Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — غافر 40:1 – الأحقاف 46:34

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. غافر 40:1
  2. غافر 40:2
  3. غافر 40:4
  4. غافر 40:5
  5. غافر 40:6
  6. غافر 40:8
  7. غافر 40:10
  8. غافر 40:12
  9. غافر 40:14
  10. غافر 40:16
  11. غافر 40:18
  12. غافر 40:21
  13. غافر 40:22
  14. غافر 40:25
  15. غافر 40:27
  16. غافر 40:29
  17. غافر 40:32
  18. غافر 40:33
  19. غافر 40:35
  20. غافر 40:37
  21. غافر 40:38
  22. غافر 40:40
  23. غافر 40:42
  24. غافر 40:44
  25. غافر 40:45
  26. غافر 40:47
  27. غافر 40:48
  28. غافر 40:51
  29. غافر 40:53
  30. غافر 40:56
  31. غافر 40:57
  32. غافر 40:59
  33. غافر 40:61
  34. غافر 40:63
  35. غافر 40:65
  36. غافر 40:67
  37. غافر 40:69
  38. غافر 40:72
  39. غافر 40:75
  40. غافر 40:78
  41. غافر 40:79
  42. غافر 40:80
  43. غافر 40:83
  44. غافر 40:85
  45. فصلت 41:1
  46. فصلت 41:4
  47. فصلت 41:6
  48. فصلت 41:9
  49. فصلت 41:11
  50. فصلت 41:12
  51. فصلت 41:13
  52. فصلت 41:15
  53. فصلت 41:16
  54. فصلت 41:18
  55. فصلت 41:21
  56. فصلت 41:23
  57. فصلت 41:26
  58. فصلت 41:29
  59. فصلت 41:30
  60. فصلت 41:33
  61. فصلت 41:35
  62. فصلت 41:37
  63. فصلت 41:39
  64. فصلت 41:41
  65. فصلت 41:43
  66. فصلت 41:45
  67. فصلت 41:46
  68. فصلت 41:48
  69. فصلت 41:50
  70. فصلت 41:51
  71. فصلت 41:53
  72. الشورى 42:1
  73. الشورى 42:3
  74. الشورى 42:4
  75. الشورى 42:6
  76. الشورى 42:8
  77. الشورى 42:9
  78. الشورى 42:11
  79. الشورى 42:12
  80. الشورى 42:13
  81. الشورى 42:14
  82. الشورى 42:15
  83. الشورى 42:16
  84. الشورى 42:18
  85. الشورى 42:20
  86. الشورى 42:22
  87. الشورى 42:23
  88. الشورى 42:24
  89. الشورى 42:25
  90. الشورى 42:26
  91. الشورى 42:28
  92. الشورى 42:29
  93. الشورى 42:31
  94. الشورى 42:32
  95. الشورى 42:34
  96. الشورى 42:36
  97. الشورى 42:38
  98. الشورى 42:41
  99. الشورى 42:44
  100. الشورى 42:46
  101. الشورى 42:49
  102. الشورى 42:50
  103. الشورى 42:52
  104. الشورى 42:53
  105. الزخرف 43:1
  106. الزخرف 43:3
  107. الزخرف 43:6
  108. الزخرف 43:9
  109. الزخرف 43:11
  110. الزخرف 43:13
  111. الزخرف 43:15
  112. الزخرف 43:18
  113. الزخرف 43:20
  114. الزخرف 43:21
  115. الزخرف 43:24
  116. الزخرف 43:25
  117. الزخرف 43:28
  118. الزخرف 43:32
  119. الزخرف 43:33
  120. الزخرف 43:35
  121. الزخرف 43:36
  122. الزخرف 43:37
  123. الزخرف 43:40
  124. الزخرف 43:42
  125. الزخرف 43:46
  126. الزخرف 43:48
  127. الزخرف 43:50
  128. الزخرف 43:52
  129. الزخرف 43:54
  130. الزخرف 43:57
  131. الزخرف 43:59
  132. الزخرف 43:62
  133. الزخرف 43:64
  134. الزخرف 43:68
  135. الزخرف 43:70
  136. الزخرف 43:73
  137. الزخرف 43:76
  138. الزخرف 43:79
  139. الزخرف 43:81
  140. الزخرف 43:84
  141. الزخرف 43:86
  142. الزخرف 43:88
  143. الدخان 44:1
  144. الدخان 44:4
  145. الدخان 44:5
  146. الدخان 44:8
  147. الدخان 44:11
  148. الدخان 44:14
  149. الدخان 44:18
  150. الدخان 44:21
  151. الدخان 44:24
  152. الدخان 44:26
  153. الدخان 44:30
  154. الدخان 44:34
  155. الدخان 44:38
  156. الدخان 44:39
  157. الدخان 44:43
  158. الدخان 44:46
  159. الدخان 44:50
  160. الدخان 44:53
  161. الدخان 44:57
  162. الجاثية 45:1
  163. الجاثية 45:4
  164. الجاثية 45:6
  165. الجاثية 45:8
  166. الجاثية 45:10
  167. الجاثية 45:13
  168. الجاثية 45:15
  169. الجاثية 45:17
  170. الجاثية 45:19
  171. الجاثية 45:22
  172. الجاثية 45:23
  173. الجاثية 45:24
  174. الجاثية 45:25
  175. الجاثية 45:28
  176. الجاثية 45:30
  177. الجاثية 45:33
  178. الجاثية 45:35
  179. الجاثية 45:37
  180. الأحقاف 46:1
  181. الأحقاف 46:3
  182. الأحقاف 46:5
  183. الأحقاف 46:8
  184. الأحقاف 46:9
  185. الأحقاف 46:10
  186. الأحقاف 46:11
  187. الأحقاف 46:13
  188. الأحقاف 46:15
  189. الأحقاف 46:16
  190. الأحقاف 46:17
  191. الأحقاف 46:18
  192. الأحقاف 46:19
  193. الأحقاف 46:20
  194. الأحقاف 46:21
  195. الأحقاف 46:22
  196. الأحقاف 46:24
  197. الأحقاف 46:26
  198. الأحقاف 46:27
  199. الأحقاف 46:28
  200. الأحقاف 46:30
  201. الأحقاف 46:32
  202. الأحقاف 46:33
  203. الأحقاف 46:34

غافر 40:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾ [١] ﴿حم﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف (١)، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بإمالة الحاء محضًا، وقرأ ورش عن نافع: بإمالتها بين اللفظين، واختلف عن أبي عمرو، فروي عنه بين اللفظين، والفتح، والوجهان صحيحان عنه، وقرأ الباقون، وهم: ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم، وقالون عن نافع، وهشام عن ابن عامر: بالفتح، وأبو جعفر: يقطع الحروف على أصله، وكذا اختلافهم في بقية الحواميم، وقد تقدم الكلام في الحروف المقطعة في أوائل السور، ويختص هذا المحل بقول آخر: أن هجاء (حُمَّ) بضم الحاء وشد الميم المفتوحة (٢) (٣)؛ كأنه يقول: حتم الأمر (٤)، ووقع، وقال ابن عباس: " (الر) و (حم) و (ن) هي حروف (الرحمن) مقطعة في سور (٥)، وروي أنه (١) "وخلف" ساقطة من "ت". (٢) في "ش": "مفتوحة". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٧٠ - ٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٥). (٤) في "ت": "حُمَّ الأرض". (٥) رواه الطبري في "تفسيره" (١٥/ ١٠)، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٣)، والتعليق الآتي عند تفسير الآية (١) من سورة الشورى.

غافر 40:2

اسم الله الأعظم، أقسم بحلمه وملكه، وقيل: الأقرب هاهنا أن يقال: (حم) اسم السورة. ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾. [٢] ﴿حم﴾ مبتدأ، خبره ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ والتقدير: أن هذه السورة المسماة بحم تنزيلُ الكتاب من الله. ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا مثل له ﴿الْعَلِيمِ﴾ بكل المعلومات. ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾. [٣] ﴿غَافِرِ﴾ أي: ساتر ﴿الذَّنْبِ﴾ للمؤمنين، والذنب: مأخوذ من الشيء الدنيء الرذل، ومنه ذَنَبُ كل شيء؛ أي: آخره ﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ لهم؛ أي: التوبة، مصدر تاب يتوب توبًا ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ للمشركين. ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ أي: ذي التطول (١) والمن بكل نعمة، فلا خير إلا منه، فترتب في هذه الآية وعيد بين ضدين، وهكذا رحمة الله تغلب غضبه، وقال ابن عباس: "الطَّول: السعة والغنى" (٢)، ثم صدع بالتوحيد في قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وبالبعث والحشر في قوله: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي المطيع والعاصي. (١) "أي: ذي التطول" زيادة من "ت". (٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٦٤)، وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٤/ ٥٤٦).

غافر 40:4

﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (٤)﴾. [٤] ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: في دفعها بالباطل. ﴿إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بقولهم مرة: إنه سحر، ومرة: إنه قول الكهنة، ومرة: هو أساطير الأولين (١)، ومرة: إنما يعلمه بشر، وأشباه هذا، أما الجدال فيه لحل عقده، واستنباط حقائقه، وتقرير الحق فيه، فمن أعظم الطاعات. روي أن رسول الله - ﷺ - سمع قومًا يتمارون فقال: "إنما هلكَ مَنْ كان قبلكم بهذا، ضربوا كتابَ الله بعضَه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدِّقُ بعضُه بعضًا، فلا تكذبوا بعضَه ببعض، فما علمتم منه فقولوا، وما جهلتم فكِلوه إلى عالمه" (٢). ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ﴾ يا محمد ﴿تَقَلُّبُهُمْ﴾ تصرُّفهم للتجارة. ﴿فِي الْبِلَادِ﴾ فإنهم إن تمتعوا بزخارف الدنيا، فإنهم يعذبون في الآخرة. (١) "الأولين" ساقطة من "ت". (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٨٥)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٣٦٧)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (٢٩٩٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٢٥٨)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.

غافر 40:5

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (٥)﴾. [٥] لأنهم كذبوك كما ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﴿وَالْأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا على أنبيائهم، وكفروا بهم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد قوم نوح. ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ كافرة ﴿بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: ليقتلوه. ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ بالشرك، والباطل: ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة، إما لانعدام الأهلية، أو لانعدام الحِلِّية (١)؛ كبيع الخمر وبيع الصبي. ﴿لِيُدْحِضُوا﴾ ليزيلوا ﴿بِهِ الْحَقَّ﴾ الإسلام. ﴿فَأَخَذْتُهُمْ﴾ بالإهلاك ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ فإنكم تمرون على آثارهم، وهذا تهديد لكفار مكة. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (فَأَخَذْتُهُمْ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام (٢)، وقرأ يعقوب: (عِقَابِي) بإثبات الياء، والباقون بحذفها (٣). (١) في "ت": "المحلية". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٦). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٦).

غافر 40:6

﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾. [٦] ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أي: العذاب ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من قومك، كما حقت على الأمم المكذبة. ﴿أَنَّهُمْ﴾ أي: بأنهم ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ سكانها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (كَلِمَاتُ رَبِّكَ) بألف بعد الميم على الجمع، والباقون: بغير ألف على التوحيد، وهي للجنس (١). ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾. [٧] ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ من الحافين به، وهم الكَرُوبيُّون سادة الملائكة. قال ابن عباس: "حملةُ العرش ما بين كعبِ أحدهم إلى أسفل قدميه مسيرةُ خمس مئة عام، وهم خشوع، لا يرفعون طرفهم، وهم أشد خوفًا من أهل السماء [السابعة، وكل أهل سماء أشدُّ خوفًا من أهل السماء] (٢) التي دونها". (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٦ - ٣٧). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان الملك الحي الذي لا يموت، سبوح قدوس رب الملائكة والروح. روي أن حملة العرش ثمانية، فأربعة منهم يقولون: [سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على حكمك بعد علمك، وأربعة منهم يقولون] (١): سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد قدرتك (٢)، وكأنهم يرون ذنوب بني آدم. وروي أن حول العرش سبعين ألف صف من الملائكة يطوفون ويحمدون مسبحين بحمد ربهم (٣) ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ تعالى أنه واحد (٤) لا شريك له. ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ أي: وسعتْ رحمتُك وعلمك كل شيء، ونصبه على التمييز. ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ دينَ الإسلام. (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٦١)، عن شهر بن حوشب. ورواه أبو الشيخ في "العظمة" (٣/ ٩٥٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٣/ ٥٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٦٤)، عن هارون بن رئاب. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٦). (٤) "واحد" زيادة من "ت".

غافر 40:8

﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ احفظهم عنه. قرأ رويس عن يعقوب بخلاف عنه: (وَقِهِمُ) بضم الهاء (١). قال مطرف: أنصحُ عباد الله للمؤمنين الملائكةُ، وأغشُّ الخلقِ للمؤمنين هم الشياطين، وتلا هذه الآية (٢). ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨)﴾. [٨] ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ إياها. ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ عطف على (هم) في (وَأَدْخِلْهُمْ)؛ أي: أدخل معهم هؤلاء؛ ليتم سرورهم. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يمتنع عليه مقدور ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يفعله. ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾. [٩] ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ﴾ ادفعْ عنهم العقوبات يوم القيامة، والمعنى: (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٧). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٣٥٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٢/ ٢٠٨)، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٦)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٢٧٦).

غافر 40:10

وقهم ما يسوؤهم. قرأ رويس عن يعقوب: (وَقِهُمُ السَّيَّئَاتِ) بضم الهاء والميم، والباقون: بكسرهما (١). ﴿وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيمًا لا ينقطع. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠)﴾ [غافر: ١٠]. [١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ﴾ عند دخولِ النار ورؤيتِهم أعمالَهم الخبيثةَ ومقتِهم أنفسَهم. ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ المعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: لمقتُ الله أنفسَكم حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون أشدُّ مما تمقتونها اليوم وأنتم في النار. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾. [١١] ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ﴾ أي: إماتتين: الأولى: أن خلقوا في أصلاب آبائهم مواتًا، والثانية: عند انقضاء آجالهم. ﴿وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ إحياءتين: الأولى: الخروج من البطن، والثانية: البعث يوم القيامة. (١) انظر: المصادر السابقة.

غافر 40:12

﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا﴾ بكفرنا بالبعث. ﴿فَهَلْ﴾ لنا (١). ﴿إِلَى خُرُوجٍ﴾ من النار والرجوع إلى الدنيا لنطيع ربنا (٢). ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريق. ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾. [١٢] ﴿ذَلِكُمْ﴾ تعليل في المعنى؛ أي: الذي أنتم فيه من العذاب. ﴿بِأَنَّهُ﴾ أي: بسبب أنكم ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ بالتوحيد ﴿كَفَرْتُمْ﴾ وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥]. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ معبودكم ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك المشرك. ﴿فَالْحُكْمُ﴾ اليوم بعذابكم وتخليدكم في النار ﴿لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ لا لتلك التي كنتم تشركونها معه في الألوهية، والْعَلِيُّ الْكَبِيرُ صفتا مدح من صفاته تعالى. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾. [١٣] ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ الدالةَ على وحدانيته. (١) "لنا" ساقطة من "ت". (٢) "ربنا" زيادة من "ت".

غافر 40:14

﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ أي: مطرًا هو سبب الأرزاق. ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ﴾ يتعظ ﴿إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ يرجع عن الشرك. ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إخلاصَكم. ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾. [١٥] ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ أي: رافع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة. ﴿ذُو الْعَرْشِ﴾ خالقُه. ﴿يُلْقِي الرُّوحَ﴾ ينزل الوحي، سماه روحًا؛ لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح ﴿مِنْ أَمْرِهِ﴾ من قضائه ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الأنبياء. ﴿لِيُنْذِرَ﴾ قراءة العامة: بالغيب؛ أي: لينذر النبي بالوحي، وقرأ روح عن يعقوب من رواية زيد: (لِتُنْذِرَ) بالخطاب (١)؛ أي: لتنذر أنت يا محمد. ﴿يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ هو يوم القيامة؛ لأن الخلائق تلتقي فيه. قرأ نافع، وأبو جعفر بخلاف عن الثاني وعن قالون راوي الأول: (التَّلاَقِي) (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٨)، وذكرها ابن خالويه في "القراءات الشاذة" (ص: ١٣٢) عن ابن السَّمَيْفع.

غافر 40:16

و (التَّنَادِي) بإثبات الياء فيهما وصلًا، وأثبتها (١) ابن كثير ويعقوب فيهما وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون فيهما في الحالين (٢). ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾. [١٦] ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾ خارجون من قبورهم في بَراز من الأرض، ينظرُهم البصر، لا تسترهم أَكَمَةٌ ولا غيرها، ونصب (يَوْمَ) على البدل من الأول، فهو نصب لمفعول ﴿لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ﴾ في الدارين ﴿مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ من أعمالهم وأحوالهم، فبعد فناء الخلق يقول تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فلم يُجَبْ، فيجيب نفسه تعالى بقوله: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ الذي قهر الخلق بالموت. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾. [١٧] ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ يُجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته. (١) في "ت": "وأثبتهما". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٣٨ - ٣٩).

غافر 40:18

﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ بنقص الثواب وزيادة العقاب، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ يحاسبهم في وقت واحد، فلا يشغله حساب عن حساب. ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ خَوِّفْهم ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ القيامة، سميت به؛ لأزفها؛ أي: قربها، نظيره: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]؛ أي: قربت القيامة. ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ وذلك أنها تزول عن أماكنها من الخوف حتى تصير إلى الحناجر ﴿كَاظِمِينَ﴾ مكروبين. ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ﴾ قريب ينفعهم ﴿وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ فيشفع لهم. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾. [١٩] ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ﴾ أي: خافية ﴿الْأَعْيُنِ﴾ هي استراقُ النظر إلى محرم؛ كفعل أهل الريب ﴿وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ تضمره القلوب. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ يحكم بالعدل.

غافر 40:21

﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ وهم الأصنام ﴿لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ لعجزهم. قرأ نافع، وهشام عن ابن عامر: (تَدْعُونَ) بالخطاب على معنى: قل لهم يا محمد: والذين تدعون أنتم، والباقون: بالغيب على ذكر الغائب. ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ صفتان بَيَّنَ عُرُوَّ الأصنام عنهما، وهي عبارة عن الإدراك على إطلاقه. ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾. [٢١] ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كعاد وثمود. ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ قرأ ابن عامر: (أَشَدَّ مِنْكُمْ) بالكاف، وكذا هو في المصحف الشامي، والباقون: بالهاء، وكذا هو في مصاحفهم (١). ﴿قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى: ألم يعتبروا بمن قبلهم؟ كانوا أشد منهم بأسًا وأجسادًا، وأحصن قصورًا، فكفروا. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فأهلكهم. ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ يدفع عنهم العذاب. قرأ ابن كثير: (وَاقِي) (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٠).

غافر 40:22

و (هَادِي) بإثبات الياء وقفًا، وروي ذلك عن يعقوب (١). ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ فكذبوهم. ﴿فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ﴾ متمكن مما يريده. ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهذا كله وعيد لقريش. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣)﴾. [٢٣] ثم ابتدأ تعالى قصة موسى -عليه السلام- مع فرعون وملئه، وهي قصة فيها للنبي - ﷺ - تسلية وأسوة، وفيها لقريش وعيد ومثال يخافون منه أن يحل بهم ما حل بأولئك من النقمة، وفيها وعد للمؤمنين بالنصر والظفر، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ وهي المعجزات. ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ برهان ظاهر. ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ﴾ في أمر العصا. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٠ و ٤٥).

غافر 40:25

﴿كَذَّابٌ﴾ في قوله: إنه رسول من الله، وخص هامان وقارون بالذكر؛ تنبيهًا على مكانهما من الكفر، ولكونهما أشهر رجال فرعون. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ أي: أعيدوا القتل الذي كان أولًا عند مولد موسى عليه السلام. ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ عبارة وجيزة تعطي قوتها أن هؤلاء الثلاثة لم يقدرهم الله تعالى على قتل أحد من بني إسرائيل، ولا نجحت لهم فيه سعاية، بل أضل الله سعيهم وكيدهم. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لقومه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ لأنهم كانوا يكفونه عن قتله ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الذي يزعم أنه أرسله، هل يمنعه من القتل؟ ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ يغير ما أنتم عليه ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ فساد دينكم ودنياكم بما يحدث عليكم (١) بسبب إيمانكم من قتل وغيره. قرأ ابن كثير: (ذَرُونيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها، [وقرأ (١) في "ت": "منكم". نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١)] (٢)، وقرأ الكوفيون ويعقوب: (أَوْ أَنْ) بزيادة ألف مفتوحة قبل الواو، وبإسكان الواو، وكذلك هي في مصاحف الكوفة، وقرأ الباقون: بالواو مفتوحة ليس قبلها ألف، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (يُظْهِرَ) بضم الياء وكسر الهاء (الفَسَادَ) بالنصب مفعولًا؛ أي: يحدث موسى الفساد، وقرأ الباقون: بفتح الياء والهاء (الفَسَادُ) بالرفع فاعلًا (٣)، فصار حفص عن عاصم ويعقوب على أصل واحد، وهو زيادة الألف قبل الواو، وضم الياء من (يُظْهِرَ) ونصب (الفَسَادَ)، ونافع، وأبو جعفر وأبو عمرو على أصل، وهو إسقاط الألف وضم الياء من (يُظْهِرَ) ونصب (الفَسَادَ)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم على أصل، وهو زيادة الألف قبل الواو، وفتح الياء من (يَظْهَرَ) ورفع (الفَسَادُ)، وابن كثير، وابن عامر على أصل، وهو إسقاط الألف، وفتح الياء من (يَظْهَرَ)، ورفع (الفَسَادُ)، فعلى القراءة بالواو وبغير ألف قبلها: خاف عليهم تبديل دينهم والفساد، وعلى القراءة بالألف قبل الواو: خاف عليهم تبديل دينهم. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤١). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٦٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤١ - ٤٢).

غافر 40:27

﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾ لما سمع قولَ فرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ لجهله. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (عُذتُّ) بإدغام الذال في التاء، والباقون: بالإظهار، بخلاف عن أبي جعفر (١). ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ وهو ابن عمه، واسمه خربيل، وقيل غيره، وهو الذي حكى الله عنه: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: ٢٠]، وكان قد آمن بموسى وهو ﴿يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ حكى ابن عطية في "تفسيره" (٢) عن أبيه: أنه سمع أبا الفضل ابن الجوهري على المنبر يقول وقد سئل أن يتكلم في شيء من فضائل الصحابة، فأطرق قليلًا، ثم رفع رأسه فقال: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٢). (٢) في "المحرر الوجيز" (٤/ ٥٥٥). عَنِ المرءِ لاتسألْ وسَلْ عن قرينهِ؍ فكلُّ قرينِ بالمقارنِ يقتدي؍ ماذا ترون من قوم قرنهم الله تعالى بنبيه، وخصهم بمشاهدته، وتلقي الوحي منه، وقد أثنى الله -عز وجل- على رجل مؤمن من آل فرعون كتم إيمانه وأسره، فجعله تعالى في كتابه، وأثبت ذكره في المصاحف لكلامٍ قاله في مجلس من مجالس الكفر، وأين هو من عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذ جرد سيفه بمكة وقال: والله لا أعبد الله سرًّا بعد هذا اليوم، انتهى. ﴿أَتَقْتُلُونَ﴾ ظلمًا بلا دليل ﴿رَجُلًا أَنْ﴾ أي: لأن. ﴿يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي: بما يدل على صدقه، ثم فصل شأن موسى بقوله: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ أي: ضرر كذبه. قرأ أبو عمرو: (وَإِنْ يَك كَّاذِبًا) بإدغام الكاف في الكاف، وقرأ الباقون: بالإظهار (١)؛ لنقصان الحرفين بعدها (٢) من الكلمة مع قلة حروفها. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ به من العذاب عاجلًا، وبذلك المقدار تهلكون. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ على الله. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٣). (٢) "بعدها" زيادة من "ت".

غافر 40:29

﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾. [٢٩] ثم استعطفهم بقوله: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي: غالبين في أرض مصر. ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ يمنعنا من عذابه. ﴿إِنْ جَاءَنَا﴾ إذا قتلتم أولياءه. فثَمَّ ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ إضرابًا عن مجادلة المؤمن انقطاعًا لقومه: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ أي: ما أشير عليكم إلا بما أشير به على نفسي، وهو قتل موسى. ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ﴾ أدعوكم ﴿إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ طريقَ الفلاح. ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ﴾ أي: أيام ﴿الْأَحْزَابِ﴾ لأنه كان لكل حزب يوم. وتقدم اختلاف القراء في فتح الياء وإسكانها من (إِنِّي أَخَافُ). ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (٣١)﴾. [٣١] ﴿مِثْلَ دَأْبِ﴾ عطف بيان لـ (مثل) قيل: أي: مثل عادة.

غافر 40:32

﴿قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ كقوم لوط، المعنى: أخاف عليكم مثل جزاء عادة من كفر قبلكم أن يحل بكم مثلهم. ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ لأنه عادل، فلا يهلكهم قبل ثبوت الحجة عليهم، وهذا أبلغ من قوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ لأنه نفى إرادة ظلمٍ ما. قرأ أبو عمرو: (يُرِيد ظُّلْمًا) بإدغام الدال في الظاء (١). ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ يومَ ينادي الناس بعضُهم بعضًا في القيامة، وهو يوم الأعراف، فينادي أصحاب الجنة أصحاب النار، وبالعكس، وينادى: ألا إن فلانَ بن فلان سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، [وأن فلان بن فلان شقي شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا] (٢)، وينادى حين يُذبح الموت: يا أهل الجنة! خلود فلا موت، ويا أهل النار! خلود فلا موت. قرأ ابن عامر: (يَوْمَ التَّنَادِّ) بتشديد الدال؛ أي: يوم التنافر، وذلك أنهم هربوا، فندوا في الأرض كما تندُّ الإبل إذا شردت عن أربابها، قاله البغوي (٣). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٤). (٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٣) في "تفسيره" (٤/ ٤٢)، والقراءة عنده وعند ابن جني في "المحتسب" (٢/ ٢٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٤) ذكرت عن ابن عباس.

غافر 40:33

﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ منصرفين عن موقف الحساب إلى النار، وقيل: هاربين من النار إذا لفحهم زفيرها. ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه ﴿مِنْ عَاصِمٍ﴾ مانع. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ وتقدم اختلاف القراء في الوقف على الياء من (التَّنَادِي) و (هَادِي). ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ﴾ وهو ابن يعقوب -عليهما السلام-، بعث إلى القبط ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل موسى -عليه السلام- ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالدلالات على صدقه، وهو قوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ من الدين. ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ مات ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ أي: أقمتم على كفركم، وظننتم أن الله لا يجدد عليكم الحجة، فلم تزالوا كافرين بيوسف وغيره.

غافر 40:35

﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كهذا الإضلال ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ في الأمور، متعدٍّ الطورَ ﴿مُرْتَابٌ﴾ شاكٌ؛ لغلبة الوهم، والانهماك في التقليد. ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾. [٣٥] ثم أنحى لهم على قوم صفتُهم موجودة في قوم فرعون، فكأنه أرادهم، فزال عن مخاطبتهم حسنَ أدب واستجلابًا، فقال: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ بالإبطال لها والرد ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ برهان. ﴿أَتَاهُمْ كَبُرَ﴾ جدالُهم ﴿مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ﴾ يختم ويحجب عن الهدى ﴿عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن عامر بخلاف عنه: (قَلْبٍ) بالتنوين (مُتكبِّرٍ) صفته، نسب الكبر إلى القلب، والمراد: صاحبُه، وقرأ الباقون: بغير تنوين بإضافة (قَلْبِ) إلى (مُتكبَّرٍ) (١)، ومتى تكبر القلب، تكبر صاحبه، وبالعكس. ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لوزيره: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ بناء ظاهرًا عاليًا لا يخفى على الناظر وإن بعد، وأصلُه من التصريح، وهو الإظهار. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٥).

غافر 40:37

﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ﴾ ما أتوصل به إلى نيل مرادي. قرأ الكوفيون ويعقوب: (لَعَلِّي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (١). ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ طرقَها وأبوابها ﴿فَأَطَّلِعَ﴾ قرأ حفصٌ عن عاصم: (فَأَطَّلِعَ) بنصب العين على جواب (لعل)، لأنها هنا بمعنى التمني، وقرأ الباقون: برفعها عطفًا على (أَبْلُغُ) (٢)، المعنى: لعلي أبلغ ما يوصلني إلى السماء، فأطلع ﴿إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ لأنظر ما هو. ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ﴾ يعني: موسى ﴿كَاذِبًا﴾ في أن له إلهًا غيري، قال فرعون ذلك تمويهًا، وتقدم ذكر قصة الصرح في سورة القصص. ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ﴾ قرأ الكوفيون، ويعقوب: (وَصُدَّ) بضم الصاد مجهولًا نسقًا على قوله (زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ) (٣)، قال ابن (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٦). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٦). وذكر البغوي أن قراءة (فأطلعَ) بالنصب، هي قراءة حميد الأعرج أيضًا. (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٣٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٧).

غافر 40:38

عباس: "صدَّه اللهُ عن سبيل الهدى" (١)، وقرأ الباقون: بالفتح معلومًا؛ أي: صَدَّ فرعونُ الناسَ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ سبيلِ الرشاد. ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ﴾ في إبطال آيات موسى. ﴿إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ هلاك وخسران. ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ طريق الهدى. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون عن نافع: (اتّبِعُوني) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢). ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ تُمتعون بها يسيرًا، ثم تزول. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٤). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٧ - ٤٨).

غافر 40:40

﴿وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ الإقامة، فليُعْتَدَّ لها. ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ وهو النار إن لم يتب. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ والصالح: الطاعات. ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ رزقًا واسعًا بلا تبعة. قرأ نافع، وابن عامر (١)، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (يَدْخُلُونَ) بفتح الياء وضم الخاء، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الخاء (٢). ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾ من النار بالتوحيد. قرأ الكوفيون، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر: (مَا لِي) بإسكان الياء، (١) "وابن عامر" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧١)، و"التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٨ - ٤٩).

غافر 40:42

والباقون: بفتحها (١)، وأبو عمرو يدغم الميم في الميم من (يَا قَوْم مَّا لِي) (٢) ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ بالإشراك، كرر نداءهم؛ إيقاظًا لهم عن سنة الغفلة، ومبالغة في توبيخهم على ما يقابلون به نصحه. ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (٤٢)﴾. [٤٢] ثم فسر فقال: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ بربوبيته. ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ﴾ في انتقامه ممن كفر. ﴿الْغَفَّارِ﴾ لذنوب أهل التوحيد. قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَأَنَا أَدْعُوكُمْ) بالمد (٣). ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿لَا جَرَمَ﴾ قرأ حمزة: (لاَ جَرَمَ) بالمد بحيث لا يبلغ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٩). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٩). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٩).

غافر 40:44

الإشباع (١)، يعني: حقًّا ﴿أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ لأعبده. ﴿لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ﴾ إلى نفسه قط بالعبادة. ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لعجزه. ﴿وَلَا فِي الْآخِرَةِ﴾ ينتفع بها. ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ﴾ فيجازي كلًّا بما يستحقه. ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ﴾ المشركين ﴿هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ ملازموها. ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿فَسَتَذْكُرُونَ﴾ إذا نزل بكم العذاب ﴿مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ من النصيحة، فثَمَّ توعدوه لمخالفته دينَهم، فقال: ﴿وَأُفَوِّضُ﴾ أردُّ ﴿أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ معتمدًا عليه. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (أَمْرِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعلم المحق من المبطل. (١) انظر: المصدرين السابقين. (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٠).

غافر 40:45

﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾. [٤٥] ثم خرج المؤمن من بينهم، فقصدوا قتله. ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ به، فنجا مع موسى. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ الغرقُ في الدنيا، والنار في الآخرة. ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾. [٤٦] وذلك قوله: ﴿النَّارُ﴾ وهي رفع على البدل من (سُوءُ الْعَذَابِ). ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ أي: يُحرقون بها نحو: عُرض القوم على السيف؛ أي: قتلوا به. ﴿غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ صباحًا ومساءً. قال ابن مسعود: "أرواحُ آلِ فرعونَ في أجوافِ طيرٍ سود يُعرضون على النار كلَّ يوم مرتين حتى تقوم الساعة" (١). ثم أخبر عن مستقرهم يوم القيامة فقال: (١) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١٨٢)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٦٧). ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٤١٦٠)، والطبري في "تفسيره" (٢١/ ٢٩٥) عن الهذيل بن شرحبيل.

غافر 40:47

﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: بوصل همزة (ادْخُلُوا) وضم الخاء، ويبتدئون بضم الهمزة؛ من الدخول؛ أي: يقال لهم: ادخلوا يا آلَ فرعون، فـ (يا) محذوفة، وقرأ الباقون: (أَدْخِلُوا) بقطع الهمزة مفتوحة في الحالين، وكسر الخاء؛ من الإدخال (١)؛ أي: يقال للملائكة: أَدخِلوا ﴿آلَ فِرْعَوْنَ﴾. ﴿أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ فيعاد عليهم الإحراق مرة بعد مرة دائمًا. ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ﴾ أي: اذكر يا محمد لقومك وقتَ تخاصمهم. ﴿فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ﴾ في القدر والمنزلة في الدنيا. ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ وهم أشراف الكفار وكبراؤهم، ولم يصفهم بالكبر إلا من حيث استكبروا، لا أنهم في أنفسهم كبراء ولو كانوا كذلك في أنفسهم، لكانت صفتهم الكبير أو نحوه مما يوجب الصفة لهم. ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ جمعٌ واحدُه تابع؛ أي: كنا نطيعكم في الدنيا. ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ﴾ دافعون ﴿عَنَّا نَصِيبًا﴾ جزءًا ﴿مِنَ النَّارِ﴾؟ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٠ - ٥١).

غافر 40:48

﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ﴾ تنوينُه عوضٌ من المضاف إليه؛ أي: نحن وأنتم جميعًا ﴿فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ فأدخل المؤمن الجنة، والكافر النار. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ﴾ حين اشتدت عليهم. ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ شافعين لنا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا﴾ أي: قدر يوم ﴿مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي: شيئًا منه. ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿قَالُوا﴾ أي: الخزنة؛ توبيخًا: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ قرأ أبو عمرو: (رُسْلُكُمْ) (رُسْلنا) حيث وقع بإسكان السين، والباقون: بضمها (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥١ - ٥٢).

غافر 40:51

﴿قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ لهم تهكمًا بهم: ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم؛ فإنا لا نشفع لكافر، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ هلاك؛ لأنه لا ينفعهم. ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾. [٥١] ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على أعدائهم. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بثبوت حجتهم. ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ جمع شاهد، وهم الحفظة، يقومون يوم القيامة، فيشهدون للرسل بالبلاغ، وعلى الكفار بالتكذيب. ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ قرأ نافع والكوفيون: (يَنْفَعُ) بالياء على التذكير؛ لأن المعذرة والعذر واحد، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث؛ لتأنيث المعذرة (١)، المعنى: لو اعتذروا، لم يقبل عذرهم. ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ البعدُ من الرحمة. ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ الآخرة، وهو شدة عذابها. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٠).

غافر 40:53

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ النبوة والحكمة، والتوراة تعم جميع ذلك. ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ من بعد موسى. ﴿الْكِتَابَ﴾ وهي عبارة عن أن طوائف بني إسرائيل قرنًا بعد قرن تصير فيهم التوراة إمامًا، فكان بعضهم يرثها عن (١) بعض. ﴿هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿هُدًى وَذِكْرَى﴾ إرشادًا وتذكرة. ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ دون الأعمار الذين لا يعقلون. ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذاهم. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ بنصر أوليائه وقهر أعدائه، فكما نصر موسى وأبقى التوراة في إسرائيل، فكذلك ينصرك ويبقي آثارك في أتباعك. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ليُستن بك ﴿وَسَبِّحْ﴾ صلِّ (٢). (١) في "ت": "على". (٢) "صلِّ" زيادة من "ت".

غافر 40:56

﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ الصلوات الخمس، وقيل: صلاة الفجر والعصر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾. [٥٦] ونزل في اليهود لما قالوا للنبي - ﷺ -: إن صاحبنا المسيح ابن داود -يعنون: الدجال- يخرج في آخر الزمان، فيبلغ سلطانه البر والبحر، ويسير معه الأنهار، ويرد الملك إلينا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ (١) برهان ﴿أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ﴾ ما في قلوبهم ﴿إِلَّا كِبْرٌ﴾ أي: تكبر وتعاظُم ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ لأن الله مُذِلُّهم، فليسوا بمدركي مقتضاه. ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ فالتجئ إليه من فتنة الدجال. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لأقوالكم وأفعالكم. وتقدم ذكر ما ورد في الدجال في آخر تفسير سورة الكهف. (١) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٦٨)، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (٧/ ٢٩٤) لعبد بن حميد وقال: بسند صحيح عن أبي العالية، وذكر ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٨٥) نحوه، وقال: هذا قول غريب، وفيه تعسف بعيد، وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه، والله أعلم.

غافر 40:57

﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ابتداءً. ﴿أَكْبَرُ﴾ أعظمُ في الصدور. ﴿مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ مرة ثانية، وهي الإعادة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ الكفار. ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولا توحيده تعالى، وهو توبيخ للكفار. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى﴾ هو الجاهل ﴿وَالْبَصِيرُ﴾ هو العالم ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ وهم المحسنون ﴿وَلَا الْمُسِيءُ﴾ اسم جنس يعم المسيئين، و (لا) زائدة؛ لأنه في مقابلة المؤمنين. ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: تذكرًا (ما) قليلًا يتذكرون، والضمير للناس أو للكفار. قرأ الكوفيون: (تَتَذَكَّرُونَ) بتاءين على الخطاب، وقرأ الباقون: بالغيب (١)؛ لأن أول الآيات وآخرها خبر عن قوم. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٤٥).

غافر 40:59

﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ﴾ القيامة. ﴿لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ لا شك في مجيئها] (١). ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ لا يصدقون بها. ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ اعبدوني. قرأ ابن كثير: (ادْعُونِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢)، وأبو عمرو يدغم اللام في الراء، وكذلك في قوله (وَقَال رَّجُلٌ) وشبهه حيث وقع (٣) ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أُثِبْكم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ صاغرين. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (سَيُدْخَلُونَ) بضم الياء وفتح الخاء مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الخاء معلومًا (٤)، وقيل: الدعاء هو الذكر والسؤال. (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٤). (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٤). (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٥١ - ٥٢)، =

غافر 40:61

عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي - ﷺ -: "مَنْ لم يدعُ الله، غضبَ عليه" (١). ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا﴾ لتستقروا ﴿فِيهِ﴾ بأن خلقه باردًا مظلمًا؛ ليؤدي إلى ضعف المحركات وهدوء الحواس. ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ يبصر فيه، وإسناد البصر إليه مجازي. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ وتنكيره الفضل يؤذن بكثرة فضله تعالى، وشياعه في كل فضل. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ لجهلهم بالمنعم، وفي تكرير (الناس) توبيخ لهم. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ الذي لا يشارك. = و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٤ - ٥٥). (١) رواه الترمذي (٣٣٧٣)، كتاب: الدعوات، باب: (٢)، وابن ماجه (٣٨٢٧)، كتاب: الدعاء، باب: فضل الدعاء.

غافر 40:63

﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ فكيف تصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان؟ ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أُفِكْتُم عن الحق مع قيام الدلائل، كذلك. ﴿يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ولم يتأملوها. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ سقفًا كالقبة. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ قال ابن عباس: "خلق ابن آدم قائمًا معتدلًا، يأكل ويتناول بيده، وغيرُ ابن آدم يتناول بفيه" (١). ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ اللذائذ غير رزق البهائم. ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ فإن كل ما سواه مربوب. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٢).

غافر 40:65

﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿هُوَ الْحَيُّ﴾ الذي لا يموت. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ لا موجود يساويه. ﴿فَادْعُوهُ﴾ فاعبدوه ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ من الشرك. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هو إخبار، وفيه إضمار الأمر، مجازه: فادعوه واحْمدوه. ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٦)﴾. [٦٦] ولما طلب الكفار منه - ﷺ - عبادة الأوثان، نزل: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾ (١) تعبدون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ﴾ دلائل التوحيد ﴿مِنْ رَبِّي﴾ وإن كان منهيًّا عن عبادتها أبدًا عقلًا، فهو مع البينات آكد، ويجوز أنه نهي له - ﷺ -، والمراد غيره، يوضحه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه كان مسلمًا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٥٣).

غافر 40:67

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: أطفالًا، وتعلق (لِتَبْلُغُوا) بمحذوف تقديره: يُبقيكم. ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ تكامُلَ قوتكم، وكذلك. ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (شِيُوخًا) بكسر الشين، والباقون: بضمها (١). ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل الأَشُدّ، ومن قبل أن يصير شيخًا، يفعل ذلك بكم لتعيشوا. ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ وقتًا محددًا، وهو وقت الموت. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ دلائل التوحيد، فتؤمنون. ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أراده. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٦).

غافر 40:69

﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ عقب الإرادة بلا إباء. قرأ ابن عامر: (فَيَكُونَ) بنصب النون، والباقون: بالرفع (١). ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: القرآن، يقولون: ليس من عند الله ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ عن التصديق به؟! ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ القرآن. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من سائر الكتب. ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ (إِذْ) ظرف زمان ماض بمعنى الاستقبال؛ لأن مستقبل فعله تعالى كالماضي في تحققه لـ (يعلمون) ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على (الأَغْلالُ)، فالخبر: (في أعناقهم). ﴿يُسْحَبُونَ﴾ بها. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٦)، و"الكشف" لمكي (١/ ٢٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٧).

غافر 40:72

﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: يُجرون بالسلاسل (١)، ويجرونها في جهنم ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ﴾ بعد جر السلاسل ﴿يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون، فيصيرون سجار جهنم (٢). * * * ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ بعد الإحراق تبكيتًا: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾. * * * ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وهي الأصنام ﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلم نرهم، وذلك قبل أن يقرن بهم آلهتهم. ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أي: تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئًا ينفع ويضر. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: كما أضل هؤلاء. ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ حتى لا يهتدوا. * * * (١) "يجرون بالسلاسل" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "النار".

غافر 40:75

﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب الّذي نزل بكم. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ تبطرون وتتكبرون. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وهو الشرك والطغيان. ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسعون في الفرح وتختالون. * * * ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ السبعة المقسومة لكم. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال مقدرة أي: مقدرين الخلود فيها. ﴿فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ ولم يقل: فبئس مدخل؛ للإعلام أن الغرض من الدخول الإقامة. * * * ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ بنصرك ﴿حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من العذاب وهو القتل والأسر ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل حلول العذاب بهم. ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ يوم القيامة، فنعذبهم أشد العذاب. قرأ يعقوب:

غافر 40:78

(يَرْجِعُونَ) بفتح الياء وكسر الجيم، والباقون: بضم الياء وفتح الجيم (١). * * * ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ خبرَهم في القرآن. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ لم نذكر لك خبرهم. روي أن عدد الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا (٢). وروي أن الله تعالى بعث ثمانية آلاف من بني إسرائيل، وأربعة آلاف من سائر النَّاس (٣). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٨). (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٦٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٧٨٧١)، من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-، قال الهيثمي في "المجمع" (١/ ١٥٩): ومداره على علي بن يزيد، وهو ضعيف. ورواه ابن حبّان في "صحيحه" (٣٦١)، من حديث أبي ذر رضي الله عنه في حديث طويل، وفيه أن عددهم: "مئة ألف وعشرون ألفًا". (٣) رواه أبو يعلى في "المسند" (٤١٣٢). من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-. قال الهيثمي في "المجمع" (٨/ ٢١٠): فيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف جدًّا. وانظر: "تفسير ابن كثير" (١/ ٥٨٧).

غافر 40:79

وعن علي -رضي الله عنه-: "أن الله تعالى بعث نبيًّا أسود، وهو ممّن لم يقصص الله عليه" (١). وتقدم في سورة البقرة أسماء الأنبياء الذين ذكروا في القرآن بأسمائهم، والذين أشير إليهم. ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ﴾ منهم ﴿أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ﴾ تُقترح عليه. ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فإنهم عبيد مربوبون. ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ بنزول العذاب على الكفار ﴿قُضِيَ﴾ بين الرسل عليهم السّلام ومكذبيهم ﴿بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ ثَمَّ ﴿الْمُبْطِلُونَ﴾ المعاندون بعد ظهور الآيات المغنية عما يقترحون. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَمْرُ اللهِ) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ﴾ في سورة الحجِّ [الآية: ٦٥]. ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ هي الأزواج الثمانية المذكورة في سورة الأنعام ﴿لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ بعضًا؛ كالإبل ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ كالغنم والبقر، فـ (منها) الأولى للتبعيض؛ لأنّ المركوب ليس من الأنعام، بل من (١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢١/ ٤١٩). وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٢٢٢).

غافر 40:80

الإبل خاصّة، و (منها) الثانية لبيان الجنس؛ لأنّ الجميع منها يؤكل. * * * ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ في أصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها. ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ﴾ تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد. ﴿وَعَلَيْهَا﴾ أي: على الإبل في البرّ (١) ﴿وَعَلَى الْفُلْكِ﴾ في البحر ﴿تُحْمَلُونَ﴾ نظيره قوله: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: ٧٠]. * * * ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ دلائلَ قدرته ﴿فَأَيَّ﴾ أي: أيَّ آيةٍ من. ﴿آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ فإنها لظهورها لا تقبل الإنكار. * * * ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم السالفة. (١) "في البرّ" زيادة من "ت".

غافر 40:83

﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ﴾ عددًا. ﴿وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ من المصانع والقصور. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ لم ينفعهم ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حين جاءهم عذاب الله، و (ما) الأولى نافية، والثّانية موصولة. * * * ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وهو قولهم: نحن أعلم، لن نبعث، ولن نعذب، سمي ذلك علمًا على ما يزعمونه على طريق التهكم. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: جزاء استهزائهم. * * * ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ شدةَ عذابنا ﴿قَالُوا﴾ بألسنتهم دون قلوبهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ أي: تبرأنا ممّا كنا نعدل بالله. * * *

غافر 40:85

﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ (١) لامتناع قبوله حينئذ. ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ ونصب (سُنَّتَ) مصدر مؤكد؛ أي: سن الله ذلك سنة ماضية في العباد أن الإيمان وقت نزول العذاب لا ينفع، و (سنت) رسمت بالتاء في خمسة مواضع، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي (٢). ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ اسم مكان استعير للزمان؛ فإن قوله: (هُنَالِكَ) إشارة إلى أوقات العذاب؛ أي: ظهر خسرانهم، وحضر جزاء كفرهم، والله أعلم. * * * (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٥٩).

فصلت 41:1

سُوْرَةُ فُصِّلَتْ وتسمى: المصابيح، وهي مكية بإجماع من المفسرين، وآيها: أربع وخمسون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وثلاث مئة وخمسون حرفًا، وكلمها: سبع مئة وست وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾. [١] ﴿حم﴾ تقدّم الكلام في مذاهب القراء، وتفسير (حم) أول سورة غافر، فعلى القول المتقدم بأن (حم) اسم للسورة، يكون مبتدأ. * * * ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾. [٢] خبره ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ صفتا رجاء ورحمة لله. * * * ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾. [٣] ﴿كِتَابٌ﴾ بدل من (تَنْزِيلٌ)، أو خبر بعد خبر ﴿فُصِّلَتْ﴾ بُينت. ﴿آيَاتُهُ﴾ بالأحكام والقصص والمواعظ.

فصلت 41:4

﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ نصب على الاختصاص والمدح؛ أي: أريد بهذا الكتاب المفصل قرآنًا من صفته كيت وكيت. ﴿لِقَوْمٍ﴾ عرب ﴿يَعْلَمُونَ﴾ أنّه منزل (١) بلغتهم فيفهمونه. * * * ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿بَشِيرًا﴾ للعالمين به ﴿وَنَذِيرًا﴾ للمخالفين له، وهما نعتان للقرآن. ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ عن قبوله. ﴿فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ السماعَ النافعَ الّذي يُعتد به سمعًا. * * * ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين. ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ أغطية، جمع كِنان. ﴿مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ فلا نفقه ما تقول. ﴿وَفِي آذَانِنَا﴾ ثقل (٢)، فلا نسمع ما تقول، وإنّما قالوا ذلك، لِيُؤْيِسُوه من قبولهم لدينه، وهو على التمثيل. قرأ الدوري عن الكسائي: (آذَانِنَا) و (آذَانِهِمْ) بإمالة فتحة الذال حيث وقع (٣). * * * (١) في "ت": "نزل". (٢) "ثقل" زيادة من "ت". (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٦٣).

فصلت 41:6

﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ أي: خلاف في الدِّين، فلا نلتفت إلى إنذارك، ولا نؤمن بك ﴿فَاعْمَلْ﴾ يا محمّد في هلاكنا ﴿إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ في مثل ذلك، وقيل: فاعمل أنت على دينك، إننا عاملون على ديننا. * * * ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ (٦)﴾. [٦] ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ملكًا ولا جنيًّا. ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ولولا الوحي ما دعوتكم. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ تعالي، أي: توجهوا إليه بالطاعة، ولا تعدلوا عنه إلى عبادة غيره ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ من ذنوبكم ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾. * * * ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾. [٧] صفتهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ لا يقولون: لا إله إِلَّا الله، وهي زكاة الأنفس، فلا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد. ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وأعاد الضمير في قوله: (هم) تأكيدًا. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾. [٨] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ لا (١) مقطوع ولا منقوص. (١) "لا": ساقطة من "ت".

فصلت 41:9

﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩)﴾. [٩] ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ الأحد والإثنين. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (أَئِنَّكمْ) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثّانية بين الهمزة والياء، وفصل بين الهمزتين بألف: أبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون، واختلف عن هشام، وقرأ الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين (١) ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أشباهًا وأمثالًا. ﴿ذَلِكَ﴾ خالق الأرض ﴿رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الّذي خلق جميع الموجودات. * * * ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أي: في الأرض. ﴿رَوَاسِيَ﴾ أي: جبالًا (٢) ثوابت. ﴿مِنْ فَوْقِهَا﴾ من فوق الأرض مرتفعة عليها ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ بما خلق من المياه والزروع والضروع ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أي: قسم في الأرض الأرزاق (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٦٤). (٢) "جبالًا" زيادة من "ت".

فصلت 41:11

بقدر الحاجة ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ أي: تتمّة أربعة أيّام، المعنى: خلق الأرض في يومين: الأحد والإثنين، وقدر الأقوات في الثلاثاء والأربعاء، فهما مع اليومين المتقدمين أربعة أيّام ﴿سَوَاءً﴾ قرأ أبو جعفر، (سَوَاءٌ) بالرفع على الابتداء؛ أي: هي سواء، وقرأ يعقوب: (سَوَاءٍ) بالكسر صفة لأيام، وقرأ الباقون: بالنصب على المصدر (١)؛ أي: استوت سواء واستواء، ومعناه: سواء ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ عن خلقها بما فيها. * * * ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾. [١١] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ عمد إلى خلقها. ﴿وَهِيَ دُخَانٌ﴾ روي أن العرش كان قبل خلق السَّماء والأرض على الماء، فارتفع من ذلك الماء بخار فسمي دخانًا، فأيبس الله تعالى الماء فجعله أرضًا، ثمّ فتقها أرضين، ثمّ خلق من ذلك البخار السماءَ. ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا﴾ أي: كونا كما أردتُ. ﴿طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ مصدران في موضع الحال. قال ابن عبّاس: "قال تعالى للسماء: أخرجي شمسك ونجومك، وللأرض: شقي أنهارك وأخرجي ثمرك ونباتك، فإن فعلتما ذلك طوعًا، وإلا ألجأتكما أن تفعلاه كرهًا" (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٥٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٦٤ - ٦٥). (٢) رواه الحاكم في "المستدرك" (٧٣)، وعزاه السيوطيّ في "الدر المنثور" =

فصلت 41:12

﴿قَالَتَا أَتَيْنَا﴾ بمن فينا ﴿طَائِعِينَ﴾ هو حال. * * * ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾. [١٢] فلما وصفهما بالقول، أجراهما في الجمع مجرى من يعقل ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ أتمهن؛ يعني: السموات ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ الخميس والجمعة، وفرغ منها في آخر ساعة منه، وفيها -أي: تلك السّاعة- خلق آدم، وفيها تقوم السّاعة، وسمي بالجمعة؛ لاجتماع المخلوقات فيه، وتكاملها، ولما لم يخلق الله تعالى يوم السبت شيئًا، امتنع بنو إسرائيل من الشغل فيه. قال ابن عطية (١): والظاهر من القصص في طينة آدم: أن الجمعة الّتي خلق فيها آدم قد تقدمتها أيّام وجمع كثيرة، وأن هذه الأيَّام الّتي خلق الله فيها المخلوقات هي أول الأيَّام؛ لأنّ بإيجاد الأرض والسماء والشمس والقمر وجد اليوم ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ أي: ما أمر به فيها. ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ كواكب ﴿وَحِفْظًا﴾ نصب بمصدر محذوف؛ أي: وحفظناها حفظًا من استراق السمع والشهب الصادرة عن الكواكب. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ البالغ في القدرة والعلم. = (٧/ ٣١٦) إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الأسماء والصفات". (١) في "المحرر الوجيز" (٥/ ٥).

فصلت 41:13

﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ كفار مكّة عما جئتهم به ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ﴾ خوفتكم. ﴿صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ لأنكم تمرون على آثارهم إذا سافرتم إلى الشّام، والصاعقة: المهلكة من كلّ شيء. * * * ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ﴾ ظرف لـ (أَنْذَرْتُكُمْ)؛ أي: إنَّ كذبتم، يحل بكم ما حل بهم حين جاءتهم ﴿الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ أي: من كلّ جانب ﴿أَلَّا﴾ أي: بأن لا ﴿تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. فثَمَّ ﴿قَالُوا﴾ استخفافًا برسلهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ هدايتَنا ﴿لأَنْزَلَ﴾ بدلَ هؤلاء الرسل ﴿مَلَائِكَةً﴾ فآمنا بهم. ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ لأنكم بشر مثلنا، لا مزية لكم علينا. لطيفة (١): روي أن عتبة بن ربيعة قال لقريش: أنا أستخبر لكم محمدًا، وكان قد قرأ الكتب، وتعلم الكتابة والكهانة، فجاء إلى النّبيّ - ﷺ -، فقال: أنت يا محمّد خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ تشتم آلهتنا وتضللنا، فإن كنت تريد الرياسة، عقدنا لك اللواء، فكنت (١) "لطيفة" ساقطة من "ت".

فصلت 41:15

رئيسنا، وإن تك بك الباءة، زوجناك عشر نسوة، تختار من أي بنات قريش شئت، وإن كان بك حب المال، جمعنا لك ما تستغني به، ورسول الله - ﷺ - ساكت، فلما فرغ قال: "بسم الله الرّحمن الرحيم، وقرأ عليه النّبيّ - ﷺ - هذه السورة، ومر في صدرها حتّى انتهى إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فوثب عتبة، ووضع يده على فم النّبيّ - ﷺ -، وناشده الله أن يسكت، فسكت، وانصرف عنه، فأخبرهم أنّه سمع ما لا يشبه كهانة ولا شعرًا ولا سحرًا، قال: ولقد ظننت أن صاعقة العذاب على رأسي (١). * * * ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا﴾ تعظَّموا ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ بأن استولوا عليها، وأخذوها من أهلها ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ظلمًا ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ نحن ندفعه إذا نزل بنا، وكانوا ذوي أجسام طوال، فكان أحدهم يقتلع الصخرة العظيمة من الجبل يجعلها حيث شاء، قال الله ردًّا عليهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ينكرونها، وهم يعرفون أنّها حق. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٠ - ٦١). وقد رواه أبو نعيم في "دلائل النبوة" (ص: ٢٢١)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٨/ ٢٤٢)، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٢٢٧).

فصلت 41:16

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ عاصفة شديدة الصوت، تُحرق ببردها كحرق النّار بحرها ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (نَحْسَاتٍ) بإسكان الحاء، والباقون: بكسرها (١)؛ أي: نكدات مشؤومات، فأمسك عنهم المطر ثلاث سنين، ودأبت عليهم الريح بلا مطر. ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الذل ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وصف العذاب بالخزي؛ لأنّه حيث حل، حل الخزي معه. ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ أشد ﴿وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ بدفع العذاب عنهم. * * * ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ بينا لهم سبيل الهدى. ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى﴾ الكفر. ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ الإيمان. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٦٦ - ٦٧).

فصلت 41:18

﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الّذي يُهينهم. ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من اختيار الكفر. * * * ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾ [١٨] ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ قرن تعالى بذكرهم ذكرَ من آمن واتقى، ونجاته؛ ليبين الفرق. * * * ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾. [١٩] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ يُجمعون ﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يُحبس أولُهم على آخرهم. قرأ نافع، ويعقوب: (نَحْشُرُ) بالنون وفتحها وضم الشين (أَعْدَاءَ) بالنصب، وقرأ الباقون: بالياء وضمها وفتح الشين، ورفع (أَعْدَاءُ) على البناء للفاعل (١)، وهو الله سبحانه. * * * ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ (ما) زاندة لتأكيد اتصال الشّهادة بالحضور. ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يُنطقها الله تعالى كإنطاق اللسان، فتشهد بما صدر منها. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٦٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٦٩).

فصلت 41:21

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكفار ﴿لِجُلُودِهِمْ﴾ توبيخًا لهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ فعنكن كنا نناضل؟ ﴿قَالُوا﴾ معتذرين: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ له النطق. ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأ يعقوب: (تَرْجِعُونَ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). * * * ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] فأخبر الله تعالى: أن الجلود ترد جوابهم؛ بأن الله الخالق المبدئ المعيد هو الّذي أنطقهم ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ بالحُجب عن ارتكاب الفواحش ﴿أَنْ﴾ أي: لأنّ. ﴿يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ المعنى: لم تستتروا عند ارتكاب الفاحشة خوفَ شهادة جوارحكم عليكم؛ لأنكم لم توقنوا بالبعث. ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم. ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ من الخفيات. * * * (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٠).

فصلت 41:23

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. * * * ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾. [٢٤] ثمّ أخبر الله تعالى عن حالهم فقال: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب. ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ منزل ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العتبى، وهي الرجوعُ عن الإساءة، وطلبُ الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ المجابين. * * * ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ بعثنا ﴿لَهُمْ﴾. ووكلنا ﴿قُرَنَاءَ﴾ نُظَراء من الشّياطين. ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا، وما تقدّم من أعمالهم. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة بقولهم: لا بعث ولا حساب، وما هم عازمون عليه من الأعمال.

فصلت 41:26

﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ بالعذاب ﴿فِي أُمَمٍ﴾ في جملة أمم (١). ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا﴾ أي: جميع المذكورين ﴿خَاسِرِينَ﴾ تعليل لاستحقاقهم العذاب. * * * ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حين قراءته - ﷺ -: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ عارضوه إذا قرئ بإكثار الصياح بالهذيان والخرافات، وإنشاد الأشعار، واللغو: هو الساقط من الكلام. ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ محمدًا على قراءته، فيسكت. * * * ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ النّار. ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أقبح جزاء عملهم. * * * ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ﴾ عطف بيان لجزاء قبل. واختلاف (١) "في جملة أمم" زيادة من (ت).

فصلت 41:29

القراء في الهمزتين من ﴿جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ﴾ كاختلافهم فيهما من قوله: ﴿قَالَتْ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ﴾ في سورة النمل [الآية: ٣٢] ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ الإقامة. ﴿جَزَاءً﴾ مصدر أو حال ﴿بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ ينكرون الحق. * * * ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم في النّار: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ يعنون: إبليس، وقابيل بن آدم الّذي قتل أخاه؛ لأنّهما سنا الكفر والمعصية. قرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم، والسوسي عن أبي عمرو: (أَرْنَا) بإسكان الراء، وروي عن الدوري: اختلاس كسرتها، وقرأ الباقون: بكسر (١) الراء، وكلها لغات بمعنى الرؤية (٢)، وقرأ ابن كثير: (الَّذَيْنِّ) بتشديد النون والمد وتمكين الياء لالتقاء الساكنين، والباقون: بالتخفيف (٣). ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ في النّار ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ فيها جزاء إضلالهم إيانا. (١) في "ت": "بإسكان"، وهو خطأ. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧١). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٢).

فصلت 41:30

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على قولهم، فلم يختل توحيدهم، ولا اضطرب إيمانهم ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ عند الموت بالبشرى ﴿أَلَّا﴾ أي: بأن لا ﴿تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ أَمَنَةٌ عامة في كلّ مهم مستأنف، وتسليةٌ عامة في كلّ فائت ماض، والخوف: غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه؛ من فوات نافع، أو حصول ضار، والمعنى: أن الله كتب لكم الأمن من كلّ غم، فلن تذوقوه أبدًا. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا على لسان الرسل. ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ﴾ يعني: حفظتكم. ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ لا نفارقكم حتّى تدخلوا الجنَّة. ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾ من الكرامات (١). ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ تتمنون. * * * ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿نُزُلًا﴾ رزقًا، ونصبه على المصدر ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾. (١) في "ت": "المكرمات".

فصلت 41:33

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣)﴾. [٣٣] ونزل فيه - ﷺ -: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى توحيده. ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينه وبين ربه، وبينه وبين العباد. ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ معتقدًا ذلك. * * * ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ فالحسنة أفضل، وكرر (لا) في قوله (ولا السَّيِّئَةُ) تأكيدًا؛ ليدلُّ على أن المراد: ولا تستوي الحسنة والسيئة، ولا السيئة والحسنة، فحذفتا اختصارًا، ودلت (لا) على هذا الحذف. ﴿دْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ آية جمعت مكارمَ الأخلاق وأنواعَ الحكم، المعنى: ادفع أمورك وما يعرضك مع النَّاس ومخالطتك لهم بالفعلة أو بالسيرة الّتي هي أحسن الفعلات والسير، فمن ذلك: بذل السّلام، وحسن الأدب، وكظم الغيظ، والسماحة في القضاء والاقتضاء، وغيره. ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ المعنى: إذا فعلت ذلك، صار العدو كالصديق القريب في محبته. روي أنّها نزلت في أبي سفيان بن حرب، وذلك أنّه لأنَّ للمسلمين بعد شدة عداوته بالمصاهرة الّتي حصلت بينه وبين النّبيّ - ﷺ -، ثمّ

فصلت 41:35

أسلم (١) فصار وليًّا بالإسلام، حميمًا بالقرابة، أو نزلت في شأن أبي جهل وإيذائه رسول الله (٢) - ﷺ -، فأمر بالصفح عنه، ونسختها آية القتال (٣). * * * ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا﴾ أي: هذه الخصلة. ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كظم الغيظ. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ في الخير والثواب. * * * ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ (إِمَّا) شرط، وجواب الشرط قوله: ﴿فَاسْتَعِذْ﴾ والنزغ شبهُ النخس، وهو الوسوسة، فكان الشيطان (٤) ينخس الإنسان، ويحركه، ويبعثه على ما لا يحل، المعنى: إنْ صرفك الشيطان بوسوسته عن الخير، فاستعذ ﴿بِاللَّهِ﴾ منه، وهو يعصمك. ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لاستعاذتك ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنيتك. * * * (١) "ثمّ أسلم" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "الرسول". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٦٧)، و"تفسير القرطبي" (١٥/ ٣٦٢). (٤) "فكان الشيطان" زيادة من "ت".

فصلت 41:37

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ لأنّهما مخلوقان مثلكم. ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ الضمير للأربعة المذكورة، وأُنث؛ لأنّها آيات. ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فإن السجود أخص العبادات، وهذا محل السجدة عند الإمام مالك رضي الله عنه. * * * ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ عن امتثال أمرك في ترك السجود لغير الله سبحانه. ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ من الملائكة. ﴿يُسَبِّحُونَ﴾ يصلون ﴿لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ دائمًا. ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ لا يملون، وهذا محل السجدة عند أبي حنيفة والشّافعيّ وأحمد -رضي الله عنهم-، وكل من الأئمة على أصله في السجود، فأبو حنيفة هو واجب، ومالك هو فضيلة، والشّافعيّ وأحمد هو

فصلت 41:39

سنة، وتقدم ذكر اختلافهم ملخصًا (١) عند سجدة مريم. * * * ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ دلائل قدرته. ﴿أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ يابسة لا نبات فيها. ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ انتفخت بالنبات، وتزخرفت. ﴿وَرَبَتْ﴾ زادت. قرأ أبو جعفر: (وَرَبَأَتْ) بهمزة مفتوحة بعد الباء، والباقون: بحذفها (٢). ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا﴾ بعد موتها. ﴿لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من الإحياء والإماتة. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ﴾ يميلون ﴿فِي آيَاتِنَا﴾ بالطعن فيها. قرأ حمزة: (يَلْحَدُونَ) بفتح الياء والحاء، والباقون: بضم الياء وكسر الحاء (٣). (١) "ملخصًا" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٣ - ٧٤). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٤).

فصلت 41:41

﴿لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ فنجازيهم على إلحادهم، ونزل استفهامًا وعيدًا ووعدًا: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ أمر تهديد ووعيد. ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم به. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١)﴾. [٤١] ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ﴾ بالقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ وجواب (إن) محذوف؛ أي: خسروا، ثمّ وصف الذكر فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ كريم على الله. * * * ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: ليس فيما تقدمه من الكتب ما يبطل شيئًا منه، وليس فيما (١) بعده من نظر ناظر وفكرة عاقل ما يبطل شيئًا منه، ولا يتطرق إليه ما يبطله من جهة ما، ولا يجد إليه سبيلًا. وهو ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ يحمده كلّ مخلوق. * * * (١) في "ت": "يأتي".

فصلت 41:43

﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿مَا يُقَالُ لَكَ﴾ يا محمّد؛ من التكذيب ﴿إِلَّا﴾ مثل. ﴿مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ﴾ من التكذيب ﴿مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهو تسلية له - ﷺ - عن مقالات قومه، وما يلقى من المكروه منهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ لأوليائه ﴿وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ لأعدائه. * * * ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: هذا الكتاب الّذي يُقرأ على النَّاس. ﴿قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا﴾ يُقرأ بغير لغة العرب. ﴿لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ﴾ هَلَّا بُينت ﴿آيَاتُهُ﴾ بالعربيّة. ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الهمزة للإنكار، المعنى: لأنكروا، وقالوا: قرآن أعجمي، ورسول عربي؟ والأعجمي -بسكون العين-: من لا يفصح، وإن كان عربيًّا، وليست نسبة حقيقة، إنّما هي توكيد لمعنى الصِّفَة؛ كأحمريّ في أحمر. قرأ قنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب باختلاف عنهم: (أَعْجَمِيٌّ) بهمزة واحدة على الخبر، وقرأ الباقون: بهمزتين على الاستفهام، فحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وروح عن يعقوب: يحققون الهمزتين، والباقون: يحققون

فصلت 41:45

الأولى، ويسهلون الثّانية بين الهمزة والألف، وهم على أصولهم، فورش اختلف عنه في إبدالها ألفًا خالصة، وتسهيلها بين بين، وأبو عمرو، وأبو جعفر، وقالون: يفصلون بين الهمزتين بألف، واختلف عن هشام في تسهيلها وتحقيقها وإدخال الألف بينهما مع تحقيقهما، وروي عن ابن ذكوان وحفص: إدخال الألف بين الهمزتين مع تحقيقهما (١) ﴿قُلْ هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى﴾ من الضلالة. ﴿وَشِفَاءٌ﴾ لما في القلوب من الشكوك. ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ هو (٢) ﴿فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ صمم. ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ وذلك لتصامِّهم عند سماعه، وتعاميهم عما يرون من آياته، ولما كانوا لا يعون ما يسمعون من القرآن، قال: ﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ تمثيل لهم في عدم قبولهم واستماعهم له بمن يُنادَى من بعد، لم يسمع، ولم يفهم. * * * ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ كما اختُلف في القرآن، فصدقه قوم، وكذبه آخرون. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٦ - ٥٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٥ - ٧٦). (٢) "هو" زيادة من "ت".

فصلت 41:46

﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بأن يفصل يوم القيامة بين الخلائق، والكلمة: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بتعجيل إهلاك المكذبين. ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من صدقك. ﴿مُرِيبٍ﴾ موقع للريبة. * * * ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ نفعُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ضرُّه. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فلا يضع شيئًا من عقوبات عبيده في غير موضعها، بل هو العادل المتفضل الّذي يجازي كلّ عبد بكسبه. * * * ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ متى تكون، لا يعلمه غيره تعالى. ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (ثَمَرَةٍ) بغير ألف على التّوحيد، وقرأ الباقون: بألف بعد الراء على الجمع (١)؛ لاختلاف الأنواع (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧١)، و"النشر في =

فصلت 41:48

﴿مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ جمع كِمّ، وهو وعاء الثمر. ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ﴾ أي: ما يحدث حدوثٌ؛ من خروج ثمرٍ، وحملِ حاملٍ ووضعِه، وغيرِ ذلك. ﴿إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ فيعلمه تعالى على أي وصف وجد. ﴿وَيَوْمَ﴾ القيامة ﴿يُنَادِيهِمْ﴾ أي: الكفار ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ بزعمكم. ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ أعلمناك ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ أي: شاهد يشهد بأن لك شريكًا، لما عاينوا العذاب. قرأ ابن كثير: (شُرَكَائِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). * * * ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ثَمَّ ﴿مَا كَانُوا يَدْعُونَ﴾ يعبدون. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في الدنيا من الأصنام. ﴿وَظَنُّوا﴾ أيقنوا ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ مهرب. * * * ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ﴾ لا يمل الكافر. ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ من طلب السعة في المال. = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٧). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٨).

فصلت 41:50

﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ الفقر والشدة. ﴿فَيَئُوسٌ﴾ من فضل الله ﴿قَنُوطٌ﴾ قاطع الرجاء من رحمته. * * * ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ آتيناه ﴿رَحْمَةً﴾ سعة وعافية. ﴿مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ أي: بعملي. قرأ أبو عمرو: (مِنْ بَعْد ضَّرَّاءَ) بإدغام الدال في الضاد (١). ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ كزعم محمّد. ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي﴾ فرضًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (رَبِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها، واختلف عن قالون (٢). ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ الجنَّة، يقول ذلك استهزاء. ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الأعمال الموجبة لهم النّار. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ شديد. * * * (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٦)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٦/ ٧٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٦/ ٧٨).

فصلت 41:51

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾. [٥١] ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ﴾ عن شكره تعالى. ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ بَعُدَ، ولم يملْ إلى شكر ولا طاعة. قرأ أبو جعفر، وابن ذكوان عن ابن عامر: (وَنَاءَ) بألف قبل الهمز مثل وناع؛ من النوء، وهو النهوض والقيام، والباقون: بألف بعد الهمزة، [وأمال الكسائي، وخلف لنفسه وعن حمزة فتحة النون والهمزة] (١)، وأمال السوسي عن أبي عمرو بخلاف عنه، وخلاد عن حمزة فتحَ الهمزة فقط، وفتحا النون، وقرأ الباقون: بفتح النون والهمزة على وزن نَعَى (٢). ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ كثير، والعرب تستعمل الطول والعرض في الكثرة، فيقال: أطال فلان الكلام والدعاء، وأعرض؛ أي: أكثر. * * * ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني ﴿إِنْ كَانَ﴾ القرآن. (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٧٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٩).

فصلت 41:53

﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ عنادًا، ألستم على هلكة من قبل الله. ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق؛ أي: فلا أحد أضل منكم؛ لأنكم أهلكتم أنفسكم بتكذيبه. * * * ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ﴾ يعني وقائع الله في الأمم، وما يفتحه الله (١) على رسوله - ﷺ - من الأقطار حول مكّة وغير ذلك من الأرض؛ كخيبر، وقهر العرب والعجم. ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يوم بدر، وفتح مكّة. ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ أي: الشرع والقرآن. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُطَّلع لا يغيب عنه شيء. * * * ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾ في شك من البعث. ﴿أَلَا إِنَّهُ﴾ تعالى ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ علمًا وقدرةً، ومعناه الوعيد لهم، والله أعلم. * * * (١) لفظ الجلالة "الله" زيادة من "ت".

الشورى 42:1

سُوْرَةُ الشُّوْرَي مكية، وقال مقاتل: فيها مدني ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ﴾ إلى ﴿الصُّدُورِ﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ﴾ إلى ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾، وآيها: ثلاث وخمسون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وخمس مئة وثمانية وثمانون حرفًا، وكلمها: ثماني مئة وست وستون كلمة، وهذه السورة أول المفصل على أحد القولين في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه، والقول الثّاني: أنّه من سورة النجم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) عسق (٢)﴾. [١ - ٢] ﴿حم (١) عسق﴾ تقدّم ذكر الإمالة، ومذهب أبي جعفر في تقطيع الحروف أول غافر، وأشبع ورش مد (ع) بخلاف عنه؛ كأول سورة مريم، قال ابن عبّاس: "إنَّ (حم عسق) هذه الحروف بأعيانها نزلت في كلّ كتب الله المنزلة على كلّ نبي أُنزل عليه كتاب الله (١) " (٢) ولذلك قال تعالى: (١) لفظ الجلالة "الله" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٧٣)، و"تفسير الرازي" (٢٧/ ١٢٣). قال الرازي: وهذا عندي بعيد. ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وفُصِلَتْ (حم) من (عسق)، ولم يفعل ذلك بـ (كهيعص) لتجري هذه مجرى الحواميم أخواتها، ولأنّهما عُدَّا آيتين، و (كهيعص) عُدَّت آية واحدة، والأقوال في هذه كالأقوال في أوائل السور. وعن ابن عبّاس -رضي الله عنه-: أنّه قال: " (ح) حلمه (م) مجده (ع) علمه (س) سناؤه (ق) قدرته، أقسم الله بها" (١). وروي عن علي -رضي الله عنه-: أنّه كان يستفيد علم الفتن والحروب من هذه الحروف الّتي في أوائل السور (٢). وروى حذيفة بن اليمان: "أن رجلًا يقال له: عبد الإله، أو عبد الله ينزل على نهر من أنّهار المشرق يبني عليه مدينتين يشق النهر بينهما شقًّا، فتهلك إحدى المدينتين ليلًا، ثمّ تصبح الأخرى سالمة، فيجتمع فيها جبابرة (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٧٣)، و"فتح القدير" للشوكاني (٤/ ٥٢٥)، وقال: وقيل غير ذلك ممّا هو متكلّف متعسف لم يدلَّ عليه دليل، وجاءت به حجة ولا شبهة حجة. (٢) قال القاضي أبو بكر بن العربي في فوائد رحلته: ومن الباطل علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد تحصَّل لي فيها عشرون قولًا وأزيد، ولا أعرف أحدًا يحكم عليها بعلم ولا يصل منها إلى فهم. انظر: "الإتقان " للسيوطي (٢/ ٢٦)، وفي مقدمة من نفى هذا العلم عن سيدنا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، هذا ولمّا سئل السبكي عن دلالة ﴿كهيعص﴾ فكان من إجابته -رحمه الله-:.. وأكثر ذلك يكون معصية ممَّا يجب إنكارُه وبعضه ممّا جربناه فلم نجده صحيحًا ممّا لا فائدة فيه. انظر: "فتاوى السبكي" (٢/ ٥٦٣).

الشورى 42:3

المدينتين متعجبين من سلامتها، فتهلك من اللَّيلة القابلة، وإن (حم) معناه: حتم (١) هذا الأمر، و (عين) معناه: عدلًا من الله، و (سين): سيكون ذلك، و (قاف) معناه: يقع ذلك بهم" (٢). * * * ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾. [٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ما في هذه السورة من المعاني. ﴿يُوحِي إِلَيْكَ﴾ يا محمّد ﴿وَإِلَى﴾ الرسل ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي: كما أوحينا إليك، وأوحينا إليهم. قرأ ابن كثير: (يُوحَى) بفتح الحاء مجهولًا، القائم مقام الفاعل (إليك)، وقرأ الباقون: بكسر الحاء معلومًا، فالفاعل (الله) تعالى، وقرأ أبان عن عاصم: (نُوحِي) بنون العظمة (٣)، فعلى قراءة ابن كثير (كَذَلِكَ) مبتدأ، خبره (يُوحَى)، وعلى قراءة الباقين (اللَّهُ) مبتدأ، خبره (العزيزُ الحكيمُ)، وقال (يُوحِي) مضارعًا دون (أَوْحَى)؛ للإيذان أن إيجاد مثله عادته، و (العزيزُ الحكيمُ) صفتان له مقررتان لعلو شأن الموحى به. (١) في "ت": "حُمَّ". (٢) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢١/ ٤٩٧). قال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ١٠٧): غريب عجيب. (٣) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس (٣/ ٤٩)، و"السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٣ - ٨٤).

الشورى 42:4

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾. [٤] ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا. ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ في قدره ﴿الْعَظِيمُ﴾ في سلطانه. * * * ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾. [٥] ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ قرأ نافع، والكسائي: (يَكَادُ) بالياء مذكرًا؛ لتذكير الجمع، والباقون: بالتاء مؤنثًا (١)؛ لتأنيث (السَّمَوَات)، و (كادَ) من أفعال المقاربة. ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر عن عاصم: (يَنْفَطِرْنَ) بالنون وكسر الطاء مخففة؛ وقرأ الباقون: بالتاء وفتح الطاء مشددة (٢)؛ أي: يتشققن ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي: كلّ (٣) منها تنفطر فوق الّتي تليها، أو من فوق الأرضين السبع، من قول المشركين: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ [البقرة: ١١٦]. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ يقولون: سبحان الله، وقيل: يصلون. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٤). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٤). (٣) في "ت" زيادة: "من" بعد "كلّ".

الشورى 42:6

﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من المؤمنين ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الّذي يطلب هذا منه؛ إذ هذه أوصافه، وهو أهل المغفرة. * * * ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾. [٦] ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ شركاء. ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ رقيب يحصي أعمالهم؛ ليجازي بها. ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ بموكَّل بهم، ولا بلازم لأمرهم حتّى يؤمنوا، والوكيل: المقيم على الأمر، وما في هذا (١) اللّفظ من موادعة، فهو منسوخ بآية السيف. * * * ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾. [٧] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومثلَ ذلك الإيحاء البين. ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ مكّة؛ أي: أصل البلاد، والمراد: أهلها، ولذلك عطف عليها ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (مَنْ) في الأغلب لمن يعقل؛ يعني: قرى الأرض كلها. ﴿وَتُنْذِرَ﴾ النَّاس ﴿يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ هو يوم القيامة؛ أي: تخوفهم إياه؛ لما (١) في "ت": "هذه".

الشورى 42:8

فيه مِنْ عذاب مَنْ كفر، ويسمى يوم الجمع؛ لاجتماع أهل الأرض وأهل السماء فيه. ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في نفسه وذاته، وارتياب الكفار فيه لا يعتد به، ثمّ بعد الجمع يتفرقون. ﴿فَرِيقٌ﴾ مرتفع على خبر الابتداء المضمرة أي: هم فريق. ﴿فِي الْجَنَّةِ﴾ هم المؤمنون ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ هم الكافرون. * * * ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٨)﴾. [٨] ثمّ قرن (١) تعالى تسلية نبيه بأن عرفه بأن الأمور موقوفة على مشيئته تعالى، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على دين واحد، وهو الإسلام. ﴿وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إيمانَه، وهو من سبقت له السعادة عنده. ﴿فِي رَحْمَتِه﴾ في دين الإسلام. ﴿وَالظَّالِمُونَ﴾ الكافرون الميسرون لعمل الشقاوة. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينقذهم من عذابه تعالى. (١) في "ت": "قوَّى".

الشورى 42:9

﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٩)﴾. [٩] ﴿أَمِ اتَّخَذُوا﴾ وهذا كلام منقطع ممّا قبله، وليس بمعادلة، ولكن الكلام كأنّه (١) أضرب عن حجة لهم أو مقالة مقررة، فقال: بل اتخذوا ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ شركاء وأندادًا، و (الفاء) بعد جواب شرط مقدر، تقديره: بعد نفي جميع الآلهة إنَّ أرادوا وليًّا حقًّا. ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ لك يا محمّد ولمن اتبعك. ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ يبعثهم من قبورهم. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ قدرته تعطي هذا وتقتضيه. * * * ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾. [١٠] ثمّ أُمر - ﷺ - أن يقول للمؤمنين حيث اختلفوا هم و (٢) المشركون بين يديه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ﴾ أنتم والكفار. ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ من الدِّين وغيره ﴿فَحُكْمُهُ﴾ مردود ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. (١) "كأنّه" زيادة من "ت". (٢) "و": سقط من "ت".

الشورى 42:11

﴿ذَلِكُمُ﴾ الموصوفُ بهذا الوصف. ﴿اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع الأمور. ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أَرْجِع. * * * ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾. [١١] ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالق الآفاق. ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: من جنسكم. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (جَعَل لَّكُمْ) بإدغام اللام الأولى في الثّانية (١). ﴿أَزْوَاجًا﴾ حلائلَ، وليس الأزواج هاهنا الأنواع ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ ذكرًا وأنثى؛ إكرامًا لكم. ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يخلقكم، والضمير للأناسي والأنعام، فغلّب الأناسي. ﴿فِيهِ﴾ في هذا التّدبير، وهو جعلُ النَّاس والأنعام أزواجًا يكون بينهم توالد. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ﴾ أي: ليس كهو ﴿شَيْءٌ﴾ يزاوجه ويناسبه، والمراد من (مثله): ذاتُه، والشيء: عبارة عن الموجود، قال ابن عبّاس: "ليس له نظير" (٢)، فالتوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات، ولا معطلة من (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٦). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٧٧).

الشورى 42:12

الصفات، ليس كذاته ذوات (١)، ولا كاسمه اسم، ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة، إِلَّا من جهة موافقة اللّفظ اللّفظ، وجَلَّت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة؛ كما استحال أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة، وحيث تراءى في مرآة القلب صورة، أو خطر بالخاطر مثال، أو ركنت النفس إلى كيفية، فليجزم بأن الله بخلافه؛ إذ كلّ ذلك من سمات الحدوث؛ لدخوله في دائرة التحديد والتكييف اللازمين للمخلوق، المنزهِ عنهما الخالق تعالى، ولقد أقسم سيد الطائفة الجنيد بأنّه ما عرف اللهَ إِلَّا اللهُ. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ لكل ما يُسْمَع ويُبْصر. * * * ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾. [١٢] ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدّم تفسيره في سورة الزمر. ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ يوسِّع ويضيِّق؛ لأنّ مفتاح الرزق بيده ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيفعله على ما تقتضيه حكمته. * * * {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى (١) في "ت": "ذات".

الشورى 42:13

الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)}. [١٣] ﴿شَرَعَ﴾ بَيَّنَ. ﴿لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ وهو أول أنبياء الشّريعة. ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ من القرآن وشرائع الإسلام ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (إِبْرَاهَامَ) بألف بين الهاء والميم (١) ﴿وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ ثمّ بين المشروع المشترك فيه هؤلاء، وهو: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾ وهو توحيد الله وطاعته، وما به يكون الإنسان مسلمًا. ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ في القدر المشترك بينكم من الدِّين، ولم يردّ الاشتراك في جميع الشرائع؛ لأنّها متفاوتة؛ لقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ثمّ أخبر تعالى نبيه - ﷺ - بصعوبة موقع هذه الدّعوة إلى إقامة الدِّين على المشركين بالله العابدين للأصنام بقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ﴾ يا محمّد. ﴿إِلَيْهِ﴾ من التّوحيد، ثمّ سلَّاه عنهم بقوله: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي﴾ يختار ﴿إِلَيْهِ﴾ أي: لدينه (٢). ﴿مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ﴾ بالتوفيق. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٦). (٢) "أي: لدينه" زيادة من "ت".

الشورى 42:14

﴿مَنْ يُنِيبُ﴾ يُقبل إلى طاعته، وكان نبيّنا - ﷺ - قبل البعثة متعبدًا في الفروع بشرع من قبلَه مطلقًا، وقيل: مُعَيَّن، فقيل: آدم، أو نوح، أو إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، وقيل: بوضع شريعة اختارها، وقيل: بالإلهام، ولم يكن - ﷺ - على ما كان عليه قومه باتِّفاق الأئمة وإجماع الأُمَّة. قال الإمام أحمد رضي الله عنه: من زعمه، فقول سوء. وامتناع المعصية منه - ﷺ - قبل البعثة عقلًا مبني على التقبيح العقلي، وبعدها معصوم من تعمد ما يُخِلُّ بصدقه فيما دلت المعجزة على صدقه من رسالة وتبليغ بالاتفاق. * * * ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: أهلُ الكتاب ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بأن التفرق ضلال ﴿بَغْيًا﴾ لأجل البغي الحاصل. ﴿بَيْنَهُمْ﴾ المؤدي إلى اختلاف الرأي وافتراق الكلمة. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بتأخير العذاب والجزاء. ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يوم القيامة. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الدنيا، وغلب المحقُّ المبطلَ. ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى المعاصرين لمحمد - ﷺ -.

الشورى 42:15

﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ أي: من بعد مَنْ تقدمهم ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من محمّد - ﷺ - ﴿مُرِيبٍ﴾ ووصف الشك بمريب مبالغة فيه. * * * ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)﴾. [١٥] ﴿فَلِذَلِكَ﴾ إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التّوحيد ﴿فَادْعُ﴾ أنت إلى ربك، وبلغ ما أُرسلت به ﴿وَاسْتَقِمْ﴾ على دينهم. ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ أي: دُمْ على استقامتك؛ لأنّه كان مستقيمًا، وفي هذا المعنى قال النّبيّ - ﷺ -: "شيبتني هودٌ وأخواتُها"، فقيل له: لم ذلك؟ فقال: "لأنّ فيها ﴿فَاْسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ " (١)، وهذا خطاب له - ﷺ - بحسب قوته في أمر الله تعالى، وقال هو لأمته بحسب ضعفهم: "استقيموا ولَنْ تُحصوا" (٢). ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ يعني: قريشًا فيما كانوا يهوونه من أن يعظِّم محمّد - ﷺ - آلهتَهم، وغير ذلك. ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ يعني: جميع الكتب المنزلة من عند الله، وهو أمر يعم سائر أمته. (١) تقدّم تخريجه. (٢) رواه ابن ماجه (٢٧٧)، كتاب: الطّهارة، باب: المحافظة على الوضوء، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٧٦)، من حديث ثوبان رضي الله عنه. وصححه المنذري في "الترغيب والترهيب" (١/ ٩٧).

الشورى 42:16

﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ﴾ واللام بمعنى أن؛ أي: أمرت بأن أعدل. ﴿بَيْنَكُمُ﴾ في الحكم، ولا أطالبكم بأكثر ممّا افترض الله عليكم. ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ خالق كلّ شيء. ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ وكلٌّ مجازى بعمله. ﴿لَا حُجَّةَ﴾ لا مخاصمة ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ نسخها آية القتال. ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ يوم القيامة ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وعيد للكفار. * * * ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: في توحيده. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ أي: من بعد ما أجاب المسلمون بالإيمان. ﴿حُجَّتُهُمْ﴾ مجادلتهم ﴿دَاحِضَةٌ﴾ باطلة. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة. * * * ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾. [١٧] ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ في أحكامه. ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدلَ، سمي ميزانًا؛ لأنّ الميزان آلة الإنصاف، ولما سئل - ﷺ - عن السّاعة، نزل:

الشورى 42:18

﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ﴾ (١) أي: البعث ﴿قَرِيبٌ﴾. * * * ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾. [١٨] ثمّ وصف تعالى حال الجهلة المكذبين بها، فقال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾ استهزاء ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ بقيامها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ خائفون من شدائدها. ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا﴾ أي: مجيئها ﴿الْحَقُّ﴾ الواقع. ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ يجادلون ﴿فِي السَّاعَةِ﴾ وإبطال مجيئها عنادًا. ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الحق. * * * ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (١٩)﴾. [١٩] ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ بارٌّ بعباده بصنوف من البرّ ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ما يشاء (٢)، فيخص كلًّا من عباده بنوع من البرّ على ما اقتضته حكمته. ﴿وَهُوَ الْقَوِيُّ﴾ القادر ﴿الْعَزِيزُ﴾ الّذي لا يُغلب. * * * (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٧٨). (٢) "ما يشاء" زيادة من "ت".

الشورى 42:20

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ﴾ عملَها؛ أي: من كان يريد بعمله الآخرةَ. ﴿نَزِدْ لَهُ فِي﴾ جزاء ﴿حَرْثِهِ﴾ بتضعيف الحسنة إلى العشر، وتزاد إلى ما شاء الله. ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا﴾ يريد بعمله الدنيا ﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ ما قُسم له بلا تضعيف ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ لأنه لم يعمل لها. قرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم: (نُؤْتِهْ) بسكون الهاء، واختلف عن أبي جعفر، وقرأ يعقوب، وقالون عن نافع: بكسر الهاء من غير صلة، واختلف عن أبي جعفر وهشام، وقرأ الباقون، وهم ابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: بصلتها، واختلف عن هشام (١). * * * ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿أَمْ﴾ أي: بل ﴿لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ والهمزة للتقرير والتقريع، (١) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ٣٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٧).

الشورى 42:22

وشركاؤهم شياطينهم ﴿شَرَعُوا لَهُمْ﴾ أي: عملوا شريعة لهم. ﴿مِنَ الدِّينِ﴾ الفاسد، وهو الشرك. ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ لأنّه سبحانه منزه أن يأذن في عمل الباطل. ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ أي: القضاء السابق بتأجيل الجزاء. ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الكافرين والمؤمنين في الدنيا. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. * * * ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ﴾ المشركين يوم القيامة ﴿مُشْفِقِينَ﴾ وَجِلين. ﴿مِمَّا كَسَبُوا﴾ من السيئات ﴿وَهُوَ﴾ أي: جزاء كسبهم ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ أشفقوا، أو لم يشفقوا. قرأ أبو عمرو (وَهُو وَّاقعٌ) بإدغام الواو في الواو (١). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ﴾ أي: أطيب بقاعها، وهي المواضع المؤنقة، وهي مرتفعة في الأغلب، وهي الممدوحة عند العرب وغيرهم. ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ أي: ما يشتهون ثابتٌ لهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ الّذي يصغُر دونه ما لغيرهم في الدنيا. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٨).

الشورى 42:23

﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿ذَلِكَ﴾ المعَدُّ لهم في الجنة ﴿الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ﴾ به. ﴿عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (يَبْشُرُ) بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة؛ من بَشَرَ، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة (١)؛ من بَشَّرَ، وهما لغتان بمعنى البشارة. ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة ﴿أَجْرًا﴾ نفعًا منكم. ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ استثناء منقطع، معناه: لكن أسألكم أن تودوا قرابتي التي هي قرابتكم، قال ابن عباس: "لم يكنْ بطنٌ من قريش إلا له فيهم قرابة" (٢). روي أنها لما نزلت، قيل: يا رسول الله! من قرابتك من هؤلاء؟ قال: "عليٌّ وفاطمةُ وابناها" (٣)، وقيل: آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس (٤). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٨٨ - ٨٩). (٢) رواه البخاري (٤٥٤١)، كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. (٣) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٢٥٩) عن ابن عباس، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/ ١٠٣): فيه جماعة ضعفاء وقد ثقوا كلهم، وضعفهم جماعة، وبقية رجاله ثقات. (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٨١).

الشورى 42:24

﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً﴾ يكسِبْ طاعة ﴿نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ بتضعيفها. ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ ساترٌ ذنوبَ (١) عبيده ﴿شَكُورٌ﴾ مجازٍ على الدقيقة من الخير، لا يضيع عنده لعامل عمل. ... ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿أَمْ﴾ أي: بل ﴿يَقُولُونَ﴾ كفار مكة: ﴿افْتَرَى﴾ محمد. ﴿عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ بنسبته القرآن إلى الله ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ أي: ينسيك القرآن، والمراد: الرد على مقالة الكفار، وبيان إبطالها، وذلك كأنه يقول: وكيف يصح أن تكون مفتريًا، وأنت من الله بمرأى ومسمع، ولو شاء الله أن يختم على قلبك، فلا تعقل ولا تنطق، ولا يستمر افتراؤك؟! فمقصد اللفظ هذا المعنى، وحذف ما يدل عليه الظاهر اختصارًا واقتصارًا، وهذا التأويل تهديد لهم، وقيل: المعنى: يختم على قلبك بالصبر، فلا تتأذى منهم، وهذا التأويل تسلية له - ﷺ -. قال ابن عطية (٢): هذا التأويل لا يتضمن الرد على مقالتهم. ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ وهو الكفر، فعل مستقبل خبر من الله تعالى أنه يمحو الباطل ولا بد، إما في الدنيا، وإما في الآخرة، وكتبت (يَمْحُ) في المصحف بحاء مرسلة، كما كتبوا ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ﴾ [الإسراء: ١١] إلى غير ذلك مما ذهبوا (١) في "ت": "عيوب". (٢) في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٥).

الشورى 42:25

فيه إلى الحذف والاختصار نظرًا إلى اللفظ وحملًا للوقف على الوصل. ﴿وَيُحِقُّ الْحَقَّ﴾ يُثبت الإسلام. ﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾ بوحيه وقضائه، وقد فعل الله تعالى ذلك، فمحا باطلهم، وأعلى كلمة الإسلام. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بما تضمره القلوب، فيجازي كلًّا بعمله. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] قال ابن عباس: لما نزل ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ ووقع في قلوب قوم منها شيء، وقالوا: يريد أن يحثنا على أقاربه من بعده، فنزل جبريل، فأخبره أنهم اتهموه، وأنزل هذه الآية، فقال القوم: يا رسول الله! فإنا (١) نشهد أنك صادق، فنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ﴾ (٢) أي: من ﴿عِبَادِهِ﴾ يريد: أولياءه وأهل طاعته، والتوبة: الرجوع عن الذنب ندمًا، والعزم ألَّا يعود إليه أبدًا ﴿وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ إذا تيب منها، فيمحوها ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَفْعَلُونَ) بالخطاب؛ لأنه خطاب للمشركين، وقرأ الباقون: بالغيب (٣)؛ لأنه بين خبرين عن قوم. (١) "فإنا" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٨٢)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٦). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٠).

الشورى 42:26

﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)﴾. [٢٦] فقال قبله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، وبعده: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي: يجيب تعالى دعاء المؤمنين الصالحين إذا دعوه. ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ زيادة على ثواب عملهم؛ تفضلًا منه. ﴿وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بدل ما للمؤمنين من الثواب والتفضل. ... ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾ قال خباب بن الأرت: فينا نزلت هذه الآية أنا نظرنا إلى أموال بني قريظة والنضير وبني قينقاع، فتمنيناها، فأنزل الله الآية (١). والبغي: الطغيان والعتو في الأرض ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ﴾ من الأرزاق. ﴿بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ مصلحة لعباده. ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ يعلم ما ظهر من أمرهم وما بطن. قرأ الكوفيون، ونافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (يُنَزِّلُ) بفتح النون وتشديد الزاي، والباقون وهم ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يُنْزِلُ) بإسكان النون وتخفيف الزاي (٢)، واختلافهم في الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كاختلافهم (١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٢٢٨)، و"تفسير الرازي" (٢٧/ ١٤٧). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

الشورى 42:28

فيهما من (مَنْ نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّىَ) في سورة الحج [الآية: ٥]. في الحديث: عن النبي - ﷺ -، عن جبريل، عن الله سبحانه: "وإنَّ من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه [إلا الفقر، ولو أغنيته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه] (١) إلا الغنى، ولو أفقرته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا الصحة، ولو أسقمته، لأفسده ذلك، وإن من عبادي المؤمنين لمن لا يصلح إيمانه إلا السقم، ولو أصححته، لأفسده ذلك، إني أدبر أمر عبادي بعلمي بقلوبهم، إني عليم خبير" (٢). ... ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ المطر. قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، وابن عامر: (يُنَزِّلُ) بالتشديد كما تقدم، والباقون: بالتخفيف. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ أيسوا منه، روي أن الله حبس المطر على أهل مكة سبع سنين حتى قنطوا، ثم أنزل الله المطر، فذكَّرهم تعالى نعمتَه. = (٢/ ٢١٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٠). (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) رواه ابن أبي الدنيا في "الأولياء" (ص: ٩)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٨/ ٣١٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤١/ ٢٨٥)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. وإسناده ضعيف. وانظر: "العلل المتناهية" لابن الجوزي (١/ ٤٥).

الشورى 42:29

﴿وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ وهي الشمس، فذلك تعديد نعمة غير الأولى (١)، وذلك أن المطر إذا جاء بعد القنط، حسن موقعه، فإذا دام، سئم، فتجيء الشمس بعده عظيمة المواقع. ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ﴾ لأهل طاعته ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق للحمد على كل حال. ... ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ﴾ أي: فَرَّقَ. ﴿فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ﴾ أي: وقت يشاء. ﴿قَدِيرٌ﴾ متمكن منه، والمراد: يوم القيامة عند الحشر من القبور. ... ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ بلية وشدة. ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ فبسبب معاصيكم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (بِمَا كَسَبَتْ) بغير فاء قبل الباء، وكذلك هي في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون: بالفاء، وكذلك هي في مصاحفهم (٢)، فالقراءة (١) "غير الأولى" زيادة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٨٥)، و"النشر في =

الشورى 42:31

بالفاء جواب ما قبل؛ لأنها شرطية محلها رفع ابتداء، ومن حذف الفاء، جعل ما في أول الآية مبتدأ، و (بِمَا كَسَبَتْ) خبرها. قال - ﷺ -: " ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ﴾ من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا، ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، والله أكرم من أن يُثَنِّيَ عليكم العقوبة في الآخرة" (١) ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ من الذنوب، فلا يعاقب عليها. قال - ﷺ -: "والذي نفسي بيده! ما من خَدْشٍ، ولا عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر" (٢). ... ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ بفائتين ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ هربًا حيثما كنتم. ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يدفع عنكم المصائب. = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩١). (١) رواه أحمد في "المسند" (١/ ٨٥)، وأبو يعلى الموصلي في "المسند" (٤٥٣). قال الهيثمي في "المجمع" (٧/ ١٠٤): فيه أزهر بن راشد، وهو ضعيف. (٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" (٣/ ١٩٢)، وابن جرير الطبري في "تفسيره" (٨/ ٥٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٢٧٨).

الشورى 42:32

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ﴾ السفن. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (الْجَوَارِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين، وأمال فتحة الواو حيث وقع: الدوري عن الكسائي (١). ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ أي: كالجبال، وكل مرتفع عَلَم. ... ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿إِنْ يَشَأْ﴾ شرط ﴿يُسْكِنِ الرِّيحَ﴾ جوابه، وتعطف عليه ﴿فَيَظْلَلْنَ﴾ أي: السفن ﴿رَوَاكِدَ﴾ سواكنَ ﴿عَلَى ظَهْرِهِ﴾ أي: ظهر البحر. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي: لكل مؤمن؛ لأن من صفته الصبر في الشدة، والشكر في الرخاء. قرأ نافع، وأبو جعفر: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨١)، و "التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٨)، وَقَرأَها الكسائي (الجوري) بالإمالة في "الكشف" لمكي (١/ ١٧١)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩١ - ٩٢).

الشورى 42:34

(الرِّيَاحَ) بفتح الياء وألف بعدها على الجمع، والباقون: بإسكان الياء وحذف الألف على الإفراد (١). ... ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (٣٤)﴾. [٣٤] وتعطف على الجواب ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ﴾ يهلِكْهن بالغرق. ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ من الذنوب، وتعطف على (يوبقهن). ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ منها. ... ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ تكذيبًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (وَيَعْلَمُ) برفع الميم [على الاستئناف، وقرأ الباقون: بنصبها عطفًا على تعليل محذوف (٢)، تقديره: لينتقم منهم] (٣)، وليعلم. ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ مهرب. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٢). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٢). (٣) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

الشورى 42:36

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ شرط، جوابه: ﴿فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تتمتعوا به يسيرًا، ثم يزول. ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ من حطام الدنيا. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين أنفق جميع ماله، وتصدق به، فلامه الناس (١). ... ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] وعطف على قوله: ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ هي الشرك، وقتل النفس، وقذف المحصن، وأكل مال اليتيم، والربا، والفرار من الزحف، وعقوق الوالدين، وتقدم الكلام على ذلك في سورة النساء. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كَبِيرَ) بكسر الباء من غير ألف ولا همزة على التوحيد إرادة الجنس، وقرأ الباقون: بفتح الباء والألف وهمزة مكسورة بعدها على الجمع (٢) ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ هي موجبات الحدود. ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ يكظمون الغيظ، ويتجاوزون. (١) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٥). (٢) المصادر السابقة.

الشورى 42:38

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من طاعته. ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الخمس. ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أي: يتشاورون فيه، لا ينفرد واحد منهم برأي دون صاحبه. ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في سبل الخير، فهؤلاء صنف. ... ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ صنف؛ أي: ينتقمون من ظالميهم (١) من غير أن يعتدوا. ... ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ سمي الجزاء سيئة؛ لتشابههما في الصورة. ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عن ظالمه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ الودَّ بينه وبين خصمه بالعفو. ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ عِدَةٌ مبهمة تدل على عظم الموعود. (١) "من ظالميهم" ساقطة من "ت".

الشورى 42:41

﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ الذين يبتدئون بالسيئة، أو يتجاوزون في الانتقام. ... ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾ اقتصَّ ﴿بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ أي: بعد ظلم الظالم إياه. ﴿فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ طعن ولا عيب. ... ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ تكبرًا. ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يعملون فيها بالمعاصي. ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ على ظلمهم وبغيهم. ... ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ فلم ينتصر. ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ منه. ﴿لَمِنْ عَزْمِ﴾ أي: محكم ﴿الْأُمُورِ﴾ ومتينها.

الشورى 42:44

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ﴾ أي: يخذله. ﴿اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ يلي هدايته. ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ يوم القيامة. ﴿يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ﴾ إلى الدنيا ﴿مِنْ سَبِيلٍ﴾؟ ... ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ على النار ﴿خَاشِعِينَ﴾ خاضعين. ﴿مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ﴾ إليها ﴿مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ضعيف، يسارقون النظر إلى النار؛ خوفًا منها؛ كنظر المقتول إلى السياف. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ أي: يخسرون. ﴿أَنْفُسَهُمْ﴾ بدخول النار ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: الحور المعدة لهم في الجنة (١)، لو آمنوا. ﴿أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ دائم، وهذا تمام كلام المؤمنين، ويحتمل أنه تصديق من الله لهم. (١) "في الجنة" ساقطة من "ت".

الشورى 42:46

﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من دون عذابه. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ طريق إلى الهداية. ... ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ﴾ أجيبوا داعي الله؛ يعني: محمدًا - ﷺ -. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ لا يقدر أحد على دفعه، وهو يوم القيامة. قرأ حمزة: (لا مَرَدَّ لَهُ) بالمد بحيث لا يبلغ الإشباع. ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ﴾ من عذابه ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ أي: لا تقدرون أن تنكروا شيئًا مما اقترفتموه، تلخيصه: أنتم عجزة معترفون ثَمَّ بذنوبكم. ... ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا﴾ عن إنذارك يا محمد. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تحفظ أعمالهم ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ونُسخ هذا بآية السيف ﴿وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ أراد الجنس ﴿مِنَّا رَحْمَةً﴾ نعمة.

الشورى 42:49

﴿فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بلاء. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ الكافر ﴿كَفُورٌ﴾ يفرح بالنعم، ويكفر بسبب النقم. ... ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ له التصرف فيهما بما يريد. ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ من غير لزوم. ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ لا اعتراض عليه. قال - ﷺ -: "إنَّ من يُمْنِ المرأة تبكيرَها بالأنثى قبلَ الذكر"، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ (١) ألا ترى أنه بدأ بالإناث قبل الذكور، وقَدَّم (إناثًا)، ونكرهن، وعرف الذكر؛ لأنه في معرض أنه فعال لما يختار، لا لما يختاره العباد. قال الكواشي: ويجوز أنهن قُدِّمن توبيخًا لمن كان يَئِدُهن، ونُكِّرْنَ إيماء إلى ضعفهن؛ ليُرْحَمْن، فيُحْسَنَ إليهن، ثم قدم الذكور عليهن بعدُ، مع (١) رواه الديلمي في "مسند الفردوس" (٨١٨)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٧/ ٢٢٥)، من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه. وإسناده ضعيف جدًّا، وصرح ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٢٧٦) أنه موضوع. وانظر: "ميزان الاعتدال" للذهبي (٣/ ١٦٢).

الشورى 42:50

جمعهن معهم منكرين؛ إيذانًا أن لا غناء لأحدهما عن الآخر، ولأنهما أصل الخلق، انتهى. واختلاف القراء في الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَاثًا) كاختلافهم فيهما من (يَشَاءُ إِنَّهُ) كما تقدم التنبيه عليه. ... ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا﴾ يجمع له بينهما، فيولد له الذكور والإناث. ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ فلا تلد، ولا يولد له، والعقم في اللغة: المنع. ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ يفعل ما يختار بحكمته. ... ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾. [٥١] ولما قال اليهود للنبي - ﷺ -: ألا تكلم الله وتنظر إليه كموسى إن كنت نبيًّا؟ نزل: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ﴾ (١) أي: ما صح لأحد. ﴿أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ أي: إلهامًا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٨٩ - ٩٠)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٥٣).

الشورى 42:52

﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فيسمع صوتًا، ولا يرى شخصًا ﴿أَوْ يُرْسِلَ﴾ تعالى ﴿رَسُولًا﴾ إما جبريل، أو غيره ﴿فَيُوحِيَ﴾ تعالى إلى ذلك الرسول ﴿بِإِذْنِهِ﴾ باختياره تعالى. ﴿مَا يَشَاءُ﴾ من الوحي، فيكلم ذلك الرسول بالموحَى إليه الرسلَ؛ بأن يلقيه عليهم. ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ﴾ عن صفات المخلوقين ﴿حَكِيمٌ﴾ في صنعه. قرأ نافع (أَوْ يُرْسِلُ) برفع اللام على الاستئناف (فَيُوحِي) بإسكان الياء عطف على (يُرْسِلُ)؛ أي: ما جاز أن يفهم ما عنده تعالى أحد من البشر إلا من هذه الأوجه الثلاثة، أو بعضها، مع عدم الرؤية. وقرأ الباقون: بنصب اللام والياء عطفًا على محل (وَحْيًا) (١)؛ لأنه بتأويل المصدر فـ (مِنْ) في (مِنْ وَرَاءِ) متعلقة بمحذوف تقديره: إلا أن يوحي، أو أن يُسمع من وراء حجاب، أو أن يرسل، و (فيوحي) عطف على (يُرْسل)، وتقدم التنبيه على اختلافهم في الهمزتين من (يَشَاءُ إِنَّهُ) في الحرف المتقدم. ... ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل إيحائنا إلى الرسل. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٢)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٩٦).

الشورى 42:53

﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ أي: نبوة؛ لأن الموحى إليه للدين كالروح للجسد. ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي﴾ قبل الوحي ﴿مَا الْكِتَابُ﴾ أي: القرآنُ. ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يعني: شرائعه ومعالمه، والأنبياء كانوا مؤمنين قبل الوحي، وكان محمد - ﷺ - يعبد على دين إبراهيم -عليه السلام-، وقيل: غيره. في الحديث: أنه - ﷺ - كان يوحِّدُ، ويُبغض اللات والعزى، ويحج ويعتمر، ويتبع شريعة إبراهيم، وتقدم ذكر الخلاف في ذلك، وما كان يتعبد به قبل البعثة عند تفسير قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ [الآية: ١٣]. ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿نُورًا نَهْدِي بِهِ﴾ أي: نُرشد. ﴿مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ بالتوفيق للقبول. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ لتدعو ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ دينِ الإسلام. ... ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾. [٥٣] وتبدل من (مُسْتَقِيمٍ) ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ أي: شرعِ الله ورحمتِه وجنته. ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ملكًا وخلقًا. ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ أمور جميع الخلائق في الآخرة، وهي صائرة على الدوام إلى الله تعالى، وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين، والله أعلم.

الزخرف 43:1

سُورَةُ الزُّخْرُفِ مكية إلا ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، نزلت ببيت المقدس ليلة أُسري به - ﷺ - (١)، وآيها: تسع وثمانون آية، وحروفها: ثلاثة آلاف وأربع مئة حرف، وكلمها: ثماني مئة وثلاث وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾. [١] ﴿حم﴾ خبر مبتدأ محذوف. ... ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. [٢] ثم تبتدئ مقسمًا ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ يعني: القرآن الذي أبان الهدى، وما تحتاج إليه الأمة. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٢١/ ٦١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠١)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٩٥).

الزخرف 43:3

﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾. [٣] وجواب القسم: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ أي: أنزلناه وبيناه، ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق، وهو إخبار عليه وقع القسم، والضمير في (جَعَلْنَاهُ) عائد على (الْكِتَابِ). ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ بلسانكم؛ لئلا يبقى لكم عذر. ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ تَرَجٍّ بحسب معتقد البشر؛ أي: إذا أبصر المبصر من البشر هذا الفعل منا، يرجى منه أن يعقل الكلام، ويفهم؛ لأنه لو نزل بغير لغتهم، ما فهموه. ... ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾. [٤] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ في اللوح المحفوظ. قرأ حمزة، والكسائي: (إِمَّ) بكسر الهمزة حالة الوصل إتباعًا، وإذا ابتدأا، ضمَّاها، وبه قرأ الباقون في الحالين (١). ﴿لَدَيْنَا﴾ عندنا ﴿لَعَلِيٌّ﴾ رفيع الشأن ﴿حَكِيمٌ﴾ ذو حكمة بالغة. ... ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾. [٥] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ أفنترك (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠١).

الزخرف 43:6

عنكم الوحيَ وإنزالَ القرآن عفوًا عنكم، وغفرًا لإجرامكم ﴿أَنْ كُنْتُمْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (إِنْ كُنْتُمْ) بكسر الهمزة؛ أي: إذ كنتم، والباقون: بفتحها (١)؛ أي: لأن كنتم. ﴿قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ في كفركم، فلا تؤمرون ولا تنهون. ... ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (٦)﴾. [٦] ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ تسليةٌ لنبيه - ﷺ -. ... ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٧)﴾. [٧] وذكرُ أسوةٍ له، ووعيد لهم وتهديد: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ كاستهزاء قومك بك. ... ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾. [٨] ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: من قريش ﴿بَطْشًا﴾ نصب على التمييز. ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سلفَ في القرآن في غير موضع ذكرُ قصتهم التي يُسار بها لشهرتها مسيرَ الأمثال، وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠١).

الزخرف 43:9

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾. [٩] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يعني: قومَك. ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ وهم مع ذلك يعبدون أصنامًا، ويدعونها آلهتهم، ومقتضى جواب قريش أن يقولوا: خلقهن الله، فلما ذكر تعالى المعنى، جاءت العبارة عن الله تعالى بالعزيز العليم؛ ليكون ذلك توطئة لما عدَّدَهُ بعدُ من أوصافه التي ابتدأ الإخبار بها، وقطعها من الكلام الذي حكي معناه عن قريش. ... ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾. [١٠] وهو قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ فتستقرون فيها. قرأ الكوفيون: (مَهْدًا) بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف، والباقون: بكسر الميم وفتح الهاء وألف بعدها (١) ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ طرقًا تسلكونها ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى مقاصدكم من بلد إلى بلد. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٥١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٢).

الزخرف 43:11

﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾. [١١] ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ بمقدار الحاجة، ولم يكن طوفانًا كالمرسَل على قوم نوح حتى أهلكهم. ﴿فَأَنْشَرْنَا﴾ فأحيينا ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ مال عنه النماء، وذُكِّر؛ لأن البلدة بمعنى البلد. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بتشديد الياء، والباقون: بتخفيفها (١). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ إحياء هذه البلدة الميتة بالمطر ﴿تُخْرَجُونَ﴾ من قبوركم أحياءً. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان عن ابن عامر: (تَخْرُجُونَ) بفتح التاء وضم الراء، والباقون: بضم التاء وفتح الراء (٢). ... ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ﴾ الأصناف. ﴿كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ في البحر والبر. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٢). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٠٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٢ - ١٠٣).

الزخرف 43:13

﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ ذُكِّر الضمير ردًّا إلى لفظ (ما)؛ أي: لتثبتوا على ظهور ما تركبونه. ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ عليكم ﴿إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على مركوبكم. ﴿وَتَقُولُوا﴾: ما نُقل عن النبي - ﷺ - حين وضع رجلَه في الركاب، وهو: "باسم الله"، فلما استوى على الدابة قال: "الحمد لله ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (١)؛ أي: ذلله. قرأ أبو عمرو: (سَخَّر لّنَا) بإدغام الراء في اللام (٢) ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ مُطيقين، ثم حمد الله ثلاثًا، وكبر ثلاثًا، ثم قال: "لا إله إلا الله، ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت" (٣)، ويقال إذا ركب السفينة: ﴿فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود: ٤١]. ... ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ لمنصرفون في المعاد. (١) رواه أبو داود في "سننه" (٢٦٠٢)، كتاب: الجهاد، باب: ما يقول الرجل إذا ركب، والترمذي (٣٤٤٦)، كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا ركب الناقة وقال: حسن صحيح، وأحمد في "المسند" (١/ ٩٧) من حديث عليَّ -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٤٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٣). (٣) انظر: تخريج الحديث السابق.

الزخرف 43:15

﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (١٥)﴾. [١٥] ﴿وَجَعَلُوا لَهُ﴾ أي: حكموا أن لله تعالى ﴿مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ أي: نصيبًا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله؛ لأن الولد جزء الوالد. قرأ أبو جعفر: (جُزًّا) بتشديد الزاي بغير همز، وقرأ أبو بكر: بضم الزاي والهمز، والباقون: بالجزم والهمز (١). ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ ظاهر الكفران. ... ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾. [١٦] ثم جيء (بأَم) المنقطعة تجهيلًا لهم، فقيل: ﴿أَمِ اتَّخَذَ﴾ تعالى لنفسه. ﴿مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ﴾ أَخْلَصَكم. ﴿بِالْبَنِينَ﴾ هذا مستحيل في صفاته. ... ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ بالجنس الذي جعل له مثلًا؛ إذ الولد لا بد أن يماثل الوالد. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٣).

الزخرف 43:18

﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: صار وجهه أسود. ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ والكظيم: الممتلئ غيظًا، الذي قد ردَّ غيظَه إلى جوفه، فهو يتجرَّعُه ويروم رده، وهذا محسوس عند الغيظ. ... ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾. [١٨] ثم زاد توبيخهم وإفساد رأيهم بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (يُنَشَّأُ) بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين؛ أي: يُرَبَّى، وقرأ الباقون: بفتح الياء وإسكان النون وتخفيف الشين (١)؛ أي: يَنْبُتُ ﴿فِي الْحِلْيَةِ﴾ في الزينة؛ يعني: النساء ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ بالحجة؛ من ضعفهن، والمعنى: أو يُجعل للرحمن من الولد (٢) مَنْ هذه صفتُه؟ ... ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: (عِنْدَ) بالنون ساكنة وفتح الدال من غير ألف على أنه ظرف، وتصديقه قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقرأ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٤). (٢) "من الولد" زيادة من "ت".

الزخرف 43:20

الباقون: بالباء وألف بعدها ورفع الدال (١)، جمع عبد؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]. ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَأُشْهِدُوا) بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية مضمومة مسهلة على أصلهما، مع إسكان الشين، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، وقالون على أصلهما؛ أي: أَأُحْضِروا، وقرأ الباقون: بهمزة واحدة مفتوحة وفتح الشين (٢)؛ أي: أحضروا خلقَ الملائكة إناثًا؟ وهذا استهزاء بهم، وتوبيخ لهم. روي أنه - ﷺ - قال: "وما يُدريكم أن الملائكةَ إناثٌ؟ " قالوا: سمعنا من آبائنا، ونشهد بصدقهم، فنزل: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ﴾ (٣) على آبائهم بأنوثة الملائكة هنا. ﴿وَيُسْأَلُونَ﴾ عنها في الآخرة، فيجازون عليها. ... ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ يعنون: الملائكة وغيرهم؛ أي: لو لم يرض، لعجَّلَ عقوبتنا. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٤ - ٩٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٨ - ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٥ - ١٠٦). (٢) المصادر السابقة. (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٩٥)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٧٣).

الزخرف 43:21

قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ المقول ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ لأنهم لو قالوا: لو شاء الرحمن، معتقدين ذلك، لوصفوا بالعلم، ولمدحوا على ذلك، وأيضًا فحال الكافر يقتضي الاستهزاء بالمؤمن في كل وقته، ويدل على استهزائهم أيضًا أن قيل: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ يكذبون. ... ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾. [٢١] ثم زادهم توبيخًا فقال: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله ﴿فَهُمْ بِهِ﴾ بالكتاب (١) ﴿مُسْتَمْسِكُونَ﴾. ... ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] فلم يجيبوا انقطاعًا، ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ طريقة وملة. ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ جعلوا أنفسهم باتباع آبائهم مهتدين، فلا حجة لهم على ذلك غير تقليد آبائهم الجهلة. ... ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ أغنياؤها ورؤساؤها: (١) "بالكتاب" زيادة من "ت".

الزخرف 43:24

﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ متبعون. ... ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿قَالَ﴾ قرأ ابن عامر، وحفص: (قَالَ) على الخبر، وقرأ الباقون: (قُلْ) على الأمر (١) ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ ألف الاستفهام دخلت على واو العطف. قرأ أبو جعفر: (جِئْنَاكُمْ) بنون وألف على الجمع، ويبدل الهمزة ياء ساكنة، ويصل الميم بواو في اللفظ حالة الوصل على أصله، وقرأ الباقون: بالتاء مضمومة على التوحيد، وأبو عمرو يبدل الهمزة كأبي جعفر، وابن كثير وقالون يصلان الميم بخلاف عن الثاني (٢). ﴿بِأَهْدَى﴾ بدينٍ أصوبَ. ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ أتتبعون آباءكم، فأبوا أن يقبلوا. ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أيها الرسل. ﴿كَافِرُونَ﴾ أي: ثابتون على الكفر. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٨). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٩٥)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٨).

الزخرف 43:25

﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ بإهلاكهم. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ وعيد لقريش، وضربُ مثل لمن سلف من الأمم المعذَّبة المكذِّبة بأنبيائها كما كذبت هي برسول الله - ﷺ -. ... ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: واذكر وقتَ قوله ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ أي: متبرئ ولا يُثَنَّى (البراءُ) ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنه مصدر وُضع موضعَ النعت ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ من آلهتكم. ... ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن الذي فطرني لا أبرأ منه. ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ يرشدني، قال هنا: (سَيَهْدِينِ)، وقال في الشعراء [الآية: ٧٨]: (يَهْدِينِ)؛ للإيذان بدوام الهداية حالًا واستقبالًا. قرأ يعقوب: (سَيَهْدِينِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (١). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٠٩).

الزخرف 43:28

﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَجَعَلَهَا﴾ إبراهيم ﴿كَلِمَةً﴾ يعني: كلمة التوحيد. ﴿بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: كفار مكة ﴿يَرْجِعُونَ﴾ إلى الإيمان إذا علموا أن أباهم إبراهيم أوصى بذلك، وهي قوله -عز وجل-: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. ... ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين بدنياهم ﴿وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآنُ ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يبين الأحكام ويوضحها، وهو محمد - ﷺ -. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ القرآنُ؛ لينبههم عن غفلتهم، جاؤوا بما هو أقبح من غفلتهم؛ حيث ﴿قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ضموا إلى شركهم: معاندةَ الحق، واستخفافَ القرآن، واستحقارَ الرسول - ﷺ -. ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَقَالُوا لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ﴾ مكةَ

الزخرف 43:32

والطائفِ ﴿عَظِيمٍ﴾ في رئاسته بالمال والجاه، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي بمكة، وعروةَ بنَ مسعود الثقفي بالطائف، وقيل غيرهما. ... ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ثم قال تعالى: على جهة التوبيخ لهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ أي: نبوَّتَه، فيجعلون من شاؤوا أنبياء مع عجزهم؟ و (رَحْمَت) رسمت بالتاء في سبعة مواضع، ووقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (١). ثم قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ ما يعيشون به ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ لأنا قادرون على ذلك. ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ بالفقر والغنى، والحرية والرق ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ بضم السين باتفاق القراء؛ من التسخير؛ أي: ليسخر الأغنياء بأموالهم الأجراء الفقراء بالعمل، فيكون بعضهم لبعض سبب معاش، فيلتئم قوام أمر العالم. ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ الجنة ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الأموال. (١) وقد سلفت عند تفسير الآية (٢١٨) من سورة البقرة.

الزخرف 43:33

﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ثم أومأ تعالى إلى أن لا قدر للدنيا عنده بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي: لولا أن يصيروا كلهم كفارًا، فيجتمعون على الكفر. ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ وتبدل من (لِمَنْ) ﴿لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (سَقْفًا) بفتح السين وإسكان القاف مفردًا، وقرأ الباقون: بضم السين والقاف جمعًا (١). ﴿وَمَعَارِجَ﴾ مصاعِدَ، جمع مَعْرَج ﴿عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ يعلون إلى السطح. ... ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا﴾ من فضة ﴿عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ﴾ قرأ أبو جعفر: (يَتَّكُونَ) بضم الكاف وإسكان الواو من غير همز، والباقون: بكسر الكاف والهمز (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١١). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٢).

الزخرف 43:35

﴿وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿وَزُخْرُفًا﴾ ذهبًا؛ أي: لولا الخوف على المؤمن، لأعطينا الكافر هنا عطاءً جزيلًا؛ إذ لاحظ له في الآخرة في النعيم. ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَمَّا﴾ قرأ عاصم، وحمزة، وابن جماز عن أبي جعفر، وهشام بخلاف عنه: (لَمَّا) بتشديد الميم، فتكون (إِنْ) نافية بمعنى (ما)، و (لَمَّا) بمعنى (إلَّا)، تقديره: وما كلُّ ذلك إلَّا، وقرأ الباقون: بتخفيف الميم (١)، فتكون (إِنْ) مخففة من الثقيلة، و (لَمَا) بمعنى الذي، والعائد عليها من صلتها محذوف، والتقدير: وإنْ كلُّ ذلك لَلَّذِي هو. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ تلخيصه: حطام الدنيا يزول، وقد يشترك فيه المؤمن والكافر في الدنيا. ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: الجنة خاصة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الكفرَ. قال - ﷺ -: "لو كانتِ الدنيا تزنُ عندَ الله جناحَ بعوضة، لما سقى منها كافرًا شربةَ ماء" (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٢ - ١١٣). (٢) رواه الترمذي (٢٣٢٠)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في هوان الدنيا على الله عز وجل وقال: صحيح غريب، وابن ماجه (٤١١٠)، كتاب: الزهد، باب: مثل الدنيا. من حديث سهل بن سعد -رضي الله عنه-.

الزخرف 43:36

﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَمَنْ يَعْشُ﴾ يُعرض ﴿عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ فلم يخفْ عقابه، والمراد بذكر الرحمن: القرآن (١). [قال رسول الله - ﷺ -: "عليكم بلا إلهَ إلا اللَّهُ، والاستغفار، وأكثروا منهما؟ فإن إبليس قال: أهلكتُ الناسَ بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار، ولا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك، أهلكتهم بالأهواء، وهم يحسبون أنهم مهتدون"] (٢) (٣). ﴿نُقَيِّضْ﴾ نسبب ﴿لَهُ شَيْطَانًا﴾ نسلطه عليه. قرأ يعقوب: (يُقَيِّضْ) بالياء؛ أي: الرحمن، وقرأ الباقون: بالنون، واختلف عن أبي بكر راوي عاصم (٤). ﴿فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ لا يفارقه يغويه دائمًا. (١) "القرآن" زيادة من "ت". (٢) ما بين معكوفتين ساقطة من "ت". (٣) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٩)، وأبو يعلى في "مسنده" (١٣٦)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠٧): فيه عثمان بن مطر. وهو ضعيف. (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٩٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٤).

الزخرف 43:37

﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ يعني: الشياطين ﴿لَيَصُدُّونَهُمْ﴾ يمنعون العاشِين. ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ عن طريق الهدى ﴿وَيَحْسَبُونَ﴾ كفارُ الإنس ﴿أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾. ... ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (جَاءَانَا) بألف بعد الهمزة على التثنية؛ أي: العاشي والشيطان، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد (١)؛ أي: إذا جاء العاشي القيامةَ، ورأى أهوالَها ﴿قَالَ﴾ لشيطانه تندمًا: ﴿يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ﴾ أي: بُعْدَ ما بينَ المشرق والمغرب، فغلِّب المشرقُ كتغليب القمر في القمرين للشمس والقمر. ﴿الْقَرِينُ﴾ الشيطانُ. ... ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] فعند دخول العاشين النار يقال لهم: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ﴾ في الآخرة. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٩٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٤ - ١١٥).

الزخرف 43:40

﴿إِذْ ظَلَمْتُمْ﴾ أشركتم في الدنيا ﴿أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: لا ينفعكم الاشتراك في العذاب، ولا يخفف الاشتراك عنكم شيئًا منه؛ لأن لكل واحد منهم (١) من الكفار والشياطين الحظَّ الأوفرَ من العذاب. ... ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾. [٤٠] ولما كان - ﷺ - يبالغ في طلب إيمان الكفار، نزل إيماءً إلى أن لا نافعَ إلا هو تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ والمراد: من حقت عليه كلمة العذاب. ... ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ﴾ يا محمد؛ بأن نُميتك قبلَ تعذيب الكفار، هنا قرأ رويس عن يعقوب: (نَذْهَبَنْ) (أو نُرِيَنْكَ) بإسكان النون مخففة فيهما، والباقون: بفتحها مشددة فيهما (٢). ﴿فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ بعدك بالقتل وفي الآخرة بالعذاب. (١) "منهم" زيادة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٥ - ١١٦).

الزخرف 43:42

﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ﴾ في حياتك ﴿الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ﴾ به من العذاب إن لم يؤمنوا. ﴿فَإِنَّا عَلَيْهِمْ﴾ وعلى إهلاكهم ﴿مُقْتَدِرُونَ﴾ قادرون. ... ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ وهو القرآن، واعمل به، أمرٌ له - ﷺ - والمرادُ غيرُه. ﴿إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا عِوَجَ له. ... ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَذِكْرٌ﴾ لشرفٌ ﴿لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قريش. ﴿وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾ عن القيام بحق القرآن. ... ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ أي: الأنبياء الذين لقيتَهم ليلةَ الإسراء، وهم سبعون جُمعوا له ببيت المقدس: ﴿أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ومعنى السؤال: التقريرُ لمشركي

الزخرف 43:46

مكة أنه لم يأت رسول ولا كتاب بعبادة غير الله عز وجل، فلم يشكك - ﷺ -، ولم يسألهم، وكان أثبت يقينًا من ذلك، وتقدم ذكر ذلك في سورة الإسراء في قصة المعراج. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (وَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز، وقرأ أبو عمرو: (رُسْلِنا) بإسكان السين، والباقون: بضمها (١). ... ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهذه آية ضرب مثل وأسوة لمحمد - ﷺ - بموسى عليه السلام، ولكفار قريش بقوم فرعون وملئه، والآيات التي أرسل بها موسى هي التسع وغيرها. ... ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً. ... ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٦).

الزخرف 43:48

[٤٨] ﴿وَمَا نُرِيهِمْ﴾ أي: القبطَ ﴿مِنْ آيَةٍ﴾ كالطوفان والجراد والضفادع. ﴿إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ التي قبلها؛ ليكون العذاب أعظم. قرأ يعقوب: (نُرِيهِمُ) بضم الهاء، وقرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وقالون بخلاف عنه: (نُرِيهمُو) بصلة الميم بواو في اللفظ (١) حالة الوصل، والباقون: بكسر الهاء وإسكان الميم (٢). ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ بالسنين، والطوفان، وغيرِهما. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم. ... ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩)﴾. [٤٩] وعند مجيء موسى -عليه السلام- بالآيات، ذلوا ﴿وَقَالُوا﴾ تعظيمًا له: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ﴾ أي: العالم الكامل. قرأ ابن عامر: (يَا أَيُّهُ) بضم الهاء في الوصل، والباقون: بفتحها، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: يقفون (يَا أَيُّهَا) بالألف، والباقون: بغير ألف (٣) ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ﴾ أي: (١) "في اللفظ" زيادة من "ت". (٢) انظرها عند تفسير الآية (٦) من سورة البقرة. (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦١ - ١٦٢)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٧ - ١١٨).

الزخرف 43:50

بعهده ﴿عِنْدَكَ﴾ أنك مجاب الدعوة. ﴿إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾ مؤمنون، وعدٌ منهم معلن بشرط الدعاء. ... ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ﴾ بدعاء موسى. ﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ ينقُضون عهدَهم، ويُصِرُّون على كفرهم. ... ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١)﴾. [٥١] ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ افتخارًا. ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ وهو من نحو الإسكندرية إلى أسوان بطول النيل ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ﴾ وهي الخلجان الكبار الخارجة من النيل، وأعظمها نهر الإسكندرية، وتنبس، ودمياط، ونهر طولون ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ أي: من تحت قصوري وسريري، وبين يدي (١)، وفي بساتيني. قال الحافظ أبو الفرج بن الجوزي - رحمه الله - يومًا في قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾: ويحه! افتخر بنهر ما أجراه ما أجراه. قرأ الكوفيون، وابن عامر، ويعقوب، وقنبل عن ابن كثير: (تَحْتِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢). (١) "وبين يدي" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، =

الزخرف 43:52

﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ عظمتي؟ ... ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿أَمْ﴾ أي: بل ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ ضعيف حقير. ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ معنى كلامه إشارة إلى العقدة في لسانه التي حدثت بسبب الجمرة. ... ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا ﴿أُلْقِيَ عَلَيْهِ﴾ إن كان صادقًا ﴿أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع سِوار؛ لأنهم إذا سَوَّدوا رجلًا، ألبسوه أسورة ذهب، وطوقوه طوق ذهب، فقال فرعون: هلَّا ألقى رب موسى عليه من السماء أسورة من ذهب إن كان سيدًا تجب طاعته. قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (أَسْوِرَةٌ) بإسكان السين من غير ألف بعدها جمع سوار، وقرأ الباقون: بفتح السين وألف بعدها (١)، جمع أسورة، وهي جمع الجمع. ﴿أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ متتابعين يشهدون بصدقه. = و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٨). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١١٩ - ١٢٠).

الزخرف 43:54

﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ﴾ استعجلهم وطلب خِفَّتهم، وطلب (١) إجابتهم إلى غرضه ﴿فَأَطَاعُوهُ﴾ فيما يريده. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ فلذلك أطاعوا ذلك الفاسق. ... ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ أغضبونا (٢). ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ في اليم. ... ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي: بضم السين واللام، جمع سَليف؛ من سلَفَ؛ أي: تقدم، وقرأ الباقون: بفتحهما (٣)، جمع سالف؛ أي: جعلناهم متقدمين؛ ليتعظ بهم الآخرون ﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ بعدَهم، يتمثلون بحالهم، فلا يُقْدِمون على مثل فعالهم. (١) "وطلب" ساقطة من "ت". (٢) "أغضبونا" زيادة من "ت". (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٠).

الزخرف 43:57

﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾. [٥٧] ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ في خلقه من غير أب، فشبه بآدم في خلقه من غير أب ولا أم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]. ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وعاصم، وحمزة: بكسر الصاد؛ أي: يَضِجُّون، يقولون: ما يريد محمدٌ منا إلا أن نعبده ونتخذه إلهًا؛ كما عبدت النصارى عيسى، وقرأ الباقون: بضم الصاد (١)؛ أي: يعرضون. ... ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ يعنون محمدًا، فنعبده ونترك آلهتنا. قرأ الكوفيون، وروح عن يعقوب: (آَالِهَتُنَا) بتحقيق الهمزتين، وقرأ الباقون: بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية (٢)، ولم يدخل هنا أحد بينهما ألفًا؛ لئلا يصير اللفظ في تقدير أربع ألفات: الأولى همزة الاستفهام، والثانية الألف الفاصلة، والثالثة همزة القطع، والرابعة المبدلة من الهمزة الساكنة، وذلك إفراط في التطويل، وخروج عن كلام العرب. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٦٤ - ٣٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢١ - ١٢٢).

الزخرف 43:59

﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ﴾ أي: هذا المثلَ، وهو ﴿أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾. ﴿إِلَّا جَدَلًا﴾ خصومة بالباطل. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ لُدٌّ شديدو الخصومة، والجدل: فتل الخصم عن قصده؛ لطلب صحة قوله، وإبطال غيره، وهو مأمور به على وجه الإنصاف وإظهار الحق بالاتفاق. ... ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: عيسى ﴿إِلَّا عَبْدٌ﴾ مربوبٌ، فلا يجوز أن يكون إلهًا، لكن ﴿أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ بالنبوة ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا﴾ آية ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يستدلون بها على قدرة الله على خلقه من غير أب. ... ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ﴾ أي: أهلكناكم، وجعلنا بدلًا منكم. ﴿مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ يكونون خَلَفًا منكم. ... ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾. [٦١] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: نزول عيسى ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي: شرط من أشراط الساعة.

الزخرف 43:62

﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ لا تشكُّنَّ فيها ﴿وَاتَّبِعُونِ﴾ على التوحيد. ﴿هَذَا﴾ الذي آمرُكم به ﴿صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ لا يضل سالكه. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر: (وَاتّبَعُونبي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١). ... ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ﴾ يصرفَنَّكم ﴿الشَّيْطَانُ﴾ عن دين الله. ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ العداوة. ... ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى﴾ بني إسرائيل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات والشرائع ﴿قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ﴾ بشرائع الإنجيل ﴿وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ من أحكام التوراة؛ لأنهم اختلفوا في أمر الدين وغيره، فبين لهم أمر الدين دون أمر الدنيا. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ قرأ يعقوب: (وَأَطِيعُونِي) بإثبات الياء، والباقون: بحذفها (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٣). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٤).

الزخرف 43:64

﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ بيان لما أمرهم به، وهو التوحيد. ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ حكاية عن عيسى؛ إذ أشار إلى شرعه. ... ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ الذين تحزبوا من بني إسرائيل، فمنهم من آمن به، وهو قليل، وكفر الغير، وهذا إذ كان معهم حاضرًا ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ من تلقائهم، ومن أنفسهم ثار شرهم، ولم يدخل عليهم اختلاف من غيرهم. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم المشركون. ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ هو يوم القيامة. ... ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾. [٦٦] ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون؛ يعني: قريشًا ﴿إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة دون مقدمة ولا إنذار بها ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ لاشتغالهم بالدنيا. ... ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾. [٦٧] ﴿الْأَخِلَّاءُ﴾ على المعصية في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يومَ القيامة.

الزخرف 43:68

﴿بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ المتحابين في الله على طاعته؛ فإن خلتهم نافعة أبدًا. ... ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿يَاعِبَادِ﴾ أي: يقال للمتقين: يا عبادي. قرأ أبو بكر عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (يَا عِبَادِيَ) بفتح الياء، ووقفا عليها ساكنة، وأسكنها نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر في الوصل والوقف، وحذفها الباقون في الحالين، وهذه الياء مثبتة في مصاحف المدينة والشام، محذوفة في مصحف أهل مكة والعراق (١). ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾. ... ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾. [٦٩] روي أن الناس يبعثون، وكلٌّ فزع، فينادي مناد: ﴿يَاعِبَادِ﴾ الآية، فيرجوها الناس كلهم، فإذا قيل: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ فييئسون منها غير المسلمين (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٤). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٦٣٩)، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٠٦).

الزخرف 43:70

﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾ تُسَرُّون. ... ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾. [٧١] فإذا دخلوا الجنة، واستقروا فيها ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ﴾ بقِصاع ﴿مِنْ ذَهَبٍ﴾ جمع صحيفة، وهي القصعة الواسعة ﴿وَأَكْوَابٍ﴾ جمع كوب، وهي أباريق لا عرا لها ولا خراطيم؛ ليشرب الشارب من حيث شاء. ﴿وَفِيهَا﴾ أي: في الجنة ﴿مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ تلذذًا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (تشتَهِيهِ) بزيادة هاء ضمير مذكر بعد الياء على الأصل، وكذلك هو في المصاحف المدنية والشامية، وقرأ الباقون: بحذفها استخفافًا، وكذلك هو في مصاحف العراق (١) ﴿وَتَلَذُّ﴾ أي: تلتذُّ به ﴿الْأَعْيُنُ﴾ إذا شوهد. ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ دائمون. ... ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿الْجَنَّةُ﴾ صفتها. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٥).

الزخرف 43:73

﴿الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ المعنى: أن الجنة قد دخلت في ملككم كدخول الميراث في ملك وارثه؛ بفضل الله وهداه، وليس المعنى: أن أعمالهم أوجبت على الله دخولهم الجنة، وإنما حظوظُهم منها على قدر أعمالهم. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: (أُورثتُّمُوها) بإدغام الثاء في التاء، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ في الحديث: "لا ينزعُ رجلٌ من الجنة من ثمرها إلَّا نبت مكانها مِثْلاها" (٢). ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهم الكفار ﴿فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ خبر (إن). ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾. [٧٥] ﴿لَا يُفَتَّرُ﴾ لا يُخَفَّف ﴿عَنْهُمْ﴾ العذابُ. ﴿وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ آيسون. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٥). (٢) رواه البزار في "مسنده" (١٠/ ٤١٤ - "مجمع الزوائد" للهيثمي)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٤٤٩)، من حديث ثوبان رضي الله عنه. قال الهيثمي: وأحد إسنادي البزار ثقات.

الزخرف 43:76

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (٧٦)﴾. [٧٦] ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾ بأن وضعنا العذاب فيمن لا يستحقه. ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ بأن وضعوا العبادة فيمن لا يستوجبها، ووضعوا الكفر في جنب الله. ... ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾. [٧٧] ﴿وَنَادَوْا﴾ عند طول مكثهم وشدة العذاب: ﴿يَامَالِكُ﴾ يدعون خازن النار ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ليمتنا فنستريح، قال مجيبًا لهم بعد ألف سنة: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ مقيمون في العذاب. ... ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾. [٧٨] ثم يقال لهم توبيخًا: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ﴾ أي أرسلنا إليكم رسولَنا. ﴿بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾ لما في اتباعه من إتعاب النفس، وقد ورد لفظ القضاء في القرآن على عشرة أوجه: الأول: بمعنى الفراغ من الشيء، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [الآية: ٢٠٠]، الثاني: بمعنى وجوب العذاب، ومنه قوله تعالى في سورة البقرة أيضًا: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الآية: ٢١٠]، الثالث: بمعنى تقدير المدة، ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الآية: ٢]، الرابع: بمعنى التمام، ومنه قوله في سورة الأنعام أيضًا: ﴿لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الآية: ٦٠]،

الزخرف 43:79

الخامس: بمعنى الفصل، ومنه قوله في سورة يونس: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [الآية: ٥٤]، السادس: بمعنى الختم، ومنه قوله في سورة يوسف: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [الآية: ٤١]، السابع: بمعنى الخبر، ومنه قوله في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الآية: ٤]، الثامن: بمعنى الأمر، ومنه قوله في سورة الإسراء أيضًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الآية: ٢٣]، التاسع: بمعنى الفعل، وهو قوله في طه: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [الآية: ٧٢]، العاشر: بمعنى الموت، ومنه قوله هنا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، وقد ذُكر كل شيء من ذلك في محله. ... ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿أَمْ أَبْرَمُوا﴾ أحكموا: أهل مكة ﴿أَمْرًا﴾ في كيد محمد - ﷺ -؛ كما فعلوا في اجتماعهم على قتله في دار الندوة، إلى غير ذلك. ﴿فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾ كيدَنا بإهلاكهم. ... ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ﴾ ما يخطر ببالهم ﴿وَنَجْوَاهُمْ﴾ ما يتناجون بينهم جهرًا ﴿بَلَى﴾ نسمعُها ﴿وَرُسُلُنَا﴾ الحفظةُ ﴿لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما يُسرون وما يُعلنون.

الزخرف 43:81

﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ في زعمكم. قرأ حمزة، والكسائي: (وُلْدٌ) بضم الواو وإسكان اللام، والباقون: بفتحهما (١) ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ لله؛ فإنه واحد لا شريك له، ولا ولد، نزلت لما قيل: الملائكة بنات الله؛ تبكيتًا لهم. قرأ نافع، وأبو جعفر: (فَأَنَا أَوَّلُ) بالمد (٢). ... ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ثم نزه تعالى نفسه، فقال: ﴿سُبْحَانَ﴾ الله (٣). ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يقولون؛ من الكذب، وخص السموات والأرض والعرش؛ لأنها أعظم المخلوقات. ... ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم. ﴿حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه العذاب، وهو يوم القيامة. قرأ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٩ - ١٥٠)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٧). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٧ - ١٢٨). (٣) لفظ الجلالة "الله" سقط من "ت".

الزخرف 43:84

أبو جعفر: (يَلْقَوْا) بفتح الياء وإسكان اللام وفتح القاف من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وألف بعدها وضم القاف (١). ... ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: هو النافذ أمره في كل شيء، وهو المستحق لأن يُعبد في السماء والأرض. ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ في تدبير خلقه. ﴿الْعَلِيمُ﴾ بصلاحهم. واختلاف القراء في الهمزتين من قوله: (فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ) كاختلافهم فيهما من قوله (عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ) في سورة النور [الآية: ٣٣]. ... ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَتَبَارَكَ﴾ تعظَّمَ وتقدَّس. ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من جميع الموجودات. ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ أي: علمُ تحديدِ قيامها، والوقوف على تعيينه وحصره. ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٨).

الزخرف 43:86

ورويس عن يعقوب: (يُرْجَعُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، ومنهم روح عن يعقوب، ويعقوب على أصله في فتح حرف المضارعة وكسر الجيم (١). ... ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿وَلَا يَمْلِكُ﴾ آلهتُهم ﴿الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿الشَّفَاعَةَ﴾ كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكن من شهد. ﴿بِالْحَقِّ﴾ وهم عيسى وعزير والملائكة، فإنهم عُبدوا من دون الله، ويملكون شفاعة بأن يملِّكها الله إياهم؛ إذ هم ممن شهد بالحق، وهو قول لا إله إلا الله كلمة التوحيد. ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. ... ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ يُصْرَفون (٢) عن عبادته. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٢٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠٩)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٢٩). (٢) "يصرفون" زيادة من "ت".

الزخرف 43:88

﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾. [٨٨] ﴿وَقِيلِهِ يَارَبِّ﴾ يعني: قول محمد - ﷺ - شاكيًا إلى ربه: يا ربِّ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قرأ عاصم، وحمزة: (وَقِيلِهِ) بخفض اللام وكسر الهاء على معنى: وعندَه علمُ الساعة وعلمُ قيلِه: يا رب! وقرأ الباقون: بنصب اللام وضم الهاء (١)، ولها وجهان: أحدهما: معناه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، وقيلَه: يا رب! والوجه الثاني: وقالَ وقيلَه. ... ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾. [٨٩] ﴿فَاصْفَحْ﴾ فاعف ﴿عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ أي: قولًا تسلم به من شرهم، ومعناه: المتاركة، ونسختها آية السيف. ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ من الله لهم، وتسليةٌ للنبي - ﷺ -. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (تَعْلَمُونَ) بالخطاب، والباقون: بالغيب (٢)، والله أعلم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٨٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٨١٠) و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣١).

الدخان 44:1

سُورَةُ الدُّخَانِ مكية إلا قوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ الآية، وآيها: تسمع وخمسون آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وأحد وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وست وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾. [١] ﴿حم﴾ تقدم الكلام في معناه ومذاهب القراء فيه أول سورة غافر، وتقدم إعرابه في أول الزخرف. ... ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾. [٢] ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ تقدم تفسيره، وهو قَسَم أقسم الله به. ... ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣)﴾. [٣] وجواب القسم: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: الكتابَ، وهو القرآن ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ هي ليلة القدر على المشهور، ويأتي الكلام عليها في سورة القدر،

الدخان 44:4

نزل فيها القرآن من أم الكتاب من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، ثم نزل به جبريل -عليه السلام- نجومًا في نيف وعشرين سنة، وقيل: هي ليلة النصف من شعبان، وسميت مباركة؛ لكثرة خيرها وبركتها على العالمين. روي عن النبي -عليه السلام-: أنه قال: "ينزل الله - جل ثناؤه - ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا، فيغفر لكل نفس، إلا إنسانًا في قلبه شيء" (١)؛ أي: شركًا بالله. وعنه - ﷺ -: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، ولقد أخرج اسمه في الموتى" (٢). ﴿إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ للكافر بالعذاب. ... ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾. [٤] ﴿فِيهَا﴾ في الليلة المباركة ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل (٣) ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ محكم من خير وشر، وأجل ورزق، وكل ما هو كائن من السنة إلى السنة. (١) رواه ابن أبي عاصم في "السنة" (١/ ٢٢٢)، والعقيلي في "الضعفاء" (٣/ ٢٩)، من حديث القاسم بن محمد، عن أبيه أو عمه، عن جده أبي بكر رضي الله عنه، به. وإسناده ضعيف. قال العقيلي: وفي النزول في ليلة النصف من شعبان أحاديث فيها لين، والرواية في النزول في كل ليلة أحاديث ثابتة صحاح، فليلة النصف من شعبان داخلة فيها إن شاء الله. (٢) رواه البيهقي في "شُعب الإيمان" (٣٨٣٩) عن عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس، مرسلًا. (٣) "يفصل" زيادة من "ت.".

الدخان 44:5

﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥)﴾. [٥] ﴿أَمْرًا﴾ أي: أنزلناه أمرًا. ﴿مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ محمدًا - ﷺ - إلى عبادنا. ... ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦)﴾. [٦] ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: "رأفة مني بخلقي، ونعمة عليهم بما بعثنا إليهم من الرسل" (١). ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوال العباد ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالهم. ... ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ إن الله رب السموات والأرض. قرأ الكوفيون: (رَبِّ السَّمَوَاتِ) بالخفض ردًّا على قوله: (مِنْ رَبِّكَ)، والباقون: بالرفع ردًّا على قوله: (هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وإن شئت على الابتداء (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١١٢). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٦).

الدخان 44:8

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾. [٨] ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا شريك له ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ بقدرته. ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فأيقِنوا أن القرآن تنزيله، وأن محمدًا رسوله. ... ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿بَلْ﴾ إضراب قبله نفي مقدر؛ كأنه يقول: ليس هؤلاء ممن يؤمن، بل. ﴿هُمْ فِي شَكٍّ﴾ من الساعة والقرآن ﴿يَلْعَبُونَ﴾ استهزاء بك يا محمد. ... ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾. [١٠] ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فانتظر ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ ظاهر، وذلك لما دعا النبي - ﷺ - على قريش فقال: "اللهم أَعِنِّي عليهم بسبعٍ كسبعِ يوسفَ"، فأخذتهم سَنَةٌ حتى هلكوا فيها، وأكلوا الميتة والعظام، فكان الجائع يرى بينه وبين السماء دخانًا من شدة الجوع، فجاء أبو سفيان النبيَّ - ﷺ -، وقال: يا محمد! تأمر بصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا، فادعُ لهم؛ فإنهم لك مطيعون، فقرأ: ﴿فَارْتَقِبْ﴾ إلى ﴿عَائِدُونَ﴾ (١). (١) رواه البخاري في (٤٤٩٦)، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الروم، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-. قال ابن بطَّال (١٩/ ١٧٢): كان - ﷺ - يدعو على المشركين على حسب ذنوبهم وإجرامهم، فكان يبالغ في الدعاء على مَن =

الدخان 44:11

﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿يَغْشَى النَّاسَ﴾ يحيط بهم، فإذا غشيهم، قالوا: ﴿هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ... ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾. [١٢] ويقولون: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ﴾ مصدقون بنبينا. ... ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣)﴾. [١٣] وعلم الله تعالى قولهم في حال الشدة: (إِنَّا مُؤْمِنُونَ) إنما هو عن حقيقة منهم، فدل على ذلك بقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى﴾ كيف يتذكرون الإيمان عند نزول العذاب. ﴿وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ يبين لهم أحكام الدين؛ يعني: محمدًا - ﷺ -. = اشتد أذاه للمسلمين، ألا ترى أنه لمَّا يئس من قومه قال: "اللهم اشدد وطأتك على مضر.. " ودعا على أبي جهل، ودعا على الأحزاب بالهزيمة والزلزلة، فأجاب اللهُ دعاءه فيهم... فبالغ في الدعاء عليهم لشدة إجرامهم، ونهى عائشة عن الرد على اليهود باللعنة، وأمرها بالرفق في المقارضة لهم، والرد عليهم مثل قولهم، ولم يبح لها الزيادة والتصريح، فيمكن أن يكون كان ذلك منه - ﷺ - على وجه التألف لهم والطمع في إسلامهم. والله أعلم.

الدخان 44:14

﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾. [١٤] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا ﴿عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ﴾ أي: عُلِّم ما جاء به، وليس من عند الله، يقول هذا بعضُهم، وبعضهم يقول: إنه ﴿مَجْنُونٌ﴾. ... ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥)﴾. [١٥] قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا﴾ أي: زمانًا يسيرًا، وإن كشفناه عنكم. ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ إلى كفركم، فرفع عنهم القحط بدعاء النبي - ﷺ -، فعادوا إلى الشرك. ... ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿يَوْمَ﴾ المعنى: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم يوم. ﴿نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ وهو يوم بدر. ﴿إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قرأ أبو جعفر: (نَبْطُشُ) بضم الطاء، والباقون: بكسرها (١)، والكسائي يميل الشين حيث وقف على هاء التأنيث. ... ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾. [١٧] ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا﴾ بَلَونا ﴿قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٣).

الدخان 44:18

﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ بالإمهال، وكثرة الأموال، فارتكبوا المعاصي. ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ على الله، وهو موسى بن عمران عليه السلام. ... ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨)﴾. [١٨] فقال لهم: ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ سَلِّموا ﴿إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾ بني إسرائيل؛ لأذهب بهم إلى الشام ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ على الوحي. ... ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَأَنْ لَا تَعْلُوا﴾ تَطْغَوا ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ فتعصوه ﴿إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة ظاهرة، ودليل واضح على رسالتي. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ... ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾. [٢٠] فلما قال ذلك، توعدوه بالقتل، فقال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ أي: تقتلون. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وعاصم، ويعقوب بخلاف عن أبي جعفر: (عُذْتُ) (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٣)، و "التيسير" للداني (ص: ١٩٨) و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٨).

الدخان 44:21

بإظهار الذال عند التاء (١)، والباقون: بإدغامها (٢)، وقرأ ورش: (تَرْجُمُونِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (٣). ... ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ فاعتزلوا أذاي باليد واللسان. واختلاف القراء في (فَاعْتَزِلُونِي) كاختلافهم في (تَرْجُمُونِ)، وورش بفتح الياء من (لِيَ)، والباقون يسكنونها. ... ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] فلم يؤمنوا ﴿فَدَعَا رَبَّهُ﴾ عليهم ﴿أَنَّ﴾ أي: بأن. ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ مشركون. ... ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] فقال الله تعالى: ﴿فَأَسْرِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير: (١) "عند التاء" زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٨). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٨ - ١٣٩).

الدخان 44:24

بوصل الألف، والباقون: بقطع الهمزة مفتوحة (١). ﴿بِعِبَادِي﴾ بني إسرائيل ﴿لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يتبعكم فرعون وقومه ليقتلكم. ... ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ ساكنًا بعد أن انفرق؛ لأن موسى لما قطع البحر، عطف ليضرب البحر بعصاه ليلتئم؛ خوفًا أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اترك البحر كحاله حتى يدخله القبط. ﴿إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ أخبر موسى بإغراقهم؛ ليطمئن قلبه في ترك البحر كما جاوزه. ... ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥)﴾. [٢٥] ثم ذكر ما تركوه بمصر، فقال: ﴿كَمْ تَرَكُوا﴾ (كَمْ) خبر للتكثير. ﴿مِنْ جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَعُيُونٍ﴾ روي أنها كانت متصلة من رشيد إلى أسوان، وقدر المسافة بينهما أكثر من عشرين يومًا. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (وَعِيُونٍ) بكسر العين، والباقون: بضمها (٢). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٩ - ١٤٠). (٢) المصدران السابقان.

الدخان 44:26

﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾. [٢٦] ﴿وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ مجلس حسن، وسمي كريمًا؛ لأنه مجلس الملوك. ... ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَنَعْمَةٍ﴾ -بفتح النون-: الترفُّه، وبالكسر: الإنعام، و-بالضم-: المسرة، والتلاوة بالأول ﴿كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ قرأ أبو جعفر: (فَكِهِينَ) بغير ألف بعد الفاء؛ أي: بَطِرين، وقرأ الباقون: بالألف (١)؛ أي: ناعمين. ... ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: أفعل بمن عصاني ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا﴾ أي: أموالَ القبط. ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾ من بني إسرائيل. ... ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ذلك أن المؤمن إذا مات، تبكي عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، وهؤلاء لم يكن يصعد لهم عمل صالح فتبكي السماء على فقده، ولا لهم على الأرض عمل صالح فتبكي (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٤ - ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٠).

الدخان 44:30

الأرض عليه، فأهلكوا، ولم يكن لهم قدر. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾ مؤخَّرين عند نزول العذاب (١). ... ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ قتلِ الأبناء، واستحياءِ النساء، والتعبِ من العمل. ... ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾. [٣١] وتبدل من العذاب ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا﴾ متكبرًا (٢). ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ في العتو. ... ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ﴾ أي: بني إسرائيل ﴿عَلَى عِلْمٍ﴾ مِنَّا بحالهم. ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: عالَمي زمانهم. ... ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ﴾ كفرق البحر، والمن والسلوى، وغيرها. (١) "عند نزول العذاب" زيادة من "ت". (٢) "متكبرًا" زيادة من "ت".

الدخان 44:34

﴿مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ اختبار ظاهرَ، والله تعالى يختبر بالنعم كما يختبر بالنقم. ... ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ﴾. [٣٤] ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ﴾ يعني: مشركي مكة ﴿لَيَقُولُونَ﴾ حين قيل لهم: إنكم تموتون ثم تحيون: ... ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى﴾ التي في الدنيا ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ بمبعوثين. ... ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا﴾ الذين ماتوا ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نُبعث أحياء بعد الموت. ... ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)﴾. [٣٧] ثم خوَّفهم مثلَ عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ﴾ في القوة والمنعة. ﴿أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو الحِمْيَرِيُّ ملك اليمن، سمي بذلك؛ لكثرة أتباعه، وكل واحد منهم يسمى تُبَّعًا؛ لأنه يتبع صاحبه، وكان هذا يعبد النار، فأسلم

الدخان 44:38

ودعا قومه إلى الإسلام، ، وهم حِمْيَر، فكذبوه، فذم الله قومه ولم يذمه، وكانت عائشة تقول: "لا تسُبُّوا تبعًا؛ فإنه كان رجلًا صالحًا (١) " (٢)، وقال سعيد بن جبير: "هو الذي كسا البيت، وهو الذي بنى سمرقند، وكان اسمه أسعد (٣) أبو كرب بن مليك" (٤). وعنه - ﷺ - أنه قال: "لا تسُبُّوا تبُّعًا؛ فإنه كان قد أسلم" (٥). ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم الكافرة ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بالكفر. ... ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الجنسين ﴿لَاعِبِينَ﴾ لاهِين. (١) "صالحًا" ساقطة من "ت". (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٠)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ١١٨). (٣) "أسعد" زيادة من "ت". (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١١٨)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٤٦). (٥) رواه أحمد في "المسند" (٥/ ٣٤٠)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٦٠١٣)، من حديث سهل بن سعد الساعدي، ورواه الطبراني أيضًا في "المعجم الكبير" (١١٧٩٠) من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال ابن حجر في "الفتح" (٨/ ٥٧١) رواه أحمد من حديث سهل، ورواه الطبراني من حديث ابن عباس مثله، وإسناده أصلح من إسناد سهل.

الدخان 44:39

﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ بالواجب المقتضي للخيرات. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقلة نظرهم. ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ بين الخلائق، وهو يوم القيامة. ﴿مِيقَاتُهُمْ﴾ وقتُ اجتماع الخلائق. ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يوافي الأولون والآخرون. ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤١)﴾. [٤١] وتبدَلُ من ﴿يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى﴾ من قرابة، وغيرها من موالي العتق والصدقة ﴿عَنْ﴾ أيِّ ﴿مَوْلًى﴾ كان ﴿شَيْئًا﴾ من العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يُمنعون من العذاب. ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾ من المؤمنين؛ فإنه يُشفع له، ويُشَفَّع، استثناء متصل. ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيز﴾ الذي لا يُنصر منه من أراد تعذيبَه. ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن أراد أن يرحمه.

الدخان 44:43

﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾. [٤٣] ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ تقدم ذكرها في سورة الصافات. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب على (شَجَرَةَ) بالهاء (١). ... ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾. [٤٤] ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ أي: كثير الإثم، وهو أبو جهل وأصحابه. روي عن أبي الدرداء: "أنه أقرأ إنسانًا ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾، فقال: طَعَامُ اليتيمِ، مرارًا، فقال: قُلْ: طعامُ الفاجرِ يا هَذا" (٢)، وفي هذا دليل لمن يجوِّزُ إبدالَ كلمة بكلمة إذا أَدَّت معناها، وتقدم في الفصل الرابع أول التفسير ذكر الخلاف في جواز القراءة بالفارسية. ... ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿كَالْمُهْلِ﴾ وهو دُرْدِيُّ الزيت ﴿يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (يَغْلِي) بالياء على التذكير؛ يعني: المهل، وقرأ الباقون: بالتاء على التأنيث (٣)؛ يعني: الشجرة. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤١). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٦٨٤). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٤١٨). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١١٩)، و "النشر في =

الدخان 44:46

﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ كالماء الحار إذا اشتد غليانه. ... ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾. [٤٧] فيؤمر بإلقاء الكافر في النار، فيقال للزبانية: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: (فَاعْتُلُوهُ) بضم التاء، والباقون: بكسرها، وهما لغتان (١)؛ أي: سوقوه بعنف ﴿إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ وسطه. ... ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾. ... ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾. [٤٩] ثم يقال لأبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ﴾ قرأ الكسائي: (أَنَّكَ) بفتح الهمزة؛ أي: لأنك ﴿أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ على سبيل التهكم، وقرأ الباقون: بكسرها على الابتداء (٢). = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٢٠)، وباقي المصادر في التعليق السابق. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٣)، و "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٢ - ١٤٣).

الدخان 44:50

﴿إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾. [٥٠] وذلك أن أبا جهل كان يقول للنبي - ﷺ -: أنا أعز أهل الوادي، وأكرمُهم، فوالله لن تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئًا (١)، فثَمَّ يقال له: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: الأمر الذي أنتم فيه ﴿مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ تشكُّون. ... ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾. [٥١] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (مُقَامٍ) بضم الميم على المصدر؛ أي؛ في إقامة، وقرأ الباقون: بالنصب (٢)؛ أي: مجلس ﴿أَمِينٍ﴾ من الفتن والمحن. ... ﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾. [٥٢] ﴿فِي جَنَّاتٍ﴾ بدل من مقام ﴿وَعُيُونٍ﴾ تقدم اختلاف القراء في كسر العين وضمها من (عُيُونٍ) في الحرف المتقدم [الآية: ٢٥]. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٤٨) عن قتادة، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٢٠)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٥١). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٢٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٣).

الدخان 44:53

﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ﴾ وهو ما رَقَّ من الديباج ﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظ منه ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض؛ لدوران الأسرة بهم. ... ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: والأمر كذلك ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ قَرَنَّاهم. ﴿بِحُورٍ عِينٍ﴾ عِظامِ العيون حسانها، نقيات البياض؛ أي: جعلناهم اثنين اثنين، ذكرًا وأنثى، ليس من عقد التزويج. ... ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿يَدْعُونَ فِيهَا﴾ يطلبون في الجنة أن يجاؤوا ﴿بِكُلِّ فَاكِهَةٍ﴾ اشتهوها ﴿آمِنِينَ﴾ من انقطاعها ومضرتها، ومن كل مخوف. ... ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ التي في الدنيا. ﴿وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾.

الدخان 44:57

﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: أُعطوا ذلك تفضلًا منه ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ... ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ﴾ أي: القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ بلغتك؛ لتفهمه العرب عنك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون فيؤمنون. ... ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿فَارْتَقِبْ﴾ فانتظر نصرَنا لك ﴿إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ فيما يظنون الدوائرَ عليك، وفي هذه الآية وعد له - ﷺ -، ووعيد لهم، وفيه متاركة لهم، وهذا وما جرى مجراه منسوخ بآية السيف، والله أعلم.

الجاثية 45:1

سُوْرَةُ الجَاثِيَة مكية إلا ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ الآية، وآيها: سبع وثلاثون آية، وحروفها: ألفان ومئة وواحد وتسعون حرفًا، وكلمها: أربع مئة وثمان وثمانون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١)﴾. [١] ﴿حم﴾ مبتدأ. ... ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. [٢] خبره ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ في شدةِ أخذه إذا انتقم، ودفاعِه إذا حمى ونصر ﴿الْحَكِيمِ﴾ المحكِم للأشياء. ... ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾. [٣] ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: في خلقها ﴿لَآيَاتٍ﴾ لدلالاتٍ على قدرته تعالى وتوحيده ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المصدِّقين.

الجاثية 45:4

﴿وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿وَفِي﴾ تغيير ﴿خَلْقِكُمْ﴾ من حال إلى حال دلالة أيضًا على ذلك. ﴿وَمَا يَبُثُّ﴾ يفرِّق في الأرض ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ هي كل حيوان يدب. ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالبعث. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (آيَاتٍ) بكسر التاء ردًّا على قوله: (لآيَاتٍ)، وهي موضع النصب، وقرأ الباقون: بالرفع على الاستئناف (١). ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿وَاخْتِلَافِ﴾ جر بـ (في) غير الأولى، التقدير: وفي اختلاف. ﴿اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ بالنور والظلام. ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ أي: مطر؛ لأنه سبب الرزق. ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يبسها. ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ باختلاف جهاتها وأحوالها. ﴿آيَاتٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي: (الرِّيحِ) بغير ألف على التوحيد (آيَاتٍ) بكسر التاء، وقرأ خلف: (الرِّيحِ) على التوحيد، (آيَاتٌ) بالرفع، وقرأ يعقوب: (الرِّيَاحِ) بألف على الجمع، (آيَاتٍ) بالكسر، وقرأ الباقون: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٧)، وقراءة (آياتٍ) بكسر التاء هي قراءة يعقوب أيضًا.

الجاثية 45:6

(الرِّيَاحِ) على الجمع، (آيَاتٌ) بالرفع (١)، تلخيصه: إن في المذكور لدلالاتٍ على الوحدانية ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ الدليلَ، فيؤمنون. ... ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿تِلْكَ﴾ الآيات المذكورات. ﴿آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ بالصدق والإعلام بحقائق الأمور في أنفسها. ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ﴾ أي: بعد كتابه ﴿وَآيَاتِهِ﴾ معجزاتِ أنبيائِه ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ توبيخ وتقريع، وفيه قوة التهديد. قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، وروح، وحفص: (يُؤْمِنُونَ) بالغيب موافقة لما قبله، وقرأ الباقون: بالخطاب (٢) على معنى: قل لهم يا محمد: فبأي حديث تؤمنون؟ ... ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾. [٧] ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذاب ﴿أَثِيمٍ﴾ وهو النضر بن الحارث. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٨). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٢٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧١ - ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٨ - ١٤٩).

الجاثية 45:8

﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾. [٨] ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ﴾ صفة أثيم ﴿تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرّ﴾ يقيم على كفره. ﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عن الإيمان، وجيء بـ (ثم) هنا؛ لاستبعاد الإصرار على الكفر بعد سماع القرآن. ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ أي: كأنه، فخفف، وحذف ضمير الشأن، المعنى: يصر على الكفر مثلَ غير السامع. ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فقتل يوم بدر صبرًا. ... ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾. [٩] ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا﴾ أي: جميعَ الآيات؛ لمبالغته في الكفر ﴿هُزُوًا﴾ سخرية؛ كفعل أبي جهل حيث أطعمهم الزبد والتمر، وقال: تزقَّموا، فهذا ما يتوعدكم به محمد. قرأ حفص: (هُزُوًا) بضم الزاي ونصب الواو بغير همز، وحمزة وخلف: بإسكان الزاي والهمز، والباقون: بضم الزاي والهمز (١) ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: الأفاكون. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ذكر بلفظ الجمع إشارة إلى كل أفاك أثيم؛ لشموله الأفاكين. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٤٩).

الجاثية 45:10

﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ﴾ أي: أمامهم ﴿جَهَنَّمُ﴾ وأصله ما توارى عنك من خلف أو قدام ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا﴾ من الأموال. ﴿شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الأصنام. ﴿أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يتحملونه. ... ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿هُدًى﴾ بيانٌ من الضلالة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ والرجز: أشد العذاب. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (أَلِيمٌ) بالرفع صفة (عَذَابٌ) والباقون: بالجر صفة (رِجْزٍ) (١). ... ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ﴾ على ضعفكم. ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾ بتسخيره وأنتم راكبوها. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٨٠)، و"الكشف" لمكي (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٠).

الجاثية 45:13

﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة والصيد وغيرهما. ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم. ... ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم، والسحاب والرياح والهواء، والملائكة الموكلة بهذا كله ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من البهائم والمياه والأودية والجبال، وغير ذلك ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: كلُّ إنعام فهو من فضله تعالى؛ لأنه لا يستحق أحد عليه شيئًا، بل هو يوجبه على نفسه تكرمًا. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في صنع الله تعالى. ... ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ اغفروا ﴿يَغْفِرُوا﴾ يعفوا ويصفحوا. ﴿لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ﴾ يخافون ﴿أَيَّامَ اللَّهِ﴾ وقائعَه في الأمم الماضية، ولا يخشون نقمته. ﴿لِيَجْزِيَ﴾ الله ﴿قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من الإحسان والغفر للكافر، نزلت في عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وذلك أن رجلًا من بني غفار

الجاثية 45:15

شتمه بمكة، فهمَّ عمر أن يبطش به، فأنزل الله الآية، وأمره أن يعفو عنه (١). قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف: (لِنَجْزِيَ) بالنون التي للعظمة، وقرأ الباقون، ومنهم أبو جعفر: بضم الياء وفتح الزاي مجهولًا، وجاءت أيضًا عن عاصم (٢)، وهذا على أن يكون التقدير: ليُجْزى الجزاءُ قومًا، ونظيره (وَنُجِّي الْمُؤْمِنِينَ) على قراءة ابن عامر وأبي بكر في سورة الأنبياء؛ أي: نُجِّي النَّجاءُ المؤمنين، وتقدم التنبيه على ذلك في محله. ... ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ ثوابُه ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ عقابُه. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم. قرأ يعقوب: (تَرْجِعون) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (٣). ... ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ التوراة. (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٨٣). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٢)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥١). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٢).

الجاثية 45:17

﴿وَالْحُكْمَ﴾ الحكمة والفقه ﴿وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الحلالات؛ كالمن والسلوى. ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ عالَمي زمانهم. ... {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧). [١٧] {وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ} دلالاتٍ على العلم بمبعث محمد - ﷺ -. ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا﴾ في محمد - ﷺ -، وكفروا ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ به، وبالدين ﴿بَغْيًا﴾ أي: لبغي حدث ﴿بَيْنَهُمْ﴾ حسدًا وعداوة - ﷺ -. ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بالمؤاخذة والمجازاة. ... ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿عَلَى شَرِيعَةٍ﴾ سنة وطريقة مسلوكة. ﴿مِنَ الْأَمْر﴾ أمر الدين. ﴿فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ هم رؤساء قريش كانوا يقولون له: ارجع إلى دين آبائك.

الجاثية 45:19

﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا﴾ لن يدفعوا. ﴿عَنْكَ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذاب الله (١). ﴿شَيْئًا﴾ إن اتبعت أهواءهم. ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ فَوالِهِ بالتقوى واتباع الشريعة. ... ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿بَصَائِرُ﴾ معالِمُ ﴿لِلنَّاسِ﴾ يتبصرون بها دينهم. ﴿وَهُدًى﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ بالبعث. ... ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾. [٢١] ولما قال نفر من مشركي مكة للمؤمنين: لئن كان ما تقولون من البعث حقًّا، لنُفَضلَنَّ عليكم في الآخرة كما فُضِّلنا في الدنيا، نزل إنكارًا (١) "الله": لفظ الجلالة لم يرد في "ت".

الجاثية 45:22

عليهم، وأنْ لا مساواة بينهم: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا﴾ (١) اكتسبوا. ﴿السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أن نُصَيِّرهم. ﴿كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مثلَهم. ﴿سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (سَوَاءً) بالنصب؛ أي: نجعلهم سواءً؛ يعني: أحسبوا أن حياة الكافرين ومماتهم كحياة المؤمنين سواء؟ كلا، وقرأ الباقون: بالرفع على الابتداء والخبر (٢)؛ أي: محياهم ومماتهم سواء، فالضمير فيهما يرجع إلى المؤمنين والكافرين جميعًا، وقرأ الكسائي: (مَحْيَاهُمْ) بالإمالة، والباقون: بالفتح (٣)، المعنى: لا يستويان في موتهما كما استويا في حياتهما، لأن المؤمن والكافر قد استويا في الرزق والصحة والمرض وغيرها في الدنيا، وافترقا في الآخرة بالجنة والنار ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ بئس ما يقضون. ... ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ لما فيه من فيض الخيرات، وليدل على قدرته تعالى ﴿وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ من خير وشر ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب، ولا بتضعيف عقاب. (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٨٥). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٢ - ١٥٣). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٣).

الجاثية 45:23

﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ونزل توبيخًا لمن عبد غيرَ الله كالأصنام بهوى نفسه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كانت العرب يعبدون الحجارة والذهب والفضة، فإذا وجدوا شيئًا أحسن من الأول، رموه أو كسروه وعبدوا الآخر. ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ من الله تعالى بأنه من أهل النار، وقيل: على علم من الضال بطريق الهداية بأن ضل عنادًا. ﴿وَخَتَمَ﴾ طبع ﴿عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ فلم يسمع ولم يعقل الهدى. ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ ظلمة، فهو لا يبصر الهدى. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (غَشْوَةً) بفتح الغين وإسكان الشين من غير ألف، وقرأ الباقون: بكسر الغين وفتح الشين وألف بعدها (١). ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ﴾ إضلال ﴿اللَّهِ﴾ إياه. ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذِكَّرُونَ) بتخفيف الذال، والباقون: بتشديدها (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٢٦ - ١٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٤ - ١٥٥). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٤ - ١٥٥).

الجاثية 45:24

﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: منكري البعث: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ التي نحن فيها. ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ أي: يموت البعض، ويحيا البعض. ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ أي: ممر السنين والأيام، وكانت العرب إذا أصابهم سوء، نسبوه إليه اعتقادًا منهم أنه الفعال له، فقال - ﷺ -: "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ؛ فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ الله (١)، بيده الأمرُ" (٢)؛ أي: الله الفعال لذلك. ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ﴾ القولِ ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ذلك ظنًّا بلا تحقيق. (١) في "ت": "فإن الله هو الدهر". (٢) رواه البخاري (٤٥٤٩)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، ومسلم (٢٢٤٦)، كتاب: الألفاظ من الآدب وغيرها، باب: النهي عن سب الدهر، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. قال ابن حجر رحمه الله في "الفتح" (١٠/ ٥٦٥): معنى النهي عن سب الدهر: أنَّ من اعتقد أنه الفاعل للمكروه فسبَّه أخطأ، فإن الله هو الفاعل، فإذا سببتم من أنزل ذلك بكم رجع السبُّ إلى الله... ومحصَّل ما قيل في تأويله ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن المراد أن الله هو الدهر: أي المدبر للأمور، ثانيها: أنه على حذف مضاف، أي صاحب الدهر، ثالثها: التقدير: مقلِّب الدهر. اهـ.

الجاثية 45:25

﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ واضحاتِ الدلالة. ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ ما كان لهم متشبَّثٌ يعارضونها به. ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أَنَّا نُبعث. قراءة الجمهور: (حُجَّتَهُمْ) بالنصب خبر (كانَ)، واسمها (إِلَّا أَنْ قَالُوا)، وانفرد ابن العلاف عن رويس راوي يعقوب بالرفع، ووردت عن أبي بكر وابن عامر، فتكون (حُجَّتُهُمْ) في هذه القراءة اسمَ (كان)، والخبر (إِلَّا أَنْ قَالُوا) (١). ... ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ فإن القادر على الإبداء قادر على الإعادة. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقلة تفكرهم، وقصور نظرهم. ... ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ تبدل منه (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٢)، و "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٦).

الجاثية 45:28

﴿يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ أي: يظهر خسرانُهم ثَمَّ. ... ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ بارِكَةً على الرُّكَب، وهي جلسة المخاصِم بين يدي الحاكم ينتظر القضاء. ﴿كُلُّ أُمَّةٍ﴾ قرأ يعقوب: (كُلَّ) بنصب اللام على أنه بدل الأول، و (تُدْعَى) صفة، وقرأ الباقون: برفعها على أنه مبتدأ (١)، خبره: ﴿تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾ الذي فيه أعمالُها؛ لتحاسب، ويقال لهم: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدنيا. ... ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿هَذَا كِتَابُنَا﴾ ديوان الحفظة، أو القرآن. ﴿يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يشهد عليكم ببيان شافٍ. ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ﴾ نستكتب الحفظةَ. ﴿مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأنا لا نهمل شيئًا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ١٢٨)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٦ - ١٥٧).

الجاثية 45:30

﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ﴾ جنته. ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ الظَّفَرُ الظاهر. ... ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يُقال لهم تهديدًا: ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بالإنذار على لسان رسلي. ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ كافرين (١). ... ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ لكم: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ كائنٌ ﴿وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ أي: لا شكَّ في البعث. قرأ حمزة: (السَّاعَةَ) بالنصب عطفًا على (وَعْدَ)، والباقون: بالرفع على الابتداء (٢). (١) "كافرين" زيادة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٧).

الجاثية 45:33

﴿قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ أي: لا اعتقادَ لنا إلا الشكُّ، والظن أحد طرفي الشك بصفة الرجحان، ويجيء الظن بمعنى اليقين؛ نحو قوله: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]؛ أي: أيقنوا أن الجبل واقع بهم. ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ أنها كائنة. ... ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَبَدَا﴾ ظهر ﴿لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا﴾ في الدنيا. ﴿وَحَاقَ﴾ نزل ﴿بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ وهو الجزاء. قرأ أبو جعفر: (يَسْتَهْزُونَ) بضم الزاي بغير همز، والباقون: بكسر الزاي والهمز (١). ... ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ﴾ نترككم في العذاب كالشيء المنسيِّ الذي لا يُلتفت إليه. ﴿كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ أي: كما تركتم العمل للقاء هذا اليوم. ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ يخلِّصونكم من عذابها. (١) سلفت عند تفسير الآية (٦٤) من سورة التوبة.

الجاثية 45:35

﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذابُ النازل بكم ﴿بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ﴾ أي: بسبب اتخاذكم. ﴿آيَاتِ اللَّهِ﴾ القرآنَ ﴿هُزُوًا﴾ استهزأتم بها. قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتُمْ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بالإدغام، وقرأ حفص: (هُزُوًا) بإبدال الهمزة واوًا، والباقون: بالهمز (١). ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ حتى قلتم: لا بعثَ ولا حساب. ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَخْرُجُونَ) بفتح الياء وضم الراء، والباقون: بضم الياء وفتح الراء (٢). ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ لا يطلب منهم أن يُعتبوا ربهم؛ أي: يُرضوه بالطاعة؛ لأنه لا عذر في ذلك اليوم ولا توبة. ... ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تحميدٌ لله، وتحقيق لألوهيته، وفي ذلك كسر لأمر الأصنام. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٥١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٨). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٧٥)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٢٩)، و "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٥٨).

الجاثية 45:37

﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ﴾ العظمة ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إذ ظهر فيهما آثارها. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما قضى. وفي الحديث الشريف: يقول الله تعالى: "الكبرياءُ ردائي، والعَظَمة إزاري، فمن نازعني شيئًا منهما، قَصَمْتُه" (١)، والله أعلم. (١) رواه أبو داود (٤٠٩٠)، كتاب: اللباس، باب: ما جاء في الكبر، وابن ماجه (٤١٧٤)، كتاب: الزهد، باب: البراءة من الكبر والتواضع، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- ورواه مسلم (٢٦٢٠)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الكبر، من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما بلفظ: "العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني عذبته".

الأحقاف 46:1

سُوْرَةُ الأَحقَافِ مكية، لم يُختلف منها إلا في آيتين، وهو قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾، وقوله: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، فقال بعض المفسرين: هاتان آيتان مدنيتان وُضعتا في سورة مكية قاله ابن عطية (١). وقال الكواشي (٢): ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ الثلاث. وآيها: خمس وثلاثون آية، وحروفها: ألفان وست مئة حرف، وكلمها: ست مئة وأربع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾. [١ - ٢] ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم نظيره في الجاثية. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٩١). (٢) "وقال الكواشي" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:3

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾. [٣] ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا﴾ خَلْقًا ملتبِسًا (١) ﴿بِالْحَقِّ﴾ الواجبِ الذي حقَّ أن يكون. ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وَقَّتناه وجعلناه موعدًا لفساد هذه البنية، وهو يوم القيامة، ومعنى الآية: موعظة وزجر؛ أي: فانتبهوا أيها الناس، وانظروا ما يراد بكم، ولمَ خُلقتم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا﴾ به من القرآن. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن الاهتمام لذلك المقام. ... ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾. [٤] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ استفهام على معنى التوبيخ ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ تعبدون. ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ﴾ أي: للأصنام ﴿شِرْكٌ﴾ أي: مشاركة ﴿فِي﴾ خلق ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ مع الله حتى تشركوهم في عبادته. ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ يعني: جاءكم من الله قبل القرآن فيه بيان ما تقولون. (١) "خلقًا ملتبسًا" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:5

﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي: بقية من علم يؤثر عن الأولين. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في دعواكم. ... ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥)﴾. [٥] ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ إنكار أن يكون أحد أضلَّ من المشركين؛ حيث تركوا عبادة الله، وعبدوا الأصنام التي لا تسمع دعاءهم، ولا تجيبهم. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: أبدًا ما دامت الدنيا. ﴿وَهُمْ عَنْ﴾ إجابةِ ﴿دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ لأنهم جماد لا يعقلون. ... ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾. [٦] ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا﴾ أي: الأصنام ﴿لَهُمْ﴾ أي: لعابديها. ﴿أَعْدَاءً وَكَانُوا﴾ أي: الأصنام ﴿بِعِبَادَتِهِمْ﴾ بعبادة عابديهم ﴿كَافِرِينَ﴾ جاحدين، بيانه ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣]. ... ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾. [٧] ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ أي: لما يسمع المشركون القرآن.

الأحقاف 46:8

﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهرٌ بطلانُه. ... ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨)﴾. [٨] ﴿أَمْ﴾ أي: بل (١) ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ اختلقَ محمدٌ القرآن، إضرابٌ عن ذكر تسميتهم القرآنَ سحرًا، إلى ذكر ما هو أشنعُ منه، وإنكارٌ له. ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ فرضًا ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه ﴿شَيْئًا﴾ أن: تردُّوه عني إن عذبني على افترائي. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ﴾ تخوضون ﴿فِيهِ﴾ من التكذيب بآياته، والقدحِ فيها. ﴿كَفَى بِهِ﴾ تعالى ﴿شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ يشهد لي بالصدق، وعليكم بالكذب. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ترجية واستدعاء إلى التوبة؛ لأنه في خلال تهديده إياهم بالله تعالى جاءت هاتان الصفتان. (١) "أي: بل" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:9

﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾. [٩] ثم أمر تعالى بأن يحتج عليهم، فقال: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ أي: بديعًا؛ أي: لستُ بأولِ مرسَل، قد بُعث قبلي غيري، والبدع والبديع من الأشياء: ما لم ير مثله، المعنى: فكيف تنكرون نبوتي؟. ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ قال ابن عباس وأنس وغيرهما: "معناه: في الآخرة" (١)، وكان هذا في صدر الإسلام، ثم بعد ذلك عرفه تعالى بأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبأن المؤمنين لهم من الله فضل كبير، وهو الجنة، وبأن الكافرين في نار جهنم. وروي أن رسول الله - ﷺ - رأى في النوم مُهاجَره إلى أرض ذاتِ نخل، فأخبر أصحابه، فسألوه عنها، فسكت، فنزل: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ (٢)، المعنى: وما أدري أأخرُجُ أم أُخْرَج كما أُخرج الأنبياء قبلي، أم أُقتل كما قُتلوا، وأنتم أيها المصدقون ما أدري أتخرجون معي (٣)، أم تتركون، وأنتم أيها المكذبون ما أدري أترمون بالحجارة، أم يخسف بكم كالمكذبين قبلكم. (١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٣٠١)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٩٤)، وقد روى الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ١٠٠) عن الحسن قوله: أما في الآخرة، فمعاذ الله؛ فقد علَّم الله أنه في الجنة حين أخذ ميثاقه في الرسل، ولكن قال: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ في الدنيا. وهو الصحيح كما قال القرطبي في "تفسيره" (١٦/ ١٨٦). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٩٤)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٨٧). (٣) "معي" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:10

﴿إِنْ أَتَّبِعُ﴾ ما أتبع ﴿إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ من القرآن، وما أبتدع من عندي شيئًا. ﴿وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ يبين الإنذار بالمعجزات الظاهرة. قرأ نافع، وأبو جعفر بخلاف عن قالون: (أَنَا إِلَّا) بالمد (١). ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني ماذا تقولون ﴿إِنْ كَانَ﴾ القرآن. ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ هو عبد الله بن سلام - رضي الله عنه -. قرأ أبو عمرو: (وَشَهِد شَّاهِدٌ) بإدغام الدال في الشين (٢) ﴿عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: القرآن، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة له. ﴿فَآمَنَ﴾ الشاهدُ ﴿وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن الإيمان به، وجواب الشرط في (أَرَأَيْتُمْ) محذوف، وهو: ألستم ظالمين؟ لدلالة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ لدينه. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص ت ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٣). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٣).

الأحقاف 46:11

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من اليهود ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ﴾ دينُ محمد. ﴿خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ يعني: عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: نزلت في مشركي مكّة، وقالوا: لو كان ما يدعونا إليه محمّد خيرًا، ما سبقنا إليه عمار وصهيب وبلال ونحوهم ممّن أسلم، وهم دوننا في الشرف. ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ بالقرآن كما اهتدى به أهل الإيمان، والعامل في ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ محذوف تقديره: وقتَ عدمِ إيمانهم ظهرَ عنادُهم. ﴿فَسَيَقُولُونَ هَذَا﴾ أي: القرآن ﴿إِفْكٌ﴾ كذب ﴿قَدِيمٌ﴾ ووصفوه بالقدم بمعنى أنّه في أمور متقادمة. * * * ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: القرآن، أو محمد - ﷺ -. ﴿كِتَابُ مُوسَى﴾ التوراة. ﴿إِمَامًا﴾ يؤتَمُّ به في دين الله وشرائعه ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن آمن به، وفي الكلام محذوف تقديره: وتقدمه كتاب موسى إمامًا، ولم يهتدوا به؛ كما قال في الآية الأولى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ ﴿وَهَذَا﴾ أي: القرآنُ ﴿كِتَابٌ مُصَدِّقٌ﴾ للكتب قبله ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ حال من ضمير (كِتَابٌ) في (مُصدِّقُ)؛

الأحقاف 46:13

أي: القرآن مصدق لسان محمّد - ﷺ -، وهو عربي ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بوضع العبادة في غير موضعها، وهم مشركو مكّة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (لِتُنْذِرَ) بالخطاب للنبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالغيب؛ يعني: الكتاب، واختلف عن البزي راوي ابن كثير (١) ﴿وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (وبشرى) في محل الرفع؛ أي: هذا كتاب مصدق وبشرى. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على العمل بموجب الإقرار بالتوحيد ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ ممّا يحل بالكفرة ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على أمر ما. * * * ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من الأعمال الصالحة. * * * (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٣٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٤).

الأحقاف 46:15

﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ ألزمناه (١)، والمراد: النوع، فهي وصية من الله في عباده ﴿بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ أي: ليفعل ذا حسن. قرأ الكوفيون: (إِحْسَانًا) بزيادة همزة مكسورة قبل الحاء، وإسكان الحاء وفتح السين وألف بعدها، وكذلك هو في مصاحف الكوفة، وقرأ الباقون: بضم الحاء وإسكان السين من غير همزة ولا ألف، وكذلك هو في مصاحفهم (٢). ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ على مشقة حين تتوقع حوادثه ﴿وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أي: كارهة، والمراد: شدة الطلق. قرأ الكوفيون، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر: (كُرْهًا) بضم الكاف، والباقون: بالنصب فيهما، وهما لغتان (٣)، وقد عدد تعالى على الأبناء مِنَنَ الأمهات، وذكر الأم في هذه الآيات في أربع مراتب، والأب في واحدة، جمعها الذكر في قوله: {لَهُمْ (١) "ألزمناه" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٣/ ١٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٥). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٣٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٥ - ١٦٦). كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ} ثمّ ذكر الحمل للأم، ثمّ الوضع لها، ثمّ الرضاع الّذي عبر عنه بالفصال، فهذا يناسب ما قال رسول الله - ﷺ - حين جعل للأم ثلاثة أرباع البرّ، والربعَ للأب، وذلك إذ قال له رجل: يا رسول الله! من أبر؟ قال: "أمك"، ثمّ قال: ثمّ من؟ قال: "ثمّ أمك"، ثمّ قال: ثمّ من؟ قال: "ثمّ أمك"، ثمّ قال: ثمّ من؟ قال: "ثم أباك" (١). ﴿وَحَمْلُهُ﴾ أي: مدة حمله ﴿وَفِصَالُهُ﴾ عن الرضاع، والمراد: فطامه. قرأ يعقوب: (وَفَصْلُهُ) بفتح الفاء وإسكان الصاد من غير ألف، وقرأ الباقون: بكسر الفاء وفتح الصاد وألف بعدها (٢). ﴿ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ يريد: أقل مدة الحمل، وهي ستة أشهر، وأكثر مدة الرضاع أربعة وعشرون شهرًا. وعن ابن عبّاس قال: "إذا حملت المرأة تسعة أشهر، أرضعت إحدى وعشرين شهرًا، وإذا حملت ستة أشهر، أرضعت أربعة وعشرين شهرًا" (٣). (١) رواه البخاريّ (٥٦٢٦)، كتاب: الأدب، باب: من أحق النَّاس بحسن الصحبة، ومسلم (٢٥٤٨)، كتاب: البرّ والصلة والآداب، باب: بر الوالدين وأنّهما أحق به، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٣٦ - ١٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٦). (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٣٧). واتفق الأئمة على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، واختلفوا في أكثر مدته، فقال أبو حنيفة: سنتان، والمشهور عن مالك: خمس سنين، وروي عنه: أربع، وسبع، وعند الشّافعيّ وأحمد: أربع سنين، وغالبها: تسعة أشهر، وتقدم نظير ذلك في سورة الرعد. ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ وهو كمال قوته وعقله ورأيه، أقله ثلاث وثلاثون سنة، وأكثره أربعون سنة. ﴿وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ نزلت في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-[وأبيه أبي قحافةَ عثمانَ بن عمرو، وأُمِّه أم الخير بنتِ صخر بن عمر (١). وقال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-] (٢): الآية في أبي بكر، أسلم أبواه جميعًا، ولم يجتمع لأحد من المهاجرين أبواه غيره، أوصاه الله بهما، ولزم ذلك من بعده (٣)، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- صحب النّبيّ - ﷺ - وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي - ﷺ - ابن عشرين سنة في تجارة إلى الشّام، فلما بلغ أربعين سنة، ونبُئ النّبيّ - ﷺ -، آمن به، ثمّ دعا ربه، و ﴿قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي﴾ ألهمني. قرأ ورش عن نافع، والبزي عن ابن كثير: (أَوْزِعْنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٣٧)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٩٧)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٩٢). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٣٧)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ١٩٤). (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٦ - ٥٩٧)، و"التيسير" للداني =

الأحقاف 46:16

﴿أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ بها، وهي التوحيد. ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ قال ابن عبّاس: "هي الصلوات الخمس"، وقيل: أراد نوعًا من الجنس يستجلب رضا الله تعالى. ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي﴾ اجعل الصلاح راسخًا فيهم. ﴿إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ عما لا ترضاه ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المخلصين لك، فأجابه - الله عَزَّ وَجَلَّ -، فأعتق تسعة من المؤمنين يُعذبون في الله، ولم يُرِدْ شيئًا من الخير إِلَّا أعانه الله عليه، ولم يكن له ولد إلَّا آمنوا، فاجتمع له إسلام أبويه وأولاده جميعًا، فأدرك أبو قحافة النّبيّ - ﷺ -، وابنه أبو بكر، وابنه عبد الرّحمن بن أبي بكر (١)، وابن عبد الرّحمن هو محمّد يكنى: أبا عتيق، كلهم أدركوا النّبيّ - ﷺ -، ولم يكن ذلك لأحد من الصّحابة. * * * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ يعني: طاعاتهم. ﴿وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ فلا يعاقبهم. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، = (ص: ٢٠٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٦). (١) "بن أبي بكر" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:17

وحفص عن عاصم: (نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ) (وَنَتَجَاوَزُ) بنون مفتوحة فيهما، وهي النون الّتي للعظمة (أَحْسَنَ) بالنصب، وقرأ الباقون (يُتَقَبَّلُ) (وَيُتَجَاوَزُ) بالياء مضمومة فيهما على بناء الفعل للمفعول (أَحْسَنُ) بالرفع (١). ﴿فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ﴾ يريد: الذين سبقت لهم رحمة الله. ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ نصب على المصدر المؤكد لما قبله؛ فإن يتقبل ويتجاوز وعد. ﴿الَّذِي كَانُوا يُوعَدُون﴾ في الدنيا. * * * ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧)﴾. [١٧] ونزل في كافر عاقٍّ لوالديه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ﴾ إذ دعواه للإيمان بالله، والإقرار بالبعث: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾ وهي كلمةُ كراهية. قرأ ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: (أُفَّ) بفتح الفاء من غير تنوين، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم: (أُفٍّ) بكسر الفاء مع التّنوين، وقرأ الباقون: بكسر الفاء من غير تنوين (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٣٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٨).

الأحقاف 46:18

﴿أَتَعِدَانِنِي﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: بنون واحدة مشددة، وقرأ الباقون: بنونين مكسورتين، وفتحَ ياءَ الإضافة: نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأسكنها: الباقون (١). ﴿أَنْ أُخْرَجَ﴾ من قبري بعد الموت. ﴿وَقَدْ خَلَتِ﴾ مضت ﴿الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي﴾ فلم يُبعث منهم أحد. ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ﴾ يستصرخان ﴿اللَّهَ﴾ عليه، ويقولان له: ﴿وَيْلَكَ آمِنْ﴾ بالبعث، وهو دعاء عليه بالويل، والمراد به: الحث على الإيمان. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا﴾ القولُ. ﴿إِلَّا أَسَاطِيرُ﴾ أباطيل (٢) ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ الّتي كتبوها. * * * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ﴾ أي: وجب ﴿عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ منه تعالى بتعذيبهم. ﴿فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٧ - ٥٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩ - ٢٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٠٣ و ٢/ ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٦٨ - ١٦٩). (٢) "أباطيل" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:19

خَاسِرِينَ} وزعم بعضهم أنّها نزلت في عبد الرّحمن بن أبي بكر قبل إسلامه (١)، وأنكرته عائشة -رضي الله عنها- (٢)، والصّحيح ما تقدّم أنّها نزلت في رجل كافر، ويدلُّ على فساد قول من زعم أنّها في عبد الرّحمن بن أبي بكر قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، أعلم الله سبحانه أن هؤلاء قد حقت عليهم كلمة العذاب (٣)، وعبد الرّحمن أسلم وحسن إسلامه، وصار من أفاضل المسلمين، فلا يكون ممّن حقت عليه كلمة العذاب، والله أعلم. * * * ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَلِكُلٍّ﴾ تنوينه عوض من ضمير جنس المؤمن والكافر؛ أي: ولكلِّ الجنسين ﴿دَرَجَاتٌ﴾ منازلُ ومراتبُ عند الله يوم القيامة، فدرج أهل (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٣٧)، و"تفسير ابن كثير" (٤/ ١٦٠). قال الحافظ ابن كثير: هذا عام في كلّ من قال هذا، ومن زعم أنّها نزلت في عبد الرّحمن، فقوله ضعيف؛ لأنّه أسلم بعد وحسن إسلامه، وكان من خيار أهل زمانه. (٢) روى البخاريّ (٤٥٥٠)، كتاب: التفسير، باب: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ عن يوسف بن ماهَك، وقال: كان مروان على الحجاز، استعمله معاوية فخطب... فقال مروان: إنَّ هذا الّذي أنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئًا من القرآن، إِلَّا أن الله أنزل عذري. (٣) "العذاب" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:20

النّار يذهب سفالًا، ودرج أهل الجنَّة يذهب علوًا. ﴿مِمَّا عَمِلُوا﴾ فيجازيهم بأعمالهم. ﴿وَلِيُوَفِّيَهُمْ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان عن ابن عامر: (وَلِنُوَفِّيَهُمْ) بالنون، والباقون: بالياء، واختلف عن هشام (١) ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: جزاء أعمالهم. ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب، ولا زيادة عقاب. * * * ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَيَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ وهذا العرض هو بالمباشرة كما تقول عرضت العود على النّار، والجاني على السوط، فيقال لهم: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ المعدَّةَ لكم في الجنَّة لو آمنتم. باشتغالِكم بلذاتكم ﴿فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ قرأ نافع، وأبو عمرو، والكوفيون: (أَذْهَبْتُمْ) بهمزة مفتوحة (٢) واحدة على الخبر، وقرأ الباقون، وهم: ابن عامر، وابن (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٨)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٠). (٢) "مفتوحة" ساقطة من "ت". كثير، وأبو جعفر، ويعقوب: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم، فابن ذكوان عن ابن عامر يحقق الهمزتين على الأصل، وهشام عنه بهمزة ومدة؛ لأنّها همزة استفهام دخلت على همزة القطع، فجعلت همزة القطع بين الهمزة والألف، والثلاثة يحققون الهمزة الأولى، ويسهلون الثّانية، وأبو جعفر على أصله في إدخال ألف بين الهمزة المحققة والملينة، وكلاهما فصيحان؛ لأنّ العرب تستفهم بالتوبيخ، وتترك الاستفهام فتقول: أَذَهَبْتَ ففعلتَ كذا، وذهبت ففعلت كذا (١). ﴿وَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ تمتعتم ﴿بِهَا﴾ فما بقي لكم منها شيء. ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الهوان ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ تخرجون عن طاعة الله. قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: رأى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - لحمًا معلقًا في يدي، فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحمًا فاشتريته، فقال عمر: أو كلما اشتهيتَ يا جابرُ اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٩٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٦/ ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٠ - ١٧١). (٢) رواه الإمام مالك في "الموطَّأ" (٢/ ٩٣٦)، وابن أبي شيبة في "المصنِّف" (٢٤٥٢٤) والحاكم في "المستدرك" (٣٦٩٧)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٥٦٧٢).

الأحقاف 46:21

وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ما شبعَ آلُ محمدٍ خبزَ الشعير يومين متتابعين حتّى قُبِض رسولُ الله - ﷺ - (١). * * * ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾. [٢١] ثمّ أمر تعالى نبيه بذكر هود وقومه على جهة المثال لقريش، فقال: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ يعني: هودًا -عليه السّلام-، وهذه الأخوة أخوة القرابة، لأنّ هودًا كان من أشراف القبيلة الّتي هي عاد. ﴿إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ الصحيح من الأقوال: أن بلاد عاد كانت في اليمن، ولهم كانت إرم ذات العماد، والأحقاف جمع حقف، وهو الجبل المستطيل المعوَجُّ من الرمل، وكثيرًا ما تحدث هذه الأحقاف في بلاد الرمل في الصحارى؛ لأنّ الريح تصنع ذلك. ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ﴾ مضت الرسل ﴿مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ من قبله ومن بعده، المعنى: خَوَّفَ قومَه وهم بهذا المكان بقوله: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ هائل؛ بسبب شرككم. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢). (١) رواه مسلم (٢٩٧٠) في أول كتاب: الزهد والرقائق. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٢).

الأحقاف 46:22

﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا﴾ لتصرِفَنا ﴿عَنْ﴾ عبادة. ﴿آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ من العذاب. ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في وعدك. * * * ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو يعلم متى يأتيكم العذاب. ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾ من الوحي إليكم (١)، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [النور: ٥٤]. ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ باستعجالكم العذاب. قرأ أبو عمرو: (وَأبلِغُكُمْ) بإسكان الباء وتخفيف اللام، والباقون: بفتح الباء وتشديد اللام (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عموو، والبزي عن ابن كثير؛ (وَلَكِنِّيَ) بفتح الياء، والبادون: بإسكانها (٣). (١) "إليكم" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١١١)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٢). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٥٩٨ - ٥٩٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٢).

الأحقاف 46:24

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ أي: العذابَ ﴿عَارِضًا﴾ نصب على الحال؛ أي: سحابًا يعرض في أفق السَّماء؛ لأنّهم لما رأوا العذاب ﴿مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ ظنوه سحابًا؛ لأنّهم قد حبس عنهم المطر، فخرجت عليهم سحابة سوداء من وادٍ لهم يقال له: المغيث، فلما رأوها، استبشروا. و ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ يأتينا بالمطر، فقال لهم هود: ليس الأمرُ كما رأيتم. ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ﴾ في قولكم: ﴿فَأَتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾. ثمّ قال: ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فجعلت (١) الريح تحمل الفسطاط وتحمل الظعينة حتّى ترى كأنّها جرادة. * * * ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿تُدَمِّرُ﴾ تُهلك ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ مرت به من رجال عاد وأموالهم. ﴿بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وجلس هود بمؤمنيه في حضيرة لا يصيبهم منها إِلَّا ما يلين أبشارهم، وتلتذ (٢) بها نفوسهم، وروي أن هذه (٣) الريح أمالت عليهم الأحقاف، فكانوا تحتها سبع ليال وثمانية أيّام، ثمّ كشفت عنهم، (١) في "ت": "فجعل". (٢) في "ت": "تلذ". (٣) في "ت": "هذا".

الأحقاف 46:26

واحتملتهم الريح، ورمتهم أجمعين في البحر. ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ قرأ عاصم، وحمزة، ويعقوب، وخلف: (يُرَى) بياء مضمومة على الغيب مجهولًا، (مَسَاكِنُهُمْ) بالرفع فاعل المجهول، وقرأ الباقون: بالتاء وفتحها على الخطاب معلومًا (١)؛ أي: لا ترى يا محمدُ إِلَّا مساكنَهم، ونصب (مَسَاكِنَهُمْ) مفعولًا صريحًا، وأمال أبو عمرو والكسائي الراء من (تَرَى) (٢)، المعنى: هلكوا بأموالهم، وبقيت مساكنهم. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾. كان - ﷺ - إذا رأى الريح، فزع، ويقول: "اللهمَّ إنِّي أسألُك خيرَها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ به، وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما أُرْسِلَتْ به" (٣). * * * ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ثمّ خاطب تعالى قريشًا على جهة الموعظة، فقال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ (ما) موصولة بمعنى الّذي، و (إن) نافية بمعنى (ما) (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٣ - ١٧٤). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٥/ ١٧٣). (٣) رواه مسلم (٨٩٩)، كتاب: صلاة الاستسقاء، باب: التعوذ عند رؤية الريح والغيم والفرح بالمطر، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

الأحقاف 46:27

وقعت مكانها؛ ليختلف اللّفظ تخفيفًا؛ لئلا يجمع بين كلمتين بلفظ واحد (١)، المعنى: مكَّنَّا عادًا في الّذي ما مكناكم فيه يا كفار مكّة. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً﴾ فكانت أعمارهم (٢) طويلة، وأجسادهم قوية، وأموالهم كثيرة. ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فما دفع ذلك عنهم شيئًا ممّا حل بهم من العذاب. ﴿إذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ﴾ نزلَ ﴿بِهِمْ﴾ جزاءُ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ من العذاب، وهذا تهديد للمشركين. * * * ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ثمّ زادهم تهديدًا بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ﴾ يا أهل مكّة. ﴿مِنَ﴾ أهل ﴿الْقُرَى﴾ كعاد وثمود وقوم لوط. ﴿وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ﴾ بَيَّناها بالإنذار بالعذاب. ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن كفرهم، فلم يرجعوا، فأهلكناهم. * * * ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾. (١) "واحد" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "أعمالهم".

الأحقاف 46:28

[٢٨] ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا (١) ﴿نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ يعني: الأوثان يتقربون بها إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ-. ﴿بَلْ ضَلُّوا﴾ غابوا عند نزول العذاب بهم ﴿عَنْهُمْ﴾ قرأ الكسائي: (بَل ضَّلُّوا) بإدغام اللام في الضاد، والباقون: بالإظهار (٢). ﴿وَذَلِكَ﴾ اتخاذُهم الآلهة واعتقادُهم فيها ﴿إِفْكُهُمْ﴾ كذبُهم ﴿وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] ولما مات أبو طالب، خرج رسول الله - ﷺ - وحده إلى الطائف يلتمس من ثقيف النصرَ والمنعةَ له من قومه، فلم يطيعوه، فانصرف رسول الله - ﷺ - من الطائف راجعًا إلى مكّة حين يئس من خير ثقيف، حتّى إذا كان بنخلة عند سوق عكاظ، قام من جوف اللّيل يصلّي، فمر به نفر من جن أهل نصيبين اليمن، فاستمعوا له، فلما فرغ من صلاته، وَلَّوا إلى قومهم منذرين، قد آمنوا، وأجابوا لما سمعوا، فقصَّ الله خبرهم عليه، فقال: ﴿وَإِذْ﴾ (٣) أي: واذكر إذ ﴿صَرَفْنَا﴾ أَمَلْنا ﴿إِلَيْكَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف: (وَإِذْ صَرَفْنَا) بإظهار (١) "فهلا" زيادة من "ت". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٤). (٣) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٤١٩) وما بعد. الذال عند الصاد، والباقون: بالإدغام (١) ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾ جن نصيبين اليمن، قال ابن عبّاس: "هم تسعة: سليط، وشاصر، وماصر، وحسا، ومسا، وعليم، والأرقم، والأدرس، وحاصر (٢) " (٣). ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ منك. ﴿فَلَمَّا حَضَرُوهُ﴾ أي: استماعَ القرآن؛ أي: كانوا منه بحيث يسمعون ﴿قَالُوا﴾ أي: قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ أصغوا لاستماعه، قالوا: صَهْ. ﴿فَلَمَّا قُضِيَ﴾ فُرغ من تلاوته ﴿وَلَّوْا﴾ رجعوا. ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ مخوِّفين بأمر النّبيّ - ﷺ -. في الحديث: "الجنُّ ثلاثةُ أصناف: صنفٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف كلاب وحيات، وصنف يحلُّون ويرتحلون" (٤). * * * (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٦). (٢) انظر: "الروض الأُنف" (١/ ٣٥٤ و ٢/ ٢٣٥) و"فتح الباري" لابن حجر (٨/ ٦٧٤). (٣) جاء على هامش النسخة "ت": [أسماء الجن: وفيها، وكذا في عددهم خلاف ذكره السهيلي وغيره، ونصيبين -بفتح النون-: بلدة بالجزيرة بشمال سنجار وفي قرب منها جبل الجودي كما في "تقويم البلدان" وغيره. (٤) رواه ابن حبّان في "صحيحه" (٦١٥٦)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٢١٤)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٠٢)، من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه. قال ابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٥٣٩): رفعه غريب جدًّا.

الأحقاف 46:30

﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾. [٣٠] وكان دينهم اليهودية، فلذلك ﴿قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا﴾ هو القرآنُ ﴿أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ قال ابن عبّاس: "إنهم لم يعلموا بعيسى، فلذلك قالوا: من بعد موسى" ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ هي التوراة ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ العمل به. * * * ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾. [٣١] ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ﴾ محمدًا - ﷺ - إلى الإيمان. ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ الضمير عائد على (الله). ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ أي: ذنوبكم، وقيل: المراد: يغفر لكم بعض ذنوبكم، وهو ما يكون في خالص حق الله تعالى، لا مظالم العباد؛ لأنّه تعالى لا يغفرها إِلَّا برضا أربابها. ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هو مُعَدٌّ للكفار، فاستجاب لهم من قومهم نحو من سبعين رجلًا من الجن، فرجعوا لرسول الله - ﷺ -، فوافوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، وأمرهم ونهاهم (١)، وفيه دليل على أنّه - ﷺ - كان مبعوثًا (٢) (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٤٨)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢١٧). (٢) "مبعوثًا" زيادة من "ت".

الأحقاف 46:32

إلى الإنس والجن جميعًا، ولم يبعث قبله نبي إليهما جميعًا. واختلف الأئمة في حكم مؤمني الجن، فقال أبو حنيفة: لا ثواب لهم إِلَّا النجاة من النار؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم يقال لهم: كونوا ترابًا مثل البهائم (١)، وقال مالك والشّافعيّ وأحمد: لهم الثواب في الإحسان كما يكون عليهم العقاب في الإساءة؛ كالإنس، وهم في حكم بني آدم؛ لأنّهم مكلَّفون مثلهم. ولم يرسل - ﷺ - إلى الملائكة، صرح به البيهقي في الباب الرّابع من "شعب الإيمان"، وصرح في الباب الخامس عشر بانفكاكهم من شرعه، وفي "تفسير الإمام الرازي"، و"البرهان النفسي" حكاية الإجماع، قال ابن حامد من أصحاب أحمد: ومذهب العلماء إخراجُ الملائكة عن التكليف، والوعد والوعيد، وهم معصومون كالأنبياء بالاتفاق، إِلَّا من استثني؛ كإبليس، وهاروت وماروت، على القول بأنّهم من الملائكة. * * * ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ ليس له مهرب. ﴿وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون عذابه تعالى ﴿أَوْلِيَاءُ﴾ أنصارٌ يمنعونه من الله. (١) جاء على هامش "ت": "وفي شرح عقائد الطحاوي لابن السراج: أن أبا حنيفة -رحمه الله تعالى- توقف في كيفية ثوابهم؛ حيث لم ينص شيء في القرآن".

الأحقاف 46:33

﴿أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ واختلف القراء في الهمزتين من (أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ)، ولم يرد في القرآن همزتان متفقتان بالضم في كلمتين إِلَّا في هذا المحل، فقرأ أبو عمرو: بإسقاط الهمزة الأولى منهما بلا عوض منها، وتحقيق الثّانية، وقرأ قالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير: بتسهيل الأولى بين الهمزة والواو، وتحقيق الثّانية، وقرأ أبو جعفر، ورويس عن يعقوب: بتحقيق الأولى، وتسهيل الثّانية، واختلف عن قنبل راوي ابن كثير، وورش راوي نافع، فروي عن الأوّل: جعل الهمزة الثّانية بين بين، وروي عنه إسقاط الهمزة الأولى، وهو الّذي عليه الجمهور من أصحابه، وروي عن الثّاني: إبدال الهمزة الثّانية حرف مد، وروي عنه: تسهيلها بين بين، وقرأ الباقون، وهم: الكوفيون، وابن عامر، وروح عن يعقوب: بتحقيق الهمزتين (١). * * * ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ لم يتحير فيه، ولم يعجز عنه ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ الباء في قوله (بِقَادِرٍ) زائدة مؤكدة، ومن حيث تقدّم نفيٌ في صدر الكلام، حَسُنَ التأكيدُ بالباء، ولم يكن المنفي ما دخلت هي عليه؛ كما في قولك: ما زيدٌ بقائمٍ، كأنَّ بدل (أَوَلَمْ يَرَوْا): أَوَلَيْسَ الّذي خَلَق. قرأ يعقوب: (يَقْدِرُ) بياء مفتوحة (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٦ - ١٧٧).

الأحقاف 46:34

وإسكان القاف من غير ألف وضم الراء، وقرأ الباقون: بالباء وفتح القاف وألف بعدها، وخفضِ الراء منونة (١). قرر القدرة على إحياء الموتى، وأكده بقوله: ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كما قرر الربوبية بـ (بلى) في قوله (٢): ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. * * * ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾ ويقال (٣) لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا﴾ التعذيبُ ﴿بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ وذلك تصديقٌ حيث لا ينفع ﴿قَالَ﴾ أي: فيقول لهم المجاوب من الملائكة عند ذلك: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بسبب كفركم. * * * ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ﴾ أي: الجد والحزم ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٧٧). (٢) "في قوله" سقط من "ت". (٣) في "ت": "فيقال". وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصّلاة والسلام، فهم مع محمّد - ﷺ - خمسة، ذكرهم الله تعالى على التخصيص في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، وفي قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣]، المعنى: اصبر على أذى قريش؛ كصبر الرسلِ قبلَك. ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ نزولَ العذاب؛ فإنّه نازل. ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ من العذاب ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً﴾ المعنى: إذا عاينوا العذاب، استقصروا من هوله مدةَ لبثهم في الدنيا والبرزخ، فظنوها ساعة. ﴿مِنْ نَهَارٍ﴾ لأنّ ما مضى وإن كان طويلًا كأن لم يكن. ﴿بَلَاغٌ﴾ أي: هذا القرآن وما فيه تبليغٌ من الله إليكم. ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ﴾ بالعذاب إذا نزل ﴿إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الخارجون عن أمر الله، وفي هذه الألفاظ وعد محض، وإنذار بَيِّنٌ، والله أعلم. * * *