حقائق التفسير — الأعراف 7:1 – النحل 16:128
المحتويات
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:204
- الأعراف 7:205
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:72
- التوبة 9:3
- التوبة 9:10
- التوبة 9:13
- التوبة 9:18
- التوبة 9:21
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:28
- التوبة 9:31
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:46
- التوبة 9:48
- التوبة 9:51
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:67
- التوبة 9:71
- التوبة 9:73
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:88
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:115
- التوبة 9:116
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:126
- التوبة 9:128
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:7
- يونس 10:10
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:25
- يونس 10:26
- يونس 10:30
- يونس 10:31
- يونس 10:32
- يونس 10:34
- يونس 10:35
- يونس 10:36
- يونس 10:39
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:44
- يونس 10:49
- يونس 10:53
- يونس 10:55
- يونس 10:56
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:61
- يونس 10:62
- يونس 10:64
- يونس 10:67
- يونس 10:82
- يونس 10:84
- يونس 10:89
- يونس 10:94
- يونس 10:96
- يونس 10:97
- يونس 10:99
- يونس 10:100
- يونس 10:101
- يونس 10:103
- يونس 10:105
- يونس 10:106
- يونس 10:107
- يونس 10:108
- يونس 10:109
- هود 11:1
- هود 11:3
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:9
- هود 11:10
- هود 11:15
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:20
- هود 11:23
- هود 11:24
- هود 11:27
- هود 11:29
- هود 11:34
- هود 11:37
- هود 11:40
- هود 11:43
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:47
- هود 11:49
- هود 11:55
- هود 11:56
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:86
- هود 11:88
- هود 11:90
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:9
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:19
- الرعد 13:20
- الرعد 13:21
- الرعد 13:22
- الرعد 13:24
- الرعد 13:25
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:33
- الرعد 13:36
- الرعد 13:37
- الرعد 13:38
- الرعد 13:39
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:2
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:8
- إبراهيم 14:10
- إبراهيم 14:11
- إبراهيم 14:12
- إبراهيم 14:19
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:23
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:32
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:38
- إبراهيم 14:42
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:45
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:52
- الحجر 15:2
- الحجر 15:3
- الحجر 15:9
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:19
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:23
- الحجر 15:24
- الحجر 15:26
- الحجر 15:28
- الحجر 15:29
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:35
- الحجر 15:39
- الحجر 15:40
- الحجر 15:42
- الحجر 15:45
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:50
- الحجر 15:54
- الحجر 15:72
- الحجر 15:75
- الحجر 15:85
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:89
- الحجر 15:97
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:12
- النحل 16:16
- النحل 16:18
- النحل 16:21
- النحل 16:30
- النحل 16:32
- النحل 16:36
- النحل 16:37
- النحل 16:40
- النحل 16:42
- النحل 16:44
- النحل 16:48
- النحل 16:51
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:62
- النحل 16:66
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:83
- النحل 16:84
- النحل 16:89
- النحل 16:90
- النحل 16:91
- النحل 16:95
- النحل 16:96
- النحل 16:97
- النحل 16:99
- النحل 16:100
- النحل 16:102
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:114
- النحل 16:119
- النحل 16:120
- النحل 16:121
- النحل 16:122
- النحل 16:123
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:128
الأعراف 7:1
حكى محمد بن عيسى الهاشمى عن ابن عطاء أنه قال: لما أظهر الله صورة الأحرف جعل لها سرا، فلما خلق آدم بث فيه ذلك السر ولم يبثه فى الملائكة، فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون اللغات، فجعلنا الله صورة لها.
وقال الحسين: الألف ألف المألوف واللام لام الآلاء، والميم ميم الملك، والصاد صاد الصدق.
وقال: فى القرآن علم كل شىء وعلم القرآن فى الأحرف الست فى أوائل السور، وعلم الحروف فى لام الألف، وعلم لام الألف فى الألف، وعلم الألف فى النقطة، وعلم النقطة فى المعرفة الأصلية، وعلم المعرفة الأصلية فى الأقوال، وعلم الأول فى المشيئة، وعلم المشيئة فى غيب الهو، وغيب الهو ليس كمثله شىء.
وقيل فى قوله: { المص }. قال: أنا الله أفضل.
وقال أبو محمد الجريرى: إن لكل حرف ولفظ من الحروف مشربا وفهما غير الآخر، ومن شرح ذلك حين سمعه يقول: { المص } الألف عندهم للفهم فى محضرهم استماع إلى حسن مخرج، وطعم عذب موجود ونظر إلى المتكلم وكذلك اللام حسن استماع من مخرج غير الألف، وطعم فهم موجود وكذلك الميم حسن استماع من مخرج غير اللام، وطعم فهو موجود، والصاد حسن استماع إلى حسن مخرج، وطعم فهم موجود غير الميم فممزوج ذلك كله بملاحظة متكلمه.
وقال الحسين فى قوله: { المص } الألف ألف الأزل واللام لام الأبد والميم بينهما والصاد اتصال من اتصل به وانفصال من انفصل عنه، وفى الحقيقة الاتصال والانفصال وهى ألفاظ تجرى على حسن العبارات، ومعادن الحق مصونة عن الألفاظ والعبارات.
الأعراف 7:2
قوله تعالى: { كتاب أنزل إليك } [الآية: 2].
قال ابن عطاء: عهد خصصت به من بين الأنبياء أنك خاتم الرسل، وعهدك ختم العهود للشرح به صدرا وتقر به عينا.
قوله تعالى: { فلا يكن في صدرك حرج منه }.
قال الجنيد رحمة الله عليه: لا يضيقن قلبك بحمله وثقله فإن حمل الصفات ثقيلة إلا على من يؤيد بقبول المشاهدة.
وقال النورى: إن أنوار الحقائق إذا وردت على السر ضاق عن حملها كالشمس يمنع شعاعها عن إدراك نهايتها.
وقال القرشى: لما قص الله فى هذه السورة قصة الكليم، علم أن قلب النبى صلى الله عليه وسلم يتحرك لذلك فقال: { فلا يكن في صدرك حرج منه } لأنه كلم على الطور وكلمت وراء الستور ومنع المشاهدة ورزقتها.
الأعراف 7:3
قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ربكم } [الآية: 3].
قال بعضهم: من يتبع غير ما أنزل إليه من ربه فهو بعيد من عين الحق، ومن له نصيب فى الدارين لا يمكن أن يتبع ما أنزل إليه من ربه، والمتبعون هم أقل من القليل.
الأعراف 7:6
قيل: لنسألن الذين أرسل إليهم عن قبول الرسالة والقيام بشروطها، ولنسألن المرسلين عن أداء الرسالة والأمانة فيها.
قال أبو حفص فى هذه الآية: لنسألن الذين أرسل إليهم عن حفظ حرمات لرسل، ولنسألن المرسلين عن الشفقة على الأمم.
الأعراف 7:7
قوله تعالى: { فلنقصن عليهم بعلم } [الآية: 7].
قال ابن عطاء: فى حال عدمهم ووجودهم.
الأعراف 7:8
قوله عز وعلا: { والوزن يومئذ الحق } [الآية: 8].
قيل فى هذه الآية: من وزن نفسه بميزان العدل كان من المخبتين.
ومن وزن خطراته وأنفاسه بميزان الحق اكتفى بمشاهدته، والموازين مختلفة: ميزان للنفس والروح، وميزان للقلب والعقل، وميزان للمعرفة والسر. فميزان النفس والروح للأمر والنهى وكفتاه الكتاب والسنة، وميزان القلب والعقل الثواب والعقاب وكفتاه الوعد والوعيد، وميزان المعرفة والسر الرضا والسخط وكفتاه الهرب والطلب، وقد فسر فى غير هذا الموضع.
الأعراف 7:11
قوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم } [الآية: 11].
قال بعضهم: أبدع الله الهياكل وأظهرها على أخلاق شتى وصور مختلفة، وجعل لكل شىء منها عيشا فعيش القلوب فى الشهود، وعيش النفوس فى الوجود، وعيش العبد معبوده، وعيش الخواص الإخلاص. وعيش الآخرة: العلم، وعيش الدنيا: الجهل والعمارة والاغترار بها.
قوله تعالى: { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم فسجدوا إلا إبليس } [الآية: 11].
قال أبو حفص: عرف الملائكة استغناءه عن عبادتهم فقال: { اسجدوا لأدم } ولو كان سجودهم يزن عنده مثقال ذرة لما أمرهم بذلك ولصرف وجوههم إلى آدم، فإن سجود الملائكة وجميع خلقه لا يزيد فى ملكه، لأنه عزيز قبل أن يخلقهم وعزيز بعد أن يفنيهم وعزيز حين يبعثهم وله العزة جميعا.
وقال بعضهم: قوله لإبليس أمر تكليف وقوله { اخرج منها } أمر إهانة، ولولا ذلك لامتنع منها كما امتنع من السجود، وكان سجود الملائكة لآدم تحية له وطاعة لهم.
الأعراف 7:12
قوله تعالى: { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [الآية: 12].
قال الواسطى رحمة الله عليه: من استصحب كل نسك فى الدنيا والآخرة، فالجهل وطنه والاعتراض عرضه، والبعد من الله سببه، لأن العبادات تقطع الدعيات، ورؤية النسك رؤية الأفعال والنفوس، ولا متوتب على الله أشد من طالع نفسه بعين الرضا.
قوله تعالى: { أنا خير منه خلقتني من نار }.
قال بعضهم: لما نظر إلى الجوهر والعبادة ظن أنه المسكين خير، وسبب فساد النفوس من رؤية الطاعات.
وقيل: لما قال إبليس: { أنا } قيل له: إن عليك اللعنة، ما أبعده إلا رؤية نفسه.
وقيل فى قوله: { أنا خير منه } توهم أن الجوهر من الكون على مثله وشكله فى الخلقة، فضل من جهة الخلقة والجوهرية، ولم يعلم ولم يتيقن أن الفضل من المتفضل دون الجوهرية.
قال الواسطى رحمة الله عليه: من لبس قميص النسك خاصره { أنا } لذلك قال إبليس: { أنا خير منه } ولو لم يقل خير منه لأهلكه قوله فى المقابلة { أنا }.
قال ابن عطاء فى قوله: { أنا خير منه }: حجب إبليس برؤية الفخر بنفسه عن التعظيم، ولو رأى تعظيم الحق لم يعظم غيره، لأن الحق إذا استولى على سر شىء قهره فلم يترك فيه فضلا لغيره.
قوله عز وعلا:
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35]،
وإن عليك لعنتي
[ص: 78] الفرق بينهما إذا قال: لعنتى أى سخطى الذى لم يزل منى جاريا عليك، وإذا قال اللعنة بالتعريف والإشارة فهو ما ظهر للوقت عليه، ويزداد على الأيام إلى وقت سؤاله الإنظار.
قال الواسطى رحمة الله عليه: لا يأمنن أحد أن يفعل به كما فعل بإبليس، لقيه بأنوار عصمته وهو عنده فى حقائق لعنته، فستر عليه ما سبق منه إليه حتى غافصه بإظهاره عليه بقوله
وإن عليك اللعنة
[الحجر: 35].
وقال بعضهم: لعن إبليس بخمسة أشياء شقى بها: لم يقر بالذنب، ولم يندم عليه، ولم يلم نفسه، ولم ير التوبة على نفسه واجبة وقنط من رحمة الله.
وسعد آدم بخمسة أشياء: أقر على نفسه بالذنب، وندم عليه، ولام نفسه، وأسرع فى التوبة، ولم يقنط من رحمة الله.
الأعراف 7:16
قوله تعالى: { فبمآ أغويتني } [الآية: 16].
قال محمد بن عيسى الهاشمى: لو نجا إبليس بشىء لنجا برؤية القدرة عليه والإقرار على نفسه رب بما أغويتنى.
الأعراف 7:17
قوله تعالى: { ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم } [الآية: 17].
سمعت أبا عثمان المغربى يقول: إن الشيطان يأتى على الناس عن إيمانهم بالطاعات، ومن بين أيديهم بالأمانى والكرامات، ومن خلفهم بالبدع والضلالات، وعن شمائلهم بالشرك فإذا جرى لعبد سعادة قبل منهم ما يأمرونه من الطاعات، فإذا أرادوا أن يهلكوه بطاعته رد إلى السعادة التى جرت له فيكون ذلك ربحا وزيادة، ألا تراه يقول: { لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم } الآية.
قال: ولا تجد أكثرهم شاكرين، فالأكثر من هلك بطاعته، والأقل من أدركته السعادة فنجا إذ ذاك وشكر.
وقال بعضهم: { لآتينهم من بين أيديهم } من الدنيا ومن خلفهم للآخرة وعن أيمانهم الحسنات وعن شمائلهم السيئات.
وقال الشبلى: لم يقل: من فوقهم ولا من تحتهم لأن الفوق موضع نظر الملك إلى قلوب العارفين، والتحت مواضع الساجدين وموضع نظره وموضع عبادتهم لا يكون للشيطان هناك موضع ولا فيه طريق.
الأعراف 7:20
قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطان } [الآية: 20].
قال أبو سليمان الدارانى: وسوس لهما الشيطان لإرادة الشر بهما، وكان ذلك سببا لعلو آدم وبلوغه إلى أعلى الرتب، وذلك أن آدم ما عمل عملا قط أتم له من الخطيئة التى هى أدبته وأقامته مقام الحقائق وأسقط عنه، فلعله خامر سره من سجود الملائكة له ورده إلى البركة الأولى من التخصيص فى الخلقة باليد، حتى رجع إلى ربه بقوله { ظلمنآ أنفسنا }.
قال سهل: الوسوسة ذكر الطبع ثم النفس ثم الهم والتدبير.
الأعراف 7:21
قال أبو بكر الوراق: لا تقبل النصيحة إلا ممن يعتمد دينه وأمانته، ولا تكون له حظ فى نصيحته إياك، فإن العدو أظهر لآدم النصيحة وأضمر الخيانة قال الله تعالى: { وقاسمهمآ إني لكما لمن الناصحين }.
قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة }.
قيل: أشار إلى جنس الشجرة، فظن آدم أن النهى عن المشار إليها، وإنما أراد الله جل وعز جنس الشجرة المشار إليه فتناول آدم غيرها، وإنما وقعت التوبة على ترك التحفظ لا على المخالفة.
قال الله تعالى:
فنسي ولم نجد له عزما
[طه: 115].
قال الخراز: والله ما هنئ آدم الجنة ولا سكناها، إذ جعل فى جواره الأمر والنهى، ولو نظر آدم فى نفس المكرمة إلى خفاء الأمر والنهى فى ذلك المحل، ما هنأه نعيم دار السلام ولا استغف عن تلك الشجرة التي ابتلاه الله بالنهى خوفا، ولكنه أغفله لتقع به الهفوة التى من أجلها رأى الزلة وقامت بها الحجة، وأخرجه من جواره معنفا وسماه عاصيا.
الأعراف 7:22
قوله تعالى: { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } [الآية: 22].
قال القرشى: قيل لآدم ادخل الجنة ولا تأكل من هذه الشجرة، فلما أكلا ناداهما ربهما والقول على معنى القرب، والنداء على حد البعد.
قوله تعالى: { فدلاهما بغرور }.
قيل: غرهما بالله ولولا ذلك ما اغتر.
وسئل بعضهم: ما الفرق بين آدم وبين إبليس وقد ترك كل واحد منهما الأمر.
فقال: آدم طالع الخطيئة فأذهلته الخطيئة عن الأمر فارتكب النهى، وظن إبليس أن للعبادات العظيمة عنده خطرا وأنه لا يقصد بالتعبد غيره، فنظر إلى الجنسين فقال: أنا خير منه فهلك، وإذا نظرت إلى شأنهما وجدتهما جريا تحت التلبيس، لكن أحدهما سومح والآخر لم يسامح.
قوله تعالى: { بدت لهما سوءاتهما }.
قال: سوء الأدب فى القرب ليس كسوء الأدب فى البعد - وأيضا - لأن التوبة من الكفر تغفر لصاحبه لا محالة، والتوبة من الخطيئة لا تحكم بالقبول.
وقيل: يطالب الأنبياء بمثاقيل الذر، ولا تطالب العامة بذلك لبعدهم عن مصادر السر.
وقال بعضهم: { بدت لهما سوءاتهما } قال: بدت لهما ولم يبد ذلك لغيرهما فهتك عنهما ستر العصمة.
الأعراف 7:23
قوله جل ذكره: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا } [الآية: 23].
قال الحسين: الظلم هو الاشتغال بغيره عنه.
وقال ابن عطاء: ظلمنا أنفسنا باشتغالنا بالجنة وطلبها عنك.
قال الشبلى: ذنوب الأنبياء تؤديهم إلى الكرامة والرتب، كما كان ذنب آدم أداه إلى الاجتباء والاصطفاء، وذنوب الأولياء تؤديهم إلى الكفارة، وذنوب العامة تؤديهم إلى الإهانة.
قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: { ربنا ظلمنآ أنفسنا } قال: لم يكن له فى حال ظنيته خواطر غير الحق، فلما أحضره فى حضوره غاب عن حضوره، فقال: { ربنا ظلمنآ } هلا غيبه ما ورد عليه من ربه عن غيره، وهلا قطعه باتصاله فى اتصاله عن اتصاله، وهلا غيبه ما عاينه فى نفسه بنفسه عن نفسه.
الأعراف 7:25
قوله تعالى: { فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } [الآية: 25].
قال بعضهم: فيها تحيون بالمعرفة، وفيها تموتون بالجهل، ومنها تخرجون بما أنتم فيه من التقدير والتدبير إلى سوابق القدر عليكم وجرى الأحكام فيكم.
الأعراف 7:26
قوله تعالى: { يابني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم } [الآية: 26].
قال النصرآباذى: اللباس كله ملك الحق، ولباس التقوى لباس الحق، قال الله تعالى: { ولباس التقوى ذلك خير }.
واللباس الذي يوارى السوأة لباس الكرامة.
ولباس التقوى لباس الإيمان وهو أشرف.
وقال بعضهم: لباس الهداية للعام ولباس التقوى للخاص ولباس الهيبة للعارفين ولباس الزينة لأهل الدنيا ولباس اللقاء والمشاهدة للأولياء ولباس الحضرة للأنبياء.
الأعراف 7:27
قوله تعالى: { كمآ أخرج أبويكم من الجنة } [الآية: 27].
سئل بعضهم ما الذى قطع الخلق عن الحق بعد إذ عرفوه؟ فقال: الذى أخرج أباهم من الجنة اتباع النفس والهوى والشيطان.
سمعت أبا بكر الرازى يقول: سمعت ابن عطاء يقول: خروج آدم من الجنة وكثرة بكائه وافتقاره وخروج الأنبياء من صلبه، كان خيرا له من الجنة والتلذذ والتنعم فيها.
قوله تعالى: { ينزع عنهما لباسهما }.
قيل: هو أنوار كرامات القرب ولمعان العز.
قال أبو سعيد الخراز: هو النور الذى شملهما فى القرب.
قال بعضهم: نزع عنهما اللباس الذى كان يسترهما من وساوس الشيطان.
سمعت النصرآباذى يقول: أحسن اللبس ما ألبس الصفى فى الحضرة، فلما بدت منه المخالفة نزع منه لذلك.
قال بعض السلف: من تهاون بستر الله عليه أنطقه الله بعيوب نفسه.
قوله تعالى: { إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم }.
قال بعضهم: سلط عليك الشيطان يراك من حيث لا تراه، فلا اعتصام لك منه إلا بالتبرى من حولك وقوتك والرجوع إلى الله والاستعانة به.
قوله عز وعلا: { إنا جعلنا الشياطين أوليآء للذين لا يؤمنون }.
قال ابن عطاء: إنا جعلنا الشياطين وأنهم اتخذوا الشياطين، فالحقيقة منها ما أضاف إلى نفسه، والمعارف ما أضاف إليهم كذلك خطابه فى جميع القرآن.
الأعراف 7:29
قوله عز وعلا { قل أمر ربي بالقسط } [الآية: 29].
قال الجنيد رحمة الله عليه فى هذه الآية: أمر بحفظ السر وعلو الهمة وأن يرضى بالله عوضا عما سواه.
قال أبو عثمان: القسط الصدق.
قوله عز وعلا: { وادعوه مخلصين له الدين }.
قال رويم: إخلاص الدعاء أن ترفع رؤيتك عن أفعالك.
قال ابن عطاء: إخلاص الدعاء ما خلص من الآفات.
وقال حارث المحاسبى: إخلاص الدعاء إخراج الخلق من معاملة الله.
قال أبو عثمان: الإخلاص نسيان رؤية الخلق لدوام النظر إلى الخالق.
قال بعضهم: الإخلاص دوام المراقبة ونسيان الحظوظ كلها.
قوله تعالى: { كما بدأكم تعودون }.
قال: أبدأ خلقة إبليس على الكفر والخلاف ثم استعمله بأعمال المطيعين بين الملائكة والمقربين، ثم رده إلى ما ابتدأه عليه من الخلاف. والسحرة ابتدأ خلقهم على الهدى والموافقة واستعملهم بأعمال المخالفين وأهل الضلالة ثم ردهم إلى ما ابتدأهم عليه من الإنفاق، لذلك قال الله تعالى: { كما بدأكم تعودون }.
قال الحسين: فى قوله: { كما بدأكم تعودون } لا تغيير لما أجرى عليه من الأعمال، لأن الأعمال قد توافق الخلقة أو تخالف.
الأعراف 7:31
قوله تعالى: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } [الآية: 31].
قال الواسطى رحمة الله عليه: قوله { يابني ءادم } تعيير كأنه يقول: يا بنى التقصير والعيب، يرد ذلك عليهم حتى لا ينظروا إلى نفوسهم ولا يلتفتوا إليها.
قال جعفر: ابعد أعضاءك عن أن تمس بها شيئا بعد أن جعلها الله آلة تؤدى بها فرائض الله.
الأعراف 7:32
قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق } [الآية: 32].
قال بعضهم: الزينة التى أخرج الله لعباده هى المباحات فى البوادى والكسب الحلال فى الحضر، والطيبات من الرزق هى الغنائم.
قال أبو عثمان الدمشقى: من حرم التزين بما يبدو على الأولياء من المعونات والكرامات التي أخرجها الله لعباده المخلصين، والطيبات من الرزق هى كسر الفقراء الذين يأخذونها من ضرورة وفاقة.
الأعراف 7:33
قوله تعالى: { إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } [الآية: 33].
قال أبو عثمان فى كتبه إلى إخوانه: واعلم يا أخى أن الفواحش ما أريد من الطاعات لغير وجه الله.
قال بعضهم فى هذه الآية: ما ظهر من الفواحش هو الكذب والغيبة والبهتان، وما بطن الغل والغش والحقد والحسد.
وقال بعضهم: { ما ظهر منها وما بطن } ما ظهر منها بتركه وما بطن محبته.
قوله تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }.
قال سهل من تكلم عن الله بغير إذن وعلى غير سبيل الخدمة وحفظ الأدب، فقد هتك ستره وعلا طوره، وقد حذر الله عز وجل أن يقول أحد عليه ما لا يعلم فقال: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }.
الأعراف 7:35
قوله تعالى: { فمن اتقى وأصلح } [الآية: 35].
قال بعضهم: من اتقى فى ظاهره عن تناول الشبهات، وأصلح باطنه بدوام مراقبة الله عز وجل فلا خوف عليهم فى الدنيا، ولا حزن عليهم فى الآخرة.
الأعراف 7:43
قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الآية: 43].
قيل: هو التحاسد والتباغض والتدابر الذى نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه.
قال سهل: هو الأهواء والبدع.
قال بعضهم: من تخطى بساط القرب سقط عنه رعونات النفس وحظوظ الشيطان. قال الله { ونزعنا ما في صدورهم من غل }.
قيل فيه: دلنا على توحيده وجعلنا فى سابق علمه على خواص عباده، واختار لنا أعز الأديان.
ولو وكلنا إلى اختيارنا لضللنا فى أول لحظة.
قال بعضهم فى هذه الآية: رؤية الهيبة توقع قبضا فى الأحوال وربما تورث بسطا، والعبد متردد فيما بينهما من قبض وبسط، وحال البسط أورث قوله: { الحمد لله الذي هدانا لهذا }.
الأعراف 7:46
قوله تعالى: { وعلى الأعراف رجال } [الآية: 46].
سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت عباس بن عصام يقول: سمعت سهلا يقول: أهل المعرفة هم أصحاب الأعراف قال الله { يعرفون كلا بسيماهم } أقامهم ليشرفهم على الدارين وأهلهما ويعرفهم الملكين، كما أشرفهم على أسرار العباد فى الدنيا والآخرة وأحوالهم.
قال فارس: وأصحاب الأعراف هم الذين عرفهم الله مقام من استقطعتم عن الحق الحظوظ والمخالفات فأهل النار قطعهم عن الحق المخالفين وأهل الجنة قطعهم عنه الحظوظ، وبقى أصحاب الأعراف يعرفون كلا بسيماهم، ولا وسم لهم ولا سيما سوى الحق.
الأعراف 7:50
قوله تعالى: { أفيضوا علينا من المآء أو مما رزقكم الله } [الآية: 50].
قال بعضهم: ماء الرحمة، أو مما رزقكم الله من القربة.
قال بعضهم: أفيضوا علينا من ماء الحياة ليحيى به، أو مما رزقكم الله من النعمة لتنعم به.
الأعراف 7:52
قال بعضهم: أنزل الله عليك كتابا فيه هدى من الضلالة ورحمة من العذاب، وفرق بين الولى والعدو، ولا يعلم معانيه إلا المؤمنون بمتشابهه والعاملون بأحكامه والتالون آناء الليل وآناء النهار، له فيه الفلاح لمن طلب الفلاح، والنجاة لمن رام، لا يهلك عليه إلا هالك ولا ينجو به إلا ناج، قال الله تعالى { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه } الآية.
الأعراف 7:54
قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر } [الآية: 54].
قال الواسطى رحمة الله عليه: إذا كان له فمنه وبه وإليه، لأن الأمر صفة الآمر.
قال بعضهم: لله الخلق وهو الذى أنشأهم.
وله وفيهم الأمر لأنه ربهم تبارك الله رب العالمين، جل الله تعالى حيث كفاهم للاشتغال ليكون شغلهم به، فاشتغلوا بما هو كاف لهم عما لا بد لهم منه.
الأعراف 7:55
قال أبو عثمان: التضرع فى الدعاء أن لا تقدم إليه أفعالك وصلاتك وصيامك وقرآنك ثم تدعو على أثره، إنما التضرع أن تقدم إليه افتقارك وعجزك وضرورتك وفاقتك وقلة حيلتك، ثم تدعو بلا غفلة ولا سبب فترفع دعاءك، ألا ترى ما ذكر عن أبى يزيد رحمة الله عليه أنه قال: قيل: لى خزائننا مملوءة من الطاعات فإن أردتها فعليك بالذلة والافتقار، وكما قال أبو حفص حين قيل له بما تقدم على ربك؟
قال: وما للفقير أن يقدم به على الغنى سوى فقره.
قال الواسطى رحمة الله عليه: قوله { تضرعا وخفية } قال: تضرعا بذل العبودية وخلع الاستطالة، و { وخفية } أى أخفى ذكرى صيانة عن غيرى، ألا تراه يقول: خير الذكر الخفى.
الأعراف 7:56
قوله تعالى: { وادعوه خوفا وطمعا } [الآية: 56].
قيل: خوفا من عقابه وطمعا فى ثوابه.
وقيل: خوفا من بعده وطمعا فى قربه.
وقيل: خوفا من إعراضه وطمعا فى إقباله.
وقيل: خوفا منه وطمعا فيه.
قوله تعالى: { إن رحمت الله قريب من المحسنين }.
قال بعضهم: المحسن هو الذى صحح عقد توحيده وأحسن سياسة نفسه وأقبل على أداء فرائضه وكفى المسلمين شره.
الأعراف 7:57
قوله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته } [الآية: 57].
قال بعضهم: كل ريح تنشر نوعا من الرحمة فريح التوبة تنشر على القلب رحمة المحبة، وريح الخوف تنشر رحمة الهيبة، وريح الرجاء تنشر رحمة الأنس، وريح القرب تنشر رحمة الشوق، وريح الشوق تنشر نيران القلق، والوله قال الله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }.
الأعراف 7:58
قوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا } [الآية: 58].
قال أبو عثمان: البلد الطيب مثل قلب المؤمن النقى، يخرج نباته بإذن ربه، تظهر على الجوارح أنوار الطاعات والزينة بالإخلاص، والذى خبث قلب الكافر لا يظهر منه إلا النكد والشؤم والظلم على الجوارح من إظهار المخالفات.
وقال الواسطى رحمة الله عليه: البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه أى بتوليه، والذى خبث لا يخرج إلا نكدا، حجب عن التجلى واللحظات { كذلك نصرف الآيات } كذلك الشمس تحرق طوائف من النبات وتفنيها، وتغذى طوائف من النبات فتطيبها وتنميها، وذلك على قدر جوهرها، كما أن بإرادة واحدة ظهرت المخالفات والموافقات.
وقال بعضهم فى قوله: { والبلد الطيب يخرج } قال: طيبها يرخص أسعارها.
وقال بعضهم: بكثرة علمائها.
وقال بعضهم: بظهور الطاعات فيها.
وقال بعضهم: طيبها بدوام الأمن وعدل السلطان.
وقال الجوزجانى: البلد الطيب هو القلب يخرج نباته بإذن ربه، بظهور أنواع الطاعات على الجوارح، والذي خبث من القلوب لا يظهر على الجوارح إلا بالمخالفات.
الأعراف 7:62
قوله تعالى: { وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون } [الآية: 62].
قال بعضهم: { أنصح لكم }: أدلكم على طريق رشدكم، { وأعلم من الله ما لا تعلمون } من سعة رحمته وقبول التوبة لمن رجع إليه بالإخلاص وقال شاه الكرمانى: علامة النصح ثلاثة: اغتنام القلب بمصائب المسلمين، وبذل النصح لهم. وإرشادهم إلى مصالحهم وإن جهلوها وكرهوها.
الأعراف 7:64
قوله تعالى: { إنهم كانوا قوما عمين } [الآية: 64].
قال ابن عطاء: ضالين عن طريق الحق.
وقال بعضهم: عميت أبصارهم عن النظر إلى الكون برؤية الاعتبار، ونظرهم نظر مراد وشهوة.
وقال بعضهم: متثاقلين فى القيام إلى الطاعات.
الأعراف 7:68
قوله تعالى: { وأنا لكم ناصح أمين } [الآية: 68].
قال أبو حفص: الناصح الأمين الذى لا يكون فى نصيحته حظ لنفسه ولا طلب جاه، وإنما يكون مراده منه قبول النصيحة والنجاة بها.
قال سهل: من لم ينصح الله فى نفسه ولم ينصحه فى خلقه هلك، ونصيحة الخلق أشد من نصيحة النفس، وأدنى نصيحة النفس الشكر وهو أن لا يعصى الله بنعمته.
وقال أيضا: النصيحة لأن لا يدخل فى شىء لا يملك صلاحه.
الأعراف 7:69
قوله تعالى: { فاذكروا آلآء الله لعلكم تفلحون } [الآية: 69].
والأكابر تحبه على الإثبات والربوبية ولكل علامة، فعلامة الأولى: دوام الذكر له والفرح به، والثانية: الاستئناس به لرؤية ما أنفذه منه، والثالثة: الاشتغال به عن كل ما يقطع عنه.
الأعراف 7:82
قوله تعالى: { أخرجوهم من قريتكم } [الآية: 82].
قال القرشى: عيروهم بغسل الجنابة والاستنجاء.
قال بعضهم: { إنهم أناس يتطهرون } أى: يخالفون ما أنتم عليه من أديانكم وملككم.
الأعراف 7:94
قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء } [الآية: 94].
قال بعضهم: دعاك إلى بابه بالشفقة، فلما لم تجبه ولم ترجع إليه صب عليك أنواع البلاء لترجع إليه كرها، إذا أبيت الرجوع إليه طوعا، قال الله عز وعلا: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء } الآية.
الأعراف 7:96
قيل معناه: لو أنهم صدقوا وعدى واتقوا مخالفتى، لنورت قلوبهم بمشاهدى وهو بركة السماء، وزينت جوارحهم بخدمتى وهو بركة الأرض.
الأعراف 7:97
قوله تعالى: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا } [الآية: 97].
روى أن ابنة مالك بن دينار قالت لأبيها: إن الناس ينامون ما لك لا تنام، قال إن أباك يخاف البيات.
قال النصرآباذى رحمة الله عليه: كيف يأمن الجانى من المكر، وأى جناية أكبر من جناية من يشاهد شيئا من أفعاله، هل هو إلا متوثب على الرؤية ومنازع للوحدانية.
الأعراف 7:99
قوله تعالى: { أفأمنوا مكر الله } [الآية: 99].
قال الحسين: لا يأمن المكر إلا من هو غريق فى المكر فلا يرى المكر به مكرا؛ وأما أهل اليقظة فإنهم يخافون المكر فى جميع الأحوال، إذ السرابق جارية والعواقب خفية.
وقال: من لا يرى المكر تلبيسا كان المكر منه قريبا.
سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا الخير الديلمى يقول: كنت يوما عند الجنيد رحمة الله عليه فارتعدت فرائصه وتغير لونه وبكى وقال: ما أخوفنى أن يأخذنى الله فقال له بعض أصحابنا: تتكلم فى درجات الراضين وأحوال المشتاقين فقال له: إياك يا أخى أن تأمن مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون.
وقيل: لا تعتمد فضله وتنسى مكره، فقد قال: { فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون }.
الأعراف 7:102
قوله تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد } [الآية: 102].
قال الجنيد رحمة الله عليه: أحسن العباد حالا من وقف مع الله على حفظ الحدود والوفاء بالعهود.
قال الله تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد }.
الأعراف 7:105
قوله تعالى: { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق } [الآية: 105].
قال ابن عطاء: من تحقق بالحق فإنه لا يقول على الحق إلا ما يليق بالحق.
قال الخراز: سبيل الواصلين إلى الله أن لا يتكلموا إلا عن الحق، ولا يسمعوا إلا من الحق ولا ينطقوا إلا بحق، فإن حقائق الحق إذا استولت على أسرار المحقين أسقطت عنهم ما سوى الحق، ولا يبلغ أحد من هذه الدرجات شيئا حتى يستوفى الحق أوقاته عليه ومنه، فحينئذ يبقى ولا وقت له ولا حال، فحينئذ الله أعلم.
الأعراف 7:114
قوله تعالى: { إنكم لمن المقربين } [الآية: 114].
قال بعضهم: دعا فرعون السحرة إلى القرب منه، وجرى لهم فى الأزل إلى منازل القرب من الحق قال فرعون: " إنكم لمن المقربين ". فقربوا إلى منازل الأبرار وبعدوا من قرب الأشقياء.
الأعراف 7:118
قال السوسى: أظهر الحق لطيفة من صنعة فى خشبة عجز السحرة عنها وجعلها سببا لنجاتهم فقال: { فوقع الحق } أى بإظهار القدرة فى جهاد { وبطل ما كانوا يعملون } من الأباطيل.
الأعراف 7:120
قال الواسطى: أدركتهم سابقة ما جرى لهم فى الأزل من السعادة، فأظهر منهم السجود.
وقال جعفر: وجدوا نسيم رياح العناية القديمة بهم، فالتجؤوا إلى السجود شكرا و { قالوا آمنا برب العالمين } [الآية: 121].
الأعراف 7:124
قوله عز اسمه { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف } [الآية: 124].
قال سمنون: يحمل الهياكل من البلايا على المشاهدة ما لا تحمله فى حال الغيبة، ألا ترى كيف لم يبال سحرة فرعون بما هددهم من قوله { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف }.
الأعراف 7:128
قوله تعالى: { قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا } [الآية: 128].
قال أبو عثمان: من استعان بالله فى أموره وصبر على ما لا يلحقه فى مسالك الاستعانة؛ أتى الفرج من الله، قال الله تعالى: { استعينوا بالله واصبروا }.
قال سهل: أمروا أن يستعينوا بالله على أمر الله، وأن يصبروا على آداب الله.
وقال بعضهم: قال موسى لقومه استعينوا بالله على مصائبكم واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده. فقيل له: ما لك [ولدار تعز الظالمين] فعن قريب تراها خالية من الفاسقين.
الأعراف 7:129
قوله تعالى: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض } [الآية: 129].
قال بعضهم فى هذه الآية: أعدى عدو لك نفسك، عسى أن يمكنك الله من قيادها ويفنى عنها أهواءها ومراداتها الباطلة، ويجعلك خليفة على جوارحك وقلبك أميرا عليها فتقهر النفس بما فيها وتستولى عليها وعلى مخالفتها، فينظر كيف تعملون: كيف معرفتك بشكر ما أنعم عليك.
الأعراف 7:130
قوله عز وعلا: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } [الآية: 130].
قال ذكرناهم النعم وأخذناهم بالمحن لعلهم يرجعون إلينا، فأبوا إلا طغيانا وتماديا.
رأيت فى كتاب عبد الله الرازى بخطه، سمعت محمد بن الفضل يقول: أذل رياضة يروض الإنسان بها نفسه الجوع، لأن الله تعالى أخذ الأعداء بذلك فقال: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين } وأعز رياضة يروض بها الإنسان نفسه التقوى، لأن الله يقول (فإياى فاتقون).
الأعراف 7:134
قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت } [الآية: 134].
قال القاسم: من لم يراع أسرار الأولياء فى الأوقات، لا ينفعه اللجأ إليهم فى أوقات البلاء، ألا ترى كيف لم يؤثر على أصحاب فرعون اللجأ إلى موسى فى اعتقاد المخالفة، قال الله { فانتقمنا منهم }.
الأعراف 7:137
قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرآئيل بما صبروا } [الآية: 137].
قال الجنيد: رحمة الله عليه فى كتاب " مراتب أهل الصبر " فى قوله: { وتمت كلمة ربك } قال: طلبوا تمام الكلمة بوجود النعمة والمواظبة على الصبر واستشعروا التشبث بحبائل الوفاء عند من أبلاهم، لتتم عليهم كلمة ربك الحسنى بجميل الثناء على الصبر التى ضمن لهم إتمامها بالوفاء.
قال أبو سعيد: طلبوا إتمام النعمة بالمواظبة على الصبر، واستشعروا وعده الذى وعد لهم إتمامه عند القيام بما لزمهم من شرائط الصبر.
الأعراف 7:140
قوله تعالى: { قال أغير الله أبغيكم إلها } [الآية: 140].
قال بعضهم: من لم يرض بمجارى المقدور عليه ولم يستقبل نعمة الله بالشكر وبلاءه بالصبر فقد كفر بنعم الله عنده.
قال أبو عثمان: أتطلب ربا غيره وهو فضلك على ما سواك من جميع ذوات الأرواح والجماد فتذل وتخضع لغيره، وهو فضلك عليه، ذل لمن لا يذل من يذل له، تستوى معه وتنل به الأوفر من العز.
الأعراف 7:142
قوله عز اسمه: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر } [الآية: 142].
قيل لأبى بكر بن طاهر: ما بال موسى لم يجع أربعين يوما حين أراد أن يكلم ربه، وجاع فى نصف يوم حين أراد أن يلقى الخضر فقال:
آتنا غدآءنا
[الكهف: 62] الآية قال: لأنه فى الأول أنساه هيبة الوقوف الذى ينتظره الشراب والطعام، والثانى كان سفر التأديب فزاد البلاء على البلاء حتى جاع فى أقل من نصف يوم، والأول كان أوقات الكرامة.
قال جعفر: كان وعده ثلاثين ليلة فالتزم على ميعاد ربه وانتهى الأجل لقدومه فأخرجه عن حده ورسمه، وأكرم موسى بكلامه وبان عليه شرفه خارجا عن رسوم البشرية حتى سمع ما سمع من ربه من غير نفسه وعلمه وغير وقته الذى وقته لقومه، دليلا بذلك أن منار الربوبية خارج عن رسوم البشرية.
وسمعنا بعض المتأخرين يقول فى هذه الآية: مواعيد الأحبة وإن أخلفت بها فإنها يؤنس بها.
وأنشد على أثره:
أمطلينى وسوفى
وعدينى ولا تفى
قوله تعالى: { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي } [الآية: 142].
قال محمد بن حامد فى قوله: { اخلفني في قومي } قال: لم يزل الأنبياء والأولياء خلف يخلفهم فيمن بعدهم من أمتهم وأصحابهم، يكون هديهم على هديه، يحفظون على أمتهم ما يضعونه من سنتهم وأن أبا بكر الصديق رضى الله عنه كان هو القائم بهذا المقام بعد النبى صلى الله عليه وسلم ولو لم يقم هو؛ لذهبت سنن منها محاربة أهل الردة وغير ذلك.
الأعراف 7:143
قوله تعالى: { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } [الآية: 143].
قال أبو سعيد: من غيرة الله تعالى أنه لم يكلم موسى إلا فى جوف الليل، وغيبه عن كل ذى حسب حتى لم يحضر كلامه معه أحد سواه، وكذلك محادثته مع الأنبياء.
قال القرشى: إنما كلم الله موسى بإياه، ولو كلمه على حد العظمة لذاب وصار لا شىء.
قال الواسطى رحمة الله عليه: لما غاب موسى عن أنفاسه وحركاته وقام مقام الانفراد مع الله ناداه
إني أنا الله
[القصص: 30].
قال جعفر فى قوله: { ولما جآء موسى لميقاتنا } قال: الميقات طلب الرؤية.
وقال جعفر: سمع كلامه خارجا عن بشريته وأضاف الكلام إليه، وكلمه من نفسه موسى وعبوديته فغاب موسى عن نفسه وفنى عن صفاته، وكلمه ربه من حقائق معانيه، فسمع موسى صلى الله عليه وسلم من ربه ومحمد صلى الله عليه وسلم سمع من ربه صفة ربه، وكان أحمد المحمودين عند ربه، ومن هذا كان مقام محمد صلى الله عليه وسلم المنتهى، ومقام موسى عليه السلام الطور، ومنذ كلم الله موسى على الطور أفنى صفته، فلم يظهر فيه النبات ولا تمكين لأحد عليه.
وقال الحسين فى قوله: { ولما جآء موسى لميقاتنا } قال: أزال عنه التوقيف والترتيب، وجاء إلى الله على ما دعاه إليه وأراده له وأخذه عليه وأوجده منه وأظهره عليه، ببذل الجهد والطاقات وركوب الصعب والمشقات، فلما لم تبق عليه باقية بها يمتنع، أقيم مقام المواجهة والمخاطبة وأطلق مصطنعة لسانه بالمراجعة والمطالبة، أما سمعت قوله قبل هذه الحال طالبا منه لما طولع بحال الربوبية وكوشف بمقام الإلهية سائلا حل عقدة من لسانه ليكون - إذا كان ذلك - مالكا لنطقه وبيانه.
وقيل: فسأل ربه شرح صدره ثم نظر إلى أليق الأحوال، وإذا هو تيسير أمره فسأل ذلك على التمام لتترقى به حاله إلى أرفع المقام وهو المجئ إلى الله بالله، لما علم أن من وصل إليه لم تعترض عليه عارضة، حينئذ صلح للمجئ إلى الله وحده بلا شريك ولا نظير وكان ممن وفى المواقيت حقها، غابت عنه الأحوال فلم يرها وذهبت عن عينه وحضوره، وما عداها إلا ما كان للحق منه ومعه حتى تحقق بقوله
قد أوتيت سؤلك يموسى
[طه: 36] فهذا حال المجئ وهذا معنى قوله { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } تفرد بكلامه لأنه كان قبل ذلك مكلما بالسر والسفرة والوسائط، فلما رقى الله به إلى المقام للأجل وحققه بالحال الأعظم الأرفع، خاطبه مكلما على الكشف، وغيبه عن كل عين رائية ومرئية وكل صورة مكونة ومنشئة إلا ما كان من المكلم والمكلم، وأفرد الله عبده بالشرف الأعظم فسمع خطابا لا كالمخاطبات ومناج منه وله عند ذلك طلب لا كالمطالبات، واقتضى من الله ما لم تكن قبل يقتضيه، فلذلك سأل النظر إليه إذ رجع إلى حقيقته فرأى الله فى كل منظور ومبصر، فلما تحققت له هذه الأحوال { قال رب أرني أنظر إليك } فإنى فى كل مرادى راجع إليك، أى أرنى ما شئت فلست أرى غيرك مقابلى، إذ تحققت بما حققتنى به إنك غير مزايلى ألم يدلك على ذلك خطابه ورجوعه إليك إذ ذاك جوابه أرنى فإليك أنظر وأحضر ما شئت فلست غيرك أحضر بعد أن تحققت منك بحال توجب لى منك ذاك، وحق لمن تحقق بهذا وتمكن فيه أن ينفرد بسؤال لا تشاركه فيه الخليقة.
قوله تعالى: { قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل } [الآية: 143].
فهو أشد منك جسدا وأعظم منك خلقا وأهيب منك منظرا، فإن ثبت لرؤيتى ثبت ولا يحملنى ولا يصبر لمشاهدتى شىء إلا قلوب العارفين التى زينتها بمعرفتى وأيدتها بأنوار كرامتى وقدستها بنظرى ونورتها بنورى، فإن حملنى شىء وصبر لمشاهدتى فتلك القلوب دون غيرها، لذلك قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
" حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه كل شىء أدركه بصره ".
ثم إذا حملتنى تلك القلوب وصبت لمشاهدتى فأنا حاملى لا غير، إذ بى حملنى وبإياى صبر لمشاهدتى، فلا مشاهدة للحق سواه جل ربنا وتعالى.
قال ابن عطاء فى قوله: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل }: شغله بالجبل ثم تجلى، ولو لم يشغله بالجبل لمات وقت التجلى.
وقال الحسين قوله لموسى { لن تراني }: لو تركه على ذلك لتقطع شوقا إليه، ولكنه سكنه بقوله: { ولكن }.
وقال أيضا فى هذه الآية: انبسط على ربه فى معانى الرؤية لما كان يرجع منه إلى شىء سواه.
قال الواسطى رحمة الله عليه: { لن تراني }: إلى وقت ولا على الأبد.
وقال: كان موسى غائبا عن طبع البشرية، حتى استطاع المقام فى وقت الكلام والمفاجأة، فلما وجد حلاوة كلامه طلب الكشف فى الحال غائبا عن الحال كذلك.
قال يحيى بن معاذ: وعد نعمك يشير إلى وفاء كرمك.
وقال جعفر: انبسط إلى ربه فى معنى رؤيته لأنه رأى جمال كلامه على قلبه فيه، فانبسط إليه فقال له { لن تراني } أى لا تقدر أن ترانى، لأنك أنت الفانى فكيف السبيل لفان إلى باق؟ ولكن انظر إلى الجبل أوقع على الجبل علم الاطلاع فصار دكا متفرقا، زال الجبل من ذكر اطلاع ربه، وصعق موسى من رؤية تدكدك الجبل فكيف له برؤية ربه عيانا، معاينة رؤية الله لعبده والعبد فان، ورؤية العبد لربه والعبد بربه باق ثم قال ثلاث من يلتمس العبيد إلى ربهم محال: التجلى والوصلة والمعرفة، فلا عين تراه فى الدنيا، ولا قلب يصل إليه، ولا عقل يعرفه لأن أصل المعرفة من الفطرة، وأصل المواصلة من المسافة، وأصل المشاهدة من المباينة.
وقال جعفر فى قوله: { لن تراني ولكن انظر إلى الجبل }: شغله بالجبل ثم تجلى ولولا ما كان من اشتغاله بالجبل؛ لمات موسى صعقا بلا إفاقة.
قوله تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا } [الآية: 143].
قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله { جعله دكا } قال: اماع كأن لم يكن قط، ولا عجب لهيبة ما ورد عليه.
قال أبو سعيد القرشى: الكرم والجمال يبقيان والإجلال والهيبة يفنيان، كما أن الله كلم موسى بصفة الهيبة، تجلى للجبل فصار الجبل دكا وخر موسى صعقا، وكان آخر عهده بالنسيان ولم يتهيأ لأحد أن ينظر إلى وجهه.
قال الواسطى رحمة الله عليه: وصل إلى الخلق من صفاته ونعوته على مقاديرهم لا كلية الصفات، كما أن التجلى لم يكن بكلية الذات.
وقال بعضهم: ينال الكون من صفاته ونعوته على قدر احتمالهم.
قال الواسطى رحمة الله عليه: قالوا لن يغيب التجلى والله يقول: { فلما تجلى ربه للجبل }.
وقال النبى صلى الله عليه وسلم:
" إن الله إذا تجلى لشىء خشع له ".
قلت: ذلك على التعارف ومقادير الطاقات أليس يستحيل أن يقال: تجلى الهواء لذرة واحدة، لو احتجب لساواها ولو تجلى لقاريها وهو أجل من أن يخفى ويستتر وأعز من أن يرى، ويتجلى إلى وقت الميعاد تنزه عن أن تقع عليه للإلحاظ بمعانيها، أو يقع تحت الألسنة بأمانيها.
قال: وجرى بين الجنيد رحمة الله عليه ذكر قوله تعالى: { فلما تجلى ربه } الآية فصاح وقال: بالجعل صار دكا لا بالتجلى، ولو وقع عليه آثار التجلى لأفناه، فكيف التجلى.
وقال بعضهم: انفرد موسى بالتجلى لما صعق كأنه لما سأل الرؤية قيل له: أنت لا ترانا ببشريتك فقال: أفننى عنى وعن بشريتى فأفناه، وانفرد الحق بذاته فتجلى لموسى فى حال صعقته، لأنه كان معه قائما بالمحبة.
قال الله تعالى:
وألقيت عليك محبة مني
[طه: 39].
فأفناه حتى رآه ثم رده إلى صفاته.
قوله تعالى: { سبحانك تبت إليك }.
قال بعضهم: تبت أن أسألك حظا لى، إذ لا يحيط بك أحد ولا يشهدك غيرك.
{ سبحانك تبت إليك } الآية.
قال ابن خفيف: لما قال: إن استقر مكانه فسوف ترانى. قال: تبت إليك من أن لا أصدقك بكل ما ورد منك ولا أطالب بالعلاقات، وذلك كما قال: { أرني أنظر إليك قال لن تراني } لم يكفه هذا حتى قال: { انظر إلى الجبل } فالتوبة من هذا.
قال الواسطى رحمة الله عليه: لم يزل المقصود ممتنعا من الاستغراق، ألا ترى إلى قول موسى { سبحانك تبت إليك }.
قال جعفر فى قوله: { سبحانك تبت إليك } قال: نزه ربه واعترف إليه، بالعجز وتبرأ من عقله، { تبت إليك } رجعت إليك من نفسى، فلا أميل إلى علمى، فالعلم ما علمتنى والعقل ما أكرمتنى { وأنا أول المؤمنين } إنك لا ترى فى الدنيا وإنما جوز الكلام ولم تجوز الرؤية، لأن الرؤية الإشراف على الذات والكلام صفة من الصفات، والصفات سمات إلى عباده ولهم إلى ذلك سبيل، ولا سبيل لأحد من خلقه إلى ذاته قال الله تعالى:
ولا يحيطون به علما
[طه: 110].
الأعراف 7:144
قوله تعالى: { إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ مآ آتيتك } [الآية: 144].
قال بعضهم: الاصطفائية أورثت التكلم ولا التكلم، والكلام أورثا الاصطفائية.
وقيل فى قوله تعالى: { فخذ مآ آتيتك } من عطائى، وكن من الشاكرين لا من المدعين المختارين، فما سبق منى إليك أكثر مما اخترته لنفسك.
قال بعضهم: لما قال اصطفيتك لنفسى أورث الاصطناع والاصطفائية، فكنت مصطفى على الناس، لا بسابقة سبقت لك إلى بل بسابقة سبقت منى إليك.
الأعراف 7:145
قوله تعالى: { وكتبنا له في الألواح من كل شيء } [الآية: 145].
قال بعضهم: سر الله عند عباده وأهل خصوصيته لا يحمله إلا الأقوياء بأبدانهم وقلوبهم ألا ترى الله جل وعز يقول لكليمه صلى الله عليه وسلم { فخذها بقوة } والقوة هى الثقة بالله والاعتماد عليه، ولذلك قال بعضهم: عطاياه لا تحتمل إلا مطاياه.
وقيل فى قوله: { فخذها بقوة }: أى خذها بى ولا تأخذها بنفسك، فالقوى من لا حول له ولا قوة، ويكون حوله وقوته بالقوى.
الأعراف 7:146
قوله عز وعلا: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } [الآية: 146].
قال بعضهم: التكبر تكبران: وتكبر بحق وتكبر بغير حق، فالتكبر بالحق تكبر الفقراء على الأغنياء، استغناء بالله عما فى أيديهم وتكبر بغير حق وهو تكبر الأغنياء على الفقراء إزدراء لما هم فيه من فقرهم.
قال الواسطى رحمة الله عليه: والتكبر بالحق هو التكبر على الأغنياء والفسقة والكفار وأهل البدع، لأنه روى فى الأثر: " ألقوا أهل المعاصى بوجوه مكفهرة ".
قال بعضهم: أرباب الكبائر مصروفون عن الكرائم، لأن الله يقول: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون }.
قال سهل: هو أن يحرمهم فهم القرآن، والاقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عطاء: سأمنع قلوبهم وأسرارهم وأرواحهم عن الجولان فى ملكوت القدس عن الحق، لأن ذلك فى ملكوت القدس قال الجريرى فى هذه الآية: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون } حتى لا يفهموها ولا يجدوا لها لذة، لأنهم تكبروا بأحوال النفوس بالخلق والدنيا، فصرف الله عن قلوبهم آياته لما انصرفوا عنه، ومن استولت عليه النفس صار أسيرا فى حكم الشهوات، محصورا فى سجن الهوى، حرم الله على قلبه فوائد آياته وكتابه وإن أكثر ترداده على لسانه.
الأعراف 7:148
قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار } [الآية: 148].
قال سهل: عجل كل إنسان ما أقبل عليه وأعرض به عن الله من أهل وولد، ولا نتخلص من ذلك إلا بعد إفناء حظوظه أجمع من أسبابه، كما لم يتخلص عبدة العجل من عبادته، إلا من بعد قتلهم أنفسهم.
الأعراف 7:150
قوله تعالى: { ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا } [الآية: 150].
قال: آسفا على ما فاته من مخاطبة الحق إلى مخاطبة من لا أوزان لهم، فرده من شوقه إلى شاهده ليلا يقطعه من حال شوقه { وأخذ برأس أخيه يجره إليه }.
قال ابن عطاء: غضبان على نفسه حيث ترك قومه حتى ضلوا، آسفا على مناجاة ربه.
قال بعضهم: ماقتا نفسه متأسفا على ما فاته من اختصاصه بالمخاطبة.
قال بعضهم: من رأى من قومه من ارتكاب مخالفة الله وقيل: أغضبه الرجوع عن مفاجأة الحق إلى مخاطبة الخلق.
قوله تعالى: { وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه }.
قال القرشى: من تحرك غيرة للحق فإن الحق يحفظ عليه حدوده، لئلا تخرجه الحركة إلى شىء مذموم، كموسى لما ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه لما رأى قومه يعبدون العجل، فلم يعاتبه الله على ذلك، ولو باشر أحد من الكسر والأخذ ما باشر موسى، كان ملوما على ذلك ولكن حركة موسى كانت بلا حظ لموسى فيها، بل قام غيرة لله وابتغاء ماله، فلم يزدد بذلك من الحق إلا قربا.
الأعراف 7:152
قوله تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم } [الآية: 152].
قال أبو عثمان: من أقبل على الله فلينتظر الراحة، والزلفة والفرج من القبول، ومن أعرض عن الله فلينتظر الذل والسخط والبغض مع غضب الله فى الآخرة.
قال الله: { إن الذين اتخذوا العجل } الآية.
قال الحسين بن الفضل: لا ترى مبتدعا إلا ذليلا، لأن الله يقول: { وكذلك نجزي المفترين }.
الأعراف 7:155
قوله تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا } [الآية: 155].
قال بعضهم: اختار موسى على عدد الأولياء فى الأمم السالفة وفى أمته وهم السبعون الذين إليهم متضرع الخلق وبهم يحفظون.
الأعراف 7:156
قوله تعالى: { إنا هدنآ إليك قال عذابي أصيب به من أشآء } [الآية: 156].
قال الواسطى رحمة الله عليه: ذلك فى نفس المعارف ما عرفه أحد إلا تكدر عيشه، وأرباب الحقائق لا يعذبون فى الدنيا إلا بتواتر نعم الله عليهم والتقرب، حتى يرد عليه ما منه يغيب من الصفات والنعوت، فيرتفع عند سوء الأدب فى السير.
قوله تعالى: { ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون } [الآية: 156].
قال الكتانى رحمة الله عليه: تسع كل شىء ولكن خص بها الأنبياء لقوله تعالى. { فسأكتبها للذين يتقون } ومن يمكنه تصحيح التقوى فيكون بشرط الآية.
قال بعضهم: وصف العذاب بصفة الخصوص مقرونا بالمشيئة، وعم الرحمة أنها تسع كل شىء.
قال أبو عثمان: لا أعلم فى القرآن آية أقنط من قوله: { ورحمتي وسعت كل شيء } والناس يرونها أرجى آية، وذلك أن الله يقول: { فسأكتبها للذين يتقون }.
الأعراف 7:157
قوله تعالى: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي } [الآية: 157].
قال ابن عطاء: الأمى هو الأعجمى، قال أعجمى عما دوننا عالم بنا وبما ينزل عليه من كلامنا ومن حقائقنا.
وقال أيضا فى قوله: { النبي الأمي } قال: الذى لا يدنسه شىء من الكون.
وقال الأمى: من لا يعلم من الدنيا شيئا ولا فى الآخرة إلا ما علمه ربه، حالته مع الله حالة واحدة وهو الطهارة بالافتقار إليه والاستغناء عما سواه.
قوله تعالى: { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم }.
قال جعفر: أثقال الشرك وذل المخالفات وغل الإهمال.
قوله تعالى: { فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه }.
قال بعضهم: صدقوا ما جاء به وبذلوا المنهج بين يديه.
وقيل فى قوله: { واتبعوا النور الذي أنزل معه } قال: اتبعوا سنته ليوصلهم اتباع السنن إلى ميادين الأحوال السنية.
الأعراف 7:158
قوله تعالى: { واتبعوه لعلكم تهتدون } [الآية: 158].
قال الحسين: إن الحق أورد تكليفا عن وسائط وتكليف الحقائق، فتكليف الحقيقة بدت معارفه منه وعادت إليه، وتكليف الوسائط بدت معارفه عمن دونه فلا يصل إليه، فتناهى من معارفهم إلى نهايات معرفة أهل الوسائط، ولا تتناهى معارف من أحد معارفه عن شهود الحق، كل ذلك رفق من الحق بالخلق، لعلمه بأنه لا يوصل إليه إلا بما منه.
الأعراف 7:159
قوله { يهدون بالحق } قيل: يدلون الخلق على طريق الحق وإياه يسلكون.
الأعراف 7:160
قوله تعالى: { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم } [الآية: 160].
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الفلسطينى يحكى عن الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد عليه السلام فى هذه الآية قال: انبجست من المعرفة اثنتا عشرة عينا، يشرب كل أهل مرتبة فى مقام من عين من تلك العيون على قدرها، فأول عين منها عين التوحيد، والثانية عين العبودية والسرور بها، والثالثة عين الإخلاص، والرابعة عين الصدق، والخامسة عين التواضع، والسادسة عين الرضا والتفويض، والسابعة عين السكينة والوقار، والثامنة عين السخاء والثقة بالله، والتاسعة عين اليقين، والعاشرة عين العقل، والحادية عشر عين المحبة، والثانية عشر عين الأنس والخلوة، وهى عين المعرفة بنفسها، ومنها تنفجر هذه العيون، ومن شرب من عين منها يجد حلاوتها ويطمع فى العين التى هى أرفع منها، من عين إلى عين حتى يصل إلى الأصل، وإذا وصل إلى الأصل تحقق بالحق.
قوله تعالى: { قد علم كل أناس مشربهم }.
قال بعضهم: ظهر لكل سالك سلوكه وآثار براهينه وبركات سعيه وأنوار حقائقه.
الأعراف 7:167
قوله تعالى: { لسريع العقاب } [الآية: 167].
قال بعضهم: ما كان فى القرآن آية أشد من قوله: { لسريع العقاب } فإنها عقوبة الحجاب بالحجاب عنه.
الأعراف 7:168
قوله تعالى: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } [الآية: 168].
قال: اختبرناهم بالنعم طلبا للشكر، واختبرناهم بالمحن طلبا للصبر فأبى الجميع فلا هم عند النعم شاكرون ولا هم عند المحن صابرون.
الأعراف 7:169
قوله تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه } [الآية: 169].
قيل: ألم يبين لهم على لسان الوسائط فى الكتب المنزلة أن لا يصفوا الحق إلا بنفاد المشيئة وعلو القدرة.
قال سهل فى قوله { ودرسوا ما فيه } تركوا العمل به.
الأعراف 7:172
قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم } [الآية: 172].
قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية قال: تراءى لأهل الإيمان بالسكون فعرفوه وسكنوا واطمأنوا، وتراءى لأهل الكفر بالتعظيم فطاشت عقولهم وتفرقوا عنه.
وقال يوسف فى هذه الآية: قد أخبر أنه خاطبهم ربهم وهم غير موجودين إلا بإيجاده لهم، إذ كانوا واجدين للحق من غير وجودهم لأنفسهم، كان الحق بالحق فى ذلك موجود بالمعنى الذى لا يعلمه غيره ولا يجده سواه.
قال بعضهم فى قوله: { ألست بربكم قالوا بلى } من غير مشاهدة، ثم كوشفوا فشهدوا ما خوطبوا به، فقالوا { شهدنآ } أى شاهدنا حقائق حقك وقال الحسين: أنطق الذر بالإيمان طوعا. وكرها أنطقتهم بركة الآخذ أحدهم عنهم، ثم أشهدهم حقيقته فأنطقت عنهم القدرة من غير شركة كان لهم فيه.
وقيل: إن توحيد الخاص أن يكون العبد قائما بسره بين يدى ربه، يجرى عليه تصاريف تدبيره وأحكام تقديره فى بحار توحيده، بالفناء عن نفسه وذهاب نفسه بقيام الحق به فى مراد منه، فيكون كما كان قبل أن يكون، كما قال تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم } الآية.
قال النصرآباذى رحمه الله فى هذه الآية: مؤيل الأكبر ومالف الأعظم، معافون من السلالة والطين وما بعده من النطف والمضغ أفأنتم فى حملة للأخذ الأول، أم مردودون إلى ميعاد الأخذ فى السلالات والمضغ والنطف، فإن أخذ للأول بأول للأول وهو بأول للأول أول.
وقال النصرآباذى: أخذ ربك تلطفا وتكرما بل أخذه جلالة وعظمة، بل أخذه غنى واستغناء.
وقال أيضا: أخذ لا للحاجة بل للحجة فمنع الخلق حاجتهم أن يروا ذرة من معانى الحجة.
وقال أبو عثمان المغربى: وسئل عنه ما الخلق؟
قال: قوالب تجرى عليها أحكام القدرة، وقال: أخذ ربك من معدن إلى معدن ومن معدن للمعدن.
وقال الجريري فى قوله: { ألست بربكم } قال: تعرف إلى كل طائفة من الطوائف بما منحها من معرفته فقال: { بلى } وكل أقر بما مخ ثم أخرجهم من صلب آدم فقال:
كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم
[آل عمران: 103] وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
لو أنفقت ما في الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم
[الأنفال: 62].
قال أبو سعيد الخراز فى قوله { بلى } قال: من قال حين قال: ومن أين أجابوا عنهم إلا القدرة والنافذة والمشيئة التامة وهل كانوا إلا رسما لأحكام مليك.
وهل هم الآن إلا أشباح تختلف عليهم تصاريف تدبيره.
وقال بعضهم: خطب منصوب القدرة فى عين العدم.
قال ابن بنان فى هذه الآية: قد أخبرك أنه قد خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كان واجد الخليقة بغير معنى وجودها لأنفسها بالمعنى الذى لا يعلمه غيره ولا يجده سواه، فقد كان واجدا مخاطبا شاهدا عليهم بديا فى حال فنانهم عن بقائهم الذى كانوا به، كذلك هو الوجود الربانى والإدراك الإلهى الذى لا ينبغى إلا له.
وقال فى قوله: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم } خوطبوا بهذا الكلام وأيش كانوا فقال: كانوا موجودين فى القدرة مغيبين عن شهود التوحيد.
قيل: إنما أجيب عنهم على حسب الاستسلام فهذا مقام الفناء، وقد تقدمت الستلة الإجابة فالعالم يجرى فى التسخير من حيث التمكين فى قبضة الحق.
قال الحسين: لا يعلم أحد من الملائكة المقربين ما أظهر الخلق وكيف الانتهاء والابتداء، إذ الألسنة ما نطقت والعيون ما أبصرت والآذان ما سمعت، كيف أجاب من هو عن الحقائق غائب وإليها آيب فى قوله: { ألست بربكم } فهو المخاطب وهو المجيب.
وقال الحسين فى قوله: { بلى }: القائل عنكم سواكم والمجيب غيركم، فسقطتم أنتم وبقى من لم يزل كما لم يزل.
وسئل على بن عبد الرحيم عن قوله: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم } قال: كانوا موجودين فى القدرة مغيبين عن شهود الوجود.
قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: { ألست بربكم } قالوا بلى: " قال: هو تقرير فى صورة السؤال.
وقال بعضهم: القدرة أجابت القدرة.
وقيل فى قوله { بلى } قالوا: سمعوا كلامه أن
ليس كمثله شيء
[الشورى: 11] وخلق حياتهم من ذلك النور وجعل قوام جميعهم بتلك الكلمة. وأنشد:
لو يسمعون كما سمعت كلامه
خروا لعزة ركعا وسجودا
قال ابن بنان: لله خالصة من خلقه، انتخبهم للولاية واستخلصهم للكرامة وأفردهم به له، فجعل أجسادهم دنياوية وأرواحهم نورانية وأذهانهم روحانية وأوطان أرواحهم غيبية، وجعل لهم فسوحا فى غوامض غيوب الملكوت الذين أوجدهم لديه فى كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا سراعا، أجاب تركيبهم حين أوجدهم لديه في كون الأزل، ثم دعاهم فأجابوا الدعوة منة منه، وعرفهم نفسه حين لم يكونوا فى صدرة الإنسية، ثم أخرجهم بمشيئته خلقا فأودعهم صلب آدم، فقال: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ظهورهم ذريتهم } فأخبر أنه خاطبهم وهم غير موجودين إلا بوجوده لهم، إذ كانوا غير واجدين للحق إلا بإيجاده لهم فى غير وجودهم لأنفسهم، وكان الحق بالحق فى ذلك موجودا.
الأعراف 7:175
قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها } [الآية: 175].
قال ابن عطاء: سوابق الأزل تؤثر على انتهاء الأبد، قال الله تعالى: { آتيناه آياتنا فانسلخ منها }.
الأعراف 7:176
قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } [الآية: 176].
قال ابن عطاء: لو جرى له فى الأزل السعادة لأثر ذلك عليه فى عواقب سعيه وكدحه فى أواخر أفعاله.
الأعراف 7:178
قوله تعالى: { من يهد الله فهو المهتدي } [الآية:178].
قال بعضهم: ليس الناجى من سعى إنما الناجى من سبقت له الهداية من الهادى.
قال الله تعالى { من يهد الله فهو المهتدي }.
الأعراف 7:179
قوله تعالى: { لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ } [الآية: 179].
قال: { قلوب لا يفقهون بها } شواهد الحق و { أعين لا يبصرون بها } دلائل الحق، و { آذان لا يسمعون بهآ } دعوة الحق.
قوله عز وعلا { أولئك كالأنعام بل هم أضل }.
قيل: الأنعام والبهائم لا تحس بالاستتار والتجلى، والأرواح نعيمها فى التجلى وغذاؤها فى الاستتار. قال الله تعالى: إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل
[الفرقان: 44].
الأعراف 7:180
قوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } [الآية: 180].
قال بعضهم: كل اسم من أسمائه يبلغك مرتبة من المراتب، واسم الله يبلغك الوله فى حبه، والرحمن الرحيم يبلغانك إلى رحمته كذلك جميع أسمائه إذا دعوته بها عن خلوص ضميرك وصفاء عقدك.
وقال بعضهم فى هذه الآية { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها }: أى قفوا معها عن إدراك حقيقتها.
وقيل فى قوله: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه بها } قال: إنه وراء الأسماء أسماء والصفات صفات، لا تخرقها الأفهام لأن الحق نار تتضرم لا سبيل إليه ولا بد من الاقتحام فيه.
وقال بعضهم: أبدى أسماءه للدعاء لا بطلب الوقوف عليها، وأنى يقل على صفاته أحد.
الأعراف 7:181
قال بعضهم: يدعون إلى الصلاح وإياه يعملون.
وقال بعضهم: يدلون على اتباع الهدى واجتناب الهوى، { وبه يعدلون } أى: وإياه يسلكون.
الأعراف 7:182
قال سهل: نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها، فإذا سكنوا إلى النعمة وحجبوا عن المنعم أخذوا.
قال: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } [الآية: 199].
الأعراف 7:192
قال بعضهم: كيف ينصر غيره من هو عاجز عن نصرة نفسه، وكيف ينصر نفسه من لم يجعل إليه من أمره شيئا وهو مدبر بالقدرة ومقدر فى المشيئة.
الأعراف 7:201
قال بعضهم: من جال سره فى ميادين الأنس والقربة، وحجز نفسه عن طوارق الفتنة وطوائف الشيطان هم الذين قال الله لهم { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا }.
قال بعضهم: الناس فى مطالعة الأسرار على وجوه ثلاثة: منهم من له فى سره مطالع يطالعه فذلك قوله تعالى: { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا }. ومنهم من له فى سره ينهاه قال الله تعالى
ونهى النفس عن الهوى
[النازعات: 40].
الأعراف 7:204
قوله تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } [الآية: 204].
قيل: فيه استمعوا له بآذانكم لعلكم تسمعون بقلوبكم وتفهمون مراد مخاطبة الحق إياكم، وتأدبوا بلطائف مواعظه فيوصلكم حسن الأدب إلى استماع، وبركة الخطاب إلى رحمته وهو أن يرزقكم آداب خدمته كما رزقكم سنن شريعته وأجل رحمة رحم الله بها عباده آداب العبودية التى خص الله بها الأكابر من الأصفياء والسادات من الأولياء.
وقيل فى قوله: { وأنصتوا } أى من آداب الاستماع الإنصات والاشتغال، بما يبدو من بركات السماع دون طلب حظ فيه بحال.
الأعراف 7:205
قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول } [الآية: 205].
قال الحسين فى هذه الآية: لا يظهر ذكرك لنفسك فتطلب به عوضا، فأشرف الذكر ما لا يشرف عليه إلا الحق، وما خفى من الذكر أشرف مما ظهر.
قوله تعالى: { ولا تكن من الغافلين }.
قال سهل: حقا أقول لكم لا باطلا يقينا لا شك ما من أحد ذهب عنه نفس واحد بغير ذكر الله إلا وهو غافل.
وقال: الغافل من غفل عن درك حقائق الأمور.
الأنفال 8:1
قوله تعالى: { فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } [الآية: 1].
قال سهل: التقوى ترك كل شىء يقع عليه الذم.
وقال: لا تصح التقوى إلا للمقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين.
وقال: التقوى فى الآداب: مكارم الأخلاق. وفى الترغيب أن لا يظهر ما فى سره، وفى الترهيب أن لا يقف مع الجهل.
الأنفال 8:2
قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } [الآية: 2].
قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: هل رأيت ذلك الرجل عند سماع الذكر أو عند سماع كتابه؟ وهل أخرسك سماع ذلك الذكر حتى لم تنطق إلا به؟ وهل أصمك حتى لا تسمع إلا منه هيهات؟
وقيل: المؤمن إذا سمع الذكر أو ذكر هو وجل قلبه أى: عاد القلب على اللسان بالذكر وعلى الآذن بسماع الذكر، فاضطرب وهو الوجل الذى ذكره الله عز وجل.
قال سهل فى قوله { وجلت قلوبهم } قال: هاجت من خشية الفراق فخشعت الجوارح لله بالخدمة.
قال الواسطى رحمة الله عليه: وجلت قلوبهم الوجل على مقدار مطالعته، ربما يريه مواضع السطوة، وربما يريه مواضع المودة والمحبة إن كان يريه التقريب والتبعيد.
قال الجنيد رحمة الله عليه: وجلت قلوبهم من فوات الحق..
وقال بعضهم: الوجل على مقدار المطالعات فإن طالع السطوة هابه، وإن طالع المودة وجل قلبه مخافة فوته.
وجملة ذلك من طالع التقريب بالتأديب وجل، ومن طالع التهديد بالتبعيد وجل ومن طالعه مغيبا عن شاهده قائما سرمده خاليا من أزله وأبده، فلا وجل حينئذ ولا اضطراب ولا تباعد ولا اقتراب، فإنه تحقق بالذات ونسى الصفات وفنى من الذات بالذات، كما هرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصفات إلى الذات فقال:
" أعوذ بك منك ".
قوله عز وعلا: { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } [الآية: 2].
قال بعضهم: أظهر عليهم بركة التلاوة وزيادة يقين فى بواطنهم، وزيادة طاعة على ظاهرهم.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: { زادتهم إيمانا } إذ لا سبيل إلى الوصول إلى الله إلا بالله.
قال عمرو بن عثمان: الوجد الصحيح هو الذى يرى صاحبه زيادة ذلك فى أحواله وأفعاله وأقواله وأخلاقه، لأن الله عز وجل يقول { وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا }.
الأنفال 8:4
قوله تعالى اسمه { أولئك هم المؤمنون حقا } [الآية: 4].
قيل: اجتمع فيهم أشياء حقق بها إيمانهم التعظيم للذكر، والوجل عند سماعه، وإظهار الزيادة عليهم عند تلاوة الذكر وسماعه، وحقيقة التوكل على الله والقيام بشروط العبودية على حد الوفاء، وكملت أوصالهم فى حقيقة الحقائق فصاروا متحققين بالإيمان.
قال الجنيد رحمة الله عليه: حقا إنهم سبقت لهم من الله السعادة.
الأنفال 8:5
قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق } [الآية: 5].
قال ابن عطاء: أخرجك من بلدتك ليحيى بك قلوبا عميا عن الحق { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } مفارقة أوطانهم [ولا يتم لعبد حقيقة الصحبة والنصيحة إلا بعد هجران أقاربه ومفارقة أوطانه].
أخرجهم من تلك البلدة حتى ألفوا غيرها من البلاد، ولم يتبق عليهم مطالبة لها فردهم إليها لئلا يملكهم سوى الحق شىء.
وقال بعضهم فى هذه الآية: أفناك عن أوصافك ومواضع سكونك واعتمادك، وما كان يميل إليه قلبك، لئلا تلاحظ مجالا ولا تسكن إلى مألوف، فأخرجك من المألوفات، ليكون بالحق قيامك وعليه اعتمادك { وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } ظاهر خروجك ومفارقة أوطانك ولا يعلمون أن خروجك منها الخروج عن جميع الرسوم المألوفة والطبائع المعهودة، وإنك بمفارقة هذا الوطن المعتاد يصير الحق وطنك.
الأنفال 8:7
قوله عز اسمه: { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } [الآية: 7].
قال بعضهم: من ظن أنه يصل إلى الحق بالجهد فمتعن، ومن ظن أنه يصل إليه بغير جهد فمتمن.
قال بعضهم: لا يصل أحد إلى حياة القلب ما لم يمت نفسه بنزاع الشهوات عنها ومخالفتها فى جميع الأحوال وهو معنى قوله: { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم }.
الأنفال 8:8
قوله عز وعلا: { ليحق الحق ويبطل الباطل } [الآية: 8].
قال بعضهم: ليحق الحق بالكشف، ويبطل الباطل بالستر.
وقال بعضهم: ليحق الحق بالقبول، ويبطل الباطل بالرد.
قال الواسطى: ليحق الحق بتجليه، ويبطل الباطل باستتاره.
وقال بعضهم: ليحق الحق بالإقبال عليه ويبطل الباطل بالإعراض عنه.
وقال بعضهم: ليحق الحق بالرضا، ويبطل الباطل بالسخط.
وقيل: ليحق الحق للأولياء، ويبطل الباطل للأعداء.
وقيل: ليحق الحق بالجذب، ويبطل الباطل بالصرف.
وقيل: ليحق الحق بالبراهين، ويبطل الباطل بالدعاوى.
الأنفال 8:9
قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم } [الآية: 9].
قال بعضهم: من صدق الاستعانة أجيب فى الوقت. قال الله تعالى { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم }.
قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية: ومناشدة النبى صلى الله عليه وسلم ربه:
" إنك إن تهلك هذه العصابة لا تعبد "
وقول الصديق أبى بكر رضى الله عنه: " دع مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك ".
أبو بكر رضى الله عنه تكلم عن التجريد برؤية الوعد بالوفاء ناظرا بالإشارة إليه، والنبى صلوات الرحمن عليه كان أتم وأبلغ وأقوى وأسكن من أبى بكر وأشد طمأنينة إلى إنجاز الوعد لأنه بالله أعرف، إلا أنه فى ذلك راجع إلى أوصافه، فخرج إلى ربه بآداب العبودية بقوله
ادعوني أستجب لكم
[غافر: 60] فرجع إلى الله بالله سائلا من الله إنجاز وعده.
قال النصرآباذى: استغاثة منه واستغاثة إليه، فالاستغاثة منه لا يجاب صاحبها بجواب، بل يكون أبدا معلقا بتلك الاستغاثة واستغاثة إليه فذلك الذى يجاب إليه الأنبياء والأولياء والأصفياء.
وقال أيضا: النفس تستغيث لطلب حظها من البقاء ودوام العافية فيها، والقلب يستغيث من خوف التقليب.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء "
والروح يستغيث لطلب الرواح، والسر يستغيث لاطلاعه على الخفيات
يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور
[غافر: 19].
الأنفال 8:10
قوله تعالى: { وما النصر إلا من عند الله } [الآية: 10].
قيل: بين الله آثار النصر وبدو السلامة فمن لم يطلب النصر والسلامة بالذلة والافتقار لا يناله، لأن طالب النصرة بالقوة والقدرة منازعة الربوبية، ومن نازع الولى قهره.
قوله تعالى: { إن الله عزيز حكيم }.
قال الواسطى رحمة الله عليه: العزيز الذى لا يدركه طالبوه ولو أدركوه لضل.
الأنفال 8:11
قوله عز اسمه: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه } [الآية: 11].
قال سهل: النعاس ينزل من الدماغ والقلب حى، والنوم يحل بالقلب من الظاهر وهو حكم النوم، وحكم النعاس حكم الروح.
قال بعضهم: ألقى على الصحابة النعاس حتى غلبهم ذلك، فلم يبق منهم أحدا إلا وهو ناعس تحت حجفته، فلما أزال عنهم أوصافهم وبرأهم من حولهم وقوتهم أيدهم بالأمن، ليعلموا أن النصر من عنده، وهو الذى يهزمهم لا هم وأنه الملقى فى قلوبهم الرعب، وأن الكل إليه وليس إليهم من الأمر شىء.
قوله تبارك وتعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به } [الآية: 11].
قال ابن عطاء: أنزل عليهم ماء طهر به ظواهر أبدانهم ودنسها، وأنزل عليهم رحمة نور بها قلوبهم وشفا بها صدورهم عن وساوس العدو، وألبس بواطنهم لباس الطمأنينة والصدق.
قال بعضهم: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار من تلك الخطيئة.
قال بندار: الاستدراج هو أن يترك المستدرج مع ظاهر الرسوم مع غيبته عن الحقائق والفهم الفائد.
قوله تعالى:
أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض
[الأعراف: 185].
قال بعضهم: النظر فى الملكوت يورث الاعتبار والنظر إلى المالك يسقط عنهم الاشتغال بسواه.
قال سهل: أخبر الله عن قدرته على عباده ووصف حاجتهم إليه وما خلق من شىء مما سمعوا به ولم يروه فاعتبروا به، ولو شاهدوا ذلك بقلوبهم لوصفوه مثل المعاينة، آمنوا بالغيب فأداهم الإيمان إلى مشاهدة الغيب الذى غاب عنهم، وورثوا بذلك درجات الأنوار فصاروا أعلاما للهدى.
قوله تعالى:
قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله
[الأعراف: 188].
قال سهل: كيف يملك نفع غيره من لا يملك نفع نفسه.
قال أبو الحسين الوراق حاكيا عن أبى عثمان أنه قال: عجز الخلق عن إيصال نفع إلى نفسه أو دفع ضرر عنها آجلا وعاجلا، فكيف يثق بإيمانه وكيف يعتمد على طاعاته؟ قال الله تعالى:
لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شآء الله
[الأعراف: 188] لأن النافع والضار هو الله مكن الخلق من الأسباب وهو المسبب لجميع ذلك.
قوله تعالى:
ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء
[الأعراف: 188].
قال بعضهم: لو كنت أملك الغيب وأقدر عليه لما مسنى السوء، ولكن طويت الغيوب عنا وألزمت الملامة لنا.
قوله تعالى:
وجعل منها زوجها ليسكن إليها
[الأعراف: 189].
قال بعضهم: خلقها ليسكن إليها فلما سكن إليها غفل عن مخاطبات الحقيقة لسكونه إليها، فوقع فيما وقع من تناول الشجرة.
قوله تعالى:
إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين
[الأعراف: 196].
قال بعضهم: لاحظ الأولياء بعين اللطف ولاحظ العباد بعين البر، ولاحظ الأنبياء بعين التولى فقال:
إن وليي الله
[الأعراف: 196].
وقيل فى قوله:
وهو يتولى الصالحين
[الأعراف: 196] عن رعونة البشرية توليا، وأصلح الخواص بصحة المقصود والإقرار بالإخلاص للمعبود، وأصلح العوام بصحة الأوقات.
وسئل جعفر عن الحكمة فى قوله: وهو يتولى الصالحين ونحن نعلم أنه يتولى العالمين، فقال: التولية على وجهين: تولية إقامة وإبراء، وتولية عناية ورعاية لإقامة الحق.
قال الواسطى رحمة الله عليه: يتولى الصالحين بالوقاية والرعاية، ويتولى الفاسقين بالغواية.
قوله تعالى:
وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا
[الأعراف: 198].
قيل: كيف يسمع الدعاء من أصمه الداعى عن المدعو إليه، ولا يسمع نداء الحق إلا من أسمعه فبإسماعه يسمع لا باستماعه ولا بسمعه.
قوله تعالى:
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
[الأعراف: 198].
قيل: بأنفسهم ينظرون إليك، فلا يبصرون خصائص ما أودعناه فيك، وبركات ما أجرينا فى الخليقة بك، وكذا من نظر بنفسه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حجب عن إدراك معانيه حتى ينظر ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو أيضا قاصر النظر حتى تنظر إليه بالحق ومن الحق، إذ ذاك يتبين له شرف ما خص به.
قال بعضهم: النظر إلى السفير للأدنى والمبلغ للأعلى، والرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم نظر عام، ولكن لا يبصره فى النظر إليه، ولا يراه إلا الخواص، فمن أبصره أو رآه ظهرت عليه بركات رؤيته بقدر ما كشف له عن رؤيته وفتح من بصره، ألا تراه يقول:
" طوبى لمن رآنى "
وقد رآه الكفار وشاهدوه، ولكن طوبى لمن رآه بالموضع الذى وضع ورزق فى مشاهدة عظيم حرماته، ولم يكتف بمشاهدة ظاهره بهذه الرؤية التى تظهر على الرأى نتائج هذه البركات، التى لو فاضت واحدة منها على أهل الأرض لوسعتهم.
وقال سهل: هى القلوب التى لم يزينها الله بأنوار القربة، فهى عمى عن إدراك الحقائق ورؤية الأكابر.
وقال القناد: تراهم ينظرون إليك قال: لا يفهمون ما ألقى إليهم، بل يسمعون صفحا وهم عنه معرضون.
قوله تعالى:
خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين
[الأعراف: 199].
قال بعضهم: أمر النبى صلى الله عليه وسلم بمكارم الأخلاق ظاهرا وباطنا، والصفح عن زلات الخلائق، والأمر بمكارم الأخلاق، ويعرض عن الجاهلين أى: أعرض عن المعرضين عنا فهم الجهال.
وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم سئل جبريل صلى الله عليه وسلم عن تفسير هذه الآية فقال:
" تصل من قطعك وتعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك ".
وروت عائشة الصديقة بنت الصديق رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بالعفو عن أخلاق الرجال بقوله: { خذ العفو }.
وقال بعضهم: أقبل عليهم بظاهرك ولا تكن بباطنك إلا مقيدة علينا.
قال ابن عطاء: { خذ العفو } المشاهدة، وأمر بالعرف واستعن بالله على ما نلت من القرب، وأعرض عن الجاهلين، قال: هى النفس إذا طالعت شهواتها.
وقال بعضهم: مكارم الأخلاق كلها فى قوله.
ماء اليقين إذا نزل على الأسرار أسقط عنها الاختلاج والشك، قال الله تعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء ليطهركم به } من كل ما تدنستم به من أنواع المخالفات.
قوله تعالى: { وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام }.
قال بعضهم: ربط على قلوب أوليائه، لتلقى البلاء بأسلحة الصبر، وربط على قلوب العارفين لثبات الأسرار فى مشاهدة ما يبدو لهم من الغيوب.
قال بعضهم: القلوب ثلاثة: قلب مربوط بالأكوان، وقلب مربوط بالأسامى والصفات وقلب مربوط بالحق.
الأنفال 8:17
قوله تعالى: { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } [الآية: 17].
قال فارس: ما كنت راميا إلا بنا، ولا مصيبا إلا بمعونتنا وإمدادنا إياك بالقوة.
قال بعضهم: أثبتهم فى القتل والرمى ومباشرتهما، ثم نفى عنهم ذلك كله لئلا يشهدوا من أنفسهم حالا ولا سببا ويشاهدوا الحق على جميع الأحوال بقوله { ولكن الله قتلهم } ورماهم، ومن رمى منكم فبإيانا رمى، ولو بإياكم رميتم لبلغ الرمى إلى مقدار ما يليق بكم.
وقال بعضهم: { وما رميت إذ رميت } ، ولكن رميت بسهام الجمع فغيبك عنك، فرميت وكنا الرامين عنك، لأن المباشرة لك والحقيقة لنا إذ لم نفترق.
وقال بعضهم قوله: { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } أضاف الفعل إليه بقوله رميت وسلبه بقوله: { ولكن الله رمى } فكأنه يقول: فإن كنت الرامى به، فأنا قد توليت عليك فى رميك، لأنك ما رميته بإياك لإياك بل رميته بنا لنا، وكل من عمل بنا لنا فنحن متولو تقويمه فى وقت مباشرته، والقائمون بقبوله المثنون عليه بذلك.
قوله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا }.
سئل الجنيد رحمة الله عليه عن هذه الآية فقال: البلاء الحسن أن يثبته عند الأمر ويحفظه عند النهى، وينفرد به عند مشاهدة العين.
وقال رويم: البلاء الحسن أن تكون رؤية الحق أسبق إليه من نزول البلاء، فيمر به البلاء وهو لا يشعر لاستغراقه فى رؤية الحق.
قال أبو عثمان: البلاء الحسن ما يورثك الصبر عليه والرضاء به.
سمعت منصورا يقول بإسناده عن جعفر بن محمد أنه قال: يفنيهم عن نفوسهم، فإذا أفناهم عن نفوسهم؛ كان هو عوضا لهم عن نفوسهم.
الأنفال 8:21
قال بعضهم: من سمع ولم ير عليه فوائد السماع وزوائده فى أحواله، فهو غير مستمع ولا سامع، والمستمع على الحقيقة من يرجع من حال السماع بزيادة فائدة أو زيادة حال، ومن حضر مجلس ذكر ولم يرجع بزيادة، فإنما يرجع بنقصان قال الله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون }.
الأنفال 8:22
قال بعضهم فى هذه الآية: الصم عن سماع الذكر وفهم معانيه، والبكم عن مداومة تلاوة الذكر وطلب الزوائد منه، الذين لا يعقلون ما خوطبوا به وما خلقوا له وما هم صائرون إليه فى الممات والمآب.
الأنفال 8:23
قوله تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم } [الآية: 23].
قال بعضهم: حقيقة السماع ما تبدو عليك منه بركات ما تسمعه من زيادة عمل أو زجر عن ارتكاب معصية.
ومن أراد الله به الخير أسمعه من الحكمة ما ينفعه.
قال يحيى بن معاذ: إن هذا العلم الذى تسمعونه، إنما تسمعون ألفاظه من العلماء ومعانيه من الله بآذان قلوبكم، فاعملوا تعقلوا ما تسمعون، فإن لم تعملوا كان ضره أقرب إليكم من نفعه.
قال بعضهم: علامة الخير فى السماع أن يسمعه بفناء أوصافه ونعوته، ويسمعه بحق من حق.
قال بعضهم: لوجعلهم أهلا للسماع لفتح آذانهم للاستماع.
الأنفال 8:24
قوله تعالى ذكره { يأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول } [الآية: 24].
قال الجنيد رحمة الله عليه فى كتاب " رواء التفريط " فى هذه الآية: قرع أسماع همومهم حلاوة الدعوة وتنسموا روح ما أدته إليهم الأفهام الظاهرة من الأدناس، فأسرعوا إلى حذف العلائق المشغلة قلوب الواقفين معها، وهجموا بالنفوس على معانقة الحذر، وتجرعوا مرارة المكابدة وصدقوا الله فى المعاملة، وأحسنوا الأدب فيما توجهوا إليه، وهانت عليهم المصائب وعرفوا قدر ما يطلبون؛ فاغتنموا سلامة الأوقات، وسجنوا همومهم عن التلفت إلى مذكور سوى وليهم، فيحيون حياة الأبد بالحق الذى لم يزل ولا يزال، فهذا معنى قوله تعالى: { استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم }.
وقال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: { إذا دعاكم لما يحييكم }.
قال: حياة [النفس] تصفيتها من كل معلول لفظا وفعلا.
وقال جعفر: أجيبوه إلى الطاعة لتحيا بها قلوبكم.
وقال أيضا: { إذا دعاكم لما يحييكم } قال: الحياة بالله هى الحياة وهى المعرفة، كما قال الله
فلنحيينه حياة طيبة
[النحل: 97].
قال بعضهم: استجيبوا لله بسرائركم وللرسول بظواهركم، إذا دعاكم لما يحييكم حياة النفوس بمتابعة الرسول، وحياة القلب بمشاهدة الغيوب، وهو الحياء من الله برؤية التقصير.
قال ابن عطاء: الاستجابة على أربعة أوجه:
أولها: إجابة التوحيد.
والثانى: إجابة التحقيق.
والثالث: إجابة التسليم.
والرابع: إجابة التقريب.
قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه } [الآية: 24].
وأنه قيل: { أن الله } إشارة إلى قلوب أوليائه بأن الله يأخذها منهم ويحجبها لهم ويقلبها بصفاته، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ".
فيختمها بخاتم المعرفة، ويطبعها بطابع الشوق.
وسمعت النصرآباذى يقول: القلوب فى التقليب والنفوس فى التنقيل.
وقيل: { يحول بين المرء وقلبه } أى: عقله فى التقليب وفهمه عن الله خطابه.
وقيل: يحول بين المؤمن والإيمان، والكافر والكفر، يردهما إلى ما سبق لهما منه فى الأزل.
الأنفال 8:25
قوله تعالى: { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } [الآية: 25].
قيل: الفتنة التى يرضى العبد بها أو يميل إلى إحدى جوانبها، فإنها فتنة أصابته وإن لم يباشرها.
قال أبو عثمان: اكتساب المال من الحرام من الفتن التى تصيب غير مباشرها.
قال بشر بن الحارث: لا أرى هذه الآية { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خآصة } نزلت إلا فيمن يرى النكاح من غير ولى.
الأنفال 8:27
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم } [الآية: 27].
قال أبو عثمان: من خان الله فى السر هتك ستره فى العلانية.
وقال بعضهم فى هذه الآية: خيانة الله فى الأسرار من حب الدنيا وحب الرياسة.
والإظهار خلاف الإضمار، وخيانة الرسول فى آداب الشريعة وترك السنن والتهاون بها، وخيانات الأمانات فى المعاملات والأخلاق. ومعاشرة المؤمنين فى ترك النصيحة لهم.
الأنفال 8:28
قوله تعالى: { واعلموا أنمآ أموالكم وأولادكم فتنة } [الآية: 28].
قال بعضهم: أموالكم فتنة إن جمعتم وأمسكتم، ونعمة إن أنفقتم وبذلتم فى وجوه الخيرات.
قال بعضهم: المال فتنة لمن طلب به الفتنة. نعمة لمن كان خازنا لله فيه يأخذه بأمره. ويخرجه بأمره إلى أربابه.
وقال أبو الحسين الوراق: ما اعتمدت سوى الله فى الدنيا والآخرة فهو فتنة، حتى تعرض عن الجميع وتقبل على مولاك وتعتمد عليه.
الأنفال 8:29
قوله تعالى: { إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا } [الآية: 29].
قال سهل: نورا فى القلب يفرق بين الحق والباطل.
قال الجنيد رحمة الله عليه فى هذه الآية: إذا اتقى العبد ربه جعل له تبيانا يتبين به الحق من الباطل، وهذه نتيجة التقوى، فقيل له: أليس التقوى فرقانا؟ قال: بلى.
الأول: بذاته من الله، والثانى: اكتساب فإذا اتقى الله اكتسب بتقواه معرفة التفرقة بين الحق والباطل، فيتبين هذا من هذا.
الأنفال 8:30
قوله تعالى: { والله خير الماكرين } [الآية: 30].
قال: المكر مكران: مكر تلبيس ومكر هلاك.
وقال الشبلى: المكر فى النعمة الباطنة، والاستدراج فى النعمة الظاهرة.
الأنفال 8:33
قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } [الآية: 33].
قال أبو بكر الوراق: ما كان الله ليظهر فيهم البدع وأنت فيهم، وما كان الله ليأخذهم بذنوبهم وهم يستغفرون.
قال بعضهم: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فلينتظروا البلاء والفتن.
الأنفال 8:37
قوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من الطيب } [الآية: 37].
قيل: المخلص من المرائى، والمؤمن من الكافر، والمطيع من العاصى.
قال محمد بن الفضل: الخبيث من الأموال هى التى لم يخرج منها حقوق الله، والطيب من الأموال ما أخرجت منها حقوق الله.
قال بعضهم: الطيب من الأموال ما أنفقت فى إرفاق الفقراء فى أوقات الضرورات والخبيث من الأموال ما أدخل عليهم فى أوقات استغنائهم عنها، فشغلت خواطرهم وقال بعضهم: الطيب من الأموال ما أنفقت فى وجوه الطاعات، والخبيث ما أنفق فى وجوه الفساد.
الأنفال 8:40
قوله تعالى: { فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير } [الآية: 40].
قال بعضهم: نعم المولى لمن والاه، ونعم النصير لمن استنصره.
وقيل: نعم المولى لأهل الولاية، ونعم النصير لأهل الإرادة.
الأنفال 8:42
قوله تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة } [الآية: 42].
قال بعضهم: أظهر للخلق الآيات، ونصب لهم الأعلام، وفتح أعين قوم لرؤيتها، وأعمى أعين قوم دونها، وبعث إليهم الوسائط بالبراهين الصادقة والأنوار النيرة، ولكن يهدى لنوره من يشاء من عباده، وقدم هذه المقدمات ليهلك من هلك عن بينة.
وقال بعضهم: لا حياة إلا لمن حيى بذكره وأنس بقربه، والخلق كلهم متحركون فى أسبابهم، والحى منهم من تكون حياته بالحى الذى لا يموت.
قوله تعالى: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } [الآية: 42].
قال جعفر: ما قضاه الله فى الأزل يظهره فى الحين بعد الحين والوقت بعد الوقت.
وقال بعضهم: ليكشف عن سابق علمه فى غيبه، بإيصال كل من الفريقين إلى ما سبق له منه فى أزله.
الأنفال 8:46
قوله تعالى: { واصبروا إن الله مع الصابرين } [الآية: 46].
سئل محمد بن موسى الواسطى رحمة الله عليه عن ماهية الصبر وحقيقة قوله: { إن الله مع الصابرين } قال: هو إسنال التولى قبل مخامرة المحبة، فإذا صادقت المحبة التولى حمتها بلا كلفة، هذا صفة من كان الله معه فى صبره.
الأنفال 8:48
قوله تعالى: { وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } [الآية: 48].
قال: عظم طاعاتهم فى أعينهم، وصغر نعم الله عندهم.
وقال بعضهم: أظهر لهم قوتهم حتى اعتمدوها.
وقيل: هو مخالفاتهم للسنن.
قوله تعالى: { فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه }.
قال الواسطى رحمة الله عليه: ترك الذنوب على ضروب: منهم من تركها حياء من نعمه كيوسف صلى الله عليه وسلم، ومنهم من تركها خوفا كإبليس حين قال: { فلما ترآءت الفئتان نكص على عقبيه }.
الأنفال 8:53
قوله تعالى: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الآية: 53].
قال جعفر: ما دام العبد يعرف نعم الله عنده، فإن الله لا ينزع عنه نعمة حتى إذا جهل النعمة ولم يشكر الله عليها، إذ ذاك حرى أن ينزع منه.
قال سهل: خص الأنبياء وبعض الصديقين بمعرفة تلك النعمة التى أنعم الله عليهم قبل زوالها وحكم الله عنهم.
الأنفال 8:60
قوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل } [الآية: 60].
قيل فى هذه الآية: إنه الرمى، بل هو الرامى ظاهرا بسهام القسى والرامى بسهام الليالى فى الغيب بالخضوع والاستكانة، ورمى القلب إلى الحق معتمدا عليه راجعا عما سواه.
قال أبو على الروذابارى فى قوله: { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة }.
قال: القوة: هى الثقة بالله. وقوله { هو الذي أيدك بنصره }.
قال الواسطى رحمة الله عليه: قواك به وقوى المؤمنين بك، بل أيدك وأيد المؤمنين بنصرك.
الأنفال 8:63
قوله تعالى: { وألف بين قلوبهم } [الآية: 63].
قال أبو سعيد الخراز: ألف بين الأشكال وعين الرسوم لمقام آخر، وكل مربوط بمنحته ومستأنس فى أهل نحلته، وهذا معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم:
" الأرواح جنود مجندة ".
قال بعضهم: ألف بين قلوب المرسلين بالرسالة، وقلوب الأنبياء بالنبوة، وقلوب الصادقين بالصدق، وقلوب الشهداء بالمشاهدة، وقلوب الصالحين بالخدمة وقلوب عامة المؤمنين بالهداية، فجعل المرسلين رحمة على الأنبياء، وجعل الأنبياء رحمة على الصادقين، وجعل الصادقين رحمة على الشهداء، وجعل الشهداء رحمة على الصالحين، وجعل الصالحين رحمة على عامة المؤمنين، وجعل المؤمنين رحمة على الكافرين.
الأنفال 8:64
قال الواسطى رحمة الله عليه: حسبك الله وليا وحافظا وناصرا، ومن اتبعك من المؤمنين فالله حسبهم.
الأنفال 8:66
قوله تعالى: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا } [الآية: 66].
قال ابن عطاء: ما فى السماء لا يوجد إلا بالافتقار، وما فى الأرض لا يوجد إلا بالاضطرار.
قال النصرآباذى: هذا التخفف كان للأمة دون الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن لا يثقله حمل أمانة النبوة كيف يخاطب بتخفيف اللقاء للأضداد، وكيف يخاطب به الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو الذى يقول:
" بك أصول وبك أجول "
، ومن كان به كيف يخفف عنه أو يثقل عليه بعمل النبوة.
الأنفال 8:67
قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة } [الآية: 67].
قال جعفر: تريدون الدنيا، والله يريد الآخرة وما يريده الله لكم خير مما تريدونه لأنفسكم.
الأنفال 8:69
قوله تعالى: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } [الآية: 69].
قال جعفر: الحلال ما لا يعصى الله فيه، والطيب ما لا ينسى الله فيه.
قال بعضهم: الحلال ما أخذته عن فاقة وضرورة، والطيب من الحلال ما أثرت به مع الحاجة والفاقة.
وقال بعضهم: الحلال ما يظهر لك من غير سبب، والطيب ما يبدو لك عن المسبب.
الأنفال 8:72
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا } [الآية: 72].
قال أبو يزيد: جهاد النفس فى هجرانها نزعها عن المألوفات، وإجراؤها فى سبيل الله بإسقاط العلائق من المال والأهل، وذلك قوله: { هاجروا وجاهدوا }.
قوله تعالى: { والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا } إلى قوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } [الآية: 74].
قال شقيق: الجهاد ثلاثة.
جهاد فى سرك مع الشيطان.
وجهاد فى ظاهرك على أداء الفرائض.
وجهاد بنفسك مع أعداء الله.
قال بعضهم: { هاجروا } أى فارقوا قرناء السوء والأعمال القبيحة والدعاوى الباطلة.
قال بعضهم: { آمنوا }: صدقوا تصديق القلوب، وهاجروا وتركوا الشبهات من الأموال والأصحاب والإخوان والأخدان وجاهدوا الأنفس على ملازمة الحق واتباع الرشد، أولئك الذين جرت لهم السعادة فى الأزل بتحقيق الإيمان.
قال أبو بكر الفارسى: فضل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم على الخلق بشيئين: بصحبتهم للنبى صلى الله عليه وسلم والمجاهدة معه، وهجرتهم إلى الله بالسرائر وغربتهم مع أنفسهم، ألا ترى الله يقول: { الذين آمنوا } قال: آمنوا من طوارق الخذلان وهاجروا بقلوبهم فى ملكوت الغيوب وجاهدوا أنفسهم على طاعة رسوله: { أولئك هم المؤمنون حقا } حقيقة إيمانهم لما قدم من الثناء عليهم.
التوبة 9:3
قوله عز وجل: { أن الله بريء من المشركين ورسوله } [الآية: 3].
قال ابن عطاء: كل من أشرك مع الله فيما لله غير الله، فهو برئ منه.
قوله تعالى: { فإن تبتم فهو خير لكم }.
قال أبو عثمان: مفتاح كل خير، قال الله تعالى: { فإن تبتم فهو خير لكم }.
قال الجنيد رحمة الله عليه: لا يبلغ التائب منزلة التحقيق فى التوبة، ما لم تجتمع فيه خصال أربع:
أولها: حل الإصرار من القلب بالندم.
والثانى: شدة المجاهدة فيما بقى.
والثالث: صحة العزم فى ترك العود.
والرابع: رد المظالم والخروج عن التبعات.
التوبة 9:10
قوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة } [الآية: 10].
قال محمد بن الفضل: حرمة المؤمن أفضل الحرمات وتعظيمه أجل الطاعات، قال الله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة }.
التوبة 9:13
قوله تعالى: { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه } [الآية: 13].
قال بعضهم: الخشية للذات والخوف للصفات.
قال الله: { أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه } ، وقال:
ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب
[الرعد: 21].
قال أبو على الجوزجانى: الخشية: التمسك بالالتجاء على الدوام.
التوبة 9:18
قوله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } [الآية: 18].
قال بعضهم: عمارة المسجد بعمارة القلب عند دخوله، بصدق النية وحسن الطوية وطهارة الباطن لله، كما طهرت ظاهرك بأمر الله ودخول المسجد بالخروج عن جميع الأشغال والموانع، فذلك من عمارة المساجد.
قال بعضهم: المساجد مواضع السجود منك، فاعمرها بحسن الأدب من غض طرف وإمساك لسان والإعراض عن اللغو، وإمساك اليد عن الشهوات.
التوبة 9:21
قوله تعالى: { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات } [الآية: 21].
قال أبو عثمان: هو الذى تستجلب رضوانه. ورضوانه يوجب مجاورته، ومجاورته يوجب النعيم الدائم قال الله { يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان }.
التوبة 9:25
قوله: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا } [الآية: 25].
قال جعفر: استجلاب النصر فى شئ واحد، وهو الذلة والافتقار والعجز لقوله: { لقد نصركم الله في مواطن كثيرة } لم تقوموا فيها بأنفسكم، ولم تشهدوا قوتكم وكثرتكم، وعلمتم أن النصر لا يؤخذ بالقوة، وأن الله هو الناصر والمعين ومتى علم العبد حقيقة ضعفه نصره الله، وحلول الخذلان بشئ واحد وهو العجب، قال الله: { ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا } فلما عاينوا القوة من أنفسهم دون الله؛ رماهم الله بالهزيمة وضيق الأرض عليهم.
قال الله: { ثم وليتم مدبرين } موكلين إلى أحوالكم وقوتكم وكثرتكم.
التوبة 9:26
قوله تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } [الآية: 26].
قال بعضهم: السكينة التى أنزلها الله على رسوله وعلى المؤمنين.
قال بعضهم: السكينة التى أنزلها الله على رسوله هى التى أظهرها عليه المسرى عند سدرة المنتهى
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17] بل السكينة أقامته فى مقام الدنو بحسن الأدب، ناظرا إلى الحق مستمعا منه مثنيا به عليه بقوله: " التحيات لله " والسكينة التى أنزلت على المؤمنين هو سكون قلوبهم إلى ما يأتيهم به المصطفى صلى الله عليه وسلم من وعد ووعيد وبشارة وحكم.
وقيل: السكينة: سكون القلب مع الله بلا علاقة.
وقيل السكينة: هى الطمأنينة عند ورود القضاء.
قال الجوزجانى: السكينة هى التأدب بآداب الشريعة والتمسك بحبل السنة.
وقيل السكينة: المقام مع الله بفناء الحظوظ.
التوبة 9:28
قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } [الآية: 28].
قال أبو صالح: المشرك فى عمله من يحسن ظاهره لملاقاة الناس ومجاورتهم، ويظهر للخلق أحسن ما عنده، وينظر إلى نفسه بعين الرضا عنها، إنما أظهر عليها من زينة العبادات وينجس باطنه مخالفة ما أظهره وهو الرياء واتباع الشهوات وسائر المخالفات فذلك المشرك فى عبادته النجس باطنه ولا يصلح لبساط القدس إلا المقدس ظاهرا وباطنا سرا وعلانية، لأن الله تعالى يقول: { يأيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } ومن كان نجسا، فإن الأمكنة لا تطهره، وسنن الظاهر عليه لا ينظفه.
التوبة 9:31
قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } [الآية: 31].
قال بعضهم: سكنوا أمثالهم وطلبوا الحق من غير مظانه، وطرق الحق واضحة لمن كحل بنور التوفيق وبصر سبيل التحقيق، ومن أعمى عن ذلك كان مردودا من طريق الحق إلى طريق الجناس من الخلق.
التوبة 9:33
قيل: جعل الله الوسائط طريقا للعباد بعثهم أعلاما للهدى على الطرق، ونورا يهتدى بهم، وعمر بهم سبل الحق وحقيقة الدين، قال الله عز وجل: { أرسل رسوله بالهدى ودين الحق }.
التوبة 9:34
قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله } [الآية: 34].
قال بعضهم: من بخل بالقليل من ملكه فقد سد على نفسه باب نجاته، وفتح على نفسه طريق هلاكه.
وقيل: ليس من أخلاق الأنبياء والصديقين البخل، لأنه روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ما جبل ولى الله إلا على السخاء ".
التوبة 9:36
قوله تعالى: { فلا تظلموا فيهن أنفسكم } [الآية: 36].
قيل: باتباع الشهوات.
قال بعضهم: ظلم نفسه من أطلق عنانها فى طرق الأمانى من اتباع الشهوات وارتكاب السيئات والتخطى إلى المحارم.
التوبة 9:37
قوله تعالى: { زين لهم سوء أعمالهم } [الآية: 37].
قال الواسطى: جبرهم على ما فيه هلاكهم ولم يعذرهم بقوله: { زين لهم سوء أعمالهم }.
سئل جعفر الصادق عليه السلام عن قوله { زين لهم سوء أعمالهم } قال: هو الرياء.
التوبة 9:38
قوله تعالى: { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } [الآية: 38].
قال يحيى بن معاذ: الناس من مخافة الفضيحة فى الدنيا وقعوا فى فضيحة الآخرة.
قال الله عز وجل: { اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } [الآية: 38].
قال النهرجورى: الدنيا بحر والآخرة ساحل والمركب واحد وهو التقوى والناس سفن.
وقال بعضهم: ما تعطاه عارية ينتزع منك أو تنتزع منها، وهو قليل فيما تملكه من نعيم الآخرة على الأبد.
قال النهرجورى: الدنيا أولها بكاء وأوسطها عناء وآخرها فناء.
التوبة 9:40
قوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار } [الآية: 40].
قوله: { قد نصره الله } حيث أغناه عن نصرتكم بقوله:
والله يعصمك من الناس
[المائدة: 67]. فمن كان فى ميدان العصمة، كان مستغنيا عن نصرة المخلوقين، ألا ترى أنه لما اشتد الأمر كيف قال: " بك أصول فإنك النصار والمعين ".
وقال ابن عطاء فى قوله: { ثاني اثنين إذ هما في الغار } قال: فى محل القرب فى كهف الأنوار فى الأزل.
قال فى قوله: { لا تحزن إن الله معنا } قال: ليس من حكم من كان الله معه أن يحزن.
وقال الشبلى: { ثاني اثنين } بشخصه مع صاحبه، وواحد الواحد بقلبه مع سيده وقيل فى قوله: { إذ أخرجه الذين كفروا }: قال: الذين جحدوا نعمة الله عليهم به وبمكانه. قال ابن عطاء فى قوله: { إن الله معنا }.
قال: معناه فى الأزل، حيث وصل بيننا وصلة الصحبة ولم ينفصل.
وقال بعضهم فى قوله: { لا تحزن } قال: كان حزن أبى بكر إشفاقا على النبى صلى الله عليه وسلم وقيل: شفقة على الإسلام أن يقع فيه وهن.
وقال فارس: إنما نهى عن الحزن لأن الحزن علة وإنما هو تعريف أن الحزن لا يحل بمثله، لأنه فى محل القربة وقيل فى قوله: { إذ هما في الغار } قال: أخرجهما غيرة مما كانوا يرونه من مخالفات الحق، فأخرجتهما الغيرة إلى الغار، فغار عليهم الحق فسترهما عن أعين الخلق لأنهم كانوا فى مشاهدته يشهدهم ويشهدونه، ألا تراه صلى الله عليه وسلم كيف يقول لأبى بكر رضى الله عنه:
" ما ظنك باثنين الله ثالثهما "
مشاهدا لهما وعونا وناصرا.
قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها } [الآية: 40].
قال بعضهم: السكينة نزلت على أبى بكر فثبت، وزال عن قلبه ما كان يجده من الوجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال بعضهم: السكينة لأبى بكر ما ظهر له على لسان المصطفى صلى الله عليه وسلم من قوله:
" ما ظنك باثنين الله ثالثهما ".
قال بعضهم: السكينة: سكون القلب إلى ما يبدو من مجارى الأقدار.
قال جعفر: فى قوله: { وأيده بجنود لم تروها }. قال: تلك الجنود اليقين والثقة بالله عز وجل والتوكل.
قال بعضهم: السكينة هى التثبت، ولا يتم التثبت إلا بالقطع عما سواه.
التوبة 9:41
قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } [الآية: 41].
قال ابن عطاء: خفافا بقلوبكم، وثقالا بأبدانكم.
قال أبو عثمان فى قوله: { انفروا خفافا وثقالا } فى وقت النشاط والكراهية، فإن البيعة على هذا وقعت، كما روى عن جرير بن عبد الله أنه قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فى المنشط والمكره ".
وقال بعضهم: انفروا خفافا إلى الطاعات، وثقالا إلى المخالفات. { وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم } الفقر ألا تمنعوهم حقوقهم، وجاهدوا بأنفسكم الشياطين كى لا يستولى عليكم.
قال بعضهم: { انفروا خفافا وثقالا } قال: هو نزع القلب عن الأمانى الباطلة، وإخراج العادات القبيحة عن النفس.
التوبة 9:43
قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } [الآية: 43].
قيل: إن الله عز وجل إذا عاتب أنبياءه وأولياءه عاتبهم ببر قبلها أو بعدها، ألا تراه يقول: { عفا الله عنك لم أذنت لهم }.
وقال الحسين بن منصور: الأنبياء مبسطون على مقاديرهم واختلاف مقاماتهم، وكل ربط مع حظه باستعماله الأدب بين يدى الحق، وكل أثيب على ترك الاستعمال فمنهم النبى صلى الله عليه وسلم فإنه أنس قبل التأنيب، ومنهم من أنس بعد التأنيب على اختلاف إذ لو أنس بعد التأنيب لتفطر لقربه من الحق وذلك أن الله عز وجل أمره بقوله:
فأذن لمن شئت منهم
[النور: 62] ثم قال مؤنبا له على ذلك: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } فلو قال لم أذنت لهم عفا الله عنك لذاب وهذا غاية القرب، وقال تعالى حاكيا عن نوح أنه قال:
رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق
[هود: 45]. مؤنبا له وأنسه بعد التأنيب
إنه ليس من أهلك
[هود: 46] إلى قوله
أن تكون من الجاهلين
[هود: 46].
ولو ولم يؤنسه بعد التأنيب لتفطر، وهذا مقام نوح وليس المفضول بمقصر إذ كل منهم له رتبة من الحق.
قال ابن عطاء: عوتب كل نبى بذنبه، ثم غفر له وغفر لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل موافقة الذنب فقال: { عفا الله عنك لم أذنت لهم } إحلالا له.
التوبة 9:44
قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا } [الآية: 44].
قال الواسطى رحمة الله عليه كيف يستأذن من هو مأذون له الإذن التام، إن قام قام بإذن وإن قعد قعد بإذن، فجريان الحركات منه تظهر سوابق المأذون له فيه.
التوبة 9:46
قوله تعالى: { ولكن كره الله انبعاثهم } [الآية: 46].
قال جعفر: طالب عباده بالحق ولم يجعلهم لذلك أهلا، ثم لم يعذرهم، ولامهم على ذلك، ألا تراه يقول: وقالوا لا تنفروا فى الحر.
قال ابن الفرحى: إنما هو نعت واحد كالماء الواحد يسقى به ألوان الشجر فتختلف ثمارها، لو سقى الورد بالبول ما وجد منه إلا ريح الورد، ولو سقى الحنظل بماء الورد، لما خرج إلا الحنظل وريحه إنما يلى اللطيفة التى جرى بها الخذلان والتوفيق.
قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة } [الآية: 46].
قال جعفر: لو عرفوا الله لاستحيوا منه، ولخرجوا له عن أنفسهم وأزواجهم وأموالهم، بذلا لأمر واحد من أوامره.
قال بعضهم فى هذه الآية: لو طلبوا التوكل لسلكوا طريق الثقة بالله فإنها الطريق إليه.
التوبة 9:48
قوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جآء الحق وظهر أمر الله } [الآية: 48].
قال السوسى: حملوك على طلب الدنيا والركون إليها، حتى ظهر الحق سرك من الركون إلى شىء سواه وظهر أمر الله، قال: فتح لك من خزائن الأرض وعرضها عليك، فأبيت أن تسكن إليها أو تقبل منها، وهم كارهون ما أنتم عليه من الإعراض عما أقبلوا عليه.
التوبة 9:51
قوله تعالى: { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا } [الآية: 51].
قال بعضهم: العارف بالله من سكن إلى ما يبدو له فى الوقت بعد الوقت من تصاريف القضاء ومجارى القدرة، ولا يسخط لوارد من ذلك عليه.
قال بعضهم: التفويض هو الاعتماد على الله، والعلم بأن ما سبق من قضائه، قيل: لا بد أنه مصيبك فإن الخلق مجبورون ليس لهم اختيار، قال الله تعالى: { لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا }.
التوبة 9:54
قوله تعالى: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } [الآية: 54].
قال محمد بن الفضل: من لم يعرف الأمر، قام إلى الأمر على جد الكسل، من عرف الأمر قام إليه على جد الاستفتاح والاسترواح.
سمعت جدى يقول: التهاون بالأمر من قلة المعرفة بالأمر.
قال حمدون: القائمون بالأوامر على ثلاث مقامات، واحد يقوم إليه على العادة وقيامه إليه قيام كسل، وآخر يقوم إليه قيام طلب ثواب، وقيامه إليه قيام طمع، وآخر يقوم إليه قيام مشاهدة، فهو القائم بالله لأمره، لا قائم بالأمر لله.
التوبة 9:55
قوله تعالى: { فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } [الآية: 55].
قال بعضهم: فلا تعجبك ما يتزينون به من صنوف الأموال والعبيد والخدم ويستكثرون به من الأولاد، إنما يريد الله ليعذبهم بها فى الحياة الدنيا، يعذبهم لجمعها ويعذبهم لحفظها ويعذبهم بحبها ويعذبهم بالبخل بها والحزن عليها والخصومة فيها، كل هذا عذاب إلى أن يوردهم عذاب النار.
قال الواسطى فى قوله: { إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون } أى بنعمتى أن كانوا من أهل طاعتى، وغيرهم كافرون جاحدون، ومن استقطعته النعمة عن المنعم فهو جاحد.
التوبة 9:59
قوله تعالى: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ورسوله } [الآية: 59].
قال إبراهيم بن أدهم: من رضى بالمقادير لم يغتم.
سمعت أبا عمرو بن حمدان يقول: سمعت الهيثم بن خلف يقول: سمعت محمد ابن على بن شقيق يقول: سمعت إبراهيم بن الأشعث يقول: سمعت الفضيل رحمة الله عليه يقول: الراضى لا يتمنى فوق منزلته.
قال أبو جعفر: الرضا هو سكون السر مع مجارى المقدورات، وقال: الرضا تلقى البلاء بالقبول على حد الطرف والفرح.
التوبة 9:60
قوله عز وعلا: { إنما الصدقات للفقرآء والمساكين } [الآية: 60].
قال سهل ابن عبد الله وقد سئل عن الفقر والمسكنة فقال: الفقر عز والمسكنة ذل.
قال بعضهم: الفقراء ثلاثة: فقير لا يسأل ولا يتعرض وإن أعطى لم يقبل فذاك كالروحانيين.
وفقير لا يسأل ولا يتعرض وإن أعطى قبل مقدار حاجته فذاك لا حساب عليه.
وفقير يسأل مقدار قوته فإن استغنى كف فذاك فى حظيرة القدس.
قال إبراهيم الخواص: نعت الفقير السكون عند العدم، والإيثار والبذل عند الوجود، والمسكين من يرى عليه أثر العدم.
قال بعضهم: صدق الفقير أخذه بالصدقة ممن يعطيه لا ممن يصل إليه على يده والحق هو المعطى على الحقيقة، لأنه جعلها لهم فمن قبله من الحق، فهو الصادق فى فقره بعلو همته، ومن قبله من الوسائط فهو من الترسم مع دناءة همته.
التوبة 9:67
قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } [الآية: 67].
قال أبو بكر الوراق: المنافق ستر المنافق يستر عليه عوراته، والمؤمن مرآة المؤمن يبصر به عيوبه وبذله على سبيل نجاته.
قوله تعالى ذكره: { ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم }.
قال بعضهم: يقبضون أيديهم عن رفعها إلى مولاها فى الدعوات والحوائج كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه رأى فى الموقف ويده على صدره، كاستطعام المسكين وهو ينشد.
ها إن صددت يدى إليك فردها
بالوصل لا بشماتة الحساد
وقيل: يقبضون أيديهم عن الصدقة.
وقيل: يقبضون أيديهم عن معونة المسلمين.
قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }.
قال سهل: نسوا نعم الله عندهم فأنساهم الله شكر النعم.
التوبة 9:71
قوله عز وجل: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوليآء بعض } [الآية: 71].
قال أبو عثمان: المؤمنون أيضا يتعاونون على العبادة، ويتبادرون إليها، كل واحد منهم يشد ظهر صاحبه ويعينه على سبيل نجاته، ألا ترى النبى صلى الله عليه وسلم يقول:
" المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ".
وقال النبى صلى الله عليه وسلم:
" المؤمنون كالجسد الواحد ".
وقال الله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات } قال أبو بكر الوراق: المؤمن يوالى المؤمن طبعا وسجية.
التوبة 9:73
قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم } [الآية: 73].
قال محمد بن على: جاهد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان.
قال سهل: النفس كافرة فجاهدها بسيف المخالفة، وحملها حمولات الندم وسيرها فى مفاوز الخوف، لعلك تردها إلى طريق التوبة والإنابة، ولا تصح التوبة إلا لمتجبر فى أمره مبهوت فى شأنه، واله القلب مما جرى عليه، قال الله جل وعز: { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } [التوبة: 118].
التوبة 9:75
قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن } [الآية: 75].
قال: سمعت النصرآباذى يقول فى هذه الآية: الفضل رؤية الإحسان راء من أنفسهم إحسانا لم يعلموه بعد، وصدقة لم يتصدقوا بها وصححوا لأنفسهم أفعالا بقوله: لنصدقن، فنقضوا العهد لما أظفرهم بما سألوه، فتولدهم من ذلك البخل الذى قال النبى صلى الله عليه وسلم
" أى داء أدوى من البخل "
والتوانى عن سبيل الرشد، والإعراض عن مناهج الحق.
وقال: البخل يتولد منه أنواع الأدواء فبخل تستعمله فى نفسك مع نفسك وبخل تستعمله مع بنى جنسك. وبخل تستعمله فى التحية، قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" البخيل من ذكرت عنده ولم يصل على صلى الله عليه وسلم "
وقال:
" أبخل الناس من بخل بالسلام ".
التوبة 9:76
قوله تعالى: { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به } [الآية: 76].
سئل أبو حفص: ما البخل؟ قال: نزل الإيثار عند الحاجة إليه.
قال حمدون القصار: من رأى لنفسه ملكا، فقد بخل لأنه قصر عنه الأيدى الأخرى.
التوبة 9:77
قوله تعالى: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [الآية: 77].
وهو ميراث البخل وهو الكذب والخلف والخيانة، لذلك قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" علامة المنافق ثلاثة: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان ".
وظهرت هذه الثلاثة فى تقلبه.
التوبة 9:78
قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم } [الآية: 78].
قال: السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة.
التوبة 9:88
قوله تعالى: { لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم } [الآية: 88].
قال بعضهم: اجتهد الرسول صلى الله عليه وسلم فى أداء الرسالة، أبلغ الغاية وجاهد المسلمون بأنفسهم فى قبول ما جاء به من الشرع، ما كان منه حظ النفس بالنفس وما كان منه حظ المال بالمال.
التوبة 9:91
قوله تعالى: { ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } [الآية: 91].
قال بعضهم: من لم نمكن من القدرة فقد رفع عنه الحرج.
وقال بعضهم: أفضل العصمة أن لا تقدر.
قال أبو طاهر: لو لم يكن فى الفقر والقلة إلا إسقاط الحرج عن صاحبه، لكان ذلك عظيما قال الله تعالى: { ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج } وقيل: ليس على من سلب القيام بالخدمة بظاهر الجوارح من جرح فى تقصير يقع له فى نافله، إذا أصبحت له الفرائض وسكن قلبه وصلحت سريرته.
قوله تعالى: { ما على المحسنين من سبيل }.
قال القاسم: المحسن من يرى الإحسان كله من الله، فلا يكون لأحد عليه سبيل.
وقال ابن عطاء: المحسن يحسن محاورة نعم الله.
وقال فى موضع آخر: المحسن من يرى إحسان الله إليه، ولا يرى من نفسه مستجيبا بحال.
قال جعفر: المحسن الذى يحسن آداب خدمة سيده.
وقال حمدون القصار: المحسن المطالب نفسه بعد حقوق الله بحقوق المسلمين عليه، والتارك حقه لهم، بل من لا يرى لنفسه على أحد حقا.
التوبة 9:92
قوله تعالى: { ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم } [الآية: 92].
قال النصر آباذى: تحملهم على الاقبال علينا والثقة بنا والرجوع إلينا.
وقال أيضا: تحملهم أى: تحمل عنهم أثقال المخالفات.
التوبة 9:93
قوله تعالى: { إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنيآء } [الآية: 93].
قال النصرآباذى: ألزم الله الذم الأغنياء، لأنهم اعتمدوا على أملاكهم وأموالهم واستغنوا بها، ولو اعتمدوا على الله واستغنوا به؛ لما ألزموا الخدمة.
وقيل فى قوله: { أغنيآء } أى مظهرين الاستغناء عن الخروج مع الرسول صلى الله عليه وسلم والقتال معه.
التوبة 9:98
قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما } [الآية: 98].
قيل: من يرى الملك لنفسه كان ما ينفقه غرامة عنده، ومن يرى الأشياء عارية لله فى يده، يرى أن ما ينفقه غنما لا غرما.
التوبة 9:99
قوله تعالى: { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله } [الآية: 99].
قال بعضهم: من طلب القربة إلى الله، هان عليه ما بذله فى جنب ذلك، وكيف ينال القربة إلى الله من لا يزال يتقرب إلى ما يبعده من الله وهو الدنيا.
التوبة 9:100
قوله تعالى: { والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار } [الآية: 100].
قال ابن عطاء: السابق من سبق له فى الأزل من الحق حسن عناية، فتظهر عليه فى وقت إيجاده أنوار تلك السابقة فإنه ما وصل إليه أحد إلا بعد أن سبق له منه فى الأزل لطف وعناية.
سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: هم الذين سبقوا إلى الله بقلوبهم وحسن قصدهم إليه بطاعتهم له، فأفردوا هممهم بذكر الله. والله وفقهم لذلك حتى صارت قلوبهم فارغة من ذكر كل شىء إلا من ذكره.
وقال أيضا: السابقون إلى الله بصدق القصد إليه.
قال الواسطى رحمة الله عليه: السباق السباق قولا وفعلا حذر النفس حسرة المسبوق. قوله تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه }.
قال جعفر رضى الله عنه: ما كان سبق لهم من الله من عناية وتوفيق، ورضوا عنه بما من عليهم بمتابعتهم لرسوله صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به، وإنفاقهم الأموال وبذل المهج.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: الرضا سرور القلب بمر القضاء، وقال: الرضا باب الله الأعظم.
وقال ابن يزدانيار: رضاء الخلق عن الله بما يتجدد لديهم من ظهور قدرته، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضا عنه.
وقال النصرآباذى: ما رضوا عنه حتى رضى عنهم، فبفضل رضاه عنهم رضوا عنه.
التوبة 9:102
قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم } [الآية: 102].
قال بعضهم: صفة النادمين والمعرضين عن الذنوب والناوين للتوبة، وهو الاعتراف بما سبق منهم، وكثرة الندم على ذلك والاستغفار منه ونسيان الطاعات وذكر المعاصى على الدوام والابتهال إلى الله بصحة الافتقار، لعل الله يفتح له باب التوبة ويجعله من أهلها.
قال الله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا }.
التوبة 9:103
قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [الآية: 103].
قال بعضهم: خذ منهم الصدقة فإن أخذك يطهرهم لإعطاء الزكاة، وتطهرهم عن دنس الأكوان، وصلواتك تسكنهم إلى الآخرة وتقطعهم عن الدنيا.
قال رويم: تطهر سرائرهم وتزكى نفوسهم.
وقيل فى قوله عز وجل: { وصل عليهم }: أى: ادع لهم فإن دعاءك لهم سكون إلى الآخرة وانقطاع عن الدنيا.
التوبة 9:104
قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات } [الآية: 104].
قال النصرآباذى: فرق بين الأخذ والقبول، لأنه قد يقبل ولا يأخذ، ولا يأخذ إلا عن قبول فالأخذ أثم وأدم.
وقال أيضا: أخذ الصدقة أحل من قبول التوبة، لذلك يقع فيه التربية.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" إن الله يأخذها فيربيها كما يربى أحدكم فلوه أو فصيله ".
التوبة 9:105
قوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } [الآية: 105].
قال أبو حفص وأبو عثمان: اعمل وأصلح العمل وأخلص النية فإن الله عز وجل يرى سرك وضميرك، والرسول يراه رؤية مشاهدة، والمؤمنون يرونه رؤية فراسة وتوسم.
قال الله تعالى:
إن في ذلك لآيات للمتوسمين
[الحجر: 75].
التوبة 9:108
قوله تعالى: { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه } [الآية: 108].
قال أبو بكر الوراق: من صحح إرادته بدا ولم يعارضه شك أو ريبة، فإن أحواله تجرى على الاستقامة، فتصحيح الإرادة هو الخلع عن مراده أجمع، والرجوع إلى مراد الله فيه، قال الله عز وجل: { لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه }.
وقال عبد الله بن مبارك: المقام فى عرضات الشر وأماكنه من أوائل الخذلان، وقد أمر الله بالفرار منها.
قال الله تعالى:
ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
[النساء: 97].
قال أبو عثمان: أرض الفتنة لا ينبت فيها إلا الفتنة، وأرض الرحمة يصيب الإنسان رحمتها ولو بعد حين.
قوله تعالى: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين }.
قال سهل: الطهارة على ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل وطهارة الذكر من النسيان وطهارة الطاعة من المعصية.
قال بعضهم: { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } أى يطهروا أسرارهم من دنس الأكوان.
قال سهل: هذه الطهارة التى ذكر الله هى الطاعة لله عز وجل وإدامة الذكر له سرا وعلنا.
قال بعضهم: طهارتهم من الأوهام القبيحة والأمانى الفاسدة دون ارتكابها.
التوبة 9:109
قوله تعالى: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير } [الآية: 109].
قال أبو تراب النخشى: من كان ابتداء إرادته على الصحة والسلامة من هواجس نفسه بلغ إلى الرضوان الأكبر والمقام الأرفع، قال الله: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان }.
قال الواسطى رحمة الله عليه: على تقوى من الله لا من نفسه يكون الله أصل ذلك التقوى.
التوبة 9:111
قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } [الآية: 111].
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم البزار يقول: سمعت ابن عطاء يقول: فى قوله { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم } قال: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل أثم ومعصية، فأراد أن يزيل ملكك عما يضرك، ويعوضك عليه ما ينفعك عاجلا وآجلا.
قال سهل: لا نفس للمؤمن إنها دخلت فى البيع من الله، فمن لم يبع من الله حياته الفانية كيف يعيش مع الله ويحيا حياة طيبة قال الله عز وجل: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم }.
قال جعفر فى قوله: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم } قال: مكر بهم على لسان الحقيقة وعلى لسان المعاملة اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم وأحياهم بالوصلة.
وقال بعضهم: من سمع الخطاب فانتبه له، كان كأبى بكر رضى الله عنه لما قيل له: ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: " الله ورسوله " أى أبقيت لنفسى من لا يفنى ولا يزال باقيا. فأبقى ببقائهما دون الأعراض التى هى عوارى.
وقال بعضهم: اشترى منك ما هو محل الآفات و البليات وهو النفس والمال، وجعل ثمنهما الجنة، فإن آنس قلبك كان الثواب عليه المشاهدة والقربة.
قال الحسين: نفوس المؤمنين نفوس أبية استرقها الحق فلا يملكها سواه.
قال النصرآباذى: سئل الجنيد رحمة الله عليه متى أشترى؟ قال: حين لأمنى أزال عنهم العلل يزول ملكهم عن أنفسهم وأموالهم ليصلحوا المجاورة للحق ومخاطبته.
قال ابن عطاء: مكر بهم وهم لا يشعرون، لكن الكلام فيه من جهة المعاملة مليح اشترى منهم الأجساد لمواضع وقوع المحبة من قلوبهم، فاجتباهم بالوصلة.
قال النصرآباذى: اشترى منك ما هو صفتك، والقلب تحت صفته فلم تقع عليه المبايعة.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن "
قال: مباينه منك فى الابتداء أوجبت المشاراة، ومن لم يباين الحق لم يقع عليه اسم الشراء ألا ترى أن الله الكريم خاطب الكليم بقوله:
واصطنعتك لنفسي
[طه: 41] فلا شراء ولا بيع ولا مباينة بحال.
قال أبو عثمان: اشترى من المؤمنين أنفسهم، كى لا يخاصموا عنها، فإنها ليست لهم، والإنسان لا يخاصم عما ليس له.
قال أبو بكر الوراق: اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ولا شىء يتقرب به العبد إلى الله فى أداء الأوامر والفرائض، إلا النفس والمال فاشترى منهم النفس والمال لئلا ينظروا إلى ما يبدو منهم من أنواع القرب، لأنهم باعوا قبل فلا يعجبوا بشىء من أفعالهم، ولا يفتخروا بشىء من طاعاتهم، لأن مواضعها النفس والمال، وليس لهم عليها ملك، ومن لا يملك الأصل كيف يفتخر بالفرع.
قوله تعالى: { ومن أوفى بعهده من الله }.
قال الحسين: عهد الحق فى الأزل إلى خواصه باختصاص خاصيته، خصهم بها من بين تكوينه فأظهر آثار أنوار ذلك عليهم عند استخراج الذر، فرأى آدم الأنوار تتلألأ فقال: من هؤلاء؟ ثم أظهر سمات ذلك حين أوجدهم، وهى آثار ذلك العهد الذى عهد إليهم، فوفى لهم بعهودهم { ومن أوفى بعهده من الله } قال: { فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به }.
قال النصرآباذى: البشرى فى هذا البيع أنه يوفى بما وعد، بأن لهم الجنة ويزيد لمن يشاء، فضلا منه وكرما بالرؤية والمشاهدة ولو لم يكن فيه إلا مساواة المساومة لكان عظيما، فكيف المبايعة والمشاراة.
التوبة 9:112
قوله تعالى: { التائبون العابدون الحامدون السائحون } [الآية: 112].
قال سهل: ليس فى الدنيا شىء من الحقوق أوجب على الخلق من التوبة، ولا عقوبة أشد عليهم من فقد علم التوبة.
قال ابن عطاء: لا تصح العبادة إلا بالتوبة له إلا بالمداومة والسياحة والرياضة ولا هذه المقامات وهذه المقدمات إلا بمداومة الركوع والسجود، ولا يصح هذا كله إلا بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يصح شىء مما تقدم إلا بحفظ الحدود ظاهرا وباطنا، والمؤمن من تكون هذه صفته، لأن الله يقول: { وبشر المؤمنين } الذين هم بهذه الصفة.
وقيل فى قوله: { التائبون } الراجعون إلى الله بالكلية عن جميع ما لهم من صفاتهم وأحوالهم.
{ العابدون } القائمون معه على حقيقة شرائط الخدمة.
{ الحامدون } العارفون نعم الله عليهم في كل خطوة وطرفة عين.
{ السائحون } الذين حبسوا أنفسهم عن مرادها طلبا لرضاه.
{ الراكعون } الخاضعون له على الدوام الساجدون الطالبون قربه.
{ الآمرون بالمعروف } الآمرون بسنة النبى صلى الله عليه وسلم.
{ والناهون عن المنكر } عن ارتكاب مخالفات السنن.
{ والحافظون لحدود الله } المراعون أوامر الله عليهم في جوارحهم وقلوبهم وأسرارهم وأرواحهم { وبشر المؤمنين } القائمون بحفظ هذه الحرمات.
قال أبو يزيد رحمة الله عليه: السياحة راحة من ساح راح.
قال أبو سعيد الخراز في قوله: { الحافظون لحدود الله } قال: هم الذين أصغوا إلى الله بآذان أفهامهم الواعية وقلوبهم الطاهرة، ولم يتخلفوا عن بداية بحال.
قال بعضهم: الناس أربعة: تائب وعابد ومحب وعارف، فالتائب يعمل للنجاة، والعابد يعمل للدرجات، والمحب يعمل للقربات، والعارف يعمل لرضا ربه من غير حظ لنفسه فيه.
قال بعضهم: التائب: الراجع إليه من كل ما سواه، والعابد المداوم على الخدمة مع رؤية التقصير، والحامد الذى يحمد على الضراء حمده على السراء. والسائح هو الذى يسيح فى طلب الأولياء والأوتاد.
والراكع الساجد هو الخاضع لله عز وجل فى جميع الأحوال.
{ الآمرون بالمعروف } هم المتحابون فى الله { والناهون عن المنكر } هم المتباغضون فى الله { والحافظون لحدود الله } القائمون معه على آداب السنن والشريعة.
التوبة 9:115
قوله تعالى: { وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم } [الآية: 115].
قال بعضهم: من جرى له فى الأزل من السعادة والعناية نصيب، فإن الجنايات لا تؤثر عليه، قال الله: { وما كان الله ليضل قوما } فى الأبد { بعد إذ هداهم } فى الأزل.
وقيل: لا يضلهم عنه بعد إذ هداهم إليه.
التوبة 9:116
قوله تعالى: { إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت } [الآية: 116].
قال ابن عطاء: له ملك السماوات والأرض فمن طلب الملك من غير مالك الملك فقد أخطأ الطريق.
قال النصرآباذى: من اشتغل بالملك فإنه الملك، ومن طلب مالك الملك أتاه الملك راغما.
قال جعفر: الأكوان كلها له فلا تشغلنك ما له عنه.
التوبة 9:117
قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار } [الآية: 117].
قال بعضهم: توبة النبى هى مقدمة توبة الأمة، ليصح بالمقدمة التوابع من توبة التائبين.
قال بعضهم: توبة الأنبياء لمشاهدة الحق فى وقت الإبلاغ، لا يغيبون عن الحضرة، بل لا يحضرون مواضع الغيبة، لأنهم فى عين الجمع أبدا.
قوله تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا }.
قال ابن عطاء: قطعهم بميتة عن أوصافهم.
قال الواسطى رحمة الله عليه: التوبة المقبولة مقبولة قبل الخطيئة وقبل قصد التوبة، قال الله { ثم تاب عليهم ليتوبوا }.
قال النصرآباذى: متى تاب عليهم حين لا متى قبل التوبة عنهم بإياه لإياه، حين لم يكن آدم، ولا كون أزال عنهم بذلك كل علة أبدا. شعر:
إذا مرضتم أتيناكم نعودكم
وتذنبون فنأتيكم فنعتذر
سئل أبو حفص عن التوبة فقال: ليس للعبد من التوبة شىء، لأن التوبة إليه لا منه.
التوبة 9:118
قوله تعالى: { حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت } [الآية: 118].
قال أبو عثمان: من رجع إلى الله وإلى سبيله، فلتكن صفة هذه الآية تضيق عليه الأرض، حتى لا يجد لقدمه فيها موضع قرار إلا وهو خائف، إن الله ينتقم منه فيه وتضيق عليه أحوال نفسه فينتظر الهلاك مع كل نفس هذه أوائل دلائل التوبة النصوح، ولا يكون له ملجأ ولا معاد ولا رجوع إلا إلى ربه، بانقطاع قلبه عن كل سبب قال الله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت }.
قوله تعالى: { وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه }.
قال بعضهم: لم يعتمدوا حبيبا ولا خليلا بل قلوبهم منقطعة عن الخلق أجمع وعن الأكوان كلها، لذلك قيل: المعارف أن لا تلاحظ حبيبا ولا خليلا ولا كليما وأنت تجد إلى ملاحظة الحق سبيلا.
قال الجنيد رحمة الله عليه: ما نجا من نجا إلا بصدق اللجأ.
قوله تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا }.
قال أحمد بن خضرويه لأبي يزيد رحمة الله عليه: بماذا أصل التوبة النصوح قال: بالله وبتوفيقه، ثم تاب عليهم ليتوبوا.
قال بعضهم: عطف عليهم ببوادى عطفه ونعمه وفضله فألفوا إحسانه ورجعوا إليه فكان هو الذى أخذهم إلى نفسه، لا هم بأنفسهم رجعوا إليه.
قال ابن عطاء: تعطف الرب على خلقه ولم يتعطف العبد إلى الله الطاعة.
التوبة 9:119
قال بعضهم: { مع الصادقين } مع المقيمين على منهاج الحق.
قال بعضهم: مع من ترضى حاله سرا وعلنا وظاهرا وباطنا.
قال بعضهم: { كونوا مع الصادقين } قال: هم الذين لم يخالفوا الميثاق الأول، فإنها صدق كلمة.
وقال أبو سليمان: الصحبة على الصدق والصفاء تنفى كل علة عن المصطحبين، إذا قاما وثبتا على منهاج الصدق لأن الله يقول: { اتقوا الله وكونوا مع الصادقين }.
التوبة 9:122
قوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة } [الآية: 122].
قال سهل: أفضل الرحل رحلة من الهوى إلى العقل، ومن الجهل إلى العلم، ومن الدنيا إلى الآخرة، ومن الاستطاعة إلى التبرى، ومن الحول والقوة والنفس إلى التقوى ومن الأرض إلى السماء، ومن الخلق إلى الله عز وجل.
وقال المرتعش: السياحة والأسفار على ضربين: سياحة لتعليم أحكام الدين وأساس الشريعة وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس، فمن رجع عن سياحة الأحكام قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه، ومن رجع من سياحة الأدب والرياضة، قام فى الخلق يؤدبهم بأخلاقه وشمائله وسياحة هى سياحة الحق وهى رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم، فهذا بركاته تعم العباد والبلاد، قال عز وجل: { فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة } الآية.
التوبة 9:123
قوله تعالى: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } [الآية: 123].
قال سهل: النفس كافرة فقاتلها بالمخالفة لهواها، واحملها على طاعة الله والمجاهدة فى سبيله وأكل الحلال وقول الصدق وما قد أمرت به من مخالفة الطبيعة.
التوبة 9:124
قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا } [الآية: 124].
قال ابن عطاء: الذين صدقوا حكم الربوبية وتمسكوا بعهد العبودية، زادتهم معرفة فى قلوبهم ونظرا أسقط عنهم النظر إلى ما سواه.
قال أبو بكر الوراق: زيادة الإيمان يصيرونه بمعاتبة القلب.
التوبة 9:126
قوله تعالى: { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } [الآية: 126].
سمعت أبا عثمان المغربى يقول: ليس الرجوع فى أيام الفتنة إلا إلى اللجأ والاستغاثة وطلب الأمان وقصد التوبة فمن رجع إلى غير هذه الأسباب لم يسلم من فتنة نفسه، وإن سلم من فتنة العوام، قال الله تعالى: { ثم لا يتوبون } الآية. أى: لا يرجعون إلى الله بقلوبهم والراجع إلى الله سالم من الفتن والآفات، { ولا هم يذكرون } أى: لا يشكرون نعمتى السالفة عندهم.
ويعلمون رفقى بهم بالفتنة إذ لم أجعلهم من المفتونين فى الفتنة.
التوبة 9:128
قوله تعالى: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم } [الآية: 128].
أخبرنا على بن الحسن البلخى قال: حدثنا عبد الله بن عجلان الزنجانى قال: حدثنا أبو عثمان أحمد بن غالب قال: حدثنا أبو عاصم عن بهز بن حكيم عن الحسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لقد جاءكم رسول من أنفسكم قال: على بن أبى طالب عليه السلام: ما معنى من أنفسكم قال: من أنفسكم نفسا ونسبا وحسبا وصهرا، ليس فى آبائك من لدن آدم سفاح كلنا نكاح ".
قال الخراز: أثبت لنفسك خطرا حين قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أنفسكم. قال الحسين: من أجلالكم نفسا وأعلاكم همة، جاء بالكونين عوضا عن الحق، وما طغى قلبه عن موافقته.
قال ابن عطاء: نفسه موافقة لا نفس الخلق، خلقه ومباينة لها حقيقة فإنها نفس مقدسة بأنوار النبوة، مريدة بمشاهدة الحقائق ثابتة فى المحل الأدنى والمقام الأعلى
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17].
قوله تعالى: { عزيز عليه ما عنتم }.
قال بعضهم قوله عزيز عليه قال: يشق عليه ركوبكم مراكب الخلاف.
قوله تعالى: { حريص عليكم بالمؤمنين } الآية.
قال ابن عباس: حريص على هدايتكم، لو كانت الهداية إليه مشفق على من اتبعه أن تأتيه نزغة من نزغات الشيطان الرجيم عليه، يستجلب برحمته له رحمة الله إياه.
وقال: حريص عليكم أن تبلغوا محل أهل المعرفة.
قال جعفر الصادق عليه السلام: علم الله عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك، لكى يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته وأقام بينه وبينهم مخلوقا من جنسهم فى الصورة، فقال { لقد جآءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه } الآية.
وألبسه من نعته الرأفة والرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا، وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال:
من يطع الرسول فقد أطاع الله
[النساء: 80].
يونس 10:1
قيل: الراء أنا الله أرى وقال أبو الحسين: فى القرآن علم بكل شىء، وعلم القرآن فى الأحرف التى فى أوائل السور.
وقيل فى قوله: { تلك آيات الكتاب الحكيم } أى فيه علامات قبول الحكماء لهذا الخطاب.
وقيل فى قوله: { تلك آيات الكتاب الحكيم } أى فيه وآيات الكتاب المحكم عليك بالفرائض والسنن والآداب والأخلاق والأحوال.
وقيل: { الكتاب الحكيم } العهد الناطق عليك بأحكام الظاهر والباطن.
وقال محمد بن على الترمذى: الألف واللام لطفه والراء رأفته.
يونس 10:2
قوله تعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ إلى رجل منهم أن أنذر الناس } [الآية: 2].
علم الله أن قوله { أن أنذر الناس } مما يذهل عقول الصالحين والمنتبهين فقال على أثره { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم }.
قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم }.
قال سهل: سابقة رحمته أودعها فى محمد صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سعيد الخراز: تفرق الطالبون عند قوله: من طلبنى وجدنى على سبل شتى: أولهم أهل الإشارات طلبوه على ما سبق من قوة الإشارة وهم أهل قدم صدق عند ربهم فبالقدم أشار إليهم، فهل أهل الطوالع والإشارات حظهم منه ذلك.
قال محمد بن على الترمذى فى قوله { أن لهم قدم صدق عند ربهم } قال: قدم صدق هو إمام الصادقين والصديقين وهو الشفيع المطاع والسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم.
يونس 10:3
قوله تعالى: { يدبر الأمر } [الآية: 3].
قال بعضهم: يختار للعبد ما هو خير له من اختياره لنفسه.
وقال أبو عثمان فى رسالته إلى شاه: قد دبر الله لك يا أخى كل تدبير، وأسقط قدم صدق السنة والمتابعة سوء تدبيرك، وارض بتدبير الله لك كى تنجو من هواجس النفس، لأن الله يقول:
يدبر الأمر يفصل الآيات
[الرعد: 2].
وقيل لسهل بن عبد الله حين حضرته الوفاة: فبماذا تلقن وأين تقبر ومن يصلى عليك. قال: أدبر أمرى حيا وميتا. وقد كفنت بسابق تدبير الله لى.
يونس 10:4
قوله تعالى: { إليه مرجعكم جميعا } [الآية: 4].
قال الجنيد رحمة الله عليه: فى هذه الأمة منه الابتداء وإليه الانتهاء، وما بين ذلك مراتع فضله وتواتر نعمه، فمن سبقت له فى الابتداء سعادة أظهرت عليه فى مراتعه وتقلبه فى نعمته بإظهار لسان الشكر وحال الرضا ومشاهدة المنعم، ومن لم تحركه سعادة الابتداء أبطل أيامه فى سياسة نفسه وجمع الحطام الفانى ليؤده إلى ما سبق له فى الابتداء من الشقاوة.
قال الله { إليه مرجعكم جميعا } والراجع بالحقيقة إليه هو الراجع مما سواه إليه، فيكون متحققا فى الرجوع إليه.
يونس 10:5
قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر نورا } [الآية: 5].
قال بعضهم: الشموس مختلفة فشمس المعرفة يظهر ضياؤها على الجوارح فيزينها بآداب الخدمة وأقمار الأنس تقدس الأسرار بنور الوحدانية والفردانية فيدخلها فى مقامات التوحيد والتفريد.
قال بعضهم: جعل الله شمس التوفيق طلبا لطاعات العباد وقمر التوحيد نور فى أسرارهم فهم يتقلبون فى ضياء التوفيق ونور التوحيد إلى المنازل الصديقية.
يونس 10:7
قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا } [الآية: 7].
قال: لا يخافون الموقف الأعظم
يوم تبلى السرآئر
[الطارق: 9].
وتظهر الخفايا { ورضوا بالحياة الدنيا } ركنوا إلى مذموم عيشهم { واطمأنوا بها } نسوا مفاجأة الموت { والذين هم عن آياتنا غافلون } تقليب القلوب وعقوبات الجوارح.
يونس 10:10
قوله تعالى: { وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين } [الآية: 10].
قال الشبلى: لو ألهموا حمد الحق فى أوائل الأنفاس لسقطت عنهم الدعاوى، ولكنهم لم يزالوا يركضون فى ميادين الجهل إلى أن فتح لهم طريق الحمد وأسقط عنهم الدعاوى، فرجعوا إلى رؤية المنة فكان آخر دعواهم أن قالوا: الحمد لله رب العالمين.
ففوضوا الكل إليه ورجعوا بالكلية إليه، فأنطقهم بما أنطقهم به من النطق المحمود.
يونس 10:12
قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما } [الآية: 12].
قال أبو حفص: الدعاء باب الله الأعظم وهو سلاح المؤمن عند النوائب.
وقال: الدعاء الذى فيه الإجابة هو أن لا ترى حيلة بعقل ولا بعلم.
وقال سهل: الدعاء هو التبرى مما سوى الله.
وقال أبو حفص: يرجع العبد إلى ربه بالحقيقة عند الفاقات ونزول المصائب والمحن، ولو رجع إليه فى أيام الرفاهية لأكرم فى وقت نزول المصائب بالرضاء، ولكنه لما لم يكن له فى أوقات الرفاهية رجوع إليه رده فى حال المصائب والضروريات إلى الدعاء واللجأ وهذا أيضا مقام جليل، فتح باب الدعاء على العبد عند نزول البلاء، والمحروم من يرجع فيما يترك به من المصائب والضروريات إلى العبيد، ويقطع قلبه عن ربه، فمصيبته فى إعراضه عن ربه أكثر من مصيبته بنزول البلاء عليه.
قال بعضهم: الخلق مجبورون تحت قسيمته، مقهورون فى خلقته ألا ترى إذا ضاقت القلوب واشتدت عليهم الأمور كيف يرجعون إلى الملك الغفور.
ودعاء أهل الحقائق فيما بلغنى عن بعضهم أنه كان يقول: يا من حجبنى بالدعاء احجبنى عن موضع رؤية الدعاء.
وسمعت جدى يقول: الدعاء على العبادة خيانة، وعلى حد اليقين نجاة وعبادة، كما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" الدعاء هو العبادة "
ولكن للدعاء أوقات وآداب وشروط: فمن يطالب نفسه بأوقات الدعاء وأدبه وشروطه كان محروما فيه، وآداب الدعاء وشرائطه ما روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة "
واعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب غافل لاه.
يونس 10:13
قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا } [الآية: 13].
قال ابن عطاء: لما اعتمدوا سوانا.
قال جعفر: لما قابلوا نعمتنا بالكفران.
وقال أبو عثمان: { لما ظلموا } لما لم يعرفوا حقوق أكابرهم، ولم يتأدبوا بآدابهم.
وقال بعضهم: لما خالفوا الشعراء والوسائط.
وقال محمد بن على الترمذى: { لما ظلموا } لما ضيعوا السنن.
وقال بعضهم: لما تكبروا وتجبروا ولم يخضعوا لقبول الحق.
وقال أبو بكر الوراق: الظلم هو اتباع الهوى وركوب الشهوات والركض فى ميادين اللهو واللعب وهذه تؤدى إلى الهلاك.
قال الله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا }.
قال بعضهم: لما لم يقابلوا نعمتنا بالشكر.
يونس 10:14
قوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم } [الآية: 14].
قال بعضهم: لم تزل الأنبياء لهم خلفا والأولياء لهم خلفا أبدلهم الله كأنهم ليرى الباقون سنتهم ويتمسكوا بطريقتهم.
قال الله: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم }.
قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله }.
قال: إذا صح الإيمان لا يصح إلا أن يأذن الله له بذلك فى أزله، وجريه القضاء السابق له بالإيمان فيما يبدو عليه فى الوقت، وهو الذى سبق به القضاء فى الأزل.
يونس 10:22
قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر } [الآية: 22].
قال ابن عطاء: سير الأولياء بقلوبهم وسير الأعداء بنفوسهم.
ومعنى البر: اللسان، ومعنى البحر القلب.
وقيل: ليسيركم فى برارى الشوق وبحار القربة، حتى إذا كنتم فى الفلك يعنى: فى القبضة والأسر وهبت رياح الكرم على المريدين الذين هم فى الطريق، وفرحوا بما تلحقهم من العناية والرعاية جاءتها ريح عاصف أتت عليهم من موارد القدرة ما أفناهم عن صفاتهم وحيرهم فى طريقهم، وجاءتهم أمواج القهر وقهرهم عما بهم وظنوا أنهم أحيط بهم توهموا أنهم من الهلكى فى الأمواج، وهم المطهرون الأخيار، دعوا الله مخلصين له الدين تركوا ما لهم وبهم وعليهم من الاختيار والتدبير ورجعوا إلى حد التفويض والتسليم فنجوا.
وقال بعضهم: سير العباد والزهاد بالأنفس فى البر وهو الدرجات والمنازل، وسير العارفين بالقلوب فى البحار وفيها الأمواج والأخطار، ولكن سير شهر فى يوم.
قال بعضهم: { هو الذي يسيركم في البر } هو الصفات، وفى البحر هو الاستغراق فى الذات.
قال بعضهم: يسيركم فى البر الاستدلالات بالوسائط، والبحر غلبات الحق بلا واسطة.
قوله تعالى: { دعوا الله مخلصين له الدين }.
قال النورى: المخلص فى دعائه من لا يصحبه من نفسه شىء سوى رؤية من يدعوه.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: الإخلاص ما أريد الله به أى عمل كان.
وقال رويم: الإخلاص ارتفاع رؤيتك من الفعل.
قال ابن عطاء: الإخلاص ما خلص من الآفات.
قال حارث: الإخلاص إخراج الخلق من معاملة الله.
قال ذو النون: الإخلاص ما حفظ من العدوان يفسده.
وسألت أبا عثمان المغربى عن الإخلاص فقال: الإخلاص ما لا يكون للنفس فيه حظ بحال، وهذا إخلاص العوام وإخلاص الخواص ما يجرى عليهم لا بهم، فتبدو الطاعات وهم عنها بمعزل، ولا يقع لهم عليها رؤية ولا بها اعتداء، فذلك إخلاص الخواص.
قال أبو يعقوب السوسى: الخالص من الأعمال ما لم يعلم به ملك فيكتبه ولا عدو فيفسده ولا تعجب به النفس.
يونس 10:23
قوله تعالى: { يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم } [الآية: 23].
قال الواسطى رحمة الله عليه: البغى يحدث من ملاحظات النفس ورؤية ما خدع به، كما قيل لذى النون رحمة الله عليه ما أخفى ما يخدع به العبد؟
قال: الألطاف والكرامات ورؤية الآيات.
يونس 10:25
قال أبو سعيد القرشى فى هذه الآية: خرجت هداية المريدين من الاجتهاد فى قوله:
والذين جاهدوا فينا
[العنكبوت: 69].
وخرجت هداية المراد من المشيئة وهو قوله { يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم } وهو الفرق بين المريد والمراد.
قال القاسم: الدعوة عامة والهداية خاصة، بل الهداية عامة والصحبة خاصة، بل الصحبة عامة والاتصال خاص.
قال ابن عطاء: عم خلقه بالدعوة واختص من شاء منهم بالرحمة فمن اختصه قبل خلقه، فهو المحمود فى سعايته، ومن خذله قبل كون خلقه، فهو المذموم لا عذر، فمن قصد بنفسه صرف عن حظه، ومن قصده به فهو المحجوب عن نفسه.
قال بعضهم: لا تنفع الدعوة لمن لم تسق له من الله الهداية.
قال جعفر: الدعوة عامة والهداية خاصة.
وقال أيضا: ما طابت الجنة إلا بالسلم، وإنما اختارك بهذه الخصائص لكى لا تختار عليه أحدا.
وقال أيضا: عملت الدعوة فى السرائر فتحللت بها وركبت إليها.
وقال بعضهم: يدعو إلى دار السلام بالآيات، ويهدى من يشاء للحقائق والمعارف.
قال بعضهم: الدعوة لله والهداية من الله.
يونس 10:26
قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة } [الآية: 26].
قال الواسطى رحمة الله عليه: معاملة الله على المشاهدة الحسنى الالتذاذ فى المعاملة، والزيادة هى النظر إلى الله.
قوله تعالى: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة }.
قال بعضهم: كيف تذل الوجوه وقد تلقاها الحق منه بالحسنى والإحسان، وكيف تدل شواهد من هو مشاهد للحق على الدوام بل هو على زيادة الأوقات، يزيد نورا وضياء وعزا وسناء.
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }.
قال ابن عطاء: تظهر عليهم بركات إقرارهم عند إيجاد الذر بقولهم: بلى، فمن بركتها لزوم الطاعات والفرائض واتباع السنن وتحقيق الإيمان وتصحيح الأعمال.
قوله تعالى: { دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام }.
قال ذو النون: مقام المتحققين من العارفين التنزيه والتبرى من جميع ما لهم من أنواع الأفعال والأقوال والأحوال وغير ذلك والرجوع إلى الحق على حد التنزيه له، أن يقصده أحد بسببه، أو يتوصل إليه بطاعته، أو يعمل كل لإظهار سعادة الأزل على السعداء وسمات الشقاوة على الأشقياء.
يونس 10:30
قوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت } [الآية: 30].
قال: يطالب كل مدع بحقيقة ما ادعاه.
يونس 10:31
قوله تعالى: { ومن يدبر الأمر } [الآية: 31].
قيل: أى تقلب الأكوان.
قال الواسطى رحمة الله عليه: من يبدئ أمره ويعيده، ويبديه فى أوقاته السائرة، فإذا قال: من يدبر الأمر أزال الأملاك، فكيف يجوز لقائل أن يقول: فعلى وعملى.
يونس 10:32
قوله تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال } [الآية: 32].
قال الحسين: الحق هو المقصود إليه بالعبادات والمصحوب إليه بالطاعات، لا يشهد بغيره ولا يدرك بسواه.
قال الواسطى: { فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال } قال: لا يجوز للموحد أن يشهد بشاهد التوحيد، لأنه وصف الأشياء بالضلال، فلم يتهيأ لضال أن يقف، ولا لعاجز أن يصف.
قال الحسين: الحق هو الذى لا يستقبح قبيحا ولا يستحسن حسنا، كيف يعود عليه ما منه بدا، أو يؤثر عليه ما هو أنشأ، وقيل فى قوله: { فأنى تصرفون } من الحق إلى سواه.
يونس 10:34
قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يبدأ الخلق ثم يعيده } [الآية: 34].
قال ابن عطاء: يبدأ بإظهار القدرة فيوجد المعدوم، ثم يعيدها بإظهار الهيئة فيفقد الموجود.
وقيل: يبدأ بكشف الأولياء فيمحو منها كل خاطر سواه، ثم يعيد فيبقى بإبقائه، فلذلك عظم حال العارف ودليله.
يونس 10:35
قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى } [الآية: 35].
سئل الحسين من هذا الحق الذى يشيرون إليه فقال: هو معل الأيام ولا يعتل.
سئل الواسطى رحمة الله عليه ما حقيقة الحق؟ قال: حقيقته لا يقف عليها إلا الحق.
وأنشد الحسين بن منصور:
حقيقة الحق مستنير
صارخة من بنا خبير
حقائق الحق قد تجلت
مبلغ من رامها عسير
قال بعضهم: الحق لا يجرى به قول، ولا يثبت له وصف ولا يذكر له حد.
يونس 10:36
قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا } [الآية: 36].
قال الجنيد رحمة الله عليه: مر على يدى أرباب التوحيد حتى أبو يزيد، ما خرجوا من الدنيا إلا على التوهم.
قال الواسطى رحمة الله عليه: { إلا ظنا } أنهم قد وصلوا وهم فى محل الانفصال، إذ لا وصل ولا فصل على الحقيقة، الذات ممتنعة عن الاتصال كما هي ممتنعة عن الانفصال.
سئل أبو خفص عن حقيقة التوكل فقال: كيف يجوز لنا أن نتكلم فى حقائق الأحوال، والله يقول: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا }.
سئل أبو عثمان ما الظن؟ قال: هواجس النفس فى طلب مرادها.
يونس 10:39
قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه } [الآية: 39].
قال بعضهم: كذبوا أولياء الله فى براهينهم، لما حرموا ما خص القوم به، والمحروم من حرم حظه من قبولهم وتصديقهم والإيمان بما يظهر عليهم من أنواع الكرامات.
قال أبو تراب النخشبى: إذا بعدت القلوب عن الله مقتت القائمين بحقوق الله.
وقال على بن أبى طالب عليه السلام: الناس أعداء ما جهلوا.
يونس 10:42
قال الحسين: من استمع إليك بآية فإنك لا تسمعه، إنما تسمع من أسمعناه فى الأزل فيسمع منك، وإما لم تسمعه فما للأصم والسماع وإن سمع ولم يعقل فكأنه لم يسمع قال الله تعالى:
إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا
[النمل: 81]. إلا من أجرينا عليه حكم السعادة فى الأزل.
قال بعضهم: من حكم المتحقق أن يكون أصم أعمى يعنى: أصم عمن يعبر عنه، أعمى عما يشار إليه.
وقال بعضهم: إذا لم تسمع نداء الله فكيف تجيب داعى الله.
يونس 10:43
قال الواسطى رحمة الله عليه: ليس من ينظر إليك بنفسه يراك إنما يراك من ينظر إليك بنا، فأما من ينظر بنفسه أو به، فإنه لا يراك إلا من يعمر أوقاته فى رؤيتك ويستغرق هو فيما قال الله:
وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون
[الأعراف: 198].
وقال النبى صلى الله عليه وسلم
" طوبى لمن رآنى ومن رأى من رآنى ".
يونس 10:44
قوله تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا } [الآية: 44].
قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: لا يتجلى لهم بحقه فإن ذلك ظلم، لأن الحق لا يحتملونه بل فيه ذهابهم، ويستحيل أن يكون لهم من القوة ما يطيعون الحق بحقه، إذ فى ذلك مساواة ومقارنة.
يونس 10:49
قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا } [الآية: 49].
قال بعضهم: نفى من السيد الأخص أن يكون له من نفسه شىء أو يعتمد لها حالا، بل أظهر أن الكل لمن له الكل، ومن لا يملك الأصل كيف يملك فروعه ومن لم يملك نفسه كيف يملك ضرها ونفعها، ومن صحت له هذه الحالة فقد سلم من مدح الخلق فإنه هو الضار النافع.
يونس 10:53
قوله تعالى: { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق } [الآية: 53].
قال بعضهم: أنوار الحق مشرقة وآياته ظاهرة، لا يشك فيها إلا معاند، ولا يعمى عنها إلا ضال والمتحققون بحقائق الحق هم السالكون مسالك أنوار الحق فى مقاصدهم ومواردهم ومصادرهم، والراجعون منها إلى الأعيان هم الضالون عن سنن الحق، قال الله { ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق }.
يونس 10:55
قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق } [الآية: 55].
قال بعضهم: المغبون من يرجع إلى غير ربه فى سؤاله ومهماته وطلباته، وله من فى السماوات والأرض فالكل له فمن طلب بعض الكل من غيره فقد أخطأ الطريق.
وقيل فى قوله: { ألا إن وعد الله حق } أن يجزم سائلا غيره ويبعد عليه وجه طلبته ولا يجيب سائله ويبلغه أقصى أمنيته.
يونس 10:56
قيل: يحيى بفضله ويميت بعدله وإليه رجوع كلتا الطائفتين.
وقال بعضهم: هو يحيى القلوب بإماتة النفوس، ويميت النفوس بحياة القلب، وهذا لمن كان رجوعه إليه فى جميع أحواله.
وقيل: يحيى السرائر بأنوار العزة، ويميت النفوس بنزع الشهوات عنها.
قال بعضهم: يحيى من نشأ بالإقبال عليه، ويميت من نشأ بالإعراض عنه.
قال النصرآباذى: يحيى الأرواح فى المشاهدة والتجلى، و يميت الهياكل فى الاستتار.
وقال بعضهم: يحيى القلوب بالتقليب ويميت النفوس بالتنقيل.
يونس 10:57
قوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة من ربكم وشفآء لما في الصدور } [الآية: 57].
قال ابن عطاء: الموعظة للنفوس والشفاء للقلوب، والهدى للأسرار والرحمة لمن هذه صفته.
قال جعفر: شفاء لما فى الصدور أى: راحة لما فى السرائر.
قال بعضهم: الشفاء المعرفة والصفاء.
قال بعضهم الشفاء التسليم والرضا.
ولبعضهم: شفاء التوبة والوفاء وقال: الشفاء المشاهدة واللقاء.
يونس 10:58
قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا } [الآية: 58].
قال بعضهم: فضل الله إيصال إحسانه إليك ورحمته ما سيق لك منه ولم تك شيئا من الهداية، { فبذلك فليفرحوا } أى: فاعتمدوا وهو خير مما تجمعون من أذكاركم وأفعالكم وأقوالكم، فإنها نتائج تلك المقدمة، وبها يتم جميع الأحوال.
قال الواسطى: أيسهم أن يكون لهم شىء من عند قوله قل بفضل الله.
قال القاسم: هو الفضل الذى جاز به علىأهل طاعته، لا الفضل الذى استدرج به أهل معصيته.
قال جعفر فى هذه الآية: إنه انتباه من غفلة، أو انقطاع عن زلة، والمباينة من دواعى الشهوة.
قال أيضا: فضل الله معرفته ورحمته توفيقه.
قال بعضهم: الثواب أعواض والفضل كرم، قال { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون }. مما يؤملون من الثواب على الأفعال.
يونس 10:61
قوله تعالى: { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا } [الآية: 61].
قال شقيق: على العبد أن يلزم نفسه دوام نظر الله إليه وقربه منه وقدرته عليه، لأن الله عز وجل يقول: { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا } إذ تفيضون فيه.
قال بعضهم: من شهد شهود الحق إياه، قطعه ذلك عن مشاهدة الأعيان أجمع.
قال النصرآباذى: شتان بين من عمل على رؤية الثواب وبين من عمل لاتباع الأمر، وبين من عمل على سبيل المشاهدة.
قال الله عز وجل: { ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا }.
يونس 10:62
قال بعضهم: عرض الأولياء بإزالة الخوف والحزن عنهم ولم يبلغهم إلى مقام أهل الاصطفاء والاختيار، لأن ذلك أقدارهم حتى يجئ قدر الذى لا يوصف بوصف فيظهر عليهم من الكرامات ما يزيل بها الخوف والحزن على أهل الأكوان ببركاتهم.
قال الواسطى رحمة الله عليه: حظوظ الأولياء مع تباينها من أربعة أسماء، وقيام كل فريق باسم منها: هو الأول والآخر والظاهر والباطن فمن فنى عنها بعد ملابستها فهو الكامل التام، فمن كان حظه من اسمه الظاهر لاحظ عجائب قدرته، ومن كان حظه من اسمه الباطن لاحظ ما جرى فى السرائر من أنواره ومن كان حظه من اسمه الآخر كان شغله ما سبق، ومن لاحظ اسمه الآخر كان مرتبطا بما يستقبله، وكل كوشف على قدر طبعه وطاقته إلا من تولاه الحق ببره وقام عنه بنفسه.
وقال يحيى بن معاذ: الولى الذى لا يرائى ولا ينافق، وما أقل صديق من كان هذا خلقه.
قال بعضهم: قلوب أهل الولاية مصانة عن كل معنى لأنها موارد الحق.
قال الواسطى رحمة الله عليه: علامة الولى أربعة: الأولى يحفظ سرائره التى بينه وبين ربه مما يرد على قلبه من المصائب فلا يشكو.
والثانية: أن يصون كرامته فلا يتخذها رياء ولا سمعة ولا يعقل عنها هوانا.
والثالثة: أن يحتمل أذى خلقه فلا يكافؤهم.
والرابعة: أن يدارى عباده على تفاوت أخلاقهم، لأنه رأى الخلق لله وفى أسر القدرة فعاشرهم على رؤية ما منه إليهم.
وسئل بعضهم ما علامة الأولياء؟
قال: همومهم مع الله وشغلهم بالله وفرارهم إلى الله.
قال بعضهم: حال الأولياء فى الدنيا أشرف منها فى الآخرة لأنه جذب سرهم إلى سره وغيبهم عن كل ما سواه، وهم فى الآخرة كما قال:
في شغل فاكهون
[يس: 55].
قال سهل: الولى هو الذى توالت أفعاله على الموافقة.
سمعت أبا الحسن الفارسى يقول: سمعت محمد بن معاذ النهرجورى يقول: صفة الأولياء أن يكون الفقر كرامتهم وطاعة الله جلاوتهم، وحب الله حيلتهم، وإلى الله حاجتهم والله حافظهم، ومع الله تجارتهم وبه افتخارهم وعليه توكلهم وبه أنسهم، والجوع طعامهم والزهد ثمارهم، وحسن الخلق لباسهم، وطلاقة الوجه حليتهم وسخاوة النفس حرمتهم، وحسن المعاشرة صحبتهم، والشكر زينتهم، والذكر همتهم والرضا راحتهم، والخوف سجيتهم، والليل فكرتهم، والنهار غيرتهم، أولئك أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
قال أبو سعيد الخراز: الأولياء فى الدنيا يطيرون بقلوبهم فى الملكوت، يرتادون ألوان الفوائد والحكمة، ويشربون من عين المعرفة، فهم يفرون من فضول الدنيا، ويأنسون بالمولى ويستوحشون من نفوسهم إلى وقت موافاة رسول الرحيل.
وقال أيضا: نفوس الأولياء تذوب كما يذوب الملح فى الماء، للحفظ على أمور المولى فى مواقيتها وأداء الأمانة فى كل ساعة.
وقال أيضا: إن نفوس الأولياء حملت قلوبهم، وقلوب الأعداء حملت نفوسهم، لأن نفوس الأولياء تحمل الأعباء فى دار الدنيا؛ طمعا فى فراغ قلوبهم، وقلوب الأعداء تحمل أثقال نفوسهم من الشرك طمعا فى راحة نفوسهم.
وقال بعضهم: الولى من يصبر على البلاء ويرضى بالقضاء ويشكر على النعماء.
وقال أبو يزيد: أولياء الله هم عرائس الله، ولا يرى العرائس إلا من يكون محرما لهم، وهم مخدرون عند الله فى مجال الأنس لا يراهم أحد.
قال بعضهم: إن حال الأولياء فى الدنيا أرفع من حالهم فى الآخرة، لأن الله جذب بينهم فى الدنيا وقطعهم عن الكون وفى الآخرة يشغلهم بنعيم الجنة.
قال أبو على الجوزجانى: الولى هو الفانى فى حاله، الباقى فى مشاهدة الحق وذاته، تولى الله أسبابه فتوالت عليه أنوار التولى، لم يكن له عن نفسه أخبار ولا مع أحد غير الله قرار.
وسئل أبو حفص عن الولى، فقال: الولى من أيد بالكرامات وغيب عنها.
يونس 10:64
قوله تعالى: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة } [الآية: 64].
قال أبو سعيد الخراز فى هذه الآية قال: هم به وله، موقوفون بين يديه، غير أن الحق ممتع لهم بماله، أراهم من عظم الفوائد وجزيل الزخائر، ومما لا يقع لهم به علم، ولا علم عليه قبل حين وروده حتى يكون الحق مطالعا على ما تريد من ذلك على حسب ما قسمه لهم، فهم فى ذلك على الأحوال شتى، فذلك قوله { لهم البشرى في الحياة الدنيا }.
قال بعضهم: البشرى فى الدنيا هو ما وعد من رؤيته، والبشرى فى الأخرة تصديق ذلك الوعد.
يونس 10:67
قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا } [الآية: 67].
قال جعل سكون الليل إلى الخلوة والمناجاة، والنهار مبصرا ليبصروا فيه عجائب القدرة والاعتبار بالكون.
قوله
وأمرت أن أكون من المسلمين
[النمل: 91].
قال بعضهم: من يسلم سرى من قلبى، وقلبى من نفسى، ونفسى من لسانى، ولسانى من الكذب والغيبة والبهتان.
وقال بعضهم: المسلم المنقاد لأوامر الحق عليه طوعا قوله: { ويحق }.
يونس 10:82
قوله تعالى: { ويحق الله الحق بكلماته } [الآية: 82].
قال الحسين: حقق الحق بكلماته، بإظهار ما أوجد تحت الكن.
قال بعضهم: الحق على ثلاثة أوجه: حق حق وهو قوله { ويحق الله الحق بكلماته } أى: كون الكون بكلماته وحق أحقه حق، وهى صفات لأنها قائمة بالموصوف، والموصوف قائم بالصفات، والحق المطلق هو الله - جل اسمه - قال تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق }.
يونس 10:84
قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا } [الآية: 84].
سئل إبراهيم الخواص عن قوله: { فعليه توكلوا } قال تنالوا السبب من الله بلا واسطة.
يونس 10:89
قوله تعالى: { أجيبت دعوتكما فاستقيما } [الآية: 89].
قال ذو النون: الاستقامة فى الدعاء لا تغضب لتأخير الإجابة، ولا تسكن إلى تعجيل الإجابة، ولا تسل سواك الخصومة.
قال بعضهم: الاستقامة فى الدعاء هو رؤية الإجابة مكرا واستدراجا، ورؤية تأخير الإجابة طردا وبعدا.
وقيل: أجيبت دعوتكما فاستقيما على دعائكما إلى أن يظهر لكما الإجابة.
وقيل: أجيبت دعوتكما فاستقيما على منهاج الصدق.
يونس 10:94
قوله تعالى: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك } [الآية: 94].
قال ابن عطاء: مما فضلناك به وشرفناك، فسل الذين يقرءون الكتاب من قبلك وهم الأعداء، كيف وجدوا وصفك فى كتبهم وكيف رأوا فيها نشر فضائلك، يدل عليه قوله حين أنزلت عليه هذه الآية: " لا أشك لا أشك ".
يونس 10:96
قال الواسطى: من لم يلحقه نور الأزل؛ لا يتبين عليه صفات الوقت، فإن صفات الوقت نتائج أنوار الأزل قال الله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية }.
يونس 10:97
قال الواسطى: من لم يلحقه نور الأزل؛ لا يتبين عليه صفات الوقت، فإن صفات الوقت نتائج أنوار الأزل قال الله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون * ولو جآءتهم كل آية }.
يونس 10:99
قوله تعالى: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا } [الآية: 99].
قال الواسطى: رفع المدح والذم فلا معذور ولا غير معذور ولا شقاء ولا سعادة، إنما هى إرادة أمضاها ومشيئة أنفذها وقبس آمنوا بإذن الله المتولى لإظهار الكونين، لا شريك له فلا يستغفرون ولا يفتخرون.
يونس 10:100
قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله } [الآية: 100].
قال بعضهم: إذا صح له الإيمان، لا يصح إلا أن يأذن الله له بذلك فى إزالة وحرية القضاء السابق له بالإيمان على أحد إلا سعادة سابقة فى الأزل ونور متقدم.
يونس 10:101
قوله تعالى: { وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون } [الآية: 101].
قال بعضهم: لا تصل العقول الخالية عن التوفيق إلى سبيل النجاة، وما يغنى ضياء العقل مع ظلمة الخذلان إنما تنفع أنوار العقل من كان مؤيدا بأنوار التوفيق وعناية الأزل، وإلا فإنه متخبط فى هلاكه بعقله.
يونس 10:103
قال بعضهم: ننجى رسلنا من مراد النفس وغفلة الوقت وغلبة الشهوة وشتات السر، والذين آمنوا بالرسل نجزيهم على مناهج الرسل، وكذلك حقا علينا نجاة من صدق فى عبوديته.
يونس 10:105
قال ابن عطاء فى هذه الآية: صحح معرفتك ولا تكونن من الناظرين إلى شىء سوى الله، فيمقتك الله، وإقامة الملة الحنيفية هذا هو تصحيح المعرفة.
قال الواسطى رحمة الله عليه فى قوله: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا } قال: لا تعتمد صلاة ولا طاعة؛ فتعمى عن سبيل الفضل والرحمة، أيتوهم البائس إنما صلاته مواصلة وإنما هى فى الحقيقة مفاصلة وأنى ذلك، ولا فصل ولا وصل إنما هذه الكلمات عبارات إن تركتها كفرت، وإن قصدتها بشاهدك أشركت، لأن صحة القصود تكوين المقصود وليس الشأن فى القصود، إنما الشأن فى المقصود لذلك خاطب نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا }.
يونس 10:106
قال شقيق: الظالم من طلب نفعه ممن لا يملك نفع نفسه واستدفع الضر بمن لا يملك الدفاع عن نفسه، ومن عجز عن إقامة نفسه كيف تقيم غيره.
قال الله تعالى: { فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين }.
يونس 10:107
قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا رآد لفضله } [الآية: 107].
قال ابن عطاء رحمة الله عليه: قطع الحق على عباده طريق الرغبة والرهبة إلا إليه بإعلامهم أنه الضار النافع.
قال جعفر: جعل الله مس الضر منوطا بصفتك وإرادة الخير لك منوطة بصفته، ليكون رجاؤك أغلب من خوفك.
قال أبو عثمان: أنت بين رجائك من ضر ونفع، وفى الحالتين جميعا الرجوع إلى سواه سوء تدبير وقلة يقين.
قال بعضهم: الكاشف للضر على الحقيقة هو القادر على ابتلائك به، والمتفضل بالأفضال من ناب عنك فى الغيب بحسن التولية لك فى الأزل.
يونس 10:108
قوله تعالى ذكره: { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } [الآية: 108].
قال الواسطى رحمة الله عليه: لو وقع التفاضل بالنعوت والصفات كان الذات معلولا ما أظهر، فإنما أظهره لك أن أجرى الإحسان عليكم فلكم بقوله
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم
[الإسراء: 7]، وإن أجر الاهتداء فلكم بقوله: { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } وإن أجر الشكر عليكم فلكم بقوله
ومن شكر فإنما يشكر لنفسه
[النمل: 40].
يونس 10:109
قوله عز وجل: { واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله } [الآية: 109].
قال سهل: أجرى الله فى الخلق أحكاما وأيدهم على اتباعها بقدرته وفضله، ودلهم على رشدهم بقوله: { واتبع ما يوحى إليك واصبر } والصبر على الاتباع وترك تدبير النفس فيه النجاة عاجلا من رعونات النفس وأجلا من حياة المخالفة.
وقال أبو عثمان: أصل الدين الاتباع ثم الصبر عليه من غير أن يكون ذلك فيه من عندك شىء، بل الرجوع عن جميع مالك باتباع ما ألزمته.
هود 11:1
قوله تعالى: { أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [الآية: 1].
حكيم فيما أنزل. خبير بمن أقبل على أمره أو أعرض عنه.
قال بعضهم: أحكمت آياته فى قلوب العارفين، وفصلت أحكامه على أبدان العالمين.
قال فارس: أحكمت آياته للورعين، وفصلت أحكامه للمتقين.
وقيل: أحكمت آياته بالكرامات وفصلت بالبينات.
وقيل: أحكمت آياته بالفضل، وفصلت آياته بالعدل.
وقال الحسن: أحكمت بالأمر والنهى، وفصلت بالوعد والوعيد. حكيم فيما أنزل. خبير بمن يقوم بأمره، أو يعرض عنه.
هود 11:3
قوله تعالى: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه } [الآية: 3].
قال أبو بكر الحواشى: التوبة التى تتولد من الاستغفار أن ترفع ثوب النجس والغش والدنس.
سئل سهل بن عبد الله عن الاستغفار. فقال: هو الإنابة ثم الإجابة، ثم التوبة ثم الاستغفار بالظاهر والإنابة بالقلب والتوبة مداومة الاستغفار من تقصيره فيها.
قال بعضهم: الاستغفار من غير إقلاع توبة الكذابين.
وقال بعضهم: استغفروا ربكم من الدعاوى وتوبوا إليه من الخطرات المذمومة.
وقال يوسف: استغفار العامة من الذنوب واستغفار الخاصة من رؤية الأفعال ومن رؤية المنة والفضل، واستغفار الأكابر من رؤية كل شىء سوى الحق.
قوله تعالى: { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل } [الآية: 3].
قال الواسطى رحمة الله عليه: طيب النفس وسعة الرزق والرضاء بالمقدور.
قال سهل: هو نزل الخلق والإقبال على الحق.
قال أبو الحسين الوراق فى قوله: يمتعكم متاعا حسنا قال يرزقكم صحبة الفقراء الصادقين.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: لا شىء أحسن على العبد من ملازمة الحقيقة وحفظ السر مع الله وهو تفسير قوله يمتعكم متاعا حسنا.
قال الحسين يمتعكم متاعا حسنا: الرضاء بالميسور والصبر على كربة المقدور.
قال محمد بن الفضل: هو طيب النفس وسعة الصدر وتمام الرزق والرضاء.
قوله تعالى: { ويؤت كل ذي فضل فضله }.
قال الواسطى رحمة الله عليه: ذو الفضل من رزق بعد الاستغفار والتوبة حسن الإنابة والإخبات مع دوام الخشوع.
قال النصرآباذى: رؤية الفضل تقطع عن المتفضل كما أن رؤية المنة تحجب عن المنان.
قال بعضهم فى قوله: { ويؤت كل ذي فضل فضله } يوصل كل مستحق إلى ما يستحقه من مجالس القربة وسمو المنزلة.
قال الجوزجانى: من قدر عليه الفضل فى السبق يوصله إلى ذلك عند إيجاده.
سئل أبو عثمان عن قوله: { ويؤت كل ذي فضل فضله } قال: يحقق آمال من أحسن ظنه به.
هود 11:5
قوله تعالى: { يعلم ما يسرون وما يعلنون } [الآية: 5].
قال فارس: يعلم ما تسرون من أحوالكم وما تظهرون من أفعالكم وهو عالم بكم قبل أن خلقكم وأبدأكم.
قال فارس: الحركات على الجوارح والمشاهدة على الأسرار.
وقال بعضهم: يعلم ما يسرون من الإخلاص وما يظهرون من العتاب.
هود 11:6
قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها } [الآية: 6].
قيل: قرأ يوسف بن الحسين هذه الآية ثم قال: ندب الله عباده جميعا إلى التوكل والاعتماد عليه فأبوا بأجمعهم إلا الاعتماد على عوارى ما ملكوا إلا الفقراء المهاجرين ثم جرت تلك البركة فى الفقراء الصادقين إلى من ترسم بهم من المتصوفة فأبى الخلق إلا الاعتماد على الأسباب وأبت هذه الطائفة أن تعتمد على غير المسبب وهو من أشد المناهج.
قال بعضهم: المغبون من لم يثق بالله فى رزقه بعد أن ضمنه له.
وقال بعضهم كفاك ما تحتاج إليه ولم يجعل للخلق فيه سبيلا لتكون له بالكلية.
وقيل: يعلم مستقرها من رحم الأمهات ومستودعها من الدنيا.
وقيل: يعلم مستقرها من الدنيا ومستودعها فى دار الخلود.
وقيل: يعلم مستقرها ظاهر إسلامه ومستودعها باطن إيمانه.
وقيل: يعلم مستقرها من الخلق ومستودعها من الحق.
وقيل: مستقرها فى الطاعات ومستودعها فى الأحوال.
وبلغنى أن رجلا قال لأبي عثمان الحيرى: من أين تأكل؟ فقال: إن كنت مؤمنا فأنت مستغن عن هذا السؤال وإن كنت جاحدا فلا خطاب معك ثم تلا: { وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها }.
هود 11:9
قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه } [الآية: 9].
قال أبو سعيد الخراز: من أذيق حلاوة الذكر وصفاء السر ثم نزع منه ذلك فلم تظهر عليه الاهتمام به، والذبول لفقده ولا يرى من سره مطالبة لما نزع منه من سنى المقامات والأحوال فليحكم لقلبه بالموت ولسره بالعمى عن طريق الهدى كذلك قال الله { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة } وهو محل القربة ثم نزعناها منه وهو حجاب النعمة.
هود 11:10
لو رددنا عليه ما قبضناه منه ليقولن ذهب السيئات عنى أمنا من مكرى وطمأنينة إلى الدنيا إنه لفرح بغير مفروح به فخور بما لا يفتخر به.
هود 11:15
قال أبو بكر الوراق: حياة الدنيا هى ارتكاب الأمانى واتباع الشهوات والجولان فى ميادين الآمال والغفلة عن بغتة الآجال وجمع ما فيها من الأموال من وجوه الحلال والحرام، وزينة الدنيا هى ما أظهر الله فيها من الأموال ومن وجوه أنواع العلائق التى أخبر الله عنها بقوله:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة
[آل عمران: 14].
قال بعضهم: إرادة الحياة هى كراهية الموت، وكل مريب خائف.
قال أبو حفص فى قوله { من كان يريد الحياة الدنيا } قال: حياة الدنيا هى صحبة أهل الدنيا والميل إليهم والأنس بهم. ومن أحب الدنيا فقد أحب ما أبغض الله، ومن صحب أهلها فقد مال إليهم، ومن مال إليهم فقد مال عن طريق الحق، فإن الحق مبائن للدنيا وأهلها لأنها لهو ولعب. الآية كما أخبر الله عنها فقال:
اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو
[الحديد: 20].
هود 11:17
قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه } [الآية: 17].
سمعت أبا عثمان المغربى يقول: سمعت ابن الكاتب يقول: جاء رجل إلى الجنيد رحمة الله عليه فقال: أسألك عن شىء فى ضميرى، فقال: سل. فقال: قد سألت، فقال الجنيد: قد سألت عن كذا وكذا والجواب فيه كذا وكذا. فقال الرجل: لا. قال: بلى ولكنك قلبت السؤال إلى كذا وكذا، والجواب فيه كذا وكذا.
قال الشيخ أبو عثمان: وهذا تفسير قوله: { أفمن كان على بينة من ربه } ومن كان على البينة لا يخفى عليه سر.
وقال رويم: البينة هى الإشراف على القلوب والحكم على الغيوب.
وقال سهل فى قوله: { أفمن كان على بينة من ربه } قال: هى التقى والبر. { ويتلوه شاهد منه }.
قال: هو حالة للعبد وقت ذكر الله.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: البينة حقيقة يؤيدها ظاهر العلم.
وقال النورى أبو الحسين: البينات هى التى لا تكشف أواخرها عن عثرة ولا غلط.
قال أبو بكر بن طاهر فى قوله: { أفمن كان على بينة من ربه } قال: من كان من ربه على بينة كانت جوارحه وقفا على الطاعات والموافقات ولسانه ملزوم بالذكر ونشر الآلاء والنعماء، وقلبه منور بأنوار التوفيق وضياء التحقيق، وسره وروحه مشاهد للحق فى جميع الأوقات عالم بما يبدو من مكنون الغيوب ومستورها، ورؤيته للأشياء رؤية يقين لا شك فيه، وحكمه على الخلق لحكم الحق. لا ينطق إلا بحق ولا يرى إلا الحق لأنه مستغرق فى الحق فأنى له مرجع إلا إلى الحق ولا إخبار إلا عنه.
هود 11:18
قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم } [الآية: 18].
قال بعضهم: المفترى على الله من اتخذ أحوال السادات بدعواه لنفسه حالا أو أظهر عن نفسه مشاهدة ما لا يشهده أولئك يفضحهم الله فى الدنيا بكذبهم فيطلع عليهم الذين يشهدون حقائق الأشياء هؤلاء الذين كذبوا على ربهم أظهروا من الأحوال ما ليس لهم وتزينوا بالعوارى من لباس لبس السادة فهذه فضيحتهم فى مجالس أهل الحقيقة إلى أن يرجعوا إلى الفضيحة فى مشهد الحق.
هود 11:20
قوله تعالى: { ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون } [الآية: 20].
قال بعضهم كيف يستطيع السمع من لم يفتح مسامعه سماع الحق وكيف يبصر من لم يكتحل بنور التوفيق إذ لا سماع إلا عن إسماع ولا بصر إلا عن إبصار.
هود 11:23
قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم } [الآية: 23].
قال شاه: علامات الإخبات ثلاث:
غم الإياس مع التوبة لكره العود إلى الذنوب.
وخوف الاستدراج فى إسبال الستر.
وتوقيع العقوبة فى كل وقت حذرا وإشفاقا من العدل.
حذرا وإشفاقا من العدل.
هود 11:24
قوله تعالى: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع } [الآية: 24].
قال أبو سليمان الدارانى: الأعمى حقا من عمى فى آخر سفره وقد قارب المنزل فيضيع سعيه فلا استدلال ببصر ولا دليل قائد.
وقال بشر: الأعمى حقا من عمى عن طريق رشده والأصم حقا من صم عما أنذر به.
وقال بعضهم: البصير من عاين ما يراد به وما يجرى له وعليه فى جميع أوقاته والسميع من يسمع ما يخاطب به من تقريع وتأديب وحث وندب لا يغفل عن الخطاب فى حال من الأحوال.
وقيل: السميع من فتح سمعه باستماع ما يعنيه.
وقيل: الأعمى الذى عمى عن رؤية الاعتبار والأصم الذى منع لطائف الخطاب والبصير الناظر إلى الأشياء بعين الحق فلا ينكر شيئا ولا يتعجب من شىء.
وقيل: السميع من يسمع من الحق فيميز بذلك الإلهام من الوسوسة.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: الأعمى الذى عمى عن درك الحقائق.
هود 11:27
قوله تعالى: { ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } [الآية: 27].
قال أبو الفرج: لم يشهد مخالفو الأنبياء والرسل منهم إلا هياكل البشرية، وعموا عن درك حقائقهم فى ميادين الربوبية واختصاصهم بما خصوا به من فناء حظوظهم فيهم وبقاء أشباحهم وهياكلهم رحمة للخلق.
فقالوا: ما نراك إلا بشرا مثلنا: أكلا وطعما وشربا، ولو لاحظوا مقامهم من الحق وقربهم منه لأخرستهم مشاهدتهم عن مثل هذا الخطاب؛ لأنهم فى مشاهد القدس.
هود 11:29
قوله تعالى: { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا } [الآية: 29].
قال أبو عثمان رحمة الله عليه فى هذه الآية: ما أنا بمعرض عمن أقبل على الله، فإن من أقبل على الله بالحقيقة أقبل الله عليه، ومن أعرض عمن أقبل الله عليه فقد أعرض عن الله.
هود 11:34
قوله تعالى: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم } [الآية: 34].
قال حمدون القصار: النصيحة لمن لم ينصح نفسه قبل سماع النصيحة بدوام الاجتهاد ومجانبة الاختلاف.
هود 11:37
قوله تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا } [الآية: 37].
قال السقطى: عن نفسك تدبيرك، واصنع ما أنت صانع من أفعالك على مشاهدتنا دون مشاهدة نفسك ومشاهدة أحد من الخلق.
قال بعضهم: اصنع الفلك ولا تعتمد عليه، فإنك بأعيننا رعاية وكلأة، فإن اعتمدت على الفلك وكلت إليه وسقطت عن أعيننا.
قوله تعالى: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون } [الآية: 37].
قال ذو النون: إن كنت قد ابتدأت فى الأزل بشىء من العناية فقد نجوت، وإلا فإن الدعاء لا ينفع الغرقى.
هود 11:40
قوله تعالى: { إلا من سبق عليه القول } [الآية: 40].
قال بعضهم: بالسبق قيد العواقب فمن أجرى له فى السبق السعادة كانت عاقبته إلى السعادة، ومن أجرى له فى السبق الشقاوة ختم له بالشقاوة.
وألسنة الأولياء والأنبياء قاصرة عن سؤال مخالفة ما جرى فى الأزل؛ لأنه حكم القاهر به وسلطان الجبار به.
هود 11:43
قوله تعالى: { لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم } [الآية: 43].
إلا من دله على الاعتصام به، فذلك الذى يعصمه الله من أمره.
هود 11:45
قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي } [الآية: 45].
قال الحسين: لم يؤذن لأحد فى الانبساط على بساط الحق بحال؛ لأن بساط الحق عزيز وحواشيه قهر وجبروت، فمن انبسط عليه رد عليه كما رد على نوح - عليه السلام - لما قال: { إن ابني من أهلي }. قيل له: إن ابنك ليس هو من أهلك.
هود 11:46
قوله تعالى: { قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح } [الآية: 46].
قال القاسم: الأهل على وجهين: أهل قرابة، وأهل ملة. فنفى الله عنه أهلية الملة [الأهلية والقرابة].
قوله تعالى: { فلا تسئلن ما ليس لك به علم } [الآية: 46].
قال بعضهم: أما علمت أنى قد أمضيت حال الشقاوة والسعادة فى الأزل، فلا راد لحلمى وقضائى إنى أعظك أن تجهل تلك الأحكام.
وقال بعضهم: أما علمت أنى كافيت الخلق قبل الخلق فالاختبار على من منه الاختبار محال.
قوله تعالى: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين } [الآية: 46].
قال بعضهم: إن نوحا لما أشرف ابنه على الغرق قال: إن ابنى من أهلى.
قال: خصصت ولدك بالدعاء دون سائر عبادى، وابنك واحد منهم.
إنى أعظك أن تكون من الجاهلين فى أن تقتضى حقك على الخصوص، وتهمل حقوق عبادى بأجمعهم.
هود 11:47
قوله تعالى: { وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين } [الآية: 47].
قال أبو سعيد الخراز: إن نوحا صلى الله عليه وسلم وهو من الصفوة وأولى العزم من الرسل نصح، وكدح لربه ألف سنة إلا خمسين عاما ثم قال: إن ابنى من أهلى فقويت عليه، فأبكاه ذلك سنة حتى قال: وإلا تغفر لى وترحمنى، وكان دهره يطلب المغفرة من هذه الكلمة ونسى ما كدح وعنا واجتهد.
هود 11:49
قوله تعالى: { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ إليك } [الآية: 49].
قال الجنيد رحمة الله عليه: كشف الله لكل نبى طرفا من الغيب وكشف لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنباء الغيب، وهو الغاية من الكشف وكان مكشوفا له من الغيب ما لا يجوز أن يكون مكشوفا لأحد من المخلوقين؛ وذلك لعظيم أمانته وجلالة قدره، إذ الأسرار لا تكشف إلا للأمناء، فمن كان أعظم أمانة كان أعظم كشفا.
قوله تعالى: { فاصبر إن العاقبة للمتقين } [الآية: 49].
قال النصرآباذى: نجاة العاقبة لمن وسم التقوى وحلى به، قال تعالى: { فاصبر إن العاقبة للمتقين } [الآية: 49].
هود 11:55
قوله تعالى: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم } [الآية: 55، 56].
قال الواسطى: غلب على هود عليه السلام فى ذلك الوقت الحال والوصلة والقربة فما تأكد بشىء ولا أحس به إذ هو فى محل الحضور ومجلس القربة.
وقال فى قصة لوط صلى الله عليه وسلم حين قال: { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } [الآية: 80]، كان نطقه نطقا طبعيا شاهد فى ذلك حاله، ووقته واشتغاله بهم.
وقال فى هود: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } [الآية: 55].
نطق عن مشاهدة لا يرى سواه.
قال بعضهم: أى كيدونى بالحق من هو فى قبضة الحق وسرادق العز، وجلابيب الهيبة والكيد لا تلحق إلا من هو أسير فى طريق المخالفة.
قوله تعالى: { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } [الآية: 56].
قال بعضهم: كيف يكون ذلك محل وأنت بغيرك قيامك، ويقال لذلك قال: من قال أنا فقد نازع القبضة.
قال بعضهم: فيه ذكر إبطال الدعاوى، فإن من ادعى حارب القدرة ونازع القبضة.
هود 11:56
قوله تعالى: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم } [الآية: 55، 56].
قال الواسطى: غلب على هود عليه السلام فى ذلك الوقت الحال والوصلة والقربة فما تأكد بشىء ولا أحس به إذ هو فى محل الحضور ومجلس القربة.
وقال فى قصة لوط صلى الله عليه وسلم حين قال: { لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد } [الآية: 80]، كان نطقه نطقا طبعيا شاهد فى ذلك حاله، ووقته واشتغاله بهم.
وقال فى هود: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون } [الآية: 55].
نطق عن مشاهدة لا يرى سواه.
قال بعضهم: أى كيدونى بالحق من هو فى قبضة الحق وسرادق العز، وجلابيب الهيبة والكيد لا تلحق إلا من هو أسير فى طريق المخالفة.
قوله تعالى: { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ } [الآية: 56].
قال بعضهم: كيف يكون ذلك محل وأنت بغيرك قيامك، ويقال لذلك قال: من قال أنا فقد نازع القبضة.
قال بعضهم: فيه ذكر إبطال الدعاوى، فإن من ادعى حارب القدرة ونازع القبضة.
هود 11:69
قوله تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم بالبشرى } [الآية: 69].
قال بعضهم: بشروا إبراهيم بأن نسب الخلة ثابتة وأنها لا تنقطع.
قال بعضهم: بشروه بإخراج محمد صلى الله عليه وسلم من صلبه، وأنه خاتم الأنبياء وصاحب لواء الحمد.
قال بعضهم: رسول الخليل إذا ورد فهو بشارة، فإذا أدى الرسالة فقد تم به البشرى، خصوصا إذا أدى من الخليل سلاما ألا تراه كيف ذكر: قالوا سلاما من الخليل، فقال: سلام من الخليل، تم به المراد.
قوله تعالى: { قالوا سلاما قال سلام } [الآية: 69].
قال ابن عطاء: سلام لك رتبة الخلة من الزلل.
{ قال سلام }: أى هذه السلامة التى توجب لى السلام من السلام.
قال الترمذى: كانت الملائكة قصدوا هلاك قوم لوط فلما رآهم الخليل صلى الله عليه وسلم فزع منهم، فزادوا ذلك فيه، فقالوا: سلاما، أى قد سلمت أنت وأهلك وقصدنا لهلاك الأمة العاصية، فأنت ومن معك منا فى سلامة وسلام، فقال سلام - الحمد لله الذى أمننى وأهلى من الهلاك.
قوله تعالى: { فما لبث أن جآء بعجل حنيذ } [الآية: 69].
قال بعضهم: من آداب الفتوة إذا ورد الضيف أن يبدأ أولا بإكرامه فى الإنزال ثم يثنيه بالطعام ثم بالكلام ألا ترى الخليل عليه السلام كيف بدأ بالطعام بعد السلام، فقال: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ، وهو تعجيل ما حضر والتكلف بعد ذلك لمن أحب.
هود 11:70
قوله تعالى: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم } [الآية: 70].
سمعت غير واحد من أصحابنا يحكون عن البوشنجى أنه قال: من دخل هذه الدويرة ولم يبسط معنا فى كسرة أو فيما حضر فقد جفانى غاية الجفاء.
سمعت أبا بكر بن إبراهيم يقول: سمعت أبا جعفر بن عبدوس يقول: من أشبع من طعام العقد أو الفتيان فقد أظهر كبره.
وقيل فة قوله: نكرهم: نكر أخلاقهم، مما تبين فيهم من الخير.
هود 11:73
قوله تعالى: { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت } [الآية: 73].
قال بعضهم: بركات أهل البيت من دعوات الخليل، ودعوات الملائكة وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بالدعاء له فى الصلاة فى قوله: كما باركت على إبراهيم، فبارك علينا، فأنا من أهل بيته وأولاده.
هود 11:74
قوله تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجآءته البشرى } [الآية: 74].
قال بعضهم: ذهب عنه روع ما يجده فى نفسه من تنزههم عن طعامه، وعلم أنهم الملائكة، وجاءته البشرى بالسلام من الله لما فرغ من قضاء حق الضيف ولقى البشرى رجع إلى حد الشفقة على الخلق والمجادلة عنهم، يجادلنا فى قوم لوط: الرحمة التى جبله الله عليها.
هود 11:79
قوله تعالى: { وإنك لتعلم ما نريد } [الآية: 79].
قال الجنيد رحمة الله عليه: سمعت السرى رحمة الله عليه يقول: رأيت رب العزة فى المنام، فقال يا سرى خلقت الخلق، وخلقت الدنيا، فذهب مع الدنيا تسعة أعشار الخلق، وبقى معى العشر، ثم خلقت الجنة، فذهب مع الجنة تسعة أعشار ما بقى، وبقى معى منهم العشر، ثم سلطت عليهم البلاء ففر من البلاء تسعة أعشار ما بقى، وبقى عشر العشر، فقلت: ماذا تريدون لا الدنيا أردتم، ولا الجنة طلبتم، ولا من البلاء فررتم، فأجابونى. فقالوا: إنك تعلم ما نريد. قال: فإنى أنزل عليكم من البلاء ما لا يطيق له الرواسى. فقالوا: ألست أنت الفاعل بنا فقد رضينا.
هود 11:80
قوله تعالى: { قال لو أن لي بكم قوة... } [الآية: 80].
من نفسى لمنعتكم عن معصية ربى، ولكن ألتجئ إلى من يقدر على منعكم منه وصرفكم عنه وهو الحق { أو آوي إلى ركن شديد } [الآية: 80].
قيل: آوى إلى حصن حصين، وأمنع حرز، وهو القادر على ذلك كله.
سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول فى هذه الآية قال: لو أن لى بكم قوة لو أن المعرفة بيدى لأوصلتها إليكم.
قال بعضهم: لو أن لى جرأة على الدعاء لدعوت عليكم، أو آوى إلى ركن شديد: من علم الغيب بما أنتم صائرون إليه من سعادة أو شقاوة.
وحكى الشبلى أنه قال فى هذه الآية: لو أن النجاة بيدى، وكنت أقوى على هدايتكم لعملت فيها وأصل إلى المعدن الذى تنفصل منه المعرفة لأوصلتكم إليه.
قال الواسطى فى قوم لوط صلى الله عليه وسلم: { لو أن لي بكم قوة } وقول هود: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون }.
قال: لوط نطق نطق طبع، وهود عليه السلام نطق عن مشاهدة، لا يرى غيره، ومن عتقته الموارد عن أماكنها هو أدفع ممن أعتقته الشواهد والأعراض.
هود 11:81
قوله تعالى: { إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب } [الآية: 81].
لذلك حكى عن السرى رحمة الله عليه أنه قال: قلوب الأبرار لا تعتمل الانتظار.
قال بعضهم: انتظار ما هو كائن قريب خصوصا إذا كان ذلك من خير صدق وموعد حق.
هود 11:82
قوله تعالى: { فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها } [الآية: 82].
قال بعضهم: ما أدركتم الحكم السابق الجارى فى الأزل عليهم قلبنا بهم أرضهم، كما حكمنا عليهم بتقليب قلوبهم وصرفهم عن طريق الحق، وسبيل الرشاد.
هود 11:83
قوله تعالى: { وما هي من الظالمين ببعيد } [الآية: 83].
قال محمد بن الفضل: ما أصاب قوم لوط ما أصابهم إلا بالتهاون بالأمر، وقلة المبالاة، وارتكاب المحارم بالتأويلات.
قال الله تعالى: { وما هي من الظالمين ببعيد } أى ما العذاب ممن عمل ما عملوا من تخطى الشرع، والتهاون بالأمر وارتكاب المناهى بالتأويلات ببعيد، والظالم من وضع ما أمر به غير موضعه، إذ ليس كل مترسم بالطاعة مطيعا حتى يحفظ أوقات الطاعة باتباع الأمر ممن فرط فى ذلك، أو تخطى أوقات الأوامر صار فى درجة العصاة التى قال الله: { وما هي من الظالمين ببعيد }.
هود 11:84
قوله تعالى: { إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم } [الآية: 84].
قال بعضهم: أقرب حال إلى الاستدراج الأمن والدعة، وتواتر النعم عليك وترادف الخيرات عندك، ألا ترى الله يقول حاكيا عن بعض أنبيائه لأمته: { إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم }.
قال بعضهم: إنى أراكم بخير أى بنعمة من الله، وإنى أخاف عليكم تقصيركم فى شكر النعمة.
هود 11:86
قوله تعالى: { بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين } [الآية: 86].
قال بعضهم: ما ادخره الله لكم من كراماته خير مما تسألونه فيه.
وقيل: فضله القديم عليكم مما تستجلبونه بأعمالكم إن كنتم مؤمنين.
وقال بعضهم: مؤمنين: موقنين أن اختيار الحق للعبد خير من اختياره لنفسه.
هود 11:88
قوله تعالى: { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ أنهاكم عنه } [الآية: 88].
قال أبو عثمان: ليس بواعظ من كان واعظا بلسانه دون عمله، وليس بحكيم من لم تكن أفعاله أفعال الحكماء، وإنما الحكيم من يكون حكيما فى نطقه، حكيما فى فعله، حكيما فى جميع أحواله، وإلا فإنه يقال: ناطق بالحكمة.
وقيل: إن الله عز وجل أوحى إلى عيسى صلى الله عليه وسلم يا عيسى عظ نفسك، فإن اتعظت، وإلا فاستحى منى.
قوله تعالى: { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } [الآية: 88].
قيل فيه: مرادى صلاحكم إن ساعدكم التوفيق، ولا أستطيع أنا ذلك لكم إلا بمعونة من الله لى عليه.
قوله تعالى: { وما توفيقي إلا بالله } [الآية: 88].
قال النهرجورى: التوفيق حسن عناية سيق إلى العبد ليس فيه سبب ولا منة إليه طلب.
قال بعضهم: التوفيق هو الدليل الذى يدل على سبيل الحق، ويبعد عن نهج الباطل، وسلوكه، وهو أن يوصل إلى العبد ما جرى له فيه من العناية فى الأزل.
قوله تعالى: { عليه توكلت وإليه أنيب } [الآية: 88].
قال الجنيد رحمة الله عليه: التوكل أن لا يظهر فيك انزعاج إلى الأسباب مع شدة الفاقة، ولا نزول عن حقيقة الشكور إلى الحق. مع وقوفك عليها.
قال بعضهم: التوكل: ترك رؤية التوكل وإسقاط رؤية الوسائط، والتعلق بأعلى الوثائق.
قال إبراهيم بن أدهم رحمه الله: التوكل: أن تستوى عندك أفخاذ السباع، والمتكأ على الجشايا.
قال ابن عطاء فى قوله: { وإليه أنيب }: قال إليه أرجع عن جميع ما لى وعلى، وأن لا أعتمد سواه.
قال بعضهم: الإنابة: هى الرجوع عن جميع ما له، ثم إذا صح له هذا يكون مرجعه منه إليه، فبقى مستهلكا فى مشاهدة المرجوع، فلا يكون له رجوع ولا ثبوت.
هود 11:90
قال محمد بن الفضل: من لم يكن ميراث استغفاره تصحيح توبته، كان كاذبا فى استغفاره، ومن لم يكن ميراث توبته تصحيح محبته، كان...
قال الشبلى: ما من حرف من الحروف إلا وهو يسبح الله تعالى بلسان، ويذكره بلغة لكل لسان منها حروف، ولكل حرف لسان، وهو سر الله تعالى فى خلقه الذى تقع زوائد الفهوم وزيادات الأذكار.
قال حارث المحاسبى: إن الله تعالى لما خلق الأحرف، دعاها إلى الطاعة، فأجابت على حسبما جلاها الخطاب، وألبسها، وكانت الحروف كلها على صورة الألف. إلا أن الألف بقيت على صورتها وجليتها التى ما ابتدئت.
الرعد 13:2
قوله عز وجل: { يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقآء ربكم توقنون } [الآية: 2].
قال ابن عطاء: يدبر الأمور بالقضاء السابق، ويفصل الآيات بالأحكام الظاهرة لعلكم تتيقنون إن الذى يجرى عليكم هذه الأحوال لا بد لكم من الرجوع إليه.
الرعد 13:3
قوله عز وجل: { وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي } [الآية: 3].
قال بعضهم: هو الذى بسط الأرض وجعل فيها أوتادا من أوليائه، وسادة من عبيده، فإليهم الملجأ، وبهم الغياث فمن ضرب فى الأرض يقصدهم فاز ونجا، ومن كان سعيه لغيرهم خاب وخسر.
سمعت على بن سعيد يقول: سمعت أبا محمد الجريرى يقول: كان فى جوار الجنيد إنسان مصاب فى حربة، فلما مات الجنيد، وحملنا جنازته، فلما رجعنا تقدم خطوات، وعلا موضعا عاليا، واستقبل بوجهه، وقال: يا أبا محمد أنى أرجع إلى تلك الحربة وقد فقدت ذلك السيد، ثم أنشأ يقول: وا أسفى من فراق قوم هم المصابيح والحصون والمدن والمزن والرواسى والخير والأمن والسكون لم تتغير لنا الليالى حتى توفتهم المنون فكل جفن لنا قلوب وكل ماء لنا عيون.
قوله عز وجل: { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } [الآية: 3].
قال بعضهم: الفكرة تصفية القلوب لموارد الفوائد.
قال أبو عثمان: الفكرة استرواح القلب من وساوس التدبير.
قال ابن عطاء: التبصرة لمن تفكر فى ابتداء الخلق، وانتهائهم، ومصير كلهم إلى الفناء، ودوام البقاء للأحد الصمد.
الرعد 13:4
قوله عز وجل: { يسقى بمآء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } [الآية: 4].
قال الواسطى: لم تتلون الإرادات، وتلونت المرادات كما تلونت الأشجار والأثمار ولم تتلون المياه التى سقت الأشياء المختلفات كذلك العلم بالأشياء لا يتلون وتتلون المعلومات فمن قال كيف فهو الضيق القدرة عنده وعلة تلوين المحدثات لعلة إثبات الربوبية واقتدائها، ولئلا يسبق إلى الأوهام أن شيئا من الكون بغير إرادته الموت، والحياة والظلمة والضياء ولم تتلون الإرادة كذلك ما أراد من الكفر والإيمان.
قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } [الآية: 4].
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" العاقل من عقل عن الله أمره ".
سمعت القاضى يقول: سمعت أبا على البنوى يقول: قال أبو بكر الواسطى: العقل ما عقلك عن المخازى.
قال ابو عثمان: العاقل من وفق لملازمة طريق رشده ومنع عن اتباع غيه.
سئل ابو حفص عن العاقل، فقال: من أعرض عما لا يعنيه واشتغل بما يعنيه.
الرعد 13:5
قوله تعالى: { وإن تعجب فعجب قولهم } [الآية: 5].
قال الجنيد: ذهب العجب بقوة سلطان العجب، وكل العجب من العجب أن لا عجب.
قال الله تعالى: { وإن تعجب فعجب }.
قال الترمذى: ليس العجب من العجب ممن يتعجب إذ لا عجب.
الرعد 13:6
قوله عز وجل: { وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم } [الآية: 6].
قال بعضهم: إن ربك ليستر على أودائه ما أظهروا من المخالفات، ومن ظلمهم أنفسهم باتباع هواها، والسعى فى موافقة رضاها.
قال ابو عثمان: إنما يرجو المغفرة من الله من يرتكب الذنوب على خطر وخوف وحذر، لا من يقتحم فيها من غير مبالاة.
الرعد 13:7
قوله عز وجل: { إنمآ أنت منذر } [الآية: 7].
قال ابن عطاء: إنما أنت مخبر عنا بصدق ما أكرمناك به من القرب، والزلف.
قال بعضهم: أنت المبلغ، والتوفيق يوصلهم إلى الهداية.
الرعد 13:8
قوله عز وجل: { وكل شيء عنده بمقدار } [الآية: 8].
قال الحسين: كل ربط يحده، وأوقف مع وقته فلا يجاوز قدره، ولا يعدو طوره.
قال بعضهم: وكل شىء يوزن ومن لم يزن نفسه، ولم يطالع أنفاسه فهو فى حيز الغافلين، ومن لم يعرف مقداره وقدر عظيم النعمة عليه، أعجب بنفسه، أو بما يبدو منه.
الرعد 13:9
قال ابن عطاء: العالم على الحقيقة، من يكون الشاهد والغائب عنده سواء فى العلم لا بأن يستدل، والعالم على الحقيقة هو الحق جل وعلا، الكبير فى ذاته المتعالى فى صفاته.
قال بعضهم: عالم بما غيب فيك مما لا تعلمه من نفسك قبل أن يبديها أو يظهرها وعالم بما يبدو من أفعالك على أى نية تعملها.
قال جعفر: فى قوله: الكبير المتعال: كبير فى قلوب العارفين محله فصغر عندهم كل ما سواه وتعالى أن يتقرب إليه إلا بصرف كرمه.
الرعد 13:10
قوله عز وجل: { سوآء منكم من أسر القول ومن جهر به } [الآية: 10].
قال النصرآباذى: سواء منكم من أسر: ما أودعنا فيه لطائف برنا وكتم إشفاقا عليه، أو أظهره ونادى عليه سرورا ومحبة له، فإنهما جميعا من أهل الأمانة فى محل اليقظة.
الرعد 13:11
قوله تعالى: { له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } [الآية: 11].
قال بعضهم: المحفوظ بالأسباب محفوظ بالمسبب وأمره فالعلماء رأوا السبب، والعارفون رأوا المسبب.
قال الله تعالى: { له معقبات من بين يديه ومن خلفه }.
قال ابن عطاء: الأسباب تحفظك من أمره فإذا جاء القضاء خلا بينك وبينه وكيف يكون محفوظا من هو محفوظ من حافظه، والمحفوظ بالحقيقة من هو محفوظ بالحافظ لا محفوظ من الحافظ.
قوله عز وجل: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [الآية: 11].
قال الصادق: لا يوفقهم لتغيير أسرارهم ولا يغير عليهم أحوالهم ولو وصفهم لتغيير أحوالهم، أسرارهم ومشاهدة البلوى، لذلوا وافتقروا فنالوا به النجاة.
قال النصرآباذى: لكل قوم تغيير وتبديل لكن لا يناقش العوام على ما يناقش عليه أهل الصفوة.
وقال بعضهم: غيروا ألسنتهم عن حقائق ذكره فغير قلوبهم عن لطائف بره، وغيروا أنفسهم عن معانى العبودية فغير قلوبهم عن دلائل الربوبية.
قوله عز وجل: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } [الآية: 11].
قال القاسم: إذا أراد هلاك قوم حسن فى أعينهم موارد الهلاك حتى يمشون إليه بأرجلهم وتدبيرهم، وهو الذى أتى بهم.
الرعد 13:12
قوله عز وجل: { هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا } [الآية: 12].
قال ابن عطاء: خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم.
قال ابن البرقى: يريكم أنوار محبته، فبين خائف من استناره وطامع فى تخليه.
قال أبو على الثقفى: ورود الأحوال على الأسرار عندى كالبرق لا يمكث بل يلوح، فإذا لاح فربما أزعج من خائف خوفه، وربما جرى من محب حبه.
قال أبو بكر بن طاهر: خوفا من اعتراض الكدورة فى صفاء المعرفة، وطمعا فى الملامة فى إخلاص المعاملة.
قال أبو يعقوب الأبهرى: خوفا من القطع والافتراق وطمعا فى القرب والإتيان.
وقال بعضهم: خوفا من عقابه وطمعا فى ثوابه.
الرعد 13:13
قوله عز وجل: { ويسبح الرعد بحمده } [الآية: 13].
سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت ابن الريحانى يقول: الرعد صعقات الملائكة، والبرق زفرات أفئدتهم والمطر بكاؤهم.
الرعد 13:14
قوله عز وجل: { له دعوة الحق } [الآية: 14].
قال ابن عطاء: أصدق الدواعى دواعى الحق فمن أجاب داعى الحق بلغه إليه الحق، ومن أجاب دواعى النفس رمى به إلى الهلاك.
قال الجنيد: داعى الحق، داعى رشد لا يقع للشيطان فيه يد ولا يكون للنفس فيه نصيب وداعى الحق إذا برت، أبرت أنوار الحق فلا يبقى على المدعو ريب ولا شك بحال.
قال بعضهم: داعى الحق من يدعو بالحق إلى الحق.
قوله عز وجل: { وما دعآء الكافرين إلا في ضلال } [الآية: 14].
قال جعفر: من دعا بنفسه فإلى نفسه دعا وهو الكفر والضلال وذلك محل الخيانة والإسقاط من درجات أهل الأمانة فإن الدواعى تختلف: داع بالحق، وداع إلى الحق، وداع إلى طريق الحق كل هؤلاء دعاة يدعون الخلق إلى هذه الطرق لا بأنفسهم وهذه طرق الحق وداع يدعو بنفسه فإلى أى شىء دعا فهو ضلال.
الرعد 13:15
قوله عز وجل: { ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها } [الآية: 15].
قال الجنيد: العارف طوعا، والمعرض كرها.
وقال إذا نزلته المصائب ذل، وإذا جاءه الرجاء مل.
الرعد 13:16
قوله تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور } [الآية: 16].
قال أبو عثمان: لا يستوى من حل بنور التوفيق وهدى لطريق الخدمة ومن عمى عنها وحرم رؤيتها أم هل يستوى من هو فى أنوار التوفيق مع من هو فى ظلمات التدبير.
قال أبو حفص: الأعمى حقا من يرى الله تعالى بالأشياء، ولا يرى الأشياء بالله تعالى والبصير من يكون نظره من ربه إلى المكونات.
الرعد 13:17
قوله تعالى: { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها } [الآية: 17].
قال الواسطى: خلق الله تعالى درة صافية فلاحظها بعين الجمال فزابت منه حياء، { فسالت أودية بقدرها } فصفاء القلوب من وصول الماء إليه وحياء الأسرار من نزول ماء ذلك المشرب.
قال ابن عطاء: { أنزل من السمآء مآء فسالت أودية } هذا مثل ضربه الله تعالى للعبد كما أنه إذا سال السيل فى الأودية، لم يبق فى الأودية نجاسة إلا كنسها وذهب بها، كذلك إذا سال النور الذى قسم الله تعالى للعبد فى نفسه لا يبقى فيه غفلة ولا ظلمة { أنزل من السمآء مآء } يعنى قسمة النور { فسالت أودية بقدرها } يعنى فى القلوب الأنوار على ما قسم له فى الأزل، { فأما الزبد فيذهب جفآء } فبذلك النور يصير القلب منورا فلا يبقى فيه جفوة، { وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } فذهب البواطيل وتبقى الحقائق.
قال بعضهم: { أنزل من السمآء مآء }: أنواع الكرامات فأخذ كل قلب بحظه، ونصيبه فكل قلب مؤيد بنور التوفيق، أضاء فيه سراج المعرفة، وكل قلب زين بنور الهدى أضاء فيه أنوار المعرفة، وكل قلب قيد بنور المحبة، أضاء فيه لهيب الشوق وكل قلب عمى بلهيب الشوق أضاء فيه أنس القرب، كذلك القلوب تتقلب من حالة إلى حالة حتى تستغرق فى أنوار المشاهدة، أخذ كل قلب بحظه، ونصيبه إلى أن تبدو الأنوار على الشواهد من فضل نور السر.
قوله عز وجل: { فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض } [الآية: 17].
قال ابن عطاء: ما كان من الأحوال صدقا. ثبت فى القلوب بركاتها، وما كان من غير ذلك فإنه لا يبقى فيه خير.
قال الواسطى: فى قوله تعالى: { أنزل من السمآء مآء } هو القرآن فى صرف الكرم والفضل { فاحتمل السيل زبدا رابيا } رؤيتك الأعمال، وصولتك بها على جيرانك، { فأما الزبد فيذهب جفآء } عند أهل التوحيد، { وأما ما ينفع الناس } وهو اليقين، وهو ما سال من الله عليه من صرف الكرم فيبقى عليه.
الرعد 13:19
قوله عز وجل: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى } [الآية: 19].
قال السيارى: ليس من استدل عليك بربه كمن يستدل بك على ربه وليس من تحقق بما أنزل إليك من جهة الحق، كم تحققه من جهته، وليس من شاهد جريان الأشياء فى الأزل كمن شاهده فى وقت ظهوره.
الرعد 13:20
قال بعضهم: الموفون بالعهد هم القائمون له بشرط العبودية من اتباع الأمر والنهى.
قال ابن عطاء: لا ينقضون ميثاق الأزل فى وقت، بلى أنه لا رب لهم غيره ولا يخافون غيره، ولا يرجون سواه، ولا يسكنون إلا إليه.
الرعد 13:21
قوله عز وجل: { والذين يصلون مآ أمر الله به أن يوصل } [الآية: 21].
قيل: هم الذين وصلوا أوقاتهم بالطاعات ووقفوا عند الحدود فلم يجاوزوها.
قال ابن عطاء: الذين يديمون على شكر النعمة ومعرفة منة المنعم بدوام النعمة إليهم، وإيصالهم بهم.
قال بعضهم: هم المتحابون فى ذات الله تعالى.
قوله تعالى: { ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب } [الآية: 21].
قال الواسطى: الخشية منه، حقيقة الخوف منه، ومن غيره.
قال الله تعالى: { ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب }.
قال بعضهم: الخشية هى مراقبة القلب أن لا يطالع فى حال من الأحوال، غير الحق فيمنعه.
قال ابن عطاء: الخشية سراج القلب، والخوف أدب النفس.
الرعد 13:22
قوله تعالى: { والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم } [الآية: 22].
قال أبو عثمان: صبروا عن المناهى أجمع، لا لخوف النار بل لسبب النهى، وحرمة عظمة الناهى.
قال بعضهم: صبروا عن جميع مراداتهم وخالفوا النفس فى اتباع الشهوات حفظا لحدود الله تعالى عليهم.
قال بعضهم: هذا مقام المريدين، أمروا أن يصبروا على إراداتهم، وعلى ما يلحقهم من الميثاق، ولا يطلبوا الرفاهية ولا يرجعوا إليها، ويكون ذلك ابتغاء لحقيقة تصحيح الإرادة.
الرعد 13:24
قوله عز وجل: { سلام عليكم بما صبرتم } [الآية: 24].
قال ابن عطاء: صبروا على ما أمروا به من الطاعات، وصبروا عما نهوا عنه من المعاصى فقال الله تعالى لهم على لسان السفراء الصادقين: { سلام عليكم بما صبرتم }.
قال بعضهم: { سلام عليكم بما صبرتم } معنا عما لنا.
الرعد 13:25
قوله عز وجل: { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه } [الآية: 25].
قال القاسم: نقض العهد هو الخروج من العبودية والدخول فى الربوبية.
قال بعضهم: نقض العهد هو لزوم التدبير والاختيار وترك التفويض والتسليم بعد أن أخبرك أن ليس لك من الأمر شىء.
قال أبو القاسم الحكيم: نقض العهد هو السكون إلى غير مسكون إليه والفرح إلى غير مفروح به.
الرعد 13:26
قوله عز وجل: { وفرحوا بالحياة الدنيا } [الآية: 26].
قال الواسطى: الدنيا مدرة ولك منها غبرة فمن أسرته غبرة فهو أقل منها، ومن ملكه جناح بعوضة أو أقل فذلك قدره.
وقال أيضا: لا تدعوا الدنيا فتغرقكم فى بحارها، وغرقوها فى بحر التوحيد حتى تجدوا منها شيئا.
قال بعضهم: أخبر الله تعالى عن الدنيا أنها فى الآخرة متاع، والآخرة أقل خطر فى جنب الحقيقة من خطر الدنيا، فى جنب الآخرة.
الرعد 13:27
قوله عز وجل: { قل إن الله يضل من يشآء ويهدي إليه من أناب } [الآية: 27].
قال بعضهم: يضل من قام بنفسه، واعتمد عليها عن سبيل رشده ويهدى إلى سبيل رشده، من رجع إليه فى جميع أموره، وتبرأ من حوله وقوته.
قال جعفر: يضل عن إدراكه ووجوده من قصره بنفسه، ويهدى أى يوصل إلى حقائقه من طلبه.
الرعد 13:28
قيل فى هذه الآية: القلوب على أربعة أنحاء: قلوب العامة، اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وحمده والثناء عليه لرؤية النعمة والعافية، وقلوب الخاصة، اطمأنت بذكر الله وتسبيحه وذلك فى أخلاقهم، وتوكلهم، وشكرهم، وصبرهم فسكنوا إليه، وقلوب العلماء، اطمأنت بالصفات والأسامى والنعوت، فهم يلاحظون ما يظهر بها ومنها على الدهور، وأما الموحدون كالغرقى لا تطمئن قلوبهم بحال وكيف يطمئن بذكر من جهلوه، أم كيف يطمئن بذكر من لم يؤمنهم بل خوفهم وحذرهم.
قال إبراهيم الخواص: تفرق الناس فى الحالتين، فمن دامت حركته وسعيه، كان موصوفا بنفسه لغلبات شواهد نفسه عليه، لقوله:
وكان الإنسان عجولا
[الإسراء: 11].
ومن دام سكونه كان موصوفا بالحق لغلبات شواهد الحق فى سكينته لقوله: { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [الآية: 28].
قال الحسين: من ذكره الحق بخير فى أزله، اطمئن إليه فى أبده.
قال النهرجورى: قلوب الأولياء مواضع المطامع فهى لا تتحرك، ولا تنزعج بل تطمئن خوفا من أن يرد عليه مفاجأة مطالعه، فيجده مترسما بسوء الأدب.
قال الواسطى: هم فيها على أربعة ضروب، فالأول للعامة، لأنها إذا ذكرته ودعته اطمأنت إلى ذكرها، فحظها منه الإجابة للدعوات، والثانية أطاعته وصدقته ورضيت عنه فهم مربوطون فى أماكن الزيادات قد اطمأنت قلوبهم إلى ذلك فكانوا ممزوجى الملاحظة بشواهدهم، ومفسدى الطبائع برؤية طاعاتهم، والثالثة أهل الخصوص الذين عرفوا الأسماء والصفات، وعرفوا ما خاطبهم الله تعالى به فاطمأنت قلوبهم بذكره لها، لا بذكرهم له وبرضاه عنها، لا برضاهم عنه.
والرابعة: خصوص الخصوص وهم الذين كشف لهم عن ذاته وعلمهم علم صفاته فأدرج لهم الصفات فى الذات وأراهم إنه إنما تعرف إلى الحق بإقرارهم وعلمهم أخطارهم فعلموا أن سرائرهم لا تقدر أن تسكن إليه، ولا يطمئن به. ومن كانت الأشياء فى سره كذلك، إذا ما يسكن ويطمئن فلا تجد قلبه، الطمأنينة لقدر المطمئن إليه كلما عادت الزيادة عليه رآها حجابا لا يستقطع بالبر والنعم لأنها حجاب مستور وهباء ونثور، فإن عزمت على الدخول فى هذا المقام فاحتسب نفسك وأعظم الله أجرك.
الرعد 13:29
قوله عز وجل: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات }.
قال ابن عطاء: الذين صدقوا ما ضمنت لهم من الرزق والعمل الصالح ما كان بريئا من الشرك والرياء والعجب.
الرعد 13:33
قوله عز وجل: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت }.
قال الجنيد: بالله قامت الأشياء وبه فنيت وبتجليه حسنت المحاسن وباستتاره قبحت وسمجت.
قال محمد بن الفضل: لا تغفل عمن لا يغفل عنك وراقبه وكن حذرا.
قال الله تعالى: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت } [الآية: 33].
قوله عز وجل: { بل زين للذين كفروا مكرهم } [الآية: 33].
قال بعضهم: زين الله تعالى طرق الهلاك فى عين من قدر عليه الهلاك، فيراه رشدا ليوصله إلى المقضى عليه من الهلاك.
قال الله تعالى: { بل زين للذين كفروا مكرهم }.
قال أبو زيد: اجتنب مكر النفس وأثبته له، فإنه أنقى من كل ما فيه، هو الذى أهلك من هلك.
الرعد 13:36
قوله عز وجل: { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو } [الآية: 36].
سئل أبو حفص. عن العبودية؟ فقال: ترك كل ما لك وملازمة ما أمرت به.
سئل محمد بن الفضل: عن صفة العبد، فقال
ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء
[النحل: 75] فمن وجد من نفسه قوة وقدرة فليعلم أنه بعيد من الأمر.
قال أبو عثمان: العبودية اتباع الأمر على مشاهدة الأمر.
قال بعضهم: العبد الذى لا مراد له، ويكون مستغرقا فى مراد سيده فيه.
قال ابن عطاء أو الجنيد: لا يرتقى أحد فى درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه وبين الله تعالى، أوائل البدايات، وأوائل البدايات هى الفروض الواجبة والأوراد الزكية، ومطايا الفضل وعزائم الأمر، فمن أحكم على نفسه هذا من الله تعالى عليه بما بعده.
سئل سهل: متى يصح للعبد مقام العبودية؟
قال: إذا ترك تدبيره ورضى بتدبير الله تعالى فيه.
الرعد 13:37
قوله عز وجل: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا } [الآية: 37].
قال بعضهم: أحكام العرب السخاء والشجاعة، وهما من عرى الإيمان، وقيل فى قوله: { حكما عربيا } هذا مقدم ومؤخر، أى أنزلناه عربيا بلسانهم إذ كانوا هم المخاطبين به حكما، أى مبينا فيه الحلال والحرام.
الرعد 13:38
قوله عز وجل: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية } [الآية: 38].
فلم يشغلهم ذلك عن القيام بأداء الرسالة، ونصيحة الأمة وإظهار شرائع الدين.
قوله عز وجل: { لكل أجل كتاب } [الآية: 38].
قال جعفر: للرؤية وقت.
قال ابن عطاء: لكل علم بيان، ولكل بيان لسان، ولكل لسان عبارة، ولكل عبارة طريقة، ولكل طريقة أهل فمن لم يميز بين الأحوال فليس له أن يتكلم.
الرعد 13:39
قوله عز وجل: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } [الآية: 39].
قال الواسطى: منهم من جد بهم الحق ومحاهم عن نفوسهم بنفسه وقال: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } فمن فنى عن الحق بالحق لقيام الحق بالحق فنى عن الربوبية فضلا عن العبودية، وقيل: يمحو الله ما يشاء من شواهد العبد حتى لا يكون على سره غير ربه، ويثبت من يشاء فى ظلمات شاهده حتى يكون غائبا أبدا عن ربه.
وقال ابن عطاء: { يمحوا الله ما يشآء } عن رسوم الشواهد، والأعراض، وكلما يورد على سره من عظمته وحرمته وهيبته ولو غاب أنواره، فمن أثبته فقد أحضره ومن محاه فقد غيبه، والحاضر مرجوعه لا يعدوه.
قال الواسطى: يمحوهم عن شاهد الحق ويثبتهم فى شواهدهم ويمحوهم عن شواهدهم، ويثبتهم فى شاهد الحق، ويمحو رسوم نفوسهم عن نفوسهم، ويثبتهم برسمه.
قال ذو النون: العامة فى قصص العبودية إلى أبد الأبد، ومنهم من هو أرفع منهم درجة، غلبت عليهم مشاهدة الربوبية ومنهم من أرفع منهم درجة جد بهم الحق ومحاهم عن نفوسهم وأثبتهم عنده، لذلك قال: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت }.
قال سهل: يمحو الله ما يشاء ويثبت الأسباب، وعنده أم الكتاب القضاء المبرم الذى لا زيادة فيه ولا نقصان.
قال محمد بن الفضل: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } من نسخ محكم الشرائع وإثباتها، وقال أيضا: يمحو الإيمان من سر من يشاء، ويثبته فى سر من يشاء.
قال ابن عطاء: يمحو الله أوصافهم ويثبت أسرارهم لأنه موقع المشاهدة.
سمعت محمد بن عبد الله الرازى يقول: سمعت الشبلى يقول فى قوله: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } قال: يمحو ما يشاء من شهود العبودية، وأوصافها، ويثبت ما يشاء من شهود الربوبية ودلائلها.
وقال سهل: يمحو الله ما يشاء من الأسباب ويثبت الأقدار.
قال بعضهم: يمحو الله ما يشاء يكشفه عن قلوب أهل محبته إخوان الشوق إليه، ويثبت بتجليه لها، السرور والفرح به.
وقال بعضهم: يمحو الله من قلوب أعدائه آثار حكمته وأنوار بره، ويثبت فى قلوب أوليائه ما أجرى عليها من معرفة نعوته، فهم المقدمون فى الأوقات والقائمون بحقوق الله تعالى من غير كلفة ولا شك.
سمعت منصور بن عبد الله: يقول: سمعت أبا القاسم السكندرى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضا عن أبيه: عن جعفر بن محمد قوله: { يمحوا الله ما يشآء ويثبت } قال: يمحو الكفر ويثبت الإيمان، ويمحو النكرة ويثبت المعرفة، ويمحو الغفلة ويثبت الذكر، ويمحو البغض ويثبت المحبة، ويمحو الضعف ويثبت القوة، ويمحو الجهل ويثبت العلم، ويمحو الشك ويثبت اليقين، ويمحو الهوى ويثبت العقل على هذا الشق ودليله
كل يوم هو في شأن
[الرحمن: 29] محو أو إثبات.
قوله عز وجل: { وعنده أم الكتاب } [الآية: 39].
قال جعفر: الكتاب الذى قدر فيه الشقاء والسعادة فلا يزاد فيه ولا ينقص منه
ما يبدل القول لدي
[ق: 29] والأعمال، أعلام فمن قدر له السعادة ختم له بالسعادة، ومن قدر عليه الشقاوة ختم له بها.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون ما بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل عمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه، وبينها إلا ذراع، فيختم عليه الكتاب السابق فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ".
الرعد 13:41
قوله تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } [الآية: 41].
قال محمد بن على: يخرب الأرضين بذهاب أهل الولاية من بينهم فلا يكون لهم مرجع إلى، ولى فى نوائبهم ومحنهم فيتواتر عليهم المحن والنائبات فلا يكون فيهم من يكشف الله تعالى عنهم. برعاية فتخرب.
قال أبو عثمان: هم الذين ينصحون عباد الله. ويحملونهم على طاعته فإذا ماتوا مات بموتهم من يصحبهم.
قال أبو بكر الشاشى: يسبغ عليهم الرزق، ويرفع عنهم البركة.
قوله عز وجل: { لا معقب لحكمه } [الآية: 41].
قال ابن عطاء: أحكام الحق ماضية على عباده فيما ساء وسر ونفع وضر فلا ناقض لما أبرم ولا مضل لمن هدى.
الرعد 13:42
قوله عز وجل: { فلله المكر جميعا } [الآية: 42].
قال ابن عطاء: المكر حقيقة، ما مكر الحق بهم حتى توهموا أنهم يمكرون، ولم يعلموا أنه مكر بهم حيث سهل عليهم سبيل المكر.
قال الحسين: لا مكر أبين من مكر الحق بعباده، حيث أوهمهم أن لهم سبيلا إليه بحال أو للحدث اقترابه مع القدم فى وقت، فالحق بائن وصفاته بائنة إن ذكروا فبأنفسهم وإن شكروا فلأنفسهم، وإن أطاعوه فلنجاة أنفسهم ليس للحق منهم شىء لأنه الغنى القهار.
الرعد 13:43
قوله عز وجل: { ومن عنده علم الكتاب } [الآية: 43].
قال سهل: الكتاب عزيز، وعلم الكتاب أعز، والعلم عزيز، والعمل بعلمه أعز، والمشاهدة عزيز، والموافقة فى المشاهدة أعز، والموافقة عزيز، والأنس فى الموافقة أعز، والأنس عزيز، والأدب فى محل الأنس أعز.
إبراهيم 14:1
قوله عز وجل: { كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور } [الآية: 1].
قال جعفر: عهد خصصت به فيه بيان هلاك سالف الأمم ونجاة أمتك، أنزلناه إليك لتخرجهم به من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى أنوار السنة، ومن ظلمات النفوس إلى أنوار القلوب.
قال أبو بكر: من ظلمات الظن إلى أنوار الحقيقة.
قال أبو عثمان: من ظلمات الشرك إلى أنوار الهدى.
قال أبو حفص: الظلمة رؤية الفعل والنور رؤية الفضل.
إبراهيم 14:2
قوله عز وجل: { الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض } [الآية: 2].
قال الواسطى: الكون كله له فمن طلب الكون فإنه المكون، ومن طلب الحق فوجده سخر له الكون بما فيه.
إبراهيم 14:3
قوله عز وجل: { الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة } [الآية: 3].
قال أبو على الجوزجانى: من أحب الدنيا حرم عليه طلب طريق الآخرة، ومن طلب الآخرة حرم عليه طلب طريق نجاته، ومن طلب طريق النجاة حرم عليه رؤية فضل الله تعالى عليه، ومن طلب رؤية طريق الفضل حرم عليه الوصول إلى المتفضل.
إبراهيم 14:5
قوله عز وجل: { وذكرهم بأيام الله } [الآية: 5].
قال أبو الحسن الوراق فى هذه الآية: افتح عليهم سبيل الشكر لئلا يغتروا بالنعم وقيل دلهم على معرفة نعمى عندهم لئلا يستعظموا نور طاعتهم، وقيل شكرهم فى جنب تواتر نعمى لديهم.
إبراهيم 14:7
قوله عز وجل: { لئن شكرتم لأزيدنكم } [الآية: 7].
سئل عنها ابن عطاء فقال: إذا رددت الأشياء إلى مصادرها من غير حضور منك لها فقد تم الشكر للإسلام.
قال الجوزجانى: لئن شكرتم للإسلام لأزيدنكم الإيمان ولئن شكرتم للإيمان لأزيدنكم الإحسان، ولئن شكرتم للإحسان لأزيدنكم المعرفة، ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة، ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب، ولئن شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس.
قال الجريرى: كمال الشكر فى مشاهدة العجز عن الشكر.
روى أن داود عليه السلام قال: يا رب كيف أشكرك وشكرى لك تجديد منة لك على، قال يا داود الآن شكرتنى.
قال أبو بكر الوراق: شكر النعمة مشاهدة المنة.
قال حمدون: شكر النعمة زيادة نعمة، ومن شكر المنعم زاده أن ترى نفسك فيه طفيليا.
سئل بعضهم عن الشكر فقال: أن لا تتقووا بنعمه على معاصيه.
قال بعضهم: من شكر النعمة زاده نعمة، ومن شكر المنعم زاده معرفة به ومحبة له.
قال ابن عطاء: لئن شكرتم: هدايتى، لأزيدنكم: خدمتى، ولئن شكرتم: خدمتى لأزيدنكم: مشاهدتى، ولئن شكرتم: مشاهدتى، لأزيدنكم: ولايتى، ولئن شكرتم: ولايتى، لأزيدنكم رؤيتى.
إبراهيم 14:8
قوله عز وجل: { إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد } [الآية: 8].
قال حمدون: الغنى فى الحقيقة من لم يزل غنيا ولا يزال غنيا ما زاده إيجاد الخلق غنى، بل خلقهم على حد الافتقار إليه وهو الغنى الحميد.
قال الواسطى: ليس الإيمان بمقرب إلى الحق ولا الكفر بمبعد عنه ولكن جرى ما جرى به الأمر فى الأزل، فالشقاوة والسعادة والكفر والإيمان، أعلام لا حقائق، والحقائق القضاء الذى سبق فى الدهور بل جرى فى سابق علمه أن لا يكرم بالسعادة إلا من أهله لقربه بفضله، ولا يهين بالشقاء إلا من أبعده، ثم جعل الكفر علما لأهل الشقاء وحلية لهم، بل الإيمان عين الكرامة، وشاهد الكفر عين الهوان وشاهد البعد اللعنة والله أعلم.
إبراهيم 14:10
قوله عز وجل: { فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم } [الآية: 10].
قال الثورى: دعا الله الخلق بنفسه إلى نفسه وذكر من أسمائه فاطر، لئلا يتعلقوا بشىء من الأكوان فقال: فاطر السماوات والأرض، إن أردتم ما فيهما فهو عندى، وإن أردتمونى فلا تلتفتوا إليهما. وارجعوا منهما إلى.
قال بعضهم: ما دعا الله تعالى إليه ولا الأنبياء وإنما دعا من دعا بحظوظهم؛ قال الله تعالى: { يدعوكم ليغفر لكم } [الآية: 10].
إبراهيم 14:11
قوله عز وجل: { ولكن الله يمن على من يشآء من عباده } [الآية: 11].
قال أبو عثمان: من الله تعالى على خواص عباده، فإن الإحصاء والعدد، فأول منة له عليهم التوحيد ثم المعرفة ثم أن بعث فيهم الرسل ثم أن سماهم عباده، ثم له عليهم فى كل نفس نعمة عرفوها، أو لم يعرفوها.
قال سهل: يمن على من يشاء من عباده بتلاوة كلامه والفهم منه.
وقال بعضهم: يمن على من يشاء بالمعرفة.
قال ابن عطاء: يمن على من يشاء بالهداية والتوفيق.
إبراهيم 14:12
قوله عز وجل: { وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا } [الآية: 12].
قال أبو تراب: التوكل طرح البدن فى العبودية، وتعلق القلب بالربوبية والطمأنينة إلى الكفاية، فإن أعطى شكر وإن منع صبر.
قال الزقاق: التوكل رد العيش إلى يوم واحد وإسقاط هم غد.
قال رويم: التوكل الثقة بالوعد.
قال الشبلى: التوكل هو أن يكون مع الله تعالى كما لم يكن ويكون الحق كما لم يزل.
سمعت على بن بندار يقول: سمعت أبا محمد الجريرى يقول وسئل عن التوكل؟ فقال: التوكل معاينة الاضطرار.
قال أبو عمر الأنماطى: التوكل النظر إلى الأكوان بالتسخير.
وسئل بعضهم عن التوكل فقال: غض البصر عن الدنيا وقطع القلب عنها.
قيل للحسين: ما التوكل؟ قال: الجمود تحت الموارد.
وقال حكم الأصمعى فى قوله: { وما لنآ ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا } ما لنا أن لا نتوكل بالله وقد أعطانا سبلنا للإسلام والهدى.
إبراهيم 14:19
قوله عز وجل: { ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق } [الآية: 19].
قال سهل: خلق الله تعالى الأشياء كلها بقدرته وزينها بعلمه، وأحكمها بحكمته، فالناظر من الخلق إلى الخالق يتبين له من الخلق عجائب الخلقة، والناظر من الخالق إلى الخلق يكشف له عن آثار قدرته وأنوار حكمته وبدائع صنعته.
قال بعضهم: خلق السماوات عالية على الأرضين مرتفعة عليها وجعل عمارة الأرضين من بركات السماء وما يصل إليها منها كذلك خلق النفوس وجعل القلوب أمراء عليها، وجعل راحة النفوس فيما يصل إليها من بركات القلوب فمن طهر قلبه لاستصلاح المشاهدة أتت الفوائد والزوائد من الحق فى جميع الأوقات.
إبراهيم 14:22
قوله عز وجل: { فلا تلوموني ولوموا أنفسكم } [الآية: 22].
قال محمد بن حامد: النفس محل كل لائمة فمن لم يلم نفسه على الدوام، ورضى عنها بحال من الأحوال فقد أهلكها.
قال بعضهم: لا تلومونى، فإنى لم أجبركم على المعاصى وإنما دعوتكم فأجبتم لى، فلوموا أنفسكم: لإجابة دعائى.
إبراهيم 14:23
قوله عز وجل: { تحيتهم فيها سلام } [الآية: 23].
قال بعضهم: تحيات أهل الجنة وسلامهم على ضروب: فأهل الصفوة والقربة تحيتهم من ربهم وسلامهم منه على قوله:
سلام قولا من رب رحيم
[يس: 58].
ولأهل الطاعات والدرجات تحية الملائكة وسلامهم. قال الله تعالى:
والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم
[الرعد: 23، 24].
إبراهيم 14:24
قوله عز وجل: { مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة } [الآية: 24].
قال ابن عطاء: الكلمة الطيبة: لا إله إلا الله على التحقيق، والشجرة الطيبة هى تظهر أسرار الموحدين عن دنس الأطماع بالثقة بالله والانقطاع إليه عما سواه.
قال محمد بن على: الشجرة الطيبة الإيمان أثبتها الله فى قلوب أودائه وجعل أرضها التوفيق وأوراقها الولاية وسماءها العناية وماءها الرعاية وأغصانها الكفاية، وأوراقها الولاية وثمارها الوصلة وظلها الأنس، فأغصانها ثابتة فى قلب الولى وفروعها ثابتة فى السماء بالمزيد من عند الجبار، فالأصل يرعى الفرع بدوام الإشفاق والمراقبة، والفرع يهدى إلى الأصل ما يجتنيه من محل المشاهدة والقرب هكذا أبدا قلب المؤمن وفؤاده.
سمعت محمد بن عبد الله الدمشقى يقول: سمعت ابن المولد يقول: قال أبو سعيد الخراز: خزائن الله تعالى فى السماء الغيوب وخزائنه فى الأرض القلوب لأن الله تعالى خلق قلب المؤمن بيت خزائنه ثم أرسل ريحا فهبت فيه نكتة من الكفر والشرك والنفاق والغش ثم أنشأ سحابة فأمطرت فيه ثم أنبت فيه شجرة فأثمرت الرضا والمحبة والشكر والصفوة والإخلاص والطاعة وهو قوله: { كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء }.
وقال بعضهم: كل شجرة فى الدنيا إذا لم يكن لها حظ من الماء تجف، والشجرة التى فى قلبك تجف إذا لم تسقها بماء التوبة وبماء الندامة ثم بماء الحسرة، ثم بماء الشوق، ثم يأتى سحاب المنة فتمطر على قلبك مطر الرحمة حتى يكون ماء الخدمة من تحت وماء الرحمة من فوق فيكون طريا شهيا ثم يأتيه ثلاثة أشياء طريق العبودية فى النفس، وطريق الصحابة فى القلب، وطريق الذكر فى السر، فخدمة النفس الطاعة، وخدم القلب النية، وخدمة السر المراقبة على الدوام ثم يمطر عليه أمطارا على النفس مطر الهداية، وعلى اللسان مطر اللطافة، وعلى القلب مطر العظمة، وعلى السر مطر المنة وعلى الروح مطر الكرامة، فينبت من مطر اللسان الشكر والثناء ومن مطر النفس الطاعة والوفاء، ومن مطر القلب الصدق والصفاء، ومن مطر السر الشوق والحياء، ومن مطر الروح الرؤية واللقاء.
إبراهيم 14:25
قوله عز وجل: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها } [الآية: 25].
قال الواسطى: النفس كانت مواتا فأحييت وكانت جاهلة فعلمت، وكانت عمياء فبصرت بقوله:
وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة
[القيامة: 22، 23] فنضرت بالتوحيد وابتهجت بالتفريد، والله الفعال لما يريد هذا تفسير قوله: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها }.
إبراهيم 14:26
قوله عز وجل: { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة } [الآية: 26].
قال محمد بن على: الشجرة الخبيثة اللسان، ما لم يقطعها المؤمن بسيف الخوف، فإنها تثمر أبدا الكلمات الخبيثة.
قال بعضهم: الشجرة الخبيثة النفاق وهى التى لا تقر قرارا حتى يهوى بصاحبها إلى النار.
قال ابن عطاء: الشجرة الخبيثة الشهوات وأرضها النفوس وماؤها الأمل وأوراقها الكسل، وثمارها المعاصى وغايتها النار.
إبراهيم 14:27
قوله عز وجل: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } [الآية: 27].
قال: يثبت الله الذين آمنوا: على مقدار المواجيد يكون المخاوف والأمن، ولم ينزع الخوف ولا انفلت منه أحد لحظة، وما من أحد يسعى إلا خاف عقبى سعيه وهو الذى لا يخاف عقباها، فمن أثبته بالقول أسقط عنه تلك المخاوف.
قوله عز وجل: { ويفعل الله ما يشآء } [الآية: 27].
قال بعضهم: الخلق كلهم مجبورون تحت القدرة، ومقهورون على الجبروت، ليس إليهم من أمورهم شىء ممنوعون عما يريدون مقضى عليهم بما يكرهون، هذا من آثار العبودية والله مدبر الأمور ومبدئها ومنشئها أنشأها على إرادته وأبداها على مشيئته لا ناقض لما أبرم فالأفعال على الحقيقة فعله، والكون صنعه، لا علة لفعله ولا لصنعه.
إبراهيم 14:28
قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا } [الآية: 28].
قال أبو عثمان: أجهل الخلق بنعمة الله من استعملها فى أنواع المعاصى ولم يقم بشكرها من أن يعمل بها فى طاعة الله تعالى.
إبراهيم 14:30
قوله عز وجل: { قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار } [الآية: 30].
قال ذو النون: التمتع أن يقضى العبد ما استطاع من شهوته.
إبراهيم 14:32
قوله عز وجل: { وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره } [الآية: 32].
قال جعفر: سخر لكم السماوات بالمطر، والأرض بالنبات، والبحر أن يتخذ سبيلا ومتجرا، وسخر لكم الشمس والقمر، يدوران عليك ويوصلان إليك منافع الثمار والزروع، وسخر قلب المؤمن لمحبته ومعرفته، وجعل الله تعالى من العباد القلوب لأنه موضع نظره ومستودع أمانته ومعرفة أسراره.
إبراهيم 14:34
قوله عز وجل: { وآتاكم من كل ما سألتموه } [الآية: 34].
قال يحيى بن معاذ: إن الله تعالى أعطاك أكثر ما فى خزائنه وأجله وأعظمه من غير سؤال وهو التوحيد فكيف يمنعك ما هو دونها من الثواب، ودفع العقاب بسؤال فاجتهد أيها العبد أن لا يكون سؤالك إلا منه ولا رغبتك إلا فيه، ولا رجوعك إلا إليه فإن الأشياء كلها له، فمن أشغله بغيره عنه فقد قطع عليه طريق الحقيقة ومن شغله به، وجعل الأشياء طوع يديه فينقلب له الأعيان ويقرب له البعيد ويمشى حيث أحب، وهذا من مقامات العارفين.
قوله عز وجل: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها } [الآية: 34].
تعد نعمة من المنعم، فتعجز عن الإحصاء فكيف إذا تتابعت، قيل - أجل النعم استواء الخلقة وإلهام المعرفة والذكر من سائر الحيوان، ولا يطيق القيام بشكرها أحد، وقيل: إن الإنسان لظلوم: لنفسه حيث ظن أن شكره يقابل نعمه، كفار: محجوب عن رؤية الفضل عليه فى البدء والعاقبة.
قال سهل: إن تعدوا نعمة الله: عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم لن تحصوها بل جعل السفير فيما بينكم وبين السفير الأعلى والواسطة الأدنى.
قال ابن عطاء: أجل النعم رؤية معرفة النعم، ورؤية التقصير فى القيام بشكر المنعم.
قال ابن عطاء: النعمة أزلية كذلك يجب أن يكون شكرها أزلى واعلم أن لك نفسا وروحا وقلبا، فنعمة النفس الطاعات، ونعمة الروح الخوف، ونعمة القلب اليقين والحكمة، ونعمة الروح المحبة والذكر، ونعمة المعرفة الألفة بالنفس فى أبحر الطاعات تتنعم والقلب فى أبحر اليقين يتقلب، والروح فى أبحر القربة، وانتظار العيان تتنعم.
إبراهيم 14:35
قوله عز وجل: { رب اجعل هذا البلد آمنا } [الآية: 35].
قال ابن عطاء: أراد بهذا أن يجعل قلبه آمنا من الفراق والحجاب.
قوله عز وجل: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام } [الآية: 35].
قال السيارى: أن تعبد الأهواء.
قال الدينورى: الأصنام مختلفة فمنهم من صنمه نفسه، ومنهم من صنمه ولده، ومنهم من صنمه ماله ومنهم من صنمه تجارته، ومنهم من صنمه زوجته، ومنهم من صنمه حاله، فالأصنام مختلفة وكل واحد من الخلق مربوط بصنم من هذه الأصنام، والتبرئ أى من هذه الأصنام، هو أن لا يرى الإنسان لنفسه حالا ولا محالا، ولا يعتمد شيئا من أفعاله ولا يسكن من حاله إلى شىء راجعا على نفسه باللوم فى جميع ما يبدو من الخير والشر، غير راض به.
قال جعفر: لا تردنى إلى مشاهدة الخلة ولا ترد أولادى إلى مشاهدة البنوة.
قال ابن عطاء: إن الله تعالى أمر إبراهيم ببناء الكعبة فلما بنى الكعبة قال: ربنا تقبل منا: فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم أنا أمرتك ببناء البيت وخصصتك من بين الأنبياء بذلك ومننت عليك بذلك ووفقتك لما وفقتك ألا تستحى أن تمن على، ويقول: ربنا تقبل منى نسيت منتى وذكرت رؤية فعلك، قال: واجنبنى وبنى أن تعبد الأصنام أى نفسى شر صنم إذا تابعت هواها. واشتغلت بحظها فاشغلها بك، واقطعها عما سواك.
قال ابن عطاء: أن تعبد أصنام الخلة والركون إليها وهو خطرات الغفلة ولحظات الخلة.
وقال أيضا: أن تعبد الأنفس لأن لكل نفس صنما من الهوى إلا من طهر بالتوفيق.
قال الجنيد: واجنبنى وبنى، أى امنعنى وبنى أن نتقرب إليك بشىء سواك.
إبراهيم 14:36
قوله عز وجل: { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني } [الآية: 36].
قال بعضهم: لما هرب الخليل فى استرزاقه للمؤمنين، بأن قيل له: ومن كفر، فلما قال: ومن عصانى، لم يدع عليهم لكن قال: { فإنك غفور رحيم } أى من صفتك الغفران والرحمة وليس لى على عبادك يد.
إبراهيم 14:37
قوله عز وجل: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع } [الآية: 37].
قال ابن عطاء: أسكنتهم حضرتك بإخراجى إياهم عن حدود المعلومات والمرسومات.
قال آخر: سهلت عليهم طريق الرجوع إليك ليلا بمجرهم فى الكونين عنك شىء.
قال بعضهم: علمتهم بذلك طريق التوكل وترك الاعتماد على الأسباب.
قوله عز وجل: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم } [الآية: 37].
قال جعفر: لأن أفئدتهم تهوى إليك.
قال ابن عطاء: من انقطع عن الخلق بالكلية صرف الله تعالى إليه وجوه الخلق وجعل مودته فى صدورهم ومحبته فى قلوبهم وذلك من دعاء الخليل لما قطع بأهله عن الخلق والأرزاق والأسباب، دعا لهم فقال: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم }.
إبراهيم 14:38
قوله عز وجل: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما نعلن } [الآية: 38].
قال الخواص: ما نخفى من حبك وما نعلن من ذكرك.
قال ابن عطاء: ما نخفى من الأحوال، وما نعلن من الآداب.
قال أبو عثمان: طهر سرك وأعمر باطنك وأصلح خفيات أمورك، فإن الله لا يخفى عليه شىء وهو الذى يعلم ما نخفى وما نعلن.
قال بعضهم: تفرد الحق بإيجاد المفقودات، وتوحد بإظهار الخفيات من الموافقة والمخالفة.
وقال الحسين: ربنا إنك تعلم ما نخفى من الصحبة وما نعلن من الوجد.
إبراهيم 14:42
قوله عز وجل: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } [الآية: 42].
قال أحمد بن حضرويه: لو أذن لى فى الشفاعة ما بدأت إلا بظالمى، قيل له كيف؟ قال: لأنى نلت بظالمى ما لم أنله من والدى. قيل: وما ذاك؟ قال تعزية الله تعالى فى قوله: { ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } وقال أيضا: لا أغتنم سفرا، إلا أن يكون فيه معى من يؤذينى ويظلمنى شوقا منى لتغذية الله للمظلومين.
قال بعض المتقدمين: الظلم على ثلاثة أوجه: ظلم مغفور، وظلم محاسب، وظلم غير مغفور.
فالظلم المغفور ظلم الرجل نفسه، والظلم المحاسب ظلم الرجل أخاه والظلم الذى لا يغفر هو الشرك.
قال ميمون بن مهران: كفى بهذه الآية وعيدا للظالم وتعزية للمظلوم.
إبراهيم 14:43
قوله عز وجل: { وأفئدتهم هوآء } [الآية: 43].
قال ابن عطاء: هذه صفة قلوب أهل الحق. ألا ترى الأهواء قائما بالمشيئة والإيرادة غير قائمة بعلاقة، كذلك قلوب أهل الحق لا تلتفت إلى سواه ولا قرار لها مع غير الله تعالى.
إبراهيم 14:45
قوله عز وجل: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم } [الآية: 45].
قال أبو عثمان: مجاورة الفساق وأهل المعاصى من غير ضرورة من فسق كامن، ومعصية مستترة فى القلب لأن الله تعالى ذم فريقا من عباده. فقال: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم } ولم يعذر من أقام فيها وقال:
ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
[النساء: 97].
إبراهيم 14:48
قوله عز وجل: { يوم تبدل الأرض غير الأرض } [الآية: 48].
قال الواسطى فى هذه الآية: ذلك لما يظهر من كشف حقائقه فى بنى آدم من أنبيائه وأوليائه، لأن الأرض والسماوات لا تثبت على ما يثبت، يظهر على الأبدان من أنوار الحق.
قيل لبعضهم: فأين الأشياء إذ ذاك؟ قال: عادت إلى مصادرها. وقيل: متى كانوا شيئا حتى صاروا لا شئ؟ هم أقل من الهباء فى الهواء فى جنب الحق.
إبراهيم 14:52
قوله عز وجل: { هذا بلاغ للناس ولينذروا به } [الآية: 52].
قال جعفر: موعظة للخلق وإنذار لهم ليجتنبوا قرناء السوء، ومجالسة المخالفين فإن القلوب إذا تعودت مجالسة الأضداد تنعكس وتنتكس.
قال بعضهم: كشف للخلق ما ندبوا به وأمروا له وجعل ذلك إعذارا إليهم، وإنذارا لهم.
الحجر 15:2
قال بعضهم: { ربما يود الذين كفروا } فسقوا لو كانوا مجتهدين، وربما يود الذين كسلوا لو كانوا مجتهدين، وربما يود الذين نسوا لو كانوا ذاكرين.
قال عبد الله بن المبارك: ما خرج أحد من الدنيا مؤمن ولا كافر إلا على ندامة، وملامة لنفسه فالكافر لما يرى من سوء ما يجازى به، والمؤمن لرؤية تقصيره فى القيام بواجب الخدمة وترك الحرمة وشكر النعمة.
قال ابن الفرجى: الكفر ههنا كفران النعمة ومعناه: { ربما يود الذين كفروا } يعنى جهلوا نعم الله تعالى عندهم، وعليهم أن لو كانوا شاكرين عارفين برؤية الفضل والمنة.
الحجر 15:3
قوله عز وجل: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } [الآية: 3].
قال أبو عثمان: أسوأ الناس حالا من كان شغله ببطنه، وفرجه، وتنفيذ شهواته حينئذ لا تلحقه أنوار العصمة، ولا يصل ابدا إلى مقام التوبة.
قال أبو سعيد القرشى: فى هذه الآية من شغلته تربية نفسه، وطلب مرادها، والتمتع بهذه الفانية عن إقبال علينا فأعرض عنهم، ولا تقبل عليهم، وذرهم وما هم فيه فلن يصل إلينا إلا من كان لنا ولم يكن لسوانا عنده قدر، ولا خطر.
قال بعضهم: التزين بالدنيا من أخلاق المنافقين، والتمتع بها من أخلاق الكافرين.
قال الله تعالى: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا }.
الحجر 15:9
قال ابن عطاء: نحن نزلنا الذكر شفاء، ورحمة وبيانا، وفرقانا نهدى به من كان مرسوما بالسعادة منورا بتقدير السر عن المخالفة.
{ وإنا له لحافظون }. قال ابن عطاء: أى حفظه فى قلوب أوليائه ويستعمل جوارح الخاص من عبادنا.
وقال جعفر: { وإنا له لحافظون } على من أردنا به خيرا وذاهبون به عمرا.
الحجر 15:16
قال بعضهم: زين الله تعالى السماء بالكواكب والبروج وجعلها علامات يهتدى بها فى ظلمات البر والبحر. وزين القلوب باطلاعه عليها، وبأنواع الأنوار ليهتدى بتلك الأنوار إلى مقامات المعرفة وهذه العلامات إنها يهتدى بها من كان يصير مفتوح عين فؤاده ينظر إليه نظر عيان.
الحجر 15:17
قال الجنيد: قلوب العباد منها ما كانت محفوظة من نزغات الشيطان، ومنها ما كانت محفوظة بأنوار المعرفة، ومنها ما كانت باللجأ، والاستغاثة. ومنها ما كانت محفوظة بلا حول ولا قوة إلا بالله كما حفظ أسرار السماء من الشياطين بالكواكب.
قال تعالى: { وحفظناها من كل شيطان رجيم } [الآية: 17].
بالخواطر التى ترد على القلوب كاستراق سمع الجن لأخبار السماء.
الحجر 15:19
قوله عز وجل: { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي } [الآية: 19].
قال بعضهم: مد الأرض بقدرته، وأمسكها ظاهرا بالجبال الرواسى، وفى الحقيقة هو مقام أوليائه من خلقه، بهم يدفع البلاء عنهم، ولمكانهم يصرف المكاره، ومن فوقهم الأوتاد، ومن فوقهم الرواسى، فإلى المفزع مرجع العباد ومفزعهم ومرجع المفزع إذا هال الأمر إلى الأوتاد، ومرجع الأوتاد إذا استعظم الأمر إلى الرواسى وهم خواص الأولياء.
قال الله تعالى: { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي } [الآية: 19].
الحجر 15:21
قوله عز وجل: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه } [الآية: 21].
قيل: إن الجنيد. كان إذا قرأ هذه الآية قال: فأين تذهبون؟
قال بعضهم: خزائن الحق عند الخلق القلوب أودع فيها أجل شىء؛ وهو التوحيد، وزينها بالمعرفة، ونورها باليقين، ويحدها بالتفويض، وعمرها بالتوكل، وزخرفها بالإيمان.
قيل: قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء "
وجعل أثار أنوار القلوب على الجوارح من التسارع إلى الطاعات والتثاقل عن المعاصى، والمخالفات، وهذا دليل لما قلت من الكرامات.
قال الله تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه }.
قال حمدون الفصال: قطع أطماع عبيده عن سواه بقوله، وإن من شئ إلا عندنا خزائنه فمن دفع بعد هذا حاجة إلى غيره فهو لجهله ولومه.
قال رجل لأبى حفص: أوصنى فقال يا أخى احفظ بابا واحدا تفتح لك الأبواب، والزم سيدا واحدا تخضع لك الرقاب، وهكذا روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لعلى:
" يا على الزم بابا واحدا تفتح لك الأبواب واخضع لربك تخضع لك الرقاب ".
قال أبو سعيد الخراز: فى هذه الآية بلاغ لمن عقل أن خزائن الأشياء عند الحق، وبيده فلا يرجع إلى غيره فى أمر دنياه، وآخرته إلا لمن لم يصدق قوله، ولم يؤمن به.
قال ابن عطاء: فى هذه الآية النظر إلى شواهد القسم سكت النفوس عن الحكم.
الحجر 15:22
قوله عز وجل: { وأرسلنا الرياح لواقح } [الآية: 22].
قال بعضهم: رياح الكرم، إذا هبت على أسرار العارفين أعتقهم من هواجس أنفسهم، ورعونات طباعهم، وفساد أهوائهم، ومراداتهم، وأظهر فى القلوب نتائج الكرم، وهو الاعتصام بالله تعالى، والاعتماد عليه، والانقطاع عما سواه.
قال الله تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح }.
فقلوب تلقح بالبر، وقلوب تلقح بالفجور، كما فى الخبر قلوب الأبرار تغلى بالبر، وقلوب الفجار تغلى بالفجور.
قال أبو عثمان: كما أن رياح الربيع إذا هبت فتحت عروق الأشجار تحمل الماء، كذلك رياح العناية إذا هبت على القلوب فتحت أسماعها لقبول الموعظة، ودلها على طريق التوبة، وباب الإنابة.
الحجر 15:23
قوله عز وجل: { وإنا لنحن نحيي ونميت } [الآية: 23].
قال الواسطى: نحيى من نشاء بنا، ونميت من نشاء عنا.
قال بعضهم: نحيى أقواما بالطاعة، ونميت أقواما بالمعصية.
قال أبو بكر الوراق: نحيى القلوب بنور الإيمان، ونميت النفوس باتباع الشهوات.
قال الخراز: الحى من العباد من بالحق حياته، والميت منهم من بحركاته بقاؤه.
قال الجريرى: كم حى حياته موته، وميت موته حياته.
وقيل: نحيى القلوب بالمشاهدة، ونميت النفوس بالاستتار.
الحجر 15:24
قوله عز وجل: { ولقد علمنا المستقدمين منكم } [الآية: 24].
قال ابن عطاء: من القلوب قلوب همتها مرتفعة عن الأدناس، والنظر إلى الأكوان، ومنها ما هى مربوطة بها مقترنة بمحاسنها، لا ينفك منها طرفة عين.
قال تعالى: ولقد علمنا المستقدمين منكم.
قال بعضهم: ولقد علمنا الراغبين فينا والمعرضين عنا.
الحجر 15:26
قال بعضهم: الأشباح مردودة إلى قيمتها لأنها أخرجت من تحت ذل كن وأطهرت من الصلصال والحمأ المسنون.
الحجر 15:28
قوله عز وجل: { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } [الآية: 28].
قال جعفر: امتحنهم يحثهم على طلب الاستفهام. فيزدادوا علما بعجائب قدرته، وتتلاشى عندهم نفوسهم.
الحجر 15:29
قال أبو عثمان: فإذا خصصته بإظهار النعت عليه من خصائص الروح، وبيان التوبة فدعوا مجادلتهم وارجعوا إلى حد القهر، والتعبد فى السجود له.
قال الواسطى: لما نفخ الروح فى آدم جعل معرفتها معرفة الحق إياها، وعلمها علم الحق بها، ومرادها مراده إياها على محابها.
قال بعضهم: أبصرت الملائكة من آدم هيكله وشخصه، ولم يشاهدوا إضافة الروح إليه، واختصاص الخلقة به، واستقامة التوبة وتعليم الأسماء والإشراف على الغيب فنكلوا عن السجود فلما أظهر الحق تعالى بهذه الخصائص عليه، سجدوا وقالوا: سبحانك أنت تخص من تشاء من عبادك بخصائص الولاية، وتنعته بنعوت الربانية، وتجذبه إلى بساط القربة وأنت الفعال لما تريد.
قال الواسطى: الفرق بين روح آدم، وبين الأشياء تسوية الخلقة، وتخصيص الإضافة فقربت من الله تعالى، وعرفته، ومكنتها من حكمه فغيبت، ورجعت إليه بالإشارة، وقطعت عنه العبادة وذلك كله من عز الفخر إذا لم يلبسها ذل القهر زينها بخلقه فتخلقت بخلقه وتأدبت بصفته، وكانت به تنطق، وبإشارته تعقل وهذا تفسير قوله { فإذا سويته }.
الحجر 15:30
قوله عز وجل: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } [الآية: 30، 31].
قال أبو عثمان: فتح الله تعالى أعين الملائكة بخصائص آدم، وأعمى عين إبليس عن ذلك فرجعت الملائكة إلى الاعتزاز، وأقام إبليس على منهج الاحتجاج بقوله
أنا خير منه
[الأعراف: 12، ص: 76].
سئل بعضهم: لم امتنع إبليس من السجود وأبى مع علمه؟ قال: لأن علمه كان علم عارية عنده فلم يكن حقيقة، إنما كان مستودعا فيه لأجل هلاكه، فلما ظهر الوقت جحد ما كان يعرف وأبى ما كان يطيع.
الحجر 15:31
قوله عز وجل: { فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس } [الآية: 30، 31].
قال أبو عثمان: فتح الله تعالى أعين الملائكة بخصائص آدم، وأعمى عين إبليس عن ذلك فرجعت الملائكة إلى الاعتزاز، وأقام إبليس على منهج الاحتجاج بقوله
أنا خير منه
[الأعراف: 12، ص: 76].
سئل بعضهم: لم امتنع إبليس من السجود وأبى مع علمه؟ قال: لأن علمه كان علم عارية عنده فلم يكن حقيقة، إنما كان مستودعا فيه لأجل هلاكه، فلما ظهر الوقت جحد ما كان يعرف وأبى ما كان يطيع.
الحجر 15:35
قال الواسطى: اللعنة التى لم تزل تستحقه منى وإن كانت الأوقات جرت عليك بزينة السعادة.
الحجر 15:39
قوله عز وجل: { لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [الآية: 39- 40].
قال أبو حفص: العبد المخلص من لا يخالف سيده ظاهرا وباطنا وسرا وعلنا.
قال أبو عثمان: المخلص من العبيد هم الواقفون مع الله تعالى عند حدوده.
قال رجل ليحيى بن معاذ: بماذا أكرم الله تعالى عباده المخلصين؟ قال: بالإيمان بالغيب والمشاهدة.
سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول: سمعت فارسا يقول: قال ذو النون: أو سهل: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم.
قال النصرآباذى: المخلص على خطر عظيم لأنه بإياه والمخلص جاوز حد الخطر لأنه بغيره لا به.
الحجر 15:40
قوله عز وجل: { لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } [الآية: 39- 40].
قال أبو حفص: العبد المخلص من لا يخالف سيده ظاهرا وباطنا وسرا وعلنا.
قال أبو عثمان: المخلص من العبيد هم الواقفون مع الله تعالى عند حدوده.
قال رجل ليحيى بن معاذ: بماذا أكرم الله تعالى عباده المخلصين؟ قال: بالإيمان بالغيب والمشاهدة.
سمعت أحمد بن على بن جعفر يقول: سمعت فارسا يقول: قال ذو النون: أو سهل: الناس كلهم موتى إلا العلماء، والعلماء كلهم نيام إلا العاملون، والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين، والمخلصون على خطر عظيم.
قال النصرآباذى: المخلص على خطر عظيم لأنه بإياه والمخلص جاوز حد الخطر لأنه بغيره لا به.
الحجر 15:42
قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [الآية: 42].
قال بعضهم: عبادى الذين أوصلتهم إلى قربى من غير كلفة ولا سابقة أفنيتهم عن صفاتهم وزينتهم بإظهار صفاتى عليهم فهم مع الخلق بالهياكل، ومعى بالأرواح والسرائر لا عليهم من الخلق أثر، ولا لهم مما هم فيه خبر أولئك هم عبادى حقا ليس لهم مطلب سواى ولا مرجع إلا إلى هم هم لا بإياهم بل أنا أنا ولا هم هم، فلا صفة لهم، ولا أخبار عنهم لفنائهم عنهم، وبقائهم بى.
الحجر 15:45
قال بعضهم: من اتقى الشرك فهو فى بساتين وأنهار، ومن اتقى الله فهو فى حظيرة القدس فى مقعد صدق عند مليك مقتدر.
قال الواسطى: من اتقى الله لعوض جعل ثوابه عليه ما يرجوه، ويأمله ومن اتقى لا لعوض فالحق عوض له من كل ثواب.
الحجر 15:47
قوله عز وجل: { ونزعنا ما في صدورهم من غل } [الآية: 47].
قال أبو حفص: كيف يتقى الغل فى قلوب ائتلفت واتفقت على محبته، واجتمعت على مودته وأنست بذكره. إن ذلك لقلوب صافية من هواجس النفوس وظلمات الطبائع. بل كحلت بنور التوفيق، فصاروا إخوانا على سرر متقابلين.
الحجر 15:48
قوله عز وجل: { لا يمسهم فيها نصب } [الآية: 48].
قال النصرآباذى: أى نصب يلحق فى المجاورة لمن عقل ولمن انتبه فأى راحة للحدث فى جنب القدم. هل هو إلا تعذيب واستهلاك؟.
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر يقول: الملطى يذكر عن على بن موسى الرضى عن أبيه عن جعفر الصادق فى قوله: { عباد الرحمن } قال: حملة الخلق من جهة الخلقة لا من جهة المعرفة، (وعبادى) تخصيص فى العبودية، والمعرفة.
الحجر 15:49
قال: أقم عبادى بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبل الاستقامة فى الإيمان فإنه من غلب عليه رجاؤه عطله، ومن غلب عليه خوفه أقنطه.
الحجر 15:50
قال: أقم عبادى بين الخوف والرجاء ليصح لهم سبل الاستقامة فى الإيمان فإنه من غلب عليه رجاؤه عطله، ومن غلب عليه خوفه أقنطه.
الحجر 15:54
قوله عز وجل: { أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون } [الآية: 54].
قال الجوزجانى: أتاكم الكبر أيام القنوط من الدنيا وما فيها والإقبال على الآخرة، وما عند الله. ألا ترى أن إبراهيم عليه السلام لم يقبل البشرى بالولد من الملائكة عند الكبر وقال: { فبم تبشرون } إلى أن ذكروا له أن البشرى من الله تعالى فزال عنه القنوط لعلمه بقدرة الله على ما يشاء.
الحجر 15:72
قال بعضهم: أحوال النبى صلى الله عليه وسلم بين جذب وحجب، وإذا حجب بقوله: لعمرك، وإذا صرف جذب لقوله:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل
[الحاقة: 44].
قال بعضهم: { لعمرك } بعمارة سرنا بمشاهدتنا، وقطعك عن جميع المكونات.
قال النووى: فى قوله: { لعمرك } أى العمارة التى خصصت بها من بين الخلق، فحببوا بالأرواح وحببت بنا فبقاؤك متصل ببقائى لأنك باق بى.
قال جعفر: لعمرك أى بحياتك يا محمد إن الكل فى سكرة الغفلة، وحجاب البعد إلا من كنت وسيلته، ودليله إلينا.
قال بعضهم: { لفي سكرتهم يعمهون } أى: فى شغل الدنيا يتحركون.
قال القرشى: أقسم الله تعالى بحياة محمد صلى الله عليه وسلم فقال: { لعمرك } لأن حياته كانت به، وهو فى قبضة الحق وبساط القرب، وشرف الانبساط، ومقام الإنفاق، فأقسم بحياته، فقال: { لعمرك } أى بحياة مثلك يكون القسم فإن الكل زاغوا، وما زغت، وطغوا، وما طغيت وسألوا وما سألت حتى بدأناك بالإجابة قبل السؤال فحياتك غير الحياة التى كانت بها حياة الخلق قبلك، وبه حياة القلب فإنك حى بحياتنا وغير مباين منا بحال.
قال أبو سعيد الخراز: وصفه لخلقه ثم ستره ببره عن خلقه.
الحجر 15:75
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
" اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "
ثم قرأ: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين }.
قال الواسطى: السرائر بحظوها مصروفة عن أوقاتها صدقها فى تحركها أظهر عليها صدقها فى تعبرها يظهر من السرائر أبرأ. فهو ما يوفقك عليهما عفوا فيشرف المتفرس عليها فى أوقاتها بتعرفها.
قال الله تعالى: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين } قال هم: المتصفحون المتفرسون.
قال بعضهم: المتفرس على ثلاثة أوجه بالنظر والسمع، والعقل، وأجل من هذا حال الكشف لمن أوتيه، وتكون فراسته غائبا، وحاضرا صحيحة.
قال بعضهم: (المتوسمون) هم المتفرسون فإذا أردت أن تعرف بواطنهم فى الحقيقة فانظر إلى تصاريف أخلاقهم ومواقيت أشجانهم.
قال محمد بن خفيف: الفراسة وقومه على ثلاثة أوجه:
المكنون من الآفات المستكن فى النفوس فى الأحوال المستخفة عن حمل عوام الخلق، وذلك مخصوص به الرسل كما كان للنبى صلى الله عليه وسلم فى عبد بن زمعة حين قال:
" إن أمرها ليبن لولا حكم الله تعالى ".
والثانى: تجلى ما استودع الحق فى النفوس فى الأحكام الخفية علمها على الخلق المنفرد به الحق ويكشف ذلك لأهل التخصيص من الصديقين والأولياء بعد الأنبياء صلوات الله عليهم. كما قال أبو بكر الصديق: رضى الله عنه إنما هما أخواك وأختاك.
والثالث: ذكر اطلاع القلوب عندما انكشف له من الغيب البعيد ما فيه، وهذا مقرون بالإلهام. كما قال عمر رضى الله عنه " يا سارية الجبل ".
وقال: إنما حذر النبى صلى الله عليه وسلم بقوله " اتقوا فراسة المؤمن طائفة هم قائمون بأحكام نفوسهم أن يتقوا طائفة هم خارجون عن أحكام نفوسهم بما كساهم الله تعالى من نوره فصاروا بذلك ناظرين مشرقين على أهل الظلمة لأن الظلمة لا يصادف بها الظلمة.
قال بعضهم: صفة المتفرس من صفى الحق روحه بطهارة قدسه وذكى قلبه بأنوار هدايته فتقسم روحه بخفى ما استودع الحق خفيات الوجود فذلك النور والحكم يسمى فراسة.
قال بعضهم: الفراسة إدراك الشىء على حقيقته لا يزول ولا يغير لأن الناظر إذا نظر بالحق أخبر عن حقيقة.
سئل الحسين عن الفراسة: فقال: حق نظر برياه فخبر عن حقيقة ما هو إياه بإياه.
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت الخلدى يقول: سمعت أبا حفص الحداد يقول: الفراسة هى أول خاطر بلا معارض فإن عارض معارض من جنسه فهو خاطر، وحديث نفسى.
قال أبو حفص: ليس لأحد أن يرعى لنفسه الفراسة، ولكن يجب أن تتقى من فراسة الغير فيه لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" اتقوا فراسة المؤمن "
، ولم يتفرسوا فى المؤمنين.
وسئل أبو عثمان عن الفراسة. فقال: آيات الربانية تظهر فى أسرار العارفين، فتنطق ألسنتهم بذلك، فيصادف الحق.
الحجر 15:85
قوله عز وجل: { فاصفح الصفح الجميل } [الآية: 85].
قال بعضهم: صفح لا توبيخ، ولا حقد بعده، الرجوع إلى ما كان قبل ملابسته المخالفة.
أخبرنا أبو بكر الرازى قال حدثنا جعفر الخلدى حدثنا ابن مسروق حدثنا حسن بن مواتا الثعلبى حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن محمد بن الحنفية عن على فى قوله: { فاصفح الصفح الجميل } قال هو الرضا بلا عتاب.
الحجر 15:87
قوله عز وجل: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } [الآية: 87].
سمعت منصور بن عبد الله الأصبهانى، ويقال الهروى يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندرانى يقول: سمعت أبا جعفر الملطى يقول عن على بن موسى الرضى عن أبيه عن جعفر فى هذه الآية.
قال: أكرمناك، وأنزلنا إليك، وأرسلناك، وألهمناك، وهديناك، وسلطناك ثم أكرمناك سبع كرامات.
أولهما: الهدى، والثانى: النبوة، والثالث: الرحمة، والرابع: الشفقة، والخامس: المودة والألفة، والسادس: النعيم، والسابع: السكينة، والقرآن العظيم، وفيه اسم الله الأعظم.
الحجر 15:88
قوله: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } [الآية: 88].
قال بعضهم: غار الحق على حبيبه أن يستحسن من الكون شيئا أو بغيره طرفه فإن ذلك متعة لا حاصل له عند الحق وأراد منه أن يكون أوقاته مصروفة إليه، وأيامه موقوفة عليه وأنفاسه حبيسة عنده.
فقال: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم } كذلك لما رفع إلى المحل الأعلى
ما زاغ البصر وما طغى
[النجم: 17].
الحجر 15:89
قال يوسف بن الحسين: أذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر عن نفسه بأنه السفير الأجل والمعلم الظاهر والبيان الشافى بقوله: { إني أنا النذير المبين }.
قال يوسف بن الحسين قوله: { فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون } [الآية: 92-93].
قال الواسطى: غفلة العامة هى المسئول عنها أهل الحقائق من حركات الأطراف وخطرات القلب، وهواجس السر.
قال الجنيد: لنسألن أهل الحقائق عن تصحيح ما أظهروه للناس من الدعاوى، وتحقيقها.
قال الواسطى: يطالب الأنبياء، والأولياء بمثاقيل الذر لدنو رتبتهم، ولا يطالب للعام بذلك لبعدهم عن مصادر النبيين صلوات الله عليهم أجمعين.
قال بعضهم: نسئلهم عن كل حركة وسكون فبماذا كانت حركتهم، ولماذا كان سكونهم، وبلغنى عن بعض المشايخ.
قال لبعض المريدين إياك، وهذه الدعاوى فإن الله تعالى سائلك عنها قال: المريد لو علمت أن الله تعالى يكلمنى يوم القيامة، أو يسألنى عن هذا لما كان منى فى طول عمرى إلا هذا وأنا ممن يصلح لمخاطبة الحق، وللوقوف بين يديه وسقط ومات رحمه الله.
الحجر 15:97
قوله عز وجل: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [الآية: 97].
بجهلهم وحدهم فيكم ثم أمرهم بلزوم طاعته يقول: { فسبح بحمد ربك } [الآية: 98].
وقوله تعالى: { فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } [الآية: 98].
قال الواسطى: { فسبح بحمد ربك } عن أن يظلمك فيما سلطه عليك، { وكن من الساجدين } من الخاضعين لقضائه.
الحجر 15:98
قوله عز وجل: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون } [الآية: 97].
بجهلهم وحدهم فيكم ثم أمرهم بلزوم طاعته يقول: { فسبح بحمد ربك } [الآية: 98].
وقوله تعالى: { فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين } [الآية: 98].
قال الواسطى: { فسبح بحمد ربك } عن أن يظلمك فيما سلطه عليك، { وكن من الساجدين } من الخاضعين لقضائه.
الحجر 15:99
قال الواسطى: حتى يأتيك اليقين: أنه لا إله يسوق إليك المكاره ويصرفها عنك إلا الله ولا إله يسوق إليك المحاب ويصرفها عنك إلا هو.
وقال وفى قوله: واعبد ربك: أى لا تلاحظ غيره فى الأوقات حتى يأتيك اليقين فيتحقق عندك أنك لا تحس بغيره الحق، ولا ترى إلا الحق ولا يحادثك إلا الحق.
قال يحيى بن معاذ: للعابدين أردية من النور بكونها شذاها الصلاة ولحمتها الصوم.
وقيل: { واعبد ربك } انقطاعا إليه واعتمادا عليه حتى يأتيك اليقين بأن الأمر كله إليه وأنه تولى إضلال من أضل وهداية من هدى قال ابن عطاء: لم يرض من نبيه صلى الله عليه وسلم لمحة عين إلا فى عبادته، وقال من نظر إلى معبود سقط عن عبادته، ومن نظر إلى عبادته. سقط عن معبوده.
قال الحسين: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين } أى حتى تستيقن أنك لا تعبده ولا يعبده أحد حق العبودية. ابتداء وانتهاء واستوجب ما لا بد من مكافأته.
النحل 16:1
قوله عز وجل: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه } [الآية: 1].
قال بعضهم: هل رأيتم أمرا من الأمور إلا بأمر الله وهل رأيتم وجدا وفقدا إلا به -لا تعجلوا بطلب الفرج فإن النصر مع الصبر.
قال بعضهم: ظهر كرامات الله تعالى من هو لها أهل فلا ينكروا ذلك وهو الحق، أو يعجزوه فى إظهار كرامة على عبد من عبيده.
قال النصرآباذى: أوامر الحق شتى منها أمر على الظاهر من الترسم بالعبادات، وأمر على الباطن من دوام المراعاة، وأمر على القلب بدوام المراقبة، وأمر على البر بملازمة المشاهدة، وأمر على الروح بلزوم الحضرة، هذا ومعنى قوله: { أتى أمر الله فلا تستعجلوه }.
النحل 16:2
قوله عز وجل: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } [الآية: 2].
فقال: من أنذر أو حذر فقد قام مقام الأنبياء وربما يأتى أمره بالبلاء، وربما يأتى أمره بالرحمة، فالصبر فى الأوقات والرضا بأمر الله، ذلك لكل أواب حفيظ: حفظ أوقاته ولا يضيع أيامه.
قال ابن عطاء: المحدث من العباد من يكلمه الملك فى سره ويطلعه على خصائص الغيوب ويفتح لروحه طريقا إلى الإشراف على القرب، قال الله تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده }.
النحل 16:7
قوله عز وجل: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس } [الآية: 7].
قال: المحمول على بساط الرفاهية والحامل فى مفاوز المشقة فمن حمل فقد كفى ومن أهمل فقد ضيق عليه لذلك. قال: { لم تكونوا بالغيه } بأنفسكم وتدبيركم إلا بشق الأنفس. وربما يهون على من يشاء من عباده حتى لا يصيبه في سيره تعب ولا نصب كذلك سير العارفين من سير الزاهدين.
النحل 16:8
قوله عز وجل: { ويخلق ما لا تعلمون } [الآية: 8].
قال بعضهم: علمك الحق الوقوف عندما لا يدركه عقلك من آثار الصنع وفنون العلوم أن تقابله بالإنكار فإنه خلق ما لا تعلمه أنت ولا يعلمه أحد من خلقه إلا من علمه الحق ألا تراه يقول: { ويخلق ما لا تعلمون }.
قال القاسم: يقدر عليكم من أفعالكم ما لا تعلمون إلا فى وقت مباشرته وهو عالم به لأنه الذى قدر وقضى.
النحل 16:9
قوله عز وجل: { وعلى الله قصد السبيل } [الآية: 9].
قال الواسطى: على الله أن يهدى إلى قصد السبيل ما هو جائر والله تعالى سبب الجائر والسبيل القصد وهو السلوك على أنوار اليقين والجائر من السبل، سبل التوهم والدعاوى.
النحل 16:12
قوله عز وجل: { وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر } [الآية: 12].
قال جعفر الصادق: سخر لكم ما فى السماوات من الأمطار وما فى الأرض من النبات وما فى الليل والنهار من أنواع الدواب وسخر لك الملائكة يسبحون لك وما فى الأرض من الأنعام والبهائم والفلك والخلق وسخر لكم الكل لك لا يشغلك منه شىء وتكون مسخرا لمن سخر لك هذه الأشياء. فإنه سخر لك كل شىء وسخر قلبك لمحبته، ومعرفته وهو حظ العبد من ربه.
النحل 16:16
قال المالكى: طريق الهداية له أعلام فمن استدل بالأعلام بلغ إلى محل الهدى وكوشف عن معدن النجوى ومن استدل بنجوم المعرفة ومر فى طريق الهداية وكان عالما بسراها وصل إلى غاية المنتهى من الطريق ولا دليل على الحق سواه ولا علامة تخبر عنه وهو الدليل على نفسه ليس لأحد إليه سبيل ولا لخلق عليه دليل فمن وصل إليه فيه وصل ومن انقطع عنه فسوابق قضائه عليه.
النحل 16:18
قوله عز وجل: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ } [الآية: 18].
قال ابن عطاء: إن لك نفسا وقلبا وروحا وعقلا ومحبة ومعرفة ودينا وطاعة ومعصية وابتداء وانتهاء وحنينا وأصلا ووصلا فنعمة النفس الطاعات والإحسان والنفس فيهما. تتنعم ونعمة القلب والروح الخوف والرجاء وهى فيهما تنعم ونعمة القلب اليقين والإيمان وهو فيها يتقلب ونعمة العقل الحكمة والبيان وهو فيهما يتقلب ونعمة المعرفة الذكر والقرآن وهو فيها يتقلب ونعمة المحبة والألفة والمواصلة والأمن من الهجران وهو فيهما يتقلب هذا تفسير قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ }.
النحل 16:21
قوله عز وجل: { أموات غير أحيآء وما يشعرون } [الآية: 21].
ومن كان بين طرفى عدم فهو معدوم والحى هو الذى لم يزل ولا يزال.
وقال بعضهم: أموات عن الوصول إلى الحق غير أحياء به وما يشعرون وإنما يشعر ذلك من كشف له عن محل الحياة بالحق.
قال الحسين: الحياة على أقسام فحياة بكلماته وحياة بأمره وحياة بقربه وحياة بنظره. وحياة بقدرته وحياة هى الموت وهى الحركات المذمومة وهو قوله: { أموات غير أحيآء وما يشعرون }.
قال سهل بن عبد الله: خلق الله تعالى الخلق ثم أحياهم باسم الحياة ثم أماتهم بجهلهم بأنفسهم فمن حيى بالعلم فهو الحى وإلا فهم موتى بجهلهم.
قال الواسطى: الميت من غفل عن مشاهدة المنان والحى من كان حيا بالحى الذى لا يموت.
قال بعضهم: كيف يكون حيا من لم يحيى بشاهد حى.
سمعت أبا عثمان المغربى: يقول: سمعت أبا عمرو الزجاجى يقول: كيف تحيون وأنتم لم تروا حيا سمعت النصرآباذى: يقول: أهل الجنة أموات ولا يشعرون لاشتغالهم بغير الحق وأهل الحضرة أحياء لأنهم فى مشاهدة الحى.
قال الله تعالى: { أموات غير أحيآء وما يشعرون }.
النحل 16:30
قوله عز وجل: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين } [الآية: 30].
قال أبو عثمان: للذين أحسنوا فى ابتداء أحوالهم الرجوع إلى محل المحسنين.
قال يوسف بن الحسين: للذين أحسنوا آداب الخدمة واستعملوها. الرفعة إلى محل الأولياء وهو غاية الحسنى.
وقال بعضهم: للذين أحسنوا مجاورة نعم الله فى الدنيا إتمام النعمة من الله تعالى عليهم فى الآخرة.
النحل 16:32
قوله عز وجل: { الذين تتوفاهم الملائكة طيبين } [الآية: 32].
أى: طيبة أبدانهم وأرواحهم بملازمة الخدمة وترك الشهوات.
وقال أيضا: طيبين أى لم يتدنسوا من الدنيا وخبيثها بشىء.
وقال أبو حفص: ضياء الأبدان بمواصلة الخدمة. وضياء الأرواح بالاستقامة.
النحل 16:36
قوله عز وجل: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله } [الآية: 36].
قال: محمد بن الفضل: بعث الله تعالى الأنبياء عليهم السلام بإظهار الوحدانية وتعليم العبودية. واجتناب موافقة الطبائع والأهواء والشهوات لذلك قال فى كتابه: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله }.
قوله عز وجل: { واجتنبوا الطاغوت } [الآية: 36].
قال سهل: العبادة زينة العارفين وأحسن ما يكون العارف إذا كان فى ميادين العبودية والحذوة بترك ما له لما عليه.
النحل 16:37
قوله عز وجل: { إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل } [الآية: 37].
قال الواسطى: السعادة والشقاوة والهدى والضلال جرت فى الأزل بما لا تبديل ولا تحويل وإنما يظهر فى الأوقات رسما على الأجسام والهياكل لا صنع فيه لأحد وليس يقدر عليها خلق بل جرت فى الأزل بعلم سابق قصر عنها أيد الأنبياء وألسن الأولياء بقوله: إن الله لا يهدى من يضل.
النحل 16:40
قال القحطبى: فى قوله: { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه أن نقول له كن فيكون }.
الأشياء كلها لا شىء فى الحقيقة إلا أن يتصل بها لفظ الإرادة ولفظ الإرادة أزلية يصيرها شيئا وإلا فهى لا شىء لأنها أخرجت من تحت ذل كن والشىء الحقيقى الذى لم يزل ولا يزال قائما بصفاته قادرا فى ذاته.
وقيل فى قوله: { إنما قولنا لشيء } أخبار عن القدرة.
سئل بعضهم: أما كان يكفى الإرادة والمشيئة حتى ظهر قوله كن قال خفيت الإرادة والمشيئة فأظهر الأكوان فى العلوم وظهر لفظة كن فأخرج بها الأكوان إلى الوجود.
قال الواسطى: إنما قولنا لشىء إذا أردناه: أنه على قدر المعارف أشار إلى القدرة فأما الحقيقة فليس للحق مكون كما أنه ليس له موجود إذا لم يكن له معدوم فإذا كانت الأشياء بذاته ظهرت وبه وجدت لا بصفاته فلم يزل كما لا يزال إلا أنه لم يكن أظهر بعضهم لبعض ظهور الأشياء بذاته لا بصفاته.
قيل: ليس المراد منه ما ذكر ولكن التقريب إلى الأفهام لا أن فيه لفظة كن، والله أعلم.
النحل 16:42
قال الجنيد: غاية الصبر وتصحيحه أن يورث صاحبه التوكل.
قال الله تعالى: { الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون }.
قال بعضهم: صبروا على موارد القضاء وتوكلوا فى مضمون الرزق.
قال بعضهم: الصبر هو العزم على مخالفة المراد والتوكل هو السكون فى حال المنع والعطاء.
قال أبو يعقوب السوسى: الصبر تلقى المكاره بوجوه طلقة.
قال النهرجورى: التوكل نسيان حظوظ النفس.
قال إبراهيم الخواص: التوكل هو الاكتفاء بعلم الله فيك من تعلق القلب بسواه.
وقال أيضا: الصبر هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة.
قال الواسطى: التوكل: الصبر لطوارق المحن ثم التفويض ثم الرضا ثم الثقة.
وقال أيضا: أصل التوكل صدق الفاقة والفقر.
النحل 16:44
قوله عز وجل: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم } [الآية: 44].
قال ابن عطاء: قطع عقول الخلق عن فهم كتابه والإشراف عليه والتبين منه إلا عقل النبى صلى الله عليه وسلم فإنه قال له: { وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس } وإن كان فيه أحكام الخلق فالخطاب معك وأنت صاحب البيان لهم بما أنزل عليك لأنهم فى مقام الوحشة وأنت فى محل الحظور والإيمان فبيان الكتاب ما نبينه وآداب الشريعة ما ترسمه لأنك أنت الأمين فى جميع الأحوال لا يؤتمن على أسرار الخلق إلا الأمناء من العبيد. وأنشأ فى معناه.
من سارروه فأبدى السر مشتهرا
لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا
وجانبوه فلم يسعد لقربهم
وأيدوه مكان الأنس أنجاسا
لا يصطفون مضيعا بعض سرهم
حاشا ودادهم من ذاكم حاشا
النحل 16:48
قوله عز وجل: { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا لله } [الآية: 48].
قال بعضهم: ما خلق الله تعالى شيئا من الجماد والحيوان ينازع خالقه وصانعه إلا الإنسان فإنه أبدا يدعى لنفسه ما ليس من معرفة وعلم وتوثب على الوحدانية والفردانية بادعاء الأهل له والولد جل وعلا يتكبر عن الإذعان والخضوع لذلك.
قال الله تعالى: { أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء } [الآية: 48].
النحل 16:51
قوله عز وجل: { وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد } [الآية: 51].
قال أبو عثمان: نهاك ربك أن تتخذ إلهين أو تدعى معه شريكا فاتخذت معه آلهة وادعيت شريكا كيف يصح لك مع ذلك التوحيد وأنت تعبد نفسك، وهواك، وطبعك، ومرادك، وتعبد الخلق فأنى تصل إلى محل العبودية لله تعالى.
النحل 16:53
قال أبو حفص: جميع النعم عليك من ربك، وشكرك لغيره ورجوعك فى النوائب إليه، وعبادتك لغيره، وما هذا من أفعال أولى الألباب.
قال الله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون }.
قال محمد بن الفضل: أجل نعمة الله عليك أن عرفك نفسه، وألهمك لشكر نعمه.
النحل 16:54
قال بعضهم: الله تعالى كاشف كل ضر، وأنت تدور بشكر النعم على أبواب العبيد. هل هو إلا الشرك الظاهر.
النحل 16:62
قوله عز وجل: { ويجعلون لله ما يكرهون } [الآية: 62].
سمعت عبد الله بن محمد المعلم يقول سمعت عبد الله بن محمد بن منازل يقول لبعض الأغنياء: كيف يكون يوم القيامة إذا قال الله تعالى: هاتوا ما دفع إلى السلاطين والمغنيين وغيرهم ومن أمثالهم، فيؤتى بالدواب والثياب والأموال الفاخرة، وإذا قال: هاتوا ما دفع إلى فيؤتى بالكسر والخرق وما لا يؤبه له ألا تستحى من ذلك الموقف.
النحل 16:66
قوله عز وجل: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه } [الآية: 66].
قال أبو بكر الوراق: العبرة فى الأنعام تسخيرها لأربابها وطاعتها لهم وتمردك على ربك وخلافك له فى كل شىء.
قال يحيى بن معاذ: سخر الله تعالى لك الأنعام لتحملك وتحمل أثقالك وهى غير مخاطب ولا محاسب فترى أبدا بريئا يحمل مذنبا.
النحل 16:68
قوله عز وجل: { وأوحى ربك إلى النحل } [الآية: 68].
قال ابن عطاء: ألهمها ودلها على الموضع وعلمها.
كيف تصنع ما فى بطنها ولا تضعه إلا على حجر صاف أو خشب نظيف لا يخالطه طين ولا تراب.
النحل 16:69
قوله عز وجل: { ثم كلي من كل الثمرات } [الآية: 69].
أى من الذى جعلته رزقك ثم أمره بالتواضع.
فقال: { فاسلكي سبل ربك ذللا } [الآية: 69].
ثم قال: { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفآء للناس } [الآية: 69].
للنفوس لا للقلوب فمن أراد صلاح قلبه فليتعرف موارد ما يرد على قلبه فى الأوقات ومحل قلبه فى جميع الأحوال وما يسر فى قلبه فى كل زمان ثم ليلزم مع ذلك التواضع والخلوة فهذا غذاء للقلب وذاك غذاء النفس وغذاء الروح أعز وهو مشاهدة الحق والسماع منه وترك الالتفات إلى المكونات بحاله.
وقال ابن عطاء: جعل ما يخرج من النحل شيئين ممزوجين لا يصفيهما إلا النار فإذا صفيتهما النار صار عسلا وشمعا فالعسل هو غذاء الخلق وشفاؤهم والشمع للحرق لا غير ذلك كذلك العبد إذا أخلص عمله خلص له عمله، وما خالطه برياء وشرك لا يصلح إلا للنار.
قوله عز وجل: { يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه }.
قال أبو بكر الوراق: النحلة لما اتبعت الأمر وسلكت سبيلها على ما أمرت به جعل لعابها شفاء للناس، كذلك المؤمن إذا اتبع الأمر وحفظ السر وأقبل على ربه جعل رؤيته وكلامه ومجالسته شفاء للخلق فمن نظر إليه اعتبر ومن سمع كلامه اتعظ ومن جالسه سعد.
النحل 16:71
قوله عز وجل: { والله فضل بعضكم على بعض في الرزق } [الآية: 71].
قال إبراهيم الخواص: منهم من جعل رزقه فى الطلب ومنهم من جعل رزقه فى القناعة ومنهم من جعل رزقه فى التوكل ومنهم من جعل رزقه فى الكفاية ومنهم من جعل رزقه فى المشاهدة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" إنى أظل عند ربى يطعمنى ويسقينى ".
قال الفضيل بين عياض: " أجل ما رزق الإنسان معرفة تدله على ربه وعقلا يدله على رشده ".
النحل 16:72
قوله عز وجل: { ورزقكم من الطيبات } [الآية: 72].
قال حارث المحاسبى: ورزقكم من الطيبات الفيىء والغنيمة.
وقال أحمد بن أبى الحوارى: المناجاة فى البوادى.
قال بعضهم: سألت ابن الجلاء عن الرزق الطيب قال: ما يفتح لك من غير طلب ولا استشراف.
النحل 16:74
قوله عز وجل: { فلا تضربوا لله الأمثال } [الآية: 74].
أى للتشبيه ولكن اضربوا الأمثال للدلالة، والأمثال: تصوير ما فى الغائب.
وقال ابن عطاء: فى قوله: { فلا تضربوا لله الأمثال } فى ذاته وما نيته لأن الذات ممتنع عن العلل بحال.
قال الواسطى: الأشياء كلها أقل من ذر فى الهواء كيف يظهر فى الذات.
قال الله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال }. فى ذاته وكيفيته لأنه ليس كمثله شىء فأما صفاته التى أظهرها للخلق كسواه لهم وأعز.
وقال: { فلا تضربوا لله الأمثال } فى صفاته وذاته لأن الصمدية تمتنع عن الوقوف على ماهية ذاته وكيفية صفاته.
وقال إنما ضرب الأمثال وأكثر ما فيها من المقال ضربا للسرائر وأن يغنى عن حضورها فيما أسرى إليها.
النحل 16:75
قوله عز وجل: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء } [الآية: 75].
قال بعضهم: أخبر الله تعالى عن العبد وصفته فقال: { لا يقدر على شيء } فمن رجع إلى شىء من عمله وحاله وعلمه فهو المتبرئ من العبودية وهو فى منازعة الربوبية والعبودية هو التخلى مما سوى معبود يرى الأشياء ويرى نفسه له.
النحل 16:77
قوله عز وجل: { ولله غيب السماوات والأرض ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب } [الآية: 77].
قال النهرجورى: الحق تعالى ستر غيبه فى خلقه وستر أوليائه فى عباده فلا يشرف على غيبه إلا الخواص من أوليائه ولا يشرف على أوليائه إلا الصديقون من عباده فالإشراف على الغيب عزيز والإشراف على الأولياء أعز وأعز.
النحل 16:78
قوله عز وجل: { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار } [الآية: 78].
قال الواسطى: أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تفهمون شيئا مما أخذت عليكم من الميثاق فى وقت بلى.
وقال بعضهم: لا تعلمون شيئا مما قضيت لكم وعليكم من الشقاوة والسعادة. ثم جعل للسعيد من عباده السمع ليسمع بهما لطيف ذكره والأبصار ليبصر بها عجائب صنعه والأفئدة ليكون عارفا بصانعه ومخترعه وهذه الأعضاء والحواس هى الموجبة للشكر والشاكر من رأى منة الله تعالى عليه فى سلامة هذه الحواس وصاحب الكفران من يرى أنه يؤدى بها شكر شىء من نعم الله تعالى عليه شىء من أحواله.
قال أبو عثمان المغربى: جعل لكم السمع لتسمعوا به خطاب الأمر والنهى، والأبصار لتبصروا بها عجائب القدرة، والأفئدة لتعرفوا بها آثار موارد الحق عليكم.
{ لعلكم تشكرون } أى لعلكم تبصرون دوام نعمى عليكم فترجعوا إلى بابى.
قال بعضهم: تمام النعمة هو أن يرزق العبد الرضا بمجارى القضاء.
قال ابن عطاء: تمام النعمة فى الدنيا المعرفة وفى الآخرة الرؤية.
وسئل بعضهم: ما تمام النعمة؟ قال: هو التنعم فى الاستسلام وإسقاط التدبير.
قال أبو محمد الجريرى: تمام النعمة خلو القلب من الشرك الخفى وسلامة النفس من الرياء والسمعة.
النحل 16:83
قوله تعالى: { يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها } [الآية: 83].
قال بعضهم: يتقلبون فى نعمة ولا يوفقون لشكره.
قال بعضهم: من إنكار النعمة جحود المنعم.
قال النصرآباذى: معرفة النعمة حسن. ومعرفة المنعم أحسن ومعرفة النعمة ربما يتولد منه الإنكار ومعرفة المنعم لا يتولد منه إلا صحة الاستقامة.
قال بعضهم: يعرفون نعمة الله: أى ليس إلى أحد شئ فى الضر والنفع ثم يقولون لولا فلان لكان كذا.
النحل 16:84
قوله عز وجل: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا } [الآية: 84].
عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء.
قال أبو على الجوزجانى: الخلق شهداء بعضهم على بعض. وأمة محمد صلى الله عليه وسلم هم شهود الأنبياء على جميع الأمم محمد صلى الله عليه وسلم هو المذكى المقبول فمن قدمه فهو المقدم ومن أخره فهو المؤخر ومن تعلق به نجا ومن تخلف عنه هلك.
قال تعالى:
وجئنا بك على هؤلاء شهيدا
[النساء: 41].
النحل 16:89
قوله عز وجل: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } [الآية: 89].
قال الواسطى: أنزل عليك الكتاب: وإنما خوطبت به دون غيرك لأنك من أهل المخاطبة وخوطبوا جميعا تبعا لك فبين لهم مرادنا فيما خوطبوا به فإن البيان إليك.
قال أبو عثمان المغربى: فى الكتاب تبيان كل شئ ومحمد صلى الله عليه وسلم هو المبين لتبيان الكتاب.
النحل 16:90
قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان } [الآية: 90].
قال بعضهم: العدل والإحسان ما استطاعهما آدمى قط لأن الله تعالى يقول:
ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النسآء
[النساء: 129] فكيف يستطيع أن يعدل بينه وبين الله تعالى فى استيفاء نعمه وتضييع وعظه وحكمه، وليس من العدل أن تفتر عن طاعة من لا يفتر عن برك والإحسان هو الاستقامة إلى الموت وهو أن تعبد الله كأنك تراه كالمروى عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وقال عليه السلام: " استقيموا ولن تحصوا ".
أخبر أنه لا يقدر أحد أن يعدل بين خلقه، فكيف يعدل بينه وبين ربه.
والفحشاء: هو الاستهانة بالشريعة { والمنكر } هو الإصرار على الذنوب { البغي } ظلم العباد وظلمه على نفسه أفظع.
قال النيسابورى: ليس من العدل المقابلات بالمجاهدات، والعدل: رؤية المنة منه قديما وحديثا.
والإحسان الاستقامة بشرط الوفاء إلى الأبد؛ لذلك قال: استقيموا ولن تحصوا.
قال سهل: العدل: قول: لا إله إلا الله. والإحسان: إحسانك إلى من استرعاك الله أمره، والفحشاء: الكذب والغيبة والبهتان وما كان من الأقوال. والمنكر: ارتكاب المعاصى وما كان من الأفعال، { يعظكم }: يؤدبكم باللطف والأدب، وينبهكم أحسن أنبائه، { لعلكم } تتعظون: أى تنتهون.
وقال بعضهم: العدل استقامة القلب، والإحسان: لزوم النفس لكل مستحسن من الأقوال والأفعال.
وقيل: العدل: اعتدال القلب مع الحق، والإحسان: لزوم النفس المعاملة على رؤية الحق.
وقيل: العدل: هو التوحيد، والإحسان: أداء الفرائض. وإيتاء ذى القربى: صلة الرحم، وينهى عن الفحشاء: الرياء والمنكر والمعاصى، والبغى: الظلم.
قال سفيان بن عيينة: العدل الإنصاف، والإحسان التفضل.
النحل 16:91
قوله عز وجل: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } [الآية: 91].
قال النصرآباذى: أنت متردد بين صفتين: صفة الحق وصفتك، قال الله تعالى: { وأوفوا بعهد الله } ، وقال:
ومن أوفى بعهده من الله
[التوبة: 111] فإلى أيهما نظرت فإنك الأحرى ثم العهود مختلفة فى الأقوال عهود، وفى الأفعال عهود، وفى الأحوال عهود، والصدق مطلوب منك فى جميع ذلك، وهو على العوام عهود، وعلى الخواص عهود، وعلى خواص الخواص عهود.
فالعهد على العوام لزوم الظاهر، والعهد على الخواص حفظ السرائر، والعهد على خواص الخواص التخلى من الكل لمن له الكل.
وقال من حمل العهد بنفسه خيف عليه نقضه فى أول قدم، ومن حمله بالحق حفظ عليه عهوده ومواثيقه.
قوله عز وجل: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } [الآية: 91].
قال الواسطى: قد تقدمت العهود فى الميثاق الأول فمن أقام على وفاء الميثاق فتح له طريق الحقائق وقتا بعد وقت، ومن خاف فى الميثاق الأول نفى مع وقته وأغلق دونه مسالك رشده.
النحل 16:95
قوله عز وجل: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا } [الآية: 95].
قال الجنيد وسئل من أحسن الخلق: قال: من جعل دينه سببا وطريقا للانبساط إلى الخلق فى الارتفاق منهم.
قال ابن عطاء: أول عهد عليك من ربك أنه كفاك كل ما تحتاج إليه لئلا ترغب إلى غيره، ولا ترجع فى المهمات إلا إليه، فمن ضيع عهده واشترى بما خصه الله تعالى به من كراماته شيئا من حطام هذه الفانية وقد نقض عهد الله لأن الله تعالى يقول: { إنما عند الله هو خير لكم } [الآية: 95].
وهو الاعتماد عليه والاكتفاء به دون غيره.
النحل 16:96
قوله عز وجل: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق } [الآية: 96].
قال بعضهم: ما منكم من الطاعات فإنها فانية، وما من إليكم من جزاء أعمالكم فهو باق على الدوام وأنى يقابل ما يفنى بما يبقى.
قال بعضهم: طاعاتكم مدخولة وجزائى وثوابى على طاعاتكم باقية بقاء الأبد.
قال ابن عطاء: أوصافكم فانية، وأحوالكم ثابتة فلا يدعوا منها شيئا، وما من الحق إليكم باق فالعبد من كان فانيا من أوصافه باقيا لله تعالى عنده، وهو تفسير قوله: { ما عندكم ينفد وما عند الله باق }.
قال جعفر: ما عندكم ينفذ: يعنى: الأفعال من الفرائض والنوافل، وما عند الله باق: من أوصافه ونعوته لأن الحدث يفنى والقديم يبقى.
قوله عز وجل: { ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } [الآية: 96].
النحل 16:97
قوله عز وجل: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } [الآية: 97].
روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: هى القناعة.
قال أبو يعقوب السوسى: الحياة الطيبة عيش الفقراء الصبر.
وقيل: عيش الفقراء الراضين.
قال سهل بن عبد الله: هو أن ينزع عن العبد تدبيره ويرد إلى تدبير الحق فيه.
قال الجريرى: هو العيش مع الله والفهم عن الله تعالى.
وقال ابن عطاء: هو روح اليقين وصدق نية القلب.
قال جعفر: الحياة الطيبة أن يطيب له بأن كل ذلك من الله إليه.
قال ابن عطاء: العيش مع الله تعالى والسهو والإعراض عما دونه.
قال جعفر: هى المعرفة بالله وصدق المقام مع الله تعالى وصدق الوقوف مع الله تعالى.
قال بعضهم: الحياة الطيبة الاستغناء بالله تعالى لا يريد به بدلا ولا عنه حولا.
قال ابن عطاء: الحياة الطيبة بإسقاط الكونين عن سره حتى يبقى مع ربه.
قال القاسم: هى التى لا يطمع فيها إلى غير الله تعالى.
النحل 16:99
قال أبو حفص: من أراد ألا يكون للشيطان عليه دليل فليصحح إيمانه، وليصحح فى الإيمان التوكل على الله، والإيمان هو أن لا يرجع فى السراء والضراء إلا إليه ولا يرضى بسواه عوضا عنه، والتوكل هو الثقة بمضمون الرزق كثقتك بمعلومك، وهذا تفسير قوله: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون }.
قال النصرآباذى: من صحح نسبة مع الحق لن يؤثر عليه بعد ذلك منازعة طبع ولا وسوسة شيطان.
النحل 16:100
قوله عز وجل: { إنما سلطانه على الذين يتولونه } [الآية: 100].
قال بعضهم: من اتبع هواه فقد تولى الشيطان، ومن ركن إلى الدنيا فقد اتبعه، ومن أحب الرئاسة فقد اتبعه، ومن خالف ظاهر العلم فقد تولاه، ومن خالف المسلمين فقد جعل للشيطان عليه سبيلا، ومن ركن إلى شىء من المخالفات ظاهرا وباطنا فقد أهلك نفسه ومن تولى الشيطان فقد أهلك نفسه تبرأ من الحق.
النحل 16:102
قوله عز وجل: { قل نزله روح القدس من ربك بالحق } [الآية: 102].
قال الواسطى: الأرواح ليس لها نوم ولا لذة ولا موت ولا حياة، بل هى جوهرة لطيفة، للطفه سمى روحا، وللطف جبريل سمى روح القدس.
النحل 16:110
قوله عز وجل: { ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا } [الآية: 110].
قال سهل: هاجروا قرناء السوء بعد أن ظهر لهم منهم الفتنة فى صحبتهم، ثم جاهدوا أنفسهم على ملازمة أهل الخير، ثم صبروا معهم على ذلك ولم يرجعوا إلى ما كانوا عليه من بذئ الأحوال.
النحل 16:111
قوله عز وجل: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } [الآية: 111].
قال بعضهم: الشريعة مكر بالخلق لأنه ينقلهم من أول إلى ثانى حتى إذا أخلصوا إلى ما توهموا أنه الغاية علموا أن الحق وراء ما أدتهم إليه الوسائط، وهذا كما قال الله تعالى: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها } توهما أنها بلغت الغاية.
قال بعض الخراسانيين: ذهب وقت الخلق فى الدنيا اشتغالا بنفوسهم فى الدنيا يجادلون عنها، وهم فى الآخرة يجادلون عنها، فمن يتفرغ إلى معرفة الحق؟
النحل 16:114
قوله عز وجل: { فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا } [الآية: 114].
سمعت أبا بكر الرازى قال: سمعت أبا عبد الله محمد بن سعيد القرشى يقول: سمعت إبراهيم الخواص يقول: الحلال على ستة أوجه: إمام عادل، وتاجر صادق، وزارع متوكل، وغاز غير خائف، وعالم ناصح، وزاهد مخلص، فإذا اجتمع هؤلاء الستة فى دار فإن كل الحلال يدور بينهم.
النحل 16:119
قوله عز وجل: { ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا } [الآية: 119].
قال سهل: ما عصى الله تعالى أحد إلا بجهل ورب جهل أورث علما، والعلم مفتاح التوبة وفى الصلاح صحة التوبة، ومن لم يصلح فى توبته فعن قريب يفسد عليه توبته، لأن الله تعالى يقول: { ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا }.
النحل 16:120
قال بعضهم: كان أمة أى معلما للخير عاملا به.
قال بعضهم: كان علمه كعلم أمة وإخلاصه كإخلاص أمة.
وقال بعضهم: القانت الذى لا يفتر عن الذكر، والحنيف الذى لا يشوب شيئا من أعماله شرك.
وقيل: القانت المطيع الذى لا يعصى الله.
وقيل فى قوله: { ولم يك من المشركين } لم يكن يرى المنع والعطاء والضر والنفع إلا من موضع واحد.
النحل 16:121
قوله عز وجل: { شاكرا لأنعمه اجتباه } [الآية: 121].
قال الواسطى: قابلا لقضائه وقسمته قبول رضا لا قبول كراهية.
قال أبو عثمان: الشاكر للنعمة أن لا يرى شكره إلا ابتداء نعمة من الله حيث أهله لشكره، اجتباه من بين خلقه، وكتب عليه الهداية إلى صراط مستقيم عالما أن الهداية سبقت له من الله تعالى ابتداء فضل لا باكتساب وجهد وكد.
النحل 16:122
قال بعضهم: آتيناه فى الدنيا المعرفة حتى صلح فى الآخرة لبساط المجاورة.
قال بعضهم: أصلح الله تعالى قلوب المؤمنين للمعاملة وأصلح قلوب الأنبياء والأولياء للمجاورة والمطالعة.
قال الواسطى: هى الخلة لا غيرها تولى الأنبياء بخلته خلقهم على ذلك جذبا منه إليه.
النحل 16:123
قوله عز وجل: { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } [الآية: 123].
قال الدينورى: أمر النبى صلى الله عليه وسلم باتباع الخليل لئلا يأتى أحد من الأتباع، وملة إبراهيم كانت السخاء وحسن الخلق، فزاد عليه النبى صلى الله عليه وسلم حين جاد بالكونين عوضا عن الحق فقيل له
وإنك لعلى خلق عظيم
[القلم: 4].
النحل 16:125
قوله عز وجل: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة } [الآية: 125].
حدثنا على بن الحسن الحافظ، حدثنا أحمد بن الحسين دبيس المقرى، حدثنا أحمد ابن زياد، حدثنا أسود بن سالم، حدثنى عبد الرحمن بن يزيد الزراد، حدثنا محمد بن عجلان عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: أمرنا معاشر الأنبياء أن نكلم الناس على قدر عقولهم.
قال بعضهم: خاطب كلا على قدره والموعظة الحسنة فيها ترغيب وترهيب.
وقيل: الموعظة الحسنة ما اتعظت بها أولا ثم أمرت.
سئل بعضهم: لم قدم الله تعالى الحكمة؟ فقال: لأن الحكمة إصابة القول باللسان، وإصابة الفكرة بالجنان وإصابة الحركة بالأركان وأن تكلم بكلام بحكمة، وأن تفكر بفكر بحكمة.
قال جعفر: الدعوة بالحكمة أن يدعوه من الله إلى الله بالله، والموعظة الحسنة أن يرى الخلق فى أسر القدرة فيشكر من أجاب ويعذر من أبى.
سمعت عبد الله الرازى يقول: سمعت أبا عثمان يقول: لا يكون الرجل حكيما حتى يكون حكيما فى أفعاله، حكيما فى أقواله، حكيما فى أحواله، فإنه يقال له ناطق بالحكمة، ولا يقال له حكيما.
قوله عز وجل: { وجادلهم بالتي هي أحسن } [الآية: 125].
قال هى التى ليس فيها من حظوظ النفس شىء، ولا ترى أنه الممتنع من قبول الموعظة فتغضب عليه، إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله: فلا ينجع فيه قولك: { وهو أعلم بالمهتدين } الموفقين الذين شرحت صدورهم بقبول ما أثبت به.
النحل 16:126
قال الجنيد: فى قوله: { ولئن صبرتم } فلم تعاقبوا لهو خير للصابرين التاركين العقوبة الذى أباح العلم فعلها بالأدب الذى يتبعه بالأمر ويلزمه بالترغيب إنه خير للصابرين.
قال أبو سعيد الخراز: أخبر عن موضع الإباحة بالقصاص ونهى عن إمكان النفس من شهوتها وبلوغ مناها، وعرف أن الفضل فى احتمال مؤن الصبر.
يقول عز وجل: { ولئن صبرتم لهو خير للصابرين }.
قال النبى صلى الله عليه وسلم: إلى موضع الفضل ففرض عليه ذلك.
وقيل له: إن الفضل على الخلق تطوع وعليك فرض واصبر، ثم أعلمه أن ذلك لا يتم إلا بخلوة وتشبيه بالحق بقوله: { وما صبرك إلا بالله } [الآية: 127].
قال الواسطى: فى هذه الآية أخبره بأنه هو الذى تولاهم فحجبهم عن المعاينة فى الحضرة وهم ثلاث طوائف عند اللقاء، طائفة ترمدت بقيومة دواميته وأزليته، فلم تجد عند اللقاء عليها آفة الاتصال أنوار السرمدية بأنوار الأبدية، وطائفة لقيتة فى زينته وحين نظره واختياره فضمرهم فى نعمته وحجبهم بكرامته فهى متلذذة بنعمة محجوبة عن حقيقته، وطائفة لقيته بشواهد طاعاتها وزهدها، فقال لهم مرحبا بمقدمكم فحجبها فى نفس ما خاطبهم.
وقال ابن عطاء: بأمره وببره.
وقال جعفر: أمر الله أنبياءه بالصبر وجعل الحظ الأعلى منه للنبى صلى الله عليه وسلم.
قال سهل: واصبر واعلم أنه لا معين على الصبر إلا الله. حيث جعل صبره بالله لا بنفسه، فقال وما صبرك إلا بالله.
قال الجنيد: عظم المنة عليه لما أدبه بالقيام على شروط الاستقامة بقوله: واصبر: ومن لم يكن صبره مباشرا لبلاء، فى حين وروده بما تقدم من التوطئة على العزم على الصبر عند أول صدمة ترد منه لم يؤمن أن يأخذ الجزع من صبره بعد أوان تفضى صبره.
قال الثورى: فى هذه الآية هو الصبر على الله بالله.
قال أبو القاسم: الحكيم أصبر عباده، وما صبرك إلا بالله عبودية فمن ترقى من درجة لك وصل إلى درجة بك، فقد انتقل من درجة العبادة إلى درجة العبودية.
قال النبى صلى الله عليه وسلم:
" بك أحيا، وبك أموت ".
قال الواسطى: فى هذه الآية قال لما أظهر الله تعالى البلاء أشهده لذة مباشرته، بل لا يكون لأحد وقت إلا والله تعالى يوجده لذة المباشرة
وما يعقلهآ إلا العالمون
[العنكبوت: 43].
النحل 16:128
قال ممشاء الدينورى رحمه الله: رأيت ملكا من الملائكة يقول لى: كل من كان مع الله تعالى فهو هالك إلا رجل واحد، قلت: ومن هو؟ قال: من كان الله معه وهو قوله: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون }.
وقال بعضهم: من اتقى الله فى أفعاله أحسن الله تعالى إليه فى أحواله.
قال الفضل بن عياض فى هذه الآية: اتقوا فيما نهاهم الله تعالى عنه وأحسنوا فيما أمرهم به.