Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — محمد 47:1 – الواقعة 56:96

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. محمد 47:1
  2. محمد 47:2
  3. محمد 47:4
  4. محمد 47:5
  5. محمد 47:9
  6. محمد 47:12
  7. محمد 47:14
  8. محمد 47:16
  9. محمد 47:17
  10. محمد 47:19
  11. محمد 47:20
  12. محمد 47:22
  13. محمد 47:23
  14. محمد 47:25
  15. محمد 47:27
  16. محمد 47:28
  17. محمد 47:31
  18. محمد 47:32
  19. محمد 47:34
  20. محمد 47:37
  21. الفتح 48:1
  22. الفتح 48:2
  23. الفتح 48:3
  24. الفتح 48:4
  25. الفتح 48:5
  26. الفتح 48:7
  27. الفتح 48:8
  28. الفتح 48:11
  29. الفتح 48:12
  30. الفتح 48:13
  31. الفتح 48:16
  32. الفتح 48:17
  33. الفتح 48:19
  34. الفتح 48:21
  35. الفتح 48:22
  36. الفتح 48:25
  37. الفتح 48:26
  38. الفتح 48:27
  39. الفتح 48:28
  40. الفتح 48:29
  41. الحجرات 49:1
  42. الحجرات 49:2
  43. الحجرات 49:4
  44. الحجرات 49:5
  45. الحجرات 49:6
  46. الحجرات 49:7
  47. الحجرات 49:8
  48. الحجرات 49:10
  49. الحجرات 49:11
  50. الحجرات 49:12
  51. الحجرات 49:13
  52. الحجرات 49:14
  53. الحجرات 49:15
  54. الحجرات 49:17
  55. ق 50:1
  56. ق 50:2
  57. ق 50:3
  58. ق 50:5
  59. ق 50:9
  60. ق 50:12
  61. ق 50:15
  62. ق 50:17
  63. ق 50:19
  64. ق 50:23
  65. ق 50:26
  66. ق 50:30
  67. ق 50:31
  68. ق 50:35
  69. ق 50:38
  70. ق 50:39
  71. ق 50:42
  72. ق 50:45
  73. الذاريات 51:1
  74. الذاريات 51:3
  75. الذاريات 51:7
  76. الذاريات 51:12
  77. الذاريات 51:16
  78. الذاريات 51:20
  79. الذاريات 51:24
  80. الذاريات 51:25
  81. الذاريات 51:28
  82. الذاريات 51:31
  83. الذاريات 51:35
  84. الذاريات 51:39
  85. الذاريات 51:43
  86. الذاريات 51:46
  87. الذاريات 51:50
  88. الذاريات 51:54
  89. الذاريات 51:57
  90. الذاريات 51:60
  91. الطور 52:1
  92. الطور 52:4
  93. الطور 52:9
  94. الطور 52:14
  95. الطور 52:17
  96. الطور 52:20
  97. الطور 52:22
  98. الطور 52:25
  99. الطور 52:26
  100. الطور 52:30
  101. الطور 52:33
  102. الطور 52:37
  103. الطور 52:40
  104. الطور 52:44
  105. الطور 52:46
  106. النجم 53:1
  107. النجم 53:4
  108. النجم 53:9
  109. النجم 53:12
  110. النجم 53:14
  111. النجم 53:17
  112. النجم 53:20
  113. النجم 53:21
  114. النجم 53:24
  115. النجم 53:28
  116. النجم 53:32
  117. النجم 53:33
  118. النجم 53:35
  119. النجم 53:38
  120. النجم 53:39
  121. النجم 53:40
  122. النجم 53:43
  123. النجم 53:48
  124. النجم 53:51
  125. النجم 53:52
  126. النجم 53:54
  127. النجم 53:57
  128. النجم 53:62
  129. القمر 54:1
  130. القمر 54:3
  131. القمر 54:4
  132. القمر 54:7
  133. القمر 54:8
  134. القمر 54:11
  135. القمر 54:14
  136. القمر 54:17
  137. القمر 54:21
  138. القمر 54:25
  139. القمر 54:28
  140. القمر 54:32
  141. القمر 54:36
  142. القمر 54:40
  143. القمر 54:44
  144. القمر 54:46
  145. القمر 54:51
  146. القمر 54:55
  147. الرحمن 55:1
  148. الرحمن 55:3
  149. الرحمن 55:5
  150. الرحمن 55:8
  151. الرحمن 55:12
  152. الرحمن 55:14
  153. الرحمن 55:16
  154. الرحمن 55:19
  155. الرحمن 55:23
  156. الرحمن 55:26
  157. الرحمن 55:30
  158. الرحمن 55:32
  159. الرحمن 55:35
  160. الرحمن 55:38
  161. الرحمن 55:40
  162. الرحمن 55:45
  163. الرحمن 55:51
  164. الرحمن 55:55
  165. الرحمن 55:58
  166. الرحمن 55:60
  167. الرحمن 55:68
  168. الرحمن 55:73
  169. الرحمن 55:77
  170. الواقعة 56:1
  171. الواقعة 56:3
  172. الواقعة 56:8
  173. الواقعة 56:11
  174. الواقعة 56:15
  175. الواقعة 56:20
  176. الواقعة 56:23
  177. الواقعة 56:27
  178. الواقعة 56:33
  179. الواقعة 56:36
  180. الواقعة 56:38
  181. الواقعة 56:42
  182. الواقعة 56:48
  183. الواقعة 56:51
  184. الواقعة 56:56
  185. الواقعة 56:59
  186. الواقعة 56:62
  187. الواقعة 56:66
  188. الواقعة 56:71
  189. الواقعة 56:74
  190. الواقعة 56:77
  191. الواقعة 56:80
  192. الواقعة 56:83
  193. الواقعة 56:88
  194. الواقعة 56:92
  195. الواقعة 56:96

محمد 47:1

سُوْرَةُ مُحَمَّدْ - ﷺ - وتسمى: سورةَ القتال، مدنية بإجماع، وقيل: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ الآية نزلت بمكة في وقت دخول النّبيّ - ﷺ - فيها عام الفتح، أو سنة الحديبية، وما كان مثل هذا، فهو معدود في المدني؛ لأنّ المراعى في ذلك إنّما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها، وآيها: ثمان وثلاثون آية، وحروفها: ألفان وثلاث مئة وتسعة وأربعون حرفًا، وكلمها: خمس مئة وتسع وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (١)﴾. [١] ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ ﴿وَصَدُّوا﴾ نفوسهم وغيرهم. ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: شرعِ الله وطريقِه الّذي دعا إليه، وهو الإسلام، وخبر المبتدأ. ﴿أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها، فلم يقبلها، وهي ما فعلوا من إطعام الطّعام وصلة الأرحام، والإشارة في ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى أهل مكّة الذين أخرجوا رسول الله - ﷺ -. * * *

محمد 47:2

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (٢)﴾. [٢] ثمّ أشار إلى الأنصار أهل المدينة الذين آووه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ مبتدأ أيضًا ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ يعني: القرآن. ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وسمي دينُ محمّد حقًّا؛ لأنّه لا يردُ عليه النسخ، وخبر المبتدأ. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ سترها بالإيمان. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ حالَهم؛ بتوفيقه. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (٣)﴾. [٣] ﴿ذَلِكَ﴾ الواقع من الضلالة والهدى ﴿بِأَنَّ﴾ أي: بسبب أن. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ الشيطانَ. ﴿وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن. ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الضرب. ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ﴾ أي: يذكر لهؤلاء النَّاس قصصَ أمثالهم؛ ليتعظوا بهم. * * *

محمد 47:4

﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤)﴾. [٤] ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في المحاربة ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ مصدر بمعنى الفعل؛ أي: فاضربوا الرقاب ضربًا، المعنى: إذا لقيتموهم، فاقتلوهم، وعَيَّنَ من أنواع القتل أشهرَه وأعرفه، فذكره. ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أكثرتم فيهم القتل، وأوهنتموهم به. ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فَأْسِروهم، واحتفظوا بهم حتّى لا يُفلتوا منكم، ولما قوي الإسلام، نزل: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ﴾ أي: تمنون عليهم منًّا بإطلاقهم بعد أسرهم. ﴿وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي: تفادوهم فداء؛ أي: أنتم مخيرون في ذلك. ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ﴾ أي: أصحابها. ﴿أَوْزَارَهَا﴾ سلاحها، فيمسكوا عن الحرب، وأصل الوزر: ما يحمله الإنسان. واختلفوا في حكم الآية، فقال قوم: هي منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، وبقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وهو قول أبي حنيفة، وذهب آخرون إلى أنّها محكمة، والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض، أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين، وهو قول الشّافعيّ ومالك وأحمد؛ لأنّه عمل به رسول الله - ﷺ -، والخلفاءُ بعده، ومعنى الآية: أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حتّى يدخل أهل الملل (١) كلّها في الإسلام، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]، فلا يكون بعده جهاد ولا قتال، وذلك عند نزول عيسى بن مريم -عليه السّلام-. وجاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: "الجهادُ ماضٍ منذُ بعثني الله إلى أن يُقاتل آخر أُمتي الدجَّالَ" (٢). ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ﴾ فأهلكهم بغير قتال. ﴿وَلَكِنْ﴾ أمركم بالقتال ﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ ليختبر المؤمنين بالكافرين؛ بأن يجاهدوهم، فيستوجبوا (٣) الثّواب، والكافرين بالمؤمنين؛ بأن يعاجلهم على أيديهم ببعض عذابهم؛ ليرتدع بعضهم عن الكفر. ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (قُتِلُوا) بضم القاف وكسر التاء من غير ألف بينهما؛ يعني: الشهداء، وقرأ الباقون: بفتح القاف والتاء وألف بينهما (٤)؛ يعني: المجاهدين. (١) في "ت": "الملك". (٢) رواه أبو داود (٢٥٣٢)، كتاب: الجهاد، باب: في الغزو مع أئمة الجور، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٣) في "ت": "فيستجيبوا". (٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٤).

محمد 47:5

﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ روي أنّها نزلت يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل. * * * ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥)﴾. [٥] ﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدنيا إلى أرشد الأمور، وفي الآخرة إلى الدرجات. ﴿وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ يرضي خصماءهم، ويقبل أعمالهم. * * * ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾. [٦] ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ أي: عرفهم منازلَهم فيها. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾. [٧] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أي: دينَه. ﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ على أعدائكم. ﴿وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ عند القتال. * * * ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾. [٨] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مبتدأ، خبره محذوف؛ أي: تَعِسوا، يدلُّ عليه: ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ أي: عِثارًا وسقوطًا، ودخلت الفاء للجزاء، وتعطف على تعسوا المحذوف.

محمد 47:9

﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٩)﴾. [٩] ﴿ذَلِكَ﴾ التعسُ والإضلالُ. ﴿بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن وأحكامِه. ﴿فَأَحْبَطَ﴾ أبطلَ ﴿أَعْمَالَهُمْ﴾. * * * ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾. [١٠] ثمّ خّوَّف الكفار فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أهلكهم وأموالهم وأولادهم. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ أمثالُ عاقبة المدمَّرِ عليهم إنَّ لم يؤمنوا، توعُّد لمشركي مكّة. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾. [١١] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكورُ من نصر المؤمنين وقهر الكافرين ﴿بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وليهم وناصرهم ﴿وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ يُنجيهم، والمراد: ولاية النصرة، لا ولاية العبودية؛ فإن الخلق كلهم عباده تعالى. * * *

محمد 47:12

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾. [١٢] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا ﴿وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ليس لهم همة إِلَّا بطونهم وفروجهم، ولا يفكرون في مآلهم ﴿وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: موضع إقامتهم. * * * ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ﴾ أهل (١) ﴿قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْك﴾ أي: أخرجك أهلُها، المعنى: كم رجال هم أشدُّ من أهل مكّة. ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُم﴾ من إهلاكنا. وتقدم اختلاف القراء في (وَكَأَيِّنْ) في سورة الحجِّ عند قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ قال ابن عبّاس: لما خرج رسول الله - ﷺ - من مكّة إلى الغار، التفت إلى مكّة وقال: "أنت أحبُّ بلاد الله إلى الله، وأحبُّ بلاد الله إليَّ، ولو أن المشركين لم يخرجوني، لم أخرجْ منك"، فأنزل الله هذه الآية (٢). * * * (١) "أهل" زيادة من "ت". (٢) رواه عبد الرزّاق في "المصنِّف" (٨٨٦٨)، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٠٥)، عن أبي سلمة بن عبد الرّحمن، ورواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ٣٠٥)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

محمد 47:14

﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٤)﴾. [١٤] ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ يقينٍ من دينه، وهم النّبيّ - ﷺ - والمؤمنون، وخبر (مَنْ): ﴿كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ وهم مشركو مكّة ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ المعنى: لا مساواة بين المهتدي والضال. * * * ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾. [١٥] ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: صفتها. ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ قرأ ابن كثير: (أَسِنٍ) بقصر الهمزة، والباقون: بمدها (١)؛ أي: غير متغير الطعم والرائحة. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ كلبن الدنيا. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ لم تَدُسْها الأرجل، ولم تدنسها الأيدي؛ لأنّ خمر الدنيا كريهة الطعم عند التناول، وشربها يبعد من الله تعالى؛ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٧).

محمد 47:16

بخلاف خمر الجنَّة. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (لِلشَّارِبِينَ) بالإمالة بخلاف عنه. ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ لا شمعَ فيه ﴿وَلَهُمْ فِيهَا﴾ مع كلّ (١) ذلك. ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أصناف ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ عطف على الصنف المحذوف؛ أي: ونعيم أعطته المغفرة وسببته، وإلا فالمغفرة إنّما هي قبل الجنَّة. ﴿كَمَنْ﴾ أي: أمثال أهل الجنَّة وهي بهذه الأوصاف كمن. ﴿هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ شديدَ الحر يُسقط فروةَ الوجه عند الشرب. ﴿فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُم﴾ ما في بطونهم من الحوايا؛ من فرط الحرارة، فخرجت من أدبارهم. * * * ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَمِنْهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ ولا يَعون كلامَك. ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ من الصّحابة؛ استهزاءً وسخرية. ﴿مَاذَا قَالَ﴾ محمّد ﴿آنِفًا﴾ قرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه: (أَنِفًا) بقصر الهمزة، والباقون: بمدها (٢)؛ يعني: الآن، ونصبه ظرف؛ أي: وقتًا مؤتنفًا، وذلك أن النّبيّ - ﷺ - كان يخطب، ويعيب المنافقين، فإذا خرجوا من (١) "كل" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٨٨).

محمد 47:17

المسجد، سألوا عبد الله بن مسعود: ماذا قال رسول الله - ﷺ -؟ أي: ما معناه؟ وما نفعه؟ قال ابن عبّاس: "وقد سُئلت فيمن سُئل" (١). ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالنفاق ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم﴾ في الكفر، فلا يؤمنون. * * * ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ وهم المسلمون ﴿زَادَهُمْ هُدًى﴾ علمًا وبصيرة. ﴿وَآتَاهُمْ﴾ تعالى ﴿تَقْوَاهُمْ﴾ أي: جعلهم متقين. * * * ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾. [١٨] ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي: ينتظرون ﴿إِلَّا السَّاعَةَ﴾ وتبدل من (السّاعة) بدلَ اشتمال ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ علاماتُها، وبَعْثُه - ﷺ - من أشراطها، ومن أشراطها: أن يُرفع العلم، ويكثر الجهل والربا وشرب الخمْرِ، ويقل الرجال ويكثر النِّساء، حتّى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد (٢). (١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢٢/ ١٦٩)، والحاكم في "المستدرك" (٣٧٠٥). (٢) رواه البخاريّ (٨٠)، كتاب: العلم، باب: رفع العلم وظهور الجهل، ومسلم (٢٦٧١)، كتاب: العلم، باب: رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

محمد 47:19

قال - ﷺ -: "إِذا ضُيِّعت الأمانةُ، فانتظروا السّاعة"، فقيل: كيفَ إضاعتُها؟ قال: "إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غير أهله، فانتظرِ السّاعة" (١). واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَشْرَاطُهَا) كاختلافهم فيهما من قوله (٢): (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ) في سورة الحجِّ [الآية: ٦٥]. ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ﴾ فمن أين لهم التذكر والاتعاظ والتوبة إذا جاءتهم السّاعة؟ لا ينفعهم ثَمَّ، نحو: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣]. * * * ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾. [١٩] ﴿فَاعْلَمْ﴾ يا محمدُ ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: دُمْ موحِّدًا. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ليستنَّ بك غيرُك. ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ لتغفرَ ذنوبُهم. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ منصرَفكم في الدنيا. ﴿وَمَثْوَاكُمْ﴾ مصيرَكم في الآخرَة إلى الجنَّة أو النّار. * * * (١) رواه البخاريّ (٥٩)، كتاب: العلم، باب: من سئل وهو مشتغل في حديثه، فأتم الحديث ثمّ أجاب السائل، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-. (٢) "قوله" ساقطة من "ت".

محمد 47:20

﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حرصًا على طلب الجهاد: ﴿لَوْلَا﴾ هلَّا. ﴿نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ فيها ذكرُ الجهاد. ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ مثبتة غير منسوخة الأحكام من الجهاد وغيره. ﴿وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ﴾ أي: الأمر به. ﴿رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: شك، وهم المنافقون. ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نظَرَ﴾ أي: نظرًا مثل ﴿الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ إذا نزل به، وعاين الملائكة؛ بغضًا لك، وخوفًا منك ﴿فَأَوْلَى لَهُمْ﴾ وعيد بمعنى: فويل؛ أي: قَرُبَ منهم ما يكرهون. * * * ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (٢١)﴾. [٢١] ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ استئناف، والخبر محذوف؛ أي: هما خير لهم، والقول المعروف: هو الأمر المرضي. ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ أي: جَدَّ ولزمَ فرضُ القتال، وجواب (إذا) محذوف؛ أي: كذبوا.

محمد 47:22

﴿فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ﴾ في إظهار الإيمان والطاعة إذا جد أصحاب أمر القتال. ﴿لَكَانَ﴾ الصدق ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ من الكراهة والكذب. * * * ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾. [٢٢] ثمّ التفت من الغيبة إلى الخطاب لضرب من الإرهاب، فقال: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾ أي: فلعلّكم ﴿إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أمرَ هذه الأُمَّة، وقيل: معناه: إنَّ أعرضتم عن الحق. ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعاصي، والافتراق بعد الاجتماع على الإسلام. ﴿وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ بالقتل والعقوق ووأد البنات، المعنى: فهل يتوقع منكم إِلَّا الإفساد وتقطيع الأرحام؟ قال البغوي (١): نزلت في بني أمية وبني هاشم. قرأ نافع: (عَسِيتُمْ) بكسر السين، والباقون: بفتحها (٢)، وقرأ رويس عن يعقوب: (تُوُلِّيتُم) بضم التاء والواو وكسر اللام، والباقون: بفتحهن (٣)، وقرأ يعقوب: (تَقْطَعُوا) بفتح التاء وإسكان القاف وفتح الطاء (١) في "تفسيره" (٤/ ١٦٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨١)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢).

محمد 47:23

مخففة، [والباقون: بفتحهن، وقرأ يعقوب: (تَقْطَعُوا) بفتح التاء وإسكان القاف وفتح الطاء مخففة] (١)، والباقون: بضم التاء وفتح القاف وكسر الطاء مشددة (٢). * * * ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿أُولَئِكَ﴾ المفسدون ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ لإفسادهم. ﴿فَأَصَمَّهُمْ﴾ عن استماع الحق ﴿وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ أي: بصائرهم عن طريق الهداية. * * * ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ فيعرفون الحق، والتدبر: النظر إلى ما يؤول إليه الكلام، فلما لم يتدبروا، أضرب عنهم، فقال: ﴿أَمْ﴾ أي: بل ﴿عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ المعنى: قلوبهم مقفلة، فلا يتدبرون، ولا يعون، ونكرت القلوب إرادة بعض القلوب (٣)، وهي قلوب المنافقين وأعداء الدِّين. * * * (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٢ - ١٩٣). (٣) "إرادة بعض القلوب" زيادة من "ت".

محمد 47:25

﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾. [٢٥] ونزل في اليهود الذين كفروا بمحمد - ﷺ -، وهم يعرفونه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ (١) أي: رجعوا إلى الكفر. ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ في التوراة، وهو أن محمدًا حق ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه﴾ [البقرة: ٨٩] ﴿الشَّيْطَانُ﴾ مبتدأ، خبره ﴿سَوَّلَ﴾ زَيَّنَ ﴿لَهُمْ﴾ أعمالَهم ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (وَأُمْلِي لَهُمْ) بضم الهمزة وكسر اللام، فأبو عمرو يفتح الياء على ما لم يسم فاعله، ويعقوب يسكنها على وجه الخبر من الله سبحانه عن نفسه أنّه يفعل ذلك، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة واللام، وقلب الياء ألفًا (٢)؛ أي: أطال الشيطان لهم المدة، ومد لهم في الأمل. * * * ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿ذَلِكَ﴾ الإضلالُ ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ﴾ (١) انظر: "تفسير الطّبريّ" (٢٢/ ١٧٩)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١١٩). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٠ - ١٦١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٤ - ١٩٥).

محمد 47:27

وهم المشركون: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ التعاون على عداوة محمّد - ﷺ -، وتثبيط النَّاس عن الجهاد معه، قالوا ذلك سرًّا، فأظهره تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (إِسْرَارَهُمْ) بكسر الهمزة مصدر أَسَرَّ، وقرأ الباقون: بفتحها، جمع سِرّ (١). * * * ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَكَيْفَ﴾ يعملون. ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ ظهورهم بمقامع الحديد. قال ابن عبّاس: "لا يُتَوَفَّى أحدٌ على معصية، إِلَّا تضرب الملائكةُ وجهَه ودُبُرَهُ" (٢). * * * (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٥). (٢) انظر: "الكشَّاف" للزمخشري (٤/ ٣٢٩).

محمد 47:28

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿ذَلِكَ﴾ التوفِّي ﴿بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾ من كتمان نعته -عليه السّلام- ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ أي: أبغضوا العمل بما يرضيه. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رُضْوَانَهُ) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ أبطلها لذلك. * * * ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أظنَّ المنافقون. ﴿أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ يعرفوا نفاقهم. * * * ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أي: لو أردنا، لدللناك على المنافقين. ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ بعلامتهم. * * * (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٤)، و"معجم القراءات القرآنيّة" (٦/ ١٩٥).

محمد 47:31

قال ابن عبّاس (١): قال أنس: ما أُخفيَ على النّبيّ - ﷺ - شيء من أمر المنافقين بعد نزول هذه الآية (٢). ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ فحواه، المعنى: أنك تعرفهم فيما يعرضون به من تهجين أمرك وأمور المسلمين، فكان لا يتكلم عنده - ﷺ - منافق إِلَّا عرفه، والأكابر يعرفون صدق المريد من كذبه بسؤاله وكلامه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ فيجازيكم بها. * * * ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ لنعاملنكم معاملة المختبرين؛ بأن نأمركم بالجهاد والقتال ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ والمراد: علم الظهور؛ أي: نبلوكم حتّى يظهر ما نخبر به عنكم من أفعالكم؛ من جهاد وصبر وغيرهما ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ نظهرها بسبب طاعتكم وعصيانكم (٣). قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَلَيَبْلُوَنَكمْ حَتَّى يَعْلَمَ)، (وَيَبْلُوَ) بالياء في الثلاثة؛ لقوله تعالى: (وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ)، وقرأهن الباقون: بالنون، لقوله: (وَلَوْ نَشَاءُ (١) قوله: "ابن عبّاس" سقط من "ت". (٢) انظر: "تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٥٢)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ١٦١)، والزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٣٣٠). (٣) في "ت": "إبائكم".

محمد 47:32

لأَرَيْنَاكَهُمْ) (١)، وقرأ رويس عن يعقوب: (وَنَبْلُو) بإسكان الواو؛ أى ونحن نبلو، وقرأ الباقون: بفتحها ردًّا على قوله: (حَتَّى نَعْلَمَ) (٢). * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢)﴾. [٣٢] ونزل فيمن عصى الله وكره الإسلام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ هم قريظة والنضير. ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ بكفرهم وبصدِّهم. ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ يبطلها، فلا يرون لها ثوابًا. * * * ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ بالمعاصي والكفر. * * * (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٥ - ١٩٦). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٦).

محمد 47:34

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾. [٣٤] ونزل في أصحاب القَليب ومَنْ جرى مجراهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ويدلُّ بمفهومه على أنّه قد يغفر لمن لم يمت على كفره سائر ذنوبه. * * * ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ لا تضعفوا ﴿وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ أي: لا تدعوا إلى الصلح ابتداءً إذا لقيتم الكفار. قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (السِّلْمِ) بكسر السين، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان بمعنى. ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْن﴾ الغالبون ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ بالعون والنصرة. ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ﴾ ينقصكم ﴿أَعْمَالَكُمْ﴾ أي: ثواب أعمالكم. * * * ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ باطل وغرور، لا ثباتَ لها، فلا (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٥).

محمد 47:37

تهنوا في الجهاد بسببها ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا﴾ الفواحشَ. ﴿يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾ ثوابَ إيمانكم وتقواكم ﴿وَلَايَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُم﴾ جميعَها، بل الزَّكاة المفروضة، وهي ربع العشر، فَطَيِّبوا أنفسَكم. * * * ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ﴾ يُلِحّ عليكم ﴿تَبْخَلُوا﴾ بها ﴿وَيُخْرِجْ﴾ البخل ﴿أَضْغَانَكُمْ﴾ أحقادَكم ومعتقداتكم السوء. قرأ يعقوب: (وَنُخْرِجْ) بالنون، والباقون: بالياء (١). * * * ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿هَاأَنْتُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، ونافع: بتسهيل الهمزة بين بين، وقرأ الكوفيون، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب: بتحقيق الهمزة بعد الألف، وروي عن ورش: (هَآنْتُمْ) مدًّا بلا همزة، وعنه وجه ثان (هَئَنْتُمْ) بهمزة مقصورة بين الهاء والنون؛ مثل: سَأَلْتُم، وروي عن قنبل: كالوجه الثّاني عن ورش، أصلها أَأَنْتُمْ، قلبت الهمزة الأولى هاء؛ كقولهم هَرَقْتُ، وأَرَقْتُ (٢). (١) انظر: "مختصر القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٤١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٢ و ٦٠٧)، و"النشر في القراءات العشر" = ﴿هَؤُلَاءِ﴾ أصلُه: أولاء، دخلت عليه هاء التنبيه، وهو في موضع النِّداء، يعني: أنتم يا هؤلاء المخاطبون، ثمّ استأنف فقال: ﴿تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ما فرض عليكم. ﴿فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ بالزكاة المفروضة، و (يَبْخَلُ) رفع؛ لأنّ (مَنْ) هذه ليست بشرط؛ لاستئنافك ﴿وَمَنْ يَبْخَلْ﴾ بالصدقة والمفروض، و (يَبْخَلْ) جزم، لأنّ (مَنْ) هذه شرط، جوابه ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ﴾ رفعٌ أيضًا. ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أي: عليها، المعنى: جزاءُ بخله مختص به. ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ﴾ عنكم وعن صدقتكم ﴿وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ عن الطّاعة ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ خيرًا منكم، وهم الأنصار. ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم﴾ في البخل والتولي ونحوهما، بل يكونوا خيرًا منكم، وأطوعَ لله، والله أعلم. * * * = لابن الجزري (١/ ٤٠٠ - ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٩٨).

الفتح 48:1

سُوْرَةُ الفَتح مدنية، نزلت على النّبيّ - ﷺ - منصرَفَهُ من الحديبية (١)، وهي بهذا في حكم المدني، وآيها: تسع وعشرون آية، وحروفها: ألفان وأربع مئة وثمانية وثلاثون حرفًا، وكلمها: خمس مئة وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾. [١] ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ الأكثرون على أنّه صلح الحديبية (٢)، ونزلت السورة مؤانسة للمؤمنين، لأنّهم كانوا استوحشوا من رد قريش لهم، ومن تلك (٣) المهادنة الّتي هادنهم النّبيّ - ﷺ -، فنزلت السورة مؤنسة لهم في صدهم عن البيت، ومذهِبَة ما كان في قلوبهم. وملخص القصة: أن رسول الله - ﷺ - خرج من المدينة في ذي القعدة سنة ست من الهجرة معتمرًا، لا يريد حربًا، وساق الهدي، وأحرم بالعمرة، وسار حتّى وصل إلى ثنية المزار مهبط الحديبية أسفل مكّة، والحديبية بئر، (١) رواه مسلم (١٧٨٦)، كتاب: الجهاد، باب: صلح الحديبية في الحديبية، من حديث أنس بن مالك. (٢) رواه البخاري (٣٩٣٩)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، عن أنس. (٣) "تلك" زيادة من "ت". ووقع من معجزاته - ﷺ - آية الماء في بئر الحديبية؛ حيث وضع فيه سهمه، وثاب الماء حتّى كفى الجيش. وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم إلى النّبيّ - ﷺ -، فبعث إليهم عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يعلمهم أنّه لم يأت لحرب، وإنّما جاء زائرًا ومعظمًا لهذا البيت، فلما وصل إليهم، أمسكوه وحبسوه، وبلغ رسول الله - ﷺ - أن عثمان قتل، فدعا النَّاس إلى البيعة، فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة، فبايع النَّاس على الصبر المتناهي في قتال العدو إلى أقصى الجهد، حتّى قال سلمة بن الأكوع وغيره: "بايعنا رسول الله - ﷺ - على الموت" (١)، ثمّ أتاه الخبر أن عثمان لم يقتل، ثمّ وقع الصلح بين رسول الله - ﷺ - وبين قريش؛ فإنهم بعثوا سهيل بن عمرو في الصلح، فأجاب النّبيّ - ﷺ -، ثمّ دعا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقال: "اكتب: بسم الله الرّحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللَّهُمَّ، فقال رسول الله - ﷺ -: اكتب: باسمك اللَّهُمَّ، ثمّ قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله - ﷺ -، فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال لعلي: امح رسول الله، قال: لا والله لا أمحوك أبدًا، قال: فأرنيه، فأراه إياه (٢)، فمحاه النّبيّ - ﷺ -، ثمّ قال: اكتب هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن النَّاس عشر سنين، وأنّه من أحب أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش (١) رواه البخاريّ (٦٧٨٠)، كتاب: الأحكام، باب: كيف يبايع الإمام النَّاس، ومسلم (١٨٦٠)، كتاب: الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش عند إرادة القتال. (٢) "إياه" زيادة من "ت".

الفتح 48:2

وعهدهم دخل فيه"، وأشهدوا في الكتاب على الصلح رجالًا من المسلمين والمشركين، ثمّ نحر رسول الله - ﷺ - هديه، وحلق رأسه، وفعل النَّاس كذلك (١)، ثمّ عاد إلى المدينة، حتّى إذا كان بين مكّة والمدينة، نزلت سورة الفتح. ودخل في (٢) هذه السُّنَّة في الإسلام مثل من دخل فيه قبل ذلك وأكثر، فكان هذا الفتح الأعظم، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم، وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام، واستقبل فتح خيبر، وامتلأت أيدي المسلمين خيرًا، واتفقت في ذلك الوقت (٣) ملحمة عظيمة بين الروم وفارس، ظهرت فيها الروم، فكانت من جملة الفتح على رسول الله - ﷺ -، وسر بها والمؤمنون؛ لظهور أهل الكتاب على المجوس، وانحصاد الشوكة العظمى من الكفرة، والفتح: الظفر بالبلد عنوة أو صلحًا. ﴿فَتْحًا مُبِينًا﴾ أي: قضينا لك قضاء بيِّنًا. * * * ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾. [٢] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ هى لام (كي)؛ لكنها تخالفها في المعنى. قرأ (١) رواه مطولًا البخاري (٢٥٨١)، كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب، من حديث المسْوَر بن مخرمة، ومسلم (١٧٨٤)، كتاب: الجهاد، باب: صلح الحديبية في الحديبية، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) "في" ساقطة من "ت". (٣) "الوقت" زيادة من "ت".

الفتح 48:3

أبو عمرو: (لِيَغْفِر لَّكَ) بإدغام الراء في اللام (١)، والمراد هنا: أن الله فتح لك؛ لكي يجعل ذلك أمارة وعلامة لغفرانه لك؛ فكأنّها لام صيرورة، ولهذا قال - ﷺ -: "لقد أنزلت عليَّ اللَّيلة سورة هي أحبُّ إليَّ من الدنيا" (٢). ﴿مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ يعني: ذنب أبويك آدم وحواء ببركتك. ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾ ذنوب أمتك بدعوتك، وقيل: مقصد الآية: أنك مغفور لك، غير مؤاخذ بذنب أن لو كان. ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بإظهارك وتعليتك على عدوك، والرضوان في الآخرة. ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي: إلى صراط؛ أي: يثبتك على الدِّين، فجمع الله لنبيه - ﷺ - في هذه السورة نعمًا مختلفة من الفتح المبين، وهو من أعلام الإجابة، والمغفرة، وهي من أعلام المحبة، وتمام النعمة، وهي من أعلام الاختصاص، والهداية، وهي من أعلام الولاية، فالمغفرة تبرئة من العيوب، وتمام النعمة بلاغ (٣) الدرجة الكاملة، والهداية هي الدّعوة إلى المشاهدة. * * * ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾. [٣] ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ وهو الّذي معه غلبة العدو، والظهور عليه، (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠١). (٢) رواه مسلم (١٧٨٦)، كتاب: الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية في الحديبية، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٣) في "ت": "إبلاغ".

الفتح 48:4

والنصر غيرُ العزيز: هو الّذي مضمنه الحماية ودفع العدو فقط. * * * ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤)﴾. [٤] ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة والوقار ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو تسكينها لتلك الهدنة مع قريش حتّى اطمأنوا وعلموا أن وعد الله على لسان رسول الله - ﷺ - حق. ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ يقينًا ﴿مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الأوّل، ويكثر تصديقهم. قال ابن عبّاس: بعث - ﷺ - بشهادة أن لا إله إِلَّا الله، فلما صدقوه، زادهم الصّلاة، ثمّ الزَّكاة، ثمّ الصِّيام، ثمّ الحجِّ، ثمّ الجهاد (١). واختلف الأئمة في زيادة الإيمان ونقصانه، فقال أبو حنيفة: لا يزيد ولا ينقص، ولا استثناء فيه، وقال الثّلاثة: يزيد وينقص، ويجوز الاستثناء فيه. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلو أراد نصر دينه بغيركم، لفعل. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخلقه ﴿حَكِيمًا﴾ في صنعه، وقوله: (وَكَانَ)؛ أي: كان ويكون، فهي دالة على الوجود بهذه الصِّفَة، لا معينة وقتًا ماضيًا. * * * (١) رواه الطّبريّ في "تفسيره" (٢٢/ ٢٠٣). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٨)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٦٤)، و"الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٥١٤).

الفتح 48:5

﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥)﴾. [٥] روي أنه لما أنزلت: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، تكلم فيها أهل الكتاب، وقالوا: كيف نتبع من لا يعرف ما يفعل به وبالناس معه؟ فبين الله في هذه السورة ما يفعل به بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾، فلما سمعها المؤمنون، قالوا: هنيئًا مريئًا، هذا لك يا رسول الله، فما لنا؟ فنزل: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾. قال أهل المعاني: وإنما كررت اللام في قوله: (لِيُدْخِلَ) بتأويل تكرير الكلام، مجازه: إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا، ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، إنا فتحنا لك؛ ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار (١). ﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ يسترها ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإدخال والتكفير. ﴿عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضر. ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾. [٦] روي أن النبي - ﷺ - أتي بجماعة، فقالوا: ما لنا عند الله؟ فنزل: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ أن الله لا ينصر محمدًا - ﷺ -. (١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ٤٣).

الفتح 48:7

﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ بالعذاب والهلاك. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (دَائِرَةُ السُّوءِ) بضم السين، وقرأ الباقون: بفتحها كالحرف الأول (١)، وهما لغتان، غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمه من كل شيء، والمضموم جرى مجرى الشر الذي هو نقيض الخير، يقال: أراد به السُّوْء، وأراد به الخير، وسَمَّى المصيبة التي دعا بها عليهم: (دائِرَة) من حيث يقال في الزمان: إنه يستدير، ألا ترى أن السنة والشهر كأنها مستديرات، تذهب على ترتيب، وتجيء من حيث هي تقديرات للحركة العظمى، ومنه قول النبي - ﷺ -: "إن الزمانَ قد استدار كهيئته يومَ خَلَق الله (٢) السمواتِ والأرضَ" (٣)، ويحسُن أن تسمى المصيبة دائرة؛ من حيث إنها تدير: تحيط بصاحبها كما يحيط شكل الدائرة على السواء من النقطة. ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ أبعدهم من رحمته. ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ جهنم. ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (٧)﴾. [٧] ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ﴾ الملائكة ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الغزاة في سبيل الله. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠١). (٢) لفظ الجلالة "الله" لم يرد في "ت". (٣) رواه البخاري (٣٠٢٥)، كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في سبع أرضين، ومسلم (١٦٧٩)، كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، من حديث أبي بكرة -رضي الله عنه-.

الفتح 48:8

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾. [٨] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على أمتك يوم القيامة. ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بالجنة مَنْ عمل خيرًا من أهل الإيمان. ﴿وَنَذِيرًا﴾ منذرًا أعداءَ الله بالنار، ومن عمل سوءًا. ... ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾. [٩] ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ﴾ يُقَوُّوه وينصروه ﴿وَتُوَقِّرُوهُ﴾ يعظِّموه ويفخِّموه، والهاء في (يُعَزِّرُوهُ ويُوقِّرُوهُ) للنبي - ﷺ -، وهاهنا وقف، والهاء في ﴿وَتُسَبِّحُوهُ﴾ لله -عز وجل- أي: يصلوا له. ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ بالغداة والعشي. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (ليُؤْمِنُوا) (وَيُعَزِّرُوهُ وَيُوَقِّرُوه وَيُسَبِّحُوهُ) بالغيب في الأربعة على استمرار الخطاب للنبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالخطاب للناس (١)، على معنى: قل لهم. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾. [١٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ﴾ يا محمد بيعةَ الرضوان بالحديبية على ألَّا (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٢ - ٢٠٣).

الفتح 48:11

يفروا، وخبر (إِنَّ) ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: حولُه وقُوَّتُه فوق حولهم وقوتهم؛ أي: في نصرك ونصرهم، وهذا تعديد نعمة عليهم مستقبَلة مخبر بها. ﴿فَمَنْ نَكَثَ﴾ نقضَ البيعةَ ﴿فَإِنَّمَا يَنْكُثُ﴾ فإنما يرجع وبالُ نقضه. ﴿عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ ثبت على البيعة. قرأ حفص عن عاصم: (عَلَيْهُ الله) بضم الهاء، حذفت الواو لسكونها، وبقيت الضمة تدل عليها، وقرأ الباقون: بكسر الهاء، أبدلوا من الضمة كسرة (١)، يقال: أوفى بالعهد، ووفَّى به: إذا لم ينقضه. ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو الجنة فما فوقها. قرأ أبو عمرو، والكوفيون، ورويس عن يعقوب: (فَسَيُؤْتيِه) بالياء؛ أي: فسيؤتيه الله، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (٢). ... ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١)﴾. [١١] ولما سار - ﷺ - إلى مكة عام الحديبية، طلب ناسًا من الأعراب (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٤). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و "تفسير البغوي" (٤/ ١٦٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٤).

الفتح 48:12

ليرتحلوا معه، فتخلفوا عنه جبنًا، واعتلُّوا بالأموال والأولاد، فنزل: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عنك ﴿مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ إذا رجعت من الحديبية. ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ اللهَ ليغفر لنا تخلُّفَنا عنك، فكذبهم الله في اعتذارهم، فقال: ﴿يَقُولُونَ﴾ يُظهرون. ﴿بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنهم لا يبالون باستغفارك. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا﴾ سوءًا ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي: لا يقدر على دفع ضر ولا جلب نفع إلا هو تعالى. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (ضُرًّا) بضم الضاد، والباقون: بفتحها (١)، وهما لغتان، وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي - ﷺ - يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم وأموالهم، فأخبرهم أنه إن أراد شيئًا من ذلك، لم يقدر أحد على دفعه ﴿بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيعلم تخلفكم وقصدَكم فيه. ... ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾. [١٢] ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا﴾ لظنكم أن العدو يستأصلهم فلا يرجعون. قرأ الكسائي، وهشام: (بَل ظَّنَنْتُمْ) بإدغام اللام في الظاء، والباقون: بالإظهار (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٥). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٥).

الفتح 48:13

﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فتمكن فيها ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ وهو سائر ما يظنون بالله ورسوله من الأمور الزائغة ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ هلكى جمع بائر؛ أي: لا تصلحون لشيء من الخير. ... ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ وهي النار المؤججة، ونكر (١) (سَعِيرًا)؛ للتهويل. ... ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يدبره بقدرته وحكمته. ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ رحمتُه سابقة لغضبه؛ حيث يكفِّر السيئات باجتناب الكبائر، ويغفر الكبائر بالتوبة. ... ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥)﴾. [١٥] ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ عن الحديبية. ﴿إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ﴾ أي: غنائم خيبر. (١) في "ت": "وتنكير".

الفتح 48:16

﴿لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ لنشهد معكم قتال أهلها، وذلك أنهم لما انصرفوا من الحديبية وعدهم الله فتح خيبر، وجعل غنائمها لمن شهد الحديبية خاصة عوضًا من غنائم أهل مكة؛ لأنهم انصرفوا منها على صلح، ولم يصيبوا منها (١) شيئًا، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كَلِمَ اللهِ) بكسر اللام من غير ألف، جمع كلمة، وقرأ الباقون: بفتح اللام وألف بعدها (٢)، والمعنى فيه متقارب، ومعناه: يريدون أن يغيروا وعده لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر. ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ إلى خيبر. ﴿كَذَلِكُمْ﴾ أي: كقولي لكم ﴿قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ من قبلِ عَوْدِنا. ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ فلذلك قلتم هذا القول. ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ﴾ من الدين ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ منهم، وهم المؤمنون. ... ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾. [١٦] ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ عن الحديبية، وكرر ذكرهم بهذا الاسم (١) في "ت": "منهم". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٦). مبالغةً في الذم، وإشعارًا بشناعة التخلف؛ أي: قل لهم إن كنتم تريدون الغزو: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وهم فارس والروم، أو هم بنو حنيفة والمرتدون، قال منذر بن سعيد: يتركب على هذا القول أن الآية مؤذنة بخلافة أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-؛ لأن أبا بكر قاتل أهل الردة، وعمر قاتل فارس والروم (١). ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ أي: يكون أحد الأمرين لا غير، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم، أو يعطي الجزية. وعن رافع بن خديج قال: واللهِ لقد كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ولا نعلم مَنْ هم، حتى دعا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة، فعلمنا أنهم أريدوا (٢). ﴿فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا﴾ هو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا﴾ تُعْرِضوا ﴿كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عامَ الحديبية. ﴿يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وهو النار. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٧٢). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢١٩) عن ابن عباس، وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٧٢)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٧٣).

الفتح 48:17

﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (١٧)﴾. [١٧] فلما نزلت هذه الآية، قال أهل الزمانة: كيف بنا يا رسول الله؟ فأنزل الله عز وجل ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ في التخلف عن الجهاد. ﴿وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ هذا عذر لهم في تخلفهم عن الحديبية. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُدْخِلْهُ) (نُعَذِّبْهُ) بالنون فيهما للعظمة، والباقون: بالياء فيهما؛ لقوله: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ) (١). ... ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾. [١٨] ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانوا ألفًا وثلاث مئة، وقيل غير ذلك. ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وكانت سَمُرة ﴿فَعَلِمَ﴾ الله ﴿مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٧).

الفتح 48:19

من الصدق والوفاء ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ الطمأنينة ﴿عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ﴾ جازاهم ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر بعد انصرافه من مكة. ... ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ من أموال اليهود، وكانت خيبر ذات عقار وأموال، فقسمها رسول الله بينهم ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ غالبًا ﴿حَكِيمًا﴾ مراعيًا مقتضى الحكمة. ... ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ وهي الفتوح التي تفتح لهم إلى يوم القيامة ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ﴾ أي: مغانم خيبر. ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ هم قبائل من أسد وغطفان هموا أن يغيروا على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة في غيبتهم في غزوة خيبر، فكف الله أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. ﴿وَلِتَكُونَ﴾ هذه الكفة ﴿آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ على صدقك. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ يثبتكم على الإسلام. ولما رجع رسول الله - ﷺ - من الحديبية، أقام بالمدينة بقية ذي الحجة وبعضَ المحرم، ثم خرج في بقية المحرم سنة سبع من الهجرة إلى خيبر، وهي على ثماني بُرُد من المدينة، فأشرف عليها، وقال لأصحابه: "قفوا، ثم قال: اللهمَّ ربَّ السمواتِ وما أَظْلَلْنَ، وربَّ الأَرَضِينَ وما أَقْلَلْنَ، وربَّ الشياطينِ وما أَضْلَلْنَ، وربَّ الرياح وما ذَرَيْنَ، نسألك خيرَ هذه القرية وخيرَ أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا باسم الله"، ونزل عليها ليلًا، وكان إذا غزا لم يُغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا، كفَّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا، أغار عليهم، فلما أصبحوا، خرجوا إلى عملهم بمكاتلهم ومساحيهم، فلما رأوه عادوا وقالوا: محمدٌ والخميس، يعنون: الجيش، فقال النبي - ﷺ -: "الله أكبرُ خربتْ خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساءَ صَباحُ المنذَرين"، ثم حاصرهم وضيق عليهم، فخرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه ويقول: قدْ علمتْ خيبرُ أَني مَرْحَبُ؍ شاكي السلاح بطلٌ مجرَّبُ؍ أطعنُ أحيانًا وحينًا أضربُ؍ إذا الليوثُ أقبلتْ تلتهب؍ فبرز إليه عامر وقال: قد علمتْ خيبرُ أني عامرُ؍ شاكى السلاح بطلٌ مغامرٌ؍ فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عامر، وذهب عامر يسفل له، فرجع سيفه على نفسه فقطع أكحله، فكانت فيها نفسُه، فمات رضي الله عنه فقال النبي - ﷺ -: "له أجرُه مرتين"، وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا، جاء علي، فتفل النبي - ﷺ - في عينيه، فما (١) اشتكى رمدًا بعدها، فلما مات عامر، برز علي لمرحب بعد أن أعطاه رسول الله - ﷺ - الراية، وقال رضي الله عنه: (١) في "ت": "فلما". أنا الذي سمتني أُمِّي حَيْدَرَهْ؍ أَكِيلُهم بالسيفِ كيلَ السَّنْدَرهْ؍ ليثٌ بغابات شديدُ القسوره واختلف بينهما ضربتان، فسبقه علي -رضي الله عنه- وضرب رأسه فقتله، فسقط عدو الله ميتًا (١). وكان فتح خيبر في صفر على يد علي رضي الله عنه، فأخذ رسول الله - ﷺ - الأموال، وفتح الحصون، ورجع إلى المدينة، وأصاب سبايا منهن صفية بنت حيي، فاصطفاها - ﷺ - لنفسه، وجعل عتقها صداقها، وهو مذهب الإمام أحمد -رضي الله عنه- مستدلًا بذلك، فإذا قال الرجل لأمته القن، أو المُدَبَّرة، أو المكاتبَة، أو أم ولده، أو المعلق عتقُها على صفة: أعتقتُك وجعلتُ عتقَك صداقَك، أو جعلت عتقَ أمتي صداقَها، أو صداق أمتي عتقها، أو قد أعتقتها (٢) وجعلت عتقها صداقها، أو أعتقتك على أن أتزوجك وعتقك صداقك، صح إن كان متصلًا (٣) بحضرة شاهدين، وينعقد النكاح والإعتاق، ويصح جعل صداق مَنْ بعضُها رقيق عتقَ ذلك البعض، وإن طلقها قبل الدخول، رجع عليها بنصف قيمتها، فإن لم تكن قادرة، أجبرت على الاستسعاء، ولو أعتقها بسؤالها على أن تنكحه، أو قال: أعتقتك على أن تنكحيني، ورضيت، صح، ثم إن نكحته، وإلا لزمتها قيمة نفسها، وهذا من مفردات مذهب أحمد؛ خلافًا للثلاثة رضي الله عنهم. (١) رواه مسلم (١٨٠٧)، كتاب: الجهاد والسير، باب: غزوة ذي قراد وغيرها. من حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه. (٢) "أو قد أعتقتها" زيادة من "ت". (٣) "متصلًا" زيادة من "ت".

الفتح 48:21

وفي غزوة خيبر أهديت للنبي - ﷺ - (١) الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة ولاكها، ثم لفظها، وقال: "تخبرني هذه الشاة أنها مسمومة" (٢). ... ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَأُخْرَى﴾ أي: وعدكم فتح بلدة أخرى ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ يعني: بلاد فارس والروم، وقيل: الإشارة إلى مكة، قال ابن عطية: وهذا هو القوي الذي يتسق معه المعنى ويتأيد (٣)، وقيل: ومعنى (وَأُخْرَى)؛ أي: مغانم هوازن في غزوة حنين، ومعنى (لَمْ تقدِرُوا عَلَيْهَا)؛ لما كان فيها من اضطراب المسلمين. ﴿قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ بالقدرة والقهر لأهلها؛ أي: قد سبق في علمه ذلك، وظهر فيها أنهم لم يقدروا عليها. ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ لأن قدرته ذاتية لا تختص بشيء دون شيء. ... (١) "أهديت للنبي - ﷺ - زيادة من "ت". (٢) رواه أبو داود (٤٥١٢)، كتاب: الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (١/ ٦٨)، و"فتح الباري" لابن حجر (١٠/ ٢٤٥). (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ١٣٥).

الفتح 48:22

﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: أسد وغطفان وأهل خيبر. ﴿لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ﴾ لانهزموا ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يحرسهم. ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ ينصرهم. ... ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: كسنة الله في نصر أوليائه وقهر أعدائه. ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ تغييرًا. ... ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ يعني: كفار قريش. ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ بداخلها. ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ﴾ أي: أظهركم عليهم، وذلك أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمس مئة إلى الحديبية يطلبون غِرَّة في عسكر رسول الله - ﷺ -، فلما أحسَّ بهم المسلمون، بعث رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد، وسماه سيف الله في جملة من الناس، فهزمهم حتى أدخلهم مكة،

الفتح 48:25

وأسر منهم جملة، فسيقوا إلى رسول الله - ﷺ -، فمنَّ عليهم وأطلقهم، فهذا هو أن كف الله أيديهم عن المسلمين بالرعب، وكف أيدي المسلمين عنهم بدخولهم مكة، تلخيصه: حجز بينكم بعد ظفركم بهم. ﴿عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ فيجازيهم. قرأ أبو عمرو: (يَعْمَلُونَ) بالغيب على ذكر الكفار وتمردهم، وقرأ الباقون: بالخطاب للكفار (١). ... ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: كفار مكة ﴿وَصَدُّوكُمْ﴾ منعوكم ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ عن دخوله والوصول إليه ﴿وَالْهَدْيَ﴾ أي: وصدُّوا الهديَ، وكانت سبعين بدنة ﴿مَعْكُوفًا﴾ محبوسًا، نصب على الحال. ﴿أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ مكانه الذي ينحر فيه عادة، وهو الحرم، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في محل النحر للمُحْصَر في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [الآية: ١٩٦]. ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ يعني: المستضعفين بمكة. ﴿لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ لم تعرفوهم؛ لاختلاطهم بالمشركين ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٨).

الفتح 48:26

بالقتل. قرأ أبو جعفر: (تَطَوْهُمْ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز مضمومًا (١). ﴿فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ﴾ من جهتهم ﴿مَعَرَّةٌ﴾ مشقة وإثم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾، أي: تطؤوهم غيرَ عالمين بهم، وجواب (لَوْلاَ) محذوف، تقديره: لأذنَ لكم في دخولها، ولكنه حالَ بينكم وبين ذلك. ﴿لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ في دين الإسلام. ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهل مكة بعدَ الصلح قبل أن تدخلوها. ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾ أي: تميزوا؛ يعني: المؤمنين من الكفار، وجواب (لَوْ تزَيَّلُوا): ﴿لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ﴾ بدخولكم مكة ﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ بالسبي والقتل بأيديكم. ... ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿إِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ﴾ الأَنَفَة حين صدوا رسول الله - ﷺ - وأصحابه عن البيت، ولم يقروا ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وأنكروا محمد رسول الله، قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٩). وإخواننا، ثم يدخلون علينا، فتتحدث العرب أنهم دخلوا علينا على رغم أنفنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا، فهذه. ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ التي دخلت قلوبهم. قرأ أبو عمرو، وهشام: (إِذ جَّعَلَ) بإدغام الذال في الجيم، والباقون: بالإظهار (١). ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي: الثبات والوقار ﴿عَلَى رَسُولِهِ﴾ - ﷺ -. ﴿وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ حتى لم يدخلهم ما دخل المشركين من الحمية، فيعصوا الله في قتالهم. ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ هي كلمة الشهادة؛ أي: يثبتهم عليها ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا﴾ ممن أباها من المشركين ﴿وَأَهْلَهَا﴾ في علم الله وسابق قضائه لهم، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إشارة إلى علمه بالمؤمنين الذين دفع عن الكفار من قريش بسببهم، وإلى علمه بوجه المصلحة في صلح الحديبية، فيروى أنه لما انعقد، أمن الناس في تلك المدة الحرب والفتنة، وعلت دعوة الإسلام، وانقاد إليه كل من كان له فهم من العرب، وزاد عدد الإسلام في تلك المدة أضعاف ما كان قبل ذلك، ويقتضي ذلك أن رسول الله - ﷺ - كان في عام الحديبية في أربع عشرة مئة، ثم سار إلى مكة بعد ذلك بنحو عامين في عشرة آلاف فارس - ﷺ -. ... (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٠٩).

الفتح 48:27

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧)﴾. [٢٧] روي أن رسول الله - ﷺ - رأى في منامه قبل خروجه إلى الحديبية أنه يدخل مكة هو وأصحابه آمنين، ويحلقون ويقصرون، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا، وظنوا أنه يكون في ذلك العام، فلما انصرفوا ولم يدخلوا، قال المنافقون: وأين الرؤيا؟ ووقع في نفوس المسلمين شيء من ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا﴾ التي رآها في النوم ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالصدق. قرأ الكسائي، وخلف: (الرُّؤْيَا) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١). ﴿لَتَدْخُلُنَّ﴾ اللام لام القسم الذي يقتضيه (صدق)؛ لأنها من قبيل تبين وتحقق ونحوها مما يعطي القسم، تقديره: والله لتدخلن. ﴿الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ ودخول الاستثناء في إخبار الله -عز وجل- فيه وجوه: أن يعلق عدته بالمشيئة؛ تعليمًا لعباده أن يقولوا في عِداتهم مثلَ ذلك متأدبين بأدب الله، ومقتدين بسنته، أو يريد: لتدخلن جميعًا إن شاء الله، ولم يمت منكم أحد، أو: كان ذلك على لسان ملك، فأدخل الملك إن شاء الله، أو: هي حكاية ما قال رسول الله - ﷺ - لأصحابه، وقص عليهم، وقيل: هو متعلق بـ (آمِنِينَ)، وقيل: (إنْ) بمعنى (إذْ)؛ فكأنه قال: إذ شاء الله، قال ابن عطية: وهذا أحسن في معناه، لكن كون (إن) (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٠).

الفتح 48:28

بمعنى (إذ) غير موجود في لسان العرب، انتهى (١). ﴿مُحَلِّقِينَ﴾ حال من (آمِنِينَ) مفعوله ﴿رُءُوسَكُمْ﴾ أي: جميعَ شعورها ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بعض شعورها، وتقدم حكم الحلق والتقصير في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [الآية: ١٩٦]. ﴿لَا تَخَافُونَ﴾ أبدًا ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا﴾ من الحكمة في تأخير الفتح. ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ أي: فتح مكة ﴿فَتْحًا قَرِيبًا﴾ هو فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل، فكان فتح مكة في رمضان سنة ثمان من الهجرة. ... ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى﴾ ملتبِسًا به ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ليعليَه على جنس الدين كله بنسخ ما كان حقًّا، وإظهار فساد ما كان باطلًا، وهذا موجود الآن في دين الإسلام؛ فإنه قد عم أكثر الأرض، وظهر على كل دين. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: شاهدًا بهذا الخبر، ومعلمًا به، وعلى هؤلاء الكفار المنكرين أمرَ محمد - ﷺ - الرادين في صدره، ومعاقبًا لهم بحكم الشهادة. ... (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ١٣٩).

الفتح 48:29

﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿مُحَمَّدٌ﴾ مبتدأ، خبره ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ شهد له بالرسالة، وتقدم تفسير (محمد) في سورة آل عمران، وفي الأحزاب، ثم قال مبتدئًا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿أَشِدَّاءُ﴾ صفة الصحابة خاصة، فلا يكون - ﷺ - داخلًا مع الصحابة في الشدة ﴿عَلَى الْكُفَّارِ﴾ غلاظ عليهم كالأسد في فريسته. ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ متعاطفون بعضهم على بعض كالوالد مع الولد. ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ لأنهم مشغولون في الصلاة في أكثر أوقاتهم. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ﴾ أن يدخلهم الجنة ﴿وَرِضْوَانًا﴾ أن يرضى عنهم. قرأ أبو بكر عن عاصم: (رُضْوَانًا) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علاماتهم ﴿فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ وهو نور وبياض يُعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا، وروي أن مواضع السجود تكون في وجوههم كالقمر ليلة البدر. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١١). ﴿ذَلِكَ﴾ الوصف المذكور ﴿مَثَلُهُمْ﴾ أي: صفة محمد - ﷺ - وأصحابه. ﴿فِي التَّوْرَاةِ﴾ وتعطف عليه. ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ أي: ذلك مثلهم في الكتابين ﴿كَزَرْعٍ﴾ تمثيل مستأنف؛ أي: هم كزرع ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ فرخه؛ يقال: أشطأ الزرع: إذا فرخ. قرأ ابن كثير، وابن ذكوان عن ابن عامر: بفتح الطاء، والباقون: بإسكانها (١)، وهما لغتان كالنهْر والنهَر، وقرأ أبو عمرو: (أَخْرَج شَّطْاَهُ) بإدغام الجيم في الشين (٢). ﴿فَآزَرَهُ﴾ قرأ ابن ذكوان: بقصر الهمزة، والباقون: بالمد (٣)؛ أي: قواه؛ من المؤازرة، وهي المعاونة ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ غلظ ذلك الزرع. ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ جمع ساق؛ أي: قوي واستقام على أصوله، وهذا مثل ضربه الله لنبيه، خرج وحده، فآزره بأصحابه. قرأ قنبل عن ابن كثير: (سُؤْقِهِ) بهمزة ساكنة، وعنه وجه ثان: بهمزة مضمومة، وقرأ الباقون: بغير همز (٤). ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾ الذين زرعوه، وهذا مثل ضربه الله لبدء الإسلام وقوته (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٣). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٣). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ١٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٤). (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٤ - ٢١٥). بالصحابة بأن يكونوا قليلًا فيكثروا وضعفاء، فيقوون، يوضح ذلك أن علله بقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ أي: إنما كثرهم وقواهم؛ ليكونوا غيظًا للكافرين. قال عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي بن أبي طالب. ومن غيظ الكفار قولُ عمر بمكة: "لا أعبد (١) الله سرًّا بعد هذا اليوم" (٢). وعن رسول الله - ﷺ - أنه قال: "أرحمُ أمتي بأمتي أبو بكر، وأقواهم في دين الله عمر، وأصدقُهم حياءً عثمان، وأقضاهم عليٌّ، وأقرؤهم أُبي بن كعب، وأفرضهم زيدُ بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وما أظلت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء من ذي لهجة أصدقَ من أبي ذر، ولكل أمة أمين، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح" رضي الله عنهم أجمعين (٣). (١) في "ت": "لا عبد" (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٩٢). (٣) رواه الترمذي (٣٧٩١)، كتاب: المناقب، باب: مناقب معاذ بن جبل وزيد ابن ثابت وأبي عبيد بن الجراح رضي الله عنهم، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (١٥٤) في المقدمة، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. دون قوله: "وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر". وقد رواه الترمذي (٣٨٠٢)، كتاب: المناقب. باب: مناقب أبي ذر رضي الله عنه، وابن حبان في "صحيحه" (٧١٣٢)، وغيرهما من حديث أبي ذر رضي الله عنه. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً﴾ و (مِنْهُمْ) لبيان الجنس وليست للتبعيض؛ لأنه وعد للجميع. ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة، وقد اجتمع حروف المعجم التسعة والعشرون في هذه الآية، وهي ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة، أول حروف المعجم فيها ميم من (محمد)، وآخرها صاد من (الصالحات)، وتقدم نظير ذلك في سورة آل عمران في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [الآية: ١٥٤]، وليس في القرآن آيتان كل آية حوت حروف المعجم غيرهما (١) من دعا الله بهما، استجيب له، والله أعلم. ... (١) من قوله (ص: ٣٤٧): "وقيل: الإشارة إلى مكة" إلى هنا سقط من "ش". سورة الحجرات مدنية بإجماع من أهل التأويل، وآيها: ثماني عشرة آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وثلاث وأربعون كلمة، وهذا أول المفصل على الراجح من مذهب الشافعي، وبعض (١) الأقوال المعتمدة عند أبي حنيفة، وعنه قول آخر معتمد: أن أوله (ق). قال - ﷺ -: "فضلني ربي بالمفصل" (٢)، وتقدم في أول التفسير أن المفصل من القرآن هو ما بعد الحواميم وقصار السور إلى آخر القرآن، وسميت مفصلًا؛ لكثرة الفصولات فيها بسطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ؛ لأنها سور قصار يقرب تفصيل كل سورة من الأخرى، فكثر التفصيل فيها، والله أعلم. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾. (١) في "ت": "وأحد". (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٠٧)، والطيالسي في "مسنده" (١٠١٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٢/ ٧٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤١٥)، وغيرهم من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه.

الحجرات 49:1

[١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ قرأ يعقوب: (تَقَدَّمُوا) بفتح التاء والدال؛ من التقدم؛ أي: لا تتقدموا، على حذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بضم التاء وكسر الدال؛ من التقديم (١)؛ أي: لا تعجلوا بالأمر والنهي دونه، المعنى: لا تفعلوا ولا تقولوا شيئًا حتى يحكما به، ويأذنا فيه، ولا تفتاتوا عليهما، وقد كانت عادة العرب الاشتراك في الآراء، وأن يتكلم كل بما شاء، ويفعل ما أحب، فمشى بعض الناس مع النبي - ﷺ - على بعض ذلك، فربما قال قوم: لو نزل كذا وكذا في معنى كذا، ولو فعل الله كذا، أو ينبغي أن يكون كذا، وأيضًا فإن قومًا ذبحوا ضحاياهم قبل النبي - ﷺ -، وقومًا فعلوا في بعض خروجه وغزواته أشياء بآرائهم، فنزلت هذه الآية ناهية عن جميع ذلك، وتحقيق معنى الآية الأمرُ بتعظيم النبي - ﷺ - وتوقيره، وخفض الصوت بحضرته، وقد كره بعض العلماء رفع الصوت عند قبره - ﷺ -، وكره بعضهم رفع الصوت في مجالس الفقهاء؛ تشريفًا لهم؛ إذ أنهم (٢) ورثة الأنبياء. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مخالفة أمره ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوالكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بأحوالكم. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ١٩٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢١٩). (٢) في "ت": "هم".

الحجرات 49:2

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾. [٢] ونزل فيمن رفع صوته لدى النبي - ﷺ -، وهو ثابت بن قيس (١) بن شماس، وكان جهوري الصوت، وربما كان يكلم رسول الله - ﷺ - فيتأذى بصوته: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ (٢) إذا نطقتكم. ﴿فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ إذا نطق ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ إذا ناجيتموه ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ أي: لا تغلظوا له الخطاب، ولا تنادوه باسمه يا محمد يا أحمد كما ينادي بعضكم بعضًا، ولكن فخموه، وقولوا له قولًا لينًا: يا رسول الله! يا نبي الله! نظيره: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. ﴿أَنْ تَحْبَطَ﴾ أي: مخافة أن تبطل ﴿أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾. [٣] فلما نزل، دخل ثابت في بيته، فجعل يبكي، وقال لامرأته جميلة بنت عبد الله بن أبي بن سلول: لا أخرج حتى يتوفاني الله، أو يرضى عني رسوله، إني رفيع الصوت، وإني أخاف أن يحبط عملي، وأكون من أهل (١) "بن قيس" زيادة من "ت". (٢) رواه مسلم (١١٩)، كتاب: الإيمان، باب: مخافة المؤمن أن يحبط عمله، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.

الحجرات 49:4

النار، فدعاه النبي - ﷺ -، وقال "أما (١) ترضى أن تعيش حميدًا وتموتَ شهيدًا وتدخلَ الجنة؟ "، فقال؛ رضيتُ ببشرى الله ورسوله، ولا أرفع صوتي أبدًا على رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (٢) إجلالًا له. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي: اختبرها بأنواع المحن ﴿لِلتَّقْوَى﴾ أي: لتظهر التقوى بالاختبار وصد النفس عن مرادها ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ واستُشهد ثابت يوم القيامة في حرب مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤)﴾. [٤] ونزل في وفد بني تميم حين وفدوا على رسول الله - ﷺ -، فدخلوا المسجد، ودنوا من حُجَر أزواج النبي - ﷺ -، وهي تسعة، فعجلوا، ولم ينتظروا، ونادوا بجملتهم: يا محمد! اخرج إلينا؛ فإن مدحنا زين، وذمنا شين، فتربص مدة، ثم خرج - ﷺ - وهو يقول: "إنما ذلكم اللهُ الذي مدحُه زَيْن وذمُّه شَيْن": ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (٣) جمع حجرة، وهو ما يحجر عليه من الأرض بحائط، والمراد: حجرات نساء النبي - ﷺ -. قرأ (١) في "ت": "إنما". (٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٤٢٥)، والطبري في "تفسيره" (٢٦/ ١١٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٣١٠)، والحاكم في "المستدرك" (٥٠٣٤). (٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٤٦)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ١٠٦)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٧٣).

الحجرات 49:5

أبو جعفر: (الحُجَرَاتِ) بفتح الجيم، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، فكان كل واحد ينادي من وراء حجرة؛ لأنهم لم يتحققوا مكانه، والإنكار إنما وقع لأنهم نادوه من ظاهر الدار بجفاء وغلظة مناداةَ الأعرب. ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ جهال ﴿لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسنَ الأدب، وسئل رسول الله - ﷺ - عنهم فقال: "هم جُفاةُ بني تميم، لولا أنهم من أشدِّ الناسِ قتالًا للأعور الدجَّال، لدعوتُ الله عليهم أن يُهلكهم" (٢). ... ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾. [٥] ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ أي: ولو ثبت صبرهم وانتظارهم. ﴿حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ﴾ الصبر. ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأحسنَ لأدبهم، والصبر: حبسُ النفس عن أن تنازع إلى هواها. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٠٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٠). (٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٧٧)، من حديث سعد بن عبد الله. وقد روى البخاري (٢٤٠٥)، كتاب: العتق، باب: من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع.. ، ومسلم (٢٥٢٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل غفار وأسلم وجهينة ومزينة وتميم، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما زلت أحبُّ بني تميم منذ ثلاث سمعت من رسول الله - ﷺ - يقول فيهم، سمعته يقول: "هم أشدُّ أمتي على الدجال".

الحجرات 49:6

﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ حيث اقتصر على النصح والتقريع لهؤلاء المسيئين الأدب (١)، والتاركين تعظيم الرسول. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾. [٦] روي أن رسول الله - ﷺ - بعث الوليد بن عقبة أخا عثمان لأمه إلى بني المصطلق مُصَدِّقًا، وكان بينه وبينهم عدواة في الجاهلية، فلما سمع به القوم، خرجوا يتلقونه تعظيمًا لأمر رسول الله، فخافهم، فرجع من الطريق هاربًا، فجاء النبيَّ - ﷺ -، وقال: إنهم قد منعوا الصدقة، وهموا بقتلي، فغضب رسول الله - ﷺ -، وهَمَّ بغزوهم، فأتوا رسول الله - ﷺ -، وقالوا: يا رسول الله! خرجنا نتلقاه، فرجع، فخشينا أن يكون قد رده كتاب أتاه منك، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله، فاتهمهم في قولهم، وأرسل إليهم بعد عودهم إلى بلادهم خالد بن الوليد، فلم ير فيهم إلا الطاعة والخير، فانصرف إلى رسول الله - ﷺ -، وأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ (٢) يعني: الوليد بن عقبة ﴿بِنَبَإٍ﴾ بخبر ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (فَتَثَبَّتُوا) بالتاء والثاء؛ من التثبت؛ أي: توقفوا، وقرأ الباقون: بالياء والنون؛ من التبين (٣)؛ أي: (١) "الأدب" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير الثعلبي" (٤/ ١٨٧)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٤٦). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٧)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٩٤)،=

الحجرات 49:7

تفحصوا، وتنكير (فَاسِقٌ) يؤذن بالاحتراز من كل فاسق. ﴿أَنْ تُصِيبُوا﴾ كيلا تصيبوا بالقتل ﴿قَوْمًا﴾ برآء ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ جاهلين بحالهم. ﴿فَتُصْبِحُوا﴾ فتصيروا ﴿عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ مغتمين. ... ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ إن كذبتم، أخبره الله، فتفتضحوا. ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ﴾ يقبل منكم ﴿فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ﴾ الذي تخبرونه به، فيحكم برأيكم ﴿لَعَنِتُّمْ﴾ لأثمتم وهلكتم. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ﴾ فجعله أحبَّ الأديان إليكم. ﴿وَزَيَّنَهُ﴾ حَسَّنه ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾ بالبرهان، وثبته فيها. ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾ الكذبَ ﴿وَالْفُسُوقَ﴾ الخروجَ عن الطاعة ﴿وَالْعِصْيَانَ﴾ جميع معاصي الله، ومعنى تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، ثم عاد من خطاب المؤمنين إلى الإخبار عنهم، فقال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ الثابتون على دينهم. ... = و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٠ - ٢٢١).

الحجرات 49:8

﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٨)﴾. [٨] ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن ما قبله هو بمعناه؛ إذ التحبيب والتزيين هو نفس الفضل. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال المؤمنين ﴿حَكِيمٌ﴾ بإنعامه عليهم بالتوفيق. ... ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩)﴾. [٩] روي أن رسول الله - ﷺ - توجه إلى زيارة سعد بن عبادة في مرضه، وركب حمارًا، فمر بعبد الله بن أبي بن سلول، فقال عبد الله بن أبي (١) لما غشيَه حمارُ رسول الله - ﷺ -: لا تغبروا علينا، والله لقد آذاني نتنُ حمارك، فقال عبد الله بن رواحة لابن أبي: واللهِ لحمارُ رسولِ الله - ﷺ - أطيبُ ريحًا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، فتشاتما، فغضب لكل واحد منهما أصحابه، فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال، وكان فيمن غضب لابن أبي مؤمنون، وقيل غير ذلك، فنزل: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ (٢) جُمع نظرًا إلى المعنى؛ لأن كل (١) "ابن سلول فقال عبد الله بن أبي" زيادة من "ت". (٢) رواه البخاري (٢٥٤٥)، كتاب: الصلح، باب: ما جاء في الإصلاح بين الناس، ومسلم (١٧٩٩)، كتاب: الجهاد والسِّير، باب: في دعاء النبي - ﷺ -، من حديث أنس -رضي الله عنه- وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٠٣). طائفة جماعة ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ بالنصح والدعاءِ إلى حكم الله تعالى، وثُني نظرًا إلى اللفظ. ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى﴾ بأن كانت الباغية مبطلة، والأخرى محقة. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ترجع إلى حكمه المذكور في كتابه من الصلح. قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب: (تَفِيءَ إِلَى) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية بين اللفظين، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين (١). ﴿فَإِنْ فَاءَتْ﴾ رجعت عن البغي ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ بالإنصاف ﴿وَأَقْسِطُوا﴾ اعدلوا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ والقَسْط بالفتح الجور؛ من القسط: اعوجاج في الرجلين، و -بالكسر-: العدل، وفعله أقسط، وهمزته أصلية (٢)؛ أي: أزيلوا الجور، يقال: قسط: جار، وأقسط: عدل، والباغي في الشرع: هو الخارج على إمام العدل. وأما حكم قتال أهل البغي، فقد اتفق الأئمة على أن نصب الإمام فرض كفاية، وتنعقد الإمامة بالبيعة، وباستخلاف (٣) الإمام، وقهرِ قرشيٍّ حر ذكر، ويحرم قتاله بالاتفاق، فإذا خرج على الإمام طائفة ذات شوكة بتأويل (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية:" (٦/ ٢٢١ - ٢٢٢). (٢) في "ت": "للسلب". (٣) في "ت": "وبالاستخلاف". سائغ، ونصبوا إمامًا، وقالوا: الحق معنا، دعاهم، وكشف شبهتهم التي استندوا إليها في خروجهم عن طاعته، وأزال ما يذكرونه من مظلمة؛ فإن فاؤوا، وإلا أبيح قتالهم بالاتفاق حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإذا فاؤوا، كف عنهم، فإن لم يكن لهم شوكة، أو لم يكن تأويل، أو لم ينصبوا إمامًا، فقطاع طريق تقدم حكمهم في سورة المائدة عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]. واختلفوا في اتباعِ مدبرِ البغاةِ، وقتلِ جريحهم، فقال أبو حنيفة: إن كان لهم فئة يرجعون إليها، جاز ذلك، وإلا فلا، وقال الثلاثة: لا يجوز. واتفقوا على أن أموالهم يحرم أخذها، وهي باقية لهم. واختلفوا هل يجوز أن يستعان على حربهم بسلاحهم؟ فقال الشافعي، وأحمد: لا يجوز، وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز مع قيام الحرب، فإذا انقضت، ردت إليهم. واتفقوا على أن البغاة إذا أخذوا خراجًا أو جزيةَ ذمي، فإنه يلزم أهل العدل أن يحتسبوا بذلك، بخلاف عن مالك. واتفقوا على أن ما يتلفه أهل العدل على أهل البغي وعكسه من نفس ومال حالَ الحرب، فلا ضمان فيه، وتقبل شهادة البغاة (١) وقضاء قاضيهم فيما يقبل فيه قضاء قاضينا بالاتفاق بخلاف عن مالك، ويحرم سبي ذراريهم بالاتفاق، ومن أسر منهم من رجل أو امرأة أو صبي، حُبس حتى ينقضي الحرب، ثم يرسل بالاتفاق، ويحرم قتالهم بما يعم إتلافه؛ كنار (١) "فلا ضمان فيه وتقبل شهادة البغاة" زيادة من "ت".

الحجرات 49:10

ومنجنيق إلا لضرورة عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة: يجوز، وعند مالك: للإمام العدل في قتالهم ما له في الكفار بعد أن يدعوهم إلى الحق. ... ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ المتنازعين، وثُني؛ لأن النزاع إنما يكون أولًا بين اثنين، ثم يتعدى إلى الجماعة، ويجوز أن يراد: الحزبان؛ كقوله: (طَائِفَتَانِ). قرأ يعقوب: (إِخْوَتِكُمْ) بكسر الهمزة وإسكان الخاء وتاء مكسورة على الجمع، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة والخاء وياء ساكنة على التثنية (١). ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فلا تعصوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وفي هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان؛ لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين، يدل عليه ما روي عن علي -رضي الله عنه-: أنه سئل، وهو القدوة في قتال أهل البغي، عن أهل الجمل وصفين: أمشركون هم؟ فقال: لا، من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلًا، قيل: فما حالهم؟ قال: إخواننا بغوا علينا (٢). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٧٧٦٣)، والبيهقي في "الكبرى" (٨/ ١٧٣).

الحجرات 49:11

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾. [١١] ونزل في ثابت بن قيس حين سأل رجلًا: من أنت؟ فقال: ابن فلان، فقال ثابت: أنت ابن فلانة، فخجل الرجل؛ لأنه كان يُعير بها في الجاهلية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ (١) أي: رجال من رجال، والقوم: الرجال خاصة؛ لأنهم القوام على النساء، جمع قائم، ويسخر معناه: يستهزئ. ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ المعنى: اجتنبوا السخرية، فربما كان المستسخَر به خيرًا عند الله من الساخر. ﴿وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ ونكر (قَوْمٌ) و (نِسَاءٌ)؛ ليعم النهي (٢) قبيلهما (٣)، ولم يقل: رجل من رجل، ولا امرأة من امرأة؛ أي: فرد من فرد؛ لأن السخرية تكون غالبًا بين جمع. عن ابن عباس: أنها نزلت في صفية بنت حيي بن أخطب، قال لها النساء: يهودية بنت يهوديين، فشكت ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، فقال لها: "هَلَّا قلتِ: إن أبي هارون، وعمي موسى، وزوجي محمد" (٤). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٠٦)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٨٠)، و"تفسير النسفي" (٤/ ١٦٦). (٢) "النهي" زيادة من "ت". (٣) في "ت": "قبيلهما". (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٠٦)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٨١)، = ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لا يعيب بعضكم بعضًا. قرأ يعقوب: (تَلْمُزُوا) بضم الميم، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ النبز: اللقب، واللقب: ما يسمى به الإنسان بعد اسمه العَلَم، يعم المدح والذم، والتنابز: هو أن يدعى الإنسان بغير ما سُمي به مما يكرهه، المعنى: لا تلقبوا غيركم بالألقاب القبيحة؛ كالفاسق ونحوه، ولا تنادوه بها. قرأ البزي عن ابن كثير: (وَلاَ تَّنَابَزُوا) ﴿وَلَا تَّجَسَّسُوا﴾ (لِتَّعَارَفُوا) بتشديد التاء في الثلاثة، والباقون: بالتخفيف (٢). ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ أي: بئس الذكرُ المرتفع للمؤمنين أن يُذكروا بالفسق بعد دخولهم بالإيمان، واشتهارهم به. ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ﴾ عما نُهي عنه ﴿فَأُولَئِكَ﴾ أي: الساخرون واللامزون. ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ بوضع العصيان موضع الطاعة. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلاد عن حمزة بخلاف عنه: (يَتُب فَّأُولَئِكَ) بإدغام الباء في الفاء، والباقون: بالإظهار (٣). = و"الكشاف" للزمخشري (٤/ ٣٨٣). وقوله: "هلَّا قلتِ... محمد" أخرجه الترمذي في "سننه" (٣٨٩٢) في كتاب: المناقب، باب: فضل أزواج النبي - ﷺ -، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢٤/ ٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٦٧٩٠). وهو ضعيف الإسناد؛ قال الترمذي: حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك القوي. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٣). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٣ - ٢٢٥). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٣ - ٢٢٤). =

الحجرات 49:12

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. [١٢] ونزل في رجلين اغتابا رفيقهما: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ (١) أي: أَبعِدوه عنكم، واجعلوه جانبًا منكم. ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ يستحق عليه العقاب، وذلك البعض كثير؛ لأنه ظن السوء بالمؤمنين، والتبعيض يؤذن باجتناب بعض الظن، ولا يقدم عليه إلا بعد النظر في حال الشخص، فإن كان موسومًا بالصلاح، فلا يظن به السوء بأدنى توهم، بل يحتاط في ذلك، ولا تظنن سوءًا إلا بعد ألا تجد إلى الخير سبيلًا، وأما ظن الصلاح بالصلحاء والعلماء بالله والشرع، فمندوب إليه، وأما الفساق، فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم. ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ ولا تتبعوا عورات الناس، ولا تبحثوا عن أخبارها حتى لا يظهر ما ستره الله منها ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الغيبة: أن يقول في الرجل ما فيه مما يكرهه. ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ أي: أن ما يناله من عرض أخيه كأكل لحم ميت. قرأ نافع، وأبو جعفر: (مَيِّتًا) بكسر الياء مشددة (٢)، والباقون: بإسكانها مخففة (٣)، ونصبه على الحال من (لَحْمَ). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٠٧)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٣٣٠). (٢) "مشددة" زيادة من "ت". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

الحجرات 49:13

﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ المعنى: إن صح ذلك، أو عرض عليكم هذا، فقد كرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ لمن اتقى ما نهي عنه، وتاب مما فرط منه. ... ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾. [١٣] ونزل نهيًا عن التفاخر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ من آدم وحواء. ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا﴾ جمع شعب -بفتح الشين-، وهو أكبر من القبيلة؛ لأنه يجمع القبائل مثل: ربيعة ومضر، والأوس والخزرج، سموا شعوبًا؛ لتشعبهم واجتماعهم كشعب أغصان الشجر ﴿وَقَبَائِلَ﴾ وهي دون الشعوب، واحدتها قبيلة، والقبيلة تجمع العمائر، [والعمائر تجمع البطون، والبطون تجمع الأفخاذ، والأفخاذ تجمع الفصائل] (١) مثاله: خزيمة شعب، كنانة قبيلة، قريش عمارة، قصي بطن، هاشم فخذ، العباس فصيلة، المعنى: خلقناكم من أصل واحد، ثم فرقناكم. ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ ليعرف بعضكم بعضًا، ويعطيه حقه، لا للتفاخر، ثم بين ما به (٢) الفخر فقال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فإن التقوى بها تكمل = (٢/ ٢٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٤). (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٢) "ما به" زيادة من "ت".

الحجرات 49:14

النفوس، وتتفاضل الأشخاص، قال - ﷺ -: "من أحبَّ أن يكونَ أكرمَ الناس، فليتق الله" (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بكم ﴿خَبِيرٌ﴾ ببواطنكم. ... ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾. [١٤] ونزل في طوائف من الأعراب قَدِموا المدينة في سنة جدبة، وأظهروا الإسلام ليأمنوا بذلك على نفوسهم وأموالهم، ومَنُّوا بذلك على النبي - ﷺ -: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ يا محمد: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، وأوقع ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ موقع كذبتم؛ لأنه نفي ما ادعوه تأدبًا. ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ انقدنا واستسلمنا؛ مخافةَ القتل والسبي. ﴿وَلَمَّا﴾ أي: لم ﴿يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فالإسلام: الخضوع والقبول لأمر رسول الله - ﷺ -، فإن وجد معه اعتقاد وتصديق بالقلب، فهو إيمان، وتقدم ذكر الإيمان واختلاف الأئمة فيه أول سورة البقرة. ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالإخلاص وترك النفاق. (١) رواه عبد بن حميد في "مسنده" (٦٧٥)، والحاكم في "المستدرك" (٧٧٠٧)، والقضاعي في "مسند الشهاب" (٣٦٧)، وغيرهم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وإسناده ضعيف. انظر: "الضعفاء" للعقيلي (٤/ ٣٤٠).

الحجرات 49:15

﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: (يَأْلِتكُمْ) بهمزة ساكنة بين الياء واللام، ويبدلها أبو عمرو على أصله؛ من ألت يألت؛ كضرب يضرب، لقوله تعالى: (وَمَا أَلَتْنَاهُمْ)، وقرأ الباقون: بكسر اللام من غير همز (١)؛ من لات يليت؛ كباع يبيع، وهما لغتان، معناهما: لا ينقصكم. ﴿مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ أي: من ثوابها ﴿شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لما (٢) فرط من المطيعين ﴿رَحِيمٌ﴾ بالتفضل عليهم. ... ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾. [١٥] ثم بين المؤمنين حقيقة فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ لم يشكوا. ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم. ... ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾. [١٦] فلما نزلت هاتان الآيتان، أتت الأعراب رسولَ الله - ﷺ - يحلفون (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٦). (٢) في "ت": "لمن".

الحجرات 49:17

بالله إنهم مؤمنون صادقون، وعلم الله غير ذلك منهم، فأنزل: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾ (١) التعليم بمعنى الإعلام؛ أي: أتخبرون الله بدينكم الذي أنتم عليه. ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لا يحتاج إلى إخباركم. ... ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾. [١٧] ثم أمر تعالى نبيه - ﷺ - أن ينفي مِنَّةَ الأعراب، فقال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ أي: بإسلامكم، فنصب بنزع الخافض. ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ على ما زعمتم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في إيمانكم، وجوابه محذوف يدل عليه ما قبله؛ أي: فلله المنة عليكم لا لكم. ... ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ما غاب فيهما. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢١٣ - ٢١٤)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٩٠)، و"تفسير القرطبي" (١٦/ ٢٤٩). ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ في سركم وعلانيتكم. قرأ ابن كثير: (يَعْمَلُونَ) بالغيب؛ لما في الآية من الغيبة عن النبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالخطاب (١)، والله أعلم. ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٢٧).

ق 50:1

سورة ق مكية بإجماع من المتأولين، وقيل: إلا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، فمدني، وآيها: خمس وأربعون آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وأربعة وسبعون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وخمس وسبعون كلمة. روي عن أبي بن كعب، عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "مَنْ قرأ سورةَ ق هَوَّنَ الله عليه الموتَ وسَكَراتِه" (١). وهذا أول المفصل عند الإمام أحمد، وأحد الأقوال المعتمدة عن أبي حنيفة، وتقدم التنبيه عليه في أول الحجرات عند ذكر الأقوال الأخرى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾. [١] ﴿ق﴾ أبو جعفر على أصله في السكت يقف على (ق)، والكلام فيه كالكلام في (ص)؛ لأنهما في أسلوب واحد، واختلف في معناه، فقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى، أو من أسماء القرآن، أو هو مفتاح (١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٢)، وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٣٦١).

ق 50:2

أسماء الله تعالى التي هي القدير والقادر والقاهر والقريب والقابض، وقيل: هو جبل محيط بالأرض من زُمردة خضراء منه خضرة السماء، والسماء مقبيَّةٌ عليه، وعليه كنفاها، وقيل: معناه: قضي الأمر، وقضي ما هو كائن، كما قالوا في (حم)، وقيل: هو اسم السورة. ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ الكريم في أوصافه، ومن عمل بالقرآن مَجُدَ؛ أي: شَرُف على الناس، و (ق) مُقْسَم به وبالقرآن المجيد، وجواب القسم محذوف (١) تقديره: لَتبعَثُنَّ؛ لأنهم أنكروا البعث. قال ابن عطية (٢): و (٣) هذا قول حسن، ثم قال: وأحسنُ منه أن يكون الجواب هو الذي يقع عنه الإضراب بـ (بل)؛ كأنه قال: والقرآنِ المجيدِ ما ردوا أمرك بحجة، أو ما كذبوك ببرهان. ... ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾. [٢] ﴿بَلْ عَجِبُوا﴾ كفار مكة (٤) ﴿أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ﴾ مخوِّف ﴿مِنْهُمْ﴾ يعرفون نسبه وصدقه. ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ أي: قولُ محمد: إنا نحيا بعد الموت، وقيل: الضمير في (عَجِبُوا) لجميع الناس، مؤمنِهم وكافرِهم؛ لأن كل مفطور عجبَ من بعثة بشرٍ رسولَ الله، لكن المؤمنون نظروا واهتدوا، (١) "محذوف" زيادة من "ت". (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ١٥٥). (٣) "و" زيادة من "ت". (٤) في "ت": "قريش".

ق 50:3

والكافرون بقوا في عمايتهم، وحاجوا بذلك العجب، ولذلك قال: ﴿فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾. ... ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾. [٣] ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ استفهام إنكار جوابه محذوف؛ أي: أنرجع إذا متنا وصرنا ترابًا؟ ثم أنكروا ذلك أصلًا، فقالوا: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ﴾ إلى الحياة ﴿بَعِيدٌ﴾ عن العادة. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (أَئِذا) بتحقيق الهمزة الأولى وتسهيل الثانية بين الهمزة والياء، وفصل أبو جعفر، وأبو عمرو، وقالون بين الهمزتين بألف، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، واختلف عن هشام في الفصل (١)، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِتْنَا) بكسر الميم، والباقون: بضمها (٢). ... ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾. [٤] قال الله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ ما تأكل من لحومهم، وهو رَدٌّ لاستبعادهم. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٦٩ - ٣٧٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣١). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٢). ﴿وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾ محفوظ من الشياطين، جامع لم يفته شيء، وهو اللوح المحفوظ. في الحديث: "كلُّ ابنِ آدمَ يَبْلى إلا عَجْبَ الذَّنَب" (١)، وهو عظم كالخردلة، فمنه يركب ابن آدم. قال ابن عطية: وحفظ ما تنقص الأرض إنما هو ليعود بعينه يوم القيامة، وهذا هو الحق، وذهب بعض الأصوليين إلى أن الأجساد المبعوثة يجوز أن تكون غير هذه، قال ابن عطية: وهذا عندي خلاف لظاهر كتاب الله تعالى، ولو كانت غيرها، فكيف كانت تشهد الجلود والأيدي والأرجل على الكفرة؟ إلى غير ذلك مما يقتضي أن أجساد الدنيا هي التي تعود (٢). وسئل شيخ الإسلام ابن حجر: هل الأجساد إذا بليت وفنيت، وأراد الله إعادتها كما كانت أولًا، هل تعود الأجساد الأول، أم يخلق الله للناس (٣) أجسادًا غير الأجساد الأول؟ فأجاب: إن الأجساد التي يعيدها الله هي الأجساد الأول، لا غيرها، قال: وهذا هو الصحيح، بل الصواب ومن قال غيره عندي، فقد أخطأ فيه؛ لمخالفته ظاهر القرآن والحديث. (١) رواه البخاري (٤٦٥١)، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾، ومسلم (٢٩٥٥)، كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: ما بين النفختين، من حديث أبي هريرة. قال ابن حجر في "الفتح" (٨/ ٥٥٢): قال ابن الجوزي: قال ابن عقيل: لله في هذا سرٌّ لا يعلمه إلا الله، لأن من يُظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى شيء يبني عليه. ويحتمل أن يكون ذلك جُعِلَ علامةً للملائكة على إحياء كل إنسان بجوهره. (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (١٥/ ١٥٦)، ووقع فيه: "الأجساد المبعثرة" بدل: "المبعوثة". (٣) "للناس" زيادة من "ت".

ق 50:5

﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾. [٥] ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ﴾ بالقرآن ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ مضطرب، قالوا مرة: شعر، ومرة: كهانة، فلم يثبتوا على حال. ... ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾. [٦] ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ معتبرين حين أنكروا البعث. ﴿إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ ظرف لـ (يَنْظُرُوا). ﴿كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ بلا عمد ﴿وَزَيَّنَّاهَا﴾ بالكواكب. ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ شقوق وصدوع، فهي مزينة سليمة من العيب. ... ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)﴾. [٧] ﴿وَالْأَرْضَ﴾ نصبٌ بمضمر يفسره ﴿مَدَدْنَاهَا﴾ دَحَوْناها على وجه الماء. ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ جبالًا ثوابت ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ من كل صنف حسن. ... ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾. [٨] ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي: جعلنا ذلك تبصرة ﴿وَذِكْرَى﴾ أي: تذكيرًا. ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ رَجَّاع إلى طاعة الله تعالى.

ق 50:9

﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾. [٩] ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ كثيرَ البركة، وهو المطر. ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ﴾ أشجارًا وثمارًا ﴿وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ أي: وحب الزرع الذي من شأنه أن يُحصد. ... ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ أي: طوالًا في السماء ﴿لها طَلْعٌ﴾ ثمر، والطلع: أول ظهور (١) الثمر في أكمامه قبل أن ينشق، وهو أبيض كحب الرمان ﴿نَضِيدٌ﴾ أي: منضود بعضُه فوق بعض، فما دام ملتصقًا كذلك، فهو نضيد، فإذا خرج من أكمامه وتفرق، فليس بنضيد. ... ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾. [١١] ﴿رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ نصب على المصدر ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ﴾ أي: بالمطر. ﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ أرضًا جدبة أنبتنا فيها الكلأ. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بتشديد الياء، والباقون: بالتخفيف (٢). ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ ذلك الإحياء ﴿الْخُرُوجُ﴾ من القبور. (١) "ظهور" زيادة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٢).

ق 50:12

﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ قومٌ كان لهم بئر عظيمة، وهي الرس، وكل ما لم يُطْوَ من بئر أو معدن أو نحوه، فهو رَسٌّ، وتقدم ذكرهم في سورة الحج، وفي سورة الفرقان ﴿وَثَمُودُ﴾. ... ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ﴾ والمراد بفرعون: إياه وقومه. ﴿وَإِخْوَانُ لُوطٍ﴾ وأخواته؛ لأنهم كانوا أصهاره. ... ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ قوم شعيب ﴿وَقَوْمُ تُبَّعٍ﴾ هو تُبَّع الحِمْيَرِيُّ، ذم الله قومه، ولم يذمه؛ لأنه أسلم، وتقدم ذكر قصته في سورة الدخان. ﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء المذكورين ﴿كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كقريش ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ وجب نزول العذاب عليهم، وفيه تسلية للنبي - ﷺ - وتهديد لهم. قرأ ورش عن نافع: (وَعيِدِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١). ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣).

ق 50:15

﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾. [١٥] ثم وبخهم بقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ﴾ أفعجزنا عن الإتيان به ابتداءً، فنعجز عن إعادته؟! المعنى (١): كما لم نعجز عن ابتداء الخلق، لا نعجز عن إحيائه بعد الموت، فلما لم يؤمنوا، قيل: ﴿بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ شك ﴿مِنْ خَلْقٍ﴾ بعد الموت ﴿جَدِيدٍ﴾ وهو البعث؛ لأنهم ينكرونه. ... ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾. [١٦] ثم دل على قدرته تعالى، فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ﴾ أي: تحدث ﴿بِهِ نَفْسُهُ﴾ فلا يخفى علينا ضمائره. ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ إلى الإنسان ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ وهما عرقان كبيران في العنق، يقال لهما: وريدان، عن يمين وشمال، وسمي وريداً؛ لورود الروح فيه، والحبلُ هو الوريد، فأضيف إلى نفسه؛ [لاختلاف اللفظين، وقيل: ليس هذا بإضافة الشيء إلى نفسه] (٢)، بل هي (٣) كإضافة الجنس إلى نوعه، والقرب: هو بالقدرة والسلطان؛ إذ لا ينحجب عن علم الله تعالى باطن ولا ظاهر (٤). ... (١) "المعنى" زيادة من "ت". (٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٣) "بل هي" زيادة من "ت". (٤) في "ت": "ظاهر ولا باطن".

ق 50:17

﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧)﴾. [١٧] ﴿إِذْ يَتَلَقَّى﴾ أي: واذكر إذ يتلقى ﴿الْمُتَلَقِّيَانِ﴾ أي: يتلقن، ويأخذ الملكان الموكلان بالإنسان عمله ويكتبانه. ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾ فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات ﴿قَعِيدٌ﴾ أي: مُقاعِد، وهو المجالس الملازم، ولم يقل: قعيدان اكتفاءً بأحدهما عن الآخر. قال - ﷺ -: "كاتبُ الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يسار الرجل، وكاتب الحسنات أمين على كاتب السيئات، فإذا عمل حسنة، كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة، قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبعَ ساعات؛ لعله يسبح أو يستغفر" (١). * * * ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾. [١٨] ﴿مَا يَلْفِظُ﴾ الإنسان ﴿مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ﴾ يرقب قوله ويحفظه عليه. ﴿عَتِيدٌ﴾ حاضر معه، وأراد: رقيبين وعتيدين، فاكتفى بأحدهما عن الآخر. (١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٧٨٧)، وفي "مسند الشاميين" (٤٦٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٧٠٤٩)، والروياني في "مسنده" (١٢١٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٩٩)، ومن طريقه: البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢١٩)، كلهم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٢٠٨): وفيه جعفر بن الزبير، وهو كذاب.

ق 50:19

﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ﴾ شدتُه الذاهبة بالعقل ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بحقيقة الموت. ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الموت ﴿مَا كُنْتَ مِنْهُ﴾ أيها الإنسان ﴿تَحِيدُ﴾ تميل وتهرب. * * * ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾. [٢٠] ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ نفخة البعث ﴿ذَلِكَ﴾ أي: النفخ. ﴿يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ للكفار بالعذاب. * * * ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ﴾ مَلَكٌ يحثها إلى المحشر. ﴿وَشَهِيدٌ﴾ ملك يشهد عليها بما عملت، وهل الملكان الكاتبان في الدنيا هما اللذان ذكرهما الله تعالى في قوله: ﴿سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ أم غيرهما؟ فيه خلاف. * * * ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ولما كانت الغفلة ساترة الكافر عن الإيمان وأهوال يوم القيامة،

ق 50:23

شبهت بالغطاء، فقيل: ﴿لَقَدْ كُنْتَ﴾ في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ النازلِ بك اليوم. ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ﴾ الذي كان في الدنيا من الغفلة. ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ نافذ تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. * * * ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ﴾ الملَك الموكَّل به: ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ هذا ما هو مكتوب عندي مُعَدٌّ محضَر. * * * ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤)﴾. [٢٤] ثم يقال للسائق والشهيد، أو خطاب للواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، والمراد: مالك؛ كأنه قيل: ألق ألق تأكيدًا ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ﴾ معاند للحق. * * * ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ مطلقًا (١) ﴿مُعْتَدٍ﴾ ظالم. روي عن يعقوب، وقنبل: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي). ﴿مُرِيبٍ﴾ شاكٍّ في دينه. (١) "مطلقًا" زيادة من "ت".

ق 50:26

﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ أي: أشرك، مبتدأ ضُمن معنى الشرط، جوابه: ﴿فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ من النار. * * * ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَٰكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. [٢٧] ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾ هو شيطانه المقيض له تبرُّأً منه ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾ ما أضللته أنا ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ عن الإيمان. * * * ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿قَالَ﴾ أي: فيقول الله: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ فما ينفعكم الخصام هنا. ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ في الدنيا ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ أي: خَوَّفتكم الرسلُ بما أعددتُ لكم من العذاب هنا إن لم تؤمنوا، أو لا بد منه. * * * ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿مَا يُبَدَّلُ﴾ ما يُغَيَّر ﴿الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ بالثواب والعقاب. ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فأعذبهم بغير جرم.

ق 50:30

﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم ﴿نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ استفهام توبيخ لداخليها، وتصديق لقوله تعالى ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٨]. ﴿هَلِ امْتَلأَتِ﴾ فتجيب مستفهمة تأدبًا، وليكون الجواب وفق السؤال ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ زيادة. قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم: (يَوْمَ يَقُولُ) بالياء؛ أي: يقول الله، وقرأ الباقون: بالنون التي للعظمة (١)، واختلف الناس هل يقع التقرير وهي قد امتلأت، أو هي لم تمتلئ بعد؟ فقال بكل وجه جماعةٌ من المتأولين، وبحسب ذلك تأولوا قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، فمن قال: إنها تكون ملأى، جعل قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ على معنى التقرير ونفي المزيد؛ أي: وهل عندي موضع يزاد فيه شيء؟ وهو قول عطاء، ومجاهد، ومن قال: إنها تكون غير ملأى، جعل قولها: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ على معنى السؤال والرغبة بالزيادة، وهو قول ابن عباس (٢). عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تزالُ جهنم تقولُ: هل من مزيد، حتى يضع ربُّ العزة فيها قدمَه، فتقول قَطْ قَطْ وعزتك، وتزوي بعضها إلى بعض، ولا يزال في الجنة فضل حتى يُنشئ الله خلقًا فيسكِنَهُ فُضولَ الجنة" (٣)، وقوله: قط قط: حسبي حسبي. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٥). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٦٥). (٣) رواه البخاري (٦٢٨٤)، كتاب: الأيمان والنذور، باب: الحَلِف بعزة الله وصفاته، ومسلم (٢٨٤٨)، كتاب: الجنة، باب: النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء، من حديث أنس. =

ق 50:31

﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَأُزْلِفَتِ﴾ قُرِّبت ﴿الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ﴾ أي: مكانًا غير ﴿بَعِيدٍ﴾. * * * ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢)﴾. [٣٢] فإذا شاهدوها وما فيها، يقال لهم: ﴿هَذَا﴾ المشاهَد. ﴿مَا تُوعَدُونَ﴾ من الجزاء. قرأ ابن كثير: (يُوعَدُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب (١) ﴿لِكُلِّ أَوَّابٍ﴾ بدل من ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ أي: رجّاع عن الذنوب ﴿حَفِيظٍ﴾ حافظ لأمر الله تعالى، ولذنوبه حتى يستغفر منها. * * * ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ محل (مَنْ) رفع بالابتداء والخبر؛ أي: خاف الرحمن وأطاعه، ولم يره. ﴿وَجَاءَ﴾ يوم القيامة ﴿بِقَلْبٍ﴾ سليم (٢) ﴿مُنِيبٍ﴾ مقبل على الطاعة. * * * ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (٣٤)﴾. [٣٤] وخبر الابتداء ﴿ادْخُلُوهَا﴾ أي: فيقال لهم: ادخلوا الجنة (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٦). (٢) "سليم" ساقطة من "ت".

ق 50:35

﴿بِسَلَامٍ﴾ أي: بأمن وسلامة من جميع الآفات. ﴿ذَلِكَ﴾ الدخول ﴿يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ البقاءُ في الجنة. * * * ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾ فيعطون ما شاؤوا مما يسألونه. ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ زيادة فوق ما طلبوا، قال جابر وأنس: هو النظر إلى وجه الله الكريم (١). * * * ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ (كَمْ) للتكثير، وهي خبرية، المعنى: أهلكنا قرونًا كثيرة قبل كفار مكة. ﴿هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ﴾ أي: طافوا في نقوبها: طرقها. ﴿هَلْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ أي: هل لهم من مفر من أمر الله عَزَّ وَجَلَّ؟ * * * ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور ﴿لَذِكْرَى﴾ عظة ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٢٦).

ق 50:38

أي: عقل ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾ أصغى لسماع كتاب الله ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ حاضرُ القلب غيرُ غافل. * * * ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾. [٣٨] ولما قال اليهود: يا محمد! أخبرنا بما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة، فقال: "خلق الله الأرْضَ يومَ الأحد والإثنين، والجبال يوم الثلاثاء، والمدائن والأنهار والأقوات يوم الأربعاء، والسمواتِ والملائكةَ يومَ الخميس إلى ثلاث ساعات من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث ساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم"، قالوا: صدقت إن أتممت، قال: "وَما ذاكَ؟ "، قالوا: ثم استراح يوم السبت، واستلقى على العرش، فأنزل الله تكذيبًا لهم، وردًّا عليهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (١) إعياء؛ لأنا منزهون عن صفات المخلوقين؛ إذ لا مماسة ثَمَّ فيقع تعب، إنما أمرنا بالشيء ﴿إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢١/ ٤٣٢) و (٢٢/ ٤٣٣)، والحاكم في "المستدرك" (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وهو ضعيف لضعف أبي سعيد البقَّال، كما ذكر الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٨/ ٥٥٨).

ق 50:39

﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمَّد ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أي: اليهودُ والمشركون من التشبيه والتكذيب، واختُلف في الأمر بالصبر، فبعضهم يقول: نسخ بآية السيف، وبعضهم يقول: ثابتُ، ويرى أن الصبر مأمور به في كل حال. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صلِّ حمدًا لله تعالى. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ هي صلاة الفجر ﴿وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ هما الظهر والعصر. * * * ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ يعني: صلاة المغرب والعشاء. ﴿وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ الركعتان بعد صلاة المغرب. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وحمزة، وخلف: (وَإِدْبارَ) بكسر الهمزة مصدر أدبر إدبارًا، وقرأ الباقون: بفتحها على جمع الدُّبُر (١). * * * ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَاسْتَمِعْ﴾ ما أُخبرك به يا محمد ﴿يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ﴾ هو إسرافيل -عليه السلام- ينادي بالحشر. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٢٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٧ - ٢٣٨).

ق 50:42

﴿مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ إلي السماء، وهو صخرة بيت المقدس، وهو وسط الأرض، وهي أقرب الأرض إلى السماء باثني عشر أو ثمانية عشر ميلًا: أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة، والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (الْمُنادِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ ابن كثير، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢). * * * ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾. [٤٢] وتبدل من ﴿يَوْمَ يُنَادِ﴾ ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ﴾ هي النفخة الثانية ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالبعث ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ من القبور. * * * ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ في الدنيا ﴿وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ﴾ في الآخرة. * * * ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف له ﴿تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٨٢) عن كعب. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٨).

ق 50:45

والكوفيون: (تَشَقَّقُ) بتخفيف الشين، والباقون: بتشديدها (١) ﴿سِرَاعًا﴾ جمع سريع، ونصبه على الحال، أي: تتشقق الأرض عنهم، فيخرجون مسرعين. ﴿ذَلِكَ﴾ الخروجُ ﴿حَشْرٌ﴾ بعث ﴿عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ سهل، وهو كلام معادل لقول الكفرة: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾. * * * ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ يعني: كفار مكة في تكذيبك، تسليةٌ له - ﷺ -، وتهديد لهم ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ بمسلَّط تُجبرهم على الإسلام، وإنما أنت داع. قرأ أبو عمرو، والكسائي من رواية الدوري: (بِجَبّارٍ) بالإمالة، واختلف عن ابن ذكوان، وروي عن ورش وحمزة بين بين، وقرأ الباقون: بالفتح (٢). ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ﴾ قرأ ابن كثير (بِالْقُرَانِ) (٣) بالنقل، والباقون: بالهمز ﴿مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ أي: ما أوعدت من عصاني من العذاب. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٣ - ١٦٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٩). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٣٩). (٣) "بالقران" زيادة من "ت". روى ابن عباس: "أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله! لو خوفتنا، فنزلت: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ " (١). وتقدم اختلاف القراء في إثبات الياء وحذفها من (وَعِيدِي) في الحرف السابق، وكذلك اختلافهم في هذا الحرف، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب بسورة (ق) في كثير من الأوقات؛ لاشتمالها على ذكر الله تعالى، والثناء عليه، ثم على علمه بما توسوس به النفوس، وما تكتبه الملائكة على الإنسان من طاعة وعصيان، ثم تذكير الموت وسكرته، ثم تذكير القيامة وأهوالها، والشهادة على الخلائق بأعمالهم، ثم تذكير الجنة والنار، ثم تذكير الصيحة والنشور والخروج من القبور، ثم بالمواظبة على الصلوات، والله أعلم. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٣٨٥)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٢٥)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٠٨)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ١٧٠)، والقرطبي في "تفسيره" (١٧/ ٢٨).

الذاريات 51:1

سورة الذاريات بإجماع المفسرين مكية، وآيها: ستون آية، وحروفها: ألف ومئتان وسبعة وثماثون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وستون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١)﴾. [١] ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ يعني: الرياح التي تذرو (١) التراب ذروًا، وذروًا (٢) نصب على المصدر. قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو، وحمزة: بإدغام التاء في الذال، والباقون: بكسر التاء من غير إدغام (٣). * * * ﴿فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. [٢] ﴿فَالْحَامِلَاتِ﴾ أي: السحاب الموقراة بالماء. ﴿وِقْرًا﴾ ثقلًا، مفعول (الحاملات). (١) "تذرو" زيادة من "ت". (٢) "وذروًا" سقط من "ت". (٣) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ١٥١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٢٨٨ - ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٣).

الذاريات 51:3

﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾. [٣] ﴿فَالْجَارِيَاتِ﴾ أي: السفن. ﴿يُسْرًا﴾ تجري في الماء جريًا سهلًا (١). قرأ أبو جعفر: (يُسُرًا) بضم السين، والباقون: بإسكانها (٢)، ويسرًا مصدر في موضع الحال؛ أي: ميسرة. * * * ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾. [٤] ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ هي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق؛ من الأرزاق والأمطار وغيرها على ما أمروا به، و (٣) (أَمْرًا) مفعول (الْمُقَسِّماتِ)، أقسم الله تعالى بهذه الأشياء؛ لما فيها من الدلالة على صنعه وقدرته. * * * ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥)﴾. [٥] وجواب القسم؛ ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ من الثواب والعقاب. ﴿لَصَادِقٌ﴾ أي: لوعد صادق. * * * ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾. [٦] ﴿وَإِنَّ الدِّينَ﴾ أي: الحساب والجزاء ﴿لَوَاقِعٌ﴾ لا محالة. (١) "سهلًا" زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٣). (٣) "و" زيادة من "ت".

الذاريات 51:7

﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾. [٧] ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ الطرائق التي تكون في السماء من آثار الغيم، جمع حبيكة، وهو قَسَمٌ ثانٍ. * * * ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾. [٨] جوابه: ﴿إِنَّكُمْ﴾ يا أهل مكة. ﴿لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ تصديق وتكذيب بمحمد، أو في قول مختلف في نفسه، قوم منكم يقولون: ساحر، وقوم: كاهن، وقوم: شاعر، وقوم: مجنون، إلى غير ذلك. * * * ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾. [٩] ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ يُصرف عن الإيمان به. ﴿مَنْ أُفِكَ﴾ من صُرف عن السعادة في الأزل. * * * ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. [١٠] ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾ أي: لُعن الكذابون أصحابُ القول المختلف. * * * ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١)﴾. [١١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾ أي: في غلبة الجهل، غافلون عما يراد بهم.

الذاريات 51:12

﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢)﴾. [١٢] ﴿يَسْأَلُونَ﴾ استهزاء: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي: متى يوم الجزاء؟ * * * ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾. [١٣] قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾ أي: يكون هذا الجزاء في يوم. ﴿عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يعذبون. * * * ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾. [١٤] فإذا عذبوا، قيل لهم: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ أي: حريقكم. ﴿هَذَا﴾ العذابُ ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبًا به واستهزاء. * * * ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾. [١٥] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر: (وَعِيُونٍ) بكسر العين، والباقون: بضمها (١). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٩)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٥).

الذاريات 51:16

﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿آخِذِينَ﴾ قابلين ﴿مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ بسرور؛ لأنه في غاية الجودة، فليس فيه ما يُرَدُّ ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: المتقون ﴿كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ أعمالَهم. * * * ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧)﴾. [١٧] لأنهم ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ خبر (كان). ﴿مَا يَهْجَعُونَ﴾ ينامون، و (ما) زائدة، و (قَليلًا) نعت لمصدر محذوف؛ أي: هجوعًا قليلًا؛ أي: كانوا في معظم الليل يصلون ويذكرون. * * * ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ قيل: يا رسول الله! كيف الاستغفار؟ قال: "قولوا: اللهمَّ اغفر لنا، وارحمنا، وتب علينا؛ إنك أنت التواب الرحيم" (١). * * * ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ﴾ الطالب ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ أي: يُحسب غنيًّا، فيحرم؛ لتعففه. (١) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (١٠٢٩٥)، وفي "عمل اليوم والليلة" (ص: ٣٣٢)، من حديث خباب بن الأرت رضي الله عنه.

الذاريات 51:20

﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ﴾ دلالات على التوحيد. ﴿لِلْمُوقِنِينَ﴾ وإذا ساروا فيها من الجبال والبحار والأشجار والثمار وأنواع النبات. * * * ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ آيات أيضًا بتنقلها من حال إلى حال، ثم إلى الزوال. ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ الصنعة، فتستدلون بها على صانعها؟ * * * ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أي: المطر؛ لأنه سبب الرزق. ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ من الجنة؛ لأنها فوق السماء السابعة، وجميع المقدر مكتوب في السماء. * * * ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ثم أقسم بنفسه فقال: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ﴾ أي: هذا القول. ﴿لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ فتقولون: لا إله إلا الله. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (مِثْلُ) برفع اللام صفة لـ (حقٌ)؛

الذاريات 51:24

لأنه نكرة لكثرة المماثل، و (ما) زائدة تعطي تأكيدًا، وقرأ الباقون: بالنصب صفة لمصدر محذوف (١)؛ أي: إنه لحق حقًّا مثلَ ما إنكم تنطقون. قال الحسن في هذه الآية: بلغني أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "قاتل الله أقوامًا أقسمَ الله لهم بنفِسه، فلم يصدِّقوه" (٢). * * * ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام: (إِبْراهامَ) بالألف، وأبو عمرو: (حَدِيث ضيْفِ) بإدغام الثاء في الضاد (٣)، وضيف اسم جنس يقع للجمع والواحد، وروي أن أضياف إبراهيم هؤلاء: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأتباع لهم من الملائكة صلى الله عليه وعليهم. ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ لأنهم كرام على الله، ولأن إبراهيم خدمهم هو وامرأته، وسماهم ضيفًا؛ لأنهم كانوا في صورة الضيف. قال - ﷺ -: "مَنْ كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليكرمْ ضيفَه" (٤). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٦). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٦/ ٢٠٦). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٩٢)، والإدغام في "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٦). (٤) رواه البخاري (٥٦٧٢)، كتاب: الأدب، باب: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومسلم (٤٧)، كتاب: الإيمان، باب: الحث على إكرام الجار والضيف، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

الذاريات 51:25

﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا﴾ عند دخولهم ﴿سَلَامًا﴾ مصدر؛ أي: سلموا سلامًا. ﴿قَالَ سَلَامٌ﴾ عليكم، مبتدأ وخبره. قرأ حمزة، والكسائي: (سِلْمٌ) بكسر السين وإسكان اللام من غير ألف، وقرأ الباقون: بفتح السين واللام وألف بعدها (١)، فنكرهم، فقال: أنتم ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ أي: غرباء لا نعرفكم. * * * ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿فَرَاغَ﴾ فمال (٢) ﴿إِلَى أَهْلِهِ﴾ سرًّا ﴿فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ مشوي. * * * ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ ليأكلوه، فتركوه. ﴿قَالَ﴾ إنكارًا عليهم (٣): ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ منه؟ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٥٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٧). (٢) "فمال" زيادة من "ت". (٣) "عليهم" زيادة من "ت".

الذاريات 51:28

﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿فَأَوْجَسَ﴾ فأضمر في نفسه ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنه ظنهم أعداءً؛ لعدم أكلهم، ولغرابة شكلهم. ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ روي أن جبريل مسح بجناحه العجل، فقام يمشي خلف أمه. ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ﴾ هو إسحق عليه السلام ﴿عَلِيمٍ﴾ يكمُلُ علمُه إذا بلغ. قرأ ابن كثير: ﴿وَبَشَّرُوهُو﴾ بواو يصلها بهاء الكناية في الوصل وشبهه حيث وقع. * * * ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ﴾ سارة إلى بيتها، وكانت في زاوية تنظر إليهم. ﴿فِي صَرَّةٍ﴾ شِدَّة صوت؛ من الصرير. ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ لطمته بجميع أصابعها تعجُّبًا كعادة النساء إذا أنكرن شيئًا. ﴿وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فكيف ألد؟ والعقيم: من مُنع الولد، والعُقْم في اللغة: المنع، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك. * * * ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ﴾ مثلَ ذلك الذي بشرنا به ﴿قَالَ رَبُّكِ﴾ وإنما نخبرك به عنه.

الذاريات 51:31

﴿إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ﴾ ذو الحكمة ﴿الْعَلِيمُ﴾ بالمصالح وغير ذلك من المعلومات. * * * ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾. [٣١] ثم ﴿قَالَ﴾ إبراهيم -عليه السلام- للملائكة: ﴿فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ والخطب: الأمر المهم، وقلما يعبر به إلا عن الشدائد والمكاره، حتى قالوا: خطوب الزمان، ونحو هذا، فكأنه يقول لهم: ما هذه الطامة التي جئتم لها؟ * * * ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ يعني: قوم لوط، والمجرم: فاعلُ الجرائم، وهي صعاب المعاصي. * * * ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ مطبوخٍ بالنار، روي أنه طين طبخ نار جهنم حتى صار حجارة كالآجُرّ. * * * ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿مُسَوَّمَةً﴾ معلَّمة، عليها اسمُ من يُرمى بها، ونصبه على الحال.

الذاريات 51:35

﴿عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ والمسرف: الذي يتعدى الطور، فإذا جاء مطلقًا، فهو لأبعد الغايات: الكفر فما دونه. * * * ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا﴾ في قرى لوط، وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذلك معلوم. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممن آمن بلوط منجيًا لهم، وذلك قوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨١]. * * * ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ هو بيت لوط، وكان هو وابنتاه، وصفهم الله تعالى بالإيمان والإسلام جميعًا؛ لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم. * * * ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا﴾ في مدينة قوم لوط، وهي سدوم. ﴿آيَةً﴾ عبرة ﴿لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ فإنهم المعتبرون بها. * * * ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. [٣٨] وتعطف على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا﴾ ﴿وَفِي مُوسَى﴾ أي: وتركنا فيه

الذاريات 51:39

وقصته أثرًا أيضًا هو آية ﴿إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ هو صاحب مصر. ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ بحجة ظاهرة. * * * ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ أعرض عن الإيمان بجمعه؛ لأنهم له كالركن للبناء. ﴿وَقالَ﴾ لموسى: هو ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ تقسيم ظن؛ أي: إنه لا بد أن يكون أحدَهما. * * * ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ فطرحناهم في البحر. ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم: الذي أتى من المعاصي ونحوها ما يُلام عليه. * * * ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ [٤١] ﴿وَفِي عَادٍ﴾ أي: في إهلاكهم آيةٌ ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ التي لا خير فيها، لا تفلح شجرًا، ولا تسوق مطرًا، وهي الدبور. * * * ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من أنفسِهم وأموالهم. ﴿أَتَتْ﴾ مرَّت ﴿عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ البالي.

الذاريات 51:43

﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿وَفِي﴾ هلاكِ (١) ﴿ثَمُودَ﴾ آيةٌ. ﴿إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ﴾ إلى انقضاء آجالكم، وهي ثلاثة أيام. * * * ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] وذلك أنهم لما عقروا الناقة، قيل لهم: تمتعوا في داركم ثلاثة أيام. ﴿فَعَتَوْا﴾ ترفعوا ﴿عَن﴾ امتثال ﴿أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ بعد الأيام الثلاثة. قرأ الكسائي: (الصَّعْقَةُ) بإسكان العين من غير ألف، والباقون: بكسر العين وألف قبلها (٢)، وهي على القراءتين: الصيحة العظيمة، ومنه يقال للوقعة الشديدة من الرعد: صاعقة، وهي التي معها النار ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ إليها نهارًا. * * * ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ﴾ ما قدروا على النهوض عند نزول العذاب بهم. ﴿وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ ممن أهلكهم. (١) في "ت": "هلاك". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٨).

الذاريات 51:46

﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف: (وَقَوْمِ) بخفض الميم عطفًا على (وَفِي ثَمُودَ)، وقرأ الباقون: بنصبها بمضمر (١)؛ أي: وأهلكنا قومَ نوح. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل إهلاك (٢) هؤلاء المذكورين. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ بالكفر والعصيان. * * * ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ بقوة ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ لقادرون. * * * ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا﴾ مَهَدْناها ﴿فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ نحن. * * * ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ صنفين ونوعين مختلفين، وهي إشارة إلى المتضادات والمتقابلات من الأشياء؛ كالليل والنهار، والشقاوة والسعادة، والهدى والضلالة، والسماء والأرض، والسواد والبياض، (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٣٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤٨). (٢) "إهلاك" زيادة من "ت".

الذاريات 51:50

والصحة والمرض، والكفر والإيمان، ونحو هذا ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ فتعرفون الخالق فتعبدونه. * * * ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ بالتوبة والطاعة ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾. * * * ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾. [٥١] ثم نهى عن عبادة كل مدعو من دون الله تعالى بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وكرر ﴿إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ حرصًا على هدايتهم. * * * ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: سيرة الأمم كذلك ﴿مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: قبلَ قومك يا محمد. ﴿مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا﴾ له: أنتَ ﴿سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ تلخيصه: المرسلون قبلك كُذِّبوا كما كُذِّبت. * * * ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ توقيف وتعجيب من تراود نفوس الكفرة في تكذيب الأنبياء على تفرق أزمانهم؛ أي: إنهم لم يتواصوا.

الذاريات 51:54

﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ جمعَهم على ذلك الطغيان، والطاغي: المستعلي في الأرض المفسد العاتي على الله. * * * ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: عن الحرص المفرط عليهم، وذهاب النفس حسرات. ﴿فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ لأنك بلغت الرسالة. * * * ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿وَذَكِّرْ﴾ عِظْ بالقرآن ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولمن قُضِي (١) له أن يكون منهم. قال ابن عطية: وعلى هذا التأويل، فلا نسخ في الآية، إلا في معنى الموادعة التي فيها؛ فإنّ آية السيف نسخت جميع الموادعات (٢). * * * ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ قال ابن عباس، وعلي بن أبي طالب -رضي الله عنهما-: المعنى: ما خلقت الجن والإنس إلا (١) في "ت": "قضي له". (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ١٨٢).

الذاريات 51:57

لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية (١)، فعبر عن ذلك بقوله: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ إذ العبادة هي مضمن الأمر، ومعنى العبادة في اللغة: التذلل والانقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله، متذلل لمشيئته. * * * ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾. [٥٧] ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ لي، ولا لأنفسهم وغيرهم. ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ولا أنفسَهم ولا غيرَهم. * * * ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ الذي يرزق كلَّ ما يفتقر إلى الرزق. ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ الشديد القوة نعتًا لـ (ذو)، المعنى: أنا غني عنكم، فاشتغلوا بما أمرتكم به تفلحوا. * * * ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسَهم بالكفر ﴿ذَنُوبًا﴾ نصيبًا من العذاب ﴿مِثْلَ ذَنُوبِ﴾ نصيب ﴿أَصْحَابِهِمْ﴾ المراد: من تقدم من الأمم المعذبة، وهذا (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٣٥)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٨٢)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٥٥).

الذاريات 51:60

استعارة؛ لأن الذَّنوب: الدلو العظيمة، وهو مأخوذ من مقاسمة السقاة (١) الماء بالدلاء. ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ بالعذاب، فهو نازل بهم لا محالة في وقته المحتوم. قرأ يعقوب: (لِيَعْبُدُوِني) (يُطْعِمُوني) (يَسْتَعْجِلُوني) بإثبات الياء فيهن وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (٢). * * * ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه بالعذاب، وهو يوم القيامة، والويل: الشقاء والهم، وروي أن في جهنم واديًا يسمى ويلًا، والله أعلم. (١) في "ت": "القساة". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٠ - ٢٥١).

الطور 52:1

سورة الطور مكية بإجماع المفسرين، وآيها: تسع وأربعون آية، وحروفها ألف وثلاث مئة وثمانية أحرف، وكلمها: ثلاث مئة واثنتا عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالطُّورِ (١)﴾. [١] ﴿وَالطُّورِ﴾ هو الجبل بالسريانية، والمراد: الذي كلم الله عليه موسى -عليه السلام-، واسمه زبير، وهو بمدين. * * * ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾. [٢] ﴿وَكِتَابٍ﴾ هو ما كتبه الله لموسى من التوراة، وقيل: هو القرآن ﴿مَسْطُورٍ﴾ مكتوب، والسطر: ترتيب الحروف المكتوبة. * * * ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾. [٣] ﴿فِي رَقٍّ﴾ جلد، وسمي رقًا؛ لأنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي هو من جلود الحيوان ﴿مَنْشُورٍ﴾ مبسوط، وهو خلاف المطوي.

الطور 52:4

﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾. [٤] ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ هو بيت في السماء السابعة حذاء العرش بحيال الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، والمعمور: المأهول، وعمارته بالملائكة. * * * ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾. [٥] ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ هو السماء. * * * ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾. [٦] ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ المملوء، والجمهور على أنه بحر الدنيا، والواو الأولى للقسم، وباقيها للعطف. * * * ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾. [٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ لنازلٌ، والمراد: عذاب الآخرة للكفار. * * * ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾. [٨] ﴿مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ يدفعه.

الطور 52:9

﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾. [٩] ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ﴾ تضطرب، فتجيء وتذهب ﴿مَوْرًا﴾ مصدر. * * * ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ﴾ كما يسر السحاب ﴿سَيْرًا﴾ ثم تتفتت أثناء السير حتى تصير آخرًا كالعهن المنفوش؛ لهول ذلك اليوم. * * * ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾. [١١] والفاء في قوله: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ﴾ عاطفة جملة على جملة، وهي تتضمن ربطَ المعنى وتأكيدَه، وإثباتَ الويل. ﴿لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ للرسل، وتقدم ذكر الويل في آخر الذاريات. * * * ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ﴾ والخوض: التخبط في الأباطيل تَشَبُّهٌ بخوض الماء ﴿يَلْعَبُونَ﴾ استهزاءً بالنبي - ﷺ -. * * * ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾. [١٣] وتبدل من ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ يُدْفَعون بعنف.

الطور 52:14

﴿إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ بأن تجمع أيديهم إلى أعناقهم، ونواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون في النار. * * * ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾. [١٤] فإذا جُعلوا (١) فيها، قيل لهم تبكيتًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا﴾ في الدنيا ﴿تُكَذِّبُونَ﴾. * * * ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾. [١٥] ثم قيل لهم: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ العذابُ ﴿أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ العذابَ كما كنتم لا تبصرون في الدنيا ما يدلّ عليه؟! * * * ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿اصْلَوْهَا﴾ ادخلوها، ثم قيل لهم على جهة قطع رجائهم: ﴿فَاصْبِرُوا﴾ عليها ﴿أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ﴾ خبر محذوف (٢) المبتدأ؛ أي: صبرُكم وجزعُكم سواءٌ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ لأن صبركم لا ينفعكم. ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: هذا عذابكم حتمٌ لا بدَّ منه جزاءَ أعمالكم. (١) في "ت": "حصلوا". (٢) "محذوف" زيادة من "ت".

الطور 52:17

﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾. [١٧] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ إخبار لمحمد - ﷺ - ومعاصريه، لما فرغ من ذكر عذاب الكفار، عقب ذلك بنعيم المتقين؛ ليبين الفرق، ويقع التحريض على الإيمان. * * * ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨)﴾. [١٨] ﴿فَاكِهِينَ﴾ قرأ أبو جعفر: (فَكِهِينَ) بغير ألف بعد الفاء، يعني: مسرورين، وقرأ الباقون: بالألف، يعني: متنعمين (١). ﴿بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ من إنعامه ورضاه عنهم ﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾. * * * ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩)﴾. [١٩] ثم يقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ أكلًا وشربًا. ﴿هَنِيئًا﴾ لا تنغيص فيه، ونصبه على المصدر. ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ معناه: إن رُتَب الجنة ونعيمها هي بحسب الأعمال، وأما نفس دخولها، فهو برحمة الله وتغمده، والأكل والشرب والتهني ليس من الدخول في شيء، وأعمال العباد الصالحة لا توجب (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٥٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٥).

الطور 52:20

على الله التنعيم إيجابًا، لكنه قد جعلها أمارة على من سبق في علمه تنعيمه، وعلق الثواب والعقاب بالتكسب الذي في الأعمال. * * * ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الحال. قرأ أبو جعمر: (مُتَّكِينَ) بإسكان الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١) ﴿عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ صُفَّ بعضُها إلى بعض. ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ﴾ قَرنَّاهم، وليس في الجنة تزويج كالدنيا ﴿بِحُورٍ﴾ جمع حوراء، وهي البيضاء القوية بياض العين وسواد سوادها. ﴿عِينٍ﴾ جمع عيناء، وهي الكبيرة العينين مع جمالها. * * * ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (وَأَتْبَعْناهُمْ) بقطع الألف وفتحها وإسكان التاء والعين ونون وألف بعدها، والباقون: (وَاتَّبَعَتْهُمْ) بوصل الألف وتشديد التاء وفتح العين وتاء ساكنة بعدها (٢). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٥). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٣٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٦). ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر: بألف بعد الياء على الجمع، وأبو عمرو وحده يكسر التاء والهاء، ويعقوب وابن عامر يضمانهما، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد مع ضم التاء والهاء (١). ﴿بِإِيمَانٍ﴾ المعنى: أن المؤمنين اتبعتهم ذريتهم، وهم أولادهم الصغار والكبار بسبب إيمانهم، فكبارهم بإيمانهم بأنفسهم، وصغارهم بأن أتُبِعوا في الإِسلام بآبائهم بسبب إيمانهم؛ لأنَّ الولد يُحكم بإسلامه تبعًا لأحد أبويه إذا أسلم، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: يحكم بإسلامه تبعًا لإسلام أبيه دون أمه، وأما إذا مات أحد أبويه في دار الإسلام، فقال أحمد: يحكم بإسلامه، وهو من مفردات مذهبه؛ خلافًا للثلاثة، واختلفوا في إسلام الصبي المميز ورِدَّته، فقال الثلاثة: يصحان منه، وقال الشافعي: لا يصحان. ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ المؤمنين في الجنة بدرجاتهم، وإن لم يبلغوا بأعمالهم درجة آبائهم؛ تكرمة لآبائهم؛ لتقر بذلك أعينهم. قرأ ابن كثير، والكوفيون: (ذُرَيَّتهمْ) بغير ألف على التوحيد مع فتح التاء، وقرأ الباقون: بالألف على الجمع مع كسر التاء. ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ﴾ قرأ ابن كثير: بكسر اللام، والباقون: بنصبها (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢٩٠)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٢٤٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٤٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٨).

الطور 52:22

﴿مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِنْ) الأولى متعلقة بـ (ألتناهم)، والثانية زائدة، المعنى على القراءتين: ما نقصناهم من عملهم شيئًا. ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ﴾ من خير وشر ﴿رَهِينٌ﴾ مرهون، فنفس المرء مرهونة بعمله، ومطالَبة ومجازاة به. * * * ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ﴾ زِذْناهم في وقت بعد وقت. ﴿بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ وإن لم يصرحوا بطلبه. * * * ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿يَتَنَازَعُونَ﴾ يتداولون بينهم ﴿فِيهَا كَأْسًا﴾ خمرًا. ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ أي: لا يُذهب عقولَهم فَيَلْغُوا ويأثموا كشاربي خمر الدنيا. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (لا لَغْوَ وَلا تأثِيمَ) بفتح الواو والميم بغير تنوين، والباقون: برفعهما مع التنوين (١). * * * ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾. [٢٤] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ مع ذلك للخدمة. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٨٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٩).

الطور 52:25

﴿غِلْمَانٌ﴾ أرقّاءُ ﴿لَهُمْ كَأَنَّهُمْ﴾ حسنًا ولطافة. ﴿لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ مصون (١) في الصَّدَف. قرأ أبو جعفر: (لُوْلُؤٌ) بإسكان الواو الأولى ورفع الثانية منونة من غير همز فيهما (٢)، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو: بإبدال الهمز الأول، وبالهمز في الثاني، والباقون: بالهمز فيهما. قال - ﷺ -: "أدنى أهلِ الجنة منزلةً مَنْ ينادي الخادمَ من خدامه، فيجيبه ألفُ خادمٍ ببابه: لَبَّيْكَ لَبيك" (٣). * * * ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بعدَ اجتماعِهم ودورانِ الكأس عليهم ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ يسأل بعضهم بعضًا؛ تلذذًا واعترافًا بالنعمة عما كانوا عليه، وما وصلوا إليه. (١) "مصون" زيادة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٠ - ٣٩٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٥٩). (٣) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٢٩)، والديلمي في "مسند الفردوس" (٨٣١)، من حديث عائشة رضي الله عنها. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٣٧٤)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٦٩).

الطور 52:26

﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا﴾ في الدنيا ﴿مُشْفِقِينَ﴾ خائفين من عذابه تعالى. * * * ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ بالمغفرة ﴿وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ اسمٌ من أسماء جهنم، والسموم: الحار الذي يبلغ مسام الإنسان، وهو النار في هذه الآية. * * * ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل البعث ﴿نَدْعُوهُ﴾ نعبده موحِّدين ﴿إِنَّهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: بفتح الهمزة، أي: لأنه، وقرأ الباقون: بكسرها على الاستئناف (١) ﴿هُوَ الْبَرُّ﴾ المحسن الصادق في وعده ﴿الرَّحِيمُ﴾ العظيم الرحمة. * * * ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿فَذَكِّرْ﴾ دُمْ على تذكير المشركين ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ﴾ برحمته (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦٠).

الطور 52:30

وعصمته، و (نِعْمَت) رُسمت بالتاء، وقف عليها بالهاء: ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (١) ﴿بِكَاهِنٍ﴾ هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ﴿وَلَا مَجْنُونٍ﴾ كما يقولون. * * * ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ أي: بل أيقولون: هو ﴿شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ﴾ ننتظر. ﴿بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ حوادثَ الدهر، فيهلك كغيره من الشعراء. * * * ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ انتظروا هلاكي، وعيدٌ في صيغة أمر. ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ المنتظرين هلاككم، فُعذِّبوا بالسيف يوم بدر. ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ﴾ عقولُهم ﴿بِهَذَا﴾ القولِ المتناقض، وهو قولهم له - ﷺ -: ساحر، كاهن، شاعر، وذلك أن عظماء قريش كانوا يعرفون (٢) بالأحلام والعقول، فأزرى الله بعقولهم حين لم تثمرهم معرفة الحق من الباطل. (١) سلفت عند تفسير الآية (٢٣١) من سورة البقرة. (٢) في "ت": "يوصفون".

الطور 52:33

﴿أَمْ هُمْ﴾ بل هم ﴿قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ مجاوزون الحدَّ في العناد. * * * ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ﴾ اختلقَ محمدٌ القرآن. ﴿بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ المعنى: لم يمتنعوا عن الإيمان بالقرآن لأنه مختلَق، بل تكبرًا. * * * ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾. [٣٤] فإن كان كما زعموا مختلقًا ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ أي: مثلِ القرآن ونظمِه وحسنِ بيانه ﴿إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في قولهم. * * * ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ﴾ أي: من غير مقدر. ﴿أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ لأنفسهم، ولا بد للخلق من خالق، فهلَّا يوحِّدون خالقهم. * * * ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ فلا يعبدون خالقهما (١). ﴿بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ بخالقهما. (١) في "ت": "خالقهم".

الطور 52:37

﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ﴾ أي: مفاتيح خزائن رحمة ﴿رَبِّكَ﴾ من النبوة والرزق وغيرهما، فيخصوا من شاؤوا بما شاؤوا. قرأ أبو عمرو: (خَزائِن رَّبِّكَ) بإدغام النون في الراء (١). ﴿أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ المسلطون الجبارون. قرأ هشام عن ابن عامر، وقنبل عن ابن كثير، وحفص عن عاصم، بخلاف عن الثاني والثالث: (الْمُسَيْطِرُونَ) بالسين، وقرأ حمزة: بين الصاد والزاي، بخلاف عن رواية خلاد، وقرأ الباقون: بالصاد الخالصة (٢). * * * ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ﴾ يرتقون به إلى السماء ﴿يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ الوحيَ وكلامَ الملائكة، فيقولوا ما شاؤوا، فإن كان كذلك. ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ﴾ فَرَضًا على دعواهم ﴿بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ حجة بينة. * * * ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ﴾ بزعمكم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦١). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢٩٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٤٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦١ - ٢٦٢).

الطور 52:40

﴿وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ فيه تسفيه لهم، وإشعار بأن مَنْ هذا رأيه، فلا (١) يُعَدُّ من العقلاء. * * * ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على الإنذار ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ أي: غُرم، وهو ما يلزم أداؤه، فهم بذلك ﴿مُثْقَلُونَ﴾ فلا يُسْلِمون. * * * ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ اللوح المحفوظ. ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ ما فيه، ويخبرون الناس به. * * * ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا﴾ مكرًا بك؛ ليهلكوك. ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ المهلكون (٢) جزاء كيدهم. * * * ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ يستحق العبادة ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ من (١) في "ت": "لا". (٢) "المهلكون" زيادة من "ت".

الطور 52:44

الآلهة، وجميع ما في هذه السورة من ذكر (أَمْ) استفهام غير عاطفة، واستفهم تعالى مع علمه بهم؛ تقبيحًا عليهم، وتوبيخًا لهم؛ كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله. * * * ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا﴾ قطعًا ﴿مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ عليهم؛ ليعذَّبوا به. ﴿يَقُولُوا﴾ عنادًا وجهلًا: ﴿سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ بعضُه فوق بعض يَسقينا. * * * ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا﴾ يعاينوا. قرأ أبو جعفر: (يَلْقوْا) بفتح الياء وإسكان اللام وفتح القاف من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وألف بعدها وضم القاف (١). ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ وذلك عند النفخة الأولى. قرأ ابن عامر، وعاصم: (يُصْعَقُونَ) بضم الياء؛ أي: يهلكون، وقرأ الباقون: بفتحها؛ أي: يموتون (٢). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦٢). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٣)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٢٩٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦٢).

الطور 52:46

﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٦)﴾. [٤٦] وتبدل من ﴿يَوْمَهُمُ﴾ ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ من الإغناء في رد العذاب ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون من عذاب الله. * * * ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ كفروا ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي: قبل المعد لهم يوم القيامة، وهو القتل ببدر ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ بذلك. * * * ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ فيهم بالإمهال، ولا يضيق صدرك. قرأ أبو عمرو: (واصْبِر لِّحُكْمِ) بإدغام الراء في اللام، وروي عنه الإظهار، والوجهان صحيحان عنه (١). ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ بحيث نراك ونلحظك ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: قل: سبحان الله وبحمده ﴿حِينَ تَقُومُ﴾ من منامك. * * * ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾ أي: صلِّ له، يعني: المغرب والعشاء. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٥٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٦٣). ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ يعني: الركعتين قبل صلاة الفجر، وذلك حين تدبر النجوم؛ أي: تغيب بضوء الصبح. اتفق القراء على كسرة الهمزة في (وَإِدْبارَ النُّجُومِ)؛ إذ المعنى على المصدر؛ أي: وقت أُفول النجوم وذهابها، لا جمع دبر، كما تقدم لبعض القراء في (وَأَدْبارَ السُّجُودِ) في سورة (ق) [الآية: ٤٠]، والله سبحانه أعلم. * * * سورة النجم مكية بإجماع من (١) المتأولين، وآيها: اثنتان وستون (٢) آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وخمسة أحرف، وكلمها ثلاث مئة وستون كلمة، وهي أول سورة أعلنَ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجهرَ بقراءتها في الحرم، والمشركون يستمعون، وفيها سجد، وسجد معه المؤمنون والمشركون، والجن والإنس غير أبي لهب؛ فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا. وسبب هذه السورة أن المشركين قالوا: إن محمدًا - ﷺ - يتقول القرآن، ويختلق أقواله، فنزلت الآية في ذلك. وهذه السورة أول المفصل على أحد القولين في مذهب مالك، وتقدم التنبيه عليه في أول الشورى عند ذكر القول الآخر، وقد ذكر اختلاف الأئمة في المفصل في أول التفسير، ثم ذكر كل مذهب في محله، وهو عند أول الشورى، والحجرات، وق، وهذا المحل، والله الموفق. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١)﴾. (١) "من" ساقطة من "ت". (٢) في "ت": "ستون وآيتان".

النجم 53:1

[١] ﴿وَالنَّجْمِ﴾ يعني: الثريا، والعرب لا تقول النجم مطلَقًا إلا للثريا. ﴿إِذَا هَوَى﴾ سقط عند غروبه، وقيل: المراد: الجملة من القرآن إذا تنزلت، وذلك أنه روي أن القرآن نزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نجومًا؛ أي: أقدارًا مقدرة في أوقات ما، ويجيء (هَوَى) على هذا التأويل بمعنى: نزل. قال ابن عطية: وفي هذا المعنى بُعد وتحامُل على اللغة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، والخلاف في هذه كالخلاف في تلك (١)، وهو قسم بالنجم وقتَ هويِّه، أو بالقرآن وقتَ نزوله. * * * ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾. [٢] وجواب القسم: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - عن طريق الهدى ﴿وَمَا غَوَى﴾ ما لابسَ الغَيَّ، وهو نقيض الرشد. قرأ أبو عمرو، وورش عن نافع: بإمالة رؤوس آي هذه السورة؛ بخلاف عنهما، وافقهما على الإماله: حمزة، والكسائي، وخلف (٢). * * * ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾. [٣] ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ أي: لا يتكلم بالباطل عن هوى نفسه. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ١٩٥). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٧ وما بعدها).

النجم 53:4

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾. [٤] ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي: نطقُه - ﷺ - بالقرآن وما يأتيه من السماء ﴿إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ إليه، لم يقله من تلقاء نفسه. * * * ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ﴾. [٥] ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ هو جبريل عليه السلام، والقوى: جمع القوة. * * * ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾. [٦] ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ قوة شديدة في خلقه ﴿فَاسْتَوَى﴾ فاستقر جبريل. * * * ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧)﴾. [٧] ﴿وَهُوَ﴾ يعني: محمدًا، المعنى: استوى جبريل ومحمدٌ ليلة المعراج. ﴿بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ عند مطلع الشمس. * * * ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ﴾. [٨] ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ قَرُب جبريل من محمَّد ﴿فَتَدَلَّى﴾ زادَ في القُرب، والأكثرون على أن هذا الدنوَّ والتدلِّي منقسم بين جبريل -عليه السلام-، ومحمد - ﷺ -، أو مختص بأحدهما من الآخر، أو من سدرة المنتهى. وقال ابن عباس: "هو محمدٌ دنا وتدلى من ربه". وحكي عن ابن عباس أيضًا: "هو الربُّ دنا من محمَّد، فتدلَّى إليه؛ أي: أمرُه وحكمُه" (١). قال القاضي أبو الفضل -رضي الله عنه- في كتاب "الشفا": فاعلم أن ما وقع في إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله، فليس بدنو مكان ولا قرب حدًّا، بل كما ذكرنا عن جعفر الصادق: "فليس بدنو حَدّ، وإنما دنوُّ النبي من ربه وقربُه منه إبانةُ عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس، وبسط وإكرام" (٢). (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ١٩٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٥١). (٢) انظر: "الشفا" للقاضي عياض (١/ ٢٠٤)، وقول ابن عباس السالف منه. وقال القاضي في نهاية هذا الكلام: ويتأول فيه ما يُتأول في قوله: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا". وذكر الإمام ابن الجوزي في "زاد المسير" (٨/ ٦٥) ما يؤيد قولَ ابنِ عباس الأخير بما روى البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه قال: دنا الجبَّار ربُّ العزة فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. اهـ وهذا القول متأوَّل على ما ذكر القاضي عياض. ومن المعلوم أن أكثر العلماء على أن هذا الدنو والتدلي منقسم ما بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم، أو مختص بأحدهما من الآخر ومن السدرة المنتهى. كما ذكر النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (٣/ ٤).

النجم 53:9

﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾. [٩] ﴿فَكَانَ قَابَ﴾ قدرَ ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ بل أقرب، فمن جعل الضمير عائدًا إلى الله لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، واتضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمَّد - ﷺ -، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب قربٌ بالإجابة والقبول، وإتيانٌ بالإحسان وتعجيل المأمول، وإنما ذكر (القَوْسَين)؛ لأن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تجعل مساحة الأشياء بالقوس، ويقال: قاب قوسين؛ يعني: قدر ذراعين، وإنما سمي الذراع قوسًا؛ لأنه يقاس به الأشياء. * * * ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾. [١٠] ﴿فَأَوْحَى﴾ اللهُ ﴿إِلَى عَبْدِهِ﴾ - ﷺ - ﴿مَا أَوْحَى﴾ قوله تعالى: (مَا أَوْحَى) إبهام على جهة التفخيم والتعظيم، والذي عُرف من ذلك فرضُ الصلاة. * * * ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾. [١١] ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ﴾ قرأ أبو جعفر، وهشام عن ابن عامر: (كَذَّبَ) بتشديد الذال؛ يعني: ما كذب قلب محمَّد - ﷺ -. ﴿مَا رَأَى﴾ بعينه، وقرأ الباقون: بتخفيفها (١)؛ أي: ما ارتابَ القلب، (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٥٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٩).

النجم 53:12

وقرأ ورش عن نافع: (الْفُوَادُ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز، تلخيصه: لم يوهم القلبُ العينَ غيرَ الحقيقة، بل صَدَّق رؤيتَها. واختلف السلف والخلف هل رأى نبينا - ﷺ - ربه ليلة الإسراء؟ فأنكرته عائشة، وخالفها ابن عباس وجمع، وتقدم الكلام في ذلك مستوفىً في أول سورة الإسراء في قصة المعراج. * * * ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢)﴾. [١٢] ﴿أَفَتُمَارُونَهُ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: (أَفَتَمْرُونَهُ) بفتح التاء وإسكان الميم من غير ألف؛ أي: أتجحدونه، وقرأ الباقون: بضم التاء وفتح الميم وألف بعدها؛ أي: أتجادلونه (١) ﴿عَلَى مَا يَرَى﴾ لأن المشركين أنكروا إسراءه - ﷺ -، ومشاهدتَه جبريل عليه السلام. * * * ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾. [١٣] فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أي: رأى محمدٌ جبريلَ على صورته حقيقة، وعلى قول ابن عباس ومَنْ وافقه: رأى رَبَّه. قرأ ورش، وحمزة، والكسائي، وأبو بكر، وخلف، وابن ذكوان بخلاف عنه: (رَآهُ) بإمالة الهمزة والراء، وأمال الدوري عن أبي عمرو الهمزة بخلاف عنه، وأمال السوسي الراء (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٥٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٤)، و "التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، =

النجم 53:14

﴿نَزْلَةً﴾ مرةً ﴿أُخْرَى﴾ لأنه - ﷺ - عرج إلى السماء مرات بسبب الصلوات، فكان لكل عرجة نزلة. * * * ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ﴾. [١٤] وكانت الرؤيا ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش، لا يتجاوزها أحد من الملائكة ولا غيرهم، ولا يعلم ما وراءها إلا هو تعالى، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها. * * * ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ﴾. [١٥] ﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن جنة المأوى عنده، وهي الجنة التي يأوي إليها الملائكة. * * * ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾. [١٦] ﴿إِذْ يَغْشَى﴾ يغطِّي ﴿السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ العامل في (إِذْ) (رَآهُ)، والمعنى: رآه في هذه الحال، و ﴿مَا يَغْشَى﴾ معناه: من قدرة الله وأنواع الصفات التي يخترعها لها، وذلك مبهم على جهة التفخيم والتعظيم. قال - ﷺ -: "رأيتُ على كل ورقة منها ملكًا قائمًا يُسَبِّحُ الله" (١). = و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧ و ١٠). (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥١٩) عن عبد الرحمن بن زيد، مرسلًا. =

النجم 53:17

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾. [١٧] ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ ما مال بصر محمَّد يمينًا ولا شمالًا، أضاف الأمر للبصر. ﴿وَمَا طَغَى﴾ أي: ما جاوز ما رأى. * * * ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾. [١٨] ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ﴾ التي يمكن أن يراها البشر الآيةَ ﴿الْكُبْرَى﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان: (ما رَأَى) (لَقَدْ رَأَى) بإمالة الراء والهمزة، واختلف عن هشام وأبي بكر، وأمال أبو عمرو الهمزة فقط. * * * ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩)﴾. [١٩] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ﴾ مخاطبة لقريش، وهي من رؤية العين، لما فرغ من ذكر عظمة الله تعالى وقدرته، قال على جهة التوقيف: أرأيتم هذه الأوثانَ وحقارتَها، وبعدَها عن هذه القدرة والصفات العلية ﴿اللَّاتَ﴾ صنم ثقيف بالطائف. قرأ رويس عن يعقوب: بتشديد التاء، ويمدُّ الساكنين، وقرأ الباقون: بتخفيفها، والكسائي يقف عليها بالهاء (١). = وانظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٤٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٤٨)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٩٦). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٢ و ٣٧٩)، و"معجم =

النجم 53:20

﴿وَالْعُزَّى﴾ سَمُرة كانت غطفان تعبدها، فبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خالد بن الوليد فقطعها، واجتث أصلها، فخرجت من أصلها شيطانة، فقتلها. * * * ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَمَنَاةَ﴾ اسم علم (١) لصنم هُذيل وخُزاعة، وألفها منقلبة عن ياء؛ لأنها من مني يمني. قرأ ابن كثير: (مَناءَةَ) بهمزة بعد الألف، فيمد للاتصال، وقرأ الباقون: بغير همز، والوقف عليها لجميع القراء بالهاء اتباعًا للرسم (٢) ﴿الثَّالِثَةَ﴾ نعت لـ (مناة)؛ لأنها ثالثة الصنمين. ﴿الْأُخْرَى﴾ نعت ذم، نحو: و ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨]؛ أي: ضعفاؤهم لرؤسائهم؛ أي: مناة الحقيرة، وقيل: اللات والعزى ومناة كانت أصنامًا من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها، واشتقوا لها أسماء من أسماء الله سبحانه، فقالوا: من الله: اللات، ومن العزيز: العزى، ومن المنان: مناة، ومعنى الآية: أخبرونا ألهذه الآلهة المعبودة قدرة على شيء ما فتعبدونها دون الله تعالى؟! وتقدم في سورة الحج ما ألقاه الشيطان في قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- لما قرأ هذه الآية. = القراءات القرآنية" (٧/ ١٢). وذكرها البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٥٦)، من قراءة ابن عباس وأبي صالح. (١) "علم" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٥٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣).

النجم 53:21

﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١)﴾. [٢١] ولما قالوا: الملائكة والأصنام بنات الله، مع كراهتهم البنات، نزل إنكارًا عليهم: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ المعنى: إذا كرهتم البنات، فكيف تجعلون لكم البنين، وله تعالى البنات؟! * * * ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ جائرة؛ حيث جعلتم لربكم ما تكرهون لأنفسكم. قرأ ابن كثير: (ضِئْزَى) بالهمز؛ من ضأزه يضأزه ضأزًا، وقرأ الباقون: بغير همز (١)؛ من ضازه يضيزه ضيزًا. * * * ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿إِنْ هِيَ﴾ أي: الأصنام ﴿إِلَّا أَسْمَاءٌ﴾ لا حقيقة تحتها من نفع أو ضر ﴿سَمَّيْتُمُوهَا﴾ أي: سميتم بها ﴿أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ آلهة تخرُّصًا. ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا﴾ بتلك الأسماء ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ حجة على تسميتهم، ثم رجع إلى الخبر بعد المخاطبة، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ في قولهم: إنها آلهة ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ الخبيثة مما زين لهم الشيطان. ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ على لسان الرسل. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤).

النجم 53:24

﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿أَمْ لِلْإِنْسَانِ﴾ (أَمْ) منقطعة، والهمزة فيها للإنكار، المعنى: ليس للكافر. ﴿مَا تَمَنَّى﴾ من شفاعة الأصنام. * * * ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى﴾ يحكم فيهما بما يريد، فالأمر كله لله. * * * ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ إن شفعوا لا يشفعون. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أن يشفع له ﴿وَيَرْضَى﴾ عنه. * * * ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى﴾ لأنهم قالوا: الملائكة بنات الله.

النجم 53:28

﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك القولِ ﴿مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ فإنه (١) لا اعتبار له في المعارف الحقيقية. * * * ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ﴾ إبلاغَ ﴿مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ عن العمل بالقرآن. ﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وهذا منسوخ بآية السيف. * * * ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ أي: طلب الدنيا ﴿مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ لا يتجاوزه علمُهم. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ أي: هو أعلم بالفريقين، فيجازيهم. * * * ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾. [٣١] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ فهذا معترض بين الآية الأولى، (١) في "ت": "فإن".

النجم 53:32

وبين قوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ من الشرك، فاللام في (لِيَجْزِيَ) متعلق بمعنى الآية: إذا كان أعلم بهم، جازى كلًّا بما يستحقه. ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ وَحَّدوا ربهم ﴿بِالْحُسْنَى﴾ بالجنة. * * * ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾. [٣٢] ثم وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ﴾ الشرك. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (كَبِيرَ) بكسر الباء من غير ألف ولا همز على التوحيد، والباقون: بفتح الباء وألف وهمزة مكسورة بعدها على الجمع (١). ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ ما فَحُش من الذنوب ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ استثناء منقطع، واللمم: ما صغر من الذنوب؛ كالغمزة والنظرة واللمسة والقبلة. ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لمن فعل ذلك وتاب. ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ أي: خلق أباكم آدمَ من تراب. ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ﴾ جمع جنين، سمي جنينًا؛ لاجتنانه؛ أي (٢): استتاره في البطن. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٩٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦). (٢) "لاجتنانه؛ أي" زيادة من "ت".

النجم 53:33

﴿فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ قرأ حمزة: (إِمِّهاتِكُمْ) بكسر الهمزة والميم، وقرأ الكسائي: بكسر الهمزة فقط، وكل منهما بشرط الوصل، وقرأ الباقون: بضم الهمزة وفتح الميم، واتفقوا على الابتداء كذلك (١). ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ تُثنوا عليها ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ وأخلصَ العمل. * * * ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّىٰ﴾. [٣٣] كان الوليد بن المغيرة المخزومي قد سمع قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجلس إليه، ووعظه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقرب إلى الإسلام، وطمع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، ثم إنه عاتبه رجل من المشركين، وقال له: أتترك ملة آبائك؟ ارجعْ إلى دينك، أثبت عليه، وأنا أتحمل لك بكل شيء تخافه في الآخرة، لكن على أن تعطيني كذا وكذا من المال، فوافقه الوليد على ذلك، ورجع عما همَّ به من الإسلام، وضل ضلالًا بعيدًا، وأعطى بعض ذلك المال لذلك الرجل، ثم أمسك عنه وشحَّ، فنزل: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ (٢) عن الإيمان. * * * ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَأَعْطَى﴾ صاحبَه ﴿قَلِيلًا﴾ من ماله ﴿وَأَكْدَى﴾ قطعَ عطيته بخلًا، وأصله من الكدْيَة: أرضٌ صلبة كالصخرة تمنع حافرَ البئر من النفوذ. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٧٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦ - ١٧). (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٢/ ٥٤١)، وذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٦٢)، والقرطبي في "تفسيره" (١٧/ ١١١) عن ابن زيد ومقاتل.

النجم 53:35

﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾ أعلمَ من الغيب أنَّ مَنْ تحمل ذنوبَ أحد، فإن المتحمل عنه ينتفع بذلك ﴿فَهُوَ﴾ لهذا الذي علمه ﴿يَرَى﴾ الحقَّ، وله فيه بصيرة؟! * * * ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿أَمْ﴾ هو جاهل ﴿لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾ يعني: أسفار التوراة. قرأ أبو جعفر: (يُنَبَّا) بإبدال الهمز، والباقون: بالهمز (١) (٢). * * * ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام عن ابن عامر: (أَبْراهامَ) بالألف، والباقون: بالياء (٣) ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ أي: تمم ما أُمر به، وبلغ رسالات ربه إلى خلقه. عن أبي ذر الغفاري (٤) -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسول الله! كم من كتابٍ أنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ-؟ قال: "مئة كتاب، وأربعة كتب، (١) "والباقون: بالهمز" زيادة من "ت". (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨). (٤) "الغفاري" زيادة من "ت".

النجم 53:38

أنزل الله (١) على آدم عشر صحائف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى إدريس ثلاثين صحيفة، وعلى إبراهيم عشر صحائف، وأنزل الله (٢) التوراة والإنجيل والزبور والفرقان"، قلت: يا رسول الله! ما كانت صحف إبراهيم؟ قال: "كانت أمثالًا: أيها الملِكُ المبتلى المغرور! إني لم أبعثك فتجمعَ الدنيا بعضَها إلى بعض، ولكن بعثتُك، تردُّ دعوة المظلوم، فإني لا أردها، وإن كانت من كافر، وكان فيها أمثال منها: على العاقل -ما لم يكن مغلوبًا على عقله- أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، ويفكر في صنع الله، وساعة يحاسب نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب وغيرهما، وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلًا على شأنه، حافظًا للسانه، ومن علم أن كلامه من عمله، قل كلامه إلا فيما يعنيه". ويأتي ما نقل من صحف موسى آخر سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. * * * ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾. [٣٨] ثم بين تعالى ما في صحفهما، فقال: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أي: لا تحمل حاملة حملَ غيرِها بأن تؤخذ بإثمها، وفي هذا إبطال قول من قال للوليد بن المغيرة: إنه يحمل عنه الإثم. (١) لفظ الجلالة زيادة من "ت". (٢) لفظ الجلالة زيادة من "ت".

النجم 53:39

﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾. [٣٩] وتعطف على ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ عمل ونوى، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت، فلكون الناوي له كالنائب عنه. واختلف الأئمة فيما يُفعل من القرب؛ كالصلاة والصيام وقراءة القرآن والصدقة (١)، ويُهدى ثوابه للميت المسلم، فقال أبو حنيفة وأحمد: يصل ذلك إليه، ويحصل له نفعه بكرم الله ورحمته، وقال الشافعي ومالك: يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية، وفي الحج، وأما في غير ذلك من الطاعات؛ كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره، لا يجوز، ويكون ثوابه لفاعله، وعند المعتزلة: ليس للإنسان جعلُ ثواب عملِه في شيء من الأعمال لغيره، ولا يصل، ولا ينفعه. واختلفوا فيمن مات قبل أن يحج، فقال أبو حنيفة ومالك (٢): يسقط عنه الحج بالموت، ولا يلزم الحج عنه إلا أن يوصي بذلك، وقال الشافعي وأحمد: لا يسقط عنه، ويلزم الحج عنه من رأس ماله. واختلفوا فيمن لم يحج عن نفسه، هل يصح أن يحج عن غيره؟ فقال أبو حنيفة ومالك: يصح، ويجزئ عن الغير مع الكراهة، وقال الشافعي وأحمد: لا يصح، فلو فعل، وقع عن نفسه. وأما الصلاة، فهي عبادة بدنية، لا تصح فيها النيابة بمال ولا بدن بالاتفاق، وعند أبي حنيفة: إذا مات وعليه صلوات، يعطى لكل صلاة (١) "والصدقة" زيادة من "ت". (٢) "ومالك" زيادة من "ت".

النجم 53:40

نصف صاع بر، أو صاع من تمر، أو شعير، أو قيمة ذلك فدية تصرف للمساكين، وليس للمدفوع إليه عدد مخصوص، فيجوز أن يدفع لمسكين واحد الفدية عن عدة صلوات، ولا يجوز أن تدفع فدية صلاة لأكثر من مسكين، ثم لا بد من الإيصاء بذلك، فلو تبرع الورثة بذلك، جاز من غير لزوم، وهو من مفردات مذهبه، وهو (١) خلاف (٢) للثلاثة. * * * ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾. [٤٠] ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ في ميزانه يوم القيامة. * * * ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾. [٤١] ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ أي: يُجزى (٣) العبدُ سعيَه ﴿الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ الأكملَ، والقراءة بفتح (أَنَّ) على أن (٤) هذا كله في صحف موسى. * * * ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ أي: الانتهاء، وهو رجوع الخلائق إليه تعالى بعد الموت، فيجازيهم. (١) "وهو" ساقطة من "ت". (٢) في "ت": "خلافًا". (٣) "أي يجزى" زيادة من "ت". (٤) "على أن" زيادة من "ت".

النجم 53:43

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (٤٣)﴾ [٤٣] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ ذكر الضحك والبكاء؛ لأنهما صفتان تجمعان أوصافًا كثيرة من الناس؛ إذ الواحدة دليل السرور، والأخرى دليل الحزن في الدنيا والآخرة، فنبه تعالى بهاتين الخاصتين اللتين هما للإنسان وحده. * * * ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ﴾ في الدنيا. ﴿وَأَحْيَا﴾ للبعث، فلا يقدر على الإماتة والإحياء غيره. * * * ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ﴾ الصنفين ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ من كل حيوان. * * * ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىٰ﴾. [٤٦] ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى﴾ تُراق في الرحم. * * * ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ﴾ الخلقة ﴿الْأُخْرَى﴾ للبعث بعد الموت. وتقدم اختلاف القراء في (النَّشْأَةَ) في سورة العنكبوت.

النجم 53:48

﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى﴾ الناسَ بالكفاية والأموال. ﴿وَأَقْنَى﴾ أعطى القُنية وما يدخرونه بعد الكفاية. * * * ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ وهو كوكب خلف الجوزاء، وهما شعريان، يقال لأحدهما: العبور، وهي اليمانية، وللأخرى: الغميصاء، والمراد هنا: العبور، وهي أشد ضياء، عبدها أبو كبشة من خزاعة، وخالف قريشًا في عبادة الأوثان، فلذلك كانوا يسمون النبي -صلى الله عليه وسلم-: ابن أبي كبشة؛ لخلافه إياهم كخلاف أبي كبشة في عبادة الشعرى. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (وَأَنَّه هُّوَ) بإدغام الهاء في الهاء في الأحرف الأربعة؛ بخلاف عن رويس (١). * * * ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (عادً الأُولى) بإدغام التنوين في اللام وتشديدها مضمومة بلا همز بعدها، على أنهم لم يحركوا التنوين؛ لالتقاء الساكنين، بل أدغموه في لام التعريف بعد أن حركوا اللام بحركة الهمزة التي هي فاء الفعل حتى ساغ (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠).

النجم 53:51

الإدغام فيه، وقرأ الباقون وهم: ابن كثير، والكوفيون، وابن عامر: بكسر التنوين؛ لاجتماع الساكنين، وإسكان اللام، وتحقيق الهمزة بعدها (١)، وهذا حكم الوصل، وأما حكم الابتداء، فيجوز في مذهب أبي عمرو، ويعقوب، وقالون، وأبي جعفر إذا لم يهمزوا الواو ثلاثةُ أوجه: (ألُولى) بإثبات همزة الوصل وضم اللام بعدها، الثاني: (لُولَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل قبلها اكتفاء عنها بتلك الحركة، الثالث: (الأُولَى) ترد الكلمة إلى أصلها، فتأتي بهمزة الوصل وإسكان اللام وتحقيق الهمزة المضمومة بعدها، وعن قالون في الابتداء بها في وجه همز الواو [ثلاثة أوجه: الأول: (الُؤْلَى) بهمزة الوصل وضم اللام وهمزة ساكنة على الواو] (٢)، والثاني: (لُؤْلَى) بضم اللام وحذف همزة الوصل وهمز الواو، الثالث: (الأُولَى) كوجه أبي عمرو الثالث، وعن أبي جعفر في هذه الأوجه الثلاثة خلاف، وكلهم يقف على (عادًا) بالألف؛ لأنها بدل من التنوين؛ لأنه اسم رجل، وعاد الأولى هم قوم هود، أُهلكوا بريح صرصر، وكان لهم عقب، فكانوا عادًا الأولى. * * * ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَىٰ﴾. [٥١] ﴿وَثَمُودَ﴾ هم قوم صالح، أهلكهم الله بالصيحة. قرأ عاصم، (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤١٠ - ٤١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١ - ٢٢). (٢) ما بين معكوفتين سقط من "ت".

النجم 53:52

وحمزة، ويعقوب: بغير تنوين: اسم للقبيلة، وقرأ الباقون: بالتنوين (١): اسم للأب، منصوب بأهلكنا مقدرة، وكل من نَوَّنَ وقف بالألف، ومن لم ينون، وقف بغير ألف، وإن كانت مرسومة، فبذلك جاءت الرواية عنهم منصوصة ﴿فَمَا أَبْقَى﴾ منهم أحدًا. * * * ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ أهلكناهم أيضًا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلَ عاد وثمود ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ لطولِ دعوة نوح إياهم، وعتوِّهم على الله بالمعصية والتكذيب. * * * ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ﴾. [٥٣] ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ﴾ قرى قوم لوط. قرأ أبو جعفر: (والْمُوْتَفِكَةَ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز، واختلف عن قالون (٢). ﴿أَهْوَى﴾ أسقطَ؛ لأنَّ جبريل -عليه السلام- رفعها إلى السماء، ثم أسقطها مقلوبة إلى الأرض. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٩٠)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٣).

النجم 53:54

﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ﴾. [٥٤] ﴿فَغَشَّاهَا﴾ ألبسَها اللهُ ﴿مَا غَشَّى﴾ ولم يذكر المغشَّى؛ تهويلًا لشأنه. * * * ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ﴾ أي: أَنْعُمه الدالة على الوحدانية أيها الإنسان ﴿تَتَمَارَى﴾ تتشكك، والخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والمراد: غيره. قرأ يعقوب: (رَبِّك تَّمارَى) بتاء واحدة مشددة حيث قرأها بالوصل، وأما إذا ابتدأ بقوله (تَتَمَارَى)، أظهر التاءين جميعًا؛ لموافقة الرسم والأصل، وبذلك قرأ الباقون (١)؛ فإن الإدغام إنما يتأتى في الوصل، وهذا بخلاف الابتداء بتاءات البزي في البقرة؛ فإنها مرسومة بتاء واحدة، فكان الابتداء كذلك موافقة للرسم، فلفظ الجميع في الوصل واحد، والابتداء مختلف؛ لما ذكر. * * * ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿هَذَا نَذِيرٌ﴾ هو محمد - ﷺ - ﴿مِنَ النُّذُرِ﴾ أي: الرسل. ﴿الْأُولَى﴾ يعني: من جنسهم أُرسل إليكم كما أُرسلوا إلى أقوامهم. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٠٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٤).

النجم 53:57

﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾. [٥٧] ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ قربت القيامة. * * * ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾. [٥٨] ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ أي: كاشف مزيل لها إذا جاءت، والهاء للمبالغة. * * * ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن ﴿تَعْجَبُونَ﴾ تكذيبًا. قرأ أبو عمرو: (الْحَدِيث تَّعْجَبُونَ) بإدغام الثاء في التاء (١). * * * ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾ استهزاءً ﴿وَلَا تَبْكُونَ﴾ مما فيه من الوعيد. * * * ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾. [٦١] ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ لاهون. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٢٤).

النجم 53:62

﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾. [٦٢] ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ سجودَ التلاوة، أو صلوا المفروضات ﴿وَاعْبُدُوا﴾ وحِّدوا، وهذا محل سجود عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وهو قول عمر بن الخطاب؛ لأنه صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه سجد بالنجم، وليس يراها مالك -رحمه الله-؛ لما روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه-: "أنه قرأ على النبي -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَالنَّجْمِ﴾، فلم يسجد فيها" (١)، وتقدم ذكر اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة هل هو واجب أو مسنون عند سجدة مريم، والله سبحانه أعلم. (١) رواه البخاري (١٠٢٢)، كتاب: أبواب سجود القرآن، باب: من قرأ السجدة ولم يسجد، ومسلم (٥٧٧)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب: سجود التلاوة.

القمر 54:1

سورة القمر مكية، وقال بعضهم: إلا قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية، وآيها: خمس وخمسون آية، وحروفها: ألف وأربع مئة وثلاثة وعشرون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة واثنتان وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾. [١] ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ دَنَت القيامة ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾. * * * ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾. [٢] روي أن أهل مكة سألوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُريهم آية، فأرأهم القمر شقتين حتى رأوا حِراءَ بينهما (١)، ورئي فرقتين: فرقة على قُعَيْقِعان، وفرقة على أبي قُبَيْس (٢)، فقالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السُّفَّار، (١) رواه البخاري (٣٦٥٥)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: انشقاق القمر، ومسلم (٢٨٠٢)، كتاب: صفة القيامة والجنة والنار، باب: انشقاق القمر، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. (٢) رواه أبو نعيم في "الحلية"، كما في "الدر المنثور" (٧/ ٦٧١) وذكره القرطبي في =

القمر 54:3

فسألوهم فقالوا: نعم قد رأيناه (١)، فنزلت الآية: ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ أي: قريش ﴿آيَةً﴾ دالةً على معجزة محمد - ﷺ -؛ كانشقاق القمر ﴿يُعْرِضُوا﴾ عن الإيمان بها. ﴿وَيَقُولُوا﴾ هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ أي: ذاهب، سوف يبطل؛ من قولهم: مر: إذا ذهب، وقيل: معناه: دائمٌ متمادٍ، ومعنى تسمية ما جاءت به الأنبياء معجزة: هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بها. * * * ﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣)﴾. [٣] ﴿وَكَذَّبُوا﴾ النبي ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ في الباطل. ﴿وَكُلُّ أَمْرٍ﴾ من الخير والشر ﴿مُسْتَقِرٌّ﴾ بأهله في الجنة أو في (٢) النار. قرأ أبو جعفر: (مُسْتَقرّ) بخفض الراء نعتًا لـ (أَمْرٍ)؛ أي: اقتربت الساعة، واقترب كل أمر مستقرٍّ يستقرُّ ويتبين حاله، وقرأ الباقون: برفعها على المعنى الأول (٣). = "تفسيره" (١٧/ ١٢٧) عن ابن عباس. وقعيقعان وأبو قبيس هما جبلا مكة. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٧/ ٨٥)، ومن طريقه: الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ١٦٢). ورواه البيهقي في "دلائل النبوة" (٢/ ٢٦٦)، ومن طريقه: ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤/ ٣٥٥). (٢) "في" زيادة من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٧٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٩).

القمر 54:4

﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾. [٤] ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ﴾ في القرآن ﴿مِنَ الْأَنْبَاءِ﴾ المتقدمة عن الأمم الماضية. ﴿مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ مُتَّعظ، زجرته وازدجرته: نهيته. * * * ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (٥)﴾. [٥] ﴿حِكْمَةٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هذا حكمة. ﴿بَالِغَةٌ﴾ تامة قد بلغت الغاية. ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾ نفي واستفهام توبيخ. وقف يعقوب (تُغْنِي) بإثبات الياء، والنذر: جمع نذير (١). * * * ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦)﴾. [٦] ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي: لا تذهب نفسُك عليهم حسرات، وتم القول في قوله: (عَنْهُمْ)، ثم ابتدأ وعيدهم فقال: ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ﴾ هو إسرافيل عليه السلام، ونصب (يَوْمَ) بـ: اذكر مقدرة. قرأ أبو عمرو، وأبو جعفر، وورش: (الدَّاعِي) بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب والبزي: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (٢). (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري =

القمر 54:7

﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ فظيع، تنكره النفوس؛ لأنها لم تعهَدْ مثله. قرأ ابن كثير: (نُكْرٍ) بإسكان الكاف، والباقون: بضمها (١). * * * ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧)﴾. [٧] ﴿خُشَّعًا﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف: (خاشِعًا) بفتح الخاء وألف بعدها وكسر الشين بعدها مخففة على الواحد، وقرأ الباقون: (خُشَّعًا) بضم الخاء وفتح الشين مشددة من غير ألف (٢)، جمع خاشع، حال العاملُ فيها (يدْعُو)، وصاحب الحال ضميرٌ محذوف تقديره: يدعوهم الداعي، ولم يؤنث خاشع؛ لأنَّ تأنيثه غير حقيقي. ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ أي: ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب، وخص الأبصار بالخشوع؛ لأنه فيها أظهر منه في سائر الجوارح، وكذلك سائر ما في الإنسان من حياء أو خوف ونحوه إنما يظهر في البصر. ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ والقبور ﴿كَأَنَّهُمْ﴾ لكثرتهم وما بهم من الخوف والحيرة. ﴿جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ مُنْبَثٌّ لا يدرون أين يذهبون. = (٢/ ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٠). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٧ - ٦١٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٥)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٠ - ٣١). (٢) المصادر السابقة.

القمر 54:8

﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾. [٨] ﴿مُهْطِعِينَ﴾ حال من (يَخْرُجُونَ)؛ أي: مسرعين مادِّي أعناقهم. ﴿إِلَى الدَّاعِ﴾ إلى صوت إسرافيل. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (الدَّاعِي) بإثبات الياء، وابن كثير ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١). ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ صعب شديد. * * * ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾. [٩] ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبلَ قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوحًا ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا﴾ نوحًا؛ أي: كذبوه تكذيبًا بعد تكذيب، فكان كلما ذهب قرن مكذِّب، تبعه قرن مكذِّب. ﴿وَقَالُوا﴾ هو ﴿مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ﴾ انْتُهِر وزُجر عن التبليغ بأنواع الأذية. * * * ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾. [١٠] ﴿فَدَعَا﴾ نوحٌ ﴿رَبَّهُ﴾ منتصرًا عليهم ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ لي منهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٢).

القمر 54:11

﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾. [١١] ﴿فَفَتَحْنَا﴾ قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحفص عن عاصم: بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١) ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ كثيرٍ سريع الانصباب، لم ينقطع أربعين يومًا. * * * ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ أي: جعلنا ﴿الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ كلها تنبع. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (عِيُونًا) بكسر العين، والباقون: بضمها (٢) ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ أي: ماء الأرض وماء السماء، فصارا ماء واحدًا. ﴿عَلَى أَمْرٍ﴾ أي: حال ﴿قَدْ قُدِرَ﴾ مضى عليهم، وهو الغرق. * * * ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَحَمَلْنَاه﴾ أي: نوحًا ﴿عَلَى﴾ سفينة ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ﴾ هي خشباتها العِراض. ﴿وَدُسُرٍ﴾ جمع دِسار؛ أي: المسامير التي تشد بها الألواح. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٥٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٣). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٣).

القمر 54:14

﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بحفظنا وحمايتنا ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ يعني: فعلنا به وبهم من إنجاء نوح وإغراق قومه ثوابًا لمن جُحِد أمرُه، وهو نوح - ﷺ -. * * * ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾. [١٥] ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا﴾ أي: أبقينا السفينة بباقَرْدَى من بلد الجزيرة حتى أبصرها أوائل هذه الأمة، أو أبقينا الفعلة بقوم نوح. ﴿آيَةً﴾ يُعتبر بها ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ معتبرٍ خائفٍ مثلَ عقوبتهم. * * * ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦)﴾. [١٦] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ استفهام تعظيم، ووعيد لقريش، والنذر هنا جمع نذير، المعنى: كيف كان عاقبة إنذاري لمن لم يحصل به كأنتم أيها القوم. قرأ ورش عن نافع: (وَنُذُرِي) في الأحرف الستة بإثبات الياء وصلًا، ويعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، والباقون: بحذفها في الحالين (١). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٨٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٤ - ٣٥).

القمر 54:17

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ سهَّلناه للتلاوة والحفظ عن ظهر قلب. ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ استدعاء وحض على ذكره وحفظه؛ لتكون زواجره وعلومه وهدايته حاضرة في النفس، وقيل: معناه: هل من طالب علم، فيعان عليه. * * * ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨)﴾. [١٨] ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ وهي قبيلة، وتقدم قَصَصُها. ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله. * * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾. [١٩] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ شديدةَ الهبوب. ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شؤم ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ صفته؛ أي: دائم الشؤم. * * * ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ تقلَعُهم عن أماكنهم؛ لأنهم كانوا يدخلون الشعاب، ويحفرون الحفر يندسون فيها، فكانت الريح تقلعهم، وتصرعهم على رؤوسهم، فتدقُّ رقابهم، فَيَبين الرأس عن الجسد. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ﴾ أصولُ ﴿نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ منقلع، وشبهوا بالنخل؛ لطولهم،

القمر 54:21

وذكر منقعر حملًا على لفظ (نخل)، ولو حمل على المعنى، لأنث؛ كـ ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]. * * * ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٢١)﴾. [٢١] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ كرره للتهويل. * * * ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ تقدم تفسيره. * * * ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾. [٢٣] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ بالإنذار الذي جاءهم به صالح عليه السلام. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (كَذَّبَت ثَّمُودُ) بإدغام التاء في الثاء، واختلف عن ابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). * * * ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا﴾ وانتصابُه بفعل يفسره. ﴿نَتَّبِعُهُ﴾ ونحن جماعة كثيرة، فكيف نتبعه وهو واحد منا، وليس بملك؟ (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٥).

القمر 54:25

﴿إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ﴾ خطأٍ ﴿وَسُعُرٍ﴾ جنون إن اتبعناه. * * * ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ﴾ الوحيُ ﴿عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا﴾ ونحن أحقُّ به منه. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأُلْقِيَ) كاختلافهم فيهما من (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) في سورة ص [الآية: ٨] ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ﴾ في قوله، ﴿أَشِرٌ﴾ متكبر بَطِر. * * * ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿سَيَعْلَمُونَ﴾ قرأ ابن عامر، وحمزة: (سَتَعْلَمُونَ) بالخطاب على معنى: قل يا صالح لهم، وقرأ الباقون: بالغيب؛ أي: يقول الله: سيعلمون (١). ﴿غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ﴾ وقوله: (غَدًا) تقريب يريد به الزمان المستقبل، لا يومًا بعينه (٢). * * * ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾ مخرجوها، وذلك أنهم تعنتوا على صالح، (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٧٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٣٦ - ٣٧). (٢) من قوله: "لهم عقب... " (ص: ٤٥٢) إلى هنا سقط من "ش".

القمر 54:28

فسألوه أن يخرج لهم من صخرة ناقة حمراء عشراء، فقال الله لهم: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ﴾. ﴿فِتْنَةً لَهُمْ﴾ اختبارًا لهم ﴿فَارْتَقِبْهُمْ﴾ فانتظر هلاكهم ﴿وَاصْطَبِرْ﴾ على أذاهم. * * * ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ﴾ مقسوم ﴿بَيْنَهُمْ﴾ وبين الناقة، فيومٌ لهم ويومٌ لها. ﴿كُلُّ شِرْبٍ﴾ نصيب من الماء ﴿مُحْتَضَرٌ﴾ يحضره من كان نوبته، هم أو الناقة. * * * ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾. [٢٩] فهموا بقتلها ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ﴾ قدار بن سالف. ﴿فَتَعَاطَى﴾ فتناول الناقة بسيفه ﴿فَعَقَرَ﴾ الناقة؛ أي: قتلها. * * * ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾. * * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾. [٣١] ثم بين عذابهم فقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ هي صيحة جبريل عليه السلام ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ هو الرجل يجعل لغنمه

القمر 54:32

حظيرة من الشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك فداسته الغنم، فهو هشيم، وقيل: هو يبس الشجر إذا تحطم. * * * ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. * * * ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾. * * * ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا ترميهم بالحصباء، وهي الحصى. ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ يعني: لوطًا وابنتيه، والاستثناء منقطع. ﴿نَجَّيْنَاهُمْ﴾ من العذاب ﴿بِسَحَرٍ﴾ وهو السدس الآخر من الليل. * * * ﴿نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿نِعْمَةً﴾ أي: جعلناه نعمة عليهم ﴿مِنْ عِنْدِنَا﴾ حيث أنجيناهم. ﴿كَذَلِكَ﴾ كما أنعمنا على آل لوط ﴿نَجْزِي مَنْ شَكَرَ﴾ أَنْعُمَنا، وهو مؤمن.

القمر 54:36

﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ﴾ لوط ﴿بَطْشَتَنَا﴾ أخذتنَا بالعذاب. ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ شَكُّوا في الإنذار. * * * ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ﴾ ليخبثوا بهم، فصدهم وأغلق بابه، فعالجوا فتحه، فقالت الملائكة: خَلِّ بيننا وبينهم، ففتحه، فصفقهم جبريل بجناحه. ﴿فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ مسحناها، فصاروا عميًا لا يبصرون، فثَمَّ قالت الملائكة إخبارًا عنه تعالى: ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: وما أنذركم به لوط. * * * ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً﴾ نصب على الظرف، وصرفت؛ لتنكيرها؛ أي: حل بهم وقتَ الصبح ﴿عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ دائم متصل. * * * ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ﴾.

القمر 54:40

﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ كرر ذلك في كل قصة؛ لأن التخويف والوعظ متى كررا، كانا أوقع في القلوب، وأردع للنفوس. * * * ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ هما موسى وهارون. واختلاف القراء في الهمزتين من (جاءَ آلَ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ) في سورة الحج [الآية: ٦٥]. * * * ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿كَذَّبُوا﴾ أي: كذب فرعون وقومه ﴿بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ يعني: الآيات التسع، وهي: اليد، والعصا، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، وحل عقدة من لسانه، وانفلاق البحر. ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ﴾ بالعذاب ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ﴾ غالب في انتقامه ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر على إهلاكهم. * * * ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿أَكُفَّارُكُمْ﴾ يا قريش ﴿خَيْرٌ﴾ أشد وأعظم ﴿مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ المذكورين من قوم نوح إلى فرعون؟! وهذا استفهام بمعنى الإنكار.

القمر 54:44

﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ﴾ من العذاب ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ أي: الكتب أنه لن يصيبكم ما أصاب الأمم الخالية. * * * ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿أَمْ يَقُولُونَ﴾ جهلًا منهم ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ﴾ أي: جماعة أمرنا مجتمع ﴿مُنْتَصِرٌ﴾ أي: ممتنع لا نُضام، ووحد منتصر؛ لأنه وصف للفظ (جميع). * * * ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾. [٤٥] ولما قال أبو جهل يوم بدر: إنا جمع منتصر، نزل: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ (١) قرأ روح، وزيد عن يعقوب: (سَنَهْزِمُ) بالنون مفتوحة وكسر الزاي ونصب (الجمعَ) مفعولًا، وقرأ الباقون: بالياء (٢) ورفعها (الجمعُ) رفع على غير تسمية الفاعل، المعنى: ينصر تعالى رسوله، ويهزم جمع المشركين. ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ أي: الأدبار، وإفراده لإرادة الجنس، فهزموا ببدر. (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٧/ ١٠٩)، عن ابن عباس رضي الله عنهما. وانظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ١٧٠). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٧٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٠).

القمر 54:46

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ بالتعذيب ﴿وَالسَّاعَةُ﴾ أي: عذابها. ﴿أَدْهَى﴾ أعظم داهية ﴿وَأَمَرُّ﴾ أشدُّ مرارة من الأسر والقتل يوم بدر. * * * ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين. ﴿فِي ضَلَالٍ﴾ في الدنيا ﴿وَسُعُرٍ﴾ نيران في العقبى. * * * ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾. [٤٨] وسعر مظروف ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ ويقال لهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ أي: حر النار؛ فإن مسها سبب للتألم بها، وسقر: علم لجهنم، ولذلك لم يصرف. * * * ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ﴾ نصب لفعل يفسره ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بتقدير سابق. * * * ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَمَا أَمْرُنَا﴾ بشيء نريد تكوينه.

القمر 54:51

﴿إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ أي: كلمة واحدة ﴿كَلَمْحٍ﴾ كنظر سريع ﴿بِالْبَصَرِ﴾ بالعين. * * * ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٥١)﴾. [٥١] ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ أشباهكم في الكفر ممن قبلكم (١). ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ فيخاف. * * * ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ﴾ مبتدأ، نعته ﴿فَعَلُوهُ﴾ أي: العباد، مكتوب خبره. ﴿فِي الزُّبُرِ﴾ في كتب الحفظة. * * * ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ من الخلق وأعمالهم وآجالهم. ﴿مُسْتَطَرٌ﴾ مكتوب محفوظ. * * * ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ﴾ بساتين ﴿وَنَهَرٍ﴾ أي: أنهار، وتوحيده على أنه اسم الجنس، وهي أنهار الماء واللبن والعسل والخمر في الجنة. (١) "ممن قبلكم" زيادة من "ت".

القمر 54:55

﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ مكان مرضي مُقرَّبين. قرأ أبو عمرو: (مَقْعَد صِّدْقٍ) بإدغام الدال في الصاد (١). ﴿عِنْدَ مَلِيكٍ﴾ عزيز الملك ﴿مُقْتَدِرٍ﴾ قادر (٢) لا يعجزه شيء، وهذا إشارة إلى الرتبة والقربى، والله أعلم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦١)، و"القراءات الشاذة" لابن خالويه (ص: ١٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٢). (٢) "قادر" زيادة من "ت".

الرحمن 55:1

سورة الرحمن عز وجل مكية على الأصح، نزلت حين قالت قريش بمكة: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان: ٦٠]، وفي السيرة: أن ابن مسعود جهر بقراءتها في المسجد حتى قامت إليه أندية قريش، فضربوه، وذلك قبل الهجرة (١)، وآيها: ثمان وسبعون آية (٢)، وحروفها: ألف وست مئة وثلاثون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وإحدى وخمسون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿الرَّحْمَنُ (١)﴾. [١] ﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبالغة الرحمة، وهو اسم لا يوصف به غيره سبحانه، وقال الجمهور: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ جزء آية، وهو مبتدأ. * * * ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾. [٢] خبره ﴿عَلَّمَ﴾ محمدًا - ﷺ - ﴿الْقُرْآنَ﴾ بواسطة جبريل عليه السلام، (١) انظر: "السيرة النبوية" لابن هشام (١/ ٣١٤)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ١٥١). (٢) في "ت": "سبعون وثمان آيات".

الرحمن 55:3

وقيل: مَنَّ به وعلَّمه الناسَ، وخص حفاظه وفهمته بالفضل، قال - ﷺ -: "خيركم من تعلَّمَ القرآن وعلَّمه" (١). قرأ ابن كثير: (الْقُرانَ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢). * * * ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾. [٣] ومن الدليل على أن القرآن غير مخلوق: أن الله تعالى ذكره في كتابه العزيز في أربعة وخمسين موضعًا، ما فيها موضع صرح فيه بلفظ الخلق، ولا أشار إليه، وذكر الإنسان في ثمانية عشر موضعًا، كلها نصَّ (٣) على خلقه، وقد اقترن ذكرهما في هذه السورة على هذا النحو ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ هو آدم عليه السلام. * * * ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾. [٤] ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ أسماء كل شيء، والبيان: هو إظهار المعنى وإيضاحه عما كان مستورًا قبله، وقيل: المراد بالإنسان: اسم الجنس، وبالبيان: النطق والفهم والإبانة عن ذلك، وذلك هو الذي ميز به من سائر الحيوان، وهذه الأفعال الثلاثة مع ضمائرها أخبار مترادفة للرحمن، وإخلاؤها من العاطف لمجيئها على نمط التعديد؛ كما تقول: زيد أغناك (١) رواه البخاري (٤٧٣٩)، كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن، من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه. (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٥). (٣) في "ت": "نصبٌ".

الرحمن 55:5

بعد فقر، أعزك بعد ذل، كثَّرك بعد قلة، فعل بك ما لم يفعل أحد بأحد، فما تنكر من إحسانه. * * * ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾. [٥] ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ رفع بالابتداء، وهذا ابتداء تعديد نِعَم، المعنى: الشمس والقمر يجريان ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ بحساب معلوم، ومنازل معدودة؛ ليعرف الإنسان بذلك الأوقات، والحسبان -بالضم-: مصدر حَسَبْتُ الحساب -بفتح السين- أحسُبه -بضمها- حَسْبًا وحِسابًا وحِسْبَة. * * * ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾. [٦] ﴿وَالنَّجْمُ﴾ ما ليس له ساق من النبات؛ كاليقطين، وقيل: المراد: نجوم السماء. ﴿وَالشَّجَرُ﴾ ماله ساق تبقى في الشتاء ﴿يَسْجُدَانِ﴾ وسجودهما سجود ظلهما، وفي النجم بالغروب ونحوه، وثنى ضمير (يسجدان) نظرًا إلى لفظهما، وسمي نجمًا؛ لأنه نَجَمَ؛ أي: ظهر وطلع، وسمي الشجر؛ من اشتجار غصونه، وهو تداخلها. * * * ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَالسَّمَاءَ﴾ نصب بفعل يفسره ﴿رَفَعَهَا﴾ سقفًا لمصالح العباد. ﴿وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ أمر بالعدل.

الرحمن 55:8

﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)﴾. [٨] ﴿أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ لئلا تجاوزوا العدل. * * * ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾. [٩] ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ﴾ أي: وزنكم بالميزان المعروف ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل. ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ لا تنقصوا الموزون، خسرت الشيء -بالفتح-، وأخسرته: نقصته. * * * ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَالْأَرْضَ﴾ نصب بفعل يفسره. ﴿وَضَعَهَا﴾ بسطها ﴿لِلْأَنَامِ﴾ الخلق الذين بثهم فيها. * * * ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾. [١١] ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ يعني: أنواع الفواكه ﴿وَالنَّخْلُ﴾ عطف على (فاكهةٌ). ﴿ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ أوعية ثمر النخل، وهو الطلع، جمع كِمّ، وكل ما ستر شيئًا، فهو كم، ومنه كُمُّ القميص.

الرحمن 55:12

﴿وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَالْحَبُّ﴾ هو البر والشعير ونحوهما ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾ التبن وورق النبات اليابس. ﴿وَالرَّيْحَانُ﴾ هو الرزق في قول ابن عباس والأكثرين، وقيل: هو المشموم. قرأ ابن عامر: (والْحَبَّ ذا الْعَصْفِ والرَّيْحانَ) بنصب الثلاثة الأسماء عطفًا على (الأرض)؛ أي: وضع الأرض، وخلق الحب، وخلق الريحان، وكذا كتب (ذا الْعَصْفِ) في المصحف الشامي بالألف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (والْحَبُّ) (١) و (ذُو) بالرفع، (والرَّيْحانِ) بخفض النون عطفًا على (الْعَصْفِ)، وقرأ الباقون: برفع الأسماء الثلاثة عطفًا على (النَّخْلُ) (٢)؛ أي: والحب ذو العصف، وذو الريحان، فحذف (ذو)، وأقيم (الريحان) مقامه، و (ذُو الْعصْفِ) في مصاحفهم بالواو، فذكر تعالى قوت الناس والأنعام. * * * ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾. [١٣] ثم خاطب الجن والإنس فقال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ﴾ جمع أَلَى؛ كقفا؛ أي: بأي أنعم ﴿رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ روى الأصبهاني عن ورش: [(فَبِأَيِّ) (١) "والحب" زيادة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦١٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٦).

الرحمن 55:14

بالإبدال حيث وقع بالفاء، واختلف عنه فيما تجرد عن الفاء نحو] (١) (بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ)، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمز (٢)، وكررت هذه الآية إحدى وثلاثين مرة؛ تقريرًا للنعمة، وتذكيرًا بها، وتوبيخًا لمنكريها، ومن عادة العرب إذا ذكروا النعم أن يفصلوا بين كل نعمتين بما ينبه عليهما؛ نحو: ألم تكن فقيرًا فأغنيتك، أفتنكر هذا؟ [ألم تكن جائعًا فأطعمتك، أفتنكر هذا] (٣)؟ * * * ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾. [١٤] ويدل على أنه خطاب للثقلين قوله بعد: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ من طين يابس له صلصلة ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ كالطين المطبوخ، نعت لصلصال، المعنى: جعل آدم أولًا ترابًا، ثم طينًا، ثم حمأً مسنونًا، ثم صلصالًا. * * * ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾. [١٥] ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ﴾ هو أبو الجن (٤). (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٧). (٣) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٤) جاء على هامش "ت": "الجان بنو الجن، عن الضحاك، أو هو مسيخ الجن كما =

الرحمن 55:16

﴿مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ هو لهب النار الصافي الذي لا دخان فيه. * * * ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٦)﴾. [١٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما أفاض عليكما في أطوار خلقتكما حتى صيركما أفضل المركبات؟ ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾. [١٧] ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ يعني: مشرقي الصيف والشتاء ومغربيهما، وتقدم الكلام عليهما، وعلى قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [الشعراء: ٢٨] ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] في أول سورة الصافات. * * * ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٨)﴾. [١٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما في ذلك من الفوائد التي لا تحصى؛ كاعتدال الهواء، واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه. = أن القردة والخنازير مسيخ الإنس، عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أو بنو إبليس كما قاله الحسن وعطاء وقتادة ومقاتل رحمهم الله تعالى كذا في "شذور العقود" لابن الجوزي........ قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾ الآية، وفي الأولين نظر....... ".

الرحمن 55:19

﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩)﴾. [١٩] ﴿مَرَجَ﴾ أرسل ﴿الْبَحْرَيْنِ﴾ الملحَ والعذبَ متجاورين. ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾ لا فصل بينهما في رأي العين. * * * ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢١)﴾. [٢٠] ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ﴾ حاجز من قدرة الله تعالى. ﴿لَا يَبْغِيَانِ﴾ لا يختلطان، ولا يطغيان على الناس بالغرق. [٢١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. * * * ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾. [٢٢] ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، ويعقوب: (يُخْرَجُ) بضم الياء وفتح الراء مجهولًا، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الراء معلومًا (١)، وثنى الضمير، وإنما يخرجان من الملح؛ لأنهما لما التقيا، صارا كالشيء الواحد. ﴿اللُّؤْلُؤُ﴾ الدر. قرأ أبو جعفر، وأبو عمرو: (اللَّوْلُؤُ) بإبدال الهمز الأول، وهو الساكن، فيسكنان الواو، والباقون: بالهمز (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٨٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٠ - ٣٨١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٧ - ٤٨). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠ - ٣٩٤)، و"معجم =

الرحمن 55:23

﴿وَالْمَرْجَانُ﴾ الخرز الأحمر، قال ابن عباس: "إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف أفواهها، فحيثما وقعت قطرة كانت لؤلؤة" (١). [٢٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. * * * ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ﴾ السفن. قرأ يعقوب: (الْجَوارِي) بإثبات الياء وقفًا، وحذفها الباقون في الحالين، وأمال الدوري عن الكسائي فتحة الواو ﴿الْمُنْشَآتُ﴾ صفة الجواري. قرأ حمزة، وأبو بكر عن عاصم بخلاف عنه: بكسر الشين؛ أي: المحدِثاتُ السيرَ، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: المرفوعات، وهي التي رفع خشبها بعضها على بعض ﴿فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ كالجبال، جمع عَلَم. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ من خلق مواد السفن والإرشاد إلى أخذها. = القراءات القرآنية" (٧/ ٤٨). (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٧/ ١٣٢). وانظر: "الدر المنثور" للسيوطي (٧/ ٦٩٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٤٩).

الرحمن 55:26

﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾. [٢٦] ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: الأرض (١) ﴿فَانٍ﴾ هالك. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (فانِي) و (آنِي) و (دانِي). * * * ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ﴾ أي: ذات ﴿رَبِّكَ﴾ ويعبر بالوجه عن الجملة. ﴿ذُو﴾ صفة (وَجْهُ)، ومعنى ذي ﴿الْجَلَالِ﴾ الذي يعظمه ويجله المؤمنون (٢) عن سمات المحدثات ﴿وَالْإِكْرَامِ﴾ الذي يكرم عبيده بالنعمة عليهم. قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (والإِكْرامِ) بالإمالة حيث وقع (٣). ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يبقى وهو وجه ربك. * * * ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: الكلُّ محتاجون إليه ﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ (١) "أي: الأرض" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "الموحدون". (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٠).

الرحمن 55:30

نصب على الظرف ﴿هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي: كل حين ووقت يُحدِث أمورًا ويُجدد أحوالًا. ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يسعف به سؤالكما. ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (٣١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٢)﴾. [٣١] ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَيَفْرُغُ) بالياء؛ لقوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، و (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، و (وَلَهُ الْجَوَارِ)، فأتبع الخبر الخبر، وقرأ الباقون: بالنون (١) إخبارًا منه تعالى عن نفسه، وهو وعيد من الله سبحانه للخلق بالمحاسبة، وليس المراد منه الفراغ عن شغل؛ لأن الله تعالى لا يشغله شأن عن شأن. ﴿أَيُّهَ الثَّقَلَانِ﴾ الجن والإنس، سميا بذلك؛ لأنهما ثقلا الأرض أحياءً وأمواتًا، وكتب (أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ) في النور [الآية: ٣١] و (يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ) في الزخرف [الآية: ٤٩]، و (أَيُّهَ الثَّقَلاَنِ) هنا بغير ألف، وما سواها: (يَا أَيُّهَا)، و (يَا أَيَّتُهَا) بالألف. قرأ ابن عامر (أَيُّهُ) بضم الهاء على الإتباع لضمة الياء قبلها، وقرأ الباقون: بفتحها، ووقف أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٠ - ٥١).

الرحمن 55:32

(أَيُّهَا) بالألف على الأصل خلافًا للرسم، ووقف عليها الباقون بالحذف إتباعًا للرسم (١). [٣٢] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا﴾ تخْرُجوا ﴿مِنْ أَقْطَارِ﴾ أي: جوانب ﴿أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هاربين من قضائه تعالى ﴿فَانْفُذُوا﴾ فاخرجوا ﴿لَا تَنْفُذُونَ﴾ لا تقدرون على الخروج (٢) ﴿إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ بقوة وقهر، وأنى لكم ذلك؟! ... ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قدم هنا الجن على الإنس، وقال في سورة الإسراء ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ﴾ [الآية: ٨٨]، والتقديم يقتضي الأفضلية، ولكن الجن خلق قبل الأنس، ففي هذه السورة ترتيب الخلقة، لا ترتيب الفضيلة، وفي سورة الإسراء عكسه، وكذا قوله تعالى {شَهِدَ اللَّهُ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٠)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥١ - ٥٢). (٢) في "ت": "النفوذ".

الرحمن 55:35

أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ} [آل عمران: ١٨]، وأولو العلم أفضل من الملائكة، ولكن قدمهم لتقدم الخلقة. ... ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٦)﴾. [٣٥] ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ﴾ لهب بلا دخان. قرأ ابن كثير: بكسر الشين، والباقون: بضمها (١)، وهما لغتان، وجمع الضمير في (اسْتَطَعْتُمْ) نظرًا إلى معنى (الثَّقَلَيْنِ)، وثناه في (عَلَيْكُمَا) نظرًا إلى اللفظ (مِّن نَّار) صفة شواظ (وَنُحَاسٌ) هو الدخان. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بخفض السين عطفًا على النار، والباقون: بالرفع عطفًا على الشواظ (٢)، المعنى: إذا خرجتم من قبوركم، يرسل عليكما لهب خالص من النار ودخان يسوقانكما إلى المحشر ﴿فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ لا تمتنعان من ولوج النار. [٣٦] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ انفرجت فصارت أبوابًا لنزول الملائكة. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٢ - ٥٣). (٢) المصادر السابقة.

الرحمن 55:38

﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ أي: حمراء؛ من الورد المعروف ﴿كَالدِّهَانِ﴾ الأديم الأحمر، وألوانه تختلف، قال قتادة: إنها اليوم خضراء، ويكون لها يومئذ لون آخر إلى الحمرة. ... ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ مما يكون بعد ذلك. ... ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أي: يوم تنشق السماء ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ لأنهم يعرفون، فالمؤمن يعرف بغرته وتحجيله، والكفار بسيماهم على ما يأتي بعد. وعن ابن عباس في الجمع بين هذه الآية وبين قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] قال: "لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن يسألهم: لمَ عملتم كذا وكذا؟ "، وعنه أيضًا: "لا يُسألون سؤال شفاء وراحة، وإنما يُسألون سؤالَ تقريع وتوبيخ" (١). ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٩٠)، وعنده: "لا يسألون سؤال شفقة ورحمة".

الرحمن 55:40

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ بما أنعم على عباده المؤمنين في هذا اليوم. ... ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٢)﴾. [٤١] ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ بسواد الوجه وزرقة العيون ﴿فَيُؤْخَذُ﴾ المجرمُ ﴿بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾ أي: يجمع بين ناصيته وقدميه من وراء ظهره، ثم يلقى في جهنم. [٤٢] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] ثم يقال لهم: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ... ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾ بين النار يحترقون بها. ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ماءٍ حار بلغ النهاية في الحرارة يُصب عليهم. ***

الرحمن 55:45

﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فكل ما ذكر الله -عز وجل- من قوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ فإنه مواعظ وتخويف، وكل ذلك نعمة منه تعالى؛ لأنه يزجر عن المعاصي، ولذلك ختم كل آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾. [٤٦] ثم ذكر ما أعده لمن اتقاه وخافه، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ أي: مقامه بين يدي ربه للحساب (١) ﴿جَنَّتَانِ﴾ جنة عدن، وجنة النعيم. [٤٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (٤٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٩)﴾. [٤٨] ثم وصف الجنتين فقال: ﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾ أغصان، جمع فنن، وهو الغصن المستقيم طولًا. [٤٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (٥٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥١)﴾. [٥٠] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ في الأعالي والأسافل بالماء الزلال، إحداهما السلسبيل، والأخرى التسنيم. (١) "أي: مقامه بين يدي ربه للحساب" زيادة من "ت".

الرحمن 55:51

[٥١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٣)﴾. [٥٢] ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ صنفان: رطب، ويابس، ونحوهما. قرأ يعقوب: (فِيهُمَا) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١). [٥٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٥)﴾. [٥٤] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ﴾ جمع فراش ﴿بَطَائِنُهَا﴾ جمع بطانة، وهي التي تلي الظِّهارة. ﴿مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو ما غَلُظ من الديباج، وظهائرها من سندس، وهو ما رَقَّ منه، وقيل: إن الإستبرق فارسي معرب. قرأ ورش عن نافع، ورويس عن يعقوب: (مِنِ اسْتَبْرَقٍ) بحذف الألف وكسر النون لإلقاء حركة الهمزة عليها، والباقون: بإسكان النون وكسر الألف وقطعها (٢). ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ﴾ أي: ما يجتنى منهما، وهو الثمر. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٥). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٤٠٨ - ٤٠٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٦).

الرحمن 55:55

﴿دَانٍ﴾ قريب المتناوَل للقائم والقاعد والنائم. [٥٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٧)﴾. [٥٦] ﴿فِيهِنَّ﴾ أي: فيهما وفي غيرهما من الجنان ﴿قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ خافضات (١) الأعين من النظر إلى غير أزواجهن، ولا يردن غيرهم. ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ يمسسهن، والطمث: الجماع بالتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يُدْمِهن بالجماع. ﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ قرأ الكسائي بخلاف عنه: (يَطْمُثْهُنَّ) بضم الميم في هذا الحرف والحرف الثاني، وروي عنه التخيير في أحدهما، بمعنى أنه إذا ضم الأول كسر الثاني، وإذا كسر الأول ضم الثاني، والوجهان ثابتان عنه من التخيير وغيره، وقرأ الباقون: بالكسر (٢)، وفي هذا دليل على أن الجن يغشى كالإنسي. [٥٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... (١) في "ت": "غاضات". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٩٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٦ - ٥٧).

الرحمن 55:58

﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٥٩)﴾. [٥٨] ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ في حمرة الوجنة وبياض الوجه وصفائهما. عن رسول الله - ﷺ -: "لكلِّ رجلٍ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ سوقهن دون لحمها ودمها وجلدها" (١). وروي: أن المرأة تلبس سبعين حلة، فيرى ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء (٢) (٣). [٥٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦١)﴾. (١) رواه الترمذي (٢٥٢٢)، كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع، باب: (٦٠)، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. واللفظ الذي ساقه المؤلف هو للبغوي في "تفسيره" (٤/ ٢٧٥). (٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (٢٠٨٦٧)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٨٨٦٤)، عن ابن مسعود موقوفًا. ورواه البزار في "مسنده" (١٨٥٥)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٣٢١)، وفي "المعجم الأوسط" (٩١٥)، عن ابن مسعود مرفوعًا. وانظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (١٠/ ٤١١) و (١٠/ ٤١٨). (٣) في "ش": "لكل رجل منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، فيرى ساقها من ورائها كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء، ويرى مخ سوقهن دون لحمها ودمها وجلدها. كما روي أن المرأة تلبس سبعين حلة". وما أثبت من "ت"، وهو الموافق لمراجع التخريج.

الرحمن 55:60

[٦٠] ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ﴾ بالتوحيد (١) ﴿إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ بالجنة. [٦١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (٦٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٣)﴾. [٦٢] ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا﴾ أي: من دون الجنتين الأوليين؛ أي: أمامهما. ﴿جَنَّتَانِ﴾ أخريان فالأوليان جنتا السابقين، والأخريان (٢) جنتا أصحاب اليمين. [٦٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُدْهَامَّتَانِ (٦٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٥)﴾. [٦٤] ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ قد علا لونهما في دهمة وسواد من شدة الخضرة والري، نعت (جَنَّتَانِ). [٦٥] ﴿أبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (٦٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٧)﴾. [٦٦] ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ فوارتان بالماء لا ينقطعان. [٦٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... (١) "بالتوحيد" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "الأولتان" و"الأخرتان".

الرحمن 55:68

﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٦٩)﴾. [٦٨] ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ﴾ وعطف على (فاكهة) (وَنخلٌ وَرُمَّانٌ) وإن كانا منها؛ تخصيصًا وبيانًا لفضلهما، فكأنهما قد صارا جنسين آخرين نحو ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]؛ فإن ثمرة النخل فاكهة وغذاء، وثمرة الرمان فاكهة ودواء، واحتج به أبو حنيفة على أن من حلف لا يأكل فاكهة، فأكل رطبًا أو رمانًا، لم يحنث؛ لأنه لا يجعلهما من الفاكهة، وكذا الحكم عنده في العنب، وهذا من مفردات مذهبه؛ خلافًا لصاحبيه والأئمة الثلاثة. [٦٩] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧١)﴾. [٧٠] ﴿فِيهِنَّ﴾ يعني: الجنان الأربع ﴿خَيْرَاتٌ﴾ أي: خَيِّرات -بالتشديد-، فخفف؛ لأن خَيْرًا الذي بمعنى أَخْيَرَ لا يجمع، فلا يقال فيه: خيرون، ولا خيرات. ﴿حِسَانٌ﴾ المعنى: فاضلات حسنات خَلْقًا وخُلُقًا. [٧١] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٣)﴾. [٧٢] ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ مخدَّرات مستورات لا ينظرن إلى غير أزواجهن.

الرحمن 55:73

﴿فِي الْخِيَامِ﴾ جمع خيمة، وخيام الجنة بيوت اللؤلؤ، قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "هي دُرٌّ مجوف" (١)، ورواه ابن مسعود عن النبي - ﷺ -. [٧٣] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٧٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٥)﴾. [٧٤] ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ﴾ أي: قبل أصحاب الجنتين. ﴿وَلَا جَانٌّ﴾ كحور الأوليين، وتقدم تفسيره، ومذهب الكسائي فيه. [٧٥] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٧٧)﴾. [٧٦] ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ نصب على الاختصاص أو الحال ﴿عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ هو ما تدلَّى من الأسرة من عالي الثياب والبسط، وقيل: هي رياض الجنة، قال ابن عطية (٢): والأول أصوب وأبين (٣). (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٧/ ١٦١)، وابن أبي حاتم في "تفسيره " (١٠/ ٣٣٢٨). (٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٢٨). (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٣٦).

الرحمن 55:77

﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ هي بسط حسان فيها صور وغير ذلك، منسوب إلى عبقر، تزعم العرب أنه بلد الجن، فينسبون إليه كل شيء عجيب، وقيل: العبقري: هي الزرابي، واحدتها عبقرية، والطنافس الثخان، والعرب إذا استحسنت شيئًا واستجادته، قالت: عبقري، قال ابن عطية (١): ومنه قول النبي - ﷺ -: "فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا من الناس يَفْري فَرْيَهُ" (٢). [٧٧] ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾. ... ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٧٨)﴾. [٧٨] ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ تعالى اسمه من حيث إنه مطلق على ذاته، فما ظنك بذاته. ﴿ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. قرأ ابن عامر: (ذُو الْجَلاَلِ) بواو بعد الذال كالحرف الأول نعتًا للاسم، وكذلك هو في المصاحف الشامية، وقرأ الباقون: (ذِي الْجَلاَلِ) بياء بعد الذال نعتًا للربّ، وكذلك هو في مصاحفهم (٣)، وهذا الموضع مما أريد فيه بالاسم مسماه، قال - ﷺ -: "أَلِظُّوا (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٣٧). (٢) رواه البخاري (٣٤٣٤)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب عمر بن الخطاب، ومسلم (٢٣٩٣)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله عنه، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما. (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٢٩٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٩). بِيا ذا الجلالِ والإكرامِ" (١)، والدعاء بهاتين الكلمتين مرجو الإجابة، والله أعلم. ... (١) رواه الترمذي (٣٥٢٤)، كتاب: الدعوات، باب: (٩٢)، وقال: حديث غريب، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ورواه النسائي في "السنن الكبرى" (٧٧١٦)، والإمام أحمد في "المسند" (٤/ ١٧٧)، والحاكم في "المستدرك" (١٨٣٦)، وغيرهم من حديث ربيعة بن عامر رضي الله عنه.

الواقعة 56:1

سورة الواقعة مكية بإجماع من يعتد به من المفسرين، وقيل: فيها بعض آيات مدنية، وليس بثابت، وآيها: ست وتسعون آية، وحروفها: ألف وسبع مئة وثلاثة أحرف، وكلمها ثلاث مئة وثمان وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾. [١] ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قامت القيامة، وسماها واقعة؛ لتحقق وقوعها، وتنصب (إذا) بمضمر مثل (اذكرْ)، وقال بعض المفسرين: الواقعة: صخرة بيت المقدس تقع عند القيامة (١). ... ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾. [٢] ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا﴾ لمجيئها ﴿كَاذِبَةٌ﴾ كذب؛ يعني: أنها تقع صدقًا. ... (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٣٨)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٢٠٢)، و"روح المعاني" للآلوسي (٢٧/ ١٢٩)، قال ابن عطية: وهذا ضعيف. وقال الألوسي: وليس بشيء.

الواقعة 56:3

﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾. [٣] ﴿خَافِضَةٌ﴾ قومًا إلى النار ﴿رَافِعَةٌ﴾ آخرين إلى الجنة. ... ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾. [٤] وتبدل من ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ ﴿إِذَا رُجَّتِ﴾ حُرِّكت ﴿الْأَرْضُ رَجًّا﴾ تحريكًا شديدًا. ... ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾. [٥] ﴿وَبُسَّتِ﴾ فُتِّتتْ ﴿الْجِبَالُ بَسًّا﴾ فصارت كالدقيق المبسوس، وهو المبلول. ... ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾. [٦] ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً﴾ أي (١): غبارًا ﴿مُنْبَثًّا﴾ متفرقًا كالذي يرى في شعاع الشمس. ... ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾. [٧] ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا﴾ أصنافًا ﴿ثَلَاثَةً﴾. ... (١) "أي" ساقطة من "ت".

الواقعة 56:8

﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (٨)﴾. [٨] ثم فسر الأزواج فقال: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ الذين يؤتَون كتبَهم بأيمانهم، ثم عَجَّب نبيه - ﷺ - فقال: ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ كأنه قال: ماهم، وأي شيء هم؟! وقوله (فأصحابُ الميمنةِ) ابتداء، و (ما) ابتداء ثان، وأصحاب الميمنة خبر (ما)، والجملة خبر الابتداء الأول، في الكلام معنى التعظيم؛ كما تقول: زيد و (١) ما زيد؟! ... ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾. [٩] ﴿وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ الذين يؤتَونها بشمالهم. ﴿مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ وهم الذين يؤخذ بهم ذاتَ الشمال إلى النار، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤم (٢)، ومنه سمي الشام واليمن؛ لأن اليمن عن يمين الكعبة، والشام عن شمالها. ... ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾. [١٠] ﴿وَالسَّابِقُونَ﴾ إلى الإيمان من كل أمة هم ﴿السَّابِقُونَ﴾ إلى الجنة. ... (١) "و" ساقطة من "ت". (٢) في "ت": "الشومى".

الواقعة 56:11

﴿أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾. [١١] ﴿أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ إلى الله. ** ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾. [١٢] ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ قد أُعليت مراتبُهم. ... ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. [١٣] ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة كثيرة غير محصورة العدد ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: من الأمم الماضية من لدن آدم -عليه السلام- إلى زمان نبينا محمد - ﷺ -، واشتقاقها من الثَّلِّ، وهو القطع. ... ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. [١٤] ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يعني: أمة محمد - ﷺ -، ولا يخالف ذلك قوله -عليه السلام-: "إِنَّ أمتي يكثرون سائرَ الأُمم" (١)؛ لجواز أن يكون سابقو سائر الأمم أكثرُ من سابقي هذه الأمة، وتابعو هذه أكثر من تابعيهم، ولا يرده قوله في أصحاب اليمين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ لأن كثرة الفريقين لا ينافي أكثرية أحدهما، وروي مرفوعًا أنهما من هذه الأمة، وقيل: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ يعني: الأنبياء من آدم إلى محمد، ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ يعني: الصحابة؛ لأن الأولين هم الأنبياء السابقون، وهم مئة (١) قال المناوي في "الفتح السماوي" (٣/ ١٠٢٢): لم أقف عليه.

الواقعة 56:15

ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، فالصحابة بالنسبة إليهم قليل، وهذا قول حسن صحيح للمناظرة، المعنى: جماعة من المتقدمين والمتأخرين. ... ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾. [١٥] ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ منسوجة بالذهب مشتبكة بالدرِّ والياقوت. ... ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾. [١٦] ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ حالان من الضمير في (عَلَى). قرأ أبو جعفر: (مُتَّكِينَ) بإسكان الياء بغير همز، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ للخدمة ﴿وِلْدَانٌ﴾ غلمان ﴿مُخَلَّدُونَ﴾ مبقَون معهم. ... ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾. [١٨] ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ الكوب: إناء لا عروة ولا خرطوم له ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ هي آنية لها ذلك ﴿وَكَأْسٍ﴾ يشربونها من خمر جارية ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ منبع لا ينقطع أبدًا. ... ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿لَا يُصَدَّعُونَ﴾ لا يفرَّقون ﴿عَنْهَا﴾ بسكر ولا غيره كخمر الدنيا. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٥٦).

الواقعة 56:20

﴿وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ قرأ الكوفيون: بكسر الزاي؛ أي: لا يَنْفَد شربهم (١)، وقرأ الباقون: بالفتح (٢)؛ أي: لا تغلبهم على عقولهم. ... ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي: يختارون. ... ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ يتمنون، قال ابن عباس: "يخطر على قلبه لحمُ الطير، فيصير بين يديه على ما اشتهى (٣) " (٤). ... ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو جعفر: بخفض الاسمين عطفًا على (جَنَّاتِ النَّعِيمِ)؛ أي: هم في جنات النعيم، ومحادثةِ حور عين، وقرأهما الباقون: بالرفع (٥)؛ أي: وعندهم حورٌ عين وتفسير حور عين (٦) أي: بِيضٌ ضِخامُ العيون. (١) في "ت": "شرابهم". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٦٤ - ٦٥). (٣) في "ت": "أشهى". (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٠٤). (٥) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٠٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٦٥). (٦) "وتفسير حور عين" ساقط من "ت".

الواقعة 56:23

﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ المخزونُ في الصدف، وخص المكنون من اللؤلؤ؛ لأنه أصفى لونًا، وأبعدُ عن الغير. وتقدم مذهب أبي جعفر، وأبي عمرو في إبدال همزة (اللُّؤلُؤ) في سورة الرحمن [الآية: ٢٢]. ... ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي: إن هذه الرتب والنعم هي لهم بحسب أعمالهم؛ لأنه روي أن المنازل والقسم في الجنة هي منقسمة على قدر الأعمال، ونفس دخول الجنة هو برحمة الله وفضله، لا بعمل عامل. ... ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ باطلًا ﴿وَلَا تَأْثِيمًا﴾ إثمًا؛ أي: ما يُحدث الإثم. ... ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿إِلَّا قِيلًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: قولًا، وتبدل من (قِيلًا). ﴿سَلَامًا سَلَامًا﴾ أي: يفشون السلام بينهم، ويسلمون سلامًا بعد سلام، فلا يسمع إلا السلام. ***

الواقعة 56:27

﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾ هم المسلمون. ... ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾. [٢٨] ﴿فِي سِدْرٍ﴾ هو شجر النبق ﴿مَخْضُودٍ﴾ لا شوكَ فيه. ... ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾. [٢٩] ﴿وَطَلْحٍ﴾ هو الموز في قول أكثر المفسرين ﴿مَنْضُودٍ﴾ متراكم بالثمرة من أسفله إلى أعلاه. ... ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ أي دائم. ... ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾. [٣١] ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ﴾ يجري على الأرض أين شاؤوا بلا تعب. ... ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾. [٣٢] ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ كثيرة الأجناس. ***

الواقعة 56:33

﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ﴾ في زمن ﴿وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ عنهم. ... ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾. [٣٤] ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ على الأسرة، في الحديث: "ارتفاعُها كما بينَ السماء والأرض" (١). ... ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ ابتدأنا خلقهن، في الحديث: "هم اللواتي قُبضن في دار الدنيا عجائزَ شُمْطًا رُمْصًا" (٢) ﴿إِنْشَاءً﴾ خلقًا جديدًا. ... (١) رواه الترمذي (٣٢٩٤)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة، والإمام أحمد في "المسند" (٣/ ٧٥)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٤٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. قال الترمذي: وهذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رِشدين بن سعد. (٢) رواه الترمذي (٣٢٩٦)، كتاب: التفسير، باب: ومن تفسير سورة الواقعة، من حديث أنس، بلفظ: "إن من المنشآت التي كن في الدنيا عجائز عمشًا رمصًا"، قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث موسى بن عبيدة، وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.

الواقعة 56:36

﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. [٣٦] ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ بعد أن كنَّ عجائزَ ﴿أَبْكَارًا﴾ عذارى، كلما أتاهن أزواجهن، وجدوهن أبكارًا، ولا وجع ثَمَّ. ... ﴿عُرُبًا أَتْرَابًا﴾. [٣٧] ﴿عُرُبًا﴾ قرأ حمزة، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بإسكان الراء تخفيفًا، والباقون: بضمها على الأصل (١)، وهي جمع عَروب؛ أي: عواشق متحببات لأزواجهن ﴿أَتْرَابًا﴾ جمع تِرْب؛ أي: مستويات في السن، بنات ثلاث وثلاثين، وسن أزواجهن كذلك. قال - ﷺ -: "يدخل أهلُ الجنةِ الجنةَ جُرْدًا مُرْدًا بِيضًا جِعادًا مُكَحَّلين، أبناءَ ثلاث وثلاثين، على طول آدم، طوله ستون ذراعًا في سبعة أذرع" (٢). وروي أن الرجل يرى وجهه في وجه زوجته؛ لصفائه. وقيل: الضمير عائد على الحور العين المذكورات قبل، قال ابن عطية: وهذا فيه بعد؛ لأن تلك قصة قد انقضت جملة (٣). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٠٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٦٧). (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢٩٥)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤٠٠٦)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ورواه الترمذي (٢٥٤٥)، كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في سن أهل الجنة، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه بلفظ نحوه. (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٤٤).

الواقعة 56:38

﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. [٣٨] ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ هم المسلمون، واللام صلة (أَنْشَأْنَاهُنَّ). ... ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. [٣٩] ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة ﴿مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾. ... ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾. [٤٠] ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ وهاتان الفرقتان في أمة محمد - ﷺ -، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي - ﷺ - أنه قال: "الثلتان من أمتي" (١)، فعلى هذا: التابعون بإحسان، ومن جرى مجراهم ثلة أولى، وسائر الأمة ثلة أخرى في آخر الزمان، وقيل: الأولون سالف الأمم منهم جماعة عظيمة أصحاب يمين، والآخرون هذه الأمة منهم جماعة عظيمة أهل يمين، قال ابن عطية: بل جميعهم إلا من كان من السابقين (٢). ... ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ﴾ هم الكفار. ... (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٧/ ١٩١) وقال: من وجه غير صحيح. (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٤٥).

الواقعة 56:42

﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾. [٤٢] ﴿فِي سَمُومٍ﴾ ريح حارة من النار تنفذ في المسام ﴿وَحَمِيمٍ﴾ ماء في غاية الحر. ... ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾. [٤٣] ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ دخان أسود. ... ﴿لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾. [٤٤] ﴿لَا بَارِدٍ﴾ كغيره من الظلال ﴿وَلَا كَرِيمٍ﴾ حسن. ... ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ﴾ في الدنيا ﴿مُتْرَفِينَ﴾ منعَّمين. ... ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿وَكَانُوا يُصِرُّونَ﴾ يقيمون. ﴿عَلَى الْحِنْثِ﴾ الذنب ﴿الْعَظِيمِ﴾ بجعل الشريك لله تعالى. ... ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ محشورون،

الواقعة 56:48

قالوا ذلك على طريق الإنكار والتعجب. واختلف القراء في (أَئِذَا) (أَئِنَّا)، فقرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي، ويعقوب؛ بالاستفهام في الأول، والإخبار في الثاني، وقرأ الباقون: بالاستفهام فيهما، وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل، وإدخال الألف كما تقدم في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ واختلفوا في كسر الميم وضمها من (متنا)، فقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: بالكسر، والباقون: بالضم (١). ... ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾. [٤٨] ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ الأقدمون، وتقدم تفسيره، ومذاهب القراء فيه، وتوجيه قراءتهم في سورة الصافات. ... ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ثم أمر الله نبيه أن يُعْلِمهم بأن العالم محشور مبعوث إلى يوم القيامة، فقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ﴾. ... ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ﴾ وقت ﴿يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ هو يوم القيامة. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٦٨).

الواقعة 56:51

﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١)﴾. [٥١] ثم خاطب أهل مكة بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث. ... ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾ (مِنْ) الأولى لابتداء الغاية، والثانية لبيان الجنس، وتقدم ذكر شجرة الزقوم في سورة الصافات. ... ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾. [٥٣] ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا﴾ من جماعة الشجر، و (مِنْ) للتبعيض ﴿الْبُطُونَ﴾ من شدة الجوع. قرأ أبو جعفر: (فَمَالُونَ) بضم اللام بغير همز، والباقون: بكسر اللام والهمز. ... ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤)﴾. [٥٤] ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ على الزقوم؛ لغلبة العطش ﴿مِنَ الْحَمِيمِ﴾ الماء الحار. ... ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾. [٥٥] ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وعاصم، وحمزة:

الواقعة 56:56

(شُرْبَ) بضم الشين اسم للمشروب، والباقون: بالفتح على المصدر (١)، و (الهيم): إبل يصيبها داء يقال له الهيام، تشرب الماء فلا تروى، ولا تزال تشرب حتى تهلك. ... ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾. [٥٦] ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ رزقهم المعَدُّ لهم ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم الجزاء بأعمالهم. ... ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾. [٥٧] ثم احتج عليهم في البعث بقوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا﴾ فهلَّا (٢) ﴿تُصَدِّقُونَ﴾ بالبعث؛ لأنكم إذا نظرتم النظر الصحيح، علمتم أن القادر على الإنشاء قادرٌ على الإعادة. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾. [٥٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ تَصُبُّون في أرحام النساء من المني الذي يكون منه الولد. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٦٩). (٢) "فهلا" زيادة من "ت".

الواقعة 56:59

﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾. [٥٩] ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ تجعلون المني بشرًا ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) في الأحرف الأربعة كاختلافهم فيهما من (أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بآلِهَتِنَا) في سورة الأنبياء [الآية: ٦٢]. ... ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾. [٦٠] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا﴾ قرأ ابن كثير بتخفيف الدال، والباقون: بتشديدها (١)، وهما لغتان؛ أي: قضينا. ﴿بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ وأَقَّتنا موتَ كلٍّ بوقت معين ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بعاجزين. ... ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾. [٦١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ أي: نجعل ﴿أَمْثَالَكُمْ﴾ مكانكم ﴿وَنُنْشِئَكُمْ﴾ نخلقكم. ﴿فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ من أوصاف لا يصلُها علمُكم، ولا يحيط بها فكركم، قال الحسن: من كونهم قردة وخنازير، تأول هذا؛ لأن الآية تنحو إلى الوعيد (٢). ... (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٣)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧١). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٤٨).

الواقعة 56:62

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾. [٦٢] ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ الخلق في الرحم. وتقدم اختلاف القراء في (النَّشْأَة) في سورة العنكبوت [الآية: ٢٠]. ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا ﴿تَذَكَّرُونَ﴾ تعتبرون فتؤمنون. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (تَذْكُرُون) بتخفيف الذال، والباقون: بتشديدها (١). ... ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾. [٦٣] ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ تثيرون من الأرض، وتلقون فيها من البذر. ... ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾. [٦٤] ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ﴾ تنبتونه ﴿أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ المنبِتون. ... ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾. [٦٥] ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ فُتاتًا ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ تعجبون. قرأ البزي عن ابن كثير بخلاف عنه: (فَظَلْتُمُ تّفَكَّهُونَ) بتشديد التاء. ... (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧١).

الواقعة 56:66

﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾. [٦٦] ﴿إِنَّا﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم: (أَئِنَّا) بهمزتين محققتين، إحداهما استفهام إنكار للعذاب الواقع بهم، وقرأ الباقون: بهمزة واحدة إخبار بمعنى الإنكار والجحود أيضًا، والقول مضمر على القراءتين؛ أي: يقولون: إنا (١). ﴿لَمُغْرَمُونَ﴾ معذَّبون، والغرام: العذاب. ... ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. [٦٧] ﴿بَلْ نَحْنُ﴾ قوم ﴿مَحْرُومُونَ﴾ ممنوعون من الرزق. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾. [٦٨] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ العذبَ ﴿الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ أي: تشربونه. ... ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾. [٦٩] ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ السحاب ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ بقدرتنا. ... ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾. [٧٠] ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ شديد الملوحة، وتثبت اللام جوابًا (٢) لـ (لو) (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٠٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٢). (٢) في "ت": "وجوبًا".

الواقعة 56:71

في (لَجَعْلنَاهُ حُطَامًا)، وحذفت في هذا الحرف اختصارًا؛ لدلالة الموجودة عليها. ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمَ. ... ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾. [٧١] ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ تقدحونها من زندكم. ... ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾. [٧٢] ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ التي يُقدح منها النار، وهي المرخ والعفار، وتقدم ذكرهما في آخر سورة (يس) ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ الشجرةَ. قرأ أبو جعفر: (الْمُنْشُونَ) بإسكان الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (١). ... ﴿نحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)﴾. [٧٣] ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا﴾ أي: النارَ ﴿تذْكِرَةً﴾ لنار جهنم. ﴿وَمَتَاعًا﴾ منفعة ﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ أي: المسافرين الذين ينزلون القواء، وهي القفر. ... (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٢).

الواقعة 56:74

﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾. [٧٤] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ الباء زائدة؛ أي: نَرِّه ربك. ﴿الْعَظِيمِ﴾ والعظيم صفة للاسم، أو الرب. ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾. [٧٥] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ معناه: أقسم، و (لا) زائدة، وقيل: قوله: (فلا) رد لما قاله الكفار في القرآن أنه سحر وشعر وكهانة، معناه: ليس الأمر كما يقولون، ثم استأنف القسم فقال: أقسم. ﴿بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ قرأ السوسي عن أبي عمرو: (أُقْسِمْ) بإسكان الميم عند الباء حيث وقع، وتقدم الكلام عليه في الكهف، وقرأ حمزة والكسائي (١) وخلف: (بِمَوْقِعِ النُّجُومِ) بإسكان الواو من غير ألف على التوحيد، والباقون: بفتح الواو وألف بعدها على الجمع (٢)، والمراد: نجوم القرآن حين نزلت فإنه كان ينزل على رسول الله - ﷺ - متفرقًا نجومًا، وهذا قول ابن عباس، وقال جماعة: المراد: مغارب النجوم ومساقطها. ... ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾. [٧٦] ثم اعترض بين القسم وجوابه بموصوف وصفته، وهو: (١) "الكسائي" زيادة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٧)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٣).

الواقعة 56:77

﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ ثم اعترض بين الموصوف وصفته بقوله: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ لأن صفته ﴿عَظِيمٌ﴾. ... ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾. [٧٧] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ على الله؛ لكثرة ما فيه من التنزيه والمواعظ والأحكام. ... ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾. [٧٨] ﴿فِي كِتَابٍ﴾ صفة قرآن ﴿مَكْنُونٍ﴾ مَصون، وهو اللوح المحفوظ. ... ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾. [٧٩] ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ أي: ذلك الكتابَ المكنونَ ﴿إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ وهم الملائكة عليهم السلام الموصوفون بالطهارة، وقيل: قوله: ﴿لَا يَمَسُّهُ﴾ إخبار مضمنه النهي، وضمة السين تعود إلى القرآن؛ أي: لا يمس المصحف من بني آدم إلا الطاهرُ من الكفر والجنابة والحدث الأصغر، وضعَّفَ ابن عطية هذا القول (١). وأما حكم مسِّ المصحف بعلاقة (٢)، فقال أبو حنيفة: يجوز للجنب والمحدث والحائض حمل المصحف بعلاقة (٣)، ولا بأس أن يمسه (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٥٢). (٢) "بعلاقة" ساقطة من "ت". (٣) "بعلاقة" زيادة من "ت". بكمه، وقال مالك: لا يجوز لمحدث حدث الوضوء فما فوقه أن يمس المصحف، ولا يحمله بعلاقته، ولا على وسادة، ولا بأس بحمله (١) في خرجه وعدله، ولا بأس بحمل الصبيان المصاحف على غير طهارة، ولا تمسه حائض، وقال الشافعي: يحرم بالحدث والجنابة حمل المصحف، ومسُّ ورقه، وكذا جلده، وخريطة وصندوق فيهما مصحف، وما كتب لدرس قرآن؛ كلوح، والصبي المحدث لا يمنع، ويباح قلب ورقه بعود، وحمله في أمتعة، ويحرم بالحيض ما يحرم بالجنابة، وقال أحمد: يحرم على المحدث والجنب مس المصحف وبعضِه من غير حائل، حتى جلده وحواشيه (٢)، وهو أشبه؛ لشمول اسم المصحف له، وله حمله بعلاقته، وفي غلافه، وفي كمه، وتصفحه به، وبعود، ومسه من وراء حائل، ويباح لصغير مس لوح فيه قرآن، وحكمه في المصحف كالرجل، ولا تمسسه حائض مطلقًا. وأما قراءة القرآن للجنب والحائض، فقال أبو حنيفة: لا يجوز للجنب قراءة القرآن، ولا بأس أن يقرأ شيئًا منه ولا يريد به القرآن؛ كالبسملة، والحمدلة، والحائض كالجنب، وقال مالك: لا يجوز للجنب أن يقرأ الكثير من القرآن، ولا بأس بقراءة اليسير؛ كالآية والآيتين ونحوهما، وعنه في قراءة الحائض روايتان: المشهور جواز القراءة لها، وقال الشافعي: يحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن، ويحل أذكاره بغير قصد قرآن، وقال أحمد: يجوز للجنب قراءة بعض آية، ولو كرر، ما لم يتحيل (٣) (١) "بحمله" زيادة من "ت". (٢) "وحواشيه" زيادة من "ت". (٣) في "ت": "يحتمل".

الواقعة 56:80

على قراءة محرم عليه، وله قولٌ ذكر وما وافق قرآنًا ولم يقصده، ويحرم على الحائض مطلقًا. ... ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾. [٨٠] ﴿تَنْزِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: القرآن منزَّلٌ. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سمي المنزل تنزيلًا على اتساع اللغة، كما يقال للمقدور: قَدَر، وللمخلوق: خَلْق، على قول من يجيزه، وتقدم الكلام في ذلك في سورة الزمر. ... ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١)﴾. [٨١] ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ أي: القرآن. ﴿أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ متهاونون مكذبون، وأصله الجري في الباطل خداعًا. ... ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾. [٨٢] ونزل لما قيل: مطرنا بنوء كذا: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ شكركم. ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: تجعلون شكر رزقكم التكذيبَ. قال - ﷺ -: "ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريقٌ من الناس بها كافرين، ينزل الله الغيث، فيقولون: بكوكب كذا وكذا" (١)، فالسنة أن يقول: مُطرنا بفضل الله وبرحمته. (١) رواه مسلم (٧٢)، كتاب: الإيمان، باب: بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الواقعة 56:83

﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾. [٨٣] ﴿فَلَوْلَا﴾ فهلَّا ﴿إِذَا بَلَغَتِ﴾ الروحُ ﴿الْحُلْقُومَ﴾ الحلقَ. ... ﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤)﴾. [٨٤] ﴿وَأَنْتُمْ﴾ يا حاضري الميت ﴿حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ إليه ولا تنفعونه. ... ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥)﴾. [٨٥] ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾ علمًا وقدرة منكم ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ الملائكة. ... ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦)﴾. [٨٦] ﴿فَلَوْلَا﴾ كررت للتأكيد ﴿إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ مملوكين أذلاء. ... ﴿تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾. [٨٧] ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ أي: تردون الروح إلى الجسد بعد بلوغ الحلقوم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تدعون من عدم القدرة عليكم، فأجاب عن قوله: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ وعن قوله: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ بجواب واحد، ومثلُه قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨] أجيبا بجواب واحد.

الواقعة 56:88

﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨)﴾. [٨٨] ثم بين طبقات الخلق عند الموت، وبين درجاتهم، فقال: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميتُ ﴿مِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ إلى رحمة الله تعالى. ... ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩)﴾. [٨٩] وجواب (أَمّا): ﴿فَرَوْحٌ﴾ قرأ رويس عن يعقوب: (فَرُوحٌ) بضم الراء؛ أي: فله حياة طيبة لا موت فيها، وقرأ الباقون: بالفتح (١)؛ أي: فله راحة من كل تعب. ﴿وَرَيْحَانٌ﴾ رزق طيب ﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ ذات تنعم، وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (وَجَنَّهْ) بالهاء. ... ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠)﴾. [٩٠] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميتُ [﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. ... ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾. [٩١] ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ يا محمد ﴿مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ أي: سلامة لك من الاغتمام لهم، فلا ترى فيهم إلا السلامة من العذاب] (٢). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣١٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٦/ ٧٤ - ٧٥). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

الواقعة 56:92

﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)﴾. [٩٢] ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ﴾ الميت ﴿مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ﴾ وهم الكفار أصحاب الشمال والمشأمة. ... ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾. [٩٣] ﴿فَنُزُلٌ﴾ هو أول شيء يُقدم للضيف ﴿مِنْ حَمِيمٍ﴾. ... ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾. [٩٤] ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ قرأ أبوعمرو: (وَتَصْلِيَة جَّحِيمٍ) بإدغام التاء في الجيم (١)، والتصلية: أن يباشر بهم النار، والجحيم: معظم النار وحيث تراكمها. ... ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾. [٩٥] ولما كمل تقسيم أحوالهم، وانقضى الخبر بذلك، أكد تعالى الأخبار بأن قال لنبيه - ﷺ - مخاطبة تدخل معه أمته فيها: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ الذي أخبرنا به ﴿لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ عبارة فيها مبالغة؛ لأنها بمعنى واحد؛ كما تقول في أمر تؤكده: هذا يقين اليقين، أو صواب (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٥).

الواقعة 56:96

الصواب؛ بمعنى: أنه نهاية الصواب، فهي عبارة مبالغة وتأكيد، معناها: أن هذا الخبر هو نفس اليقين وحقيقته. ... ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾. [٩٦] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ هذه عبارة تقتضي الأمر بالإعراض عن أقوال الكفار، وسائر أمور الدنيا المختصة بها، وبالإقبال على أمور الآخرة، وعبادة الله والدعاء إليه. وروي أنه لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال - ﷺ -: "اجعلوها في ركوعكم، فلما نزل ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم" (١)، وكان - ﷺ - يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى" (٢). واختلف الأئمة في ذلك، فقال أحمد: هو واجب تبطل الصلاة بتركه عمدًا، ويسجد لتركه سهوًا، والواجب عنده مرة واحدة، وأدنى الكمال ثلاث، وقال أبو حنيفة والشافعي: هو سنة، وقال مالك: يكره لزوم ذلك؛ (١) رواه أبو داود (٨٦٩)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، وابن ماجه (٨٨٧)، كتاب: الصلاة، باب التسبيح في الركوع والسجود، من حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه. (٢) رواه أبو داود (٨٧١)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، والترمذي (٢٦٢)، كتاب: الصلاة، باب ما جاء في التسبيح في الركوع والسجود، والنسائي (١٠٠٨)، كتاب: الافتتاح، باب: تعوذ القارئ إذا مرَّ بآية عذاب، من حديث حذيفة -رضي الله عنه-. لئلا يعد واجبًا فرضًا، والاسم هنا بمعنى الجنس؛ أي: بأسماء ربك، والعظيم: صفة الرب. روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: "من داومَ على قراءةِ سورة الواقعة لم يفتقرْ أبدًا" (١)، قال ابن عطية: فيها ذكر القيامة، وحظوظ الناس في الآخرة، وفهم ذلك غنىً لا فقر معه، ومن فهمه، شغل بالاستعداد (٢)، والله أعلم. ... (١) رواه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢٤٩٧)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٣/ ١٨٨)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. قال البيهقي: تفرد به شجاع أبي طيبة. والحديث إسناده ضعيف، ومتنه منكر. وانظر: "تخريج أحاديث الكشاف" للزيلعي (٣/ ٤١٣ - ٤١٤) وبيان وجوه ضعف هذا الحديث. (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٣٨).