شعر وهو يصلي إلا بهما بين يديه جالسين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ مفرد يعم الذكر والأنثى، والقليل والكثير، والمراد: الملكان ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا﴾ تصعدوا سور ﴿الْمِحْرَابَ﴾ صدر المسجد. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (الْمِحْرَابَ) بالإمالة (٣)، والاستفهامُ هنا بمعنى الإخبار، المعنى: قد وصل إليك خبرهما.
(١) "التابوت" ساقطة من "ت".
(٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٥٩).
ص 38:22
﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ بغتة من غير الباب.
﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ حين هجما عليه بغير إذنه، فقال: ما أدخلكما علي؟
﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ نحن.
﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ جئناك لتقضي بيننا، فرضا ذلك فرضًا.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ﴾ لا تَجُرْ في حكمك.
﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ أرشدنا إلى طريق الصواب.
...
﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾.
[٢٣] فقال داود: تكلما، فقال أحدهما: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي﴾ أي: في الدين.
﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ تمييز، يعني: امرأة ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ والعرب تكني بالنعجة عن المرأة. قرأ حفص عن عاصم (وَلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ ضُمَّها إلي (٢)؛ أي: طلقها لأتزوجها.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦١).
(٢) "ضمها إلي" زيادة من "ت".
ص 38:24
﴿وَعَزَّنِي﴾ غلبني ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ أي: في القول، المعنى: له الغلبة علي بكل حال، وإن كان الحق لي؛ لضعفي، وهذا كله تمثيل لأمر داود مع أوريا زوج المرأة التي تزوجها داود؛ حيث كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولأوريا امرأة واحدة، فضمَّها إلى نسائه.
...
﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾.
[٢٤] فبعد اعتراف المدعى عليه ﴿قَالَ﴾ داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قرأ أبو عمرو، وورش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (لَقَد ظَّلَمَكَ) بإدغام الدال في الظاء، واختلف عن هشام في هذا الحرف، وقرأ الباقون: بالإظهار (١).
﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ أي: بسؤاله إياها ليضيفها.
﴿إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ الشركاء.
﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ يظلم بعضهم بعضًا (٢).
﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ استثناء من (بَعْضُهُمْ)؛ أي: لا يظلمون أحدًا.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٣٧)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٢).
(٢) "يظلم بعضهم بعضًا" زيادة من "ت". ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يعني: الصالحين الذين لا يظلمون قليلٌ، و (ما) زائدة، فلما قضى بينهما داود، تحولا في صورتيهما، وصعدا إلى السماء وهو ينظر، ويقولان: مضى الرجل على نفسه.
﴿وَظَنَّ﴾ أي: أيقن.
﴿دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ أنا ابتليناه بالذنب، ونبهناه على خطئه بتلك الحكومة.
﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ لذنبه ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ [حال؛ أي: ساجدًا، على تسمية السجود ركوعًا، لأنه مبدؤه؛ لأنه لا يكون ساجدًا حتى يركع] (١).
﴿وَأَنَابَ﴾ رجع عن جميع المخالفات، ثم مكث أربعين يومًا ساجدًا لا يرفع رأسه إلا لحاجة ضرورية، أو لصلاة مكتوبة، لا يأكل ولا يشرب، وهو يبكي حتى نبت العشب حول رأسه، وهو يجهد نفسه بالبكاء الدائم، والتضرع والاستغفار حتى كاد يهلك (٢)، وهذه السجدة من عزائم السجود
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ١٨٥ - ١٨٦)، وانظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٦٩٦ - ٦٩٨)، وحيثما وقعت هذه القصص وأمثالها، فعقيدة أهل السنة والجماعة تنزيه الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - عمَّا يخلُّ بعصمتهم.
قال العلامة الآلوسي في "روح المعاني" (٢٣/ ١٨٥): وللقصاص كلام مشهور، لا يكاد يصح لما فيه من مزيد الإخلال بمنصبه -عليه السلام-، وقال أبو حيان: "الذي نذهب إليه ما دلَّ عليه ظاهر الآية من أن المتسورين المحراب، كانوا من الإنس، دخلوا عليه من غير المدخل وفي غير وقت جلوسه للحكم، وأنه فزع منهم؛ ظانًّا أنهم يغتالونه إذ كان منفردًا، فلما اتضح له أنهم جاؤوا في حكومة... فاستغفر من ذلك الظن وخرَّ ساجدًا ورجع إلى الله، وأنه =
ص 38:25
عند أبي حنيفة ومالك، وكل منهما على أصله، فأبو حنيفة يقول: هي واجبة، ومالك يقول: هي فضيلة؛ كما تقدم ذكره عند سجدة مريم، وعند الشافعي وأحمد: هي سجدة شكر تستحب في غير الصلاة، فلو سجد بها في الصلاة، بطلت عندهما.
...
﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥)﴾.
[٢٥] فلما مكث داود أربعين يومًا لا يرفع رأسه حتى نبت المرعى من دموع عينيه حتى غطى رأسه، نودي: يا داود! أجائع فتطعم، أو ظمآن فتسقى، أو عار فتكسى؟ فأجيب في غير ما طلب، فنحب نحبة هاج العود فاحترق من حر جوفه، ثم أنزل الله التوبة والمغفرة، وأتاه نداء: إني قد غفرت لك، قال: يا رب! كيف وأنت (١) لا تظلم أحدًا؟ قال: اذهب إلى قبر أوريا، فناده، وأنا أُسمعه نداءك، فتحللْ منه، فانطلق وقد لبس المسوح حتى جلس عند قبره، ثم نادى أوريا، فقال: لبيك، من هذا الذي قطع علي لذتي وأيقظني؟ قال: أنا داود، قال: ما حاجتك يا نبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إلي؟ قال: عَرَّضتك للقتل، قال: عرضتني للجنة، فأنت في حل، فأوحى الله إليه: يا داود! ألم تعلم أني حكم عدل، لا أقضي بالتعنت؟ ألا أعلمته أنك قد
= سبحانه غفر له ذلك الظن، فإنه -عز وجل- قال: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ ولم يتقدم سوى قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾، انظر: "البحر المحيط" (٧/ ٣٧٧).
وانظر: ما سيذكره المصنف قريبًا بعد ذكره لهذه القصص المكذوبة.
(١) "وأنت" ساقطة من "ت". تزوجت امرأته؟ فرجع إليه فناداه، فأجابه، فقال: من هذا الذي قطع علي لذتي؟ قال: أنا داود، قال: يا نبي الله! أليس قد عفوت عنك؟ قال: نعم، ولكن إنما فعلت ذلك لمكان امرأتك، وتزوجتها، فسكت فلم يجبه، ودعاه فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه، ثم نادى: الويل لداود إذا نصبت الموازين بالقسط، سبحان خالق النور، الويل لداود، ثم الويل الطويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور، فأتاه نداء من السماء: يا داود! قد غفرت لك ذنبك، ورحمت بكاءك، واستجبت دعاءك، وأقلت عثرتك، قال: يا رب! كيف وصاحبي لم يعف عني؟ قال: يا داود! أُعطيه يوم القيامة من الثواب ما لم تر عيناه، وما لم تسمع أذناه، فأقول له: رضي عبدي؟ فيقول: يا رب! أنى لهذا ولم يبلغه عملي؟ فأقول: هذا عوض من عبدي داود، فأستوهبك منه، فيهبك لي، قال: يا رب! الآن عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ الذنب.
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا﴾ بعد المغفرة يوم القيامة ﴿لَزُلْفَى﴾ لقربى ومكانة.
﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ حسن مرجع ومنقلب يوم القيامة.
ولما تاب الله على داود، قال: يا رب! قد غفرت لي، فكيف لي ألَّا أنسى خطيئتي، فأستغفر منها لي وللخاطئين إلى يوم القيامة؟ فوسم الله خطيئته في يده اليمنى، فما رفع طعامًا ولا شرابًا إلا بكى إذا رآها، وما قام خطيبًا في الناس إلا بسط راحته، فاستقبلَ الناسَ ليروا وسم خطيئته، واستغفر للخطائين قبل نفسه، وكان إذا ذكر عقاب الله، تخلعت أوصاله، وإذا ذكر رحمة الله، تراجعت.
ص 38:26
وقد أنكر القاضي عياض - رحمه الله - ما نقله المؤرخون والمفسرون في هذه القصة، ووهَّى قولهم فيها، ونقل عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: "ما زاد داود على أن قال للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأكفلنيها"، فعاتبه الله على ذلك (١)، ونبهه عليه، وأنكر عليه شغله بالدنيا، قال: وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره، وحكى قولًا أنه خطبها على خطبته، وقيل: بل أحب بقلبه أن يستشهد، ونقل عن الداودي أنه ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم، انتهى (٢).
...
﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿يَادَاوُودُ﴾ في الكلام حذف يدل عليه ظاهر الكلام، تقديره: وقلنا له: يا داود ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ تدبر أمر العباد بأمرنا، والخليفة: من استُخلف مكان من كان قبله، مأخوذ من أنه خلف لغيره،
(١) "ذلك" ساقطة من "ت".
(٢) قال الشيخ محمد أبو شهبة بعد ذكره لهذه الأقوال من أنه -عليه السلام- "خطبها أو أحب بقلبه أن يستشهد... ": وهذه الأقوال ونحوها لست منها على ثلج ولا اطمئنان؛ فإنها وإن كانت لا تخل بالعصمة، لكنها تخدشها، ثم هي لا تليق بالصفوة المختارة من الخلق وهم الأنبياء... ، وقال الشيخ الساعاتي: بل لا يصح وقوعها من المتسمين بالصلاح فضلًا عن الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-: انظر: "الإسرائيليات" (ص: ٢٦٩ - ٢٧٠)، و"الأحاديث الصحيحة في أخبار الأنبياء" لإبراهيم العلي (ص: ١٨٠).
ص 38:27
يقوم مقامه في الأمر الذي أُسند إليه فيه؛ كما قيل: أبو بكر خليفة رسول الله - ﷺ -، فأما الإمام، فمأخوذ من التقدم على غيره في سائر الأمور الشرعية، وعلى الرعية كلها أن يطيعوه في أمره، ويتدبروا بتدبيره، فهو المقدم عليهم إذا انعقد له ذلك بالحجة التي يجب على الجماعة التسليم لها، والانقياد لمن دعا إليها.
﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، والحكم لغةً: الفصل، وشرعًا: أمر ونهي يتضمن إلزامًا ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ هوى النفس ﴿فَيُضِلَّكَ﴾ نصب جواب، أو جزم جواب النهي، وفتحت اللام للساكنين ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ عن الدلائل الدالة على الوحدانية.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ أي: بتركهم الإيمان به، والإعداد له.
...
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ خلقًا.
﴿بَاطِلًا﴾ إلا لغرض صحيح.
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني أهل مكة، ظنوا أنهما خلقا لغير شيء، وأنه لا بعث ولا حساب.
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾.
ص 38:28
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾.
[٢٨] ولما قال الكفار (١) للمؤمنين: إنا نعطى في الآخرة مثلَ أجركم، نزل:
﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ أي: لا نجعل الصالحين كالطالحين، ولا المتقين كالكافرين.
...
﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿كِتَابٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا كتاب.
﴿أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ لينظروا في معانيها فيؤمنون. قرأ أبو جعفر: (لِتَدَبَّرُوا) بالخطاب بتاء واحدة مع تخفيف الدال، وقرأ الباقون: بالغيب وتشديد الدال؛ أي: ليتدبروا، فأدغمت التاء (٢).
﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ويتعظ ذوو العقول السليمة.
...
﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ سليمانُ؛ لأنه المخصوص بالمدح.
(١) في "ت": "ولما قال كفار قريش".
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٧٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٤).
ص 38:31
﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رَجَّاع عن المخالفات.
...
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ (٣١)﴾.
[٣١] ولفظة (أَوَّاب) هي العامل في: ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ وهو ما بعد الزوال، وكان لسليمان ألف فرس، فصلى الظهر، وكان يريد جهادًا، فجلس على سريره، فأمر أن تُعرض عليه ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ جمع صافن من الخيل، وهو القائم على ثلاثة قوائم، ويثني الرابعة، والصفون يختص به عِتاقُ الخيل.
﴿الْجِيَادُ﴾ جمع جواد، وهو الخيار، إن استوقفت سكنت، وإن ركضت سبقت.
...
﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾.
[٣٢] فعرضت عليه تسع مئة، فتنبه لصلاة العصر، فإذا الشمس قد غربت، ولم يُعلم بذلك هيبةً له، فندم ﴿فَقَالَ﴾ اعترافًا بذنبه: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أي: آثرت حبَّ الخيل، والعرب تعاقب بين الراء واللام، وسميت بذلك؛ لأن الخير معقود بنواصيها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)، المعنى اشتغلت بنظري إلى الخيل.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٤).
ص 38:33
﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ عن صلاة العصر ﴿حَتَّى تَوَارَتْ﴾ الشمس.
﴿بِالْحِجَابِ﴾ ظلمة الليل.
...
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ (٣٣)﴾.
[٣٣] ثم قال: ﴿رُدُّوهَا﴾ أي: الخيل ﴿عَلَيَّ﴾ فرَدُّوها.
﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ فجعل يقطع سوقها وأعناقها بالسيف، وكان الذبح على ذلك الوجه مباحًا في شريعته، فذبحها وتصدق بلحومها، فأبدله الله خيرًا منها الريح.
روي أنه قتلها إلا مئة، فجميع خيل الدنيا من تلك المئة. قرأ قنبل عن ابن كثير: (بِالسُّؤُقِ) بهمز الواو مضمومًا، وعنه وجه ثان بالهمز مجزومًا، وقرأ الباقون: بإسكان الواو بغير همز (١).
...
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ اختبرناه وابتليناه بسلب ملكه (٢)، وسببه أنه
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"الكشف" لمكي (٢/ ١٦٠ - ١٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٤).
(٢) قال أبو حيان في "البحر المحيط" (٧/ ٣٨١): نقل المفسرون في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالًا يجب براءة الأنبياء منها، وهي ممَّا لا يحل نقلها؛ وهي من أوضاع اليهود والزنادقة، ولم يبين اللهُ الفتنةَ ما هي، ولا الجسد الذي ألقاه على = غزا مدينة حصينة في البحر يقال لها: صيدون، فقتل ملكها، وأخذ ابنته جرادة، فاصطفاها لنفسه لحسنها، فعملت تمثال أبيها في بيتها بإذن سليمان لتأنس به، فجعلت هي وجواريها يسجدون له بكرة وعشيًّا أربعين يومًا، وسليمان لا يعلم بشيء من ذلك، وبلغ ذلك آصفَ بنَ برخيا، وكان صِدِّيقًا، وكان مقرَّبًا عند سليمان، فقال: يا نبي الله! كبرت سني، ورق عظمي، ونفد عمرى، ولقد حان مني ذهابه، وقد أحببت أن أقوم مقامًا قبل الموت أذكر فيه من مضى من أنبياء الله، وأُثني عليهم بعلمي فيهم، وأعلم الناس بعض ما كانوا يجهلون من كثير من أمورهم، فقال: افعل، فجمع له سليمان الناس، فقام فيهم خطيبًا، فذكر من مضى من أنبياء الله، فأثنى على كل نبي بما فيه (١)، فذكر ما فضله الله به حتى انتهى إلى سليمان، فقال: ما كان أحلمك في صغرك، وأفضلك في صغرك (٢)، وأحكم أمرك في صغرك، وأبعدك من كل ما تكره في صغرك! ثم انصرف، فوجد سليمانُ في نفسه من ذلك حتى ملأه غيظًا، فلما دخل سليمان داره، أرسل إليه، فقال: يا آصف! ذكرت من مضى من أنبياء الله، فأثنيت عليهم خيرًا في كل زمانهم، وعلى كل حال من أمرهم، فلما ذكرتني، جعلت تثني علي بخير
= كرسي سليمان، وأقرب ما قيل فيه أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن بالحديث الذي قال: "لأطوفن الليلة على سبعين امرأة.. فلم تحمل إلا امرأة واحدة وجائته بشق رجل"، فالفتنة هو هذا، والجسد الملقى هو المولود شقَّ رجل اهـ، ولتمام الفائدة انظر التعليق في نهاية هذه القصة المختلقة.
(١) "بما فيه" زيادة من "ت".
(٢) "وأفضلك في صغرك" ساقطة من "ت". في صغري، وسكت عما سوى ذلك من أمري في كبري، فما الذي أحدثت في آخر أمري؟ فقال: إن غير الله ليعبد في دارك منذ أربعين صباحًا في هوى امرأة، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، فهدم التمثال، وعاقب النساء، ثم أتى الخلاء ووضع خاتمه عند امرأته الأمينة، وكان ملكه في خاتمه، وكان لا يمسه إلا وهو طاهر، فأتاها الشيطان صاحب البحر، واسمه صخر، على صورة سليمان، فأعطته الخاتم، فلبسه، وجلس على كرسي سليمان يحكم بين الناس، وعكفت عليه الطير والوحش والإنس والجن، فخرج سليمان فأتى الأمينة، وقد غيرت حاله وهيئته عند كل من رآه، فقال: يا أمينة! خاتمي، قالت: من أنت؟ قال: أنا سليمان بن داود، قالت: كذبت، فقد جاء سليمان فأخذ خاتمه، وهو جالس على سرير ملكه، فعرف سليمان أن خطيئته قد أدركته، فخرج، فكان يقول لمن مر به: أنا سليمان بن دواد، فيهزؤون منه، ويحثون التراب في وجهه، فعمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان (١) لأصحاب البحر إلى السوق، فيعطونه كل يوم سمكتين، فإذا أمسى، باع إحدى سمكتيه بأرغفة، وشوى الأخرى فأكلها، فمكث كذلك أربعين صباحًا عِدَّةَ ما كان عُبد الوثنُ في داره، فأنكر آصف بن برخيا وعظماء بني إسرائيل حكم (٢) عدو الله الشيطان في تلك الأربعين، ثم استخبر آصف نساء سليمان، فأخبرنه بأمور قبيحة يعتمدها ذلك الشيطان، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم خرج على بني إسرائيل، وأخبرهم بالحال، فاجتمع القراء والعلماء، وأقبلوا حتى أحدقوا به ونشروا التوراة
(١) في "ت": "الحيات".
(٢) "حكم" ساقطة من "ت". فقرؤوها، فطار من بين أيديهم، وألقى الخاتم في البحر، فابتلعه حوت، فأخذه بعض الصيادين، وقد عمل له سليمانُ صدرَ يومه ذلك، حتى إذا كان العشي، أعطاه سمكتيه، فباع إحداهما بالأرغفة، ثم عمد إلى السمكة الأخرى فبقرها ليشويها، فوجد الخاتم في جوفها، فلبسه، وخر ساجدًا شكرًا لله تعالى، وعكفت عليه الطير والوحش والجن والإنس، وعاد إلى حسنه وبهائه وملكه كحاله الأول، ثم جلس على كرسيه، وطلب صخرًا، فجيء به، فجعله في صخرة، وأطبق عليه أخرى، ثم أوثقها بالحديد والرصاص، وختم عليها بخاتمه، وألقاه في البحر، وكانت فتنته بعد عشرين سنة من ملكه، وملك بعدها عشرين سنة (١).
(١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ١٩٧ - ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧٠٤ - ٧٠٦)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ٣٧).
قال الإمام ابن كثير: إسناده إلى ابن عباس قوي، ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس إن صح عنه من أهل الكتاب، وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان -عليه السلام-؛ فالظاهر أنهم يكذبون عليه، ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء... وقد رويت القصة مطولة عن جماعة من السلف... وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب، والله أعلم بالصواب. اهـ
يقول الشيخ محمد أبو شهبة - رحمه الله - ما ملخصُّه: قوة السند لا تنافي كونها مما أخذه ابن عباس وغيره عن كعب الأحبار وأمثاله من مُسلمة أهل الكتاب؛ فثبوتها في نفسها لا ينافي كونها من إسرائيليات بني إسرائيل وخرافاتهم وافتراءاتهم على الأنبياء... والحق أن نسج القصة مهلهل، عليه أثر الصنعة والاختلاق، ويصادم العقل السليم والنقل الصحيح في هذا، وإذا جاز للشيطان أن يتمثل برسول الله (سليمان)، فأيّ ثقة بالشرائع تبقى بعد هذا؟ وكيف يسلِّطُ اللهُ الشيطان على نساء نبيه سليمان، وهو أكرم على الله من ذلك؟! وأيُّ ملك ونبوة يتوقف أمرهما على (خاتم) يدومان بدوامه ويزولان بزواله!!؟ وإذا = وروى أبو هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ - أنه قال: "إن عفريتًا من الجن تفلَّت البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم، فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فرددتُه خاسئًا" (١).
ولما رد الله على سليمان ملكه وبهاءه، وحامت عليه الطير، وعرف الناس أنه سليمان، قاموا يعتذرون إليه مما صنعوا، فقال: ما أحمدكم على عذركم، ولا ألومكم على ما كان منكم، هذا أمر كان لا بد منه.
وأطاعَ سليمانَ جميعُ ملوك الأرض، وحملوا إليه نفائس أموالهم، واستمر على ذلك حتى توفي، وتقدم ذكر وفاته في سورة سبأ، ومحل قبره في سورة البقرة، ومعنى الآية: اختبرنا سليمان بن داود بزوال ملكه.
﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ يعني: العفريت الذي أخذ خاتمه، وجلس على كرسيه، وهو صخر صاحب البحر على أشهر الأقاويل، وسمي جسدًا؛ لأنه قد تمثل في جسد سليمان، وليس به.
= كان (خاتم سليمان) -عليه السلام- بهذه المثابة، فكيف يُغفِلُ اللهُ شأنه في كتابه، فلم يذكره بكلمة! وهل غيَّر اللهُ خِلْقَةَ سليمان في لحظة، حتى أنكرته أعرف الناس به وهي زوجته؟! إذن آثار الكذب والاختلاق بادية على نسج القصة.
انظر: "الإسرائيليات" (٢٧٠ - ٢٧٤).
(١) رواه البخاري (٣٢٤١)، كتاب: الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، ومسلم (٥٤١)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة.
ص 38:35
وقد أنكر (١) القاضي عياض - رحمه الله - هذه القصة، وقال: إن معنى ﴿فَتَنَّا سُلَيْمَانَ﴾ ابتليناه، وابتلاؤه ما حكي عن النبي - ﷺ -: "أنه قال: لأطوفنَّ الليلة على مئة امرأة، أو تسع وتسعين امرأة، كلُّهن يأتينَ بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحملْ منهن إلا امرأة واحدة جاءت بِشِقِّ رَجُل"، قال النبي - ﷺ -: "والذي نفسي بيده! لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله" (٢)، قال أصحاب المعاني: والشقُّ: هو الجسد الذي أُلقي على كرسيه حين عرض عليه، وهي عقوبته ومحنته، قال القاضي عياض (٣) - رحمه الله -: وإن سئل: لِمَ لَمْ يقلْ سليمانُ في القصة المذكورة: إن شاء الله؟ فعنه أجوبة، أَسَدُّها ما روي في الحديث الصحيح: أنه نسي أن يقولها، وذلك لينفذ مراد الله، والثاني: أنه لم يسمع صاحبه، وشغل عنه.
﴿ثُمَّ أَنَابَ﴾ رجع إلى ملكه بعد أربعين يومًا.
...
﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾.
[٣٥] فلما رجع ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي﴾ لا يكون.
(١) جاء على هامش "ت": "وقد ذكر الزمخشري عن صاحب "المدارك" أنه من الأباطيل كما ذكرنا، وأنها مما لا يصح نقلها كما في "النهر".
(٢) رواه البخاري (٣٢٤٢)، كتاب: الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾، ومسلم (١٦٤٥)، كتاب الأيمان، باب: الاستثناء، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
(٣) انظر: "الشفا" للقاضي عياض (٢/ ١٦٦ - ١٦٧).
ص 38:36
﴿لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ المراد: أراد أن يفرده في البشر؛ ليكون خاصة له وكرامة، ولم يفعل هذا غيرةً على الدنيا، ولا نفاسةً بها.
قال ابن عطية: وهذا هو الظاهر من قول النبي - ﷺ - في خبر العفريت الذي عرض له في صلاته، وقيل: أراد: لا ينبغي لأحد من بعدي مدة حياتي؛ أي: لا أُسلبه ويصير إلى أحد كما صار إلى الجني (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (مِن بَعْدِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي ما تشاء لمن تشاء.
...
﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ فذللناها لطاعته إجابةً لدعوته. قرأ أبو جعفر: (الرِّيَاحَ) بألف بعد الياء على الجمع، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (٣).
﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ حال من ضمير (تجري)؛ أي: رخوة لينة.
﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ أي: قصد.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٥٠٥).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٥).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٥).
ص 38:37
﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ عطف على ﴿بَنَّاءٍ﴾ وتبدل من الشياطين.
﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ فكانوا يبنون له الأبنية العجيبة، ويغوصون في البحر يستخرجون له اللؤلؤ.
...
﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾.
[٣٨] وتعطف على ﴿وَغَوَّاصٍ﴾: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ مشدودين ﴿فِي الْأَصْفَادِ﴾ بالقيود، فكان يأخذ مَرَدَةَ الشياطين، فيجمع أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع، ويتركهم كذلك.
...
﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا﴾ الذي لا يقدر عليه غيرنا.
﴿فَامْنُنْ﴾ فأعطِ منه مَنْ شئت.
﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ امنع عن الإعطاء من شئت ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: غيرَ محاسَبْ على الإعطاء والمنع، وكان إذا أعطى أُجر، وإن منع لم يأثم، بخلاف غيره.
...
﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ لقربى في الآخرة ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وهو الجنة.
ص 38:41
﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾.
[٤١] ثم أمر - ﷺ - بذكر - أيوب عليه السلام - وما ابتلي به؛ ليأتم به (١) الصابرون، فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي﴾ أي: بأني (٢) ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ﴾ مشقة ﴿وَعَذَابٍ﴾ ألم المرض. قرأ حمزة: (مَسَّنِي الشَّيْطَانُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها، وقرأ أبو جعفر: (بِنُصُبٍ) بضم النون والصاد، وقرأ يعقوب: بفتحهما (٣)، وقرأ الباقون: بضم النون وإسكان الصاد (٤)، وكلها لغات بمعنى البلاء والشدة، والمراد: ما قاساه في مرضه قال: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ تأدبًا مع الله تعالى، وإن كانت الأشياء كلها منه تعالى، ونسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه كان بسببه ووسوسته، وتقدم ذكر القصة في سورة الأنبياء.
...
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾.
[٤٢] فعوفي، وقيل له: ﴿ارْكُضْ﴾ اضرب الأرض ﴿بِرِجْلِكَ﴾ فركض، فنبعت عين ماء، فقيل: ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ﴾ أي: موضع غسل.
﴿بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ أي: ماء تغتسل به، وتشرب منه فتبرأ.
(١) "ليأتم به" ساقطة من "ت".
(٢) "أي: بأني" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٦).
(٤) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٧٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧).
ص 38:43
روي أنه ركض باليمنى (١)، فخرجت عين حارة، وركض باليسرى، فخرجت عين باردة، فاغتسل من الحارة، وشرب من الباردة، فزال عنه كل ألم كان بظاهره وباطنه (٢).
وروي أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على مَلِكهم، فكلَّموه في ظلمه، وأغلظوا له، إلا أيوب؛ فإنه رفق به مخافة على زرعه، فعاقبه الله على ذلك ببلائه (٣).
...
﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ﴾ روي أن الله سبحانه وهب له أهله وماله في الدنيا، فأحيا الله (٤) مَنْ مات منهم، وما هلك من ماشيته وماله (٥).
﴿وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ بارك في جميع ذلك، وولد له الأولاد حتى تضاعف الحال.
(١) في "ت": "باليمين".
(٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٩٩)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٧/ ٣٨٤)، وظاهر نظم القرآن الكريم عدم تعدد الضرب والنبع، كما ورد في "روح المعاني" للألوسي (٢٣/ ٢٠٧)، و"الإسرائيليات" لأبي شهبة (ص: ٢٨١).
(٣) رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١٠/ ٦١)، عن الليث بن سعد.
(٤) لفظة الجلالة لم ترد في "ش".
(٥) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٥٠٨).
ص 38:44
﴿رَحْمَةً مِنَّا﴾ أي: لرحمتنا عليه.
﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ أي: وتذكيرًا لذوي العقول.
...
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾.
[٤٤] روي أن أيوب -عليه السلام- كانت زوجته مدة مرضه تختلف إليه، فيتلقاها الشيطان في صورة طبيب، ومرة في هيئة ناصح، فيقول لها: لو سجد هذا المريض للصنم الفلاني، لبرئ، ولو ذبح عناقًا للصنم الفلاني، لبرئ، ويعرض عليها وجوهًا من الكفر، فكانت هي ربما عرضت ذلك على أيوب، فيقول لها: أَلَقيتِ عدوَّ الله في طريقك؟ فلما أغضبته ونحوه (١)، حلف إن عوفي ليجلدنها مئة جلدة (٢)، فلما عوفي، لطف الله تعالى بها؛ لخدمتها أيوب، فقال:
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ هو قبضة من الشجر فيها مئة قضيب.
﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك لتبرَّ بيمينك ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ أي: لا تدع الضرب فتحنث، فأخذ مئة عود، وضربها ضربة واحدة، فحلل الله يمينه، وهي رخصة في الحدود.
واختلف الأئمة فيها، فمذهب الشافعي إذا وجب الحد على مريض، وكان جلدًا، أُخِّر للمرض، فإن لم يرج برؤه، جُلد بعثكال عليه مئة غضن،
(١) "ونحوه" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٥/ ٢١٢). فإن كان خمسون، ضرب به مرتين، وتمسه الأغصان، أو ينكس بعضها على بعض ليناله بعض الألم، فإن برئ، أجزأه، ومذهب أبي حنيفة: يؤخر فلا يجلد حتى يبرأ؛ كمذهب الشافعي، فإن كان ضعيف الخلقة يخاف عليه الهلاك لو ضرب ضربًا (١) شديدًا، يضرب مقدار ما يتحمله من الضرب، ومذهب مالك: لا يضرب إلا بالسوط، ويفرق الضرب، وعدد (٢) الضربات مستحق لا يجوز تركه، فإن كان مريضًا، أخر إلى أن يبرأ؛ كمذهب الشافعي وأبي حنيفة، ومذهب أحمد: يقام الحد في الحال، ولا يؤخر للمرض، ولو رجي زواله، ويضرب بسوط يؤمن معه التلف؛ كالقضيب الصغير، فإن خشي عليه من السوط، أقيم بأطراف الثياب، وعثكول النخل، فإن خيف عليه من ذلك، جمع ضغث فيه مئة شمراخ، فضرب به ضربة واحدة؛ كقول الشافعي.
وأما إذا كان الحد رجمًا، فلا يؤخر بالاتفاق، ولا يقام الحد على حامل حتى تضع بغير خلاف، فأبو حنيفة إن كان حدها (٣) الجلد، فحتى تتعالى؛ أي: تخرج من نفاسها، وإن كان الرجم، فعقيب الولادة، وإن لم يكن للصغير من يربيه، فحتى يستغني عنها، والشافعي: حتى ترضعه اللبأ ويستغني بغيرها، أو فطام لحولين، ومالك وأحمد: بمجرد الوضع.
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ على البلاء، وقول أيوب: ﴿مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ﴾ لم يكن جزعًا؛ لأنها شكاية إلى المحبوب، فدل على أنه في غاية الصبر.
(١) "ضربًا" ساقطة من "ت" و"ش".
(٢) "الضرب وعدد "زيادة من "ت".
(٣) "حدها" ساقطة من "ت".
ص 38:45
﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ أيوبُ ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ رجاع إلى الله تعالى.
﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قرأ ابن كثير: (عَبْدَنَا) بفتح العين وإسكان الباء بغير ألف على الإفراد، فيجعل (إِبْرَاهِيمَ) عطفَ بيان، ويعطف عليه (وَإِسْحَاق وَيَعْقُوبَ)، وقرأ الباقون: (عِبَادَنَا) بكسر العين وفتح الباء وألف بعدها على الجمع (١)، جعلوا الأسماء الثلاثة بعده عطفَ بيان، ولم يذكر إسماعيل معهم؛ لأنه لم يُبتل كهؤلاء، تلخيصه: أخبر يا محمد عن هؤلاء.
﴿أُولِي الْأَيْدِي﴾ القوة على العبادة والأفعال الجميلة، وعبر باليد عنها؛ لأنها غالبًا تفعل باليد ﴿وَالْأَبْصَارِ﴾ البصائر في الدين والعلم.
﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ﴾ اصطفيناهم ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه: (بِخَالِصَةِ) بغير تنوين على الإضافة؛ أي: أخلصناهم بذكر الدار الآخرة؛ أي: يعملون لها، والذكرى بمعنى الذكر، وقرأ الباقون: بالتنوين (٢)؛ أي: بخالصةٍ هي ذكرى الدار، فتكون (ذِكْرَى الدَّارِ) بدلًا عن (الْخَالِصَةِ).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١٠)، =
ص 38:47
﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين، جمع مصطفى.
﴿الْأَخْيَارِ﴾ جمع خَيِّر.
﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ﴾ هو ابن إبراهيم عليهما السلام.
﴿وَالْيَسَعَ﴾ هو ابن أخطوب بن العجوز [استخلفه إلياس على بني إسرائيل، ثم استنبئ، وتقدم ذكره في سورة الأنعام، وكان هو وإلياس قبل زكريا عليهم السلام] (١). قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (وَاللَّيْسَعَ) بتشديد اللام وإسكان الياء، والباقون: بإسكان اللام مخففة وفتح الياء (٢)، وهما لغتان، فمن قرأ بلامين، فأصل الاسم لَيْسَع، ثم أدخلت الألف واللام [للتعريف، ومن قرأ بلام واحدة، فالاسم يَسَعُ، ودخلت الألف واللام] (٣) زائدتين؛ كزيادتهما في نحو الخمسة عشر.
﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ تقدم ذكره (٤) في سورة الأنبياء.
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٦٩).
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٠).
(٣) ما بين معكوفتين سقط من "ت".
(٤) في "ت": "تفسيره".
ص 38:49
﴿وَكُلٌّ﴾ تنوينُه عوض من محذوف؛ أي: كلهم ﴿مِنَ الْأَخْيَارِ﴾.
﴿هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿هَذَا﴾ أي: الذي يتلى عليكم ﴿ذِكْرٌ﴾ شرف وثناء جميل للأنبياء.
﴿وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ مَرْجِع.
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ عطف بيان لحسن مآب.
﴿مُفَتَّحَةً﴾ نعمت للجنات ﴿لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ رفع، بدل من الضمير، تقديره: مفتحة هي الأبواب.
﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ على الأرائك ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾ والاقتصار على الفاكهة للإشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ.
﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ﴾.
[٥٢] ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ لا ينظرن إلى غير أزواجهن.
ص 38:53
﴿أَتْرَابٌ﴾ جمع تِرْب، وهم الأصفياء على سن واحد، فكأن التراب (١) قد مسهم في وقت واحد عند الولادة، وهن بنات ثلاث وثلاثين سنة، لا يتباغضن ولا يتغايرن.
﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (يُوعَدُونَ) بالغيب؛ أي: المتقون، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢)؛ أي: قيل لهم ثَمَّ: هذا ما توعدون.
﴿لِيَوْمِ﴾ أي: لأجل يوم (٣) ﴿الْحِسَابِ﴾ كادخر هذا ليوم كذا.
﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ المذكور ﴿لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ أي: انقطاع.
﴿هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿هَذَا﴾ أي: الأمر هذا.
﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾ للكافرين ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ مرجع.
(١) "التراب" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧١).
(٣) "يوم" زيادة من "ت".
ص 38:56
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿جَهَنَّمَ﴾ بدل من (لَشَرَّ) ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها.
﴿فَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش.
﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿هَذَا﴾ أي: العذاب ﴿فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ﴾ وهو الماء الحار الذي انتهى حره ﴿وَغَسَّاقٌ﴾ الزمهرير، وقيل: هو ما يسيل من صديد أهل النار وفروج الزناة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (وَغَسَّاقٌ) بتشديد السين، والباقون: بتخفيفها (١)، ومعناهما واحد.
﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَآخَرُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: بضم الألف من غير مد على الجمع؛ أي: مذوقات أخر، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة مشبعة على التوحيد (٢)؛ أي: وعذاب آخر ﴿مِنْ شَكْلِهِ﴾ أي: مثله.
﴿أَزْوَاجٌ﴾ أجناس تماثل العذاب؛ أي: يعذبون بأنواع مختلفة.
(١) المصادر السابقة.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١١)، و"النشر في القراءت العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧١ - ٢٧٢).
ص 38:59
﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾.
[٥٩] فإذا دخل القادة النار، ثم دخل بعدهم الأتباع، قالت الخزنة للقادة إشارة إلى الأتباع: ﴿هَذَا فَوْجٌ﴾ جمع.
﴿مُقْتَحِمٌ﴾ داخل ﴿مَعَكُمْ﴾ النار، والاقتحام: الدخول بشدة.
روي أن الزبانية تضربهم بالمقامع في النار، فثم يقول القادة دعاءً منهم على أتباعهم:
﴿لَا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ أي: لا سعة عليهم في عيشهم، والمرحبة والرحبة: السعة، تقول العرب: مرحبًا، وأهلًا وسهلًا؛ أي: أتيت رحبًا وسعة، وتقول: لا مرحبًا بك؛ أي: لا رحبت عليك الأرض.
﴿إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ﴾ داخلوها مثلنا.
﴿قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع للقادة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ بل أنتم أحق بما قلتم.
﴿أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ﴾ أي: الكفر، وشرعتموه.
﴿لَنَا﴾ فلنا ولكم النار ﴿فَبِئْسَ﴾ الدارُ ﴿الْقَرَارُ﴾ جهنم.
﴿قَالُوا رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿قَالُوا﴾ أي: الأتباع: ﴿رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا﴾ أي: هذا الدين، وهو الكفر ﴿فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا﴾ أي: مضاعفًا ﴿فِي النَّارِ﴾.
ص 38:62
﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢)﴾.
[٦٢] ولما دخل الكفار من صناديد قريش النار، تحيروا ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى﴾ هنا ﴿رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ﴾ في الدنيا ﴿مِنَ الْأَشْرَارِ﴾؟ يعنون: فقراء المسلمين، وهم عمار، وخباب، وصهيب، وبلال، وسلمان رضي الله عنهم (١).
﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾.
[٦٣] ثم ذكروا أنهم كانوا يسخرون من هؤلاء، فقالوا: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف: (مِنَ الأَشْرَارِ اتَّخَذْنَاهُمْ) بوصل همزة (اتَّخذْنَاهُمْ) على الخبر؛ أي: إنا اتخذناهم، ويبتدئون بكسر الهمزة، وقرأ الباقون: بقطع الهمزة مفتوحة على استفهام توبيخ أنفسهم (٢).
﴿سِخْرِيًّا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: بضم السين؛ من التسخير، وهو العمل بلا أجر، وقرأ الباقون: بكسرها؛ من الهزء (٣).
(١) رواه ابن جرير الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٣٢)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢٤/ ٢٢٦). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٢٠١).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٣).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٦٠)، =
ص 38:64
﴿أَمْ زَاغَتْ﴾ مالت ﴿عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ أي: هم معنا ولا نراهم.
﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ الذي وصفنا ﴿لَحَقٌّ﴾ لصدق.
﴿تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ سمي تخاصمًا؛ لتقاولهم.
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمشركي مكة: ﴿إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ﴾ مخوِّف.
﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ الذي لا شريك له ﴿الْقَهَّارُ﴾ لكل شيء.
﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فهو مالك جميع العالم.
﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْغَفَّارُ﴾ لمن تاب.
﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾.
[٦٧] ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿هُوَ﴾ أي: القرآن.
= و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٣).
ص 38:68
﴿نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ يتضمن وعظُه: أن التصديق فيه نجاة، والتكذيب فيه هلكة.
﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾.
[٦٨] ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ لتمادي غفلتكم، هو توبيخ لهم.
﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ هم الملائكة ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ في شأن آدم حين قال اللهُ لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠]. قرأ حفص عن عاصم: (مَا كَانَ لِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
﴿إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿إِنْ يُوحَى﴾ أي: ما يوحى ﴿إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ أبو جعفر: (إِنَّمَا) بكسر الهمزة على الحكاية، كأنه قيل له: إنما أنت نذير مبين، فحكى هو المعنى، وهذا كما يقول إنسان: أنا عالم، فيقال له: لم قلت: إِنك عالم؟ فيحكي المعنى، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ كأنه
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٣).
(٢) انظر "تفسير البغوي" (٣/ ٧١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
ص 38:71
يقول: إلا الإنذار، والمعنى: ما علمت هذا إلا بوحي.
﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ بدل من قوله: ﴿إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾:
﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ﴾ يعني: آدم.
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أتممت خلقه ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ وأحييته بنفخ الروح فيه ﴿فَقَعُوا﴾ خروا ﴿لَهُ سَاجِدِينَ﴾ تكرمةً وتبجيلًا، لا عبادة، ولم يكن فيه وضع الوجه على الأرض، وإنما كان الانحناء، فلما جاء الإسلام، أبطله.
﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾.
﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ استثناء من الساجدين.
﴿اسْتَكْبَرَ﴾ عن السجود ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ باستكباره.
= (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٤).
ص 38:75
﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿قَالَ﴾ الله: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ بنفسي من غير توسيط كأب وأم؟ واليدان صفة من صفات الله تعالى -عز وجل- نؤمن بها كما جاءت، ونكل العلم فيها إلى الله، ثم أدخلت همزة استفهام التوبيخ على همزة الوصل، فحذفت وبقيت مفتوحة، فقيل:
﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ عن السجود لآدم ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ﴾ المتكبرين من غير استحقاق؟
﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ تقدم الكلام عليه في سورة الأعراف، والحجر، والإسراء.
﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا﴾ من الجنة ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مطرود.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾.
[٧٨] ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (لَعْنَتِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =
ص 38:79
﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٧٩)﴾.
[٧٩] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠)﴾.
[٨٠] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾.
﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾.
[٨١] ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ هي النفخة الأولى.
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾.
[٨٢] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾ فبسلطانك وقهرك ﴿لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾.
[٨٣] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ استثناء منقطع. وتقدم اختلاف القراء في (الْمُخْلَصِينَ)، وتوجيه قراءاتهم في سورة الصافات [الآية: ٤٠].
= (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٥).
ص 38:84
﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤)﴾.
[٨٤] ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾.
﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.
[٨٥] ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ﴾ يا إبليس وذريتك ﴿وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ أي: من ذرية آدم ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تأكيد للضمير في (مِنْهُمْ). قرأ عاصم، وحمزة، وخلف: (فَالْحَقُّ) بالرفع في الأول، معناه: أنا الحقُّ، وأقول الحقَّ، والباقون: بالنصب فيهما (١)، فنصب الأول على الإغراء؛ كأنه ألزم الحق، والثاني بإيقاع الفعل عليه؛ أي: أقول الحقَّ، ومن رفعهما على القراءة الشاذة، فمعناه: أنا الحقُّ، والحقُّ أقوله، والمراد بالحق: اسمه تعالى في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥].
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾.
[٨٦] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على تبليغ الرسالة ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ جُعل.
﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ المتقوِّلين القرآنَ من تلقاء نفسي.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٥٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٧١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ٢٧٦).
ص 38:87
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٨٧)﴾.
[٨٧] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة.
﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ للخلق أجمعين.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾.
[٨٨] ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها المشركون ﴿نَبَأَهُ﴾ صدقَ ما أخبرتُكم به في القرآن من الوعيد ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ بعد مدة، وهو يوم القيامة، والله أعلم.
الزمر 39:1
سُوْرَةُ الزُّمَرِ
مكية إلا ثلاث آيات، نزلت في شأن وَحْشي قاتلِ حمزة بن عبد المطلب، وهي: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيات الثلاث (١)، وقالت فرقة: بل إلى آخر السورة مدني، وقيل: فيها مدني سبع آيات، وآيها: خمس وسبعون آية، وحروفها: أربعة آلاف وسبع مئة وثمانية أحرف، وكلمها: ألف ومئة واثنتان وسبعون كلمة.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾.
[١] ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ﴾ خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا تنزيل الكتاب، وإن شئت جعلته مبتدأ، وخبره ﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ في قدرته ﴿الْحَكِيمِ﴾ في إرادته (٢)، والإشارة إلى القرآن أنه تنزيل من الله لا من غيره.
(١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٠٧)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (٨/ ٢٧٣١)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٤٨٠)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧١٣٩).
(٢) في "ت" و"ش": "إبداعه".
الزمر 39:2
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢)﴾.
[٢] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ فيه، وفي أحكامه وأخباره.
﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ حالٌ من العابد ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ نصب به؛ أي:
﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾.
[٣] ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ أي: من حقه، ومن واجباته.
﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ من الشرك، لا يقبل غيره.
﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ أي: من دون الله ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعائد إلى (الَّذِينَ) محذوف؛ أي: والذين اتخذهم الكفار آلهة من دون الله؛ كالأصنام، وعيسى، والعزير، والملائكة، قالوا:
﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ تقريبًا، مصدر.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ بين العابد والمعبود، والمسلم والكافر.
﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من الدين، فيدخل المؤمن الجنة، والكافر النار.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ إلى الإسلام ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ في أن الآلهة تشفع
الزمر 39:4
له، أو تقربه ﴿كَفَّارٌ﴾ وهذه المبالغة إشارة إلى المتوغل في الكفر، العاتي فيه.
﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾.
[٤] ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى﴾ لاختار.
﴿مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ولم يخص (١) مريم ولا عيسى بذلك، ولخلق أشرف منه، واتخذه ولدًا (٢) ثم نزه نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تنزيهًا له.
﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ﴾ المنفرد عن الصاحبة والولد ﴿الْقَهَّارُ﴾ اتصاف على الإطلاق؛ لأن أحدًا من البشر إن اتصف بالقهر، فمقيد في أشياء قليلة، وهو في حيز قهره لغيره مقهور لله تعالى على أشياء كثيرة.
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾.
[٥] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالواجبِ الواقعِ موقعَه، الجامعِ للمصالح.
﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ يذهب أحدهما،
(١) في "ت": "يختص".
(٢) "ولدًا" زيادة من "ت".
الزمر 39:6
ويغشي مكانه الآخر، فيكون كأنه قد غشيه، ولف عليه، وأصل التكوير: اللفُّ والجمع، ومنه كور العمامة التي تلوى بعضها على بعض.
﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وتسخيرهما: دوامهما على الجري لمصالح العباد.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مدة الدنيا ﴿أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر على كل ممكن ﴿الْغَفَّارُ﴾ لذنوب التائبين.
﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾.
[٦] ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني: نفس آدم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ يعني: حواء خلقت من ضلعه القصيرى، و (ثم) لترتيب الأخبار، لا لترتيب المعاني؛ لأنه لما كان خلق حواء من آدم غريبًا عادة، عطفت (ثم) ما بعدها على ما قبلها لفظًا، فكأنه قال: ثم كان من أمره قبل ذلك أن جعل منها زوجها.
﴿وَأَنْزَلَ﴾ أحدث ﴿لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ هي المذكورة في سورة الأنعام. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنْزَل لَّكُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثانية (١).
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩).
الزمر 39:7
﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا﴾ مصدر ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: نطفًا، ثم علقًا، ثم مضغًا، ثم عظامًا، ثم خلقًا سويًّا. قرأ حمزة: (إِمِّهَاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة فقط، وكل منهما بشرط الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١).
﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ هي ظلمة البطن، والرحم، والمشيمة.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾ الذي خلق هذه الأشياء ﴿رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ فكيف تعدلون عن طريق الحق، وبأي سبب تضلون؟!
﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾.
[٧] ثم بين أن لا حاجة به إليهم، فقال: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى﴾ مع ذلك.
﴿لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ رحمة لهم إذا وقعوا فيه ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا﴾ لله تعالى، فتؤمنوا ﴿يَرْضَهُ﴾ أي: يرضى الشكر ﴿لَكُمْ﴾ لأنه سبب فلاحكم. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (يَرْضهُ) بإشباع ضمة الهاء، وقرأ السوسي عن أبي عمرو: بإسكان الهاء، وقرأ نافع، وحمزة، ويعقوب، وحفص عن
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩).
الزمر 39:8
عاصم: باختلاس ضمة الهاء، وروي عن كل من الدوري راوي أبي عمرو، وابن جماز راوي أبي جعفر: وجهان: الإسكان، والإشباع، وروي عن كل من هشام راوي ابن عامر، وأبي بكر راوي عاصم: وجهان: الإسكان، والاختلاس، وروي عن كل من ابن ذكوان راوي ابن عامر، وابن وردان راوي أبي جعفر: وجهان: الاختلاس والإشباع (١).
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا يحمل أحد ذنب غيره.
﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بالمحاسبة والمجازاة.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فلا تخفى عليه خافية من أعمالكم.
﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.
[٨] ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ راجعًا إليه مستغيثًا.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ أعطاه ﴿نِعْمَةً مِنْهُ﴾ من الله.
﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٧ - ٣٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩ - ١٠).
الزمر 39:9
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ يعني: الأوثان ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ ليصد عن دين الإسلام. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ورويس بخلاف عنه: (لِيَضِلَّ) بفتح لياء، والباقون: بضمها (١).
﴿قُلْ﴾ لهذا الكافر: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ في الدنيا إلى انقضاء أجلك.
﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾.
﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾.
[٩] ونزل في كل مؤمن: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ مصلّ ساعاتِه. قرأ نافع، وابن كثير، وحمزة: (أَمَنْ) بتخفيف الميم دخلت همزة الاستفهام على (مَنْ)، تقديره: أمن هو قانت كغيره؟ وقرأ الباقون: بتشديدها (٢)، دخلت (أَمْ) على (مَنْ)، فأدغمت فيها الميم، فـ (أم) منقطعة، تقديره: الكافر خير أم المطيع؟ فمن خفف، اتبع المصحف؛ لأنها فيه بميم واحدة، ومن شدد، فعلى الأصل.
﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ يعني: في الصلاة، ونصبهما حال من ضمير (قَانِتٌ) ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يخاف عذابها ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ هي المغفرة، ثم بين أَنْ
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠ - ١١).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١).
الزمر 39:10
لا مساواة بين من نزلت فيه هذه الآية، وبين من نزلت فيه الآية التي قبل بقوله:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ التوحيدَ، ويعملون بمقتضاه، وهم المؤمنون.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، وهم الكفار؟
﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ بأمثال هذه البيانات.
﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.
[١٠] ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ بطاعته. أجمع القراء على الوقف على (يَا عِبَادِ) بالحذف، إلا ما انفرد به الحافظ أبو العلاء عن رويس.
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا﴾ أي: للمحسنين بالطاعات في الدنيا مثوبة ﴿حَسَنَةٌ﴾ في الآخرة.
﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ قال ابن عباس: "يعني: ارتحلوا من مكة" (١)، وفيه حث على الهجرة من البلد الذي تظهر فيه المعاصي.
﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ الذين صبروا على دينهم، فلم يتركوه للأذى.
﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: مكيال، قيل: نزلت في جعفر بن أبي طالب
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٩).
الزمر 39:11
وأصحابه؛ حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء، وصبروا (١).
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾.
[١١] ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ التوحيدَ، لا أشرك به شيئًا.
قرأ نافع، وأبو جعفر: (إِنِّيَ) بفتح الياء (٢)، والباقون: بإسكانها (٣).
﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾.
[١٢] ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من أمتي، و (أُمِرْتُ) الثاني معطوف على (أُمِرْتُ) الأول، وإن كان لفظهما واحدًا؛ لأن الأول أمر بالعبادة مع الإخلاص، والثاني بالسبق، فلاختلاف جهتيهما تنزَّلا منزلةَ المختلفين، وصح عطف أحدهما على الآخر.
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣)﴾.
[١٣] ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ عبدتُ غيره ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا حين دُعي إلى دين آبائه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير،
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٩)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٥٢٣)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٤٠).
(٢) "الياء" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢).
الزمر 39:14
وأبو عمرو (١): (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤)﴾.
[١٤] ﴿قُلِ اللَّهَ﴾ نصب بقوله: ﴿أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أُمر بالإخبار عن إخلاصه، وأن يكون مخلصًا له دينه بعد الأمر بالإخبار عن كونه مأمورًا بالعبادة والإخلاص، خائفًا على المخالفة من العقاب.
﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾.
[١٥] ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ أمر توبيخ وتهديد، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠].
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ المبالغين في الخسران ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بدخول النار ﴿وَأَهْلِيهِمْ﴾ المعدين لهم في الجنة من الحور والولدان لو آمنوا؛ بعدم وصولهم إليهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ حين يدخلون النار بدل الجنة.
﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ مبالغة في خسرانهم.
(١) "وأبو عمرو" زيادة من "ت".
(٢) المصادر السابقة.
الزمر 39:16
﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾.
[١٦] ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ﴾ أطباق وسرادقات من النار (١) ودخانها.
﴿وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ لمن تحتهم، وهي فرش لهم ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ المؤمنين؛ ليتقوه، يوضحه:
﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِي) بإثبات الياء فيهما، وافقه روح في الثاني (٢).
﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧)﴾.
[١٧] ونزل في أبي ذر، وسلمان، وزيد بن عمرو بن نفيل: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٣) أي: الأوثان، وتذكر وتؤنث، وهو من الطغيان، وزيدت التاء فيه مبالغة؛ كالرحموت.
(١) "أطباق وسرادقات من النار" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣).
(٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٥٢٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٤٤). قال ابن عطية: وهي على كل حال عامة في الناس إلى يوم القيامة يتناولهم حكمها.
الزمر 39:18
﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ رجعوا إلى عبادته ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ في الحياة الدنيا بالثواب، وفي الآخرة بحسن المآب على ألسنة الرسل ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾.
﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾.
[١٨] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ﴾ أي: قول الله. قرأ السوسي عن أبي عمرو: (عِبَادِي) بإثبات الياء ساكنة وقفًا، مفتوحة وصلًا، وافقه يعقوب وقفًا (١) ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي: أفضله، وهو ما في القرآن من عفو وصفح، واحتمال على صبر، ونحو ذلك.
﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون مبتدأ، خبره ﴿الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ لأنهم كانوا يأخذون بعزائم القرآن، وهو أحسنه بالنسبة إلى أخذه؛ لأنه كله حسن، لا أن فيه حسنًا وأحسن.
﴿وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ العقول السليمة.
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾.
[١٩] ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ أي: ثبت ﴿عَلَيْهِ﴾ من الكفار ﴿كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ وهي: هَؤُلاَءِ لِلنَّارِ وَلا أُبَالي ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ هذه الآية جملة
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦١)، و"التيسير" للداني (ص: ٦٧ و ١٨٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨ و ٣٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣).
الزمر 39:20
واحدة من شرط وجزاء، فالشرط (مَنْ)، وجيء بالفاء قبله للعطف على محذوف، والهمزة قبلها للإنكار، والفاء في (أَفَأَنْتَ) جزاء الشرط، والهمزة قبلها زيادة في الإنكار، تقديره: أأنت المتصرفُ، فمن وجب عليه العذاب، فأنت منقذه؟ أي: لا تقدر على هداية الكافرين، والمراد: أبو لهب وولده، قاله ابن عباس (١).
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ قرأ أبو جعفر: (لَكِنَّ) بتشديد النون، والباقون: بتخفيفها (٢).
﴿لَهُمْ غُرَفٌ﴾ علالي ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ كبناء المنازل في الأرض، بعضُها فوق بعض.
﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت المنخفضة والمرتفعة من غير تفاوت بين العلو والسفل.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مصدر مؤكد.
﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ لأن الخلف نقص، وهو تعالى منزه عنه.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١١)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٤٤).
(٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤).
الزمر 39:21
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾.
[٢١] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ هو المطر ﴿فَسَلَكَهُ﴾ أدخله ﴿يَنَابِيعَ﴾ عيونًا وركايا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ فكل ما في الأرض من السماء ينزل منها إلى صخرة بيت المقدس، ثم يقسمه الله تعالى في الأرض كالعروق في الأجساد.
وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "المياه العذبةُ، والرياح اللواقحُ من تحتِ صخرةِ بيتِ المقدس" (١).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "الأنهار الأربعةُ سيحانُ وجيحانُ والنيلُ والفراتُ"، فأما سيحان، فنهر بلخ، وأما جيحان، فدجلة، وأما النيل، فنيل مصر، وأما الفرات، ففرات الكوفة، فكل ما يشرب ابن آدم، فهو من هذه الأربعة، وتخرج من تحت الصخرة (٢).
﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾ بالماء ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ من أخضر وأحمر وغيرهما.
(١) رواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٧/ ٧٣)، ومن طريقه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (١/ ٢٢٠)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: وهو حديث منكر كما قال ابن عدي.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٤/ ١٣٥ - ١٣٦)، وروى مسلم في "صحيحه" (٢٨٣٩)، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: ما في الدنيا من أنهار الجنة، من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سَيحان وجيحان، والفرات والنيل، كلٌّ من أنهار الجنة".
الزمر 39:22
﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يتم جفافه ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته وحسنه.
﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فتاتًا.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ إذ لا يتذكر به غيرهم، وهذا مثل الدنيا.
﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ﴾ أي: وسعه ﴿لِلْإِسْلَامِ﴾ فقبله، وأقبل عليه.
﴿فَهُوَ عَلَى نُورٍ﴾ هدى ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ وجواب (مَنْ) محذوف، تقديره: أفمن شرح صدره، فاهتدى، كمن طبع على قلبه فضل؟ يدل عليه:
﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ المعنى: إذا ذكر عندهم، ازدادت قلوبهم قسوة.
﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ والآية نزلت في حمزة وعلي -رضي الله عنهما-، وأبي لهب وولده، قال مالك بن دينار: "ما ضُرب عبدٌ بعقوبة أعظمَ من قسوة قلب، وما غضب الله على قوم إلا نزع منهم الرحمة" (١).
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٢)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٤٨).
الزمر 39:23
﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن، وتبدل من (أَحْسَن) ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ يشبه بعضه بعضًا حسنًا ونظمًا ﴿مَثَانِيَ﴾ أي: مردَّد ومكرَّر في أحكامه ﴿تَقْشَعِرُّ﴾ تضطرب وتشمئز ﴿مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ خوفًا وإجلالًا لله تعالى، والقشعريرة: تغير في جسد الإنسان عند الوجد والخوف.
﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ فهي تقشعر عند الوعيد، وتلين عند الوعد.
عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا اقشعر جلدُ العبد من خشية الله، تَحاتَّتْ عنه ذنوبُه كما تتحاتُّ عن الشجرة اليابسة وُرقها" (١).
﴿ذَلِكَ﴾ أي: الكتاب ﴿هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ بخذلانه.
﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ينقذه من الضلال. قرأ ابن كثير: (هَادِي) بإثبات الياء
(١) رواه البزار في "مسنده" (١٣٢٢)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (٤/ ٥٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨٠٣)، من حديث العباس رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣١٠): فيه أم كلثوم بنت العباس ولم أعرفها، وبقية رجاله ثقات.
الزمر 39:24
حالة الوقف، وروي ذلك عن قنبل، ويعقوب (١).
﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي﴾ معناه: أفمن يدخل النارَ فيتقي ﴿بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشدَّه، كمن هو آمن منه ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ المعنى: أن الإنسان إذا عرض له ما يخافه، اتقاه بيده، وطلب أن يتقي بها وجهه؛ لأنه أعز أعضائه، والذي يلقى في النار مغلولةً يداه إلى عنقه، فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه ﴿وَقِيلَ﴾ أي: ويقول الخزنة.
﴿لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا﴾ جزاء.
﴿مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ من الكفر والمعاصي.
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٥)﴾.
[٢٥] ثم حذر كفار مكة بعذاب من تقدمهم، فقال:
﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ رسلَهم.
﴿فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ من جهة لا يخطر ببالهم أن العذاب يأتيهم منها.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥).
الزمر 39:26
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ﴾ الذلَّ والهوان، والمسخ والقتل والسبي، وغيرها.
﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ﴾ المعَدُّ لهم ﴿أَكْبَرُ﴾ لشدته ودوامه.
﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، لاعتبروا به.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ يحتاج إليه.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال مؤكدة؛ كقولك: جاءني زيد رجلًا صالحًا، وإنسانًا عاقلًا، ويجوز أن ينتصب على المدح.
﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ بريئًا من التناقض.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ الكفر.
الزمر 39:29
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا﴾ بدل من (مَثَلًا) ﴿فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ متنازعون، سيئة أخلاقُهم.
﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (سَالِمًا) بألف بعد السين وكسر اللام؛ أي: خالصًا، لا مشاركَ له فيه، وقرأ الباقون: (سَلَمًا) بغير ألف وفتح اللام (١)؛ أي: لا تنازع فيه، وهذا مثل ضربه الله لأهل التوحيد، ومثَّل الذي عبد الآلهة كمثل الشركاء.
﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ في الصفة ﴿مَثَلًا﴾ نصب على التمييز، وهذا توقيف لا يجيب عنه أحد إلا بأنهما لا يستويان، فلذلك عاملتهم العبارة الوجيزة على أنهم قد أجابوا، فقال:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: على ظهور الحجة عليكم من أقوالكم، ثم قال تعالى:
﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ما يصيرون إليه، فأضرب عن مقدر محذوف يقتضيه المعنى، تقديره: الحمد لله على ظهور الحجة، وأن الأمر ليس كما يقولون، بل أكثرهم لا يعلمون.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦).
الزمر 39:30
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾.
[٣٠] ولما استبطؤوا موته - ﷺ -، نزل:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١) أي: ستموت، ويموتون، فلا شماتة بالموت.
﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾.
[٣١] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بعدَ البعث.
﴿تَخْتَصِمُونَ﴾ تتحاكمون؛ يعني: المحق والمبطل، والظالم والمظلوم.
عن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال: "كنا نقول: ربُّنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة؟! فلما كان يوم صفين، وشدَّ بعضُنا على بعض بالسيوف، قلنا: نعم، هو هذا" (٢).
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ بإضافة الولد والشريك إليه. ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ القرآنِ ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ من غير تفكر في أمره.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٥).
(٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ١٣٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٢٥٥)، و"تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٢٠٤).
الزمر 39:33
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ منزلٌ ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ استفهام بمعنى التقرير.
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هو محمد - ﷺ -.
﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هو أبو بكر رضي الله عنه، وقيل: (الذي) هاهنا للجنس؛ ليتناول الرسل والمؤمنين؛ لقوله:
﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ قال ابن عطية: وهو أصوب الأقوال (١).
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾.
[٣٤] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الجنة.
﴿ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.
﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾
[٣٥] ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يسترها عليهم بالمغفرة.
﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: يجزيهم بمحاسن أعمالهم، ولا يجزيهم بمساوئها.
(١) انظر: "المحرر الوجيز" (٤/ ٥٣١).
الزمر 39:36
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ استفهام إنكار للنفي؛ مبالغة في الإثبات. قرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (عِبَادَهُ) بألف على الجمع؛ يعني: الأنبياء -عليهم السلام-، قصدهم قومهم بالسوء، فكفاهم الله شر من عاداهم، وقرأ الباقون: (عَبْدَهُ) بغير ألف على التوحيد (١)؛ يعني: محمدًا - ﷺ -، وروي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء (٢) على (بِكَافِي).
﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ الكفارُ يا محمد ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ بالمعبودين من دون الله تعالى، وهي الأصنام؛ لأنهم قالوا له: نخشى عليك أن تقتلك، أو تخبلك.
﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه. وقف ابن كثير (هَادِي): بإثبات الياء، وروي ذلك عن يعقوب (٣).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨).
(٢) "بالياء" ساقطة من "ت".
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٦ - ١٣٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩).
الزمر 39:37
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ إذ لا راد لفعله.
﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالب ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ من الكافرين؟
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية.
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من آلهتكم ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ بشدة وبلاء ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ بنعمة وبركة ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ المعنى: أفرأيتم هؤلاء إذا أراد الله أمرًا لهم قدرةٌ على نقضه؟ وحذف الجواب عن هذا؛ لأنه من البين أنه لا يجيب أحد إلا بأنه لا قدرة للأصنام على شيء من ذلك. قرأ حمزة: (أَرَادَنِي اللَّهُ) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها، وقرأ أبو عمرو، ويعقوب: (كَاشِفَاتٌ) (مُمْسِكَاتٌ) بالتنوين، ونصب (ضُرَّهُ) و (رَحْمَتَهُ) على الأصل؛ لأنه اسم فاعل بمعنى الاستقبال، وقرأ الباقون: بغير تنوين فيهما تخفيفًا، وخفض (ضُرَّهِ) و (رَحْمَتِهِ) على الإضافة (١)، فسألهم رسول الله - ﷺ - عن ذلك،
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٨)، و"النشر في =
الزمر 39:39
فسكتوا، فقال الله له: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ (١) من كل شيء.
﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ يثق الواثقون.
﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩)﴾.
[٣٩] ثم أمره بتوعدهم بقوله: ﴿قُلْ يَاقَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ﴾ أي: على ما رأيتموه متمكنًا لكم. قرأ أبو بكر عن عاصم: (مَكَانَاتِكُمْ) بألف بعد النون على الجمع، والباقون: بغير ألف على الإفراد (٢).
﴿إِنِّي عَامِلٌ﴾ أي: على مكانتي، فحذف؛ للاختصار، والمبالغة في الوعيد ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ هو عذاب الدنيا يوم بدر.
﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ دائم، وهو عذاب الآخرة أعاذنا الله منه برحمته.
= القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٤).
(١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ١٣٢)، ، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٨).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠).
الزمر 39:41
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١)﴾.
[٤١] ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآنَ ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: لأجلهم؛ لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس ﴿بِالْحَقِّ﴾ في أخباره وأحكامه.
﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ﴾ عمل وسعى.
﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ فإن وبال ضلاله عليه.
﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ والوكيل: القائم على الأمر حتى يكمله.
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.
[٤٢] ثم نبه تعالى على آية من آياته الكبرى تدل الناظر على الوحدانية، وأن ذلك لا شرك فيه لصنم ولا غيره، فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ لأن للإنسان نفسين: نفس الحياة، هي الروح تفارق بالموت، ونفس التمييز تفارق بالنوم، وتبقى نفس الحياة، وبينهما مثل شعاع الشمس، قال ابن عباس: "فيقبض الله تعالى جميع الأنفس التمييزية والحيوانية".
﴿حِينَ﴾ أي: وقت ﴿مَوْتِهَا﴾ لانقضاء أجلها.
﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ﴾ والأنفس التي لم يحكم بموتها يقبض نفسها التمييزية ﴿فِي مَنَامِهَا﴾ أي: وقت نومها؛ بأن تخرج عن جسدها، وتبقى فيه الحيوانية؛ لأن النفس والحركة بها تكون والنائم نفس (١) يتنفس ويتحرك.
﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ فلا يردها إلى جسدها. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (قُضِيَ) بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء (الْمَوْتُ) بالرفع على ما لم يُسم فاعله، وقرأ الباقون: بفتح القاف والضاد، فتصير الياء ألفًا، ونصب (الْمَوْتَ) (٢) مفعولًا به لقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ (٣).
﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى﴾ يردُّ النفسَ التي لم يحكم عليها بالموت إلى جسدها ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقتِ موتها، المعنى: يتوفى الأنفس التي حكم بموتها وقتَ الموت، ويتوفى الأنفس التي لم يحكم بموتها وقت النوم، شبه النائم بالميت؛ لعدم تمييزه، وروي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم إلى السماء، فمن كان منهم طاهرًا، أذن له في السجود، ومن لم يكن منهم طاهرًا، لم يؤذن له فيه (٤).
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالات.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيستدلون على قدرته تعالى على البعث.
(١) "نفس" ساقطة من "ت".
(٢) في "ت": "ونصب الياء".
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١).
(٤) انظر: "تفسير النسفي" (٤/ ٥٦).
الزمر 39:43
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ (٤٣)﴾.
[٤٣] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ أي: بل اتخذ قريش ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: من غير إذنه ﴿شُفَعَاءَ﴾ والهمزة إنكار عليهم؛ لاعتقادهم شفاعة الأصنام حيث قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨].
﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿أَوَلَوْ كَانُوا﴾ أي: وإن كانوا؛ يعني: الآلهة.
﴿لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾ من الشفاعة ﴿وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ أنكم تعبدونهم؟ وجواب هذا محذوف، تقديره: وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ هو مختص بها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه؛ لأنه.
﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يُحصي أعمالكم هنا.
﴿ثُمَّ إِلَيْهِ﴾ إلى حسابه ثَمَّ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم. قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء ونصب الجيم (١).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١).
الزمر 39:45
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.
[٤٥] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ أي: أُفرد بالذكر دون آلهتهم ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نفرت ﴿قُلُوبُ﴾ الكافرين.
﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: الأصنام.
﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يفرحون بذلك.
روي أن رسول الله - ﷺ - قرأ سورة النجم، فألقى الشيطان في أمنيته: تلك الغرانيق العلا، ففرح الكفار بذلك (١).
(١) قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٢٣٠): جاءت من طرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وقال الآلوسي في "تفسيره" (١٧/ ١٧٧) بعد أن ذكر من أسند هذه القصة: قد أنكر كثير من المحققين هذه القصة، فقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل. وقال القاضي عياض في "الشفا": يكفيك في توهين هذا الحديث أنه لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند صحيح سليم متصل، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. ثم ذكر -رحمه الله- عن محمد بن إسحاق وأبي منصور الماتريدي ما ملخصه: أن هذه القصة من وضع الزنادقة يلقونها بين الضعفاء وأرقاء الدِّين ليرتابوا في صحة الدين، وحضرةُ الرسالة بريئة من مثل هذه الرواية.. إلخ. وانظر: "الإسرائيليات" لأبي شهبة (ص: ٣١٤ - ٣٢٢).
الزمر 39:46
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ﴾ خالقَ ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ أي: التجئ إليه بالدعاء؛ فإنه قادر على ما يشاء، ومعنى اللهم: يا الله برحمتك وفضلك، والغيب: ما غاب عن البشر، والشهادة: ما شهدوه.
﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا افتتح صلاةً من الليل يقول: اللهمَّ ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السموات والأرض، عالمَ الغيب والشهادة، أنت تحكمُ بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلف فيه من الحق بأمرك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (١).
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أخبر تعالى عن سوء حال الكفرة يوم القيامة، وأن ما نزل لو قدروا على الافتداء منه بضعف الدنيا بأسرها، لفعلوا.
(١) رواه مسلم (٧٧٠)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: الدعاء في صلاة الليل وقيامه، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
الزمر 39:48
﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ أي: ظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن في حسابهم.
﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ أي: جزاء سيئات ﴿مَا كَسَبُوا﴾ من الشرك عند عرض صحائفهم.
﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من البعث والعذاب.
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾.
[٤٩] ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ شدةٌ ﴿دَعَانَا﴾ وعطف هذه الآية بالفاء، وعطف مثلها في أول السورة بالواو؛ لأن هذه وقعت مسببة عن قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ على معنى: إنهم يشمئزون عن ذكر الله، ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مس أحدَهم ضر، دعا من اشمأز من ذكره، دونَ من استبشر بذكره، وما بينهما من الآيات (١) اعتراض مؤكد لإنكار ذلك عليهم.
﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ أعطيناه ﴿نِعْمَةً مِنَّا﴾ تفضُّلًا ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ أي: علم من الله أني أهل له، وذكر الكناية؛ لأن المراد بالنعمة: الإنعام.
(١) في "ت": "من الآتي".
الزمر 39:50
﴿بَلْ هِيَ﴾ أي: النعمة ﴿فِتْنَةٌ﴾ استدراجٌ لهم.
﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك.
﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ أي: مقالتَهُ ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني: قارون؛ حيث قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الأموال والمعاصي.
﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾.
[٥١] ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ أي: جزاؤها وهو العذاب.
﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: كفار مكة.
﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ كما أصاب أولئك.
﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين، فقتل صناديدهم ببدر، وقحطوا سبع سنين.
﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ فإنه وسَّع عليهم سبع سنين بعد تلك السبعة.
الزمر 39:53
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾.
[٥٣] عن ابن عباس: أَنَّ ناسًا من المشركين كانوا قَتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي - ﷺ -، وقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل:
﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ (١) فَرَّطوا وتعدَّوا الطورَ ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنط: أعظم اليأس. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم (٢): (يَا عِبَادِيَ) بفتح الياء، وقرؤوا هم وحمزة: (لا تَقْنَطُوا) بفتح النون، وقرأ الباقون: بإسكان الياء وكسر النون (٣).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ عموم بمعنى الخصوص، على أن الشرك ليس بداخل في الآية إجماعًا، وهي أيضًا في العاصي مقيدة بالمشيئة، و (جَمِيعًا) نصب على الحال.
(١) رواه البخاري (٤٥٣٢) كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا﴾، ومسلم (١٢٢)، كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله، من حديث ابن عباس -رضي الله عنه-.
(٢) "وعاصم" زيادة من "ت".
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٦ و ١٩٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢).
الزمر 39:54
﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال - ﷺ -: "إن الله يغفر الذنوب جميعًا ولا يبالي" (١).
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿وَأَنِيبُوا﴾ وارجعوا ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ عن الذنب تائبين.
﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخلصوا العمل لوجهه.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ في الدنيا والآخرة.
﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ إن لم تتوبوا قبل نزول العذاب.
﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ فجأة.
﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ لشغلكم (٢).
(١) رواه الترمذي (٣٢٣٧) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الزمر، والإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٤٥٤) من حديث أسماء بنت يزيد، قال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث ثابت عن شهر بن حوشب.
(٢) في "ت": "لغفلتكم".
الزمر 39:56
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ (أن) في هذه الآية مفعول من أجله؛ أي: وأنيبوا وأسلموا من أجل أن تقول ﴿نَفْسٌ﴾ نكر نفسًا إرادة الكثرة؛ ليشيع في كل النفوس ﴿يَاحَسْرَتَا﴾ أصلها: يا حسرتي، ومن العرب من يرد ياء الإضافة ألفًا، فيقول: يا غلاما، ويا جارا. قرأ أبو جعفر: (يَا حَسْرَتَاي) بياء بعد الألف، وروي عنه فتحها وإسكانها، وكلاهما صحيح عنه، وقرأ الباقون:
بغير ياء، ووقف يعقوب: (يَا حَسْرَتَاهْ) بهاء ساكنة بعد الألف (١).
﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ قَصَّرت ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ أي: طاعة الله.
﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ندامة على استهزائه بأمر الله تعالى، والسخر: الاستهزاء.
﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بألطافه.
﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ الشركَ.
﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ عيانًا: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ رجعة
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣).
الزمر 39:59
إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الموحِّدين، ويحمله على هذا القول تحيره وندمه حيثما لا ينفع.
﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾.
[٥٩] فثم يقال ردًّا عليه (١): ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي﴾ يعني: القرآن، وهي سبب الهداية ﴿فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ عنها.
﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ بها.
﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ بأن جعلوا له البنات والصاحبة، وشرعوا ما لم يأذن به، إلى غير ذلك.
﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ بما ينالهم من الشدة.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾ مقام ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ عن الإيمان؟
﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)﴾.
[٦١] ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾ قرأ روح عن يعقوب:
(١) "فثم يقال ردًّا عليه" زيادة من "ت".
الزمر 39:62
(وَيُنْجِي اللَّهُ) بإسكان النون وتخفيف الجيم، وقرأ الباقون: بفتح النون وتشديد الجيم (١)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (بِمَفَازَاتِهِمْ) بألف بعد الزاي على الجمع؛ لأن لكل واحد مفازة؛ أي: بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز، وقرأ الباقون: بغير ألف على الإفراد إرادة الجنس (٢)، وهو مصدر من الفوز: النجاة؛ أي: مكان الفوز، وهو الجنة.
﴿لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ لا يصيبهم المكروه.
﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ تفسير للمفازة.
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كلام مستأنف دال على الوحدانية.
﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ والوكيل: القائم على الأمر، الزعيم بإكماله، فالخلق غير المخلوق، وهو فعل الرب تعالى القائم به، مغاير لصفة القدرة في قول الحنفية وأئمة الشافعية والسلف وأكثر أصحاب أحمد؛ خلافًا لأكثر المعتزلة وغيرهم في قولهم: هو هو.
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦ - ٢٧).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٧).
الزمر 39:63
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿لَهُ مَقَالِيدُ﴾ أي: مفاتيح خزائن ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ واحدها مِقْلاد، فمفاتيح السموات: المطر، والأرض: النبات.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ متصل بقوله: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وما بينهما اعتراض، التقدير: وينجي المتقين، والكافرون هم الخاسرون.
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ ابن عامر: (تَأْمرُونَنِي) بنونين ظاهرتين خفيفتين على الأصل، الأولى علم الرفع، والثانية للوقاية، ويسكن ياء الإضافة، وقرأ نافع، وأبو جعفر: بنون واحدة خفيفة على الحذف مع فتح ياء الإضافة، وقرأ الباقون: بنون واحدة مشددة على الإدغام، فابن كثير منهم يفتح ياء الإضافة، والباقون: يسكنونها (١).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٠ - ١٩١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٧ - ٢٨).
الزمر 39:65
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الرسل.
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الذي عملته قبلَ الشرك وحبط معناه: بطل، فالخطاب مع الرسول - ﷺ -، والمراد منه: غيره.
﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ في صفقتك بسبب حبوط عملك، وتقدم حكم بطلان أعمال المرتدين من صلاة وحج، واختلاف الأئمة في ذلك في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: لا تعبد ما أمرك الكفار بعبادته، بل إن عبدت، فاعبد الله، فحذف الشرط، وأقيم المفعول مقامه، معناه: لا تعبد إلا الله.
﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ له على فضله.
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر عن عظمته.
الزمر 39:68
فقال: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ حال من الأرض (١) ﴿قَبْضَتُهُ﴾ أي: في تصرفه، والمراد: الأرضون السبع؛ لقوله: (جَمِيعًا).
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ أي: مجموعات بقدرته.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: هو منزه عن الشبه الذي لا يليق به.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهو قرن، والصحيح أنها النفخة الثانية بعد نفخة الفزع بأربعين سنة، وفي الخبر: أنها ثلاث نفخات، وتقدم ذكرها في سورة النمل.
﴿فَصَعِقَ﴾ فمات.
﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ من الحور والولدان وغيرهما.
﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾ نفخة (٢) ﴿أُخْرَى﴾ هي نفخة البعث، وروي أن بين النفختين أربعين، لا يدري أبو هريرة سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة (٣).
(١) "حال من الأرض" زيادة من "ت".
(٢) "نفخة" زيادة من "ت".
(٣) رواه البخاري (٤٥٣٦) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، ومسلم (٢٩٥٥) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ما بين النفختين.
الزمر 39:69
﴿فَإِذَا هُمْ﴾ جميع الخلائق ﴿قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ أهوالَ يوم القيامة وما يُفعل بهم.
﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ﴾ أي: أضاءت عرصات يوم القيامة.
﴿بِنُورِ رَبِّهَا﴾ إضافة خلق إلى خالق؛ أي: بنور الله تعالى، وقيل: بعدله.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ أي: كتاب الأعمال، ووحِّد على اسم الجنس؛ لأن كل واحد له كتاب على حدة ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ ليشهدوا على أممهم ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ يشهدون للرسل بالإبلاغ، وهم أمة محمد - ﷺ - الذين جعلهم الله شهداء على الناس، وقيل: الحفظة.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين العالم بأجمعه ﴿بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (١) لا يوضع شيء من أمورهم في غير موضعه. قرأ قنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: (وَجِيءَ) و (قِيلَ)، (وَسِيقَ): بإشمام الضم الجيمَ والقافَ والسينَ، وافقهم في إشمام السين: ابنُ ذكوان راوي ابن عامر (٢).
(١) في "ت" كتبت الآية: ﴿بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو خطأ.
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٢ و ١٨١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٠).
الزمر 39:70
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ثوابَ.
﴿مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ جماعات، واحدتها زُمرة، ونصبه على الحال؛ أي: يساقون سوقًا خبيثًا إلى النار.
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ السبعة عند مجيئهم؛ تهويلًا لشأنها، ولم تفتح قبل؛ لبقاء حرها.
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ وهم الزبانية توبيخًا: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من جنسكم ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ﴾ يخوفونكم.
﴿لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ وهو وقت دخول النار.
﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾ وهي قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩] ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ فوجبت لنا النار.
الزمر 39:72
﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ جهنمُ، وأُبهِمَ القائل؛ لتهويل ما يقال لهم.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ تكرمة لهم، ونصبه على الحال. قرأ أبو عمرو: (إِلَى الْجَنَّة زُمَرًا) بإدغام التاء في الزاي (١).
﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وجواب (حتى) محذوف تقديره: حتى إذا جاؤوها، اطمأنوا، وجيء بالواو في (وَفُتِحَتْ) للإيذان [أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم تكرمةً، يدل عليه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] قالوا: وللحال تقديره: جاؤوها وقد فتحت أبوابها، وحذفها في الآية الأولى لبيان] (٢) أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، فالكفار يساقون إلى النار سريعًا إهانةً، والمتقون يساقون إلى الجنة ليصلوا إلى ما أعد لهم فيها تكرمة لهم. قرأ الكوفيون، وهم: عاصم، وحمزة،
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٢).
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
الزمر 39:74
والكسائي، وخلف: (فُتِحَتْ) (وَفتِحَتْ) بتخفيف التاء فيهما، والباقون: بالتشديد على التكثير (١).
﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ لا يعتريكم بعدُ مكروه.
﴿طِبْتُمْ﴾ أي: طاب لكم المقام ﴿فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ والفاء للدلالة على أن طيبهم سبب لدخولهم وخلودهم، فدخلوها.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾.
[٧٤] فلما رأوا ما أعد لهم فيها، أعجبوا سرورًا ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ بالبعث والثواب ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أي: أرض الجنة، والوراثة هنا مستعارة؛ لأن حقيقة الميراث أن يصير شيء إلى إنسان بعد موت إنسان، وهؤلاء إنما ورثوا مواضع أهل النار لو كانوا مؤمنين ﴿نَتَبَوَّأُ﴾ نتنزل ﴿مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ منها، ثم يدخل سائر الأمم (٢)، وهو إشارة إلى السعة والزيادة عن قدر الحاجة، لا أن أحدًا ينزل في غير منزله، روي أن أمة محمد - ﷺ - تدخل أولًا الجنة، فتنزل حيث تشاء منها، ثم يدخل سائر الأمم، قال الله تعالى: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ثواب المطيعين.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣١).
(٢) "منها ثم يدخل سائر الأمم" ساقطة من "ت".
الزمر 39:75
﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.
[٧٥] ثم وصف حال الملائكة فقال: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ أي: محيطين بجوانبه.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد؛ لأن التكليف يزول في ذلك اليوم.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين جميع الخلائق.
﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل، فيدخل المؤمن الجنة، والكافر النار.
﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والقائلون هم المؤمنون؛ شكرًا لله حين تم وعده لهم، وقد فتح الله أول الخلق بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وختم القيامة بالحمد في هذه الآية؛ للإيذان أن يحمد تعالى في أول كل أمر وخاتمته، والله أعلم. سُوْرَةُ غَافِر
مكية بإجماع، وقد روي في بعض (١) آياتها أنها مدنية، وذلك ضعيف، والأول أصح، وآيها: خمس وثمانون آية، وحروفها: أربعة آلاف وتسع مئة وستون حرفًا، وكلمها: ألف ومئة وتسع وتسعون كلمة.
روى أنس عن النبي - ﷺ -: "أن الحواميمَ ديباجُ القرآن" (٢)، ومعنى العبارة أنها خلت من الأحكام، وقصرت على المواعظ والزجر وطرق الآخرة محضًا، وأيضًا فهي قصار لا يلحق قارئها فيها سآمة.
وعن عبد الله بن مسعود: أن النبي - ﷺ - قال: "من أراد أن يرتعَ في رياض مؤنقةٍ من الجنة، فليقرأ الحواميم" (٣).
وعن ابن عباس قال: "لكل شيء لُباب، ولُباب القرآن الحواميم" (٤).
(١) "بعض" ساقطة من "ت".
(٢) رواه أبو الشيخ، وأبو نعيم، والديلمي، كما ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٦٩). ورواه الحاكم في "المستدرك" (٣٦٣٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٧١)، عن ابن مسعود موقوفًا عليه من قوله.
(٣) رواه ابن الضريس في "فضائل القرآن" كما ذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٦٩).
(٤) رواه القاسم بن سلام في "فضائل القرآن" (ص: ١٣٨).