كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — النمل 27:1 – العنكبوت 29:69
المحتويات
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:3
- النمل 27:4
- النمل 27:5
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:9
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:15
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:24
- النمل 27:25
- النمل 27:26
- النمل 27:27
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:31
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:37
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:46
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:53
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:57
- النمل 27:58
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:62
- النمل 27:63
- النمل 27:64
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:67
- النمل 27:68
- النمل 27:69
- النمل 27:70
- النمل 27:71
- النمل 27:72
- النمل 27:73
- النمل 27:74
- النمل 27:75
- النمل 27:76
- النمل 27:77
- النمل 27:78
- النمل 27:79
- النمل 27:80
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:83
- النمل 27:84
- النمل 27:85
- النمل 27:86
- النمل 27:87
- النمل 27:88
- النمل 27:89
- النمل 27:90
- النمل 27:91
- النمل 27:92
- النمل 27:93
- القصص 28:1
- القصص 28:2
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:16
- القصص 28:17
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:33
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:37
- القصص 28:38
- القصص 28:39
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:42
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:53
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:60
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:65
- القصص 28:66
- القصص 28:67
- القصص 28:68
- القصص 28:69
- القصص 28:70
- القصص 28:71
- القصص 28:72
- القصص 28:73
- القصص 28:74
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:77
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:81
- القصص 28:82
- القصص 28:83
- القصص 28:84
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:87
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:6
- العنكبوت 29:7
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:9
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:11
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:13
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:18
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:20
- العنكبوت 29:21
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:27
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:30
- العنكبوت 29:31
- العنكبوت 29:32
- العنكبوت 29:33
- العنكبوت 29:34
- العنكبوت 29:35
- العنكبوت 29:36
- العنكبوت 29:37
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:39
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:42
- العنكبوت 29:43
- العنكبوت 29:44
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:47
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:50
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:52
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:54
- العنكبوت 29:55
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:57
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:59
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:61
- العنكبوت 29:62
- العنكبوت 29:63
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:67
- العنكبوت 29:68
- العنكبوت 29:69
النمل 27:1
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(طس اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، أقْسَمَ بهِ أنَّ هَذا الْقُرْآنَ الآيَاتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بهَا) فقال قتادةُ :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : هو اسمٌ من أسماء السُّورة. وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ معناهُ : وآياتُ الكتاب المبين بالحلالِ والحرام.
وقولهُ تعالى :﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (هُدًى) في موضعِ رفعٍ ؛ أي هو هُدًى، والمعنى :(هُدًى) أي بيانٌ من الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به، (وَبُشْرَى) بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنهُ من عندِ الله.
ثم عرَّفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي زَيَّنَّا لَهم صلاتَهم حتى رأوْها حسنةً، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يتردَّدُون فيها متحيِّرين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ لأنَّهم خَسِرُوا أنفُسَهم وأهلِيهم وصَارُوا إلى النار.
النمل 27:2
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(طس اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، أقْسَمَ بهِ أنَّ هَذا الْقُرْآنَ الآيَاتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بهَا) فقال قتادةُ :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : هو اسمٌ من أسماء السُّورة. وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ معناهُ : وآياتُ الكتاب المبين بالحلالِ والحرام.
وقولهُ تعالى :﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (هُدًى) في موضعِ رفعٍ ؛ أي هو هُدًى، والمعنى :(هُدًى) أي بيانٌ من الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به، (وَبُشْرَى) بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنهُ من عندِ الله.
ثم عرَّفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي زَيَّنَّا لَهم صلاتَهم حتى رأوْها حسنةً، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يتردَّدُون فيها متحيِّرين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ لأنَّهم خَسِرُوا أنفُسَهم وأهلِيهم وصَارُوا إلى النار.
النمل 27:3
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(طس اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، أقْسَمَ بهِ أنَّ هَذا الْقُرْآنَ الآيَاتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بهَا) فقال قتادةُ :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : هو اسمٌ من أسماء السُّورة. وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ معناهُ : وآياتُ الكتاب المبين بالحلالِ والحرام.
وقولهُ تعالى :﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (هُدًى) في موضعِ رفعٍ ؛ أي هو هُدًى، والمعنى :(هُدًى) أي بيانٌ من الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به، (وَبُشْرَى) بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنهُ من عندِ الله.
ثم عرَّفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي زَيَّنَّا لَهم صلاتَهم حتى رأوْها حسنةً، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يتردَّدُون فيها متحيِّرين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ لأنَّهم خَسِرُوا أنفُسَهم وأهلِيهم وصَارُوا إلى النار.
النمل 27:4
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(طس اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، أقْسَمَ بهِ أنَّ هَذا الْقُرْآنَ الآيَاتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بهَا) فقال قتادةُ :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : هو اسمٌ من أسماء السُّورة. وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ معناهُ : وآياتُ الكتاب المبين بالحلالِ والحرام.
وقولهُ تعالى :﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (هُدًى) في موضعِ رفعٍ ؛ أي هو هُدًى، والمعنى :(هُدًى) أي بيانٌ من الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به، (وَبُشْرَى) بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنهُ من عندِ الله.
ثم عرَّفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي زَيَّنَّا لَهم صلاتَهم حتى رأوْها حسنةً، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يتردَّدُون فيها متحيِّرين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ لأنَّهم خَسِرُوا أنفُسَهم وأهلِيهم وصَارُوا إلى النار.
النمل 27:5
﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(طس اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ اللهِ، أقْسَمَ بهِ أنَّ هَذا الْقُرْآنَ الآيَاتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بهَا) فقال قتادةُ :(هُوَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاءِ الْقُرْآنِ). وَقِيْلَ : هو اسمٌ من أسماء السُّورة. وقولهُ تعالى :﴿وَكِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ معناهُ : وآياتُ الكتاب المبين بالحلالِ والحرام.
وقولهُ تعالى :﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ يجوزُ أن يكون (هُدًى) في موضعِ رفعٍ ؛ أي هو هُدًى، والمعنى :(هُدًى) أي بيانٌ من الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به، (وَبُشْرَى) بما فيه من الثواب للمصدِّقين به أنهُ من عندِ الله.
ثم عرَّفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ ؛ أي زَيَّنَّا لَهم صلاتَهم حتى رأوْها حسنةً، ﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي يتردَّدُون فيها متحيِّرين، ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ ؛ لأنَّهم خَسِرُوا أنفُسَهم وأهلِيهم وصَارُوا إلى النار.
النمل 27:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ ؛ أي إنَّكَ لَتَعِي القُرْآنَ وحياً من عندِ الله تعالى، أنزلَهُ بعلمهِ وحكمته.
النمل 27:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لأَهْلِهِ﴾ ؛ أي واذْكُرْ إذ قَالَ مُوسَى لامرأتهِ :﴿إِنِّي آنَسْتُ نَاراً﴾ ؛ أبْصَرْتُهَا، وكانت امرأتهُ يومئذ ابنة شُعيب عليه السلام، فقال لَها حين ضَلَّ الطريقَ : أنِّي أبصرتُ ناراً، فامْكُثوا ها هنا، ﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾، أي حتَّى آتِيكُم من عندِ النار بخبرِ الماء والطريق، فإن لَم أجِدْ أحداً يُخبرنِي عن الطريقِ آتيكم بشعلةِ نارٍ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ ؛ والشِّهَابُ : خَشَبَةٌ فيها نورٌ ساطعٌ، ﴿لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ؛ أي لكي تَصْطَلُوا من البَرْدِ، وكان ذلك في شدَّةِ الشِّتاء، يقالُ : صَلَى بالنار وَأصْلَى بها إذا استدفأ، والمعنى : أو آتِيكُمْ بالشُّعلةِ المقبسَةِ من النار لكي تذودُوا من البردِ.
والشِّهَابُ : هو النارُ الْمُسْتَطَارُ، ومنه قولهُ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾[الصافات: ١٠] والقبَسُ والْجَذْوَةُ : كلُّ عودٍ أُشْعِلَ في طرفهِ نارٌ. قرأ أهلُ الكوفة (بشِهَابٍ قَبَسٌ) منوَّن على البدل أو النعتِ للشهاب.
النمل 27:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ﴾ ؛ معناهُ : فلما جاءَ موسَى إلى النار التي رَآها نُودِيَ نداءَ الوحي : أنْ بُوركَ مَنْ فِي طلب النار وهو مُوسَى، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ من الملائكةِ. وهذه تحيَّةٌ مِن الله لِموسى بالبركةِ كما حَيَّا إبراهيمَ بالبركةِ على ألْسِنَةِ الملائكةِ حين دخَلُوا عليه، فقالُوا : رَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أهْلَ الْبَيْتِ.
وَقِيْلَ : المرادُ بالنار هو النُّورُ، وذلك أن موسَى رأى نُوراً عَظِيماً، ولذلك ذكرهُ بلفظ النار، ومَن في النار هم الملائكةُ ؛ لأن النورَ الذي رآهُ موسى كان فيه ملائكةٌ لَهُمْ زَجَلٌ بالتسبيحِ والتقديس، ومَنْ حَوْلَهَا هو موسَى ؛ لأنه كان بالقُرْب منها ولَم يكن فيها. وأهلُ اللغة يقولونَ : بُوركَ فُلاَنٌ ؛ وَبُوركَ فِيْهِ ؛ وَبُوركَ لَهُ وَعَلَيْهِ، بمَعنى واحدٍ. والمرادُ بالبركةِ ها هنا ما نَالَ مُوسَى من كرامةِ الله له بالنبوَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ كلمة تَنْزِيْهٍ عمَّا تَظُنُّ الْمُشَبهَةُ أنَّ اللهَ تعالى كان في تلك النار، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبيْراً.
النمل 27:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي أنا الدَّاعِي الذي يدعُوكَ، أنا اللهُ العزيزُ في مُلْكِي، الحكيمُ في أمرِي وقضائي.
فإن قيلَ : بمَاذا عَرَفَ مُوسَى ؟ قُلْنَا : إنَّما عَرَفَ نبوَّةِ نفسهِ أن ذلكَ النداءَ من اللهِ تعالى حتى جعلَ يدعُو الناسَ إلى نُبُوَّةِ نفسهِ بالمعجزة، وذلك أنهُ رأى شجرةً أخضرَ ما يكونُ من الشَّجرِ في أنضرَ ما يكون، لَها شعاعٌ يرتفعُ إلى السَّماء في الهواءِ، والنارُ تلتَهِبُ في أوراقِها والأغصانِ، فلا النارُ تُحْرِقُ الأوراقَ ولا رطوبةُ الشجرِ والأغصانِ تُطْفِىءُ النارَ، فلما رأى ذلكَ بخلافِ العادة، عَلِمَ أنه لا يكونُ ذلك إلاّ مِن صُنْعِ اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ :﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؛ أي وَقِيْلَ لهُ : ألْقِ عَصَاكَ من يدِكَ، فألْقَاهَا فَاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ؛ أي تضطربُ كأنَّها جَانٌّ، والْجَانُّ : الحيَّةُ البيضاءُ الخفيفة السريعةُ، السريع شدَّة الاضطراب يقال لها الْمِسَلَّةُ. وإنَّما شبَّهَها بالْجَانِّ في خِفَّةِ حركَتِها وسرعةِ انتشارها عن الأعيُنِ، وشبَّهَها في موضعِ آخر بالثُّعبان لِعِظَمِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَّى مُدْبِراً﴾ ؛ أي أعْرَضَ موسى هَارباً من الخوفِ من الحيَّة، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لَم يَرْجِعْ ولَم يَلْتَفِتْ إلى شيءٍ وراءَهُ، يقال : عَقَّبَ فلانٌ إذا رَجَعَ.
فقالَ اللهُ :﴿يامُوسَى لاَ تَخَفْ﴾ ؛ مِن ضَرَرها، ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لا يخافُ عندي وفي حُكْمِي مَن أرسلتهُ، ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ ؛ مِن الْمُرْسَلِيْنَ بارتكاب الصغيرةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾، ثُمَّ تابَ مِن بعد ذلكَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ به، فكان السببُ في هذا الاستثناءِ أنَّ موسى كان مُستَشْعِراً حقَّهُ لِمَا كان منه من قِبَلِ القبطيِّ، فأَمَّنَهُ اللهُ بهذا الكلامِ.
والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمَاً ؛ ولذلكَ قال مُوسَى﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾[القصص: ١٦]. ويقالُ : إن قولَهُ ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ استثناءٌ منقطع، ومعناهُ : لكِنْ مَن ظَلَمَ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحاً، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ. والمعنى : إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾ أي توبةً ونَدَماً ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عملهِ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كأنه قالَ : لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ، وقال بعضُهم :(إلاّ) ها هُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال :﴿لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾.
النمل 27:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي أنا الدَّاعِي الذي يدعُوكَ، أنا اللهُ العزيزُ في مُلْكِي، الحكيمُ في أمرِي وقضائي.
فإن قيلَ : بمَاذا عَرَفَ مُوسَى ؟ قُلْنَا : إنَّما عَرَفَ نبوَّةِ نفسهِ أن ذلكَ النداءَ من اللهِ تعالى حتى جعلَ يدعُو الناسَ إلى نُبُوَّةِ نفسهِ بالمعجزة، وذلك أنهُ رأى شجرةً أخضرَ ما يكونُ من الشَّجرِ في أنضرَ ما يكون، لَها شعاعٌ يرتفعُ إلى السَّماء في الهواءِ، والنارُ تلتَهِبُ في أوراقِها والأغصانِ، فلا النارُ تُحْرِقُ الأوراقَ ولا رطوبةُ الشجرِ والأغصانِ تُطْفِىءُ النارَ، فلما رأى ذلكَ بخلافِ العادة، عَلِمَ أنه لا يكونُ ذلك إلاّ مِن صُنْعِ اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ :﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؛ أي وَقِيْلَ لهُ : ألْقِ عَصَاكَ من يدِكَ، فألْقَاهَا فَاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ؛ أي تضطربُ كأنَّها جَانٌّ، والْجَانُّ : الحيَّةُ البيضاءُ الخفيفة السريعةُ، السريع شدَّة الاضطراب يقال لها الْمِسَلَّةُ. وإنَّما شبَّهَها بالْجَانِّ في خِفَّةِ حركَتِها وسرعةِ انتشارها عن الأعيُنِ، وشبَّهَها في موضعِ آخر بالثُّعبان لِعِظَمِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَّى مُدْبِراً﴾ ؛ أي أعْرَضَ موسى هَارباً من الخوفِ من الحيَّة، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لَم يَرْجِعْ ولَم يَلْتَفِتْ إلى شيءٍ وراءَهُ، يقال : عَقَّبَ فلانٌ إذا رَجَعَ.
فقالَ اللهُ :﴿يامُوسَى لاَ تَخَفْ﴾ ؛ مِن ضَرَرها، ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لا يخافُ عندي وفي حُكْمِي مَن أرسلتهُ، ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ ؛ مِن الْمُرْسَلِيْنَ بارتكاب الصغيرةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾، ثُمَّ تابَ مِن بعد ذلكَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ به، فكان السببُ في هذا الاستثناءِ أنَّ موسى كان مُستَشْعِراً حقَّهُ لِمَا كان منه من قِبَلِ القبطيِّ، فأَمَّنَهُ اللهُ بهذا الكلامِ.
والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمَاً ؛ ولذلكَ قال مُوسَى﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾[القصص: ١٦]. ويقالُ : إن قولَهُ ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ استثناءٌ منقطع، ومعناهُ : لكِنْ مَن ظَلَمَ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحاً، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ. والمعنى : إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾ أي توبةً ونَدَماً ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عملهِ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كأنه قالَ : لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ، وقال بعضُهم :(إلاّ) ها هُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال :﴿لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾.
النمل 27:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي أنا الدَّاعِي الذي يدعُوكَ، أنا اللهُ العزيزُ في مُلْكِي، الحكيمُ في أمرِي وقضائي.
فإن قيلَ : بمَاذا عَرَفَ مُوسَى ؟ قُلْنَا : إنَّما عَرَفَ نبوَّةِ نفسهِ أن ذلكَ النداءَ من اللهِ تعالى حتى جعلَ يدعُو الناسَ إلى نُبُوَّةِ نفسهِ بالمعجزة، وذلك أنهُ رأى شجرةً أخضرَ ما يكونُ من الشَّجرِ في أنضرَ ما يكون، لَها شعاعٌ يرتفعُ إلى السَّماء في الهواءِ، والنارُ تلتَهِبُ في أوراقِها والأغصانِ، فلا النارُ تُحْرِقُ الأوراقَ ولا رطوبةُ الشجرِ والأغصانِ تُطْفِىءُ النارَ، فلما رأى ذلكَ بخلافِ العادة، عَلِمَ أنه لا يكونُ ذلك إلاّ مِن صُنْعِ اللهِ تعالى.
قَوْلُهُ :﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؛ أي وَقِيْلَ لهُ : ألْقِ عَصَاكَ من يدِكَ، فألْقَاهَا فَاهْتَزَّتْ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ؛ أي تضطربُ كأنَّها جَانٌّ، والْجَانُّ : الحيَّةُ البيضاءُ الخفيفة السريعةُ، السريع شدَّة الاضطراب يقال لها الْمِسَلَّةُ. وإنَّما شبَّهَها بالْجَانِّ في خِفَّةِ حركَتِها وسرعةِ انتشارها عن الأعيُنِ، وشبَّهَها في موضعِ آخر بالثُّعبان لِعِظَمِهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَّى مُدْبِراً﴾ ؛ أي أعْرَضَ موسى هَارباً من الخوفِ من الحيَّة، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي لَم يَرْجِعْ ولَم يَلْتَفِتْ إلى شيءٍ وراءَهُ، يقال : عَقَّبَ فلانٌ إذا رَجَعَ.
فقالَ اللهُ :﴿يامُوسَى لاَ تَخَفْ﴾ ؛ مِن ضَرَرها، ﴿إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ أي لا يخافُ عندي وفي حُكْمِي مَن أرسلتهُ، ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ ؛ مِن الْمُرْسَلِيْنَ بارتكاب الصغيرةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾، ثُمَّ تابَ مِن بعد ذلكَ، ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ به، فكان السببُ في هذا الاستثناءِ أنَّ موسى كان مُستَشْعِراً حقَّهُ لِمَا كان منه من قِبَلِ القبطيِّ، فأَمَّنَهُ اللهُ بهذا الكلامِ.
والصغائرُ والكبائر من الذُّنوب تُسمَّى ظُلْمَاً ؛ ولذلكَ قال مُوسَى﴿إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾[القصص: ١٦]. ويقالُ : إن قولَهُ ﴿إِلاَّ مَن ظَلَمَ﴾ استثناءٌ منقطع، ومعناهُ : لكِنْ مَن ظَلَمَ، فإنه يَخافُني إلاّ أن يتوبَ ويعملَ صالحاً، فإنِّي أغفرُ له وأرْحَمهُ. والمعنى : إلاّ من ظَلَمَ نفسه بالمعصيةِ ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً﴾ أي توبةً ونَدَماً ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عملهِ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ كأنه قالَ : لا يخافُ لديَّ المرسلونَ الأنبياءُ والتَّائبُونَ، وقال بعضُهم :(إلاّ) ها هُنا بمعنى (ولا) كأنهُ قال :﴿لاَ يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلاَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ﴾.
النمل 27:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ؛ فيه بيانُ أنَّ الله تعالى أعطاهُ آيةً أُخرى في ذلكَ المكانِ، ومعنى ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي بيضاءَ لَها شعاعٌ مِن غير برَصٍ، والْجَيْبُ جيبُ القَمِيصِ.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ؛ أظهَرَها بين الآيَتينِ، والآياتُ التِّسعُ : قَلْبُ العَصَاةِ حَيَّةً، وجَعْلُ يَدِهِ بيضاءَ، وما أصابَ فرعونَ من الْجَدْب في بَوادِيهم، ونقصِ الثَّمرات في مزارِعهم، وإرسالِ الطُّوفان والجرادِ والقُمَّلِ والضفادعِ والدَّم، فهذه الآياتُ التِّسعُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ؛ أي خَارجين عن طاعةِ الله.
النمل 27:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾ ؛ أي فلمَّا جاءَتْ فرعونَ وقومه الآياتُ التسع، ﴿مُبْصِرَةً﴾ ؛ أي بَيِّنَةً واضحةً، ﴿قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ كذبُوا بالآياتِ التسع كلِّها ونَسَبُوا موسى إلى السِّحرِ، ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ ؛ أي جَحَدُوا بألسِنَتهم وأنكَرُوا تلك الآياتِ، وعَلِمُوا بقلوبهم أنَّ تلك الآياتِ ليست من جنسِ أفعال السِّحر، وأنَّها من اللهِ تعالى، أي عَلِمُوا يقيناً أنَّها من عندِ الله لكن جَحَدُوا ذبها تَجَبُّراً وَتَكَبُّراً وذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ؛ أي شِرْكاً وتَكَبُّراً عن أن يؤمِنُوا، ﴿فَانْظُرْ﴾ ؛ يا مُحَمَّد، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ في الأرضِ بالمعاصي، كيفَ أهلَكَهم اللهُ بالغَرَقِ في اليَمِّ.
النمل 27:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ آيَاتُنَا﴾ ؛ أي فلمَّا جاءَتْ فرعونَ وقومه الآياتُ التسع، ﴿مُبْصِرَةً﴾ ؛ أي بَيِّنَةً واضحةً، ﴿قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ كذبُوا بالآياتِ التسع كلِّها ونَسَبُوا موسى إلى السِّحرِ، ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ﴾ ؛ أي جَحَدُوا بألسِنَتهم وأنكَرُوا تلك الآياتِ، وعَلِمُوا بقلوبهم أنَّ تلك الآياتِ ليست من جنسِ أفعال السِّحر، وأنَّها من اللهِ تعالى، أي عَلِمُوا يقيناً أنَّها من عندِ الله لكن جَحَدُوا ذبها تَجَبُّراً وَتَكَبُّراً وذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ ؛ أي شِرْكاً وتَكَبُّراً عن أن يؤمِنُوا، ﴿فَانْظُرْ﴾ ؛ يا مُحَمَّد، ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ في الأرضِ بالمعاصي، كيفَ أهلَكَهم اللهُ بالغَرَقِ في اليَمِّ.
النمل 27:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً﴾ ؛ أي أعطينَاهما معرفةَ الدِّين وأحكامِ الشَّريعة، وَقِيْلَ : عِلْماً بقضاءِ الطَّير والدَّواب وتسبيحِ الجبال، فقَابَلاَ تلكَ النعمةِ بالشُّكر، ﴿وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا﴾ ؛ بالنبوَّةِ والكتاب وإلاَنَةِ الحديدِ وتسخير الشَّياطين والجنِّ والإنسِ، ﴿عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
النمل 27:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ ؛ أي وَرثَ نُبُوَّتَهُ وعلمَهُ ومُلكَهُ، وذلك أنهُ كان لداودَ تِسْعَةَ عشرَ إبناً ذكراً، فوَرثَ سليمانُ مُلْكَهُ ومجلسَهُ ومقامه ونبوَّته مِن بينهم.
وعن أبي هريرةَ قال :(نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ إلَى دَاوُدَ عليه السلام مَخْتُوماً، فِيْهِ عَشْرُ مَسَائِلَ ؛ أن اسْأَل ابْنَكَ سُلَيْمَانَ عَنْهُنَّ، فَإنْ أخْرَجَهُنَّ فَهُوَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِكَ. قَالَ : فَدَعَا دَاوُدُ سَبْعِيْنَ قِسِّيْساً وَسَبْعِيْنَ حَبْراً، وَأجْلَسَ سُلَيْمَانَ بَيْنَهُمْ، وَقَالَ لَهُ : يَا نَبيَّ اللهِ ؛ إنَّهُ نَزَلَ كِتَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيْهِ عَشْرُ مَسَائِلَ، أرَدْتُ أنْ أسْأَلَكَ عَنْهُنَّ، فَإنْ أنْتَ أخْرَجْتَهُنَّ فَأَنْتَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِي. فَقَالَ سُلَيْمَانُ : لِتَسْأَلْ نَبيَّ اللهِ عليه السلام عَمَّا اللهُ يَرَاهُ، وَمَا تَوْفِيْقِي إلاَّ باللهِ.
قَالَ : أخْبرْنِي يَا نَبيَّ : مَا أبْعَدُ الأَشْيَاءِ ؟ وَمَا أقْرَبُ الأَشْيَاءِ ؟ وَمَا آنَسُ الأَشْيَاءِ ؟ وَمَا أوْحَشُ الأَشْيَاءِ ؟ وَمَا الْقَائِمَانِ ؟ وَمَا الْمُخْتَلِفَانِ ؟ وَمَا الْمُتَبَاغِضَانِ ؟ وَمَا الأَمْرُ الَّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حَمَدَ آخِرَهُ ؟ وَمَا الأَمْرُ الَّّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ ذمَّ آخِرَهُ؟
فَقَالَ سُلَيْمَانُ : أمَّا أقْرَبُ الأَشْيَاءِ فَالآخِرَةُ، وَأمَّا أبْعَدُ الأَشْيَاءِ فَمَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأمَّا آنَسُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ فِيْهِ رُوحٌ، وَأمَّا أوْحَشُ الأَشْيَاءِ فَجَسَدٌ لاَ رُوحَ فِيْهِ، وَأمَّا الْقَائِمَانِ فَالسَّّمَاءُ والأَرْضُ، وَأمَّا الْمُخْتَلِفَانِ فَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَأمَّا الْمُتَبَاغِضَانِ فَالْمَوْتُ وَالْحَيَاةُ، وَأمَّا الأَمْرُ الَّّذِي إذا رَكِبَهُ الرَّجُلُ حَمَدَ آخِرَهُ فَالْحِلْمُ عَلَى الْغَضَب، وَأمَّا الأمْرُ الَّذِي إذا رَكِبَهُ ذمَّ آخِرَهُ فَالْحِدَّةُ عَلَى الْغَضَب.
قَالَ : فَفَكَّ الْخَتْمَ فَإذا هِيَ هَذِهِ الْمَسَائِلُ سَوَاءٌ عَلَى مَا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. فَقَالَ الْقِسِّيْسُونَ وَالأَحْبَارُ : لَنْ نَرْضَى حَتَّى نَسْأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَإنْ هُوَ أخْرَجَهَا فَهُوَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِكَ. فَقَالَ سُلَيْمَانُ : سَلُونِي وَمَا تَوْفِيْقِي إلاَّ باللهِ، قَالُواْ : مَا الشَّيْءُ الَّذِي إذا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ ؟ وَإذا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ ؟ قَالَ : هُوَ الْقَلْبُ ؛ إذا صَلُحَ صَلُحَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ، وَإذا فَسَدَ فَسَدَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ. قًَالُواْ : صَدَقْتَ! أنْتَ الْخَلِيْفَةُ مِنْ بَعْدِهِ. وَدَفَعَ إلَيْهِ دَاوُدُ قَضِيْبَ الْمُلْكِ، وَمَاتَ مِنَ الْغَدِ).
وعن محمَّد بن جعفرٍ عن أبيهِ قال :(أُعْطِيَ سُلَيْمَانُ مُلْكَ مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَاربهَا، فَمَلَكَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّةَ أشْهُرٍ، مَلَكَ أهْلَ الدُّنْيَا كُلَّهُمْ مِنَ الْجِنِّ والإنْسِ وَالشَّيَاطِيْنِ وَالدَّوَاب وَالطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ، وَأُعْطِيَ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَمَنْطِقَ كُلِّ شَيْءٍ).
وقولهُ تعالى :﴿وَقَالَ ياأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ ؛ صَوْتٌ منهُ. قال الفرَّاءُ :(مَنْطِقُ الطَّيْرِ : مَعْنَى كَلاَمِ الطَّيْرِ، جَعَلَهُ كَمَنْطِقِ الرَّجُلِ إذا فُهِمَ). قال مقاتلُ :(كَانَ سُلَيْمَانُ جَالِساً إذْ مَرَّ بهِ طَائِرٌ، فَقَالَ لِجُلَسَائِهِ : هَلْ تَدْرُونَ مَا قَالَ هَذا الطَّائِرُ ؟ قَالُواْ : لاَ، قَالَ : إنَّهُ قَالَ لِي : السَّلاَمُ عَلَيْكَ أيُّهَا الْمَلِكُ الْمُسَلَّطُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيْلَ. وَمَرَّ سُلَيْمَانُ ذاتَ يَوْمٍ عَلَى بُلْبُلٍ فَوْقَ شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ رَأسَهُ وَيُمِيْلُ ذنَبَهُ وَيَصِيْحُ، فَقَالَ لأَصْحَابهِ : هَلْ تَدْرُونَ مَا يَقُولُ هَذا الْبُلْبُلُ ؟ قَالُواْ : اللهُ أعْلَمْ! قَالَ : إنَّهُ يَقُولُ : أكَلْتُ نِصْفَ ثَمَرَة فَعَلَى الدُّنْيَا الْعَفَاءُ).
النمل 27:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْس وَالطَّيْرِ﴾ ؛ أي جُمِعَ له من كلِّ جهةٍ جماعةٌ من الجنِّ والإنس والطَّيرِ. والْحَشْرُ : جمعُ الْخَلْقِ من موضعٍ إلى موضع، ومنهُ الْمَحْشَرُ لِعَرَصَاتِ يَوْمَ القيامةِ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ مُعَسْكَرُ سُلَيْمَانَ مِائَةُ فَرْسَخٍ، خَمْسَةٌ وَعُشْرُونَ فَرْسَخاً لِلإنْسِ، وَخَمْسَةٌ وَعُشْرُونَ فَرْسَخاً لِلجِنِّ، وَخَمْسَةٌ وَعُشْرُونَ فرْسَخاً لِلسِّبَاعِ، وَخَمْسَةٌ وَعُشْرُونَ فرْسَخاً لِلطَّيْرِ).
ووجهُ تسخيرِ الطَّير له أنَّ الله زادَ في عقُولِها حتى كانت تفهمُ ما يقالُ ويراد منها، وتقبلُ الأدَبَ وتخافُ وتحذر، وكان لسليمانَ عليه السلام ألفُ بيتٍ من قَوَاريْرَ على الخشب، فيها ثَلاثُمائة صريحة، وسَبْعُمائة سَرِيَّةٍ، فيأمرُ الرِّيحَ العاصفَ فترفعه، ويأمرُ الرَّحا فتسيرُ به، فأوحَى اللهُ وهو يسيرُ بين السَّماء والأرضِ : أنِّي قَدْ زدْتُ فِي مُلْكِكَ أنَّهُ لاَ يَتَكَلَّمُ أحَدٌ مِنَ الْخَلاَئِقِ إلاَّ جَاءَتْ بهِ الرِّيْحُ فَأَخْبَرَتْكَ بهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ؛ قال قتادةُ :(كَانَ عَلَى كُلِّ صِنْفٍ مِنْ جُنُودِهِ وَزْعَة تَرِدُ أُوْلاَهُمْ عَلَى آخِرِهِمْ لِيَجْتَمِعُواْ وَيَتَلاَحَقُواْ) وهو من الوَزْعِ الذي هو الكَفُّ، يقالُ : وَزَعْتُهُ وَزْعاً، والشَّيْبُ وَازعٌ ؛ أي مانعٌ. قال الليثُ :(وَالْوَازعُ فِي الْحَرْب الْمُوَكَّلُ بالصُّفُوفِ يَزَعُ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْهُمْ).
ومعنى الآيةِ :﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ أي كان يُحْبَسُ أوَّلُهم على آخرِهم ليتلاَحقُوا، وكانوا يجتمعونَ ويتفرَّقون ويقومون في مسِيرِهم على مراتِبهم. وَالإيْزَاعُ هو المنعُ من الذهاب، والوَازعُ هو القَيِّمُ بأَمْرِ الْجَيْشِ، ومن ذلكَ قولُ الحسنِ :(لاَ بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ وَزْعَةٍ) أي مِن سُلْطَانٍ يَكُفُّهُمْ، ويقالُ : لا بدَّ للسُّلطانِ من وَزْعَةٍ ؛ أي مَن يَمْنَعُ الناسَ عنهُ. وأصلُ الوَزْعِ الكَفُّ والْمَنْعُ، ومنهُ الحديثُ :" إنَّ اللهَ لَيَزَعُ بالسُّلْطَانِ أكْثَرَ مِمَّا يَزَعُ بالْقُرْآنِ ".
النمل 27:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ؛ أي سَارُوا جميعاً حتَّى إذا وصَلُوا إلى وادٍ كثيرِ النَّمل، قال كعبٌ :(هُوَ وَادٍ بالطَّائِفِ)، وقال قتادةُ ومقاتل :(هُوَ بالشَّامِ)، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ؛ لأصحابها على وَجْهِ التَّحذيرِ :﴿ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ ؛ أي منَازلَكم، ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ؛ أي لا يَكْسِرَنَّكُمْ سليمانُ وجنودهُ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بذلكَ ؛ أي وهم لا يَعْلَمُونَ بحَطْمِكُمْ ووَطْئِكُمْ، فطارَتِ الريحُ بكلامِ النَّملةِ، فأدخلتْهُ في أُذُنِ سُليمانَ عليه السلام ليسمَعَها، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾ ؛ وكان أكثرُ ضَحِكِ الأنبياءِ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ التَّبَسُّمُ.
ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَاحِكاً﴾ على الحالِ، وسببُ ضَحِكِهِ مِن قَوْلِها التعجُّبُ، وذلك أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما لا عَهْدَ له بِهِ عَجِبَ وضَحِكَ. قال مقاتلُ :(ثُمَّ حَمَدَ رَبَّهُ حِيْنَ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَسَمِعَ كَلاَمَ النَّمَْلَةِ) ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ ؛ يقالُ : فلانٌ مُوزَعٌ بكَذا ؛ أي مُولَعٌ بهِ، وَقِيْلَ : معناهُ : وَفِّقْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ وَ، وَفِّقْنِي، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ في الآخرةِ.
فإن قِيْلَ : بَماذا عرفَتِ النملةُ سليمانَ، وعلى أيِّ سبيلٍ كانت معرفتُها بهِ ؟ قُلْنَا : إنَّها كانت مأمورةً بطاعتهِ، فلا بدَّ أن تعرفَ مَن أُمِرَتْ بطاعتهِ، ولا يمنع أنْ تعرفَ الدوابُّ والبهائمُ هذا الضربَ، كما تعرفُ كثيراً من منافعِها ومضارِّها، والنملةُ فيها من الفَهْمِ فوقَ هذا، فإنَّا نشاهدُ صُنْعَهَا في إدخالِ رزْقِهَا وحفظهِ وتعهُّدهِ، حتى إنَّها تكسرُ ما تجمعهُ من الحبوب نصفَين نصفين لئَلاَّ تَنْبُتَ، إلاَّ اللُّوَيْزَةَ فإنَّها تكسِرُها أربعَ قِطَعٍ ؛ لأنَّها إذا كسرَتْها نِصفَين تنبتُ، فالذي هَدَاها إلى هذهِ الأمور هو الذي ألْهَمَهَا معرفةَ سُليمانَ عليه السلام.
النمل 27:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ﴾ ؛ أي سَارُوا جميعاً حتَّى إذا وصَلُوا إلى وادٍ كثيرِ النَّمل، قال كعبٌ :(هُوَ وَادٍ بالطَّائِفِ)، وقال قتادةُ ومقاتل :(هُوَ بالشَّامِ)، ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ ؛ لأصحابها على وَجْهِ التَّحذيرِ :﴿ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ﴾ ؛ أي منَازلَكم، ﴿لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ﴾ ؛ أي لا يَكْسِرَنَّكُمْ سليمانُ وجنودهُ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بذلكَ ؛ أي وهم لا يَعْلَمُونَ بحَطْمِكُمْ ووَطْئِكُمْ، فطارَتِ الريحُ بكلامِ النَّملةِ، فأدخلتْهُ في أُذُنِ سُليمانَ عليه السلام ليسمَعَها، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا﴾ ؛ وكان أكثرُ ضَحِكِ الأنبياءِ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ التَّبَسُّمُ.
ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَاحِكاً﴾ على الحالِ، وسببُ ضَحِكِهِ مِن قَوْلِها التعجُّبُ، وذلك أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما لا عَهْدَ له بِهِ عَجِبَ وضَحِكَ. قال مقاتلُ :(ثُمَّ حَمَدَ رَبَّهُ حِيْنَ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ، وَسَمِعَ كَلاَمَ النَّمَْلَةِ) ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾ ؛ يقالُ : فلانٌ مُوزَعٌ بكَذا ؛ أي مُولَعٌ بهِ، وَقِيْلَ : معناهُ : وَفِّقْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ، ﴿الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ﴾ وَ، وَفِّقْنِي، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ في الآخرةِ.
فإن قِيْلَ : بَماذا عرفَتِ النملةُ سليمانَ، وعلى أيِّ سبيلٍ كانت معرفتُها بهِ ؟ قُلْنَا : إنَّها كانت مأمورةً بطاعتهِ، فلا بدَّ أن تعرفَ مَن أُمِرَتْ بطاعتهِ، ولا يمنع أنْ تعرفَ الدوابُّ والبهائمُ هذا الضربَ، كما تعرفُ كثيراً من منافعِها ومضارِّها، والنملةُ فيها من الفَهْمِ فوقَ هذا، فإنَّا نشاهدُ صُنْعَهَا في إدخالِ رزْقِهَا وحفظهِ وتعهُّدهِ، حتى إنَّها تكسرُ ما تجمعهُ من الحبوب نصفَين نصفين لئَلاَّ تَنْبُتَ، إلاَّ اللُّوَيْزَةَ فإنَّها تكسِرُها أربعَ قِطَعٍ ؛ لأنَّها إذا كسرَتْها نِصفَين تنبتُ، فالذي هَدَاها إلى هذهِ الأمور هو الذي ألْهَمَهَا معرفةَ سُليمانَ عليه السلام.
النمل 27:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾ ؛ أي طَلَبَهَا وبحثَ عنها، والطَّيْرُ اسمٌ جامع للجِنْسِ، وكانت الطيرُ تَصْحَبُ سليمانَ في سفرهِ، تُظِلُّهُ بأجنِحَتها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ ؛ أي قال : مَا الْهُدْهُدُ لا أراهُ أعْيُناً ؛ أي لَحِظْتُهُ فلم تَرَهُ بين الطيرِ، ﴿أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ﴾.
واختلَفُوا في سبب تفقُّدهِ عن حالِ الْهُدْهُدِ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانَ الْهُدْهُدُ يَرَى الْمَاءَ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ كَمَا تَرَاهُ مِنَ الزُّجَاجِ. وَكَانَ سُلَيْمَانُ إذا احْتَاجَ إلَى الْمَاءِ فِي مَسِيْرِهِ، أمَرَ الْهُدْهُدَ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى أقْرَب مَوْضِعٍ مِنَ الْمَاءِ، فَاحْتَاجَ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ إلَى الْمَاءِ، فَلِذلِكَ تَعَرَّفَ عَنْ حَالِ الْهُدْهُدِ).
قال عكرمةُ : قُلْتُ : يَا ابْنَ عَبَّاس ؛ كَيْفَ يَرَى الْهُدْهُدُ الْمَاءَ وَإنَّ صَيَّادَتَنَا يَأْخْذُونَهُ بالْفَخِّ فَلاَ يَرَى الْخَيْطَ وَالشَّبَكَةَ؟! قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ :(مَا ألْقَى هَذِهِ الْكَلِمَةَ عَلَى لِسَانِكَ إلاَّ الشَّيْطَانُ، أمَا تَعْلَمُ أنَّهُ إذا جَاءَ الْقَدَرُ ذهَبَ الْبَصَرُ). وعن سعيدِ بن جُبير :(أنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ تَفَقُّدِ سُلَيْمَانَ الْهُدْهُدَ، فَقَالَ : لأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَسَافَةَ الْمَاءِ. وَأنَّ الصَّبيَّ يَضَعُ لَهُ الْفَخَّ فَيُغَطِّي عَلَيْهِ بشَيْءٍ مِنَ التُّرَاب فَيَجِيْءُ فَيَقَعُ فِيْهِ، فَقَالَ : وَيْحَكَ! أمَا عَلِمْتَ أنَّ الْقَدَرَ يَحُولُ دُونَ الْبَصَرِ). ورُوي أنه قالَ :(إذا نَزَلَ القضاءُ والقَدَرُ ذهَبَ اللُّبُّ وعَمِيَ البصرُ).
وقال وهبُ :(كَانَ سَبَبُ تَفَقُّدِهِ لَهُ لإخْلاَلِهِ بالنَّوْبَةِ، كَمَا يَتَعَرَّفُ الْوَالِي عَنْ رَعِيَّتِهِ)، ويقالُ : كانتِ الطيرُ تُظِلُّهُ من الشَّمسِ، كانت تقفُ في الهواءِ مصطَّفةً موصولةَ الأجنحةِ ومتقاربةً، فلما أخْلَى الهدهدُ بمكانهِ بَانَ ذلك لوقوعِ الشَّمسِ عليه، فلذلكَ تعرَّفَ عن حالهِ.
النمل 27:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ قال المفسِّرون : تَعْذِيْبُهُ إيَّاهُ أن ينتفَ ريشَهُ ثُم يلقيهِ في الشَّمسِ فلا يَمنَعُ مِن نَمْلَةٍ ولا مِن هَوَامِّ الأرضِ. ويقالُ : هو قصُّ جناحهِ، ويجوزُ أن يُعَاقَبَ بأن لا يجرِي عليه القلمُ على وجهِ التأديب، كما يؤدِّبُ الأبُ ولده الصغير. وَقِيْلَ : تعذيبهُ أن يَنْتِفَ ريشَهُ ويدعَهُ مُمَعَّطاً في بيتِ النملِ فيلدغوهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لأَشُدَّنَّ رجلَيْهِ وألقيَهُ في الشَّمْسِ، وَقِيْلَ : لأَطْلِيَنَّهُ بالقَطْرِ وأجعلَهُ في الشَّمسِ. وَقِيْلَ : لأفرِّقنَّ بينَهُ وبين إلْفِهِ. وَقِيْلَ : لأمنعنَّهُ من خدمَتي.
قولهُ تعالى :﴿أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ ؛ أي لأقْطَعَنَّ حَلْقَهُ، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي بحجَّةٍ ظاهرة توجبُ عُذْرَهُ في غيبتهِ، وقصَّتهُ : أنَّ سليمانَ عليه السلام لَمَّا فرغَ من بناءِ بيت المقدسِ عَزَمَ على الخروجِ إلى أرضِ الْحَرَمِ، فتجهَّزَ للسيرِ واستصحبَ مِن الْجِنِّ والإنسِ والشَّياطينِ والطُّيور والوحوشِ ما بلغَ معسكرهُ مِائَةَ فرسخٍ، وأمرَ الرِّيحَ فحملَتْهم، فلما وَافَى الحرمَ أقامَ به ما شاءَ اللهُ أن يُقيمَ، وكان ينحرُ كلَّ يومٍ مدَّةَ إقامتهِ خمسةَ آلافِ ناقة، ويذبحُ خمسةَ آلاف ثورٍ، وعشرون ألفَ شاةٍ، وأقامَ بمكَّةَ حتى قضَى نُسُكَهُ.
ثُم سارَ إلى أرضِ اليمن فوافََى صنعاءَ اليمنِ وقتَ الزَّوالِ، فأحبَّ النُّزولَ ليُصَلِّي ويتغدَّى، فطلَبُوا الماءَ فلم يجدوهُ، وكان الهدهدُ دليلَهُ على الماءِ، فلما نَزَلَ سليمانُ قال الهدهدُ : إنَّ سليمانَ قد اشتغل بالنُّزولِ، فارتفعَ الهدهدُ إلى جهةِ السَّماء، فنظرَ يَميناً وشِمالاً فرأى خُضْرَةَ بساتين مَأْربَ في أرضِ بلقيسَ، فمالَ إلى جهةِ الْخُضْرَةِ، فالتقَى بهُدهُدٍ من هدهُدِ سََبَأ، فقال لهُ : مِن أينَ أقبلْتَ وأينَ تريدُ ؟ قال : أقبلتُ من الشَّامِ مع نبيِّ الله سُليمانَ عليه السلام، قال لهُ : ومَن سليمانُ ؟ قال : مَلِكُ الإنسِ والجنِّ والشياطين والوحوشِ والطُّيور. ثُم قال له هدهدُ سُليمانَ : وأنتَ مِن أين أقبلتَ ؟ قال : مِن هذه البلادِ، قال : ومَن مَلِكُهَا ؟ قال : امرأةٌ يقالُ لها بَلْقِيْسُ ؛ مَلَكَتِ اليمنَ كلَّها وتحتَها اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ، مع كلِّ قائدٍ مائة ألفِ مقاتل، فهل أنتَ منطلقٌ معي ننظرُ إلى مُلْكِها ؟ قال : أخافُ أن يَفْقِدَنِي سليمانُ في وقتِ الصَّلاة إذا احتاجَ إلى الماءِ، فقال لهُ هدهدُ بلقيس : إنَّ صاحبَكم يسرُّهُ أن تأتيهِ بخبرِ هذه الملكةِ. فانطلقَ معهُ ونظرَ إلى بلقيسَ ومُلكِها، وما رجعَ إلاّ وقتَ العصرِ.
قال : فلما نزلَ سليمانُ ودخلَ عليه وقتُ الصَّلاة، طلب الهدهدَ لأنه نزلَ غير ماءٍ، فسألَ الإنسَ عن الماءِ فقالُوا : ما نعلمُ هنا ماءً، فسأل الجنَّ والشياطينَ فلم يعلَمُوا، ففقدَ الهدهد فلم يجدْهُ، فدعا بعفريتِ الطير النِّسْر، فسألَهُ عن الهدهدِ، فقال : ما أدري أينَ ذهبَ، فغَضِبَ سليمانُ عند ذلك، وقالَ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجَّة.
النمل 27:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ قال المفسِّرون : تَعْذِيْبُهُ إيَّاهُ أن ينتفَ ريشَهُ ثُم يلقيهِ في الشَّمسِ فلا يَمنَعُ مِن نَمْلَةٍ ولا مِن هَوَامِّ الأرضِ. ويقالُ : هو قصُّ جناحهِ، ويجوزُ أن يُعَاقَبَ بأن لا يجرِي عليه القلمُ على وجهِ التأديب، كما يؤدِّبُ الأبُ ولده الصغير. وَقِيْلَ : تعذيبهُ أن يَنْتِفَ ريشَهُ ويدعَهُ مُمَعَّطاً في بيتِ النملِ فيلدغوهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : لأَشُدَّنَّ رجلَيْهِ وألقيَهُ في الشَّمْسِ، وَقِيْلَ : لأَطْلِيَنَّهُ بالقَطْرِ وأجعلَهُ في الشَّمسِ. وَقِيْلَ : لأفرِّقنَّ بينَهُ وبين إلْفِهِ. وَقِيْلَ : لأمنعنَّهُ من خدمَتي.
قولهُ تعالى :﴿أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ ؛ أي لأقْطَعَنَّ حَلْقَهُ، ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي بحجَّةٍ ظاهرة توجبُ عُذْرَهُ في غيبتهِ، وقصَّتهُ : أنَّ سليمانَ عليه السلام لَمَّا فرغَ من بناءِ بيت المقدسِ عَزَمَ على الخروجِ إلى أرضِ الْحَرَمِ، فتجهَّزَ للسيرِ واستصحبَ مِن الْجِنِّ والإنسِ والشَّياطينِ والطُّيور والوحوشِ ما بلغَ معسكرهُ مِائَةَ فرسخٍ، وأمرَ الرِّيحَ فحملَتْهم، فلما وَافَى الحرمَ أقامَ به ما شاءَ اللهُ أن يُقيمَ، وكان ينحرُ كلَّ يومٍ مدَّةَ إقامتهِ خمسةَ آلافِ ناقة، ويذبحُ خمسةَ آلاف ثورٍ، وعشرون ألفَ شاةٍ، وأقامَ بمكَّةَ حتى قضَى نُسُكَهُ.
ثُم سارَ إلى أرضِ اليمن فوافََى صنعاءَ اليمنِ وقتَ الزَّوالِ، فأحبَّ النُّزولَ ليُصَلِّي ويتغدَّى، فطلَبُوا الماءَ فلم يجدوهُ، وكان الهدهدُ دليلَهُ على الماءِ، فلما نَزَلَ سليمانُ قال الهدهدُ : إنَّ سليمانَ قد اشتغل بالنُّزولِ، فارتفعَ الهدهدُ إلى جهةِ السَّماء، فنظرَ يَميناً وشِمالاً فرأى خُضْرَةَ بساتين مَأْربَ في أرضِ بلقيسَ، فمالَ إلى جهةِ الْخُضْرَةِ، فالتقَى بهُدهُدٍ من هدهُدِ سََبَأ، فقال لهُ : مِن أينَ أقبلْتَ وأينَ تريدُ ؟ قال : أقبلتُ من الشَّامِ مع نبيِّ الله سُليمانَ عليه السلام، قال لهُ : ومَن سليمانُ ؟ قال : مَلِكُ الإنسِ والجنِّ والشياطين والوحوشِ والطُّيور. ثُم قال له هدهدُ سُليمانَ : وأنتَ مِن أين أقبلتَ ؟ قال : مِن هذه البلادِ، قال : ومَن مَلِكُهَا ؟ قال : امرأةٌ يقالُ لها بَلْقِيْسُ ؛ مَلَكَتِ اليمنَ كلَّها وتحتَها اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ، مع كلِّ قائدٍ مائة ألفِ مقاتل، فهل أنتَ منطلقٌ معي ننظرُ إلى مُلْكِها ؟ قال : أخافُ أن يَفْقِدَنِي سليمانُ في وقتِ الصَّلاة إذا احتاجَ إلى الماءِ، فقال لهُ هدهدُ بلقيس : إنَّ صاحبَكم يسرُّهُ أن تأتيهِ بخبرِ هذه الملكةِ. فانطلقَ معهُ ونظرَ إلى بلقيسَ ومُلكِها، وما رجعَ إلاّ وقتَ العصرِ.
قال : فلما نزلَ سليمانُ ودخلَ عليه وقتُ الصَّلاة، طلب الهدهدَ لأنه نزلَ غير ماءٍ، فسألَ الإنسَ عن الماءِ فقالُوا : ما نعلمُ هنا ماءً، فسأل الجنَّ والشياطينَ فلم يعلَمُوا، ففقدَ الهدهد فلم يجدْهُ، فدعا بعفريتِ الطير النِّسْر، فسألَهُ عن الهدهدِ، فقال : ما أدري أينَ ذهبَ، فغَضِبَ سليمانُ عند ذلك، وقالَ ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي بحجَّة.
النمل 27:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ ؛ واسْمُها بلقيسُ بنتُ الشَّرْحِ، وَقِيْلَ : شِراحيلُ بن ذي جَدَن، وكان مَلِكاً عظيمَ الشَّأنِ، وكان قد مَلَكَ أرضَ اليمنِ كلِّها، وكان يقولُ لِمُلوكِ الآفاقِ : ليس أحدٌ منكم كُفْؤٌ لِي، وأبى أن يتزوج منهم، فزوَّجُوهُ امرأةً من الجنِّ يقالُ لَها : ريحانة بنتُ السكن، فولدت بَلْقِيْسَ، ولَم يكن لهُ ولدٌ غيرَها.
وعن النبيِّ ﷺ أنهُ قالَ :" كَانَ أحَدُهُمْ يُؤْتَى بَلْقِيْسَ جِنِّيّاً " فَلَمَّا مَاتَ أبُوهَا وَلَمْ يُخَلِّفْ أحَداً غَيْرَهَا طَمِعَتْ فِي الْمُلْكِ، فَطَلَبَتْ مِنْ قَوْمِهَا أنْ يُبَايعُوهَا، فَأَطَاعَهَا قَوْمٌ وَعَصَاهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَاخْتَارُواْ عَلَيْهَا رَجُلاً فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَافْتَرَقُواْ فِرْقَتَيْنِ، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ اسْتَوْلَتْ بمُلْكِهَا عَلَى طَرَفٍ مِنْ أرْضِ الْيَمَنِ.
ثُمَّ إنَّ هَذا الْمَلِكَ الَّذِي مَلَّكُوهُ أسَاءَ السِّيْرَةَ فِي أهْلِ مَمْلَكَتِهِ حَتَّى كَانَ يَمُدُّ يَدَهُ إلَى حُرَمِ رَعِيَّتِهِ وَيَفْجُرُ بهِنَّ، فَأَرَادَ أصْحَابُهُ أنْ يُخْرِجُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُواْ، فَلَمَّا رَأتْ بَلْقِيْسُ ذلِكَ أدْرَكَتْهَا الْغَيْرَةُ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَعْرِضُ نَفْسَهَا عَلَيْهِ، فَأَجَابَهَا إلَى ذلِكَ، وَقَالَ : مَا مَنَعَنِي أنْ أبْدَأكِ بالْخِطْبَةِ إلاَّ الْيَأْسُ مِنْكِ، فَقَالَتْ : إنِّي رَاغِبَةٌ إلَيْكَ لأَنَّكَ كُفْؤٌ كَرِيْمٌ، فَاجْمَعْ رجَالَ قَوْمي فَاخْطِبْنِي إلَيْهِمْ، فَجَمَعَهُمْ فَخَطَبَهَا إلَيْهِمْ فَقَالُواْ : لاَ نَرَاهَا تَفْعَلُ هَذا، قَالَ : إنَّهَا هِيَ الَّتِي ابْتَدَأتْنِي، فَذكَرُواْ لَهَا ذلِكَ، فَقَالَتْ : نَعَمْ ؛ لأَجْلِ الْوَلَدِ، وَلَمْ أزَلْ كُنْتُ كَارهَةً لِذلِكَ، فَالآنَ قَدْ رَضِيْتُ، فَزَوَّجُوهَا مِنْهُ.
فَلَمَّا زُفَّتْ إلَيْهِ خَرَجَتْ فِي نَاسٍ كَثِيْرٍ مِنْ خَدَمِهَا وَحَشَمِهَا، فَلَمَّا جَاءَتْهُ سَقَتْهُ الْخَمْرَ حَتَّى سَكِرَ، ثُمَّ حَزَّتْ رَأسَهُ وَانْصَرَفَتْ مِنَ اللَّيْلِ إلَى مَنْزِلِهَا، فَلَمَّا أصْبَحَ رَأوا الْمَلِكَ قَتِيْلاً وَرَأسُهُ مَنْصُوباً عَلَى رَأسِ دَارهَا، فَعَلِمُواْ أنَّ تِلْكَ الْمُنَاكَحَةَ كَانَتْ مَكْراً وَخَدِيْعَةً مِنْهَا، فَاجْتَمَعُواْ إلَيْهَا وَقَالُواْ لَهَا : أنْتِ أحَقُّ بهَذا الْمُلْكِ مِنْ غَيْرِكِ، فَقَالَتْ : لَوْلاَ الْعَارُ وَالشَّنَارُ مَا قَتَلْتُهُ، وَلَكِنْ عَمَّ فَسَادُهُ وَأَخَذتْنِي الْحَمِيَّةُ حَتَّى فَعَلْتُ مَا فَعَلْتُ، فَمَلَّكُوهَا فَأَسَّسَتْ أمْرَهَا.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ قال عطاءُ :(مِنْ زيْنَةِ الدُّنْيَا مِنَ الْمَالِ وَالْجُنُودِ)، ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، أي سريرٌ من ذهَبٍ طولهُ ثَمانونَ ذِرَاعاً وعَرْضُهُ أربعونَ ذِراعاً وارتفاعهُ في السَّماء ثلاثونَ ذِراعاً مضروبٌ بالذهب مُكَلَّلٌ بالدُّرِّ والياقوتِ الأحمرِِ والزُّبُرْجُدُ الأخضرُ. قال مجاهدُ :(وَكَانَ تَحْتَهَا اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَيْلٍ - وَالْقَيْلُ بلُغَةِ الْيَمَنِ - تَحْتَ يَدَي كُلِّ قَيْلٍ ألْفُ مُقَاتِلٍ). وَقِيْلَ : كان سريرُها له أربعُ قوائمَ : قائمةٌ من ياقوتٍ أخضر، وقائمةٌ من ياقوتٍ أحمر، وقائمةٌ من زمُرُّد، وقائمةٌ من دُرٍّ، وصفائحُ السريرِ من ذهبٍ، وعليه سبعةُ أبياتٍ لكلِّ بيتٍ بابٌ مغلَقٌ.
النمل 27:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ قال الحسنُ :(كَانَ الْقَوْمُ مَجُوساً وَكَانُواْ يَتَعَطَّفُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ مُوَاجِهِيْنَ لِلشَّمْسِ)، وقولهُ تعالى :﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ أي حَسَّنَ لَهم قبيحَ أعمالِهم، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي عن الطريقِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ إلى طريق الحقِّ.
النمل 27:25
قوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ يجوزُ أن يكون ابتداءُ خطابٍ من اللهِ، ويجوزُ أن يكون من قولِ الْهُدْهُدِ أو من قولِ سُليمان.
قرأ الكسائيُّ والأعرجُ ويعقوب وحميدُ وأبو جعفرٍ :(ألاَ يَسْجُدُواْ) بالتخفيف : ألاَ يا هؤلاءِ اسْجُدُوا، جعلوهُ من أمرِ الله مستأنَفاً، وحذفُوا (هَؤُلاَءِ) اكتفاءً بدلالةِ (يَا) عليها، فعلى هذه القراءةِ (اسْجُدُواْ) في موضع جزمٍ على الأمرِ والوقفُ عليه (ألاَ يَا)، ثُم يبتدئُ (اسْجُدُوا)، وفي قراءةِ عبدِالله (هَلاَّ يَسْجُدُواْ للهِ). وقرأ الباقونَ (ألاَّ يَسْجُدُواْ) بالتشديدِ على معنى وزَيَّنَ لَهم الشيطانُ ألاَّ يَسْجُدُوا.
وقولهُ تعالى :(يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، الْخَبَأَُ : كلُّ ما غابَ عن الإدراك، مصدرٌ وقد وقعَ موقع المفعولِ كالْخَلْقِ بمعنى المخلوقِ والعلمِ بمعنى المعلومِ، وخبَأُ السَّموات : الأمطارُ، وخبأُ الأرض : النباتُ، فعلى هذا تكون (فِي) بمعنى (مِن). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ ؛ أي يعلمُ ما يُخفون في قُلوبهم، وما يُعلِنون بألسنتِهم، وفي قراءةِ الكسائيِّ بالتاء، لأنَّ أولَ الآية خطابٌ على قراءتهِ بتخفيف (ألاَ) يا اسجُدوا.
النمل 27:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ أراد بالعرشِ في هذه الآية سريرَ الْمُلْكِ الذي عظَّمَهُ اللهُ ورفعَهُ فوقَ سَموات سبعٍ وجعلَهُ أعظمَ من السَّمواتِ والأرض، ومِن أعظم كلِّ خلقٍ، وجعل الملائكة تَحُفُّ به وترفعُ أعمالَ العباد إليهِ ؛ أي هو الذي يستحقُّ العبادةَ لا غيره، وهو ربُّ العرشِ لا ملكةَ سَبَأ ؛ لأن عرشَها وإن كان عَظِيماً لا يبلغُ عرشَ الله في العِظَمِ.
فلمَّا فَرَغَ الهدهدُ من كلامه، ﴿قَالَ﴾ ؛ سليمانُ للهدهدِ :﴿سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ ؛ فيما أخبَرْتَنا به مِن هذه القصَّة، ﴿أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فنعذِّبُك.
ثُم كتبَ سليمانُ كِتاباً خَتَمَهُ بخَاتَمٍ ودفعهُ إلى الهدهدِ، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَـاذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ أي إلى أهل سبأ. وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي انصرِفْ عنهم، وهذا على التقديْمِ والتأخيرِ، تقديرهُ :﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ ؛ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ ؛ لأن التولِّي عنهم بعد الجواب، ومعنى ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي ماذا يردُّونَ من الجواب. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ أي انْصَرِفْ عنهم قَليلاً إلى حيث لا يَرَوْنَكَ ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يقولُون ويردون ويحسبون.
وكان كتابُ سُليمانَ عليه السلام : مِنْ عَبْدِ اللهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ إلَى بَلْقِيْسَ مَلِكَةِ سَبَأ، السَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. أمَّا بَعْدُ : فَلاَ تَعْلُوا عَلَيَّ وأتُونِي مُسْلِمِيْنَ. وقال ابنُ جريج :(لَمْ يَزِدْ سُلَيْمَانُ عَلَى نَصِّ اللهِ كِتَابهِ). فلمَّا كَتَبَ الكتابَ طَبَعَهُ بالْمِسْكِ وخَتَمَهُ بخاتَمهِ، وقال للهُدهدِ : اذْهَبْ بهِ، فأخذ الكتابَ بمنقارهِ وذهبَ به.
فلما أغلقَتِ المرأةُ الأبوابَ دونَها ونامَتْ على سريرِها، ووضعت المفاتيحَ تحت وسادَتِها، فأتَى بها الهدهدُ من الكُوَّةِ وهي نائمةٌ مستلقية على قَفَاهَا، فألقى الكتابَ على وجهِها ونبَّهَها بمنقارهِ وصوتهِ، فأخذتِ الكتابَ، وكانت كاتبةً قارئة عربيَّة من تُبَّعِ سراحيل الْحِمْيَرِيِّ، فقرأتِ الكتابَ وناخَرَ الهدهدُ غيرَ بعيدٍ، فدعت بذوي الرَّأيِ من قومِها وهم اثنا عشرَ ألفَ قائدٍ مع كلِّ قائد مائة ألفِ مُقاتلٍ.
وقال قتادةُ :(كَانَ أهْلُ مَشُورَتِهَا ثَلاَثُمِائَةٍ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ رَجُلاً) فجَاؤُا إليها، و ﴿قَالَتْ﴾ لَهم :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ أي حَسَنٌ، وَقِيْلَ : شريفٌ، وَقِيْلَ : مَخْتُومٌ، قال ﷺ :" كَرَامَةُ الْكِتَاب خَتْمُهُ " وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ﴾ ؛ أي الكتابُ مِن سليمانَ، ﴿وَإِنَّهُ﴾ ؛ المكتوب، ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـانِ الرَّحِيمِ * أَلاَّ تَعْلُواْ﴾ أي لا تَستَكِبُروا، ﴿عَلَيَّ﴾ ولا ترَفَّعُوا علَيَّ، ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ منقادِين طائعين.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلاَّ تَعْلُواْ عَلَيَّ﴾ بدلٌ من (كِتَابٌ) وموضعهُ على هذا القولِ رفعٌ، ويجوزُ أن يكون نَصباً على معنى بأن لاَ تَعْلُوا عَلَيَّ. وَقِيْلَ : معنى قوله ﴿وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ أي مُؤمِنين باللهِ ورسولهِ مِن الإسلامِ الذي هو دِينُ اللهِ. وَقِيْلَ : مُستَسْلِمين لأَمْرِي فيما أدعُوكُم إليه، فإنِّي لا أدعُوكُم إلاّ إلى حقٍّ، فأطيعُونِي قبلَ أن أكْرِهَكُم على ذلكَ.
النمل 27:32
قًَوْلَهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ ؛ أي قالت لأهلِ مشورَتِها : بَيِّنُوا لِي. ما أعملُ في أمرِي بما هو الصوابُ، وأشِيرُوا عليَّ، فإنِّي ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً﴾ ؛ من الأمور في ما مَضَى، ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ؛ تحضُرونَ فتُشاورُونِي، فأَشِيرُوا عليَّ في هذا الكتاب، ما أصنعُ فيهِ ؟ ﴿قَالُواْ﴾ ؛ مُجِيبينَ لَها :﴿نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾ ؛ وعُدَّةٍ في القتالِ لَم يبلُغْنا عدوٌّ قط، وَنحنُ ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ في الحرب، ذكَرُُوا لها قوَّتَهم وشجاعَتَهم، وهذا تعريضٌ منهم بالقتالِ إن أمرَتْهُم بذلكَ.
ثُم قالُوا :﴿وَالأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ ؛ أي في القتالِ وتَرْكِهِ إن أمَرْتِنا بالقتالِ قاتلناهُ، وإنْ أمَرْتِنا بغيرِ ذلك فعلناهُ، وذلك معنى قولهِ :﴿فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أي ماذا تُشِيرِينَ علينا.
النمل 27:33
قًَوْلَهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ ؛ أي قالت لأهلِ مشورَتِها : بَيِّنُوا لِي. ما أعملُ في أمرِي بما هو الصوابُ، وأشِيرُوا عليَّ، فإنِّي ﴿مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً﴾ ؛ من الأمور في ما مَضَى، ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ ؛ تحضُرونَ فتُشاورُونِي، فأَشِيرُوا عليَّ في هذا الكتاب، ما أصنعُ فيهِ ؟ ﴿قَالُواْ﴾ ؛ مُجِيبينَ لَها :﴿نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ﴾ ؛ وعُدَّةٍ في القتالِ لَم يبلُغْنا عدوٌّ قط، وَنحنُ ﴿وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ؛ في الحرب، ذكَرُُوا لها قوَّتَهم وشجاعَتَهم، وهذا تعريضٌ منهم بالقتالِ إن أمرَتْهُم بذلكَ.
ثُم قالُوا :﴿وَالأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ ؛ أي في القتالِ وتَرْكِهِ إن أمَرْتِنا بالقتالِ قاتلناهُ، وإنْ أمَرْتِنا بغيرِ ذلك فعلناهُ، وذلك معنى قولهِ :﴿فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ أي ماذا تُشِيرِينَ علينا.
النمل 27:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ ؛ أي قالَتْ مُجيبةً لَهم عن التعريضِ بالقتالِ : إنَّ الملوكَ إذا دخَلُوا قريةً عُنْوَةً عن غفلةٍ وقِتَالٍ أفْسَدُوها ؛ أي خرَّبُوهَا وأهْلَكُوهَا، ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ أي وأهَانُوا أشرَافَها وكُبَراءَها كي يستقيمَ لَهم الأمرُ. وَقِيْلَ : معنى قولهِ ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ أي بالقَتْلِ والأسرِ والاستعباد وأخذِ المالِ، وانتهى الكلامُ ها هنا.
قال اللهُ تصديقاً لَها :﴿وَكَذالِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ؛ أي كما قالَتْ هُم يفعلُونَ. ومعنى الآية : أنَّها حذرَتْهُمْ مسيرَ سُليمانَ إليهم ودخولَ بلادِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّها لَمَّا تدبَّرَتْ في أمرِها قَوَّتِ الْمُلاطفةَ بالْهَدايَا، وكانت مِن أولادِ الملوكِ، تعرفُ عادتِهم وحُسْنَ مواقع الهدايا عندَهم، فإنَّ ذلك هو الأَولى، وكانت بلقيسُ امرأةً لَبيْبَةً أدِيْبَةً، فقالَت بهذا القولِ اختِبَاراً لسليمانَ : أمَلِكٌ هو أم نَبيٌّ ؟ فإن كان مَلِكاً قَبلَ الْهَدايا وتَرَكَ الوُصولَ إلى بلدِها، وإنْ كان نَبيّاً لَم يرضَ بالْهَدِيَّةِ، ولا يُرضِيه إلاّ أن تَتَّبعَهُ، فهيَّأَتِ الْهَدايا من الْمِسْكِ والعَنْبَرِ والعُودِ وغيرِ ذلك، وأهدت له خَمسَمِائَةِ عبدٍ وخَمسَمِائَةِ جَاريةٍ، وأهدَتْ له أيضاً صِحَافَ الذهب وخمسَمائة لَبنَةٍ من ذهبٍ وخمسَمائة لَبنَةٍ من فِضَّةٍ، وتَاجاً مُكَلَّلاً بالدُّرِّ والياقوتِ.
النمل 27:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ ؛ أي قالَتْ مُجيبةً لَهم عن التعريضِ بالقتالِ : إنَّ الملوكَ إذا دخَلُوا قريةً عُنْوَةً عن غفلةٍ وقِتَالٍ أفْسَدُوها ؛ أي خرَّبُوهَا وأهْلَكُوهَا، ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ أي وأهَانُوا أشرَافَها وكُبَراءَها كي يستقيمَ لَهم الأمرُ. وَقِيْلَ : معنى قولهِ ﴿وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً﴾ أي بالقَتْلِ والأسرِ والاستعباد وأخذِ المالِ، وانتهى الكلامُ ها هنا.
قال اللهُ تصديقاً لَها :﴿وَكَذالِكَ يَفْعَلُونَ﴾ ؛ أي كما قالَتْ هُم يفعلُونَ. ومعنى الآية : أنَّها حذرَتْهُمْ مسيرَ سُليمانَ إليهم ودخولَ بلادِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ ؛ وذلك أنَّها لَمَّا تدبَّرَتْ في أمرِها قَوَّتِ الْمُلاطفةَ بالْهَدايَا، وكانت مِن أولادِ الملوكِ، تعرفُ عادتِهم وحُسْنَ مواقع الهدايا عندَهم، فإنَّ ذلك هو الأَولى، وكانت بلقيسُ امرأةً لَبيْبَةً أدِيْبَةً، فقالَت بهذا القولِ اختِبَاراً لسليمانَ : أمَلِكٌ هو أم نَبيٌّ ؟ فإن كان مَلِكاً قَبلَ الْهَدايا وتَرَكَ الوُصولَ إلى بلدِها، وإنْ كان نَبيّاً لَم يرضَ بالْهَدِيَّةِ، ولا يُرضِيه إلاّ أن تَتَّبعَهُ، فهيَّأَتِ الْهَدايا من الْمِسْكِ والعَنْبَرِ والعُودِ وغيرِ ذلك، وأهدت له خَمسَمِائَةِ عبدٍ وخَمسَمِائَةِ جَاريةٍ، وأهدَتْ له أيضاً صِحَافَ الذهب وخمسَمائة لَبنَةٍ من ذهبٍ وخمسَمائة لَبنَةٍ من فِضَّةٍ، وتَاجاً مُكَلَّلاً بالدُّرِّ والياقوتِ.
النمل 27:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي فلما جاءَ رسولُها إلى سُليمانَ يُهْدِيَهُ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهُ سُليمانُ :﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ وأنا أكثرُ أهلِ الدُّنيا مالاً ولستُ مِمَّن يرغبُ في المالِ، ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ؛ أي إذا أهْدَى بعضُكم إلى بعضٍ فَرِحُوا بذلكَ، وأما أنَّا فلا أفرحُ لأنَّكم أهلُ مفاخرة ومكاثرةٍ في الدُّنيا.
وفي الخبر : أنَّ سُليمانَ عليه السلام لَمَّا عَلِمَ بالْهَدايَا قَبْلَ أنْ تَصِلَ إليه أمَرَ أنْ يضرَبَ لَبنَاتٍ مِن الذهَب أحسنَ وأجودَ مما كانَ مع رسُولِها، وأمَرَ أن تُلْقَى تلك اللَّبنَاتُ بين قوائمِ الدَّواب حتى تَرُوثَ وتَبُولَ عليها، فلمَّا رأى ذلك الرسولُ استخَفَّ الهديَّةَ التي كانت معهُ، وكانت بلقيسُ قد قالت لرسُولِها : إذا دخلْتَ عليهِ، فَإذا نَظَرَ إليكَ نَظَرَ غَضَبٍ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ يَهُولَنَّكَ منظرهُ، فأنا أعَزُّ منه، وإنْ نَظَرَ إليكَ بوجهٍ طَلِقٍ فإنه نَبيٌّ مرسلٌ، فتَفَهَّمْ قولَهُ ورُدَّ الجوابَ. فَانْطَلَقَ الرسولُ بالْهَدايا ومعهُ الْهُدهُدُ مُسْرِعَين إلى سليمانَ.
فلمَّا وَصَلَ الرسولُ إلى سليمانَ وجَدَهُ قاعداً في مجلسهِ على سريره، وعلى يَمينه أربعةُ آلاف كرسِيٍّ من ذهبٍ، وعن يساره مثلُ ذلكَ، وقد اصطَفَّتِ الإنسُ صُفوفاً وفراسِخَ، واصطَفَّتِ الجنُّ والشياطينُ والوحوش والسِّباع والْهَوَامُّ والطيرُ كذلك صُفوفاً وفراسخَ، عن يَمينهِ ويسارهِ.
فلما رَأوا الشياطينَ نظَرُوا إلى منظرٍ فَضِيعٍ ففَزِعُوا منهم، فقالت لَهم الشياطينُ : جُوزُوا فَلا بأسَ عليكم، فكانوا يَمرُّونَ على كلٍّ كرُؤوسٍ من الجنِّ والإنس والطيرِ والوحوش حتى وقَفُوا بين يدَي سليمانَ، فنظرَ إليهم نَظَراً حَسَناً بوجهٍ طَلِقٍ، وقال : ما ورَاءَكم؟
فأخبَرَهم رئيسُهم بما جَاءُوا به من الْهَدِيَّةِ، وأعطاهُ كِتَاباً من الملكةِ، فنظرَ فيه، ثُم قالَ لرسُولِها :﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ؛ أي بعَسَاكِرَ لا طاقةَ لَهم بها، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ﴾ ؛ مِن بلادِهم، ﴿أَذِلَّةً﴾ ؛ مغلولةً أيْدِيهم إلى أعناقِهم، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ؛ أي مُهَانُونَ.
فلمَّا أخبَرَها الرسولُ بذلكَ، قالت : قد عرفتُ ما هذا بمَلِكٍ، وما لَنَا من طاقةٍ ولا ينبغِي لنا مخالفتهُ، فتجهَّزَت للميسرِ إليه، ثُم عمَدَتْ إلى سرِيرِها فوضتعْهُ في سبعةِ بيوت مقفلة الأبواب، بيتٌ فوقَ بيتٍ وجعلته في الطَّبقة السابعةِ، وجعلتِ الجيوشَ حولَهُ وخرجَتْ متوجِّهة إلى سليمانَ.
فجاءَ جبريلُ عليه السلام إلى سليمانَ وأخبرَهُ بمجِيئها إليه، ﴿قَالَ﴾ سليمانُ :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ؛ أي سَريرِ مُلكِها، ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي مُؤمنينَ، وَقِيْلَ : صَاغِرِين مُستَسْلِمين منقادينَ.
وإنَّما خَصَّ العرشَ بالطلب ؛ لأنه أعْجَبَهُ صِفَتُهُ، فأحبَّ أن يُعاتِبَها به، ويختبرَ عقلَها به إذا رأتْهُ، تعرفهُ أم تُنكِرهُ، وأحبَّ أن يُرِيَها قدرةَ اللهِ في معجزةٍ يأتِي بها في عرشِها، وأحبَّ أن يأخُذ عرشَها قَبْلَ أنْ تُسْلِمَ، فلا يحلُّ أخذُ مالِها بعدَ الإسلامِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
النمل 27:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي فلما جاءَ رسولُها إلى سُليمانَ يُهْدِيَهُ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهُ سُليمانُ :﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ وأنا أكثرُ أهلِ الدُّنيا مالاً ولستُ مِمَّن يرغبُ في المالِ، ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ؛ أي إذا أهْدَى بعضُكم إلى بعضٍ فَرِحُوا بذلكَ، وأما أنَّا فلا أفرحُ لأنَّكم أهلُ مفاخرة ومكاثرةٍ في الدُّنيا.
وفي الخبر : أنَّ سُليمانَ عليه السلام لَمَّا عَلِمَ بالْهَدايَا قَبْلَ أنْ تَصِلَ إليه أمَرَ أنْ يضرَبَ لَبنَاتٍ مِن الذهَب أحسنَ وأجودَ مما كانَ مع رسُولِها، وأمَرَ أن تُلْقَى تلك اللَّبنَاتُ بين قوائمِ الدَّواب حتى تَرُوثَ وتَبُولَ عليها، فلمَّا رأى ذلك الرسولُ استخَفَّ الهديَّةَ التي كانت معهُ، وكانت بلقيسُ قد قالت لرسُولِها : إذا دخلْتَ عليهِ، فَإذا نَظَرَ إليكَ نَظَرَ غَضَبٍ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ يَهُولَنَّكَ منظرهُ، فأنا أعَزُّ منه، وإنْ نَظَرَ إليكَ بوجهٍ طَلِقٍ فإنه نَبيٌّ مرسلٌ، فتَفَهَّمْ قولَهُ ورُدَّ الجوابَ. فَانْطَلَقَ الرسولُ بالْهَدايا ومعهُ الْهُدهُدُ مُسْرِعَين إلى سليمانَ.
فلمَّا وَصَلَ الرسولُ إلى سليمانَ وجَدَهُ قاعداً في مجلسهِ على سريره، وعلى يَمينه أربعةُ آلاف كرسِيٍّ من ذهبٍ، وعن يساره مثلُ ذلكَ، وقد اصطَفَّتِ الإنسُ صُفوفاً وفراسِخَ، واصطَفَّتِ الجنُّ والشياطينُ والوحوش والسِّباع والْهَوَامُّ والطيرُ كذلك صُفوفاً وفراسخَ، عن يَمينهِ ويسارهِ.
فلما رَأوا الشياطينَ نظَرُوا إلى منظرٍ فَضِيعٍ ففَزِعُوا منهم، فقالت لَهم الشياطينُ : جُوزُوا فَلا بأسَ عليكم، فكانوا يَمرُّونَ على كلٍّ كرُؤوسٍ من الجنِّ والإنس والطيرِ والوحوش حتى وقَفُوا بين يدَي سليمانَ، فنظرَ إليهم نَظَراً حَسَناً بوجهٍ طَلِقٍ، وقال : ما ورَاءَكم؟
فأخبَرَهم رئيسُهم بما جَاءُوا به من الْهَدِيَّةِ، وأعطاهُ كِتَاباً من الملكةِ، فنظرَ فيه، ثُم قالَ لرسُولِها :﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ؛ أي بعَسَاكِرَ لا طاقةَ لَهم بها، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ﴾ ؛ مِن بلادِهم، ﴿أَذِلَّةً﴾ ؛ مغلولةً أيْدِيهم إلى أعناقِهم، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ؛ أي مُهَانُونَ.
فلمَّا أخبَرَها الرسولُ بذلكَ، قالت : قد عرفتُ ما هذا بمَلِكٍ، وما لَنَا من طاقةٍ ولا ينبغِي لنا مخالفتهُ، فتجهَّزَت للميسرِ إليه، ثُم عمَدَتْ إلى سرِيرِها فوضتعْهُ في سبعةِ بيوت مقفلة الأبواب، بيتٌ فوقَ بيتٍ وجعلته في الطَّبقة السابعةِ، وجعلتِ الجيوشَ حولَهُ وخرجَتْ متوجِّهة إلى سليمانَ.
فجاءَ جبريلُ عليه السلام إلى سليمانَ وأخبرَهُ بمجِيئها إليه، ﴿قَالَ﴾ سليمانُ :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ؛ أي سَريرِ مُلكِها، ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي مُؤمنينَ، وَقِيْلَ : صَاغِرِين مُستَسْلِمين منقادينَ.
وإنَّما خَصَّ العرشَ بالطلب ؛ لأنه أعْجَبَهُ صِفَتُهُ، فأحبَّ أن يُعاتِبَها به، ويختبرَ عقلَها به إذا رأتْهُ، تعرفهُ أم تُنكِرهُ، وأحبَّ أن يُرِيَها قدرةَ اللهِ في معجزةٍ يأتِي بها في عرشِها، وأحبَّ أن يأخُذ عرشَها قَبْلَ أنْ تُسْلِمَ، فلا يحلُّ أخذُ مالِها بعدَ الإسلامِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
النمل 27:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ أي فلما جاءَ رسولُها إلى سُليمانَ يُهْدِيَهُ، ﴿قَالَ﴾ ؛ لهُ سُليمانُ :﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَآ آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ آتَاكُمْ﴾ وأنا أكثرُ أهلِ الدُّنيا مالاً ولستُ مِمَّن يرغبُ في المالِ، ﴿بَلْ أَنتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ ؛ أي إذا أهْدَى بعضُكم إلى بعضٍ فَرِحُوا بذلكَ، وأما أنَّا فلا أفرحُ لأنَّكم أهلُ مفاخرة ومكاثرةٍ في الدُّنيا.
وفي الخبر : أنَّ سُليمانَ عليه السلام لَمَّا عَلِمَ بالْهَدايَا قَبْلَ أنْ تَصِلَ إليه أمَرَ أنْ يضرَبَ لَبنَاتٍ مِن الذهَب أحسنَ وأجودَ مما كانَ مع رسُولِها، وأمَرَ أن تُلْقَى تلك اللَّبنَاتُ بين قوائمِ الدَّواب حتى تَرُوثَ وتَبُولَ عليها، فلمَّا رأى ذلك الرسولُ استخَفَّ الهديَّةَ التي كانت معهُ، وكانت بلقيسُ قد قالت لرسُولِها : إذا دخلْتَ عليهِ، فَإذا نَظَرَ إليكَ نَظَرَ غَضَبٍ، فَاعْلَمْ أنَّهُ مَلِكٌ يَهُولَنَّكَ منظرهُ، فأنا أعَزُّ منه، وإنْ نَظَرَ إليكَ بوجهٍ طَلِقٍ فإنه نَبيٌّ مرسلٌ، فتَفَهَّمْ قولَهُ ورُدَّ الجوابَ. فَانْطَلَقَ الرسولُ بالْهَدايا ومعهُ الْهُدهُدُ مُسْرِعَين إلى سليمانَ.
فلمَّا وَصَلَ الرسولُ إلى سليمانَ وجَدَهُ قاعداً في مجلسهِ على سريره، وعلى يَمينه أربعةُ آلاف كرسِيٍّ من ذهبٍ، وعن يساره مثلُ ذلكَ، وقد اصطَفَّتِ الإنسُ صُفوفاً وفراسِخَ، واصطَفَّتِ الجنُّ والشياطينُ والوحوش والسِّباع والْهَوَامُّ والطيرُ كذلك صُفوفاً وفراسخَ، عن يَمينهِ ويسارهِ.
فلما رَأوا الشياطينَ نظَرُوا إلى منظرٍ فَضِيعٍ ففَزِعُوا منهم، فقالت لَهم الشياطينُ : جُوزُوا فَلا بأسَ عليكم، فكانوا يَمرُّونَ على كلٍّ كرُؤوسٍ من الجنِّ والإنس والطيرِ والوحوش حتى وقَفُوا بين يدَي سليمانَ، فنظرَ إليهم نَظَراً حَسَناً بوجهٍ طَلِقٍ، وقال : ما ورَاءَكم؟
فأخبَرَهم رئيسُهم بما جَاءُوا به من الْهَدِيَّةِ، وأعطاهُ كِتَاباً من الملكةِ، فنظرَ فيه، ثُم قالَ لرسُولِها :﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لاَّ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا﴾ ؛ أي بعَسَاكِرَ لا طاقةَ لَهم بها، ﴿وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَآ﴾ ؛ مِن بلادِهم، ﴿أَذِلَّةً﴾ ؛ مغلولةً أيْدِيهم إلى أعناقِهم، ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ؛ أي مُهَانُونَ.
فلمَّا أخبَرَها الرسولُ بذلكَ، قالت : قد عرفتُ ما هذا بمَلِكٍ، وما لَنَا من طاقةٍ ولا ينبغِي لنا مخالفتهُ، فتجهَّزَت للميسرِ إليه، ثُم عمَدَتْ إلى سرِيرِها فوضتعْهُ في سبعةِ بيوت مقفلة الأبواب، بيتٌ فوقَ بيتٍ وجعلته في الطَّبقة السابعةِ، وجعلتِ الجيوشَ حولَهُ وخرجَتْ متوجِّهة إلى سليمانَ.
فجاءَ جبريلُ عليه السلام إلى سليمانَ وأخبرَهُ بمجِيئها إليه، ﴿قَالَ﴾ سليمانُ :﴿ياأَيُّهَا الْمَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ ؛ أي سَريرِ مُلكِها، ﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي مُؤمنينَ، وَقِيْلَ : صَاغِرِين مُستَسْلِمين منقادينَ.
وإنَّما خَصَّ العرشَ بالطلب ؛ لأنه أعْجَبَهُ صِفَتُهُ، فأحبَّ أن يُعاتِبَها به، ويختبرَ عقلَها به إذا رأتْهُ، تعرفهُ أم تُنكِرهُ، وأحبَّ أن يُرِيَها قدرةَ اللهِ في معجزةٍ يأتِي بها في عرشِها، وأحبَّ أن يأخُذ عرشَها قَبْلَ أنْ تُسْلِمَ، فلا يحلُّ أخذُ مالِها بعدَ الإسلامِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾.
النمل 27:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن الْجِنِّ﴾ ؛ يعرفُ بعَمْرٍو، والجِنِّيُّ والعفريتُ في كلِّ شيءٍ : الْمُبَالِغُ الْحَاذِقُ، يقالُ : رَجُلٌ عِفْرٌ وَعِفْرِيْتٌ وعِفْرِيَةٌ، بمعنى واحدٍ، والجمعُ عَفَاريتُ وَعَفَارَى، وَقِيْلَ : العفريتُ من الجِنِّ الْمَاردُ القويُّ الغليظ الشديدُ. وَقِيْلَ : اسمُ العفريتِ الدَّاهِيَةُ.
قِيْلَ : إنَّها سارَتْ إلَى سليمانَ في اثنَى عشرَ ألفَ قِيْل، تحتَ كلِّ قِيْل ألُوفٌ كثيرةٌ، فخرجَ سليمانُ ذات يومٍ وإذا هو يَرَى هَرَجاً قريباً منهُ، فقال : ما هَذا ؟ قالوا : بلقيسُ، قال : نزلَتْ منَّا بهذا المكانِ. قال ابنُ عبَّاس :(وَهُوَ مَكَانٌ بَيْنَ الْحِيْرَةِ وَالْكُوفَةِ بُعَيْدَ فَرْسَخٍ) فأقبلَ حينئذ سليمانُ على جنودهِ، وقال :﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ؟﴾.
واختلفَ أهلُ العلمِ في السَّبب الذي لأجلهِ أمرَ سليمانُ بإحضار عرشِها، قِيْلَ : أنْ يَحْرُمَ عليه أخذهُ بإسلامِها. وقال قتادةُ :(إنَّهُ أعْجَبَهُ صِفَتُهُ لَمَّا وَصَفَهُ لَهُ الْهُدْهُدُ، فَأَحَبَّ أنْ يَرَاهُ)، وقال ابنُ زيدٍ :(أرَادَ أنْ يَخْتَبرَ عَقْلَهَا بتَنْكِيْرِ عَرْشِهَا وَلِيَنْظُرَ هَلْ تَعْرِفُهُ إذا رَأتْهُ أوْ تُنْكِرُهُ)، وَقِيْلَ : لِيُرِيَها قدرةَ اللهِ وعِلْمَ سُلْطانهِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ﴾ ؛ أي من مجلسِ قضَائِكَ، وكان سليمانُ يجلسُ للقضاء من الغَدَاةِ إلى انتصافِ النَّهار، وقال مقاتلُ :(قَالَ الْعِفْريْتُ : أنَا أضَعُ قَدَمِي عِنْدَ مُنْتَهَى بَصَرِي، فَلَيْسَ شَيْءٌ أسْرَعُ مِنِّي) ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ ؛ أي قَوِيٌّ على حملهِ، أمينٌ على ما فيهِ مِن الذهب والجواهرِ. فقال سليمانُ : أريدُ أسرعَ مِن ذلكَ.
النمل 27:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ ؛ وهو آصِفُ بن بَرَخْيَا كان يعلَمُ الاسمَ الأعظمَ الذي إذا دُعِيَ له أجابَ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين. وقال بعضُهم : هو جبريلُ، وَقِيْلَ : هو مَلَكٌ من الملائكةِ.
وقولهُ تعالى :﴿أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ ؛ قال ابنُ جبير :(قَالَ لِسُلَيْمَانَ : انْظُرْ إلَى السَّمَاءِ، فَمَا طَرَفَ حَتَّى جَاءَ بهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ). والمعنى : حتى يعودَ إليك طَرْفُكَ بعد مَدِّهِ إلى السَّماء. وَقِيْلَ : معناهُ : بقدر ما تفتحُ عينَيْكَ، وهذا الكلامُ عبارةٌ عن المبالغةِ في السُّرعةِ.
قال محمَّدُ بن اسحق :(انْخَرَقَ مَكَانُ عَرْشِهَا حَيْثُ هُوَ، ثُمَّ نَبَعَ بَيْنَ يَدَي سُلَيْمَانَ) ومثلُ هذا رُويَ عن ابنِ عبَّاس. وقال الكلبيُّ :(خَرَّ آصِفُ سَاجِداً وَدَعَا بالاسْمِ الأَعْظَمِ، فَغَارَ عَرْشُهَا تَحْتَ الأَرْضِ حَتَّى نَبَعَ عِنْدَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ).
قال أهلُ المعانِي : لا يُنْكَرُ من قدرةِ الله " نقله " من حيث كانَ، ثُم يوجدهُ حيث كانَ سليمانُ بالأفضلِ، لدعاءِ الذي عندَهُ علمٌ من الكتاب، ويكونُ ذلك كرامةً للولِيِّ ومعجزةً للنبيِّ.
واختلَفُوا في ذلكَ الدُّعاءِ الذي دعَا به آصِفُ، فقال مقاتلُ ومجاهد :(يَا ذا الْجَلاَلِ وَالإكْرَامِ)، وقال الكلبيُّ :(يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ)، وَقِيْلَ : قالَ له سليمانُ : قد رأيتُكَ تُرْجِعُ شفَتيكَ فَمَا قُلْتَ ؟ قالَ : قلتُ : إلَهِي وَإلَهَ كلِّ كل شيء واحدٌ لا إلهَ إلاّ أنتَ إئْتِ بهِ. وقال بعضُهم : هو يا إلَهَنَا وإلهَ كلِّ شيء، يا ذا الجلالِ والإكرامِ لا إلهَ إلاّ أنتَ. وقال الحسنُ :(اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ : يَا رَحْمَنُ، وَذلِكَ أنَّهُ لاَ يُسَمَّى أحَدٌ بهَذيْنِ الاسْمَيْنِ عَلَى الإطْلاَقِ غَيْرُ اللهِ عَزَّ وَجلَّ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً﴾ ؛ أي فلمَّا رأى سليمانُ العرشَ مستَقِرّاً، ﴿عِندَهُ﴾، نَابتاً بين يديهِ، ﴿قَالَ هَـاذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ ؛ أي هذا التمكينُ من حصولِ المراد من حصولُ فَضْلِ اللهِ وعطائهِ، ﴿لِيَبْلُوَنِي﴾ ؛ أي ليَخْتَبرَنِي ويَمْتَحِنَني على هذه النعمةِ، ﴿أَأَشْكُرُ﴾ ؛ أأشكرهُ فيما أعطانِي من نعمةٍ، ﴿أَمْ أَكْفُرُ﴾ ؛ أي أتركُ شُكرَها، ﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن شَكَرَ نعمةَ ربهِ فإنَّما منفعةُ شُكْرِهِ راجعٌ إلى نفسهِ، يعني ثوابَ شُكرِهِ يعودُ إليه، ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ؛ أي تَرَكَ شُكْرَ نعمتهِ، ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ﴾ ؛ عنهُ وعن شُكرهِ، ﴿كَرِيمٌ﴾ ؛ يقبلُ الشُّكْرَ ؛ أي ويزيدُ عليه في النعمةِ في الدُّنيا ويثيبُ عليه في العُقبَى.
النمل 27:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرْشَهَا﴾ ؛ قال سليمانُ : غيِّرُوا سريرَها وزيدُوا فيه وأنقِصُوا منهُ حتى، ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ﴾.
النمل 27:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ ؛ أي فلما جاءت بلقيسُ إلى سليمانَ، قِيْلَ : أهكذا سَريرُكِ ؟ فجعلت تعرفُ وتُنكِرُ، وعَجِبَتْ من حضورهِ عند سُليمانَ، و ﴿قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ ؛ وقال مقاتلُ :(عَرَفَتْهُ وَلَكِنَّهَا شَبَّهَتْ عَلَيْهِ كَمَا شَبَّهُواْ عَلَيْهَا، وَلَوْ قِيْلَ لَها : أهَذا عَرْشُكِ ؟ لَقَالَتْ : نَعَمْ. فقيلَ لَها : فإنه عرشُكِ، فما أغنَى عنكِ إغلاقُ الأبواب، وكانت قد خلَّفتْهُ وراءَ سبعةِ أبوابٍ لَمَّا خرجت والمفاتيحُ معَها، فلم تُقِرَّ ولَم تُنْكِرْ، فَعَلِمَ سليمانُ كمال عقلِها).
وقال عكرمةُ :(كَانَتْ حَكِيْمَةً، قَالَتْ : إنْ قُلْتُ هُوَ هُوَ خَشِيْتُ أنْ أكْذِبَ، وَإنْ قُلْتُ لاَ خَشِيْتُ أنْ أكْذِبَ) فلَم تقُلْ نَعَمْْ، ولا قالت لاَ ؛ لأنه كان يشبهُ سريرَها، وشكَّتْ في وصولهِ إلى سليمانَ بعد أن وضعتْهُ في أحصَنِ المواضعِ، وشَكَّتْ أيضاً لِمَا أحدثُوا فيه من التغيُّرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ﴾ ؛ هذا من قولِ سُليمانَ عليه السلام وقومَهُ، أي قالُوا : وأُعطينا العلمَ بها وبمُلكِها وسريرِها من قبلِ مَجيئِها، وهو ما أخبرَ به الهدهدُ من شأنِها وقصَّتِها، وقالوا : وَكُنَّا مُسْلِمِيْنَ بحمدِ الله عَزَّ وَجَلَّ من قبلِ مشاهدةِ المعجزات، وهذا قولُ مجاهدٍ.
وقال بعضُهم : هذا قولُ من بلقيسَ لَمَّا رأت عرشَها قالت : وَأُوتِينَا العلمَ بصحَّة نبوَّة سليمانَ عليه السلام من قَبْلِ الآيةِ في العرضِ وكنا مُسْلِمِيْنَ طائعينَ منقادين لأمرِ سُليمانَ عليه السلام قبلَ أن نجيءَ إليه.
النمل 27:43
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ أي منعَها الإيْمَانَ بالله العبادةُ التي كانت عليها من عبادةِ الشَّمسِ. والمعنى وَصَدَّهَا عَنِ الإيْمانِ والتوحيدِ الذي كَانَتْ تعبدُ من دونِ اللهِ ؛ وهو الشمسُ ؛ لأنَّها نشأَتْ في قومٍ لَم يكونوا يَعْرِفُونَ إلاّ عبادةَ الشَّمسِ ؛ لأنَّها كانت من الْمَجُوسِ.
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ ؛ أي إنَّها كانت من قومٍ يعبدونَ الشَّمسَ، فنشأَتْ في ما بينِهم. وقال بعضُهم معنى قولهِ :﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيْ صَدَّهَا سليمانُ ؛ أي منعَها ذلك، وحالَ بينَهُ وبينَها، فعلى هذا يكون موضعُ (مَا) نصباً.
النمل 27:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ ؛ وذلك أنَّ بلقيسَ لَمَّا لم تُسِلمْ بما رأتْ من الآياتِ، أرادَ سليمانُ عليه السلام أن يُرِيهَا آيةً أُخرَى لتُسْلِمَ، فأمرَ الجنَّ والشياطينَ أن يَبْنُوا لَها صَرْحاً ؛ أي قَصْراً من زجاجٍ مُمَلَّسٍ، وأن يُجْرُوا تحتَهُ الماءَ، ويجعلُوا فيه الْمِسْكَ والزُّمُرُّدَ الأملسَ، وشجرةٌ مَرْدَاءُ ؛ أي ملساءُ لا وَرَقَ لَها. ففعَلُوا ذلكَ ثُم وضَعُوا لَهُ سريراً في صدر الصَّرحِ فجلسَ عليهِ، وعكفَتْ عليه الطيرُ والجنُّ والإنس.
وَقِيْلَ : إنَّ سليمانَ عليه السلام إنَّما أمَرَ ببناءِ الصَّرحِ ؛ لأن الجنَّ كانوا قد أخبَروهُ أن رجلَها رجْلُ حِمَارٍ، وإنَّها شعراءُ الرِّجْلَين ؛ لأن أُمَّهَا كانت من الجنِّ، فخَافُوا أن يتزَوَّجَها فتُفشِي إليه أسرارُ الجنِّ، فأرادُوا أن يُزهِدُوهُ فيها بهذا الكلامِ، وقالوا لَهُ أيضاً : إنَّ في عقْلِها شيءٌ، فأرادَ أن يختبرَ حقيقةَ قولِهم أنَّ رجْلَها كحافِرِ الحمار، ولينظُرَ إلى سَاقِها هل به شَعْرٌ كما قالوا ﴿قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾ أي القَصْرَ، وَقِيْلَ : صَحْنُ القصرِ.
قال الزجَّاجُ :(والصَّرْحُ : الْقَصْرُ والصَّحْنُ، يُقَالُ : هَذِهِ سَاحَةُ الدَّار وصُرْحَةُ الدار). والصَّرْحُ في اللغة : هو البَسْطُ المنكشفُ من غير سَقْفٍ، ومنهُ صَرَّحَ بالأمرِ إذا أفصحَ به ولَم يُكَنِّ عنهُ، والتصريحُ بخلافِ التَّضميرِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَتْهُ﴾ ؛ أي فلمَّا رأتْ بلقيسُ الصَّرْحَ على تلك الصِّفةِ، ﴿حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾ ؛ واللُّجَّةُ مُعْظَمُ الماءِ الكثيرِ، ﴿وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا﴾ ؛ أي رَفَعَتْ ثِيابَها عن ساقيها حتى لا تَبْتَلَّ ثيابُها على ما هو العادةُ من قصدِ الماء. قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا كَشَفَتْ سَاقَهَا رَأى سُلَيْمَانُ قَدَماً لَطِيْفاً وَسَاقاً حَسَناً خَدْلَجاً، إلاَّ أنَّهَا كَثِيْرَةُ شَعْرِ السَّاقَيْنِ). فَلمَّا رأى سليمانُ ذلك صَرَفَ بصرَهُ عنها، ونادَها :﴿قَالَ إِنَّهُ﴾، ليس هذا بماءٍ، وإنَّما هو، ﴿صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوارِيرَ﴾ ؛ أي مُمَلَّسٌ من زُجاجٍ، فلا تَخافِي وَاعبُرِي عليهِ، فلمَّا رأتِ السَّريرَ والصَّرْحَ عَلِمَتْ أنَّ مُلْكَ سليمانَ مِن اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، و ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ؛ بعبادةِ الشَّمسِ، ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي أخْلَصْتُ التوحيدَ.
والمعنى : أنَّ بلقيسَ اسْتَدَلَّتْ بما شاهدَتْ على وحدانيَّة اللهِ وصِحَّةِ نُبوَّةِ سُليمانَ بما رَأتْ مِن شِدَّةِ قوَّتهِ وما كان مِن تَرَسُّلِ الطيرِ له، وإحضار عَرشِها في أسرعِ مدَّة على بُعْدِ المسافةِ. وَبناءِ الصَّرحِ من القََوَاريْرِ على وجهِ الماء، فلذلكَ قالَتْ :﴿ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فتزوَّجَها سليمانُ عليه السلام.
وَقِيْلَ : لَمَّا أرادَ سليمانُ أن يتزوَّجَها كَرِهَ ذلك لِمَا رأى من كَثْرَةِ شَعْرِ ساقيها، فسألَ الإنسَ : ما يُذْهِبُ هذا ؟ قالُوا : الْمُوسى، فقال : إنَّها تقطعُ ساقَيها، فسألَ الجِنَّ فقالوا : لا نَدري، ثُم سأَلَ الشياطينَ فقال لَهم : كيفَ لِي أن أقلعَ هذا الشَّعْرَ من غير مضَرَّةٍ للجسدِ ؟ فدلُّوه على عَمَلِ النُّورَةِ، وكانت النُّورَةُ والحمَّامَاتُ من يومئذٍ، فاتَّخَذُوا لَها النُّورَةَ والحمَّامَ، وتزَوَّجَها سليمانُ عليه السلام، فلما تزوَّجَها أحبَّها حُبّاً شديداً، وأقرَّها على مُلْكِهَا، وأمَرَ الجنَّ بأَنْ يَبْنُوا لَها بأرضِ اليَمَنِ ثلاثةَ حُصُونٍ لَم يُرَ مِثلُها حُسْناً وارتفاعاً ؛ وهي سَيْلَحِيْنَ وَسُونَ وَغَمَدَانَ، ثُم كان سليمانُ يَزُورُهَا في كلِّ شهرٍ مرَّةً بعد أن رَدَّهَا إلى مُلكِها، ويقيمُ عندَها ثلاثةَ أيَّام، وولدت لَهُ أولاداً في ما ذُكِرَ.
ورُويَ أنَّ رَجُلاً جاءَ إلى عبدِالله بن عُتْبَةَ وسألَهُ : هل تَزَوَّجَ سليمانُ بلقيسَ ؟ فقالَ :(عَهْدِي بهَا أنْ قَالَتْ : وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَب الْعَالَمِيْنَ) يَعنِي أنهُ لا يَعلَمُ ذلكَ.
النمل 27:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ ؛ يعني بأنِ اعْبُدُوا اللهَ وحده، فآمَنَ بهِ فريقٌ وكَفَرَ به فريقٌ، فجعلَ الفريقان يختَصِمُونَ كما قالَ تعالى في سُورةِ الأعرافِ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾[الأعراف: ٧٥]. وقولهُ تعالى :﴿فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ ؛ أي فإذا هُم مُؤْمِنٌ وكافرٌ، مُصَدِّقٌ ومُكَذِّبٌ، يختصمُونَ في الدِّين، كلُّ فريقٍ منهم يقولُ : الحقُّ معِي.
النمل 27:46
وقولهُ تعالى :﴿قَالَ ياقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ ؛ فيه ضميرٌ تقديرهُ : إنَّ المؤمنين أوْعَدُوا الكافرينَ على كُفرِهم وتَكذِيبهم، فاستعجلَ الكافرون العذابَ، فقال صالِحٌ عليه السلام للكافِرِين المكذِّبين :(لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ) أي بالعذاب قبلَ الرَّحمةِ، ولا تستعجلونَ الثَّوابَ الموعود على الإيْمانِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ ؛ أي هَلاَّ تَستغفِرُونَ اللهَ عن كُفْرِكُمْ وتكذِيبكم، ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ؛ أي فلاَ تعذبون فِي الدُّنيا.
النمل 27:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ﴾ ؛ أي تَشَاءَمْنَا بكَ وبمَن معكَ بما لَحِقَنَا من نُقصَانِ الزَّرعِ والثمار والمياهِ. والتَّطََيُّرُ : هو التَّشَاؤُمُ، وأصلهُ : تَطَيَّرْنَا بكَ وَبمَنْ مَعَكَ، وذلكَ أنه قحط المطرِ عنهم وجَاعُوا فقالوا : أصَابَنَا هذا البلاءُ والضرُّ من شُؤمِِكَ وشُؤْمِ أصحابكَ.
وإنَّما ذُكِرَ التطيُّرُ بلفظِ التَّشَائُمِ على عادةِ العَرَب في نِسْبَتِهِمُ الشُّؤْمَ إلى ما يَأْتِي من الطَّيرِ ناحيةَ اليَدِ الشِّؤمَى وهي اليُسْرَى، ويُسَمُّونَ الطَّيرَ الذي يأتِي من ناحية اليد اليُسْرَى البَارحُ، وأما الطَّيْرُ الذي يأتِي من ناحيةِ اليد اليُمْنَى فهو السَّانِحُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي قال لَهم صالِحُ عليه السلام رَدّاً عليهم :﴿طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ﴾ أي الشُّؤْمُ أتَاكُم من عندِ الله بكُفْرِكُمْ، وهذا الذي أصَابَكم من الْجَدْب والخصب عندَ الله مكتوبٌ عليكم، لاَزمٌ لاكم في أعنَاقِكم وليسَ ذلك إلَيَّ ولا علمهُ عندِي، وهذا كقولهِ﴿يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾[الأعراف: ١٣١].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ ؛ أي تَخْسَرُونَ في الدُّنيا باختلافِ الأحوالِ من الخير والشرِّ. وَقِيْلَ : معناهُ : بل أنتُمْ قومٌ تُعَذبُونَ بذُنُوبكُمْ. وَقِيْلَ : تُمْتَحَنُونَ بإرسَالِي إليكُم لِتُثَابُوا على مُتابَعَتِي، وتُعَاقَبُوا على مُخَالَفَتِي. وَقِيْلَ : بمعنى (تَفْتَنُونَ) أي تُعاقَبون كما في قولهِ تعالى :﴿ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ﴾[الذاريات: ١٤] أي عُقوبَتَكُمْ.
النمل 27:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ ؛ معناهُ : كان في مدينةِ صَالِحٍ عليه السلام وهي الْحِجْرُ تسعةُ رَهْطٍ من الفُسَّاقِ من أبناءِ رُؤَسَائِهِمْ وهم غُوَاةِ قَومِ صَالِح يُفسِدُونَ في الأرضِ بالمعاصِي ولا يُصلِحُونَ ولا يُطِيعُونَ اللهَ، ولا يَأْتَمِرُونَ بالصَّلاحِ، وأسْمَاؤُهم قُدَارُ بن سَالِفُ ؛ ومُصدع ؛ وأسلم ؛ ودهم ؛ وذهيم ؛ وذعما ؛ ودغيم ؛ وقتَّال ؛ وضرَّاب.
النمل 27:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ أي قَالُوا فيما بينَهم : احْلِفُوا باللهِ ؛ أي تَحَالَفُوا باللهِ لتَدْخُلُنَّ على صالحٍ وعلى أهلهِ الذين آمَنُوا معه لَيْلاً فنَقْتُلَهُمْ بَيَاتاً. قرأ يحيَى وحمزةُ والأعمش والكسائيُّ وخلف (لَتُبَيِّتَنَّهُ) بالتاءِ و(لَيَقُولَنَّ) بالياء وضمِّ التاء واللاَّمِ على الخطاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ فيما نقولُ، وقرأ عاصمُ برواية أبي بكرٍ (مَهْلَكَ) بفتحِ الميم واللامِ، والْمَهْلَكُ : يجوز أن يكونَ مصدراً بمعنى الإهْلاَكِ، ويجوزُ أن يكون الموضعُ. ورَوَى حفصٌ عن عاصمٍ (مَهْلِكَ) بفتح الميم وكسرِ اللاَّم وهو اسمُ المكانِ على معنى : مَا شَهِدْنَا مَوْضِعَ هَلاكِهم.
قال الزجَّاجُ :(تَحَالَفَ هَؤُلاَءِ التِّسْعَةُ عَلَى أنْ يُبَيِّتُواْ صَالِحاً وَأهْلَهُ، ثُمَّ يُنْكِرُواْ عِنْدَ أوْلِيَائِهِ، وَكَانَ هَذا مُنْكَراً عَزَمُواْ عَلَيْهِ)، كما قالَ تعالى :﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ أي دَبَّرُوا في أمرِ صالِح عليه السلام وأهلَهُ من حيث لَم يَشْعُرْ بهم صالح ولاَ أهلهُ، ﴿وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ بما أرَدْنا فيهم.
النمل 27:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ أي قَالُوا فيما بينَهم : احْلِفُوا باللهِ ؛ أي تَحَالَفُوا باللهِ لتَدْخُلُنَّ على صالحٍ وعلى أهلهِ الذين آمَنُوا معه لَيْلاً فنَقْتُلَهُمْ بَيَاتاً. قرأ يحيَى وحمزةُ والأعمش والكسائيُّ وخلف (لَتُبَيِّتَنَّهُ) بالتاءِ و(لَيَقُولَنَّ) بالياء وضمِّ التاء واللاَّمِ على الخطاب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ؛ فيما نقولُ، وقرأ عاصمُ برواية أبي بكرٍ (مَهْلَكَ) بفتحِ الميم واللامِ، والْمَهْلَكُ : يجوز أن يكونَ مصدراً بمعنى الإهْلاَكِ، ويجوزُ أن يكون الموضعُ. ورَوَى حفصٌ عن عاصمٍ (مَهْلِكَ) بفتح الميم وكسرِ اللاَّم وهو اسمُ المكانِ على معنى : مَا شَهِدْنَا مَوْضِعَ هَلاكِهم.
قال الزجَّاجُ :(تَحَالَفَ هَؤُلاَءِ التِّسْعَةُ عَلَى أنْ يُبَيِّتُواْ صَالِحاً وَأهْلَهُ، ثُمَّ يُنْكِرُواْ عِنْدَ أوْلِيَائِهِ، وَكَانَ هَذا مُنْكَراً عَزَمُواْ عَلَيْهِ)، كما قالَ تعالى :﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ أي دَبَّرُوا في أمرِ صالِح عليه السلام وأهلَهُ من حيث لَم يَشْعُرْ بهم صالح ولاَ أهلهُ، ﴿وَمَكَرْنَا مَكْراً﴾ بما أرَدْنا فيهم.
النمل 27:51
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ؛ أي فانظُرْ يَا مُحَمَّدُ ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أي كيفَ كان آخرُ مَكْرِهم، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
قرأ الحسنُ وأهل مكَّة والأعمشُ (أنَّا دَمَّرْنَاهُمْ) بفتحِ الهمزةِ ولذلكَ وَجْهان في أحدِهما : أنْ تكون بدلاً في محلِّ الرفعِ تَبَعاً للعاقبةِ، كأنَّهُ قال : العاقبةُ أنَّا دمَّرْنَاهُمْ. والثانِي : أنَّ موضِعَها نُصِبَ على خبرِ كَانَ، تقديرهُ : كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ التَّدْمِيْرَ. وقرأ الباقونَ بالكسر على الابتداء وهو تفسيرُ ما كان قبلَهُ مثلَ قولهِ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَآءَ صَبّاً﴾[عبس: ٢٤-٢٥].
والتدميرُ : هو الإهلاكُ على وجهٍ عظيم قطيعٍ. واختلَفُوا في كيفيَّةِ هلاكِهم، قال ابنُ عبَّاس :(أرْسَلَ اللهُ الْمَلاَئِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إلَى دَار صَالِحٍ يَحْرُسُونَهَا، وَجَاءَتِ التِّسْعَةُ إلَى دَار صَالِحٍ شَاهِرِيْنَ سُيُوفَهُمْ، فَرَمَتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ بالْحِجَارَةِ مَنْ حَيْثُ كَانُواْ يَرَوْنَ الْحِجَارَةَ وَلاَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ فَقَتَلَتْهُمْ). وقال مجاهدُ :(نَزَلُواْ فِي سَفْحِ جَبَلٍ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً لِيَأْتُوا دَارَ صَالِحٍ، فَخَتَمَ عَلَيْهِمْ الْجَبَلُ فَأَهْلَكَهُمْ وَأهْلَكَ اللهُ قَوْمَهُمْ أجْمَعِيْنَ بصَيْحَةِ جِبْرِيْلَ عليه السلام).
النمل 27:52
قولهُ تعالى :﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي خاويةً عن الأهلِ والخير والنِّعمةِ بسبب ظُلمِهم لَم يبقَ فيها منهم دَيَّارٌ، قرأ العامَّة (خَاويَةً) بالنصب على الحال، والمعنى : فانْظُرْ إلَى بيوتِهم خاويةً بما ظَلَمُوا ؛ أي بظُلْمِهم وشِرْكِهم أهلَكْنَاهُم حتى جعلنَا بيوتَهم خاويةً ؛ أي منازلَهم ساقطةً على عُروشِها.
وَقِيْلَ :(خَاويَةً) نُصِبَ على القطعِ، تقديرهُ : فتِلْكَ بُيوتُهم الخاويةَ، فلما قُطِعَ منها الألفُ واللام نُصِبَ، كقولهِ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾[النحل: ٥٢]. وقرأ عيسَى بن عمر (خَاويَةٌ) بالرفعِ على الخبر.
قولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إيَّاهُم لَدَلاَلةٌ ظاهرةٌ وعِبرَةٌ لِمن عَلِمَ توحيدَ الله وقدرتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي أنْجَيْنَا الذينَ آمَنُوا بصالِحٍ من العذاب ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الشِّركَ والعقابَ.
النمل 27:53
قولهُ تعالى :﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي خاويةً عن الأهلِ والخير والنِّعمةِ بسبب ظُلمِهم لَم يبقَ فيها منهم دَيَّارٌ، قرأ العامَّة (خَاويَةً) بالنصب على الحال، والمعنى : فانْظُرْ إلَى بيوتِهم خاويةً بما ظَلَمُوا ؛ أي بظُلْمِهم وشِرْكِهم أهلَكْنَاهُم حتى جعلنَا بيوتَهم خاويةً ؛ أي منازلَهم ساقطةً على عُروشِها.
وَقِيْلَ :(خَاويَةً) نُصِبَ على القطعِ، تقديرهُ : فتِلْكَ بُيوتُهم الخاويةَ، فلما قُطِعَ منها الألفُ واللام نُصِبَ، كقولهِ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً﴾[النحل: ٥٢]. وقرأ عيسَى بن عمر (خَاويَةٌ) بالرفعِ على الخبر.
قولهُ تعالى :﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إيَّاهُم لَدَلاَلةٌ ظاهرةٌ وعِبرَةٌ لِمن عَلِمَ توحيدَ الله وقدرتَهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي أنْجَيْنَا الذينَ آمَنُوا بصالِحٍ من العذاب ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ ؛ الشِّركَ والعقابَ.
النمل 27:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ؛ أي واذكُرْ لُوطاً إذ قال لقومهِ :﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ ؛ يعني اللِّوَاطَةَ، سَمَّاها فاحشةً لعِظَمِ قُبْحِهَا، ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ؛ أي وأنتم تعلمونَ أنَّها فاحشةٌ. وَقِيْلَ : وأنتُمْ تُبصِرُونَ بعضَكم بعضاً وكانوا لا يَسْتَتِرُونَ.
النمل 27:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ؛ أي تجهَلونَ العذابَ الموعودَ على هذه الفَاحِشَةِ، وَقِيْلَ : تجهلونَ القيامةَ وعاقبةَ المعاصي.
النمل 27:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ ؛ أي عن أدْبَار الرِّجال يقولون استهزاءً بهم.
النمل 27:57
وقولهُ تعالى :﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي قَدَّرْنَا عليها أن تكونَ مِنَ الغَابرِيْنَ ؛ أي من المتخلِّفين فتهلَكُ فيمَن هلكَ، لا جُرمها مثلَ جُرمِهم لأنَّها كانت راضيةٌ بأفعَالِهم القبيحةِ فَجَرَتْ مجرَاهُم في العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾ ؛ أي على مسافرِيهم، أي حجارةً ؛ ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ ؛ فبئْسَ المطرَ مطرُ قومٍ أنذرَهم لوطٌ عليه السلام فلَمْ يؤمِنُوا.
النمل 27:58
وقولهُ تعالى :﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي قَدَّرْنَا عليها أن تكونَ مِنَ الغَابرِيْنَ ؛ أي من المتخلِّفين فتهلَكُ فيمَن هلكَ، لا جُرمها مثلَ جُرمِهم لأنَّها كانت راضيةٌ بأفعَالِهم القبيحةِ فَجَرَتْ مجرَاهُم في العذاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾ ؛ أي على مسافرِيهم، أي حجارةً ؛ ﴿فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ﴾ ؛ فبئْسَ المطرَ مطرُ قومٍ أنذرَهم لوطٌ عليه السلام فلَمْ يؤمِنُوا.
النمل 27:59
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ ؛ أي قِيْلَ لِلُوطٍ عليه السلام : قُلِ الْحَمْدُ للهِ على هلاكِ كُفَّار قَومِي. وَقِيْلَ : الخطابُ للنبيِّ ﷺ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ : الحمدُ للهِ على هلاكِ كفَّار الأُمَمِ الخاليةِ. وَقِيْلَ : على جميعِ نِعَمِ اللهِ سُبحانَهُ.
وقولهُ تعالى :﴿وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ قال يعني الانبياءَ الذي اختارَهم اللهُ لرسالَتِهِ، وقال ابنُ عبَّاس :(هُمْ أصْحَابُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم)، وقال الكلبيُّ :(هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَالَّذِيْنَ اصْطَفَاهُمْ اللهُ لِمَعْرِفَتِهِ وَطَاعَتِهِ)، ومعنى السَّلاَمِ عليهم : أنَّهم سَلِمُوا مِمَّا عُذِّبَ به الكفارُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ءَآللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي قُلْ لأهلِ مكَّةَ : أعِبَادَةُ اللهِ أفضلُ أم عبادةُ مَن تُشرِكُونَ به مَن دُونَهُ من الأصنامِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، قَالَ :" اللهُ أبْقَى وَأجَلُّ وَأكْرَمُ مِمَّا تُشْرِكُونَ " قرأ عاصمُ وأهلُ البصرةِ (أمَّا يُشْرِكُونَ) بالياءِ، وقرأ الباقون بالتَّاءِ.
النمل 27:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ فيه إضمارٌ كأنه قالَ : آلِهَتُكم أم مَن الذي خَلَقَ السَّمواتِ والأرضِ بما فيها من العجائب والبدائعِ، ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ﴾ ؛ أي بساتينَ، ﴿ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ ؛ أي مَنْظَرٌ حَسَنٌ وأنوارٌ، والحديقةُ : هي الْبُسْتَانُ التي يُحَاطُ عليه بما فيه مِن النَّحْلِ والشَّجَرْ، فإن لَم يكن عليه حائطٌ فليس بحديقةٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ ؛ هذا نَفْيٌ، يعني ما قَدِرْتُمْ عليهِ، والمعنَى : ما ينبغي لكم ذلكَ ؛ لأنَّكُم لا تقدرونَ عليها، ثُم قال اسْتِفْهَاماً مُنْكِراً عَلَيْهم :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ ؛ أي هل معَهُ معبودٌ سِوَاهُ أَعَانَهُ على صُنعهِ في خَلْقِ هذه الأشجار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ ؛ يعني كُفَّارَ مكَّةَ قومٌ يَعْدِلُونَ الأصنامَ بخالِقِهم بجَهلِهم. وَقِيْلَ :(يَعْدِلُونَ) أي يُشرِكُونَ باللهِ غيرَهُ. وَقِيْلَ : يَمِيلُونَ عن الطريقِ وعن النَّظرِ في الدَّلائلِ المؤدِّية إلى العِلْمِ بوحدانيَّةِ اللهِ.
النمل 27:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً﴾ ؛ أي مستقرَّةً لا تَميلُ بأهلِها، بل جعلَها مَسْكَناً يَسِيرُونَ فيها ويصرفون عليها، فلا هي تضطربُ بهم، ولا هي حَزْنَةٌ غليظةٌ مثلَ رُؤوسِ الجبالِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ ؛ أي جَعَلَ وسَطَ الأرضِ أوديةً وعُيوناً من عَذْبٍ وَمَالِحٍ، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ ؛ أي جَعَلَ على الأرضِ جِبَالاً ثوابتَ وأوديةً أوتاداً لها، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ ؛ أي بين الْمِلْحِ والعَذْب مانِعاً بلُطفهِ وقدرتهِ فلا يختلطُ أحدُهما بالآخرِ، ولا يبغِي أحدُهما على صاحبهِ، وقولهُ تعالى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ الله﴾ ؛ أي مع اللهِ إلهٌ فَعَلَ شيئاً من هذهِ الأشياء، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَْْ﴾ ؛ توحيدَ ربهم وسلطانه وقدرتهِ.
وقولهُ تعالى :﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ؛ الْمُضْطَرُّ : الْمَكْرُوبُ الْمَجْهُودُ المدفوعُ إلى ضيقٍ من الأمُور من غَرَقٍ أو مرضٍ أو بلاء أو حبسٍ أو كَرْبٍ إذا دعاهُ، ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ؛ فيكشِفُ ضُرَّهُ ويفرجُ عنه فيبعدهُ مِن الغَرَقِ وينجيهِ ويَشفيهِ من المرضِ. ويعافيهِ من البلاء. وقال السديُّ :(الْمُضْطَرُّ الَّذِي لاَ حَوْلَ لَهُ وَلاَ قُوَّةَ)، وقال ذُو النُّونِ :(هُوَ الَّّّذِي قَطَعَ الْعَلاَئِقَ عَمَّا دُونَ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي يأتِي بقومٍ بعد قومٍ، ويخلقُ قَرْناً بعد قَرْنِ، وكلَّما أهْلَكَ قَرْناً أنشأَ آخَرِينَ، فيكون كلٌّ خلفاءٌ لِمَنْ قبلَهم. وقولهُ تعالى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ ؛ أي إلَهٌ سِوَى اللهِ فَعَلَ ذلكَ، ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي قَلِيلاً ما تتَّعِظُونَ.
النمل 27:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّن جَعَلَ الأَرْضَ قَرَاراً﴾ ؛ أي مستقرَّةً لا تَميلُ بأهلِها، بل جعلَها مَسْكَناً يَسِيرُونَ فيها ويصرفون عليها، فلا هي تضطربُ بهم، ولا هي حَزْنَةٌ غليظةٌ مثلَ رُؤوسِ الجبالِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ ؛ أي جَعَلَ وسَطَ الأرضِ أوديةً وعُيوناً من عَذْبٍ وَمَالِحٍ، ﴿وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ﴾ ؛ أي جَعَلَ على الأرضِ جِبَالاً ثوابتَ وأوديةً أوتاداً لها، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً﴾ ؛ أي بين الْمِلْحِ والعَذْب مانِعاً بلُطفهِ وقدرتهِ فلا يختلطُ أحدُهما بالآخرِ، ولا يبغِي أحدُهما على صاحبهِ، وقولهُ تعالى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ الله﴾ ؛ أي مع اللهِ إلهٌ فَعَلَ شيئاً من هذهِ الأشياء، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَْْ﴾ ؛ توحيدَ ربهم وسلطانه وقدرتهِ.
وقولهُ تعالى :﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ ؛ الْمُضْطَرُّ : الْمَكْرُوبُ الْمَجْهُودُ المدفوعُ إلى ضيقٍ من الأمُور من غَرَقٍ أو مرضٍ أو بلاء أو حبسٍ أو كَرْبٍ إذا دعاهُ، ﴿وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ ؛ فيكشِفُ ضُرَّهُ ويفرجُ عنه فيبعدهُ مِن الغَرَقِ وينجيهِ ويَشفيهِ من المرضِ. ويعافيهِ من البلاء. وقال السديُّ :(الْمُضْطَرُّ الَّذِي لاَ حَوْلَ لَهُ وَلاَ قُوَّةَ)، وقال ذُو النُّونِ :(هُوَ الَّّّذِي قَطَعَ الْعَلاَئِقَ عَمَّا دُونَ اللهِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي يأتِي بقومٍ بعد قومٍ، ويخلقُ قَرْناً بعد قَرْنِ، وكلَّما أهْلَكَ قَرْناً أنشأَ آخَرِينَ، فيكون كلٌّ خلفاءٌ لِمَنْ قبلَهم. وقولهُ تعالى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾ ؛ أي إلَهٌ سِوَى اللهِ فَعَلَ ذلكَ، ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي قَلِيلاً ما تتَّعِظُونَ.
النمل 27:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ معناهُ : أمَّنْ يُرشِدُكم إلى الطريقِ في ظَلمَاءِ اللَّيلِ في البَرِّ والبحرِ إذا سافرَ، ثُم بما خَلَقَ لكم من القَمَرِ والنُّجُومِ والمسالكِ، وهذا كقولهِ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾[الأنعام: ٩٧]، ويجوزُ أنْ يكونَ المرادُ بالظُّلمَاتِ الشَّدَائِدُ، ﴿وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ؛ أي قُدَّامَ المطرِ، والنَّشْرُ : جمعُ نُشُورٍ ؛ وهي الرياحُ التي تأتِي بالسَّحاب، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي جَلَّ وَعَزَّ أن يكونَ له شريكٌ.
النمل 27:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ﴾ ؛ معناهُ : أمَّنْ يبدأ الخلقَ في الأرحامِ من النُّطفةِ ثُم يُمِيتُهُ ثُم يعيدهُ للبعثِ والنُّشور، وقولهُ تعالى :﴿وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والأَرْضِ﴾ ؛ أي يَرزُقُكم من السَّماءِ المطرَ، ومِن الأرضِ النباتَ والزَّرعَ، وقولهُ تعالى :﴿أَإِلَـاهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ ؛ أي حُجَّتَكُمْ فيما تدَّعونَهُ من إلهٍ سِواهُ، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أي معَ اللهِ آلِهَةٌ أُخرَى تصنعُ شيئاً من هذهِ الأشياءِ.
النمل 27:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ :﴿لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ﴾ يعني الملائكةَ، (وَالأَرْضَ) يعني الناسَ، لا يعلمُ أحدٌ منهم شيئاً من الغَيْب من وقتَ نُزولِ العذاب وقيامِ السَّاعةِ وغيرِ ذلك مما غابَ عن العبادِ، ولا يعلمُ ذلك إلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ؛ أي ولا يدرونَ متى يُبعَثُونَ من القُبُور، والأصلُ في (أيَّانَ) (أيَّ) و(إنْ) ضُمِّنَا وجُعلا أداةً واحدة، قالت عائشةُ :(مَنْ زَعَمَ أنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَدْ أعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللهِ تَعَالَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاواتِ والأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾.
النمل 27:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ ؛ فيه قِراءَتان، قرأ الحسنُ والأعمش وشَيبة ونافع وعاصمُ وحمزة والكسائي وخَلَفُ (بَلْ ادَّارَكَ) بكسرِ اللام وتشديد الدال ؛ أي تَدَارَكَ وتتابعَ عليهم في الآخرةِ، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً﴾[الأعراف: ٣٨]، وقرأ ابنُ كثيرٍ وأبو عمرٍو ويعقوب ومجاهد (بَلْ أدْرَكَ) مِن الإدراكِ ؛ أي تَبعَ ولَحِقَ، كما يقالُ : أدْرَكَهُ عِلْمِي ؛ أي بَلَغَهُ ولَحِقَهُ. قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ مَا جَهِلُوهُ فِي الدُّنْيَا، وَسَقَطَ عِلْمُهُ عَنْهُمْ عَلِمُوهُ فِي الآخِرَةِ).
وقال السديُّ :(اجْتَمَعَ عِلْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمْ يَشُكُّواْ وَلَمْ يَخْتَلِفُواْ). وقال مقاتلُ :(بَلْ عَلِمُواْ فِي الآخِرَةِ حِيْنَمَا عَايَنُوهَا مَا شَكُّواْ فِيْهِ وَعَمَواْ عَنْهُ فِي الدُّنْيَا). ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا﴾ ؛ أي بل هُم اليومَ في الدُّنيا في شَكٍّ من السَّاعةِ، ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ ؛ جمع عَمٍ، وهو عَمِيُّ القلب، وَقِيْلَ : معنى ﴿بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ﴾ مُتَحَيِّرُونَ بتَرْكِ التأمُّلِ، يقال : رجلٌ عَمِهٌ وَعَامِهٌ وعَمٍ، إذا كان مُتَحَيِّراً، وقومٌ عَمُونَ ؛ أي مُتَحَيِّرُونَ، ويجوزُ أن يكونَ معنى (ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ) أي لَحِقَ علمُهم ذلكَ بما نُصِبَ لَهم من الأدلَّةِ، بل هم في شكٍّ منها بتركِ التأمُّلِ.
النمل 27:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ معناهُ : وقال كفَّارُ مكَّةَ : إذا صِرْنَا تُراباً وآبَاؤُنَا أإنَّا لَمُخرَجُونَ من القُبُور أحياءً؟
النمل 27:68
وقولهُ تعالى :﴿لَقَدْ وُعِدْنَا هَـاذَا﴾ ؛ الذي تُخَوِّفُنَا به من البعثِ والنُّشور، ووُعِدَ آباؤنَا من قبلُ، فما وَجَدْنَا لذلكَ حقيقةً، وما هذا الذي يعِدُنَا مُحَمَّدُ إلاّ أكاذيبَ الأوَّلين. وَقِيْلَ : معناهُ : لقد وُعِدْنَا هذا البعثَ، ﴿نَحْنُ وَآبَآؤُنَا مِن قَبْلُ﴾ قبلِ مُحَمَّدٍ وليس ذلكَ بشيءٍ، ﴿إِنْ هَـاذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ؛ أي أحادِيثُهم وأكاذِيبُهم التي كذبُوها.
النمل 27:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي قُلْ يا مُحَمَّدُ :(سِيرُوا) ؛ أي سَافِرُوا وترَدَّدُوا في الأرضِ، ﴿فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ آخِرُ أمْرِ المكذِّبين بالرُّسُلِ أهلَكَهم اللهُ بأنواعِ العقوبات.
النمل 27:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي لا تَحْزَنْ على تكذِيبهم إيَّاكَ ولا إهلاكِهم إن لَم يُؤمِنُوا، وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان حَرِيْصاً على إيْمَانِهم ونَجاتِهم، ﴿وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ؛ أي لاَ يَضِيْقُ صدرُكَ يا مُحَمَّدُ بما يَمكُرونَهُ، وسيُظهِرُكَ اللهُ عليهم، نزلَتْ هذه الآيةُ في المستَهزِئين الذينَ اقتسموا أعقاب مكة، وقد مَضَتْ قصَّتُهم.
النمل 27:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أي يقولُونَ على وجهِ التَّكذيب :﴿مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ﴾ الذي يعِدُنا به في الدُّنيا والآخرةِ ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنهُ يكون.
النمل 27:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ أي قل يا مُحَمَّدُ :﴿عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم﴾ أي دَنَا لكم ورَكِبَكُم بعضُ ما تستعجلونَ به من العذاب، لا يجوزُ أن تكونَ (عَسَى) في هذا الموضعِ بمعنى الشَّكِّ، إنَّما هو بمعنى الإيجاب على وجه التَّخويفِ، قال ابنُ عبَّاس :(رَدِفَ لَكُمْ ؛ أيْ قَرُبَ لَكُمْ) وَقِيْلَ : حَضُرَ لَكُمْ.
والمعنى : أنَّ الله تعالى أمَرَ نَبيَّهُ ﷺ أن يقولَ للذين يَسْتَعْجِلُونَ بالعذاب : قد دَنَا لكم بعضُ ما تستعجِلُون، فكان بعضُ الذي دَنَا لهم القتلُ ببَدْرٍ، والقَحْطُ الذي سُلِّطَ عليهم عُقَيْبَ هذه الآيةِ حتى أكَلُوا الْجِيَفَ، والمعنى في ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ أي رَدِفَكُمْ، فأدخلَ اللاَّمَ فيه كما أدخَلَها في قولهِ تعالى :﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾[الأعراف: ١٥٤] و﴿لِلرُّءْيَا تَعْبُرُونَ﴾[يوسف: ٤٣]، قال الفرَّاء :(اللاَّمُ صِلَةٌ زَائِدَةٌ، كَمَا يَقُولُونَ نَقَدْتُهُ ونَقَدْتُ لَهُ).
النمل 27:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : لَذُو فَضْلٍ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ حَتَّى لاَ يُعْجِلَهُمْ بالْعَذاب) ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ؛ وَقِيْلَ : لَذُو فضلٍ عليهم بإمهالِهم والإنعامِ عليهم، ولكنَّهم لا يشكُرونَ فَضْلَهُ عليهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ؛ أي ما تُخفِي صدورُهم من البُغْضِ والعداوةِ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؛ بألسِنَتِهم من الكُفْرِ والتكذيب وعدائِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيُجازيهم على ذلكَ.
النمل 27:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : لَذُو فَضْلٍ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ حَتَّى لاَ يُعْجِلَهُمْ بالْعَذاب) ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ ؛ وَقِيْلَ : لَذُو فضلٍ عليهم بإمهالِهم والإنعامِ عليهم، ولكنَّهم لا يشكُرونَ فَضْلَهُ عليهم، ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ؛ أي ما تُخفِي صدورُهم من البُغْضِ والعداوةِ، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ؛ بألسِنَتِهم من الكُفْرِ والتكذيب وعدائِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيُجازيهم على ذلكَ.
النمل 27:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مِنْ غَآئِبَةٍ فِي السَّمَآءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي وما مِن جُملةٍ غائبة خافيةٍ على أهْلِ السَّماء والأرضِ، إلاّ وهو مكتوبٌ في اللَّوحِ المَحفُوظِ بيَّنَ فيهِ.
النمل 27:76
قولَهُ تعالى :﴿إِنَّ هَـاذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي بَيَّنَ لِبَنِي إسرائيلَ، ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ كاختلافِ اليهود والنَّصارَى في المسيحِ وفِي غيرهِ من الأنبياءِ، وكاختلافِهم في صِفَةِ النبيِّ ﷺ والْمُبَشَّرِ به في التَّوراةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ ؛ أي وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى من الضَّلالةِ ورحمةٌ من العذاب لِمن آمَنَ بهِ.
النمل 27:77
قولَهُ تعالى :﴿إِنَّ هَـاذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي بَيَّنَ لِبَنِي إسرائيلَ، ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ كاختلافِ اليهود والنَّصارَى في المسيحِ وفِي غيرهِ من الأنبياءِ، وكاختلافِهم في صِفَةِ النبيِّ ﷺ والْمُبَشَّرِ به في التَّوراةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤمِنِينَ﴾ ؛ أي وإنَّ القُرْآنَ لَهُدًى من الضَّلالةِ ورحمةٌ من العذاب لِمن آمَنَ بهِ.
النمل 27:78
وقولهُ تعالى :﴿إِن رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ﴾ ؛ أي يقضِي بين المؤمنين والكافرينَ يومَ القيامةِ بحكمةٍ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ؛ أي الْعَزِيْزُ بالانتقامِ من الكُفَّار، الْعَلِيْمُ بهم وبعقوبَتِهم، ولا يُمكِنُ رَدُّ قضائهِ.
النمل 27:79
وقولهُ تعالى :﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي ثِقْ باللهِ يا مُحَمَّدُ، وفَوِّضْ أمْرَكَ إليهِ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ؛ أي على طريقِ الإسلامِ، وهذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ؛ هذا مَثَلٌ للكفَّار، شَبَّهَ اللهُ كفَّارَ مكَّةَ بالأمواتِ، تقولُ كما لا يَسْمَعُ الميِّتُ النداءَ، كذلك لا يسمعُ الكافرُ النداءَ، ﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ ؛ قال قتادةُ :(إنَّ الأَصَمَّ لَوْ وَلَّى مُدْبراً وَنَادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذلِكَ الْكَافِرُ لاَ يَسْمَعُ مَا يُدْعَى إلَيْهِ مِنَ الإيْمَانِ) " والمعنى : أنهم لفرطِ " إعراضُهم عن ما يُدْعَوْنَ إليه من التوحيدِ كالْمَيِّتِ الذي لا سبيلَ إلى إسْماعهِ، وكالأصَمِّ الذي لا يسمعُ.
النمل 27:80
وقولهُ تعالى :﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي ثِقْ باللهِ يا مُحَمَّدُ، وفَوِّضْ أمْرَكَ إليهِ، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ ؛ أي على طريقِ الإسلامِ، وهذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ؛ هذا مَثَلٌ للكفَّار، شَبَّهَ اللهُ كفَّارَ مكَّةَ بالأمواتِ، تقولُ كما لا يَسْمَعُ الميِّتُ النداءَ، كذلك لا يسمعُ الكافرُ النداءَ، ﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ﴾ ؛ قال قتادةُ :(إنَّ الأَصَمَّ لَوْ وَلَّى مُدْبراً وَنَادَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ، كَذلِكَ الْكَافِرُ لاَ يَسْمَعُ مَا يُدْعَى إلَيْهِ مِنَ الإيْمَانِ) " والمعنى : أنهم لفرطِ " إعراضُهم عن ما يُدْعَوْنَ إليه من التوحيدِ كالْمَيِّتِ الذي لا سبيلَ إلى إسْماعهِ، وكالأصَمِّ الذي لا يسمعُ.
النمل 27:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ﴾ ؛ أي وما أنتَ بمُرشِدٍ من أعماهُ الله عن الْهُدَى وأعْمَى عن قلبهِ الإيْمانَ، وَقِيْلَ : معناهُ : كما لا يُمكِنُ إرشادُ الأعمَى إلى قصدِ الطَّريق بالأمَاراتِ الدالَّةِ على الطريقِ، كذلك لا يُمكِنُ هدايةُ القومِ الذين عُمِيَتْ بصائرُهم عن آياتِ الله، وليس على الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ إلاَّ الدعاءَ إلى اللهِ تعالى.
وقرأ حمزةُ والأعمش :(وَمَا أنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ) بالتَّاء ونصب الياء على الفعلِ ها هنا وفي الرُّومِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ ما سَمِعَ سَماع إفهامٍ إلاّ مَن يؤمنُ بآياتِنا ويطلبُ الحقَّ بالنظرِ في القُرْآنِ. وقال مقاتلُ :(إلاَّ مَنْ يُصَدِّقُ بالْقُرْآنِ أنَّهُ مِنَ اللهِ) ﴿فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ ؛ أي مُخلِصُونَ بتوحيدِ الله، والمعنَى ما سَمِعَ دعوتَكَ سَماعَ القَبُولِ إلاّ مَن يطلبُ الحقَّ بالنظرِ في آياتِ الله، فلا بدَّ أن يُسْلِمَ في ظهور الدَّلائِلِ.
النمل 27:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ ؛ معناهُ : وإذا وجبَ القولُ عليهم بالسُّخْطِ والعذاب عند قُرْب السَّاعة ﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ﴾، فقال قتادةُ :(إذا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَأوْجَبَ أنْ يُنْزِلَ بهِمْ مَا قَالَ اللهُ وَحَكَمَ بهِ مِنْ عَذَابهِ وَسُخْطِهِ عَلَيْهِمْ) أي على الكُفَّار الذين تخرجُ عليهم الدَّابةُ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَآبَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ وذلك حين لا يُؤمَرُ بمعروفٍ ولا ينهَى عن منكرِ. قال مُخَلَّدُ بنُ الحسينِ :(لاَ تَخْرُجُ الدَّابَّةُ حَتَّى لاَ يَبْقَى أحَدٌ يُرِيْدُ أنْ يُؤْمِنَ). قالوا : وتخرجُ الدَّابة من صَدْعٍ في الصَّفَا.
ورُوي أنه تخرجُ بين الصَّفَا والْمَرْوَةِ، ولا تُخْرِجُ إلاّ رأسَها وعنُقَها، فيبلغُ رأسُها السحابَ فيراها أهلُ المشرقِ والمغرب فيَسْمَعُونَ كلامَها باللِّسانِ، فتقولُ لَهم : أيُّها الكُفَّارُ مصيرُكم إلى النار، ثُم تُقبلُ على المؤمنينَ فتقولُ : أيُّها المؤمنونَ مصيرُكم إلى الجنَّةِ، فتُمَيِّزُ عند ذلك أهلَ الجنَّة مِن أهلِ النار.
ويجوزُ أن يكون قولهُ ﴿تُكَلِّمُهُمْ﴾ مِن الكَلْمِ وهو الْجَرَاحَةُ، كما رُوي في قراءةِ ابنِ عبَّاس (تَكْلِمُهُمْ) بنصب التاء وكسرِ اللام ؛ أي تَسِمُهُمْ، تكتبُ على وجهِ الكافرِ : إنَّهُ كَافِرٌ، وعلى جَبينِِ المؤمن : إنَّهُ مُؤْمِنٌ.
قال أبُو هريرةَ :(إنَّهَا تَخْرُجُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ)، وعن ابنِ عَمرو بن العاص أنه قالَ :(تَكْتُبُ عَلَى وَجْهِ الْكَافِرِ نُكْتَةً سَوْدَاءَ، فَتَعْثُوا فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَسْوَدَّ وَجْهُهُ، وَتَكْتُبُ عَلَى وَجْهِ الْمُؤْمِنِ نُكْتَةً بَيْضَاءَ، فَتَعْثُوا فِي وَجْهِهِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَجْهُهُ، فَتَعْرِفُ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ عِنْدَ ذلِكَ). وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه أنهُ قال :(إذا تَرَكَ النَّاسُ الأَمْرَ بالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِِ الْمُنْكَرِ كَانَ ذلِكَ الْوَقْتُ وَقْتُ أشْرَاطِ السَّاعَةِ وَخُرُوجِ الدَّابَّةِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنَّ النَّاسَ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفةِ ويعقوب (أنَّ النَّاسَ) بفتحِ الألفِ على وجه الحكايةِ من قولِ الدَّابة وعلى معنى : أخْرَجْنَا الدَّابَّةَ بأنَّ الناسَ ﴿كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ﴾ ؛ وقرأ الباقونَ بالكسرِ على الابتداء.
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" " بئْسَ الشِّعْبُ جِيَاد - مرَّتَين أو ثَلاثاً - " قَالُوا : وَلِمَ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" تَخْرُجُ مِنْهُ الدَّابَّةُ، فَتَصْرُخُ ثَلاَثَ صَرَخَاتٍ يَسْمَعُهَا مِنْ بَيْنِ الْخَافِقَيْنِ " ".
وقال بعضُهم : كنتُ مع ابنِ عبَّاس بمكَّة، فبينما هو على الصَّفا إذْ قَرَعَ الصَّفا بعصاةٍ وهو مُحْرِمٌ وهو يقولُ : إنَّ الدابةَ تسمعُ قَرْعَ عَصَايَ هذهِ، قال ابنُ عبَّاس :(هِيَ دَابَّةٌ ذاتُ زَغَبٍ وَريشٍ، ولَهَا أرْبَعَةُ قَوَائِمَ).
وعن أبي هريرةَ قَالَ :[تَخْرُجُ الدَّابَّةُ وَمَعَهَا عَصَا مُوسَى وَخَاتَمُ سُلَيْمَانَ، فَيَجْلُوا وَجْهُ الْمُؤْمِنِ بالْعَصَا، وَتَحْطِمُ وَجْهَ الْكَافِرِ بالْخَاتَمِ] والْمَحَاطِمُ هي الأُنُوفُ، واحِدُها مُحْطِمٌ بكسرِ الطَّاء، وعن حذيفةَ قالَ : قال رسولُ اللهِ ﷺ :
النمل 27:83
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ الْفَوْجُ : الْجَمَاعَةُ من الناسِ كالزُّمْرَةِ والجماعةِ، وإنَّما يُحْشَرُ الرؤساءُ والمتبوعِين، والمعنى : يومَ يُجْمَعُ مِن كلِّ أُمَّةٍ جماعةٌ مِن المكذِّبين بالرسولِ، وقولهُ تعالى :﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ؛ أي يُحبَسون، يتَلاحَقُونَ فيُسَاقُونَ إلى الموقفِ لإقامةِ الحجَّة عليهم : وَقِيْلَ : يحشَرُ أوَّلُهم على آخرِهم ليجتَمِعُوا ثُم يُساقُوا إلى النار، وقال ابنُ عبَّاس :(يُوزَعُونَ أيْ يُدْفَعُونَ).
النمل 27:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَتَّى إِذَا جَآءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾ ؛ أي حتَّى إذا جَاءُوا إلى موقفِ الحساب، قال اللهُ لَهم :﴿أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي﴾ استفهامٌ بمعنى الإنكار عليهم، والوعيدِ لَهم، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : أكَذبْتُمْ أنْبيَائِي وَجَحَدْتُمْ فَرَائِضِي وَحُدُودِي) وَلَمْ تُحِيْطُوا بهَا عِلْماً ؛ أي ولَم تُخبَرُوا حتى تَفْقَهُوا وتسمَعُوا. وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْماً﴾ أنَّها باطلٌ. والمعنى : أكَذبَّتْمُ بآيَاتِي غيرَ عالِمين بها ولَم تتفكَّرُوا في صِحَّتها، بل كذبتم بها جَهْلاً بغيرِ عِلْمٍ. وقولهُ تعالى :﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ حين لَم تبحَثُوا عنها، ولَم تَتَفَكَّرُواْ فيها، وهذا توبيخٌ لَهم وإنْ كان بلفظِ السُّؤال.
النمل 27:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي وَجَبَ العذابُ عليهم بما أشركُوا، ﴿فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ﴾ ؛ بحُجَّةٍ عن أنفُسِهم، بل يُخْتَمُ على أفواهِهم. ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾[المرسلات: ٣٥-٣٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ ؛ أي مُضِيئاً لطلب المعاشِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي أنَّ فيما ذكَرْنَا من اختلافِ اللَّيلِ والنَّهار لدلاَلاتٍ للمؤمنينَ والكافرين، ولكنه خَصَّ المؤمنينَ لأنَّهم همُ الذين ينتفعونَ بالذِّكْرِ.
النمل 27:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِم بِمَا ظَلَمُواْ﴾ ؛ أي وَجَبَ العذابُ عليهم بما أشركُوا، ﴿فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ﴾ ؛ بحُجَّةٍ عن أنفُسِهم، بل يُخْتَمُ على أفواهِهم. ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هَـاذَا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾[المرسلات: ٣٥-٣٦].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا الْلَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً﴾ ؛ أي مُضِيئاً لطلب المعاشِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي أنَّ فيما ذكَرْنَا من اختلافِ اللَّيلِ والنَّهار لدلاَلاتٍ للمؤمنينَ والكافرين، ولكنه خَصَّ المؤمنينَ لأنَّهم همُ الذين ينتفعونَ بالذِّكْرِ.
النمل 27:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي النَّفْخَةَ الأُوْلَى ؛ وَهِيَ نَفْخَةُ الصَّعْقِ) ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي مَاتُوا من شدَّةِ الخوفِ كقولهِ تعالى﴿فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ﴾[الزمر: ٦٨]، والمعنى : بَلَغَ منهم الفزعُ إلى أنْ يَمُوتُوا.
وقولهُ :﴿إِلاَّ مَن شَآءَ اللَّهُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ الشُّهَدَاءَ وَهُمْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبهِمْ يُرْزَقُونَ)، وقال الكلبيُّ ومقاتل :(يَعْنِي جِبْرِيْلَ وَمِيْكَائِيْلَ وَإسْرَافِيْلَ وَمَلَكَ الْمَوْتِ). وقولهُ تعالى :﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ ؛ أي كلُّ الخلائقِ يَأْتُونَ إلى موضعِ الْجَزَاءِ أذلاَّء صَاغِرِيْنَ.
وأمَّا النفخةُ الثانية فتسَمَّى نفخةُ البَعْثِ، وبينَهما أربعون سَنة. ويقالُ : ينفخُ في الصُّور ثلاثَ نفخاتٍ ؛ الأُولَى : نفخةُ الفَزَعِ، والثانية : نفخةُ الصَّعْقِ وهو الموتُ، والثالثةُ : نفخةُ الْقِيَامِ لرَب العالَمِين.
وعن عبدِالله بنِ عمرَ قال :" جَاءَ أعْرَابيٌّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الصُّور، فَقَالَ :" هُوَ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيْهِ " وقالَ مجاهدُ :(هُوَ كَهَيْئَةِ الْبُوقِ).
وعن أبي هريرةَ قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، خَلَقَ الصُّورَ، فَأَعْطَاهُ إسْرَافِيْلَ، فَهُوَ وَاضِعُهُ عَلَى فِيْهِ شَاخِصٌ يُبْصِرُ نَحْوَ الْعَرْشِ، يَنْظُرُ مَتَى يُؤْمَرُ " قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! وَمَا الصُّورُ ؟ قَالَ :" هُوَ قَرْنٌ " قُلْتُ : كَيْفَ هُوَ ؟ قَالَ :" عَظِيْمٌ، وَالَّّذِي بَعَثَنِي بالْحَقِّ إنَّ عِظََمَ دَائِرَةٍ فِيهِ كَعِظَمِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ. فَيَنْفُخُ ثَلاَثَ نَفْخَاتٍ ؛ النَّفْخَةُ الأُوُلَى نَفْخَةُ الْفَزَعِ، وَالنَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ نَفْخَةُ الصَّعْقِ، وَالنَّفْخَةُ الثَّالِثَةُ نَفْخَةُ الْقِيَامِ لِرَب الْعَالَمِيْنَ.
فَيَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيْلَ بالنَّفْخَةِ الأُوُلَى، فَيَقُولُ لَهُ : انْفُخْ نَفْخَةَ الْفَزَعِ، فَيَفْزَعُ مِنْهَا أهْلُ السَّمَواتِ وَأهْلُ الأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ وَيَأْمُرُهُ أنْ يَمُدَّهَا وَيُطِيْلَهَا وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللهُ ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـاؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، وَيُسَيِّرُ اللهُ الْجِبَالَ فَتَمُرُّ مَرَّ السَّحَاب فَتَكُونُ سَرَاباً، وَتُرَجُّ الأَرْضَُ بأَهْلِهَا رَجّاً، فَتَكُونُ كَالسَّفِيْنَةِ الْمُوثَقَةِ فِي الْبَحْرِ، تَضْرِبُهَا الأَمْوَاجُ وَتُلْقِيْهَا الرِّيَاحُ، وَكَالْقِنْدِيْلِ الْمُعَلَّقِ تَرُجُّهُ الرِّيَاحُ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ فَتَمِيْدُ الأَرْضُ بالنَّاسِ عَلَى ظَهْرِهَا، فَتَذْهَلُ الْمَرَاضِعُ ؛ وَتَضَعُ الْحَوَامِلُ ؛ وَيَشِيْبُ الأَطْفَالُ، وَتِطِيْرُ الشَّيَاطِيْنُ هَاربَةً مِنَ الْفَزَعِ، حَتَّى تَأْتِي الأَقْطَارَ فَتَلْقَاهَا الْمَلاَئِكَةُ فَتَضْرِبُ وَجُوهَهَا فَتَرْجِعُ، وَتُوَلِّي النَّاسُ مُدْبرِيْنَ يُنَادِي بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذلِكَ ؛ إذْ تصَدَّعَتِ الأَرْضُ، وَتَصِيْرُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ، وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَنْشُرُ نُجُومَهَا وَتَكْسِفُ شَمْسَهَا وَقَمَرَهَا. ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ إسْرَافِيْلَ أنْ يَنْفُخَ نَفْخَةَ الصَّعْقِ، فَيُصْعَقُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهُ " ".
وَقَوْلُهُ تعالى :﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾، قرأ الأعمشُ وحمزة وخلَف (أتَوْهُ) مقصُوراً على الفعل بمعنى جَاءوهُ. وقرأ الباقونَ بالمدِّ وضَمِّ التاء، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿دَاخِرِينَ﴾ أيْ صَاغِرِيْنَ.
النمل 27:88
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ ؛ أي تحسَبُها يا مُحَمَّدُ واقفةً مستقرَّةً فكأنَّها وتظنُّها ساكنةً لا تتحركُ في رَأيِ العينِ، وهي تسيرُ في الْهَواءِ سَيراً سَريعاً، وترَى السفينةَ تحسبَهُا واقفةً وهي سائرةٌ، وقولهُ تعالى :﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ تسيرُ سَير السَّحاب حتى تَقَعَ على الأرضِ فتستوي بها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ ؛ نُصِبَ على المصدر ؛ كأنه قالَ : صَنَعَ اللهُ ذلكَ صُنْعاً على الإتقانِ والإحْكَامِ. وَقِيْلَ : على الإغْرَاءِ ؛ أي أبْصِرُوا صُنْعَ اللهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ؛ أي أحْكَمَ وَأبْرَمَ ما خَلَقَ. ومعنى الإتْقَانِ في اللُّغة : الإحْكَامُ للأَشْيَاءِ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ ؛ قرأ نافعُ وابن عامر والكوفيُّون بالتاءِ، والباقونَ بالياء، والمعنى : إنَّهُ خَبيْرٌ بمَا يفعلهُ أعداؤهُ من المعصيةِ والكُفْرِ، وبما يفعلهُ أولياؤه من الطاعَةِ.
النمل 27:89
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ؛ معناهُ : مَن وَافَى عرصاتِ القيامةِ بالحسَناتِ، فلهُ ثوابٌ آجَرُ وأنْفَعُ منها. وَقِيْلَ : معناهُ مَن جاء بالإيْمانِ. قال أبو معشَرٍ :(كَانَ إبْرَاهِيْمُ يَحْلِفُ مَا يَنْثَنِي : أنَّ الْحَسَنَةَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ). وقتادةُ :(الْحَسَنَةُ هِيَ الإخْلاَصُ). وَالمعنى : مَن جَاءَ بكلمةِ الإخلاصِ بشَهَادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ يومَ القيامةِ ؛ أي مَن وافَى يومَ القيامة بالإيْمَانِ فله خيرٌ منها. قال ابنُ عبَّاس :(فَمِنْهَا يَصِلُ الْخَيْرُ إلَيْهِ) أي لهُ مِن العذاب. و(خَيْرٌ) ها هنا اسمٌ مِن غير تفضيلٍ ؛ لأنه ليسَ خيرٌ مِن لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ، ولكنَّهُ منها خيرٌ.
وقال بعضُهم : دخلتُ على علِيِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه فقالَ لِي :(ألاَ أنَبؤُكَ بالْحَسَنَةِ الَّّتِي مَنْ جَاءَ بهَا أدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، وَالسَّيِّئَةِ الَّتِي مَنْ جَاءَ بهَا أدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ عَمَلاً؟) قلتُ : بَلَى، قالَ :(الْحَسَنَةُ حُبُّنَا، وَالسَّيِّئَةُ بُغْضُنَا). ومعنى ﴿خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ : رضوانُ اللهِ. وَقِيْلَ : الأضعَافُ بعطيَّةِ اللهِ بالواحدة عَشْراً فصاعِداً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ ؛ قرأ أهلُ الكوفة (فَزَعٍ) منوناً بنصب الميمِ، وقرأ الباقونَ بالإضافةِ، واختارَهُ أبو عُبيدٍ لأنه أعَمُّ ويكون شَامِلاً لجميعِ فَزَعِ ذلك اليومِ، وإذا كان منَوَّناً كان الفزعُ دونَ فزعٍ.
وقال أبو علِيِّ الفارسي :(إذا نُوِّنَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الْفَزَعُ وَاحِداً، وَيَجُوزُ أنْ يَعْنِي بهِ الْكَثْرَةَ لأنَّهُ مَصْدَرٌ، وَالْمَصَادِرُ تَدُلُّ عَلَى الْكَثْرَةِ وَإنْ كَانَتْ مُفْرَدَةَ الأَلْفَاظِ كَقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ :﴿وَإِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾[لقمان: ١٩]). قال الكلبيُّ :(إذا أطْبَقَتِ النَّارُ عَلَى أهْلِهَا فَزِعُواْ فَزْعَةً لَمْ يُفْزَعُواْ مِثْلَهَا أبَداً، وَأهْلُ الْجَنَّةِ آمِنُونَ مِنْ ذلِكَ الْفَزَعِ).
النمل 27:90
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ ؛ أي من وَافَى بالشِّرْكِ والكبائرِ ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ أي أُلْقُوا على وجوهِهم في النار، ويقولُ لَهم خَزَنَةُ جهنَّمَ :﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا مِن الشِّرك.
النمل 27:91
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ للمشركينَ :﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني مكَّة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي الذي حَرَّمَ فيها ما أحلَّ في غيرِها من الاصطيادِ ؛ والاختلاءِ ؛ والقَتْلِ ؛ والسَّبيِ ؛ والظُّلم، وأن لا يهاج فيها أحدٌ حتى يخرجَ منها، فلا يصادُ صيدُها ولا يختَلَى خِلاَلَها.
وَقِيْلَ : معنى ﴿حَرَّمَهَا﴾ أي عظَّم حُرمَتها، فجعلَ لَها من الأمنِ ما لَم يجعل لغيرِها. وقولهُ تعالى :﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ ؛ لأنه خَالِقُهُ ومَالِكُهُ. وقرأ ابنُ عبَّاس (الَّتِي حَرَّمَهَا) أشارَ إلى البلدةِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي وأُمِرْتُ أنْ أكونَ مِن المسلمينَ الْمُخْلِصِيْنَ للهِ بالتَّوحيدِ، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ عليكُم يا أهلَ مكَّة، يريدُ تلاوةَ الدَّعوةِ إلى الإيْمانِ. وفي الآية تعظيمٌ لأمرِ الإسلامِ وتِلاَوَةِ القُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن اهتَدَى فإنَّما منفعةُ اهتدائهِ راجعةٌ إلى نفسهِ، ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ ؛ أي ضلَّ عن الإيْمانِ والقُرْآنِ وأخطأَ طريقَ الْهُدَى، ﴿فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الْمُخَوِّفِيْنَ، فليس عَلَيَّ إلاّ البلاغُ، فإنِّي لَم أوْمَرْ بالإجْبَارِ على الْهُدَى، وليسَ عَلَيَّ إلاّ الإنذارُ، وكان هذا قَبْلَ الأمرِ بالقتالِ.
النمل 27:92
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ ؛ أي قُل يا مُحَمَّدُ للمشركينَ :﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ يعني مكَّة ﴿الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ أي الذي حَرَّمَ فيها ما أحلَّ في غيرِها من الاصطيادِ ؛ والاختلاءِ ؛ والقَتْلِ ؛ والسَّبيِ ؛ والظُّلم، وأن لا يهاج فيها أحدٌ حتى يخرجَ منها، فلا يصادُ صيدُها ولا يختَلَى خِلاَلَها.
وَقِيْلَ : معنى ﴿حَرَّمَهَا﴾ أي عظَّم حُرمَتها، فجعلَ لَها من الأمنِ ما لَم يجعل لغيرِها. وقولهُ تعالى :﴿وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾ ؛ لأنه خَالِقُهُ ومَالِكُهُ. وقرأ ابنُ عبَّاس (الَّتِي حَرَّمَهَا) أشارَ إلى البلدةِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ؛ أي وأُمِرْتُ أنْ أكونَ مِن المسلمينَ الْمُخْلِصِيْنَ للهِ بالتَّوحيدِ، ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ ؛ عليكُم يا أهلَ مكَّة، يريدُ تلاوةَ الدَّعوةِ إلى الإيْمانِ. وفي الآية تعظيمٌ لأمرِ الإسلامِ وتِلاَوَةِ القُرْآنِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن اهتَدَى فإنَّما منفعةُ اهتدائهِ راجعةٌ إلى نفسهِ، ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ ؛ أي ضلَّ عن الإيْمانِ والقُرْآنِ وأخطأَ طريقَ الْهُدَى، ﴿فَقُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الْمُخَوِّفِيْنَ، فليس عَلَيَّ إلاّ البلاغُ، فإنِّي لَم أوْمَرْ بالإجْبَارِ على الْهُدَى، وليسَ عَلَيَّ إلاّ الإنذارُ، وكان هذا قَبْلَ الأمرِ بالقتالِ.
النمل 27:93
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلِ الْحَمْدُ للَّهِ﴾ ؛ أي قُلِ الْحَمْدُ للهِ على نِعَمِهِ، ﴿سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ ؛ يعني العذابَ في الدُّنيا، والقَتْلَ ببَدْرٍ، ﴿فَتَعْرِفُونَهَا﴾ ؛ حين تُشاهِدُونَها، ثُم أرَاهُم ذلكَ، وضَرَبَتِ الملائكةُ وجوهَهم وأدبارَهم وعجَّلَهم الله إلى النار، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الْمُنْكَرِ والكُفْرِ والفسادِ، وهذا وعيدٌ لَهم بالجزاءِ على أعمالِهم.
وعن أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ النَّمْلِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ مَنْ كَذبَ وَصَدَّقَ بمُوسَى وَهُودٍ وَشُعَيْبٍ وَصَالِحٍ وَلُوطٍ وَإبْرَاهِيْمَ وَاسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَسُلَيْمَانَ عَلَيْهِمُُ السَّلاَمُ، وَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ وَهُوَ يُنَادِي : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ".
القصص 28:1
﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي نقرأُ عليكَ خَبَرَ موسَى وفِرعَوْنَ بالصِّدقِ بينَهما، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
القصص 28:2
﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي نقرأُ عليكَ خَبَرَ موسَى وفِرعَوْنَ بالصِّدقِ بينَهما، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
القصص 28:3
﴿طسم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نَتْلُواْ عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي نقرأُ عليكَ خَبَرَ موسَى وفِرعَوْنَ بالصِّدقِ بينَهما، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
القصص 28:4
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي تَجَبَّرَ وتَكَبَّرَ في أرضِ مِصْرَ ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً﴾ ؛ أي فِرَقاً وأصْنَافاً في الخدمةِ والتَّسخيرِ ؛ يُكْرِمُ قَوماً وَيُذِلُّ آخَرِين. وقولهُ تعالى :﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ ؛ يعني بنِي إسرائيلَ، ثُم فَسَّرَ ذلكَ فقال :﴿يُذَبِّحُ أَبْنَآءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾ ؛ يقتلُ الأبناءَ ويتركُ البناتِ فلا يقتُلُهنَّ. وَقِيْلَ : معناهُ : يذبحُ أبناءَهم صغاراً ويُبقِي نساءَهم للخِدْمَةِ.
وسببُ ذلك : أنَّ بعضَ الكَهَنَةِ قالوا له : إنَّ مولُوداً يولَدُ في بني إسرائيلَ يكون سَبباً لذهاب مُلْكِكَ. قال الزجَّاج :(وَالْعَجَبُ مِنْ حُمْقِ فِرْعَوْنَ إنْ كَانَ ذلِكَ الكَاهِنُ عِنْدَهُ صَادِقاً فَمَا يَنْفَعُ القتلُ؟! وَإنْ كَانَ كَاذِباً فَمَا مَعْنَى الْقَتْلِ؟). وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ يعني بالقَتْلِ والعملِ بالمعاصي.
القصص 28:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي نريدُ أن نُنْعِمَ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وهم بنو إسرائيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ يُقتَدَى بهم في الخيرِ. قال قتادةُ :(وُلاَةً وَمُلُوكاً) ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾[المائدة: ٢٠] ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ؛ لِمُلكِ فرعونَ، ولِمساكنِ قومه، يَرِثُونَ ديارَهم وأموالَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي يُمَكِّنُهم ما كانَ يَملكُ فرعون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ ؛ أي ما كانوا يَخافُونَهُ من هذا المولودِ الذي به يذهبُ مُلْكُهم على يدَيهِ، وذلك أنَّهم أُخبرُوا أنَّ هلاكَهم على يدَي رَجُلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا على وَجَلٍ منهم فأرَاهُم اللهُ تعالى ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ أي ما كانوا يَخَافُونَ من جهَتِهم من ذهاب مُلكِهم على أيديهم.
وقرأ الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلف :(وَيُرِي فِرْعَوْنُ) بالياء وما بعدَهُ رفعاً على أنَّ الفعل لَهم، وقرأ الباقونَ بالنُّون مضمومة وما بعده نصبَ بوقوعِ الفعلِ عليهم.
القصص 28:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي نريدُ أن نُنْعِمَ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وهم بنو إسرائيلَ، ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ يُقتَدَى بهم في الخيرِ. قال قتادةُ :(وُلاَةً وَمُلُوكاً) ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً﴾[المائدة: ٢٠] ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ ؛ لِمُلكِ فرعونَ، ولِمساكنِ قومه، يَرِثُونَ ديارَهم وأموالَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي يُمَكِّنُهم ما كانَ يَملكُ فرعون.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ ؛ أي ما كانوا يَخافُونَهُ من هذا المولودِ الذي به يذهبُ مُلْكُهم على يدَيهِ، وذلك أنَّهم أُخبرُوا أنَّ هلاكَهم على يدَي رَجُلٍ من بني إسرائيلَ، فكانوا على وَجَلٍ منهم فأرَاهُم اللهُ تعالى ﴿مَّا كَانُواْ يَحْذَرُونَ﴾ أي ما كانوا يَخَافُونَ من جهَتِهم من ذهاب مُلكِهم على أيديهم.
وقرأ الأعمشُ وحمزةُ والكسائيُّ وخلف :(وَيُرِي فِرْعَوْنُ) بالياء وما بعدَهُ رفعاً على أنَّ الفعل لَهم، وقرأ الباقونَ بالنُّون مضمومة وما بعده نصبَ بوقوعِ الفعلِ عليهم.
القصص 28:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ ؛ لَم يُرِدْ بالوحي وحيَ الرِّسالة، وإنَّما أراد الإلْهَامَ كما في قولهِ تعالى﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾[النحل: ٦٨]. ويقالُ : أرَاهَا اللهُ في المنامِ فعرفته بتفسير الرُّؤيا. وقال بعضُهم : أتاها ملائكةٌ خاطَبُوها بهذا الكلامِ. واسمُ أُمِّ موسى نُوخَابدُ بنتُ لاَوي بنِ يعقوبَ.
قال وهبُ بن منبه :(لَمَّا حملَتْ أُمُّ موسَى بموسَى كتَمَتْ أمرَها عن جميعِ النَّاسِ فلم يطَّلِعْ على حَملِها أحدٌ مِن خلقِ الله تعالى، فلما كانت السَّنةُ التي ولِدَ فيها موسَى بَعَثَ فرعون القوابلَ يُفَتِّشْنَ النساء، وحَمَلتْ أمُّ موسى ولَم يَنْتَأْ بطنُها، ولَم يتغيَّر لونُها، ولَم يظهر لبَنُها، وكانت القوابلُ لا تتعرضُ لَها، فلما كانت الليلةُ التي وُلِدَ فيها ولدَتْهُ أُمُّهُ ولا رقيبَ عليها ولا قابلةَ، لَم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ إلاّ أختهُ).
ثُم أوحَى اللهُ إليها : أنْ أرْضِعِيْهِ، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ﴾ ؛ قال : فكتمَتْهُ ثلاثةَ أشهُرٍ ترضعهُ في حِجرِها لا يبكِي ولا يتحرك، فلما خافَتْ عليه عمِلَتْ له تَابُوتاً مطبقاً ومهدت له فيه، ثم ألقتْهُ في البحرِ ليلاً كما أمرَها اللهُ، فلما أصبحَ فرعونُ جلسَ في مجلسهِ على شاطئِ النِّيلِ، فبَصُرَ بالتابوتِ، فقالَ لِمن حولَهُ : ائْتُونِي بهذا التابوتِ، فأتُوا به، فلما وُضِعَ بين يديه فتحوهُ، فوجدوا فيه موسَى، فلما نَظَرَ إليه فرعونُ إغتاظَ وقالَ : كيف أخطأَ هذا الغلامَ الذبحُ؟!
وكان لفرعونَ امرأةٌ يقال لَها آسيَةُ مِن خِيَار النِّساءِ من بنات الأنبياءِ، وكانت أُمّاً للمسلمينَ ترحَمُهم وتتصدَّقُ عليهم، فقالت لفرعونَ وهي قاعدةٌ إلى جَنبهِ : هذا الولدُ أكبرُ من ولد سنةٍ وأنتَ إنَّما أمَرتَ أن تذبحَ الولْدَانَ بهذه السَّنةِ، فدَعْهُ يكون قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ، لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا أوْ نَتَّخِذهُ وَلَداً، فقال فرعونُ لَها : عسَى أن ينفعَكِ، فأما أنَا فلا أريدُ نفعَهُ.
قال وهبُ :(لو قالَ فرعون كما قالَتِ امرأتهُ : عَسَى أنْ يَنْفَعَنَا ؛ لنفعَهُ اللهُ به، ولكنه أبَى أن يقولَ للشَّقاءِ الذي كتبَهُ الله عليهِ، فتركَهُ فرعونُ ولَمْ يَقتُلْهُ)
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ أي أرْضِعِيهِ ما لَم تَخَافِي عليه الطلبَ، فإذا خِفْتِ عليه الطلبَ ﴿فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ﴾ أي في البحرِ، فقالت : يَا رَب، إنِّي أخافُ عليه حِيتَانَ البحرِ، فَأُمِرَتْ أنْ تجعلَهُ في تابوتٍ مُقَيَّرٍ، فذهبت إلى النَّجَّارِ، فَأَمرَتْهُ أن يصنعَ لَها تابوتاً على قدرهِ، فعرفَ ذلك فذهبَ إلى الْمُوَكَّلِيْنَ بذبحِ بني إسرائيل لِيُخبرَهم بذلك، فلما انتهَى إليهم أُعْقِلُ لسانهُ فلم يُطِقِ الكلامَ، فجعلَ يشيرُ بيدهِ فلم يفهَمُوا، فقال كبيرُهم : اضْرِبُوهُ ؛ فضربوهُ وأخرَجوهُ، فلما انتهَى النجَّارُ إلى موضعهِ رَدَّ اللهُ عليه لسانَهُ، فرجعَ إليهم ليخبرَهم فاعتقَلَ لسانهُ، فجعلَ يشيرُ إليهم بيدهِ، فلم يَفْهَمُوهُ فضربوهُ، ففعلَ ذلك ثلاثَ مرَّاتٍ، فعرفَ أنه من عندِ الله تعالى، فَخَرَّ للهِ ساجداً وأسلَمَ، ثُم صَنَعَ التابوتَ وسَلَّمَهُ إلى أُمِّ موسى فوضعتْهُ فيه وألْقَتْهُ في النِّيلِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِي﴾ ؛ أي لاَ تَخافِي من الغرقِ والْهَلاَكِ، ولا تَحزَنِي لفراقهِ، ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ؛ إلى فرعونَ وقومهِ.
القصص 28:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا ألْقَتْهُ أُمُّهُ فِي الْبَحْرِ أقْبَلَ تَهْوِي بهِ الأَمْوَاجُ حَتَّى اختار مَنْزِلَ فِرْعَوْنَ، فَخَرَجَتْ جَوَاري فِرْعَوْنَ تَسْقَينْ الْمَاءَ، فَأَبْصَرَتِ التَّابُوتَ بَيْنَ الشَّجَرِ وَالْمَاءِ فَأَخْرَجَتْهُ وَذَهَبَتْ بهِ إلَى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾.
وقولهُ تعالى :﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ؛ هذه (لام) العاقبةِ لأنَّ أحداً لا يلتقطُ الولدَ ليكون له عدُوّاً، ونظيرُ هذا قولُهم : لِدُّوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَاب. وقولهُ تعالى ﴿وَحَزَناً﴾، قرأ أهلُ الكوفةِ إلاّ عاصماً بضمِّ الحاءِ وجزم الزَّاي وهما لُغتان، مثل السَّقَمِ والسُّقْمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ﴾ ؛ أي متعمِّدين في الإقامةِ على الكُفْرِ والمعصية، يقالُ : خطأَ فُلانٌ يُخْطِئُ خَطأً إذا تعمَّدَ الذنبَ وأخطأَ إذا وَقَعَ منهُ على غيرِ الصَّواب، وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كانُوا آثِمينَ عاصِينَ.
القصص 28:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتِ امرأة فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ ؛ وذلكَ أنَّ فرعون هَمَّ بقَتْلِهِ، فقالت له امرأتهُ : ليس من أولادِ بَنِي إسرائيلَ، وقد أتانَا اللهُ به من أرضٍ أُخرَى، ﴿لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنْفَعَنَا﴾، فلاَ تقتُلْهُ أيُّها الملكُ، فهو قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولكَ، وعسَى أن ينفعَنا في أمورنا، ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ أنَّ هلاكَهم على يديهِ، وَقِيْلَ : وهم لا يشعرونَ أنِّي أفعلُ ما أريدُ ولا أفعلُ ما يَهْوُونَ، أنَّ هلاكَهم على يديهِ، وَقِيْلَ : وهم لا يشعرونَ أنِّي أفعلُ ما أريدُ ولا أفعلُ ما يَهْوُونَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُرَّتُ عَيْنٍ﴾ مشتقٌّ من القُرُور ؛ وهو الماءُ الباردُ، ومعنى قولِهم : أقَرَّ اللهُ عَيْنَكَ ؛ أي أبردَهُ معكَ ؛ لأن دمعةَ السُّرور باردةٌ، ودمعةَ الحزنِ حارَّةٌ.
القصص 28:10
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً﴾ ؛ أي أصبحَ قلبُ أمِّ موسى وهي نُوخابدُ بنتُ لاوي بنِ يعقوبَ فَارغاً من كلِّ شيءٍ إلاّ عن هَمِّ موسَى وذِكرِهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ ؛ أي لولاَ أنْ شَدَدْنَا على قلبها بالصبرِ عن إظهار ذلكَ، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي مِن المصدِّقين بما سبقَ من الوعدِ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾[القصص: ٧] ولو أظهرَتْ لكان ذلك سَبَباً لقتلهِ.
والرَّبْطُ على القلب : هو إلْهَامُ الصَّبرِ وتقويتهُ. وَقِيْلَ : معناهُ : وأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارغاً من الصَّبرِ على فِرَاقِ موسَى لولاَ أنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبهَا لأَبْدَتْ بهِ. وَقِيْلَ : فَارغاً من الْحُزْنِ لعِلْمِها بأنه لَم يعرفْهُ. قرأ فُضَالَةُ بنُ عبيدٍ (وَأصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَزِعاً) بالزَّاي والعينِ من غير ألِفٍ من الفَزَعِ.
القصص 28:11
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ ؛ أي قالت أُمُّ موسَى لأُختهِ - واسْمُها مَرْيَمُ - : ابْتَغِي أثَرَهُ وَانظُرِي أين وقعَ ؛ لتَعْلَمِي خبرَهُ وإلى مَن صارَ، فذهبَتْ في إثرِ التَّابوتِ، ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ ؛ بموسى، ﴿عَن جُنُبٍ﴾ ؛ أي عن بُعْدٍ قد أخذوهُ، ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ أنَّها قد جاءَتْ لتعرِفَ عن خبرهِ.
وقال ابنُ عبَّاس :(الْجُنُبُ أنْ يَسْمُو بَصَرُ الإنْسَانِ إلَى الشَّيْءِ الْبَعِيْدِ وَهُوَ إلَى جَنْبهِ لاَ يَشْعُرُ بهِ) وكانت مُجانبةً لتحديقِ النَّظر إليه كَيلاَ يعلم بما قصدَتْ به. وقال قتادةُ :(كَانَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ كَأَنَّهَا لاَ تُرِيْدُهُ)، وكان يقرأُ (عَنْ جَنْبٍ) بفتحِ الجيم وسُكون النُّون. وقرأ النُّعمان بن سالِم :(عَنْ جَانِبٍ) أي عن ناحيَةٍ ﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها أُخْتُهُ.
القصص 28:12
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ الْمَرَاضِعُ جمعُ مُرْضِعَةٍ، وقولهُ تعالى :﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ مَجِيء أُمِّهِ، ومعنى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي مَنَعْنَاهُ، وقد يذكرُ التحريم بمعنى المنعِ، قال الشاعرُ : جَاءَتْ لِسُرْعَتِي فَقُلْتُ لَهَا اصْبرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُأي مُمْتَنِعٌ.
وذلك أنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يَرُدَّهُ إلى أُمِّهِ، فَمَنَعَهُ من قَبولِ ثَدْي المراضعِ، فلما تَعَذرَ عليهم رضَاعُهُ ؛ ﴿فَقَالَتْ﴾ ؛ أُخته :﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ؛ أي يَضْمَنُونَ لكم القيامَ به ورضَاعَهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ؛ أي يُشفِقُونَ عليه وينصَحُونه، قالوا لَها : مَنْ ؟ قَالَت : أُمِّي، قالوا : ولأُمِّكِ لبَنٌ ؟ قالت : نَعَمْ ؛ لبنُ أخِي هارونَ، وكان هارونَ وُلِدَ في سنَة لا يُقتَلُ فيها صبيٌّ، فقالوا : صَدَقْتِ. فدلَّتْهُم على أُمِّ موسى، فدُفِعَ إليها لتُربيَهُ لَهم.
فلما وَجَدَ الصبيُّ ريْحَ أُمِّهِ قَبلَ ثديَيْها وأتَمَّها اللهُ ما وعدَها وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ ؛ على فِرَاقهِ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ ؛ برَدِّ ولدِها إليها، ﴿حَقٌّ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ وعدَها برَدِّ ولدِها إليها.
القصص 28:13
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ الْمَرَاضِعُ جمعُ مُرْضِعَةٍ، وقولهُ تعالى :﴿مِن قَبْلُ﴾ أي من قبلِ مَجِيء أُمِّهِ، ومعنى :﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ﴾ أي مَنَعْنَاهُ، وقد يذكرُ التحريم بمعنى المنعِ، قال الشاعرُ : جَاءَتْ لِسُرْعَتِي فَقُلْتُ لَهَا اصْبرِي إنِّي امْرُؤٌ صَرْعِي عَلَيْكِ حَرَامُأي مُمْتَنِعٌ.
وذلك أنَّ اللهَ تعالى أرادَ أن يَرُدَّهُ إلى أُمِّهِ، فَمَنَعَهُ من قَبولِ ثَدْي المراضعِ، فلما تَعَذرَ عليهم رضَاعُهُ ؛ ﴿فَقَالَتْ﴾ ؛ أُخته :﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ ؛ أي يَضْمَنُونَ لكم القيامَ به ورضَاعَهُ، ﴿وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ ؛ أي يُشفِقُونَ عليه وينصَحُونه، قالوا لَها : مَنْ ؟ قَالَت : أُمِّي، قالوا : ولأُمِّكِ لبَنٌ ؟ قالت : نَعَمْ ؛ لبنُ أخِي هارونَ، وكان هارونَ وُلِدَ في سنَة لا يُقتَلُ فيها صبيٌّ، فقالوا : صَدَقْتِ. فدلَّتْهُم على أُمِّ موسى، فدُفِعَ إليها لتُربيَهُ لَهم.
فلما وَجَدَ الصبيُّ ريْحَ أُمِّهِ قَبلَ ثديَيْها وأتَمَّها اللهُ ما وعدَها وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلاَ تَحْزَنَ﴾ ؛ على فِرَاقهِ، ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ﴾ ؛ برَدِّ ولدِها إليها، ﴿حَقٌّ وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ اللهَ وعدَها برَدِّ ولدِها إليها.
القصص 28:14
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ ؛ قال مجاهدُ :(بَلَغَ أشُدَّهُ ؛ أيْ ثَلاَثاً وَثَلاَثِيْنَ سَنَةً)، ﴿وَاسْتَوَى﴾ أي بَلَغَ أربعينَ سَنَةً، وهو قولُ ابنِ عبَّاس وقتادةَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ يعني الفِقْهَ والعقلَ والِعْلمَ في دينهِ ودِين آبائهِ، قد تعلَّمَ موسَى وحَكَمَ قبلَ أن يُبْعَثَ نبيّاً. وقال ابنُ عبَّاس :(لَمَّا بَلَغَ مُوسَى أرْبَعِيْنَ سَنَةً آتَاهُ اللهُ النُّبُوَّةَ). وَقِيْلَ : الأَشُدُّ : منتَهَى الشبَّاب والقُوَّةِ، والاستواءُ : إتْمَامُ الْخَلْقِ واعتدالُ الجسمِ في الطُّول والعِظَمِ، وإنَّما يبلغُ المرء هذا الحدَّ في اثنين وعِشرين سنةً إلى أربعينَ سَنة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ فيهِ بيانُ أنَّ إنشاءَ العلمِ والحكمة يجوزُ أن يكون على الإحْسَانِ ؛ لأنَّهما يؤَدِّيان إلى الجنَّةِ التي هي جزاءُ الْمُحسِنينَ.
القصص 28:15
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ ؛ أي دخلَ مُوسَى مدينةَ فرعون وهي مدينةٌ يقالُ لَها منف، وكانت مِن مِصْرَ على فَرْسَخَيْنِ. وقولهُ تعالى :﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، قال ابنُ عبَّاس :(فِي وَقْتِ الظَّهِيْرَةِ عِنْدَ الْمَقِيْلِ وَقَدْ خَلَتِ الطُّرُقُ).
وَقِيْلَ : ودخلَها بين المغرب والعِشَاء، وَقِيْلَ : دخلَها يومَ عيدِهم وكانوا مشغولِين عن موضعِ مدينَتِهم باللَّهْوِ واللَّعب، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـاذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي مِن بَنِي إسرائيلَ، ﴿وَهَـاذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ؛ أي من القِبْطِ، وكان القبطيُّ يُسَخِّرُ الإسرائيليَّ ليحمِلَ له حَطَباً إلى مَطبَخِ فرعون، والإسرائيليُّ يَأْبَى ذلكَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي اسْتَنْصَرَهُ الإسرائيليُّ، ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، على القِبْطِيِّ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ ؛ أي ضَرَبَهُ بجمعِ كفِّهِ في صدرهِ، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ؛ أي قَتَلَهُ فوقعَ القبطيُّ مَيِّتاً. وكلُّ شيءٍ فَرَغْتَ منهُ وأتْمَمْتَهُ فقد قَضَيْتَ عليهِ وقَضَيْتَهُ، والوَكْزُ : الضَّرْبُ بجمعِ الكَفِّ.
وكان مُوسَى عليه السلام قد أُوْتِيَ بَسْطَةً في الْخَلْقِ وشدَّةَ القوةِ والبطش، وكان مِن نِيَّةِ موسى أنه لا يريدُ قَتْلَهُ ولَم يتعمَّدْ هَلاكَهُ، بل قَال له أوَّلاً : خَلِّ سَبيْلَهُ، فقال : إنَّما أريدهُ ليحمِلَ الحطبَ إلى مطبخِ فرعونَ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي قَتَلَهُ وفَرَغَ من أمرهِ، والوَكْزُ واللَّكْزُ وَالْهَز بمعنى واحدٍ وهو الدَّفْعُ، ويقالُ : وَكَزَهُ بعَصَاهُ.
فَلَمَّا قَتَلَهُ موسَى عليه السلام نَدِمَ على قتلهِ وقالَ : لَمْ أدْر بهذا، ثُم دفعَهُ في الرَّمْلِ، ﴿قَالَ هَـاذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ؛ لأنِّي كنتُ لا أريدُ قَتْلَهُ، ولكن هَيَّجَ الشيطانُ حَرْبي حتى ضربتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي عَدُوٌّ لبَنِي آدمَ مُضِلٌّ له مُبيْنٌ عداوتَهُ لَهم.
ثُم استغفرَ مُوسَى رَبَّهُ فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ؛ بقَتْلِ القبطيِّ قَبْلَ وُرودِ الأمرِ والإذنِ لِي فيهِ، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي بما أنعمتَ عليَّ بالمغفرةِ والحِلْمِ والعلمِ فلن أكونَ عَوْناً للكافرينَ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإسرائيليَّ الذي أعانَهُ موسى كان كَافِراً.
القصص 28:16
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ ؛ أي دخلَ مُوسَى مدينةَ فرعون وهي مدينةٌ يقالُ لَها منف، وكانت مِن مِصْرَ على فَرْسَخَيْنِ. وقولهُ تعالى :﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، قال ابنُ عبَّاس :(فِي وَقْتِ الظَّهِيْرَةِ عِنْدَ الْمَقِيْلِ وَقَدْ خَلَتِ الطُّرُقُ).
وَقِيْلَ : ودخلَها بين المغرب والعِشَاء، وَقِيْلَ : دخلَها يومَ عيدِهم وكانوا مشغولِين عن موضعِ مدينَتِهم باللَّهْوِ واللَّعب، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـاذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي مِن بَنِي إسرائيلَ، ﴿وَهَـاذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ؛ أي من القِبْطِ، وكان القبطيُّ يُسَخِّرُ الإسرائيليَّ ليحمِلَ له حَطَباً إلى مَطبَخِ فرعون، والإسرائيليُّ يَأْبَى ذلكَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي اسْتَنْصَرَهُ الإسرائيليُّ، ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، على القِبْطِيِّ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ ؛ أي ضَرَبَهُ بجمعِ كفِّهِ في صدرهِ، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ؛ أي قَتَلَهُ فوقعَ القبطيُّ مَيِّتاً. وكلُّ شيءٍ فَرَغْتَ منهُ وأتْمَمْتَهُ فقد قَضَيْتَ عليهِ وقَضَيْتَهُ، والوَكْزُ : الضَّرْبُ بجمعِ الكَفِّ.
وكان مُوسَى عليه السلام قد أُوْتِيَ بَسْطَةً في الْخَلْقِ وشدَّةَ القوةِ والبطش، وكان مِن نِيَّةِ موسى أنه لا يريدُ قَتْلَهُ ولَم يتعمَّدْ هَلاكَهُ، بل قَال له أوَّلاً : خَلِّ سَبيْلَهُ، فقال : إنَّما أريدهُ ليحمِلَ الحطبَ إلى مطبخِ فرعونَ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي قَتَلَهُ وفَرَغَ من أمرهِ، والوَكْزُ واللَّكْزُ وَالْهَز بمعنى واحدٍ وهو الدَّفْعُ، ويقالُ : وَكَزَهُ بعَصَاهُ.
فَلَمَّا قَتَلَهُ موسَى عليه السلام نَدِمَ على قتلهِ وقالَ : لَمْ أدْر بهذا، ثُم دفعَهُ في الرَّمْلِ، ﴿قَالَ هَـاذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ؛ لأنِّي كنتُ لا أريدُ قَتْلَهُ، ولكن هَيَّجَ الشيطانُ حَرْبي حتى ضربتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي عَدُوٌّ لبَنِي آدمَ مُضِلٌّ له مُبيْنٌ عداوتَهُ لَهم.
ثُم استغفرَ مُوسَى رَبَّهُ فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ؛ بقَتْلِ القبطيِّ قَبْلَ وُرودِ الأمرِ والإذنِ لِي فيهِ، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي بما أنعمتَ عليَّ بالمغفرةِ والحِلْمِ والعلمِ فلن أكونَ عَوْناً للكافرينَ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإسرائيليَّ الذي أعانَهُ موسى كان كَافِراً.
القصص 28:17
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ ؛ أي دخلَ مُوسَى مدينةَ فرعون وهي مدينةٌ يقالُ لَها منف، وكانت مِن مِصْرَ على فَرْسَخَيْنِ. وقولهُ تعالى :﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا﴾، قال ابنُ عبَّاس :(فِي وَقْتِ الظَّهِيْرَةِ عِنْدَ الْمَقِيْلِ وَقَدْ خَلَتِ الطُّرُقُ).
وَقِيْلَ : ودخلَها بين المغرب والعِشَاء، وَقِيْلَ : دخلَها يومَ عيدِهم وكانوا مشغولِين عن موضعِ مدينَتِهم باللَّهْوِ واللَّعب، ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَـاذَا مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي مِن بَنِي إسرائيلَ، ﴿وَهَـاذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ ؛ أي من القِبْطِ، وكان القبطيُّ يُسَخِّرُ الإسرائيليَّ ليحمِلَ له حَطَباً إلى مَطبَخِ فرعون، والإسرائيليُّ يَأْبَى ذلكَ، ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ ؛ أي اسْتَنْصَرَهُ الإسرائيليُّ، ﴿عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، على القِبْطِيِّ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى﴾ ؛ أي ضَرَبَهُ بجمعِ كفِّهِ في صدرهِ، ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ؛ أي قَتَلَهُ فوقعَ القبطيُّ مَيِّتاً. وكلُّ شيءٍ فَرَغْتَ منهُ وأتْمَمْتَهُ فقد قَضَيْتَ عليهِ وقَضَيْتَهُ، والوَكْزُ : الضَّرْبُ بجمعِ الكَفِّ.
وكان مُوسَى عليه السلام قد أُوْتِيَ بَسْطَةً في الْخَلْقِ وشدَّةَ القوةِ والبطش، وكان مِن نِيَّةِ موسى أنه لا يريدُ قَتْلَهُ ولَم يتعمَّدْ هَلاكَهُ، بل قَال له أوَّلاً : خَلِّ سَبيْلَهُ، فقال : إنَّما أريدهُ ليحمِلَ الحطبَ إلى مطبخِ فرعونَ، ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي قَتَلَهُ وفَرَغَ من أمرهِ، والوَكْزُ واللَّكْزُ وَالْهَز بمعنى واحدٍ وهو الدَّفْعُ، ويقالُ : وَكَزَهُ بعَصَاهُ.
فَلَمَّا قَتَلَهُ موسَى عليه السلام نَدِمَ على قتلهِ وقالَ : لَمْ أدْر بهذا، ثُم دفعَهُ في الرَّمْلِ، ﴿قَالَ هَـاذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ ؛ لأنِّي كنتُ لا أريدُ قَتْلَهُ، ولكن هَيَّجَ الشيطانُ حَرْبي حتى ضربتهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي عَدُوٌّ لبَنِي آدمَ مُضِلٌّ له مُبيْنٌ عداوتَهُ لَهم.
ثُم استغفرَ مُوسَى رَبَّهُ فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ ؛ بقَتْلِ القبطيِّ قَبْلَ وُرودِ الأمرِ والإذنِ لِي فيهِ، ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ ؛ أي بما أنعمتَ عليَّ بالمغفرةِ والحِلْمِ والعلمِ فلن أكونَ عَوْناً للكافرينَ، وهذا يدلُّ على أنَّ الإسرائيليَّ الذي أعانَهُ موسى كان كَافِراً.
القصص 28:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ؛ أي أصبحَ مِن عند ذلك اليوم في تلك المدينة التي فَعَلَ فيها ما فعلَ خائفاً على نفسهِ من فرعون وقومهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي ينظرُ عاقبةَ أمرهِ، والتَّرَقُّبُ : انتظارُ المكروهِ ؛ أي ينتظرُ سوءاً ينالهُ منهم، ﴿فَإِذَا﴾ ؛ ذلكَ الإسرائيليُّ، ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ ؛ أي يستغيثهُ على رجلٍ آخر من القِبْطِ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي ضَالٌّ عن طريقِ الحقِّ بَيِّنُ الجِدَالِ، يقاتلُ مَن يقاومهُ، وقد قتلتُ أمس في سبَبكَ رجُلاً، وتدعونِي اليومَ إلى آخرَ.
ُثُم أقبلَ موسى وهمَّ أن يبطُشَ الثانيةَ بالقبطيِّ، ظَنَّ الإسرائيليُّ أنه يريدُ أن يبطشَ به لقولهِ ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ فقال الإسرائيليُّ : يا موسى أتريدُ أن تقتُلَني كما قتلتَ نفساً بالأمس ؟ ولَم يكن أحدٌ مِن قومِ فرعون عَلِمَ أنَّ موسى هو الذي قَتَلَ القبطيَّ حتى أفشَى عليه هذا الإسرائيليُّ، وسَمع القبطيُّ ذلك فأتَى فرعونَ فأخبرَهُ، وذلك معنى قولهِ تعالى :﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يامُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ﴾ ؛ وكان أيضاً هذا القبطيُّ الثانِي سَخَّرَ الإسرائيليَّ يحمِلُ عليه حَطباً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ما تريدُ إلاَّ أن تكون قَتَّالاً في أرضِ مصرَ بالظُّلم. قال الزجَّاجُ :(الْجَبَّارُ فِي اللُّغَةِ : الَّذِي لاَ يَتَوَاضعُ لأَمْرِ اللهِ، وَالْقَاتِلُ بغَيْرِ حَقٍّ جَبَّارٌ).
وقولهُ تعالى :﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ؛ أي مِن الذين يأمُرونَ بالمعروفِ ويَنْهَوُنَ عن المنكرِ. فلمَّا سَمع القبطيُّ مقالةَ الإسرائيليِّ عَلِمَ أنَّ موسى هو الذي قَتَلَ القبطيَّ بالأمسِ، ولَم يكن أحدٌ عَلِمَ ذلكَ قَبْلَ هذا فانطلقَ القبطيُّ فأَخبرَ فرعون، فأرسلَ فرعونُ إلى أولياءِ المقتول أنِ اقتُلُوا موسَى.
القصص 28:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَآئِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ؛ أي أصبحَ مِن عند ذلك اليوم في تلك المدينة التي فَعَلَ فيها ما فعلَ خائفاً على نفسهِ من فرعون وقومهِ ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ أي ينظرُ عاقبةَ أمرهِ، والتَّرَقُّبُ : انتظارُ المكروهِ ؛ أي ينتظرُ سوءاً ينالهُ منهم، ﴿فَإِذَا﴾ ؛ ذلكَ الإسرائيليُّ، ﴿الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ ؛ أي يستغيثهُ على رجلٍ آخر من القِبْطِ، ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي ضَالٌّ عن طريقِ الحقِّ بَيِّنُ الجِدَالِ، يقاتلُ مَن يقاومهُ، وقد قتلتُ أمس في سبَبكَ رجُلاً، وتدعونِي اليومَ إلى آخرَ.
ُثُم أقبلَ موسى وهمَّ أن يبطُشَ الثانيةَ بالقبطيِّ، ظَنَّ الإسرائيليُّ أنه يريدُ أن يبطشَ به لقولهِ ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ﴾ فقال الإسرائيليُّ : يا موسى أتريدُ أن تقتُلَني كما قتلتَ نفساً بالأمس ؟ ولَم يكن أحدٌ مِن قومِ فرعون عَلِمَ أنَّ موسى هو الذي قَتَلَ القبطيَّ حتى أفشَى عليه هذا الإسرائيليُّ، وسَمع القبطيُّ ذلك فأتَى فرعونَ فأخبرَهُ، وذلك معنى قولهِ تعالى :﴿فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يامُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ﴾ ؛ وكان أيضاً هذا القبطيُّ الثانِي سَخَّرَ الإسرائيليَّ يحمِلُ عليه حَطباً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ما تريدُ إلاَّ أن تكون قَتَّالاً في أرضِ مصرَ بالظُّلم. قال الزجَّاجُ :(الْجَبَّارُ فِي اللُّغَةِ : الَّذِي لاَ يَتَوَاضعُ لأَمْرِ اللهِ، وَالْقَاتِلُ بغَيْرِ حَقٍّ جَبَّارٌ).
وقولهُ تعالى :﴿وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ؛ أي مِن الذين يأمُرونَ بالمعروفِ ويَنْهَوُنَ عن المنكرِ. فلمَّا سَمع القبطيُّ مقالةَ الإسرائيليِّ عَلِمَ أنَّ موسى هو الذي قَتَلَ القبطيَّ بالأمسِ، ولَم يكن أحدٌ عَلِمَ ذلكَ قَبْلَ هذا فانطلقَ القبطيُّ فأَخبرَ فرعون، فأرسلَ فرعونُ إلى أولياءِ المقتول أنِ اقتُلُوا موسَى.
القصص 28:20
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ ؛ مِن شيعة موسى، ﴿مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ؛ أي مِن آخرِها إلى مُوسَى فأخبرَهُ بذلكَ، وقولهُ تعالى :﴿يَسْعَى﴾ ؛ أي يَمشي على رجلَيْهِ مُسرِعاً وهو حزقيل بن صوريا مؤمنٌ من آلِ فرعون، ﴿قَالَ﴾ ؛ له :﴿يامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ؛ أي أنَّ الْخَوَاصَّ مِن قومِ فرعونَ يتشَاورُونَ في قتلِكَ، ﴿فَاخْرُجْ﴾ ؛ مِن المدينةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ؛ وقال الزجَّاج :(يَأْتَمِرُونَ أيْ يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بقَتْلِكَ). فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِيْنَ في أمري لكَ بالخروجِ، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً﴾ ؛ أي خرجَ موسى من المدينةِ، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ؛ أي ينظرُ متى يُلْحَقُ فيُؤْخَذُ، ﴿قَالَ﴾ ؛ عندَ ذلك :﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي مِن فرعونَ وقومهِ أين يذهب.
القصص 28:21
قًوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَآءَ رَجُلٌ﴾ ؛ مِن شيعة موسى، ﴿مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ؛ أي مِن آخرِها إلى مُوسَى فأخبرَهُ بذلكَ، وقولهُ تعالى :﴿يَسْعَى﴾ ؛ أي يَمشي على رجلَيْهِ مُسرِعاً وهو حزقيل بن صوريا مؤمنٌ من آلِ فرعون، ﴿قَالَ﴾ ؛ له :﴿يامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ ؛ أي أنَّ الْخَوَاصَّ مِن قومِ فرعونَ يتشَاورُونَ في قتلِكَ، ﴿فَاخْرُجْ﴾ ؛ مِن المدينةِ، ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ؛ وقال الزجَّاج :(يَأْتَمِرُونَ أيْ يَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً بقَتْلِكَ). فَاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِيْنَ في أمري لكَ بالخروجِ، ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَآئِفاً﴾ ؛ أي خرجَ موسى من المدينةِ، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ ؛ أي ينظرُ متى يُلْحَقُ فيُؤْخَذُ، ﴿قَالَ﴾ ؛ عندَ ذلك :﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي مِن فرعونَ وقومهِ أين يذهب.
القصص 28:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ﴾ ؛ أي لَمَّا سارَ نَحوَ مِدْيَنَ، وكان قد خرجَ بغيرِ زاد ولا حِذاءٍ ولا ركوبةٍ، بل خرجَ هَائِماً على وجههِ هارباً من فرعونَ وقومهِ لا يدري أينَ يذهبُ، فخافَ أن يُخطِئَ الطريقَ. ومَدْيَنُ اسمُ ماءٍ لقوم شُعيب، وبينَهُ وبين مصرَ ثَمانيةُ أيَّامٍ، سُمي ذلكَ الماءُ باسم مَدْيَنَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام.
فلمَّا لَم يكن لِموسى علمٌ بالطريق خَشِيَ أن يذهبَ يَميناً وشِِمالاً فـ ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَآءَ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي يُرشِدَنِي قصدَ الطريقِ إلى مَدْيَنَ، فلمَّا دَعَا موسى بهذا جاءَهُ مَلَكٌ على فَرَسٍ فانطلقَ به إلى مَدْيَنَ. قال المفسِّرون : خرجَ موسَى من مصرَ بلا زادٍ ولا درهَمٍ ولا رُكوبَةٍ إلى مَديَنَ، وبينهما مسيرةُ ثَََمان ليالٍ، ولَم يكن له طعامٌ إلاّ ورقَ الشَّجرِ.
القصص 28:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ﴾ ؛ أي بلغَ بئْرَهُمْ التي كانوا يَسْقُونَ منها، قال ابنُ عبَّاس :(وَرَدَ مَاءَهُمْ وَأنَّهُ لَيَرَى خُضْرَةَ الشَّجَرَةِ فِي بَطْنِهِ مِنَ الْهُزَالِ). وقولهُ :﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ ؛ أي وجَدَ على ذلك الماءِ جماعةً من الناسِ يَسْقُونَ أغنامَهم مواشِيهم، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَينِ تَذُودَانِ﴾ ؛ أي تَحْبسَانِ غنمَهما عن الماءِ حتى تفرغَ الناسُ ويخلو لَهما الماءُ، وهما بنْتَا شُعيب.
والذوْدُ في اللغة : الطَّرْدُ والدفعُ والكَفُّ، ومعنى ﴿تَذُودَانِ﴾ تَدْفَعَانِ وتكُفَّان الغنمَ مِن أن يخلطَ بأغنامِ الناس، وحتى يقربَ الماءُ إلى أن يفرغَ القومُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾ ؛ أي قالَ موسَى لابنَتَي شُعيب :﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ أي ما شَأنُكُمَا لا تسقِيَانِ غنمَكُما مع الناسِ ؟ ﴿قَالَتَا لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ﴾ ؛ قرأ الحسنُ وابن عامر وأبو عمرو بفتح الياء وضَمِّ الدال، جعلُوا الفعلَ للرِّعَاءِ ؛ أي حتى يرجعَ الرِّعَاءُ عنِ الماء، وقرأ الباقون (يُصْدِرُ) بضَمِّ الياءِ وضمِّ الدال ؛ أي حتى يُصْدِرُوا مواشيهم من وردِهم، فيخْلُوا لنا الموضعَ فنَسقِي أغنامَنا فَضْلَ ما في الحوضِ. والرِّعَاءُ جمعُ رَاعٍ.
قال ابنُ اسحقَ :(قَالَتَا : نَحْنُ امْرَأتَانِ لا نَسْتَطِيْعُ أنْ نُزَاحِمَ الرِّجَالَ ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ لا يقدرُ أن يسقِي ماشيتَهُ من الكِبَرِ والضَّعْفِ، وليس له أحدٌ غيرُنا، فلذلك احتَجْنا ونحنُ نساءٌ أن نسقي الغنمَ.
القصص 28:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ؛ فلما سَمِعَ موسَى قولَهما رحِمَهُما، فقامَ ليسقِي لَهما غنمَهما، فوجدَ بقُربهما بئراً أُخرى على رأسِها صخرةٌ عظيمة لا يطيقُ رفعَها إلاَّ جماعة من الناسِ، فاقتلَعَها وحدَهُ ثُم أخذ الدَّلو من القوم، فأدلاَها في البئرِ، ونزعَها في الحوضِ، ثُم دعا بالبَرَكَةِ فشَرِبَ الغنمُ حتى رَوي.
وَقِيْلَ : إنه زَاحَمَ القومَ على بئرِهم وسقَى لَهما غنمَهما، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي سقَى لَهما أغنامَهما قبلَ الوقتِ الذي كانا يسقِيَان فيه، ثُم رجعَ من الشَّمسِ إلى ظلِّ شجرةٍ فجلسَ تحتَها من شدَّةِ الحرِّ، وهو جائعٌ، ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ؛ أي إنِّي لَمُحْتَاجٌ فقيرٌ إلى ما قدَّرتَ لِي من الطعامِ، وكان خرجَ من مصر بغيرِ زادٍ وكان لا يأكلُ في الأيام الثمانيةِ إلاّ الحشيشَ والشَّجرَ إلى أن بلغَ ماء مَدْيَنَ، فلما أدركَهُ الجوعُ الشديد ؛ وكان لا يقدرُ على شيءٍ ؛ سألَ الله أكلَهُ من الطعامِ.
قال ابنُ عبَّاس :(سَأَلَ اللهَ فَلْقَ خُبْزٍ أنْ يُقِيْمَ بهِ صُلْبَهُ)، فال سعيدُ بن جبير :(لَقَدْ قَالَ مُوسَى : إنِّي لِمَا أنْزَلْتَ إلَيَّ مِنْ خُبْزٍ فَقِيْرٌ، وَهُوَ أكْرَمُ خَلْقِهِ عَلَيْهِ، وَلَقَدِ افْتَقَرَ إلَى شِقِّ تَمرةٍ)، وقال مُحمَّدٌ :(مَا سَأَلَ اللهَ إلاَّ الْخُبْزَ). واللامُ في قوله تعالى ﴿إِنِّي لِمَآ أَنزَلْتَ﴾ بمعنى : إلَيَّ، يقالُ : فقراءُ وفقيرٌ إليه.
القصص 28:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾ ؛ وذلك أنَّ موسى عليه السلام لَمَّا سقى لَهما، رجَعَا إلى أبيهما سَريعاً، فقالَ لَهما أبُوهُما : مَا أعْجَلَكُمَا ؟ قالتا : وجَدْنا رجُلاً صالحاً رَحِمَنا، فسقَى لنا أغنامَنا، فقال لإحداهُما : اذهَبي فادعِيه لِي، فجاءتْهُ تَمشي مُستحيةً مشيَ مَن لا يعتادُ الدُّخولَ والخروحَ، واضعةً كفَّها على وجهِها، مُعرِضَةً من الحياءِ، وكانت التي أرسَلَها أبوها إلى موسَى هي الصُّغرى منهما، واسْمُها صُورَا، قال عمرُ بن الخطَّاب في قولهِ تعالى :﴿فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ﴾ :(وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا ؛ أيْ مُسْتَتِرَةً بكُمِّ ذِرَاعِهَا). قال أهلُ اللُّغة : السَّلْفَعُ : الجريئة التي هي غيرُ مُستحِيَةٍ.
وقولهُ تعالى :﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي ليعطيكَ ذلك، فلما قالت ذلكَ لِموسَى شُقَّ عليه قولُها، وهَمَّ أن لا يتبعَها وكان بينه وبين أبيها مقدارَ ثلاثةِ أميَالٍ، ثُم إنه لَم يجدْ بُدّاً من اتِّباعِها ؛ لأجْلِ الْجُهْدِ والجوعِ الذي حَلَّ به ولأجلِ الخوف الذي خرجَ لأجلهِ، فانطلقَ معها، وكانت الريحُ تضربُ ثوبَها فَنَكَّرَتْهُ برَدْفِها فتصفُ له عجيزتَها، وكانت ذات عَجِزٍ، فجعل موسَى يَغْضُّ بَصَرَهُ ويُعرِضُ عنها، ثُم قال لَها :(يَا أمَةَ اللهِ كُونِي خَلْفِي، وَانْعَتِي لِيَ الطَّرِيْقَ بقَوْلِكِ، وَدُلِّينِي عَلَيْهَا إنْ أنا أخْطَأْتُ، فَإنَّا بَنُوا يَعْقُوبَ لاَ نَسْتَطِيْعُ النَّظَرَ إلَى أعْجَاز النِّسَاءِ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي فلمَّا جاءَ مُوسَى إلى شُعيب إذ هو بالعَشَاءِ مُهَيَّأً، فقالَ له شُعيب : مَن أنتَ ؟ قال : أنا رجلٌ من بَنِي إسرائيلَ مِن أهلِ مصر، وحَدَّثَهُ بما كان منهُ من قَتْلِ القبطيِِّ وفرارهِ من فرعون، فقال له شعيبُ : إِجلِسْ ﴿لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي نجوتَ من فرعونَ وقومهِ، فإنَّهم لا سلطانَ لَهم بأرضِنا، ولَسْنَا مملكتَهُ.
فجلسَ معه موسى عليه السلام فقالَ له شعيبُ : هَاكَ فَتَعَشَّ، فقال : أعوذُ باللهِ، فقال له شعيبُ : ولِمَ وأنتَ جائعٌ ؟ قال : أخافُ أن يكون هذا عِوََضاً لِمَا سقيتُ لكم، وإنَّا أهلُ بيتٍ لا يَبْغِ شيئاً من عَمَلِ الآخرةِ بملْئِ الأرِض ذهباً، فقال شعيبُ : لاَ وَاللهِ! ولكنَّها عادَتِي وعادةُ آبائي، نُقْرِي الضَّيفَ ونُطعِمُ الطعامَ، فجلسَ مُوسَى عليه السلام يتعَشَّى حينئذٍ.
القصص 28:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ؛ أي قالَتْ إحداهُما وهي التي تزوَّجَها موسى : يا أبَتِ اتَّخِذْهُ أجيراً يرعَى لنا غنمَنا، فإنَّ خيرَ منِ استأجرتَ الذي يقوَى على العملِ، ويؤدِّي الأمانةَ.
فقال لَها أبُوهَا : وما عِلْمُكِ بقوَّتهِ وأمانتهِ ؟ فقالت : أمَّا قوَّتهُ فإنه لَمَّا رأى أغنامَنا محبوسةً عن الماءِ، قال لنا : هل بقُربكُما بئرٌ ؟ قلنا : نَعَمْ ؛ لكن عليها صخرةٌ عظيمة لا يرفَعُها إلاّ أربعونَ رجُلاً، قال : انطَلِقا بي إليها، فانطلَقا به إليها، فأخذ الصخرةَ بيدهِ ونَحَّاهَا سَهْلاً من غيرِ كُلْفَةٍ. وأمَّا أمانتهُ فإنه قال لِي في بعضِ الطَّريق : إمْشِ خلفِي، فإنْ أخطأتُ الطريقَ فارْمِ قِبَلِي بحصاةٍ حتى أنْهَجَ نَهْجاً، فإنَّّا قومٌ لا ننظرُ إلى وراءِ النِّساء. ولِهذا المعنى قال عمرُ رضي الله عنه :(لاَ يَصْلُحُ لأُمُور الْمُسْلِمِيْنَ إلاَّ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَالرَّقِيْقُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ).
قال فلمَّا ذكرَتِ المرأةُ من حالِ موسى ازدادَ أبُوهَا رغبةً فيهِ و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ؛ أي على أن تَرْعَى غنَمِي، ويكون فيها أجْراً إلى ثَمان سِنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ ؛ فهو بفَضْلٍ منكَ ليس بواجبٍ عليكَ، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ في العشرِ، ولا أكلفَّكَ إلاّ العملَ المشروط، والمرادُ بالحِجَجِ السِّنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ مِمن وافَقَ فِعْلَهُ. وَقِيْلَ : ستجدُنِي إن شاءَ اللهُ من الوَافِيْنَ بالعهدِ، الْمُحسِنينَ الصُّحبةَ.
فـ ﴿قَال﴾ مُوسَى لشعيب :﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ؛ يعني الذي وصفتَ وشَرَطْتَ على ذلك، وما شرطتَ لِي مِن تزويجِ إحداهما عَلَيَّ فلي، والأمر بيننا. وثم السلام. ثُم قال :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾ ؛ أيُّ الأجلَين من الثَّمانِ أو العَشْرِ، ﴿قَضَيْتُ﴾ ؛ أي أتْمَمْتَ وفَرَغْتَ، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ ؛ أي لا ظُلْمَ ولا حرجَ ولا كُلفَةَ. قال الفرَّاء :(مَا) صِلَةٌ فِي قَوْلِهِ :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾.
وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي شهيدٌ على ما عَقَدَ بعضُنا على بعضٍ. قال ابنُ عبَّاس :(وَاللهُ شَهِيْدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ).
وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقَالَ :" أوْفَاهُمَا وَأبْطَئُهُمَا " وعن أبي ذرٍّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإذا سُئِلْتَ عَنْ أيِّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقُلْ : خَيْرُهُمَا أوْ أبَرُّهُمَا، وَإنْ سُئِلْتَ أيُّ الْمَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَالَّتِي جَاءَتْ فَقَالَتْ : يَا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ".
القصص 28:27
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ؛ أي قالَتْ إحداهُما وهي التي تزوَّجَها موسى : يا أبَتِ اتَّخِذْهُ أجيراً يرعَى لنا غنمَنا، فإنَّ خيرَ منِ استأجرتَ الذي يقوَى على العملِ، ويؤدِّي الأمانةَ.
فقال لَها أبُوهَا : وما عِلْمُكِ بقوَّتهِ وأمانتهِ ؟ فقالت : أمَّا قوَّتهُ فإنه لَمَّا رأى أغنامَنا محبوسةً عن الماءِ، قال لنا : هل بقُربكُما بئرٌ ؟ قلنا : نَعَمْ ؛ لكن عليها صخرةٌ عظيمة لا يرفَعُها إلاّ أربعونَ رجُلاً، قال : انطَلِقا بي إليها، فانطلَقا به إليها، فأخذ الصخرةَ بيدهِ ونَحَّاهَا سَهْلاً من غيرِ كُلْفَةٍ. وأمَّا أمانتهُ فإنه قال لِي في بعضِ الطَّريق : إمْشِ خلفِي، فإنْ أخطأتُ الطريقَ فارْمِ قِبَلِي بحصاةٍ حتى أنْهَجَ نَهْجاً، فإنَّّا قومٌ لا ننظرُ إلى وراءِ النِّساء. ولِهذا المعنى قال عمرُ رضي الله عنه :(لاَ يَصْلُحُ لأُمُور الْمُسْلِمِيْنَ إلاَّ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَالرَّقِيْقُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ).
قال فلمَّا ذكرَتِ المرأةُ من حالِ موسى ازدادَ أبُوهَا رغبةً فيهِ و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ؛ أي على أن تَرْعَى غنَمِي، ويكون فيها أجْراً إلى ثَمان سِنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ ؛ فهو بفَضْلٍ منكَ ليس بواجبٍ عليكَ، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ في العشرِ، ولا أكلفَّكَ إلاّ العملَ المشروط، والمرادُ بالحِجَجِ السِّنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ مِمن وافَقَ فِعْلَهُ. وَقِيْلَ : ستجدُنِي إن شاءَ اللهُ من الوَافِيْنَ بالعهدِ، الْمُحسِنينَ الصُّحبةَ.
فـ ﴿قَال﴾ مُوسَى لشعيب :﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ؛ يعني الذي وصفتَ وشَرَطْتَ على ذلك، وما شرطتَ لِي مِن تزويجِ إحداهما عَلَيَّ فلي، والأمر بيننا. وثم السلام. ثُم قال :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾ ؛ أيُّ الأجلَين من الثَّمانِ أو العَشْرِ، ﴿قَضَيْتُ﴾ ؛ أي أتْمَمْتَ وفَرَغْتَ، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ ؛ أي لا ظُلْمَ ولا حرجَ ولا كُلفَةَ. قال الفرَّاء :(مَا) صِلَةٌ فِي قَوْلِهِ :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾.
وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي شهيدٌ على ما عَقَدَ بعضُنا على بعضٍ. قال ابنُ عبَّاس :(وَاللهُ شَهِيْدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ).
وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقَالَ :" أوْفَاهُمَا وَأبْطَئُهُمَا " وعن أبي ذرٍّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإذا سُئِلْتَ عَنْ أيِّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقُلْ : خَيْرُهُمَا أوْ أبَرُّهُمَا، وَإنْ سُئِلْتَ أيُّ الْمَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَالَّتِي جَاءَتْ فَقَالَتْ : يَا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ".
القصص 28:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا ياأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ ؛ أي قالَتْ إحداهُما وهي التي تزوَّجَها موسى : يا أبَتِ اتَّخِذْهُ أجيراً يرعَى لنا غنمَنا، فإنَّ خيرَ منِ استأجرتَ الذي يقوَى على العملِ، ويؤدِّي الأمانةَ.
فقال لَها أبُوهَا : وما عِلْمُكِ بقوَّتهِ وأمانتهِ ؟ فقالت : أمَّا قوَّتهُ فإنه لَمَّا رأى أغنامَنا محبوسةً عن الماءِ، قال لنا : هل بقُربكُما بئرٌ ؟ قلنا : نَعَمْ ؛ لكن عليها صخرةٌ عظيمة لا يرفَعُها إلاّ أربعونَ رجُلاً، قال : انطَلِقا بي إليها، فانطلَقا به إليها، فأخذ الصخرةَ بيدهِ ونَحَّاهَا سَهْلاً من غيرِ كُلْفَةٍ. وأمَّا أمانتهُ فإنه قال لِي في بعضِ الطَّريق : إمْشِ خلفِي، فإنْ أخطأتُ الطريقَ فارْمِ قِبَلِي بحصاةٍ حتى أنْهَجَ نَهْجاً، فإنَّّا قومٌ لا ننظرُ إلى وراءِ النِّساء. ولِهذا المعنى قال عمرُ رضي الله عنه :(لاَ يَصْلُحُ لأُمُور الْمُسْلِمِيْنَ إلاَّ الْقَوِيُّ مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ، وَالرَّقِيْقُ مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ).
قال فلمَّا ذكرَتِ المرأةُ من حالِ موسى ازدادَ أبُوهَا رغبةً فيهِ و ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ ؛ أي على أن تَرْعَى غنَمِي، ويكون فيها أجْراً إلى ثَمان سِنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ ؛ فهو بفَضْلٍ منكَ ليس بواجبٍ عليكَ، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ ؛ في العشرِ، ولا أكلفَّكَ إلاّ العملَ المشروط، والمرادُ بالحِجَجِ السِّنين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ مِمن وافَقَ فِعْلَهُ. وَقِيْلَ : ستجدُنِي إن شاءَ اللهُ من الوَافِيْنَ بالعهدِ، الْمُحسِنينَ الصُّحبةَ.
فـ ﴿قَال﴾ مُوسَى لشعيب :﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الشرط ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ ؛ يعني الذي وصفتَ وشَرَطْتَ على ذلك، وما شرطتَ لِي مِن تزويجِ إحداهما عَلَيَّ فلي، والأمر بيننا. وثم السلام. ثُم قال :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾ ؛ أيُّ الأجلَين من الثَّمانِ أو العَشْرِ، ﴿قَضَيْتُ﴾ ؛ أي أتْمَمْتَ وفَرَغْتَ، ﴿فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ ؛ أي لا ظُلْمَ ولا حرجَ ولا كُلفَةَ. قال الفرَّاء :(مَا) صِلَةٌ فِي قَوْلِهِ :﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ﴾.
وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ ؛ أي شهيدٌ على ما عَقَدَ بعضُنا على بعضٍ. قال ابنُ عبَّاس :(وَاللهُ شَهِيْدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ).
وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقَالَ :" أوْفَاهُمَا وَأبْطَئُهُمَا " وعن أبي ذرٍّ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" وَإذا سُئِلْتَ عَنْ أيِّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوسَى ؟ فَقُلْ : خَيْرُهُمَا أوْ أبَرُّهُمَا، وَإنْ سُئِلْتَ أيُّ الْمَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ ؟ فَقُلِ الصُّغْرَى مِنْهُمَا وَالَّتِي جَاءَتْ فَقَالَتْ : يَا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ".
القصص 28:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ﴾ ؛ أي فلَمَّا وَفَّى موسى أتَمَّ الأجلَين وهو عشرُ سنين، وسارَ بأهلهِ نحو مصرَ، قال مقاتلُ :(اسْتَأْذنَ مُوسَى صِهْرَهُ شُعَيْبَ فِي الْعَوْدِ إلَى مِصْرَ لِزِيَارَةِ وَالِدَيْهِ وَأُخْتِهِ. فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ بأَهْلِِهِ نَحْوَ مِصْرَ ؛ ﴿آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ﴾ فَأَبْصَرَ باللَّيْلِ الظَّلِيمِ عن يسار الطَّريق، أي الجبَلِ، ﴿نَاراً قَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُواْ﴾ ؛ أي انزِلُوا ها هُنا، ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ ؛ أي أبصرتُ، ﴿نَاراً لَّعَلِّي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ؛ أي مِن عند النار بخبرٍ، وأعلمُ لِمَ أُوقِدَتْ تلك النارُ. ويقالُ : كانت أخطأَ الطريقَ فأرادَ أن يَسْأَلَ عن الطريقِ مَن يَجِدُهُ عندَ النار. وقولهُ تعالى :﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ ؛ معناهُ : أو آتِيكُمْ بقطعةٍ من الحطَب في رأسِها شعلةٌ من النار لكي تَدَفَّئُوا من البردِ، وكانوا في شدَّةِ الشِّتاء).
وفي قوله ﴿جَذْوَةٍ﴾ ثلاثُ قراءاتٍ : فتحُ الجيمِ وهي قراءةُ عاصم، وضمُّها وهي قراءةُ حمزةَ، وكسرُها وهي قراءة الباقين، وقولهُ تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ ؛ أي تُدْفَئُونَ بها عن البردِ.
القصص 28:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِىءِ الْوَادِي الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ ؛ أي فلمَّا أتَى موسى النارَ نُودِيَ من جانب الوادِي الأيْمَنِ أراد يَمينَ موسَى، وقولهُ تعالى ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ أي الْمُقَدَّسَةِ، وقولهُ تعالى :﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ أي من الشَّجرةِ وهي شجرةُ العُنَّاب في قولِ ابنِ عبَّاس، وقال مقاتلُ :(هِيَ عَوْسَجَةٌ)، وسُمِّيت البقعةُ مباركةً ؛ لأن الله كَلَّمَ مُوسَى فيها وَبَعثَهُ نبيّاً. وقولهُ تعالى :﴿أَن يامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.
القصص 28:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ﴾ ؛ أي نُودِيَ بأنْ ألْقِ عصاكَ من يدِكَ، وموضعُ (أنْ ألْقِ) نصب، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنٌّ﴾ ؛ أي فلما رَآهَا بعدَ ما ألقَاهَا تتحرَّك في غايةِ الاضْطِرَاب كأنَّها جَانٌّ في الخِفَّةِ مع عِظَمِهَا، ﴿وَلَّى مُدْبِراً﴾ ؛ أي هَارباً، ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ ؛ أي ولَم يَلْتَفِتْ إلى ما رآهُ، فقال اللهُ لهُ :﴿يامُوسَى أَقْبِل﴾، إليها، ﴿وَلاَ تَخَفْ﴾ منها ؛ ﴿إِنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾ مِن أن ينالَكَ منها مكروهٌ، فأخذها موسى فإذا هي عصَا كما كانت، ويقال سُميت جَانٌّ في هذهِ الآية ؛ لأنَّها صارت جَانّاً في البقعةِ المباركة، وثُعبَاناً عند فرعونَ.
القصص 28:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ ؛ أي أدْخِلْهَا في جيبكَ، ﴿تَخْرُجْ بَيْضَآءَ﴾ ؛ لَها شعاعٌ كشُعَاعِ الشَّمسِ، ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ؛ أي من غيرِ بَرَصٍ، من الفزعِ، فتصيرَ آمِناً مما كنتَ تخافهُ، وهذا لأنَّ من شَأْنِ الْخَائِفِ أن يرتعدَ ويقلق فيكون ضَمُّ يدهِ إلى نفسهِ في معنى السُّكون.
قال مجاهد :(كُلُّ مَنْ فَزَعَ فَضَمَّ جَنَاحَيْهِ إلَيْهِ ذَهَبَ عَنْهُ الْفَزَعُ، وَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ). وَجَناحُ الإنْسَانِ : عَضُدُهُ، ويقالُ : اليدُ كلُّها جَنَاحٌ. وقال بعضُهم : معنى قولهِ ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ﴾ أي سَكِّنْ رَوْعَكَ، وضَمُّ الجناحِ هو السُّكون، ومنهُ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾[الإسراء: ٢٤] يريدُ الرِّفْقَ، وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾[الشعراء: ٢١٥] أي ارْفِقْ بهم، وألِنْ جناحَكَ بهم. وقال الفرَّاء (أرَادَ بالْجَنَاحِ الْعَصَا). وقولهُ تعالى ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ وقُرئ (مِنَ الرَّهَب) أيضاً وهما لُغتان مثل الرُّشْدِ والرََّشَدِ، ويقالُ : إنَّ قوله (مِنَ الرَّهْب) متَّصلٌ بقولهِ (مِنَ الآمِنِيْنَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ﴾ ؛ يعني اليدَ والعصا حُجَّتَانِ مِن الله لِمُوسَى على صدقهِ، والمعنى : هما حُجَّتَانِ من ربكَ أرسلناكَ بهما ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ ؛ أي أشرافِ قومه، ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ ؛ أي خَارجِين عن طاعةِ الله تعالى، " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون " وقرأ الباقونَ بالتخفيف. قال الزجَّاج :(التَّشْدِيْدُ تَثْنِيَةُ ذلِكَ، وَالتَّخْفِيْفُ تَثْنِيَةُ ذاكَ).
القصص 28:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾ ؛ يعني القبطِيَّ الذي قتلَهُ، ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ؛ أي أبْيَنُ مِنِّي كَلاماً وأحسنُ بياناً، وكان في لسانِ موسى عقدةٌ من قِبَلِ الجمرةِ التي تناولَها، ولذلك قال فرعونُ : وَلاَ يَكَادُ يُبيْنُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً﴾ ؛ أي عَوْناً ومُصَدِّقاً لِي، يقالُ : فلانٌ ردْءُ فلانٍ ؛ إذا كان ينصرهُ ويشدُّ ظهرَهُ. وقرأ نافعُ (رداً) من غيرِ هَمْزٍ طلباً لِلْخِفَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُصَدِّقُنِي﴾ ؛ قرأ عاصمُ وحمزة :(يُصَدِّقُنِي) بضمِّ القاف، وقرأ الباقونَ بالجزمِ على الجواب بالأمر، ومَن رفعَ كان صفةً لنكرةٍ، جواباً للمسالة تقديرهُ ردْءاً مُصَدِّقاً لِي، والتصديقُ هارون في قولِ الجمع. وقال مقاتلُ :(لِكَي يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ) ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾.
القصص 28:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾ ؛ يعني القبطِيَّ الذي قتلَهُ، ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً﴾ ؛ أي أبْيَنُ مِنِّي كَلاماً وأحسنُ بياناً، وكان في لسانِ موسى عقدةٌ من قِبَلِ الجمرةِ التي تناولَها، ولذلك قال فرعونُ : وَلاَ يَكَادُ يُبيْنُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً﴾ ؛ أي عَوْناً ومُصَدِّقاً لِي، يقالُ : فلانٌ ردْءُ فلانٍ ؛ إذا كان ينصرهُ ويشدُّ ظهرَهُ. وقرأ نافعُ (رداً) من غيرِ هَمْزٍ طلباً لِلْخِفَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُصَدِّقُنِي﴾ ؛ قرأ عاصمُ وحمزة :(يُصَدِّقُنِي) بضمِّ القاف، وقرأ الباقونَ بالجزمِ على الجواب بالأمر، ومَن رفعَ كان صفةً لنكرةٍ، جواباً للمسالة تقديرهُ ردْءاً مُصَدِّقاً لِي، والتصديقُ هارون في قولِ الجمع. وقال مقاتلُ :(لِكَي يُصَدِّقَنِي فِرْعَوْنُ) ﴿إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾.
القصص 28:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ ؛ أي قالَ اللهُ تَعَالَى لِموسى : سنُعِينُكَ ونقوِّيكَ وننصرُكَ بأخيكَ، وشَدُّ العَضُدِ كنايةٌ عن التقويةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ حجَّةً وبيِّنة تدلُّ على النبوَّة، ﴿فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا﴾ بقَتْلٍ ولا سُوءٍ ولا أذَى، ﴿بِآيَاتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ ؛ لِمَن خالَفَكما، وقولهُ تعالى :﴿بِآيَاتِنَآ﴾ موضعهُ التقديمُ ؛ والمعنى ونجعلُ لكُمَا سُلطَاناً بآياتِنَا ؛ أي بما نُعطِيكُما من المعجزاتِ.
القصص 28:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ﴾ ؛ يعني المعجزاتِ فلم يقدِرُوا على دفعِ تلك الآياتِ، ﴿قَالُواْ مَا هَـاذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى﴾، إلاّ أنْ قالوا هذا سِحْرٌ مُفْتَرَى ؛ أي مُخْتَرَعٌ من قِبَلِ نفسِكَ ولَم تُبعَثُ بهِ، ﴿وَمَا سَمِعْنَا بِهَـاذَاْ ؛﴾ ؛ الذي تَدْعُونَا إليه، ﴿فِي آبَآئِنَا الأَوَّلِينَ﴾.
القصص 28:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَآءَ بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ﴾ ؛ أي هو أعلمُ بالحقِّ مِنَّا وبمن يدعُو إلى الضَّلالةِ ؛ أي أنَا الذي جِئْتُ بالْهُدَى مِن عندِ الله. وقرأ ابنُ كثير :(قَالَ مُوَسَى) بغير واوٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ﴾ ؛ أي هو أعلمُ بمن تكونُ له الجنَّة، ﴿إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي لا يُسْعَدُ مَن أشْرَكَ باللهِ.
القصص 28:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ياأَيُّهَا الْملأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرِي﴾ ؛ أي قالَ فرعونُ الخَوَاصِّ قومهِ :﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـاهٍ غَيْرِي﴾ وهذه إحدَى كَلِمَتَيْهِ اللَّتين أخذهُ الله بهما، والأُخرى قولهُ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾[النازعات: ٢٤].
وقولهُ تعالى :﴿فَأَوْقِدْ لِي ياهَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾ ؛ أي اتَّخِذْ لِي آجُرّاً، ﴿فَاجْعَل لِّي صَرْحاً﴾ ؛ أي قَصْراً طَويلاً متَّسِعاً مرتفعاً، ﴿لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَـاهِ مُوسَى﴾ ؛ أي أصعدُ إليه، ظَنَّ بجهلهِ أنه يَتَهَيَّأُ له أنْ يبلُغَ بصرحهِ إلى السَّماءِ، وظنَّ أن إلهَ مُوسَى جِسْماً مشاهَداً كما تقولُ الْمُشَبهَةُ، تَعَالَى اللهُ عَنْ ذلِكََ.
قال المفسِّرون : لَمَّا أمرَ فرعونُ وزيرَهُ هامانَ ببناء الصَّرح، جَمَعَ خمسين ألفَ بَنَّاءٍ سِوَى الاتباعِ والأُجَرَاءِ ممن يطبخُ الآجُرَّ والجصَّ، وينحتُ الخشبَ والأبوابَ، ويضربُ المساميرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ ؛ أي في ادِّعاء (إلَهاً غَيْرِي) وأنه رسولهُ، وهذا اعترافٌ مِن فرعونَ بالشَّكِّ لأنه شَاكٌّ لا يدري مَن في السَّماء، ولو كان إلَهاً لَمْ يجهَلْ ولَم يشُكَّ، والمبطلُ تظهرُ عليه الْمُنَاقَضَةُ.
القصص 28:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ؛ تعظَّمُوا عن الإيْمانِ ولَم ينقَادُوا للحقِّ، وقولهُ تعالى ﴿فِي الأَرْضِ﴾ أي في أرضِ مِصْرَ ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي بالباطلِ والظُّلم، ﴿وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي يُرَدُّونَ إلينا بالبعثِ للحساب والجزاء.
القصص 28:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ ؛ أي طَرَحْنَاهُمْ في البحر. قال عطاءُ :(يُرِيْدُ الْبَحْرَ الْمَالِحَ بَحْرَ الْقُلْزُمِ) ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ حين صَارُوا إلى الْهَلاكِ.
القصص 28:41
قًَوْلُه تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ؛ أي جعلنَاهم في الدُّنيا أئِمَّةَ ضَلاَلَةٍ وقَادَةً في الكُفْرِ والشِّرك، يقودُونَ الناسَ إلى الشِّركِ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأن مَن أطَاعَهم ضَلَّ ودخلَ النارَ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي لا يُدْفَعُ عنهم عذابُ اللهِ، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ؛ يعني لَعْنَةَ الملائكةِ والمؤمنين، ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ؛ أي مِن الْمُشَوَّهِيْنَ في النَّار، سَوَادُ وجُوهِهم وزرقَةُ الأعيُنِ، فعلى هذا يكونُ المعنى : هُمُ الْمَقْبُوحِيْنَ. وَقِيْلَ : معناهُ : هم مِن الْمُبْعَدِيْنَ الملعونِينَ من القَبْحِ، وهو الإبعادُ. قال أبو يَزيدٍ :(يُقَالُ : قَبَّحَ اللهُ فُلاَناً قُبْحاً وَقُبُوحاً ؛ أي أبْعَدَهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ).
القصص 28:42
قًَوْلُه تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ ؛ أي جعلنَاهم في الدُّنيا أئِمَّةَ ضَلاَلَةٍ وقَادَةً في الكُفْرِ والشِّرك، يقودُونَ الناسَ إلى الشِّركِ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ لأن مَن أطَاعَهم ضَلَّ ودخلَ النارَ، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لاَ يُنصَرُونَ﴾ أي لا يُدْفَعُ عنهم عذابُ اللهِ، ﴿وَأَتْبَعْنَاهُم فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ ؛ يعني لَعْنَةَ الملائكةِ والمؤمنين، ﴿وَيَوْمَ القِيَامَةِ هُمْ مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ ؛ أي مِن الْمُشَوَّهِيْنَ في النَّار، سَوَادُ وجُوهِهم وزرقَةُ الأعيُنِ، فعلى هذا يكونُ المعنى : هُمُ الْمَقْبُوحِيْنَ. وَقِيْلَ : معناهُ : هم مِن الْمُبْعَدِيْنَ الملعونِينَ من القَبْحِ، وهو الإبعادُ. قال أبو يَزيدٍ :(يُقَالُ : قَبَّحَ اللهُ فُلاَناً قُبْحاً وَقُبُوحاً ؛ أي أبْعَدَهُ مِن كُلِّ خَيْرٍ).
القصص 28:43
قوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ ؛ يعني القُرُونَ الأُولَى قومَ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وغيرَهم، كانوا قَبْلَ مُوسَى. وقولهُ تعالى ﴿بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ﴾ أي أعطَينا موسَى التَّوراةَ من بعدِ ما أهلكنا الأمَمَ الماضيةَ عِظَةً وعِبْرَةً للناسِ ليُبْصِرُوا بها أمرَ دينِهم ؛ أي ليُبصِرُوا بالتوراةِ ويهتَدُوا بها، وهُو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُدًى﴾ ؛ مِن الضَّلالةِ لِمن عَمِلَ به ؛ أي بالكتاب ﴿وَرَحْمَةً﴾ ؛ لِمن آمَنَ به، ﴿لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي يتذكَّرُوا بما فيه من المواعظ والبصائرِ.
وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال :" مَا أهْلَكَ اللهُ قَوْماً وَلاَ قَرْناً وَلاَ أمَّةً وَلاَ أهْلَ قَرْيَةٍ بعَذابٍ مِنَ السَّمَاءِ مُنْذُ أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ غَيْرَ أهْلِ الْقَرْيَةِ الَّذِيْنَ مُسِخُواْ قِرَدَةً، ألَمْ تَرَ أنَّ اللهَ قَالَ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى﴾ ".
القصص 28:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ ؛ معناهُ : ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ بجانب الوادِي الغربيِّ ﴿إِذْ قَضَيْنَآ إِلَى مُوسَى الأَمْرَ﴾ أي إذ أوْحَيْنَا الأمرَ بما ألزمناهُ وقومَهُ، ﴿وَمَا كنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ ؛ تلكَ الحالةِ، وإنَّما أخبرناكَ بذلك لتكونَ معجزةً لك.
القصص 28:45
وقولهُ تعالى :﴿وَلَكِنَّآ أَنشَأْنَا قُرُوناً﴾ ؛ أي خَلَقْنَا قَرْناً بعدَ قرنٍ، ﴿فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ ؛ أي طَالَتْ عليهم الْمُهَلُ فنَسُوا عهدَ اللهِ، وتركُوا أمرَهُ، وكذبُوا الرُّسُلَ فأهلكناهم قَرْناً بعدَ قرنٍ، وهذا كلامٌ يدلُّ على أنه قد عَهِدَ إلى موسَى وقومه عهوداً في مُحَمَّد ﷺ والإيْمَانِ بهِ، فلما تَطَاوَلَ عليهِمُ الْعُمُرُ، وخُلِقَتِ القرونُ بعدَ القرونِ، وترَكُوا الوفاءَ بها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِياً﴾ ؛ أي مُقِيماً ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ ؛ كقِيَامِ مُوسَى وشُعيب فيهم، ﴿تَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ؛ أي تذكِّرُهم بالوعدِ والوعيد. قال مقاتلُ :(وَالْمَعْنَى : لَمْ تَشْهَدْ أهْلَ مَدْيَنَ فَتَقْرَأُ عَلَى أهْلِ مَكَّةَ خَبَرَهُمْ كَخَبَرِ مَنْ شَاهَدَهُمْ) ﴿وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ ؛ أي أرسلناكَ إلى أهلِ مَكَّةَ، وأنزلَ عليك هذهِ الأخبارَ، ولولاَ ذلك لَمَا علَمْتَها.
القصص 28:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ ؛ أي وما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ بناحيةِ الْجَبَلِ الذي كَلَّمَ اللهُ عليه مُوسَى إذ نَادَيْنَا موسى : إنِّي أنَا اللهُ، ويَا مُوسَى أقْبلْ وَلاَ تَخَفْ، ﴿وَلَـاكِن﴾ ؛ أوحينَاها إليكَ وقصَصْنَاها عليكَ، ﴿رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ لَم يأْتِهم رسولٌ يُخَوِّفُ قبلَكَ، ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي يَتَّعِظُونَ.
ومعنى ﴿رَّحْمَةً﴾ أي رَحِمْنَاكَ رحمةً بإرسالِكَ والوَحْيِ إليكَ. وقولهُ تعالى :﴿لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ﴾ يعنِي أهلَ مكَّة لعلَّهُم يتَّعظُونَ، واسمُ الجبلِ الذي نُودِي عليه موسى جَبَلُ رسمه. قرأ عيسَى بن عمر :(وَلَكِنْ رَحْمَةٌ) بالرفعِ على معنى : ولكن هِيَ رحمةٌ مِن ربكَ إذ أطْلَعَكَ اللهُ عليهِ.
القصص 28:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْلا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : وَلَوْلاَ أنْ يُصِيْبَهُمُ الْعَذابُ فِي الدُّنْيَا بمَا قَدَّمَتْ أيْدِيْهِمْ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي) يعني كفارَ مكَّة، ﴿فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ ؛ أي هلاَّ أرسلتَ إلينا رَسُولاً، ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾، يعني القُرْآنَ، ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
والمعنى : لولا أنَّهم يحتَجُّون بتركِ الإرسالِ إليهم لعجَّلنَاهم بالعقوبةِ بكُفْرِهم. وحقيقةُ كَشْفِ معنى الآية : لَولاَ أنَّهُ إذا أصَابَتْهُمْ مُصِيْبَةٌ ؛ أي عقوبةٌ بما قدَّمَتْ أيْدِيْهِمْ من الكُفْرِ فيقولُوا عندَ نُزولِ العذاب بهم : رَبَّنَا هَلاَّ أرسلتَ إلينا رَسُولاً فَنَتَّبِعُ كتابَكَ ورسولكَ، ونكون مِن المؤمنينَ ؛ لعجَّلْنَاهم العقوبةَ. قِيْلَ : معناهُ : لولا إذا أصابَتْهم عقوبةُ الآخرةِ فيقولُوا ربَّنا لولاَ أرسلتَ إلينا رسُولاً في الدُّنيا لَمَا أرسلناكَ. وفي الآية بيانُ أنَّ الله تعالى أرسَلَ النبيَّ ﷺ مبالغةً في الحُجَّةِ وقطعِ الْمَعْذِرَةِ.
القصص 28:48
وقولهُ تعالى :﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا﴾ ؛ أي فلما جاءَ أهلَ الحقُّ مِن عِنْدِنَا وهو مُحَمَّدُ والقُرْآنُ، ﴿قَالُواْ لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى﴾ ؛ أي هلاَّ أعطِيَ مثلَ ما أعطِيَ موسى، يعنونَ هَلاَّ أنْزِلَ عليه القُرْآنُ جُمْلَةً كما أنزلَ التوراة على موسى جُملة واحدةً، وهلاَّ أعطَى مُحَمَّداً اليدَ والعصا والمنَّ والسَّلوى وغيرَ ذلك من الآيات.
فاحتجَّ اللهُ عليهم بقوله :﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ﴾ ؛ أي فقد كَفَرُوا بما أوتِيَ موسَى، كما كَفَرُوا بآياتِ مُحَمَّد و ﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ ؛ أي تَعَاوَنا على السِّحرِ والضَّلالِ، يعنونَ موسَى ومُحَمَّداً عليهم السَّلاَمُ. وقرأ أهلُ الكوفة (سِحْرَان) بغيرِ ألفِ التَّوْرَاةُ والقُرْآنُ، ﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ﴾، مِنَ التَّوراةِ والقُرْآنِ، ﴿كَافِرُونَ﴾.
القصص 28:49
قال اللهُ لِنَبيِّهِ ﷺ :﴿قُلْ﴾ ؛ لكُفَّار مكَّة :﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ﴾ ؛ أي مِن التَّوراةِ والقُرْآنِ حتى ﴿أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أنَّهما كانا سِحرَانِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ ؛ أي فإن لَم يأتُوا بمثلِ التَّوراةِ والقُرْآنِ، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ وإنَّ ما رَكِبُوهُ من الكُفْرِ لا حُجَّةَ لَهم فيه، وإنَّما آثرُوا فيه الْهَوَى.
ثُمَّ ذمَّهُم اللهُ فقال :﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا أحدَ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هواهُ بغيرِ رَشَادٍ ولا بيانٍ جاءَ من الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ ومعنى قولهِ ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي فإنْ لَم يُجِيبُوكَ إلى ما سألتَهم ولا يجيبون.
القصص 28:50
قال اللهُ لِنَبيِّهِ ﷺ :﴿قُلْ﴾ ؛ لكُفَّار مكَّة :﴿فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ﴾ ؛ أي مِن التَّوراةِ والقُرْآنِ حتى ﴿أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أنَّهما كانا سِحرَانِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ ؛ أي فإن لَم يأتُوا بمثلِ التَّوراةِ والقُرْآنِ، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَآءَهُمْ﴾ ؛ وإنَّ ما رَكِبُوهُ من الكُفْرِ لا حُجَّةَ لَهم فيه، وإنَّما آثرُوا فيه الْهَوَى.
ثُمَّ ذمَّهُم اللهُ فقال :﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا أحدَ أضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هواهُ بغيرِ رَشَادٍ ولا بيانٍ جاءَ من الله، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ ومعنى قولهِ ﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكَ﴾ أي فإنْ لَم يُجِيبُوكَ إلى ما سألتَهم ولا يجيبون.
القصص 28:51
قوله :﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا﴾ ؛ رسُلَنا، ﴿لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي وصَّلنَا لأهلِ مكَّة ذِكْرِ الأنبياءِ والأُمَمِ وأقاصيصِ بعضهم لبعضٍ، وأخبَرْنَاهم أنَّا أهلكنا قومَ نوحٍ بكذا وقومَ صالحٍ بكذا لكي يتَّعِظُوا بالقُرْآنِ، ويخَافُوا أن يَنْزِلَ بهم مثلَ ما نزلَ بمن قبلَهم.
القصص 28:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي من قَبْلِ القُرْآنِ، ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قال السديُّ :(يَعْنِي مُسْلِِمِي الْيَهُودِ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلام وَأصْحَابُهُ). وقال مقاتلُ :(يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الإنْجِيْلِ، وَهُمُ الَّذِيْنَ قَدِمُواْ مَعَ جَعْفَرَ بْنِ أبي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ).
ثُم نَعَتَهم اللهُ تعالى فقالَ :﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يعنِي القُرْآنَ، ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِهِ﴾ ؛ أي صدَّقنَا بالقُرْآنِ، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ﴾ ؛ لا ذِكْرَ النبيِّ ﷺ، وكان مَكتُوباً عندَهم في التَّوراةِ والإنجيل فلَمْ يعانِدوا، وقالوا للقُرْآنِ : إنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبنَا، ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ قبل القُرْآنِ، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ ؛ مُخلِصِين للهِ بالتوحيد، مؤمِنين بمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ نَبيٌّ.
ثُم أثْنَى اللهُ عليهم خيراً، فقالَ :﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ ؛ مرَّةً بتمسُّكِهم بدِينهم حتى أدرَكُوا مُحَمَّداً ﷺ فآمَنُوا به، ومرَّةً بإيْمانِهم به. وقال قتادةُ :(كَمَا صَبَرُواْ عَلَى الْكِتَاب الأَوَّلِ وَالْكِتَاب الثَّانِي)، وَقِيْلَ : مرَّةً لإيْمانِهم بموسَى ومرّةً لإيْمَانِهم بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ؛ أي يدفَعُونَ بشهادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ الشِّرْكَ، كذا قال ابنُ عبَّاس، وقال مقاتلُ :(يَدْفَعُونَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ أذِيَّةِ الْكَافِرِيْنَ وَشَتْمِهِمْ لَهُمْ بالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالاحْتِمَالِ). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ؛ مِن الأموالِ في طاعة الله.
القصص 28:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي من قَبْلِ القُرْآنِ، ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قال السديُّ :(يَعْنِي مُسْلِِمِي الْيَهُودِ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلام وَأصْحَابُهُ). وقال مقاتلُ :(يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الإنْجِيْلِ، وَهُمُ الَّذِيْنَ قَدِمُواْ مَعَ جَعْفَرَ بْنِ أبي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ).
ثُم نَعَتَهم اللهُ تعالى فقالَ :﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يعنِي القُرْآنَ، ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِهِ﴾ ؛ أي صدَّقنَا بالقُرْآنِ، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ﴾ ؛ لا ذِكْرَ النبيِّ ﷺ، وكان مَكتُوباً عندَهم في التَّوراةِ والإنجيل فلَمْ يعانِدوا، وقالوا للقُرْآنِ : إنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبنَا، ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ قبل القُرْآنِ، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ ؛ مُخلِصِين للهِ بالتوحيد، مؤمِنين بمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ نَبيٌّ.
ثُم أثْنَى اللهُ عليهم خيراً، فقالَ :﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ ؛ مرَّةً بتمسُّكِهم بدِينهم حتى أدرَكُوا مُحَمَّداً ﷺ فآمَنُوا به، ومرَّةً بإيْمانِهم به. وقال قتادةُ :(كَمَا صَبَرُواْ عَلَى الْكِتَاب الأَوَّلِ وَالْكِتَاب الثَّانِي)، وَقِيْلَ : مرَّةً لإيْمانِهم بموسَى ومرّةً لإيْمَانِهم بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ؛ أي يدفَعُونَ بشهادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ الشِّرْكَ، كذا قال ابنُ عبَّاس، وقال مقاتلُ :(يَدْفَعُونَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ أذِيَّةِ الْكَافِرِيْنَ وَشَتْمِهِمْ لَهُمْ بالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالاحْتِمَالِ). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ؛ مِن الأموالِ في طاعة الله.
القصص 28:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ أي من قَبْلِ القُرْآنِ، ﴿هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قال السديُّ :(يَعْنِي مُسْلِِمِي الْيَهُودِ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلام وَأصْحَابُهُ). وقال مقاتلُ :(يَعْنِي مُسْلِمِي أهْلِ الإنْجِيْلِ، وَهُمُ الَّذِيْنَ قَدِمُواْ مَعَ جَعْفَرَ بْنِ أبي طَالِبٍ مِنَ الْحَبَشَةِ).
ثُم نَعَتَهم اللهُ تعالى فقالَ :﴿وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ يعنِي القُرْآنَ، ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِهِ﴾ ؛ أي صدَّقنَا بالقُرْآنِ، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ﴾ ؛ لا ذِكْرَ النبيِّ ﷺ، وكان مَكتُوباً عندَهم في التَّوراةِ والإنجيل فلَمْ يعانِدوا، وقالوا للقُرْآنِ : إنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبنَا، ﴿إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ﴾ ؛ قبل القُرْآنِ، ﴿مُسْلِمِينَ﴾ ؛ مُخلِصِين للهِ بالتوحيد، مؤمِنين بمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ نَبيٌّ.
ثُم أثْنَى اللهُ عليهم خيراً، فقالَ :﴿أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ ؛ مرَّةً بتمسُّكِهم بدِينهم حتى أدرَكُوا مُحَمَّداً ﷺ فآمَنُوا به، ومرَّةً بإيْمانِهم به. وقال قتادةُ :(كَمَا صَبَرُواْ عَلَى الْكِتَاب الأَوَّلِ وَالْكِتَاب الثَّانِي)، وَقِيْلَ : مرَّةً لإيْمانِهم بموسَى ومرّةً لإيْمَانِهم بمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ؛ أي يدفَعُونَ بشهادَةِ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ الشِّرْكَ، كذا قال ابنُ عبَّاس، وقال مقاتلُ :(يَدْفَعُونَ مَا يَلْحَقُهُمْ مِنْ أذِيَّةِ الْكَافِرِيْنَ وَشَتْمِهِمْ لَهُمْ بالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَالاحْتِمَالِ). ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ؛ مِن الأموالِ في طاعة الله.
القصص 28:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ﴾ ؛ أي وإذا خُوطِبُوا بالسَّفاهَةِ وشتَمَهم المشركونَ رَدُّوا عليهم جَميلاً، وأعْرَضُوا عن الكلامِ الذي لا فائدةَ فيه، ﴿وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا﴾ أي دِينُنا، ﴿وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي دِينُكم.
وذلك أنَّهم عَيَّرُوهُمْ بتَرْكِ دِينهم. قال السديُّ : لَمَّا أسْلَمَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ جَعَلَ الْيَهُودُ يَشْتُمُونَهُ، وَهُوَ يَقُولُ :﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ ؛ قال الزجَّاج :(لَمْ يُرِيدُواْ التَّحِيَّةَ، وَالْمَعْنَى أنَّهُمْ قَالُواْ : بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْمُتَارَكَةُ والتَّسَلُّمُ، وَهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ الْمُسْلِمُون بالْقِتَالِ)، فَكَأنَّهُمْ قَالُوا : سَلِمْتُمْ مِنَّا لاَ نَعْتَرِضَنَّكُمْ بالشَّتْمِ. ومعنى قولهِ تعالى ﴿لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ أي لا نريدُ أن نكونَ مِن أهلِ الْجَهْلِ والسَّفَهِ. وقال الكلبيُّ :(مَعْنَاهُ : لاَ نُحِبُّ دِينَكُمُ الَّذِي أنْتُمْ عَلَيْهِ).
القصص 28:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ؛ ذهبَ أكثرُ المفسِّرين أنَّ هذهِ الآيةَ " نزلت في أبي طَالِبٍ، وَذلِكَ أنَّهُ لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ، دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ :" يَا عَمِّ ؛ قُلْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ أشْهَدُ لَكَ بهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قالَ : لَوْلاَ أنْ يُعَيِّرَنِي نِسَاءُ قُرَيْشٍ وَيَقُلْنَ : إنَّهُ حَمَلَهُ عَلَى ذلِكَ الْجَزَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ، لأَقْرَرْتُ بهَا عَيْنَكَ "، فأنزلَ اللهُ تعالى ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هِدايَتَهُ. وَقِيْلَ : إنَّكَ لا تَهدِي من أحبَبتَهُ.
و " عن رسولِ الله ﷺ أنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَمِّهِ أبي طَالِبٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيْهِ، وَعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُاللهِ بْنُ أُمَيَّةَ بَنِ الْمُغِيْرَةِ، فَقَالَ لَهُ :" يَا عَمِّ ؛ قُلْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ أُحَاج لَكَ بهَا عِنْدَ اللهِ " فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ وَعَبْدُاللهِ بْنُ أُمَيَّةَ : أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِب؟!
فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَهُمَا يُعَاودَانِهِ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ حَتَّى قَالَ أبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ بهِ : أنَا عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَلِب، وَأبَى أنْ يَقُولَ : لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ "، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي أبي طَالِبٍ، وَقَالَ لِرَسُولِهِ :﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ ؛ قال الزجَّاج :(ابْتِدَاءُ نُزُولِهَا بسَبَب أبي طَالِبٍ، وَهِيَ عَامَّةٌ ؛ لأنَّهُ لاَ يَهْدِي إلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ). ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.
القصص 28:57
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾ ؛ أي قالت قُريش لِمُحَمَّدٍ ﷺ : إن اتَّبَعْنَاكَ على دِينِكَ يتخطَّفُنا العربُ على أنفُسِنا أن يخرجُوا من أرضِنا مكَّة إن ترَكْنا ما يَعبُدونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي ذا أمْنٍ يَأْمَنُ فيه الناسُ.
وذلك أن العربَ كانت يُغِيْرُ بعضُهم على بعضٍ، وأهلُ مكَّة آمِنُونَ في الْحَرَمِ مِن القَتْلِ والسَّيفِ والغَارَةِ ؛ أي فكيفَ يخافون إذا أسْلَمُوا وهُم في حَرَمٍ آمِنُونَ. ومعنى ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي أوَلَمْ نَجْعَلْهُ مكاناً لَهم.
وقولهُ تعالى :﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ ومعنى ﴿يُجْبَىٰ﴾ أي يحملُ الْحَرَمِ ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً﴾. قرأ نافعُ ويعقوب :(تُجْبَى) بالتاء لأجلِ الثَّمرات، وقرأ الباقونَ بالياء لقولهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً﴾ ومعنى (تُجْبَى) أي تُحْمَلُ إلى الحرمِ ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مِصْرَ والشَّام واليمَنِ والعِرَاقِ.
وقولهُ تعالى :﴿رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ ؛ أي رزْقاً مِن عندِنا، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّا فعَلْنا ذلك يعني أهلَ مكَّة، والمعنى : أوَلَمْ يجعل أهلَ مكَّة في أمَانٍ قبلَ الإيْمَانِ يُجْبَى إلى الحرمِ ثَمَراتُ كلِّ شيءٍ نعمةً من عندِنا، فكيفَ يخافون زوالَ الأمانِ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ لأنَّهم لا يتدبَّرُون ولا يتفكَّرُون.
ثُم خوَّفَهم بمثل عذاب الأُمَمِ الخاليةِ، فقال :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ؛ أي كم أهلَكْنا مِن أهلِ قَرْيَةٍ بَطَرَتْهَا معيشَتها، والبَطَرُ : الطُّغيانُ عند النِّعمةِ، وَقِيْلَ : معناهُ : بَطَرَتْ في معِيشَتِها. قال عطاءُ :(عَاشُواْ فِي الْبَطْرَةِ، فَأكَلُواْ رزْقَ اللهِ وَعَبَدُواْ الأَصْنَامَ).
وقوله تعالى :﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي منازلُهم التي كانوا يسكنُونَها لَم يَسْكُنُهَا أحدٌ إلاّ المسافرونَ ومَارُّوا الطريقِ ينْزِلون ببعضِها يوماً أو ساعةً ثُم يرحَلُون. والمعنى لَمْ تُسْكَنْ مِن بعدِهم إلاَّ سُكوناً قليلاً، ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ؛ أي لَم نجعَلْ لَهم أحداً بعدَ هلاكِهم في منازِلِهم، فبقيَتْ خَراباً غيرَ مسكُونةٍ كقولهِ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾[مريم: ٤٠].
القصص 28:58
قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ﴾ ؛ أي قالت قُريش لِمُحَمَّدٍ ﷺ : إن اتَّبَعْنَاكَ على دِينِكَ يتخطَّفُنا العربُ على أنفُسِنا أن يخرجُوا من أرضِنا مكَّة إن ترَكْنا ما يَعبُدونَ. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي ذا أمْنٍ يَأْمَنُ فيه الناسُ.
وذلك أن العربَ كانت يُغِيْرُ بعضُهم على بعضٍ، وأهلُ مكَّة آمِنُونَ في الْحَرَمِ مِن القَتْلِ والسَّيفِ والغَارَةِ ؛ أي فكيفَ يخافون إذا أسْلَمُوا وهُم في حَرَمٍ آمِنُونَ. ومعنى ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ أي أوَلَمْ نَجْعَلْهُ مكاناً لَهم.
وقولهُ تعالى :﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ ومعنى ﴿يُجْبَىٰ﴾ أي يحملُ الْحَرَمِ ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً﴾. قرأ نافعُ ويعقوب :(تُجْبَى) بالتاء لأجلِ الثَّمرات، وقرأ الباقونَ بالياء لقولهِ ﴿كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً﴾ ومعنى (تُجْبَى) أي تُحْمَلُ إلى الحرمِ ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مِصْرَ والشَّام واليمَنِ والعِرَاقِ.
وقولهُ تعالى :﴿رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ ؛ أي رزْقاً مِن عندِنا، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّا فعَلْنا ذلك يعني أهلَ مكَّة، والمعنى : أوَلَمْ يجعل أهلَ مكَّة في أمَانٍ قبلَ الإيْمَانِ يُجْبَى إلى الحرمِ ثَمَراتُ كلِّ شيءٍ نعمةً من عندِنا، فكيفَ يخافون زوالَ الأمانِ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ لأنَّهم لا يتدبَّرُون ولا يتفكَّرُون.
ثُم خوَّفَهم بمثل عذاب الأُمَمِ الخاليةِ، فقال :﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ ؛ أي كم أهلَكْنا مِن أهلِ قَرْيَةٍ بَطَرَتْهَا معيشَتها، والبَطَرُ : الطُّغيانُ عند النِّعمةِ، وَقِيْلَ : معناهُ : بَطَرَتْ في معِيشَتِها. قال عطاءُ :(عَاشُواْ فِي الْبَطْرَةِ، فَأكَلُواْ رزْقَ اللهِ وَعَبَدُواْ الأَصْنَامَ).
وقوله تعالى :﴿فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي منازلُهم التي كانوا يسكنُونَها لَم يَسْكُنُهَا أحدٌ إلاّ المسافرونَ ومَارُّوا الطريقِ ينْزِلون ببعضِها يوماً أو ساعةً ثُم يرحَلُون. والمعنى لَمْ تُسْكَنْ مِن بعدِهم إلاَّ سُكوناً قليلاً، ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ ؛ أي لَم نجعَلْ لَهم أحداً بعدَ هلاكِهم في منازِلِهم، فبقيَتْ خَراباً غيرَ مسكُونةٍ كقولهِ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾[مريم: ٤٠].
القصص 28:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ ؛ معناهُ : وما كان ربُّكَ يَا مُحَمَّدُ مُعَذِّبَ القُرَى الكافرةُ أهلُها حتى يبعثَ في أعظَمِها قريةً رَسُولاً يُنذِرُهم ويقرأ عليهم آياتِنا، وخصَّ الأعْظَمَ من القُرى ببعثةِ الرَّسُولِ فيها ؛ لأن الرَّسُولَ إنَّما يُبعَثُ إلى الأشرافِ، وأشرافُ القومِ وملوكُهم يسكنونَ المدائنَ والمواضع التي هي أمُّ ما حولِها.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ ؛ أي ما نُهلِكُهم إلاَّ بظُلْمِهم وشِركِهم، وَقِيْلَ : المرادُ بالقُرَى القرى التي حَوْلَ مكَّة، والمرادُ بأُمِّها مكَّة سُميت أمُّ القُرْى ؛ لأن الأرضَ دُحِيَتْ من تحتِها.
القصص 28:60
وقولهُ تعالى :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ ؛ تتمتَّعون بها أيَّامَ حياتِكم ثُم تنقطعُ وتفنى وتنقَضِي، ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ ؛ من الثَّواب والجنة، ﴿وَأَبْقَى﴾ ؛ وأدومَ لأهلهِ وأفضلَ مما أُعطِيتُمْ في الدُّنيا، ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ أنَّ الباقي أفضلُ من الفَانِي الذاهب. وَقِيْلَ :﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾ خيرَ الأمرَين فتطلبوهُ وشَرَّ الأمرَين فتتركوهُ. قرأ أبو عمرٍو (أفَلاَ يَعْقِلُونَ) بالياء.
القصص 28:61
وقولهُ تعالى :﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاَقِيهِ كَمَن مَّتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ استفهامُ يعني التقرب، أي كيفَ يستوِي حالُ مَن وَعَدْنَاهُ الثوابَ والجنةَ في الآخرةِ فَهُوَ لاَقِيْهِ، وحالُ من متَّعناهُ بعَرَضِ الدُّنيا، ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ؛ العذابَ.
والمعنى :﴿أَفَمَن وَعَدْنَاهُ﴾ على إيْمانهِ وطاعته الجنةَ والثوابَ الجزيل ﴿فَهُوَ لاَقِيهِ﴾ أي مُدركُهُ ﴿كَمَن مَّتَّعْنَاهُ﴾ أي كمن هو مُمَتَّعٌ بشيءٍ يَفْنَى ويزول عن قريبٍ ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ النارَ. قال قتادةُ :(يَعْنِي الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ، فَالْمُؤْمِنُ سَمِعَ كِتَابَ اللهِ وَصَدَّقَهُ وَآمَنَ بمَوعُودِ اللهِ فِيْهِ، وَلَيْسَ كَالْكَافِرِ الَّذِي تَمَتَّعَ بالدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِيْنَ فِي عَذاب اللهِ)، قال مجاهدُ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيٍّ وَحَمْزَةَ وَأبي جَهْلٍ)، وقال السديُّ :(نَزَلَتْ فِي عَمَّار وَالْوَلِيْدِ بْنِ الْمُغِيْرَةِ).
القصص 28:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ ؛ أي يُنادي اللهُ المشركينَ يومَ القيامةِ، ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا أنَّهم كانوا شُركَائِي، والمعنَى : واذْكُرْ يومَ يُنادَى الكفارُ وهو يومُ القيامةِ فيقولُ أيْنَ شُرَكَائِي في قولِكم، وليس للهِ شريكٌ، ولكن خرجَ هذا الكلامَ على ما كانوا يلفِظُون بهِ، فيقولون : هؤلاءِ شركاءُ الله.
القصص 28:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ ؛ أي الذين حَقَّتْ عليهم كلمةُ العذاب أو وَجَبَ عليهم العذابُ وهم الرُّؤُوسُ :﴿رَبَّنَا هَـاؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَآ﴾ ؛ يَعْنُونَ سَلَفَهُمْ وأتبَاعَهم، ﴿أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ ؛ أي أضْلَلْنَاهُمْ كما ضَلَلْنَا، ﴿تَبَرَّأْنَآ إِلَيْكَ﴾ ؛ منهم، وَقِيْلَ : تَبَرَّأنَا بحمْلِنا إليك الضَّلال، ﴿مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ ما كانوا يعبدُونَنا بإكراهٍ مِن جِهَتِنَا، وَقِيْلَ : ما كانوا يعبدُوننا بحُجَّة ولا استحقاقٍ.
القصص 28:64
وقولهُ تعالى :﴿وَقِيلَ ادْعُواْ شُرَكَآءَكُمْ﴾ ؛ أي يقالُ لَهم : لَستُمْ تُسأَلُونَ عن الإغواءِ والغِوَايَةِ، ولكن ادعُوا آلِهَتَكُمْ حتى يذُودوا عنكم العذابَ، ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ﴾ ؛ أي لَم يُجيبُوهم إلى نصرتهم ﴿وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ﴾ ؛ أي رَأوا كلُّهم القادةُ والأتباعُ العذابَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ جوابُ (لَوْ) محذوفٌ تقديرهُ : لو أنَّهم كانوا يَهْتَدُونَ في الدُّنيا لَمَا رَأوُا العذابَ.
القصص 28:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ﴾ ؛ أي فأُلبسَتْ عليهم الأجوبةُ يومئذٍ، ولَم يَدْرُوا ماذا يقولونَ من الفَزَعِ والتَّحَيُّرِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ ؛ لا يَسْأَلُ بعضُهم بعضاً في تلكَ السَّاعة لردِّ الجواب. وَقِيْلَ : لا يسألُ أحدٌ عن حالِ أحدٍ لانشغال كلِّ واحدٍ منهم بنفسه. وَقِيْلَ : لا يسألُ أحدٌ أحداً أن يَتْرُكَ طاعةً أو يتحمَّلَ عنهُ معصيةً، ومعنى قولهِ تعالى ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي خَفِيَتْ واشتَبهت عليهم الأنباءُ.
القصص 28:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ * فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَـآءُ يَوْمَئِذٍ﴾ ؛ أي فأُلبسَتْ عليهم الأجوبةُ يومئذٍ، ولَم يَدْرُوا ماذا يقولونَ من الفَزَعِ والتَّحَيُّرِ، ﴿فَهُمْ لاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ ؛ لا يَسْأَلُ بعضُهم بعضاً في تلكَ السَّاعة لردِّ الجواب. وَقِيْلَ : لا يسألُ أحدٌ عن حالِ أحدٍ لانشغال كلِّ واحدٍ منهم بنفسه. وَقِيْلَ : لا يسألُ أحدٌ أحداً أن يَتْرُكَ طاعةً أو يتحمَّلَ عنهُ معصيةً، ومعنى قولهِ تعالى ﴿فَعَمِيَتْ﴾ أي خَفِيَتْ واشتَبهت عليهم الأنباءُ.
القصص 28:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ؛ أي مَن تَابَ من الشِّركِ وآمَنَ وصدَّقَ بتوحيد اللهِ وبمُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ أي أدَّى الفرائضَ، ﴿فَعَسَى أَن يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ ؛ أي مِن النَّاجِينَ الفائزينَ.
القصص 28:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ ؛ وذلكَ أنَّ الوليدَ بن المغيرةِ كان يقولُ : لَولاَ نُزِّلَ هَذا الْقُرآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيْمٌ، يعني نفسَهُ وأبا مسعودٍ الثقفيُّ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾ مَن يُنَبَّؤُ للرسالةِ والنُّبوةِ ؛ أي فكما أن الخلقَ إليه يخلقُ ما يشاء، فكذلك الاختيارُ إليهِ في جميع الأمور، فيختارُ مِمَّنْ خَلَقَ ما يشاءُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ؛ ابتداءُ الكلامِ نفيُ الاختيار عن المشركين، وذلك أنَّهم اختَارُوا الوليدَ بن المغيرةِ من مكَّة وأبُو عُرْوَةَ بن مسعودٍ من الطَّائف، فقالَ اللهُ ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ أي ليسَ لَهم الاختيارُ على اللهِ، ثُم نَزَّهَ اللهُ نَفْسَهُ فقالَ :﴿سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ ومن قرأ (وَنَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةَُ) من غيرِ أنْ يَقِفَ على (وَنَخْتَارُ)، جعلَ (مَا) بمعنى الَّذي، كأنَّه قال :
ونَخْتَارُ الذي لَهم الْخِيَرَةُ فيصنعُ بهم ما صَلُحَ لَهم، وأنشدَ محمودُ الورَّاقُ : تَوَكَّلْ عَلَى الرَّحْمَنِ فِي كُلِّ حَاجَةٍ أرَدْتَ فَإنَّ اللهَ يَقْضِي وَيُقَدِّرُمَتَى مَا يُرِيدُ ذُو الْعَرْشِ أمْراً بعَبْدِهِ يُصِبْهُ وَمَا لِلْعَبْدِ مَا يَتَخَيَّرُفَقَدْ يَهْلَكُ الإنْسَانُ مِنْ حَيْثُ أمْنُهُ وَيَنْجُو بحَمْدِ اللهِ من حَيْثُ يَحْذرُ
القصص 28:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ ؛ أي ما تَسْتُرُ من الكفرِ والعداوة لله ولرسولهِ ؛ أي يعلمُ ما تُضْمِرُ قلوبُهم من ذلك، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ بألسِنَتِهم من الكفرِ والمعاصي.
القصص 28:70
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ﴾ ؛ يستحقُّ الحمدَ في الدَّارَين، ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ ؛ أي الفَصْلُ بينَ الخلائقِ ؛ حَكَمَ لأهلِ طاعته بالمغفرةِ، ولأهلِ معصيته بالشَّقاءِ والوَيْلِ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي موضع جَزَائِهِ.
القصص 28:71
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة : أخبرُونِي إنْ جعلَ اللهُ عليكم الليلَ دائماً أبَداً إلى يومِ القيامة، لا نَهار معهُ، ﴿مَنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ﴾ ؛ أي بنَهَارٍ مُضِيءٍ تتصرَّفون فيه وتطلُبون فيه المعيشةَ، ﴿أَفَلاَ تَسْمَعُونَ﴾ ؛ سَماع قَبُولٍ وتَفَهُّمٍ فتستدِلُّون بذلك على توحيدِ الله.
القصص 28:72
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ أي قُل : أخْبرُونِي إنْ جَعَلَ اللهُ عليكم النهارَ دائماً، ﴿مَنْ إِلَـاهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾، تستَريحُونَ فيه من الحركةِ ومن النَّصَب ؟ ﴿أَفلاَ تُبْصِرُونَ﴾ ؛ أدِلَّةَ اللهِ تعالى.
القصص 28:73
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ ؛ أي ومِن نِعْمَتِهِ عليكم أن خَلَقَ لكم الليلَ والنَّهار لتَستَرِيحوا لَيلاً، ولتَنصَرِفوا نَهاراً، والمعنى :﴿لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ أي في اللَّيل، ﴿وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي ولِتَلْتَمِسُوا في النهار من فضلِ الله، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ؛ الذي أنْعَمَ عليكم بهما.
القصص 28:74
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ؛ فقد تقدَّم تفسيرهُ.
القصص 28:75
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ ؛ أي وأخرَجْنا من كلِّ أُمَّةٍ رسُولَها الذي يشهدُ عليهم بالتبليغِ وما كان منهم، ﴿فَقُلْنَا هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ ؛ أي فقُلْنَا للمَشهُودِ عليهم :﴿هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ أي حُجَّتَكُمْ بأنَّ معي شَريكاً، ﴿فَعَلِمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ ؛ أي أنَّ التوحيدَ للهِ، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي زالَ عنهم وبَطَلَ في الآخرةِ، ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من قولِهم : إنَّ مع اللهِ شريكاً.
القصص 28:76
قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ قال أكثرُ المفسِّرين : كان قارونُ ابنَ عمِّ موسَى من بني إسرائيلَ، وكان مِن العلماءِ بالتَّوراةِ. وقال بعضُهم كان ابنَ خَالَتِهِ. وقولهُ تعالى ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ أي بكَثْرَةِ مالهِ، والمعنى : أنه تَطَاوَلَ على موسَى وقومه وجاوزَ الحدَّ في التَّكَبُّرِ عليهم. والبَغْيُ في اللغة : طَلَبُ الْعُلُوِّ بغيرِ حَقٍّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوَّةِ﴾ أي أعطيناهُ من الأموالِ الْمَجموعَةِ ما إنَّ مَفَاتِحَهُ، قال ابنُ عبَّاس :(أرَادَ بالْمَفَاتِحِ الْخَزَائِنَ، كَانَتْ خَزَائِنُهُ لِتَثْقَلُ بالْجَمَاعَةِ ذوي الْقُوَّةِ إذا حَمَلُوهَا).
قال بعضُهم : هو جمعُ مِفْتَاحٍ ؛ وهو ما يُفْتَحُ به البابُ، وهذا قولُ قتادةَ ومجاهد. وَقِيْلَ : مفاتحُ جمع مِفْتَحٍ بكسرِ الميم وهي المفتاحُ، فجمعهُ مفاتيحُ. قال خَيَثَمَةُ :(كَانَتْ مَفَاتِيْحُ قَارُونَ مِنْ جُلُودٍ، كُلُّ مِفْتَاحٍ مِثْلُ الإصْبَعِ، مِفْتَاحُ كُلِّ خِزَانَةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَإذا رَكِبَ حَمَلَ الْمَفَاتِيحَ عَلَى سِتِّيْنَ بَغْلاً). وقال ابنُ عبَّاس :(كَانَ يَحْمِلُ مَفَاتِيْحَهُ أرْبَعُونَ رَجُلاً أقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الرِّجَالِ).
ومعنى قولهِ تعالى ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ وإنَّما العُصْبَةُ تَنُوءُ بالمفاتيحِ ؛ أي يثقُلُ في حَملِها، قِيْلَ : هذا شائعٌ في الكلامِ كما يقالُ : عَرَضَتِ الناقةُ على الحوضِ، وإنَّما يعرضُ الحوض عليها، ولا تعرضُ الناقةُ على الماءِ. والكَنْزُ في اللُّغة : اسمٌ لِلمَالِ الذي يُجْمَعُ بعضهُ على بعضٍ، وإذا أُطْلِقُ أُريدَ به ما يُخَبَّأُ تحتَ الأرضِ.
وقال خَيْثَمَةُ :(وَجَدْتُ فِي الإنْجِيْلِ : أنَّ مَفَاتِيْحَ خَزَائِنِ قًارُونَ وقرُ سِتِّينَ بَغْلاً غُرّاً مُحَجَّلَةً). وَقِيْلَ : إنَّها كانت من جُلودِ الإبلِ، وكانت من حديدٍ، فلما ثَقُلَتْ عليه جُعلَتْ من خَشَبٍ، فلما ثَقُلَتْ عليه جُعلت من جُلودٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ﴾ ؛ قال له قومهُ مِن المؤمنين من بني إسرائيل : لا تَفْرَحْ بالكُنُوزِ والمالِ ولا تَأْشَرْ ولا تَبْطَرْ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ؛ أي الأَشِرِيْنَ البَطِرِيْنَ الذين لا يشكُرونَ اللهَ على ما أعطاهم. والفَرَحُ إذا أُطْلِقَ أُريدَ الْمَزْحُ الذي يخرجُ إلى البَطَرِ، ولذلكَ قالَ :﴿لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾، وقال﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾[هود: ١٠]، وأما قولهُ﴿فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾[آل عمران: ١٧٠] فهو بهدايَةِ النَّفسِ وهو حسنٌ جميل، قال الشاعرُ : وَلَسْتُ بمِفْراحٍ إذا الدَّهْرُ سَرَّنِي وَلاَ جَازعٍ مِنْ صَرْفَهِ الْمُتَقَلَّب
القصص 28:77
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَابْتَغِ فِيمَآ آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ ؛ أي واطلُبْ فيما أعطاكَ اللهُ من الأموالِ والنِّعمةِ الجنَّةَ، وهو أن يقومَ بشُكْرِ اللهِ فيما أنعمَ اللهُ ويُنْفِقَهُ في رضَا اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي ولا تَنْسَ لتعمَلَ لآخرتِكَ، وقال الحسنُ (أنْ يُقَدِّمَ الْفَضْلَ وَأنْ يُمْسِكَ مَا يُغْنِيْهِ).
وقولهُ :﴿وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي أحْسِنْ إلى الفُقراءِ والمساكين، كَمَا أحْسَنَ اللهُ إلَيْكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : أطِعِ اللهَ واعْبُدْهُ كما أنعمَ عليكَ، ﴿وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ولا تَعْمَلْ في الأرضِ بالمعاصِي ومخالفةِ موسى عليه السلام، ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
القصص 28:78
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾، قال عطاءُ :(فَكَفَرَ قَارُونُ لَمَّا رَأى أنَّ الْمَالَ حَصَلََ لَهُ بعِلْمِهِ وَلَمْ يَرَ ذلِكَ مِنْ عَطَاءِ اللهِ). والمعنى : قال قارونُ : إنَّما أعطيتُ هذا المالَ على عِلْمٍ عندي بوجوهِ الاكتساب والتِّجارات لا يعلمُها أحدٌ غيرِي.
وَقِيْلَ : معناهُ : على عِلْمٍ عندي يعني لفَضْلِ عِلمِي، فكنتُ أهلاً لِمَا أُعطِيتهُ، وكان أقرأهم للتوراةِ، والمعنى : فضَّلَنِي اللهُ عليكم بهذا المالِ، لفَضْلِي عليكم بالعلمِ، يعني علمَ الكيمياءِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ ؛ معناهُ :﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ﴾ هذا المسكينُ الذي قد أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وما مَلَكَ من الدُّنيا يعني قارونَ ﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ﴾ بالعذاب ﴿مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ حين كذبوا رسولَهُ ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً﴾ ﴿وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ ؛ للمالِ والْخَدَمِ والْحَشَمِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ معناهُ : لا يُسْئَلُ الْمُجرمونَ عن ذُنوبهم في الآخرةِ، فإنَّهم يُعرَفُونَ بسِيمَاهُمْ. قال قتادةُ :(إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ النَّارَ بغَيْرِ حِسَابٍ).
وأما قوله تعالى﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الحجر: ٩٢] فإنَّهم يُسئَلُونَ سُؤالَ تَقْرِيْعٍ وتَوْبيْخٍ، كما قال الحسنُ في معنى هذه الآيةِ (أنَّهُمْ لاَ يُسْئَلُونَ سُؤَالَ الاخْتِيَار لِيَعْلَمَ ذلِكَ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَإنَّمَا يُسْئَلُونَ سُؤَالَ التَّوْبيْخِ وَالْمُنَاقَشَةِ).
القصص 28:79
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ؛ قال السديُّ :(خَرَجَ فِي جَوَارٍ بيْضٍ : عَلَى سُرُوجٍ مِنْ ذهَبٍ ؛ عَلَى قِطَفِ أُرْجُوَانٍ ؛ " وَهُنَّ " عَلَى بغَالٍ بيْضٍ عَلَيْهُنَّ ثِيَابٌ حُمْرٌ وَحُلِيٌّ مِن ذهَبٍ). وقال مقاتلُ :(خَرَجَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ عَلَيْهَا سَرْجٌ مِنْ ذهَبٍ عَلَيْهِ الأُرْجُوَانُ، وَمَعَهُ أرْبَعَةُ آلاَفِ فَارسٍ عَلَى الْخَيْلِ، عَلَيْهِمْ وَعَلَى دَوَابهِمُ الأُرْجُوَانُ، وَمَعَهُ ألْفُ جَاريَةٍ عَلَى بغَالٍ شُهْبٍ سُرُوجُهُنَّ الذهَبُ ؛ وَلِبَاسُهُنَّ أُرْجُوَانٌ أحْمَرُ، عَلَيْهِنَّ الْحِلِيَّ وَالْحُلَلَ).
وقال ابن زَيدٍ :(خَرَجَ فِي سَبْعِيْنَ ألْفاً عَلَيْهِمُ الْمُعَصْفَرَاتُ). وهذا معنَى الْحَسَنِ في ثِيَابٍ صُفْرٍ. قال الزجَّاجُ :(الأُرْجُوَانُ فِي اللُّغَةِ صَبْغٌ أحْمَرُ، فرُوي أنه كان عليهم وعلى خُيولِهم الدِّيباجُ الأحمرُ)، قال :(وكَانَ ذلِكَ أوَّلَ يَوْمٍ رُؤيَتِ الْمُعَصْفَرَاتُ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ؛ أي قال مُؤمِنُوا أهلِ ذلك الزَّمانِ لَمَّا رأوا تلكَ الزينةَ والجمالَ، ﴿يالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِيَ قَارُونُ﴾ ؛ من المالِ، ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ؛ أي ذُو نَصِيبٍ وافرٍ من الدُّنيا، وكان الذين تَمَنَّوا هذه الأُمْنِيَةَ القومُ الذين يرغَبُون في الدُّنيا ويتمَنَّونَها.
القصص 28:80
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ ؛ أي قال العلماءُ العاملونَ الرَّاغبون في الآخرةِ للَّذينَ تَمَنَّوا ما أُوتِيَ قارونُ :(وَيْلَكُمْ! ثَوَابُ الله خَيْرٌ) أي ارْتَدِعُوا عن مقالَتِكم ؛ فإنَّ ثوابَ اللهِ في الآخرة خيرٌ لِمن آمَنَ وعَمِلَ صالحاً، وقامَ بالفرائضِ خيرٌ مما أُعِطَي قارونُ في الدُّنيا، وخيرٌ مِن الدُّنيا وما فيها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الصَّابِرُونَ﴾ ؛ أي لاَ يؤتَى الأعمالَ الصالحة، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَمِلَ صَالِحاً﴾[الفرقان: ٧١]، وقال الكلبيُّ :(وَلاَ يُعْطَاهَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ الصَّابرونَ عَلَى أمْرِ اللهِ) أي الْجَنَّةَ، يدلُّ عليه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثَوَابُ اللَّهِ﴾.
القصص 28:81
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ ؛ أي فخَسَفْنَا بقارونَ وقَصْرِهِ الذي بَنَاهُ عقوبةً له على كُفرهِ، وذلك أنَّهُ لَمَّا أضافَ النِّعَمَ التي أعطاهُ اللهُ إياها إلى فعلِ نفسه وعملهِ، ولَم يَنْسِبْهَا بتَسهِيل اللهِ ذلكَ عليهِ ؛ صارَ كافراً بنِعَمِ اللهِ.
وَقِيْلَ في سَبَب خسفهِ : أنه لَمَّا حَسَدَ موسى وهارونَ دعَا امرأةً ذاتَ جمالِ معروفةً بالفُجُور، وجعلَ لَها ألفَ دِرهَم - وَقِيْلَ : ألْفَ مِثْقَالٍ - وقالَ لَها : إنِّي أخلِطُكِ بنسائي على أن تَقذِفِي موسَى بنفسكِ غداً إذا حَضَرَ بنُو إسرائيلَ، وتذْكُري أنه راوَدَكِ عن نفسكِ! فأجابَتْ قارونَ إلى ذلك، فلمَّا كان مِن الغَدِ، جَمَعَ قارونُ بني إسرائيلَ، ثُم أتَى مُوسَى فقال لهُ : إنَّ بني إسرائيلَ قد اجتمَعُوا ينظرونَ خُروجَهم لتَأْمُرَهم وتَنْهَاهُمْ.
فخرجَ مُوسَى فقامَ فيهم يَعِظُهُمْ ويأمُرُهُمْ بالمعروفِ ويناهم عن الْمُنْكَرِ، قالَ : يَا بَنِي إسْرَائِيْلَ ؛ مَنْ سَرَقَ قَطَعْنَاهُ، وَمَنِ افْتَرَى جَلَدْنَاهُ ثَمَانِيْنَ، وَمَنْ زَنَى وَلَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ جَلَدْنَاهُ مِائَةً، وَمَنْ زَنَى وَلَهُ امْرَأةٌ رَجَمْنَاهُ حَتَّى يَمُوتَ. قال قارونُ : وإنْ كُنْتَ أنْتَ؟! قالَ : وإنْ كُنْتُ أنَا. قال : فإنَّ بني إسرائيلَ يَزعُمُونَ أنَّكَ فَجَرْتَ بفُلانَةٍ! فقال مُوسَى : ادْعُوهَا، فَدَعَوْهَا وقد ألْهَمَها اللهُ التوبةَ والتوفيقَ، فقالت في نفسِها : لإنْ أُحْدِثَ الْيَوْمَ تَوْبَةً خَيْرٌ مِنْ أنْ يُؤْذى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
فجَاءوا بها وقد عَقَدوا مَجلِساً استَحْضَرَ فيه قارونُ الخاصَّ والعامَّ، فقال قارونُ للمرأةِ : ما تَقُولِيْنَ ؟ قالت : يَا وَيْلاَهُ! قَدْ عَمِلْتُ كُلَّ فَاحِشَةٍ، وما بَقِيَ إلاَّ أنْ أفْتَرِي على نَبيِّ اللهِ ﷺ، وأنَا أبْرَأُ إلى اللهِ مِن ذلكَ.
ثُم أخْرَجَتْ خَريطَتين مَملُوءَتين دَرَاهِمَ وعليهما خاتَمُ قارونَ، فقالَتْ : يا أيُّها الْمَلأُ ؛ إنَّ قارونَ أعطانِي هَاتَين الخريطتَين على أنْ آتِي جماعتَكم فأَزْعُمَ أنَّ موسى رَاودَنِي عن نفسِي، ومَعَاذ اللهِ أنْ افْتَرِيَ على نبيِّ الله، وأنا أبْرَأُ إلى اللهِ مِن ذلك وهذهِ دراهِمهُ وعليها خاتَمهُ.
فعَرَفَ بنُو إسرائيلَ خاتَم قارونَ، فَافْتُضِحَ قارونُ بين أولئِكَ القومِ، وغَضِبَ مُوسَى عليه السلام فَخَرَّ ساجداً يَبْكِي وهو يقولُ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْتُ رسُولَكَ فَاغْضَبْ لِي.
فأوحَى اللهُ إليه أنِّي قد أمَرْتُ الأرضَ تُطِيعُكَ فَمُرْهَا بما شِئْتَ، فقال مُوسَى عليه السلام : يا أرضُ خُذِيْهِ، فأخذتْهُ إلى كَعْبهِ، ثُم قَالَ : يا أرضُ خُذِيهِ، فأخذتهُ إلى رُكبَتيهِ، فَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ، فقالَ : يا أرضُ خُذِيهِ، فأخذتْهُ حتى غَيَّبَتْ حِقْوَتَهُ، فتضرَّعَ إلى مُوسَى وناشدَهُ الرَّحِمَ، فلَمْ يسمَعْ تَضرُّعَهُ، فقالَ : يا أرضُ خُذِيهِ، فأخذْتْهُ حتى غَيَّبَتْهُ.
فرُوي أنهُ استغاثَ بموسَى وناشدَهُ سبعينَ مرَّة، فلَمْ يلتفِتْ موسَى إلى ذلكَ، فأوحَى اللهُ إلى موسى : ما أفَظَّكَ وأغلَظَ قلبَكَ! استغاثَ بكَ قارونُ سبعين مرَّةً فلم ترحَمْهُ ولَم تُغِثْهُ، وعِزَّتِي وجَلالِي لوِ استغاثَ بي لأغثتهُ، ولو دعانِي لوجدَنِي قريباً مُجيباً.
القصص 28:82
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْاْ مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ ؛ أي أصبحَ الذين تَمَنَّوا منْزِلتَهُ ومالَهُ بالأمسِ حين رأوهُ في زينتهِ يندَمُون على ذلك التَّمَنِّي، يقول بعضُهم لبعضٍ بعد ما خُسِفَ به (وَيْ) هذه كلمةُ تَنْبيْهٍ ومعناها : أمَا تَرَوْنَ؟.
قال مجاهدُ :(وَسَبيْلُهَا سَبيْلُ : أمَا تَعْلَمُ) وَيُحْكَى أنَّ امْرَأةً مِنَ الْعَرَب قَالَ لَهَا زَوْجُهَا : أيْنَ أبُوكِ، قَالَتْ : لَهُ وَيْكَأَنَّهُ وَرَاءَ هَذا الْبَيْتِ، يعني أما ترَى أنه رواءَ هذا البيتِ.
وذهبَ بعض النَّحوِيِّين إلى أنَّ قولَ الرجُل : وَيْكَأَنَّهُ، بمنْزِلة : وَيْلَكَ إعْلَمْ. وقال الخليلُ ويونسُُ :(وَيْ مَفْصَُولَةٌ مِنْ كَأنَّ، وَ(وَيْ) كلمةُ تَنَدُّمٍ وَتَنْبيْهٍ، وَ(كَأنَّ) فِي هَذا الْمَوْضِعِ بمَعْنَى الظَّنِّ وَالْعِلْمِ) كأنَّهُم لَمَّا رأوا الخسفَ تكلَّمُوا على قدر عِلمِهم، وقالوا : كأنَّ اللهُ يبسطُ الرِّزقَ لِمن يشاءُ لا لكرامتهِ عليه، ويضيِّقُ على مَن يشاءُ لا لِهوانهِ عليه.
وقولهُ تعالى :﴿لَوْلا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ ؛ أي لَولاَ أن مَنَّ اللهُ علينا بالعافيةِ والرَّحمةِ والإيْمانِ لَخُسِفَ بنا. وقرأ يعقوبُ وحفص :(لَخَسَفَ) بفتح الخاءِ والسِّين ؛ أي لَخَسَفَ اللهُ بنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيْكَأَنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ أي أمَا ترَى أنه لاَ يُسْعَدُ من كَفَرَ باللهِ.
القصص 28:83
قًَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَاداً﴾ ؛ المرادُ بالدَّار الْجَنَّةُ، ﴿نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً﴾ على خَلْقِي ﴿فِي الأَرْضِ﴾ ولَم يتكَبَّروا كما تَكَبَّرَ قارونُ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ فَسَاداً﴾ أي ولا دُعاءً إلى عبادةِ غيرِ الله. وَقِيْلَ : ولا فَسَاداً ولا عمَلاً بالمعاصِي. وَقِيْلَ : هو أخذُ المالِ بغيرِ الحقِّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ؛ أي العاقبةُ الحميدة لِمَنِ اتَّقَى عقابَ اللهِ بأداء فرائضهِ واجتناب معاصيهِ. وَقِيْلَ : الذين يَتَّقُونَ الكفرَ والعُلُوَّ والفسادَ.
وعن كعبٍ رضي الله عنه أنه قال :" " يُحْشَرُ الْمُتَكَبرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالذرِّ فِي صُوَر الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، يَسْلُكُونَ فِي النَّار وَيُسْقَوْنَ مِنْ طِيْنَةِ الْخَبَالِ " قِيْلَ : وَمَا طِيْنَةُ الْخَبَالِ ؟ قًَالَ :" عُصَارَةُ أهْلِ النَّارِ " والمرادُ بالتَّكَبُّرِ : أنْ يكون التكبُّرُ لأمرٍ يرجعُ إلى الدُّنيا، فإمَّا يكون مِن ذلك لإزالةِ المنكَرِ وإقامةِ حَقٍّ من حقوقِ الله، فلا يكونُ ذلكَ من التَّكَبُّرِ في شيءٍ، وإنَّما هو تَمَسُّكٌ بالدِّينِ.
القصص 28:84
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، ﴿وَمَن جَآءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي ومَن جاءَ بالسَّيئَةِ فلا يُزاد في عقوبتهِ أكثرَ مِما يستحقُّهُ. والمعنى : أنَّ الذين أشْرَكُوا يُجْزَوْنَ بما كانوا يعملونَ من الشِّركِ وجزاؤُهم النارُ.
القصص 28:85
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذي فَرَضَ عليك العملَ بالقُرْآنِ لرَادُّكَ إلى بَلَدِكَ يعني مكَّة، فإنَّ مَعَادَ الرجُلِ بَلَدُهُ. وَقِيْلَ : معناهُ :(إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) أي أنْزَلَ عليكَ القُرْآنَ. وقال الزجَّاجُ :(فَرَضَ عَلَيْكَ الْعَمَلَ بمَا يُوجِبُهُ الْقُرْآنُ). تقديرُ الكلامِ : فَرَضَ عليكَ أحكَامَ القُرْآنِ أو فرائضَ القُرْآنِ ﴿لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يعني مكَّة.
قال مقاتلُ :" خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ إلَى الْغَار لَيْلاً، ثُمَّ هَاجَرَ مِنْ وَجْهِهِ ذلِكَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَسَافَرَ فِي غَيْرِ طَرِيْقٍ مَخَافَةَ الطَّلَب، فَلَمَّا أمِنَ رَجَعَ إلَى الطَّرِيْقِ، فَنَزَلَ بالْجُحْفَةِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِيْنَةَ، وَعَرَفَ الطَّرِيْقَ إلَى مَكَّةَ فَاشْتَاقَ إلَيْهَا، وَذَكَرَ مَوْلِدَهُ وَمَوْلِدَ آبَائِهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيْلُ فَقَالَ لَهُ : أتَشْتَاقُ إلَى بَلَدِكَ وَمَوْلِدِكَ ؟ قَالَ :" نَعَمْ " قَالَ جِبْرِيْلُ : فََإنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَآدُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ يَعْنِي إلَى مَكَّةَ ظَاهِراً عَلَيْهَا "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بالْجُحْفَةِ، فَلَيْسَتْ بمَكِّيَّةٍ وَلاَ مَدَنِيَّةٍ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَآءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ هذا جوابُ كُفار مكَّة لَمَّا قالوا للنبيِّ ﷺ : إنَّكَ في ضلالٍ مُبين! يعني المشركينَ. والمعنى : إنَّ الله قد عَلِمَ أنِّي جئتُ بالْهُدَى وإنَّكم لَفِي ضلالٍ مُبين.
القصص 28:86
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ معناهُ : ما كنتَ يا مُحَمَّدُ تَرْجُو أنْ يُوحَى إليكَ القُرْآنُ وأنك تكونُ نَبيّاً تتلُو على أهلِ مكَّة قَصَصَ الأوَّلين، إلاَّ أنَّ ربَّكَ رحِمَكَ وأرادَ بك الخيرَ، فأوحَى إليك الكتابَ وأكرمَكَ بالنبوَّة نعمةً منهُ عليكَ، ﴿فَلاَ تَكُونَنَّ ظَهيراً﴾ ؛ أي عَوْناً ﴿لِّلْكَافِرِينَ﴾ ؛ على دِينهم، وذلك حين دَعَوْهُ إلى دِين آبائهِ فذكَّرَهُ اللهُ النعمةَ. ونَهاهُ عن مُظاهرَتِهم على ما كانوا عليه وأمَرَهُ بالتَّحذُر منهم.
القصص 28:87
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ ؛ أي لا يَصْرِفَنَّكَ عن العملِ بآيات الله بعدَ إذْ أُنْزِلَتْ إليكَ، ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ ؛ أي إلى طاعتهِ، ﴿وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(الْخِطَابُ لِلنَّبيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ بهِ أهْلُ دِيْنِهِ) أي لا تُظاهِرُوا الكفَّارَ ولا توافِقُوهم.
القصص 28:88
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَـاهاً آخَرَ﴾ ؛ أي لا تَعْبُدُ أحَداً سِوَى اللهِ ولا تَدْعُ الْخَلْقَ إلى أحدٍ دون اللهِ، وقولهُ تعالى :﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ؛ لا معبودَ سِوَاهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ؛ أي إلاَّ هو. وانتصبَ قولهُ (وَجْهَهُ) على الاستثناءِ كأنه قالَ : إلاّ إيَّاهُ، وقال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إلاَّ مَا أُريْدَ بهِ وَجْهَهُ، وَكُلُّ عَمَلٍ لِغَيْرِهِ فَهُوَ هَالِكٌ إلاَّ مَا كَانَ لَهُ).
وقولهُ تعالى :﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ ؛ أي الْفَصْلُ بين الخلائقِ دونَ غيرهِ، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ فيجزِيَكم بأعمالِكم، واللهُ أعلَمُ بالصَّواب وإليه المرجِعُ والْمَآبُ.
العنكبوت 29:1
﴿الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ (ألم). فمَن جعلَ هذه الحروفَ التي في أوائلِ السُّورة قَسَماً، احتملَ أن يكون جوابُ القَسَمِ في قولهِ :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾[العنكبوت: ٣] ؛ واحتملَ أن يكون﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾[العنكبوت: ٣].
وقولهُ تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ لفظةُ استخبارٍ، ومعناهُ التوبيخُ والتقرير، كأنه قالَ : أظَنُّوا أن نقنَعَ منهم بأنْ يقولُوا آمَنَّا فقط ولا يُمتَحَنُونَ بالأوامرِ والنَّواهي والتَّكليفِ، ولا يُختَبَرُونَ بما يعلم أنه صِدْقُ إيْمانِهم.
قال الحسنُ رضي الله عنه :(سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمَّا أُصِيْبَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتِ الْكَرَّةُ عَلَيْهِمْ، عَيَّرَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بذلِكَ، فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). قال السديُّ وقتادة ومجاهدُ :(مَعْنَاهُ : أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُواْ أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) فِي أمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ بالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيْب).
وقال مقاتلُ :( " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَهْجَعِ بْنِ عَبْدِاللهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه وَكَانَ أوَّلَ قَتِيْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يَوْمَ بَدْرٍ، رَمَاهُ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ بسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبيُّ :" سَيِّدُ الشُّّهَدَاءِ مَهْجَعُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلى بَاب الْجَنَّةِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ " فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَوَاهُ وَامْرَأتَهُ "، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ وَأخْبَرَ أنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْبَلاَءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ذاتِ اللهِ).
العنكبوت 29:2
﴿الـم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ (ألم). فمَن جعلَ هذه الحروفَ التي في أوائلِ السُّورة قَسَماً، احتملَ أن يكون جوابُ القَسَمِ في قولهِ :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾[العنكبوت: ٣] ؛ واحتملَ أن يكون﴿فَلَيَعْلَمَنَّ﴾[العنكبوت: ٣].
وقولهُ تعالى :﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾ لفظةُ استخبارٍ، ومعناهُ التوبيخُ والتقرير، كأنه قالَ : أظَنُّوا أن نقنَعَ منهم بأنْ يقولُوا آمَنَّا فقط ولا يُمتَحَنُونَ بالأوامرِ والنَّواهي والتَّكليفِ، ولا يُختَبَرُونَ بما يعلم أنه صِدْقُ إيْمانِهم.
قال الحسنُ رضي الله عنه :(سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لَمَّا أُصِيْبَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَتِ الْكَرَّةُ عَلَيْهِمْ، عَيَّرَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بذلِكَ، فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). قال السديُّ وقتادة ومجاهدُ :(مَعْنَاهُ : أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُواْ أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ) فِي أمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ بالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيْب).
وقال مقاتلُ :( " نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي مَهْجَعِ بْنِ عَبْدِاللهِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب رضي الله عنه وَكَانَ أوَّلَ قَتِيْلٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يَوْمَ بَدْرٍ، رَمَاهُ عَامِرُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ بسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّبيُّ :" سَيِّدُ الشُّّهَدَاءِ مَهْجَعُ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلى بَاب الْجَنَّةِ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ " فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَوَاهُ وَامْرَأتَهُ "، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ وَأخْبَرَ أنَّهُ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْبَلاَءِ وَالْمَشَقَّةِ فِي ذاتِ اللهِ).
العنكبوت 29:3
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ فيه تَسْلِيَةٌ للمؤمنينَ، معناهُ : ولقد امْتَحَنَّا الذين مِن قَبْلِهم، ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الصادقَ بوقوعِ صِدْقِهِ منه بالصَّبرِ على ما يُؤْمَرُ به، والكاذبَ بوقُوعِ كَذِبٍ منهُ وَالْجَزَعِ والمخالفةِ في القِتَالِ الذي يُؤمَرُ به، فاللهُ تعالى قد عَلِمَ الصادقَ مِن الكاذب قَبْلَ أنْ يخلُقَهم، ولكن القصدَ من الآية قصدُ وُقُوعِ العلمِ بما يُجازَى عليه ؛ لأنَّ عِلْمَ الشَّهادةِ هو الذي يجبُ به الجزاء، فأما عِلْمُ الغيب قَبْلَ وقُوعهِ فلا يحلُّ به الجزاءُ.
وقال ابنُ عبَّاس رضي الله عنه :(وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْهُمْ إبْرَاهِيْمُ الْخَلِيلُ عليه السلام ابْتُلِيَ بالنَّمْرُودِ، وَمِنْهُمْ قَوْمٌ بَعْدَهُ نُشِرُواْ بالْمَنَاشِيْرِ عَلَى دِيْنِ اللهِ فَلَمْ يَرْجِعُواْ عَنْهُ). وقال بعضُهم : يعني بَنِي إسرائيلَ ابْتُلُوا بفرعونَ فكان يسُومُهم سوءَ العذاب.
العنكبوت 29:4
قولهُ :﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ معناهُ : أظَنُّوا ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ يعني الشِّركَ، قال ابنُ عبَّاس :(يَعْنِي الْوَلِيْدَ بْنَ الْمُغِيْرَةِ وَأبَا جَهْلٍ وَالأَسْوَدَ وَالْعَاصَ بْنَ هِشَامٍ وَغَيْرَهُمْ). ﴿أَن يَسْبِقُونَا﴾ أي أن يَفُوتُونَا ويُعجِزُونا ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ أي بئْسَ ما حَكَمُوا لأنفُسِهم حين ظَنُّوا ذلك.
وَقِيْلَ : إنَّ هذه الآية نزلت في عُتْبَةَ بنِ رَبيْعَةَ وأخيهِ شَيْبَةَ، وفي الوليدِ بن عُتبةَ وغير الذين بَارَزُوا عَلِيّاً وحمزةَ وعُبيدةَ بن الحارثِ يومَ بَدْرٍ، فقُتِلُوا على أيديهم يومئذٍ.
العنكبوت 29:5
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَآءَ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن كان يطمعُ في الثَّواب ويخشَى العقابَ ويخافُ الحسابَ، فَلْيُبَادِرْ إلى طاعةِ الله قبلَ الموتِ، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾ ؛ أي فإن أجلَ الموت لآتٍ لِمن يرجُو، ولِمن لا يرجو، وإنَّ ثوابَ العملِ الصالح لقريبٌ ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ ؛ لِمقالَةِ الكُفَّار والمؤمنين، ﴿الْعَلِيمُ﴾ ؛ بما يستحقُّه كلُّ واحد منهم وَقِيْلَ : إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ قَالَ :" يَا عَلِيَّ ؛ يَا فَاطِمَةَ : إنَّ اللهَ قَدْ أنْزَلَ : مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإنَّ أجَلَ اللهِ لآتٍ، وََإنَّ حَقِيْقَةَ رَجَاءِ لِقَاءِ اللهِ أنْ يَسْتَعِدَّ الإنْسَانُ لأَجَلِ اللهِ إذا كَانَ آتِياً باتِّبَاعِ طَاعَتِهِ وَاجْتِنَاب مَعَاصِيهِ ".
العنكبوت 29:6
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن يعملُ الخيرَ فإنَّما يعملُ لنفسهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن أعمَالِهم وعبادتِهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ؛ بالإيْمانِ والتوبةِ، ومعنى ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي لنبطلنَّها حتى كأنَّها لَم تُعْمَلْ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي نَجزيهم بأحْسَنِ أعمالِهِم وهي الطاعةُ، ولا نَجزيهم بمساوئ أعمَالِهم.
العنكبوت 29:7
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن يعملُ الخيرَ فإنَّما يعملُ لنفسهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي عن أعمَالِهم وعبادتِهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ ؛ بالإيْمانِ والتوبةِ، ومعنى ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي لنبطلنَّها حتى كأنَّها لَم تُعْمَلْ، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي نَجزيهم بأحْسَنِ أعمالِهِم وهي الطاعةُ، ولا نَجزيهم بمساوئ أعمَالِهم.
العنكبوت 29:8
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَآ﴾ ؛ نزلت هذه الآيةُ في سعدِ بن أبي وقَّاص، وكان بارّاً بأُمه، فلما أسْلَمَ قَالَتْ لَهُ أُمُّهُ حُمْنَةُ بنتُ أبي سُفيانَ بنِ أُميَّة : يَا سَعْدَ ؛ بَلَغَنِي أنَّكَ قَدْ صَبَأْتَ! فَوَاللهِ لاَ يُظِلُّنِي سَقْفُ بَيْتٍ، وَإنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
فَأَبَى سَعْدٌ عَلَيْهَا، وَبَقِيَتْ هِيَ لاَ تَأْكُلُ وَلاَ تَشْرَبُ وَلاَ تَسْتَظِلُّ بشَيْءٍ، فَمَكَثَتْ يَوْماً وَلَيْلَةً لاَ تَأْكُلُ، فَأَصْبَحَتْ قَدْ جَهِدَتْ ثُمَّ مَكَثَتْ يَوْماً وَلَيْلَةً أُخْرَى لاَ تَأْكُلُ وَقَالَتْ : يَا سَعْدَ لَتَدَعَنَّ دِيْنِكَ هَذِهِ أوْ لاَ آكُلَ وَلاَ أشْرَبَ حَتَّى أمُوتَ فَتُعَيَّرُ بي، فَيُقَالُ : يَا قَاتِلَ أُمِّهِ! فَقَالَ سَعْدٌ : يَا أُمَّاهُ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْساً نَفْساً مَا تَرَكْتُ دِيْنِي هَذا لِشَيْءٍ، فَإنْ شِئْتِ أنْ تَأْكُلِي، وَإنْ شِئْتِ فَلاَ تَأْكُلِي. فَلَمَّا رَأتْ ذلِكَ أكَلَتْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
ومعناها : ووصَّينا الإنسانَ بالبرِّ والإحسانِ إلى وَالِدَيهِ وقُلنا له : وإنْ طَلَبَا منكَ أن تُشْرِكَ بي ما ليسَ لك بهِ عِلْمٌ فلا تُطِعْهُمَا، فإنَّ طاعتَهما في الإشْرَاكِ والمعصيةِ " ليس " من باب الحسن، بل هي قبيحةٌ. قال رسولُ اللهِ ﷺ :" لاَ طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ ".
وقولهُ تعالى :﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ مُنْقَلَبُكُمْ في الآخرةِ، ﴿فَأُنَبِّئُكُم﴾ ؛ فأُخبرُكم، ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من الخيرِ والشرِّ والبرِّ والعُقوقِ.
واختلفَ النُّحاةُ في نصب قولهِ ﴿حُسْناً﴾، فقال البصرِيُّون : بنَزْعِ الخافضِ ؛ تقديرهُ : ووصَّينا الإنسانَ بالْحُسْنِ، كما يقالُ : وَصِّيهِ خَيْراً ؛ أي بخَيْرٍ، وقال الكوفِيُّون : ووصَّينا الإنسانَ أن يفعلَ حُسناً، فحذفَهُ لدلالةِ الكلام عليه. وَقِيْلَ : هو مثلُ قولهِ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً﴾[ص: ٣٣] أي يمَسْحُ مَسْحاً. وَقِيْلَ : معناهُ : ألْزَمْنَاهُ حُسناً. وقرأ أبو رجَاءٍ :(حَسَناً) بفتح الحاء والسين، وفي مُصحَفِ أُبَيٍّ :(إحْسَاناً).
العنكبوت 29:9
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾ أي في زُمرَةِ الأنبياءِ والأولياء، وَقِيْلَ : خواصِّ أصحاب مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
العنكبوت 29:10
قولهُ :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ؛ رُوي أنَّ هذه الآيةَ نزلت في عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، كَانَ أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أُمِّهِ وَأخَوَيْهِ لأُمِّهِ وَهُمَا أبُو جَهْلٍ وَالْحَارثِ.
فَخَرَجَ عَيَّاشُ بَعْدَ مَا أعْلَنَ إسْلاَمَهُ هَارباً إلَى الْمَدِيْنَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبيِّ صلى الله عيله وسلم، وَبَلَغَ أُمَّهُ الْخَبَرَ فَجَزِعَتْ جَزَعاً شَدِيْداً، وَامْتَنَعَتْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرََاب، فَخَرَجَ أخَوَاهُ وَقَوْمَهُ فِي طَلَبهِ، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ، وَحَلَفَتْ أُمُّهُ أسْمَاءُ بنْتُ مَخْرَمِ بْنِ أبي جَنْدَلٍ باللهِ : لاَ أحُلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بالسِّيَاطِ وَتُعَذِّبُهُ حَتَّى كَفَرَ جَزَعاً مِنَ الضَّرْب، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قال مقاتلُ والكلبيُّ :(لَمَّا هَاجَرَ عَيَّاشُ إلَى الْمَدِيْنَةِ خَوْفاً مِنْ أُمِّهِ وَأخَوَيْهِ، حَلَفَتْ أُمُّهُ أسْمَاءُ بنْتُ مَخْرَمِ بْنِ أبي جَنْدَلٍ ألاَّ تَأْكُلَ وَلاَ تَشْرَبَ وَلاَ تَغْسِلَ رَأسَهَا وَلاَ تَدْخُلَ بَيْتاً حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا ابْنُهَا، فَلَمَّا رَأى ابْنَاهَا أبُو جَهْلٍ وَالْحَارثُ ابْنَا هِشَامٍ - وَهُمَا أخَوَا عَيَّاشٍ لأُمِّهِ - جَزَعَهَا، فرَكِبَا فِي طَلَبهِ حَتَّى أتَيَا الْمَدِيْنَةَ فَلَقِيَاهُ.
فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ : قَدْ عَلِمْتَ أنَّكَ أحَبَّ إلَى أُمِّكَ مِنْ جَمِيْعِ أوْلاَدِهَا، وَكُُنْتَ بَارّاً بهَا، وَقَدْ حَلَفَتْ لاَ تَأْكُلُ وَلاَ تَشْرَبُ وَلاَ تَدْخُلُ كِنّاً حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهَا، وَأنْتَ تَزْعُمُ أنَّ فِي دِيْنِكَ برَّ الْوَالِدَيْنِ، فَارْجِعْ إلَيْهَا فَإنَّ رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ بالْمَدِيْنَةِ هُوَ رَبُّكَ بمَكَّةَ فَاعْبُدْهُ بهَا. فَلَمْ يَزَالاَ بهِ حَتَّى أخَذ عَلَيْهِمَا الْمَوَاثِيْقَ أنْ لاَ يُحَرِّكَانِهِ وَلاَ يَصْرِفَانِهِ عَنْ دِيْنِهِ، فَأَعْطَيَاهُ الْمَوَاثِيْقَ فَتَبعَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجُواْ بهِ مِنَ الْمَدِيْنَةِ أخَذاهُ وَأوْثَقَاهُ وَضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ حَتَّى تَبْرَّأ مِنْ دِيْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَزَعاً مِنَ الضَّرْب.
وَكَانَ الْحَارثُ أشَدَّهُمَا عَلَيْهِ وَأسْوَأهُمَا قَوْلاً فِيهِ، فَحَلَفَ عَيَّاشُ باللهِ لَئِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَلَمَّا رَجَعُواْ إلَى مَكَّةَ مَكَثُواْ حِيْناً، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبيُّ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَهَاجَرَ عَيَّاشُ وَأسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلاَمُهُ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالَى وَفَّقَ الْحَارثَ بْنَ هِشَامٍ فَهَاجَرَ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَبَايَعَ النَّبيَّ ﷺ عَلَى الإسْلاَمِ، وَلَمْ يَحْضُرْ عَيَّاشُ، فلَقِيَهُ عَيَّاشُ يَوْماً بظَهْرِ قِبَاء وَلَمْ يَعْلَمْ بإسْلاَمِهِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ يَظُنُّ أنَّهُ كَافِرٌ، فَقِيْلَ لَهُ : إنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، فَنَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَبَكَى، ثُمَّ أتَى النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾[النساء: ٩٢].
ومعنَى الآيةِ : ومِن الناسِ مَن يقولُ آمَنَّا باللهِ، فإذا عُذِّبَ في طاعةِ الله جَعَلَ تعذيبَ الناسِ كتعذيب الله، فأطاعَ الناسَ خوفاً منهم، كما يطيعُ الله مَن خافَ عذابَهُ.
قولهُ :﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ؛ أي إذا جاء فَتْحٌ مِِن ربكَ ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ وهذه صفةُ المنافقين، يقولُ اللهُ تعالَى :﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي بما في قلُوب الْخَلْقِ من الطُّمأنينَةِ بالإيْمانِ والانشراحِ بالكُفرِ، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي لِيَجْزِيَ اللهُ المؤمنين، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ ولَيُمَيِّزَنَّ المنافقينَ.
العنكبوت 29:11
قولهُ :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ؛ رُوي أنَّ هذه الآيةَ نزلت في عيَّاشِ بنِ أبي ربيعةَ، كَانَ أسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَكَانَ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ أُمِّهِ وَأخَوَيْهِ لأُمِّهِ وَهُمَا أبُو جَهْلٍ وَالْحَارثِ.
فَخَرَجَ عَيَّاشُ بَعْدَ مَا أعْلَنَ إسْلاَمَهُ هَارباً إلَى الْمَدِيْنَةِ قَبْلَ هِجْرَةِ النَّبيِّ صلى الله عيله وسلم، وَبَلَغَ أُمَّهُ الْخَبَرَ فَجَزِعَتْ جَزَعاً شَدِيْداً، وَامْتَنَعَتْ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرََاب، فَخَرَجَ أخَوَاهُ وَقَوْمَهُ فِي طَلَبهِ، فَأَخَذُوهُ وَقَيَّدُوهُ، وَحَلَفَتْ أُمُّهُ أسْمَاءُ بنْتُ مَخْرَمِ بْنِ أبي جَنْدَلٍ باللهِ : لاَ أحُلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بمُحَمَّدٍ، ثُمَّ أقْبَلَتْ تَجْلِدُهُ بالسِّيَاطِ وَتُعَذِّبُهُ حَتَّى كَفَرَ جَزَعاً مِنَ الضَّرْب، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
قال مقاتلُ والكلبيُّ :(لَمَّا هَاجَرَ عَيَّاشُ إلَى الْمَدِيْنَةِ خَوْفاً مِنْ أُمِّهِ وَأخَوَيْهِ، حَلَفَتْ أُمُّهُ أسْمَاءُ بنْتُ مَخْرَمِ بْنِ أبي جَنْدَلٍ ألاَّ تَأْكُلَ وَلاَ تَشْرَبَ وَلاَ تَغْسِلَ رَأسَهَا وَلاَ تَدْخُلَ بَيْتاً حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهَا ابْنُهَا، فَلَمَّا رَأى ابْنَاهَا أبُو جَهْلٍ وَالْحَارثُ ابْنَا هِشَامٍ - وَهُمَا أخَوَا عَيَّاشٍ لأُمِّهِ - جَزَعَهَا، فرَكِبَا فِي طَلَبهِ حَتَّى أتَيَا الْمَدِيْنَةَ فَلَقِيَاهُ.
فَقَالَ لَهُ أبُو جَهْلٍ : قَدْ عَلِمْتَ أنَّكَ أحَبَّ إلَى أُمِّكَ مِنْ جَمِيْعِ أوْلاَدِهَا، وَكُُنْتَ بَارّاً بهَا، وَقَدْ حَلَفَتْ لاَ تَأْكُلُ وَلاَ تَشْرَبُ وَلاَ تَدْخُلُ كِنّاً حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهَا، وَأنْتَ تَزْعُمُ أنَّ فِي دِيْنِكَ برَّ الْوَالِدَيْنِ، فَارْجِعْ إلَيْهَا فَإنَّ رَبَّكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ بالْمَدِيْنَةِ هُوَ رَبُّكَ بمَكَّةَ فَاعْبُدْهُ بهَا. فَلَمْ يَزَالاَ بهِ حَتَّى أخَذ عَلَيْهِمَا الْمَوَاثِيْقَ أنْ لاَ يُحَرِّكَانِهِ وَلاَ يَصْرِفَانِهِ عَنْ دِيْنِهِ، فَأَعْطَيَاهُ الْمَوَاثِيْقَ فَتَبعَهُمَا، فَلَمَّا خَرَجُواْ بهِ مِنَ الْمَدِيْنَةِ أخَذاهُ وَأوْثَقَاهُ وَضَرَبَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ حَتَّى تَبْرَّأ مِنْ دِيْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ جَزَعاً مِنَ الضَّرْب.
وَكَانَ الْحَارثُ أشَدَّهُمَا عَلَيْهِ وَأسْوَأهُمَا قَوْلاً فِيهِ، فَحَلَفَ عَيَّاشُ باللهِ لَئِنْ قَدِرَ عَلَيْهِ لَيَضْرِبَنَّ عُنُقَهُ، فَلَمَّا رَجَعُواْ إلَى مَكَّةَ مَكَثُواْ حِيْناً، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبيُّ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَهَاجَرَ عَيَّاشُ وَأسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلاَمُهُ.
ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالَى وَفَّقَ الْحَارثَ بْنَ هِشَامٍ فَهَاجَرَ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَبَايَعَ النَّبيَّ ﷺ عَلَى الإسْلاَمِ، وَلَمْ يَحْضُرْ عَيَّاشُ، فلَقِيَهُ عَيَّاشُ يَوْماً بظَهْرِ قِبَاء وَلَمْ يَعْلَمْ بإسْلاَمِهِ، فَضَرَبَ عُنُقَهُ يَظُنُّ أنَّهُ كَافِرٌ، فَقِيْلَ لَهُ : إنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، فَنَدِمَ وَاسْتَرْجَعَ وَبَكَى، ثُمَّ أتَى النَّبيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾[النساء: ٩٢].
ومعنَى الآيةِ : ومِن الناسِ مَن يقولُ آمَنَّا باللهِ، فإذا عُذِّبَ في طاعةِ الله جَعَلَ تعذيبَ الناسِ كتعذيب الله، فأطاعَ الناسَ خوفاً منهم، كما يطيعُ الله مَن خافَ عذابَهُ.
قولهُ :﴿وَلَئِنْ جَآءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ ؛ أي إذا جاء فَتْحٌ مِِن ربكَ ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ وهذه صفةُ المنافقين، يقولُ اللهُ تعالَى :﴿أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي بما في قلُوب الْخَلْقِ من الطُّمأنينَةِ بالإيْمانِ والانشراحِ بالكُفرِ، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ ؛ أي لِيَجْزِيَ اللهُ المؤمنين، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ ولَيُمَيِّزَنَّ المنافقينَ.
العنكبوت 29:12
قولهُ :﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ اتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا﴾ ؛ معناهُ : قال كفارُ مكَّة أبو جهلٍ وغيرهُ، لِمَنْ آمَنَ مِن قريشٍ، واتَّبعَ مُحَمَّداً ﷺ : إتَّبعُوا دِينَنَا وَمِلَّةَ آبَائِنَا، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، ونحنُ الكفلاءُ بكُلِّ تَبعَةٍ تصيبُكم من اللهِ في ذلك، ونحملُ عنكم خطَايَاكم، إنْ كان عليكم فيهِ إثْمٌ ووزْرٌ، فنحنُ نحملهُ عنكم. قال الفرَّاء :(قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلْنَحْمِلْ﴾ لَفْظُهُ لَفْظُ الأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ : الْجَزَاءُ ؛ أيْ إن اتَّبَعْتُمْ سَبيْلَنَا حَمَلْنَا خَطَايَاكُمْ). قولهُ :﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِّن شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ؛ فيما ضَمِنوا من حَمل خطاياهم، ولا يحفظُونَ العذابَ عنهم.
العنكبوت 29:13
قولهُ :﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ؛ معناهُ : أوْزَاراً مع أوزَارهم، وذلك أنَّهم يُعاقَبون على كُفرِهم وعلى دُعاءِ غيرِهم إلى الكفرِ، وهذا موافقٌ لقولهِ ﷺ :" مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وزْرُهَا وَوزْرُ مَنْ عَمِلَ بهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لاَ يَنْقُصُ مِنْ أوْزَارهِمْ شَيْءٌ ".
ومعنى الآيةِ : وَلْيَحْمِلُنَّ أوزَارَهُم التي حَملُوها، وأوْزَاراً مع أوزَارهم لقولِهم للمؤمنينَ :(اتَّبعُوا سبيلَنا " وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ) وهم كاذبون فيما قالوا لهم ووعدوهم "، وليَحْمِلُوا أوزَارَهم كاملةً يومَ القيامةِ.
وقولهُ :﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ ؛ أرادَ به سؤالَ تَوبيخٍ لا سؤالَ استعلامٍ، يقالُ لَهم : هل كانَ عندَكم من الغيب شيءٌ ؟ ومِن أين قُلْتُمْ إنَّكم تحمِلُوا أوزَارَ غيرِكم؟.
العنكبوت 29:14
قولهُ :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاماً﴾ ؛ أي مَكَثَ بين أظهرهم يدعُوهم إلى الإيْمَانِ ألفَ سَنَةٍ إلاّ خَمسين عاماً، فلم يُجِبْهُ إلى الإيْمانِ منهم إلاَّ قليلٌ، ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، فأهلَكَ اللهُ المكذِّبين بالطُّوفانِ وهو الغرقُ (وَهُمُ الظَّالِمُونَ) أي مُشرِكون.
وفي الحديث :" أنَّ نُوحاً عليه السلام أرْسَلَ إلَيْهِمْ بَعَدَ مَا أتَى عَلَيْهِ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ سَنَةً، وَعَاشَ بَعْدَ الطُّوفَانِ مِائَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ سَنَةً " وسُمي الغرقُ طُوفَاناً لأنَّ الماءَ في ذلك اليومِ طَافَ في جميعِ الأرض.
العنكبوت 29:15
قولهُ :﴿فأَنْجَيْناهُ وأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ؛ أي أنْجَيْنَا نُوحاً من الغَرَقِ ومَن كان معهُ من المؤمنين في السَّفينة، ﴿وَجَعَلْنَاهَآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي جعلنا السَّفينةَ عِبْرَةً لمن بعدَهم من الناسِ إنْ عَصَوا رسولَهم فَعَلْنَا بهم مثلَ ذلك.
العنكبوت 29:16
قوله :﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ ؛ انتصبَ (إبْرَاهِيْمَ) عَطفاً على نُوحٍ، معناهُ : وأرسَلنا إبراهيمَ أيضاً، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُواْ اللَّهَ﴾ أي وَحِّدُوا اللهَ وأطيعوهُ واخشَوهُ، ﴿ذالِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ؛ أي عبادةُ اللهِ خيرٌ لكم من عبادةِ الأوثان، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ذلكَ.
العنكبوت 29:17
قَوله :﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾ ؛ أي أصْنَاماً تتَّخِذونَها من الحجارةِ والخشب، ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ ؛ أي وتَخْتَرِعُونَ على الله كَذِباً في قولِكم : إنَّها آلِهةٌ. ويجوزُ أن يكون معنى ﴿وَتَخْلُقُونَ﴾ أي تَنْحَتُونَ أصْنَاماً.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ أي إنَّ الذين تعبدُونَ من الأصنامِ لاَ يَقْدِرُونَ أنْ يرزقُوكم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَابْتَغُواْ عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي اطْلُبُوا الرِّزقَ مِنِّي، فأنا القادرُ على ذلكَ، ﴿وَاعْبُدُوهُ﴾ أي اعبدُوا مَن يَمِلكُ أرزاقَكم، ﴿وَاشْكُرُواْ لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرةِ فيَجزِيَكم بأعمالِكم.
العنكبوت 29:18
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ﴾ ؛ يعني كذبُوا أنبياءَهم كما كذبتُم نبيَّكُم فأهلَكَهم اللهُ تعالى، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ ؛ أي مَا عليهِ إلاّ تبليغُ الرسالةَِ عن اللهِ بلُغَةِ الَّذين أرسَلَهم إليهم.
العنكبوت 29:19
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يعلَمْ ويعتبرْ أهلُ مكَّة كيفَ يُبدِئُ اللهُ الْخَلْقَ في أرحامِ الأُمَّهاتِ مِن النُّطفةِ ثُم مِن العلقةِ ثُم مِن الْمُضْغَةِ إلى تَمامِ الخلقِ، ثُم يُميتُهُ ثُم يعيدهُ بعدَ الموتِ للبعثِ خَلْقاً جَديداً. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ؛ أي إنَّ بَدْأ الخلقِ وإعادتهِ هَيِّنٌ على اللهِ، فإنه القادرُ على الاختراعٍِ مِن غير ابتداء على مثالٍ، قادرٌ على الإعادةِ، وكانوا يُقِرُّونَ بأنَّ اللهَ هو الذي خلَقَهم.
العنكبوت 29:20
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ ؛ أي سَافِروا في الأرضِ وابحثوا وانظرُوا هل تَجِدُونَ خَالِقاً غيرَ اللهِ، واعتَبروا كيفَ خَلَقَ اللهُ مَن قبلَكم ثُم أهلَكَهم بعدَ ذلك.
وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنشِىءُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ ؛ أي ثُم إنَّ اللهَ يبعثُ الخلقَ ثانيةً يومَ القيامةِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ من الإحياءِ والإمَاتَةِ قادرٌ. قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو والحسنُ :(النَّشَاءَةَ) بالمدِّ، وقرأ الباقون :(النَّشْأَةََ) بإسكانِ الشِّين والقصْرِ وهما لُغتان.
العنكبوت 29:21
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مَن كان أهْلاً للتعذيب، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مَن كان أهلاً للرحمةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ؛ أي تُرَدُّونَ في الآخرةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ أي ما أنتم يا أهلَ مكَّة بفَائِتينَ من عذاب الله هَرباً، ولا في السَّماء، فلا تغتَرُّوا لطُولِ الإمهَالِ.
ولا يجوزُ أن يكون معناهُ : وَلاَ مَنْ فِي السَّمَاءِ بمُعْجِزِيْنَ ؛ أي ما أنتم يا كفارَ مكَّة بفَائِتِي اللهِ في الأرضِ كُنتم أو فِي السَّماء كنتم، أينَما تكونُوا يأتِ بكمُ الله فيجزِيَكم بأعمالِكم السيِّئة، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ؛ يتولَّى أمرَكم وحِفظَكم، ﴿وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ؛ يَمنعُ العذابَ عنكم.
العنكبوت 29:22
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ أي يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ مَن كان أهْلاً للتعذيب، وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ مَن كان أهلاً للرحمةِ، وقولهُ تعالى :﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ ؛ أي تُرَدُّونَ في الآخرةِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ﴾ ؛ أي ما أنتم يا أهلَ مكَّة بفَائِتينَ من عذاب الله هَرباً، ولا في السَّماء، فلا تغتَرُّوا لطُولِ الإمهَالِ.
ولا يجوزُ أن يكون معناهُ : وَلاَ مَنْ فِي السَّمَاءِ بمُعْجِزِيْنَ ؛ أي ما أنتم يا كفارَ مكَّة بفَائِتِي اللهِ في الأرضِ كُنتم أو فِي السَّماء كنتم، أينَما تكونُوا يأتِ بكمُ الله فيجزِيَكم بأعمالِكم السيِّئة، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ؛ يتولَّى أمرَكم وحِفظَكم، ﴿وَلاَ نَصِيرٍ﴾ ؛ يَمنعُ العذابَ عنكم.
العنكبوت 29:23
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَآئِهِ﴾ ؛ أي الذين يَجحَدوا بآياتِ الله والقُرْآنِ والبعثِ بعد الموتِ، ﴿أُوْلَئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحْمَتِي﴾ ؛ أي مِن جَنَّتِي في الآخرةِ باعتقادِهم أنَّها لا يقعُ بهم، ﴿وَأُوْلَـائِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
العنكبوت 29:24
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ ؛ أي ما كان جوابُ قومِ إبراهيمَ حيث دعَاهُم إلى اللهِ، إلاَّ أن قالوا : اقتلُوهُ أو حرِّقوهُ بالنار، ثُم " اتفقوا على تحريقه " فقذفوهُ في النار، ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ ؛ سَالِماً، وجعلَها بَرْداً وسَلاماً ولَم تحرِقْ منه إلاَّ وثاقه، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالله ورسُلهِ.
العنكبوت 29:25
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً﴾ ؛ أي قال إبراهيمُ : إنَّ ما عبَدتُم مِن دون اللهِ أوثَاناً هي مودَّةٌ بينَكم، أو تلك مودَّةٌ بينكم، والمعنى : أي أُلْفَتُكُمْ واجتماعُكم على الأصنامِ ﴿مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ ثُم تنقطعُ عن قريبٍ، وتنقلبُ تلك المودَّةُ عداوةً بعد الموتِ، يَتَبَرَّأُ بعضُكم من بعضٍ، ويلعنُ العابدُ المعبودَ، لذلك يلعَنُ العابدونَ بعضَهم بعضاً، ويكون مصيرُهم في الآخرةِ النار، وما لكم مِن مانعٍ يَمنعُكم من عذاب الله.
ويجوزُ أن تكون (مَا) في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ﴾ بمعنى (الذِي) كأنه قالَ : إنَّ الذي اتَّخذتُموه من دونِ الله أوثَاناً مودَّةُ بينِكم ما دُمتم في الحياةِ الدُّنيا، فيكون (مَوَدَّةٌ) رفعاً لأنَّها خبرُ (إنَّ)، وقرأ حمزةُ وحفص (مَوَدَّةَ) بالنصب (بَيْنِكُمْ) بالخفضِ على الإضافة ؛ بوقوعِ الاتِّحادِ عليه، وجعل (إنَّمَا) حَرفاً واحداً، وقرأ الباقون نَصباً منَوَّناً (بَيْنَكُمْ) بالنصب على أنه مفعولٌ أيضاً، ومعناه : اتَّخذتُم هذه الأوثانَ مَوَدَّةً بينَكم تتوادُّون وتحابُّون على عبادتِها وتتواصَلون عليها.
العنكبوت 29:26
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ؛ أي صَدَّقَ لوطُ بإبرَاهِيمَ، وهو أوَّلُ مَن صدَّقَ به، ﴿وَقَالَ﴾ ؛ إبراهيم :﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ ؛ أي إلى الموضعِ الذي أمرَنِي رَبي بالهجرةِ إليه، وكان مأْمُوراً بالهجرةِ من كوثى وهو سوادُ العراقِ إلى الشَّام.
وَقِيْلَ : إن كوثى من سوادِ الكوفة، فهاجرَ إبراهيمُ ومعه لوطُ وهو ابنُ أخيهِ ومعه سَارَةُ. قال مقاتلُ :(هَاجَرَ إبْرَاهِيْمُ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِيْنَ سَنةً). وقولهُ تعالى :﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي الْمُنْتَقِمُ مِمَّنْ عَصَاهُ، الْحَكِيْمُ فيما حَكَمَ علينا من الهجرةِ.
العنكبوت 29:27
قًَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَهَبْنَا لَهُ﴾ ؛ أي لإبراهيمَ، ﴿إِسْحَاقَ﴾ ؛ من امرأتهِ سارَةَ، ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ ؛ ابنُ ابنهِ، وقولهُ تعالى :﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ ؛ وذلك أنَّ الله لَم يَبْعَثْ نبيّاً مِن بعد إبراهيمَ إلاّ من صُلْبهِ، وقولهُ تعالى ﴿وَالْكِتَابَ﴾ أي وجعلنَا التَّوراةَ والإنجيلَ والقُرْآنَ في وَلَدِهِ.
وقولهُ تعالى :﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا﴾ ؛ أرادَ به الثَّناءَ الحسنَ، وموالاةَ جميعِ الأُمَمِ إيَّاهُ ؛ لأن جميعَ أهلِ الأديان يُحِبُّونَهُ. وقال السديُّ :(إنَّهُ أُريَ مَكَانَهُ فِي الْجَنَّةِ) ثُمَّ أعْلَمَهُ اللهُ أنَّ لَهُ مَعَ مَا أعْطَاهُ فِي الدُّنْيَا الدَّرَجَاتِ الْعُلَى لقولهِ :﴿وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ أي إنهُ في الآخرةِ مع آبائه الْمُرسَلين في الجنَّة مثلَ آدمَ ونوحٍ.
العنكبوت 29:28
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلُوطاً﴾ ؛ أي وأرسَلْنا لُوطاً بالنبُوَّة، ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ ؛ يعني عمَلَهم الخبيثَ الذي لَم يكن يَعْمَلُهُ أحدٌ قبلَهم.
وقولهُ تعالى :﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ ؛ وذلك أنَّهم كانوا يفعلونَ الفاحشةَ بمن يَمُرُّ بهم مِن المسافرين، فلما فَعَلُوا ذلك شَاعَ الخبرُ، فتركَ الناسُ المرورَ بهم وانقطعَ السبيلُ.
وقولهُ تعالى :﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ ؛ النادِي الْمَجْلِسُ وَالْْمُتَحَدَّثُ ؛ أي تأتُونَ في مجالسِكم الفسقَ، قِيْلَ : إنَّهم كانوا يفعلُ بعضُهم ببعضٍ الفاحشةَ في الْمَجَالِسِ. وَقِيْلَ : إنَّهم كانوا يصَفِّقون بأيديهم ويصَفِّرُونَ بأفواهِهم، وقال القاسمُ بن محمَّدٍ :(هُوَ أنَّهُمْ كَانُواْ يَتَضَارَطُونَ فِي مَجَالِسِهِمْ) وَيَضْرِبُونَ بالْعُودِ وَالْمَزَامِيْرِ (وَيَلْعَبُونَ بالْحَمَامِ). وقِيْلَ : في معنَى قولهِ تعالى ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ قال مجاهدُ :(كَانَ يُجَامِعُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فِي الْمَجَالِسِ).
وسُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الْمُنْكَرِ الَّذِي كَانُواْ يَأْتُونَهُ قَوْمُ لُوطٍ، فَقَالَ :" كَانُواْ يَجْلِسُونَ وَعِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قِصْعَةُ حَصَى، فَإذا مَرَّ بهِمْ عَابرُ سَبيْلٍ خَذفُوهُ، فَأَيُّهُمْ أصََابَهُ كَانَ أوْلَى بهِ "، قال ﷺ :" إيَّاكُمْ وَالْخَذْفَ، فَإنَّهُ لاَ يَنْكَأُ الْعَدُوَّ وَلاَ يُصِيْبُ الصَّيْدَ، وَلَكِنْ يَفْقَأَُ الْعَيْنَ وَيَكْسِرُ السِّنَّ ".
العنكبوت 29:29
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ ؛ أي فلمَّا أنكرَ لوطُ على قومهِ ما كانوا يفعلون من القَبَائِحِ قالُوا استهزاءً :﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أنَّ العذابَ نازلٌ، فعندَ ذلك ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لوطُ عيله السلام :﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي انْصُرْنِي بتحقيقِ قَوْلِي في العذاب على القومِ المفسدين العاصِين.
فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ، وبعثَ جبريل ومعه الملائكةُ لتعذيب قومه وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ ؛ أي بالبُشْرَى بإسحق ومِن وراءِ اسحق يعقوبُ، ﴿قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ يعني سدوم قريةُ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ؛ بالشِّركِ والعملِ الخبيثِ، ﴿قَالَ﴾ ؛ إبراهيمُ :﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ؛ فكيفَ تُهلِكُونَهم؟! ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ وأهلَ دِينه وابنَتَيْهِ زَعُورا وزَنْبَا، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ واعِلَةَ، ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الباقينَ في الْمُهْلَكِيْنَ.
العنكبوت 29:30
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ ؛ أي فلمَّا أنكرَ لوطُ على قومهِ ما كانوا يفعلون من القَبَائِحِ قالُوا استهزاءً :﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أنَّ العذابَ نازلٌ، فعندَ ذلك ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لوطُ عيله السلام :﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي انْصُرْنِي بتحقيقِ قَوْلِي في العذاب على القومِ المفسدين العاصِين.
فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ، وبعثَ جبريل ومعه الملائكةُ لتعذيب قومه وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ ؛ أي بالبُشْرَى بإسحق ومِن وراءِ اسحق يعقوبُ، ﴿قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ يعني سدوم قريةُ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ؛ بالشِّركِ والعملِ الخبيثِ، ﴿قَالَ﴾ ؛ إبراهيمُ :﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ؛ فكيفَ تُهلِكُونَهم؟! ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ وأهلَ دِينه وابنَتَيْهِ زَعُورا وزَنْبَا، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ واعِلَةَ، ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الباقينَ في الْمُهْلَكِيْنَ.
العنكبوت 29:31
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ ؛ أي فلمَّا أنكرَ لوطُ على قومهِ ما كانوا يفعلون من القَبَائِحِ قالُوا استهزاءً :﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أنَّ العذابَ نازلٌ، فعندَ ذلك ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لوطُ عيله السلام :﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي انْصُرْنِي بتحقيقِ قَوْلِي في العذاب على القومِ المفسدين العاصِين.
فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ، وبعثَ جبريل ومعه الملائكةُ لتعذيب قومه وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ ؛ أي بالبُشْرَى بإسحق ومِن وراءِ اسحق يعقوبُ، ﴿قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ يعني سدوم قريةُ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ؛ بالشِّركِ والعملِ الخبيثِ، ﴿قَالَ﴾ ؛ إبراهيمُ :﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ؛ فكيفَ تُهلِكُونَهم؟! ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ وأهلَ دِينه وابنَتَيْهِ زَعُورا وزَنْبَا، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ واعِلَةَ، ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الباقينَ في الْمُهْلَكِيْنَ.
العنكبوت 29:32
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ ؛ أي فلمَّا أنكرَ لوطُ على قومهِ ما كانوا يفعلون من القَبَائِحِ قالُوا استهزاءً :﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ؛ أنَّ العذابَ نازلٌ، فعندَ ذلك ؛ ﴿قَالَ﴾ ؛ لوطُ عيله السلام :﴿رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي انْصُرْنِي بتحقيقِ قَوْلِي في العذاب على القومِ المفسدين العاصِين.
فاستجابَ اللهُ دعاءَهُ، وبعثَ جبريل ومعه الملائكةُ لتعذيب قومه وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى﴾ ؛ أي بالبُشْرَى بإسحق ومِن وراءِ اسحق يعقوبُ، ﴿قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ؛ يعني سدوم قريةُ لوطٍ، ﴿إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾ ؛ بالشِّركِ والعملِ الخبيثِ، ﴿قَالَ﴾ ؛ إبراهيمُ :﴿إِنَّ فِيهَا لُوطاً﴾ ؛ فكيفَ تُهلِكُونَهم؟! ﴿قَالُواْ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ؛ وأهلَ دِينه وابنَتَيْهِ زَعُورا وزَنْبَا، ﴿إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ واعِلَةَ، ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ ؛ أي مِن الباقينَ في الْمُهْلَكِيْنَ.
العنكبوت 29:33
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ ؛ أي سَاءَ مَجيئَهم خَوفاً عليهم مِن قومهِ ؛ لأنَّهم جاؤهُ على هيئة الغِلْمَانِ، ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ ؛ أي ضَاقَ عليهم بسَبَبهم، ﴿وَقَالُواْ لاَ تَخَفْ وَلاَ تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرينَ﴾ وَمُنَجُّوا ؛ قال المبَرِّدُ :(الْكَافُ فِي (مُنَجُّوكَ) مَخْفُوضَةٌ وَلَمْ يَجُزْ عَطْفُ الظَّاهِرِ عَلَى الْمُضْمَرِ الْمَخْفُوضِ، فَمَا جُعِلَ الثَّانِي عَلَى الْمَعْنَى، فََصَارَ التَّقْدِيْرُ : وَنُنَجِي أهْلَكَ، أو مُنْجُونَ أهْلَكَ).
العنكبوت 29:34
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَـاذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِّنَ السَّمَآءِ﴾ ؛ أي عَذاباً بالحجارةِ، وَقِيْلَ : الخسفَ والحصَبَ، ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ ؛ أي بسَبَب فِسقِهم، يروى أنَّ تلكَ القريةِ كانت مشتملةً على سبعمائةِ ألفِ رجُلٍ.
العنكبوت 29:35
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ آيَةً بَيِّنَةً﴾ ؛ أي آثارُ منَازلِهم الْخَرِبَةِ، وهي تركُ ديارهم منكوسةً عِظَةً وعبرةً، وأظهرَ اللهُ فيها ماء أسوداً نتناً يتأذى الناسُ برائحتهِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي يتفكَّرُون فيما فَعَلَ اللهُ بهم فلا يفعلونَ مِثْلَ فعلِهم.
العنكبوت 29:36
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ؛ أي وأرسَلنا إلى أهل مدينَ أخاهم شُعيباً، ﴿فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ الأَخِرَ﴾ ؛ أي وَاخْشَوا البعثَ الذي فيه جزاءُ الأعمال، ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي لا تَعْثُوا في الأرضِ بالفسادِ، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ؛ بالرِّسالةِ، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ؛ أي الزَّلزَلَةُ، ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي مَيِّتِيْنَ بَاركِينَ على رُكَبهم.
العنكبوت 29:37
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ ؛ أي وأرسَلنا إلى أهل مدينَ أخاهم شُعيباً، ﴿فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَارْجُواْ الْيَوْمَ الأَخِرَ﴾ ؛ أي وَاخْشَوا البعثَ الذي فيه جزاءُ الأعمال، ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ؛ أي لا تَعْثُوا في الأرضِ بالفسادِ، ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ ؛ بالرِّسالةِ، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ ؛ أي الزَّلزَلَةُ، ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ ؛ أي مَيِّتِيْنَ بَاركِينَ على رُكَبهم.
العنكبوت 29:38
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ﴾ ؛ أي وأهلكنا عَاداً وثَمُوداً، ﴿وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ﴾ ؛ أي ظَهَرَ لكم يا أهلَ مكَّة مِن منازلِهم والحجر واليمن في هلاكِهم حيث تَمرُّون بها، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ القبيحةَ، ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ أي فصَرَفَهم عن طريقِ الحقِّ، ﴿وَكَانُواْ مُسْتَبْصِرِينَ﴾ ؛ أي عُقلاءَ يُمكِنُهم تَمييزُ الحقِّ من الباطلِ، ويقالُ كانوا مُعجَبين بضَلالِهم يَرَونَ أنَّهم على الحقِّ، ولَم يكونوا كذلكَ، والمعنى : أنَّهم كانوا عندَ أنفُسِهم مستَبْصِرين فيما عَمِلُوا من الضَّلالةِ، يحسَبُون أنَّهم على هُدَى.
العنكبوت 29:39
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي وأهلَكْنا قارونَ وفرعون وهامانَ بعدَ ما جاءَهم مُوسَى بالمعجزاتِ فَتَعَظَّمُوا عن الإيْمانِ به، ﴿وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ﴾ ؛ أي لَم يكونوا فَائِتين من عذاب الله.
العنكبوت 29:40
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ﴾ ؛ أي كلَّ هؤلاءِ القوم الذين ذكرنَاهم عاقَبْنَاهم بذنوبهم، ﴿فَمِنْهُم مَّن أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً﴾ ؛ يعني الحجارةَ وهم قومُ لُوطٍ، وَقِيْلَ : الحاصِبُ الريِّحُ التي تأتِي بالْحَصْبَاءِ، وهي الْحَصَى الصِّغار، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ ؛ وهم قومُ صالح وشُعيب، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ﴾ ؛ يعني قارونَ وأصحابَهُ، ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾ ؛ يعني قومَ نوحٍ وفرعونَ، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ؛ بإهلاكهِ إيَّاهم، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ بالكُفرِ والمعاصِي.
العنكبوت 29:41
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ يعني الأصنامَ يتَّخذونَها أولياءَ يَرْجَوْنَ نصرَها ونفعَها، ﴿كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾، وبيتُها لا يُغنِيها عن الحرِّ والبردِ والمطر، كذلكَ آلِهتُهم لا تَرزُقهم شيئاً، ولا تَملِكُ لَهم ضَرّاً ولا نفعاً.
العنكبوت 29:42
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ﴾ أي لاَ بيتَ أضعفَ منهُ مما يتَّخذهُ الهوامُ، ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ إنَّ اتِّخاذهم الأولياءَ سِوَى اللهِ كاتِّخاذِ العنكبوتِ بيتاً في قلَّة النفعِ ما اتَّخذُوهم أولياءَ.
وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ قرأ أبو عمرٍو (يَدْعُونَ) بالياءِ لذِكْرِ الأُممِ قبلَها، وقرأ الباقون بالتاء، ومعنى الآيةِ، أنهُ عالِمٌ بما عبدتُموه من دونهِ فهو يُجازيكم على كُفرِكم، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
العنكبوت 29:43
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ﴾ ؛ يعني أمْثَالَ القُرْآنِ، ﴿نَضْرِبُهَا﴾، نبيِّنُها، ﴿لِلنَّاسِ﴾. قال مقاتلُ :(يَعْنِي لِكُفَّار مَكَّةَ) ﴿وَمَا يَعْقِلُهَآ﴾ ؛ الأمثالُ، ﴿إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ ؛ أي العلماءُ.
العنكبوت 29:44
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ ؛ أي للحَقِّ واظهرَ الحقَّ خلْقَها، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي لدلالةً على قُدرةِ الله وتوحيدهِ.
العنكبوت 29:45
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ﴾ ؛ أي إقْرَأ عليهم يا مُحَمَّدُ ما أُنْزِلَ عليكَ مِن القُرْآنِ، وأقِمِ الصَّلواتِ الخمسِ في مواقِيتِها بشرائطِها وسُنَنِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ؛ وذلكَ أنَّ في الصَّلاةِ تكبيراً وتَسْبيحاً وقراءةً ووُقوفاً للعبادةِ على وجهِ الذُّلِّ والخشُوعِ، وكلُّ ذلك يدعُو إلى شَكلِهِ ويصرفُ عن ضدِّهِ وهي الآمرُ والنَّاهي بالقولِ. والفَحْشَاءُ : ما قَبُحَ من العملِ، والْمُنْكَرُ : ما لا يعرَفُ في شريعةٍ ولا سُنَّةٍ.
قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(فِي الصَّلاَةِ مُنْتَهًى وَمُزْدَجَرٌ عَنْ مَعَاصِي اللهِ) (فَمَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الْمَعَاصِي لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلاَّ بُعداً)، وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلاَتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللهِ إلاَّ بُعْداً ".
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ ؛ أي ولَذِكْرُ اللهِ إيَّاكم بالتوفيقِ والمغفرةِ والثواب أكْبَرُ من ذِكْرِكم إياهُ بالطاعةِ، وَقِيْلَ : ذِكْرُ اللهِ في المنعِ من الفحشاءِ والمنكرِ أكبرُ مِن الصَّلاة، ويجوزُ أن يكون أكبر في معنى الكِبَرِ في الجزاءِ والثَّواب، كما قال عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[البقرة: ٤٥].
قالتِ الحكماءُ : ذِكْرُ اللهِ للعبدِ أكبرُ من ذكرِ العبد للهِ ؛ لأنَّ ذِكْرَ اللهِ للعبدِ على حدِّ الاستغناءِ، وذِكرُ العبدِ إياه على حدِّ الافتقار، ولأنَّ ذِكْرَ العبدِ يجَرِّ نَفْعٍ أو دَفْعَ ضُرِّ، وذِكرُ اللهِ للعبدِ للفَضْلِ والكَرَمِ، ولأنَّ ذكرَ العبدِ مخلوقٌ، وذكرَ اللهِ غيرُ مخلوقٍ.
وقال ﷺ فِي قولهِ تعالى ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ :" أيْ ذِكْرُ اللهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أحْسَنُ وَأَفْضَلُ، وَالذِّكْرُ أنْ تَذْكُرَهُ عِنْدَ مَا حَرَّمَ، فَتَدَعُ مَا حَرَّمَ، وَعِنْدَمَا أحَلَّ فَتَأْخُذُ مَا أَحََلَّ " وقال ﷺ :" مَنْ أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ فِي ريَاضِ الْجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ".
وقال أبُو الدَّردَاءِ رضي الله عنه :(ألاَ أُخْبرُكُمْ بخَيْرِ أعْمَالِكُمْ وَأحَبهَا إلَى مَلِيْكِكُمْ وَأَتَمِّهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أنْ تَغْزُوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُواْ رقَابَهُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إعْطَاءِ الدَّنَانِيْرِ وَالدَّرَاهِمِ؟) قَالُواْ : وَمَا هُوَ؟! قَالَ :(ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ؛ قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾.
وقال معاذُ بنُ جَبَلٍ :" سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أيُّ الأَعْمَالِ أحَبُّ إلَى اللهِ تَعَالَى ؟ قَالَ :" أنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطِبٌ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ " وقال ﷺ :" مَا مِنْ قَوْمٍ جَلَسُواْ فِي مَجْلِسٍ يَذْكُرُونَ اللهَ فِيْهِ ؛ إلاَّ حَفَّتْ بهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ؛ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ ؛ وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ ".
ورُويَ أنَّ رجُلاً أعتقَ أربَعَ رقابٍ، وآخَرَ قالَ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ، ثُم إنَّ الذي لَم يعتِقْ سألَ حبيبَ سرّاً وفي أصحابه فقالَ : ما تقولونَ فيمَن أعتقَ أربعَ رقابٍ وأنَا قُلْتُ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ، فأيُّهما أفضلُ ؟ فنظَرُوا هُنَيْهَةً وقالوا : ما نعلمُ شيئاً أفضلَ مِن ذكرِ الله.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ ؛ أي ما تعملونَ من الخيرِ والشرِّ، لا يخفَى عليه شيءٌ.
العنكبوت 29:46
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُجَادِلُواْ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ؛ أي لا تُخاصِمُوا أهلَ الكتاب إلاّ بالطريقةِ التي هي أحسنُ، وهي أن تَعِظُوهم بالقُرْآنِ على وجهِ النُّصحِ لَهم والاستمالةِ إلى دِين الإسلامِ وتعظيمِ الله تعالى وطلب ثوابه، ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ ؛ أي إلاَّ مَن ظَلَمَ من أهلِ الكتاب فمَنَعَ الجزيةَ أو نَقَضَ العهدَ، وعادَ حَرْباً لكم، فجادِِلُوهم باللِّسان والسَِّنَانِ، وأغْلِظُوا عليهم حتى يُسلِِمُوا، ﴿وَقُولُواْ﴾ ؛ لِمن قَبلَ الجزيةَ منهم إذا أخبَرُوكم بشيءٍ من كُتبهم :﴿آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ أي آمَنَّا بالقُرْآنِ والتوراةِ والإنجيل والزبور، ﴿وَإِلَـاهُنَا وَإِلَـاهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ؛ أي مُخلِصُونَ بالعبادةِ والتوحيد، وهذه صفةُ الْمُجادَلةِ الحسَنةِ.
العنكبوت 29:47
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ؛ أنزلنا إليكَ يا مُحَمَّدُ القُرْآنَ كما أنزَلْنَا إليهم الكُتبَ، ﴿فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي الذين أكْرَمْنَاهم بعلمِ التَّوراة وهم عبدُاللهِ بن سلام وأصحابهُ يؤمنونَ بالقُرْآنِ بدلالةِ التَّوراةِ. وقولهُ :﴿وَمِنْ هَـاؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ ؛ أرادَ به من كُفَّارِ مكَّةَ من يؤمنَ به، يعني يُسْلِمُ منهم.
وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الْكَافِرونَ﴾ ؛ أي مَا يجحدُ بمُحَمَّدٍ ﷺ وبالقُرْآنِ بعدَ المعرفةِ إلاَّ الكافرونَ من اليهودِ، وذلك أنَّهم عَرَفُوا أنَّ مُحَمَّداً نَبيٌّ والقُرْآنَ حَقٌّ فجَحَدوا وأنكَرُوا.
العنكبوت 29:48
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ﴾ ؛ أي ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ تقرأُ مِن قبلِ القرْآنِ ﴿مِن كِتَابٍ﴾ أي ما كُنتَ قَارئاً قبلَ الوحي ولا كَاتِباً، وقولهُ :﴿وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ؛ ولا تكتبهُ بيمِينِكَ، ولو كُنْتَ تقرأهُ وتكتبُ لوجدَ الْمُبْطِلُونَ طريقاً إلى التَّشكيكِ في أمرِكَ والارتياب في نُبوَّتكَ، ويقولون إنهُ يقرأهُ من الكُتُب الماضيةِ، فلمَّا كان مَعْلُوماً عندَهم أنه عليه السَّلامُ كان لا يقرأُ ولا يكتبُ، ثُم أتَى بالْقُرْآنِ الذي عَجَزُوا عنِ الإتيان بسورةٍ مثله، دلَّهُم ذلك على أنه مِن عند اللهِ، ولأنَّهُ كانت صفتهُ في التَّوراةِ والإنجيل : أُمِّيٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ، ولو كُنْتَ قارئاً كاتباً لشَكَّ اليهودُ فيكَ، وقالوا : إنَّ الذي نجدهُ في التوراةِ أُمِّيٌّ لا يقرأُ ولا يكتبُ.
العنكبوت 29:49
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ﴾ ؛ قال الحسنُ :(يَعْنِي الْقُرْآنَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُور الَّّذِيْنَ أُوتُواْ الْعِلْمَ يَعْنِي الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ حَمَلُواْ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ وَحَمَلُوهُ بَعْدُ).
وقال مقاتلُ :﴿بَلْ هُوَ﴾ يَعْنِي مُحَمَّداً ﷺ ﴿آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ أي ذُو آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فِي صُدُور أهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب ؛ لأنَّهُمْ يَجِدُونَهُ بنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ). ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ إِلاَّ الظَّالِمُونَ﴾، يعني كفار اليهود.
العنكبوت 29:50
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ ؛ أي قالَ كُفَّارُ مكَّة : هَلاَّ أُنْزِلَ على مُحَمَّدٍ آيَةٌ من ربهِ كما كانت الأنبياءُ تَجيءُ بها إلى قومِهم، أرادوا بها الآياتِ التي كانوا يقتَرِحُونَها عليهِ مِن قولِهم :﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾[الإسراء: ٩٠] الآية.
قرأ ابنُ كثيرٍ وحمزة والكسائيُّ وخلف :(آيَةٌ) على التوحيدِ، وقرأ الباقونَ بالجمعِ.
وقولهُ تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ﴾ أي في حُكْمِ اللهِ إنْ شاءَ أنزلَها، ﴿وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي رسولٌ مُخَوِّفٌ لكم بلُغَةٍ تعرِفونَها، وليس إنزالُ الآياتِ بيدهِ.
العنكبوت 29:51
وقولهُ :﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ ؛ معناهُ : أوَلَمْ يكن لَهم كفايةً في معرفةِ نُبوءَتِكَ أنَّا أنْزَلْنَا علَيْكَ القُرْآنَ الذي تقرأهُ عليهم بلُغَتهم مما فيه أخبارُ الأُممِ الماضيةِ مع عجزِهم عن الإتيانِ بحديثٍ مثلهِ، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً﴾ ؛ أي في إنْزَالِ القُرْآنِ لَرَحْمَةً لِمن آمَنَ به وعَمِلَ بما فيهِ، ﴿وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، أي وذكرى وموعظة لهم.
العنكبوت 29:52
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : كَفَى اللهُ شَهيداً بأنِّي رسولٌ إليكم، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾. وقولهُ تعالى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُواْ بِاللَّهِ﴾ ؛ أي صدَّقُوا بالأصنامِ وجَحَدوا وحدَانيَّةَ اللهِ، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ؛ بالعقوبةِ وفَوْتِ الْمَثُوبَةِ.
العنكبوت 29:53
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ ؛ أي يستعجِلُكَ كفارُ مكَّة بالعذاب قبلَ وقتهِ استهزاءً وتَكذيباً منهم بذلكَ، ﴿وَلَوْلاَ أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَآءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ ؛ أي لَولاَ أنَّ الله جعلَ لعذابهِ أجَلاً مسمَّى قد سَمَّاهُ وهو يومُ القيامةِ. وقيل يعنِي مدَّة أعمارهم ؛ لأنَّهم إذا ماتُوا صارُوا إلى العذاب لعَجَّلَ لَهم العذابَ في الحالِ، ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ ؛ بإتيانهِ.
العنكبوت 29:54
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ؛ فيه تَعْجِيْبٌ باستعجَالِهم مع أنَّ جهنَّمَ محيطةٌ بهم في الآخرةِ، جامعةٌ لَهم، ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ؛ فلاَ يبقَى جزءٌ منهم إلاَّ وهو مُعَذبٌ في النار جزاءً، ويقالُ لهم :﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قرأ الكوفِيُّون ونافع :(وَيَقُولُ) بالياء، يعني الموَكَّلُ بعذابهم يقولُ لَهم ذلكَ، وقرأ الباقون بالنُّونِ ؛ لأنه لَمَّا كان بأمرهِ سُبْحَانَهُ جازَ أن يُنسَبَ إليهِ.
العنكبوت 29:55
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ ؛ فيه تَعْجِيْبٌ باستعجَالِهم مع أنَّ جهنَّمَ محيطةٌ بهم في الآخرةِ، جامعةٌ لَهم، ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ؛ فلاَ يبقَى جزءٌ منهم إلاَّ وهو مُعَذبٌ في النار جزاءً، ويقالُ لهم :﴿وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
قرأ الكوفِيُّون ونافع :(وَيَقُولُ) بالياء، يعني الموَكَّلُ بعذابهم يقولُ لَهم ذلكَ، وقرأ الباقون بالنُّونِ ؛ لأنه لَمَّا كان بأمرهِ سُبْحَانَهُ جازَ أن يُنسَبَ إليهِ.
العنكبوت 29:56
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ؛ قالَ مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، تَقُولُ : إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفاً من الموتِ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير :(مَعْنَى الآيَةِ : إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ)، وقال عطاءُ :(إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ)، وقال مجاهدُ :(إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ).
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناها : إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ، وَقِيْلَ :﴿وَاسِعَةٌ﴾ أي رزْقِي لكم واسعٌ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ".
ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ، فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا :(لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :(لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلاً يقيمُ فيهِ، والمعنى : والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفاً عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ للهِ.
ثُم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ). وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.
قال مقاتلُ :(إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ : كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ). فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.
والمعنى : كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ؛ حيثُ توجَّهت، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.
العنكبوت 29:57
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ؛ قالَ مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، تَقُولُ : إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفاً من الموتِ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير :(مَعْنَى الآيَةِ : إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ)، وقال عطاءُ :(إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ)، وقال مجاهدُ :(إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ).
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناها : إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ، وَقِيْلَ :﴿وَاسِعَةٌ﴾ أي رزْقِي لكم واسعٌ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ".
ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ، فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا :(لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :(لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلاً يقيمُ فيهِ، والمعنى : والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفاً عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ للهِ.
ثُم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ). وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.
قال مقاتلُ :(إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ : كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ). فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.
والمعنى : كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ؛ حيثُ توجَّهت، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.
العنكبوت 29:58
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ؛ قالَ مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، تَقُولُ : إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفاً من الموتِ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير :(مَعْنَى الآيَةِ : إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ)، وقال عطاءُ :(إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ)، وقال مجاهدُ :(إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ).
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناها : إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ، وَقِيْلَ :﴿وَاسِعَةٌ﴾ أي رزْقِي لكم واسعٌ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ".
ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ، فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا :(لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :(لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلاً يقيمُ فيهِ، والمعنى : والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفاً عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ للهِ.
ثُم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ). وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.
قال مقاتلُ :(إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ : كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ). فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.
والمعنى : كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ؛ حيثُ توجَّهت، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.
العنكبوت 29:59
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ؛ قالَ مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، تَقُولُ : إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفاً من الموتِ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير :(مَعْنَى الآيَةِ : إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ)، وقال عطاءُ :(إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ)، وقال مجاهدُ :(إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ).
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناها : إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ، وَقِيْلَ :﴿وَاسِعَةٌ﴾ أي رزْقِي لكم واسعٌ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ".
ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ، فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا :(لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :(لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلاً يقيمُ فيهِ، والمعنى : والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفاً عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ للهِ.
ثُم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ). وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.
قال مقاتلُ :(إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ : كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ). فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.
والمعنى : كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ؛ حيثُ توجَّهت، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.
العنكبوت 29:60
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ؛ قالَ مقاتلُ :(نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ، تَقُولُ : إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.
ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ :﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفاً من الموتِ، ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير :(مَعْنَى الآيَةِ : إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ)، وقال عطاءُ :(إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ)، وقال مجاهدُ :(إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ).
وقال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ : كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ).
ومعناها : إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ، وَقِيْلَ :﴿وَاسِعَةٌ﴾ أي رزْقِي لكم واسعٌ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْراً مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ ".
ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ، فقال :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ، ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفَاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا :(لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ)، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :(لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ : ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلاً يقيمُ فيهِ، والمعنى : والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفاً عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ؛ للهِ.
ثُم وصَفَهم فقالَ :﴿الَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ). وَقِيْلَ : معناهُ :﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.
قال مقاتلُ :(إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ : كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ). فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.
والمعنى : كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئاً لِغَدٍ، ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ ؛ حيثُ توجَّهت، ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.
العنكبوت 29:61
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ؛ يعني لَئِنْ سألتَ مُشِركي مكَّة : مَنْ خَلَقَ السَّمَواتِ، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي يُصْرَفونَ عن عبادةِ الله الذي هذه صفتهُ إلى عبادةِ جَماداتٍ لا تنفعُ ولا تضرُّ.
العنكبوت 29:62
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ ؛ أي يبسطُ الرِّزقَ على قومٍ، ويُضَيِّقُ على قومٍ، يفعلُ ذلك عن عِلْمٍ وحكمةٍ، لا عن غَلَطٍ وخطأ، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.
العنكبوت 29:63
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ؛ يعني كفَّارَ مكَّة أيضاً، ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ؛ أي الحمدُ للهِ على إقرارهم ؛ لأن ذلكَ يُلْزِمُهُمْ الْحُجَّةَ، ويوجبُ عليهم التوحيدَ. وَقِيْلَ : معناهُ : الحمدُ للهِ على هذه النِّعَمِ، وعلى ما تَفَضَّلَ به جَلَّ ذِكْرُهُ من الإنعَامِ على العبادِ، ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ بتوحيدِ ربهِم مع إقرارهم بأنه خَلَقَ السَّمواتِ والأرضَ وأنزلَ المطرَ.
العنكبوت 29:64
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا هَـاذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ أي باطلٌ وغُرُورٌ وعَبَثٌ تنقضِي عن قريبٍ بسرعةٍ، ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ ؛ يعني الْجَنَّةَ هي الْحَيَوَانُ ؛ أي الحياةُ والدَّوامُ والبقاءُ الذي لا نَفَاذَ له، والْحَيَوَانُ والحياةُ وأحدٌ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي لو كانوا يَعْلَمُونَ الفرقَ بين الحياةِ الدَّائمةِ والحياة الفَانِيَةِ لرَغِبُوا في الباقِي الدائمِ عن الفانِي الزَّائلِ، ولكنَّهم لا يعلمونَ.
العنكبوت 29:65
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ؛ يعني المشرِكينَ إذا رَكِبُوا في السَّفينةِ وهَاجَتِ الرياحُ واضطربَتِ الأمواجُ، وخَافُوا الغرقَ والهلاكَ، ﴿عَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي دَعَوُا اللهَ مُُفْرِدِيْنَ بالدُّعاءِ، وتَرَكُوا شُركاءَهم وأصنامَهم فلا يدعُونَهم لإنجائِهم، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ ؛ أي فلمَّا خَلَّصَهُمْ من تلك الأهوالِ، وأخرجَهم إلى البرِّ ؛ ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي عَادُوا إلى شُركائِهم لكي يَكْفُرُوا بما أعطينَاهُم، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ ؛ فِي كُفرِهم، ﴿فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ ؛ جزاءَ فِعْلَتِهِمْ. قال عكرمةُ :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذا رَكِبُواْ فِي الْبَحْرِ حَمَلُواْ مَعَهُمْ الأَصْنَامَ، فَإذا اشْتَدَّتْ بهِمْ الرِّيْحُ ألْقَواْ تِلْكَ الأَصْنَامَ فِي الْبَحْرِ، وَصَاحُواْ : يَا اللهَ يَا اللهَ).
وَقِيْلَ : إنَّ (اللام) في قوله (لِيَكْفُرُوا) لامُ الأمرِ، ومعناها : التهديدُ والوعيدُ، كقولهِ﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾[فصلت: ٤٠]﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾[الإسراء: ٦٤]، وكذلك عَقَّبَهُ بقولهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾.
العنكبوت 29:66
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي الْفُلْكِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ؛ يعني المشرِكينَ إذا رَكِبُوا في السَّفينةِ وهَاجَتِ الرياحُ واضطربَتِ الأمواجُ، وخَافُوا الغرقَ والهلاكَ، ﴿عَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أي دَعَوُا اللهَ مُُفْرِدِيْنَ بالدُّعاءِ، وتَرَكُوا شُركاءَهم وأصنامَهم فلا يدعُونَهم لإنجائِهم، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ ؛ أي فلمَّا خَلَّصَهُمْ من تلك الأهوالِ، وأخرجَهم إلى البرِّ ؛ ﴿إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ أي عَادُوا إلى شُركائِهم لكي يَكْفُرُوا بما أعطينَاهُم، ﴿وَلِيَتَمَتَّعُواْ﴾ ؛ فِي كُفرِهم، ﴿فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾ ؛ جزاءَ فِعْلَتِهِمْ. قال عكرمةُ :(كَانَ أهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذا رَكِبُواْ فِي الْبَحْرِ حَمَلُواْ مَعَهُمْ الأَصْنَامَ، فَإذا اشْتَدَّتْ بهِمْ الرِّيْحُ ألْقَواْ تِلْكَ الأَصْنَامَ فِي الْبَحْرِ، وَصَاحُواْ : يَا اللهَ يَا اللهَ).
وَقِيْلَ : إنَّ (اللام) في قوله (لِيَكْفُرُوا) لامُ الأمرِ، ومعناها : التهديدُ والوعيدُ، كقولهِ﴿اعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ﴾[فصلت: ٤٠]﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾[الإسراء: ٦٤]، وكذلك عَقَّبَهُ بقولهِ، ﴿فَسَوْفَ يَعلَمُونَ﴾.
العنكبوت 29:67
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ أي ألَم يَرَ كفارُ مكَّة ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ يعني مكَّة، ويُسْلَبُ الناسُ من حولِهم فيقتلونَ ويُؤسَرُونَ وتؤخذًُ أموالُهم، وأهلُ مكَّة آمِنُونَ من ذلكَ، ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ ؛ أي فيقرُّون ويصدِّقون بالباطلِ وهي الأصنامُ بعد قيامِ الْحُجَّةِ، ﴿وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ ؛ أي بمُحَمَّدٍ والإسلامِ يَجْحَدُونَ. والتَّخَطُّفُ : هو تناولُ الشيءِ بسُرعَةٍ.
العنكبوت 29:68
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً﴾ ؛ أي لا أجدُ أظْلَمَ مِمَّن زعمَ أنَّ للهِ شريكاً، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ﴾ ؛ يعني مُحَمَّداً والقُرْآن، ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي أمَا لِهذا الكافرٍِ المكذِّب مأوًى في جهنَّم، وهو استفهامٌ، ومعناهُ : التقريرُ.
العنكبوت 29:69
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ ؛ أي الذين جَاهَدُوا الكفارَ لابتغاءِ مَرْضَاتِنَا لنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا إلَى الجنَّة ؛ أي لنُوفِّقَنَّهُمْ لإصابةِ الطريقِ المستقيمة. وَقِيْلَ : معناهُ : والذين قًاتَلُوا لأجْلِنَا أعدَاءَنا لنَهْدِيَنَّهُمْ سبيلَ الشَّهادةِ والمغفرةِ.
وقال الفُضَيْلُ :(مَعْنَاهُ : وَالَّذِيْنَ جَاهَدُواْ فِيْنَا فِي طَلَب الْعِلْمِ بالْعَمَلِ بهِ)، وقال أبو سُليمان الدَّارَانِيُّ :(مَعْنَاهُ : الَّذِيْنَ يَعْمَلُون بمَا يَعْلَمُونَ يَهْدِيهِمْ اللهُ إلَى مَا لاَ يَعْلَمُونَ). وعنِ ابنِ عبَّاس :(أنَّ مَعْنَاهُ : وَالَّذِيْنَ جَاهَدُواْ فِي طَاعَتِنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ ثَوَابنَا).
وَقِيْلَ : معناهُ : والذينَ جاهَدُوا بالصَّبرِ على المصائب والنَّوائب لنهدينهم سُبُلَ الوصُولِ للمواهب. وََقِيْلَ : والذين جَاهَدُوا بالثَّباتِ على الإيْمَانِ لنَهْدِيَنَّهُمْ دُخولَ الجنانِ. وقال سَهْلُ بن عبدِالله :(وَالَّذِيْنَ جَاهَدُواْ فِي إقَامَةِ السُّنَّةِ لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ). قََوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ؛ أي مَنَّ بالنَّصرِ على أعدائِهم، والمعونةِ في دُنياهم والثواب والمغفرة في عُقبَاهم.
وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْعَنْكَبُوتِ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بعَدَدِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُنَافِقِيْنَ ".