Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — الروم 30:1 – الأحزاب 33:73

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. الروم 30:1
  2. الروم 30:2
  3. الروم 30:3
  4. الروم 30:4
  5. الروم 30:5
  6. الروم 30:6
  7. الروم 30:7
  8. الروم 30:8
  9. الروم 30:9
  10. الروم 30:10
  11. الروم 30:11
  12. الروم 30:12
  13. الروم 30:13
  14. الروم 30:14
  15. الروم 30:15
  16. الروم 30:16
  17. الروم 30:17
  18. الروم 30:18
  19. الروم 30:19
  20. الروم 30:20
  21. الروم 30:21
  22. الروم 30:22
  23. الروم 30:23
  24. الروم 30:24
  25. الروم 30:25
  26. الروم 30:26
  27. الروم 30:27
  28. الروم 30:28
  29. الروم 30:29
  30. الروم 30:30
  31. الروم 30:31
  32. الروم 30:32
  33. الروم 30:33
  34. الروم 30:34
  35. الروم 30:35
  36. الروم 30:36
  37. الروم 30:37
  38. الروم 30:38
  39. الروم 30:39
  40. الروم 30:40
  41. الروم 30:41
  42. الروم 30:42
  43. الروم 30:43
  44. الروم 30:44
  45. الروم 30:45
  46. الروم 30:46
  47. الروم 30:47
  48. الروم 30:48
  49. الروم 30:49
  50. الروم 30:50
  51. الروم 30:51
  52. الروم 30:52
  53. الروم 30:53
  54. الروم 30:54
  55. الروم 30:55
  56. الروم 30:56
  57. الروم 30:57
  58. الروم 30:58
  59. الروم 30:59
  60. الروم 30:60
  61. لقمان 31:1
  62. لقمان 31:2
  63. لقمان 31:3
  64. لقمان 31:4
  65. لقمان 31:5
  66. لقمان 31:6
  67. لقمان 31:7
  68. لقمان 31:8
  69. لقمان 31:9
  70. لقمان 31:10
  71. لقمان 31:11
  72. لقمان 31:12
  73. لقمان 31:13
  74. لقمان 31:14
  75. لقمان 31:15
  76. لقمان 31:16
  77. لقمان 31:17
  78. لقمان 31:18
  79. لقمان 31:19
  80. لقمان 31:20
  81. لقمان 31:21
  82. لقمان 31:22
  83. لقمان 31:23
  84. لقمان 31:24
  85. لقمان 31:25
  86. لقمان 31:26
  87. لقمان 31:27
  88. لقمان 31:28
  89. لقمان 31:29
  90. لقمان 31:30
  91. لقمان 31:31
  92. لقمان 31:32
  93. لقمان 31:33
  94. لقمان 31:34
  95. السجدة 32:1
  96. السجدة 32:2
  97. السجدة 32:3
  98. السجدة 32:4
  99. السجدة 32:5
  100. السجدة 32:6
  101. السجدة 32:7
  102. السجدة 32:8
  103. السجدة 32:9
  104. السجدة 32:10
  105. السجدة 32:11
  106. السجدة 32:12
  107. السجدة 32:13
  108. السجدة 32:14
  109. السجدة 32:15
  110. السجدة 32:16
  111. السجدة 32:17
  112. السجدة 32:18
  113. السجدة 32:19
  114. السجدة 32:20
  115. السجدة 32:21
  116. السجدة 32:22
  117. السجدة 32:23
  118. السجدة 32:24
  119. السجدة 32:25
  120. السجدة 32:26
  121. السجدة 32:27
  122. السجدة 32:28
  123. السجدة 32:29
  124. السجدة 32:30
  125. الأحزاب 33:1
  126. الأحزاب 33:2
  127. الأحزاب 33:3
  128. الأحزاب 33:4
  129. الأحزاب 33:5
  130. الأحزاب 33:6
  131. الأحزاب 33:7
  132. الأحزاب 33:8
  133. الأحزاب 33:9
  134. الأحزاب 33:10
  135. الأحزاب 33:11
  136. الأحزاب 33:12
  137. الأحزاب 33:13
  138. الأحزاب 33:14
  139. الأحزاب 33:15
  140. الأحزاب 33:16
  141. الأحزاب 33:17
  142. الأحزاب 33:18
  143. الأحزاب 33:19
  144. الأحزاب 33:20
  145. الأحزاب 33:21
  146. الأحزاب 33:22
  147. الأحزاب 33:23
  148. الأحزاب 33:24
  149. الأحزاب 33:25
  150. الأحزاب 33:26
  151. الأحزاب 33:27
  152. الأحزاب 33:28
  153. الأحزاب 33:29
  154. الأحزاب 33:30
  155. الأحزاب 33:31
  156. الأحزاب 33:32
  157. الأحزاب 33:33
  158. الأحزاب 33:34
  159. الأحزاب 33:35
  160. الأحزاب 33:36
  161. الأحزاب 33:37
  162. الأحزاب 33:38
  163. الأحزاب 33:39
  164. الأحزاب 33:40
  165. الأحزاب 33:41
  166. الأحزاب 33:42
  167. الأحزاب 33:43
  168. الأحزاب 33:44
  169. الأحزاب 33:45
  170. الأحزاب 33:46
  171. الأحزاب 33:47
  172. الأحزاب 33:48
  173. الأحزاب 33:49
  174. الأحزاب 33:50
  175. الأحزاب 33:51
  176. الأحزاب 33:52
  177. الأحزاب 33:53
  178. الأحزاب 33:54
  179. الأحزاب 33:55
  180. الأحزاب 33:56
  181. الأحزاب 33:57
  182. الأحزاب 33:58
  183. الأحزاب 33:59
  184. الأحزاب 33:60
  185. الأحزاب 33:61
  186. الأحزاب 33:62
  187. الأحزاب 33:63
  188. الأحزاب 33:64
  189. الأحزاب 33:65
  190. الأحزاب 33:66
  191. الأحزاب 33:67
  192. الأحزاب 33:68
  193. الأحزاب 33:69
  194. الأحزاب 33:70
  195. الأحزاب 33:71
  196. الأحزاب 33:72
  197. الأحزاب 33:73

الروم 30:1

﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ؛ أي غَلَبَتْ فارسُ الرومَ، ففرحَ بذلك كفارُ مكَّة وقالوا : الذين ليس لَهم كتابٌ غلبوا الذين لهم كتابٌ، وافتَخَروا بذلكَ على المسلمين وقالوا لَهم : نحنُ أيضاً نغلِبُكم كما غلبَتْ فارسُ الرومَ. وقصَّة ذلكَ : أن كِسرَى ملكَ فارس أرسلَ شهريار إلى الرُّومِ، فسارَ إليهم بأهلِ فارسَ ليغزُوَهم، فظهرَ على الرومِ فقتلَهم وخرَّبَ مدائنَهم، وكان قيصرُ ملكُ الرومِ قد بعثَ بجيشٍ لَمَّا سَمِعَ بقدوم شهريارَ، فالتقيا بأَذْرُعَاتِ وَبُصْرَى وهي أدنَى الشَّام إلى أرضِ العرب والعجمِ، فغلبَت فارسُ الرومَ حتى انتزعوا بيتَ المقدسِ من الرومِ، وكان ذلك موضعُ عبادتِهم. فبلغ ذلكَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بمكَّة فشُقَّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكرهُ أن يظهرَ الأُمِّيُّونَ من الْمَجُوسِ على أهلِ الكتاب من الرُّوم، وفَرِحَ بذلك كفارُ مكَّة وشَمَتُوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ وقالوا : إنَّكم أهلُ كتابٍ والنصَارَى أهلُ كتابٍ، وقد ظهرَ إخوانُنا من أهلِ فارس على إخوانِكم من أهلِ الرُّومِ، وإنَّكم إن قاتَلتُمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآياتِ ﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرجَ أبُو بكرٍ رضي الله عنه إلى الكفَّار وقال :(أفَرِحْتُمْ بظُهُور إخْوَانِكُمْ عَلَى إخْوَانِنَا؟! فَلاَ تَفْرَحُواْ وَلاَ يُقِرُّ اللهُ أعْيُنَكُمْ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلَى فَارسَ، أخْبَرَنَا بذلِكَ نَبيُّنَا) فَقَامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقَالَ لَهُ : كَذبْتَ! فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ : أنْتَ أكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللهِ) فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ : كَمَا غَلَبَتْ عَبَدَةُ النِّيْرَانِ أهْلَ الْكِتَاب، فَكَذلِكَ نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ) وَاسْتَبْعَدَ الْمُشْرِكُونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارسَ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ أهْلِ فَارسَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ :(أنَا أُرَاهِنُكَ عَلَى أنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ إلَى ثَلاَثِ سِنِيْنَ) فَرَاهَنَهُ أُبَيُّ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الإبلِ، وَقِيْلَ : عَلَى عَشْرٍ مِنَ الإبلِ، (فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فَارسُ غَرِمْتُ أنَا) ثُمَّ جَاءَ أبُو بَكْرٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فََقَالَ ﷺ :" زدْ فِي الْخَطَرِ وَأبْعِدْ فِي الأَجَلِ " فَفَعَلَ ذلِكَ، وَجَعَلَ الأَجَلَ تِسْعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيْمِ الْقِمَار. رُوي أنَّ النَّّبيَّ ﷺ قَالَ لأَبي بَكْرٍ :" إنَّمَا الْبضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إلَى التِّسْعِ " قََرَأ :" زدْهُ فِي الْخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيّاً فَقَالَ : لَعَلَّكَ نَدِمْتَ! فَقَالَ : أزيدُكَ فِي الْخَطَرِ وَأُمَادُّكَ فِي الأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قُلُوصٍ إلَى تِسْعِ سِنِيْنَ، قَالَ : قَدْ أخَافُ فَعَلْتُ. فَلَمَّا خَشِيَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ أبُو بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، أتَاهُ فَلَزِمَهُ وَقًَالَ أُبَيُّ : إنْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَأَقِرَّ لِي كَفِيْلاً، فَكَفَلَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أرَادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ، أتَاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ فَلَزِمَهُ وَقَالَ : لاَ وَاللهِ لاَ أدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَفِيْلاً، فَأَعْطَاهُ كَفِيْلاً وَمَضَى إلَى أُحُدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بمَكَّةَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ بَارَزَهُ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ وَذِلكَ عَلَى رَأسِ تِسْعِ سِنِيْنَ مِنْ مُرَاهَنَتِهِمْ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.

الروم 30:2

﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ؛ أي غَلَبَتْ فارسُ الرومَ، ففرحَ بذلك كفارُ مكَّة وقالوا : الذين ليس لَهم كتابٌ غلبوا الذين لهم كتابٌ، وافتَخَروا بذلكَ على المسلمين وقالوا لَهم : نحنُ أيضاً نغلِبُكم كما غلبَتْ فارسُ الرومَ. وقصَّة ذلكَ : أن كِسرَى ملكَ فارس أرسلَ شهريار إلى الرُّومِ، فسارَ إليهم بأهلِ فارسَ ليغزُوَهم، فظهرَ على الرومِ فقتلَهم وخرَّبَ مدائنَهم، وكان قيصرُ ملكُ الرومِ قد بعثَ بجيشٍ لَمَّا سَمِعَ بقدوم شهريارَ، فالتقيا بأَذْرُعَاتِ وَبُصْرَى وهي أدنَى الشَّام إلى أرضِ العرب والعجمِ، فغلبَت فارسُ الرومَ حتى انتزعوا بيتَ المقدسِ من الرومِ، وكان ذلك موضعُ عبادتِهم. فبلغ ذلكَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بمكَّة فشُقَّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكرهُ أن يظهرَ الأُمِّيُّونَ من الْمَجُوسِ على أهلِ الكتاب من الرُّوم، وفَرِحَ بذلك كفارُ مكَّة وشَمَتُوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ وقالوا : إنَّكم أهلُ كتابٍ والنصَارَى أهلُ كتابٍ، وقد ظهرَ إخوانُنا من أهلِ فارس على إخوانِكم من أهلِ الرُّومِ، وإنَّكم إن قاتَلتُمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآياتِ ﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرجَ أبُو بكرٍ رضي الله عنه إلى الكفَّار وقال :(أفَرِحْتُمْ بظُهُور إخْوَانِكُمْ عَلَى إخْوَانِنَا؟! فَلاَ تَفْرَحُواْ وَلاَ يُقِرُّ اللهُ أعْيُنَكُمْ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلَى فَارسَ، أخْبَرَنَا بذلِكَ نَبيُّنَا) فَقَامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقَالَ لَهُ : كَذبْتَ! فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ : أنْتَ أكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللهِ) فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ : كَمَا غَلَبَتْ عَبَدَةُ النِّيْرَانِ أهْلَ الْكِتَاب، فَكَذلِكَ نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ) وَاسْتَبْعَدَ الْمُشْرِكُونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارسَ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ أهْلِ فَارسَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ :(أنَا أُرَاهِنُكَ عَلَى أنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ إلَى ثَلاَثِ سِنِيْنَ) فَرَاهَنَهُ أُبَيُّ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الإبلِ، وَقِيْلَ : عَلَى عَشْرٍ مِنَ الإبلِ، (فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فَارسُ غَرِمْتُ أنَا) ثُمَّ جَاءَ أبُو بَكْرٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فََقَالَ ﷺ :" زدْ فِي الْخَطَرِ وَأبْعِدْ فِي الأَجَلِ " فَفَعَلَ ذلِكَ، وَجَعَلَ الأَجَلَ تِسْعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيْمِ الْقِمَار. رُوي أنَّ النَّّبيَّ ﷺ قَالَ لأَبي بَكْرٍ :" إنَّمَا الْبضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إلَى التِّسْعِ " قََرَأ :" زدْهُ فِي الْخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيّاً فَقَالَ : لَعَلَّكَ نَدِمْتَ! فَقَالَ : أزيدُكَ فِي الْخَطَرِ وَأُمَادُّكَ فِي الأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قُلُوصٍ إلَى تِسْعِ سِنِيْنَ، قَالَ : قَدْ أخَافُ فَعَلْتُ. فَلَمَّا خَشِيَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ أبُو بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، أتَاهُ فَلَزِمَهُ وَقًَالَ أُبَيُّ : إنْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَأَقِرَّ لِي كَفِيْلاً، فَكَفَلَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أرَادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ، أتَاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ فَلَزِمَهُ وَقَالَ : لاَ وَاللهِ لاَ أدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَفِيْلاً، فَأَعْطَاهُ كَفِيْلاً وَمَضَى إلَى أُحُدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بمَكَّةَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ بَارَزَهُ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ وَذِلكَ عَلَى رَأسِ تِسْعِ سِنِيْنَ مِنْ مُرَاهَنَتِهِمْ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.

الروم 30:3

﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ؛ أي غَلَبَتْ فارسُ الرومَ، ففرحَ بذلك كفارُ مكَّة وقالوا : الذين ليس لَهم كتابٌ غلبوا الذين لهم كتابٌ، وافتَخَروا بذلكَ على المسلمين وقالوا لَهم : نحنُ أيضاً نغلِبُكم كما غلبَتْ فارسُ الرومَ. وقصَّة ذلكَ : أن كِسرَى ملكَ فارس أرسلَ شهريار إلى الرُّومِ، فسارَ إليهم بأهلِ فارسَ ليغزُوَهم، فظهرَ على الرومِ فقتلَهم وخرَّبَ مدائنَهم، وكان قيصرُ ملكُ الرومِ قد بعثَ بجيشٍ لَمَّا سَمِعَ بقدوم شهريارَ، فالتقيا بأَذْرُعَاتِ وَبُصْرَى وهي أدنَى الشَّام إلى أرضِ العرب والعجمِ، فغلبَت فارسُ الرومَ حتى انتزعوا بيتَ المقدسِ من الرومِ، وكان ذلك موضعُ عبادتِهم. فبلغ ذلكَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بمكَّة فشُقَّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكرهُ أن يظهرَ الأُمِّيُّونَ من الْمَجُوسِ على أهلِ الكتاب من الرُّوم، وفَرِحَ بذلك كفارُ مكَّة وشَمَتُوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ وقالوا : إنَّكم أهلُ كتابٍ والنصَارَى أهلُ كتابٍ، وقد ظهرَ إخوانُنا من أهلِ فارس على إخوانِكم من أهلِ الرُّومِ، وإنَّكم إن قاتَلتُمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآياتِ ﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرجَ أبُو بكرٍ رضي الله عنه إلى الكفَّار وقال :(أفَرِحْتُمْ بظُهُور إخْوَانِكُمْ عَلَى إخْوَانِنَا؟! فَلاَ تَفْرَحُواْ وَلاَ يُقِرُّ اللهُ أعْيُنَكُمْ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلَى فَارسَ، أخْبَرَنَا بذلِكَ نَبيُّنَا) فَقَامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقَالَ لَهُ : كَذبْتَ! فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ : أنْتَ أكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللهِ) فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ : كَمَا غَلَبَتْ عَبَدَةُ النِّيْرَانِ أهْلَ الْكِتَاب، فَكَذلِكَ نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ) وَاسْتَبْعَدَ الْمُشْرِكُونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارسَ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ أهْلِ فَارسَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ :(أنَا أُرَاهِنُكَ عَلَى أنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ إلَى ثَلاَثِ سِنِيْنَ) فَرَاهَنَهُ أُبَيُّ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الإبلِ، وَقِيْلَ : عَلَى عَشْرٍ مِنَ الإبلِ، (فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فَارسُ غَرِمْتُ أنَا) ثُمَّ جَاءَ أبُو بَكْرٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فََقَالَ ﷺ :" زدْ فِي الْخَطَرِ وَأبْعِدْ فِي الأَجَلِ " فَفَعَلَ ذلِكَ، وَجَعَلَ الأَجَلَ تِسْعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيْمِ الْقِمَار. رُوي أنَّ النَّّبيَّ ﷺ قَالَ لأَبي بَكْرٍ :" إنَّمَا الْبضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إلَى التِّسْعِ " قََرَأ :" زدْهُ فِي الْخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيّاً فَقَالَ : لَعَلَّكَ نَدِمْتَ! فَقَالَ : أزيدُكَ فِي الْخَطَرِ وَأُمَادُّكَ فِي الأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قُلُوصٍ إلَى تِسْعِ سِنِيْنَ، قَالَ : قَدْ أخَافُ فَعَلْتُ. فَلَمَّا خَشِيَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ أبُو بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، أتَاهُ فَلَزِمَهُ وَقًَالَ أُبَيُّ : إنْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَأَقِرَّ لِي كَفِيْلاً، فَكَفَلَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أرَادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ، أتَاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ فَلَزِمَهُ وَقَالَ : لاَ وَاللهِ لاَ أدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَفِيْلاً، فَأَعْطَاهُ كَفِيْلاً وَمَضَى إلَى أُحُدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بمَكَّةَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ بَارَزَهُ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ وَذِلكَ عَلَى رَأسِ تِسْعِ سِنِيْنَ مِنْ مُرَاهَنَتِهِمْ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.

الروم 30:4

﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ؛ أي غَلَبَتْ فارسُ الرومَ، ففرحَ بذلك كفارُ مكَّة وقالوا : الذين ليس لَهم كتابٌ غلبوا الذين لهم كتابٌ، وافتَخَروا بذلكَ على المسلمين وقالوا لَهم : نحنُ أيضاً نغلِبُكم كما غلبَتْ فارسُ الرومَ. وقصَّة ذلكَ : أن كِسرَى ملكَ فارس أرسلَ شهريار إلى الرُّومِ، فسارَ إليهم بأهلِ فارسَ ليغزُوَهم، فظهرَ على الرومِ فقتلَهم وخرَّبَ مدائنَهم، وكان قيصرُ ملكُ الرومِ قد بعثَ بجيشٍ لَمَّا سَمِعَ بقدوم شهريارَ، فالتقيا بأَذْرُعَاتِ وَبُصْرَى وهي أدنَى الشَّام إلى أرضِ العرب والعجمِ، فغلبَت فارسُ الرومَ حتى انتزعوا بيتَ المقدسِ من الرومِ، وكان ذلك موضعُ عبادتِهم. فبلغ ذلكَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بمكَّة فشُقَّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكرهُ أن يظهرَ الأُمِّيُّونَ من الْمَجُوسِ على أهلِ الكتاب من الرُّوم، وفَرِحَ بذلك كفارُ مكَّة وشَمَتُوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ وقالوا : إنَّكم أهلُ كتابٍ والنصَارَى أهلُ كتابٍ، وقد ظهرَ إخوانُنا من أهلِ فارس على إخوانِكم من أهلِ الرُّومِ، وإنَّكم إن قاتَلتُمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآياتِ ﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرجَ أبُو بكرٍ رضي الله عنه إلى الكفَّار وقال :(أفَرِحْتُمْ بظُهُور إخْوَانِكُمْ عَلَى إخْوَانِنَا؟! فَلاَ تَفْرَحُواْ وَلاَ يُقِرُّ اللهُ أعْيُنَكُمْ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلَى فَارسَ، أخْبَرَنَا بذلِكَ نَبيُّنَا) فَقَامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقَالَ لَهُ : كَذبْتَ! فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ : أنْتَ أكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللهِ) فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ : كَمَا غَلَبَتْ عَبَدَةُ النِّيْرَانِ أهْلَ الْكِتَاب، فَكَذلِكَ نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ) وَاسْتَبْعَدَ الْمُشْرِكُونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارسَ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ أهْلِ فَارسَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ :(أنَا أُرَاهِنُكَ عَلَى أنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ إلَى ثَلاَثِ سِنِيْنَ) فَرَاهَنَهُ أُبَيُّ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الإبلِ، وَقِيْلَ : عَلَى عَشْرٍ مِنَ الإبلِ، (فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فَارسُ غَرِمْتُ أنَا) ثُمَّ جَاءَ أبُو بَكْرٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فََقَالَ ﷺ :" زدْ فِي الْخَطَرِ وَأبْعِدْ فِي الأَجَلِ " فَفَعَلَ ذلِكَ، وَجَعَلَ الأَجَلَ تِسْعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيْمِ الْقِمَار. رُوي أنَّ النَّّبيَّ ﷺ قَالَ لأَبي بَكْرٍ :" إنَّمَا الْبضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إلَى التِّسْعِ " قََرَأ :" زدْهُ فِي الْخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيّاً فَقَالَ : لَعَلَّكَ نَدِمْتَ! فَقَالَ : أزيدُكَ فِي الْخَطَرِ وَأُمَادُّكَ فِي الأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قُلُوصٍ إلَى تِسْعِ سِنِيْنَ، قَالَ : قَدْ أخَافُ فَعَلْتُ. فَلَمَّا خَشِيَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ أبُو بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، أتَاهُ فَلَزِمَهُ وَقًَالَ أُبَيُّ : إنْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَأَقِرَّ لِي كَفِيْلاً، فَكَفَلَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أرَادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ، أتَاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ فَلَزِمَهُ وَقَالَ : لاَ وَاللهِ لاَ أدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَفِيْلاً، فَأَعْطَاهُ كَفِيْلاً وَمَضَى إلَى أُحُدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بمَكَّةَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ بَارَزَهُ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ وَذِلكَ عَلَى رَأسِ تِسْعِ سِنِيْنَ مِنْ مُرَاهَنَتِهِمْ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.

الروم 30:5

﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ؛ أي غَلَبَتْ فارسُ الرومَ، ففرحَ بذلك كفارُ مكَّة وقالوا : الذين ليس لَهم كتابٌ غلبوا الذين لهم كتابٌ، وافتَخَروا بذلكَ على المسلمين وقالوا لَهم : نحنُ أيضاً نغلِبُكم كما غلبَتْ فارسُ الرومَ. وقصَّة ذلكَ : أن كِسرَى ملكَ فارس أرسلَ شهريار إلى الرُّومِ، فسارَ إليهم بأهلِ فارسَ ليغزُوَهم، فظهرَ على الرومِ فقتلَهم وخرَّبَ مدائنَهم، وكان قيصرُ ملكُ الرومِ قد بعثَ بجيشٍ لَمَّا سَمِعَ بقدوم شهريارَ، فالتقيا بأَذْرُعَاتِ وَبُصْرَى وهي أدنَى الشَّام إلى أرضِ العرب والعجمِ، فغلبَت فارسُ الرومَ حتى انتزعوا بيتَ المقدسِ من الرومِ، وكان ذلك موضعُ عبادتِهم. فبلغ ذلكَ النبيَّ ﷺ وأصحابَهُ بمكَّة فشُقَّ ذلك عليهم، وكان ﷺ يكرهُ أن يظهرَ الأُمِّيُّونَ من الْمَجُوسِ على أهلِ الكتاب من الرُّوم، وفَرِحَ بذلك كفارُ مكَّة وشَمَتُوا، فلَقُوا أصحابَ النبيِّ ﷺ وقالوا : إنَّكم أهلُ كتابٍ والنصَارَى أهلُ كتابٍ، وقد ظهرَ إخوانُنا من أهلِ فارس على إخوانِكم من أهلِ الرُّومِ، وإنَّكم إن قاتَلتُمونا لنظهرَنَّ عليكم، فأنزلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هذه الآياتِ ﴿الـم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾. فخرجَ أبُو بكرٍ رضي الله عنه إلى الكفَّار وقال :(أفَرِحْتُمْ بظُهُور إخْوَانِكُمْ عَلَى إخْوَانِنَا؟! فَلاَ تَفْرَحُواْ وَلاَ يُقِرُّ اللهُ أعْيُنَكُمْ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ الرُّومُ عَلَى فَارسَ، أخْبَرَنَا بذلِكَ نَبيُّنَا) فَقَامَ إلَيْهِ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ وَقَالَ لَهُ : كَذبْتَ! فَقَالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ : أنْتَ أكْذَبُ يَا عَدُوَّ اللهِ) فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ : كَمَا غَلَبَتْ عَبَدَةُ النِّيْرَانِ أهْلَ الْكِتَاب، فَكَذلِكَ نَحْنُ نَغْلِبُكُمْ) وَاسْتَبْعَدَ الْمُشْرِكُونَ ظُهُورَ الرُّومِ عَلَى فَارسَ لِشِدَّةِ شَوْكَةِ أهْلِ فَارسَ. فَقَالَ أبُو بَكْرٍ لأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ :(أنَا أُرَاهِنُكَ عَلَى أنَّ الرُّومَ تَغْلِبُ إلَى ثَلاَثِ سِنِيْنَ) فَرَاهَنَهُ أُبَيُّ عَلَى خَمْسٍ مِنَ الإبلِ، وَقِيْلَ : عَلَى عَشْرٍ مِنَ الإبلِ، (فَإنْ ظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ غَرِمْتَ، وإنْ ظَهَرَتْ فَارسُ غَرِمْتُ أنَا) ثُمَّ جَاءَ أبُو بَكْرٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فََقَالَ ﷺ :" زدْ فِي الْخَطَرِ وَأبْعِدْ فِي الأَجَلِ " فَفَعَلَ ذلِكَ، وَجَعَلَ الأَجَلَ تِسْعَ سِنِيْنَ، وَكَانَ ذلِكَ قَبْلَ تَحْرِيْمِ الْقِمَار. رُوي أنَّ النَّّبيَّ ﷺ قَالَ لأَبي بَكْرٍ :" إنَّمَا الْبضْعُ مَا بَيْنَ الثَّلاَثِ إلَى التِّسْعِ " قََرَأ :" زدْهُ فِي الْخَطَرِ وَمَادَّهُ فِي الأَجَلِ " فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَلَقِيَ أُبَيّاً فَقَالَ : لَعَلَّكَ نَدِمْتَ! فَقَالَ : أزيدُكَ فِي الْخَطَرِ وَأُمَادُّكَ فِي الأَجَلِ، فَاجْعَلْهَا مِائَةَ قُلُوصٍ إلَى تِسْعِ سِنِيْنَ، قَالَ : قَدْ أخَافُ فَعَلْتُ. فَلَمَّا خَشِيَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ أبُو بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، أتَاهُ فَلَزِمَهُ وَقًَالَ أُبَيُّ : إنْ تَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ فَأَقِرَّ لِي كَفِيْلاً، فَكَفَلَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ، فَلَمَّا أرَادَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ أنْ يَخْرُجَ إلَى أُحُدٍ، أتَاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي بَكْرٍ فَلَزِمَهُ وَقَالَ : لاَ وَاللهِ لاَ أدَعُكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي كَفِيْلاً، فَأَعْطَاهُ كَفِيْلاً وَمَضَى إلَى أُحُدٍ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَاتَ بمَكَّةَ مِنْ جِرَاحَتِهِ الَّتِي جَرَحَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِيْنَ بَارَزَهُ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارسَ يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ وَذِلكَ عَلَى رَأسِ تِسْعِ سِنِيْنَ مِنْ مُرَاهَنَتِهِمْ، وهذا قولُ أكثرِ المفسِّرين.

الروم 30:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ ؛ نصبَ على المصدر ؛ أي وَعْدَ اللهِ ذلِكَ وَعْداً وهو راجعٌ إلى قولهِ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾[الروم: ٣] أي وعدَ الله ذلك لا يخلفُ الله وَعْدَهُ بظهور الروم على فارسَ، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ إنَّ اللهَ لا يخلفُ وعدَهُ ؛ لأن أكثرَهم كفَّارٌ.

الروم 30:7

وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ؛ يعني معايشَهم وما يُصلِحهم. قال الحسنُ :(يَعْلَمُونَ مَتَى زَرْعُهُمْ وَمَتَى حَصَادُهُمْ، وَيَعْلَمُونَ وُجُوهَ الاكْتِسَاب مِنَ التِّجَارَةِ وَالزِّرَاعَةِ وَالْحِرَاثَةِ وَالْغِرَاسَةِ، وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ) قال الحسنُ :(بَلَغَ وَاللهِ مِنْ عِلْمِ أحَدِهِمْ فِي الدُّنْيَا أنَّهُ يَنْقُرُ الدَّرَاهِمَ بيَدِهِ فَيُخْبرُكَ بوَزْنِهِ وَلاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي!). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ ؛ أي هُم مع علمِهم بأمُور الدُّنيا لا يعلمونَ ما طريقةُ الدليلِ من أمرِ الآخرة، وما يكونُ فيها مِن البعثِ والثواب والعقاب، فهم غَافِلُونَ عمَّا هو أوْلَى بهم، وعما يلزَمُهم من الاستعدادِ لذلك.

الروم 30:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِمْ﴾، أي في خَلْقِ اللهِ إيَّاهم، ﴿مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، فتعلَمُون أنَّ الله لَم يخلُقِ السَّموات والأرضَ، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ ؛ إلاّ بالحقِّ ؛ أي إلاّ الحقَّ، ﴿وَأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ ومعنى الآية : أوَلَمْ يتفكَّرْ أهلُ مكَّة بقلوبهم فيعلَمُون أنَّ الله مَا خلقَ السَّموات والأرضَ، وما فيهما من العجائب والبدائع إلاّ ليُحِقَّ الحقَّ ويُبْطِلَ الباطلَ، ويجزي كلَّ عاملٍ بما عَمِلَ عند انقضاءِ الأجَلِ المسمَّى الذي جعلَهُ اللهُ لانقضاء أمرِ السَّموات والأرضِ وهو يومُ القيامةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ﴾ ؛ يعني كفَّارَ مكَّة، ﴿بِلِقَآءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾.

الروم 30:9

وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَسيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يُسافِروا في الأرضِ، ﴿فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ ؛ صارَ أمرُ، ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ ؛ مِن الأُمم السالفةِ حين كذبوا الرُّسلَ إلى الهلاكِ بتكذيبهم فيَعْتَبرُوا. ثُم وصفَ تلكَ الأممَ فقال :﴿كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الأَرْضَ﴾ ؛ أي حَرَثُوها وقلَبُوها للزراعةِ والغَرسِ، ﴿وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ ؛ كفارُ مكَّة لأنَّهم كانوا أطولَ عُمراً وأكثرَ عَدداً، ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فلم يَبْقَ منهم ولا مِن عمارَتِهم أثرٌ، فكذلكَ يكونُ حال هؤلاء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ ؛ بإهلاكِهم، ﴿وَلَـاكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ؛ بالكُفرِ والتكذيب.

الروم 30:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُواْ السُّوءَى أَن كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ؛ أي ثم صَارَ آخرُ أمرِ الذين أسَاءُوا بالكفرِ والمعاصي السُّوء، يعني العذابَ والنار بسبب تكذيبهم واستهزائِهم بآيات اللهِ. قال الفرَّاء والزجَّاج :(السُّوْءَى ضِدُّ الْحُسْنَى وَهِيَ الْجَنَّةُ، وَضِدُّهَا النَّارُ)، وقال ابنُ قتيبةَ :(السُّوءُ جَهَنَّمُ، وَالْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَإنَّمَا سُمِّيَتْ سُوْءَى ؛ لأنَّهَا تَسُوءُ صَاحِبَهَا).

الروم 30:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي يخلقه من النطفة ثم يحييه بعد ما أماته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ ثُم إلى موضعِ حسابه وجَزائهِ يرجِعُون فيجزيَهم بأعمالِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي يَيْأَسُ الْمُجرِمُونَ من رحمةِ الله، ومِن كلِّ خيرٍ حين عَايَنُوا العذابَ. وقال الفرَّاء :(يَنْقَطِعُ كَلاَمُهُمْ وَحُجَّتُهُمْ)، وَقِيْلَ : معنى (يُبْلِسُ) أي يُفتَضَحُ، وَقِيْلَ : معناهُ : يندَمُون، وَقِيْلَ : الْمُبْلِسُ الساكتُ المنقطع عن حجَّته الآيسُ مِن أن يهتدِي إليها، قال الشاعرُ : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قَالَ : نَعَمْ أعْرِفُهُ وَأبْلَسَاوالْمُجرِمون هم الْمُشرِكُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ؛ أي لَم يكن للكفار مِمَّنْ أشرَكُوه في العبادةِ شفعاءَ يَشْفَعُوا لَهم إلى اللهِ، ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ؛ أي يَتَبَرَّؤُنَ منها ويتبَرَّؤُنَ منهم.

الروم 30:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي يخلقه من النطفة ثم يحييه بعد ما أماته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ ثُم إلى موضعِ حسابه وجَزائهِ يرجِعُون فيجزيَهم بأعمالِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي يَيْأَسُ الْمُجرِمُونَ من رحمةِ الله، ومِن كلِّ خيرٍ حين عَايَنُوا العذابَ. وقال الفرَّاء :(يَنْقَطِعُ كَلاَمُهُمْ وَحُجَّتُهُمْ)، وَقِيْلَ : معنى (يُبْلِسُ) أي يُفتَضَحُ، وَقِيْلَ : معناهُ : يندَمُون، وَقِيْلَ : الْمُبْلِسُ الساكتُ المنقطع عن حجَّته الآيسُ مِن أن يهتدِي إليها، قال الشاعرُ : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قَالَ : نَعَمْ أعْرِفُهُ وَأبْلَسَاوالْمُجرِمون هم الْمُشرِكُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ؛ أي لَم يكن للكفار مِمَّنْ أشرَكُوه في العبادةِ شفعاءَ يَشْفَعُوا لَهم إلى اللهِ، ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ؛ أي يَتَبَرَّؤُنَ منها ويتبَرَّؤُنَ منهم.

الروم 30:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي يخلقه من النطفة ثم يحييه بعد ما أماته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ ثُم إلى موضعِ حسابه وجَزائهِ يرجِعُون فيجزيَهم بأعمالِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ ؛ أي يَيْأَسُ الْمُجرِمُونَ من رحمةِ الله، ومِن كلِّ خيرٍ حين عَايَنُوا العذابَ. وقال الفرَّاء :(يَنْقَطِعُ كَلاَمُهُمْ وَحُجَّتُهُمْ)، وَقِيْلَ : معنى (يُبْلِسُ) أي يُفتَضَحُ، وَقِيْلَ : معناهُ : يندَمُون، وَقِيْلَ : الْمُبْلِسُ الساكتُ المنقطع عن حجَّته الآيسُ مِن أن يهتدِي إليها، قال الشاعرُ : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَسَا قَالَ : نَعَمْ أعْرِفُهُ وَأبْلَسَاوالْمُجرِمون هم الْمُشرِكُونَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ؛ أي لَم يكن للكفار مِمَّنْ أشرَكُوه في العبادةِ شفعاءَ يَشْفَعُوا لَهم إلى اللهِ، ﴿وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ؛ أي يَتَبَرَّؤُنَ منها ويتبَرَّؤُنَ منهم.

الروم 30:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ؛ أي وَاذْكُرْ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الخلائقُ في طريقِ النَّار. وَقِيْلَ : معناهُ : يومَ القيامةِ يتفرَّقون بعدَ الحساب إلى الجنَّة والنار فلا يَجْتَمِعُونَ أبَداً. وقال الحسنُ :(إنْ كَانُواْ اجْتَمَعُواْ فِي الدُّنْيَا لَيَفْتَرِقُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ هَؤُلاَءِ فِي عِلِّيِّيْنَ، وَهَؤُلاَءِ فِي أسْفَلِ سَافِلِيْنَ)، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ؛ أي في الجنَّة ينعَّمُون ويُكرَمُونَ بالتحف ويُسَرُّونَ. والْحَبْرَةُ السُّرُورُ : وَقِيْلَ : الْحَبْرَةُ كلُّ نِعْمَةٍ حسنةٍ، والتَّحبيرُ التحسينُ. وسُمِّيَ العَالِمُ حَبْراً لتَخْلُّقِهِ بأحسَنِ أخلاقِ المؤمنين، ويسمَّى الْمِدَادُ حِبْراً لأنه تَحْسُنُ به الأوراقُ، وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : فَهُمْ فِي ريَاضِ الجنَّةِ يَتلَذذُونَ.

الروم 30:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ ؛ أي وَاذْكُرْ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ الخلائقُ في طريقِ النَّار. وَقِيْلَ : معناهُ : يومَ القيامةِ يتفرَّقون بعدَ الحساب إلى الجنَّة والنار فلا يَجْتَمِعُونَ أبَداً. وقال الحسنُ :(إنْ كَانُواْ اجْتَمَعُواْ فِي الدُّنْيَا لَيَفْتَرِقُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ هَؤُلاَءِ فِي عِلِّيِّيْنَ، وَهَؤُلاَءِ فِي أسْفَلِ سَافِلِيْنَ)، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ ؛ أي في الجنَّة ينعَّمُون ويُكرَمُونَ بالتحف ويُسَرُّونَ. والْحَبْرَةُ السُّرُورُ : وَقِيْلَ : الْحَبْرَةُ كلُّ نِعْمَةٍ حسنةٍ، والتَّحبيرُ التحسينُ. وسُمِّيَ العَالِمُ حَبْراً لتَخْلُّقِهِ بأحسَنِ أخلاقِ المؤمنين، ويسمَّى الْمِدَادُ حِبْراً لأنه تَحْسُنُ به الأوراقُ، وَقِيْلَ : معنى الآيةِ : فَهُمْ فِي ريَاضِ الجنَّةِ يَتلَذذُونَ.

الروم 30:16

قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ الآخِرَةِ﴾، وكذبوا بالبعث بعد الموت، ﴿فَأُوْلَـائِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ؛ أي يُحضَرون في العذاب، ويُحبَسُونَ.

الروم 30:17

َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ؛ أي فَصَلُّوا للهِ، عَلى تأويلِ : فَسَبحُواْ للهِ، قال ابنُ عبَّاس :(جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَمَوَاقِيْتِهَا، فَوَقْتُ الْمَسَاءِ يُُصَلَّى فِيْهِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ : صَلاَةُ الْفَجْرِ، ﴿وَعَشِيّاً﴾ : الْعَصْرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي يحمدُه أهلُ السَّموات وأهل الأرضِ، ويصَلُّون له ويسجدُون. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَالَ :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ...﴾ إلى قولهِ تعالى :﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وآخِرُ سُورَةِ الصَّافَّاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، كَتَبَ اللهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَقَطَرِ الْمَطَرِ، وَعَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَعَدَدَ نَبَاتِ الأَرْضِ. وَإذا مَاتَ أجْرَى اللهُ لَهُ بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ فِي قَبْرِهِ ". وقال ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكْتَالَ لَهُ بالْقَفِيْزِ الأَوْفَى فَلْيَقُلْ :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ...﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ...﴾ إلَى آخِرِ السُّورَةِ ".

الروم 30:18

َقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ؛ أي فَصَلُّوا للهِ، عَلى تأويلِ : فَسَبحُواْ للهِ، قال ابنُ عبَّاس :(جَمَعَتْ هَذِهِ الآيَةُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ وَمَوَاقِيْتِهَا، فَوَقْتُ الْمَسَاءِ يُُصَلَّى فِيْهِ الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ : صَلاَةُ الْفَجْرِ، ﴿وَعَشِيّاً﴾ : الْعَصْرُ، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ الظُّهْرُ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي يحمدُه أهلُ السَّموات وأهل الأرضِ، ويصَلُّون له ويسجدُون. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَالَ :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ...﴾ إلى قولهِ تعالى :﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ وآخِرُ سُورَةِ الصَّافَّاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، كَتَبَ اللهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ، وَقَطَرِ الْمَطَرِ، وَعَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، وَعَدَدَ نَبَاتِ الأَرْضِ. وَإذا مَاتَ أجْرَى اللهُ لَهُ بكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ حَسَنَاتٍ فِي قَبْرِهِ ". وقال ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَكْتَالَ لَهُ بالْقَفِيْزِ الأَوْفَى فَلْيَقُلْ :﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ...﴾ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ...﴾ إلَى آخِرِ السُّورَةِ ".

الروم 30:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ؛ أي الإنسانَ الحيَّ من النُّطفة الميتةِ، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾، ويخرجُ النطفةَ وهي ميتةٌ من الإنسان الحيِّ، ويقالُ : يخرجُ الفرخَ من البيضةِ، والبيضةَ من الفرخِ، ﴿وَيُحْي الأَرْضَ﴾، بإخراجِ الزُّروعِ منها، ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؛ أي بعدَ أن كانت لا تُنْبتُ، ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، مِن قبوركم يومَ القيامةِ إلى الْمَحْشَرِ، فإنَّ بعثَكم بمنْزِلة ابتداءِ خَلْقِكم، وهما في قدرةِ الله تستويان. قرأ حمزةُ :(تَخْرُجُونَ) بفتح التَّاءِ.

الروم 30:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ ؛ أي من دلائلِ قُدرتهِ وعلاماتِ توحيده أنْ خلقَ أصلَكم من ترابٍ، يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ؛ أي ثُم إذا أنتم من لَحمٍ ودمٍ تنتشرونَ ؛ أي تتفرَّقُون في حوائجِكم، وتنبسطونَ في الأرضِ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ ؛ أي من علاماتِ توحيده وقُدرته أنْ خلقَ لكم من جنسِكم نساءً لتطمَئِنُّوا إليها، ولَم يجعلهنَّ من الجنِّ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ؛ أي جعلَ بين الزَّوجين مودَّةً ورحمةً، فيما يتراحَمان ويتوادَّان، وما مِن شيءٍ أحبُّ إلى أحدِهما من الآخرِ من غير رَحِمٍ بينهما، حتى أنَّ كثيراً مِن الناس يهجرُ عشيرتَهُ بسبب زوجتهِ، وكذلك مِن النِّساءِ من تَهجرُ عشيرتَها بسبب زوجِها. والمعنَى : من دلالةِ توحيدِ الله وقدرته أنْ خلقَ من نُطفةِ الرِّجال ذُكوراً وإناثاً ؛ ليسكُنَ الذكورُ إلى الإناثِ، والنُّطَفُ عن صفةٍ واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في عظمةِ الله وقُدرتهِ.

الروم 30:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ﴾ ؛ أي من دلائلِ قُدرتهِ وعلاماتِ توحيده أنْ خلقَ أصلَكم من ترابٍ، يعني آدمَ، ﴿ثُمَّ إِذَآ أَنتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ ؛ أي ثُم إذا أنتم من لَحمٍ ودمٍ تنتشرونَ ؛ أي تتفرَّقُون في حوائجِكم، وتنبسطونَ في الأرضِ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ ؛ أي من علاماتِ توحيده وقُدرته أنْ خلقَ لكم من جنسِكم نساءً لتطمَئِنُّوا إليها، ولَم يجعلهنَّ من الجنِّ، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ؛ أي جعلَ بين الزَّوجين مودَّةً ورحمةً، فيما يتراحَمان ويتوادَّان، وما مِن شيءٍ أحبُّ إلى أحدِهما من الآخرِ من غير رَحِمٍ بينهما، حتى أنَّ كثيراً مِن الناس يهجرُ عشيرتَهُ بسبب زوجتهِ، وكذلك مِن النِّساءِ من تَهجرُ عشيرتَها بسبب زوجِها. والمعنَى : من دلالةِ توحيدِ الله وقدرته أنْ خلقَ من نُطفةِ الرِّجال ذُكوراً وإناثاً ؛ ليسكُنَ الذكورُ إلى الإناثِ، والنُّطَفُ عن صفةٍ واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ في عظمةِ الله وقُدرتهِ.

الروم 30:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾، أي ومِن علاماتِ توحيده خَلْقُ السَّموات والأرضِ بما فيهما من العجائب، ﴿وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، أي لُغَاتِكُمْ وأصوَاتِكم وصُوَركم وألوانِكم، لأنَّ الخلقَ بين عربيٍّ وعجميٍّ وأسود وأحمرٍ وأبيض، وهم وَلَدُ رجلٍ واحد وامرأةٍ واحدة، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي للبَرِّ والفاجرِ والإنسِ والجنِّ.

الروم 30:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ ؛ أي ومِن آياته كيفيَّةُ نومِكم، وكيفَ يغلبُ عليكم، وأين يأتِيكم، وكيف يزولُ عنكم فتطلبونَ معيشَتكم، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ﴾ ؛ تقديرُ (وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ بالنَّهار) يعني تصرُّفَكم في طلب المعيشة بالنَّهار، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ القُرْآنَ ؛ سَماعَ الاستدلالِ، والاعتبار، والتدبُّر.

الروم 30:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ أي خوفاً للمسافرِ من الصَّواعقِ، وَطَمَعاً للمُقيمِ في المطرِ وسقي الزَّرعِ، ﴿فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؛ أي في البَرْقِ، وإنزالِ المطر وإحياءِ الأرض بعد قحْطِها، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.

الروم 30:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ ؛ يعني مِن غيرِ عَمَدٍ تحتَهُما، ولا علاقةَ فوقَهما بقدرةِ الله وتسكِينه، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأَرْضِ﴾ ؛ أي ثُم إذا دعَاكُم من القُبور عند النفخةِ الثَّانيةِ يدعُو إسرافيلَ بأمرهِ من صخرَةِ بيت المقدسِ : أيَّتُهَا الأجسادُ الباليةُ والعروق المتمزِّقة والشُّعورُ المتمرِّطة، ﴿إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ ؛ مِن قبوركم مُهْطِعِيْنَ إلى الدَّاعي.

الروم 30:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي هم عبيداً ومُلكاً، ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾، أي كلٌّ له مُطيعون في الحياةِ والبقاء والموتِ والبعث، وإنَّ عَصَوْا في العبادةِ فَهُمْ منقادونَ للهِ عَزَّ وَجَلَّ لا يقْدِرون على الامتناعِ مِن شيءٍ يرادُ بهم صحَّة ومرضٍ وغِنًى وفقرٍ وحياة وموتٍ.

الروم 30:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُاْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ؛ أي هو الذي يبدأُ الخلقَ مِن النطفةِ ثُم يُميتهُ فيصير تُراباً كما كانَ، ثُم يبعثهُ في الآخرةِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي الإعادةُ هَيِّنَةٌ عليهِ، وما شيءٌ عليه بعسيرٍ، وقد يذكرُ لفظ (يَفْعَلُ) بمعنى (فَعِيْلٌ) كقولهِ (اللهُ أكْبَرُ) بمعنى كبيرٍ، وكذلك أهوَنُ أو هيِّنٌ عليه. قال الفرزدقُ : لَعَمْرُكَ مَا أدْري وَإنِّي لأَوْجَلُ عَلَى أيِّنَا تَعْدُو الْمَنِيَّةُ أوََّلُيريدُ بقولهِ : لأَوْجَلُ ؛ أي وَجِلٌ، وقالَ أيضاً : إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا بَيْتاً قَوَائِمُهُ أعَزُّ وَأطْوَلُأي عزيزةٌ طويلةٌ. وإنَّما قِيْلَ على هذا التأويلِ ؛ لأنه لا يجوزُ أن يكون بعضُ الأشياءِ على الله أهْوَنُ من بعضٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له الصِّفةُ العُليا وهي القدرةُ التي لا يجرِي عليها العجزُ، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي القاهرُ لكلِّ شيء، الْحَكِيْمُ في جميعِ أفعاله.

الروم 30:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ﴾ ؛ أي وَصَفَ لكم أيُّها المشركونَ مَثَلاً مِن أنفُسِكم، وبيَّن لكم ذلك الْمَثَلَ من أنفسِكم، ثُم بَيَّنَهُ فقالَ ﴿هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، أي هل لَكم من عبيدِكم وإمائكم مِن شركاءٍ فيما رزقنَاكم من الأموالِ ؛ أي هل يُشاركونَكم في أموالِكم فتكونوا أنتم مع عبيدِكم سواءٌ فيما أعطينَاكُم، ﴿فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَآءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾، أي تخافُونَ عبيدَكم أنْ يُقاسِموكم في مالِكم كما تخافونَ نساءكم وأقاربكم أن يورثوكم بعدَكم، أو تخافُوا لائمةَ عبيدِكم إذا لَم تعطُوهم حقَّهم، كما تخافون لاَئِمَةَ بعضِكم بعضاً من الأقارب والشُّركاء إذا لَم يؤدُّوا حقَّهم إليهم. قالوا : لاَ! فقال : أفَتَرْضَوْنَ للهِ تعالى ما لا ترضَونَ لأنفُسِكم، تُشرِكون عبيدَ الله في مُلكهِ، وقد خلَقَهم، ولا تشركون عبيدَكم فيما رزَقَكم اللهُ وأنتم لَم تخلِقُوهم، وتجعلونَ الْخَوْفَ من عبيدِ الله كالخوفِ من الله إذ تعبدُونَهم كعبادةِ الله تعالى، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ أي هكذا يبيِّنُ الآياتِ واحدةً بعد واحدةٍ ليكون ذلك أقربَ إلى الفهمِ وواقع في القلب. ومعنى ﴿أَنفُسَكُمْ﴾ ها هنا : أمثَالَكُمْ من الأحرار، كقوله﴿وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ﴾[الحجرات: ١١]. ومعنى الآيةِ : كيفَ رضِيتم أن تكون آلِهتُكم التي تعبدونَها لِي شركاءَ وأنتُم عبيدي وأنا مَالِكُهم جميعاً، فكما لا يجوزُ استواءُ المملوكِ مع سيِّده، كذلك لا يجوزُ استواءُ المخلوق مع خالقهِ.

الروم 30:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَهْوَآءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ أي ليسَ لَهم في الإشراكِ شبهةٌ من حيث الحجةُ، ولكنَّهم يُشرِكون باللهِ بناءً على الجهلِ وهوَى النفسِ ﴿فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ ؛ أي لا هاديَ لِمن أضلَّهُ اللهُ، ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ﴾ ؛ أي ما لَهم من مَانِعين من عذاب الله.

الروم 30:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ ؛ أي فأقِمْ يا مُحَمَّدُ على دِين الإسلامِ، وقوله ﴿حَنِيفاً﴾ أي مائِلاً عن كلِّ دينٍ إلاَّ الإسلامُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾ ؛ أي اتَّبعْ دِينَ اللهِ، والفطرةُ : الْمِلَّةُ ؛ وهي الإسلامُ والتوحيدُ، ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ؛ أي خَلَقَ اللهُ المؤمنين عليها، وقد وَرَدَ في الحديثِ :" كُلُّ مَوْلُودٍ يُوْلَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ " إلى آخرِ الحديثِ. وانتصبَ قولهُ (فِطْرَةَ اللهِ) على الإغراءِ، وَقِيْلَ : على معنى : اتَّبعْ فطرةَ اللهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تغييرَ لدِين اللهِ الذي أمرَ الناسَ بالثَّباتِ عليهِ، وهو نفيٌ معناه النهيُ ؛ أي تُبدِّلُوا دينَ اللهِ الذي الذي هو التوحيدُ بالشِّركِ. وقولهُ تعالى :﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يعني التوحيدَ هو الدينُ المستقيم، ﴿وَلَـاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ ؛ يعني كفَّارَ مكَّة، ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ توحيدَ اللهِ ودِينَ الإسلامِ هو الحقُّ.

الروم 30:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ ؛ أي أقِيمُوا وجُوهَكم راجعينَ إلى اللهِ في كلِّ ما أمَرَكم به، لا تَخرجُون عن شيءٍ من أوامرهِ، وهذا لأنَّ الخطابَ في أوَّلِ هذه الآياتِ للنبيِّ ﷺ بقولهِ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، والمرادُ به أُمتَهُ، كما في قولهِ﴿ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾[الطلاق: ١] فكأنَّهُ قالَ : أقِيمُوا وجُوهَكم مُنِيْبيْنَ ؛ أي رَاجِعين إلى أوامرهِ، وقولهُ تعالى ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي اتَّقُوا مُخالَفتَهُ، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ ؛ أي زَايَلُوا دِينَهم الذي أُمِرُوا بالثبات عليهِ. وَمن قرأ (فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ) فمعناهُ : صَارُوا فِرَقاً، وذلكَ معنى قولهِ :﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾، أي صارُوا جماعةً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، أي كلُّ جماعةٍ اختَارَتْ دِيناً مثل اليهودِ والنَّصارى وسائرِ الْمِلَلِ، كلُّ أهلِ دِينٍ يفرحون بما عندَهم من الدِّين.

الروم 30:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ ؛ أي أقِيمُوا وجُوهَكم راجعينَ إلى اللهِ في كلِّ ما أمَرَكم به، لا تَخرجُون عن شيءٍ من أوامرهِ، وهذا لأنَّ الخطابَ في أوَّلِ هذه الآياتِ للنبيِّ ﷺ بقولهِ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾، والمرادُ به أُمتَهُ، كما في قولهِ﴿ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ﴾[الطلاق: ١] فكأنَّهُ قالَ : أقِيمُوا وجُوهَكم مُنِيْبيْنَ ؛ أي رَاجِعين إلى أوامرهِ، وقولهُ تعالى ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ أي اتَّقُوا مُخالَفتَهُ، ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ﴾ ؛ أي زَايَلُوا دِينَهم الذي أُمِرُوا بالثبات عليهِ. وَمن قرأ (فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ) فمعناهُ : صَارُوا فِرَقاً، وذلكَ معنى قولهِ :﴿وَكَانُواْ شِيَعاً﴾، أي صارُوا جماعةً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، أي كلُّ جماعةٍ اختَارَتْ دِيناً مثل اليهودِ والنَّصارى وسائرِ الْمِلَلِ، كلُّ أهلِ دِينٍ يفرحون بما عندَهم من الدِّين.

الروم 30:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي إذا أصَابَ الناسَ شدَّةٌ وبَلِيَّةٌ وقحطٌ وغلاءٌ يعني كفَّارَ مكَّة، دَعَوا ربَّهم لدفعِ الشِّدة، ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي رَاجِعين إليه، مُنقَطِعين من الْخَلْقِ، لا يَلجَأُونَ في شَدائدِهم إلى أوثَانِهم، ﴿ثُمَّ إِذَآ﴾ ؛ أذهبَ عنهُم تلكَ الشدَّةَ و ﴿أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾ ؛ أي أعطَاهم من عندهِ المطرَ، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي يَعُودُونَ إلى الشِّركِ ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ فيبدِّلُوا الشُّكرَ كُفراً، ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ ؛ أي تلَذذُوا في الدُّنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، مَاذا ينْزِلُ بكم.

الروم 30:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ﴾ ؛ أي إذا أصَابَ الناسَ شدَّةٌ وبَلِيَّةٌ وقحطٌ وغلاءٌ يعني كفَّارَ مكَّة، دَعَوا ربَّهم لدفعِ الشِّدة، ﴿مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ؛ أي رَاجِعين إليه، مُنقَطِعين من الْخَلْقِ، لا يَلجَأُونَ في شَدائدِهم إلى أوثَانِهم، ﴿ثُمَّ إِذَآ﴾ ؛ أذهبَ عنهُم تلكَ الشدَّةَ و ﴿أَذَاقَهُمْ مِّنْهُ رَحْمَةً﴾ ؛ أي أعطَاهم من عندهِ المطرَ، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي يَعُودُونَ إلى الشِّركِ ﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾ ؛ فيبدِّلُوا الشُّكرَ كُفراً، ﴿فَتَمَتَّعُواْ﴾ ؛ أي تلَذذُوا في الدُّنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، مَاذا ينْزِلُ بكم.

الروم 30:35

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً﴾ ؛ أي أمْ أنزَلنا على هؤلاءِ حُجَّةً وبرهاناً وكِتَاباً من السَّماء، ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ﴾، يشهدُ وينطقُ بأنَّ اللهَ أمَرَهم بما يفعلون. وهنا استفهامُ إنكارٍ ؛ أي ليسَ الأمرُ على هذا.

الروم 30:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَآ أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُواْ بِهَا﴾ ؛ أي إذا أذقْناهم نعمةً استَبشَرُوا بها، ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ ؛ شِدَّةٌ ومِحنَةٌ وبليَّةٌ، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ في الشِّركِ من المعاصي ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ ؛ أي إذا هم يَيْأَسُونَ من رحمةِ الله.

الروم 30:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾ ؛ أي ويُضَيِّقُ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ؛ أي في البَسْطِ والتَّقتيرِ، ﴿لآيَاتٍ﴾ ؛ دالَّةٍ على التوحيدِ، ﴿لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.

الروم 30:38

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ ؛ أي أعْطِ ذا القُربَى في الرَّحِمِ حَقَّهُ من الصِّلةِ والبرِّ، وَأعْطِ ﴿وَالْمِسْكِينَ﴾ ؛ الذي يطوفُ على الأبواب حَقَّهُ أيضاً، وهو التَّصَدُّقُ عليهِ، وَأعطِ ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ ؛ النازلِ بكَ حَقَّهٌ ؛ أي ضيافتَهُ، يعني أكْرِمِ الضَّيْفَ النازلَ بك، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ ؛ أي الذي ذكرتُ مِن الصِّلةِ والإعطاء والضِّيافة خيرٌ، ﴿لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ؛ يعني رضَا اللهِ ؛ أي إعطاءُ الْحُرِّ أفضلُ من الإمسَاكِ ﴿وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي الفائزونَ السُّعداءُ الباقون في الجنَّة، ومَن أعطَى أحَداً لا يريدُ به وجهَ اللهِ ذهبَ مالهُ مِن غير أن يحصلَ على شيءٍ، فلذلك قالَ :﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.

الروم 30:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما تعاطيتُم مِن عقدِ الرِّبَا رجاءَ أن تزيدُوا أموالَكم فلا يزيدُ في حُكْمِ اللهِ، وعلى الآخذِ أن يَرُدَّهُ على المأخوذِ منهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَاواْ﴾[البقرة: ٢٧٦]. قرأ ابنُ كثيرٍ (أتَيْتُمْ) مقصوراً غيرَ ممدودٍ. وقولهُ تعالى (لِيَرْبُوَا)، قرأ الحسنُ ونافع :(لِتُرْبُو) بتاءٍ مضمومةٍ وجزمِ الواو على الخطاب ؛ أي لتُرْبُو أنتُم، وقرأ الباقونَ (لِيَرْبُوَا) بياءٍ مفتوحة ونصب الواو، وجعلوا الفعلَ للرِّبَا. وقولهُ تعالى :﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما أعطيتُم من صدقةٍ تريدون بها رضَا اللهِ، ﴿فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ ؛ الذين يُضَاعَفُ لَهم في العاجلِ والآجلِ، يقالُ : رجلٌ مُضْعِفٌ ؛ أي ذُو أضْعَافٍ كما يقالُ : رجلٌ مُقَوِّي ذو قوَّةٍ، وموسِرٌ ؛ أي صاحبُ يَسَارٍ. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في قولهِ تعالى ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً﴾ :(الرِّبَا هَا هُنَا هُوَ هِبَةُ الرَّجُلِ لِصَاحِبهِ يُرِيْدُ أنْ يُثَابَ أفْضَلَ مِنْهُ). وقال السديُّ :(هُوَ الْهَدِيَّةُ يُهْدِيْهَا الرَّجُلُ لأَخِيْهِ يَطْلُبُ الْمُجَازَاةَ، فَإنَّْ ذلِكَ لاَ يَرْبُو عِنْدَ اللهِ، وَلاَ يُؤْجَرُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَلاَ إثْمَ عَلَيْهِ)، وقال الزجَّاجُ :(هُوَ دَفْعُ الإنْسَانِ الشَّيْءَ لِيُعَوَّضَ مَا هُوَ أكْبَرُ مِنْهُ، وَذلِكَ لَيْسَ بحَرَامٍ وَلَكِنَّهُ لاَ ثَوَابَ فِيْهِ ؛ لأَنَّ الَّذِي يُهْدِيْهِ يَسْتَدْعِي مَا هُوَ أكْثَرُ مِنْهُ، وَإنَّمَا يَرْبُو عِنْدَ اللهِ هُوَ الْعَطِيَّةُ الَّتِي لاَ يُطْلَبُ بهَا الْمُكَافَأَةَ، وَلاَ يُرَادُ بهَا إلاَّ رضَا وَجْهِ اللهِ).

الروم 30:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ ؛ أي خلَقَكم في بُطونِ أُمَّهَاتكم ثُم أخرَجكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ ؛ بعد انقضاءِ آجَالِكم، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ ؛ بعدَ الموتِ، ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَالِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.

الروم 30:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ ؛ أي قُحِطَ المطرُ ونَقُصَتِ الغلاَّتُ وذهبَتِ البركةُ في البَرِّ والبحرِ، أي أجدبَ الْبَرُّ وانقطعت مادَّةُ البحرِ، ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ ؛ أي بشُؤْمِ ذنُوبهم ومعاصيهم، الناسُ كفَّارُ مكَّة، ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾ ؛ اللهُ بالجوعِ في السِّنين السبعِ، يعني ﴿بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواْ﴾ ؛ أي جزاؤهُ ليكونَ عقوبةً معجَّلةً، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ من الكُفْرِ إلى الإيْمانِ، ومن المعصيةِ إلى الطاعةِ، فيكشفُ الله عنهم الشدَّةَ. وفي هذا تَنبيْهٌ على أنَّ الله تعالى إنَّما يقضي بالْجُدُوبَةِ ونقصِ الثَّمراتِ والنباتِ لُطْفاً منه في رجوعِ الخلقِ عن المعصيةِ.

الروم 30:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي قُلْ لأهلِ مكَّة سافِرُوا في الأرضِ، ﴿فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾، أي كيفَ صارَ إجرامُ، ﴿الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ ؛ أي انظُرُوا إلى ديار عَادٍ وثَمُودَ وقومِ لُوطٍ لِيَدُلَّكُمْ ذلك على أنهُ لاَ ينبغِي لأحدٍ أن يَكْفُرَ باللهِ تعالى.

الروم 30:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقِيِّمِ﴾ ؛ أي أقِمْ قَصْدَكَ وعملكَ، واجعل جِهَتَكَ اتِّباعَ الدِّين القَيِّمِ وهو الإسلامُ المستقيمُ الذي لا عِوَجَ فيه، واعمَلْ به أنتَ ومَن تَبعَكَ، ﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ، ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ ؛ أي يومَ القيامةِ يتفرَّقون بعدَ الحساب إلى الجنَّة والنار.

الروم 30:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي ضَرَرُ كُفْرِهِ، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ؛ أي يَطَأُونَ لأنفسهم منازلَهم في الجنةِ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ ثوابَهم، ثُم يزيدَهم ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي يُثِيبَهُمْ أكثرَ مِن أعمالِهم، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي يُكرِمُهم ولا يُثيبهم ولا يرضَى عنهم.

الروم 30:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي ضَرَرُ كُفْرِهِ، ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ ؛ أي يَطَأُونَ لأنفسهم منازلَهم في الجنةِ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ ؛ ثوابَهم، ثُم يزيدَهم ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي يُثِيبَهُمْ أكثرَ مِن أعمالِهم، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ؛ أي يُكرِمُهم ولا يُثيبهم ولا يرضَى عنهم.

الروم 30:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ ؛ أي مِن علاماتِ توحيده إرسالهُ الرياحَ للبشَارَةِ بالمطرِ، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ ؛ يعْني الغيثَ والخِصْبَ، ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ ؛ أي السفنُ تجري في البحرِ بتلكَ الرِّياحِ، ﴿بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ ؛ أي ولتَسْلُكوا في البحرِ على السُّفن للتجارةِ وطلب الرزقِ بهذه الرياح، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ؛ هذه النِّعَمَ فتوحِّدُونه.

الروم 30:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالدَّلاَلاتِ الواضحاتِ فكذبُوا بها، ﴿فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ﴾ ؛ أي عذبنا الذين كذبُوهم، ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنينَ﴾ ؛ أي كان وَاجِباً علينا إنْجاءُ المؤمنين مع الرُّسُلِ من عذاب الأُمَمِ، وفي هذا تبشيرٌ للنَّبيِّ ﷺ بالظَّفَرِ والنصرِ على مَن كذبَ بهِ.

الروم 30:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ ؛ أي تُزْعِجُهُ مِن حيث هو، وذلك أنَّ اللهَ يُحْدِثُ السَّحابَ عُقيبَ الرياحِ فترفعهُ الرياحُ في الهواءِ، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي قِطَعاً بعضُها فوق بعضٍ، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني المطرَ، ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ ؛ أي وَسَطِهِ إلى قومٍ دونَ قوم، ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ ؛ بذلك المطرِ، ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ يفرَحُون بالمطرِ، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ المطرُ ﴿مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ؛ أي يائسين من ذلك، كرَّرَهُ للتأكيدِ، والْمُبْلِسُ هو الآيسُ القَانِطُ.

الروم 30:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ ؛ أي تُزْعِجُهُ مِن حيث هو، وذلك أنَّ اللهَ يُحْدِثُ السَّحابَ عُقيبَ الرياحِ فترفعهُ الرياحُ في الهواءِ، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي قِطَعاً بعضُها فوق بعضٍ، ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ يعني المطرَ، ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ ؛ أي وَسَطِهِ إلى قومٍ دونَ قوم، ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ ؛ بذلك المطرِ، ﴿مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ؛ يفرَحُون بالمطرِ، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ المطرُ ﴿مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ ؛ أي يائسين من ذلك، كرَّرَهُ للتأكيدِ، والْمُبْلِسُ هو الآيسُ القَانِطُ.

الروم 30:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾، الخطابُ للنبيِّ ﷺ وغيرهِ. وآثارُ الرحمةِ هي أنواعُ النَّباتِ الذي ينبتُ من المطرِ من بين أخضرٍ وأحمر وغيرِ ذلك من الألوان. وقولهُ ﴿كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾ كيف يجعلُ الأرضَ مُخْضَرَّةً بعد يُبْسِهَا، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾، أي الذي فَعَلَ ذلك هو الذي يُحيي الموتَى للنُّشُور، فإنه كما يعيدُ الشجرَ الذي ظَهَرَ يُبْسُهُ، ويعيدُ فيه الْخُضْرَةَ والنورَ والثمرةَ، كذلك يُحيي الموتَى، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ من الموتِ والبعثِ قديرٌ.

الروم 30:51

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾، ولَئِنْ أرسَلْنَا ريْحاً حارَّةً أو باردةً فأَيبَسَتْ زُرُوعَهم، ورأوُا الزرعَ مُصْفَرّاً بعد خُضرتهِ، ﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾، لصَارُوا بعد اصفرار النَّبتِ يَجْحَدُونَ ما سَلَفَ من النعمةِ، يعني أنَّهم يفرحون عند الخصب، وإذا استبطأُوا الخصبَ والرزق جَزِعُوا فكَفَرُوا بالنِّعَمِ.

الروم 30:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ؛ يعني الكفارَ لا يُسْمِعُ، والأعمالُ الذي لا يُبصِرون، ولذلك قال :﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ ؛ أي لا تقدرُ أن تُجْبرَهم على الْهُدَى، وإنَّما بُعِثْتَ داعياً ومُبَلِّغاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي إلاَّ مَن يُصَدِّقُ بكِتَابنَا، ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ؛ أي هم الذين يَسْتَبْدِلُونَ به فهم مُخلِصُونَ مُنقَادُونَ لأمرِ الله.

الروم 30:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ؛ يعني الكفارَ لا يُسْمِعُ، والأعمالُ الذي لا يُبصِرون، ولذلك قال :﴿وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوْاْ مُدْبِرِينَ * وَمَآ أَنتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ ؛ أي لا تقدرُ أن تُجْبرَهم على الْهُدَى، وإنَّما بُعِثْتَ داعياً ومُبَلِّغاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ أي إلاَّ مَن يُصَدِّقُ بكِتَابنَا، ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ ؛ أي هم الذين يَسْتَبْدِلُونَ به فهم مُخلِصُونَ مُنقَادُونَ لأمرِ الله.

الروم 30:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ ؛ أي مِن نطفةٍ ضَعيفةٍ بُطونِ الأُمَّهَاتِ، ثُم أطْفَالاً لا يَملكون لأنفُسِهم نَفْعاً ولا ضرّاً، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾، ثُم جعلَكم أقوياءَ بما أعطاكم مِن العقلِ والاستطاعة والهدايةِ والتصرُّف في اختلاف المنافعِ ودفع المضارِّ، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ ؛ قُوَّةِ الشَّباب، ﴿ضَعْفاً﴾ ؛ عند الكبر والهرمِ، ﴿وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾ ؛ مِن ضعفٍ وقوة وشَيبةٍ وشبَابٍ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ ؛ أي العَلِيْمُ بخلقهِ القَادِرُ على تَحويلِهم من حالٍ إلى حال.

الروم 30:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ؛ أي تقومُ السَّاعة، يحلِفُ المشرِكون ما لَبثُوا في القبور غيرَ ساعةٍ واحدة. وَقِيْلَ : ما لَبثُوا في الدُّنيا غيرَ ساعةٍ يَسْتَقِلُّونَ في جنب أيَّام الآخرةِ، ﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي هكذا كانوا يَكْذِبُونَ في الدُّنيا بجهلهم وغفلتِهم كما كذبُوا في الآخرةِ.

الروم 30:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ ؛ أرادَ بالذينَ أوُتوا العلمَ : الملائكةَ والأنبياء والمؤمنونَ، يقولون للكفَّار بعدَ ما أقْسَمُوا : لقد لَبثْتُمْ فيما كَتَبَ اللهُ لكم من اللُّبثِ إلى يومِ البعث، وَقِيْلَ : في حُكْمِ اللهِ، وَقِيْلَ : فيه تقديمٌ وتأخيرٌ ؛ تقديرهُ : وقال الذين أوتُوا العلمَ في كتاب الله، وهم الذين يعلمونَ كتابَ اللهِ. وقولهُ :﴿فَهَـاذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ ؛ أي يوم الذي كنتم تُنْكِرُونَهُ في الدُّنيا، وتكذِّبون بهِ، ﴿وَلَـاكِنَّكُمْ كُنتمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ وقُوعَهُ في الدُّنيا فلا ينفعُكم العلمُ به الآنَ.

الروم 30:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ ؛ أي اعتِذارُهم من الذُّنوب إن اعتَذروا، ﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ؛ أي لا يُجَابُونَ إلى ما يطلُبون من الرَّجعةِ إلى الدُّنيا، فإنَّهم يقُولون :﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾[السجدة: ١٢]. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(لاَ يُقْبَلُ مِنَ الَّذِيْنَ أشْرَكُواْ عُذْرٌ وَلاَ عِتَابٌ وَلاَ تَوْبَةٌ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ).

الروم 30:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـاذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ ؛ أي بَيَّنَّا لَهم في القُرْآنِ من كلِّ صِفَةٍ، ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ ؛ مثلَ العصَا واليدِ وبكلِّ حُجَّةٍ، ﴿لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ ؛ أي مَا أنتم إلاّ على الباطلِ يا مُحَمَّدُ وأصحابُكَ!.

الروم 30:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أي يَخْتِمُ على قلوب الذين لا يعلمُون توحيدَ اللهِ، فكلُّ مَن لا يعلمُ توحيدَ الله فذلك لأجلِ ما طَبَعَ اللهُ على قلبهِ.

الروم 30:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ أي اصْبرْ يا مُحَمَّدُ على تبليغِ الرِّسالة والوحيِ، وعلى مَا يلحقُكَ من أذِيَّةِ الكفَّار، فإنَّ ما وَعَدَ اللهُ من النَّصرِ وإظهار دِين الإسلامِ صدقٌ كائن يأتيكَ في حينهِ. والمعنى :(فَاصْبرْ إنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ) بنصرِ دِينِكَ وإظهاركَ على عَدُوِّكَ حقٌّ فلا يَحْمِلَنَّكَ تكذيبُ الكفار الذين لا يَسْتَيْقِنُونَ بأمرِ الله على الحقِّ، وكُنْ حَلِيماً صَبُوراً. وقوله :﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾، لا تَعْجَلْ بالدُّعاءِ عليهم فيما يستَعجِلون مِن العذاب لقولِهم :﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾[العنكبوت: ٢٩]، و﴿مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ﴾[سبأ: ٢٩] و﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾[ص: ١٦]. ومعنى الآيةِ :(وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّ) رأيَكَ وحِلمَكَ يا مُحَمَّدُ ﴿الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ ؛ بالبعثِ والحساب.

لقمان 31:1

﴿الـم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي هذه السورةُ آياتُ الكتابِ الحكيم الذي وعدَكَ اللهُ أن يُنْزِلَهُ عليكَ. وانتصبَ (هُدًى وَرَحْمَةً) على الحالِ. وقرأ حمزةُ بالرفعِ على الابتداء، وَقِيْلَ : على إضمار هُوَ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَى الآيةِ : هُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ لِلمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وما بعدَ هذا قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:2

﴿الـم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي هذه السورةُ آياتُ الكتابِ الحكيم الذي وعدَكَ اللهُ أن يُنْزِلَهُ عليكَ. وانتصبَ (هُدًى وَرَحْمَةً) على الحالِ. وقرأ حمزةُ بالرفعِ على الابتداء، وَقِيْلَ : على إضمار هُوَ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَى الآيةِ : هُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ لِلمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وما بعدَ هذا قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:3

﴿الـم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي هذه السورةُ آياتُ الكتابِ الحكيم الذي وعدَكَ اللهُ أن يُنْزِلَهُ عليكَ. وانتصبَ (هُدًى وَرَحْمَةً) على الحالِ. وقرأ حمزةُ بالرفعِ على الابتداء، وَقِيْلَ : على إضمار هُوَ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَى الآيةِ : هُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ لِلمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وما بعدَ هذا قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:4

﴿الـم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي هذه السورةُ آياتُ الكتابِ الحكيم الذي وعدَكَ اللهُ أن يُنْزِلَهُ عليكَ. وانتصبَ (هُدًى وَرَحْمَةً) على الحالِ. وقرأ حمزةُ بالرفعِ على الابتداء، وَقِيْلَ : على إضمار هُوَ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَى الآيةِ : هُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ لِلمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وما بعدَ هذا قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:5

﴿الـم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي هذه السورةُ آياتُ الكتابِ الحكيم الذي وعدَكَ اللهُ أن يُنْزِلَهُ عليكَ. وانتصبَ (هُدًى وَرَحْمَةً) على الحالِ. وقرأ حمزةُ بالرفعِ على الابتداء، وَقِيْلَ : على إضمار هُوَ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(مَعْنَى الآيةِ : هُدًى مِنَ الضَّلاَلَةِ وَرَحْمَةً مِنَ الْعَذَابِ لِلمُوَحِّدِيْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) وما بعدَ هذا قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:6

قَوْلُهُ تَعَالى :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ نزلت هذه الآيةُ وما بعدَها في النَّضرِ بن الحارثِ، كان اشترَى كُتباً فيها أخبارُ الأعاجمِ، ويحدِّثُ بها أهلَ مكَّة، ويتمَلَّقُ بها في المجالسِ، ويقولُ : إنَّ مُحَمَّداً يحدِّثُكم أحاديثَ عادٍ وثَمودَ، وأنا أُحدِّثُكم أحاديثَ فارس والروم، وأقرأُ عليكم كما مُحَمَّدٌ يقرأ عليكم أساطيرَ الأوَّلين هو يأتِيكم بكتابٍ فيه قصصُ الأممِ الماضيةِ، وأنا أتيتُ بمثلهِ! وكانوا يستَمْلِحُون حديثَهُ، وكان إذا سَمِعَ شيئاً من القُرْآنِ يهزأُ به ويُعرِضُ عنهُ. فذلكَ قولهُ :﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ أي ليصرِفَ الناسَ عن دِين الله بلا علمٍ، ومن قرأ (لِيَضِلَّ) بفتحِ الياء، فمعناهُ : ليتَشَاغَلَ بما يُلهِيهِ، وليصير أمرهُ إلى الضَّلال والباطلِ. ومعنى قولهِ تعالى ﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ أي باطلُ الحديثِ، هذا قولُ الكلبيِّ ومقاتل، وَقِيِْلَ : المرادُ بلَهْوِ الحديثِ الغناءُ، وعن النبيِّ ﷺ أنه قال :" لاَ يَحِلُّ تَعْلِيْمُ الْمُغَنِّيَاتِ وَلاَ بَيْعُهُنَّ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ ؛ مَا رَفَعَ رَجُلٌ قًطُّ عَقِيْرَتَهُ يَتَغَنَّى إلاَّ ارْتَدَفَهُ شَيْطَانَانِ يَضْرِبَانِ بأَرْجُلِهِمَا عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرهِ حَتَّى يَسْكُتْ "، وهذا قولُ سعيدِ بن جُبير ومجاهد وابنِ مسعودٍ، قالوا :(هُوَ وَاللهِ الْغِنَاءُ، وَاشْتِرَاءُ الْمُغَنِّيَةِ وَالْمُغَنِّي بالْمَالِ). وقال ﷺ :" " مَنْ مَلأَ مَسَامِعَهُ مِنْ غِنَاءٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أنْ يَسْمَعَ أصْوَاتَ الرُّوحَانِيِّيْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قِيْلَ : وَمَا الرُّوحَانِيُّونَ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :" أهْلُ الْجَنَّةِ " "، وعن إبراهيمَ النخعيِّ أنه قالَ :(الْغِنَاءُ يُنبتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْب) وقال مكحولُ :(مَنِ اشْتَرَى جَاريَةً ضَرَّابَةً لِيُمْسِكَهَا لِغِنَائِهَا وَضَرْبها مُقِيْماً عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ لَمْ أُصَلِّ عَلَيْهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي أنه جاهلٌ فيما يفعلُ، لا يفعلهُ عن عِلْمٍ، ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ بالرفعِ عطفاً على ﴿مَن يَشْتَرِي﴾، وبالنصب عَطفاً على ﴿لِيُضِلَّ﴾، والكتابةُ المذكورة تعودُ إمَّا إلى الآياتِ المذكورةِ في أوَّل السورةِ، وإما إلى (سَبيْلِ اللهِ)، والسبيلُ يُؤَنَّثُ لقولهِ﴿قُلْ هَـاذِهِ سَبِيلِي﴾[يوسف: ١٠٨].

لقمان 31:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً﴾ ؛ أي أعرَضَ عن قَبولِها متَعظِّماً عنِ الإيْمان بها، ﴿كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ ؛ أي ثُقْلاً يَمنعهُ عن السَّماعِ، ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ وَجِيْعٍ في الدُّنيا قبل أن يَصِلَ إلى الآخرةِ، وهو ما رُوي :(أنَّهُ أُخِذَ أسِيْراً يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْراً).

لقمان 31:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ ظاهُر المعنَى.

لقمان 31:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ ظاهُر المعنَى.

لقمان 31:10

وقولهُ تعالى :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ ؛ أي جِبَالاً ثُم أُرْسِيَتِ أوتادٌ لَها لِئَلاَّ تَميدَ بأهلِها، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ ؛ أي فرَّقَ الدوابَّ الكثيرةَ في الأرضِ، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءً﴾ ؛ يعني المطرَ، ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ ؛ أي مِن كلِّ نوعٍ حسَنٍ.

لقمان 31:11

وقولهُ تعالَى :﴿هَـاذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ ؛ أي هذا الذي ذكرتُ لكم مما تُعاينُونَ خَلْقُ اللهِ، ﴿فَأَرُونِي﴾ ؛ أيُّها الكفارُ، ﴿مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ ؛ أيُّ شيءٍ خَلَقَهُ الذي تعبدونَ مِن دونهِ، فلم تَجِدُوا شَيئاً يشيرونَ إليهِ من خَلْقِ غيرهِ، ولَم يقدِرُوا على جواب هذا الكلامِ، فقِيْلَ :﴿بَلِ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ أي الكافِرون، ﴿فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.

لقمان 31:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ ؛ يعني العقلَ والعلم والعملَ به، والإصابةَ في الأمور. واتَّفقَ العلماءُ على أن لُقْمَانَ حكيماً، ولَم يكن نَبيّاً إلاّ عكرمةُ وحدَهُ فإنه قال :(كَانَ لُقْمَانُ نَبيّاً)، وقال بعضُهم : خُيِّرَ لقمانُ بين النبوَّة والحكمةِ فاختارَ الحكمةَ! وعن ابن عمر رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ؛ قالَ : سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ :" حَقّاً أقُولُهُ : لَمْ يَكُنْ لُقْمَانُ نَبيّاً، وَلَكِنْ عَبْداً صَمْصَامَةً، كَثِيْرَ التَّفَكُّرِ، حَسَنَ الْيَقِيْنِ، أحَبَّ اللهَ فَأَحَبَّهُ، فَمَنَّ عَلَيْهِ بالْحِكْمَةِ " ورويَ أنه كان تَتَلْمَذَ لألفِ نبيٍّ عليهم السَّلام. واختَلفُوا في حِرفتهِ، فقالَ الأكثرُون : كان نَجَّاراً، ويقالُ : كان خيَّاطاً، ويقالُ : كان راعياً، ويروى : كان عَبْداً حَبَشِيّاً غليظَ الشَّفتين مشقوقَ الرِّجلين. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :(مَرَّ رَجُلٌ بلُقْمَانَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ وَهُوَ يَعِظُهُمْ، فَقَالَ : ألَسْتَ الْعَبْدَ الأَسْوَدَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟! قَالَ : بَلَى، قَالَ : فَمَا بَلَغَ بكَ إلَى مَا أرَى ؟ قَالَ : صِدْقُ الْحَدِيْثِ ؛ وَأدَاءُ الأَمَانَةِ ؛ وَتَرْكُ مَا لاَ يَعْنِيْنِي). وعن أنسٍ :(أنَّ لُقْمَانَ كَانَ عَبْدَ دَاوُدَ عليه السلام وَهُوَ يَسْرِدُ دِرْعاً، فجَعَلَ لُقْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِمَّا يَرَى، وَيُرِيْدُ أنْ يَسْأَلَهُ فَمَنَعَتْهُ حِكْمَتُهُ مِنَ السُّؤَالِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا، جَعَلَهَا عَلَيْهِ وَقَالَ : نِعْمَ دِرْعُ الْحَرْب هَذَا وَنِعْمَ حَامِلُهُ، فَقَالَ لُقْمَانُ : الصَّمْتُ حِكْمَةٌ وَقَلِيْلٌ فَاعِلُهُ). وقال عكرمة :(كَانَ لُقْمَانُ مِنْ أهْوَنِ مَمَالِيْكِ سَيِّدِهِ، فَبَعَثَ مَوْلاَهُ مَعَ عَبيْدٍ لَهُ إلَى بُسْتَانٍ لِمَوْلاَهُمْ يَأْتُونَهُ مِنْ ثَمَرِهِ، فَجَاءُوا وَلَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، وَقَدْ أكَلُواْ الثَّمَرَةَ، وَأحَالُواْ عَلَى لُقْمَانَ بذَلِكَ! فَقَالَ لُقْمَانُ لِمَوْلاَهُ : إنَّ ذَا الْوَجْهَيْنِ لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ أمِيْناً، فَاسْقِنِي وَإيَّاهُمْ مَاءً حَمِيْماً، فَسَقَاهُمْ فَجَعَلُواْ يَتَقَيَّؤُن الْفَاكِهَةَ، وَجَعَلَ لُقْمَانُ يَتَقَيَّأُ مَاءً بَحْتاً، فَعَرَفَ صِدْقَهُ وَكَذِبَهُمْ). قال :(وَأَوَّلُ مَا رُويَ مِنْ حِكْمَتِهِ أنَّهُ جَاءَ مَعَ مَوْلاَهُ فَدَخَلَ الْمَخْدَعَ، فَأَطَالَ الْجُلُوسَ فِيْهِ، فَنَادَاهُ لُقْمَانُ : إنَّ طُولَ الْجُلُوسِ عَلَى الْحَاجَةِ يَتَجَمَّعُ مِنْهُ الْكَدَرُ، وَيُورثُ الْبَاسُورَ، وَتَصْعَدُ الْحَرَارَةُ إلَى الرَّأسِ، فَاجْلُسْ هُوَيْناً وَقُمْ هُوَيْناً، قَالَ : فَخَرَجَ وَكَتَبَ حِكْمَتَهُ عَلَى بَاب الْحَشِّ). ومعنى الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ عِلْمَ التوحيدِ والمواعظِ والفقهِ والعقل والإصابة في القولِ، وألْهَمناهُ أن يشكرَ اللهَ على ما أعطاهُ من الحكمةِ. ومعنى قولهِ :﴿أَنِ اشْكُرْ للَّهِ﴾ ؛ أي قُلنا له : اشْكُرِ اللهَ فيما أعطاكَ من الحكمةِ، ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ ؛ أي مَن يشكرُ نِعَمَ اللهِ فإنا منفعةَ شُكرهِ راجعةٌ إلى نفسهِ، ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ ؛ فلم يُوَحِّدْ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ ؛ عن شُكرهِ، ﴿حَمِيدٌ﴾ ؛ يحمَدهُ الشاكرُ ويثبته إلى شُكرهِ.

لقمان 31:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ ؛ أي واذْكُرْ : إذْ قَالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ :﴿يابُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ ؛ أحَداً في العبادةِ، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ عندَ اللهِ ؛ أي ليس مِن الذُّنوب شيءٌ أعظمُ من الشِّرك باللهِ ؛ لأنَّ الله تعالى هو الحيُّ المميتُ الخالق الرازقُ، فإذا أشركتَ به أحداً غيرَهُ فقد جعلتَ النعمةَ لغير ربها، وذلك من أعظمِ الظُّلمِ.

لقمان 31:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ ؛ نزل في سَعدِ بن أبي وقَّاص ؛ لَمَّا آمَنَ بالنَّبيِّ ﷺ أُمُّهُ لاَ تَذُوقُ طَعَاماً وَلاَ شَرَاباً وَلاَ يُظِلُّهَا شَيْءٌ حَتَّى يَرْجِعَ سَعْدُ إلَى دِينْهِ، فَمََضَتْ عَلَى هَذَا أيَّاماً، فَبَلَغَ مِنْ أمْرِهَا إلَى تَدَاخَلَ بَعْضُ أسْنَانِهَا فِي بَعْضٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ :(لَوْ كَانَ لَهَا سَبْعُونَ نَفْساً فَخَرَجَتْ مَا ارْتَدَدْتُ عَنِ الإسْلاَمِ) فَفَتَحَ فَاهَا وَصَبَّ فِيْهِ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ. ومعنى ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ﴾ أي أمرناهُ ببرِّ والدَيه عطفاً عليهما. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ﴾ ؛ أي ضَعْفاً على ضعفٍ، ومشقَّةً على مشقةٍ، كلَّما ازدادَ الولدُ في الرَّحمِ كِبر، ازدادت الأمُّ ضَعفاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ ؛ أي وفِطَامُهُ في انقضاءِ عامَين، وقدَّرَهُ بعامين بناءً على الأغلب، ولأنَّ الرَّضاع لا يستحقُّ بعد هذه المدَّة. والفِصَالُ هو الفِطَامُ، وهو أن يُفْصَلَ الولدُ عن الأمِّ كي لا يرضع. والمعنى بهذا ذكرُ مشقَّة الوالدةِ بإرضاعِ الولد عامَين. ورُوي عن يعقوب :(وَفَصْلُهُ فِي عَامَيْنِ) بغير ألفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ ؛ أي قُلنا له اشكُرْ لِي على خلْقِي إياكَ، وعلى إنعامِي عليكَ، واشكُرْ لوالديكَ على تربيَتهما إياكَ. وقال مقاتلُ :(اشْكُرْ لِي إذْ هَدَيْتُكَ للإسْلاَمِ، وَلِوَالِدَيْكَ بمَا أوْلَيَاكَ مِنَ النِّعَمِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي مصيرُكَ ومصيرُ والدَيك، وعن سُفيان بن عُيينةَ في قولهِ :﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ قال :(مَنْ صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَقَدْ شَكَرَ اللهَ، وَمَنْ دَعَا لِلْوَالِدَيْنِ فِي إدْبَار الصَّلَوَاتِ فَقَدْ شَكَرَ لِلْوَالِدَيْنِ).

لقمان 31:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ ؛ أي أجْهَدَا عليكَ لتُشرَكَ بي جَهلاً بغيرِ علمٍ فَلاَ تُطِعْهُمَا، فإنَّ حقَّهما وإنْ عَظُمَ فليس بأعظمَ من حقِّي. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ ؛ قال ﷺ :" حُسْنُ الْمُصَاحَبَةِ أنْ تُطْعِمْهُمَا إذَا جَاعَا، وَتَكْسُوهُمَا إذَا عَرِيَا، وَعَاشِرْهُمَا عِشْرَةً جَمِيْلَةً " ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ ؛ أي واتَّبع طريقَ مَن رجعَ إلَيَّ ؛ أي مَنْ سَلَكَ طريقَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وأصحابهِ. والمعنى : واتَّبعِ دِينَ من أقبل إلى طَاعَتِي وهو النبيُّ صلى الله عليه وسلم. وقال عطاءُ عن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ :(يَعْنِي أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيْقَ رضي الله عنه أنَّهُ حِيْنَ أتَاهُ عَبْدُالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَسَعْدُ بْنُ أبي وَقَّاصٍ وَسَعِيْدُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُواْ : يَا أبَا بَكْرٍ آمَنْتَ وَصَدَّقْتَ مُحَمَّداً ؟ قَالَ : نَعَمْ، فَأَتَواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَآمَنُواْ بهِ وَصَدَّقُواْ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى يَقُولُ لِسَعْدٍ :(وَاتَّبعْ سَبيْلَ مَنْ أنَابَ إلَيَّ) يَعْنِي أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيْقَ رضي الله عنه). ويستدلُّ مِن قولهِ تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ على أنَّ الابنَ لا يستحقُّ القَوَدَ على أبيهِ، ولا يُحَدُّ الأبُ بقَذفَةِ الابنِ، ولا يحبسُ الأبُ بدَينِ الابنِ، لأن في إيجاب القَوَدِ والحدِّ والحبسِ له عليه ما يُنافِي مُصَاحبتَهما. وعن أبي يوسفَ :(أنَّ الْقَاضِي يَأْمُرُ الأبَ بقَضَاءِ دَيْنِ الابْنِ، فَإنْ تَمَرَّدَ حَبَسَهُ لاسْتِخْفَافِ أمْرِهِ) وقال محمَّدُ بن الحسنِ :(يُحْبَسُ الأَبُ فِي نَفَقَةِ الابْنِ الصَّغِيْرِ، وَلاَ يُحْبَسُ بالدِّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ ؛ لأنَّهُ لَوْ لَمْ يُحْبَسْ فِي نَفَقَةِ الصَّغِيْرِ لَتَضَرَّرَ الْوَلَدُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ ؛ أي مرجِعُكم ومرجعُ آبائِكم، ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ. وقد تضمَّنت هذه الآيةُ النَّهيَ عن صُحبة الكفَّار والفُسَّاقِ، والترغيبَ في صُحبةِ الصالِحين لقولهِ تعالى ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾.

لقمان 31:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يابُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾ ؛ وذلك أنَّ ابنَ لُقمان سألَ أباهُ فقالَ : أرأيتَ الحبَّة التي تكون في قَعْرِ البحار ؛ أيعلَمُها اللهُ ؟ فأعلَمَهُ أنَّ الله يعلمُ الحبَّة أينما كانت. وَقِيْلَ : إنَّ ابنَ لُقمان قال لأبيهِ : يا أبَتِ! إنْ عَمِلْتُ بالْخَطِيْئَةِ حيثُ لا يَرانِي أحدٌ، كيف يعلَمُها اللهُ ؟ فقال لُقمان لابنهِ :﴿إِنَّهَآ إِن تَكُ﴾ يعني إنَّ المعصيةَ إن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكون في صَخرَةٍ التي تحتَ الأرضين السَّبع أو في السَّموات أو في الأرضِ يأتِ بها اللهُ للجزاءِ عليها. ومَن قرأ برفعِ (مِثْقَالُ) فتقديرهُ : أن تَقَعَ مثقالُ حبَّة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي قَادِرٌ على الإتيانٍ بها، خَبيرٌ بموضِعها، يُوصِلُها إلى صاحبها حيث كانَ. واللَّطِيْفُ : العالِمُ بكلِّ دقيقٍ وجليل. ومعنى الآيةِ : أن اللهَ تعالى ضَرَبَ هذا مَثلاً لأعمالِ العبادِ، يعني أنه يأتِي بأعمالِهم يومَ القيامةِ، وإنْ كان العملُ الصالح في الصِّغَرِ بوزنِ حبَّة مِن خردلٍ، فاللهُ تعالى يحفظهُ ولا يخفَى عليه مكانهُ حتى يجازيه عليهِ، ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْـمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾[الزلزلة: ٧-٨].

لقمان 31:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ؛ أي أقِمِ الصَّلاةَ التي افترضَها اللهُ عليكَ، وأمُرْ بالطاعةِ وَانْهَ عن المعصيةِ، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ﴾ ؛ من الأذِيَّةِ في الأمرِ بالمعروف والنَّهيِ عن المنكرِ، وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ؛ أي الصَّبْرُ على ما أصابَكَ في ذات اللهِ مِن الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكر مِن عِظَامِ الأُمور. وَقِيْلَ : مِن حقِّ الأُمور التي أمرَ اللهُ بها.

لقمان 31:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ ؛ قرأ نافعُ وأبو عمرو وحمزةُ والكسائي وخلف (تُصَاعِرْ) بالألفِ، وقرأ الباقونَ (تُصَعِّرْ) بغيرِ ألف. قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ : لاَ تَتَكَبَّرْ فَتَحْقِرُكَ النَّاسُ، وَلاَ تُعْرِضْ عَنْهُمْ بوَجْهِكَ إذَا كَلَّمُوكَ)، يقالُ : صَعِّرَ خَدُّكَ وَصَاعَرَ، إذا مَالَ وأعرضَ تكبُّراً. والمعنى : لا تَتَعَظَّمْ على خلقِ الله، ولا تُعرِضْ عنِ الناسِ تكبُّراً عليهم، بل يكونُ الفقيرُ والغنيُّ عندَكَ سواءٌ، ولا تَعْبَسْ في وجهِ أحدٍ مِن الناسِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً﴾ ؛ أي ولا تَمْشِ في الأرضِ بالإعجَاب والبَطَرِ وَازْدِرَاءِ الناسِ، قال الحسنُ :(أنَّى لابْنِ آدَمَ الْكِبَرُ وَقَدْ خَرَجَ مِنْ مَخْرَجِ الْبَوْلِ مَرَّتَيْنِ؟!). وروي : أنَّ الْمُهَلَّبَ بْنَ أبي صُفْرَةَ مَرَّ عَلَى مُطَّرِفِ بْنِ عَبْدِاللهِ وَهُوَ يَتَبَخْتَرُ فِي جُبَّةِ خَزٍّ، فَقَالَ :(هَذِهِ مِشْيَةٌ يَبْغَضُهَا اللهُ وَرَسُولُهُ) فَقَالَ لَهُ الْمُهَلَّبُ : مَا تَعْرِفُنِي؟! قَالَ :(بَلَى ؛ أعْرِفُكَ، أوَّلُكَ نُطْفَةٌ مَذِرَةٌ، وَآخِرُكَ جِيْفَةٌ قَذِرَةٌ، وَتُحْمَلُ بَيْنَ الْعُذْرَةِ) فَمَضَى الْمُهَلَّبُ وَتَرَكَ مِشْيَتَهُ تِلْكَ. وروي : أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ خَرَجَ يَوْماً يَتَمَشَّى، فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ :(مَنْ هَذَا؟!) قَالُواْ : هَذَا وَلَدُكَ عَبْدُاللهِ، قَالَ : ادْعُوهُ، فَجَاؤُا بهِ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ :(يَا بُنَيَّ! أتَدْري بكَمِ اشْتَرَيْتُ أُمَّكَ ؟ اشْتَرَيْتُهَا بثَلاَثِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَأبُوكَ لاَ كَثَّرَ اللهُ مِنْ مِثْلِهِ فِي النَّاسِ، أتَمْشِي هَذِهِ الْمِشْيَةَ؟!). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ؛ الاخْتِيَالُ : هو التَّبَخْتُرُ في المشيِ، والفَخُورُ : هو الْمُتَطَاولُ بذِكْرِ المناقب على السَّامعِ والافتخار عليه، وذلك مذمومٌ لأن المستحقَّ على نِعَمِ اللهِ شُكراً لا الْفِخْرَ.

لقمان 31:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ ؛ أي تَوَاضَع ولا تتبختَر، وليكن مشيُكَ قَصْداً لا تبختُراً ولا إسراعاً. قال ﷺ :" سُرْعَةُ الْمَشْيِ تَذْهَبُ بَهَاءَ الْمُؤْمِنِ " يقالُ : قَصَدَ فلانٌ في مشيتهِ إذا مشَى مُستوِياً، وقال مقاتلُ :(لاَ تَخْتَلْ فِي مِشْيَتِكَ)، وقال عطاءُ :(قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ أيْ امْشِ بالْوَقَارِ وَالسَّكِيْنَةِ) كقولهِ تعالى :﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَـانِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾[الفرقان: ٦٣]، والمعنى : اقصِدْ في الْمَشْيِ، لا تعجَلْ ولا تَمشِ بالْهُوَيْنَا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ ؛ أي اخفِضْ صوتَكَ ولا ترفعْهُ على وجهِ انتهار النَّاس وإظهار الاستخفافِ بهم، وقال عطاءُ :(مَعْنَاهُ : اغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إذَا دَعَوْتَ وَنَاجَيْتَ رَبَّكَ)، وكذلك وصيَّةُ الله تعالى في الإنجيلِ لعِيسَى عليه السلام : مُرْ عِبَادِي يَخْفِضُوا أصْوَاتَهُم إذا دَعَونِي، فإنِّي أسمعُ وأعلَمُ ما في قلوبهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ ؛ أي أقبحُ الأصواتِ صوتُ الحميرِ ؛ لأن أوَّلَهُ زفيرٌ وآخرهُ شهيقٌ. قال ابن زيدٍ :(لَوْ كَانَ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ خَيْراً مَا جَعَلَهُ اللهُ لِلْحَمِيْرِ)، وعن أُمِّ سعدٍ قالت : قال رسولُ اللهِ ﷺ :" إنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْغَضُ ثَلاَثَةَ أصْوَاتٍ : نَهِيْقُ الْحِمَار، وَنُبَاحُ الْكَلْب، وَالدَّاعِيَةُ بالْوَيْلِ وَالْحَرْب " وقال سُفيان :(صِيَاحُ كُلِّ شَيْءٍ تَسْبيحُهُ اللهَ إلاَّ الْحِمَارُ فَإنَّهُ يَنْهَقُ بلاَ فَائِدَةٍ).

لقمان 31:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ألَمْ تَرَوا أنَّ اللهَ خَلَقَ وذَلَّلَ لِمنافعِكم ولِمصَالحِكم ما في السَّمواتِ من الشَّمسِ والقمر والنجومِ والسَّحاب والمطَرِ، وفي الأرضِ من الأشجارِ والأنْهَارِ والبحارِ والدَّواب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ؛ أي أتَمَّ عليكم ووسَّعَ لكم نِعَمَهُ (ظَاهِرَةً) من الْخَلْقِ الحسنِ وسلامةِ الأعضاء الظاهرة، (وبَاطِنَةً) من العقلِ والفهمِ والفطنة والمعرفةِ بالله. وَقِيْلَ : النعمةُ الظاهرة هي الإسلامُ، والباطنةُ ما يخفَى من الذُّنوب ويُسْتَرُ من العوراتِ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ ما يعلمُ الناس من حسنَاتِكَ، والباطنةُ ما لا يعلمون من السيِّئات. وقال الضحَّاك :(الظَّاهِرَةُ : حُسْنُ الصُّورَةِ وَامْتِدَادُ الْقَامَةِ وَتَسْوِيَةُ الأَعْضَاءِ، وَالْبَاطِنَةُ الْمَعْرِفَةُ). وَقِيْلَ : الظاهرةُ الإسلامُ وما أفْضَلَ عليكَ من الرِّزق، والباطنةُ ما سَتَرَ من سوءِ عمَلِكَ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ نِعْمُ الدُّنيا، والباطنةُ نِعَمُ العُقبَى. وَقِيْلَ : الظاهرةُ تسويةُ الظواهرِ، والباطنةُ تصفيةُ السرائرِ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ الرِّزْقُ الذي يكتسبُ، والباطنةُ الرزقُ مِن حيث لا تحتسبُ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ المدخل للغداءِ، والباطنة المخرجُ للأذَى. وَقِيْلَ : الظاهرةُ نِعْمَةٌ عليكَ بعد ما خرجتَ من بطنِ أُمِّكَ، والباطنةُ نعمةٌ عليك وأنتَ في بطنِ أُمِّكَ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ ألوانُ العطََايَا، والباطنةُ غفرانُ الخطايَا. وَقِيْلَ : الظاهرةُ المالُ والأولاد، والباطنة الْهُدَى والإرشادُ. وَقِيْلَ : الظاهرة التوفيق للعبادات، والباطنةُ الإخلاصُ من الْمُرَاءَاتِ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ ما أعطى من النَّعماءِ، والباطنة ما زوى من أنواعِ البلاء. وَقِيْلَ : الظاهرةُ إنزالُ القَطْرِ والأمطارِ، والباطنةُ إحياءُ الأقطار والأنصار. وَقِيْلَ : الظاهرةُ ذِكْرُ اللسانِ، والباطنةُ ذكر الجِنَانِ. وَقِيْلَ : الظاهرةُ ضياءُ النَّهار، والباطنةُ ظلمة الليلِ للسُّكون والقرار. ومَن قرأ (نِعْمَةً) على التوحيدِ فهي واحدةُ تُبنَى على الجميعِ، كما في قولهِ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾[إبراهيم: ٣٤]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ؛ يعني النَّضْرَ بن الحارثِ يخاصمُ في آياتِ الله وفي صفاتهِ جَهْلاً بغير علمٍ ولا حجَّة، ﴿وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ ؛ وقد تقدَّم تفسيرهُ في سُورةِ الحجِّ.

لقمان 31:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ﴾ ؛ أي اعْمَلُوا بما أنزلَ اللهُ، ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ ؛ قالوا بل نعملُ بما وجدنا عليه آباءَنا، وقد تقدَّم تفسيرُ ذلك في سُورة البقرةِ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ ؛ فيتَّبعونَهُ.

لقمان 31:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ؛ أي مَن يُخْلِصُ طاعتَهُ للهِ وهو محسنٌ فيها فيفعَلُها على موجب الشَّريعة فقد أخذَ بالأمرِ الأوثقِ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ﴾ ؛ تَرْجِعُ خواتِمُ ﴿الأَمُورِ﴾ ؛ كلِّها، فيجزِي كلَّ عاملٍ بما عَمِلَ. قرأ السُلَمِيُّ :(وَمَنْ يُسْلِّمْ) بالتَّشديدِ. ومعنى قولهِ تعالى ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أي اعَتْصَمَ بالطَّرَفِ الأوثقِ الذي لا يخافُ انقطاعَهُ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(هُوَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ).

لقمان 31:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُحْزِنُهُ كفرُهم مخافةَ أن يكون ذلك لتقصيرٍ من جهتهِ، فَأَمَّنَهُ اللهُ مِن ذلكَ، والمعنى : مَن كَفَرَ فلا تَهْتَمَّ لكُفرهِ، فإنَّ رجوعَهم إلينا وحِسابُهم علينا، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ ؛ أي نُخبرُهم بقبائحِ أعمالِهم في الدُّنيا، ونجزيهم عليها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي عليمٌ بما في القلوب من خيرٍ وشرٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ ؛ أن نُمهِلُهم في الدُّنيا يَسِيراً، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ؛ أي ثُم نُجَلِّيهِمْ في الآخرةِ إلى عذابٍ شديدٍ.

لقمان 31:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنكَ كُفْرُهُ﴾ ؛ وذلك أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُحْزِنُهُ كفرُهم مخافةَ أن يكون ذلك لتقصيرٍ من جهتهِ، فَأَمَّنَهُ اللهُ مِن ذلكَ، والمعنى : مَن كَفَرَ فلا تَهْتَمَّ لكُفرهِ، فإنَّ رجوعَهم إلينا وحِسابُهم علينا، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ﴾ ؛ أي نُخبرُهم بقبائحِ أعمالِهم في الدُّنيا، ونجزيهم عليها، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ أي عليمٌ بما في القلوب من خيرٍ وشرٍّ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ ؛ أن نُمهِلُهم في الدُّنيا يَسِيراً، ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ ؛ أي ثُم نُجَلِّيهِمْ في الآخرةِ إلى عذابٍ شديدٍ.

لقمان 31:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ.

لقمان 31:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :" وَذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ، أتَتْهُ أخْبَارُ الْيَهُودِ فَقَالُواْ : بَلَغَنَا أنَّكَ قُلْتَ :﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أعَنَيْتَنَا أمْ عَنَيْتَ قَوْمَكَ ؟ فَقَالَ :" بَلْ عَنَيْتُ الْجَمِيْعَ " فَقَالُواْ : ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ أنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى وَفِيْهَا أنْبَاءُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ خَلَّفَهَا فِيْنَا فَهِيَ مَعَنَا ؟ فَقَالَ ﷺ :" التَّوْرَاةُ وَمَا فِيْهَا مِنَ الأَنْبَاءِ قَلِيْلٌ فِي عِلْمِ اللهِ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". والمعنى : لو جُعِلَ ما في الدُّنيا من الأشجار أقلاماً يكتبُ بها، وصارَتِ الجنُّ والإنسُ كُتَّاباً، والبحارَ مِدَاداً يَمدُّها من بعدِها سبعةَ أبْحُرٍ ؛ أي سبعةَ أمثالِ بحرِ الدُّنيا، وكتبَ بها كلماتِ الله وحِكَمَهُ، لانكسرَتِ الأقلامُ، وأُعيَتِ الإنسُ والجنُّ، وَفَنِيَتِ البحارُ قبل أن ينقطعَ كلامُ اللهِ وحِكَمُهُ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ؛ أي عَزِيزٌ في سُلطانهِ ذُو حكمةٍ في قولهِ وأفعالهِ. وذهبَ بعضُهم إلى أنَّ معنى (كَلِمَاتُ اللهِ) تعالى في هذه الآيةِ : مَعانِي القُرْآنِ وفوائدهِ، وقال بعضُهم : وهي نِعَمُ اللهِ في الدُّنيا والآخرةِ، وإن نِعَمَهُ في الآخرةِ غيرُ متناهيةٍ.

لقمان 31:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ : إنَّ اللهَ خَلَقَنَا أطْوَاراً نُطْفَةً ثُمَّ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغَةً ثُمَّ لَحْماً، فَكَيْفَ يَبْعَثُنَا خَلْقاً جَدِيْداً فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿مَّا خَلْقُكُمْ﴾ " أيها الناسُ على اللهِ سُبحَانَهُ " في القدرة إلاّ كخلقِ نفسٍ واحدةٍ، وبعثِ نفسٍ واحدةٍ ؛ ﴿وَلاَ بَعْثُكُمْ﴾ في قدرةِ اللهِ على بعثِ الْخَلْقِ كلِّهم (إلاّ) كقدرتهِ على بعثِ نفس واحدةٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ ؛ لِما قالوا من أمرِ الخلقِ والبعثِ، ﴿بَصِيرٌ﴾ ؛ بهِ.

لقمان 31:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ﴾ ؛ أي ألَمْ تَعلَمْ أنَّ اللهَ يزيدُ من ساعاتِ اللَّيل في ساعاتِ النهار صَيفاً، ويزيدُ في ساعاتِ النَّهار في ساعاتِ الليل شتاءً، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ ؛ أي ذَلَّلهما لِمنافعِ بني آدم يَجريان إلى يومِ القيامة، ثُم يسقُطان، وينقطعُ جَريُهما، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي خَبيْرٌ بأعمالِكم في الدُّنيا ويُجازيكم عليها.

لقمان 31:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ ؛ أو لِتَعلَمُوا أنَّ عبادةَ الله حقٌّ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ ؛ من عباده، ﴿الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ ؛ بصفاتهِ، ﴿الْكَبِيرُ﴾ ؛ الذي لا شَيءَ مثلهُ في كِبريائهِ وعَظَمتِهِ.

لقمان 31:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِّنْ آيَاتِهِ﴾ ؛ أي ألَمْ تعلَمْ أنَّ السُّفنَ تجري في البحرِ بإنعَامِ اللهِ تعالى، لو لَم يخلُقٍ الرِّياح والماءَ على الهيئةِ التي خلَقَها الله عليها لَما جَرَتِ السُّفن على ظهرِ الماءِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ﴾ ؛ أي لدلالات على توحيد الله، ﴿لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ؛ أي كثيرِ الصَّبرِ على الطاعات والْمِحَنِ، شَكُوراً أي كثيرَ الشُّكر على نِعَمِ الله تعالى، قال ﷺ :" إنَّ أحَبَّ الْعِبَادِ إلَى اللهِ مَنْ إذَا أُعْطِيَ شَكَرَ، وَإذَا ابْتُلِيَ صَبَرَ ".

لقمان 31:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ؛ أي إذَا أصابَهم في البحرِ مَوْجٌ كالجبالِ في الارتفاعِ دَعَوُا اللهَ مُخلِصِينَ له الدُّعاء، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ﴾ ؛ من البحرِ وأهوالهِ، ﴿إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ﴾ ؛ أي منهم مَن يثبتُ على ذلكَ، ومنهم مَن يجحَدُ. ثُم قال :﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَآ﴾ ؛ أي لاَ ينكِرُ دلائلَ توحيدِنا، ﴿إِلاَّ كُلُّ خَتَّارٍ﴾ ؛ أي غَدَّارٍ، ﴿كَفُورٍ﴾ ؛ أي أكثرَ الكُفْرَ بآياتِ الله ونِعَمِهِ. والْخَتْرُ في اللُّغة : أقبحُ الغَدْر. والظُّلَلُ : جمعُ ظُلَّةٍ وهي السَّحابةُ التي ترتفعُ فتغَطِّي ما تحتَها. وإنَّ هذه الآيةَ كانت سببَ إسلامِ عِكْرِمَةَ بن أبي جهلٍ، وذلك أنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، أمَّنَ النَّبيُّ ﷺ النَّاسَ إلاَّ أرْبَعَةَ نَفَرٍ، فَإنَّهُ قَالَ :" اقْتُلُوهُمْ، وَلَوْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِيْنَ بأَسْتَار الْكَعْبَةِ : عِكْرِمَةُ بْنُ أبي جَهْلٍ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ الأَخْطَلِ، وَمَقِيْسُ بْنُ صَبَابَةَ، وَعَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدٍ بنِ أبي سَرْحٍ ". فأمَّا عِكْرِمَةُ فَرَكِبَ فِي الْبَحْرِ، فَأَصَابَهُمْ ريْحٌ عَاصِفٌ، فَقَالَ أهْلُ السَّفِيْنَةِ : أخْلِصُواْ فَإنَّ آلِهَتَكُمْ لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً هَا هُنَا، فَقَالَ عِكْرِمَةُ :(لَئِنْ لَمْ يُنَجِّنِي فِي الْبَحْرِ إلاَّ الإخْلاَصُ مَا يُنْجِيْنِي فِي الْبَرِّ غَيْرُهُ) ثُمَّ قَالَ :(اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَهْداً إنْ أنْتَ عَافَيْتَنِي مِمَّا أنَا فِيْهِ أنْ آتِيَ مُحَمَّداً حَتَّى أضَعَ يَدِي فِي يَدِهِ) فَجَاءَ فَأَسْلَمَ.

لقمان 31:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَاخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ ؛ أي اتَّقُوا مخافةَ ربكُم، واخشَوا عذابَ يومٍ لا يُغنِي والدٌ عن ولدهِ، ﴿وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً﴾ ؛ لاشتغالِ كلٍّ منهُم لنفسهِ. وَقِيْلَ : معنى ﴿لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ﴾ أي لا يَحْمِلُ شيئاً من سيِّئاتهِ ولا يُعطيهِ شيئاً من طاعتهِ، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ؛ في البعث والجزاء أي صدق كائن، ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ ؛ فلاَ تغتَرُّوا بالحياة الدُّنيا وما فيها من زينَتِها وزهرَتِها، ﴿وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ؛ الشَّيطانُ، فإنه هو الغَرُورُ، وهو الذي مَن يشاءُ أن يُغَرَّ، وغُرُورُ الشَّيطانِ تَمْنِيَتُهُ العبدَ : فإنَّ اللهَ تعالى غَفُورٌ، فَهَوَّنَ عليه رُكوبَ المعاصِي وما يَهواهُ. ومَن قرأ (الْغُرُورُ) بضمِّ الغَينِ فهي مصدرٌ، ومعناهُ : الأبَاطِيلُ. وعن سعيدِ بنِ جُبير :(إنَّ الْغُرُورَ تَمَنِّي الْمَغْفِرَةِ مَعَ الإصْرَار عَلَى الْمَعْصِيَةِ).

لقمان 31:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ ؛ نزلت هذهِ الآيةُ في الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ، أتََى رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ : إنَّ أرْضَنَا أجْدَبَتْ، فَمَتَى الْغَيْثُ ؟ وَقَدْ تَرَكْتُ امْرَأتِي حُبْلَى، فَمَاذَا تَلِدُ ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ بأَيِّ أرْضٍ وُلِدْتُ - أيْ عَلِمْتُ أيْنَ وُلِدْتُ - فَبأَيِّ أرْضٍ أمُوتُ، وَقَدْ عَلِمْتُ مَا عَمِلْتُ الْيَوْمَ، فَمَا أعْمَلُ غَداً ؟ وَمَتَى السَّاعَةُ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. وقال ﷺ :" مَفَاتِيحُ الْغَيْب خَمْسَةٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إلاَّ اللهُ، لاَ يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إلاَّ اللهُ، وَلاَ يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ إلاَّ اللهُ، وَلاَ يَعْلَمُ مَا كَسْبُهُ فِي غَدٍ إلاَّ اللهُ، وَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ بأَيِّ أرْضٍ تَمُوتُ إلاَّ اللهُ، وَلاَ يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ إلاَّ اللهُ ". يقالُ : إنَّ هذه الخمسة الأشياءٍ التي ذَكَرَها اللهُ في هذه الآيةِ هي مفاتيحُ الغَيْب لا يعلمُها إلاَّ اللهُ، استأثَرَ اللهُ بهِنَّ، فلم يُطْلِعْ عليهِنَّ مَلَكاً مُقرَّباً ولا نَبيّاً مُرسَلاً. ومعنى الآيةِ :﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ﴾ قيامِ ﴿السَّاعَةِ﴾، فلا يدري أحدٌ سواهُ متى تقومُ، في أيِّ سَنةٍ أو في أيِّ شهرٍ، ليلاً أو نَهاراً. وقوله ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ معناهُ : هو المختصُّ بإنزالِ الغيثِ، وهو العالِمُ بوقتِ إنزالهِ، (ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْضِ) أي لا يعلمُ أحدٌ ما في الأرحامِ أذكرٌ أم أُنثَى، أحمرٌ أم أسودٌ، وإنَّما يعلمهُ الله عَزَّ وَجَلَّ نطفةً وعلقة ومُضغةً، وذكراً أم أُنثى، وشقِيّاً وسَعيداً، ومتى ينفصلُ عن أُمِّهِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ يعنِي : ماذا تكسبُ من الخيرِ والشرِّ، أي مَا تدري نفسٌ ماذا تكسبُ غداً خَيراً أو شرّاً، ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ أي في بَرٍّ أو بحرٍ أو سَهلٍ أو جبلٍ. قال ابنُ عبَّاس :(هَذِهِ الْخَمْسَةُ لاَ يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلاَ نَبيٌّ مُرْسَلٌ مُصْطَفَى، فَمَنِ ادَّعَى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئاً مِنْ هَذِهِ فَقَدْ كَفَرَ بالْقُرْآنِ لأنَّهُ خَالَفَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي عَلِيمٌ بخَلقهِ، خَبيْرٌ بأعمالِهم وبما يصيبُهم في مستقبلِ عُمرِهم. وروي أن يهودياً كان في المدينة يحسب حساب النجوم، فقال اليهوديُّ لابن عباس : إن شئت أنبأتك عن ولدك وعن نفسك، إنك ترجع الى منزلك فتلقى إبناً لك محموماً، ولا يمكث عشرة أيام حتى يموت الولد، وأنت لا تخرج من الدنيا حتى تعمى، فقال ابن عباس : وأنت يا يهودي، قال : لا يحول عليَّ الحول حتى أموت ؟ قال : فأين موتك يا يهودي ؟ قال ما أدري، قال ابن عباس : صدق الله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ قال فرجع ابن عباس فلقي إبناً له محموماً، فلما بلغ عشراً مات الصبي، ويقال عن اليهودي " أنه ماتَ قبل الحول "، وما خرج ابن عباس من الدنيا حتى كُفَّ بصره.

السجدة 32:1

﴿الـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي الم هو تنْزيلُ الكتاب، لا شكَّ فيه أنه تَنَزَّلَ من رب العالمين، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ؛ معناهُ : يقول أهلُ مكَّة : اخْتَلَقَهُ مُحَمَّد من تلقاءِ نفسه، وليس كما يقولون، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ ؛ أي لتخوِّفَ بالقرآن قَوماً ؛ ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ لم يشاهدوا قبلَكَ في زمانِهم الذي هم فيه رسُولاً مُخَوِّفاً ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ أي لكي يهتَدُوا إلى الإيمانِ.

السجدة 32:2

﴿الـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي الم هو تنْزيلُ الكتاب، لا شكَّ فيه أنه تَنَزَّلَ من رب العالمين، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ؛ معناهُ : يقول أهلُ مكَّة : اخْتَلَقَهُ مُحَمَّد من تلقاءِ نفسه، وليس كما يقولون، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ ؛ أي لتخوِّفَ بالقرآن قَوماً ؛ ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ لم يشاهدوا قبلَكَ في زمانِهم الذي هم فيه رسُولاً مُخَوِّفاً ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ أي لكي يهتَدُوا إلى الإيمانِ.

السجدة 32:3

﴿الـم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ؛ أي الم هو تنْزيلُ الكتاب، لا شكَّ فيه أنه تَنَزَّلَ من رب العالمين، ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ ؛ معناهُ : يقول أهلُ مكَّة : اخْتَلَقَهُ مُحَمَّد من تلقاءِ نفسه، وليس كما يقولون، ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً﴾ ؛ أي لتخوِّفَ بالقرآن قَوماً ؛ ﴿مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ ؛ لم يشاهدوا قبلَكَ في زمانِهم الذي هم فيه رسُولاً مُخَوِّفاً ؛ ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ؛ أي لكي يهتَدُوا إلى الإيمانِ.

السجدة 32:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ؛ أي في مقدار ستَّة أيام من أيامِ الدنيا، أوَّلُها يوم الأحدِ، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ أي استولَى عليه، وقد تقدَّم في ذلك في سورة الأعرافِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ﴾ ؛ أي قريبٍ ينفعُكم، ﴿وَلاَ شَفِيعٍ﴾ ؛ يشفعُ لكم، ﴿أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ﴾ ؛ أي أفلاَ تعتَبرون.

السجدة 32:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ ؛ أي يدبرُ اللهُ أمرَ الدنيا مدَّة أيامها، فيُنْزِلُ القضاءَ والقدرَ من السَّماء إلى الأرضِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ ؛ قال ابنُ عباس : مَعْنَاهُ يَعُودُ إلَيْهِ الأَمْرُ وَالتَّدْبيرُ حِينَ يَنْقَطِعُ أمْرُ الأُمَرَاءِ وَأحْكَامُ الْحُكَّامِ، وَيَنْفَرِدُ اللهُ تَعَالَى بالأَمْرِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ألْفَ سَنَةٍ) يَعْنِي أنَّ يَوْماً مِنْ أيَّامِ الآخِرَةِ مِثْلَ ألْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ مِنْ أيَّامِ الدُّنْيَا، وَأرَادَ بهَذا الْيَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيْلَ : معناهُ : يقطع الملَكُ من المسافةِ نازلاً وصاعداً في يومٍ واحد وهو مسيرةُ ألفِ عام مما يعدُّه أهل الدنيا بمسيرِهم، وذلك أنَّ بين السماءِ والأرض مسيرةَ خمسمائة عامٍ لبني آدمَ، وصعودهُ من الأرضِ إلى السماء كذلكَ ؛ والملَكُ يقطعهُ في يومٍ واحد. ولو أرادَ الله من الملَك الصعودَ والنُّزول بدون مقدارهِ (اليومَ) لفعلَهُ الملَك. وأما قولهُ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾[المعارج: ٤] فإنْ كان أرادَ مدَّةَ المسافةِ من الأرض إلى سِدْرَةِ المنتهَى التي فيها مقامُ جبريل، فالمعنى يسيرُ جبريلُ والملائكة الذين معه من أهلِ مقامه مسيرةَ خمسين ألفَ سنةٍ في يوم واحدٍ من أيامِ الدنيا، فيكون معنى قوله تعالى :﴿إلَيْهِ﴾ على هذا التأويلِ ؛ أي إلى مكان الملَك الذي أمرَهُ الله أن يعرجَ إليه، وكقول إبراهيمَ عليه السلام :﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾[الصافات: ٩٩] أي حيث أمرَنِي ربي بالذهاب إليه، وهو الشَّام. وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[النساء: ١٠٠] أي إلى المدينةِ. ولم يكن اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بالمدينةِ ولا بالشام. وعن أبي هريرةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" أتَانِي مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلْ إلَى الأَرْضِ قَبْلَهَا قَطُّ برِسَالَةٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ رَفَعَ رجْلَهُ فَوَضَعَهَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَالأُخْرَى فِي الأَرْضِ لَمْ يَرْفَعْهَا ".

السجدة 32:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ؛ أي ذلك الذي صَنَعَ ما ذكرناهُ من خلقِ السموات والأرض، هو عالِمُ ما غابَ عن الخلقِ وعالِمُ ما خفِيَ، لا يقدرُ عليه سواهُ كما لا يعلم الغيبَ غيرهُ. وقوله تعالى :﴿الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ أي القادرُ الذي لا يُقاوَم، المنيعُ في مُلكهِ، المنعِمُ على عبادهِ.

السجدة 32:7

وقولهُ تعالى :﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ؛ قرأ نافع وأهل الكوفة :(خَلَقَهُ) بفتحِ اللام على الفعل ؛ أي أحكمَ كلَّ شيء مما خلَقهُ. وقرأ الباقون :(خَلْقَهُ) بسكون اللام ؛ أي أحسنَ خلقَ كلِّ شيء، فيكون نصبُ قوله :(خَلْقَهُ) على البدلِ. وقال مقاتلُ :((مَعْنَاهُ : الَّذِي عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أنْ يُعْلِّمَهُ أحَدٌ)). وقال السديُّ :((أحْسَنَهُ : لَمْ يُعَلِّمْهُ مِنْ أحَدٍ)). قِيْلَ : إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا طوَّل رجل البهيمةِ والطير، طوَّل عُنقَهُ لئلا يتعذرَ عليه تناولُ قُوتِه من الأرض، ولو لم يطوِّل عنُقه لما نالَ معيشته. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ ؛ يعني آدمَ عليه السلام كان أول طيناً، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ؛ أي ذرِّيته، ﴿مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ ؛ أي من قليلٍ من الماء ينسَلُّ من صُلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفةُ، ووصفَها بالـ (مُهِينٍ) لأنه لا خطرَ له عند الناسِ. وسُميت سُلالةً لأنَّها تَنْسَلُّ من الإنسانِ ؛ أي تخرجُ. والهيِّنُ هو الضعيفُ.

السجدة 32:8

وقولهُ تعالى :﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ ؛ قرأ نافع وأهل الكوفة :(خَلَقَهُ) بفتحِ اللام على الفعل ؛ أي أحكمَ كلَّ شيء مما خلَقهُ. وقرأ الباقون :(خَلْقَهُ) بسكون اللام ؛ أي أحسنَ خلقَ كلِّ شيء، فيكون نصبُ قوله :(خَلْقَهُ) على البدلِ. وقال مقاتلُ :((مَعْنَاهُ : الَّذِي عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُ الأَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ أنْ يُعْلِّمَهُ أحَدٌ)). وقال السديُّ :((أحْسَنَهُ : لَمْ يُعَلِّمْهُ مِنْ أحَدٍ)). قِيْلَ : إنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا طوَّل رجل البهيمةِ والطير، طوَّل عُنقَهُ لئلا يتعذرَ عليه تناولُ قُوتِه من الأرض، ولو لم يطوِّل عنُقه لما نالَ معيشته. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ﴾ ؛ يعني آدمَ عليه السلام كان أول طيناً، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ؛ أي ذرِّيته، ﴿مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ﴾ ؛ أي من قليلٍ من الماء ينسَلُّ من صُلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفةُ، ووصفَها بالـ (مُهِينٍ) لأنه لا خطرَ له عند الناسِ. وسُميت سُلالةً لأنَّها تَنْسَلُّ من الإنسانِ ؛ أي تخرجُ. والهيِّنُ هو الضعيفُ.

السجدة 32:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ ؛ رجعَ إلى ذكرِ آدم، يعني سوَّى خلقَهُ ونفخَ فيه من روحهِ ؛ ثم عادَ إلى ذُريَّته فقال :﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ ؛ بعد أنْ كنتم نُطَفاً. والأفئدةُ هي القلوبُ، ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ؛ هذه النِّعَمَ فتوحِّدونَهُ. والمعنى : خلقَ لكم السمعَ فاستمِعُوا إلى الحقِّ، والأبصارَ فأبصِرُوا الحقَّ، والأفئدةَ ؛ أي القلوبَ ؛ فاعقِلُوا الحقَّ. وَقِيْلَ : معنى ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ يعني الماءَ المهينَ جَمَعَهُ وخلقَهُ وصوَّرَهُ ونفخَ فيه من روحهِ ؛ أي نفخَ فيه الروحَ الذي يحيا به الناسُ. أضافَ الله ذلك إلى نفسهِ لأنه هو الخالقُ.

السجدة 32:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ؛ أي قال الكفارُ : إئذا هلَكنا وانقطعت أوصالُنا وذهبت آثارُنا وصِرنَا تُراباً، فلم يتبيَّن شيءٌ من خلقِنا، أنُبعَثُ بعد ذلك؟! هذا لا يكونُ أبداً. ومعنى الضَّلالة في اللغة : الغيبوبةُ، يقال : ضلَّ متاعُ فلان وضاعَ، بمعنى واحد. وقولهُ تعالى :﴿بَلْ هُم بِلَقَآءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ ؛ أي ليس كما يقولون أنَّهم لا يُبعثون، بل هم بلقاءِ ربهم كافِرُون.

السجدة 32:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾ ؛ أي يقبضُ أرواحَكم أجمعين ملكُ الموتِ، ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ؛ قال مجاهد :((حُوِيَتْ لَهُ الأَرْضُ فَجُعِلَتْ لَهُ مِثْلَ طِسْتٍ، يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ)). وقال الكلبيُّ :((اسْمُ مَلَكِ الْمَوْتِ عِزْرَائِيلُ، وَلَهُ أرْبَعَةُ أجْنِحَةٍ : جَنَاحٌ مِنْهَا بالْمَشْرِقِ، وَجَنَاحٌ بالْمَغْرِب، وَالْخَلْقُ بَيْنَ رجْلَيْهِ وَرَأسِهِ وَجَسَدِهِ، وَجُعِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا مِثْلَ رَاحَةِ الْيَدِ لِصَاحِبهَا، يَأْخُذُ مِنْهَا مَا أُمِرَ بقَبْضِهِ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ وَلاَ عَنَاءٍ، وَلَهُ أعْوَانٌ مِنْ مَلاَئِكَةِ الرَّحْمَةِ وَمِنْ مَلاَئِكَةِ الْعَذَاب)). وعن أنسِ بن مالك قال :[لقِيَ جِبْرِيْلُ مَلَكَ الْمَوْتِ بنَهْرِ فَارسَ، فَقَالَ : يَا مَلَكَ الْمَوْتِ كَيْفَ تَسْتَطِيعُ قَبْضَ الأَنْفُسِ، هَا هُنَا عَشْرَةُ آلاَفٍ، وَهَا هُنَا كَذا وَكَذا ؟ قَالَ عِزْرَائِيلُ : تُزْوَى لِيَ الأَرْضُ حَتَّى كَأَنَهَا بَيْنَ فَخِذيَّ فَأَلْتَقِطُهُمْ بيَدَيَّ]. وقالَ ﷺ :" إذا حَانَ أجَلُ الرَّجُلِ، أتَاهُ مَلَكٌ فَقَالَ : أيُّهَا الْعَبْدُ كَمْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، وَكَمْ رَسُولٌ بَعْدَ رَسُولٍ ؟ أنَا الْخَبيرُ لَيْسَ بَعْدِي خَبيرٌ، وَأنَا الرَّسُولُ لَيْسَ بَعْدِي رَسُولٌ، أجِبْ رَبَّكَ طَائِعاً أوْ مَكْرُوهاً. فَإذا قُبضَتْ رُوحُهُ وَتَصَارَخُوا عَلَيْهِ، قَالَ : عَلَى مَنْ تَصْرِخُونَ وَعَلَى مَنْ تَبْكُونَ ؟ وَاللهِ مَا ظَلَمْتُ لَكُمْ أجَلاً وَلاَ أكَلْتُ لَكُمْ رزْقاً، بَلْ دَعَاهُ رَبُّهُ، فَلْيَبْكِ الْبَاكِي عَلَى نَفْسِهِ، فَإنَّ لِي فِيكُمْ عَوْدَاتٍ وَعَوْدَاتٍ حَتَّى لاَ أُبْقِي مِنْكُمْ أحَداً ". وقولهُ تعالى :﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ ؛ أي تصِيرون إليه أحياءً فيجزِيَكم بأعمالِكم.

السجدة 32:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ يعني كفارَ مكَّة ناكِسُوا رؤوسهم حياءً وندماً، والمعنى : ولو تَرَى يا مُحَمَّدُ إذِ المجرمون مُطرِقوا رؤوسهم من الخزْيِ وشدة الندمِ في يومِ القيامة عند علمِهم بأن الحجَّةَ قد قامت عليهم من كلِّ جهةٍ، وأنَّهم لا مهربَ لهم من العذاب، وذلك هو الغايةُ في الوجَلِ والخجلِ، يقولون :﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ ؛ أي لكَ الحجَّة علينا لأنا أبصَرْنا رسُلكَ وسمعنا كلامَهم، ﴿فَارْجِعْنَا﴾ ؛ أي ولكن نسألُكَ أن تُرجِعَنا إلى الدُّنيا حتى، ﴿نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ ؛ بكَ وبكتابك وبرسُلكَ، وهذه الآية محذوفةُ الجواب ؛ أي لو رأيتَ يا مُحَمَّد، لرأيتَ غايةَ ما تعتبرُ به.

السجدة 32:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ؛ قال الحسنُ :((أرَادَ بهِ مَشِيئَةَ الْقَدَر مِنَ اللهِ تَعَالَى ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَعْجَزْ عَنْ شَيْءٍ، وَلَكِنَّهُ لاَ يُجْبرُ الْعِبَادَ عَلَى ذلِكَ لِكَيْ لاَ يُبْطِلَ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ)). والمعنَى : ولو شِئنا لآتَينا كلَّ نفسٍ رُشدَها وثباتَها، ومثلُ ذلك﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾[يونس: ٩٩]﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾[الأنعام: ٣٥]. وقوله تعالى :﴿وَلَـاكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ ؛ معناه : ولكن وجب قولي عليهم بالعذاب، ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ؛ بكفرهم وذنوبهم.

السجدة 32:14

وقولهُ تعالى :﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـاذَآ﴾ ؛ معناهُ : يقال لأهلِ النار إذا دخَلوها : ذُوقوا العذابَ بما نسيتُم لقاءَ يومِكم هذا ؛ أي بما ترَكتُم الإيمانَ بيومكم هذا. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ ؛ أي ترَكناكم في العذاب وأحلَلناكم محلَّ المنسيِّ، ﴿وَذُوقُـواْ عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ ؛ أي الذي لا ينقطعُ، ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الكفرِ والتكذيب.

السجدة 32:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ؛ معناه : إنما يُقِرُّ ويصدِّقُ بدلائلنا، ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا﴾ ؛ أي وُعِظُوا بها، ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ ؛ للهِ مُصَلِّين مع الإمامِ، ﴿وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْْ﴾ ؛ أي عظَّمُوا اللهَ ونزَّهوهُ في صلاتِهم حامِدين لربهم، ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي يُعفِّروا وجوهَهم صاغرِين.

السجدة 32:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ ؛ أي ترفعُ لأجلِ الصلاة، قال مجاهد :((هُمُ الَّذِينَ لاَ يَنَامُونَ حَتَّى يُصَّلُّوا الْعِشَاءَ الآخِرَةَ)). والمضاجِعُ : هي الفُرُشُ التي يضطَجِعون عليها للنومِ، واحدُها مَضْجِعٌ. وعن أنسٍ رضي الله عنه قال :((نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعَاشِرَ الأَنْصَار، حَتَّى كُنَّا نُصِلِّي الْمَغْرِبَ فَلاَ نَرْجِعُ حَتَّى نُصِلِّي الْعِشَاءَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم)). ورُوي : أنَّ امرأةً جاءت إلى أنسِ بن مالك فقالت : إنِّي أنامُ قبلَ العشاءِ، فقال :((لاَ تَنَامِي ؛ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ لاَ يَنَامُونَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ)). وقال الحسنُ :((المُرَادُ بالآيَةِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَالتَّجَهُّدُ))، وكان يقولُ :((هُمْ قَوْمٌ أخْفُوا للهِ تَعَالَى عَمَلاً، وَأخْفَى لَهُمْ ثَوَاباً)). وعن النبيِّ ﷺ أنه قالَ :" عَلَيْكُمْ بقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإنَّهُ دَأبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَإنَّ قِيَامَ اللَّيْلِ قُرْبَةٌ إلَى اللهِ تَعَالَى، وَمُنْهَاةٌ عَنِ الإثْمِ، وَتَكْفِيرٌ للِسَّيِّئَاتِ، وَمَطْردَةُ للدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ " وقال الضحَّاك :((هُوَ أنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ)). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ؛ أي خَوفاً من عذاب الله وطَمعاً في رحمةَِ الله. وانتصبَ (خَوْفاً) و(طَمَعاً) لأنه مفعولٌ له. وقولهُ تعالى :﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ؛ أي ومما أعطَيناهم من المالِ يتصدَّقون واجباً وتطوُّعاً.

السجدة 32:17

وقولهُ تعالى :﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ؛ أي لا يعلمُ أحدٌ ما أخفَى اللهُ لهم مما تُقَرُّ به أعينُهم وتطيبُ به أنفسهم، ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من الأعمالِ الصَّالحة. قال ابنُ مسعود :((إنَّ فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ : لَقَدْ أعَدَّ اللهُ لِلَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْب بَشَرٍ، وَمَا لَمْ يَحْمِلْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَإنَّهُ فِي الْقُرْآنِ :﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾.)). قرأ حمزةُ :(مَا أُخْفِيْ لَهُمْ) بإسكان الياء ؛ أي ما أُخفِي لهم أنَا، وحجَّتهُ (قُرَّةَ). وقرأ عبدُالله :(نُخْفِي لَهُمْ) بالنون. وقرأ مُحَمَّد بن كعبٍ :(مَا أخْفَى لَهُمْ) بفتح الألف والفاء، يعني أخفَى اللهُ لهم.

السجدة 32:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ ؛ قال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :((نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَلِيِّ بْنِ أبي طَالِبٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أبي مُعَيْطٍ، جَرَى بَيْنَهُمَا تَنَازُعٌ وَتَسَابٌّ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ : اسْكُتْ فَإنَّكَ صَبيٌّ وَأنَا وَاللهِ أحَدُّ مِنْكَ لِسَاناً وَأبْسَطُ مِنْكَ فِي الْقَوْلِ، وَأمْلأُ مِنْكَ فِي الْكَتِيبَةِ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه : أسْكُتْ فَإنَّكَ فَاسِقٌ تَقُولُ الْكَذِبَ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ)). والمرادُ بالمؤمنِ : عليَّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه، وبالفاسق : الوليدَ بن عُقبة. وقال الزجاجُ :((إنَّهُ لَمْ يُرِدْ بالْمُؤْمِنِ مُؤْمِناً، وَلِذلِكَ قَالَ :(لاَ يَسْتَوُونَ) وَلَمْ يَقُلْ : لاَ يَسْتَوِيَانِ)). وقال قتادةُ في معنى الآيةِ :((وَاللهِ مَا اسْتَوَواْ لاَ فِي الدُّنْيَا وَلاَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَلاَ فِي الآخِرَةِ)).

السجدة 32:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ ؛ التي يأوي إليها المؤمنون، وقوله :﴿نُزُلاً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ أي مُعدَّة لهم بـأعمالِهم.

السجدة 32:20

وقولهُ تعالى :﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ؛ أي وأما الذين خرَجُوا من طاعةِ الله بكُفرِهم، فمأواهُم النارُ، ﴿كُلَّمَآ﴾ ؛ رفعَهم لَهبُ النار إلى أعلاها، فظَنُّوا أنَّهم يخرُجون منها فـ، ﴿أَرَادُواْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا﴾، ردَّتْهم ملائكةُ العذاب إلى أسفلِها بمقامعَ من حديدٍ، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا.

السجدة 32:21

وقوله تعالى :﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ ؛ قِيْلَ : إن المرادَ بالعذاب الأدنى هو القحطُ والجوع الذي أصابَ أهل مكَّة سبعَ سنين حتى أكَلُوا الجيفَ والعظامَ والكلاب. وَقِيْلَ : هو القتلُ يومَ بدرٍ. وَقِيْلَ : العذابُ الأدنَى هو مصائبُ الدنيا وأسقامها وبلاؤها. وَقِيْلَ : العذابُ الأدنى هو عذابُ القبرِ، والعذابُ الأكبر هو عذابُ يومِ القيامة. وقولهُ تعالى :﴿دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ ؛ يعني بالعذاب الأكبر عذابَ الآخرة، وقوله تعالى :﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ؛ أي أخبَرناهم ليرجِعُوا عن الكفرِ.

السجدة 32:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. قولهُ :﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ؛ يعني الذين قُتلوا ببدر، وعجَّلنا أرواحَهم إلى النار. وأرادَ بالْمُجرِمين المشركين. وعن رسولِ الله ﷺ أنه قال :" ثَلاَثٌ مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ أجْرَمَ : مَنْ عَقَدَ لِوَاءً فِي غَيْرِ حَقٍّ، أوْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، أوْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيَنْصُرَهْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ ".

السجدة 32:23

قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ؛ أعطيناهُ التوراةَ جُملةً واحدةً، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ ؛ وعَدَ النبيَّ ﷺ أن سيَلقى موسَى قبل أن يموتَ، ثم لَقِيَهُ في السَّماء ليلةَ المعراجِ أو في بيت المقدس حين أُسرِيَ به، والمعنى : فلا تكن في شكٍّ من لقاءِ موسى. قال ابنِ عباس :((يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْرَاءِ)). ويقال : أرادَ به لقاؤهما في الجنَّة. ويقال : أرادَ به لقاءَ الله. ويقال : أرادَ به أن يلقَى مُحَمَّدٌ ﷺ من قومهِ الأذى مثلَ ما لَقِيَ موسى من قومهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جعَلنا التوراةَ هُدًى لبني إسرائيلَ من الضَّلالة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ أي جعَلنا من بني إسرائيل أئمَّة، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ؛ يدُلُّون الناسَ على ديننا فيُقتدَى بهم، فهم أنبياؤهُم ومَنِ استقامَ منهم على الدِّين. وقوله تعالى :﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ ؛ أي لما صبَرُوا جعلناهم أئمَّة، كأنه قال : إنْ صبَرتُم على طاعتنا وصبرتُم على معصيتنا جعلناكم أئمَّة. قرأ حمزةُ والكسائي :(لِمَا صَبَرُوا) بكسرِ اللام وتخفيف الميم ؛ أي لِصَبْرِهِمْ. ومعنى القراءةِ الأُولى : حين صَبَروا. والمعنى : لَمَّا صبَروا على دينهم وعلى البلاءِ من عدوِّهم بمصر، ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ؛ أي ولكونِهم موقنين بآياتِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ﴾ ؛ أي هو الذي يقضِي بين المؤمنين والكفار يومَ القيامة، ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ من الدِّين. ثم خوَّفَ كفارَ مكة فقال :﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يتبيَّن لهم آثارُ عذاب الاستئصالِ فيمَن أُهلِكَ قبلَهم من الأُمم الماضية المكذَِّبة ما يكون عبرةً لهم، يَمشُونَ في مساكنِ المهلَكين على منازلهم وقُراهم، مثل آثار عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إياهم بالتكذيب، ﴿لآيَاتٍ﴾ ؛ لدلالاتٍ واضحة لِمَن بعدَهم، ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سماعَ القبول والطاعةِ. ومن قرأ (أوَلَمْ نَهْدِ) بالنون، فالمعنى بإضافةِ الفعلِ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.

السجدة 32:24

قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ؛ أعطيناهُ التوراةَ جُملةً واحدةً، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ ؛ وعَدَ النبيَّ ﷺ أن سيَلقى موسَى قبل أن يموتَ، ثم لَقِيَهُ في السَّماء ليلةَ المعراجِ أو في بيت المقدس حين أُسرِيَ به، والمعنى : فلا تكن في شكٍّ من لقاءِ موسى. قال ابنِ عباس :((يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْرَاءِ)). ويقال : أرادَ به لقاؤهما في الجنَّة. ويقال : أرادَ به لقاءَ الله. ويقال : أرادَ به أن يلقَى مُحَمَّدٌ ﷺ من قومهِ الأذى مثلَ ما لَقِيَ موسى من قومهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جعَلنا التوراةَ هُدًى لبني إسرائيلَ من الضَّلالة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ أي جعَلنا من بني إسرائيل أئمَّة، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ؛ يدُلُّون الناسَ على ديننا فيُقتدَى بهم، فهم أنبياؤهُم ومَنِ استقامَ منهم على الدِّين. وقوله تعالى :﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ ؛ أي لما صبَرُوا جعلناهم أئمَّة، كأنه قال : إنْ صبَرتُم على طاعتنا وصبرتُم على معصيتنا جعلناكم أئمَّة. قرأ حمزةُ والكسائي :(لِمَا صَبَرُوا) بكسرِ اللام وتخفيف الميم ؛ أي لِصَبْرِهِمْ. ومعنى القراءةِ الأُولى : حين صَبَروا. والمعنى : لَمَّا صبَروا على دينهم وعلى البلاءِ من عدوِّهم بمصر، ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ؛ أي ولكونِهم موقنين بآياتِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ﴾ ؛ أي هو الذي يقضِي بين المؤمنين والكفار يومَ القيامة، ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ من الدِّين. ثم خوَّفَ كفارَ مكة فقال :﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يتبيَّن لهم آثارُ عذاب الاستئصالِ فيمَن أُهلِكَ قبلَهم من الأُمم الماضية المكذَِّبة ما يكون عبرةً لهم، يَمشُونَ في مساكنِ المهلَكين على منازلهم وقُراهم، مثل آثار عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إياهم بالتكذيب، ﴿لآيَاتٍ﴾ ؛ لدلالاتٍ واضحة لِمَن بعدَهم، ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سماعَ القبول والطاعةِ. ومن قرأ (أوَلَمْ نَهْدِ) بالنون، فالمعنى بإضافةِ الفعلِ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.

السجدة 32:25

قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ؛ أعطيناهُ التوراةَ جُملةً واحدةً، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ ؛ وعَدَ النبيَّ ﷺ أن سيَلقى موسَى قبل أن يموتَ، ثم لَقِيَهُ في السَّماء ليلةَ المعراجِ أو في بيت المقدس حين أُسرِيَ به، والمعنى : فلا تكن في شكٍّ من لقاءِ موسى. قال ابنِ عباس :((يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْرَاءِ)). ويقال : أرادَ به لقاؤهما في الجنَّة. ويقال : أرادَ به لقاءَ الله. ويقال : أرادَ به أن يلقَى مُحَمَّدٌ ﷺ من قومهِ الأذى مثلَ ما لَقِيَ موسى من قومهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جعَلنا التوراةَ هُدًى لبني إسرائيلَ من الضَّلالة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ أي جعَلنا من بني إسرائيل أئمَّة، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ؛ يدُلُّون الناسَ على ديننا فيُقتدَى بهم، فهم أنبياؤهُم ومَنِ استقامَ منهم على الدِّين. وقوله تعالى :﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ ؛ أي لما صبَرُوا جعلناهم أئمَّة، كأنه قال : إنْ صبَرتُم على طاعتنا وصبرتُم على معصيتنا جعلناكم أئمَّة. قرأ حمزةُ والكسائي :(لِمَا صَبَرُوا) بكسرِ اللام وتخفيف الميم ؛ أي لِصَبْرِهِمْ. ومعنى القراءةِ الأُولى : حين صَبَروا. والمعنى : لَمَّا صبَروا على دينهم وعلى البلاءِ من عدوِّهم بمصر، ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ؛ أي ولكونِهم موقنين بآياتِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ﴾ ؛ أي هو الذي يقضِي بين المؤمنين والكفار يومَ القيامة، ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ من الدِّين. ثم خوَّفَ كفارَ مكة فقال :﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يتبيَّن لهم آثارُ عذاب الاستئصالِ فيمَن أُهلِكَ قبلَهم من الأُمم الماضية المكذَِّبة ما يكون عبرةً لهم، يَمشُونَ في مساكنِ المهلَكين على منازلهم وقُراهم، مثل آثار عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إياهم بالتكذيب، ﴿لآيَاتٍ﴾ ؛ لدلالاتٍ واضحة لِمَن بعدَهم، ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سماعَ القبول والطاعةِ. ومن قرأ (أوَلَمْ نَهْدِ) بالنون، فالمعنى بإضافةِ الفعلِ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.

السجدة 32:26

قَولُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ؛ أعطيناهُ التوراةَ جُملةً واحدةً، ﴿فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ﴾ ؛ وعَدَ النبيَّ ﷺ أن سيَلقى موسَى قبل أن يموتَ، ثم لَقِيَهُ في السَّماء ليلةَ المعراجِ أو في بيت المقدس حين أُسرِيَ به، والمعنى : فلا تكن في شكٍّ من لقاءِ موسى. قال ابنِ عباس :((يَعْنِي لَيْلَةَ الإسْرَاءِ)). ويقال : أرادَ به لقاؤهما في الجنَّة. ويقال : أرادَ به لقاءَ الله. ويقال : أرادَ به أن يلقَى مُحَمَّدٌ ﷺ من قومهِ الأذى مثلَ ما لَقِيَ موسى من قومهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي جعَلنا التوراةَ هُدًى لبني إسرائيلَ من الضَّلالة، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ ؛ أي جعَلنا من بني إسرائيل أئمَّة، ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ ؛ يدُلُّون الناسَ على ديننا فيُقتدَى بهم، فهم أنبياؤهُم ومَنِ استقامَ منهم على الدِّين. وقوله تعالى :﴿لَمَّا صَبَرُواْ﴾ ؛ أي لما صبَرُوا جعلناهم أئمَّة، كأنه قال : إنْ صبَرتُم على طاعتنا وصبرتُم على معصيتنا جعلناكم أئمَّة. قرأ حمزةُ والكسائي :(لِمَا صَبَرُوا) بكسرِ اللام وتخفيف الميم ؛ أي لِصَبْرِهِمْ. ومعنى القراءةِ الأُولى : حين صَبَروا. والمعنى : لَمَّا صبَروا على دينهم وعلى البلاءِ من عدوِّهم بمصر، ﴿وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ؛ أي ولكونِهم موقنين بآياتِنا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ﴾ ؛ أي هو الذي يقضِي بين المؤمنين والكفار يومَ القيامة، ﴿فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ؛ من الدِّين. ثم خوَّفَ كفارَ مكة فقال :﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ؛ أي أوَلَمْ يتبيَّن لهم آثارُ عذاب الاستئصالِ فيمَن أُهلِكَ قبلَهم من الأُمم الماضية المكذَِّبة ما يكون عبرةً لهم، يَمشُونَ في مساكنِ المهلَكين على منازلهم وقُراهم، مثل آثار عادٍ وثَمود وقومِ لوط وغيرهم، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ؛ أي إنَّ في إهلاكِنا إياهم بالتكذيب، ﴿لآيَاتٍ﴾ ؛ لدلالاتٍ واضحة لِمَن بعدَهم، ﴿أَفَلاَ يَسْمَعُونَ﴾ ؛ سماعَ القبول والطاعةِ. ومن قرأ (أوَلَمْ نَهْدِ) بالنون، فالمعنى بإضافةِ الفعلِ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ.

السجدة 32:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ ؛ معناه : أوَلَمْ يعلَمُوا أنا نسوقُ المطرَ بالسَّحاب والرياح إلى الأرضِ اليابسة التي لا نباتَ فيها ولا شجرَ، ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ﴾ ؛ بذلك المطرِ، ﴿زَرْعاً﴾ ؛ رزْقاً، ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ ؛ أي تأكلُ أنعامهم من سَاقِها، ﴿وَأَنفُسُهُمْ﴾ ؛ وهم يأكلون مِن حبها، ﴿أَفَلاَ يُبْصِرُونَ﴾ ؛ أفلا يعقِلون. والأرض الْجُرُزُ : هي التي تأكلُ نباتَها، يقال : ناقة جَرُوزٌ إذا كانت أكُولاً، وسيفٌ جِرَازٌ إذا كان مُستَأصِلاً، ورجلٌ جُرُزٌ إذا كان أكُولاً. قال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :((هِيَ أرْضٌ بالْيَمَنِ)). وقال مجاهدُ :((هِيَ أبْيَنُ)).

السجدة 32:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْفَتْحُ﴾ ؛ وذلك أن كفارَ مكة كانوا يُؤذون أصحابَ رسول الله ﷺ، وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يقولون : يوشِكُ أن يكون لنا يومٌ نستريحُ فيه من شِركهم، فكان الكفارُ يهزَءون بهم ويقولون : متى هذا الفتحُ ؛ أي الحكمُ الذي بيننا وبينكم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ فيما تقولُون. والمعنى : أنَّ كفارَ مكة يقولون : متى هذا الفتحُ ؛ أي القضاءُ وهو يوم البعثِ، يقضي فيه اللهُ بين المؤمنين والكافرين. فقالَ اللهُ تعالى :﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ ؛ يعني يومَ القيامة ويومَ القضاءِ والفصل، ﴿لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَانُهُمْ﴾ ؛ لو آمَنُوا يومئذٍ، ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ؛ أي ولا هم يُمهَلون، ولا يؤخَّرون لمعذرةٍ أو توبة، ولا تؤخَّرُ عنهم عقوبتُهم. وعن ابنِ عبَّاس في هذه الآيةِ :((الْمُرَادُ بالْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَأنَّ الآيَةِ نَزَلَتْ فِي بَنِي خُزَيْمَةَ، كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بأَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ " حِينَ كَانَ أصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَتَذَاكَرُونَ وَهُمْ بمَكَّةَ فَتْحَ مَكَّةَ لَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَكَلَّمَتْ بَنُو خُزَيْمَةَ بكَلِمَةِ الإسْلاَمِ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إسْلاَمَهُمْ)) وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُولُ :" اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ " ".

السجدة 32:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْفَتْحُ﴾ ؛ وذلك أن كفارَ مكة كانوا يُؤذون أصحابَ رسول الله ﷺ، وكان أصحابُ رسولِ الله ﷺ يقولون : يوشِكُ أن يكون لنا يومٌ نستريحُ فيه من شِركهم، فكان الكفارُ يهزَءون بهم ويقولون : متى هذا الفتحُ ؛ أي الحكمُ الذي بيننا وبينكم، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ فيما تقولُون. والمعنى : أنَّ كفارَ مكة يقولون : متى هذا الفتحُ ؛ أي القضاءُ وهو يوم البعثِ، يقضي فيه اللهُ بين المؤمنين والكافرين. فقالَ اللهُ تعالى :﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ ؛ يعني يومَ القيامة ويومَ القضاءِ والفصل، ﴿لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَمَانُهُمْ﴾ ؛ لو آمَنُوا يومئذٍ، ﴿وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ﴾ ؛ أي ولا هم يُمهَلون، ولا يؤخَّرون لمعذرةٍ أو توبة، ولا تؤخَّرُ عنهم عقوبتُهم. وعن ابنِ عبَّاس في هذه الآيةِ :((الْمُرَادُ بالْفَتْحِ فَتْحُ مَكَّةَ، وَأنَّ الآيَةِ نَزَلَتْ فِي بَنِي خُزَيْمَةَ، كَانُوا هُمُ الَّذِينَ يَسْتَهْزِئُونَ بأَصْحَاب النَّبيِّ ﷺ " حِينَ كَانَ أصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ يَتَذَاكَرُونَ وَهُمْ بمَكَّةَ فَتْحَ مَكَّةَ لَهُمْ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ تَكَلَّمَتْ بَنُو خُزَيْمَةَ بكَلِمَةِ الإسْلاَمِ، فَقَتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ إسْلاَمَهُمْ)) وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ يَقُولُ :" اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدُ " ".

السجدة 32:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ؛ أي عن جوابهم، ﴿وَانتَظِرْ﴾، الفريضةَ فيهم، ﴿إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ ؛ الفرصةَ فيك. قال ابنُ عبَّاس :((قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نَسَخَتْهُ آيَةُ السَّيْفِ)). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ﴾ أيْ مُنْتَظِرُونَ لَكَ حَوَادِثَ الأَزْمَانِ مِنْ مَوْتٍ أوْ قَتْلٍ فَيَسْتَرِيحُونَ مِنْكَ.

الأحزاب 33:1

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :" وَذلِكَ أنَّ أبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ ؛ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أبي جَهْلٍ ؛ وَأبَا الأَعْوَر السُّلَمِيِّ قَدِمُواْ فَنَزَلُواْ عَلَى عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ رَأسِ الْمُنَافِقِيْنَ ؛ وَجَدِّ ابْنِ قَيْسٍ ؛ وَمُعْتَب ابْنِ قَسْرٍ الْمُنَافِقَيْنِ. وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ عَبْدُاللهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبي سَرْحٍ، فَطَلَبُواْ النَّبيَّ ﷺ وَقَدْ كَانُواْ طَلَبُواْ مِنْهُ الأَمَانَ عَلَى أنْ يُكَلِّمُوهُ، فَقَالُواْ لَهُ : يَا مُحَمَّدُ ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا اللاَّتَ والْعُزَّى وَمَنَاتَ، وَقُلْ : إنَّ لَهَا شَفَاعَةً فِي الآخِرَةِ وَمَنْفَعَةً لِمَنْ عَبَدَهَا، وَنَدَعُكَ أنْتَ وَرَبُّكَ! فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه : ائْذنْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ فِي قًتْلِهِمْ، فَقَالَ ﷺ :" إنِّي قَدْ أعْطَيْتُهُمُ الأَمَانَ ". فَأَمَرَ النَّبيُّ عُمَرَ أنْ يُخْرِجَهُمْ مِنَ الْمَدِيْنَةِ، فَقَالَ لَهُمْ عُمَرُ رضي الله عنه : أُخْرُجُواْ فِي لَعْنَةِ اللهِ وَغَضَبهِ "، وَأنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ. ومعناهَا : يا أيُّها النبيُّ اتَّقِ اللهَ في نقضِ العهد الذي بينَكَ وبين أهلِ مكَّة لا تَنْقِضْهُ قبلَ أجَلِهِ ﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما دعَوكَ إليه، ولا تَمِلْ إليهم، ولا تَرْفِقْ بهم ظَنّاً منكَ أن ذلك أقربُ إلى استِمَالَتِهم إلى الإيْمانِ، فإن ذلك يؤدِّي إلى أن يُظَنَّ بك مقارنة القومِ على كُفرِهم، فمعنى قولهِ ﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يعني أبَا سُفيان وأبا الأعور وعِكرمةَ، والمنافقين عبداللهِ بنِ أُبَي وجَدِّ بنِ قَيْسٍ وغيرِهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ؛ أي عَلِيماً بأحوَالِهم، حَكِيماً فيما أوجبه عليك في أمرِهم وفيما يخلقهُ.

الأحزاب 33:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَـيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ؛ أي اعمَلْ بما أمرَكَ اللهُ في القُرْآنِ من مُجانَبَةِ الكفَّار والمنافقينَ وتَرْكِ مُوافَقَتِهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ ؛ قرأ بالياءِ أبو عمرٍو، وقرأ الباقونَ بالتَّاء أي خَبيرٌ بكَ وبهم.

الأحزاب 33:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي فَوِّضْ أمرَكَ إلى اللهِ واعتمِدْ عليه في مُعاملتِهم بما أُمِرْتَ به في شأنهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ؛ أي حَافِظاً وناصِراً.

الأحزاب 33:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أبي مُعَمَّرٍ جَمِيْلِ بْنِ أبي رَاشِدٍ الْفِهْرِيِّ، وَكَانَ رَجُلاً حَافِظاً لَبيْباً لِمَا يَسْمَعُ، وَكَانَ يَقُولُ : إنَّ فِي جَوْفِي لَقَلْبَيْنِ، أعْقِلُ بكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ مُحَمَّدٍ! وَكَانَتْ قُرَيْشُ تُسَمِّيْهِ ذا الْقَلْبَيْنِ لِدَهَائِهِ وَكَثْرَةِ حِفْظِهِ لِلْحَدِيْثِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ تَكْذِيْباً لَهُمْ، فَأَخْبَرَ أنَّهُ مَا خَلَقَ لأَحَدٍ قَلْبَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْر وَهُزِمَ الْمُشْرِكُونَ وَفِيْهِمْ أبُو مُعَمَّرٍ، تَلَقَّاهُ أبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَعْدُو وَإحْدَى نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ وَالأُخْرَى فِي رجْلِهِ، فَقَالَ لَهُ : يَا أبَا مُعَمَّرٍ مَا فَعَلَ النَّاسُ ؟ قَالَ : انْهَزَمُواْ. فَقَالَ لَهُ : مَا بَالُ إحْدَى نَعْلَيْكَ فِي يَدِكَ وَالأُخْرَى فِي رجْلِكَ؟! فَقَالَ : مَا شَعَرْتُ إلاَّ أنَّهُمَا فِي رجْلِيَّ. فَعَرَفُواْ يَوْمَئِذٍ أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ قَلْبَانِ مَا نَسِيَ نَعْلَهُ فِي يَدِهِ). وقال الزهريُّ : ومقاتلُ :(هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلْمُظَاهِرِ امْرَأتَهُ وَالْمُتَبَنِّي وَلَدَ غَيْرِهِ، يَقُولُ : فَكَمَا لاَ يَكُونُ لِلرَّجُلِ قَلْبَانِ، لاَ تَكُونُ امْرَأةُ الْمُظَاهِرِ أُمَّهُ حَتَّى لاَ يَكُونَ لَهُ أُمَّانِ، وَلاَ يَكُونُ وَلَدٌ ابْنَ رَجُلَيْنِ). قًَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ ؛ أي ما جَعَلَ نساءَكم اللاَّئي تقولونَ لَهُن : أنتُنَّ علينا كظُهور أُمَّهاتِنا، لَم نجعلَهن كأُمَّهاتِكم في الْحُرْمَةِ. وكانت العربُ تُطَلِّقُ نساءَها في الجاهلية بهذا اللفظِ، فلما جاءَ الإسلامُ نُهُوا عنه، وأُوجِبَتِ الكفارةُ في سورةِ الْمُجادلَةِ. قًَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَآءَكُمْ أَبْنَآءَكُمْ﴾ ؛ أي ما جعلَ مَن تدَّعُونَهُ ابناً من أبناءِ غيرِكم كأبنائكم الذين مِن أصْلاَبكم في الانتساب والْحُرمَةِ والْحُكْمِ، وكان رسولُ اللهِ ﷺ قَدْ تَبَنَّى زَيْدَ بْنَ حَارثَةَ بَعْدَ أنْ أعْتَقَهُ، فَكَانَ يُقَالُ : زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا جَاءَ الإسْلاَمُ أُمِرَ أنْ تُلْحَقَ الأدْعِيَاءُ بآبَائِهم، وَكَانَ يَوْمَ تَبَنَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ الْوَحْيِ. قرأ نافعُ وأبو عمرٍو (وَتَظَّهَّرُونَ) بفتح التاءِ وتشديد الظَّاء والهاءِ من غير ألِف، وقرأ الشَّاميُّ كذلك إلاّ أنَّه بألف، وقرأ حمزةُ والكسائي مثلَ قراءةِ شامي إلاّ أنه بالتخفيفِ، وقرأ عاصمُ والحسن بضمِّ التاء وتخفيف الظَّاء وبألف وكسرِ الهاء، قال أبو عمرٍو :(وَهَذا مُنْكَرٌ ؛ لأَنَّ التَّظَاهُرَ مِنَ التَّعَاوُنِ). قًَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَالِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ ؛ أي الذي تقولونَهُ من إضافةِ القَلبَينِ إلى الرجُل الواحدِ، وقولِ الرجُل لامرأتهِ : أنتِ علَيَّ كظهرِ أُمِّي، وقولِ الرجُل لغيرِ ابنه : هذا ابْنِي، قَولهُ : تقولونَ بأفواهِكم من غيرِ أن يكون له حقيقةٌ ولا عليه دلالةٌ ولا حُجَّةٌ، ﴿وَاللَّهُ﴾ ؛ تعالَى :﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾ ؛ أي يُبَيِّنُ أنَّ الذين يقولونه قولٌ باطل، ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ؛ أي يَدُلُّ على طريقِ وإلى الدِّين المستقيمِ.

الأحزاب 33:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ﴾ ؛ أي نَسِّبُوا هؤلاءِ الأدعياء إلى الآباءِ الذين قد وُلِدُوا على فِرَاشِهم وقولوا : زيدُ بنُ حارثةَ، ولا تقولوا : زيدُ بن مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ ؛ أي أعْدَلُ في حُكمِ الله من نِسبَتِكم إياهم إلى الذين تبنَّوهُم. وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنه كان يقولُ :(مَا كُنَّا نَدْعُوا زَيْدَ بْنَ حَارثَةَ إلاَّ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ادْعُوهُمْ لآبَآئِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ ؛ فهم إخوانُكم في الدِّين ؛ أي مَن أسْلَمَ منهم، ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ ؛ أي وبنُو أعمَامِكم، فقولوا : يا أخِي ويا ابنَ عَمِّي في الآيةِ إباحةُ إطلاق اسم الأُخُوَّةِ وحظْرُ اطلاقِ اسم الأبوَّةِ، وفي ذلك دليلٌ على أن مَن قال لعبدهِ : هذا أخِي ؛ لَم يُعْتَقْ لأنه يحتملُ الأخُوَّة في الدِّين، وإن قال : هذا ابنِي ؛ عُتِقَ لأن ذلك ممنوعٌ في غير النَّسب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ؛ أي ليس عليكم إثْمٌ في نِسْبَةِ الرجُل إلى غير أبيه على وجهِ الخطأ. قال قتادةُ :(وَلَوْ دَعَوْتَ رَجُلاً لِغَيْرِ أبيْهِ وَأنْتَ تَحْسَبُ أنَّهُ أبُوهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ)، ﴿وَلَـاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ ؛ أي ولكنِ الإثمُ عليكم فيما تعمَّدونَهُ من ادعائهم إلى غيرِ آبائهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾ ؛ أي لِمَن تعمَّدَ ثم تابَ، ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ به بعدَ التوبةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـاكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ موضع قوله (مَا) خُفِضَ عطفاً على قولهِ ﴿فِيمَآ أَخْطَأْتُمْ﴾ تقديرهُ : ولكن فيما تعمَّدت قلوبُكم.

الأحزاب 33:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ؛ أي هو أشْفَقُ وأبَرُّ وأحقُّ بالمؤمنين مِن بعضهم ببعضٍ، وهو أولَى بكلِّ إنسانٍ منه بنفسهِ. وَقِيْلَ : معناهُ : إذا حَكَمَ فيهم بشيءٍ نَفَذ حكمهُ فيهم، ووجبَتْ طاعتهُ عليهم. وقال ابنُ عبَّاس :(إذا دَعَاهُمُ النَّبيُّ ﷺ إلَى شَيْءٍ، وَدَعَتْهُمْ أنْفُسُهُمْ إلَى شَيْءٍ، كَانَتْ طَاعَةُ النَّبيِّ ﷺ أوْلَى بهِمْ مِنْ طَاعَةِ أنْفُسِهِمْ). وقال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ طَاعَتُهُ النَّبيَّ ﷺ أوْلَى بهِمْ مِنْ طَاعَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ). وقال الحكماء : النبيُّ أولَى بالمؤمنينَ مِن أنفُسِهم لأنفُسِهم، تدعُوهم إلى ما فيه هلاكُهم، والنبيُّ ﷺ يدعوهم إلى ما فيهِ نَجاتُهم. وقال أبُو بكرٍ الورَّاق :(لأَنَّ النَّبيَّ ﷺ يَدْعُوهُمْ إلَى الْعَقْلِ، وَأنْفُسُهُمْ تَدْعُوهُمْ إلَى الْهَوَى). وقال بَسَّامُ بنُ عبدِالله :(لأَنَّ أنْفُسَهُمْ تُحْرَسُ مِنْ نَار الدُّنْيَا، وَالنَّبيَّ ﷺ يَحْرِسُهُمْ مِنْ نَار الآخِرَةِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ؛ أي كأُمَّهَاتِهم في تَعْظِيْمِ حَقَّهِنَّ وفي تحريم نكَاحِهن، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يتزوَّجَ بهنَّ، كما لا يجوزُ التزويجُ بالأُمِّ. ولَم يُرِدْ إثباتَ الأُميَّة من جميعِ الوُجُوهِ، ألاَ ترَى أنه لا تحلُّ رؤيَتُهن ولا يَرَيْنَ المؤمنين بخلافِ الأُمَّهات، وكذلك لا يخلُو بهنَّ، ولا يسافرُ بهم، ولا يرثُهن ولا يرِثونَهُ، ولو كنُ كالأُمَّهات من جميعِ الوجوه لكان النبيُّ ﷺ لا يزوِّجُ بناتَهُ من أحدٍ مِن الناسِ ؛ لأن البناتَ يكُنَّ أخَواتِ المؤمنينَ. ومِن هذا المعنى ما رُوي : أنَّ امْرَأةً قَالَتْ لِعَائِشَةَ : يَا أُمِّ، قَالَتْ :(لَسْتُ لَكِ بأُمٍّ، إنَّمَا أنَا أُمُّ رجَالِكُمْ) فبَانَ بهذا أنَّ معنى الأُمومَةِ تحريمَ نكاحِهن فقط. ولِهذا لا يجوزُ أن يقالَ لبنَاتِهن أنَّهن أخواتُ المؤمنينَ. وفائدةُ تحريمِ نكاح أزواجِ النبيِّ ﷺ على المؤمنين في حياتهِ وبعد وفاتهِ تعظيمُ أمرهِ وتفخيمُ شأْنِه، ولذلكَ حَرُمَ على الابنِ نكاحُ امراةِ أبيهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ؛ أي وذوُ القرابةِ بعضُهم أحقُّ بميراث بعضٍ في حُكمِ اللهِ، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ ؛ إذا لَم يكونوا قرابةً، وذلك أنَّهم كانوا يتوَارَثُونَ في ابتداءِ الإسلامِ بالهجرةِ والْمُوَآخَاةِ. قال الكلبيُّ :(آخَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ النَّاسِ، فَكَانَ يُوَآخِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، وَإذا مَاتَ أحَدُهُمْ وَرثَهُ الثَّانِي دُونَ عُصْبَتِهِ وَأهْلِهِ، فَمَكَثُواْ كَذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ حَتَّى نَزَلَتْ الآيَةُ ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الََّذِيْنَ آخَا رَسُولُ اللهِ بَيْنَهُمْ وَالْمُهَاجِرِيْنَ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ الْمُوَارَثَةَ بالْمُوَآخاةِ وَالْهِجْرَةِ، وَصَارَتْ لِلأَدْنَى فَالأَدْنَى مِنَ الْقَرَابَاتِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ أَن تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَآئِكُمْ مَّعْرُوفاً﴾ ؛ ﴿مَّعْرُوفاً﴾ استثناءٌ ليس مِن الأول، ومعناهُ : لكن فِعْلُكم إلى أوليائِكم جائزٌ، يريدُ أن يُوصِي الرجلُ لِمَنْ يتوَلاَّهُ ممن لا يرثهُ بما أحبَّ من ثُلْثِ مالهِ، فيكونُ الموصَى له أولَى بقدر الوصيَّة من القريب الوارث، وقال ابنُ زيدٍ :(مَعْنَاهُ إلاَّ أنْ تُوصُواْ لأَوْلِيَاءِكم مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾ ؛ أي كانَ الميزانُ للأقرباءِ، والوصيةُ للأصدقاءِ، ونُسِخَ الميراثُ بالهجرةِ ورَدَّهُ إلى ذوي الأرحامِ مَكتوباً في اللَّوح المحفوظِ.

الأحزاب 33:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾ ؛ أي واذْكُرْ إذ أخَذْنا مِن النَّبيِّينَ عُهودَهم ؛ أي يصدِّقُ بعضُهم بعضاً، ويبَشِّرُ الأولُ بالآخرِ، ويأخذُ كلُّ رسول منهم على قولهِ بما أمرَ اللهُ به، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ الواو مقحمةٌ ؛ وتقديره : منكَ ومِن نوحٍ، فيكونوا (مِنْكَ) ما بعدَهُ تفسيرُ (النَّبيِّيْنَ). والفائدةُ في تخصيصِ هؤلاء الأنبياءِ الخمسة بالذِّكر ؛ لأنَّهم أهلُ الشرائعِ والكتب، وأُوْلُو العَزْمِ من الرُّسُلِ، ولَهم الأُمَمُ والتَّبَعُ. وقَدَّمَ ذِكْرَ النبيِّ ﷺ لأن الخطابَ معه. وجاء في التفسيرِ : أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ :" إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَ الأَنْبيَاءِ وَبُعِثْتُ بَعْدَهُمْ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ؛ أي عَهْداً وَثِيقاً بأن يَعبدونِي ولا يُشرِكون بي شيئاً. وَقِيْلَ : وأخَذْنَا منهم عَهْداً شديداً على الوفَاءِ بما حُمِّلُوا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ ؛ أي لكَي يسألَ الْمُبَلِّغِيْنَ عن تبلِيغِهم وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ﴾[القصص: ٦٥]. وفائدةُ سؤالِ الرُّسُلِ وهم صادِقُون ؛ لتكذيب الذينَ كفَرُوا بهم فيكون هذا السؤالُ احْتِجَاجاً على الكاذِبين، وإذا سُئِلَ الصَّادِقُونَ، فكيفَ يُظَنُّ بالكاذِبين؟! وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي أعَدَّ للَّذين كفَرُوا بالرُّسُلِ عذاباً شَديداً.

الأحزاب 33:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ﴾ ؛ أي واذْكُرْ إذ أخَذْنا مِن النَّبيِّينَ عُهودَهم ؛ أي يصدِّقُ بعضُهم بعضاً، ويبَشِّرُ الأولُ بالآخرِ، ويأخذُ كلُّ رسول منهم على قولهِ بما أمرَ اللهُ به، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ الواو مقحمةٌ ؛ وتقديره : منكَ ومِن نوحٍ، فيكونوا (مِنْكَ) ما بعدَهُ تفسيرُ (النَّبيِّيْنَ). والفائدةُ في تخصيصِ هؤلاء الأنبياءِ الخمسة بالذِّكر ؛ لأنَّهم أهلُ الشرائعِ والكتب، وأُوْلُو العَزْمِ من الرُّسُلِ، ولَهم الأُمَمُ والتَّبَعُ. وقَدَّمَ ذِكْرَ النبيِّ ﷺ لأن الخطابَ معه. وجاء في التفسيرِ : أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ :" إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَ الأَنْبيَاءِ وَبُعِثْتُ بَعْدَهُمْ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً﴾ ؛ أي عَهْداً وَثِيقاً بأن يَعبدونِي ولا يُشرِكون بي شيئاً. وَقِيْلَ : وأخَذْنَا منهم عَهْداً شديداً على الوفَاءِ بما حُمِّلُوا. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ﴾ ؛ أي لكَي يسألَ الْمُبَلِّغِيْنَ عن تبلِيغِهم وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَاذَآ أَجَبْتُمُ﴾[القصص: ٦٥]. وفائدةُ سؤالِ الرُّسُلِ وهم صادِقُون ؛ لتكذيب الذينَ كفَرُوا بهم فيكون هذا السؤالُ احْتِجَاجاً على الكاذِبين، وإذا سُئِلَ الصَّادِقُونَ، فكيفَ يُظَنُّ بالكاذِبين؟! وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً﴾ ؛ أي أعَدَّ للَّذين كفَرُوا بالرُّسُلِ عذاباً شَديداً.

الأحزاب 33:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ يُذكِّرُهم اللهُ إنْعَامَهُ عليهم في دفعِ الأحزَاب عنهم من غيرِ قتالٍ، وذلك : أنَّ الْكُفَّارَ جَاءُوا بأَجْمَعِهِمْ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ، وَأحَاطُواْ بالْمَدِيْنَةِ مِنْ أعْلاَهَا وَأسْفَلِهَا، طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدِ الأَسَدِي وَأصْحَابُهُ مِنْ فَوْقِ الْوَادِي، وَكَانَ أبُو الأَعْوَر السُّلَمِيُّ وَأصْحَابُهُ مِنْ أسْفَلِ الْوَادِي، وَكَانَ أبُو سُفْيَانٍ وَأصْحَابُهُ وَيَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُؤْمِنِيْنَ، فَاشْتَدَّ الْخَوْفُ بالْمُؤْمِنِيْنَ وَزَاغَتْ أبْصَارُهُمْ ؛ أيْ مَالَتْ مِنَ الْخَوْفِ، وَيُقَالُ : مَالَتْ أبْصَارُ الْمُنَافِقِيْنَ خَوْفاً مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِمْ. وكانَ الكُفَّارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفاً، وبَلَغَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِيْنَ الْحَنَاجِرَ ؛ أيْ كَادَتْ تَبْلُغُ الْحُلُوقَ، وَذلِكَ أنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ تَرْفَعُ الرِّئَةَ، فترفعُ الرِّئَةُ القلبَ. كما رُوي :" أنَّ الْمُؤْمِنِيْنَ قَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ ﷺ :" قُولُواْ : اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا، يَكْفِيْكُهُمُ اللهُ تَعَالَى " فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَى الْكُفَّار ريْحاً بَاردَةً مُنْكَرَةً شَغَلَتْهُمْ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِلحَرْب، وَمَنَعَتْهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْمَكَانِ، وَقَلَعَتْ خِيَامَهُمْ وَأكْفَأَتْ أوَانِيَهِمْ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ مِنْهَا فِي سَلاَمَةٍ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ إلاَّ مَسَافَةُ الْخَنْدَقِ، وَكَانَ ذلِكَ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ عليه السلام كَمَا قَالَ ﷺ :" نُصِرْتُ بالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُور " ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ ؛ يعني الذين تَحَزَّبُوا على رسول الله ﷺ يومَ الخندق، وهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأبُو سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وبَنُو قُرَيْظَةَ، ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً﴾، وهي الصَّبَا، أُرسِلَتْ عليهم حتى أكفَأَتْْ قدورَهم ونزعت فَسَاطِيْطَهُمْ، وقوله :﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾، يعني الملائكةَ ؛ ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾. " ورُوي : أنَّ شَابّاً مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ : يَا أبَا عَبْدِاللهِ هَلْ رَأيْتَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ :(إيْ وَاللهِ لَقَدْ رَأيْتُهُ) قَالَ : وَاللهِ لَوْ رَأيْنَاهُ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى رقَابنَا، وَمَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ حُذيْفَةُ :(يَا ابْنَ أخِي أفَلاَ أُحَدِّثُكُ عَنِّي وَعَنْهُ؟) قَالَ : بَلَى. قَالَ :(وَاللهِ لَوْ رَأيْتَنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَبنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ مَا لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ. قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ :" ألاَ رَجُلٌ يَأْتِي بخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيْقِي فِي الْجَنَّةِ ؟ " فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنَّا أحَدٌ مِمَّا بنَا مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَالْجَهْدِ. ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالَ :" ألاَ رَجُلٌ يَأْتِيْنِي بخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيْقِي فِي الْجَنَّةِ ؟ " فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنَّا أحَدٌ مِمَّا بنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْخَوْفِ وَالْجُوعِ. فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أحَدٌ، دَعَانِي فَلَمْ أجِدْ بُدّاً مِنْ إجَابَتِهِ، قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ :" اذْهَبْ فَجِئْ بخَبَرِ الْقَوْمِ، وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَرْجِعَ ". قَالَ حُذيْفَةُ : قُمْتُ وَجَنْبَيَّ يَضْطَرِبَانِ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأسِي وَوَجْهِي، ثُمَّ قَالَ :" اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ ". قَالَ : فَانْطَلَقْتُ أمْشِي حَتَّى أتَيْتُ الْقَوْمَ، وَإذا ريْحُ اللهِ وَجُنُودُهُ يَفْعَلُ بهِمْ مَا يَفْعَلُ، مَا يَسْتَمْسِكُ لَهُمْْ بنَاءٌ، وَلاَ تَثْبُتُ لَهُمْ نَارٌ، وَلاَ يَطْمَئِنُّ لَهُمْ قِدْرٌ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذلِكَ، إذْ خَرَجَ أبُو سُفْيَانَ مِنْ رَحْلِهِ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ مَا أنْتُمْ بدَار مُقَامٍ، لَقَدْ هَلَكَتِ الْخُفُّ وَالْحَافِرْ وَأخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ، وَهَذِه الرِّيْحُ لاَ يَسْتَمْسكُ لَنَا مَعَهَا شَيْءٌ، وَلاَ تَثْبُتُ لَنَا نَارٌ وَلاَ تَطْمَئِنُّ قِدْرٌ. ثُمَّ عَجَّلَ فَرَكِبَ رَاحِلََتَهُ، وَإنَّهَا لَمَعْقُولَةٌ مَا حَلَّ عِقَالَهَا إلاَّ بَعْدَمَا رَكِبَهَا. فَقَالَ حُذيْفَةُ : فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : لَوْ رَمَيْتُ عَدُوَّ اللهِ فَكُنْتُ قَدْ صَنَعْتُ شَيْئاً، فَأَوْتَرْتُ قَوْسِي وَأنَا أُرِيْدُ أنْ أرْمِيَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ ﷺ :" وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئاً حَتَّى تَرْجِعَ ". فَحَطَطْتُ الْقَوْسَ ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ :" مَا الْخَبَرُ ؟ " فَأَخْبَرْتُهُ بذلِكَ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ. ثُمَّ أدْنَانِي مِنْهُ وَبي مِنَ الْبَرْدِ مَا أجِدُهُ، فَأَلْقَى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبهِ، وَألْزَقَ صَدْري ببَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي) ".

الأحزاب 33:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ أي مَالَتْ عن كلِّ شيء، فلم تَنْظُرْ إلاَّ إلى عدُوِّها مُقبلاً مِن كلِّ جانب، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾، وَالْحَنْجَرَةُ جَوْفُ الْحَلْقِ. قال قتادةُ :(شَخَصَتِ الْقُلُوبُ مِنْ مَكَانِهَا، فَلَوْلاَ أنَّهُ ضَاقَ الْحُلْقُومُ عَنْهَا أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ). وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا﴾[الأحزاب: ٩] يعني الملائكةَ، بَعَثَ اللهُ ملائكةً على المشركين فقَلَعَتْ أوتادَ الخيلِ وأطْنَابَ الْفَسَاطِيْطِ، وأطفأَتِ النيرانَ وجالَتِ الخيلُ بعضُها في بعضٍ، وكَثُرَ تكبيرُ الملائكةِ في جوانب عسكَرِهم حتى وقعَ بهم الرعبُ فانْهَزَمُوا من غيرِ قتالٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، أي مِن فوق الوادِي مِن قِبَلِ المشرقِ عليهم مالكُ بن عوفٍ البَصْرِيّ، وعُيَينَةُ بن حِصْنِ الفزَّاري في ألْفٍ مِنْ غَطَفَانَ، ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، يعني مِن قِبَلِ المغرب فيهم أبُو سفيانَ في قُريشٍ ومَن تَبعَهُ، وأبو الأعْوَر السُّلمي من قِبَلِ الخندقِ. وكانَ مِن حديثِ الخندقِ :" أنَّ نَفَراً مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ حَييُّ بْنُ أخْطَبَ وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبْيعِ وَهَوْذةُ بْنِ قَيْسٍ وَأبُو عُمَارَةَ الْوَائِلِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي النَّضِيْرِ خَرَجُواْ حَتَّى قَدِمُواْ عَلَى قُرَيْشِ فَدَعَوْهُمْ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَجَابُوهُمْ فَاجْتَمَعُواْ مَعَ قُرَيْشٍ. فَسَارَتْ وَقَائِدُهَا عُيَيْنَةُ بْنُ حُصَيْنٍ الْفَزَّاريُّ، وَسَارَتْ بَنُو مُرَّةً وَقَائِدُهَا الْحَارثُ بْنُ عَوْفٍ، وَسَارَتْ بَنُو أشْجَعَ وَقَائِدُهَا مُسْعِرُ بْنُ رَخَيْلَةَ الأَشْجَعِيُّ، وَسَارَتْ قُرَيْشُ وَقَائِدُهَا أبُو سُفْيَانَ. فَلَمَّا سَمِعَ بهِمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ ضَرَبَ الْخَنْدَقَ عَلَى الْمَدِيْنَةِ، وَكَانَ الَّذِي أشَارَ بالْخَنْدَقِ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ سَلْمَانُ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا بفَارسَ إذا حُوصِرْنَا خَنْدَقْنَا. فَحَفَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى أحْكَمُوهُ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ حَفْرِ الْخَنْدَقِ، أقْبَلَتْ قُرَيْشُ حَتَّى نَزَلَتْ بمَجْمَعِ الأَسْيَالِ مِن رُومَة، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُمْ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، فَكَانَ الْخَنْدَقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِيْنَ، وَعَظُمَ عِنْدَ ذلِكَ الْبَلاَءُ وَاشْتَدَّ الْخَوْفُ، وَأتَاهُمُ الْعَدُوُّ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ أسْفَلَ مِنْهُمْ، حَتَّى ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، وَظَهَرَ النِّفَاقُ فِي الْمُنَافِقِيْنَ، حَتَّى قَالَ مُعْتَبُ بْنُ بَشِيْرِ الْمُنَافِقُ : كَانَ مُحَمَّدُ وَعَدَنَا أنْ نَأْكُلَ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، فَأَحَدُنَا لاَ يَقْدِرُ أنْ يَذْهَبَ إلَى الْغَائِطِ، مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إلاَّ غُرُوراً. فذلك قوله تعالى :﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ﴾. فَأَقَامَ النَّبيُّ ﷺ وَأقَامَ الْكُفَّارُ مَعَهُ بضْعاً وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً قَرِيْباً مِنْ شَهْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْقَوْمِ إلاَّ الرَّمْيَ بالنَّبْلِ وَالْحَصَى وَالْحِصَار. فَلَمَّا اشْتَدَّ الْبَلاَءُ عَلَى النَّاسِ وَاسْتَطَالَ، بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى عُيَيْنَةَ بْنِ حُصَيْنِ وَإلَى الْحَارثِ بْنِ عَوْفٍ وَهُمَا قَائِدَا غَطَفَانَ، وَأعْطَاهُمَا ثُلْثَ ثِمَار الْمَدِيْنَةِ عَلَى أنْ يَرْجِعَا بمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْقَوْمِ، فَجَرَى بَيْنَهُمَا الصُّلْحُ حَتَّى وَقَعَ الْكِتَابُ وَلَمْ تَقَعِ الشَّهَادَةُ، فَذكَرَ ذلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَاسْتَشَارَهُمَا فِي ذلِكَ، فَقَالاَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أهَذا شَيْءٌ أمَرَكَ اللهُ بهِ أمْ أمْرٌ تُحِبُّهُ أنْتَ أمْ أمْرٌ تَصْنَعُهُ لَنَا ؟ فَإنْ كَانَ أمْراً مِنَ اللهِ لَكَ فَلاَ بُدَّ لَنَا مِنَ الْعَمَلِ بهِ، وَإنْ كَانَ أمْراً تُحِبُّهُ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ، وَإنْ كَانَ شَيْئاً تَصْنَعُهُ لَنَا فَعَرِّفْنَا بهِ، فَقَالَ صلى الله الله عليه وسلم :" بَلْ وَاللهِ مَا صَنَعْتُ ذلِكَ إلاَّ أنِّي رَأيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ بقَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَالَبُوكُمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَأَرَدْتُ أنْ أكْسِرَ عَنْكُمْ شَوْكَتَهُمْ ". فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ ؛ لَقَدْ كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلاَءِ الْْقَوْمِ عَلَى الشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ لاَ نَعْبُدُ اللهَ وَلاَ نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لاَ يَطْمَعُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنْ ثِمَارنَا تَمْرَةً إلاَّ قِرَاءً أوْ شِرَاءً، فَكَيْفَ وَقَدْ أكْرَمَنَا اللهُ بالإسْلاَمِ وَأعْزَّنَا بكَ نُعْطِيْهِمْ أمْوَالَنَا! مَا لَنَا بهَذا مِنْ حَاجَةٍ، وَاللهِ لاَ نُعْطِيْهِمْ إلاَّ السَّيْفَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، فقال ﷺ :" فَأَنْتَ وَذاكَ ". فَتَنَاوَلَ سَعْدٌ الصَّحِيْفَةَ الَّتِي كَتَبُواْ فِيْهَا صُلْحَهُمْ فَمَحَاهَا. ثُمَّ إنَّهُمْ تَرَامَواْ بالنَّبْلِ، فَوَقَعَتْ رَمْيَةٌ فِي أكْحَلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَطَعَتْهُ، رَمَاهُ ابْنُ الْغُرْفَةِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَمَا زَالَ أكْحَلُهُ يَسِيْلُ دَماً حَتَّى خِيْفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ سَعْدٌ : اللَّهُمَّ إنْ كُنْتَ أبْقَيْتَ مِنْ حَرْب قُرَيْشٍ فَأَبْقِنِي لَهَا، فَإنَّهُ لاَ شَيْءَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ جِهَادِ قَوْمٍ آذواْ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَكَذبُوهُ وَأخْرَجُوهُ، وَإنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَاجْعَلْهُ لَنَا شَهَادَةً وَلاَ تُمِتْنِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. ثُمَّ أتَى نَعِيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ الْغَطَفَانِيُّ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ قَدْ أسْلَمْتُ وَإنَّ قَوْمِي مِنْ غَطَفَانَ لَمْ يَعْلَمُواْ بإسْلاَمِي، فَمُرْنِي فِيْهِمْ بمَا شِئْتَ، فَقَالَ عليه السلام :" إنَّمَا أنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذِّلْ عَنَّا إنِ اسْتَطَعْتَ ". فَخَرَجَ نَعِيْمُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أتَى بَنِي قُرَيْظَةَ، وَكَانَ لَهُمْ نَدِيْماً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ : يَا بَنِي قُرَيْظَةَ ؛ لَقَدْ عَلِِمْتُمْ وُدِّي لَكُمْ وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ المَحَبَّةِ. قَالُواْ : صَدَقْتَ ؛ لَسْتَ عِنْدَنَا بمُتَّهَمٍ ".

الأحزاب 33:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي في تلكَ الحالِ اخْتُبرَ المؤمنونَ بالقتالِ ليتَبيَّن المخلصُ من المنافقِ. وَقِيْلَ : معناهُ : امْتُحِنَ المؤمنونَ بالخوفِ الشَّديد الذي عندَهُ يظهرُ المؤمن القويُّ من المؤمنِ الضعيفِ، وذوُوا العزمِ الصحيح من غيرِهم. وقوله :﴿وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ ؛ أُزْعِجُواْ وحُرِّكُوا تَحريكاً شديداً، وذلك أن الخائفَ يكون قَلِقاً مُضطرباً لا يستقرُّ على مكانهِ.

الأحزاب 33:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ معناهُ : وإذ يقول الذين يستبطنون الكفرَ والذين في قُلوبهم شَكٌّ وضَعْفُ اعتقادٍ : مَا وَعَدَنا مُحَمَّدٌ أنَّ فارسَ والرومَ يُفتحان علينا ونحنُ في مكاننا هذا الذي لا يقدرُ أحدٌ أن يَبْرُزَ لحاجتهِ إلاَّ باطلاً. قال قتادةُ :(قَالَ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ : يَعِدُنَا مُحَمَّدٌ أنْ نَفْتَحَ قُصُورَ الشَّامِ وَفَارسَ، وَأحَدُنَا لاَ يَسْتَطِيْعُ أنْ يُجَاوزَ رَحْلَهُ، هَذا وَاللهِ الْغَرُورُ).

الأحزاب 33:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ ياأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُواْ﴾ ؛ قال مقاتلُ :(هُمْ بَنُو سَالِمٍ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ)، وقال السديُّ :(عبدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ وَأصْحَابُهُ). (يَا أهْلَ يَثْرِبَ) أي يا أهلَ المدينةِ، قال أبو عُبيدة :(يَثْرِبُ اسْمُ أرْضِ، وَمَدِيْنَةُ الرَّسُولِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْها). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ أي لاَ مَوْقِفَ لكم في هذا الموضعِ، فارجِعُوا إلى المدينةِ. وقرأ عاصمُ (لاَ مُقَامَ) بضمِّ الميمِ ؛ أي لا إقامةَ لكم ها هُنا ؛ لكثرةِ العدُوِّ وغلبةِ الحِرَاب، فارجِعُوا إلى منازلِكم، أمَرُوهم بالهرب من عسكرِ رسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ ؛ معناهُ : ويستأذنُ فريقٌ منهم النبيَّ عليه السلام في الرُّجوعِ إلى منازلِهم بالمدينةِ ؛ وهم بنُو حَارثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ، وكانوا يعتَلُّون في الاستئذانِ بقولِهم :﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ ؛ أي بيُوتُنا خاليةٌ من الرِّجالِ نخافُ عليها، وَقِيْلَ : معناهُ : إنَّ بيوتَنا ليست بجديدةٍ. وقال مقاتلُ والحسن :(مَعْنَاهُ : قَالُواْ بُيُوتُنَا ضَائِعَةٌ نَخْشَى عَلَيْهَا السُّرَّاقَ). وقال قتادةُ :(قَالُوا بُيُوتُنَا مِمَّا يَلِي الْعَدُوَّ وَلاَ نَأْمَنُ عَلَى أهْلِنَا). فكذبَهم اللهُ تعالى وَأعْلَمَ أنَّ قصدَهم الهربُ، فقال عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً﴾ ؛ مِن القتالِ ونُصرةِ المؤمنينَ. وقرأ ابنُ عبَّاس وأبو رجاءٍ :(إنَّ بُيُوتُنَا عَوِرَةٌ) بكسرِ الواو ؛ أي قصيرةُ الجدران، فيها خلَلٌ وفُرجَةٌ. قال الزجَّاجُ :(يُقَالُ : عَوَرَ الْمَكَانُ يَعْوَرُّ عَوْراً وَعَوْرَةً، وَبُيُوتٌ عَوْرَةٌ وَعَوِرَةٌ، وَهِيَ مَصْدَرٌ). والْعَوْرَةُ في اللغة : ما ذهَبَ عنه السَّتْرُ والحِفظُ، تقولُ العربُ : اعْوَرَّ الفارسُ إذا كان فيه موضعُ خللٍ للضَّرب، وعَوَرَ المكانُ إذا بَدَتْ منه عورةٌ. قال الشاعرُ : مَتَى تَلْقَهُمْ، لاَ تَلْقَ لِلْبَيْتِ عَوْرَةً وَلاَ الضَّيْفَ مَحْرُوماً وَلاَ الْجارَ مُرْمِلايقال : أرْمَلَ القومُ إذا فرغَ زادُهم.

الأحزاب 33:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ ؛ أي لو دُخلَتِ المدينةُ على هؤلاءِ المنافقين مِن أطرَافِها، يعني : لو دَخَلَ عليهم هؤلاءِ الأحزابُ من نواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لآتَوْهَا﴾ ؛ أي ثُم دُعُوا إلى الشِّركِ لأجَابُوها سَريعاً وأعطَوها من أنفُسِهم. والمعنى : لو أنَّ الأحزابَ دخَلُوا المدينةَ، ثُم أمَرُوهم بالشِّركِ لأشْرَكُوا. وقرأ أهلُ المدينةِ (لأَتَوْهَا) بالقصرِ ؛ أي لفَعَلُوها بأنفُسِهم، ﴿وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلاَّ يَسِيراً﴾ ؛ أي وما يلبَثُون بإجَابتِها إلاَّ قليلاً حتى يَقْبَلُوا. قال قتادةُ :(وَمَا احْتَبَسُواْ عَنِ الإجَابَةِ إلَى الْكُفْرِ إلاَّ قَلِيْلاً)، ويقالُ : ما يتَلَبَّثُونَ بالمدينةِ بعدَ إجابَتِهم إلاَّ يَسِيراً حتى يَهْلَكُوا.

الأحزاب 33:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّهم بنُو حارثةَ هَمُّوا يومَ أُحُدٍ أن يَفْشَلُوا مع بني سَلَمَةَ، فلمَّا نزلَ فيهم ما نزلَ، عاهَدُوا اللهَ أن لا يعُودُوا لِمثلِها. وقال قتادةُ :(هُمْ قَوْمٌ كَانُواْ غَابُواْ عَنْ وَقْعَةِ بَدْر، وَرَأواْ مَا أعْطَى اللهُ أهْلَ بَدْر مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيْلَةِ، فَقَالُواْ : لَئِنْ أشْهَدَنَا اللهُ قِتَالاً لَنُقَاتِلَنَّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب لَمْ يَفُواْ بذلِكَ الْعَهْدِ). ومعنى الآيةِ : ولقد كانُوا عاهَدُوا اللهَ من قَبْلِ غَزوةِ الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ أي لا ينهَزِمون ولا يُوَلُّونَ العدوَّ ظُهورََهم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ ؛ أي مُطَالَباً مَسْؤُولاً عنه مُحَاسَباً عليهِ، يُسأَلُونَ عنه في الآخرةِ. ثُم أخبرَ اللهُ أنَّ الفرارَ لا يزيدُهم في آجالِهم ؛ فقالَ :﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ ؛ أي مِن حَضَرَ ماتَ أو قُتِلَ، فكلاهُما مكتوبٌ عليكم. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي إنْ فرَرْتُمْ من الموتِ أو القَتْلِ في هذه الوقعةِ لَمْ يُمَتَّعُوا إلاَّ قليلاً حتى يلحَقُكم أحدُ الأمرَين. والمعنى : لا تَمَتَّعُونَ بعدَ الفرار في الدُّنيا إلاَّ مدَّةَ أجَلِكُمْ. ثُم أخبرَ اللهُ تعالى أنَّ ما قًَدَّرَهُ عليهم وأرادَهُ بهم لا يُدْفَعُ عنهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن الذي يُجِيرُكم ويَمنعُكم من اللهِ، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً﴾ ؛ أي هَلاَكاً وهزِيْمةً، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ ؛ أي خَيراً وهو النصرُ. وهذا كُلُّهُ أمرٌ للنبيِّ ﷺ أن يُخاطِبَهم بهذه الأشياءِ. ثُم أخبرَ الله أنه لا ينفَعُهم قريبٌ ولا نَاصِرٌ ينصرُهم من اللهِ، فقال تعالَى :﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾.

الأحزاب 33:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّهم بنُو حارثةَ هَمُّوا يومَ أُحُدٍ أن يَفْشَلُوا مع بني سَلَمَةَ، فلمَّا نزلَ فيهم ما نزلَ، عاهَدُوا اللهَ أن لا يعُودُوا لِمثلِها. وقال قتادةُ :(هُمْ قَوْمٌ كَانُواْ غَابُواْ عَنْ وَقْعَةِ بَدْر، وَرَأواْ مَا أعْطَى اللهُ أهْلَ بَدْر مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيْلَةِ، فَقَالُواْ : لَئِنْ أشْهَدَنَا اللهُ قِتَالاً لَنُقَاتِلَنَّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب لَمْ يَفُواْ بذلِكَ الْعَهْدِ). ومعنى الآيةِ : ولقد كانُوا عاهَدُوا اللهَ من قَبْلِ غَزوةِ الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ أي لا ينهَزِمون ولا يُوَلُّونَ العدوَّ ظُهورََهم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ ؛ أي مُطَالَباً مَسْؤُولاً عنه مُحَاسَباً عليهِ، يُسأَلُونَ عنه في الآخرةِ. ثُم أخبرَ اللهُ أنَّ الفرارَ لا يزيدُهم في آجالِهم ؛ فقالَ :﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ ؛ أي مِن حَضَرَ ماتَ أو قُتِلَ، فكلاهُما مكتوبٌ عليكم. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي إنْ فرَرْتُمْ من الموتِ أو القَتْلِ في هذه الوقعةِ لَمْ يُمَتَّعُوا إلاَّ قليلاً حتى يلحَقُكم أحدُ الأمرَين. والمعنى : لا تَمَتَّعُونَ بعدَ الفرار في الدُّنيا إلاَّ مدَّةَ أجَلِكُمْ. ثُم أخبرَ اللهُ تعالى أنَّ ما قًَدَّرَهُ عليهم وأرادَهُ بهم لا يُدْفَعُ عنهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن الذي يُجِيرُكم ويَمنعُكم من اللهِ، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً﴾ ؛ أي هَلاَكاً وهزِيْمةً، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ ؛ أي خَيراً وهو النصرُ. وهذا كُلُّهُ أمرٌ للنبيِّ ﷺ أن يُخاطِبَهم بهذه الأشياءِ. ثُم أخبرَ الله أنه لا ينفَعُهم قريبٌ ولا نَاصِرٌ ينصرُهم من اللهِ، فقال تعالَى :﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾.

الأحزاب 33:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّهم بنُو حارثةَ هَمُّوا يومَ أُحُدٍ أن يَفْشَلُوا مع بني سَلَمَةَ، فلمَّا نزلَ فيهم ما نزلَ، عاهَدُوا اللهَ أن لا يعُودُوا لِمثلِها. وقال قتادةُ :(هُمْ قَوْمٌ كَانُواْ غَابُواْ عَنْ وَقْعَةِ بَدْر، وَرَأواْ مَا أعْطَى اللهُ أهْلَ بَدْر مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْفَضِيْلَةِ، فَقَالُواْ : لَئِنْ أشْهَدَنَا اللهُ قِتَالاً لَنُقَاتِلَنَّ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الأَحْزَاب لَمْ يَفُواْ بذلِكَ الْعَهْدِ). ومعنى الآيةِ : ولقد كانُوا عاهَدُوا اللهَ من قَبْلِ غَزوةِ الخندق ﴿لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ أي لا ينهَزِمون ولا يُوَلُّونَ العدوَّ ظُهورََهم. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ ؛ أي مُطَالَباً مَسْؤُولاً عنه مُحَاسَباً عليهِ، يُسأَلُونَ عنه في الآخرةِ. ثُم أخبرَ اللهُ أنَّ الفرارَ لا يزيدُهم في آجالِهم ؛ فقالَ :﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ ؛ أي مِن حَضَرَ ماتَ أو قُتِلَ، فكلاهُما مكتوبٌ عليكم. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي إنْ فرَرْتُمْ من الموتِ أو القَتْلِ في هذه الوقعةِ لَمْ يُمَتَّعُوا إلاَّ قليلاً حتى يلحَقُكم أحدُ الأمرَين. والمعنى : لا تَمَتَّعُونَ بعدَ الفرار في الدُّنيا إلاَّ مدَّةَ أجَلِكُمْ. ثُم أخبرَ اللهُ تعالى أنَّ ما قًَدَّرَهُ عليهم وأرادَهُ بهم لا يُدْفَعُ عنهم، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَن الذي يُجِيرُكم ويَمنعُكم من اللهِ، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً﴾ ؛ أي هَلاَكاً وهزِيْمةً، ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ ؛ أي خَيراً وهو النصرُ. وهذا كُلُّهُ أمرٌ للنبيِّ ﷺ أن يُخاطِبَهم بهذه الأشياءِ. ثُم أخبرَ الله أنه لا ينفَعُهم قريبٌ ولا نَاصِرٌ ينصرُهم من اللهِ، فقال تعالَى :﴿وَلاَ يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾.

الأحزاب 33:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ؛ قال المفسِّرون : هؤُلاءِ قومٌ مِن المنافقين، كانوا يبطئون الْمُجَاهِدِيْنَ ويَمْنَعُونَهُمْ عنِ الجهاد. يقال : عَاقَ يَعُوقُ ؛ إذا مَنَعَ، وَعَوَّقَ إذا اعتادَ المنعَ، وعَوَّقَهُ إذا صَرَفَهُ عنِ الوجهِ الذي يريدهُ. قال قتادةُ :(هُمْ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ، كَانُواْ يَقُولُونَ : مَا مُحَمَّدٌ وَأصْحَابُهُ إلاَّ أكَلَةُ رَأسٍ، وَلَوْ كَانُواْ لَحْماً لاَلْتَهَمَهُمْ أبُو سُفْيَانَ وَحِزْبُهُ، دَعُواْ هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هَالِكٌ، فَخَلُّوهُمْ وَتَعَالُواْ إلَيْنَا). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْقَآئِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي ويعلمُ القائلينَ لإخوانِهم تعالَوْا إلينا ودَعُوا مُحَمَّداً فلا تشهَدُوا معه الحربَ، فإنَّا نخافُ عليكم الهلاكَ، وَقََوْلُهُ :﴿وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ أي لا يحضُرونَ القتالَ في سبيلِ الله إلاَّ قَلِيْلاً ؛ أي لا يُقاتِلُونَ إلاَّ ريَاءً وسُمعةً من غيرِ احتسابٍ، ولو كان ذلك القليلُ للهِ لكانَ كثيراً.

الأحزاب 33:19

قَوْلُهُ :﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ ؛ أي بُخْلاءَ عليكمُ بأنفُسِهم وأموالِهم، لا ينفقونَ شيئاً منها في سبيلِ الله ونُصرةِ المؤمنين. ثُم أخبر عن جُبْنِهِمْ فقالَ تعالى :﴿فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، من الخوفِ والفَزَعِ كما تدورُ أعْيُنُ الذي يحضرهُ الموت فيُغشَى عليهِ، ويذهبُ عقله ويَشخَصُ بصرهُ فلا يطرفُ، كذلك هؤلاءِ تَشْخَصُ أبصارُهم وتُحَارُ أعينُهم لِما يلحَقُهم من الخوفِ، ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ ؛ أي بَسَطُوا ألسِنَتَهم وأرسَلُوها، طاغِينَ عليكم. قال الفرَّاء :(مَعْنَاهُ : آذوْكُمْ بالْكَلاَمِ وَعَضُّوكُمْ بأَلْسِنَةٍ سَلِيْطَةٍ ذربَةٍ) يُقَالُ : خَطِيْبٌ مِسْلاَقٌ إذا كَانَ بَلِيْغاً فِي خِطَابهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ ؛ أي بُخْلاءَ بالغَنيمةِ، يخاصِمُون فيها ويُشَاحُّونَ المؤمنينَ عليها عند القِسْمَةِ، فيقولونَ : أعْطُونَا فلَسْتُمْ أحقَّ مِنَّا! وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أوْلَـائِكَ لَمْ يُؤْمِنُواْ﴾ ؛ أي هُم وإنْ أظهَرُوا الإيْمانَ ونَافَقُوا فليسوا بمؤمنينَ، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ؛ أي أبْطَلَ جهادَهم وثوابَ أعمالِهم ؛ لأنه لَم يكن في إيْمانٍ، ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ، ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ قال مقاتلُ :(مَعْنَى الآيَةِ : فَإذا ذهَبَ الْخَوْفُ وَجَاءَ الأَمْنُ وَالْغَنِيْمَةُ، سَلَقُوكُمْ بألْسِنَةٍ حِدَادٍ ؛ أيْ بَسَطُواْ ألْسِنَتَهُمْ فِيْكُمْ وَقْتَ قِسْمَةِ الْغَنِيْمَةِ، وَسَيَقُولُونَ : أعْطُونَا فَلَسْتُمْ أحَقَّ بهَا مِنَّا! فَأَمَّا عِنْدَ الْبَأْسِ وَالْقِتَالِ فَأَجْبَنُ قَوْمٍ وَأخْذلُهُمْ، وَأمَّا عِنْدَ الْغَنِيْمَةِ فَأَشَحُّ قَوْمٍ).

الأحزاب 33:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُواْ﴾ أي يَظُنُّ المنافقونَ مِن جُبْنِهم وخُبْثِهم أنَّ الأحزابَ لَم يذهَبُوا إلى مكَّة وقد ذهبُوا، ﴿وَإِن يَأْتِ الأَحْزَابُ﴾ ؛ في المرَّة الثانيةِ ؛ أي يرجِعُون إلى القتالِ، ﴿يَوَدُّواْ لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ ؛ داخلونَ في الباديةِ معَ الأعراب، ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَآئِكُمْ﴾ ؛ أي يَتَمَنَّوْنَ لو كانوا في باديةٍ بالبُعْدِ منكُم، يسألونَ عن أخباركم يقولونَ : مَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ وأصْحَابُهُ؟! فيعرفُون حالَكم بالاستخبار لا بالمشاهدةِ. والمعنَى بسُؤالِهم : أنه إذا كان الظَّفَرُ لكم شارَكُوكم، وإنْ كان للمشركين شارَكُوهم، كلُّ هذا مِن الْخَوْفِ وَالْجُبْنِ. قرأ يعقوبُ (يَسَّاءَلُونَ) بالتشديد والمدِّ، بمعنى يَتَسَاءَلُونَ ؛ أي يَسأَلُ بعضُهم بعضاً عن أخباركم، ﴿وَلَوْ كَانُواْ فِيكُمْ مَّا قَاتَلُواْ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ؛ لو كانَ هؤلاءِ المنافقونَ فيكم ما قَاتَلُوا إلاَّ رَمْياً بالحجارةِ من غير احتسابٍ.

الأحزاب 33:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ؛ أي لقد كان لكُم في رسولِ اللهِ قُدْوَةٌ حَسَنَةٌ في الصَّبر على القتالِ والثَّبَاتِ عليه واحتمالِ الشَّدائد في ذاتِ اللهِ، ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ﴾ ؛ يرجو ثوابَ اللهِ، ﴿وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾، وثواب الدنيا والآخرةَ، ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾، وذلكَ : أنَّ كل من ذادَ أو ذكَرَ اللهَ في لسانهِ ازدَادت رغبتهُ في الاقتداءِ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم. ومعنى الآيةِ : لقد كان لكُم في رسولِ الله اقتداءٌ لوِ اقتديتُم به، والصبرُ معه في مواطنِ القتال كما فَعَلَ هو يومَ أُحُد إذ كُسِرَتْ رباعيَّتهُ وشُُجَّ حاجبهُ وقُتِلَ عمُّه، فواسَاكم مع ذلك بنفسهِ، فهلاَّ فعلتم مثلَ ما فعلَ هو. وقوله تعالى :﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللَّهَ﴾ يدلُّ من قوله (لَكُمْ) وهو تخصيصٌ بعد التعميمِ للمؤمنين.

الأحزاب 33:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُواْ هَـاذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ؛ وذلكَ أنَّ اللهَ تعالى قد وَعَدَهم في سُورةِ البقرةِ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ﴾[البقرة: ٢١٤]... إلى قولهِ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾[البقرة: ٢١٤] وقولهِ تعالى :﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾[الفتح: ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً﴾ ؛ أي ما زادَهم ما رأوهُ إلاَّ إيْماناً وتصديقاً بوعدِ الله وتَسلِيماً لآخرهِ.

الأحزاب 33:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي مِن جُملة المؤمنينَ رجالٌ وَافوا ما عاهدُوا اللهَ عليه بالثَّباتِ على الدِّين والعملِ بمُوجبهِ من الصَّبر على القتالِ وغيرِ ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ ؛ أي مَن وَفَّى بنذرهِ، ومنهم مَن أقامَ على ذلك العهدِ حتى قُتِلَ شَهيداً في سبيلِ الله. قِيْلَ : إنَّ المرادَ به حَمْزَةُ ابن عبدِ المطَّلب وأصحابهُ الذين قُتِلُوا يومَ أُحُدٍ. والنَّحْبُ في اللُّغة : النَّذْرُ، وَقِيْلَ : النَّحْبُ هو النَّفَسُ، ومنه النَّحِيْبُ : وهو التَّنَفُّسُ الشديدُ والنَّشْجُ في البكاءِ. والمعنى على هذا القولِ :(مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ ؛ الموتَ على ذلك العهدِ. وَقِيْلَ : معناهُ :(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) أي ماتَ أو قُتِلَ في سبيلِ الله فأدركَ ما تَمنَّى، فذلك قضاءُ النَّحْب. وَقِيْلَ : فَرَغَ من عملهِ، ورجعَ إلى اللهِ. وقال الحسنُ :(قَضَى أجَلَهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ)، قال ابنُ قُتيبةَ :(قَضَى نَحْبَهُ : قُتِلَ). وأصلُ النَّحْب : النَّذْرُ، كان قومٌ نذرُوا أنَّهم إنْ لَقُوا العدوَّ قَاتَلُوا حتى يُقْتَلُوا أو يَفتحَ اللهُ تعالى فَقُتِلُوا. يقال : فلانٌ قَضَى نَحْبَهُ، إذا قُتِلَ. وقال محمَّد بنُ اسحقٍ :(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ مَا وَعَدَ اللهُ مِنْ نَصْرٍ أوْ شَهَادَةٍ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أصْحَابُهُ). وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالَتْ :" طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِاللهِ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ، ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أُصِيْبَتْ يَدُهُ، فَقَالَ ﷺ :" أوْجَبَ طَلْحَةُ الْجَنَّةَ " " وعن أبي نَجيحٍ : أنَّ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍِ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فِي الْجَبَلِ، فَجَاءَ سَهْمٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَاتَّقَاهُ طَلْحَةُ بيَدِهِ فَأَصَاب خِنْصَرَهُ. وعن عائشةَ : أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ :" مَنْ سََرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ، فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ " وَقالَ ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيْدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللهِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ ؛ أي ما غيَّرُوا عهدَ اللهِ الذي عاهَدُوه عليهِ كما غَيَّرَهُ المنافقونَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ ؛ أي صِدْقَ المؤمنونَ في عهدِهم ليجزِيَهم اللهُ بصدقِهم، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ بنقضِ العهدِ، ﴿إِن شَآءَ﴾ ؛ قال السديُّ :(يُمِيْتُهُمُ اللهُ عَلَى نِفَاقِهِمْ إنْ شَاءَ فَيُوجِبُ لَهُمُ الْعَذابَ). فمعنى شَرْطِ المشيئةِ في عذاب المنافقين إمَاتَتُهُمْ على النفاق إنْ شاءَ ثُم يعذِّبُهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ فيغفرُ لَهم، ليس أنه يجوزُ أن لا يُعذِّبَهم إذا مَاتُوا على النِّفاقِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً﴾ ؛ لِمَن تابَ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بمن ماتَ على التَّوبةِ.

الأحزاب 33:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي مِن جُملة المؤمنينَ رجالٌ وَافوا ما عاهدُوا اللهَ عليه بالثَّباتِ على الدِّين والعملِ بمُوجبهِ من الصَّبر على القتالِ وغيرِ ذلك، ﴿فَمِنْهُمْ مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ ؛ أي مَن وَفَّى بنذرهِ، ومنهم مَن أقامَ على ذلك العهدِ حتى قُتِلَ شَهيداً في سبيلِ الله. قِيْلَ : إنَّ المرادَ به حَمْزَةُ ابن عبدِ المطَّلب وأصحابهُ الذين قُتِلُوا يومَ أُحُدٍ. والنَّحْبُ في اللُّغة : النَّذْرُ، وَقِيْلَ : النَّحْبُ هو النَّفَسُ، ومنه النَّحِيْبُ : وهو التَّنَفُّسُ الشديدُ والنَّشْجُ في البكاءِ. والمعنى على هذا القولِ :(مِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَنتَظِرُ﴾ ؛ الموتَ على ذلك العهدِ. وَقِيْلَ : معناهُ :(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) أي ماتَ أو قُتِلَ في سبيلِ الله فأدركَ ما تَمنَّى، فذلك قضاءُ النَّحْب. وَقِيْلَ : فَرَغَ من عملهِ، ورجعَ إلى اللهِ. وقال الحسنُ :(قَضَى أجَلَهُ عَلَى الْوَفَاءِ وَالصِّدْقِ)، قال ابنُ قُتيبةَ :(قَضَى نَحْبَهُ : قُتِلَ). وأصلُ النَّحْب : النَّذْرُ، كان قومٌ نذرُوا أنَّهم إنْ لَقُوا العدوَّ قَاتَلُوا حتى يُقْتَلُوا أو يَفتحَ اللهُ تعالى فَقُتِلُوا. يقال : فلانٌ قَضَى نَحْبَهُ، إذا قُتِلَ. وقال محمَّد بنُ اسحقٍ :(فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ، مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ مَا وَعَدَ اللهُ مِنْ نَصْرٍ أوْ شَهَادَةٍ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ أصْحَابُهُ). وعن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنَّها قالَتْ :" طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِاللهِ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ، ثَبَتَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى أُصِيْبَتْ يَدُهُ، فَقَالَ ﷺ :" أوْجَبَ طَلْحَةُ الْجَنَّةَ " " وعن أبي نَجيحٍ : أنَّ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍِ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فِي الْجَبَلِ، فَجَاءَ سَهْمٌ مُتَوَجِّهٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَاتَّقَاهُ طَلْحَةُ بيَدِهِ فَأَصَاب خِنْصَرَهُ. وعن عائشةَ : أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ :" مَنْ سََرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ، فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ " وَقالَ ﷺ :" مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلَى شَهِيْدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِاللهِ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا بَدَّلُواْ تَبْدِيلاً﴾ ؛ أي ما غيَّرُوا عهدَ اللهِ الذي عاهَدُوه عليهِ كما غَيَّرَهُ المنافقونَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ ؛ أي صِدْقَ المؤمنونَ في عهدِهم ليجزِيَهم اللهُ بصدقِهم، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ بنقضِ العهدِ، ﴿إِن شَآءَ﴾ ؛ قال السديُّ :(يُمِيْتُهُمُ اللهُ عَلَى نِفَاقِهِمْ إنْ شَاءَ فَيُوجِبُ لَهُمُ الْعَذابَ). فمعنى شَرْطِ المشيئةِ في عذاب المنافقين إمَاتَتُهُمْ على النفاق إنْ شاءَ ثُم يعذِّبُهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ فيغفرُ لَهم، ليس أنه يجوزُ أن لا يُعذِّبَهم إذا مَاتُوا على النِّفاقِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً﴾ ؛ لِمَن تابَ ﴿رَّحِيماً﴾ ؛ بمن ماتَ على التَّوبةِ.

الأحزاب 33:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً﴾ ؛ معناهُ : وصَرَفَ اللهُ الكفَّارَ عن المؤمنينَ مُغتاظِين لَم يكن فيهم مَن شَفَا غَيْظَهُ، ولَم ينالوا منهم مَالاً ولا غنيمةً، ولَم يَرَوا سُروراً، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ؛ بالرِّيحِ والملائكةِ التي أُرسِلَتْ عليهم، ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً﴾ ؛ أي لَم يَزَلْ قوِيّاً في مُلكهِ، ﴿عَزِيزاً﴾، في قدرته مَنِيعاً بالنِّقمةِ من أعدائهِ.

الأحزاب 33:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ ؛ معناهُ : وأنزلَ الذين عَاوَنُوا المشركينَ من أهلِ الكتاب وهم بنُو قريظةَ، نقَضُوا العهدَ وأعَانُوا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَلَهم اللهُ من حُصونِهم مع شدَّةِ شوكَتِهم، وألقَى في قلوبهم الرُّعبَ. " وذلك أنَّ بنِي قريظةَ كانوا فقد عاهَدُوا رسولَ الله ﷺ أن لاَ ينصرُوا أعداءَهُ عليهِ، فلما رَأوا الأحزابَ وكَثرَتَهم ظنُّوا أنَّهم يستأصِلُون المؤمنينَ، فنَقَضُوا العهدَ ولَحقوا بهم. فَلَمَّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَجَعَ النَّبيُّ ﷺ إلى بَيْتِهِ، أرَادَ أنْ يَنْزَعَ لاَمَتَهُ، فَسَمِعَ هَسِيْساً، فَنَظَرَ فَإذا جِبْرِيْلُ عليه السلام فِي دِرْعِهِ وَسِلاَحِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيْلُ : أتَنْزَعُ لاَمَتَكَ يا رَسُولَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةُ لَمْ يَنْزعُواْ حَتَّى يُقَاتِلُواْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَيُصَلَّى فِيهِمْ الْعَصْرُ؟! فَقَالَ ﷺ :" وَكَيْفَ لِي بِقِتَالِهِمْ وَهُمْ فِي حُصُونِهِمْ؟! " فَقَالَ جِبْرِيْلُ : لأُلْهِمَنَّكَ ذلِكَ، فَوَاللهِ لأَدُقَّنَّهُمُ الْيَوْمَ كَمَا يُدَقُّ الْبَيْضُ عَلَى الصَّفَا. فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الأَصْحَاب، فَخَرَجُواْ إلَى حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأُلْقِي الرُّعْبُ فِي قُلُوب الْقَوْمِ حَتَّى طَلَبُواْ الصُّلْحَ، وَأبَواْ إلاَّ أنْ يَنْزِلُواْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَكَانَ سَعْدُ قَدْ أصَابَهُ سَهْمٌ فِي أكْحَلِهِ فِي حَرْب الْخَنْدَقِ، فَسَأَلَ اللهَ أنْ يُؤْخِّرَهُ إلَى أنْ يَرَى قُرَّةَ عَيْنِ النَّبيِّ ﷺ، فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ. فَلَمَّا طَلَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ النُّزُولَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، رَضِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحُمِلَ سَعْدٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ وَقَدِ احْتَبَسَ أكْحَلُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" احْكُمْ فِيْهِمْ ". فَقَالَ : حَكَمْتُ فِيْهِمْ بأَنَّ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَيُسْبَى ذرَاريَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَأمْوَالُهُمْ. فَقَالَ ﷺ :" حَكَمْتَ فِيْهِمْ مِثْلَ مَا حَكَمَ اللهُ فِيْهِمْ ". فَلَمَّا قُتِلَتْ مُقَاتِلَتُهُمْ وَسُبيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذرَاريَهُمْ، انْفَجَرَ أكْحَلُ سَعْدٍ فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ ". والصَّيَاصِيُّ : جمعُ صِيصَةٍ، وصِيْصَةُ الثَّور قَرْنُهُ، سُمِّي بذلكَ ؛ لأنَّ قَرْنَهُ حِصْنُهُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ بهِ. ورُوي :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْصَرَفَ فِيهَا الأَحْزَابُ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، وَوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ السِّلاَحَ، أتَى جِبْرِيْلُ عليه السلام إلَى النَّبيِّ ﷺ مُعْتَجِراً بعِمَامَةٍ مِنْ اسْتَبْرَقَ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا قَطِيْفَةٌ مِنْ دِيْبَاجٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ زَيْنَبَ بنْتِ جحْشٍ يَغْسِلُ رَأسَهُ وَقَدْ مَشَّطَتْ عِقْصَتَهُ، فَقَالَ جِبْرِيْلُ : قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ :" نَعَمْ " قَالَ : عَفَا اللهُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَوَاللهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ السِّلاَحَ مُنْذُ أرْبَعِيْنَ لَيْلَةٍ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بالسَّيْرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. وَكَانَ هَذا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَأَمَرَ النَّبيُّ صلى الله صلى وسلم مُنَادِياً يُنَادِي :" مَنْ كَانَ سَامِعاً مُطِيْعاً فَلاَ يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ". وَقَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ برَايَتِهِ إلَيْهِمْ، فَسَارَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَتَّى إذا دَنَا مِنَ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهُمْ مَقَالَةً قَبيْحَةً فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَتَّى لَقِيَ النَّبيَّ ﷺ بالطَّرِيْقِ. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لاَ عَلَيْكَ أنْ تَدْنُو مِنْ هَؤُلاَءِ الْخَبَائِثِ، قَالَ :" أظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ أذى ؟ " قَالَ : نَعَمْ. فَسَارَ النَّبيُّ ﷺ نَحْوَهُمْ حَتَّى دَنَا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ :" يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ أخْزَاكُمُ اللهُ، وَأنْزَلَ فِيْكُمْ نِقْمَتَهُ " قَالُواْ : يَا أبَا الْقَاسِمِ! مَا كُنْتَ جَهُولاً. فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً حَتَّى جَهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَقَذفَ فِي قُلُوبهِمُ الرُّعْبَ. فَلَمَّا أيْقَنُواْ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَاجِعٍ عَنْهُمْ، قَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أسَدٍ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ؛ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بكُمْ مِنَ الأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإنِّي سَأَعْرِضُ عَلَيْكُمْ ثَلاَثَ خِصَالٍ، فَخُذُواْ بأَيِّهَا شِئْتُمْ. قَالُواْ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : أمَّا الأُوْلَى فَنُبَايعُ هَذا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ فَوَاللهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أنَّهُ نَبيٌّ مُرْسَلٌ، وَأنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ، فَتَأْمَنُواْ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ. قَالُواْ : لاَ نُفَارقُ دِيْنَنَا أبَداً، وَلاَ نَسْتَبْدِلُ بهِ غَيْرَهُ. قَالَ : فَإنْ أبَيْتُمْ هَذِهِ عَلَيَّ، فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أبْنَاءَنَا وَنَسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجَ إلَى مُحَمَّدٍ رجَالاً مُصَلِّتِينَ بالسُّيُوفِ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَنَا ثِقْلٌ يَهُمُّنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالُواْ : نَقْتُلُ هَؤُلاَءِ الْمَسَاكِيْن! فَلاَ خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ. قَالَ : فَإنَّ أبَيْتُمْ هَذِهِ، فَاعْلَمُواْ أنَّ هَذِهِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَإنَّهُ عَسَى أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأصْحَابُهُ قَدْ أمِنُواْ فِيْهَا، فَانْزِلُواْ لَعَلَّنَا نُصِيْبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأصْحَابهِ غِرَّةً. قَالُواْ : نُفْسِدُ سَبْتَنَا وَنُحْدِثُ فِيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ أحْدَثَ فِيْهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِينَ أَحْدَثُواْ فِيه الأحْدَاثَ مُسِخُواْ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مَنْ هُمْ. قَالَ : ثُمَّ إنَّهُمْ بَعَثُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أن ابْعَثْ إلَيْنَا أبَا لُبَابَةَ أخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُواْ حُلَفَاءَ الأَوْسِ، نَسْتَشِيْرُهُ فِي أمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ النَّبيُّ ﷺ إلَيْهِمْ. فَسَأَلُوهُ إنْ نَنزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأشَارَ بيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ : أنَّهُ الذبْحُ. قَالَ أبْو لُبَابَةَ : فَعَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ أبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ أعْمِدَتِهِ، وَقَالَ : لاَ أبْرَحُ حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدَ اللهَ تَعَالَى أنْ لاَ يَطَأَ أرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أبَداً، وَقَالَ : لاَ يَرَانِي اللهُ فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيْهِ. فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَدْ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ قَالَ :" أمَا إنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذا فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أنَا بالَّذِي أُطْلِقُهُ حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالَى أنْزَلَ تَوْبَتَهُ، فَقَالَ ﷺ :" تُبْتُ عَلَى أبي لُبَابَةَ " فَثَارَ النَّاسُ إلَى أبي لُبَابَةَ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ : وَاللهِ لاَ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بيَدِهِ. فَجَاءَ النَّبيُّ ﷺ فَأَطْلَقَهُ. قَالَ : فَلَمَّا أصْبَحَ بَنُو قُرَيْظَةَ نَزَلُواْ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَوَاثَبَتِ الأَوْسُ وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّهُمْ مَوَالِيْنَا - أيْ حُلَفَاؤُنَا - دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ مَا قََدْ عَلِمْتَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَكَانُواْ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُواْ عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُمْ إيَّاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبى سَلُولٍ فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَلَمَّا كَلَّمَهُ الأَوْسُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ ؛ أمَا تَرْضَوْنَ أنْ أُحَكِّمَ فِيْهِمْ رَجُلاً مِنْكُمْ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَذاكَـ " إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَدْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي خَيْمَةِ امْرَأةٍ مِنَ أسْلَمَ يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ، تُدَاوي الْجَرْحَى وَتَخْدِمُ الْمَرْضَى. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أتَاهُ قًَوْمٌ فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَار، وَقَدْ وَطَّأُواْ لَهُ وسَادَةً مِنْ أدْمٍ، وَكَانَ رَجُلاً جَسِيْماً. ثُمَّ أقْبَلُواْ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا أبَا عَمْرٍو! أحْسِنْ فِي مَوَالِيْكَ، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّمَا وَلاَّكَ ذلِكَ لِتُحْسِنَ فِيْهِمْ. فَلَمَّا أكْثَرُواْ عَلَيْهِ ؛ قَالَ : لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أنْ لاَ تَأْخُذهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ. فَعَرَفُواْ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ مَقْتُولُونَ. فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ قَالَ :" قُومُواْ إلَى سَيِّدِكُمْ، فَأَنْزِلُوهُ " فَقَامُواْ إلَيْهِ، فَقَالَ : يَا أبَا عَمْرٍو ؛ إنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ وَلاَّكَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ سَعْدٌ : عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللهِ وَمِيْثَاقُهُ أنَّ الْحُكْمَ فِيْهِمْ مَا حَكَمْتُ ؟ قَالُواْ : نَعَمْ. قَالَ : أحْكُمُ فِيْهِمْ أنْ يُقْتَلَ الرِّجَالُ وَتُقْسَمَ الأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذرَاري وَالنِّسَاءُ. فَقَالَ ﷺ :" لَقَدْ حَكَمْتَ فِيْهِمْ يَا سَعْدُ بحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ ". ثُمَّ اسْتُنْزِلُواْ، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَار " ابْنَةِ الْحَارثِ

الأحزاب 33:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ﴾ ؛ معناهُ : وأنزلَ الذين عَاوَنُوا المشركينَ من أهلِ الكتاب وهم بنُو قريظةَ، نقَضُوا العهدَ وأعَانُوا الأحزابَ على رسولِ اللهِ ﷺ، فأنزَلَهم اللهُ من حُصونِهم مع شدَّةِ شوكَتِهم، وألقَى في قلوبهم الرُّعبَ. " وذلك أنَّ بنِي قريظةَ كانوا فقد عاهَدُوا رسولَ الله ﷺ أن لاَ ينصرُوا أعداءَهُ عليهِ، فلما رَأوا الأحزابَ وكَثرَتَهم ظنُّوا أنَّهم يستأصِلُون المؤمنينَ، فنَقَضُوا العهدَ ولَحقوا بهم. فَلَمَّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَجَعَ النَّبيُّ ﷺ إلى بَيْتِهِ، أرَادَ أنْ يَنْزَعَ لاَمَتَهُ، فَسَمِعَ هَسِيْساً، فَنَظَرَ فَإذا جِبْرِيْلُ عليه السلام فِي دِرْعِهِ وَسِلاَحِهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيْلُ : أتَنْزَعُ لاَمَتَكَ يا رَسُولَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةُ لَمْ يَنْزعُواْ حَتَّى يُقَاتِلُواْ بَنِي قُرَيْظَةَ وَيُصَلَّى فِيهِمْ الْعَصْرُ؟! فَقَالَ ﷺ :" وَكَيْفَ لِي بِقِتَالِهِمْ وَهُمْ فِي حُصُونِهِمْ؟! " فَقَالَ جِبْرِيْلُ : لأُلْهِمَنَّكَ ذلِكَ، فَوَاللهِ لأَدُقَّنَّهُمُ الْيَوْمَ كَمَا يُدَقُّ الْبَيْضُ عَلَى الصَّفَا. فَنَادَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الأَصْحَاب، فَخَرَجُواْ إلَى حُصُونِ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأُلْقِي الرُّعْبُ فِي قُلُوب الْقَوْمِ حَتَّى طَلَبُواْ الصُّلْحَ، وَأبَواْ إلاَّ أنْ يَنْزِلُواْ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ. وَكَانَ سَعْدُ قَدْ أصَابَهُ سَهْمٌ فِي أكْحَلِهِ فِي حَرْب الْخَنْدَقِ، فَسَأَلَ اللهَ أنْ يُؤْخِّرَهُ إلَى أنْ يَرَى قُرَّةَ عَيْنِ النَّبيِّ ﷺ، فَاسْتَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ. فَلَمَّا طَلَبَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ النُّزُولَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، رَضِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَحُمِلَ سَعْدٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ وَقَدِ احْتَبَسَ أكْحَلُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" احْكُمْ فِيْهِمْ ". فَقَالَ : حَكَمْتُ فِيْهِمْ بأَنَّ يُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَيُسْبَى ذرَاريَهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ وَأمْوَالُهُمْ. فَقَالَ ﷺ :" حَكَمْتَ فِيْهِمْ مِثْلَ مَا حَكَمَ اللهُ فِيْهِمْ ". فَلَمَّا قُتِلَتْ مُقَاتِلَتُهُمْ وَسُبيَتْ نِسَاؤُهُمْ وَذرَاريَهُمْ، انْفَجَرَ أكْحَلُ سَعْدٍ فَمَاتَ رَحِمَهُ اللهُ ". والصَّيَاصِيُّ : جمعُ صِيصَةٍ، وصِيْصَةُ الثَّور قَرْنُهُ، سُمِّي بذلكَ ؛ لأنَّ قَرْنَهُ حِصْنُهُ الَّذِي يَتَحَصَّنُ بهِ. ورُوي :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا رَجَعَ مِنْ اللَّيْلَةِ الَّتِي انْصَرَفَ فِيهَا الأَحْزَابُ، وَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَى الْمَدِيْنَةِ، وَوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ السِّلاَحَ، أتَى جِبْرِيْلُ عليه السلام إلَى النَّبيِّ ﷺ مُعْتَجِراً بعِمَامَةٍ مِنْ اسْتَبْرَقَ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا قَطِيْفَةٌ مِنْ دِيْبَاجٍ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ زَيْنَبَ بنْتِ جحْشٍ يَغْسِلُ رَأسَهُ وَقَدْ مَشَّطَتْ عِقْصَتَهُ، فَقَالَ جِبْرِيْلُ : قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! قَالَ :" نَعَمْ " قَالَ : عَفَا اللهُ عَنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ! فَوَاللهِ مَا وَضَعَتِ الْمَلاَئِكَةُ السِّلاَحَ مُنْذُ أرْبَعِيْنَ لَيْلَةٍ، إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بالسَّيْرِ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. وَكَانَ هَذا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ، فَأَمَرَ النَّبيُّ صلى الله صلى وسلم مُنَادِياً يُنَادِي :" مَنْ كَانَ سَامِعاً مُطِيْعاً فَلاَ يُصَلِّيَنَّ الْعَصْرَ إلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ". وَقَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ برَايَتِهِ إلَيْهِمْ، فَسَارَ إلَيْهِمْ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَتَّى إذا دَنَا مِنَ الْحُصُونِ سَمِعَ مِنْهُمْ مَقَالَةً قَبيْحَةً فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَرَجَعَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَتَّى لَقِيَ النَّبيَّ ﷺ بالطَّرِيْقِ. فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لاَ عَلَيْكَ أنْ تَدْنُو مِنْ هَؤُلاَءِ الْخَبَائِثِ، قَالَ :" أظُنُّكَ سَمِعْتَ مِنْهُمْ أذى ؟ " قَالَ : نَعَمْ. فَسَارَ النَّبيُّ ﷺ نَحْوَهُمْ حَتَّى دَنَا مِنْ حُصُونِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ :" يَا إخْوَانَ الْقِرَدَةِ أخْزَاكُمُ اللهُ، وَأنْزَلَ فِيْكُمْ نِقْمَتَهُ " قَالُواْ : يَا أبَا الْقَاسِمِ! مَا كُنْتَ جَهُولاً. فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ خَمْساً وَعِشْرِيْنَ لَيْلَةً حَتَّى جَهَدَهُمُ الْحِصَارُ، وَقَذفَ فِي قُلُوبهِمُ الرُّعْبَ. فَلَمَّا أيْقَنُواْ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَيْرُ رَاجِعٍ عَنْهُمْ، قَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أسَدٍ : يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ ؛ إنَّهُ قَدْ نَزَلَ بكُمْ مِنَ الأَمْرِ مَا تَرَوْنَ، وَإنِّي سَأَعْرِضُ عَلَيْكُمْ ثَلاَثَ خِصَالٍ، فَخُذُواْ بأَيِّهَا شِئْتُمْ. قَالُواْ : وَمَا هِيَ ؟ قَالَ : أمَّا الأُوْلَى فَنُبَايعُ هَذا الرَّجُلَ وَنُصَدِّقُهُ فَوَاللهِ لَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ أنَّهُ نَبيٌّ مُرْسَلٌ، وَأنَّهُ الَّذِي تَجِدُونَهُ فِي كِتَابكُمْ، فَتَأْمَنُواْ عَلَى دِمَائِكُمْ وَأمْوَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ. قَالُواْ : لاَ نُفَارقُ دِيْنَنَا أبَداً، وَلاَ نَسْتَبْدِلُ بهِ غَيْرَهُ. قَالَ : فَإنْ أبَيْتُمْ هَذِهِ عَلَيَّ، فَهَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ أبْنَاءَنَا وَنَسَاءَنَا، ثُمَّ نَخْرُجَ إلَى مُحَمَّدٍ رجَالاً مُصَلِّتِينَ بالسُّيُوفِ، وَلَمْ يَكُنْ وَرَاءَنَا ثِقْلٌ يَهُمُّنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ. قَالُواْ : نَقْتُلُ هَؤُلاَءِ الْمَسَاكِيْن! فَلاَ خَيْرَ فِي الْعَيْشِ بَعْدَهُمْ. قَالَ : فَإنَّ أبَيْتُمْ هَذِهِ، فَاعْلَمُواْ أنَّ هَذِهِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، وَإنَّهُ عَسَى أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ وَأصْحَابُهُ قَدْ أمِنُواْ فِيْهَا، فَانْزِلُواْ لَعَلَّنَا نُصِيْبُ مِنْ مُحَمَّدٍ وَأصْحَابهِ غِرَّةً. قَالُواْ : نُفْسِدُ سَبْتَنَا وَنُحْدِثُ فِيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ أحْدَثَ فِيْهِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِينَ أَحْدَثُواْ فِيه الأحْدَاثَ مُسِخُواْ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْكَ مَنْ هُمْ. قَالَ : ثُمَّ إنَّهُمْ بَعَثُواْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أن ابْعَثْ إلَيْنَا أبَا لُبَابَةَ أخَا بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانُواْ حُلَفَاءَ الأَوْسِ، نَسْتَشِيْرُهُ فِي أمْرِنَا، فَأَرْسَلَهُ النَّبيُّ ﷺ إلَيْهِمْ. فَسَأَلُوهُ إنْ نَنزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ، وَأشَارَ بيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ : أنَّهُ الذبْحُ. قَالَ أبْو لُبَابَةَ : فَعَلِمْتُ أنِّي قَدْ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ أبُو لُبَابَةَ عَلَى وَجْهِهِ، وَلَمْ يَأْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى ارْتَبَطَ فِي الْمَسْجِدِ إلَى عَمُودٍ مِنْ أعْمِدَتِهِ، وَقَالَ : لاَ أبْرَحُ حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيَّ مِمَّا صَنَعْتُ، وَعَاهَدَ اللهَ تَعَالَى أنْ لاَ يَطَأَ أرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أبَداً، وَقَالَ : لاَ يَرَانِي اللهُ فِي بَلَدٍ خُنْتُ اللهَ وَرَسُولَهُ فِيْهِ. فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَدْ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَأْتِهِ قَالَ :" أمَا إنَّهُ لَوْ جَاءَنِي لاسْتَغْفرْتُ لَهُ، فَأَمَّا إذا فَعَلَ مَا فَعَلَ، فَمَا أنَا بالَّذِي أُطْلِقُهُ حَتَّى يَتُوبَ اللهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ إنَّ اللهَ تَعَالَى أنْزَلَ تَوْبَتَهُ، فَقَالَ ﷺ :" تُبْتُ عَلَى أبي لُبَابَةَ " فَثَارَ النَّاسُ إلَى أبي لُبَابَةَ لِيُطْلِقُوهُ، فَقَالَ : وَاللهِ لاَ حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ هُوَ الَّذِي يُطْلِقُنِي بيَدِهِ. فَجَاءَ النَّبيُّ ﷺ فَأَطْلَقَهُ. قَالَ : فَلَمَّا أصْبَحَ بَنُو قُرَيْظَةَ نَزَلُواْ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَتَوَاثَبَتِ الأَوْسُ وَقَالُواْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّهُمْ مَوَالِيْنَا - أيْ حُلَفَاؤُنَا - دُونَ الْخَزْرَجِ، وَقَدْ فَعَلْتَ فِي مَوَالِي الْخَزْرَجِ مَا قََدْ عَلِمْتَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَبْلَ بَنِي قُرَيْظَةَ حَاصَرَ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَكَانُواْ حُلَفَاءَ الْخَزْرَجِ، فَنَزَلُواْ عَلَى حُكْمِهِ، فَسَأَلَهُمْ إيَّاهُ عَبْدُاللهِ بْنُ أبى سَلُولٍ فَوَهَبَهُمْ لَهُ. فَلَمَّا كَلَّمَهُ الأَوْسُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ ؛ أمَا تَرْضَوْنَ أنْ أُحَكِّمَ فِيْهِمْ رَجُلاً مِنْكُمْ ؟ " قَالُواْ : بَلَى، قَالَ :" فَذاكَـ " إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ قَدْ جَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي خَيْمَةِ امْرَأةٍ مِنَ أسْلَمَ يُقَالُ لَهَا رُفَيْدَةُ، تُدَاوي الْجَرْحَى وَتَخْدِمُ الْمَرْضَى. فَلَمَّا حَكَّمَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، أتَاهُ قًَوْمٌ فَاحْتَمَلُوهُ عَلَى حِمَار، وَقَدْ وَطَّأُواْ لَهُ وسَادَةً مِنْ أدْمٍ، وَكَانَ رَجُلاً جَسِيْماً. ثُمَّ أقْبَلُواْ بِهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُمْ يَقُولُونَ : يَا أبَا عَمْرٍو! أحْسِنْ فِي مَوَالِيْكَ، فَإنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ إنَّمَا وَلاَّكَ ذلِكَ لِتُحْسِنَ فِيْهِمْ. فَلَمَّا أكْثَرُواْ عَلَيْهِ ؛ قَالَ : لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أنْ لاَ تَأْخُذهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لاَئِمٍ. فَعَرَفُواْ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ مَقْتُولُونَ. فَلَمَّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ قَالَ :" قُومُواْ إلَى سَيِّدِكُمْ، فَأَنْزِلُوهُ " فَقَامُواْ إلَيْهِ، فَقَالَ : يَا أبَا عَمْرٍو ؛ إنَّ رَسُولَ اللهِ قَدْ وَلاَّكَ مَوَالِيكَ لِتَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ سَعْدٌ : عَلَيْكُمْ عَهْدُ اللهِ وَمِيْثَاقُهُ أنَّ الْحُكْمَ فِيْهِمْ مَا حَكَمْتُ ؟ قَالُواْ : نَعَمْ. قَالَ : أحْكُمُ فِيْهِمْ أنْ يُقْتَلَ الرِّجَالُ وَتُقْسَمَ الأَمْوَالُ وَتُسْبَى الذرَاري وَالنِّسَاءُ. فَقَالَ ﷺ :" لَقَدْ حَكَمْتَ فِيْهِمْ يَا سَعْدُ بحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أرْقِعَةٍ ". ثُمَّ اسْتُنْزِلُواْ، فَحَبَسَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي دَار " ابْنَةِ الْحَارثِ

الأحزاب 33:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ؛ قال المفسِّرون :" كان بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ سَأَلْنَهُ شيئاَ من عَرَضِ الدُّنيا وآذينَهُ بزيادةِ النَّفقة، فهَجَرَهُنَّ رسولُ اللهِ ﷺ وآلَى منهنَّ شهراً أنْ لا يقرَبَهن ولَم يخرج إلى أصحابهِ للصَّلوات. فقالتِ الصحابةُ : مَا شَأْنُ رَسُولِ اللهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : إنْ شِئْتُمْ ذَهَبْتُ إلَيْهِ لأُعْلِمَكُمْ مَا شَأْنُهُ ؟ فَذَهَبَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَاسْتَأْذنَ فَأَذِنَ لَهُ. قَالَ عُمَرُ : فَجَعَلْتُ أقُولُ فِي نَفْسِي : أيُّ شَيْءٍ أكَلِّمُ بهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَنْبَسِطُ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَوْ رَأيْتَ فُلاَنَةَ وَهِيَ تَسْأَلُنِي النَّفَقَةَ فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً ؟ فَقَالَ ﷺ :" فَذلِكَ الَّذِي أجْلَسَنِي عَنْكُمْ ". فَأَتَى عُمَرُ حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا : لاَ تَسْأَلِي رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئاً فَمَا كَانَ مِنْ حَاجَتِهِ لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ نِِسَاءَ النَّبيِّ ﷺ يُكَلِّمُهُنَّ، حَتَّى قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : يَغُرُّكَ أنَّكِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ وَإنَّ زَوْجَكِ يُحِبُّكِ لَتَنْتَهِيَنَّ أوْ لَيُنْزِلَنَّ اللهُ فِيْكُنَّ الْقُرْآنِ. فَقَالَتْ أُمُّّ سَلَمَةَ : يَا ابْنَ الْخَطَّاب ؛ أوَمَا بَقِيَ لَكَ إلاَّ أنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَنِسَائِهِ! فَمَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأةُ إلاَّ زَوْجَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ " إلى آخرها. وكان يومئذٍ مع رسولِ الله ﷺ تسعُ نِسوَةٍ ؛ خمسٌ من قُريش : عائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عُمر، وأمُّ حبيبةَ بنت أبي سُفيان، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ، وأمُّ سَلَمَةَ بنت أبي أُميَّة، فهؤلاءِ من قريشٍ. وصفيَّة بنتُ حَييِّ بن أخطب الخيبريَّة، وميمونةُ بنت الحارثِ الهلالية، وزينبُ بنت جحشٍ، وجُوَيْرِيَّةُ بنت الحارثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِساً مَعَ حَفْصَةَ، فَتَشَاجَرَا فِيْمَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَكِ أنْ أجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ رَجُلاً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ، قَالَ : فَأَبُوكِ إذاً، فَأَرْسَلَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ : تَكَلَّمِي، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ تَكَلَّمْ وَلاَ تَقُلْ إلاَّ حَقّاً! فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَهُ فَوَجَّى وَجْهَهَا ثُمَّ رَفَعَ فَوَجَّى وَجْهَهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ :" كُفَّ ". فَقَالَ عُمَرُ : يَا عَدُوَّةِ اللهِ! أوَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ إلاَّ حَقّاً، وَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ لَوْلاَ مَجْلِسُهُ مَا رَفَعْتُ يَدِي حَتَّى تَمُوتِي. فَقَامَ ﷺ فَصَعَدَ إلَى غُرْفَةٍ، فَمَكَثَ فِيْهَا شَهْراً لاَ يَقْرَبُ شَيْئاً مِنْ نِسَائِهِ، يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى فِيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيَةُ، فَنَزَلَ النَّبيُّ ﷺ فَعَرََضَ ذلِكَ عَلَيْهِنَّ كُلُّهُنَّ، فَلَمْ يَخْتَرْنَ إلاَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَكَانَ آخِرُ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهَا حَفْصَةُ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنِّي فِي مَكَانِ الْعَائِذة بكَ مِنَ النَّار، وَاللهِ لاَ أعُودُ لِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ أبَداً، بَلْ أخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَضِيَ عَنْهَا ".

الأحزاب 33:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ؛ قال المفسِّرون :" كان بعضُ أزواجِ النبيِّ ﷺ سَأَلْنَهُ شيئاَ من عَرَضِ الدُّنيا وآذينَهُ بزيادةِ النَّفقة، فهَجَرَهُنَّ رسولُ اللهِ ﷺ وآلَى منهنَّ شهراً أنْ لا يقرَبَهن ولَم يخرج إلى أصحابهِ للصَّلوات. فقالتِ الصحابةُ : مَا شَأْنُ رَسُولِ اللهِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه : إنْ شِئْتُمْ ذَهَبْتُ إلَيْهِ لأُعْلِمَكُمْ مَا شَأْنُهُ ؟ فَذَهَبَ إلى النَّبيِّ ﷺ فَاسْتَأْذنَ فَأَذِنَ لَهُ. قَالَ عُمَرُ : فَجَعَلْتُ أقُولُ فِي نَفْسِي : أيُّ شَيْءٍ أكَلِّمُ بهِ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَنْبَسِطُ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ لَوْ رَأيْتَ فُلاَنَةَ وَهِيَ تَسْأَلُنِي النَّفَقَةَ فَصَكَكْتُهَا صَكَّةً ؟ فَقَالَ ﷺ :" فَذلِكَ الَّذِي أجْلَسَنِي عَنْكُمْ ". فَأَتَى عُمَرُ حَفْصَةَ فَقَالَ لَهَا : لاَ تَسْأَلِي رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئاً فَمَا كَانَ مِنْ حَاجَتِهِ لَكَ فَأَوْلَى. ثُمَّ جَعَلَ يَتَتَبَّعُ نِِسَاءَ النَّبيِّ ﷺ يُكَلِّمُهُنَّ، حَتَّى قَالَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا : يَغُرُّكَ أنَّكِ امْرَأةٌ حَسْنَاءُ وَإنَّ زَوْجَكِ يُحِبُّكِ لَتَنْتَهِيَنَّ أوْ لَيُنْزِلَنَّ اللهُ فِيْكُنَّ الْقُرْآنِ. فَقَالَتْ أُمُّّ سَلَمَةَ : يَا ابْنَ الْخَطَّاب ؛ أوَمَا بَقِيَ لَكَ إلاَّ أنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَنِسَائِهِ! فَمَنْ تَسْأَلَ الْمَرْأةُ إلاَّ زَوْجَهَا ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ﴾ " إلى آخرها. وكان يومئذٍ مع رسولِ الله ﷺ تسعُ نِسوَةٍ ؛ خمسٌ من قُريش : عائشةُ بنت أبي بكر، وحفصةُ بنت عُمر، وأمُّ حبيبةَ بنت أبي سُفيان، وسَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ، وأمُّ سَلَمَةَ بنت أبي أُميَّة، فهؤلاءِ من قريشٍ. وصفيَّة بنتُ حَييِّ بن أخطب الخيبريَّة، وميمونةُ بنت الحارثِ الهلالية، وزينبُ بنت جحشٍ، وجُوَيْرِيَّةُ بنت الحارثِ الْمُصْطَلِقِيَّةُ. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قالَ :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِساً مَعَ حَفْصَةَ، فَتَشَاجَرَا فِيْمَا بَيْنَهُمَا، فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَكِ أنْ أجْعَلَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ رَجُلاً ؟ قَالَتْ : نَعَمْ، قَالَ : فَأَبُوكِ إذاً، فَأَرْسَلَ إلَى عُمَرَ رضي الله عنه، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا قَالَ : تَكَلَّمِي، قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ تَكَلَّمْ وَلاَ تَقُلْ إلاَّ حَقّاً! فَرَفَعَ عُمَرُ يَدَهُ فَوَجَّى وَجْهَهَا ثُمَّ رَفَعَ فَوَجَّى وَجْهَهَا، فَقَالَ النَّبيُّ ﷺ :" كُفَّ ". فَقَالَ عُمَرُ : يَا عَدُوَّةِ اللهِ! أوَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ إلاَّ حَقّاً، وَالَّذِي بَعَثَهُ بالْحَقِّ لَوْلاَ مَجْلِسُهُ مَا رَفَعْتُ يَدِي حَتَّى تَمُوتِي. فَقَامَ ﷺ فَصَعَدَ إلَى غُرْفَةٍ، فَمَكَثَ فِيْهَا شَهْراً لاَ يَقْرَبُ شَيْئاً مِنْ نِسَائِهِ، يَتَغَدَّى وَيَتَعَشَّى فِيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآيَةُ، فَنَزَلَ النَّبيُّ ﷺ فَعَرََضَ ذلِكَ عَلَيْهِنَّ كُلُّهُنَّ، فَلَمْ يَخْتَرْنَ إلاَّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَكَانَ آخِرُ مَنْ عَرَضَ عَلَيْهَا حَفْصَةُ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنِّي فِي مَكَانِ الْعَائِذة بكَ مِنَ النَّار، وَاللهِ لاَ أعُودُ لِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ أبَداً، بَلْ أخْتَارُ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَضِيَ عَنْهَا ".

الأحزاب 33:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يانِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(يَعْنِي النُّشُوزَ وَسُوءَ الْخُلُقِ) ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ؛ أي يُجعَلُ عذابُ جُرمِها في الآخرةِ كعذاب جُرمَيْنِ. والمعنى : يزيدُ في عذابها ضِعْفاً، كما زيدَ في ثوابها ضِعفاً في قولهِ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾[الأحزاب: ٣١]. وإنَّما ضُوعِفَ عذابُهن على الفاحشة لأنَّهن يُشَاهِدْنَ من الزَّواجرِ ما يَرْدَعُ عن مواقعةِ الذُّنوب ما لا يشاهدُ غيرُهن، فإذا لَم يَمتَنِعْنَ اسْتَحْقَقْنَ تَضعيفَ العذاب. وقَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً﴾ ؛ أي وكان عذابُها على الله هيِّناً. وقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، قرأ ابنُ كثيرٍ وابن عامر (نُضَعِّفُ) بالنون وكسرِ العين مشدَّدة من غير ألِف (العذابَ) بالنصب، وقرأ أبو عمرٍو (يُضَعَّفُ) بالياءِ وفتحِ العين والتشديد، ورفعِ (الْعَذابُ)، قال أبو عمرٍو :(وَإنَّمَا قَرَأتُ هَكَذا مُشَدَّداً مِنْ غَيْرِ ألِفٍ لِقَوْلِهِ (ضَعْفَيْنِ)، يُقَالُ : ضَعَّفْتُ الشَّيْءَ إذا جَعَلْتُهُ مِثْلَهُ وَضَاعَفْتُهُ إذا جَعَلْتُهُ أمْثَالَهُ). وقرأ الباقونَ (يُضَاعَفُ) بالألفِ ورفع (الْعَذابُ).

الأحزاب 33:31

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي ومَن يُطِعْ منكن للهِ ورسولِهِ. وَقِيْلَ : ومَن تُقِمْ منكنَّ على طاعةِ الله وطاعة رسولهِ، ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحاً﴾ ؛ فيما بينَها وبين ربها، ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ ؛ أي نُعطِيها مكانَ كلِّ حَسَنَةٍ عشرين حَسَنَةً، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً﴾ ؛ أي حَسَناً ؛ يعني الجنَّة. والرِّزقُ الكريمُ : ما سَلِمَ من كلِّ آفةٍ، ولا يكونُ ذلك إلاَّ في الجنَّة. قرأ يعقوب (تَقْنُتْ) بالتاءِ ومثلهُ رُوي عن ابنِ عامر، وقوله (وَتَعْمَلْ صَالِحاً)، قرأ الأعمشُ وحمزة والكسائي وخلَف (وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُؤْتِهَا) بالياءِ فيهما. وقرأ غيرُهم (وَتَعْمَلْ) بالتاءِ (وَنُؤْتِهَا) بالنُّون. قال الفرَّاء :(وَإنَّمَا قُرِئ (يَقْنُتْ) بالياءِ لأن (مَنْ) أدَاةٌ تَقُومُ مَقَامَ الاسْمِ، يُعَبَّرُ بهِ عَنِ الْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمُذكَّرِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾[يونس: ٤٣]﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾[يونس: ٤٢]، ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ﴾ ).

الأحزاب 33:32

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يانِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ؛ معناهُ : ليس قَدْرُكُنَّ عندي مثل قَدْر غيرِكن من النِّساء الصالحات، أنْتُنَّ أكرمُ عَلَيَّ، وأنا بكُنَّ أرحمُ وثوابُكن أعظمُ، ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ؛ اللهِ. وشَرَطَ عليهنَّ التقوَى بياناً أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تكون بالتَّقوى لا باتِّصالِهن بالنبيَِّ صلى الله عليه وسلم. وَقِيْلَ : معناهُ. ليست حالَتُكن كحالةِ النِّساء غيركن في الطاعةِ والمعصية والثواب والعقاب إنْ كنتن مُتَّقِيَاتٍ عن المعاصي مُطيعاتٍ لله تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ؛ أي فلا تُلِنَّ القولَ للرِّجال على وجهٍ يُورثُ ذلك الطمعَ فيكن، فيطمعُ المنافقون في مواقعتِكُن، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ؛ يعني زنًى وفجُورٌ ونفاقٌ. والمرأةُ مَنْدُوبَةٌ إذا خاطبَتِ الأجانبَ إلى الْغِلْظَةِ في المقالةِ ؛ لأن ذلك أبعدُ مِن الطَّمعِ من الزِّينة. وإنَّما قال ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ولَم يقل كواحدةٍ ؛ لأن أحَداً عامٌّ يصلحُ للواحدِ والاثنين والجمع والمذكَّر والمؤنث، قال تعالى :﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[البقرة: ٢٨٥] وقال تعالى﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾[الحاقة: ٤٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ؛ أي قُلْنَ قَولاً حَسَناً لا يؤدِّي إلى الزينةِ، وَقِيْلَ : معناهُ : وقُلْنَ ما يوجبهُ الدِّين والإسلامُ بغيرِ خضوعٍ فيه، بل بتصريحٍ وبيان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ؛ أي إلْزَمْنَ بيوتَكُن ولا تخرُجْن إلاّ في ضَرورةٍ. قرأ نافعُ وعاصم (وَقَرْنَ) بفتح القافِ، وهو مِن قَرَرْتَ في المكانِ أقَرَّ، وكان الأصلُ اقْرِرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، فحُذفت الرَّاء الأُولى التي هي عينُ الفعلِ لأجل نَقْلِ التَّضعيفِ، وأُلقِيَتْ حركتُها إلى القافِ كقوله﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾[الواقعة: ٦٥] و﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾[طه: ٩٧]، والأصلُ ظَلَلْتَ وظَلَلْتُمْ. وقرأ الباقون (وَقِرْنَ) بكسرِ القاف مِن الوَقَار ؛ أي كنَّ أهلَ سَكينةٍ ووَقارٍ، والأمرُ منه للرَّجُلِ قِرَّ، وللمرأة قِرِّي، والجماعة النساء قِرْنَ، كما يقالُ من الوعدِ : عِدْنَ، ومن الوَصْلِ : صِلْنَ. وعن محمَّد بنِ سِيرين قال :(قِيْلَ لِسَوْدَةِ بنْتِ زَمْعَةَ : ألاَ تَحُجِّيْنَ ؛ ألاَ تَعْتَمِرِيْنَ كَمَا يَفْعَلُ أخَوَاتُكِ ؟ فَقَالَتْ : قَدْ حَجَجْتُ وَاعْتَمَرْتُ، ثُمَّ أمَرَنِي اللهُ أنْ أقِرَّ فِي بَيْتِي، فَوَاللهِ لاَ أخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى أمُوتُ. فَوَاللهِ مَا أُخْرِجَتْ مِنْ بَاب بَيْتِهَا حَتَّى أخْرَجُواْ جَنَازَتَهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ؛ التَّبَرُّجُ : التَّبَخْتُرُ وَإظْهَارُ الزِّيْنَةِ، وما يستدعِي به من شَهوَةِ الرِّجال وإبراز الْمَحاسِنِ للناسِ. والجاهليةُ الأُولَى : هي ما بينَ عِيسَى عليه السلام ومُحَمَّدٍ ﷺ، كانتِ المرأةُ من أهلِ ذلك الزمان تَتَّخِذُّ الدِّرْعَ من اللُّؤلُؤِ فتلبسهُ ثُم تَمشِي وسطَ الطريقِ ليس عليها غيرهُ، وتعرِضُ نفسَها للرِّجالِ. وقال بعضُهم : الجاهليةُ الأُولَى ما بين آدمَ ونوحٍ، كان نساؤُهم أقبحَ ما يكون من النِّساءِ، ورجالُهم حِسَانٌ، وكانت المرأةُ تُرَاودُ الرجُلَ عن نفسهِ. فنهَى اللهُ تعالى هؤلاءِ عن فِعْلِ أهلِ الجاهليَّة وأمَرَهُنَّ بإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاة وطاعةِ الله ورسولهِ في باقِي الآيةِ.

الأحزاب 33:33

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يانِسَآءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ؛ معناهُ : ليس قَدْرُكُنَّ عندي مثل قَدْر غيرِكن من النِّساء الصالحات، أنْتُنَّ أكرمُ عَلَيَّ، وأنا بكُنَّ أرحمُ وثوابُكن أعظمُ، ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ ؛ اللهِ. وشَرَطَ عليهنَّ التقوَى بياناً أنَّ فَضِيلَتَهُنَّ إنَّما تكون بالتَّقوى لا باتِّصالِهن بالنبيَِّ صلى الله عليه وسلم. وَقِيْلَ : معناهُ. ليست حالَتُكن كحالةِ النِّساء غيركن في الطاعةِ والمعصية والثواب والعقاب إنْ كنتن مُتَّقِيَاتٍ عن المعاصي مُطيعاتٍ لله تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ ؛ أي فلا تُلِنَّ القولَ للرِّجال على وجهٍ يُورثُ ذلك الطمعَ فيكن، فيطمعُ المنافقون في مواقعتِكُن، فَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ ؛ يعني زنًى وفجُورٌ ونفاقٌ. والمرأةُ مَنْدُوبَةٌ إذا خاطبَتِ الأجانبَ إلى الْغِلْظَةِ في المقالةِ ؛ لأن ذلك أبعدُ مِن الطَّمعِ من الزِّينة. وإنَّما قال ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَآءِ﴾ ولَم يقل كواحدةٍ ؛ لأن أحَداً عامٌّ يصلحُ للواحدِ والاثنين والجمع والمذكَّر والمؤنث، قال تعالى :﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾[البقرة: ٢٨٥] وقال تعالى﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾[الحاقة: ٤٧]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ ؛ أي قُلْنَ قَولاً حَسَناً لا يؤدِّي إلى الزينةِ، وَقِيْلَ : معناهُ : وقُلْنَ ما يوجبهُ الدِّين والإسلامُ بغيرِ خضوعٍ فيه، بل بتصريحٍ وبيان. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ ؛ أي إلْزَمْنَ بيوتَكُن ولا تخرُجْن إلاّ في ضَرورةٍ. قرأ نافعُ وعاصم (وَقَرْنَ) بفتح القافِ، وهو مِن قَرَرْتَ في المكانِ أقَرَّ، وكان الأصلُ اقْرِرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ، فحُذفت الرَّاء الأُولى التي هي عينُ الفعلِ لأجل نَقْلِ التَّضعيفِ، وأُلقِيَتْ حركتُها إلى القافِ كقوله﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾[الواقعة: ٦٥] و﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً﴾[طه: ٩٧]، والأصلُ ظَلَلْتَ وظَلَلْتُمْ. وقرأ الباقون (وَقِرْنَ) بكسرِ القاف مِن الوَقَار ؛ أي كنَّ أهلَ سَكينةٍ ووَقارٍ، والأمرُ منه للرَّجُلِ قِرَّ، وللمرأة قِرِّي، والجماعة النساء قِرْنَ، كما يقالُ من الوعدِ : عِدْنَ، ومن الوَصْلِ : صِلْنَ. وعن محمَّد بنِ سِيرين قال :(قِيْلَ لِسَوْدَةِ بنْتِ زَمْعَةَ : ألاَ تَحُجِّيْنَ ؛ ألاَ تَعْتَمِرِيْنَ كَمَا يَفْعَلُ أخَوَاتُكِ ؟ فَقَالَتْ : قَدْ حَجَجْتُ وَاعْتَمَرْتُ، ثُمَّ أمَرَنِي اللهُ أنْ أقِرَّ فِي بَيْتِي، فَوَاللهِ لاَ أخْرُجُ مِنْهُ حَتَّى أمُوتُ. فَوَاللهِ مَا أُخْرِجَتْ مِنْ بَاب بَيْتِهَا حَتَّى أخْرَجُواْ جَنَازَتَهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ؛ التَّبَرُّجُ : التَّبَخْتُرُ وَإظْهَارُ الزِّيْنَةِ، وما يستدعِي به من شَهوَةِ الرِّجال وإبراز الْمَحاسِنِ للناسِ. والجاهليةُ الأُولَى : هي ما بينَ عِيسَى عليه السلام ومُحَمَّدٍ ﷺ، كانتِ المرأةُ من أهلِ ذلك الزمان تَتَّخِذُّ الدِّرْعَ من اللُّؤلُؤِ فتلبسهُ ثُم تَمشِي وسطَ الطريقِ ليس عليها غيرهُ، وتعرِضُ نفسَها للرِّجالِ. وقال بعضُهم : الجاهليةُ الأُولَى ما بين آدمَ ونوحٍ، كان نساؤُهم أقبحَ ما يكون من النِّساءِ، ورجالُهم حِسَانٌ، وكانت المرأةُ تُرَاودُ الرجُلَ عن نفسهِ. فنهَى اللهُ تعالى هؤلاءِ عن فِعْلِ أهلِ الجاهليَّة وأمَرَهُنَّ بإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاة وطاعةِ الله ورسولهِ في باقِي الآيةِ.

الأحزاب 33:34

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاذْكُـرْنَ مَا يُتْـلَى فِي بُيُوتِكُـنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْـمَةِ﴾ ؛ أي وَاحْفظْنَ ما يُقْرَأُ عليكُن في بُيوتِكن منَ القُرْآنِ والمواعظِ. وهذا حَثٌّ لَهن على حِفْظِ القُرْآنِ والأخبار ومذاكرتَهن بهما للإحاطةِ بحدودِ الشَّريعةِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ ؛ أي لَطِيفاً بأوليائهِ، خَبيراً بجميعِ خَلْقِهِ وبجميعِ مصالِحهم.

الأحزاب 33:35

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ؛ الآيةُ، قال قتادةُ :(لَمَّا ذكَرَ اللهُ أزْوَاجَ النَّبيِّ ﷺ دَخَلَ نِسَاءٌ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ عَلَيْهِنَّ ؛ فَقُلْنَ : ذُكْرِتُنَّ وَلَمْ نُذْكَرْ! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). وقال مقاتلُ :" لَمَّا رَجَعَتْ أسْمَاءُ بنْتُ عُمَيْسٍ مِنَ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا جَعْفَرِ بْنِ أبي طَالِبٍ، دَخَلَتْ عَلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؛ فَقَالَتْ : هَلْ نَزَلَ فِيْنَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ ؟ قُلْنَ : لاَ. فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ النِّسَاءَ لَفِي خَيْبَةٍ وَخَسَارَةٍ! قَالَ :" وَمِمَّ ذلِكَ ؟ " قَالَتْ : لأَنَّهُنَّ لاَ يُذْكَرْنَ بخَيْرٍ كَمَا يُذْكَرُ الرِّجَالُ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيةِ ". وقال مقاتلُ :(قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بنْتُ أبي أُمَيَّةَ وَنُسَيْبَةُ بنْتُ كَعْبٍ الأَنْصَاريَّةُ لِلنَّبيِّ ﷺ : مَا بَالُ ربنَا يَذْكُرُ الرِّجَالَ وَلاَ يَذْكُرُ النِّسَاءَ فِي شَيْءٍ مِنْ كِتَابهِ، فَعَسَى أنْ لاَ يَكُونَ فِيْهِنَّ خَيْرٌ، وَلاَ للهِ فِيْهِنَّ حَاجَةٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ). وَقِيْلَ : إنَّ أزواجَ النبيِّ ﷺ قُلْنَ :(يَا رَسُولَ اللهِ! ذكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الرِّجَالَ فِي الْقُرْآنِ، وَلَمْ يَذْكُرِ النِّسَاءَ بخَيْرٍ، فَمَا فِيْنَا خَيْرٌ نُذْكَرُ بهِ، إنَّا نَخَافُ أنْ لاَ يَتَقَبَّلَ مِنَّا طَاعَةً). فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ. وَاعْلَمْ : أنَّ الرجالَ والنساء يُجَازَوْنَ بأعمالِهم الصالحة مغفرةً لذِنوبهم وأجْراً عظيماً. ومعنى الآيةِ :﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ يعني الْمُخْلِصِيْنَ بالتَّوحيدِ والمخلِصاتِ ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي المصدِّقِين بالتوحيدِ والْمُصَدِّقَاتِ. والإسلامُ في اللغةِ : هو الانْقِيَادُ وَالاسْتِسْلاَمُ. والإيْمَانُ في اللغة : هو التَّصْدِيْقُ، غيرَ أنَّ معنى الإسلامِ والإيمان في هذه الآية واحدٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ ؛ أي الْمُطِيعِينَ للهَ في أوامرهِ ونواهيه والْمُطِيْعَاتِ. والقَانِتُ : هو الْمُوَاظِبُ على الطاعةِ، والقُنُوتُ : طُولُ القيامِ في الصَّلواتِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ ؛ يعني الصَّادِقينَ في إيْمانِهم والصَّادِقاتِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ ؛ الصَّابرُ : هو الذي يَحْبسُ نفسَهُ عن جميعِ ما يجبُ الصَّبرُ عنهُ، ويصبرُ على جميعِ ما يجبُ الصبر عليهِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ ؛ يعني بالْمُتَصَدِّقِيْنَ الذين يُؤدُّونَ ما عليهم مِن الصَّدقة المفروضةِ. ويقالُ : أرادَ به جميعَ الصَّدقاتِ. وأما الخاشِعُ : فهو الْمُتَوَاضِعُ للهِ تعالى وللناسِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿والصَّائِمِينَ والصَّائِمَاتِ﴾ ؛ يعني الصَّائمين صومَ الفرضِ بنيَِّةٍ صادقةٍ، ولكن فِطْرُهُمْ على حَلالٍ. قال ابنُ عبَّاس :(مَنْ صَامَ شَهْرََ رَمَضَانَ وَثَلاَثَةَ أيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ الْغُرِّ الْبيْضِ، كَانَ مِنْ أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، وَيُؤْتُوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بمَائِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ، يَأْكُلُونَ مِنْهَا وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ، وَيُظِلُّهُمُ اللهُ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ وَالنَّاسُ فِي شِدَّةٍ، وَيَنْفَحُ مِنْ أفْوَاهِهِمْ ريْحُ الْمِسْكِ). وقوله تعالى :﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِـظَاتِ﴾ ؛ أي عمَّا لا يحلُّ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالذَّاكِـرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ﴾ ؛ قِيْلَ : أرادَ به الذِّكْرَ في الصَّلواتِ الخمسِ. وَقِيْلَ : أرادَ به الذِّكْرَ باللِّسانِ والقلب في جميعِ الأحوال. قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيْدُ فِي أدْبَار الصَّلَوَاتِ غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَفِي الْمَضَاجِعِ، وَكُلَّمَا اسْتَيْقَظَ مِنْ نَوْمِهِ، وَكُلَّمَا غَدَا وَرَاحَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذكَرَ اللهَ). وقال مجاهدُ :(لاَ يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذاكِرِيْنَ كَثِيْراً حَتَّى يَذْكُرَ اللهَ قَائِماً وَقَاعِداً وَمُضْطَجِعاً). وعن أبي هريرةَ ؛ قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأيْقَظَ امْرَأتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، كُتِبَا مِنَ الذاكِرِيْنَ اللهَ كَثِيْراً وَالذاكِرَاتِ " وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ ؛ وهو الجنَّةُ.

الأحزاب 33:36

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ؛ نزلَتْ هذه الآيةُ في عبدِالله بن جَحْشٍ وأُختهِ زينبُ، وكانت أُمُّهُما أُمَيْمَةُ بنتُ عبدِ المطَّلب عمَّةُ النبيِّ ﷺ، " خَطَبَ النَّبيُّ ﷺ زَيْنَبَ بنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ ابْنِ حَارثَةَ مَوْلاَهُ، فَكَرِهَ أخُوهَا عَبْدُاللهِ أنْ يُزَوِّجَهَا مِنْ زَيْدٍ، وَكَانَ زَيْدٌ عَرَبِيّاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْلاَهُ فِي الإسْلاَمِ، كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أصَابَهُ مِنْ سَبْيِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعْتَقَهُ وَتَبَنَّاهُ. فَقَالَتْ زَيْنَبُ : لاَ أرْضَاهُ لِنَفْسِي، ثُمَّ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ! أنَا أتَمُّ نِسَاءِ قُرَيْشٍ مِنَ ابْنَةِ عَمِّكَ، فَلَمْ أكُنْ لأَفْعَلَ وَلاَ أرْضَاهُ يَا رَسُولََ اللهِ، وَقَالَ أخُوهَا عَبْدُاللهِ كَذلِكَ أيْضاً، وَكَانَتْ زَيْنَبُ بَيْضَاءَ جَمِيْلَةً، وَكَانَ فِيْهَا حِدَّةٌ، فَقَالَ ﷺ :" لَقَدْ رَضِيْتُهُ لَكِ " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ أي مَا ينبغِي لِمؤمِنٍ ﴿وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ يعني عبدَاللهِ بن جَحش وأُختَهُ زينبُ إذا اختارَ اللهُ تعالى ورسولهُ أمْراً ﴿أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ بخلافِ ما اختارَ اللهُ ورسولهُ. قرأ أهلُ الكوفةِ (أنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) بالياءِ للحائلِ بين التأنيثِ والفعل، وقرأ الباقونَ بالتاء. وقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿الْخِيَرَةُ﴾ قراءَةُ العامَّة بفتحِ الياءِ ؛ أي الاختيارُ، وقرأ ابنُ السَّمَيْقِعِ (الْخِيْرَةُ) بسُكون الياءِ، وهُما لُغتانِ. وإنَّما جُمِعَ الضميرُ في قولهِ ﴿لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ لأن المرادَ بقولهِ ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ﴾ كلَّ مؤمنٍ ومؤمنة في الدُّنيا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ أي فيما أمَرَتهُ، ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً﴾ ؛ أي فقد أخطأَ خطأً، وذهبَ عن الحقِّ والصواب ذهاباً بَيِّناً. فلما نزلت الآية قَالَتْ : قَدْ رَضِيْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. وَكَذلِكَ رَضِيَ أخُوهَا، فَجَعَلَتْ أمْرَهَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ زَيْدٍ وَسَاقَ إلَيْهِمَا عليه السلام عَشْرَةَ مَثَاقِيْلَ وَسِتِّيْنَ دِرْهَماً ؛ وَخِمَاراً وَمِلْحَفَةً وَدِرْعاً وَإزَاراً ؛ وَخَمْسِيْنَ مُدّاً مِنْ طَعَامٍ وَثَلاَثِيْنَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ.

الأحزاب 33:37

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ ؛ أي واذْكُرْ يا مُحَمَّدُ قولَكَ ﴿لِلَّذِي أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بالإسلامِ وغيرهِ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ؛ بالإعْتَاقِ ؛ وهو زيدُ ابنُ حارثةَ ؛ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأتِهِ زَيْنَبُ تَشَاجُرٌ، فَجَاءَ زَيْدٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ يَشْكُوهَا بَما كَانَتْ تَسْتَطِيْلُ عَلَيْهِ بشَرَفِهَا. فَقَالَ ﷺ لِزَيْدٍ عَلَى سَبيْلِ الأَمْرِ بالْمَعْرُوفِ :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ ؛ امْرَأتَكَ ولا تُطلِّقْهَا، ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ ؛ فيها ولا تَفْعَلْ في أمرِها ما تَأْثَمُ بهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ ؛ خطابٌ للنبيِّ ﷺ، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ أضْمَرَ فِي نَفْسِهِ أنَّهُ إنْ طَلَّقَهَا زَيْدٌ، تَزَوَّجَهَا هُوَ وَضَمَّهَا إلَى نَفْسِهِ صِلَةً لِرَحِمِهَا وَشَفَقَةً عَلَيْهَا، فعاتبَهُ اللهُ على ذلكَ وإخفائه ؛ لكي لا يكون ظاهرُ الأنبياء عليهم السلام إلاّ كباطنهم. وكان النبيُّ ﷺ يعلمُ أنَّهما لا يتِّفِقانِ لكثرةِ ما كان يجرِي بينَهما من الخصومةِ، فجعل يُخْفِيْهِ عن زيدٍ، وكان الأَولَى بالنبيِّ ﷺ أن يدعُوهُما إلى الْخُلْعِ فلم يفعَلْ، وقالَ لهُ :(أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ) خشيةَ أنه لو خَالَعَها ثُم تزوَّجَها النبيُّ عليه السلام أن يطعنَ الناسُ عليهِ فيُقالُ : تزوَّجَ بحليلةِ ابنهِ بعد ما بيَّنَ للناسِ أنَّ حليلةَ الابنِ حرامٌ على الأب، فهذا معنى قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ ؛ أي تخافُ لاَئِمَتَهُمْ أنْ يقولُوا : أمَرَ رَجُلاً بطَلاَقِ امْرَأتِهِ ثُمَّ نَكَحَهَا. قال ابنُ عبَّاس في هذه الآيةِ :(أرَادَ بالنَّاسِ الْيَهُودَ، خَشِيَ أنْ يَقُولَ الْيَهُودُ : تَزَوَّجَ مُحَمَّدٌ امْرَأةَ ابْنِهِ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ ؛ أي هو أوْلَى بأنْ تخشاهُ في كلِّ الأحوالِ. وعن عليِّ بن الحسنِ : أنْ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقَالَ :(كَانَ اللهُ تَعَالَى قَدْ أعْلَمَ نَبيَّهُ عليه السلام أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أزْوَاجِهِ، وَأنَّ زَيْداً سَيُطَلِّقُهَا، فعلى هذا يكون النبي عليه السلام مُعَاتَباً عَلَى قَوْلِهِ :﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مَعَ عِلْمِهِ بأَنَّهَا سَتَكُونُ زَوْجَتَهُ، وَكِتْمَانِهِ مَا أخْبَرَهُ اللهُ بهِ، وَإنَّمَا كَتَمَ النَّبيُّ ﷺ لأَنَّهُ اسْتَحْيَا أنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ : إنَّ زَوْجَتَكَ سَتَكُونُ امْرَأتِي). وَقِيْلَ :" إنَّ زَيْدَ بْنَ حَارثَةَ لَمَّا أرَادَ فِرَاقَهَا، جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنِّي أُريْدُ أنْ أُفَارقَ صَاحِبَتِي، فَقَالَ :" مَا لَكَ ؟ أرَابَكَ مِنْهَا شَيْءٌ ؟ " قَالَ : لاَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأيْتُ مِنْهَا إلاَّ خَيْراً، وَلَكِنَّهَا تَتَعَظَّمُ عَلَيَّ لِشَرَفِهَا وَتُؤْذِيْنِي بلِسَانِهَا، فَقَالَ ﷺ :" أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللهَ ". ثُمَّ إنَّ زَيْداً طَلَّقَهَا، فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا قَالَ ﷺ لِزَيْدٍ :" مَا أجِدُ فِي نَفْسِي أحَداً أوْثَقَ مِنْكَ، إذْهَبْ إلَى زَيْنَبَ فَاخْطُبْهَا لِي " قَالَ زَيْدٌ : فَذهَبْتُ فَإذا هِيَ تُخَمِّرُ عَجِيْنَهَا، فَلَمَّا رَأيْتُهَا عَظُمَتْ فِي صَدْري، حَتَّى لَمْ أسْتَطِعْ أنْ أنْظُرَ إلَيْهَا حِيْنَ عَلِمْتُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذكَرَهَا، فَوَلَّيْتُهَا ظَهْرِي وَقُلْتُ : يَا زَيْنَبُ أبْشِرِي ؛ إنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطِبُكِ ؛ فَفَرِحَتْ بذلِكَ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَدَخَلَ بهَا، وَمَا أوْلَمَ عَلَى امْرَأةٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أوْلَمَ عَلَيْهَا، أطْعَمَ النَّاسَ الْخُبْزَ واللَّحْمَ حَتَّى امْتَدَّ النَّهَارُ ".

الأحزاب 33:38

قَوْلُُهُ تَعَالَى :﴿مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ﴾ أي مَا كان عليه من ضِيْقٍ وإثْمٍ فيما شَرَّعَهُ اللهُ تعالى وأحَلَّهُ له كسُنَّةِ اللهِ، ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾، أي سائرِ الأنبياء الماضِين في التَّوسِعَةِ عليهم في النِّكاحِ، فقَوْلُهُ :﴿سُنَّةَ اللَّهِ﴾ منصوبٌ بنَزعِ الخافضِ، وقَوْلُهُ تعالى :﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً﴾ ؛ أي قضاءً مَقْضِيّاً، أخبرَ اللهُ تعالى أن أمرَ زينبَ كان من حُكمِ الله وقَدَرهِ.

الأحزاب 33:39

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾ ؛ موضعُ (الَّذِيْنَ) الخفضُ ؛ لأنه نعتُ الأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ الذينَ خَلَوا من قَبلُ، كانوا يبَلِّغُون الرسالةَ، ﴿وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ﴾ ؛ ويخشَون اللهَ ولا يخشونَ أحداً سواهُ، أي لا يخشون مقالةَ الناسِ، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ ؛ أي مُجَازياً لِمن يخشاهُ، وَقِيْلَ : حَفِيظاً لأعمالِ العباد، مُجازياً لَهم.

الأحزاب 33:40

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَ زَيْنَبَ، قَالَ النَّاسُ : إنَّ مُحَمَّداً تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ! فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾، يعني أنَّهُ ليس بأَبي زَيْدٍ حتى تحرُمَ عليه زوجتهُ، ﴿وَلَـاكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ؛ فعظَّموهُ وأقِرُّوا بهِ. قرأ الحسنُ وعاصم (وَخَاتَمَ النَّبيِّيْنَ) بفتحِ التاء ؛ أي آخِرَ النَّبيِّينَ، وقرأ الباقونَ بكسرِ التَّاء على الفاعلِ ؛ أي إنه خَتَمَ النَّبيينَ بالنبوَّةِ، ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ ؛ أي لَم يَزَلْ عالِماً بكلِّ شيء من أقوالِكم وأفعالِكم.

الأحزاب 33:41

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ؛ اختلَفُوا في المرادِ بالذِّكرِ الكثيرِ في هذه الآية. قال الكلبيُّ :(الْمُرَادُ بهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ أذْكَاراً كَثِيْرَةً، وَأرَادَ بالتَّسْبيْحِ التَّنْزِيْهَ فِي الصَّلاَةِ). وقال مجاهدُ :(هُوَ أنْ لاَ يَنْسَاهُ أبَداً). وقال مقاتلُ :(هُوَ التَّسْبيْحُ وَالتَّحْمِيْدُ وَالتَّهْلِيْلُ وَالتَّكْبيْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ أنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ. وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ يَتَكَلَّمُ بهِنَّ صَاحِبُ الْجَنَابَةِ وَالْغَائِطِ وَالْحَدَثِ). قَالَ ﷺ :" يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بي شِفَاهُهُ ". قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ، قال الكلبيُّ :(أمَّا بُكْرَةً فَصَلاَةُ الْفَجْرِ، وَأمَّا أصِيْلاً فَصََلاَةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وقال بعضُهم : أرادَ بذلك صلاةَ الصُّبح وصلاةَ العصرِ على قولِ قتادةَ، وصلاةَ المغرب على قولِ غيرهِ. وخَصَّ طَرَفَي النهار بالذِّكر ؛ لأنه يجتمعُ عندَهُما ملائكةُ اللَّيل والنهار، فيقولون : أتينَاهم وهم يُصَلُّونَ، وتركنَاهُمْ وهم يُصَلُّونَ. وَقِيْلَ : خُصَّ التسبيحُ بطرَفَي النهار ؛ لأن صحيفةَ العبدِ إذا كان في أوَّلِها وآخِرِها ذكرٌ وتسبيحٌ يرجَى أن يُغْفَرَ له ما بين طَرَفَي الصحيفةِ. وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" مَا جَلَسَ قَوْمٌ قَطُّّ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى، إلاَّ نَادَى مُنَادِي السَّمَاءِ : أنْ قُومُوا فَقَدْ غُفِرَتْ لَكُمْ ذُنُوبُكُمْ، وَبُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ " وَقِيْلَ : معنَى قولهِ ﴿اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي باللَّيلِ والنهار، وفي البَرِّ والبحرِ، والسَّفر والحضرِ، والغِنَى والفقرِ، والصِّحة والسَّقمِ، والسِّر والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ. وقال مجاهدُ :(الْكَثِيْرُ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَنَاهَى أبَداً).

الأحزاب 33:42

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ؛ اختلَفُوا في المرادِ بالذِّكرِ الكثيرِ في هذه الآية. قال الكلبيُّ :(الْمُرَادُ بهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَهِيَ تَتَضَمَّنُ أذْكَاراً كَثِيْرَةً، وَأرَادَ بالتَّسْبيْحِ التَّنْزِيْهَ فِي الصَّلاَةِ). وقال مجاهدُ :(هُوَ أنْ لاَ يَنْسَاهُ أبَداً). وقال مقاتلُ :(هُوَ التَّسْبيْحُ وَالتَّحْمِيْدُ وَالتَّهْلِيْلُ وَالتَّكْبيْرُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ أنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ اللهِ ؛ وَالْحَمْدُ للهِ ؛ وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ ؛ وَاللهُ أكْبَرُ. وَهَذِهِ الْكَلِمَاتُ يَتَكَلَّمُ بهِنَّ صَاحِبُ الْجَنَابَةِ وَالْغَائِطِ وَالْحَدَثِ). قَالَ ﷺ :" يَقُولُ اللهُ تَعَالَى : أنَا مَعَ عَبْدِي مَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بي شِفَاهُهُ ". قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ بالغَدَاةِ والعَشِيِّ، قال الكلبيُّ :(أمَّا بُكْرَةً فَصَلاَةُ الْفَجْرِ، وَأمَّا أصِيْلاً فَصََلاَةُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ). وقال بعضُهم : أرادَ بذلك صلاةَ الصُّبح وصلاةَ العصرِ على قولِ قتادةَ، وصلاةَ المغرب على قولِ غيرهِ. وخَصَّ طَرَفَي النهار بالذِّكر ؛ لأنه يجتمعُ عندَهُما ملائكةُ اللَّيل والنهار، فيقولون : أتينَاهم وهم يُصَلُّونَ، وتركنَاهُمْ وهم يُصَلُّونَ. وَقِيْلَ : خُصَّ التسبيحُ بطرَفَي النهار ؛ لأن صحيفةَ العبدِ إذا كان في أوَّلِها وآخِرِها ذكرٌ وتسبيحٌ يرجَى أن يُغْفَرَ له ما بين طَرَفَي الصحيفةِ. وعن رسولِ الله ﷺ أنهُ قالَ :" مَا جَلَسَ قَوْمٌ قَطُّّ يَذْكُرُونَ اللهَ تَعَالَى، إلاَّ نَادَى مُنَادِي السَّمَاءِ : أنْ قُومُوا فَقَدْ غُفِرَتْ لَكُمْ ذُنُوبُكُمْ، وَبُدِّلَتْ سَيِّئَاتُكُمْ حَسَنَاتٍ " وَقِيْلَ : معنَى قولهِ ﴿اذْكُرُواْ اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ أي باللَّيلِ والنهار، وفي البَرِّ والبحرِ، والسَّفر والحضرِ، والغِنَى والفقرِ، والصِّحة والسَّقمِ، والسِّر والعلانيةِ، وعلى كلِّ حالٍ. وقال مجاهدُ :(الْكَثِيْرُ هُوَ الَّذِي لاَ يَتَنَاهَى أبَداً).

الأحزاب 33:43

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ ؛ أي يَرْحَمُكُمْ ويغفرُ لكم، وقوله ﴿وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ أي يَدْعُونَ لكم. وَقِيْلَ : يأمرُ الملائكةَ بالاستغفار لكم. والصَّلاةُ مِن اللهِ الرحمةُ بالثواب، ومِن المؤمنين الدُّعاءُ، ومِن الملائكةِ الاستغفارُ للمؤمنين. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ﴾ ؛ أي مِن ظُلُمَاتِ المعاصِي والجهلِ ﴿إِلَى النُّورِ﴾ ؛ العِلْمِ والطاعةِ، وَقِيْلَ : مِن ظُلماتِ الكُفرِ إلى نور الإيْمانِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ ؛ أي لَم يَزَلْ رَحِيْماً بهم إذ رَضِيَ عنهُم وأمَرَ الملائكةَ بالاستغفار لَهم.

الأحزاب 33:44

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ﴾ ؛ أي تحيةُ المؤمنينَ مِن الله تعالى ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ أنْ يُسَلِّمَ عليهم، يقولُ لَهم الملائكةُ بأمرِ الله. السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ ؛ مَرْحَباً بِعِبَادِي الْمُؤمِنِينَ الَّذينَ أرْضَوْنِي فِي دار الدُّنيا باتِّباعِ أمْرِي. ونظيرُ هذا قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ﴾[الزمر: ٧٣]. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ ؛ أي رزْقاً حَسَناً في الجنَّةِ، وَقِيْلَ : الأجرُ الكريمُ هو الذي يكون عظيمَ القَدْر.

الأحزاب 33:45

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ ؛ على أُمَّتِكَ وعلى جميعِ الأُممِ بتبليغِ الرِّسالةِ، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ ؛ للخَلْقِ بالجنَّة والثواب لِمَن أطاعَ اللهَ وصَدَّقَكَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ أي ومُخَوِّفاً بالنار والعقاب لِمَن عصَى الله تعالى وكَذبَكَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ ؛ أي وأرسلناكَ للناس رَاعِياً للخَلْقِ إلى دينِ اللهِ تعالى بأمرهِ، يعني إنَّهُ أمَرَكَ بهذا. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ؛ أي وأرسلناكَ سِرَاجاً مُضِيئاً لِمَن تَبعَكَ واهتدَى بكَ، كالسِّراجِ في الظُّلْمَةِ يُستَضَاءُ بهِ. وإنَّما سُمِّيَ النبيُّ عليه السلام سِرَاجاً ؛ لأنه بُعِثَ والأرضُ في ظُلْمَةِ الشِّركِ، فكان حين بُعِثَ كالسِّراجِ في الظُّلمة. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ ؛ أرادَ بالفَضْلِ الكبيرِ مغفرةَ الله لَهم، وما أعدَّ لَهم في الجنَّةِ.

الأحزاب 33:46

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ ؛ على أُمَّتِكَ وعلى جميعِ الأُممِ بتبليغِ الرِّسالةِ، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ ؛ للخَلْقِ بالجنَّة والثواب لِمَن أطاعَ اللهَ وصَدَّقَكَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ أي ومُخَوِّفاً بالنار والعقاب لِمَن عصَى الله تعالى وكَذبَكَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ ؛ أي وأرسلناكَ للناس رَاعِياً للخَلْقِ إلى دينِ اللهِ تعالى بأمرهِ، يعني إنَّهُ أمَرَكَ بهذا. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ؛ أي وأرسلناكَ سِرَاجاً مُضِيئاً لِمَن تَبعَكَ واهتدَى بكَ، كالسِّراجِ في الظُّلْمَةِ يُستَضَاءُ بهِ. وإنَّما سُمِّيَ النبيُّ عليه السلام سِرَاجاً ؛ لأنه بُعِثَ والأرضُ في ظُلْمَةِ الشِّركِ، فكان حين بُعِثَ كالسِّراجِ في الظُّلمة. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ ؛ أرادَ بالفَضْلِ الكبيرِ مغفرةَ الله لَهم، وما أعدَّ لَهم في الجنَّةِ.

الأحزاب 33:47

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً﴾ ؛ على أُمَّتِكَ وعلى جميعِ الأُممِ بتبليغِ الرِّسالةِ، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ ؛ للخَلْقِ بالجنَّة والثواب لِمَن أطاعَ اللهَ وصَدَّقَكَ، ﴿وَنَذِيراً﴾ ؛ أي ومُخَوِّفاً بالنار والعقاب لِمَن عصَى الله تعالى وكَذبَكَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ ؛ أي وأرسلناكَ للناس رَاعِياً للخَلْقِ إلى دينِ اللهِ تعالى بأمرهِ، يعني إنَّهُ أمَرَكَ بهذا. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ ؛ أي وأرسلناكَ سِرَاجاً مُضِيئاً لِمَن تَبعَكَ واهتدَى بكَ، كالسِّراجِ في الظُّلْمَةِ يُستَضَاءُ بهِ. وإنَّما سُمِّيَ النبيُّ عليه السلام سِرَاجاً ؛ لأنه بُعِثَ والأرضُ في ظُلْمَةِ الشِّركِ، فكان حين بُعِثَ كالسِّراجِ في الظُّلمة. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ ؛ أرادَ بالفَضْلِ الكبيرِ مغفرةَ الله لَهم، وما أعدَّ لَهم في الجنَّةِ.

الأحزاب 33:48

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ فيما يطلِبونَهُ منكَ، فقد ذكرنَا تفسيرَهُ في أوَّل السُّورة. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ أي اصْبرْ على أذاهُم واحتَمِلْ منهم، ولا تَشْتَغِلْ بمجَازَاتِهم إلى أن تُؤْمَرَ فيهم بأمرٍ، وهذا منسوخٌ بآية السَّيفِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتَوَكَّـلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ؛ أي فَوِّضْ أمُورَكَ إليهِ. فإنه سَيَكْفِيْكَ أمرَهُم إذا تَوَكَّلْتَ عليهِ ؛ أي تَوَكَّلْ عليه في كِفَايَةِ شرِّهم وأذاهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِـيلاً﴾ ؛ إذا وَكَّلْتَ أمْرَكَ إليهِ.

الأحزاب 33:49

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ ؛ أي إذا تَزوَّجتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أن تُجامِعُوهن، ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، تَسْتَوْفُونَهَا بالعَدَدِ لا بالحيضِ ولا بالشُّهور. والاعْتِدَادُ هو استيفاءُ العَدَدِ، أسقطَ اللهُ العِدَّةَ من الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخولِ لبَرَاءَةِ رحِمِها، فلو شاءَتْ تزوَّجت مِن يومِها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ ؛ أي أعْطُوهُنَّ مُتْعَةَ الطلاقِ، وهذا على سبيلِ الوجُوب فيمَن يدخلُ بها ولَم يُسَمِّ لَها مهراً، وعلى النَّدب في مَن سَمَّى لَها مهراً ثُم طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ. وقال سعيدُ بن المسيَّب :(نُسِخَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ بقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾[البقرة: ٢٣٧]). وقال الحسنُ :(الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَمُخْتَلَعَةٍ وَمُلْتَعَنَةٍ، وَلَكِنْ لاَ يُجْيَرُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ). وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ أرادَ له التسريحُ عن المنْزِلِ لا عن النكاحِ ؛ لأن حقَّ الحبسِ لا يثبتُ إلاّ بأحدِ الأمرين : إما النكاحُ ؛ وإما العدَّةُ، وقد عُدَّ ما جميع في هذا الموضعِ بعددِ الطَّلاق المذكور. والسَّراحُ الجميلُ : هو الذي لا يكونُ فيه جَفْوَةٌ ولا أذَى ولا منعُ حقٍّ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في قولهِ ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ :(أيْ أعْطُوهُنَّ الْمُتْعَةَ، قَالَ : وَهَذا إذا لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقاً، فَأَمَّا إذا فَرَضَ صَدَاقاً فَلَهَا نِصْفٌ).

الأحزاب 33:50

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّآ أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللاَّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي أبَحْنَا لكَ نساءَكَ اللاِّتِي تزوَّجْتَهن بمُهُورٍ مُسَمَّاةٍ، وأعطيتَ مُهورَهُنَّ، وسَمَّى المهرَ أجْراً لأنه يجبُ بَدَلاً عن منافعِ البُضْعِ، كما أنَّ الأجرَ يجبُ بَدَلاً عن منافعِ الدَّار والعبدِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ؛ أي وَأبَحْنَا لكَ ما ملكَتْ يَمينُكَ ؛ يعني الْجَوَاري التي يَملِكُها. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مِمَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ ؛ أي مِمَّا أعطاكَ اللهُ من الغنيمةِ جُوَيْرِيَّةَ بنتِ الحارثِ، وصَفِيَّةَ بنتِ حَييِّ بن أخْطََبَ. ويدخلُ في هذه اللفظةِ الشِّراءُ والتزوُّجُ، كما رُوي في صَفِيَّةَ " أنَّهُ عليه السلام أعْتَقَهَا ثُمَّ تََزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ ؛ أرادَ به إباحةَ تزويجِ بناتِ عمِّه وبناتِ عمَّاتهِ من بنِي عبدِ المطَّلب، ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاَتِكَ﴾، وبناتِ خالهِ وبنات خالاتهِ ؛ يعني نساءَ بني زُهرَةَ من بنِي عبدِ منافٍ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللاَّتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ؛ أي هَاجَرْنَ معكَ من مكَّة إلى المدينةِ، وهذا إنَّما كان قَبْلَ تَحليلِ غير الْمُهاجِرَاتِ، ثُم نُسِخَ شرطُ الهجرةِ في التحليلِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ ؛ بلا مَهرٍ إن أراد النبيُّ أن يتزوَّجَها، ومَن قرأ (وَهَبَتْ) بالفتحِ، فمعناهُ : أحللناهَا أنْ وهَبَت، وهي قراءةُ الحسنِ، فالفتحُ على الماضِي والكسرُ على الاستئنافِ، وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾ ؛ أي إنْ أرادَ النبيُّ أن يتزوَّجَها فلَهُ ذلكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿خَالِصَةً لَّكَ﴾ ؛ أي خاصَّةً لكَ، ﴿مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ فليسَ لامرأةٍ أن تَهَبَ نفسَها لرجلٍ بغيرِ شُهودٍ ولا وَلِيٍّ ولا مَهْرٍ إلاّ للنبيِّ ﷺ، وهذا مِن خَصَائِصِهِ في النِّكاحِ، كالتَّخْييرِ والعددِ في النِّساء. ولو تزوَّجَها بلفظِ الهبة وقََبلَها بشهودٍ ومَهْرٍ انعقدَ النكاحُ ولَزِمَ المهرُ، وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، وقال الشافعيُّ ومالكٌ :(لاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بلَفْظِ الْهِبَةِ إلاَّ للنَّبيَّ ﷺ خَاصَّةً ؛ لأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وَلَمْ يَقُلْ لَكَ، لأَنَّهُ لَوْ قَالَ : إنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَكَ، كَانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّهُ يَجُوزُ ذلِكَ لِغَيْرِهِ عليه السلام كَمَا جَازَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾، لأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى ﴿خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وحُجَّةُ أبي حنيفةَ وأصحابهِ : إنَّ إضافةَ الهبةِ إلى المرأةِ دليلاً أنَّ النبيَّ لَم يكن مَخْصُوصاً بالنكاحِ بلفظةِ الهبةِ، وإنَّما كانت خُصوصِيَّة في جواز النِّكاح ِ بغير بدلٍ، ولو لَم يكن بلفظِ الهبةِ نكاحاً لِمَا قالَ تَعَالَى ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا﴾، فلمَّا جعلَ اللهُ الهبةَ جواباً للاسْتِنْكَاحِ، عُلِمَ أنَّ لفظَ الهبة نِكَاحٌ. وقَوْلُهُ ﴿خَالِصَةً﴾ نعتُ مصدرٍ ؛ تقديرهُ : إنْ وَهَبَتْ نفسهَا هبةً خالصةٌ لك بغيرِ عِوَضٍ، أحْلَلْنَا لكَ ذلك مِن دونِ المؤمنين، فأمَّا المؤمنونَ إذا قَبلُوا هذه الهبةَ على وجهِ النِّكاحِ لزِمَهم المهرُ.

الأحزاب 33:51

قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾، معناه : تؤخِّرُ مَن تشاءُ من فراشِكَ من نسائك، وتضمُّ إلى فراشِكَ مَن تشاءُ منهن من غير حرجٍ عليك. وهذا من خصائصِ النبيِّ ﷺ تفضيلاً له، أُبيح له أن يجعلَ لِمَن أحبَّ منهن يوماً أو أكثرَ، ويعطِّلُ مَن شاء منهنَّ فلا يأتيها. وكان القَسْمُ واجباً على النبيِّ ﷺ والتسويةُ بينهن، فلما " نزَلت " هذه الآيةُ سقطَ الوجوبُ، وصار الاختيار إليه فيهن. قال منصورُ عن أبي رَزين :(وَكَانَ مِمَّنْ آوَى عَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ وَحَفْصَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُنَّ، وَكَانَ يُسَوِّي بَيْنَهُنَّ فِي الْقَسْمِ، وَكَانَ مِمَّنْ أرْجَى سَوْدةُ وَجُوَيْرِيَّةُ وَصَفِيَّةُ وَأُمُّ حَبيبَةَ وَمَيْمُونَةَ، وَكَانَ يَقْسِمُ لَهُنَّ مَا شَاءَ، وَكَانَ قَدْ أرَادَ أنْ يُفَارقَهُنَّ، فَقُلْنَ لَهُ : اقْسِمْ لَنَا مَا شِئْتَ مِنْ نَفْسِكَ، وَدَعْنَا عَلَى حَالِنَا). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾، معناهُ : إنْ أردتَ أن تُؤوي إليك امرأةً ممن عزَلتهُنَّ من القسمةِ وتضمَّها إليه، فلا عتبَ عليك ولا لَوْمَ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَن تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلاَ يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَآ آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أي ذلك التخييرُ الذي خيَّرتك في صُحبَتهنَّ أدنى إلى رضاهن إذا كان ذلك مُنَزَّلاً مِن الله عليك، ويرضيهنَّ كلُّهن بما أعطيتهن من تقريبٍ وإرجاء وإيواءٍ. قال قتادةُ :(إذا عَلِمْنَ أنَّ هَذا جَاءَ مِنَ اللهِ لِرُخْصَةٍ، كَانَ أطْيَبَ لأَنْفُسِهِنَّ وَأقَلَّ لِحُزْنِهِنَّ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قلُوبِكُمْ﴾، واللهُ يعلَمُ ما في قلوبكم من أمر النساء والميلِ إلى بعضِهنَّ، ويعلمُ ما في قلوبكم من الرِّضا والسُّخط وغيرِ ذلك، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً﴾، بمصالحِ العباد، ﴿حَلِيماً﴾، على جهلِهم ولا يعاقبُهم بكلِّ ذنبٍ.

الأحزاب 33:52

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ يَحِلُّ لَكَ النِّسَآءُ مِن بَعْدُ﴾، قال قتادةُ :(وَذلِكَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا خَيَّرَ نِسَاءَهُ فَاخْتَرْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ، شَكَرَ اللهُ لَهُنَّ فَقَصَرَهُ اللهُ عَلَيْهِنَّ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ سِوَاهُنَّ). وكُن يؤمئذ تِسعاً : عائشةُ، وحفصةُ، وزينب، وأُم سَلَمة، وأمُّ حَبيبة، وصفيَّة، وميمونةُ، وجويرِيَّة، وسَوْدَةُ. ومعنى الآية : لا يحلُّ لكَ من النساءِ سوى هؤلاء اللاَّتي اخترنَكَ، ﴿وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، وليس لكَ أن تُطلِّقَ واحدةً منهن وتَزَوَّج بدَلها. وقولهُ :﴿إِلاَّ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، يعني ماريَّة القِبطية وغيرها من السَّبايا. وقولهُ تعالى :﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيباً﴾، أي حفيظاً. وعن عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أنها قالت :[مَا مَاتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى حَلَّتْ لَهُ النِّسَاءُ].

الأحزاب 33:53

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، نزَلت هذه الآيةُ في شأنِ ولِيمَةِ زينب، قال أنسُ ابن مالكٍ :" لَمَّا بََنَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بزَيْنَبَ بنْتِ جَحْشٍ، أوْلَمَ عَلَيْهَا بتَمْرٍ وَسَوِيقٍ وَذَبَحَ شَاةً، وَبَعَثَت إلَيْهِ أُمِّي أُمُّ سُلَيمٍ بحَيْسٍ في تُورٍ مِنَ حِجَارَةٍ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ أدْعُوَ أصْحَابَهُ إلَى الطَّعَامِ فَدَعَوْتُهُمْ، فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَدْخُلُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ آخَرُونَ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ آخَرُونَ فيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، فَوَضَعَ النَّبيُّ ﷺ يَدَهُ عَلَى الطَّعَامِ وَدَعَا فِيهِ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبعُواْ وَخَرَجُواْ، وَبَقِيَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لَمْ يَخْرُجُوا. فَقَالَ ﷺ :" ارْفَعُواْ طَعَامَكُمْ " فَرَفَعُواْ وَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَبَقِيَ أُوْلَئِكَ الْقَوْمُ يَتَحَدَّثُونَ فِي البَيْتِ فَأَطَالُوا الْمُكْثَ. وَإنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِكَيْ يَخْرُجُواْ، فَمَشَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلَى جَميعِ بُيُوتِ أزْوَاجِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فَإذا الْقَوْمُ جُلُوسٌ يَتَحَدَّثُونَ فِي بَيْتِهِ، وَكَانَ النَّبيُّ ﷺ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". قال أنسٌ :" فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَاب جِئْتُ لأَدْخُلَ كَمَا كُنْتُ، فَقَالَ ﷺ :" وَرَاءَكَ يَا أنسُ " ". ومعنى الآية :﴿لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ ﷺ ﴿إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أي إلا أن يُدعَوا إلى الضيافةِ أو يُؤذن لكم في الدخول، من غير أن يجتنبوا وقتَ الطعام فيستأذنوا في ذلك الوقت، ثم تقعُدوا انتظاراً لبُلوغ الطعامِ ونُضجهِ. ومعنى :﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ أي مُنتظرين نُضجَهُ وإدراكَهُ، يقال أنَى يَأنِي إنَاهُ، إذا حانَ وأدركَ، وكانوا يدخلون بَيتَهُ فيجلسون منتظرين إدراكَ الطعام، فنُهوا عن ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَـكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُواْ﴾، أي فتفرَّقوا، ﴿وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، ولا تجلسوا مُستَأنِسين لحديثٍ بعدَ أن تأكُلوا، ﴿إِنَّ ذَالِكُمْ﴾، إنَّ طُولَ مقامكم بعدُ في منزل النبي عليه السلام، ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، ﷺ، ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾، أن يأمركم بالخروج، ﴿وَاللَّهُ﴾، عَزَّ وَجَلَّ، ﴿لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، أي لا يمنعه عن بيان ما هو الحقُّ استحياءً منكم، وإن كان رسولهُ يفعل ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾، أي إذا سألتُم أزواجَ النبيِّ ﷺ من متاعِ البيت، فخاطبُوهم من وراء الباب والسَّترِ، قال مقاتلُ :(أمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِيْنَ أنْ لاَ يُكَلِّمُوا نِسَاءَ النَّبيِّ ﷺ إلاَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ). وعن أنسٍ رضي الله عنه قال : قَالَ عُمر :(يَا رَسُولَ اللهِ إنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهَاتَ الْمُؤْمِنِينَ بالْحِجَاب، فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَاب).

الأحزاب 33:54

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ﴾، أي إنْ تُظهروا قَولاً أو تُضمِرُوهُ، فإنَّ الله عالِمٌ بالظواهرِ والبواطنِ والضمائر. وقيل : معناهُ : إنْ تُظهروا أشياءَ من أمرِهنَّ، يعني طلحةَ، قوله تعالى :﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي تسِرُّونَهُ في أنفسكم، وذلك أنَّ نفسَهُ حدَّثته بتزويجِ عائشة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾، أي عليمٌ بكل شيءٍ من السرِّ والعلانية. فلمَّا نزلَت آيةُ الحجاب قال الأباءُ والأبناء والأقاربُ : يا رسولَ الله ونحنُ أيضاً نُكلِّمُهنَّ من وراء حجاب ؟ فأنزلَ اللهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾، الآية. أي لا حرجَ عليهن في إذنِ آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناءِ والإخوان وأبناء الإخوانِ وأبناء الأخوات. فإن قيلَ : فهلاَّ ذكَر الأعمامَ والأخوال ؟ قيل : إنَّ العمَّ والخالَ يجريان مجرَى الوالدين في الرُّؤية، وكان ذِكرُ الأباء يتضمَّن ثباتَ حُكم الأَعمام والأخوال. وقيل : إنما لم يذكُر الأعمامَ والأخوال لكي لا يدخلَ أبناؤهما، ولا يطمَعا فيهن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نِسَآئِهِنَّ﴾، قال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(يَعْنِي نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ نِسَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَصِفْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنْ رَأيْنَهُنَّ). وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني العبيدَ والإماءَ، قيل : حَمْلُهُ على الإماءِ أوْلَى ؛ لأن الْحُرَّ والعبيدَ يختلفان فيما يُباح لهما من النَّظَر، فلا يجوزُ للبالغين من العبيدِ أن يَنظُروا إلى شيءٍ منهن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾، أي واتَّقين اللهَ أن يرَاكُنَّ غيرُ هؤلاء، وقيل : اتَّقين اللهَ في الإذنِ لغير المحارمِ في الدخول عليكن، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾، من أعمال العباد، ﴿شَهِيداً﴾، لم يغب عنه شيء.

الأحزاب 33:55

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُبْدُواْ شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ﴾، أي إنْ تُظهروا قَولاً أو تُضمِرُوهُ، فإنَّ الله عالِمٌ بالظواهرِ والبواطنِ والضمائر. وقيل : معناهُ : إنْ تُظهروا أشياءَ من أمرِهنَّ، يعني طلحةَ، قوله تعالى :﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ أي تسِرُّونَهُ في أنفسكم، وذلك أنَّ نفسَهُ حدَّثته بتزويجِ عائشة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾، أي عليمٌ بكل شيءٍ من السرِّ والعلانية. فلمَّا نزلَت آيةُ الحجاب قال الأباءُ والأبناء والأقاربُ : يا رسولَ الله ونحنُ أيضاً نُكلِّمُهنَّ من وراء حجاب ؟ فأنزلَ اللهُ : قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾، الآية. أي لا حرجَ عليهن في إذنِ آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناءِ والإخوان وأبناء الإخوانِ وأبناء الأخوات. فإن قيلَ : فهلاَّ ذكَر الأعمامَ والأخوال ؟ قيل : إنَّ العمَّ والخالَ يجريان مجرَى الوالدين في الرُّؤية، وكان ذِكرُ الأباء يتضمَّن ثباتَ حُكم الأَعمام والأخوال. وقيل : إنما لم يذكُر الأعمامَ والأخوال لكي لا يدخلَ أبناؤهما، ولا يطمَعا فيهن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ نِسَآئِهِنَّ﴾، قال ابنُ عباس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا :(يَعْنِي نِسَاءَ الْمُؤْمِنِينَ، لاَ نِسَاءَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى يَصِفْنَ لأَزْوَاجِهِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ ﷺ إنْ رَأيْنَهُنَّ). وقولهُ تعالى :﴿وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، يعني العبيدَ والإماءَ، قيل : حَمْلُهُ على الإماءِ أوْلَى ؛ لأن الْحُرَّ والعبيدَ يختلفان فيما يُباح لهما من النَّظَر، فلا يجوزُ للبالغين من العبيدِ أن يَنظُروا إلى شيءٍ منهن. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾، أي واتَّقين اللهَ أن يرَاكُنَّ غيرُ هؤلاء، وقيل : اتَّقين اللهَ في الإذنِ لغير المحارمِ في الدخول عليكن، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾، من أعمال العباد، ﴿شَهِيداً﴾، لم يغب عنه شيء.

الأحزاب 33:56

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، معناه : أنَّ اللهَ يترَحَّمُ على النبيِّ ويُثني عليه، وقوله :﴿وَمَلاَئِكَـتَهُ﴾ أي والملائكة يدعونَ له بالرَّحمة، وقوله تعالى :﴿يُصَلُّونَ﴾ الضميرُ فيه يعودُ على الملائكة دون اسم الله تعالى ؛ لأن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُفرِدُ ذِكرَهُ عن ذِكر غيره إعظاماً كما تقدم في قوله :﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾[التوبة: ٦٢]. وقرأ ابن عباس :(وَمُلاَئِكَتُهُ) بالرفع عطفاً على محل قوله تعالى قبل دخول (إنَّ)، ونظيره قوله تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِئُونَ﴾[المائدة: ٦٩] وقد مضى ذلك. وقيل : معنى قوله :﴿وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ﴾ أي يُثْنُونَ ويترحَّمون ويَدْعُون له. وقال مقاتلُ :(أمَّا صَلاَةُ اللهِ فَالْمَغْفِرَةُ، وَأمَّا صَلاَةُ الْمَلاَئِكَةِ فَالاسْتِغْفَارُ لَهُ). وقولهُ تعالى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾، أي قولوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى محَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، تَعظِيماً وإجْلاَلاً وتَفضِيلاً. وعن كعب بن عُجرة قال : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قِيلَ :" يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ ؟ قَالَ :" قُولُوا : اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَاركْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ " ". وعن عبدِالله بن مَسعُود أنه قال :(إذا صَلَّيْتُمْ عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَأَحْسِنُوا الصَّلاَةَ عَلَيْهِ ؛ فَإنَّكُمْ لاَ تَدْرُونَ لَعَلَّ ذلِكَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ. قَالُواْ : فَعَلِّمْنَا ذلِكَ. قَالَ : قُولُوا : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَإمَامِ الْمُتَّقِينَ وَخَاتَمِ النَّبيِّينَ مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ، إمَامِ الْخَيْرِ وَقَائِدِ الْخَيْرِ وَرَسُولِ الرَّحْمَةِ. اللَّهُمَّ ابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً يَغْبطُهُ فِيهِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً﴾، يجوزُ أن يكون معناه : واخْضَعُوا لأمرهِ خُضوعاً، ويجوز أن يكون معناه : الدُّعاء بالسلامِ، يقول : السَّلامُ عليكَ يا رسولَ اللهِ. وعن الحسنِ قال :" سُئِلَ النَّبيُّ ﷺ فَقِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ عَرَفْنَا السَّلاَمَ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ الصَّلاَةُ عَلَيْكَ ؟ قَالَ :" قُولُوا : اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ " والأفضلُ في هذا الباب أن تصَلِّي على مُحَمَّد وعلى آلهِ، فتقولَ : اللَّهُمَّ صلِّ على مُحَمَّدٍ وعلى آلِ مُحََمَّد. فإنْ اقتُصِرَ على أحدهما جازَ. واختلفوا في كيفيَّة وجُوب الصلاةِ على النبي ﷺ، فقال بعضُهم : تجبُ في العُمرِ مرَّة واحدةً بمنزلة الشهادَتين، وإلى هذا ذهبَ الكرخيُّ قالَ :(إذا صَلَّى عَلَيْهِ فِي عُمُرِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ أدَّى فَرْضَهُ، إلاَّ أنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يُكْثِرَ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ حَقِّهِ فِي الدِّينِ عَلَيْنَا، كَمَا يَلْزَمُ الْمَرْءَ الدُّعَاءُ لأَبَوَيْهِ الْمُؤْمِنِيْنِ لِيَقْضِيَ بذلِكَ الدُّعَاءِ حَقَّهُمَا عَلَيْهِ). وقال بعضُهم : تجبُ عليه في كلِّ مجلسٍ مرَّة بمنزلة سَجدَةِ التِّلاوة. وقال الطحَّاويُّ :(تَجِبُ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ كُلِّمَا ذُكِرَ) واستدلَّ بما رُوي أنَّ جبريلَ عليه السلام قالَ للنبيِّ ﷺ :" مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصََلِّ عَلَيْكَ فَلاَ غَفَرَ اللهُ لَهُ " وقال الشافعيُّ رضي الله عنه :(الصَّلاَةُ عَلَيْهِ فَرْضٌ فِي كُلِّ صَلاَةٍ) وهذا قولٌ لم يقُل به أحدٌ غيرهُ.

الأحزاب 33:57

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾، قال المفسِّرون : هم المشرِكون واليهودُ والنصارى، وصَفُوا اللهَ بالولدِ فقالوا : عُزيرٌ ابن الله، والمسيحُ ابن الله، والملائكةُ بناتُ الله، وكذبوا رسولَهُ وشجُّوا وجهَهُ وكسَرُوا رُباعيته، وقالوا : مجنونٌ، وشاعر، وساحرٌ كذاب. قال ﷺ :" مَا مِنْ أحَدٍ أصْبَرُ عَلَى أذَى يَسْمَعُهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى، جَعَلُوا لَهُ نَدّاً وَجَعَلُوا لَهُ وَلَداً، وَهُوَ مَعَ ذلِكَ يُعَافِيهِمْ وَيُعْطِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ " وكذلك قالتِ اليهودُ : يدُ الله مغلولةٌ، وقالوا : إن الله فقيرٌ. ومعنى يُؤذون اللهَ، أي يُخالفون أمرَ اللهِ ويعصونه ويصفونَهُ بما هو مُنَزَّهٌ عنه، والله تعالى لا يلحقهُ أذَى. وقوله تعالى :﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أي باعدَهم اللهُ يعني بالقتلِ والجلاء في الدُّنيا والعذاب بالنار في الآخرة، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً﴾، أي ذي هوانٍ.

الأحزاب 33:58

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ﴾، أي يَرمُونَهم بما ليس فيهم، قال قتادةُ والحسن :(إيَّاكُمْ وَإيْذاءَ الْمُؤْمِنِ ؛ فَإنَّ اللهَ يَغْضَبُ لَهُ وَيُؤْذِي مَنْ آذاهُ). وعن عبدالرحمن بن سَمُرة قال :" خَرَجَ النبيُّ ﷺ فقالَ :" رَأيْتُ اللَّيْلَةَ عَجَباً، رأيْتُ رجَالاً مُعَلَّقُونَ بأَلْسِنَتِهِمْ، فَقُلْتُ : مَنْ هَؤُلاَءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ : هَؤُلاَءِ الَّّذِينَ يَرْمُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بغَيْرِ مَا اكْتَسَبُواْ " ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَقَدِ احْتَمَلُواْ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً﴾، أي فقد قَالُوا كَذِباً وجَنَوا على أنفُسهم وزْراً وعقوبةً.

الأحزاب 33:59

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ﴾، أي قُل لنسائك وبناتِكَ والحرائرِ من النساء يُلقِينَ على رُؤوسهن وووجوههنَّ من جلابيبهن، والجلبابُ : هو المقنعةُ التي تسترُ بها المرأة ما يَظْهَرُ من العنُق والصدر، وهي الملاءةُ التي تشتمل بها المرأةُ. قال المفسِّرون : يُغطِّين رؤُوسَهن ووجوههن إلا عَيناً واحدة. وظاهرُ الآية يقتضي أنْ يكُنَّ مأمورات بالسَّتر التام عند الخروجِ إلى الطُّرق، فعليهن أن يَستَتِرْنَ إلا بمقدار ما يعرفنَ به الطريق. وقولهُ تعالى :﴿ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، معناه : ذلك أقربُ أنْ يعرِفن الحرائرَ من الإماءِ فلا يؤذِي الحرائر ؛ لأن الناسَ كانوا يومئذٍ يُمازحون الإماءَ ولا يمازحون الحرائرَ، وكان المنافقون يمازحون الحرائرَ، فإذا قيلَ لهم في ذلك، قالوا : حسِبنا أنَّهن إماءٌ. فأمرَ اللهُ الحرائرَ بهذا النوعِ من السَّتر قطعاً لأعذار المنافقين. وعن عُمر رضي الله عنه : أنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ الإمَاءَ وَيَقُولُ :(اكْشِفْنَ رُؤُوسَكُنَّ وَلاَ تتَشَبَّهْنَ بالْحَرَائِرِ). ومرَّت جاريةٌ بعُمر رضي الله عنه متقنِّعة، فعَلاَها بالدرَّة وقال :(يَا لُكَاعُ، أتَتَشَبَّهِينَ بالْحَرَائِرِ، ألْقِي الْقِنَاعَ). ويقالُ في معنى ذلك :﴿أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ﴾ أي أقربُ إلى أن يُعرفن بالسَّتر والصلاح ؛ فيَيئَسَ منهن فُسَّاق الرِّجال، فلا يطمَعُون فيهن كطمَعِهم فيمن تتبرَّج وتتكشَّف.

الأحزاب 33:60

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾، أي لإنْ لم يَنْتَهِ المنافقون عن نِفَاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾، يعني الفُجور وهم الزُّناة وضعفاء الدِّين عن أذى المؤمنين، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾، وهم قومٌ كانوا يُوقعون الأخبارَ بما يكرهُ المؤمنون، ويقولون : قد أتَاكُم العدوُّ، ويقولون لسَرَاياهم : أنهم قُتِلوا وهُزِموا، يُخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتَهُوا عن هذه الأفعالِ القبيحة، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، أي لنسلطنَّكَ عليهم، ونأمرك بقتلِهم حتى تقتُلَهم وتخلو منهم المدينة، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، أي في المدينةِ، والمعنى : لا يُساكِنُونك في المدينة إلا يَسيراً حتى يهلَكُوا، ﴿مَّلْعُونِينَ﴾، مطرودين مُبعَدين عن الرَّحمة، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُواْ﴾، أي أينَما وُجدوا وأُدركوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّلْعُونِينَ﴾ نصبٌ على الحالِ، وقيل : على الذمِّ، وتقديرُ النصب على الحالِ : لا يُجاورونك إلا وهم مَلعُونون مطرودون مخذولون. وقولهُ تعالى :﴿أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً﴾، أي أُخذوا وقُتلوا مرَّة بعد مرَّة ؛ لأنه إذا ظهرَ أمرُ المنافقين كانوا بمنزِلة الكفَّار، ومن حقِّ الكفار أن يُقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة :(أرَادَ الْمُنَافِقُونَ أنْ يُظْهِرُوا مَا فِي قُلُوبهم مِنَ النِّفَاقِ، فَلَمَّا وَعَدَهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَمُوهُ).

الأحزاب 33:61

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾، أي لإنْ لم يَنْتَهِ المنافقون عن نِفَاقهم، ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾، يعني الفُجور وهم الزُّناة وضعفاء الدِّين عن أذى المؤمنين، ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾، وهم قومٌ كانوا يُوقعون الأخبارَ بما يكرهُ المؤمنون، ويقولون : قد أتَاكُم العدوُّ، ويقولون لسَرَاياهم : أنهم قُتِلوا وهُزِموا، يُخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ينتَهُوا عن هذه الأفعالِ القبيحة، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، أي لنسلطنَّكَ عليهم، ونأمرك بقتلِهم حتى تقتُلَهم وتخلو منهم المدينة، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلاَّ قَلِيلاً﴾، أي في المدينةِ، والمعنى : لا يُساكِنُونك في المدينة إلا يَسيراً حتى يهلَكُوا، ﴿مَّلْعُونِينَ﴾، مطرودين مُبعَدين عن الرَّحمة، ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُواْ﴾، أي أينَما وُجدوا وأُدركوا. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّلْعُونِينَ﴾ نصبٌ على الحالِ، وقيل : على الذمِّ، وتقديرُ النصب على الحالِ : لا يُجاورونك إلا وهم مَلعُونون مطرودون مخذولون. وقولهُ تعالى :﴿أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقْتِيلاً﴾، أي أُخذوا وقُتلوا مرَّة بعد مرَّة ؛ لأنه إذا ظهرَ أمرُ المنافقين كانوا بمنزِلة الكفَّار، ومن حقِّ الكفار أن يُقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة :(أرَادَ الْمُنَافِقُونَ أنْ يُظْهِرُوا مَا فِي قُلُوبهم مِنَ النِّفَاقِ، فَلَمَّا وَعَدَهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الآيَةِ فَكَتَمُوهُ).

الأحزاب 33:62

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ﴾، أراد بالسُّنة الطريقةَ التي أمرَ اللهُ بلُُزومها واتباعها، وقد كانت هذه السُّنة في الأُممِ الماضية، لَمَّا آذى المنافقون أنبياءَهم، أمرَ الله أنبياءَهُ بقتالهم. قال الزجَّاجُ :(سَنَّ اللهُ فِي الَّذِينَ يُنَافِقُونَ الأَنْبيَاءَ وَيُرْجِفُونَ بهِمْ أنْ يُقْتَلُوا حَيْثُمَا ثُقِفُوا) ولا يبدِّلُ الله سُنَّتَهُ فيهم، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾، أي هكذا سُنة الله فيهم إذا أظهَرُوا النفاقَ.

الأحزاب 33:63

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾، قال الكلبيُّ :(سَأَلَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ وَعَنْ قِيَامِهَا) فقال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾، أي قُل لهم يا مُحَمَّد : إنَّما العلمُ بوقتِ قيامها عند اللهِ، لا يُطلِعُ أحدا عليها. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾، أيْ أيُّ شيْءٍ يُعلمُكَ أمرَ الساعة ومتى يكون قيامُها، أي أنتَ لا تعرفهُ، ثم قال :﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. وما بعدَ هذه الآية :﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾، ظاهرُ المعنى.

الأحزاب 33:64

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾، قال الكلبيُّ :(سَأَلَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ وَعَنْ قِيَامِهَا) فقال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾، أي قُل لهم يا مُحَمَّد : إنَّما العلمُ بوقتِ قيامها عند اللهِ، لا يُطلِعُ أحدا عليها. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾، أيْ أيُّ شيْءٍ يُعلمُكَ أمرَ الساعة ومتى يكون قيامُها، أي أنتَ لا تعرفهُ، ثم قال :﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. وما بعدَ هذه الآية :﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾، ظاهرُ المعنى.

الأحزاب 33:65

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾، قال الكلبيُّ :(سَأَلَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبيَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ وَعَنْ قِيَامِهَا) فقال الله تعالى :﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ﴾، أي قُل لهم يا مُحَمَّد : إنَّما العلمُ بوقتِ قيامها عند اللهِ، لا يُطلِعُ أحدا عليها. وقولهُ تعالى :﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾، أيْ أيُّ شيْءٍ يُعلمُكَ أمرَ الساعة ومتى يكون قيامُها، أي أنتَ لا تعرفهُ، ثم قال :﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾. وما بعدَ هذه الآية :﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً﴾، ظاهرُ المعنى.

الأحزاب 33:66

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾، أي تُقلَّبُ وجوهُ الكفار ظهرَ البطنِ، وقيل : تُقلَّبُ إلى سوادٍ، وقيل : تُقلَّبُ إلى الأقفيةِ. وقرأ أبو جعفر :(تَقَلَّبُ) بفتح التاء بمعنى تَتَقَلَّب. وقرأ عيسى بن عمر :(نُقَلِّبُ) بالنون وكسرِ اللام (وُجُوهَهُمْ) بالنصب. وقولهُ تعالى :﴿يَقُولُونَ يالَيْتَنَآ أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ﴾، في الدُّنيا.

الأحزاب 33:67

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ﴾ أي صرَفُونا عن الدِّين وعن سَبيلِ الهدى. قرأ الحسنُ وابن عامرٍ ويعقوب :(سَادَتِنَا) بالألفِ وكسر التاء على جمعِ الجمع.

الأحزاب 33:68

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿رَبَّنَآ آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، أي عذِّبْهم مِثْلَي عذابنا، فيكون ضعفٌ على كُفرِهم وضِعفٌ على دُعائهم لنا إلى الضلالِ. وقوله :﴿وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾، قرأ عاصم (كَبيراً) بالباء ؛ أي عظيماً، وقرأ الباقون بالثاء مِن الكثرة، وإنما اختاروا الكثرةَ لقوله :﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾[البقرة: ١٥٩] وقولهِ تعالى :﴿عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾[البقرة: ١٦١] فهذا يشهدُ للكثرة. حدثنا مُحَمَّد بن الحسن العسقلاني، قال :" سمعتُ مُحَمَّدَ بن السري يقولُ : رأيتُ في المنام كأنِّي في مسجدِ عَسقلان ؛ وكأنَّ رجُلاً يُناظِرُني ويقول :(وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبيرًا) وأنا أقولُ :(كَثِيراً). وإذا بالنبيِّ ﷺ فدخلَ علينا بالمسجدَ، وكان في وسطِ المسجد منارةً لها بابٌ، وكان النبيُّ ﷺ يقصدُها. فقلتُ : هذا النبيُّ ﷺ فقلتُ : السلامُ عليكَ يا رسولَ الله استَغفِرْ لي. فأمسكَ عنِّي، فجِئتهُ عن يمينهِ فقلتُ : يا رسولَ الله استغفِرْ لي، فأعرضَ عني، فقمتُ من تلقاءِ صدره، حدَّثَنا سُفيان بن عُيينة عن مُحَمَّد بن المنكدر وعن جابرِ بن عبدالله :" أنَّكَ مَا سُئِلْتَ شَيْئاً قَطْ فَقُلْتُ لاَ " فتبسَّم عليه السلام وقال :" اللَّهم اغفِرْ له ". فقلتُ : يا رسولَ الله إني وهذا نتكلَّمُ في قولهِ تعالى :(وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَثِيرًا)، فأنا أقولُ :(كَثِيراً) وهذا يقولُ :(كَبيراً)، قال : فدخلَ النبيُّ المنارةَ وهو يقولُ : كَثيراً، كَثِيراً، بالثاءِ إلى أن غابَ عني صوتهُ ".

الأحزاب 33:69

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَى فَبرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُواْ﴾، أي لا تكونُوا في أذى مُحَمَّد ﷺ كبني إسرائيلَ، الذين آذوا موسَى بعيبٍ أضافوهُ إليه، فبرَّأهُ اللهُ مما قالوا عليه، ﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾، أي رفيعَ القدر والمنزلةِ. واختلفوا في العيب الذي أضافَهُ بنوا إسرائيلَ إلى موسى، قال بعضُهم : كان هارونُ أحبَّ إلى بني إسرائيلَ من موسى لزيادةِ رفقه بهم، فلما ماتَ هارونُ في حالِ غيبتهما عنهم، قالوا : إنَّ موسى قتلَهُ لتخلصَ له النُّبوة، فأحياهُ الله تعالى حتى كذبَهم. وقال بعضُهم : كان أذاهُم له أنهم رَمَوه بالأَدَرَةِ لكثرةِ حيائه واستتارهِ عن الناس، وكانت بنوا إسرائيلَ عُراةً ينظرُ بعضهم إلى سَوءَةِ بعضٍ، وكان موسى يغتسلُ وحدَهُ، فقالوا : واللهِ ما يمنعُ موسَى أن يغتسلَ معنا إلا أنه آدَرَ. قال : فذهبَ يغتسلُ مرَّة، فوضعَ ثوبَهُ على حجرٍ، فذهبَ الحجرُ بثوبهِ، فخرجَ موسى من الماءِ في إثْرِ الحجرِ، يقول : ثَوبي يا حجرُ، حتى نظَرت بنوا إسرائيل إلى سَوأتهِ عليه السلام، فقالوا : واللهِ ما به من بأسٍ. فقامَ الحجرُ بعدما نظروا إليه وأخذ ثوبه، فطَفِقَ بالحجرِ ضَرباً. قال أبو هُريرة :" وَاللهِ إنَّ بالْحَجَرِ نُدَبٌ سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ مِنْ ضَرْب مُوسَى " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ أي حَظِيّاً لا يسألهُ شيئاً إلا أعطاهُ.

الأحزاب 33:70

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾، أي اتَّقوا عذابَ الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، ﴿وَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً﴾، قال ابنُ عباس :(صَوَاباً)، وقال الحسنُ :(صَادِقاً) يعني كلمةَ التوحيدِ : لا إلهَ إلاَّ اللهُ.

الأحزاب 33:71

وقولهُ تعالى :﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾، قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَاهُ يَتَقَبَّلُ حَسَنَاتِكُمْ) ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾، بسَدَادِ قَولِكم، ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾، أي فقد نالَ الخير كلَّهُ وظَفِرَ به، والفوزُ العظيم هو الظَّفَرُ بالكرامةِ والرضوان من اللهِ تعالى.

الأحزاب 33:72

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾، معناه : إنا عرَضنا الأمانةَ التي هي الشرائعُ والفرائض التي يتعلَّقُ بأدائها الثوابُ وبتركها العقاب. قال ابنُ عباس :(عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ الَّتِي زُيِّنَتْ بالنُّجُومِ وَحَمَلَتِ الْعَرْشَ الْعَظِيْمَ، فَقِيْلَ لَهُنَّ بأَخْذِ الأَمَانَةِ بَما فِيهَا، قُلْنَ : وَمَا فِيهَا، قِيلَ : إنْ أحْسَنْتُنَّ جُزِيتُنَّ، وَإنْ أسَأْتُنَّ عُوقِبْتُنَّ، قُلْنَ : لاَ. ثُمَّ عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَى الْجِبَالِ الصُّمِّ الشَّوَامِخِ الصِّلاَب الْبَوَاذِحِ)، ﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾. قال ابنُ جريج :(قَالَتِ السَّمَاءُ : يَا رَب خَلَقْتَنِي وَجَعَلْتَنِي سَقْفاً مَحْفُوظاً، وَأجْرَيتَ فِيَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ، لاَ أعْمَلُ فرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَاباً. وَقَالَتِ الأَرْضُ : يَا رَب جَعَلْتَنِي بسَاطاً وَمِهَاداً، وَشَقَقْتَ فِيَّ الأَنْهَارَ، وَأنْبَتَّ فِيَّ الأَشْجَارَ، لاَ أتَحَمَّلُ فَرِيضَةً وَلاَ أبْتَغِي ثَوَاباً وَلاَ عِقَاباً). ومعنى قولهِ :﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾ أي مخافةً وخِشيَةً لا معصيةً ولا مخالفة، والعرضُ كان تَخييراً لا إلزاماً، قولهُ :﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ أي خِفْنَ من الأمانةِ أن لا توفِّيها، فيلحقهُنَّ العقابُ، فأَبَوا ذلك تَعظيماً لدِين الله وخَوفاً أن لا يقوموا به، وقالوا : نحنُ مسخَّرات لأمرِكَ لا نريدُ ثَواباً ولا عقاباً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾، يعني : وحَملَها آدمُ عليه السلام قال الله له : يا آدمُ إني عرضتُ الأمانةَ على السَّموات والأرض والجبالَ فأبَين أن يحمِلنَها ولم يُطِقْنَها، فهل أنتَ آخذُها بما فيها ؟ قال : يا رب وما فيها ؟ قال : إنْ أحسنتَ جُزِيتَ، وإنْ أسأتَ عُوقِبْتَ. فتحمَّلها آدمُ، وقال : حَمَلتُها بين أذُنَيَّ وعاتِقي. قال ابنُ عباس :(عَرَضَ اللهُ عَلَى آدَمَ أدَاءَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي مَوَاقِيتِهَا، وَأدَاءَ الزَّكَاةِ عِنْدَ مَحِلِّهَا، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَحِجِّ الْبَيْتِ، عَلَى أنَّ لَهُ الثَّوَابَ وَعَلَيْهِ الْعِقَابَ، فَقَالَ : بَيْنَ أُذُنَيَّ وَعَاتِقِي). وقال مقاتل :(قَالَ اللهُ تَعَالَى لآدَمَ : أتَحْمِلُ هَذِهِ الأَمَانَةَ وَتَرْعَاهَا حَقَّ رعَايَتِهَا ؟ فَقَالَ آدَمُ : وَمَا لِي عِنْدَكَ ؟ قَالَ : إنْ أحْسَنْتَ وَأطَعْتَ وَرَعَيْتَ الأَمَانَةَ، فَلَكَ الْكَرَامَةُ وَحُسْنُ الثَّوَاب فِي الْجَنَّةِ، وَإنْ عَصَيْتَ وَأَسَأْتَ مُعَذِّبُكَ وَمُعَاقِبُكَ. قَالَ : قَدْ رَضِيتُ يَا رَب، وَتَحَمَّلَهَا. فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : قَدْ حَمَّلْتُكَهَا. فَذلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾. قال الكلبيُّ :(ظُلْمُهُ حَيْثُ عَصَى رَبَّهُ وَأُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَجَهْلُهُ حَيْثُ تَحْمَّلَهَا). وقال مقاتلُ :(ظَلُوماً لِنَفْسِهِ، جَهُولاً بعَاقِبَةِ مَا حُمِّلَ). وقال مجاهدُ :(لَمَّا خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَالْجِبَالَ، عُرِضَتِ الأَمَانَةُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَقْبَلْهَا فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَرَضَهَا عَلَيْهِ فَقَالَ : قَدْ تَحَمَّلْتُهَا يَا رَب. قال مجاهدُ : فَمَا كَانَ بَيْنَ أنْ تَحَمَّلَهَا وَبَيْنَ أنْ أُخْرِجَ مِنَ الْجَنَّةِ إلاَّ قَدْرَ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالظُّهْرِ). وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال :(إنَّ اللهَ قَالَ لآدَمَ : إنِّي عَرَضْتُ الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَلَمْ يُطِقْنَهَا، فَهَلْ أنْتَ حَامِلُهَا بمَا فِيهَا ؟ قَالَ : يَا رَب وَمَا فِيهَا ؟ قَالَ : إنْ حَفِظْتَهَا أُجِرْتَ، وَإنْ ضَيَّعْتَهَا عُوقِبْتَ، قَالَ : قَدْ تَحَمَّلْتُهَا.

الأحزاب 33:73

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾، أي ليعذبَهم اللهُ بما خَانُوا الأمانةَ وكذبوا الرُّسُلَ، ونقضِ الميثاق الذي أقَرُّوا به حين أُخرِجُوا من ظهرِ آدم. قال الحسنُ :(هَؤُلاَءِ الَّذِينَ خَانُوهَا، وَهُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوهَا). قَوْلهُ تَعَالَى :﴿وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، لأنَّهم أدَّوا الأمانةَ، وهي الفرائضُ. وقيل : معنى الآية : إنَّا عرَضنا الأمانةَ ليَظهَرَ نِفاقُ المنافقِ، وشِرْكُ المشركِ فيعذِّبُهم اللهُ، ويُظهِرَ إيمانَ المؤمنين فيتوبَ اللهُ عليهم بالمغفرةِ والرَّحمة إنْ حصلَ منهم تقصيرٌ في بعضِ الطاعات، وكذلك ذكرَ بلفظِ التوبة، فدلَّ على أن المؤمنَ العاصي خارجٌ من العذاب، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً﴾، للمؤمنين إذا تَابُوا، ﴿رَّحِيماً﴾، بمن ماتَ على التوبةِ.