Lafzullah

فتح الرحمن في تفسير القرآن — الحديد 57:1 – المعارج 70:44

المؤلف / المصدر: أبو اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن العليمي الحنبلي (ت 928هـ) — تحقيق: نور الدين طالب · دار النوادر (إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُون الإِسلامِيّة - إدَارَةُ الشُؤُونِ الإِسلاَمِيّةِ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-557)

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:5
  4. الحديد 57:7
  5. الحديد 57:9
  6. الحديد 57:10
  7. الحديد 57:11
  8. الحديد 57:12
  9. الحديد 57:13
  10. الحديد 57:14
  11. الحديد 57:15
  12. الحديد 57:16
  13. الحديد 57:17
  14. الحديد 57:19
  15. الحديد 57:20
  16. الحديد 57:21
  17. الحديد 57:22
  18. الحديد 57:24
  19. الحديد 57:25
  20. الحديد 57:26
  21. الحديد 57:28
  22. الحديد 57:29
  23. المجادلة 58:1
  24. المجادلة 58:2
  25. المجادلة 58:3
  26. المجادلة 58:4
  27. المجادلة 58:5
  28. المجادلة 58:6
  29. المجادلة 58:8
  30. المجادلة 58:9
  31. المجادلة 58:10
  32. المجادلة 58:11
  33. المجادلة 58:12
  34. المجادلة 58:14
  35. المجادلة 58:15
  36. المجادلة 58:19
  37. المجادلة 58:20
  38. الحشر 59:1
  39. الحشر 59:3
  40. الحشر 59:4
  41. الحشر 59:7
  42. الحشر 59:8
  43. الحشر 59:10
  44. الحشر 59:11
  45. الحشر 59:13
  46. الحشر 59:15
  47. الحشر 59:17
  48. الحشر 59:18
  49. الحشر 59:20
  50. الحشر 59:22
  51. الحشر 59:24
  52. الممتحنة 60:1
  53. الممتحنة 60:2
  54. الممتحنة 60:3
  55. الممتحنة 60:4
  56. الممتحنة 60:5
  57. الممتحنة 60:6
  58. الممتحنة 60:8
  59. الممتحنة 60:9
  60. الممتحنة 60:11
  61. الممتحنة 60:12
  62. الممتحنة 60:13
  63. الصف 61:1
  64. الصف 61:3
  65. الصف 61:5
  66. الصف 61:7
  67. الصف 61:8
  68. الصف 61:10
  69. الصف 61:12
  70. الصف 61:14
  71. الجمعة 62:1
  72. الجمعة 62:3
  73. الجمعة 62:5
  74. الجمعة 62:6
  75. الجمعة 62:9
  76. الجمعة 62:10
  77. الجمعة 62:11
  78. المنافقون 63:1
  79. المنافقون 63:2
  80. المنافقون 63:3
  81. المنافقون 63:5
  82. المنافقون 63:6
  83. المنافقون 63:8
  84. المنافقون 63:9
  85. التغابن 64:1
  86. التغابن 64:3
  87. التغابن 64:6
  88. التغابن 64:8
  89. التغابن 64:10
  90. التغابن 64:11
  91. التغابن 64:14
  92. التغابن 64:17
  93. الطلاق 65:1
  94. الطلاق 65:2
  95. الطلاق 65:3
  96. الطلاق 65:4
  97. الطلاق 65:5
  98. الطلاق 65:7
  99. الطلاق 65:9
  100. الطلاق 65:10
  101. الطلاق 65:12
  102. التحريم 66:1
  103. التحريم 66:2
  104. التحريم 66:3
  105. التحريم 66:4
  106. التحريم 66:5
  107. التحريم 66:6
  108. التحريم 66:7
  109. التحريم 66:9
  110. التحريم 66:11
  111. التحريم 66:12
  112. الملك 67:1
  113. الملك 67:3
  114. الملك 67:4
  115. الملك 67:5
  116. الملك 67:6
  117. الملك 67:9
  118. الملك 67:11
  119. الملك 67:14
  120. الملك 67:17
  121. الملك 67:18
  122. الملك 67:20
  123. الملك 67:24
  124. الملك 67:27
  125. الملك 67:28
  126. الملك 67:30
  127. القلم 68:1
  128. القلم 68:2
  129. القلم 68:5
  130. القلم 68:9
  131. القلم 68:12
  132. القلم 68:15
  133. القلم 68:17
  134. القلم 68:21
  135. القلم 68:24
  136. القلم 68:29
  137. القلم 68:33
  138. القلم 68:36
  139. القلم 68:40
  140. القلم 68:44
  141. القلم 68:46
  142. القلم 68:49
  143. القلم 68:52
  144. الحاقة 69:1
  145. الحاقة 69:2
  146. الحاقة 69:5
  147. الحاقة 69:8
  148. الحاقة 69:10
  149. الحاقة 69:13
  150. الحاقة 69:18
  151. الحاقة 69:19
  152. الحاقة 69:25
  153. الحاقة 69:29
  154. الحاقة 69:33
  155. الحاقة 69:38
  156. الحاقة 69:42
  157. الحاقة 69:44
  158. الحاقة 69:49
  159. المعارج 70:1
  160. المعارج 70:2
  161. المعارج 70:5
  162. المعارج 70:8
  163. المعارج 70:12
  164. المعارج 70:16
  165. المعارج 70:19
  166. المعارج 70:23
  167. المعارج 70:29
  168. المعارج 70:34
  169. المعارج 70:35
  170. المعارج 70:39
  171. المعارج 70:42
  172. المعارج 70:44

الحديد 57:1

سورة الحديد مدنية، وقيل: مكية، وآيها: تسع وعشرون آية، وحروفها: ألفان وأربع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلمها: خمس مئة وأربع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾. [١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ التسبيح هنا: هو التنزيه المعروف في قولهم: سبحان الله، وهو إخبار بصيغة الماضي مضمنه الدوام، وأن التسبيح مما ذكر دائم مستمر، وهو تسبيح حقيقة، وجاء في فاتحة هذه السورة، وفي الحشر، والصف على لفظ الماضي، وفي الجمعة والتغابن على لفظ المضارع، وذلك إشارة إلى أن تسبيح هذه الأشياء غير مختص بوقت دون وقت، بل كانت مسبحة أبدًا في الماضي، وستكون مسبحة أبدًا في المستقبل. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من جميع المخلوقات. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ بقدرته وسلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ بلطفه وتدبيره. ***

الحديد 57:2

﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)﴾. [٢] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: سلطانها الحقيقي الدائم؛ لأن ملك البشر مجاز ﴿يُحْيِي﴾ الموتى للبعث ﴿وَيُمِيتُ﴾ الأحياء ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تام القدرة. ... ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾. [٣] ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ السابق للأشياء قبل وجودها الذي ليس لوجوده بداية مفتتحه. ﴿وَالْآخِرُ﴾ الدائم الباقي بعد فناء الأشياء الذي ليس له نهاية منقضية. ﴿وَالظَّاهِرُ﴾ الغالب العالي على كل شيء. ﴿وَالْبَاطِنُ﴾ بلطفه وغوامض حكمته وباهي صفاته التي لا تصل إلى معرفتها على ما هي عليه الأوهام ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يستوي عنده الظاهر والخفي. ... ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾. [٤] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ تقدم القول فيها في سورة (فصلت)، قال بعض المفسرين: الأيام الستة من أيام القيامة، وقال الجمهور: بل من أيام الدنيا، قال ابن عطية: وهو الأصوب (١). (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٥٧).

الحديد 57:5

﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواءً يليق بعظمته، وتقدم الكلام فيه في سورة (طه)، وفي (الأعراف) أيضًا. ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ من المطر والأموات وغير ذلك ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ كالزرع ونحوه. ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ من الملائكة، والرحمة، والعذاب، وغير ذلك. ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الأعمال صالحها وسيئها. ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ بعلمه وقدرته وإحاطته. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه. ... ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)﴾. [٥] ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يتصرف فيه كما أراد. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ خبر يعم الموجودات. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب: (تَرْجِعُ) بفتح التاء وكسر الجيم، والباقون: بضم التاء وفتح الجيم (١). ... ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٦)﴾. [٦] ﴿يُولِجُ﴾ يُدخل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ فيه تنبيه على (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٩).

الحديد 57:7

العبرة فيما يتجاذبه الليل والنهار من الطول والقصر، وذلك متشعب (١) مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة، وذلك بحر من بحار الفكرة لمن تأمله. ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من الأسرار والمعتقدات، وذلك أغمض ما يكون. ... ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧)﴾. [٧] ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أمرٌ للمؤمنين بالثبوت على الإيمان. ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ من أموال متقدميكم، وفيه تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير للإنسان من غيره، ويتركها لغيره، روي أنها نزلت في غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك، والإشارة بقوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ إلى عثمان -رضي الله عنه-، وحكمها باق يندب إلى هذه الأفعال بقية الدهر. ... ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾. [٨] وقوله (٢): ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ ١) (١) "متشعب" زيادة من "ت". (٢) "وقوله" زيادة من "ت".

الحديد 57:9

توطئة لدعائهم، وإيجاب لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة، فإذا تقرر ذلك، فلا مانع من الإيمان، وهذا كما تريد أن تندب رجلًا إلى عطاء، فتقول له: أنت يا فلان من قوم أجواد، فينبغي أن تكرم، وهذا مطرد في جميع الأمور إذا أردت من أحد فعلًا خَلَّقته بخلق أهل ذلك الفعل، وجعلت له رتبتهم، فإذا تقرر في هؤلاء أن الرسول يدعوهم، وأنهم ممن أخذ ميثاقهم، فكيف يمتنعون من الإيمان. ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ بالإيمان حين الإخراج من ظهر آدم على ما مضى في سورة الأعراف. قرأ أبو عمرو: (أُخِذَ) بضم الهمزة وكسر الخاء مجهولًا، (مِيثَاقُكمُ) بالرفع فاعل، وقرأ الباقون: بفتح الهمزة والخاء، ونصب (مِيثَاقَكُمْ) مفعولًا (١)، والآخذ على كلِّ قول هو الله تعالى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن دمتم على ما بدأتم به. ... ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٩)﴾. [٩] ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ -. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يُنْزِلُ) بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون: بفتح النون وتشديد الزاي (٢) ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ يعني: القرآن. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٧٩). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٠).

الحديد 57:10

﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ الله بالقرآن (١) ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ حيث نبَّهكم بالرسل والآيات. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (لَرَؤُوفٌ) بالإشباع على وزن فَعول، والباقون: على وزن فَعُل (٢)، والرأفة: أشد الرحمة. ... ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأنتم تموتون وتتركون أموالكم ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيه زيادة تذكير بالله وعبرة، ثم بين فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله والجهاد فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ نزلت بسبب أن جماعة من الصحابة أنفقوا نفقات كثيرة حتى قال ناس: هؤلاء أعظم أجرًا من كل من أنفق قديمًا، فنزلت الآية مبينة أن النفقة قبل الفتح أعظمُ أجرًا، والمراد: فتح مكة الذي أزال الهجرة، وهذا هو المشهور الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -: "لا هجرةَ بعدَ الفتح، ولكن (١) "الله بالقرآن" زيادة من "ت". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٠).

الحديد 57:11

جهادٌ ونية" (١)، وروي أنها نزلت في أبي بكر -رضي الله عنه- ونفقاته (٢). ﴿أُولَئِكَ﴾ المنفقون قبل الفتح ﴿أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ أي: من بعد الفتح. ﴿وَكُلًّا﴾ من الفريقين ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ المثوبةَ ﴿الْحُسْنَى﴾ وهي الجنة. قرأ ابن عامر: (وَكُلٌّ) بالرفع مبتدأ، خبره (وَعَدَ)، وكذلك هو في المصاحف الشامية وقرأ الباقون: بالنصب، وكذلك هو في مصاحفهم (٣)، وهي الوجه؛ لأن وعد ليس يعوقه عائق عن أن ينصب المفعول المتقدم (٤). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يعلم ظاهره وباطنه فيجازيكم عليه. ... ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ من ذا الذي ينفق في سبيل الله رجاء أن يعوضه؟ والقرض الحسن: الإعطاء لله. ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ فيعطيه أجره أضعافًا مضاعفة. قرأ عاصم. (فَيُضَاعِفَهُ) بإثبات الألف بعد الضاد مخففًا ونصب الفاء، وقرأ ابن عامر، ويعقوب: (١) رواه البخاري (٢٦٣١)، كتاب: الجهاد، باب: فضل الجهاد والسير، ومسلم (١٣٥٣)، كتاب: الحج، باب: تحريم مكة، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-. (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٣)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٢٤٠). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٠ - ٨١). (٤) في "ت": "المقدم".

الحديد 57:12

بحذف الألف وتشديد العين ونصب الفاء، وقرأ ابن كثير، وأبو جعفر: بحذف الألف وتشديد العين ورفع الفاء، وقرأ الباقون: بإثبات الألف مخففًا ورفع الفاء (١)، فالقراءة بالنصب جواب الاستفهام؛ كأنه قال: أيقرض الله أحد فيضاعفه له؟ وبالرفع؛ أي: فهو يضاعفه. ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ هو الذي يقترن به رضا وإقبال. ... ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ العامل في (يَوْمَ) قوله: (وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)، والرؤية في هذه الآية رؤية عين. ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ وهو نور حقيقة؛ لأن كل مؤمن يُعطى يوم القيامة نورًا، فيطفأ نور كل منافق، ويبقى نور المؤمنين. ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ وخص بين الأيدي بالذكر؛ لأنه موضع حاجة الإنسان إلى النور. ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ أي: وعن أيمانهم، خص ذكر جهة اليمين تشريفًا، وناب ذلك مناب أن يقول: وفي جميع جهاتهم، وقيل: وبأيمانهم: كتبهم بالرحمة، وتقول لهم الملائكة: (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٨١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٢٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨١ - ٨٢).

الحديد 57:13

﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ أي: دخولُ جنات. ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ مخاطبة لمحمد - ﷺ -. ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. [١٣] وتبدل من ﴿يَوْمَ تَرَى﴾ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ قرأ حمزة: (أَنْظِرُونَا) بقطع الهمزة مفتوحة وكسر الظاء؛ بمعنى: أمهلونا، وقرأ الباقون: بوصل الهمزة وضم الظاء (١)؛ أي: انتظرونا نستضئ من نوركم، وابتداؤها لهم بضم الهمزة. ﴿قِيلَ﴾ أي: فيقول لهم المؤمنون: ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ﴾ طردًا لهم وتهكمًا. ﴿فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾ فاطلبوا لأنفسكم نورًا؛ فإنه لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فيرجعون، فلا يجدون شيئًا، فينصرفون إليهم ليلقوهم. ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ أي: حائل بين الجنة والنار، وقيل: هو الأعراف ﴿لَهُ﴾ أي: ولذلك السور ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ﴾ أي: داخل الباب من جهة المؤمنين (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٣).

الحديد 57:14

﴿فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ الجنة ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ خارجه ﴿مِنْ قِبَلِهِ﴾ أي: من جهة شقه الخارج نحو الكفار ﴿الْعَذَابُ﴾ وهو النار. وقال عبد الله بن عمر، وكعب الأحبار، وعبادة بن الصامت، وابن عباس: هو سور بيت المقدس الشرقي، وفيه باب يسمى باب (١) الرحمة، باطنه فيه المسجد الأقصى، وظاهره من جهة المشرق واد يقال له: وادي جهنم (٢). قال ابن عطية: وهذا القول في السور بعيد (٣)، والله أعلم. ... ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾. [١٤] ﴿يُنَادُونَهُمْ﴾ أي: ينادي المنافقون المؤمنين ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ في الدنيا؟ ﴿قَالُوا﴾: يعني المؤمنين ردًّا عليهم: ﴿بَلَى﴾ كنتم معنا ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ محنتموها بالنفاق. ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالمؤمنين الدوائر ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في أمر الله (١) "يسمى باب" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢٣/ ١٨٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٥). (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٦٢).

الحديد 57:15

﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ﴾ الكاذبة بطول الأمل. قرأ أبو جعفر: (الأَمَانِي) بإسكان الياء، والباقون: برفعها مشددًا (١). ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الموتُ، ودخولُ النار. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَمْرُ اللهِ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِك السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ) في سورة الحج [الآية: ٦٥]. ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ أي: غركم الشيطان بأن الله لا يعذبكم. ... ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾. [١٥] ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ بدل؛ بأن تنقذوا (٢) أنفسكم من العذاب. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (تُؤْخَذُ) بالتاء على التأنيث، والباقون: بالياء على التذكير (٣)؛ لأن الفداء بمعنى الفدية. ﴿وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم (٤) المشركون، والخطاب الأول للمنافقين. ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: أولى بكم ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ النارُ. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٤). (٢) في "ت": "تفدوا". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٤ - ٨٦). (٤) "وهم" ساقطة من "ت".

الحديد 57:16

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾. [١٦] ونزل عتابًا للمؤمنين: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ أي: يَحِنْ؛ من أنى يأني: إذا جاء إناه؛ أي: وقتُه. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ تعالى إذا ذكر، وتلين وتخضع؟ قال ابن عباس: "إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاثَ عشرةَ سنة من نزول القرآن" (١) ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن. قرأ نافع، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (نَزَلَ) بتخفيف الزاي، والباقون: بالتشديد (٢). ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل القرآن، وهم اليهود والنصارى. قراءة العامة: (وَلاَ يَكُونُوا) بالغيب عطفًا على (تَخْشَعَ)، وقرأ رويس عن يعقوب: بالخطاب (٣) التفاتًا أو نهيًا للمؤمنين عن مماثلة أهل الكتاب فيما حُكي عنهم. ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ﴾ أي: الزمانُ بطول أعمارهم ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ بميلهم (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٢٤٩). (٢) المصادر السابقة. (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٦).

الحديد 57:17

إلى الدنيا، وإعراضهم عن مواعظه تعالى ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطاعة. ... ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ هذا ضرب مثل، واستدعاء إلى الخير؛ أي: لا يبعد عنكم أيها التاركون للخشوع رجوعُكم إليه؛ فإن الله يحيي الأرض بعد موتها، فكذلك يفعل بالقلوب، يردها إلى الخشوع، وترجع هي إليه بعد نفورها منه؛ كما تحيا الأرض بعد أن كانت غبراء. ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ كي يكمل عقلكم. ... ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)﴾. [١٨] ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: بتخفيف الصاد فيهما؛ من التصديق بالإسلام، وقرأ الباقون: بتشديدها منهما (١)؛ من التصدُّق، وأصلُه: المتصدقين والمتصدقات، أدغمت التاء في الصاد. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٧).

الحديد 57:19

﴿وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ هو الصدقة بطيب نفس، وصحة نية على مستحقيها (١). ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ القرض. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (يُضَعَّفُ) بتشديد العين وحذف الألف قبلها، وقرأ الباقون: بإثبات الألف والتخفيف (٢). ﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ تقدم تفسيره في هذه السورة. ... ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ والصدِّيق: الكثيرُ الصدق، وهم ثمانية نفر من هذه الأمة سبقوا أهل الأرض في زمانهم إلى الإسلام: أبو بكر، وعلي، وزيد، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وحمزة، وتاسعهم عمر بن الخطاب، ألحقه الله بهم لما عرف من صدق نيته، وتم الكلام عند قوله: (هُمُ الصِّدِّيقُونَ)، ثم ابتدأ فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ مبتدأ، ظرفه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبره ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ أي: أجر ما عملوا من العمل الصالح ﴿وَنُورُهُمْ﴾ على الصراط، وهم الأنبياء الذين يشهدون على الأمم. (١) في "ت": "مستحقها". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٧).

الحديد 57:20

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ فيه دليل على أن الخلود في النار مخصوص بالكفار؛ لأن الصحبة تدل على الملازمة. ... ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (٢٠)﴾. [٢٠] ولما ذكر حال الفريقين في الآخرة، حقَّر أمر الدنيا، فقال: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ أي: إن الحياة الدنيا، و (ما) صلة؛ أي: الحياة في هذه الدار. ﴿لَعِبٌ﴾ باطل ﴿وَلَهْوٌ﴾ فرح، ثم ينقضي ﴿وَزِينَةٌ﴾ منظر يتزينون به ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ﴾ يفخر به بعضكم على بعض. ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ فازهدوا فيها، فما مثلها إلا. ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ أي: الزراع؛ لأنهم إذا ألقوا البذر في الأرض، كفروه؛ أي: غطَّوه ﴿نَبَاتُهُ﴾ الهاء للغيث؛ أي: أعجب الكفارَ ما نبت بالمطر. ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ ييبس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد خضرته. ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ فتاتًا ويفنى. ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ للكافرين ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ للمؤمنين.

الحديد 57:21

قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَرُضْوَانٌ) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ لمن ركن إليها، ولم يشتغل بطلب الآخرة. ... ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾. [٢١] ﴿سَابِقُوا﴾ سارِعوا ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ﴾ أي: السموات ﴿وَالْأَرْضِ﴾ لو وصل بعضها ببعض، ولم يذكر الطول؛ لأن عرض كل ذي عرض أقلُّ من طوله. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ قوله (أُعِدَّتْ) دليل على أنها مخلوقة الآن معدة. ﴿ذَلِكَ﴾ الموعود ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ من غير إيجاب. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ فلا يبعد منه التفضل بذلك، والمراد منه: التنبيه لأعظم (٢) حال الجنة، وذلك لأن ذا الفضل العظيم إذا أعطى عطاء مدح به نفسه، وأثنى بسببه على نفسه، فإنه لابد أن يكون ذلك العطاء عظيمًا. ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٨٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٨). (٢) في "ت": "على عظم".

الحديد 57:22

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ أي: ما حدث من حادث. ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ من قحط ونقص في النبات والثمار ﴿وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ كمرض وفقد ولد. ﴿إِلَّا﴾ مكتوبة ﴿فِي كِتَابٍ﴾ وهو اللوح المحفوظ. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ أي: نخلقها؛ يعني: المصيبةَ والأرضَ والأنفسَ. ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: تحصيل الأشياء كلها في كتاب. ... ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ معناه: فعل الله هذا كله، وأعلمكم به، ليكون سبب تسليمكم وقلة اكتراثكم بأمر الدنيا، فلا تحزنوا على فائت ﴿وَلَا تَفْرَحُوا﴾ الفرحَ المبطِرَ ﴿بِمَا آتَاكُمْ﴾ منها. قرأ أبو عمرو: (أَتَاكُمْ) بقصر الهمزة؛ لقوله: (فَاتَكُمْ)، فجعل الفعل له، وقرأ الباقون: بالمد (١)، أي: أعطاكم الله. ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متكبر بما أوتي من الدنيا ﴿فَخُورٍ﴾ به على الناس، فيه دليل على أن الفرح المنهي عنه إنما هو ما أدى إلى الاختيال (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٨ - ٨٩).

الحديد 57:24

والفخر، وأما الفرح بنعم الله، المقترنُ بالشكر والتواضع، فأمر لا يستطيع أحد دفعه عن نفسه، ولا حرج فيه. ... ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ بأموالهم وأفعالهم الحسنة من إيمانهم وغير ذلك، قيل: هو في محل الخفض على نعت المختال، وقيل: هو رفع بالابتداء، وخبره فيما بعده ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وهذا غاية الذم أن يبخل الإنسان، ويأمر غيره بالبخل. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (بِالْبَخَلِ) بفتح الباء والخاء، والباقون: بضم الباء وإسكان الخاء (١). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عما يجب عليه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه ﴿الْحَمِيدُ﴾ المحمود في ذاته. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (فَإِنَّ اللهَ الْغَنِيُّ) بغير (هو)، وكذا هو في مصاحف المدينة والشام، وقرأ الباقون بزيادة (هو)، وكذلك هو في مصاحفهم (٢). ... (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٩). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٨)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٢٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٨٩ - ٩٠).

الحديد 57:25

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا﴾ الملائكةَ إلى الأنبياء. قرأ أبو عمرو: (رُسْلَنَا) (بِرُسْلِنَا) بإسكان السين فيهما، والباقون: بضمها (١) ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج القواطع. ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ الوحي ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ العدلَ. ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ليتعاملوا بينهم بالعدل. ﴿وَأَنْزَلْنَا﴾ أخرجنا ﴿الْحَدِيدَ﴾ من المعادن؛ لأن العدل إنما يكون بالسياسة، والسياسة مفتقرة إلى العدة، والعدة مفتقرة إلى الحديد. ﴿فِيهِ بَأْسٌ﴾ قتال ﴿شَدِيدٌ﴾ لأنه يقاتل به ويمتنع ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فيما يحتاجون إليه. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾ أي: يعلمه موجودًا، فالتغيير ليس في علم الله، بل في هذا الحادث الذي خرج من العدم إلى الوجود ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ أي: دينَه بآلات الحرب في مجاهدة الكفار ﴿وَرُسُلَهُ﴾ أي: وينصر رسله ﴿بِالْغَيْبِ﴾ أي: بما سمع من الأوصاف الغائبة عنه، فآمن بها؛ لقيام الأدلة عليها، قال ابن عباس: "يَنصرونه ولا يُبصرونه" (٢). ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ في أمره ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٩٠). (٢) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٤٧٨).

الحديد 57:26

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ ذكر رسالتهما، تشريفًا لهما بالذكر، ولأنهما من أول الرسل، ثم ذكر نعمه على ذريتهما، فقال ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ يعني: الكتب الأربعة؛ فإنها جميعًا في ذرية إبراهيم عليه السلام. قرأ هشام (أَبْرَاهَاَم) بالألف، والباقون: بالياء، وقرأ نافع (النُّبُوءَةَ) بالمد والهمز، والباقون: بتشديد الواو بغير همز. ﴿فَمِنْهُمْ﴾ فمن الذرية ﴿مُهْتَدٍ﴾ روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُهْتَدِي) ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن الطاعة. ... ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ أَتْبعنا وأَرْدفنا؛ مأخوذ من القفا؛ أي: جاء بالثاني في قفا الأول ﴿عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وكان آخر نبي من بني إسرائيل، وأول أنبيائهم موسى عليه السلام. ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً﴾ وهي أشد الرحمة، وكانوا متوادِّين بعضهم لبعض؛ كما قال تعالى في وصف أصحاب النبي - ﷺ -: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. قرأ قنبل بخلاف عنه: (رَآفَةً) بالمد مثل: رَعافة ﴿وَرَحْمَةً﴾ والرحمة في القلب لا تَكَسُّبَ للإنسان فيها. ﴿وَرَهْبَانِيَّةً﴾ هو ترهبهم في الجبال والصوامع، ورفض النساء، والرهبان: الخائف؛ مأخوذ من الرهب، وهو الخوف، (ورَهْبَانِيَّهً) عطف على (وَرَحْمَةً). ﴿ابْتَدَعُوهَا﴾ نعت؛ أي: جعلنا عليهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة، والمعتزلة تعرب (ورَهْبَانِيَّهً) أنها نصب بإضمار فعل يفسره (ابْتَدَعُوهَا)، وليست بمعطوفة على الرأفة والرحمة، ويذهبون في ذلك إلى أن الإنسان يخلق أفعاله، فيعربون الآية على مذهبهم، ابتدعوها من قبل أنفسهم، روي أنهم افترقوا ثلاث فرق: ففرقةٌ قاتلت الملوك على الدين فقتلت وقتلت، وفرقةٌ قعدت في المدن يدعون إلى الدين ويبينونه ولم تقاتل، فأخذَتْها الملوك فنشرتها بالمناشير، وقتلوا، وفرقةٌ خرجت إلى الفيافي، وبنت الصوامع والديارات، وطلبت أن تسلم على أن تعتزل، فتركت، ولذلك تسمت بالرهبان، فهذا هو ابتداعهم. ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: لم نفرض الرهبانية عليهم ﴿إِلَّا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لكنهم ابتدعوها. ﴿ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ وهو امتثال أمره تعالى، واجتناب نهيه. وتقدم مذهب أبي بكر في ضم الراء من (رُضْوَانِ). ﴿فَمَا رَعَوْهَا﴾ ما حفظ الرهبانية هؤلاء المعتدون ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ لأنهم قصروا فيما ألزموا أنفسهم من الرهبانية، ورجعوا عنها، ودخلوا في دين ملوكهم، ولم يبق على دين النصرانية إلا اليسير، فآمنوا بمحمد - ﷺ -

الحديد 57:28

قال - ﷺ -: "مَنْ آمنَ بي وصدَّقني، فقد رعاها حقَّ رعايتها، ومن لم يؤمنْ بي، فأولئك هم الهالكون" (١). ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بمحمد - ﷺ - ﴿مِنْهُمْ﴾ أي: من العيسيين. ﴿أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ من العيسيين التاركي الرهبانية الكافرون بمحمد وعيسى عليهما السلام ﴿فَاسِقُونَ﴾ خارجون عن حال (٢) الاتباع. وفي هذا التأويل لزوم الإتمام لكل من بدأ بتطوع ونفل، وأنه يلزمه أن يرعاه حق رعايته، واختلف الأئمة فيما إذا أنشأ صومًا أو صلاة تطوعًا، فقال أبو حنيفة: لم يجز له الخروج منه، فإن أفسده، فعليه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وقال مالك كذلك، إلا أنه اعتبر العذر، فقال: إن خرج منه لعذر، فلا قضاء، وإلا، وجب، وقال الشافعي وأحمد: متى أنشأ وحدًا منهما، استحب إتمامه، فإن خرج منه، لم يجب عليه قضاء على الإطلاق، وأما إذا كان التطوع حجًّا أو عمرة، فيلزم إتمامه، فإن أفسده، وجب قضاؤه بالاتفاق؛ لوجوب المعنى في فاسده. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بموسى وعيسى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ (١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٠٥٣١)، وفي "المعجم الصغير" (٦٢٤)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٧٧)، من حديث أبي مسعود رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/ ١٦٣): فيه عقيل بن الجعد، قال البخاري: منكر الحديث. (٢) "حال" زيادة من "ت".

الحديد 57:29

محمد - ﷺ - ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ حظين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بالإيمان بالكتابين. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ على الصراط ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ... ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ أي: ليعلم (١) ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ و (لا) صلة. قرأ ورش عن نافع، وأبو جعفر بخلاف عنه: (لِيَلَّا) بإبدال الهمزة ياء مفتوحة، والباقون: بالهمز، والمراد: أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا. ﴿أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا ينالون شيئًا ﴿مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. روي أنه لما نزل هذا الوعد للمؤمنين، حسدهم أهل الكتاب على ذلك، وكانت اليهود تعظم دينها وأنفسها، وتزعم أنها أحباء الله، وأهل رضوانه، فنزلت هذه الآية معلمة أن الله فعل ذلك، وأعلم به؛ ليعلم أهل الكتاب أنهم ليسوا كما يزعمون (٢). ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ في تصرفه وملكه ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ لا اعتراض عليه؛ فإنه قادر مختار، يفعل بحسب الاختيار. ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، والعظيم (٣) لا بد أن يكون إحسانه (١) "أي: ليعلم" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٣٧)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٢٦٨). (٣) "والعظيم" زيادة من "ت". عظيمًا، والمراد منه: تعظيم حال محمد - ﷺ - في نبوته وشرعه وكتابه. قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "واسم الله الأعظم في أولي سورة الحديد في ست آيات من أولها، فإذا علقت على المقاتل في الصف، لم ينفذ إليه حديد" (١)، والله أعلم. ... (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٥٦). قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير": اشتمل هذا المقدار من أول السورة على معاني ست عشرة صفة من أسماء الله الحسنى، وهي: الله، العزيز، الحكيم، الملل، المحيي، المميت، القادر، الأول، الآخر، الظاهر الباطن، العليم، الخالق، البصير، الواحد، المدبِّر. وقول ابن عباس يعني مجموع هذه الأسماء.

المجادلة 58:1

سُوْرَةُ المُجَادَلَة مدنية، وحكى النقاش أن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ الآية، مكي (١)، آيها: اثنتان وعشرون آية (٢)، وحروفها: ألف وسبع مئة واثنان وتسعون حرفًا، وكلمها: أربع مئة وثلاث وسبعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾. [١] ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ أي: علم (٣) ﴿قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ تحاورك. ﴿فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وقالون عن نافع، وعاصم، ويعقوب: (قَدْ سَمِعَ) بإظهار الدال عند السين، والباقون: بالإدغام. نزلت في خولة بنت ثعلبة لما ظاهرَ منها زوجها أوسُ بن الصامت، وكانا من الأنصار، فأرادها، فأبت عليه، فقال: أنت علي كظهر أمي، فكان (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٧٢). (٢) في "ت": "عشرون وآيتان". (٣) "أي: علم" زيادة من "ت".

المجادلة 58:2

أولَ ظهار في الإسلام، ثم ندم، وكان الظهار في الجاهلية يُحَرِّم، فأخبرت رسولَ الله - ﷺ - بذلك، فقال لها: "قَدْ حرمْتِ عليه"، فقالت: واللهِ ما ذكر طلاقًا، وراجعَتْه في الكلام، وشكت إلى الله الفاقة وشدة الحال (١)، فهذه مجادلتها. ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ أي: مراجعتكما القول ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لما تناجيه ﴿بَصِيرٌ﴾ لمن يشكو إليه. ... ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾. [٢] ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قرأ عاصم: (يُظَاهِرُونَ) بضم الياء وتخفيف الظاء والهاء وكسرها وألف بينهما في الموضعين؛ من ظاهرَ يُظاهر، وقرأ أبو جعفر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف: بفتح الياء وتشديد الظاء وألف بعدها، وتخفيف الهاء وفتحها، أصله: يَتَظاهرون، أدغمت التاء في الظاء، وقرأ الباقون: بفتح الياء وتشديد الظاء والهاء بلا ألف قبلها، أصله: يتظَهَّرون، أدغمت التاء في الظاء (٢)، (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٣٧)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٧٣)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٢٧٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٨ - ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٣٨)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية) (٧/ ٩٧ - ٩٨).

المجادلة 58:3

والمعنى على القراءات كلها؛ أي: يحرِّمون أزواجَهم بالظهار، والظهار: أن يشبه امرأته أو عضوًا منها بظهر من تحرم عليه على التأبيد، أو إلى أمد، أو بها، أو بعضو منها، فإذا قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أو كَيَدِ أختي، ونحو ذلك، أو حرام، فيحرم عليه وطؤها حتي يكفِّر بالاتفاق. ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ أي: ليس قول الرجل لزوجته: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أو كشيء من أعضائها، ويجعلها كأمه في الحرمة بصحيح. ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ حقيقةً ﴿إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ والمرضعات، وزوجات النبي - ﷺ - ملحقات بالوالدات في الحرمة، وأما المظاهَرات، فأبعد شبهًا بالوالدات. واختلاف القراء في الهمز من (الَّلائِي) كاختلافهم فيه في حرف سورة الأحزاب [الآية: ٤]. ﴿وَإِنَّهُمْ﴾ أي: المظاهرون ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ﴾ هو جعلُ الزوجةِ أمًا تنكره الحقيقة ﴿وَزُورًا﴾ باطلًا. ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ عما سلف من الظهار ﴿غَفُورٌ﴾ لمن تاب. ... ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾. [٣] ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ تقدم اختلاف القراء في (يُظَاهِروُنَ). ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ أي: يريدودن العود إلى التَّماسِّ، وهو كناية عن الجماع، فعند الإمام أحمد: العود: هو الوطء، وعند أبي حنيفة ومالك: هو العزم على الوطء، وعند الشافعي: هو أن يمسكها عقب الظهار زمانًا

المجادلة 58:4

يمكنه أن يفارقها، ولم يفعل، فإن طلقها عقب الظهار في الحال، أو مات أحدهما في الوقت، فلا كفارة عليه. ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والكفارة على الترتيب يجب عليه عتق رقبة سليمة من العيوب الفاحشة بالاتفاق، مؤمنة عند الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يشترط الإيمان. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ يتجامع المظاهِر والمظاهَر منها، فإن أقدم على الجماع قبل التكفير، استغفر الله تعالى، وليس عليه سوى الكفارة الأولى بالاتفاق. ﴿ذَلِكُمْ﴾ التغليظ بالكفارة ﴿تُوعَظُونَ بِهِ﴾ لتنزجروا عن الظهار. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء. ... ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾. [٤] ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الرقبة ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ليس فيهما رمضان، ولا يوما العيدين وأيام التشريق عند الثلاثة، وعند أحمد: إن تخلل صومها صوم رمضان، أو فطر واجب كيوم العيد، لم ينقطع التتابع. ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فلو أصاب المظاهر منها ليلًا أو نهارًا عمدًا أو سهوًا، انقطع التتابع عند الثلاثة، وقال الشافعي وأبو يوسف: إن جامع ليلًا عامدًا، أو نهارًا، ناسيًا، لم يستأنف، وله وطء غيرها من نسائه بالاتفاق. ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾ الصومَ لعذر ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾. والمخرج في الكفارة ما يجزئ في الفطرة، فقال أبو حنيفة: لكل مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير، والصاع عنده ثمانية أرطال بالعراقي، وعند أبي يوسف: خمسة أرطال وثلث، وقال مالك: لكل مسكين مد من عيش أهل البلد، فإن كان الشعير والتمر، أعطي لكل مسكين منه عدل الحنطة بمد هشام، وقدره مد وثلثان بمد النبي - ﷺ -، وهشام هذا الذي أضيف إليه المد هو هشام بن إسماعيل المخزومي، كان أميرًا على المدينة من قبل هشام بن عبد الملك، وقال الشافعي: لكل مسكين مد مما يكون فطرة، وهو البر، والأرز، والشعير، والتمر، والزبيب، والأقط، وقدر المد رطل وثلث بالبغدادي، وهو مد رسول الله - ﷺ -، وقال أحمد: المخرج في الكفارة ما يخرج في الفطرة، وهو البر، والشعير، ودقيقهما، أو سويقهما، وهو بر أو شعير يحمص، ثم يطحن، والتمر، والزبيب، والأقط، وهو شيء يعمل من اللبن المخيض، ولا يجزئ من البر أقل من مد، وهو رطل وثلث بالبغدادي، ولا من غيره أقل من مدين لكل مسكين، وتقدم ذكر الصاع والمد والكلام عليها مستوفىً بأتم من هذا في سورة المائدة عند ذكر كفارة اليمين، وفي سورة التوبة عند ذكر زكاة الفطر. فإن دفع الكفارة إلى مسكين واحد في ستين يومًا، جاز عند أبي حنيفة، ولم يجز عند الشافعي ومالك، وقال أحمد: إن لم يجد غيره، أجزأه، وإلا فلا، ولو غداهم وعشاهم، جاز عند أبي حنيفة بشرط شبعهم (١) في الأكلتين، وعند الثلاثة: لا يجوز. (١) "بشرط شبعهم" زيادة من "ت". ويجوز دفع الكفارة لكافر، وإخراج القيمة عند أبي حنيفة؛ خلافًا للثلاثة. ومن كفر بالإطعام، جاز له الوطء في خلاله عند أبي حنيفة والشافعي؛ خلافًا لمالك وأحمد، ونقل بعض المفسرين عن مالك أن من كفر بالإطعام، جاز له الوطء قبله؛ لأن الله تعالى قيد العتق والصوم بما قبل المسيس، ولم يقل في الطعام: قبل أن يتماسا، ومنقول مذهب مالك خلاف ذلك، فقد جزم علماء مذهبه في كتبهم أنه لا يجوز الوطء في خلال الإطعام كالصيام، فإن وطئ، بطل ما مضى من إطعامه، ولزمه ابتداؤها، وصرح ابن عطية المالكي في "تفسيره" عن مالك أنه قال: إطعام المساكين أيضًا هو قبل التماس حملًا على العتق والصوم (١). ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى الرخصة والتسهيل في النقل من التحرير إلى الصوم والإطعام ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ لتصدقوا ما أتى به الرسول من الله عز وجل، ثم شدد بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ فالتزموها، وقفوا عندها. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: الذين لا يقبلونها. واختلفوا فيمن ظاهر من أمته، فقال مالك: يصح، وقال الثلاثة: لا يصح، وعليه عند أحمد كفارة يمين. واتفقوا على صحة الظهار من العبد، ويكفر بالصيام، وقال مالك: إن عجز عنه، فبالإطعام إن أذن له سيده، فإن منعه، انتظر القدرة على الصيام. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٧٥).

المجادلة 58:5

ويصح من الأجنبية عند مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يصح منها، ويصح من الذمي عند الشافعي وأحمد، ويكفر بالمال، وعند أبي حنيفة ومالك لا يصح منه. ومن كرر الظهار قبل التكفير، فكفارة واحدة عند مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة بكل ظهار كفارة، ومذهب الشافعي إن كرره في امرأة متصلًا، وقصد تأكيدًا، فظهار واحد، أو استئنافًا، فالأظهر التعدد، وإنه بالمرة الثانية عائد في الأولى، والله أعلم. ... ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥)﴾. [٥] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يحاربونهما، ويخالفون أمرهما. ﴿كُبِتُوا﴾ أُهلكوا ﴿كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من كفار الأمم الماضية. ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ تدل على صدق ما جاء به الرسول. ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ نزلت هذه الآيات في المنافقين، وقومٍ من اليهود كانوا في المدينة يتمنون المكروه في رسول الله - ﷺ - والمؤمنين، ويتربصون بهم الدوائر، ويدبرون عليهم، ويتناجون بذلك، فنزلت هذه الآيات إلى آخر أمر النجوى فيهم (١). ... (١) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٧٦).

المجادلة 58:6

﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾. [٦] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ العامل فيه قوله: (مُهِينٌ). ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ توبيخًا لهم. ﴿أَحْصَاهُ﴾ حفظه ﴿اللَّهُ﴾ عليهم ﴿وَنَسُوهُ﴾ لتهاونهم به. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ شهيد، لا يغيب عنه شيء. ... ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾. [٧] ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ كليًّا وجزئيًّا. ﴿مَا يَكُونُ﴾ قرأ أبو جعفر: (تَكُونُ) بالتاء على التأنيث؛ لتأنيث النجوى، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير (١)؛ لأن تأنيث نجوى غير حقيقي، وللفصل بـ (من)، المعنى: ما يقع. ﴿مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾ وجر (ثَلاثَةٍ) بإضافة النجوى إليها، وهي التناجي سرًّا. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٩٩).

المجادلة 58:8

﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ بالعلم ﴿وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ وخصوا بهذا العدد؛ لأنها نزلت في المنافقين، وكانوا يتحلقون للمناجاة ثلاثة خمسة غيظًا للمؤمنين. ﴿وَلَا أَدْنَى﴾ أقل ﴿مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ﴾ قرأ يعقوب: (أَكْثَرُ) بالرفع عطفًا على موضع (مِنْ نَجْوَى)؛ لأن التقدير: ما يكون نجوى، وقرأ الباقون: بالنصب عطفًا على العدد المخفوض ﴿إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ عالمًا بهم. ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ لأن علمه تعالى لا يتفاوت باختلاف الأمكنة. ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ تفضيحًا لهم ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. ... ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾. [٨] كان بين النبي - ﷺ - واليهود موادعة، فكانوا هم والمنافقون إذا رأوا بعض المسلمين تناجوا، فيظن المسلم أنهم يريدون قتله، فيترك الطريق خوفًا منهم، فنهاهم - ﷺ - عن التناجي، فلم ينتهوا فنزل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (١) أي: يرجعون إلى المناجاة التي نهوا عنها. ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ﴾ قرأ حمزة، ورويس عن يعقوب: (وَيَنْتَجُونَ) بنون ساكنة بعد الياء وبعدها تاء مفتوحة وضم الجيم على وزن ينتهون مستقبل انتجوا، وقرأ الباقون: بتاء ونون مفتوحتين وبعدها ألف وفتح (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦).

المجادلة 58:9

الجيم مستقبل تَناجوا (١)، ومعناهما: الحديث سرًّا. ﴿بِالْإِثْمِ﴾ أي: بما هو إثم ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ للمؤمنين ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ لأنه - ﷺ - نهاهم فلم ينتهوا. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (وَمَعْصِيَهْ) بالهاء. ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ﴾ أي: اليهود ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ وهو قولهم: السام عليك يا محمد، والسام: الموت، وتقدم حكم سلام الذمي، والرد عليه، ومذاهب الأئمة في ذلك في سورة النساء. ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إذا خرجوا: ﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ كانوا يقولون: لو كان نبيًّا، لدعا علينا حتى يعذبنا الله بما نقول له. ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ عذابًا ﴿يَصْلَوْنَهَا﴾ يدخلونها ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنمُ. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩)﴾. [٩] ثم نهى الله المؤمنين أن يفعلوا كفعل المنافقين واليهود، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا﴾ قرأ رويس: (تَنْتَجُوا) على وزن تنتهوا (٢). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠١ - ١٠٢). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٣).

المجادلة 58:10

﴿بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ كفعل المنافقين واليهود. ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ وهو ما يتضمن خيرًا للمؤمنين ﴿وَالتَّقْوَى﴾ أي: اتقاء معصية الرسول. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تذكير بالحشر الذي معه الحساب. ... ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى﴾ المحرمة ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ بتزيينه ﴿لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بتوهمهم. قرأ نافع: (لِيُحْزِنَ) بضم الياء وكسر الزاي، وقرأ الباقون: بفتح الياء وضم الزاي (١). ﴿وَلَيْسَ﴾ التناجي ﴿بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئة الله. ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال - ﷺ -: "إذا كنتم ثلاثةً، فلا يتناجى اثنان دونَ الثالث إلا بإذنه، فإن ذلك يحزنُه" (٢). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٣). (٢) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٢/ ١٤٦)، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بهذا اللفظ. ورواه البخاري (٥٩٣٢)، كتاب: الاستئذان، باب: إذا كانوا أكثر من ثلاث فلا بأس بالمسارَّة والمناجاة، ومسلم (٢١٨٤)، كتاب: السلام، باب: تحريم مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه بلفظ نحوه.

المجادلة 58:11

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾. [١١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ مجلس النبي - ﷺ -. قرأ عاصم: (الْمَجَالِسِ) بألف على الجمع؛ لأن لكل جالس مجلسًا، معناه: ليفسح كل رجل في مجلسه، وقرأ الباقون: بغير ألف على التوحيد إرادة الجنس (١). ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ في الجنة. ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا﴾ ارتفعوا وانهضوا حتى توسِّعوا لإخوانكم ﴿فَانْشُزُوا﴾ قرأ الكسائي، وهشام، ورويس: (قِيلَ) بإشمام الضم حيث وقع، والباقون: بإخلاص الكسر (٢)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، (انْشُزُوا) (فَانْشُزُوا) بضم الشين في الحرفين؛ بخلاف عن أبي بكر راوي عاصم، وقرأ الباقون: بالكسر فيهما (٣). ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ بإيمانهم وطاعتهم النبيَّ - ﷺ -. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٤). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٣). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٤).

المجادلة 58:12

﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أيضًا على غيرهم من المؤمنين ﴿دَرَجَاتٍ﴾ هنا وَثمَّ بما جمعوا من العلم والعمل (١). ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ تهديد لمن لم يمتثل الأمر. ... ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. [١٢] ولما أكثر الناس على النبي - ﷺ - السؤال حتى أسأموه، نزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ﴾ أي: قبل ﴿نَجْوَاكُمْ﴾ إذا أردتم مناجاته ﴿صَدَقَةً﴾ على مستحقيها. ﴿ذَلِكَ﴾ التقديمُ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ لطاعتكم ﴿وَأَطْهَرُ﴾ لذنوبكم فلما نزلت هذه الآية، ارتدع الأغنياء عن السؤال شُحًّا، والفقراء عدمًا، فنزل رخصة: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ ما تتصدقون به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لمناجاتكم النبي - ﷺ - بلا صدقة ﴿رَحِيمٌ﴾ حيث أباح لكم السؤال، وكان ذلك المنع عشرَ ليال. ... ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أَخفتم الفاقةَ ﴿أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَشْفَقْتُمْ) كاختلافهم فيهما من {ءَأَنتَ (١) "والعمل" زيادة من "ت".

المجادلة 58:14

فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا} في سورة الأنبياء [الآية: ٦٢]. ﴿فَإِذْ لَمْ﴾ أي: فإن لم ﴿تَفْعَلُوا﴾ ما أُمرتم به. ﴿وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تجاوز عنكم، ولم يعاقبكم بترك الصدقة، وفيه إشعار بأن إشفاقهم ذنبٌ تجاوزَ الله عنه. ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الواجبةَ. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ المفروضةَ، ولا تفرطوا فيهما ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ في جميع الحالات، فهو كفارة ذلك ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ظاهرًا وباطنًا. ... ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾. [١٤] ونزل في قوم من المنافقين تولَّوا قومًا من اليهود، وهم المغضوب عليهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ﴾ (١) أي: المنافقون ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المسلمون. ﴿وَلَا مِنْهُمْ﴾ من اليهود، كما قال تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]. ﴿وَيَحْلِفُونَ﴾ أي: المنافقون ﴿عَلَى الْكَذِبِ﴾ وهو قولهم: والله إنا مسلمون. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و"تفسير القرطبي" (١٧/ ٣٠٧).

المجادلة 58:15

﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنهم كاذبون في حلفهم. ... ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا﴾ نوعًا من العذاب ﴿شَدِيدًا﴾ في غاية الشدة. ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من المعاصي. ... ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾. [١٦] ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الكاذبةَ ﴿جُنَّةً﴾ ترسًا يقيهم السيف ﴿فَصَدُّوا﴾ المسلمين بحلفهم ﴿عَنْ﴾ قتلهم ونهبهم؛ فإنه جهاد في ﴿سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ وعيد ثان بوصف آخر لعذابهم. ... ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون؛ لأن الصحبة تدل على الملازمة. ... ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ العامل فيه (أَصْحَابُ) ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ أي: لله تعالى ثَمَّ إنهم مسلمون.

المجادلة 58:19

﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ هنا ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ على فعل نافع من أيمانهم الكاذبة كما انتفعوا بها في الدنيا. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (وَيَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (١). ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ البالغون الغاية في الكذب؛ حيث يكذبون مع عالم الغيب والشهادة، ويحلفون عليه. ... ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿اسْتَحْوَذَ﴾ غلبَ واستولى ﴿عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ بطاعتهم إياه. ﴿فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ معناه: تملَّكَهم من كل جهة، وغلب على نفوسهم، وهذا الفعل مما استُعمل على الأصل؛ فإن قياس التعليل يقتضي أن يقال: استحاذ، وحكي أن عمر -رضي الله عنه- قرأ: (اسْتَحَاذَ) (٢). ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ جنودُه. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لتفويتهم على نفسهم النعيمَ، وعرضها للعذاب. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٦). (٢) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٢٣٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٦).

المجادلة 58:20

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ معناه: يكونون في حد غير الحد الذي شرع الله ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ المغلوبين. ... ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾. [٢١] ﴿كَتَبَ اللَّهُ﴾ أي: قضى ﴿لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ بالحجة كُلَّ مَنْ حادَّ الله ورسوله. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (وَرُسُلِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ﴾ على نصر رسله ﴿عَزِيزٌ﴾ غالب في مراده. ... ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾. [٢٢] ونزل في قتل أبي عبيدة بن الجراح أباه عبدَ الله بنَ الجراح يومَ أحد، وأبي بكر حيث أراد مبارزة ابنه يومَ بدر، ومصعبِ بنِ عمير وقتلِه (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٢٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٠٦). أخاه عبيدَ بنَ عمير بأُحد، وعمرَ وقتلِه خالَه العاصَ بنَ هشام ببدر، وعلي وحمزة وقتلِهما الوليدَ بنَ عتبة وشيبةَ وعتبةَ ابني ربيعة ببدر: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١) عاداهما وخالفهما. تلخيصه: من صح إيمانه، لم يواد المشركين، بل يقتلهم، ويقصدهم بالسوء ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ كأبي عبيدة بن الجراح ﴿أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ كأبي بكر ﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ كمصعب بن عمير. ﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ كعمر وعلي وحمزة. ﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون. ﴿كَتَبَ﴾ ثبَّتَ ﴿فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ﴾ قواهم. ﴿بِرُوحٍ﴾ أي: بنصر ﴿مِنْهُ﴾ هو جبريل عليه السلام. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ بطاعتهم. ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بقضائه. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾ أنصارُ دينه، والحزب: الفريق الذي يجمعهم مذهب واحد. ﴿أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون ببغيتهم، والله أعلم. ... (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣١٢). فَتْحُ الرَّحْمَن في تَفْسِيْرِ القُرآنِ تَأليف الإِمَامِ القَاضِي مُجِير الدِّينِ بْنِ مُحمَّد العُليِميِّ المَقدِسِيِّ الحَنبليِّ المولود سنة (٨٦٠ هـ) - والمتوفى سنة (٩٢٧ هـ) رَحِمَهُ الله تعَالى المُجَلَّد السابع اعتَنَى بِهِ تَحقِيقًا وضَبْطًا وتَخْريجًا نُوْرُ الدِّيْن طَالب إصدَارات وزَارة الأوقاف والشُؤُوْن الإِسلامِيّة إدَارَةُ الشُؤُوْنِ الإِسلاَمِيّةِ دولة قطر فَتْحُ الرَّحَمْن سُورة الحشر مدنية باتفاق أهل العلم، وآيها: أربع وعشرون آية، وحروفها: ألف وتسع مئة وثلاثة عشر حرفًا، وكلمها: أربع مئة وخمس وأربعون كلمة، وهي سورة بني النضير، [وذلك أن رسول الله - ﷺ - كان عاهد بني النضير] (١) على سِلْم ألَّا يقاتلوه، ولا يقاتلوا معه، وهم يرون أنه لا ترد له راية، فلما جرت هزيمة أحد، ارتابوا ودخلوا قريشًا وغدروا، فلما رجع النبي - ﷺ - من أحد، تبين له معتقد بني النضير وغدرهم بعهده، وموالاتهم للكفار، فخرج إليهم بالكتائب على حمار مخطوم بليف، وقال: "اخرجوا من المدينة"، فقالوا: الموتُ أقرب إلينا من ذلك، فدسَّ إليهم عبد الله بن أبي وأصحابُه ألا تخرجوا من حصنكم، وإن قتلتم فنحن معكم ننصركم، وإن خرجتم خرجنا معكم، فدربوا الأزقة، وحصنوها، فحاصرهم - ﷺ - إحدى وعشرين ليلة، فرعبت قلوبهم، وطلبوا الصلح، فأبى عليهم - ﷺ - إلا الجلاء، ويحمل كل ثلاثة أبيات على بعير ما شاؤوا من متاعهم، ولنبي الله - ﷺ - ما بقي، فجلوا عن المدينة إلى أريحاء وأذرعات من أرض الشام، إلا أهل بيتين من (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

الحشر 59:1

آل أبي الحقيق وآل ابن أخطب لحقوا بخيبر، ولحقت طائفة منهم بالحيرة، فنزلت السورة (١). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾. [١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة الحديد. ... ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾. [٢] ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم بنو النضير، وكانت قبيلة عظيمة من بني إسرائيل، موازنة في القدر والمنزلة لبني قريظة، وكان يقال للقبيلتين: الكاهنان؛ لأنهما من ولد الكاهن ابن هارون. ﴿مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ وكانت أرضهم وحصونهم قريبة من المدينة بقرية يقال لها: زهرة، ولهم نخل وأموال عظيمة. ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ أي: عند أول حشرهم إلى الشام، والحشر: الجمع (١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٣/ ٤٣٨): غريب، وهو في "تفسير الثعلبي" (٩/ ٢٦٧) هكذا من غير سند. والتوجيه إلى ناحية ما، قال ابن عباس: من شكَّ أن المحشرَ بالشام، فليقرأ هذه الآية"، فكان أول حشر إلى الشام، قال النبي: - ﷺ - "اخرجوا"، قالوا: إلى أين؟ قال: "إلى أرض المحشر، ثم تحشر الخلق يوم القيامة إلى الشام (١) (٢)، وقيل: معناه لأول الحشر؛ لأنهم كانوا أول من أُجلي من أهل الكتاب من جزيرة العرب، ثم أجلى آخرَهم عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه، وسميت جزيرة، لأنه أحاط بها بحر الحبشة، وبحر فارس، ودجلة، والفرات. ﴿مَا ظَنَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ يَخْرُجُوا﴾ من المدينة؛ لعزهم وقوتهم ﴿وَظَنُّوا﴾ أي: بنو النضير. ﴿أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من بأس الله؛ لوثوقهم بحصانتها. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: أمرُه وعذابه ﴿مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ أي: يظنوا. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ الخوفَ بقتل سيدهم كعبِ بن الأشرف غيلةً قبلَ ذلك، وتقدم ذكرُ قتله في سورة آل عمران. قرأ أبو جعفر، وابن عامر، والكسائي، ويعقوب: (الرُّعُبَ) بضم العين، والباقون: بإسكانها (٣). ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ﴾ يهدمونها. قرأ أبو عمرو: (يُخَرِّبُونَ) بفتح الخاء وتشديد الراء من خَرَّب، وقرأ الباقون: بإسكان الخاء مخففًا من أخرب، (١) "إلى الشام" زيادة من "ت". (٢) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما نسبه السيوطي في "الدر المنثور" (٨/ ٨٩)، والبزار في "مسنده" كما عزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٤٣)، ورواه ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" (٣/ ٣٨٥). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١١).

الحشر 59:3

لغتان (١)، وقرأ ابن كثير، وقالون، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: (بِيُوتَهُمْ) بكسر الباء، والباقون: بضمها، ومعناهما واحد (٢). ﴿بِأَيْدِيهِمْ﴾ [كانوا يخربون بواطنها؛ لئلا يتحسروا على بقائها للمسلمين] (٣). ﴿وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ كانوا يخربون باقيها. ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ فاتعِظوا (٤) بمصابهم ﴿يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ذوي العقول والبصائر. ... ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾. [٣] ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ﴾ أي: حكمَ عليهم بخروجهم من أوطانهم ﴿لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل والأسر؛ كقريظة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ إن نجوا هنا من القتل. ﴿عَذَابُ النَّارِ﴾ وكان إجلاء بني النضير مرجعَ النبي - ﷺ - من أُحد في سنة ثلاث من الهجرة، وفتحُ قريظة مرجعَه من الأحزاب في سنة خمس من الهجرة، وبينهما سنتان. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٢)، و"التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٥٣)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١١ - ١١٢). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٢). (٣) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٤) "فاتعظوا" زيادة من "ت".

الحشر 59:4

﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾. [٤] ﴿ذَلِكَ﴾ الذي نزل بهم ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والمشاقة: كون الإنسان في شق، ومخالفُه في شق ﴿وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ... ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾. [٥] ولما حاصروا بني النضير، قطعوا بعض نخلهم؛ ليغيظوهم، فتحرَّج بعض المسلمين من ذلك، فنزل: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ من نخلة ﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بمشيئته، فلا جناح عليكم. ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ اليهودَ، فيه دليل على جواز قطع شجر الكفار وحرقها وهدم بيوتهم إذا قوتلوا، والحكم كذلك بالاتفاق. ... ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾. [٦] ولما ترك بنو النضير رباعهم وضياعهم، طلب المسلمون قسمتها كخيبر، فنزل: ﴿وَمَا أَفَاءَ﴾ ردَّ ﴿اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ من أموال الكفار؛ أي: جعله فيئًا يختص به - ﷺ -. ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ﴾ أي: سرتم بسرعة ﴿عَلَيْهِ﴾ على طلبه.

الحشر 59:7

﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إبل خاصة، و (مِنْ) زائدة، المعنى: لم تقاسوا مشقة على أخذ أموال اليهود، فلذلك اختص به - ﷺ -. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ إهلاكَه وأخذَ ماله. ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يفعل ما يريد، فجعل أموال بني النضير لرسول الله - ﷺ - خاصة، يضعها حيث يشاء، فقسمها بين المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم أبو دجانة سماكُ بنُ خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة (١). ... ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾. [٧] ثم بين ما يصنع - ﷺ - بالفيء، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ﴾ أموال الكفار. ﴿أَهْلِ الْقُرَى﴾ وهي قريظةُ والنضير، وفدك، وخيبر، وقرى عرينة. ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (الْقُرَى) و (الْقُرْبَى) و (الْيَتَامَى) بالإمالة، وافقهم أبو عمرو في (الْقُرَى) و (الْقُرْبَى)، واختلف عن ورش، وقرأ الباقون: (١) انظر: "تفسير الثعلبي" (٩/ ٢٧٢)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٣١٦)، و "زاد المسير" لابن الجوزي (٨/ ٢٠٩). بالفتح (١)، وتقدم حكم الفيء والغنيمة واختلاف الأئمة فيهما مستوفىً في سورة الأنفال. ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ هو ما يُتداول. ﴿بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ المعنى: قسم تعالى هذه الأموال بين المذكورين؛ لئلا يختص بها الأغنياء، ويتداولوها بينهم. قرأ أبو جعفر: (تَكُونَ) بالتاء على التأنيث؛ لتأنيب لفظ (دُوَلةً)، [و (دولةٌ) بالرفع؛ أي: كي لا يقع دولة جاهلية، وافقه هشام على رفع دولة] (٢)، واختلف عنه في تذكير (يَكُونَ) وتأنيثه، وقرأ الباقون: بالياء على التذكير، لأن تأنيث (دُولَة) غير حقيقي، و (دُولَةً) بالنصب (٣)؛ أي: لكيلا يكون الفيء دولة، والمخاطبة للأنصار؛ لأنه لم يكن في المهاجرين في ذلك الوقت غنى. ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ أعطاكم ﴿الرَّسُولُ﴾ أيها المؤمنون من الفيء وغيره. ﴿فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ من الغلول وغيره. ﴿فَانْتَهُوا﴾ وهذا نازل في أمر الفيء، ثم اطَّرد بعدُ معنى الآية في جميع أوامر النبي - ﷺ - ونواهيه، فما حكم به الشارع - ﷺ - مطلقًا، أو في عين، أو فعله، أو أقره، لا يعلل بعلة مختصة بذلك الوقت بحيث يزول الحكم مطلقًا عند الحنابلة والشافعية، وجوزه الحنفية والمالكية. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٤). (٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت". (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٥٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٤).

الحشر 59:8

﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن خالفه. ... ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾. [٨] ثم بين مَنْ له الحقُّ في الفيء، فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فإن كفار مكة أخرجوهم، وأخذوا أموالهم. ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا﴾ رزقًا ﴿مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: أُخرجوا إلى دار الهجرة طلبًا لرضا الله عز وجل. قرأ أبو بكر عن عاصم: (وَرُضْوَانًا) بضم الراء، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بأنفسهم وأموالهم. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في إيمانهم. ... ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ استوطنوا ﴿الدَّارَ﴾ المدينةَ، وهم الأنصار ﴿وَالْإِيمَانَ﴾ أي: وأخلصوا الإيمان ﴿مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من قبل قدوم المهاجرين (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٥). عليهم؛ فإنهم آمنوا، وبنوا المساجد قبل قدوم النبي - ﷺ - والمهاجرين المدينة بسنتين. ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ من المؤمنين ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ لقسم النبي - ﷺ - أموالَ بني النضير للمهاجرين دون الأنصار ﴿حَاجَةً﴾ حزازة وحسدًا ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ أي: مما أُعطي المهاجرون دونَهم من الفيء. ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ إخوانَهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم. ﴿عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ فقرٌ إلى ما يؤثرون به. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ وشحُّ النفس: هو كثرة الطمع وضبطها على المال والرغبة فيه، وامتداد الأمل، وهو فقر لا يُذهبه غنى المال، بل يزيده، وهو داعية كل خلق سوء ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالثناء والثواب. عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "لا يجتمعُ غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنمَ في جوفِ عبدٍ أبدًا، ولا يجتمعُ الشحُّ والإيمانُ في قلبِ عبدٍ أبدًا" (١). وقال - ﷺ -: "من أَدَّى الزكاةَ المفروضةَ، وقِرى الضيف، وأعطى في النائبة، فقد برئ من الشح" (٢). والشح: هو أقبح البخل. (١) رواه النسائي (٣١١٠)، كتاب: الجهاد، باب: فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٢٥٦)، وابن حبان في "صحيحه" (٣٢٥١)، والحاكم في "المستدرك" (٢٣٩٥). (٢) رواه الخطيب في "موضح أوهام الجمع والتفريق" (١/ ٤٥٩)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.

الحشر 59:10

﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: التابعين، وهم الذين يجيئون بعد المهاجرين والأنصار إلى يوم القيامة، وإعراب (الَّذِينَ) رفع عطفًا على (هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، ثم وصف الله تعالى القولَ الذي ينبغي أن يلتزمه كلُّ من لم يكن من الصدر الأول، فقال: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ قوله: (يَقُولُونَ) حال فيها الفائدة، والمراد: والذين جاؤوا قائلين كذا. ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا﴾ غشًّا وحقدًا. ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فكل من كان قلبه غل على أحد من الصحابة، ولم يترحم على جميعهم، فإنه ليس ممن عناه الله بهذه الآية؛ لأن الله رتب المؤمنين على ثلاث خلال: المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصوفين بما ذكرهم، فمن لم يكن من التابعين بهذه الصفة، كان خارجًا من أصناف (١) المؤمنين، ولهذه الآية قال مالك وغيره: إنه من كان له في الصحابة قول سوء أو بغض، فلا حظَّ له في الغنيمة؛ أدبًا له، وتقدم في سورة الحديد [الآية: ٩] اختلاف القراء في (رَؤوف). ... (١) في "ت": "أقسام".

الحشر 59:11

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١)﴾. [١١] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: أظهروا خلاف ما أضمروا؛ يعني: عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه ﴿يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ وهم اليهود من بني قريظة والنضير: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ من المدينة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا﴾ سألنا خِذْلانكم ﴿أَبَدًا﴾ أي: من رسول الله والمسلمين. ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ لنعاوننَّكُمْ. ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ لعلمِه بعدم فعلهم ذلك. ... ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢)﴾. [١٢] كما قال: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا﴾ من ديارهم ﴿لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكان الأمر كذلك؛ فإنهم أخلفوهم الوعد. ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ أي: جاؤوا لنصره. ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ منهزمين ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ اليهود؛ لانهزام ناصرهم. ***

الحشر 59:13

﴿لأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿لأَنْتُمْ﴾ يا معشرَ المسلمين ﴿أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ المعنى: خوفُ المنافقين منكم أيها المؤمنون سرًّا أشدُّ من خوفهم من الله تعالى جهرًا، فإن استبطان رهبتكم سببٌ لإظهار رهبة الله تعالى. ﴿ذَلِكَ﴾ الخوفُ منكم ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عظمةَ الله. ... ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ اليهودُ والمنافقون ﴿جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين. ﴿إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بالخنادق، والدروب، فلا يبرزون لقتالكم. ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (جِدَارٍ) بكسر الجيم وفتح الدال وألف بعدها على التوحيد، وأبو عمرو: على أصله في الإمالة، وقرأ الباقون: بضم الجيم والدال من غير ألف على الجمع (١)، وهما بمعنى الحائط ﴿بَأْسُهُمْ﴾ حربهم ﴿بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ قتالهم لكم من وراء السور شديد، ولكن لا يطيقون مبارزتكم. ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا﴾ متفقين. وتقدم اختلاف القراء في (تَحْسَبُهُمْ) في (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٢)، و "التيسير" للداني (ص: ٢٠٩)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٦٤)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٦ - ١١٧).

الحشر 59:15

سورة الحديد ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ متفرقة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ ما فيه صلاحُهم. ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٥)﴾. [١٥] فمثلُ بني النضير ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا﴾ يعني: مشركي مكة. ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ سوءَ عاقبة كفرهم، وهو القتل ببدر، وكانت غزوة بدر [في رمضان من السنة الثانية من الهجرة قبل غزوة] (١) بني النضير، والتقدير: ذاقوا وبال أمرهم قريبًا من عصيانهم، و (قَرِيبًا) ظرف، أو نعت لظرف ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾. [١٦] ومثل المنافقين وإغوائهم اليهود بقولهم: ﴿إِنّا مَعَكم﴾ ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إبليس ﴿إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ فكفر. ﴿فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ تبرأ منه (٢) مخافةَ أن يشاركه في العذاب، ولم ينفعه ذلك. وحكي أن هذا في شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص اسمه (١) ما بين معكوفتين سقط من "ت". (٢) في "ت": "عنه".

الحشر 59:17

برصيصا، استودع امرأة سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون، فسول له الشيطان الوقوع عليها، فحملت، فخشي الفضيحة، فسول له قتلها ودفنها، ثم شهره، فلما استخرجت المرأة، وحُمل العابدُ شرَّ حمل، وهو قد قال: إنها قد ماتت، فقصتُ عليها فدفنتها فلما وُجدت مقتولة، علموا كذبه، فتعرض له الشيطان، فقال له: اكفر واسجد لي وأنا أنجيك، ففعل، فتركه عند ذلك، وقال: إني بريء منك، قال ابن عطية (١): وهذا كله ضعيف، والتأويل الأول هو وجه الكلام (٢). وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ رياء من قوله، وليست على ذلك عقيدته. قرأ أبو جعفر بخلاف عنه: (بَرِيٌّ) بتشديد الياء بغير همز، والباقون: بالمد والهمز (٣)، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (إِنِّيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٤). ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿فكَانَ عَاقِبَتَهُمَا﴾ آخرَ أمر الغاوي والمغوى. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٦٤)، و"تفسير الثعلبي" (٤/ ٢٨٧). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٩٠). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٤٠٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٨). (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١١٨).

الحشر 59:18

﴿أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ وذهب الجمهور من المتأولين إلى أن (الشيطانَ) و (الإنسانَ) في هذه الآية اسما جنس؛ لأن العرف أن يعمل هذا شياطين بناس، كما يغوي الشيطان الإنسان، ثم يفر عنه بعد أن يورطه، كذلك أغوى المنافقون بني النضير، وحرضوهم على الثبوت، ووعدوهم النصر، فلما نشب بني النضير، وكشفوا عن وجوههم، تركهم المنافقون في أسوأ حال. ﴿نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾. [١٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ﴾ من العمل. ﴿لِغَدٍ﴾ ليوم القيامة، وسماه به؛ لدنوه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ تكرير للتأكيد. ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وهو كالوعيد على المعاصي. ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: نسوا حقه، وغفلوا عنه. ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: حقَّ أنفسهم بالخذلان حتى لم يقدموا لها خيرًا. ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ الكاملون في الفسق، ويعطي لفظ هذه

الحشر 59:20

الآية أن من عرف نفسه ولم ينسها، عرف ربه تعالى، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: اعرف نفسك تعرف ربك (١). ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فيه دليل على أن المسلم لا يُقتل بالكافر، وتقدم الحكم في ذلك، واختلاف الأئمة فيه في سورة البقرة. ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ بالنعيم المقيم. ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾. [٢١] ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا﴾ متشققًا. ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قرأ ابن كثير: (القُرَانَ) بالنقل، والباقون: بالهمز (٢)، وهذا تمثيل توبيخًا للإنسان على قسوة قلبه وقلة تخشعه عند تلاوة القرآن. ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ﴾ المذكورات هنا وجميع القرآن. ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فيؤمنون. (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٩١)، و"تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٨٧). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٠).

الحشر 59:22

﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لما قال تعالى: ﴿مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ تعالى جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ﴾ ما غاب عن المخلوقين، ولم يعاينوه. ﴿وَالشَّهَادَةِ﴾ ما شاهدوه وعلموه ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ ذو الرحمة، ولا يوصف به إلا هو سبحانه ﴿الرَّحِيمُ﴾ عظيم الرحمة. ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ البليغٌ في النزاهة، وهو فُعُّول من تقدَّس: إذا تطهَّر، وحظيرة القدس: الجنة؛ لأنها طاهرة، ومنها روح القدس، والأرض المقدسة: بيت المقدس، سمي به؛ لأنه يُتطهر فيه من الذنوب. ﴿السَّلَام﴾ الذي سلم من النقائص ﴿الْمُؤْمِنُ﴾ واهب الأمن ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ الرقيب على كل شيء ﴿الْعَزِيزُ﴾ الذي لا يوجد له نظير ﴿الْجَبَّارُ﴾ العظيم الذي جبر خلقَه على ما أراد ﴿الْمُتَكَبِّرُ﴾ المتعالي عن صفات المحدثات وعن كل سوء. ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إذ لا يشاركه أحد في شيء من ذلك.

الحشر 59:24

﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ﴾ المقدِّرُ لما يوجد ﴿الْبَارِئُ﴾ المنشئ من العدم. قرأ الدوري عن الكسائي: (الْبَارِئُ) بالإمالة (١) ﴿الْمُصَوِّرُ﴾ الممثِّل لصورة خلقه بالشكل واللون. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ أي: ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته سبحانه، وهذه الأسماء التي حصرها رسول الله - ﷺ - بقوله: "إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلا واحدًا، من أحصاها، دخلَ الجنةَ" (٢)، وتقدم ذكرها والكلام عليها في سورة الأعراف عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الآية: ١٨٠]. ﴿يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ينزهه عن النقائص. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قدم تفسيره في أول سورة الحديد. روي أن اسم الله الأعظم في هذه الآيات من ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ إلى آخرها (٣)، والله أعلم. (١) انظر: "الكشف" لمكي (١/ ١٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢١). (٢) تقدم تخريجه. (٣) انظر: "تفسير الطبري" (٢٨/ ٥٦).

الممتحنة 60:1

سورة الممتحنة مدنية، وآيها: ثلاث عشرة آية، وحروفها: ألف وخمس مئة وعشرة أحرف، وكلمها: ثلاث مئة وثمان وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾. [١] لما أراد رسول الله الخروج إلى مكة عام الحديبية، فورَّى عن ذلك بخيبر، فشاع في الناس أنهم خارجون إلى خيبر، وأخبر هو جماعة من كبار الصحابة بقصده إلى مكة، منهم حاطبُ بن أبي بلتعة، فكتب حاطب إلى قوم من كفار مكة يخبرهم بقصد رسول الله، وحذَّرهم، وأرسل مع سارة مولاة بني المطلب، فجاء جبريل إلى رسول الله - ﷺ -، فأخبره بذلك، فبعث عليًّا والزبير وعمارًا وطلحة والمقداد وأبا مرثد، وقال: "انطلقوا حتى تأتوا روضةَ خاخ؛ فإنَّ بها ظَعينةً معها كتابُ حاطبٍ إلى أهلِ مكة، فخُذوا منها، وخَلُّوها، فإن أبت، فاضربوا عنقَها"، فأدركوها ثَمَّ، فجحدت، ففتشوا جميع رحلها فما وجدوا شيئًا، فقال بعضهم: ما معها كتاب، فقال علي: ما كذب رسولُ الله - ﷺ -، واللهِ لتخرجِنَّ الكتاب، وإلا لأجردَنَّك ولأضربَنَّ عنقَك، فأخرجته من ذؤابتها، قد خبأته في شعرها، فخلوها، ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله - ﷺ -، فاستحضر حاطبًا، وقال: "ما حَمَلَكَ عليه؟ فقالَ: ما كفرتُ منذ أسلمتُ، ولا غششتك منذ نصحتُك، ولكني كنتُ امرأً ملصَقًا في قريش، وليس فيهم من يحمي أهلي، فأردت أن آخذ عندهم يدًا يرعوني بها في قرابتي، وقد علمت أن كتابي لا يغني عنهم شيئًا، فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: دعني يا رسول الله أضربْ عنقَ هذا المنافق، فقال رسول الله: - ﷺ - صدقَ حاطبٌ إنه من أهل بدر، وما يدريك يا عمرُ لعلَّ الله قد اطَّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرتُ لكم، لا تقولوا لحاطب إلا خيرًا" (١). وروي أن حاطبًا كتب أن رسول الله - ﷺ - يريد غزوكم مثل (٢) الليل والسيل، وأقسم بالله، لو غزاكم هو وحده، لنصر عليكم، فكيف وهو في جمع كثير؟! فنزل في شأن حاطب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ (٣) مفعولُه الأول ﴿عَدُوِّي﴾ ويعطف عليه ﴿وَعَدُوَّكُمْ﴾ والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ والعدو: اسم يقع للجمع والمفرد، والمراد هنا: كفار قريش. (١) رواه البخاري (٤٦٠٨)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾، ومسلم (٢٤٩٤)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل أهل بَدر رضي الله عنهم من حديث عليٍّ -رضي الله عنه-. (٢) في "ت": "في حكم". (٣) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٢٩٣)، و" "تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٩٠).

الممتحنة 60:2

﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ﴾ صفة لـ (أَوْلِياءَ) والباء زائدة في ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: لا تظهروا مودتكم لهم ﴿وَقَدْ﴾ الواو للحال؛ أي: وحالهم أنهم. ﴿كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ وهو القرآن. ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ من مكة ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ تعليل؛ أي: لإيمانكم ﴿بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ شرطٌ جوابه متقدم في معنى ما قبله، تقديره: إن كنتم خرجتم ﴿جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ فلا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، و (جِهَادًا) و (ابْتِغَاءَ) مفعولان له، والمرضاة مصدر كالرضا. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتِي) بالإمالة، والباقون: بالفتح (١). ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ بالنصيحة فعل ابتدأ به القول؛ أي: تفعلون ذلك ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر: (وَأَنَا أَعْلَمُ) بالمد (٢). ﴿مَا أَخْفَيْتُمْ﴾ من المودة للكفار ﴿وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ أظهرتم. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ أي: الإسرارَ. ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾ أخطأ ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ طريق الهدى. ﴿إنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (٢﴾. [٢] ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ يظفروا بكم ﴿يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً﴾ ولا تنفعكم مودتهم. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٥). (٢) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٥).

الممتحنة 60:3

﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ بالضرب والقتل ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ بالشتم. ﴿وَوَدُّوا﴾ كفار مكة ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ فتكونون مثلَهم. ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)﴾. [٣] ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ﴾ قراباتُكم. ﴿وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ بمكة الذين بسببهم كتب الكتاب خوفًا عليهم إلى مكة. ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار. قرأ عاصم، ويعقوب: (يَفْصِلُ) بفتح الياء وإسكان الفاء وكسر الصاد مخففة، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم الياء وفتح الفاء وكسر الصاد مشددة، وقرأ ابن عامر بخلاف عن راويه هشام: بضم الياء وفتح الفاء والصاد مشددة، وقرأ الباقون: بضم الياء وإسكان الفاء وفتح الصاد مخففة (١)، المعنى: يفرق تعالى بينكم وبين أقاربكم، فيدخل المؤمنَ الجنة، والكافرَ النار. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيجازيكم عليه. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٧٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٥ - ١٢٦).

الممتحنة 60:4

﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٤)﴾. [٤] ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُسْوَةٌ﴾ قدوة ﴿حَسَنَةٌ﴾ قرأ عاصم: (أُسْوَةٌ) بضم الهمزة، والباقون: بكسرها (١). ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ قرأ هشام؛ (أَبْرَاهَامَ) بالألف، والباقون: بالياء (٢). [﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ من المؤمنين، وقيل: الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبًا منه، قال ابن عطية (٣): وهذا القول أرجح؛ لأنه لم يرد (٤) أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحة نمرود، وفي "البخاري" (٥)؛ أنه قال لسارة حين دخل بها إلى الشام مهاجرًا من بلاد نمرود: ما على الأرض من يعبد الله غيري وغيرك] (٦). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٧٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٧). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٧). (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٢٩٥). (٤) في "المحرر الوجيز": "لم يروَ". (٥) رواه البخاري (٣١٧٩)، كتاب: الأنبياء، باب: قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ومسلم (٢٣٧١)، كتاب: الفضائل، باب: من فضائل إبراهيم الخليل، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. (٦) ما بين معكوفتين سقط من "ت".

الممتحنة 60:5

﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ المشركين ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ﴾ جمع بريء. ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ جحدنا دينكم. ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ فتنقلب العداوة محبة، وهذا أمر لحاطب والمؤمنين بالاقتداء بإبراهيم ومن معه من المؤمنين في التبرؤ من المشركين. واختلاف القراء في الهمزتين من (الْبَغْضَاءُ أَبَدًا) كاختلافهم فيهما من (الْمَلأُ أَفْتوني) في سورة النمل [الآية: ٣٢]. ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ مستثنى من (أُسْوَة) يعني: لكم أسوة في إبراهيم، إلا في استغفاره لأبيه المشرك؛ فإن إبراهيم عليه السلام كان قد قال لأبيه: ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ ثم تبرأ منه كما تقدم في سورة التوبة؛ لأن استغفار المؤمن للكافر لا يجوز، قال إبراهيم لأبيه: ﴿وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ﴾ ما أدفعُ عنك من عذابه ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ إن عصيتُه وأشركتُ. ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ حكاية عن قول إبراهيم والذين معه: أنه هكذا كان، وقيل: هو أمر للمؤمنين؛ أي: قولوا ذلك. ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)﴾. [٥] ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا تُظفرهم بنا، فيفتنونا عن ديننا.

الممتحنة 60:6

﴿وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا﴾ ما فرطَ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم﴾. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٦)﴾. [٦] ثم خاطب الله أمة (١) محمد - ﷺ -، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ﴾ في إبراهيم ومؤمنيه ﴿أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ تقدم مذهب عاصم في (أُسْوَة)، فإن قيل: لم كرر الله الأسوة مرتين؟ فالجواب أن الأسوة الأولى غير الثانية، فالأولى أسوة في العداوة، والثانية في الخوف والخشية، فلا تكرار، وتبدل من ﴿لَكمْ﴾ بدل اشتمال. ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ أي: يخاف الله، ويخاف عذاب الآخرة. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ﴾ عن الإيمان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن خلقه. ﴿الْحَمِيدُ﴾ في ذاته وأفعاله، لا ينقص ذلك كفرُ كافر، ولا نفاقُ منافق. ﴿عسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾. [٧] ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ﴾ أي: من كفار مكة. ﴿مَوَدَّةً﴾ محبة، ففعل الله ذلك؛ بأن أسلم كثير منهم يوم فتح مكة، وتحابوا. (١) "أمة" زيادة من "ت".

الممتحنة 60:8

روي أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وذلك أن أم حبيبة بنت أبي سفيان وزوجها عبيد الله بن جحش أسلما وهاجرا إلى الحبشة، فقُبض زوجها، فأُخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فكتب كتابًا إلى النجاشي، وخطب أم حبيبة وتزوجها، وأحبَّ أن يكون صهرُه مسلمًا، فأنزل الله الآية، وأسلم هؤلاء (١) الأربعة لمحبته (٢). ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ على ذلك ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم﴾ لما فرط منكم في موالاتهم من قبل. ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾. [٨] ونزل رخصة في بِرِّ من لم يعاد المسلمين، ولم يقاتلهم من الكفار ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ وتبدل من ﴿الَّذِينَ﴾. ﴿أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ تعدلوا فيهم بالإحسان. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ العادلين، ونسختها ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. (١) في "ت": "هذه". (٢) انظر: "تفسير الثعالبي" (٩/ ٢٩٤)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٥٨).

الممتحنة 60:9

﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا﴾ أعانوا ﴿عَلَى إِخْرَاجِكُمْ﴾ فإن بعضهم سعى في إخراج المؤمنين، وبعضٌ أعان عليه، وتبدل من ﴿الَّذِين﴾. ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ تلخيصه: لم ينهكم عن بر هؤلاء، إنما ينهاكم عن تولِّي هؤلاء. قرأ البزي: (أَن تَّوَلَّوْهُمْ) بتشديد التاء، والباقون: بتخفيفها (١). ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ لوضعهم الولاية في غير موضعها. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾. [١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ من دار الكفر إلى دار الإسلام. ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ فاختبروهن بالحلف إنهن ما خرجن إلا حبًّا لله ورسوله، فكان رسول الله - ﷺ - يحلِّف المهاجرة بالله إنها ما خرجت بغضًا لزوج، (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٢٩). ولا عشقًا لرجل، ولا رغبة عن أرض إلى أرض، ولا لحدث أحدثته، ولا لالتماس الدنيا، ولا خرجت إلا رغبة في الإسلام، وحبًّا لله ورسوله، فإذا حلفت، لم يردَّها، وأعطى زوجَها مهرَها وما أنفقَ عليها، وحكم بإيمانها. ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ فإنَّه المطَّلع على ما في قلوبهن. ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي: غلب على ظنكم إيمانُهنَّ بالحلف؛ لأن غلبة الظن تسمى: علمًا ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ﴾ تردُّوهن ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾ بعدَما أسلمن، وإن كانوا أزواجهن. ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ أي: لا يحل أحدهما لصاحبه. ﴿وَءَاتُوهُم﴾ يعني: أزواجَهن ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ من المهر. ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وإن كان لهن أزواج كفار؛ لأن الإسلام فرق بينهن وبين أزواجهن الكفار. ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهن. ﴿وَلَا تُمْسِكُوا﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب: بفتح الميم وتشديد السين، وقرأ الباقون: بإسكان الميم وتخفيف السين (١)، ومعناهما الإمساك. ﴿بِعِصَمِ﴾ جمع عصمة، وهو ما يعتمد عليه. ﴿الْكَوَافِرِ﴾ جمع كافرة، المعنى: من كانت له زوجة كافرة، فلا يعتدَّنَّ (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٤)، و "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٧٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٠). بها؛ لانقطاع الزوجية بينهما، فلما نزلت هذه الآية، طلق عمر بن الخطاب امرأتين كانتا له بمكة مشركتين: قريبة بنت أبي أمية بن المغيرة، فتزوجها معاوية بن أبي سفيان، وهما على الشرك في مكة، والأخرى: أم كلثوم بنت عمرو بن جرول الخزاعية أم عبد الله بن عمر، فتزوجها أبو جهم بن حذافة بن عاصم، وهما على الشرك، وكانت أروى بنت ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب تحت طلحة بن عبيد الله، فهاجر طلحة وهي بمكة على دين قومها، ففرق الإسلام بينهما، فتزوجها في الإسلام خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وكانت زينبُ بنتُ رسول الله - ﷺ - امرأةَ أبي العاص بن الربيع، ولحقت بالنبي - ﷺ -، وأقام أبو العاص بمكة مشركًا، ثم أتى المدينةَ، فأسلم، فردها عليه رسول الله - ﷺ - (١). وأما حكم الشرع إذا أسلم الزوجان معًا، أو أسلم زوج الكتابية، فهما على نكاحهما بالاتفاق، وإذا أسلمت المرأة، فإن كانت مدخولًا بها، فأسلم في عدتها، فهي امرأته بالاتفاق، وإن كانت غير مدخول بها، وقعت الفرقة بينهما، وكانت فسخًا عند الثلاثة، وقال أبو حنيفة: يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم، فهي امرأته، وإلا فرق القاضي بينهما بإبائه عن الإسلام، وتكون هذه الفرقة طلاقًا عند أبي حنيفة ومحمد، وفسخًا عند أبي يوسف، ولها المهر إن كانت مدخولًا بها، وإلا فلا، بالاتفاق. وأما إذا ارتد أحد الزوجين المسلمَين، فقال أبو حنيفة ومالك: تقع الفرقة حال الردة بلا تأخير، قبل الدخول وبعده، وقال الشافعي وأحمد: إن (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٧٨)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٦٦).

الممتحنة 60:11

كانت الردة من أحدهما قبل الدخول، انفسخ النكاح، وإن كانت بعدها، وقعت الفرقة على انقضاء العدة، فإن أسلم المرتد منهما في العدة، ثبت النكاح، وإلا انفسخ بانقضائها، ثم إن كان المرتد الزوجة بعد الدخول، فلها المهر، وقبله لا شيء لها، وإن كان الزوج، فلها الكل بعده، والنصف قبله بالاتفاق. ﴿وَاسْأَلُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي: واسألوا أهل مكة أن يردوا عليكم مهورَ النساء اللواتي يخرجن إليهن مرتدات ممن يتزوجهن. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (سَلُوا) بنقل حركة الهمز إلى ساكن قبله وهو السين، وقرأ الباقون: بإسكان السين والهمز (١). ﴿وَلْيَسْأَلُوا﴾ أي: المشركون ﴿مَا أَنْفَقُوا﴾ من المهر على زوجاتهم المهاجرات ممن تزوجوهن. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحكم المذكور. ﴿حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يحكم (٢) ما تقتضيه حكمته، ثم نسخ هذا الحكم بعد ذلك. ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (١١)﴾. [١١] فلما نزلت هذه الآية، أقر المؤمنون بحكم الله -عز وجل-، وأدَّوا ما أُمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يقروا (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣١). (٢) في "ت": "يشرع".

الممتحنة 60:12

بحكم الله فيما أمر به من أداء نفقات المسلمين، فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ﴾ (١) أي: أحد ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ أي: سبقكم، وانقلب منكم ﴿إِلَى الْكُفَّارِ﴾، فلحق بهم مرتدات. ﴿فَعَاقَبْتُمْ﴾ فغنمتم من الكفار. ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾ منكم إلى الكفار مرتدات. ﴿مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ عليهن من الغنائم التي صارت في أيديكم. قال ابن عباس: "لحق بالمشركين من نساء المؤمنين المهاجرين ستُّ نسوة رجعنَ عن الإسلام، فأعطى رسول الله - ﷺ - أزواجهنَّ مهورهن من الغنيمة" (٢)، وهذا كله منسوخ حكمه. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فإن الإيمان به يقتضي التقوى منه. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾. [١٢] ونزل يوم فتح مكة لما فرغ رسول الله - ﷺ - من بيعة الرجال وهو على الصفا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ قرأ نافع: (النَّبِيءُ إِذَا) (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٧٨). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٧٩). بالهمز والمد وتسهيل الهمزة الثانية، والباقون: بتشديد الياء بغير مد ولا همز، وتحقيق الهمزة الثانية. ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ والمراد: وأد البنات الذي كانوا يفعلونه، وهو دفنهن في حياتهن. ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي: تلتقط مولودًا وتقول لزوجها: هذا ولدي منك، فهو البهتان المفترى؛ لأن الولد إذا وضعته الأم، سقط بين يديها ورجليها. قرأ يعقوب: (أَيْدِيهُنَّ) بضم الهاء، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ هو ما وافق طاعة الله ورسوله. ﴿فَبَايِعْهُنَّ﴾ إذا بايعنك. ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فكان رسول الله - ﷺ - على الصفا، وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أسفل منه، وهو يبايع النساء بأمره، ويبلغهن عنه، وهند بنت عتبة امرأة أبي سفيان متنقبة متنكرة مع النساء؛ خوفًا من رسول الله - ﷺ - أن يعرفها، ثم عرفها، وعفا عنها، وصح أنه - ﷺ - لم يصافح امرأة في البيعة، وإنما بايعهن بالكلام، وقال: "إني لا أصافحُ النساءَ، وإنما قولي لامرأةٍ كقولي لمئةِ امرأة" (٢). (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و "معجم القراءات القرآنية، (٧/ ١٣٢ - ١٣٣). (٢) رواه النسائي (٤١٨١)، كتاب: البيعة، باب: بيعة النساء، والترمذي (١٥٩٧)، كتاب: السير، باب: ما جاء في بيعة النساء، وقال: حسن صحيح، من حديث أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها.

الممتحنة 60:13

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾. [١٣] وكان بعض فقراء المسلمين يواصلون اليهود لينالوا شيئًا من ثمارهم، فنزل: ﴿يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (١) وهم اليهود. ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: من أن يكون لهم حظ فيها. ﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ أي: من رجوع موتاهم؛ لأنهم لا يوقنون بالبعث، والله أعلم. (١) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٥٢٠)، و"تفسير البيضاوي" (٥/ ٣٣١).

الصف 61:1

سورة الصف مدنية في قول الجمهور، وقيل: مكية، والأول أصح؛ لأن معانيها تعضده، ويشبه أن يكون فيها المكي والمدني، وآيها: أربع عشرة آية، وحروفها: تسع مئة وستة وعشرون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وعشرون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ [١] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة الحديد. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾. [٢] روي أن جماعة من المؤمنين قالوا: لو أردنا (١) أن نعرف أحبَّ الأعمال إلى ربنا حتى نفنى فيه، ففرض الله الجهاد، وأعلمهم بفضله لديه، وأنه يحب المقاتلين في سبيله كالبنيان المرصوص، وكان إذ فرض تكرَّهَهُ قوم منهم، وفرَّ من فر يوم أُحد، فعاتبهم الله تعالى بقوله: (١) في "ت": "لوددنا".

الصف 61:3

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) وقف البزي ويعقوب: (لِمَهْ) بهاء بعد الميم (٢). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. [٣] ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ عظم بغضًا ﴿عِندَ اَللَّهِ﴾ و (مَقْتًا) نصب على التمييز، وفاعل (كَبُرَ) ﴿أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا مبالغة في المنع عنه. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾. [٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ أي: مصفوفين. ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ لاصقٌ بعضُه ببعض، قد أُحكم، فليس فيه فرجة ولا خلل. وأما حكم الجهاد، فهو فرض كفاية على المستطيع بالاتفاق، إذا فعله البعض، سقط عن الباقين، وعند النفير العام وهو هجوم العدو يصير فرض عين بغير خلف. (١) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٠١). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٧).

الصف 61:5

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٥)﴾. [٥] ثم ذكر قصة موسى؛ لأن قومه آذوه في الجهاد، وامتنعوا منه؛ كما أن المنافقين آذوا رسول الله - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿وإِذْ﴾ أي: واذكر إذ. ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ من بني إسرائيل. ﴿يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي﴾ بالتكذيب والقذف بما ليس فيَّ. اتفق القراء على إثبات الياء في الحالين في (تُؤْذُوننَي) و (بِرَسُولٍ يَأْتِي). ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ والرسول يجب احترامه، و (قَدْ) لتحقيق العلم. ﴿فَلَمَّا زَاغُوا﴾ مالوا عن الحق. قرأ حمزة: (زَاغُوا) بالإمالة (١). ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أمالها عن الإيمان والخير. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ الذين سبق في علمه فسقُهم. ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾. [٦] ﴿وَإِذْ﴾ أي: واذكر إذ ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ولم يقل: (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٧). يا قوم؛ لأنه لم يكن له في بني إسرائيل قرابة. ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا﴾ أي: في حال تصديقي. ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، و (أَحْمَدُ) هو الذي حمدُه لربه أفضلُ من حمد الحامدين غيره، وهو الذي يحمده أهل الدنيا وأهل الآخرة، وأهل السماء والأرض، فلكثرة خصائله المحمودة التي تفوق عددَ العادِّين سمي باسمين من أسماء الحمد، يقتضيان التفضيل والزيادة في القدر والصفة، فدل أحد الاسمين وهو محمد على كونه محمودًا، ودل الاسم الثاني وهو أحمد على كونه أحمد الحامدين لربه، وأن الحمد الذي يستحقه أفضلُ مما يستحقه غيره، وقد أكرمه الله سبحانه بهذين الاسمين المشتقين من اسمه جل وعلا، وتقدم تفسير محمد في سورة (آل عمران)، وفي (الأحزاب)، ولم يُسم بأحمد أحدٌ غيره، ولا دُعي به مدعو قبله، وكذلك محمد أيضًا لم يُسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قُبيل وجوده -عليه ابسلام- وميلاده: أن نبيًّا يبعث اسمه محمد، فسمى قوم قليل من العرب أبناهم بذلك؛ رجاء أن يكون أحدهم هو، وهم: محمد بن أُحيحة بن الجلاج الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن براء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمدان الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم (١)، ثم حمى الله كلَّ من تسمى به أن يدَّعي النبوة أو يدَّعيها أحدٌ له، أو يظهر (١) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٢٩٧)، و"فتح الباري" لابن حجر (٦/ ٥٥٦).

الصف 61:7

له (١)، أو يظهر عليه سبب تشكك أحدًا في أمره حتى تحققت السمتان له - ﷺ -، ولم ينازع فيهما. قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مِن بَعْدِي) بإسكان الياء، والباقون: بفتحها (٢)، وكان بين رفع المسيح ومولد النبي - ﷺ - خمس مئة وخمس وأربعون سنة تقريبًا، وعاش المسيح إلى أن رُفع ثلاثًا وثلاثين سنة، وبين رفعه والهجرة الشريفة خمس مئة وثمان وتسعون سنة، ونزل عليه جبريل -عليه السلام- عشر مرات، وأُمَّتُه النصارى على اختلافهم. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (سَاحِرٌ) بألف بعد السين وكسر الحاء، إشارة إلى عيسى عليه السلام، وقرأ الباقون: بكسر السين وإسكان الحاء من غير ألف، إشارة إلى ما جاء به (٣). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أي: لا أحدَ أظلمُ. ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ بنسبة الشريك والولد إليه تعالى. (١) "أو يظهر له" ساقطة من "ت". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٨). (٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٠١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٨).

الصف 61:8

﴿وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ﴾ على لسان رسله. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ إلى ما فيه فلاحهم. ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ هو توحيده وإظهار شرعه، وزيدت اللام في (لِيُطْفِئُوا) تأكيدًا للإضافة. قرأ أبو جعفر: (لِيُطْفُوا) بضم الفاء وإسكان الواو بغير همز، وقرأ الباقون: بكسر الفاء والهمز (١). ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ بكذبهم بنسبة الولد والشريك إليه. ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ بنشره وإعلانه. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُتِمُّ) بغير تنوين (نُورِهِ) بالخفض إضافة، وقرأ الباقون: بالتنوين، ونصب (نُورَهُ) على الأصل (٢). ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ إرغامًا لهم. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ محمدًا - ﷺ -. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٩). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٣٩).

الصف 61:10

﴿بِالْهُدَى﴾ بالقرآن ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ وهو الإسلام. ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ ليعليه ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان. ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ لما فيه من التوحيد وإبطال الشرك. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾. [١٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠)﴾ قرأ ابن عامر: (تُنَجِّيكُم) بفتح النون وتشديد الجيم؛ من (نَجَّى)، والباقون: بإسكان النون وتخفيف الجيم؛ من أنجى (١). ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١)﴾. [١١] ثم بين تلك التجارة فقال: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ وهو خبر بمعنى الأمر. ﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور من الإيمان والجهاد. ﴿خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: إن كنتم من أهل العلم. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٥)، و "معجم القراءات القرآنية" (٦/ ١٣٩ - ١٤٠).

الصف 61:12

﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ قرأ أبو عمرو: (يَغفِر لَكُمْ) بإدغام الراء في اللام (١) وجزمه جواب شرط محذوف تقديره: إن تؤمنوا، يغفر لكم، وتعطف على (يَغْفِرْ). ﴿وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ وطيبتُها بسعتِها ودوامِ أمرها. ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِك﴾ المذكور من المغفرة وإدخال الجنة. ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَأُخْرَى﴾ أَي: ولكم في الجهاد خصلة أخرى ﴿تُحِبُّونَهَا﴾ وتلك الخصلة. ﴿نَصْرٌ مِنَ اللَّه﴾ على قريش ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ هو فتح مكة. ﴿وَبَشِّرِ﴾ يا محمد ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ بالنصر والجنة. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٠).

الصف 61:14

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١٤)﴾. [١٤] ثم حضهم على نصرة الدين وجهاد المخالفين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وأبو عمرو: (أَنْصَارًا لِلِه) بالتنوين ولام الجر، وإذا وقفوا، أبدلوا من التنوين ألفًا؛ لأن المعنى المذكور كونوا بعضَ أنصار الله، وقرأ الباقون: (أَنْصَارَ) بغير تنوين (اللهِ) بغير لام الجر على إضافة (أَنْصَارَ) إلى (اللهِ) (١)؛ أي: أنصارَ دينه؛ لقوله: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ)، وإذا وقفوا، أسكنوا الراء لا غير، وإذا ابتدؤوا، أتوا بهمزة الوصل. ﴿كَمَا﴾ أي: أقول لكم كما ﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ قرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: (لِلْحَوَارِيِّينَ) بالإمالة بخلاف عنه، والباقون: بالفتح، وقرأ نافع، وأبو جعفر: (أَنْصَارِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها، وأمال فتحة الصاد: الدوري عن الكسائي (٢)، المعنى: مَنِ المختص بي، فيساعدني في نصر دين الله؟. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٠)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٠ - ١٤١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٥)، والإمالة في "الكشف" لمكي (١/ ١٧١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤١). ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ الذين ينصرونه، وتقدم ذكر أسماء الحواريين وتفسير معناهم في سورة (آل عمران). ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل﴾ بعيسى؛ لأنهم قالوا: عبد الله، فرفع إلى السماء. ﴿وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ لقولهم: هو ابنه وشريكه، فاقتتلت الطائفتان، فظهرت الكافرة على المؤمنة. ﴿فَأَيَّدْنَا﴾ قوينا ونصرنا ﴿الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ ببعث محمد - ﷺ -. ﴿فَأَصْبَحُوا﴾ يعني: المؤمنين ﴿ظَاهِرِينَ﴾ غالبين أعداءهم بتصديق محمد - ﷺ - أن عيسى كلمة الله وروحه، والله أعلم.

الجمعة 62:1

سورة الجمعة مدنية، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: سبع مئة وثمانية وأربعون حرفًا، وكلمها: مئة وثمانون كلمة، وقيل: إنها مكية، وهو خطأ من قائله؛ لأن أمر اليهود لم يكن إلا بالمدينة، وكذلك إقامة الجمعة وصلاتها والانفضاض بغير خلاف. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾. [١] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ﴾ تقدم تفسيره، ومعنى (سبح) بلفظ الماضي، و (يسبح) بلفظ المضارع أول سورة الحديد. ﴿القُدُّوس﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحديد، وجرُّ الأسماء الأربعة صفة (لله). ﴿هوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾. [٢] ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ يعني: العرب كانت أمة أمية، لا تكتب

الجمعة 62:3

ولا تقرأ ﴿رَسُولًا مِنْهُم﴾ يعني: محمدًا - ﷺ -، المعنى: بعث رجلًا أميًّا في أمة أمية نسبهُ نسبُهم. ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ مع كونه أميًّا ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من الشرك. ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ القرآن ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة. ﴿وَإِنْ كَانُوا﴾ أي: وما كانوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أى: من قبل مجيئه. ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ إلا في ضلال بين (١) يعبدون الأوثان. ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾. [٣] ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ﴾ عطف على (الأُميين)؛ أي: بعث في الأميين وفي آخرين منهم؛ أي: من بعدهم. ﴿لَمَّا﴾ أي: لم ﴿يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ بالأولين في فضل السابقة، وهم التابعون، أو العجم، وجميع طوائف الناس، لأن التابعين لا يدركون شأن الصحابة، و (ما) زيدت في (لم) تأكيدًا. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في اختياره. ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾. [٤] ﴿ذَلِكَ﴾ الفضلُ الذي أُعطيَه محمد - ﷺ -. ﴿فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ تبيين لموقع النعمة وتخصيصه بها من شاء. (١) "إلا في ضلال بين" زيادة من "ت".

الجمعة 62:5

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾. [٥] ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ﴾ أي: قرؤوها، وكلفوا العمل بما فيها، وهم اليهود. ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ لأنهم لم يعملوا بما فيها، ولو عملوا، لآمنوا؛ لأن فيها نعته - ﷺ -، فمثلهم في حملها وعدم الانتفاع بها. ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ﴾ الذي ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ كتبًا، واحدها سِفْر، لا يدرك منها إلا ما يتعبه، وكل من علم علمًا ولم يعمل به، فهذا مثله. ﴿بِئْسَ﴾ فاعلُه ﴿مَثَلُ الْقَوْمِ﴾ نعت القوم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على صدق محمد - ﷺ -، والمخصوص بالذم محذوف، تقديره: بئس مَثَلُ القومِ المكذبين هذا المثلُ. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ أنفسَهم بتكذيب الأنبياء. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وخلف، وابن ذكوان: (التَّوْرَاةَ) بالإمالة حيث وقعت (١)، وقرأ أبو عمرو أيضًا، وورش، والدوري عن الكسائي، وابن ذكوان بخلاف عنه (الْحِمَارِ) بالإمالة. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٥ - ٤١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٥).

الجمعة 62:6

﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦)﴾. [٦] ولما قال اليهود: نحن أولى بالله من غيرنا، نزل: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا﴾ تهودوا ﴿إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ جميعًا. ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ أي: اطلبوه؛ فإنه هو الذي يوصلكم إليه. ﴿إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في زعمكم. ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا﴾ لعلمهم بكذبِهم، ولكفرِهم. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ فيجازيهم. ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ﴾ أي: من تمنيه مخافةَ أن يصيبكم. ﴿فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ ودخلت الفاء في خبر (إنَّ) لما في (الَّذي) من معنى الشرط، تقديره: إن فررتم من أي موت فررتم؛ كقتل وغيره، فإنكم ميتون. ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت.

الجمعة 62:9

﴿إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ وهو الله سبحانه، وتقدم تفسيره في سورة الحشر. ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بأن يجازيكم عليه. ﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ﴾ أي: أُذِّنَ (١) ﴿لِلصَّلَاةِ مِنْ﴾ أي: في ﴿يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ وأول من سماه يومَ الجمعة كعبُ بن لؤي، وكان قبل ذلك يسمى عَروبة (٢)، ويسمى جمعة؛ لاجتماع المخلوقات فيه، وتكاملها كما تقدم في سورة (فصلت)، وقيل: لاجتماع الناس فيها في المكان الجامع، أو لأن خلق آدم جُمع فيه. وأولُ جمعة جمعها النبي - ﷺ - في بني سالم بن عوف في بطن واد لهم بعد أن نزل على قباء، وأسس مسجدها، ثم خرج عامدًا إلى المدينة، فأدركته الصلاة ثَمَّ، فجمع هناك، وخطب (٣)، والمراد بالنداء: الأذان الذي عند المنبر عند جلوس الإمام للخطبة، وهو الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، فلما كان زمن عثمان، وكثر الناس، وتباعدت المنازل، زاد مؤذنًا آخر على الزوراء يؤذن قبل جلوسه على (١) "أي: أذن" زيادة من "ت". (٢) "وكان قبل ذلك يسمى عروبة" زيادة من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٩)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٩٩).

الجمعة 62:10

المنبر، فإذا جلس، أذن الثاني، وهو المعتبر في وجوب السعي وترك البيع. ﴿فَاسْعَوْا﴾ فامضوا ﴿إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الصلاة. ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ والشراء؛ لأن لفظ البيع يتناولهما، وسيأتي الكلام عليه مع أحكام الجمعة بعد انتهاء التفسير، والمراد بالسعي: المبادرة بالنية والجد، وليس المراد الإسراع في المشي. قال - ﷺ -: "إذا كان يومُ الجمعة، كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكةٌ يكتبون الأولَ فالأولَ، فإذا خرج الإمام، طُويت الصحف، واجتمعوا للخطبة، والمهجِّرُ إلى الصلاة كالمهدي بَدَنة، ثم الذي يليه كالمهدي بقرة، ثم الذي يليه كالمهدى شاةً، حتى ذكر الدجاجة والبيضة" (١). ﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من المعاملة؛ فإن نفع الآخرة خير وأبقى. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ مصالحَ أنفسكم ومضارَّها. ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ أي: فُرغ منها. (١) رواه النسائي (١٣٨٥)، كتاب: الجمعة، باب: التبكير إلى الجمعة، وابن ماجه (١٠٩٢)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في التهجير إلى الجمعة، وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الجمعة 62:11

﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ للتصرف في حوائجكم. ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ هو طلب العلم، وكسبُ الحلال. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ في كل أحوالكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ بخير الدارين. ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١﴾. [١١] وكان قد أصاب المدينةَ قحط شديد، وكان دِحْيَةُ بن خليفة الكلبيُّ يأتيهم بكل ما يحتاجون إليه من بر وشعير وغيرهما من الشام، وكان إذا قدم، ضُرب الطبل، ليعلم به، فقدم يوم الجمعة، وذلك قبل إسلامه، والنبيّ - ﷺ - يخطب، فضرب الطبل، فخرج الناس إليه ومن في المسجد؛ خوفًا أن يُسبقوا، ولم يبق عنده - ﷺ - غير اثني عشر رجلًا وامرأة، فنزل: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ (١) هي تجارة دحية ﴿أَوْ لَهْوًا﴾ هو صوت الطبل. ﴿انْفَضُّوا﴾ تفرقوا عنك وذهبوا. ﴿إِلَيْهَا﴾ ولم يقل: إليهما؛ ردًّا للضمير إلى التجارة؛ لأنها كانت مطلوبَهم. ﴿وَتَركُوكَ﴾ في الخطبة ﴿قَائِمًا﴾ على المنبر. (١) انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي (٨/ ٢٦٩). ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ من الثواب ﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ فإن نفع ذلك محقق. قرأ أبو عمرو: (مِنَ اللَّهْو وَّمِنَ التِّجَارَةِ) بإدغام الواو في الواو (١). ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ لأنه موجد الأرزاق، فإياه فاسألوا، ومنه فاطلبوا. وروي أن النفر الذين أقاموا عند رسول الله - ﷺ - بعدَ الانفضاض منهم جابرُ بن عبد الله، والعشرةُ المشهود لهم بالجنة، واختلف في الثاني عشر، فقيل: عمار بن ياسر، وقيل: عبد الله بن مسعود، وروي أن رسول الله - ﷺ - قال: "لولا هؤلاء، لقد كانت الحجارةُ سُوِّمَتْ على المنفضِّين من السماء" (٢). وأما أحكامُ الجمعة، فهي ركعتان فرض على كل ذكر مكلف حر صحيح مقيم بالاتفاق، وشرطها: الأبنية، أو قربها بالاتفاق، واشترط أبو حنيفة أن يكون بها أمير وقاض ينفذ الأحكام ويقيم الحدود، زاد بعضهم: وعالم يرجع إليه في الحوادث، ويشترط إذنُ الإمام فيها عند أبي حنيفة؛ خلافًا للثلاثة، ويشترط حضور أربعين ممن تلزمه عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومحمد بن الحسن ثلاثة سوى الإمام، وعند أبي يوسف اثنان سوى الإمام، وعند مالك ليس للجماعة التي تنعقد بهم الجمعة حد محصور، وأولُ وقتها عند أحمد وقت صلاة العيد، وعند (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٤٨). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٠٩)، و"تفسير الثعالبي" (٤/ ٣٠٢)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ١٠٩). الثلاثة وقت الزوال، وآخره آخر وقت الظهر بالاتفاق، وعن مالك يمتد إلى الغروب؛ بناء على أن وقت العصر والظهر عنده واحد. وإذا وقع عيد يوم الجمعة، سقطت الجمعة عمن حضر العيد مع الإمام سقوطَ حضور لا وجوب؛ كمريض إلا الإمام، فإن اجتمع معه العدد المعتبر، أقامها، وإلا صلوا ظهرًا. وتسقط صلاة العيد بصلاة الجمعة، سواء فعلت قبل الزوال أو بعده عند أحمد؛ خلافًا للثلاثة. وشرطها تقدم خطبتين بالاتفاق، يجلس بينهما جلسة خفيفة عند الثلاثة، وعند أبي حنيفة ليست الجلسة شرطًا، ويسلم الخطيب إذا صعد المنبر عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك لا يسلم، ويستحب جلوسه للأذان، والقيام في الخطبة بالاتفاق. وأول من استراح في الخطبة عثمان، وأول من جلس معاوية، وخطب جالسًا. والخطبة مشتقة من المخاطبة، والمنبر من نبر: إذا على صوته، والخطيب يعلو صوته. ومن شرط صحة الخطبتين: حمد الله، والصلاة على رسول الله - ﷺ -، وقراءة آية، والوصية بالتقوى عند الشافعي وأحمد، وعند مالك أقله ما يسمى خطبة عند العرب، وفي مذهبه قول كالأول، وعند أبي حنيفة لو اقتصر على ذكر الله أجزأه، وكذلك التسبيحة ونحوها، وعند صاحبيه لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة. وتشترط لهما الطهارة من الحدث والخبث عند الشافعي، خلافًا للثلاثة، ولا يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة عند أحمد، وعند أبي حنيفة يجوز للعذر، وعند مالك والشافعي إذا أحدث بين الخطبة والصلاة، استخلف في الصلاة، واشترط الشافعي أن يكون سمع الخطبة؛ لأن من لم يسمعها ليس من أهل الجمعة، ولم يشترطه مالك. ويجهر في الركعتين بالاتفاق. ويجوز عند الشافعي وأحمد أكثر من جمعة إن احتيج إليه، وإلا، فالأولى الصحيحة، وهي السابقة بتكبيرة الإحرام، فإن جهلت، أو تساوتا، بطلتا، وعند أبي حنيفة لا يجوز إلا في موضع واحد، وعند محمد بن الحسن تصح في موضعين وثلاثة، وعند مالك لا يصلى في مصر واحد في مسجدين، فإن فعلوا، فالصحيحة صلاة أهل المسجد العتيق. ويحرم الكلام والإمام يخطب إذا كان منه بحيث يسمعه عند الشافعي. وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك يسكت ولو كان بعيدًا. ويكره البيع والشراء ممن تلزمه الجمع بعد ندائها الذي عند المنبر عند أبي حنيفة، ولا يفسد به البيع، وقال الثلاثة: يحرم، فلو باع، صح بيعه عند الشافعي خلافًا لمالك وأحمد، ويصح عند أحمد النكاح وسائر العقود غير البيع؛ خلافًا لمالك؛ فإن النكاح والإجارة عنده كالبيع. وإذا انفضوا قبل إتمامها، استأنفوها ظهرًا عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك إن انفضوا بعد أن صلوا ركعة بسجدتيها، ولم يبق أحد غير الإمام، ولم يجد من يجمعها معه، بنى عليها ركعة، وصحت صلاته جمعة، كان انفضوا عنه قبل أن يفرغ من الركعة الأولى، يتم ظهرًا أربعًا، وعند أبي يوسف ومحمد إن انفضوا عنه بعد تكبيرة الإحرام، صلى جمعة. ومن أدرك مع الإمام ركعة، أتمها جمعة بالاتفاق، ومن أدرك أقل من ذلك، أتمها ظهرًا إن كان قد نوى الظهر عند مالك وأحمد، وعند الشافعي يتمها ظهرًا، لكن ينوي في اقتدائه الجمعة، وأحمد يشترط دخول وقت الظهر احترازًا عمن يصليها قبل وقت الزوال على قاعدته، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف إذا أدرك التشهد، يتمها جمعة، وعند محمد يتمها أربعًا ظهرًا. ويسن الغسل لها، وقراءة سورة الكهف في يومها وليلتها. وتقدم اختلاف الأئمة في قراءة السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ في صبحها في سورة آلمّ السجدة، ويستحب أن يكثر الدعاء في يومها، وأفضله بعد العصر؛ لساعة الإجابة. وفي الحديث: "ما طلعت شمسٌ ولا غربت عليَّ أفضل من يوم الجمعة، فيه ساعة لا يوافقها عبدٌ مؤمن يدعو الله فيها خيرًا إلا استجابَ الله له، أو يستعيذُ من شيء إلا أعاذَه اللهُ منه" (١). قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في الساعة التي تُرجى فيها الإجابة أنها بعد العصر، وترجى بعد زوال الشمس. وذكر الحافظ ابن حجر -رحمه الله- في "شرح البخاري" فيها ثلاثة وأربعين قولًا، ولخصها صاحب "الإنصاف" فيه، الأول: قيل: رفعت، الثاني: موجودة في جمعة واحدة في كل سنة، الثالث: مخفية في جميع (١) رواه الترمذي (٣٣٣٩)، كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البروج، وقال: حسن غريب، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. اليوم، الرابع: تنتقل في يومها، ولا يلزم ساعة معينة، لا ظاهرة ولا مخفية، الخامس: إذا أذن لصلاة الغداة، السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، السابع: مثله، وزاد: من العصر إلى الغروب، الثامن: مثله، وزاد: ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، التاسع: أول ساعة بعد طلوع الشمس، العاشر: عند طلوعها، الحادي عشر: في آخر الساعة الثالثة من النهار، الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع، الثالث عشر: مثله إلى أن يصير الظل ذراعًا، الرابع عشر: بعد الزوال بشير إلى ذراع، الخامس عشر: إذا زالت الشمس، السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة، السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل في الصلاة، الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، التاسع عشر: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، العشرون: ما بين خروجه إلى أن تنقضي الصلاة، الحادي والعشرون: ما بين تحريم البيع إلى حله الثاني والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، الثالث والعشرون: ما بين أن يجلس على المنبر إلى انقضاء الصلاة، الرابع والعشرون: عند خروج الإمام، الخامس والعشرون: عند التأذين والإقامة وتكبير الإمام، السادس والعشرون: مثله، لكن قال: إذا أذن، وإذا رقي المنبر، وإذا أقيمت الصلاة، السابع والعشرون: من حين يفتتح الخطبة حتى يفرغها، الثامن والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، التاسع والعشرون: عند الجلوس بين الخطبتين، الثلاثون: عند نزوله عن المنبر، الحادي والثلاثون: حين تقام حتى يقوم الإمام في مقامه، الثاني والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى إتمام الصلاة، الثالث والثلاثون: وقت قراءة الإمام الفاتحة إلى أن يقول: آمين، الرابع والثلاثون: من الزوال إلى المغرب، الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، السادس والثلاثون: في صلاة العصر، السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، الثامن والثلاثون: بعد العصر مطلقًا، التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخره، الأربعون: من اصفرار الشمس إلى أن تغيب، الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، الثاني والأربعون: من حين يغيب نصف قرصها، أو من حين تتدلى للغروب إلى أن يتكامل غروبها، الثالث والأربعون: هي الساعة التي كان -عليه أفضل الصلاة والسلام- يصليها فيها. قال الحافظ -رحمه الله-: وليست كلها متغايرة من كل وجه، بل كثير منها يمكن أن يتحد مع غيره، وليس المراد من أكثرها أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه، والله أعلم (١). (١) انظر: "فتح الباري" لابن حجر (٢/ ٤١٦ - ٤٢١).

المنافقون 63:1

سورة المنافقون مدنية بإجماع، وآيها: إحدى عشرة آية، وحروفها: سبع مئة وستة وسبعون حرفًا، وكلمها: مئة وثمانون كلمة، نزلت في غزوة بني المصطلق بسبب أن عبد الله بن أبي ابن سلول كانت منه في تلك الغزوة أقوال، وكان له أتباع يقولون قوله، فنزلت السورة كلها بسبب ذلك، وبين الله تعالى فيها ما تقدم من المنافقين؛ من خلفهم، وشهادتهم في الظاهر بالإيمان، وأنهم كذبة، وذكر فيها ما تأخر منهم ووقع في تلك الغزوة على ما يأتي في التفسير إن شاء الله تعالى. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾. [١] ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه. ﴿قَالُوا﴾ بألسنتهم دون قلوبهم: ﴿نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ والشهادة حجة شرعية تظهر الحق ولا توجبه،

المنافقون 63:2

فهي الإخبار بما علمه بلفظ خاص، ولذلك صدَّقَ المشهود به، وكذَّبهم في الشهادة بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ فيما يُضمرون من تكذيبك، وكان - ﷺ - يقبل من المنافقين ظاهر الإسلام. وأما حكم الزنديق في الشرع، وهو الذي يظهر الإسلام ويُسر الكفر، فإنه يقتل، ولا يستتاب عند أحمد، والأصح عن مالك أنه إذا جاء تائبًا، وظهر من قوله، لا يقتل، بخلاف ما يظهر عليه، قال مالك: لأن توبته لا تعرف، يعني أن التقية من الزندقة، فيقتل، وعند أبي حنيفة والشافعي تقبل توبته. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾. [٢] وكل ما جاء في القرآن بعد العلم (١) لفظة (أَنَّ) فهي بفتح الهمزة، إلا في موضعين، إحداهما هنا ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ والثاني: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ في الأنعام، وإنما كان كذلك في هذين الموضعين؛ لأنه يأتي بعدهما لام الخبر، فلهذا انكسر. ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُم﴾ أي: حلفهم، وما يظهرون من الإيمان ضد الكفر. ﴿جُنَّةً﴾ سترة عن أموالهم ودمائهم. ﴿فَصَدُّوا﴾ الناس ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الإيمانِ والجهادِ. (١) "بعد العلم" زيادة من "ت".

المنافقون 63:3

﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من النفاق. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣﴾. [٣] ﴿ذَالِكَ﴾ القولُ الشاهدُ على سوء عملهم ﴿بِأَنَّهُمْ﴾ أي: بسبب أنهم. ﴿آمَنُوا﴾ باللسان. ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ أي: استمروا على الكفر بقلوبهم ﴿فَطُبِعَ﴾ خُتِم. ﴿عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ بالكفر. قرأ أبو عمرو، ورويس عن يعقوب: (فَطُبِع عَّلَى) بإدغام العين في العين (١). ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ لا يفهمون حقيقة الإيمان. ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٤)﴾. [٤] ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ﴾ أي: المنافقين ﴿تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُم﴾ لجمالها، وكان عبد الله بن أبي جسيمًا فصيحًا. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ فتحسب أنه صدق ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ أشباح بلا أرواح، وأجسام بلا أحلام. قرأ أبو عمرو، والكسائي، وقنبل (١) "في العين" زيادة من "ت". عن ابن كثير: (خُشْبٌ) بإسكان الشين، والباقون: بضمها (١). ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: لا يسمعون صوتًا في العسكر إلا ظنوا أنهم يُرادون بذلك؛ من جبنهم وسوء ظنهم. قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، وأبو جعفر: (يَحْسَبُونَ) بفتح السين، والباقون: بكسرها (٢). ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ فإنهم يُفشون سرك للكفار، وهو جواب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ لأن الجواب إما أن يكون بالفاء كما هنا، وإما بالماضي؛ كقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٧٣]، ونظائره كثيرة. ﴿قَاتَلَهُمُ﴾ أهلكهم ﴿اللَّهُ﴾ دعاء يتضمن الإقصاء والمنابذة وتمني الشر لهم. ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يُصرفون عن الحق بعد قيام البرهان. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (أَنَّى) بالإمالة، واختلف عن أبي عمرو، فروي عنه: إمالتها بين بين، وروي عنه: فتحُها، وبه قرأ الباقون (٣). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥١). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٦)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٢). (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٢).

المنافقون 63:5

[٥] روي أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى غزوة بني المصطلق، وخرج معه عبد الله بن أبي ابن سلول، وكانت في شعبان سنة ست من الهجرة، ونزل بالمريسيع -ماء من ماء بني المصطلق-، فسبق المهاجرون وكأنهم غلبوا الأنصار عليه بعضَ غلبة، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: قد كنت قلت لكم في هؤلاء الجلابيب ما قلتُ، فلم تسمعوا مني، وكان المنافقون يسمون المهاجرين: الجلابيب، ثم إن الجهجاه الغفاري غلامَ عمرَ بنِ الخطاب ورد الماء بفرس لعمر، فازدحم هو وسنان بن وبر الجهنى حليف الأوس، ودار بينهما كلام، فاقتتلا، وصرخ الجهني: يا معشرَ الأنصار! وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين! فجاؤوا، فاقتتلوا، فخرج رسول الله - ﷺ - فقال: "ما بالُ دَعْوى الجاهلية؟! " فلما أخبر بالقضية، قال: "دعوها فإنها مُنْتِنَةٌ"، فأصلح الأمر قوم من المهاجرين (١). وروي أن جعالًا -رجلًا فقيرًا من المهاجرين- أعان الجهجاه، فغضب عبد الله بن أبي، وعنده بعض قومه، وكان معهم زيد بن أرقم صغيرًا لم يتحفظ منه، فقال عبد الله: أفعلوها؟! نافرونا وكاثرونا في بلادنا؟! فما نحن وهم إلا كما قيل: سَمِّنْ كلبَك يأكلْكَ، ثم قال لقومه: هذا فعلكم بأنفسكم، أحللتموهم دياركم، وقاسمتموهم أموالكم، ولو أمسكتم عن جعال وذويه فضلَ طعامكم، لتحولوا عنكم، ولا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا عن محمد، ولئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فذهب (١) رواه البخاري (٤٦٢٢)، كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾، ومسلم (٢٥٨٤)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا، من حديث جابر رضي الله عنه. زيدُ بن أرقم إلى عمه، وكان في حجره، وأخبره، فأتى به رسولَ الله - ﷺ -، فأخبره، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا زيد! غضبت على الرجل، ولعلك وهمتَ"، فأقسم زيد ما كان شيء من ذلك، ولقد سمع من عبد الله بن أبي ما حكى، فعاتب رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي عند رجال من الأنصار، فبلغه ذلك، فجاء وحلف، وكذَّب زيدًا، وحلف معه قوم من المنافقين، فصدق رسولُ الله - ﷺ - أيمانَ عبد الله بن أبي، وكذَّب زيدًا، فبقي زيد في منزله لا يتصرف حياءً من الناس، فنزلت هذه السورة عند ذلك، فبعث رسول الله - ﷺ - في أثر زيد، وقالماله: "لقد صدَّقك الله يا زيد، ووفت أُذُنُك"، فخزي عند ذلك عبد الله بن أبي، ومقته الناس، ولامه المؤمنون من قومه، وقال بعضهم: امض إلى رسول الله - ﷺ -، واعترف بذنبك، فيستغفر لك، فلوى رأسه إنكارًا لهذا الرأي، وقال لهم: لقد أشرتم علي بالإيمان، فآمنت، وأشرتم علي بأن أعطي زكاة مالي، ففعلت، ولم يبق لكم إلا أن تأمروني بالسجود لمحمد! فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ (١) لابن أبيّ ﴿تَعَالَوْا﴾ إلى النبي - ﷺ - معتذرين، و (تَعَالَوْا) نداء يقتضي لفظه أنه دعاء الأعلى للأسفل، ثم استعمل في كل داع لما فيه من حسن الأدب. ﴿يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ أمالوها استكبارًا. قرأ نافع، وروح عن يعقوب: (لَوَوْا) بتخفيف الواو الأولى، والباقون: بتشديدها على تضعيف المبالغة. (١) انظر: "تفسير الطبري" (٢٨/ ١١٥)، و"تفسير الثعلبي" (٩/ ٣٢١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٣٤٨).

المنافقون 63:6

﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ يُعرضون عن الاستغفار ﴿وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ عن الاعتذار. ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦)﴾. [٦] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ قراءة الجمهور: (أَسْتَغْفَرْتَ) بهمزة مفتوحة من غير مد عليها، وقرأ أبو جعفر بخلاف عنه: بالمد، ووجهه بعضهم بأنه إجراء لهمزة الوصل المكسورة مجرى المفتوحة، فمد من أجلال استفهام، وقال الزمخشري: إن المد إشباع لهمزة الاستفهام؛ للإظهار والبيان، لا قلبًا لهمزة الوصل ألفًا كما في (آالسِّحْر) (١). ﴿أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ لرسوخهم في الكفر. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ لانهماكهم في الكفر. ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾. [٧] ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ من الفقراء. ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ يتفرقوا عنه. ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بيده الأرزاق. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"التفسير البغوي" (٤/ ٤٠٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٣).

المنافقون 63:8

﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ أن أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون؛ لجهلهم بالله. ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾. [٨] ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ هذا قول عبد الله بن أبي ابن سلول، يعني بالأعز (١): نفسَه، وبالأذل: رسولَ الله - ﷺ -، قال أُسيد بن حُضير لما سمعها: "واللهِ يا رسولَ الله تُخرجه إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله! ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك كان قومه لينظمون له الخرز ليتوِّجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكًا" (٢). وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي ما كان من أمر أبيه، فأتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: يا رسولَ الله! إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي؛ لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا، فمرني به، فأنا أحمل إليك رأسه، فقال رسول الله - ﷺ -: "بل نرفق به، ونحسنُ صحبتَه ما بقيَ معنا" (٣). وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، فلم يلبث عبد الله بن أبي إلا أيامًا قلائل حتى اشتكى ومات. (١) "بالأعز" زيادة من "ت". (٢) انظر: "تفسير الطبري" (٢٨/ ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٣). (٣) انظر: "تفسير الطبري" (٢٨/ ١١٦)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٣).

المنافقون 63:9

﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ﴾ الغلبة لمن دونه ﴿وَلِرَسُولِهِ﴾ بإظهار دينه ﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بنصرهم على الكافرين ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك، ولو علموا، ما قالوا هذه المقالة. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾. [٩] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ﴾ تشغلكم. ﴿أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ هو الصلوات الخمس. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اللهو بها. ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ لأنهم باعوا الباقي بالفاني. قرأ الدوري عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال، والباقون: بالإظهار (١). ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾. [١٠] و ﴿أَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ في الطاعة، وقال ابن عباس: المراد: زكاة الأموال (٢). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: أسبابه. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٤). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٥). ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أَخَّرْتَنِي﴾ أمهلتني ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ زمان يسير. ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ فأتصدق وأزكي مالي، قيل: نزلت في مانعي الزكاة. ﴿وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ المؤمنين. قرأ أبو عمرو: (وَأَكُونَ) بالواو ونصب (١) النون على جواب التمني، وعطفًا على (فَأَصَّدَّقَ)؛ لأنه نصب بإضمار أن، وقال: إنما حذفت الواو من المصحف اختصارًا، وقرأ الباقون: (وَأَكُنْ) بجزم النون من غير واو عطفًا على موضع (فَأَصَّدَّقَ) (٢)؛ لأنه جواب الشرط، تقديره: إن أخرتني، أصدق، وأكنْ، وكذا هو مرسوم في جميع المصاحف. ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١)﴾. ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا﴾ ولن يمهلها ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ آخرُ عمرها. واختلاف القراء في الهمزتين من (جَاءَ أَجَلُهَا) كاختلافهم فيهما من ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ في سورة الحج [الآية: ٦٥]. ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فمجازٍ عليه. قرأ أبو بكر عن عاصم (يَعْمَلُونَ) بالغيب على تخصيص الكفار بالوعيد، وقرأ الباقون: بالخطاب على مخاطبة جميع الناس (٣)، والله أعلم. (١) في "ت": "وفتح". (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٥٥ - ١٥٦). (٣) المصادر السابقة. سورة التغابن مدنية، وقال بعض المفسرين: مكية إلا ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ﴾ إلى آخر السورة، وآيها: ثماني عشرة آية، وحروفها: ألف وسبعون حرفًا، وكلمها: مئتان وإحدى وأربعون كلمة. قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: قال رسول الله - ﷺ -: "ما مِنْ مولودٍ يولَد إلا وفي شبائِكِ رأسه مكتوبٌ خمسُ آياتٍ من فاتحةِ سورةِ التغابن" (١). وعن أبي بن كعب: قال رسول الله - ﷺ -: "مَنْ قرأَ سورةَ التغابن، دُفعَ عنه موتُ الفُجاءة" (٢). (١) رواه ابن حبان في "المجروحين" (٣/ ٨١)، والطبراني في "المعجم الأوسط" (١٧٦٣)، وفي "مسند الشاميين" (٩٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ١٥٠)، والثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٢٥). وفي إسناده الوليد بن الوليد الدمشقي، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به فيما يروي. وقال ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٣٧٤): غريب جدًّا. بل منكر. (٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٢٥)، وابن مردويه والواحدي في "تفسيريهما" كما عزاه الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٤/ ٤٤). قال المناوي في "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي" (٣/ ١٠٤٤): موضوع.

التغابن 64:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾. [١] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ينزهونه بقولهم: سبحان الله. ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ فهو المختص بهما حقيقة. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وأما ملك غيره، فتسليط منه، وحمده: اعتدادٌ بأن نعمة الله جرت على يده. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢)﴾. [٢] ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ثم وصفهم فقال: ﴿فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ والكفر: فعلُ الكافر، والإيمان: فعل المؤمن، والكفر والإيمان اكتساب العبد؛ لقول النبي - ﷺ -: "كلُّ مولود يولد على الفطرة" (١)، وقوله ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، فلكل واحد من الفريقين كسب واختيار، وكسبه واختياره بتقدير الله ومشيئته، فالمؤمن بعد خلق الله إياه يختار الإيمان؛ لأن الله تعالى [أراد ذلك منه، وقدره عليه وعلمه منه، (١) رواه البخاري (١٣١٩)، كتاب: الجنائز، باب: ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم (٢٦٥٨)، كتاب: القدر، باب: معنى كل مولود يولد على الفطرة، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.

التغابن 64:3

والكافر بعد خلق الله إياه يختار الكفر؛ لأن الله تعالى] (١) قدر ذلك عليه، وعلمه منه، وهذا طريق أهل السنة. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيعاملكم بما يناسب أعمالكم. ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾. [٣] ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بالحكمة البالغة. ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ بأن جعل شكل الآدمي أحسن الأشكال. ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كلًّا بعمله. ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٤)﴾. [٤] ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ من الخلق ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ فلا يخفى عليه شيء ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بضمائر القلوب. ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٥)﴾. [٥] ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ﴾ يا كفار. الألف للاستفهام، و (لم) للجحد، ومعناه التحقيق. (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

التغابن 64:6

﴿نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي: قبلكم. ﴿فَذَاقُوا﴾ في الدنيا ﴿وَبَالَ﴾ عقوبة ﴿أَمَرَهُم﴾ كفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾. [٦] ﴿ذَلِكَ﴾ العذابُ النازل بهم ﴿بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿فَقَالُوا﴾ احتقارًا بهم: ﴿أَبَشَرٌ﴾ أراد الجنس، مبتدأ، خبره ﴿يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا﴾ بالرسل ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ عن الإيمان. ﴿وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ أظهرَ غناه عن كل شيء. ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ عن جميع خلقه ﴿حَمِيدٌ﴾ على كل صنعة. ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾. [٧] ثم أخبر عن إنكارهم البعث، فقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ومعنى زعم: كذبوا في الحديث، قال ابن عطية (١): ولا توجد (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣١٩).

التغابن 64:8

(زعم) مستعملة في فصيح من الكلام إلا عبارة عن الكذب، أو قول انفرد به قائله، فيريد له (١) قائله (٢) أن يبقي عهدته على الزاعم، ففي ذلك ما ينحو إلى تضعيف الزعم. ثم أمر تعالى نبيه بأن يجيب نفيهم بما يقتضي الرد عليه، وإيجاب البعث، وأن يؤكد ذلك بالقسم، ثم يوعدهم بأنهم يجزون بأعمالهم على جهة التوبيخ المؤدي إلى العقاب، فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ بالمحاسبة والمجازاة. ﴿وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ لقدرته عليه. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٨)﴾. [٨] ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ محمد - ﷺ - ﴿وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾ هو القرآن ومعانيه. ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فمجازٍ عليه. ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾. [٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ﴾ العامل فيه ﴿لَتُنَبَّؤُنَّ﴾ قرأ يعقوب: (نَجْمَعُكُمْ) (١) "له" سقط من "ت". (٢) في "المحرر الوجيز": "ناقله".

التغابن 64:10

بالنون، والباقون: بالياء (١) ﴿لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ يعني: يوم القيامة، سمي بذلك؛ لاجتماع الخلائق فيه. ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ يوم الغبن (٢)، وهو فوت الحظ، فيظهر يومئذ غبن الكافر بترك الإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ﴾ عملًا (٣). ﴿صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُكَفِّرْ) (وَنُدْخِلْهُ) بالنون في الحرفين، والباقون: بالياء فيهما (٤) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ﴾ المذكورُ هو ﴿الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لجلبه المنافع، ودفعِه المضار. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ كأنها والآية المتقدمة بيان للتغابن، وتفصيل له. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٠). (٢) "يوم الغبن" زيادة من "ت". (٣) "عملًا" زيادة من "ت". (٤) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و "تفسير البغوي" (٤/ ٤٠٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٠).

التغابن 64:11

﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾. [١١] ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضائه. ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ فيصدِّقْ أنه لا يصيبه شيء إلا بمشيئته تعالى. ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إلى الاسترجاع عند نزول المصيبة. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ عموم مطلق على ظاهره. ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ عطف على ﴿فَآمِنُوا﴾. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ وعيد لهم، وتبرئة لمحمد - ﷺ - إذا بَلَّغ. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾. [١٣] ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ تحريض للمؤمنين على مكافحة الكفار، والصبر على دين الله.

التغابن 64:14

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾. [١٤] ونزل فيمن منعه أزواجه وأولاده عن الهجرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١) أن تطيعوهم في ترك الهجرة، و (مِنْ) تبعيض؛ لأن منهم من ليس بعدو لكم. ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ هذا فيمن لم يهاجر، ورأى من سبقه قد فقه في الدين، فهم أن يعاقب زوجته وولده، فأمره بالعفو والصفح. ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾. [١٥] ثم أخبر تعالى أن الأموال والأولاد فتنة تشغل المرء عن مراشده، وتحمله من الرغبة في الدنيا على ما لا يحمده في الآخرة بقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَة﴾ اختبار. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ لمن آثر محبته على محبة المال والأولاد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)﴾. [١٦] روي أن رسول الله - ﷺ - كان يخطب يوم الجمعة حتى جاء الحسن (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤١٠). والحسين عليهما قميصان أحمران يجرانهما، يَعْثُران ويَقُومان، فنزل - ﷺ - عن المِنْبَرِ حتى أَخَذَهُمَا، وصَعِدَ بهما، وقال: "صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقال: إني رأيت هذين، فلم أصبر"، ثم أخذ في خطبته، قال ابن عطية (١): وهذه ونحوها هي فتنة الفضلاء، فأما فتنة الجهال والفسقة، فمؤدية إلى كل فعل مهلك (٢)، وجيء بـ (إنما) للحصر؛ لأن جميع الأموال والأولاد فتنة؛ لأنه لا يرجع إلى مال أو ولد إلا وهو مشتمل على فتنة واشتغال قلب. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ أطقتم، وهذه الآية ناسخة لقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿وَاسْمَعُوا﴾ ما أُمرتم به سماعَ قبول ﴿وَأَطِيعُوا﴾ الله ورسوله. ﴿وَأَنْفِقُوا﴾ المالَ في الطاعة، وآتوا ﴿خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: افعلوا ما هو خير لها. ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الحشر. (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٢٠). (٢) رواه أبو داود (١١٠٩)، كتاب: الصلاة، باب: الإمام يقطع الخُطبة للأمر يحدث، والنسائي (١٤١٢)، كتاب: الجمعة، باب: نزول الإمام عن المنبر قبل فراغه من الخطبة، والترمذي، (٣٧٧٤)، كتاب: المناقب، باب: مناقب الحسن والحسين، وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٣٦٠٠)، كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال، من حديث بريدة رضي الله عنه.

التغابن 64:17

﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (١٧)﴾. [١٧] ﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ تصرفوا المال فيما أَمر به ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ مقرونًا بالإخلاص. ﴿يُضَاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يجعل لكم بالواحد عشرًا إلى سبع مئة وأكثر. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، وابن عامر، ويعقوب: (يُضَعِّفْهُ) بتشديد العين وحذف الألف قبلها، وقرأ الباقون: بإثبات الألف والتخفيف (١). ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ببركة الإنفاق ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ يشكر لكم ما عملتم. ﴿حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل بالعقوبة. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾. [١٨] ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ السر والعلانية. ﴿الْعَزِيزُ﴾ بالنقمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره وقضائه، والله أعلم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٢).

الطلاق 65:1

سورة الطلاق وتسمى: سورةَ النساء القصرى، وهي مدنية، وآيها: اثنتا عشرة آية، وحروفها: ألف وستون حرفًا، وكلمها: مئتان وتسع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾. [١] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ أفرد - ﷺ - بالخطاب أولًا تعظيمًا لشأنه، وجمع ثانيًا مع أمته تشريفًا لهم. قرأ نافع: (النَّبِيءٌ إِذَا) بالهمز (١) والمد، وتسهيل الهمزة الثانية، وقرأ الباقون: بتشديد الياء بغير مد ولا همز، وتحقيق الهمزة الثانية (٢)، المعنى: إذا أردتم تطليقهن. ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي: لطهرهن الذي يُحصينه من عدتهن، وهو (١) "بالهمز" زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٥). أول طهر تعتد به، والمراد: أن يطلقها في طهر لم يُصِبْها فيه، وهو طلاق السنة. نزلت هذه الآية في عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، كان قد طلق امرأته في حال الحيض، فقال - ﷺ - لعمر: "مُرْهُ فَلْيراجِعْها، ثم ليمسِكْها حتى تطهر، ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسكَ بعدُ، وإن شاء طلَّقَ قبلَ أن يَمَسَّ، فتلك العِدَّةُ التي أمَرَ الله أن تُطَلَّق لها النساءُ" (١). قرأ ورش عن نافع: (طَلَّقْتُمْ) (فَطَلِّقُوهُنَّ) بتغليظ اللام، وكذلك كل لام مفتوحة مخففة أو مشددة إذا تقدمها صاد أو طاء أو ظاء بفتح أو سكون، وعنه خلاف في (طَالَ) و (فِصَالًا)، وتقدم حكم الطلاق السني والبدعي ومذاهب الأئمة فيه في سورة الأحزاب عند تفسير قوله تعالى: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الآية: ٤٩]. ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ اضبطوها، واحفظوا عدد أقراء العدة ثلاثًا مستقبلات بلا نقصان؛ لتعلموا وقت الرجعة إن أردتم أن تراجعوهن؛ لأن الرجعة إنما تجوز في زمان العدة إذا كان الطلاق رجعيًّا بالاتفاق. ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في الإضرار بهن. ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ اللاتي يسكنها إذا طلقتموهن حتى تنقضي عدتهن، فإذا كان الطلاق رجعيًّا (٢)، فللزوجة السكنى بمنزل الطلاق، وليس لها الخروج منه حتى تنقضي عدتها بالاتفاق، وأما إذا كان الطلاق بائنًا، فعند أحمد: الحقُّ في إسكانها للزوج، فيسكنها حيث شاء مما يصلح (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤١٣). والحديث رواه "البخاري" (٤٩٥٣)، كتاب: الطلاق، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾، ومسلم (١٤٧١)، كتاب: الطلاق، باب: تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، دون ذكر أن الآية نزلت في قصته. (٢) "رجعيًّا" زيادة من "ت".

الطلاق 65:2

لها؛ تحصينًا لفراشه، ولو لم تلزمه نفقة، وعند الثلاثة: يلزمها التربص بمنزل الطلاق إلى انقضاء العدة. ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ بغير اختبارهن. ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أي: زنًا، فيخرجن لإقامة الحد، ثم يعدن. قرأ ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم: (مُبَيَّنَةٍ) بفتح الياء، والباقون: بكسرها (١). ﴿وَتِلْكَ﴾ الأحكام المذكورة ﴿حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ لتعريضها للعقاب. قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وورش، وحمزة، والكسائي، وخلف: (فَقَد ظَّلَمَ) بإدغام الدال في الظاء، والباقون: بالإظهار (٢). ﴿لَا تَدْرِي﴾ أيها النبي ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الطلاق. ﴿أَمْرًا﴾ أي: رغبة في الرجعة، وهذا دليل على استحباب تفريق الثلاث. ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾. [٢] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ قارَبْنَ انقضاء العدة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ راجعوهن. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٥)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرانية" (٧/ ١٦٥ - ١٦٦). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٩)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٦).

الطلاق 65:3

﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فَيَبِنَّ منكم. ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ على الطلاق، وأما الرجعة، فلا يشترط لها الإشهاد بالاتفاق، وروي عن الشافعي اشتراطه، وهو القديم من مذهبه. واختلفوا في حصولها بالفعل، فقال الشافعي: لا تصح إلا بالقول، فلا تحصل بفعل كوطء، وقال الثلاثة: تصح بالفعل، فتحصل عند أبي حنيفة بالوطء واللمس والنظر إلى الفرج بشهوة فيهما، وعند مالك بالوطء والمباشرة والتقبيل إذا نوى بذلك الرجعة، وعند أحمد بوطئها، نوى به الرجعة أو لم ينو، ولا تحصل بمباشرتها ولا النظر إلى فرجها ولا الخلوة بها لشهوة، ولا خلف بينهم في حصولها بالقول، واستحباب الإشهاد لها. ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ﴾ أيها الشهود. ﴿لِلَّهِ﴾ لأجل الله تعالى خاصة، ولا تنظروا في المشهود عليه. ﴿ذَلِكُمْ﴾ الحث على الشهادة وأدائها ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فيطلِّقْ للسُّنة ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ إلى الرجعة. ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (٣)﴾. [٣] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ لم يخطر بباله. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ شرطٌ مبتدأ، جوابُه ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ يكفيه ما أهمه. قال - ﷺ -: "لو أَنَّكم تتوكَّلون على الله حَقَّ تَوَكُّلِه، لرزقَكم كما يرزق

الطلاق 65:4

الطير، تغدو خِماصًا، وتَروح بِطَانًا" (١)، والتوكل: سكون القلب في كل موجود ومفقود، وقطعُ القلب عن كل علاقة، والتعلقُ بالله في جميع الأحوال. ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (بَالِغُ) بغير تنوين (أَمْرِهِ) بالخفض بإضافة (بالغ) إليه، وقرأ الباقون: بالتنوين، ونصب (أَمْرَهُ) (٢)، والمعنى على القراءتين: منفذٌ حكمَه. ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ نهاية. ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤)﴾. [٤] ولما نزل ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، قال خلاد بن النعمان (٣) بن قيس الأنصاري: يا رسول الله! فما عدة من لا تحيض، والتي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فأنزل الله تعالى: {وَاللَّائِي (١) رواه الترمذي (٢٣٤٤)، كتاب: الزهد، باب: في التوكل على الله، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤١٦٤)، كتاب: الزهد، باب: التوكل واليقين، وأحمد في "المسند" (١/ ٣٠)، وابن حبان في "صحيحه" (٧٣٠)، والحاكم في "المستدرك" (٧٨٩٤) من حديث عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-. (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١١)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٦). (٣) "بن النعمان" زيادة من "ت". يَئِسْنَ} (١) لكبرهن ﴿مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ شككتم في حكم عدتهن؛ لانقطاع دمهن لكبرهن. ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ الجملة خبر المبتدأ. ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ لصغرهن مبتدأ محذوفُ الخبر؛ أي: فعدتهن ثلاثة أشهر، حذف الخبر لدلالة المذكور عليه، فالصغيرة التي لم تحض، والكبيرة التي أيست من الحيض، عدةُ كلِّ واحدة منهما (٢) من الطلاق ثلاثةُ أشهر بالاتفاق، والشابة التي كانت تحيض، فارتفع حيضها قبل بلوغها سنَّ الآيسات، فعند أبي حنيفة والشافعي: لا تنقضي عدتها حتى يعاودها الدم، فتعتد بثلاثة أقراء، أو تبلغ سنَّ الآيسات، فتعتد بثلاثة أشهر، وعند مالك وأحمد: إذا ارتفع حيضها، لا تدري ما رفعه، تعتد به سنةً: تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة، فتحل عقب السنة، كان علمت ما رفعه من مرض أو رضاع ونحوه، فلا تزال في عدة حتى يعود الحيض، فتعتد به، إلا أن تصير آيسة، فتعتد عدة آيسة حينئذ. وسن الإياس عند أبي حنيفة خمس وخمسون سنة، وعند مالك سبعون، وعند الشافعي اثنتان وستون وعند أحمد خمسون، وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين بالاتفاق. وعدة المتوفَّى عنها زوجها إذا لم تكن حاملًا أربعة أشهر وعشر بالاتفاق. واختلاف القراء في (وَالَّلِائي) في الحرفين كاختلافهم في نظيره في سورة الأحزاب [الآية: ٤]. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٥٨). (٢) "منهما" زيادة من "ت".

الطلاق 65:5

﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ أي: الحبالى، مطلقاتٍ كُنَّ أو تُوفي عنهن أزواجُهن. ﴿أَجَلُهُنَّ﴾ أي: انقضاء عدتهن التي يجوز بعدها النكاح، مبتدأ، خبره ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وهما خبر (أُولاَتُ)، فإذا كانت المرأة حاملًا، وطُلقت، أو مات زوجها، فعدتها بوضع الحمل بالاتفاق. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ يسهِّلْ عليه أمر الدارين، ويخلِّصْه من شدائدهما. ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا (٥)﴾. [٥] ﴿ذَلِكَ﴾ المذكور من الأحكام ﴿أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في أحكامه ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ فإن الحسنات يذهبن السيئات. ﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ بالمضاعفة. ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾. [٦] ﴿اسْكِنوُهُنَّ﴾ يعني: مطلقاتِ نسائِكم ﴿مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ أي: مكانًا من سُكناكم ﴿مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ قرأ روح عن يعقوب: (وِجْدِكُمْ) بكسر الواو، والباقون: بضمها (١)؛ أي: من سَعَتكم وهو بيان لقوله: (مِنْ حَيْثُ)، وأبو عمرو يدغم الثاء في السين من قوله (حَيْث سَّكَنْتُمْ) (٢). ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ﴾ تؤذوهن ﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ ليخرُجْنَ، وتقدم في أول السورة اختلاف الأئمة في حكم السكنى للرجعية والبائن. ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فيخرجن من العدة، فالبائن بالطلاق إذا كانت حاملًا لها النفقة والسكنى بالاتفاق، وأما البائن الحائل، فتستحق النفقة والسكنى عند أبي حنيفة كالحامل إلى أن تنقضي عدتها بالحيض، أو بالأشهر؛ خلافًا للثلاثة، ولا نفقةَ من التركة لمتوفًّى عنها زوجُها، ولا كسوةَ، ولو كانت حاملًا بالاتفاق. ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ﴾ أي: المطلقات ولدًا ﴿لَكُمْ﴾ منهن، أو من غيرهن. ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ على الإرضاع، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم إرضاع الأمهات، وأخذِهن الأجرةَ في زمن العصمة وبعد الطلاق في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي: ليأمر بعضكم بعضًا بالمعروف في الإرضاع والأجر. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٨). (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٨).

الطلاق 65:7

﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ تضايقتم في الرضاع، وامتنع الأب عن إعطاء الأجرة، والأم عن إرضاعه. ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ﴾ امرأة ﴿أُخْرَى﴾ وفيه معاتبة للأم على المعاسرة. ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾. [٧] ﴿لِيُنْفِقْ﴾ لام أمر. ﴿ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ على المطلقات والمرضعات على قدر غناه. ﴿وَمَن قُدِرَ﴾ ضُيِّق ﴿عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ من المال على مقداره. ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ أعطاها من المال. ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ عاجلًا أو آجلًا. قرأ أبو جعفر: (عُسُرًا) و (يُسُرًا) بضم السين فيهما، والباقون: بالإسكان (١)، وتقدم في سورة النور اختلاف الأئمة فيمن أعسر بصَداق زوجته وكسوتها ونفقتها، وحكم النسخ بذلك. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)﴾. [٨] ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ تقدم تفسير (وَكَأَيِّنْ)، واختلاف القراء فيه في (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٦٩).

الطلاق 65:9

سورة الحج عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الحج: ٤٥]. ﴿عَتَتْ﴾ أي: عتا أهلها بالتجبر ﴿عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾ ﴿وَرُسُلِهِ﴾ أي: وأمر رسله. ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا﴾ أي: لم يغتفر لهم ذلة، بل أُخذوا بالدقائق من الذنوب. ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ عظيمًا، وهو النار في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي في الحساب والعذاب لتحقيق وقوعهما في المستقبل. قرأ نافع، وأبو جعفر، ويعقوب، وابن ذكوان عن ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (نُكُرًا) بضم الكاف، والباقون: بإسكانها (١) ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾. [٩] ﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ عقوبةَ كفرها. ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ﴾ آخِرُ (٢) ﴿أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ خسرانًا لا ربح فيه. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٩)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٠). (٢) "آخر" زيادة من "ت".

الطلاق 65:10

﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠)﴾. [١٠] ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ تكرير للوعيد. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صفة (لأُولِي الأَلْبَابِ). ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا﴾ يعني: القرآن. ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾. [١١] ﴿رَسُولًا﴾ هو محمد - ﷺ -، والمعنى: بعث رسولًا، لكن الإيجاز اقتضى اختصار الفعل الناصب للرسول. ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ صفة (رَسُولًا). قرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (مُبَيِّنَاتٍ) بكسر الياء، والباقون: بفتحها (١)، ثم علل الإنزال والإرسال، فقال: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الكفر ﴿إِلَى النُّورِ﴾ الإيمان. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٢)، و"الكشف" لمكي (١/ ٣٨٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٠).

الطلاق 65:12

﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (نُدْخِلْهُ) بالنون، والباقون: بالياء (١). ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾ حال ﴿فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ أي: ما أحسنَ ما رزقه الله! يعني الجنة التي لا ينقطع نعيمها. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾. [١٢] ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ مبتدأ وخبر. ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في العدد، ونصبه عطف (٢) على (سَبْعَ) أي: وخلق من الأرض مثلَهن، قيل: ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية، وفي التفسير بين كل سماءين مسيرة خمس مئة عام، وكذلك غلظ كل سماء، والأرضون مثل السموات. ﴿يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ بالوحي من السماء السابعة إلى الأرض السفلى، ثم علل الخلق والتنزيل فقال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ فلا يخفى عليه شيء، وهو عموم على إطلاقه، ونصب (عِلْمًا) على المصدر المؤكد؛ لأن المعنى: وأن الله قد علم كل شيء علمًا، والله أعلم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٠ - ١٧١). (٢) "عطف" زيادة من "ت".

التحريم 66:1

سورة التحريم مدنية بالإجماع، وآيها: اثنتا عشرة آية، وحروفها: ألف ومئة وستون حرفًا، وكلمها؛ مئتان وسبع وأربعون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١)﴾. [١] كان رسول الله - ﷺ - قد خلا بسُرِّيته مارية القبطية التي أهداها إليه المقوقس ملك مصر في بيت حفصة، وقد مرت لزيارة أبيها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، فجاءت حفصة، فوجدتهما، فأقامت خارج البيت حتى أَخرجَ رسولُ الله - ﷺ - مارية، وذهبت، فدخلت حفصة غَيْرى متغيرة، فقالت: يا رسول الله! أما كان في نسائك أهون عليك مني؟ في بيتي وعلى فراشي! فقال لها رسول الله - ﷺ - متراضيًا لها: "هي حرامٌ عليَّ"، وقال مع ذلك: "والله لا أطؤها أبدًا، فلا تخبري عائشة"، وقال: "أبوك وأبو عائشة الخليفتان بعدي" (١)، ثم إن حفصة -رضي الله عنها- قرعت (١) رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (١٢٦٤٠)، والدارقطني في "سننه" (٤/ ١٥٣)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما باختلاف يسير. الجدار الذي بينها وبين عائشة، وأخبرتها لتسرها بالأمر، ولم تر في إفشائها إليها حرجًا، واستكتمتها، فأوحى الله بذلك إلى نبيه ونزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيّ﴾ (١) تقدم مذهب نافع في المد والهمز في أول سورة الطلاق. ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾. وقيل: شرب عسلًا عند حفصة، فواطأت عائشة سودة وصفية، فقلن له: إنا نشم منك ريحَ المغافير (٢) -وهو صمغ له ريح منكرة، وكان - ﷺ - يشتد عليه أن يُشم منه ما يكره، فحرم العسل، فنزلت. قال ابن عطية (٣): والقول الأول أن الآية نزلت بسبب مارية أصحُّ وأوضح، وعليه تفقه الناس في الآية (٤). فإذا قال الرجل لزوجته: أنت عليَّ حرام، أو ما أحلَّ اللهُ عليَّ حرامٌ، فقال أبو حنيفة: هو ما أراد من الطلاق، فإن لم يرد الطلاق، فليس بشيء، وقال مالك: هو ثلاث في المدخول بها، وينوي في غير المدخول بها، فهو ما أراد من الواحدة أو الاثنتين أو الثلاث، ومتى حرم مالًا أو جارية دون أن يعتق، أو يشترط عتقًا أو نحو ذلك، فليس تحريمه بشيء، وقال الشافعي: إن نوى طلاقًا أو ظهارًا، حصل، أو نواهما، تخير، وثبت ما اختاره، وإن (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٢٤). (٢) رواه البخاري (٤٦٢٨)، كتاب: التفسير، باب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾، ومسلم (١٤٧٤)، كتاب: الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، من حديث عائشة رضي الله عنها. (٣) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٣٠). (٤) "في الآية" زيادة من "ت".

التحريم 66:2

نوى تحريم عينها، لم تحرم عليه (١)، وعليه كفارة يمين، وكذا إن لم تكن له نية، وإن قاله لأمة، ونوى عتقًا، ثبت، أو تحريمَ عينها، أو لا نية فكالزوجة، وقال أحمد: هو ظهار مطلقًا، ولو نوى الطلاق أو اليمين؛ لأنه صريح في الظهار، فلو قاله لأمته، أو أم ولده، فعليه كفارة يمين كما تقدم في سورة المجادلة في حكم الظهار. ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ تفسير لـ (تُحَرِّمُ)، والمرضاة مصدر كالرضا؛ أي: تبتغي رضاهن بتحريم المحلَّل، وليس لأحد تحريم ما أحل. قرأ الكسائي: (مَرْضَاتَ) بالإمالة، ووقف عليها بالهاء (٢). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ سَتور للذنب ﴿رَحِيمٌ﴾ عطوف بالرحمة، غفر تعالى لنبيه - ﷺ - ما عاتبه، ورحمه. ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾. [٢] ثم أمره أن يكفِّر عن يمينه، فقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ﴾ أي: بَيَّنَ ﴿اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ﴾ أي: تحليل ﴿أَيْمَانِكُمْ﴾ وهو الكفارة، وتقدم حكمها مستوفىً في سورة المائدة. ﴿وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ ناصركم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ بما يصلحكم ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله. (١) "عليه" زيادة من "ت". (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٥).

التحريم 66:3

﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾. [٣] ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ﴾ أي: واذكر يا محمد ذلك على جهة التأنيب والتعتب لهن. ﴿إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ﴾ هي حفصة بنت عمر رضي الله عنهما. واختلاف القراء في الهمزتين من (النَّبِيءُ إِلَى) كاختلافهم فيهما من (يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا) أول سورة الطلاق [الآية: ١] ﴿حَدِيثًا﴾ هو تحريم مارية، وخلافة أبي بكر وعمر. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ﴾ حفصةُ ﴿بِهِ﴾ عائشةَ ﴿وَأَظْهَرَهُ﴾ أطلعه ﴿اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بوحي منه. ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ﴾ قرأ الكسائي: (عَرَفَ) بتخفيف الراء؛ أي: عرف بعضَ الفعل الذي فعلته من إفشاء سره؛ أي: غضب من ذلك، وجازاها عليه بأن طلقها، فلما بلغ ذلك عمر، قال: "لو كان في آل الخطاب خيرٌ لما طلقك رسول الله"، فأمره الله على لسان جبريل بمراجعتها (١). وقرأ الباقون: بتشديد الراء (٢)، أي: أعلم به، وأَنَّبَ عليه. (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٢٦)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ١٨٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٥ - ١٧٦).

التحريم 66:4

﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ هو أمر الخلافة؛ لئلا يشتهر. ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ أي: نبأ حفصة بالخبر، وأنها أفشته إلى عائشة، ظنت أن عائشة فضحتها، فَثَمَّ ﴿قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا﴾ على جهة التثبت ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾. [٤] فلما أخبرها أن الله أخبره، سكتت، وسلمت، واعتزل - ﷺ - نساءه للحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة، وحلف ألَّا يدخل عليهن شهرًا، فلما ذهب تسع وعشرون ليلة، بدأ بعائشة، فقالت: أقسمتَ أنك لا تدخل شهرًا، وإنما أصبحتَ من تسع وعشرين، فقال: "الشهر تسع وعشرون ليلة" (١)، وكان الشهر تسعًا وعشرين ليلة. ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ﴾ خطاب لحفصة وعائشة من التعاون على رسول الله - ﷺ - بالإيذاء. ﴿فَقَدْ صَغَتْ﴾ مالت ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ أي: وُجد منكما ما يوجب التوبة بأن سَرَّكما ما كرهه النبي - ﷺ - من تحريم مارية، وجمع القلوب؛ لئلا يجمع بين تثنيتين في كلمة؛ فرارًا من اجتماع المتجانسين، وربما جمع، وتقديره: إن تبتما، قُبلت توبتكما. (١) رواه البخاري (٤٨٩٥)، كتاب: النكاح، باب: موعظة الرجل ابنته، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، ومسلم (١٠٨٣)، كتاب: الصيام. باب الشهر يكون تسعًا وعشرين، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.

التحريم 66:5

﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ قرأ الكوفيون: بتخفيف الظاء، والباقون: بتشديدها (١)، ومعناهما: تتعاونا على إيذائه. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾ أي: ناصره ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عطفًا على الضمير في (مَوْلاَهُ) (وَصَالح الْمُؤْمِنِينَ) واحد يُراد به الجمع، وهم من صلح من المؤمنين. قرأ ابن كثير: (جَبْرِيلُ) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز (٢)، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بفتح الجيم والراء وهمزة مكسورة، وقرأ أبو بكر عن عاصم كذلك، إلا أنه حذف الياء بعد الهمزة، وقرأ الباقون: بكسر الجيم والراء من غير همز. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِير﴾ أعوان، المعنى: كلُّ المذكورين ينصرون محمدًا ويعينونه، وتخصيص جبريل لتعظيمه. ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (٥)﴾. [٥] ﴿عَسَى رَبُّهُ﴾ و (عسى) تكون للوجوب في ألفاظ القرآن إلا في موضعين: أحدهما في سورة محمد - ﷺ - (فَهَلْ عَسَيْتُمْ)؛ أي: علمتم وتمنيتم، والثاني: هنا ليس بواجب؛ لأن الطلاق معلق بالشرط، فلما لم يوجد الشرط، لم يوجد التبديل. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٦). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٧٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٧). ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ رسولُه ﴿أنَّ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ قرأ أبو عمرو: (طَلَّقكُنَّ) بإدغام القاف في الكاف، والباقون: بالإخلاص، وقرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَهُ) بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال (١). ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ خاضعات له بالطاعة ﴿مُؤْمِنَاتٍ﴾ مخلصات ﴿قَانِتَاتٍ﴾ طائعات ﴿تَائِبَاتٍ﴾ عن الذنوب ﴿عَابِدَاتٍ﴾ متذللات لأمر الرسول ﴿سَائِحَاتٍ﴾ صائمات. ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ أي: مشتملات على الثيبات والأبكار، والآية واردة في الإخبار عن القدرة، لا عن الكون في الوقت؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، وهو علم أنه لا يطلقهن، وهذا كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، فهذا إخبار عن القدرة، وتخويف لهم؛ لأنه ليس في الوجود خير من أمة محمد - ﷺ -. روي عن أنس بن مالك: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال للنبي - ﷺ -: "يا رسول الله! لا تكترثْ بأمر نسائك، والله معك، وجبريل معك، وأبو بكر معك، وأنا معك"، فنزلت الآية موافقة نحوًا من قول عمر (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٠)، وقراءة (يبدله) في "التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣١٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٨). (٢) انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٣٢)، و"البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٢٨٧). وأصله في "الصحيح".

التحريم 66:6

وروي أيضًا: أن عمر قال الزوجات النبي - ﷺ -: "عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن"، فنزلت الآية على نحو قوله (١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾. [٦] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا﴾ جَنِّبوا. ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ بترك المعاصي ﴿وَأَهْلِيكُمْ﴾ بالنصح والتأديب. ﴿نَارًا وَقُودُهَا﴾ حطبها (٢) ﴿النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وهي حجارة الكبريت، وقيل: الأصنام، وقرن الناس بالحجارة؛ لأنهم نحتوها واتخذوها أربابًا من دون الله، وقيل من النار نوع لا يتقد إلا بالناس والحجارة كاتقاد هذه النار بالحطب. ﴿عَلَيْهَا﴾ ولاة يعذبون بها الناس ﴿مَلَائِكَةٌ﴾ هم الزبانية ﴿غِلَاظٌ﴾ فظاظ على أهل النار ﴿شِدَادٌ﴾ أقوياء، بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يضرب أحدهم بمقمعته ضربة واحدة سبعين ألفًا، فيهوون في النار. ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ به ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ بمحبة وإسراع، وهذه الآية تخويف للمؤمنين عن الارتداد. (١) رواه البخاري (٤٦٣٢)، كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾. (٢) "حطبها" زيادة من "ت".

التحريم 66:7

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾. [٧] ويقال للكفار عند دخولهم النار ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونهيهم عن الاعتذار؛ لأنه لا عذر لهم. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٨)﴾. [٨] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ هي ألَّا يعود إلى الذنب. قرأ أبو بكر عن عاصم: (نُصُوحًا) بضم النون، مصدر كالقعود، وقرأ الباقون: بفتحها (١)، مصدر واسم فاعل بمعنى ناصحة، وصف التوبة بالنصح مجازًا، وإنما هو وصف للتائبين؛ لأنهم ينصحون نفوسهم. ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ترجية، وروي أن (عَسَى) هنا للوجوب. ﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ عطف على ﴿يُكَفِّرَ﴾. ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ظرف لـ (يُدْخِلَكُم) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ عطف على (النبي). ﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ على الصراط. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٨ - ١٧٩).

التحريم 66:9

﴿يَقُولُونَ﴾ إذا طَفِئَ نْور المنافقين: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يقولون ذلك إشفاقًا على عادة البشرية. وعن الحسن: مُتَمِّمة لهم، ولكنهم يدعون تقربًا إلى الله؛ كقوله: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، وهو مغفور له. ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)﴾. [٩] ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بالحجة وإقامة الحدود ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ في ذلك ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ جهنمُ. ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾. [١٠] ﴿ضَرَبَ﴾ أي: مَثَّلَ ﴿اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ واسمها واعلة ﴿وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾ واسمها واهلة. ﴿كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ﴾ أي: زوجيهما ﴿مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ﴾ هما نوح ولوط عليهما السلام. ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ بأن أشركتا، لا في الفراش، فقد روي: ما زنت امرأة

التحريم 66:11

نبي قط (١)، وخيانتهما أن كانت امرأة نوح تقول: إنه مجنون، وامرأة لوط تدل على أضيافه. ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا﴾ أي: زوجاهما ﴿عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه. ﴿شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ الكافرين من أمة نوح ولوط، قطع الله بهذه الآية طمع من يركب المعصية أن ينفعه صلاحُ غيره. ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. [١١] ثم أخبر أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعًا، فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ واسمها آسية بنت مزاحم. ﴿إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ قريبًا من رحمتك، وذلك أنها آمنت، فعلم فرعون، فأوتد يدها ورجليها بأربعة أوتاد، وألقى على صدرها رحى عظيمة (٢)، واستقبل بها الشمس، فقالت: ﴿رَبِّ ابنِ لِى عِندَكَ بها فِى الجَنَّةِ﴾، فكشف لها فرأت بيتها، فسهل الله عليها تعذيبها (٣)، وفي معنى (١) جاء من قول ابن عباس وغير واحد من السلف، كما ذكر ابن كثير في "تفسيره" (٢/ ٤٤٩). (٢) "عظيمة" زيادة من "ت". (٣) رواه أبو يعلى في "مسنده" (٦٤٣١)، عن أبي هريرة رضي الله عنه من قوله. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/ ٢١٨): رجاله رجال الصحيح.

التحريم 66:12

قولها: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: الجارُ قبلَ الدار. ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾ هو الكفرُ، وتعذيبه إياها. ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ القبط. ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾. [١٢] ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ عطف على (امرأةَ فرعون) تسلية للأرامل. وقف ابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، ويعقوب: (امْرَأَة) و (ابْنَهْ) بالهاء في الأحرف الأربعة، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر بخلاف عنه: (عِمْرَانَ) بالإمالة (١). ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ من الرجال ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ﴾ أي: الفرج. ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ والمراد: قولُ جبريل -عليه السلام- لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ الآية [مريم: ١٩]. ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ شرائعه، و (بِكَلِمَةِ رَبِّهَا)؛ أي: بعيسى، والتلاوة بالأول ﴿وَكُتُبِهِ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، وحفص عن عاصم: بضم الكاف والتاء بغير ألف على الجمع؛ أي: كتبه المنزلة على إبرإهيم وموسى وداود وعيسى عليهم السلام، وقرأ الباقون: بكسر الكاف وفتح (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤١٩)، الإمالة في "غيث النفع" للصفاقسي (ص: ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٧٩). التاء وألف بعدها على التوحيد (١)، والمراد: جنس الكتب المنزلة. ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ المطيعين لربها، ولم يقل: من القانتات؛ لأن القنوت يعم الذكر والأنثى، فغلب الذكر. قال - ﷺ -: "كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع: آسيةُ بنتُ مزاحِم امرأةُ فرعون، ومريمُ بنتُ عمران، وخديجةُ بنتُ خويلد، وفاطمةُ بنتُ محمد، وفضل عائشةَ على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" (٢)، والله أعلم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٢)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٠ - ١٨١). (٢) رواه البخاري (٣٢٣٠)، كتاب: الأنبياء، باب قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ومسلم (٢٤٣١)، كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل خديجة رضي الله عنها، من حديث أبي موسى الأشعري، بلفظ: "كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". وقد رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٣) من حديث أبي موسى رضي الله عنه باللفظ الذي ذكره المصنف رحمه الله.

الملك 67:1

سورة الملك مكية، وتسمى: الواقية، والمنجية؛ لأنها تقي وتنجي قارئها من عذاب القبر، آيها: ثلاثون آية، وحروفها: ألف وثلاث مئة وثلاثة عشر حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة وخمس وثلاثون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾. [١] ﴿تَبَارَكَ﴾ تقدم تفسيره أول سورة الفرقان. ﴿الَّذِي بِيَدِهِ﴾ أي: في تصرفه ﴿الْمُلْكُ﴾ السلطان والقدرة. ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عموم، والشيء معناه في اللغة: الموجود. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾. [٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ هما معنيان يتعاقبان جسمَ الحيوان، يرتفع أحدهما بحلول الآخر.

الملك 67:3

﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي: جعل لكم هاتين الحالتين ليعاملكم معاملة المختبِر. ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أخلصُه وأسرعُ إلى الطاعة؛ لأنه لا يُقبل عمل حتى يكون خالصًا لله. وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قلت: يا رسول الله! ما معنى قوله تعالى ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾؟ فقال: "يقول: أيكم أحسن عقلًا، وأشدكم لله خوفًا، وأحسنكم في أمره ونهيه نظرًا، وإن كانوا أقلَّكم تطوعًا" (١). وقدم الموت في اللفظ؛ لأنه أدعى إلى حسن العمل؛ لتقدمه في النفس هيئة وغلظة. ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْغَفُورُ﴾ لمن تاب. ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾. [٣] وتبدل من ﴿الَّذِي﴾ قبلُ ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ متطابقات بعضها فوق بعض، متباينات بلا علاقة ولا عماد ولا مماسة، وطباقًا: مصدر؛ أي: طُبقت طباقًا. (١) رواه الثعلبي في "تفسيره" (٩/ ٣٥٥). وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٣٧).

الملك 67:4

﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ اختلاف. قرأ حمزة، والكسائي: (تَفَوُّتٍ) بضم الواو مشددة من غير ألف، وقرأ الباقون: بألف بعد الفاء وتخفيف الواو، وهما لغتان؛ كالتحامُل والتحمُّل (١). ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ﴾ كَرِّرْه إلى السماء؛ لتستيقن إحكامَ خلقهن. ﴿هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ صدوع. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام عن ابن عامر: (هَل تَّرَى) بإدغام اللام في التاء، والباقون: بالإظهار (٢). ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾. [٤] ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ كرةً بعد كرة، ودققه؛ لترى خللًا، وجواب الأمر: ﴿يَنْقَلِبْ﴾ يرجع ﴿إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا﴾ ذليلًا مبعَدًا عن إدراك خلل ما. قرأ أبو جعفر: (خَاسِيًا) بنصب الياء منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز (٣). ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ منقطع، لم يدرك ما طلب. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٥). (٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٥). (٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٦).

الملك 67:5

﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾. [٥] ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ القُربى إلى الأرض. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهشام: (وَلَقَد زَّيَّنَّا) بإدغام الدال في الزاي، والباقون: بالإظهار (١). ﴿بِمَصَابِيحَ﴾ بنجوم، سميت بذلك؛ لإضاءتها كالمصباح؛ لأنها زينة السماء. ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: النجومَ ﴿رُجُومًا﴾ جمع رجم؛ أي: مرامي ﴿لِلشَّيَاطِينِ﴾ يُرجمون بها عند استراق السمع، فينفصل الشهاب عن الكوكب كالقبس يؤخذ من النار، والنارُ مكانها، فيقتل الجني، ويخبله، ولا يزول الكوكب عن مكانه. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها في البر والبحر، فمن قال غير ذلك، فقد تكلف ما لا علم له به (٢). ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ أي: أعددنا ﴿لَهُمْ﴾ يعني: الشياطين. ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ في الآخرة، واحتراقهم (٣) بالشهب في الدنيا. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٦). (٢) ذكره البخاري في "صحيحه" (٣/ ١١٦٨) معلقًا. ورواه الحافظ ابن حجر في "تغليق التعليق" (٣/ ٤٨٩) بإسناده إلى عبد بن حميد في "تفسيره". (٣) في "ت": "بعد إحراقهم".

الملك 67:6

﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦)﴾. [٦] ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ من الشياطين وغيرهم ﴿عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ ورفع (عَذَابُ) (١) خبر مبتدؤه (وَلِلَّذِينَ). ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ تضمنت هذه الآية عذاب جهنم للكفار المخلدين، وقد جاء في الأثر: "أنه يمر على جهنم زمنٌ تخفق أبوابها قد أَخْلَتْها الشفاعة" (٢)، فالذي في هذه الآية في جهنم بأسرها؛ أي: جميع الطبقات، والتي في الأثر هي الطبقة العليا؛ لأنها مقر العصاة. ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾. [٧] ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا﴾ في جهنم (٣) ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ لأهلها. ﴿شَهِيقًا﴾ هو أقبح ما يكون من صوت الحمار ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ غليانًا. ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨)﴾. [٨] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ﴾ تنشَقُّ ﴿مِنَ الْغَيْظِ﴾ على الكفار. قرأ البزي عن ابن (١) "ورفع عذاب" زيادة من "ت". (٢) كذا ذكره الثعالبي في "تفسيره" (٤/ ٣٢١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٣٩). ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" (٧٩٦٩)، من حديث أبي أمامة رضي الله عنه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/ ٣٦٠): فيه جعفر بن الزبير وهو ضعيف. (٣) "في جهنم" زيادة من "ت".

الملك 67:9

كثير: ﴿تَكَاد تَّمَيَّزُ﴾ بتشديد التاء على أنها تتميز، وأدغم إحدى التاءين في الأخرى، وقرأ أبو عمرو: بإدغام الدال في التاء (١). ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ طائفةٌ ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ توبيخًا لهم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول يخوفكم هذا العذاب. ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾. [٩] ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا﴾ الرسل ﴿وَقُلْنَا﴾ لهم: ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وفرطنا في التكذيب حتى نفينا (٢) الإنزال والإرسال. ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ﴾ أي: وبالغنا في نسبتهم إلى الضلال، ويحتمل أن يكون من قول الملائكة للكفار حين أخبروا عن أنفسهم أنهم كذبوا الرسل. ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: الكفارُ للخزنة في محاورتهم: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ﴾ سماعَ من يعي الحقَّ ﴿أَوْ نَعْقِلُ﴾ عقلًا يُنتفع به، ونعي شيئًا، لآمَنَّا، و ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ المستوجبين الخلودَ فيه. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧١)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٦). (٢) في "ش": "نسينا"، والمثبت من "ت".

الملك 67:11

﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾. [١١] ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ حيث لا ينفع الاعتراف ﴿فَسُحْقًا﴾ نصب على جهة الدعاء عليهم ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ أي: أبعدَهم الله بعدًا عن رحمته. قرأ الكسائي، وأبو جعفر بحلاف عن الثاني: (فَسُحُقًا) بضم الحاء، والباقون: بإسكانها، وهما لغتان مثل: الرعْب والرعُب (١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾. [١٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي: إذا غابوا عن الناس في خلواتهم. ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ الجنة. ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾. [١٣] ولما كان المشركون ينالون من رسول الله - ﷺ -، فيخبره جبريل بما قالوا، قال بعضهم لبعض: أسروا قولكم كيلا يسمع إله محمد، فنزل: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢) بالضمائر دون أن ينطق، فكيف إذا نطق به سرًّا أو جهرًا؟ (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢١٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٧). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٧)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٢١٤).

الملك 67:14

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾. [١٤] ﴿أَلَا يَعْلَمُ﴾ السرَّ والجهرَ ﴿مَنْ خَلَقَ﴾ أي: أوجدَ الأشياءَ. ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ﴾ العالم بما ظهر من خلقه (١) وما بطن ﴿الْخَبِيرُ﴾ بهم وبأعمالهم. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾. [١٥] ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ مذللة لينة ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ جوانبها. ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ الذي خلقه لكم، أمر إباحة ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ المرجع. ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾. [١٦] ثم خوَّف الكفار فقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ﴾ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، وأبو جعفر، وقالون، ورويس، والأصبهاني عن ورش: (أَأَمِنْتُمْ) بتحقيق الهمزة الأولى، وتسهيل الثانية بين الهمزة والألف، واختلف عن الأزرق عن ورش في إبدالها ألفًا خالصة، وتسهيلها بين بين، واختلف عن هشام في تسهيلها بين بين، وتحقيقها، وقرأ الباقون: بتحقيق الهمزتين، وهم الكوفيون، وابن ذكوان، وروح، وفصل بين الهمزتين بألف: أبو عمرو، (١) "من خلقه" زيادة من "ت".

الملك 67:17

وأبو جعفر، وقالون، واختلف عن هشام، وقرأ الباقون: بغير فصل، ممن حقق الثانية أو سهلها، وقنبل راوي ابن كثير خالف أصله في هذا الحرف، فأبدل الهمزة الأولى منهما واوًا؛ لضم راء (النُّشُورُ) قبلها، فإذا وصل، قرأ بواو مفتوحة مع المد، واختلف عنه في الهمزة الثانية، فروي عنه تسهيلها، وروي تحقيقها، وأما إذا ابتدأ، فإنه يحقق الأولى، ويسهل الثانية على أصله (١). ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وهذا المحل من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، نؤمن به ولا نتعرض إلى معناه، ونكل العلم فيه إلى الله، قال ابن عباس: "أأمنتم عَذَابَ مَنْ في السماء إن عصيتموه" (٢). ﴿أَنْ يَخْسِفَ﴾ يغوِّرَ ﴿بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ كما فعل بقارون. ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ تذهب وتجيء مضطربة. ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾. [١٧] ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ ريحًا ذاتَ حجارة كما فعل بقوم لوط. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّمَاءِ أَنْ) في الحرفين كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء [الآية: ٩٩]. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٠)، و "معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٨٨). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٨).

الملك 67:18

﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ إنذاري إذا عاينتم العذاب حين لا ينفعكم العلم. ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (١٨)﴾. [١٨] ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قبل كفار مكة من الأمم الماضية. ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ إنكاري عليهم بالعذاب، وهو تسلية لرسول الله - ﷺ -، وتهديد لقومه. قرأ ورش عن نافع: (نَذِيرِي) و (نَكِيرِي) بإثبات الياء وصلًا، وقرأ يعقوب: بإثباتها وصلًا ووقفًا، وحذفها الباقون في الحالين (١). ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾. [١٩] ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ﴾ المراد: جنس الطيور ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ﴾ باسطاتٍ أجنحتَها في الجو عند طيرانها كالسابح في الماء ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ أجنحتها بعدَ البسط. ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ﴾ عن الوقوع عند القبض والبسط ﴿إلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ المعنى: ألم يستدلوا على القدرة بثبوت الطير في الهواء؟! (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٢/ ١٨٩).

الملك 67:20

﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (٢٠)﴾. [٢٠] ثم استفهم منكرًا فقال: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ إن أرسل عليكم عذابه ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ الشيطانُ يغرهم. ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾. [٢١] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ﴾ اللهُ ﴿رِزْقَهُ﴾ عنكم باحتباس المطر وغيره من الأسباب؟ فلما لم يتعظوا، أضرب عنهم فقال: ﴿بَلْ لَجُّوا﴾ تمادَوْا ﴿فِي عُتُوٍّ﴾ تكبر ﴿وَنُفُورٍ﴾ تباعُد عن الإيمان. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾. [٢٢] ثم ضرب مثلًا فقال: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾ واقعًا. ﴿عَلَى وَجْهِهِ﴾ يعثر كل ساعة؛ لوعورة طريقه. ﴿أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا﴾ قائمًا سالمًا من العِثار. ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهذا مثل للمؤمن والكافر. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُم﴾ خلقكم ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ لتسمعوا

الملك 67:24

المواعظ ﴿وَالْأَبْصَارَ﴾ لتنظروا صنائعه ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ لتتفكروا وتعتبروا. ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: شكركم قليل، والثاني: لا تشكرونه قليلًا ولا كثيرًا. ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ﴾ خلقكم ﴿فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ تبعثون يوم القيامة. ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني الكفار للمؤمنين استهزاء: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعذاب. ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تعدوننا به؟ ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ أي: علم وقته ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ لا يعلمه غيره. ﴿وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ والنذير يُعَلِّمُ ما عُلِّم، ويخبر بما أُمر أن يُخبر به.

الملك 67:27

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ﴾ هذه حكاية حال تأتي، المعنى: فإذا رأوه. ﴿زُلْفَةً﴾ قريبًا منهم، يعني: عذاب الآخرة. ﴿سِيئَتْ﴾ قَبُحت واسودَّت (١) ﴿وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبانَ عليها الكآبةُ. ﴿وَقِيلَ﴾ أي: قال الخزنة لهم: ﴿هَذَا﴾ العذابُ. ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ أي: كنتم بسببه تَدَّعون؛ أي: تتمنون أن يُعجل لكم؛ لاعتقادكم أنكم لا تبعثون. قرأ الكسائي، وهشام عن ابن عامر، ورويس عن يعقوب: (سِيَئْت) (وَقِيلَ) بإشمام السين والقاف الضم، وافقهم نافع، وأبو جعفر، وابن ذكوان عن ابن عامر في (سِيئَتْ)، وقرأ الباقون: بإخلاص الكسر فيهما (٢)، وقرأ يعقوب: (تَدْعُونَ) بإسكان الدال مخففة، والباقون: بفتحها مشددة، ومعناهما واحد (٣). (١) "واسودت" زيادة من "ت". (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٠٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٠ - ١٩١). (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٣٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩١).

الملك 67:28

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ﴾ أماتني ﴿وَمَنْ مَعِيَ﴾ من المؤمنين. ﴿أَوْ رَحِمَنَا﴾ بتأخير آجالنا. ﴿فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ المعنى: نحن مع إيماننا بين الخوف والرجاء، فمن يجيركم أنتم مع كفركم؟ أي: لا ينجيكم أحد من العذاب، متنا أو بقينا. قرأ حمزة: (أَهْلَكَنِي اللهُ وَمَنْ مَعِي) بإسكان الياء فيهما، وافقه في الثاني: الكسائي، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، وقرأ الباقون: بالفتح فيهما (١). ... ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ﴾ الذي نعبده ﴿آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وثوقًا به. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عند معاينة العذاب ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ منا ومنكم. قرأ الكسائي: (فَسَيَعْلَمُونَ) بالغيب، والباقون: بالخطاب، واتفقوا على الأول أنه بالخطاب، وهو (فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ)؛ لاتصاله بالخطاب (٢). (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٥)، و "التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٢). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٤)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٢)، =

الملك 67:30

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا﴾ غائرًا في الأرض لا تصلون إليه. ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ جارٍ ظاهرٍ تراه العيون، وتناله الأيدي. حكي أن بعض المتجبرين تُليت عنده هذه الآية، فقال: يأتي به رؤوس المعاول، فذهب ماء عينيه، وعمي، فسمع هاتفًا يقول: قد أغرناها، فاستعمل الآن رؤوس المعاول. قال - ﷺ -: "إن سورةً من كتاب الله تعالى ما هي إلا ثلاثون آية شَفَعَتْ لرجل، فأخرجته يوم القيامة من النار، وأدخلته الجنةَ، وهي سورةُ تبارك" (١)، والله أعلم. = و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٢). (١) رواه أبو داود (١٤٠٠)، كتاب: الصلاة، باب: في عدد الآي، والترمذي (٢٨٩١)، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في فضل سورة الملك، وقال: حسن، وابن ماجه (٣٧٨٧)، كتاب: الأدب، باب: ثواب القرآن، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

القلم 68:1

سُوْرَةُ ن وَالْقَلَمِ مكية، وآيها اثنتان وخمسون آية، وحروفها: ألف ومئتان وستة وخمسون حرفًا، وكلمها: ثلاث مئة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾. [١] ﴿ن﴾ قرأ الكسائي، ويعقوب، وخلف، وهشام عن ابن عامر: بإدغام النون الذي هو آخر نون في الواو بغنة؛ إجراء للواو المنفصل مجرى المتصل؛ فإن النون الساكنة تخفى مع حروف (٢) الفم إذا اتصلت بها، واختلف عن ورش، وعاصم، والبزي، وابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالبيان للنون عند الواو، وهم: أبو عمرو، وحمزة، وأبو جعفر، وقالون، وورش (٣)، وأبو جعفر على أصله يقف على (ن) (٤). واختلف في (ن)، فقال الجمهور من المفسرين: هو حرف مقطوع، (١) "والقلم" زيادة من "ت". (٢) في "ت": "نون". (٣) في "ت": "وقنبل". (٤) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٨٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٥).

القلم 68:2

فيدخله من الاختلاف ما يدخل في أوائل السور، ويختص هذا الموضع من الأقوال بأن قال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل، والسدي، والكلبي: إنه الحوت الأعظم الذي تحت الأرضين السبع، واسمه يهموت (١). ﴿وَالْقَلَمِ﴾ الذي كتب به اللوح المحفوظ ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أي: ما يكتبون: الملائكةُ الحفظةُ من أعمال بني آدم. ... ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾. [٢] وهو قسم جوابه: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ بإنعامه عليك بالنبوة ﴿بِمَجْنُونٍ﴾ وهو جواب لقولهم: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦]، فأقسم الله بالنون والقلم، وما يكتب به الأعمال إنه ليس مجنونًا، وقد أنعم عليه بالنبوة والحكمة. ... ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣)﴾. [٣] ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا﴾ بصبرك على افترائهم. ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: مقطوع. ... ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾. [٤] ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وسمي خلقه - ﷺ - عظيمًا؛ لامتثاله (١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/ ٤٤١)، وابن عطية في "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٤٥). وقال أبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٠١) بعد ذكره لهذه الأقوال: لا يصح شيء من ذلك، انتهى. تأديبَ الله تعالى، والخلق العظيم يجتمع فيه مكارم الأخلاق، وهي تجتمع في النبي - ﷺ -، وقد أمره الله بمكارم الأخلاق في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فأمره بتوبة آدم، وشكر نوح، ووفاء إبراهيم، ووعد إسماعيل، وحلم إسحاق، وحسن ظن يعقوب، واحتمال يوسف، وصبر أيوب، وإنابة داود، وتواضع سليمان، وإخلاص موسى، وعبادة زكريا، وعصمة يحيى، وزهد عيسى، ففعلها، وهي من مكارم الأخلاق، فأثنى الله عليه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾. وسئلت عائشة عن خلقه، فقالت: "كان خلقُه القرآن" (١). عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: إن رسولَ الله - ﷺ - لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، وكان يقول: "خياركم أحاسنُكم أخلاقًا" (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما ضرب رسول الله - ﷺ - بيده شيئًا قط، إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا ضرب خادمًا ولا امرأة" (٣). وعنها قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول (٤): "إن المؤمنَ يدرك بحسن خلقه درجةَ قائم الليل وصائم النهار" (٥). (١) رواه مسلم (٧٤٦)، كتاب: صلاة المسافرين وقصرها، باب: جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، بلفظ فيه:... فإن خلق نبي الله - ﷺ - كان القرآن". (٢) رواه البخاري (٥٦٨٨)، كتاب: الأدب، باب: حسن الخلق والسخاء، ومسلم (٢٣٢١)، كتاب: الفضائل، باب: كثرة حيائه - ﷺ -. (٣) رواه النسائي في "السنن الكبرى" (٩١٦٣)، والإمام أحمد في "المسند" (٦/ ٢٢٩)، وابن حبان في "صحيحه" (٤٨٨). (٤) "سمعت رسول الله - ﷺ - زيادة من "ت". (٥) رواه أبو داود (٤٧٩٨)، كتاب: الأدب، باب: في حسن الخلق.

القلم 68:5

﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾. [٥] ونزل وعدًا له - ﷺ - ووعيدًا لهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ فستعلم يا محمد، ويعلمون إذا نزل بهم العذاب. ... ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾. [٦] ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ بأي الجانبين الجنون: بجانب محمد - ﷺ - وأصحابه، أم بجانب أبي جهل وأصحابه؟ ... ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧)﴾. [٧] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وهو المجنون حقيقة. ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ الفائزين بكمال العقل. ... ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾. [٨] ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه، وذكر سوء خلقه، وعدَّ معايبه، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله (١): ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ يعني: قريشًا. (١) "بقوله" زيادة من "ت".

القلم 68:9

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾. [٩] وذلك أنهم قالوا في بعض الأوقات لرسول الله - ﷺ -: لو عبدتَ آلهتنا وعظمتها، لعبدنا آلهتك وعظمناها، فأُمر بالتصميم على معاداتهم. ﴿وَدُّوا﴾ تمنَّوْا ﴿لَوْ تُدْهِنُ﴾ تَلين وتُصانعهم في دينك. ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن، ورفع (فَيُدْهِنُونَ) وإن كان جواب التمني؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: فهم يدهنون، وفي بعض المصاحف: (فَيُدْهِنُوا) بلا نون. ... ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾ كثيرِ الحلف، وهذا نهي عن طاعة من يجترئ على الله تعالى، وكثرة الأيمان منهي عنه ﴿مَهِينٍ﴾ ضعيف الرأي والعقل. ... ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾. [١١] ﴿هَمَّازٍ﴾ مغتاب عياب للناس ﴿مَشَّاءٍ﴾ بين الناس ﴿بِنَمِيمٍ﴾ ينقل الكلم على وجه الإفساد، وهذه الأوصاف هي أجناس، لم يُرَدْ بها رجل بعينه، وقيل: نزلت في الوليد بن المغيرة، وقيل: في الأخنس بن شريق، وقيل: في أبي جهل، وقيل: عتبة بن ربيعة، وقيل: الأسود بن عبد يغوث (١). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٤٧).

القلم 68:12

قال ابن عطية: وظاهر اللفظ عموم من بهذه الصفة، والمخاطبة بهذا المعنى مستمرة باقي الزمن، لا سيما لولاة الأمور (١). ... ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾. [١٢] ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْر﴾ شحيح بالمال والأفعال الصالحة. ﴿مُعْتَدٍ﴾ متجاوز لحدود الأشياء. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُعْتَدِي) ﴿أَثِيمٍ﴾ آثم من حيث أعماله قبيحة تكسب الإثم. ... ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ﴾. [١٣] ﴿عُتُلٍّ﴾ غليظ جافي سيء الخلق ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ الذي وصفناه به، فهذا الترتيب إنما هو في قول الواصف، لا في حصول تلك الصفات في الموصوف، وإلا، فكونه عتلًا هو قبل كونه صاحب خير يمنعه. ﴿زَنِيمٍ﴾ معلَّق بالقوم وليس منهم. ... ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾. [١٤] ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، والكسائي، وخلف، وحفص عن عاصم: (أَنْ كَانَ) بهمزة واحدة على الخبر، أي: إذا كان، ومعناه: لا تطعه مع هذه المثالب ليساره، وقرأ الباقون: بهمزتين على الاستفهام، وهم على أصولهم، فحقق الهمزتين (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٤٧)، وعنده: "عموم من هذه صفته".

القلم 68:15

على الأصل: حمزة وروح عن يعقوب، وأبو بكر عن عاصم، وحقق الأولى وسهل الثانية تخفيفًا: ابنُ عامر، وأبو جعفر، ورويس عن يعقوب، وفصل بينهما بألف: أبو جعفر، وهشام، واختلف عن ابن ذكوان (١)، ولهذه القراءة وجهان: أحدهما معناه: لأن كان ذا مال وبنين تطيعه؟ يدل على المحذوف؛ (وَلاَ تُطِعْ) قبلُ، والوجه الآخر: ألأن كان ذا مال وبنين؟ ... ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٥)﴾. [١٥] ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا﴾ كذَّبَ بالقرآن، و ﴿قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم، ورفعها بإضمار (هي) (٢) أي: جعل مجازاة النعم التي خُوِّلها من البنين والمال الكفرَ بآياتنا. ... ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (١٦)﴾. [١٦] ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه بقوله: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ سنسوِّدُ وجهه، أو نكويه، والخرطوم: هو الأنف؛ ليكون له علمًا يعرف به؛ لأن الكافر يسود وجهه يوم القيامة، وخص الأنف بالذكر؛ لأن الوسم عليه أبشع، وقيل: أبو جهل خُطم أنفه بالسيف يوم بدر (٣). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٦٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٦ - ١٩٧). (٢) في "ت": "هم". (٣) انظر: "الكشاف" للزمخشري (٤/ ٥٩٣).

القلم 68:17

﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧)﴾. [١٧] ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ اختبرنا أهل مكة بالقحط والجوع. ﴿كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ بستان يقال له: ضروان باليمن دون صنعاء بفرسخين، كان لرجل، وكان إذا جذَّهُ، ترك ما يتعداه المنجل، وما يسقط من رؤوس النخل، وينتثر عند الدياس للمساكين، فمات، فخلفه بنوه فيها، فاحتالوا لمنع حق الفقراء بخلًا منهم. ﴿إِذْ أَقْسَمُوا﴾ حلفوا ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا﴾ ليقطعن ثمارها وزرعها ﴿مُصْبِحِينَ﴾ في أول الصبح آخر جزء من الليل خفيةً على المساكين. ... ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾. [١٨] ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ لا يقولون: إن شاء الله. ... ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩)﴾. [١٩] ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ﴾ بلاء وهلاك ليلًا ﴿مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ﴾ ولا يكون الطائف إلا بالليل، وكان ذلك الطائف نارًا نزلت من السماء فأحرقتها. ... ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾. [٢٠] ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ أي: المصرومة؛ لهلاك ثمرها، وكلُّ شيء قُطع من شيء فهو صريم، والليل صريم، والصبح صريم؛ لأن كل واحد

القلم 68:21

منهما ينصرم عن صاحبه، قال ابن عباس: "كالرماد الأسود" (١). ... ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾. [٢١] ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ﴾ نادى بعضهم بعضًا. ... ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (٢٢)﴾. [٢٢] ﴿أَنِ اغْدُوا﴾ أي: أقبلوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، والكسائي، وخلف (٢): (أَنُ اغْدُوا) بضم النون في الوصل، والباقون: بكسرها (٣). ﴿عَلَى حَرْثِكُمْ﴾ نخلكم (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ﴾ قاطعين للنخل. ... ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ مضوا إليها ﴿وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾ يتسارُّون، يقول بعضهم لبعض: (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٥٠)، و"زاد المسير" لاين الجوزي (٨/ ٣٣٦)، و"تفسير الثعالبي" (١٠/ ١٦). (٢) "وخلف" زيادة من "ت". (٣) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٨)، ولم يذكر خلفًا وأبا جعفر. (٤) في "ت": "غلتكم".

القلم 68:24

﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ وهذا مبالغة في النهي عن التمكين من الثمرة. ... ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَغَدَوْا﴾ عزموا ﴿عَلَى حَرْدٍ﴾ منعٍ للفقراء، والحرد: المنعُ مع حدَّة وغضب ﴿قَادِرِينَ﴾ بزعمهم. ... ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا﴾ محترقةً ﴿قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ طريقَ جنتنا، وليست هذه. ... ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾. [٢٧] فلما تأملوا وعرفوا أنها هي، قالوا: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُون﴾ خيرَها بسبب منعنا المساكين. ... ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ﴾ أعدلُهم وخيرهم؛ كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿تُسَبِّحُونَ﴾ تطيعون الله وتعظمونه، وقيل: تستثنون، وسمي الاستثناء تسبيحًا؛ لأنه تعظيم الله، قال

القلم 68:29

ابن عطية: وهذا يرد عليه قولهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾ (١). ... ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾. [٢٩] فبادر القوم و ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بمنعنا المساكينَ. ... ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ﴾ يلوم بعضهم بعضًا في منع المساكين؛ فإن منهم من أشار بذلك، ومنهم من استصوبه، ومنهم من سكت راضيًا، ومنهم من أنكره. ... ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (٣١)﴾. [٣١] فنادوا على أنفسهم بالويل، و ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ في منعنا حقَّ الفقراء. ... ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ثم رجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ﴿عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ ليتوب علينا، ويرد جنتنا، رُوي أنهم تابوا، فأُبدلوا جنة خيرًا منها. قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو: (يُبَدِّلَنَا) بفتح الباء وتشديد الدال، والباقون: بإسكان الباء وتخفيف الدال (٢). (١) انظر: "المحرر الوجيز" (٥/ ٣٥٠). (٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٤٥)، و"الكشف" لمكي (٢/ ٧٢)، و"معجم =

القلم 68:33

﴿كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثلَ عذاب أولئك ﴿الْعَذَابُ﴾ الذي نعذب به أهل مكة بالقتل والأسر والهزيمة في الدنيا؛ لشركهم وكفرهم، وهو راجع إلى قوله: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ﴾ ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ أعظمُ منه وأشدُّ. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لاحترزوا عما يؤديهم إليه. ... ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٣٤)﴾. [٣٤] ثم أخبر بما عنده للمتقين فقال: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة. ﴿جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ الخالصِ. ... ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾. [٣٥] فقال المشركون للمسلمين: إن بعثنا على زعمكم، فإنا نُعطى أفضلَ منكم، فنزل تكذيبًا لهم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (١) الألف للاستفهام على وجه التوبيخ؛ أي: لا نجعل ذلك، وفيه إضمار: أفلا تعقلون، معناه: من كان له عقل يعلم أنه لا يكون ثواب المسلمين كثواب المجرمين. = القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٩). (١) انظر: "تفسير الثعالبي" (٤/ ٣٢٩)، و"المحرر الوجيز" لابن عطية (٥/ ٣٥١).

القلم 68:36

﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ هذا الحكمَ الفاسدَ، التفات فيه تعجيبٌ من حكمهم، واستبعادٌ له. ... ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ﴾ منزلٌ من السماء ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ تقرؤون. ... ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ أي: إن لكم ما تختارونه وتشتهونه. قرأ البزي: (لَمَا تَّخَيَّرُونَ) بالمد وتشديد التاء، والباقون: بالتخفيف بغير مد (١). ... ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ﴾ نعت (أَيْمَانٌ)؛ أي: ثابتة علينا. ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لا نخرج من عهدتها إلى يومئذ، ولما تضمن ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا﴾ معنى القسم، أجابه بقوله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾ أي: لأقسمنا لكم أيمانًا موثقة بما تحكمون به لأنفسكم، فيجب علينا الوفاء بها. (١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ١٩٩).

القلم 68:40

﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾. [٤٠] ثم قال لنبيه - ﷺ -: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين؟ ... ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ لله بزعمهم، وهي الأصنام يكفلون لهم بذلك، فإن كان كذلك ﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ في زعمهم. ... ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكرْ يومَ ﴿يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ أي: يشتد الأمر، قال ابن عباس: "هو أشدُّ ساعة في القيامة"، يقال: كشفت الحرب عن ساقها؛ أي: شدتها. ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ ويعني: الكفارَ والمنافقينَ على جهة التوبيخ. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ السجودَ؛ لأن ظهورهم تصير كصياصي البقر، كأن سفافيد الحديد فيها. ... ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿خَاشِعَةً﴾ ذليلةً ﴿أَبْصَارُهُمْ﴾ والمراد: أربابها، و ﴿خَاشِعَةً﴾ نصب على الحال، وخص الأبصار بالذكر؛ لأن الخشوع فيها أبينُ منه في كل جارحة (١). (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ٣٩).

القلم 68:44

﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تغشاهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ تظهر عليهم ظهورًا يخزيهم. ﴿وَقَدْ كَانُوا﴾ هنا (١) ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الصلاةِ. ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ وأصحاء، فلا يأتون، فلذلك منعوا السجود ثَمَّ، وخص السجود بالذكر من حيث هو أعظم الطاعات، ومن حيث به وقع امتحانهم في الآخرة. ... ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ وعيد، ولم يكن ثمَّ مانع، ولكنه كما تقول: دعني مع فلان؛ أي: سأعاقبه، والحديث المشار إليه هو القرآن. ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والاستدراج: هو الحمل من رتبة إلى رتبة، حتى يصير المحمول إلى شر، وإنما يستعمل الاستدراج في الشر؛ أي: نجعلهم كلما أحدثوا خطيئة، جددنا لهم نعمة، وننسيهم الاستغفار. قرأ أبو عمرو: (بِهَذَا الْحَدِيث سَّنَسْتَدْرِجُهُمْ) بإدغام الثاء في السين (٢). ... ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: أُمهلهم ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ وسُمي إحسانه (١) "هنا" زيادة من "ت". (٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠١).

القلم 68:46

كيدًا واستدراجًا؛ لأنه في صورتهما؛ لأنه سبب هلاكهم، وفي معنى الاستدراج قولُ النبي - ﷺ -: "إن الله يُمهل الظالمَ، حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه" (١)، والمتين: القوي الذي له متانة. ... ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا﴾ على تبليغ الرسالة ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ يعطونكه ﴿مُثْقَلُونَ﴾ فلا يؤمنون لذلك، والمراد: توبيخ الكفار؛ لأنه لو سألهم أجرًا فأثقلهم غرمُ ذلك، لكان لهم بعض العذر في إعراضهم وفرارهم. ... ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ﴾ اللوح ﴿فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ منه ما يقولون وبه يحكمون. ... ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨)﴾. [٤٨] ثم أمر الله تعالى نبيه بالصبر لحكمه، وأن يمضي لما أُمر به من التبليغ، واحتمال الأذى والمشقة، ونُهي عن الضجر والعجلة التي وقع فيها (١) رواه البخاري (٤٤٠٩)، كتاب: التفسير، باب قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾، ومسلم (٢٥٨٣)، كتاب: البر والصلة والآداب، باب: تحريم الظلم، من حديث أبي موسى رضي الله عنه.

القلم 68:49

يونس -عليه السلام-، فقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ فيهم بما يشاء. ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ في عجلته وغضبه. ﴿إِذْ نَادَى﴾ داعيًا في بطن الحوت ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ مملوء غيظًا. ... ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ﴾ أسند الفعل دون علامة تأنيث؛ لأن تأنيث النعمة غير حقيقي، المعنى: لو لم تنله رحمة ﴿مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ﴾ لأُلقي من بطن الحوت ﴿بِالْعَرَاءِ﴾ بالأرض الفضاء ﴿وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ يُذم ويلام بالذنب، ولكنه رُحم، فُنبذ غيرَ مذموم. ... ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ اختاره واصطفاه بالنبوة. ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الأنبياء. ... ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١)﴾. [٥١] ثم أخبر تعالى نبيه بحال نظر الكفار إليه، فقال ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾ قرأ نافع (لَيَزْلقُونَكَ) بفتح الياء، والباقون، بضمها (١)، المعنى: قارب الكفار أن يصيبوك بأعينهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٧)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، =

القلم 68:52

﴿لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ القرآنَ ﴿وَيَقُولُونَ﴾ حسدًا: ﴿إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾. ... ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٥٢)﴾. [٥٢] فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وَمَا هُوَ﴾ أي: القرآن. ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ موعظة ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ من الجن والإنس، والله أعلم. = و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٥٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٢).

الحاقة 69:1

سُوْرَة الْحَاقَّةُ مكية، وآيها: اثنتان وخمسون آية، وحروفها: ألف وأربعة وثمانون حرفًا، وكلمها: مئتان وست وخمسون كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أنه قال: "خرجت يومًا بمكة متعرضًا لرسول الله - ﷺ -، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فجئت فوقفت وراءه، فافتتح سورة الحاقة، فلما سمعت سرد القرآن، قلت في نفسي: إنه لشاعر كما تقول قريش، حتى بلغ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ ثم مر حتى انتهى إلى آخر السورة، فأدخل الله في قلبي الإسلام" (١). ﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾. [١] قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ﴾ اسم فاعل من حقَّ الشيء يحق: إذا كان صحيح الوجود، والمراد: القيامة؛ لأنها حقت، فلا كاذبة لها. (١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (١/ ١٧)، وإسناده ضعيف؛ شريح بن عبيد لم يدرك عمر رضي الله عنه. انظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي (٩/ ٦٢).

الحاقة 69:2

﴿مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾. [٢] ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ استفهام تعجيب؛ تفخيمًا لشأنها، التقدير: الحاقة أيُّ شيء هي؟! و ﴿مَا الْحَاقَّةُ﴾ رفع بالابتداء، و (ما) رفعٌ بالابتداء أيضًا، و (الْحَاقَّةُ) الثانية خبر (ما)، والجملة خبر الأول، وهذا كما تقول: زيد وما زيد؟! على معنى التعظيم؛ ليتخيل السامع أقصى جهده. ... ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾. [٣] ثم زادها تفخيمًا فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ أي: إنك لا تعلمها إذا لم تر ما فيها من الأهوال. ... ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾. [٤] ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (كَذَّبَت ثَّمُودُ) بإدغام التاء في الثاء، واختلف عن ابن ذكوان، وقرأ الباقون: بالإظهار (١). ﴿بِالْقَارِعَةِ﴾ القيامة؛ لأنها تقرع القلوب بالمخافة، و (ثَمُودُ) اسم عربي معرفة فإذا أُريد به القبيلة، لم ينصرف، وإذا أُريد به الحي، انصرف، وأما (عَادٌ)، فكونه على ثلاثة أحرف ساكن الأوسط فهو مصروف. (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٥).

الحاقة 69:5

﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾. [٥] ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ﴾ بالصيحة التي خرجت عن حد كل صيحة، وقيل: بطغيانهم. ... ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾. [٦] ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ شديدةٍ تصرصر في هبوبها. ﴿عَاتِيَةٍ﴾ شديدةٍ عتت على خزنتها فلم يضبطوها. ... ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾. [٧] ﴿سَخَّرَهَا﴾ أرسلها بشدة وقهر ﴿عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ متتابعة لم يتخللها غير ذلك. روى عن قنبل ويعقوب: الوقفُ بالياء على (لَيَالِي)، وهذه الأيام التي تسميها العرب: أيام (١) العجوز ذاتُ برد ورياح شديدة، سميت بذلك؛ لأنها كانت في عجز الشتاء. ﴿فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا﴾ في تلك الأيام والليالي ﴿صَرْعَى﴾ هَلْكى، جمع صريع. ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ ساقطة فارغة. (١) "أيام" زيادة من "ت".

الحاقة 69:8

﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾. [٨] ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ أي: بقاء. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وهشام: (فَهَل تَّرَى) بإدغام اللام في التاء، والباقون: بالإظهار (١). ... ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (٩)﴾. [٩] ﴿وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ﴾ قرأ أبو عمرو، ويعقوب، والكسائي: (قِبَلَهُ) بكسر القاف وفتح الباء؛ أي: ومن معه، وقرأ الباقون: بفتح القاف وإسكان الباء (٢)؛ أي: من تقدَّمه من الأمم. ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتُ﴾ أي: المنخسفات؛ يعني: قوم لوط ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي: بالخطيئة، وهي الشرك. قرأ أبو جعفر: (والْمُوتَفِكَاتُ) بإسكان الواو، و (الْخَاطِيَةِ): بفتح الياء بغير همز فيهما، واختلف عن قالون في (والْمُوتَفِكَاتُ)، وقرأ الباقون بالهمز فيهما (٣). (١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٣)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٦). (٢) انظر "التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٠)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧). (٣) "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (١/ ٣٩٠ و ٣٩٦)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٧ - ٢٠٨).

الحاقة 69:10

﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾. [١٠] ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ يعني: لوطًا وجميعَ الرسل. ﴿فَأَخَذَهُمْ﴾ العذابُ. ﴿أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ زائدة في الشدة. ... ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾. [١١] ثم عدد تعالى على الناس نعمه في قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ في وقت الطوفان الذي كان على قوم نوح، والطغيان: الزيادة على الحدود المتعارفة، روي أنه علا على كل شيء خمسة عشر ذراعًا. ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾ أي: آباءكم ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾ على وجه الماء بسفينة نوح عليه السلام. ... ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾. [١٢] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ﴾ أي: الفعلةَ، وهي إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين ﴿تَذْكِرَةً﴾ عظةً. ﴿وَتَعِيَهَا﴾ نصب عطف؛ أي: ولتعيها؛ أي: وتحفظَها ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ حافظة لما تسمع. قرأ نافع (أُذْنٌ) بإسكان الذال، والباقون: برفعها (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٩٩)، و"الكشف" لمكي (١/ ٤٠٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٠٩).

الحاقة 69:13

﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣)﴾. [١٣] ثم ذكَّرَ تعالى بأمر القيامة فقال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ هو القرن الذي ينفخ فيه، وهو من نور، فَمُه أوسعُ من السموات. ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ هي الأولى التي للفزع، ومعها يكون الصعق، ثم نفخة البعث. ... ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَحُمِلَتِ﴾ رُفعت (١) ﴿الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ بجميع ما فيها. ﴿فَدُكَّتَا﴾ دُقَّتا ﴿دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ لا تثنى؛ لشدتها. ... ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥)﴾. [١٥] ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ قامت القيامة والطامة الكبرى. ... ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾. [١٦] ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ تفطَّرت ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ ضعيفة بعد قوتها. ... ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (١٧)﴾. [١٧] ﴿وَالْمَلَكُ﴾ اسم جنس يريد به: الملائكة ﴿عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ جوانبها؛ يعني: السماء؛ لأنها إذا انشقت، انتقلت الملائكة إلى جوانبها حتى يأمرهم (١) في "ت": "وقعت".

الحاقة 69:18

الرب تعالى فينزلون، فيحيطون بالأرض ومن عليها. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ﴾ أي: فوق رؤوسهم؛ يعني: الحملة. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم القيامة ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ من الملائكة. روي أن حملة العرش اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة، أُمدوا بأربعة، فصاروا ثمانية على صور الأوعال، ما بين أظلافهم إلى ركبهم كما بين سماء إلى سماء (١). وعن ابن عباس: "أنهم ثمانية صفوف من الملائكة، لا يعلم عدتهم إلا الله" (٢). ... ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾. [١٨] ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ العاملُ فيه: ﴿تُعْرَضُونَ﴾ على الله. ﴿لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ سريرة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (يَخفَى) بالياء على التذكير؛ للفصل بـ (مِنْكُمْ)، وقرأ الباقون: بالتاء لتأنيث (خَافِيَةٌ) (٣). (١) قال الألوسي في "روح المعاني" (٢٩/ ٤٥) بعد أن ذكره: وأبو حيان لم يقل بصحة شيء من ذلك حيث قال: ذكروا في صفات هؤلاء الثمانية أشكالًا متكاذبة، ضربنا عن ذكرها صفحًا. ثم قال الألوسي: وأكثر الأخبار في هذا الباب لا يعول عليها. (٢) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ٥٨)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٣٧٠). (٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٤٨)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٣)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١٠).

الحاقة 69:19

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾. [١٩] ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ﴾ سرورًا بما فيه خطابًا لجماعة. ﴿هَاؤُمُ﴾ اسم الفعل؛ أي: خذوا ﴿اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ الهاء للوقف. ... ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾. [٢٠] ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ﴾ أيقنت ﴿أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ أي: أُحاسب في الآخرة. روي عن قنبل، ويعقوب: الوقف بالياء على (مُلاَقِي). ... ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾. [٢١] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ في حالة من العيش مرضية. ... ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾. [٢٢] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ رفيعة. ... ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾. [٢٣] ﴿قُطُوفُهَا﴾ ثمرتها ﴿دَانِيَةٌ﴾ قريبة المتناول للقائم والقاعد والنائم. ... ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾. [٢٤] فيقال لهم: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ نصبٌ على المصدر.

الحاقة 69:25

﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾ من الصلاح ﴿فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ الماضية في الدنيا. ... ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾. [٢٥] ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ بأن تلُوى يسراه إلى خلف ظهره، فيأخذه بها ﴿فَيَقُولُ﴾ حزنًا (١) مما فيه: ﴿يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ﴾. ... ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾. ... ﴿يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿يَالَيْتَهَا﴾ أي: الموتةُ التي كانت في الدنيا. ﴿كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ القاطعةَ لحياتي، فلم أُبعث. ... ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿مَا﴾ نفي ﴿أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ يساري لم يدفع عني شيئًا من عذاب الله. (١) في "ت": "خوفًا".

الحاقة 69:29

﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾. [٢٩] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ضلت عني حجتي. قرأ يعقوب: (كِتَابِي) (حِسَابِي) (مَالِي) (سُلْطَانِي) بحذف الهاء منها وصلًا، وأثبتها وقفًا، وافقه حمزة في (مَالِي) و (سُلْطَانِي)، وأثبتها الباقون في الحالين اتباعًا للإمام (١). ... ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾. [٣٠] فثَمَّ يُقال للخزنة: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ﴾ اجمعوا يديه إلى عنقه في الغُلِّ. ... ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ﴾. [٣١] ﴿ثُمَّ الْجَحِيمَ﴾ نصب بفعل يفسره ﴿صَلُّوهُ﴾ أي: أدخلوه النار. ... ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ طولها ﴿سَبْعُونَ ذِرَاعًا﴾ نصب على التمييز، قال حذاق من المفسرين: هي بالذراع المعروفة منا، وإنما خوطبنا بما نعرفه ونحصله، وقال الحسن: الله أعلم بأي ذراع هي، وعن كعب: لو جمع حديد الدنيا ما وزن حلقة منها (٢). ﴿فَاسْلُكُوهُ﴾ وسلكُه فيها أن تلُوى على جسده. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ١٤٢)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١٢ - ٢١٣). (٢) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٩).

الحاقة 69:33

﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣)﴾. [٣٣] ثم علل ذلك مستأنفًا فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ المستحقِّ للعظمة، فمن تَعَظَّم تيهًا، استوجب ذلك. ... ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَلَا يَحُضُّ﴾ يحثُّ ﴿عَلَى﴾ بذلِ ﴿طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ فضلًا أن يبذل من ماله، وأضاف الطعامَ إلى المسكين من حيث له إليه نسبة. ... ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ﴾ قريب ينفعه. ... ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ هو صديد أهل النار؛ لأنه غُسالة قروح وجروح بطونهم. ... ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ الكافرون، والخاطِئ: الذي يفعل ضد الصواب متعمدًا لذلك، والمخطئ: الذي يفعله غير متعمد. قرأ

الحاقة 69:38

أبو جعفر: (الْخَاطُونَ) بحذف الهمزة وضم الطاء، والباقون: بكسر الطاء وهمزة مضمومة بعدها (١). ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿فَلَا﴾ ردٌّ لكلام المشركين؛ أي: ليس كما يقول المشركون، وتبتدئ. ﴿أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ﴾ ترون من الأجسام والأشباح. ... ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾. [٣٩] ﴿وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ من الأرواح، وما استأثر الله بعلمه. ... ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾. [٤٠] وجواب القسم: ﴿إِنَّهُ﴾ يعني: القرآن ﴿لَقَوْلُ﴾ أي: تلاوة. ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: محمدًا - ﷺ - يقوله رسالة عن الله تعالى. ... ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾ كما تزعمون تارة ﴿قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ واتصاف (١) انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان (٨/ ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١٣).

الحاقة 69:42

إيمانهم بالقلة هو الإيمان اللغوي؛ لأنهم قد صدقوا بأشياء يسيرة لا تغني عنهم شيئًا؛ إذ كانوا يصدقون أن الخير والصلة والعفاف الذي كان يأمر به رسول الله - ﷺ - هو حق صواب. ... ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ﴾ كما تزعمون أخرى. ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ والقلة هنا بمعنى العدم. قرأ ابن كثير، ويعقوب، وابن عامر بخلاف عن راويه ابن ذكوان: (يُؤْمِنُونَ) (يَذْكُرُونَ) بالغيب فيهما، وقرأهما الباقون: بالخطاب، ومنهم حمزة، والكسائي، وحفص، وخلف على أصله في تخفيف الذال من (تَذَكَّرُونَ)، ورجح أبو عمرو القراءة بالخطاب بقوله: (فَمَا مِنْكُمْ) (١). ... ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾. [٤٣] ﴿تَنْزِيلٌ﴾ رفع بالابتداء؛ أي: هو تنزيل. ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ نزَّله على لسان جبريل عليه السلام. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١٤).

الحاقة 69:44

﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ﴾ أي: اختلقَ ﴿عَلَيْنَا﴾ محمد - ﷺ -. ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ وأتى بشيء من عند نفسه. ... ﴿لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾. [٤٥] ﴿لأَخَذْنَا﴾ لانتقمنا ﴿مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ أي: بالقوة والقدرة؛ لأن قوة كل شيء في ميامنه. ... ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾. [٤٦] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ نياط القلب، وهو عرق أبيض غليظ كالقصبة متصل بالقلب، إذا انقطع، مات صاحبه. ... ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾. [٤٧] ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ﴾ عن قتل (١) محمد - ﷺ - ﴿حَاجِزِينَ﴾ مانعين يحجزوننا، وإنما قال: ﴿حَاجِزِينَ﴾ بالجمع، وهو فعل واحد؛ ردًّا على معناه؛ كقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. ... ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾. [٤٨] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَتَذْكِرَةٌ﴾ عظة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون عقاب الله. (١) "قتل" زيادة من "ت".

الحاقة 69:49

﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾. [٤٩] ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿مُكَذِّبِينَ﴾ فنجازيهم على تكذيبهم. ... ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. [٥٠] ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: القرآن ﴿لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ من حيث كفروا به، ويرون من آمن به ينعم، وهم يعذبون. ... ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾. [٥١] ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ أي: إن القرآن ليقين حق. ... ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾. [٥٢] ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ تنزيهًا له. وروي أن رسول الله - ﷺ - قال لما نزلت هذه الآية: "اجعلوها في ركوعكم" (١)، فالتزم ذلك جماعة العلماء، وتقدم ذكر الاختلاف في ذلك آخر سورة الواقعة، والله أعلم. (١) رواه أبو داود (٨٦٩)، كتاب: الصلاة، باب: ما يقول الرجل في ركوعه وسجوده، وابن ماجه (٨٨٧)، كتاب: الصلاة، باب: التسبيح في الركوع والسجود، والإمام أحمد في "المسند" (٤٠/ ١٥٥)، وابن حبان في "صحيحه" (١٨٩٨)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.

المعارج 70:1

سُوْرَةُ المَعَارِجِ مكية، وآيها: أربع وأربعون آية، وحروفها: ثمان مئة وأحد وستون حرفًا، وكلمها: مئتان وست عشرة كلمة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (١)﴾. [١] ﴿سَأَلَ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (سَالَ) بألف من غير همز مثل قال، فألف (سَأَلَ) بدل من الهمزة، وهو لغة في السؤال، خففت الهمزة وجعلت ألفًا، وقرأ الباقون: بهمزة مفتوحة من السؤال على الأصل (١). ﴿سَائِلٌ﴾ المعنى: استفهمَ مستفهمٌ ﴿بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ أي: عن عذاب نازلٍ على من ينزل. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٧)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢١٩).

المعارج 70:2

﴿لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (٢)﴾. [٢] فقال الله مجيبًا له: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ وذلك أن أهل مكة لما خوفهم النبي - ﷺ - بالعذاب، قال بعضهم لبعض: مَنْ أهلُ هذا العذاب، ولمن هو؟ سلوا عنه محمدًا، فسألوه، فأنزل الله الآية: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ (١) يردُّه. ... ﴿مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (٣)﴾. [٣] ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ لتعلُّق إرادته به. ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ أي: مصاعد الملائكة، جمع مَعْرَج. ... ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾. [٤] ﴿تَعْرُجُ﴾ أي: تصعد ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ الحفَظَة بأعمال بني آدم كل يوم. قرأ الكسائي: (يَعْرُجُ) بالياء على التذكير إرادة الجمع، والباقون: بالتاء على التأنيث إرادة الجماعة (٢)، وقرأ أبو عمرو: (ذِي الْمَعَارِج تَّعْرُجُ) بإدغام الجيم في التاء (٣). (١) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٧). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥٠)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٦٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٠). (٣) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٠).

المعارج 70:5

﴿وَالرُّوحُ﴾ هو جبريل عليه السلام. ﴿إِلَيْهِ﴾ [إلى محل قربته وكرامته، وهو السماء] (١). ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ من سني الدنيا، لو صعد فيه غير الملك؛ لأن الملك يصعد من منتهى أمر الله من أسفل السفل إلى منتهى أمره من فوق السماء السابعة في يوم واحد، ولو صعد فيه بنو آدم، لصعدوه في خمسين ألف سنة. ... ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾. [٥] ﴿فَاصْبِرْ﴾ يا محمد على أذاهم ﴿صَبْرًا جَمِيلًا﴾ هو ما لا جزع فيه، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال. ... ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾. [٦] ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ﴾ يعني: العذابَ ﴿بَعِيدًا﴾ لإنكارهم البعث. ... ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾. [٧] ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ سهلًا؛ لقدرتنا عليه؛ لأن ما هو آت قريب. (١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".

المعارج 70:8

﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾. [٨] ﴿يَوْمَ﴾ ظرف لـ (قَرِيبًا) ﴿تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ﴾ وهو عكر الزيت. ... ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾. [٩] ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ وهو الصوف المصبوغ ألوانًا. ... ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠)﴾. [١٠] ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ قرأ أبو جعفر: (يُسْأَلُ) بضم الياء مجهولًا، أي: لا يسأل قريب عن قريبه؛ أي: لا يطالِب به، وقرأ الباقون: بفتح الياء معلومًا (١)؛ أي: يسأل قريب قريبًا؛ لاشتغال كلٍّ بشأن نفسه، واختلف عن البزي، فروي عنه الوجهان. ... ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (١١)﴾. [١١] ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أي: يُرونهم، يعني: يبصر الأحماء بعضهم بعضًا، ويتعارفون ولا يتكلمون، وليس في القيامة مخلوقٌ إلا وهو نصب عين صاحبه. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٩٠)، وذكرها ابن مجاهد في "السبعة" (ص: ٦٥٠)، والبغوي في "تفسيره" (٤/ ٤٦٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٠ - ٢٢١) عن ابن كثير، وقال ابن مجاهد: الرواية بالضم غلط.

المعارج 70:12

﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ﴾ يتمنى المشرك ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، والكسائي: (يَوْمَئِذٍ) بفتح الميم، والباقون: بكسرها، ومن حيث أضيف إلى غير متمكن، جاز فيه الوجهان ﴿بِبَنِيهِ﴾. ... ﴿وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ﴾. [١٢] ﴿وَصَاحِبَتِهِ﴾ زوجته ﴿وَأَخِيهِ﴾. ... ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (١٣)﴾. [١٣] ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ عشيرته ﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ ويأوي إليها. قرأ ابن كثير: (بِبَنِيِهِي) (وَأَخِيهِي) و (تُؤْوِيهِي) وشبهه بياء يصلها بهاء الكناية في الوصل حيث وقع. ... ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (١٤)﴾. [١٤] ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ يودُّ لو يفتدي بهم جميعًا. ﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ ذلك الفداء من عذاب الله. ... ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥)﴾. [١٥] ﴿كَلَّا﴾ لا ينجيه من عذاب الله شيء، ثم ابتدأ تعالى فقال: ﴿إِنَّهَا﴾ أي: النار ﴿لَظَى﴾ من أسماء جهنم، سميت بذلك لتلظِّيها؛ أي: لتلهبها عليهم.

المعارج 70:16

﴿نَزَّاعَةً لِلشَّوَىٰ﴾. [١٦] ﴿نَزَّاعَةً﴾ قرأ حفص عن عاصم: (نَزَّاعَةً) نصب على الحال من (لَظَى)؛ لما فيها من معنى التلظِّي؛ كأنه قال: إنها النار التي تتلظى نزاعةً، فهي حال مؤكدة، وقرأ الباقون: بالرفع خبر مبتدأ محذوف (١)؛ أي: هي نزاعة ﴿لِلشَّوَى﴾ جمع شواة، وهي جلدة الرأس وما ليست مقتلًا كالأطراف، تلخيصه: تقتلع النار منهم كل عضو غير مقتل، ثم يعود هكذا أبدًا. ... ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧)﴾. [١٧] ﴿تَدْعُو﴾ قال ابن عباس: "تدعوهم بأسمائهم ثم تلتقطهم كالتقاط الطير (٢) الحبَّ" (٣)، وقيل: معناه: تعذب. ﴿مَنْ أَدْبَرَ﴾ عن الإيمان ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الحق. ... ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ﴾. [١٨] ﴿وَجَمَعَ﴾ المال ﴿فَأَوْعَى﴾ جعله في وعاء، ولم يؤدِّ حقَّ الله منه. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٢). (٢) "الطير" سقط من "ت". (٣) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٠)، و"تفسير القرطبي" (١٨/ ٢٨٩).

المعارج 70:19

قرأ ورش عن نافع، وأبو عمرو: بإمالة رؤوس الآيات الأربع؛ بخلاف نهما، وافقهما على الإمالة: حمزة، والكسائي، وخلف، وقرأها الباقون: بالفتح (١). ... ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾. [١٩] ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ هو عامٌّ ﴿خُلِقَ هَلُوعًا﴾ حال مقدرة، والهلع: أشد الجزع وهو اضطراب يعتري الإنسان عند المخاوف وعند المطامع ونحوها، تفسيره ما بعده. ... ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠﴾. [٢٠] وهو ﴿إِذَا مَسَّهُ﴾ أصابه ﴿الشَّرُّ﴾ الفقرُ والمرض ﴿جَزُوعًا﴾ حال مقدرة. ... ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١)﴾. [٢١] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ﴾ المالُ والصحة ﴿مَنُوعًا﴾ لحقِّ الله تعالى منه. ... ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. [٢٢] ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾ استثناء من الإنسان. (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"اتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٤٢٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٢ - ٢٢٣).

المعارج 70:23

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾. [٢٣] ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ لا يلتفتون يمينًا ولا شمالًا، ولا يُخِلُّون بالمكتوبة في أوقاتها. ... ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤)﴾. [٢٤] ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ هو الزكاة. ... ﴿لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾. [٢٥] ﴿لِلسَّائِلِ﴾ الذي يسأل ﴿وَالْمَحْرُومِ﴾ المتعفف عن السؤال، فيحرم لذلك. ... ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾. [٢٦] ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الجزاء. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾. [٢٧] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ... ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾. [٢٨] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ نزولُه، اعتراض يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يأمن عذاب الله، وإن بالغ في طاعته.

المعارج 70:29

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩)﴾. [٢٩] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾. ... ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)﴾. [٣٠] ﴿إِلَّا عَلَى﴾ و (على) بمعنى (من) ﴿أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾. ... ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾. [٣١] ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة المؤمنين. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾. [٣٢] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ حافظون، وتقدم تفسيره. واختلاف القراء في (لِأَمانَاتِهِمْ) في سورة المؤمنين أيضًا [الآية: ٨]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾. [٣٣] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ﴾ قرأ يعقوب، وحفص عن عاصم: (بِشَهَادَاتِهِمْ) بألف بعد الدال على الجمع؛ لاختلاف الأنواع، والباقون: بغير ألف على الإفراد (١). (١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٧١)، و "النشر في =

المعارج 70:34

﴿قَائِمُونَ﴾ يقيمونها عند الأحكام، فلا يكتمونها. قال - ﷺ -: "إذا علمتَ مثلَ الشمس، فاشهدْ، وإلَّا فَدَعْ" (١). وتقدم معنى الشهادة في أول سورة المنافقين، وتقدم حكم تحمُّل الشهادة وأدائها وأخذ الأجرة عليها ومذاهب الأئمة في ذلك في سورة البقرة عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا﴾ [الآية: ٢٨٢]. ... ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾. [٣٤] ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ يداومون. واتفق القراء على الإفراد في (صَلاَتِهِمْ) هنا، وفي الأنعام (٢)؛ بخلاف الحرف المتقدم في المؤمنين؛ لأنه لم يكتنفها فيهما ما اكتنفها في المؤمنين قبل وبعد، من تعظيم الوصف في المتقدم، وتعظيم الجزاء في المتأخر، فناسب لفظ الجمع، ولذلك قرأ به أكثر القراء، ولم يكن ذلك في غيرها، فناسب الإفراد، والله أعلم، وتكرير ذكر الصلاة ووصفهم بها أولًا وآخرًا باعتبارين: للدلالة على فضلها، وإنافتها على غيرها. = القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٩١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٤). (١) رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٤/ ١٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. وإسناده ضعيف. انظر: "التلخيص الحبير" (٤/ ١٩٨). (٢) "وفي الأنعام" زيادة من "ت".

المعارج 70:35

﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾. [٣٥] ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ بثواب الله. ... ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (٣٦)﴾. [٣٦] ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وتقدم اختلاف القراء فيه في سورة الكهف عند قوله تعالى: (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ) ﴿قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ نحوك مسرعين مديمي النظر إليك. نزلت في جماعة من الكفار كانوا يجتمعون حول النبي - ﷺ - يستمعون كلامه، ويستهزئون به فقال الله لهم: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك، وهم لا ينتفعون بما يسمعون (١)؟! ... ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (٣٧)﴾. [٣٧] ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ فرقًا شتى. ... ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨)﴾. [٣٨] ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ نزلت لأن بعض الكفار قال: إن كان ثم آخرة وجنة، فنحن أهلها وفيها؛ لأن الله لم ينعم علينا في الدنيا بالمال والبنين وغير ذلك إلا لرضاه عنا. قراءة العامة: (يُدْخَلَ) بضم (١) رواه الطبري في "تفسيره" (٢٩/ ٨٥). وانظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٢).

المعارج 70:39

الياء وفتح الخاء على بناء الفعل للمفعول، وقرأ المفضل عن عاصم: بفتح الياء وضم الخاء على بناء الفعل للفاعل (١). ... ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾. [٣٩] ﴿كَلَّا﴾ ردٌّ لقولهم وطمعهم؛ أي: ليس الأمر كذلك، ثم أخبر عن خلقهم فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ﴾ من النطف والعلق والماء المهين، وهم كافرون، فبم يفتخرون؟! ... ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠)﴾. [٤٠] ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ تقدم نظيره في سورة الواقعة، وهو ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ يعني: مشرق كل يوم من السنة ومغربه، وتقدم الكلام على قوله ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] و ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] في أول سورة الصافات، وهو قسم جوابه: ﴿إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾. ... ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾. [٤١] ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ﴾ أي: نهلكهم ونأتي بقوم أمثلَ منهم. (١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٤).

المعارج 70:42

﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي: بعاجزين. ... ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٤٢)﴾. [٤٢] ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا﴾ في باطلهم ﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دنياهم ﴿حَتَّى يُلَاقُوا﴾ قرأ أبو جعفر: (يَلْقَوْا) بفتح الياء وإسكان اللام وفتح القاف من غير ألف قبلها، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وألف بعدها وضم القاف (١). ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ فيه العذاب، ونسختها آية القتال. ... ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾. [٤٣] وتبدل من ﴿يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ القبور ﴿سِرَاعًا﴾ إجابة الداعي ﴿كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ﴾ قرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: بضم النون والصاد، جمع نَصْب، وهي الأوثان، وقرأ الباقون: بفتح النون وإسكان الصاد، مفرد (نَصْب) (٢)، وهو ما نُصب فعبد [من] دونِ الله ﴿يُوفِضُونَ﴾ يسرعون. (١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٥). (٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٦٥١)، و"التيسير" للداني (ص: ٢١٤)، و"تفسير البغوي" (٤/ ٤٧٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٧/ ٢٢٥ - ٢٢٦).

المعارج 70:44

﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (٤٤)﴾. [٤٤] ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿يَخْرُجُونَ﴾؛ أي: ذليلة خاضعة. ﴿تَرْهَقُهُمْ﴾ تظهر عليهم ﴿ذِلَّةٌ﴾ هوان ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ في الدنيا، والله أعلم.