Lafzullah

كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — الحديد 57:1 – الملك 67:30

المؤلف / المصدر: أبو بكر الحداد اليمني (ت 800هـ) · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-1239)

المحتويات
  1. الحديد 57:1
  2. الحديد 57:2
  3. الحديد 57:3
  4. الحديد 57:4
  5. الحديد 57:5
  6. الحديد 57:6
  7. الحديد 57:7
  8. الحديد 57:8
  9. الحديد 57:9
  10. الحديد 57:10
  11. الحديد 57:11
  12. الحديد 57:12
  13. الحديد 57:13
  14. الحديد 57:14
  15. الحديد 57:15
  16. الحديد 57:16
  17. الحديد 57:17
  18. الحديد 57:18
  19. الحديد 57:19
  20. الحديد 57:20
  21. الحديد 57:21
  22. الحديد 57:22
  23. الحديد 57:23
  24. الحديد 57:24
  25. الحديد 57:25
  26. الحديد 57:26
  27. الحديد 57:27
  28. الحديد 57:28
  29. الحديد 57:29
  30. المجادلة 58:1
  31. المجادلة 58:2
  32. المجادلة 58:3
  33. المجادلة 58:4
  34. المجادلة 58:5
  35. المجادلة 58:6
  36. المجادلة 58:7
  37. المجادلة 58:8
  38. المجادلة 58:9
  39. المجادلة 58:10
  40. المجادلة 58:11
  41. المجادلة 58:12
  42. المجادلة 58:13
  43. المجادلة 58:14
  44. المجادلة 58:15
  45. المجادلة 58:16
  46. المجادلة 58:17
  47. المجادلة 58:18
  48. المجادلة 58:19
  49. المجادلة 58:20
  50. المجادلة 58:21
  51. المجادلة 58:22
  52. الحشر 59:1
  53. الحشر 59:2
  54. الحشر 59:5
  55. الحشر 59:6
  56. الحشر 59:7
  57. الحشر 59:8
  58. الحشر 59:9
  59. الحشر 59:10
  60. الحشر 59:11
  61. الحشر 59:12
  62. الحشر 59:13
  63. الحشر 59:14
  64. الحشر 59:15
  65. الحشر 59:16
  66. الحشر 59:17
  67. الحشر 59:18
  68. الحشر 59:19
  69. الحشر 59:20
  70. الحشر 59:21
  71. الحشر 59:22
  72. الحشر 59:23
  73. الحشر 59:24
  74. الممتحنة 60:1
  75. الممتحنة 60:2
  76. الممتحنة 60:3
  77. الممتحنة 60:4
  78. الممتحنة 60:5
  79. الممتحنة 60:6
  80. الممتحنة 60:7
  81. الممتحنة 60:8
  82. الممتحنة 60:9
  83. الممتحنة 60:10
  84. الممتحنة 60:11
  85. الممتحنة 60:12
  86. الممتحنة 60:13
  87. الصف 61:1
  88. الصف 61:2
  89. الصف 61:3
  90. الصف 61:4
  91. الصف 61:5
  92. الصف 61:6
  93. الصف 61:7
  94. الصف 61:8
  95. الصف 61:9
  96. الصف 61:10
  97. الصف 61:11
  98. الصف 61:12
  99. الصف 61:13
  100. الصف 61:14
  101. الجمعة 62:1
  102. الجمعة 62:2
  103. الجمعة 62:3
  104. الجمعة 62:4
  105. الجمعة 62:5
  106. الجمعة 62:6
  107. الجمعة 62:7
  108. الجمعة 62:8
  109. الجمعة 62:9
  110. الجمعة 62:10
  111. الجمعة 62:11
  112. المنافقون 63:1
  113. المنافقون 63:2
  114. المنافقون 63:3
  115. المنافقون 63:4
  116. المنافقون 63:5
  117. المنافقون 63:6
  118. المنافقون 63:7
  119. المنافقون 63:8
  120. المنافقون 63:9
  121. المنافقون 63:10
  122. المنافقون 63:11
  123. التغابن 64:1
  124. التغابن 64:2
  125. التغابن 64:3
  126. التغابن 64:4
  127. التغابن 64:5
  128. التغابن 64:6
  129. التغابن 64:7
  130. التغابن 64:8
  131. التغابن 64:9
  132. التغابن 64:10
  133. التغابن 64:11
  134. التغابن 64:12
  135. التغابن 64:13
  136. التغابن 64:14
  137. التغابن 64:15
  138. التغابن 64:16
  139. التغابن 64:17
  140. التغابن 64:18
  141. الطلاق 65:1
  142. الطلاق 65:2
  143. الطلاق 65:3
  144. الطلاق 65:4
  145. الطلاق 65:5
  146. الطلاق 65:6
  147. الطلاق 65:7
  148. الطلاق 65:8
  149. الطلاق 65:9
  150. الطلاق 65:10
  151. الطلاق 65:11
  152. الطلاق 65:12
  153. التحريم 66:1
  154. التحريم 66:2
  155. التحريم 66:3
  156. التحريم 66:4
  157. التحريم 66:5
  158. التحريم 66:6
  159. التحريم 66:7
  160. التحريم 66:8
  161. التحريم 66:9
  162. التحريم 66:10
  163. التحريم 66:11
  164. التحريم 66:12
  165. الملك 67:1
  166. الملك 67:2
  167. الملك 67:3
  168. الملك 67:4
  169. الملك 67:5
  170. الملك 67:6
  171. الملك 67:7
  172. الملك 67:8
  173. الملك 67:9
  174. الملك 67:10
  175. الملك 67:11
  176. الملك 67:12
  177. الملك 67:13
  178. الملك 67:14
  179. الملك 67:15
  180. الملك 67:16
  181. الملك 67:17
  182. الملك 67:18
  183. الملك 67:19
  184. الملك 67:20
  185. الملك 67:21
  186. الملك 67:22
  187. الملك 67:23
  188. الملك 67:24
  189. الملك 67:25
  190. الملك 67:26
  191. الملك 67:27
  192. الملك 67:28
  193. الملك 67:29
  194. الملك 67:30

الحديد 57:1

﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي خضعَ وصلَّى للهِ ما في السَّموات من الملائكةِ من الخلْقِ، ونزَّهوهُ عن السُّوء والأنداد، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ ؛ في مُلكهِ وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في أمرهِ وقضائهِ.

الحديد 57:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي له خزائنُ السَّموات والأرضِ من المطرِ والنبات وغير ذلك، ﴿يُحْيِـي﴾ ؛ للبعثِ، ﴿وَيُمِيتُ﴾ ؛ عند انقضاءِ الآجالِ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من الإحياءِ والإماتةِ، ﴿قَدِيرٌ﴾ أي قادرٌ.

الحديد 57:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ؛ أي هو الأولُ بلا ابتداءٍ، والآخرُ بلا انتهاءٍ، لم يزَلْ قديماً قبلَ كلِّ شيء، وهو الدائمُ بعد فناءِ كلِّ شيء، وهو الظاهرُ الغالبُ على كلِّ شيء، والظاهرُ هو القاهرُ، ومنه قولهُ﴿فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾[الصف: ١٤] أي غالِبين. ويقالُ : ظهرَ الأميرُ على بلدِ كذا ؛ إذا غلبَ عليها، وهو الباطنُ الذي لا يدرَكُ بالحواسِّ ولا يقاسُ بالناسِ. وَقِيْلَ : معناهُ : هو الظاهرُ بأدلَّتهِ العالِمُ بما بَطُنَ من أُمور خلقهِ. وَقِيْلَ : الباطنُ الْمُحْتَجِبُ عن الأبصار، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من الظاهرِ والباطنِ، ﴿عَلِيمٌ﴾.

الحديد 57:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ ذلك. قوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ما يدخلُ فيها فيُستَرُ، كما يعلمُ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ؛ فيظهَرُ، وَيعلمُ، ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾، مِن مَلَكٍ ورزقٍ ومطر، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ؛ وما يصعَدُ إليها من الملائكةِ وأعمالِ العباد، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ؛ أي وهو أعلمُ بأقوالِكم وأفعالِكم وعزائِمكم في أيِّ موضعٍ كنتم، فليس يخلُو أحدٌ من علمِ الله وقُدرتهِ أينَما كان في الأرضِ أو في السَّماء أو في برٍّ أو في بحرٍ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وما بعدَ هذا :﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ظاهرُ المعنى.

الحديد 57:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ ذلك. قوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ما يدخلُ فيها فيُستَرُ، كما يعلمُ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ؛ فيظهَرُ، وَيعلمُ، ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾، مِن مَلَكٍ ورزقٍ ومطر، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ؛ وما يصعَدُ إليها من الملائكةِ وأعمالِ العباد، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ؛ أي وهو أعلمُ بأقوالِكم وأفعالِكم وعزائِمكم في أيِّ موضعٍ كنتم، فليس يخلُو أحدٌ من علمِ الله وقُدرتهِ أينَما كان في الأرضِ أو في السَّماء أو في برٍّ أو في بحرٍ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وما بعدَ هذا :﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ظاهرُ المعنى.

الحديد 57:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرُ ذلك. قوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي ما يدخلُ فيها فيُستَرُ، كما يعلمُ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ ؛ فيظهَرُ، وَيعلمُ، ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ﴾، مِن مَلَكٍ ورزقٍ ومطر، ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ ؛ وما يصعَدُ إليها من الملائكةِ وأعمالِ العباد، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ؛ أي وهو أعلمُ بأقوالِكم وأفعالِكم وعزائِمكم في أيِّ موضعٍ كنتم، فليس يخلُو أحدٌ من علمِ الله وقُدرتهِ أينَما كان في الأرضِ أو في السَّماء أو في برٍّ أو في بحرٍ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. وما بعدَ هذا :﴿لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ الْلَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الْلَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. ظاهرُ المعنى.

الحديد 57:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي صدِّقُوا باللهِ بأنَّهُ خالقُكم وإلهكم، وصدِّقُوا برسولهِ أنَّهُ صادقٌ فيما يؤدِّيه إليكم، ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ ؛ في الجهادِ وعلى الضُّعفاء، وغيرِ ذلك من سُبل الخيرِ من الأموالِ التي جعلَكم اللهُ مُستَخلفين فيها بأن أورثْكُموها ممن كان قبلَكم. ويقال : إن الأموالَ التي في الدُّنيا لا تخلُو إمَّا أنْ تكون قد صارت إلينا فنحنُ خلفاؤُهم فيها، أو تصيرُ منَّا إلى غيرِنا فهم خلفاءنا فنحفَظُها، قَوُلهُ تَعَالَى :﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ أي لهم ثوابٌ عظيم في الآخرةِ.

الحديد 57:8

قَوْلُه تَعَالَى :﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ؛ هذا استفهامُ إنكارٍ ؛ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم من الثَّواب في الآخرةِ إذا لم تُؤمِنوا باللهِ بعدَ قيامِ الحجَّة عليكم على وحدانيَّة اللهِ تعالى وتَمامِ علمهِ وكمالِ مُلكهِ، وأيُّ عُذرٍ يَمنَعُكم من الأيمانِ بالله تعالى، ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ ؛ في ظهرِ آدمَ بأنَّ اللهَ ربَّكم لا إلهَ إلاّ هو ولا معبودَ سواهُ. وَقِيْلَ : معنى :﴿أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ ركَّبَ فيكم العقولَ وأقامَ الحججَ والدلائل التي تدعُو إلى متابعةِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم. قرأ العامَّةُ (أخَذ) بفتحِ الهمزة وفتحِ القاف، وقرأ أبو عمرٍو بضمِّها على ما لَمْ يسَمَّ فاعلهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ ؛ يعني إنْ كُنتم مُصدِّقين كما تزعُمون.

الحديد 57:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ؛ معناهُ : هو الذي يُنَزِّلُ على عبدهِ مُحَمَّدٍ ﷺ آياتٍ بيِّناتٍ، يعني القرآنَ، ليُخرِجَكم من ظُلماتِ الشِّرك إلى نُور الإيمانِ، ومِن ظُلمات الجهلِ إلى نور العلم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ يعني حين بعثَ الرسولَ ونصبَ الأدلَّة.

الحديد 57:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ معناهُ : أيُّ شيءٍ لكم في تركِ الإنفاقِ في نُصرَةِ الإسلامِ ومُواساةِ الفُقراءِ وأنتم ميِّتون تَاركون أموالَكم، واللهُ سبحانه يرزُقكم، ويرِثُ ما في السَّموات والأرضِ، يُمِيتُ مَن فيهما ويرِثُ مَن عليها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ؛ معناهُ : لا يستوِي منكم في الفَضلِ مَن أنفقَ مالَهُ وقاتلَ العدوَّ مِن قبلِ فتح مكَّة مع مَن أنفقَ من بعدُ وقاتلَ. قال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه) قِيْلَ : هذا أنَّهُ كان أوَّلَ مَن أنفقَ المالَ على رسولِ الله ﷺ في سبيلِ الله، وأوَّلَ مَن قاتلَ في الإسلامِ. وقال ابنُ مسعودٍ :(أوَّلُ مَنْ أظْهَرَ إسْلاَمَهُ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، وَقَدْ شَهِدَ لَهُ النِّبيُّ ﷺ بأَنَّهُ أنْفَقَ مَالَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ). قَالَ العلاءُ بن عمرٍو :" بَيْنَا النَّبيُّ ﷺ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَعَلَيْهِ عَبَاءَةٌ، قَدْ خَلَّهَا علَىَ صَدْرهِ بخِلاَلٍ إذْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ : مَا لِي أرَى أبَا بَكْرٍ عَلَيْهِ عَبَاءَةٌ ؟ فَقَالَ : يَا جِبْرِيلُ إنَّهُ أنْفَقَ مَالَهُ قَبْلَ الْفَتْحِ عَلَيَّ، قَالَ : فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلاَمَ وَقُلْ لَهُ : يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ : أرَاضٍ أنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذا أمْ سَاخِطٌ ؟ فَقَالَ ﷺ :" يَا أبَا بَكْرٍ ؛ هَذا جِبْرِيلُ يُقْرِؤُكَ السَّلاَمَ مِنَ اللهِ تَعَالَى، وَيَقُولُ لَكَ رَبُّكَ : أرَاضٍ أنْتَ عَنِّي فِي فَقْرِكَ هَذا أمْ سَاخِطٌ ؟ " فَبَكَى أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَقَالَ أعَلَى رَبي أغْضَبُ؟! أنَا عَنْ رَبي رَاضٍ ". وفي هذه الآيةِ دلالةٌ واضحة وحُجَّةٌ بَيِّنَةٌ على فضلِ أبي بكر وتَقديمِه على سائرِ الصَّحابة، كما رُوي عن عليٍّ رضي الله عنه أنه قال :(لاَ أُؤتَي برَجُلٍ فَضَّلَنِي عَلَى أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ إلاَّ جَلَدْتُهُ حَدَّ الْمُفْتَرِي). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ ؛ معناهُ : أولئكَ أعظمُ ثَواباً وأفضلُ درجةً عند اللهِ من الذين أنفَقُوا من بعدِ فتحِ مكَّة وقاتَلُوا بعدَهُ، وإنما فضَّلَ اللهُ المنفقِين والمقاتلين من قبلِ الفتحِ ؛ لأن الإنفاقَ والقتالَ في ذلك الوقتِ كان أشدَّ على النفسِ، وكانت الحاجةُ اليها أمَسُّ لقلَّة المسلمِين. ثم بيَّنَ اللهُ تعالى أنَّ لِكِلاَ الفرِيقين الحسنَى وهو الجنةُ، إلاّ أنَّهم مُتفاوتون في الدَّرجَات فقال :﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ ؛ أي وكِلاَ الفريقين وعدَ اللهُ الجنةَ، وقرأ ابنُ عامرٍ (وَكُلٌّ) بالرفعِ على الاستئنافِ على لُغة مَن يقولُ : زيدٌ ضرَبتُ. وقولهُ تعالى :﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ أي عالِمٌ بما يعملهُ كلُّ واحدٍ منكم.

الحديد 57:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ في البقرةِ. قال أهلُ العلمِ : القرضُ الحسَنُ أنْ يكون من الحلالِ ؛ لأنَّ اللهَ طِّيبٌ لا يقبلُ إلاّ طيِّباً، وأنْ يكون من أحسَنِ ما يملكهُ دون أن يقصِدَ الرديءَ لقولهِ تعالى :﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾[البقرة: ٢٦٧]، وأن يتصدَّقَ وهو لِحُب المالِ ويرجُو الحياةَ ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ سُئل عن أفضلِ الصَّدقات فقالَ :" أنْ تَتَصَدَّقَ وَأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ، وَلاَ تُمْهِلْ حَتَّى إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ، قُلْتَ : لِفُلاَنٍ كَذا وَلِفُلاَنٍ كَذا، وَأنْ تَضَعَ الصَّدَقَةَ فِي الأَحْوَجِ الأَوْلَى " وأنْ يكتُمَ الصدقَةَ ما أمكنَ لقولهِ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾[البقرة: ٢٧١]، وإن لا يتبعَ الصدقةَ المنَّ والأذى لقوله تعالى﴿لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾[البقرة: ٢٦٤]، وأن يقصِدَ بها وجهَ اللهِ ولا يُرائِي بها، وأن يستحقرَ ما يُعطي وإنْ كَثُرَ ؛ لأن الدُّنيا كلها قليلةٌ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾[النساء: ٧٧] وأن يكون مِن أحب مالهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾[آل عمران: ٩٢] وهذه تسعةُ أوصافٍ إذا استكمَلَتها الصدقةُ كانت قَرْضاً حَسناً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ فيه قراءَتان : مَن قرأ بالرفعِ فعلى العطفِ على ﴿يُقْرِضُ﴾ أو على الاستئنافِ على معنى فهو يضاعفُهُ، ومَن قرأ بنصب الفاء فعلى جواب الاستفهامِ بالفاء، وقولهُ تعالى :﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ الأجرُ الكريم الذي يقعُ به النفعُ العظيم وهو الجنَّة.

الحديد 57:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ معناهُ : اذكُرْ يومَ تراهُم، ويجوزُ أن يكون انتصابُ اليومِ على معنى ولَهم أجرٌ كريم يسعَى نورُهم بين أيدِيهم وبأَيمانِهم على الصِّراطِ يومَ القيامةِ، وهو دليلُهم إلى الجنَّة. وأرادَ بالنور القرآنَ، وَقِيْلَ : نورُ الإيمانِ والطاعةِ، تظهرُ لهم فيمشون فيه، قال ابنُ مسعودٍ :(يُؤتَوْنَ نُورَهُمْ عَلَى قَدْر أعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُؤتَى نُورَهُ مِثْلُ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤتَى نُورَهُ كَالنَّخْلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤتَى نُورَهُ كَالرَّجُلِ الْقائِمِ، وَأدْنَاهُمْ نُوراً نُورُهُ عَلَى إبْهَامِهِ يُطْفِيءُ مَرَّةً وَيُوقَدُ أُخْرَى). وقال قتادةُ :(الْمُؤْمِنُ يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ كَمَا بَيْنَ عَدَنَ وَصَنْعَاءَ وَدُونَ ذلِكَ، حَتَّى أنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِين مَنْ لاَ يُضِيءُ لَهُ نُورُهُ إلاَّ مَوْضِعَ قَدَمَيْهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَبِأَيْمَانِهِم﴾ قال الضحَّاكُ ومقاتل :(وَبأَيْمَانِهِمْ كُتُبُهُمُ الَّتِي أُعْطُوهَا، فَكُتُبُهُمْ بأَيْمَانِهِمْ، وَنُورُهُمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ). وتقولُ لَهم الملائكةُ :﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ يعني أنْهارَ اللَّبَنِ والخمرِ والعسلِ والماء، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ لا يَمُوتون ولا يُخرَجون منها، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.

الحديد 57:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ نُوراً﴾ ؛ أيِ احذرُوا يومَ يقولُ المنافقون للمؤمنينِ المخلصِين : انظُرونا نُضِيءُ بنُوركم فنَمضِي معَكم على الصِّراطِ، وذلك أنَّ المنافقين تغشَاهُم ظلمةٌ حتى لا يكادُون ينظرون مواضعَ أقدامِهم، فينادون المؤمنين نَقتَبسْ من نُوركم. قرأ حمزةُ (أنْظِرُونَا) بقطع الألف وكسرِ الظاء ؛ أي أمهِلُونَا، وقال الزجَّاجُ :(مَعْنَاهُ : انْتَظِرُونَا أيْضاً)، وقال عمرُو بن كلثوم : أبَا هِنْدٍ فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْنَا وَأنْظِرْنَا نُخَبرْكَ الْيَقِينَاقال المفسِّرون : إذا كان يومُ القيامةِ، أعطَى اللهُ المؤمنين نُوراً على قدر أعمالهم يَمشُون به على الصِّراطِ، وأعطَى اللهُ المنافقِين نُوراً كذلكَ خديعةً لَهم فيما بينهم كذلك يَمشون، إذا بعثَ اللهُ ريحاً وظلمةً فانطفأَ نورُ المنافقِين، فعندَ ذلك يقولُ المؤمنون : ربَّنا أتْمِمْ لنا نُورَنا، مخافةَ أن يُسلَبَ كما سُلِبَ المنافِقُون. ويقولُ : المنافِقُون حينئذٍ للمؤمنين : أنْظُرُونَا نَقتَبسْ من نُوركم، فيقولون لَهم : لا سبيلَ لكم إلى الاقتباسِ من نُورنا، فارجِعُوا وراءَكم فاطلُبوا هنالكَ لأنفُسِكم نُوراً، فيرجِعُون في طلب النُّور فلا يجدُون، فيقولُ لَهم الملائكةُ : ارجعوا إلى الموضعِ الذي أخَذنا منه النُّور فاطلُبوا نوراً، فإنَّ المؤمنين حَمَلُوا النورَ من الدُّنيا بإيمانِهم وطاعتِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ ؛ معناهُ : فيُميَّزُ بين المؤمنِين والمنافقين بأنْ يُضرَبَ بينهم بجدارٍ كبيرٍ يقالُ له السُّورُ، وهو الذي يكونُ عليه أصحابُ الأعرافِ، وهو حاجزٌ بين الجنَّة والنار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّهُ بَابٌ﴾ ؛ أي للسُّور بابٌ، ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ ؛ وهي الجنَّة التي فيها المؤمنون، ﴿وَظَاهِرُهُ﴾ ؛ أي وخارجُ السُّور، ﴿مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ ؛ يعني جهنَّمَ والنارَ.

الحديد 57:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : أنَّ المنافقِين يُنادون المؤمنين من وراءِ السُّور، ألَمْ نكن معكم في الدُّنيا على دينِكم نناكحكم ونوارثكم ونصَلِّي معكم في مساجدِكم، ﴿قَالُواْ بَلَى وَلَـاكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ ؛ أي أهلَكتُموها بالنِّفاقِ والمعاصِي والشَّهوات وكلُّها فتنةٌ، ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ ؛ بمُحَمَّدٍ الموتَ وبالمؤمنين الدوائرَ، وقُلتم : يوشِكُ أن يموتَ مُحَمَّدٌ فنستريحَ منه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ ؛ أي شَكَكْتُمْ في توحيدِ الله وفي نُبوَّة مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَغرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ﴾ ؛ يعني : ما كانوا يتمنَّون من قتلِ مُحَمَّدٍ ﷺ وهلاكِ المسلمين، وغرَّتكُم أيضاً الأباطيلُ وطولُ الآمالِ، ﴿حَتَّى جَآءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ ؛ يعني الموتَ والبعثَ، ﴿وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ؛ أي وغَرَّكم الشيطانُ بحُكمِ اللهِ وإمهالهِ عن طاعة اللهِ.

الحديد 57:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ﴾ ؛ لا يُقبَلُ منكم بَدْلٌ تَفدُونَ به أنفُسَكم من العذاب، ﴿وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ ولا من الذين يُظهِرُون الكفرَ، قرأ ابنُ عامرٍ والحسن ويعقوب :(لاَ تُؤْخَذُ) بالتاء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ ؛ أي أولَى بكم وأحقُّ أن تكون مَسكَناً لكم قد ملَكَت أمرَكم، فهي أولَى بكم من كلِّ شيءٍ، وأنتم أولى بها، ومنه المولَى لأنه أولَى بعبيدهِ من غيره، ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ النارُ، قال قتادةُ :(مَا زَالُوا عَلَى خُدْعَةٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى قَذفَهُمُ اللهُ فِي النَّار).

الحديد 57:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُواْ أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ؛ معناهُ : أمَا حانَ للمؤمنين الذين تكَلَّموا بكلمةِ الإيمان إذا سَمِعُوا القرآنَ أنْ تخشعَ قلوبُهم لذكرِ الله وتَلِينُ وتَرِقُّ، قال ابنُ مسعود :(مَا كَانَ بَيْنَ إسْلاَمِنَا وَبَيْنَ أنْ عَاتَبَنَا اللهُ بهَذِهِ إلاَّ أرْبَعَ سِنِينَ). والمعنى : يجبُ أن يُورثَهم الذكرُ خُشوعاً ولا يكونوا كمَنْ يَذكُره بالغَفلَةِ، ولا يخشعُ للذِّكر قلبهُ. وقوله ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ يعني القرآنَ، قرأ نافع وعاصم مخفَّفاً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَكُونُواْ كَالَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ ؛ وهم اليهودُ والنصارى، وموضعُ ﴿وَلاَ يَكُونُواْ﴾ النصبَ عطفاً على قولهِ تعالى ﴿أَن تَخْشَعَ﴾ و ﴿وَلاَ يَكُونُواْ﴾، قال الأخفشُ :(وَإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ نَهْياً) وهذه زيادةٌ في وعظِ المؤمنين، معناهُ : ولا يَكُونوا في قَسَاوَةِ القلوب كالذين أُعطُوا التوراةَ والإنجيلَ من قبلِ المؤمنين، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ﴾ ؛ الزمانُ بينهم وبين أنبيائهم، ﴿فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ؛ قال ابنُ عباس :(مَالُوا إلَى الدُّنْيَا وَأعْرَضُواْ عَنْ مَوَاعِظِ اللهِ، فَلَمْ تَلِنْ قُلُوبُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ كَلاَمِ اللهِ تَعَالَى). وقوله تعالى :﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي خارجون عن طاعةِ الله، وإنَّما قالَ ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ لأنه كان منهم مَن أسلمَ.

الحديد 57:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِـي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ؛ تنبيهٌ على الاستدلالِ بإحياءِ الأرض بعدَ مَوتِها على البعثِ والنُشور.

الحديد 57:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثير وعاصم بتخفيفِ الصَّاد من التَّصْدِيقِ، تقديرهُ : إنَّ المؤمنين والمؤمناتِ، وقرأ الباقون تشدِيدها، يعني الْمُصَّدِّقِينَ من الصَّدَقَةِ، أُدغمت التاءُ في الصادِ، ﴿وَأَقْرَضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ بالصَّدقة والنفقةِ في سبيله، ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ ؛ قرأ ابنُ كثير وابن عامر (يُضَعِّفُ) بالتشديدِ، وقوله :﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ ؛ يعني الجنَّة.

الحديد 57:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ ؛ واحدُهم صِدِّيقٌ وهو الكثيرُ الصِّدقِ، والصِّدِّيقُونَ لَمْ يَشُكُّوا في الرُّسل حين أخبَرُوهم، ولم يُكذِّبُوهم ساعةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ ؛ قال بعضُهم : تمامُ الكلامِ عند قولهِ ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم ابتدأ فقالَ :﴿وَالشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ وخبرهُ :﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ ؛ والشهداءُ على هذا القولِ يحتملُ أنَّ المرادَ بهم الأنبياءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ الذين يَشهَدُون يومَ القيامةِ لِمَن صدَّقَ بالتصديقِ وعلى مَن كذبَ بالتكذيب، ويحتملُ أنَّ المرادَ بهم الذين قُتِلُوا في سبيلِ الله. وقال بعضُهم : وقوله ﴿وَالشُّهَدَآءُ﴾ عطفٌ على الصِّدِّيقِينَ ومعنى : الشُّهداء على سائرِ المؤمنين، ففي الحديثِ :" الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللهِ فِي أرْضِهِ " وقالَ ﷺ :" كُلُّ مُؤمِنٍ شَهِيدٌ " ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾.

الحديد 57:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ ؛ يعني الحياةَ الدُّنيا كاللَّعب واللَّهوِ في سُرعَةِ فنائِها وانقضائها، ونظيرُ هذا قولهُ ﷺ :" الطَّوَافُ بالْبَيتِ صَلاَةٌ " أي كالصَّلاة، ويقالُ : فلانٌ يجرِي كالبحرِ في السَّخاء، وفلانٌ أسَدٌ ؛ أي كالأسدِ في الشَّجاعة. وقولهُ تعالى ﴿وَزِينَةٌ﴾ أي منظرٌ حسَنٌ، والمعنى : إنما الحياةُ الدُّنيا لعبٌ ولَهوٌ كلعب الصبيان، وزينةٌ كزِينَةِ النِّسوانِ، ﴿وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلَادِ﴾ كتكَاثُرِ الدُّهقان. قال عليُّ بن أبي طالبٍ لعمَّار بن ياسرٍ :(لاَ تَحْزَنْ عَلَى الدُّنْيَا ؛ فَإنَّهَا سِتَّةُ أشْيَاءٍ : مَطْعُومٌ ؛ وَمَشْرُوبٌ ؛ وَمَلْبُوسٌ ؛ وَمَشْمُومٌ ؛ وَمَرْكُوبٌ ؛ وَمَنْكُوحٌ، فَأَكْبَرُ طَعَامِهَا الْعَسَلُ وَهُوَ بُزَاقُ ذُبَابَةٍ، وَأكْبَرُ شَرَابهَا الْمَاءُ وَفِيهِ يَسْتَوِي جَمِيعُ الْحَيْوَانَاتِ، وَأكْبَرُ مَلْبُوسِهَا الدِّيبَاجُ وَهُوَ نَسْجُ دُودَةٍ، وَأكْبَرُ مَشْمُومِهَا الْمِسْكُ وَهُوَ دَمُ فَأْرَةٍ أوْ ظَبْيَةٍ، وَأكْبَرُ مَرْكُوبهَا الْفَرَسُ وَعَلَيْهِ يُقْتَلُ الرِّجَالُ، وَأكْبَرُ مَنْكُوحِهَا النِّسَاءُ وَهُوَ مُبَالٌ فِي مُبَالٍ). قَوْلُهُ تََعَالَى :﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ ؛ أي مثَلُ الدُّنيا كمثلِ مطَرٍ أعجبَ الزُّرَّاعَ نباتهُ، والكفرُ في اللغةِ هو التَّغطِيَةُ، وسُمِّي الكافرُ كافراً ؛ لأنه يُغَطِّي الحقَّ بالباطلِ، والزَّارعُ يُغَطِّي الحبَّ بالأرضِ. والمعنى : كمَثَلِ غيثٍ أعجبَ الزُّرَّاعَ ما نبتَ من ذلك الغيثِ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً﴾ ؛ أي ثم يَبينُ فيصير مُصْفَرّاً بعدَ خُضرَتِهِ وريِّه، ﴿ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً﴾ ؛ أي متَكَسِّراً مفَتَّتاً تحتَ أرجُلِ الدواب، كذلك الدُّنيا تزولُ وتفنَى، كما لا يبقَى هذا الزرعُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾ ؛ أي عذابٌ شديد للكفَّار والمنافقِين، ومغفرةٌ من اللهِ ورضوانٌ للمؤمنين المطيعِين، وقولهُ تعالى :﴿وَمَا الْحَيَاوةُ الدُّنْيَآ إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ ؛ هي في سُرعَةِ فَنائِها ونفَادِها مثل متاعِ البيت في سُرعةِ فنائه وفراغهِ وسقوطه وانكسارهِ. وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّهُ كان يقولُ في صفةِ الدنيا :(أمَّا مَاضِي فحَكَم، وَأمَّا مَا يُغْنِي فَأَمَانِيُّ وَغُرُورٌ). وقالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" الرَّغْبَةُ فِي الدُّنْيَا تكْثِرُ الْهَمَّ وَالْحُزْنَ، وَالزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا يُرِيحُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ ".

الحديد 57:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ﴾ ؛ أي سَابقوا إلى ما أُمِرتُم وإلى التَّوبةِ لتنالوا مغفرةً من ربكم جنَّةٍ سِعَتُها كسِعَةِ السَّماء والأرضِ. وَقِيْلَ : المرادُ بالآيةِ السَّبْقُ إلى الجهادِ والجمُعة والجماعاتِ وسائر أعمالِ البرِّ، وباقي الآيةِ ظاهرٌ. ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.

الحديد 57:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾ ؛ معناهُ : ما أصابَ أحداً مصيبةً في الأرضِ من قحطِ المطر وقلَّة النباتِ ونقصِ الثِّمار، ﴿وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ﴾ من المرضِ والموتِ وفَقدِ الأولادِ، إلاَّ وهو مكتوبٌ في اللَّوح المحفوظِ من قبل أن نخلُقَ الأرضَ. ويقالُ : من قبلِ أن نخلُقَ النَّفسَ، ويقالُ : من قبلِ أن نقدِّرَ تلك المصيباتِ في اللَّوح المحفوظِ ؛ لأن خلقَ ذلك وتقديرَهُ على الله هيَّنٌ. والْبَرَأُ في اللغة هو الْخَلْقُ، والبَارئُ : الخالقُ، والبَرِيَّةُ : الخليقةُ. قوله :﴿إِنَّ ذَالِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ؛ يعني إثباتُ ذلك كله مع كَثرتهِ على الله هيِّنٌ.

الحديد 57:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾ ؛ بالصبرِ عند المصائب، والشُّكرِ عند النِّعَمِ، لأنَّ العاقلَ إذا عَلِمَ الذي فاتَهُ كان مكتوباً عليه، دعاهُ ذلك إلى تركِ الْجَزَعِ، وكانت نفسهُ أسكنَ وقلبهُ أطيبَ، وإذا عَلِمَ أنَّ الذي أتاهُ من الدنيا كان مَكتوباً له قبلَ أن يصيرَ إليه، وأنه لا يبقَى عليه، دعاهُ ذلك إلى تركِ النظرِ. قرأ أبو عمرو (أتَاكُمْ) بالقصرِ ؛ أي جاءَكُم، واختارَهُ أبو عُبيد لقوله (فَاتَكُمْ) ولم يقل : أفَاتَكُمْ، وقرأ الباقون (آتَاكُمْ) بالمدِّ ؛ أي أعطَاكُم، واختارَهُ أبو حاتم، وكان الحسَنُ يقولُ لصاحب المال :(فِي مَالِهِ مُصِيبَتَانِ لَمْ يَسْمَعِ الأَوَّلُونَ وَالآخِرُونَ بمِثْلِهَا : يُسْلَبُ عَنْ كُلِّهِ وَيُسْأَلُ عَنْ كُلِّهِ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ؛ فيه ذمٌّ للفرحِ الذي يختالُ ويبطرُ بالمالِ والولدِ والولايةِ.

الحديد 57:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ ؛ يعني الذين يمتَنِعون عن أداءِ الحقوق الواجبة في المالِ، ويمنَعُون الناسَ عن أداءِ تلك الحقوق، وهذا نعتُ المختالِ الفخور. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ؛ أي مَن يعرِضْ عن الإيمانِ وعن أداءِ الحقوق، فإنَّ اللهَ هو الغنيُّ عنه وعن إيمانهِ، وهو المحمودُ في أفعالهِ، قرأ نافعُ وابن عامر (فَإنَّ اللهَ الْغَنِيُّ)، وقرأ الباقون (هُوَ الْغَنِيُّ).

الحديد 57:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالآياتِ والْحُجَجِ، ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ ؛ الذي يتضمَّنُ الأحكامَ، وقولهُ تعالى :﴿وَالْمِيزَانَ﴾ يعني العدلَ ؛ أي أمَرَ بالعدلِ، وَقِيْلَ : يعني الذي يُوزَنُ به ؛ أي أمَرَنا بالميزانِ، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي ليتَعامَلُون بينهم بالعدلِ والنُّصفَةِ. وقولهُ تعالى :﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَعَهُ الإِبْرَةُ وَالْمِطْرَقَةُ وَالْكَلْبَتَيْنِ). وَقِيْلَ : المرادُ بإنزالِ الحديد أنه خلقَهُ اللهُ في الجبالِ والمعادن. وقوله تعالى ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي قوَّةٌ شديدةٌ، لا يُلَيِّنهُ إلاَّ النارُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ يعني الفؤوسَ والسكاكينَ والإبرةَ وآلةَ الحرب وآلة الدفعِ يعني السِّلاحَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ؛ أي وليعلَمَ اللهُ مَن ينصرُ دِينَهُ وينصرُ رسلَهُ بهذه الأسلحةِ، واللهُ سبحانه لم يزَلْ عَالِماً بمَن ينصرُ ومَن لا ينصرُ ؛ لأن عِلْمَ اللهِ لا يكون حَادِثاً، لأنَّ المرادَ بهذا العلمِ الإظهارُ والتمييز. وقوله تعالى ﴿بِالْغَيْبِ﴾ معناهُ : ولَمْ يَرَ اللهَ ولا أحكامَ الآخرة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ؛ فيه بيانُ أنه تعالَى لم يأمُرْ بالجهادِ عن ضَعْفٍ وعجزٍ، إنما أمَرَ به ليُثِيبنَا عليه. وما بعدَ هذا :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

الحديد 57:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالآياتِ والْحُجَجِ، ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ ؛ الذي يتضمَّنُ الأحكامَ، وقولهُ تعالى :﴿وَالْمِيزَانَ﴾ يعني العدلَ ؛ أي أمَرَ بالعدلِ، وَقِيْلَ : يعني الذي يُوزَنُ به ؛ أي أمَرَنا بالميزانِ، ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ ؛ أي ليتَعامَلُون بينهم بالعدلِ والنُّصفَةِ. وقولهُ تعالى :﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(نَزَلَ آدَمُ مِنَ الْجَنَّةِ وَمَعَهُ الإِبْرَةُ وَالْمِطْرَقَةُ وَالْكَلْبَتَيْنِ). وَقِيْلَ : المرادُ بإنزالِ الحديد أنه خلقَهُ اللهُ في الجبالِ والمعادن. وقوله تعالى ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي قوَّةٌ شديدةٌ، لا يُلَيِّنهُ إلاَّ النارُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ يعني الفؤوسَ والسكاكينَ والإبرةَ وآلةَ الحرب وآلة الدفعِ يعني السِّلاحَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ ؛ أي وليعلَمَ اللهُ مَن ينصرُ دِينَهُ وينصرُ رسلَهُ بهذه الأسلحةِ، واللهُ سبحانه لم يزَلْ عَالِماً بمَن ينصرُ ومَن لا ينصرُ ؛ لأن عِلْمَ اللهِ لا يكون حَادِثاً، لأنَّ المرادَ بهذا العلمِ الإظهارُ والتمييز. وقوله تعالى ﴿بِالْغَيْبِ﴾ معناهُ : ولَمْ يَرَ اللهَ ولا أحكامَ الآخرة. وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ؛ فيه بيانُ أنه تعالَى لم يأمُرْ بالجهادِ عن ضَعْفٍ وعجزٍ، إنما أمَرَ به ليُثِيبنَا عليه. وما بعدَ هذا :﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

الحديد 57:27

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ ؛ أي أتبَعْنَا الرُّسل على إثرِ نوحٍ وإبراهيمَ ومَن كان من الرُّسل من أولادِهما، ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ﴾ ؛ أي أتبَعنا به وأعطيناهُ الإنجيلَ دُفعةً واحدةً، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ ؛ الحواريِّين وأتباعَهم، ﴿رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ ؛ يعني المودَّةَ، كانوا مُتوَادِّين بعضهم لبعضٍ كما وصفَ اللهُ تعالى أصحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بقوله تعالى﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾[الفتح: ٢٩]. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا﴾ ؛ ليس بعطفٍ على ما قبلَهُ، وانتصابهُ بفعلٍ مُضمَرٍ يدلُّ عليه ما بعدَهُ، كأنه قالَ : وابتدَعُوا رهبانيةً ؛ أي جاءُوا بها من قِبَلِ أنفُسِهم، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : ما فرَضنَاها عليهم تلك الرهبانيَّة، بل هي غلُوُّهم في العبادِة من حملِ المشَاقِّ على أنفُسِهم، وهي الامتناعُ من المطعمِ والمشرب والملبَسِ والنِّكَاحِ والتعبُّدِ في الجبالِ، ما فَرضنَا عليهم ذلك إلاّ أنَّهم طلَبُوا بها رضوانَ اللهِ. وَقِيْلَ : معناها : ما فرَضنا عليهم إلاَّ اتباعَ ما أمرَ اللهُ. قَوْلُهُ تعَالَى :﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ ؛ أي قصَّرُوا فيما ألزَمُوه أنفُسَهم ولم يحفَظُوها حقَّ الحفظِ، ويقالُ : إنه لَمَّا لم يُؤمِنوا بالنبيِّ ﷺ حين بُعث كانوا تاركين لطاعةِ الله تعالى غيرَ مُراعين لها فضيَّعوها وكفَرُوا بدينِ عيسى بن مريم، وتَهَوَّدوا وتنَصَّروا وتركوا الترهيب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ؛ وهم الذين أقَامُوا على دينِ عيسى حتى أدرَكُوا مُحَمَّداً ﷺ فآمَنُوا به فأعطيناهم ثوابَهم، قال ﷺ :" مَنْ آمَنَ بي وَصَدَّقَنِي وَاتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رعَايَتِهَا، وَمَنْ لَمْ يَتَّبعْنِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ " قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ؛ معناهُ : وكثيرٌ منهم خالَفُوا دينَ عيسى فقالوا هو ابنُ اللهِ أو نَحواً من هذا القولِ. والرهبانيَّةُ في اللغة : خَصْلَةٌُ يظهرُ فيها معنى الرَّهْبَنَةِ، وذلك إمَّا في لبسهِ أو انفرادهِ عن الجماعة للعبادةِ، قال رسولُ الله ﷺ :" لاَ تُشَدِّدُواْ عَلَى أنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدُ اللهُ عَلَيْكُمْ، فَإنَّ قَوْماً شَدَّدُواْ عَلَى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ، ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ ". وعن عروةَ قال :" دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِيَ بَاذةُ الْهَيْبَةِ، فَسَأَلَتْهَا : مَا شَأْنُكِ ؟ فَقَالَتْ : زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ وَيَصُومُ النَّهَارَ، فَذكَرَتْ عَائِشَةُ ذلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍِ، فَقَالَ لَهُ :" يَا عُثْمَانَ إنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنَا، فَمَا لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَوَاللهِ إنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ وَأحْفَظُكُمْ لِحُدُودِهِ " ".

الحديد 57:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ ؛ أي يا أيُّها الذين آمَنُوا بموسَى وعيسى اتَّقُوا الله وآمِنُوا برسولهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ ؛ أي يُؤتِكُمْ نَصِيبَين من ثوابهِ وكرامته، نَصيباً لإيمانكم به اليومَ ونصيباً لإيمانكم المتقدِّم بالأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ ؛ على الصِّراط، كما قا ل تعالى﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾[التحريم: ٨] فهذا علامةُ المؤمنين في القيامةِ. وَقِيْلَ : معناهُ : ويجعَلْ لكم نُوراً بالإيمان في الدُّنيا، يعني الهدَى والبينات تَهتدون به إلى طاعةِ الله، ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ ؛ لمن ماتَ على التوبةِ، ﴿رَّحِيمٌ﴾.

الحديد 57:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي ليعلَمَ أهلُ الكتاب الذين لم يُؤمِنوا بمُحَمَّدٍ ﷺ وحسَدُوا المؤمنين منهم أن لا يَصرِفوا النبوَّةَ عمَّن تفضَّلَ اللهُ بها عليه إلى غيرهِ، وأنَّ التوفيقَ بتقديرِ الله يُعطي النبوَّةَ مَن يشاءُ ممن كان أهلاً لها، صَالحاً للقيامِ بها. وَقِيْلَ : ليعلَم الذين لَم يؤمنوا بُمَحَمَّدٍ ﷺ أنَّهم لا أجرَ لهم ولا نصيبَ لهم في فضلِ الله، ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ فآتى المؤمنين منهم أجرَين، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ يتفضَّلُ على مَن يشاءُ من عبادهِ المؤمنين، و(لاَ) في قوله ﴿لِّئَلاَّ﴾ زائدةُ المعنى، لأن يعلمَ مثل قولهِ :﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ﴾[ص: ٧٥].

المجادلة 58:1

﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ؛ " هذه الآياتُ نزلَت في خَوْلَةَ بنتِ ثعلبةَ، وهي امرأةٌ من الخزرجِ من بني عمرِو بن عوفٍ، وفي زوجِها أوسَ ابن الصَّامت، وَكَانَ أوْسُ بْنُ الصَّامِتِ وُعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أخَوَيْن، وَكَانَتْ خَوْلَةُ حَسَنَةَ الْجِسْمِ، فَرَآهَا زَوْجُهَا سَاجِدَةً فِي صَلاَتِهَا، فَنَظَرَ إلَى عَجْزِهَا، فَلَمَّا فَرغَتْ مِنْ صَلاَتِهَا رَاوَدَهَا فَأَبَتْ، فَغَضِبَ عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهَا : أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، وَنَدِمَ بَعْدَ ذلِكَ عَلَى مَا قَالَ، وَكَانَ الظِّهَارُ طَلاَقاً فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَمَضَتْ خَوْلَةُ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ تَغْسِلُ رَأسَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ زَوْجِي أوْسُ بْنُ الصَّامِتِ تَزَوَّجَنِي وَأنَا شَابَّةٌ غَنِيَّةٌ ذاتُ مَالٍ وَأهلٍ، حَتَّى إذا أَكَلَ مَالِي وَأفْنَى شَبَابي وَتَفَرَّقَ أهْلِي وَكَبُرَ سِنِّي ظَاهَرَ مِنِّي، وَقَدْ نَدِمَ عَلَى ذلِكَ، فَهَلْ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللهِ يَجْمَعُنِي وَإيَّاهُ ؟ فَقَالَ ﷺ :" مَا أرَاكِ إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ " فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا ذكَرَ طَلاَقاً، وَإنَّهُ أبُو وَلَدِي وَأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، فَقَالَ ﷺ :" حَرُمْتِ عَلَيْهِ ". فَقَالَتْ : أشْكُوا اللهَ تَعَالَى. ثُمَّ جَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ :" حَرُمْتِ عَلَيْهِ " فَقَالَتْ : أشْكُوا إلَى اللهِ فَاقَتِي وَشِدَّةَ حَالِي. فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَضَى الْوَحْيُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" ادْعِي زَوْجَكِ " فَتَلاَ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ :﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ". وروي :" أنَّ خَوْلَةَ لَمَّا أتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ أوْساً تَزَوَّجَنِي وَأنَا شَابَّةٌ مَرْغُوبٌ فِيَّ، فَلَمَّا خَلاَ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَنَثَرْتُ ذا بَطْنِي جَعَلَنِي عَلَيْهِ كَأُمِّهِ، ثُمَّ نَدِمَ عَلَى قَوْلِهِ، وَلِي مِنْهُ صِبْيَةٌ صِغَارٌ ؛ إنْ ضَمَمْتَهُمْ إلَيْهِ ضَاعُواْ، وَإنْ ضَمَمْتَهُمْ إلَيَّ جَاعُوا، فَقَالَ ﷺ :" مَا عِنْدِي فِي أمْرِكِ شَيْءٌ " فَقَالَتْ : زَوْجِي وَابْنُ عَمِّي وَأبُو أوْلاَدِي وَأحَبُّ النَّاسِ إلَيَّ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبيرٌ لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَخْدِمَ نَفْسَهُ، فَقَالَ :ﷺ :" مَا أرَاكِ إلاَّ قَدْ حَرُمْتِ عَلَيْهِ ". فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ لاَ تَقُلْ ذلِكَ ؛ إنَّهُ مَا ذكَرَ طَلاَقاً وَإنَّمَا قالَ كَلِمَةً، فَقَالَ ﷺ :" مَا أُمِرْتُ فِي شَأْنِكِ بشَيْءٍ، وَإنْ نَزَلَ فِي شَأْنِكِ شَيْءٍ بَيَّنْتُهُ لَكِ " فَهَتَفَتْ وَبَكَتْ وَجَعَلَتْ تُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَتْ : اللَّهُمَّ إنِّي أشْكُو إلَيْكَ شِدَّةَ وَجْدِي وَمَا يَشُقُّ عَلَيَّ مِنْ فِرَاقِهِ، وَرَفَعَتْ يَدَهَا إلَى السَّمَاءِ تَدْعُو وَتَتَضَرَّعُ. فَبَيْنَمَا هِيَ كَذلِكَ، إذْ تَغَشَّى رَسُولَ اللهِ ﷺ الْوَحْيُ، فَلَمَّا سَرَى عَنْهُ قَالَ :" يَا خَوْلَةُ قَدْ أنْزَلَ اللهُ فِيكِ وَفِي زَوْجِكِ الْقُرْآنَ " ثُمَّ تَلاَ ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ ".

المجادلة 58:2

وقولهُ تعالى :﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ؛ أي ليس هُنَّ بأُمَّهاتِهم، وما هُنَّ كأُمَّهاتِهم في الْحُرمَةِ، وقرأ عاصمُ (مَا هُنَّ أُمَّهَاتُهُمْ) بالرفع، كما يقالُ : ما زيدٌ عالِمٌ. قَوْلُهُ تَعَالىَ :﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ﴾ ؛ معناهُ : وإنَّ المظاهرِين ليقولون، ﴿مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ ؛ أي قَبيحاً من حيث يُشبُوا المرأةَ التي هي في غايةِ الإباحةِ بما هو في غايةِ الْحُرْمَةِ وهو ظهرُ الأُمِّ، والمنكرُ الذي هو لا يُعرَفُ في الشَّرع، والزُّورُ الكذبُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ ؛ أي لكثيرُ العفوِ عن ذُنوب عبادهِ، كثيرُ الغفران والسَّترِ عليهم، عفَا عنهم وغفرَ لهم بإيجاب الكفَّارة عليهم.

المجادلة 58:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ؛ اختلف المفسِّرون في معنى العودِ المذكور في الآية، فذهبَ أصحابُ الظَّواهرِ إلى أنَّ المرادَ به إعادةُ كلمةِ الظِّهار، وهذا قولٌ مخالف لقولِ أهلِ العلم، وقد أوجبَ النبيُّ ﷺ الكفارةَ على أوسٍ حين ظاهرَ من امرأتهِ، ولم يسأَلْ أكرَّرَ الظهارَ أم لا؟. وذهبَ مالكُ إلى أن العَوْدَ هو العزمُ على الوطئِ، قال :(وَإذا عَزَمَ عَلَى وَطْئِهَا بَعْدَ الظِّهَار فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ أمْسَكَهَا أوْ أبَانَهَا أوْ عَاشَتْ أوْ مَاتَتْ). وقال الشافعيُّ :(الْعَوْدُ هَا هُنَا هُوَ الإمْسَاكُ عَلَى النِّكَاحِ، إذا أمْسَكَهَا عُقَيْبَ الظِّهَار وَلَمْ يُطَلِّقْهَا، فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ تِلْكَ الْكَفَّارَةُ وَإنْ أبَانَهَا بَعْدَ ذلِكَ. وذهبَ أبو حنيفةَ وأصحابهُ إلى أنَّ معنى العَوْدِ هو أن يعودَ المقولُ فيه فيستبيحُ ما حرَّمَهُ بالظهار، وقد يُذكَرُ المصدرُ ويراد به المقولُ كما قال ﷺ :" الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْب يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " وإنَّما هو عائدٌ في الموهوب. ويقالُ : اللهُمَّ أنتَ رجَاؤُنا ؛ أي مَرجُوُّنا، وقال تعالى :﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: ٩٩] أي الْمُوقَنُ بهِ، والعَوْدُ في الشَّيءِ هو فعلُ ما ينقاضُ ذلك الشيءَ، وحروفُ الصِّفات يقومُ بعضها مقامَ بعضٍ كما في قولهِ تعالى :﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾[طه: ٧١]، فيكون المعنى : ثُمَّ يعُودون فيما قَالُوا. والإمساكُ على النِّكاح عُقيبَ الظِّهار لا يكون عَوْداً على وجهِ التَّراخي ولا يناقضُ لفظَ الظِّهار، فإنَّ الظهارَ لا يوجِبُ تحريمَ العقدِ حتى يكون إمساكُها على النكاحِ عَوْداً، ثم على مذهب أبي حنيفةَ : إذا قصدَ أن يستبيحَها ثم أبانَها سقطَتِ الكفارةُ عنه. وفي قولهِ تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ دليلٌ على أنَّ هذه الكفارةَ إنما شُرِعَتْ لدفعِ الْحُرمَةِ في المستقبلِ، وفيه دليلُ تحريمِ التَّقبيلِ واللَّمسِ قبلَ التكفيرِ ؛ لأنَّ قولَهُ تعالى :﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ يتناولُ جميعَ ضُروب الْمَسِيسِ. وفي قولهِ تعالى :﴿مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ دليلٌ على أنَّ الظِّهارَ لا يكون في الإماءِ إلاّ إذا كُنَّ زوجاتٍ ؛ لأنَّ إطلاقَ لفظِ النساء ينصرفُ إلى الحرائرِ كما في قولهِ تعال :﴿أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾[النور: ٣١]. وفي قولهِ تعالى :﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ دليلٌ على جواز إعتاقِ الرَّقبة الكافِرة في الظِّهار ؛ لأن ذِكرَ الرَّقبة مطلقٌ في الآيةِ، بخلافِ كفَّارة القتلِ. والأصلُ في الظِّهار أنه إذا ذكرَ في المرأةِ ما يجمَعُها مثلُ الجسدِ والبدن والرأسِ والرَّقبة ونحوها، والظهرِ والبطن والفرجِ والفخذ وشبَّهَها بمحارمهِ كان مُظَاهِراً. وإنْ قال : أنتِ علَيَّ كَيَدِ أُمِّي أو رجلِها، أو قال : يدُكِ علَيَّ أو شَعرُكِ عليَّ كظهرِ أُمي كان بَاطلاً. وقال مالكُ :(يَصِحُّ الظِّهَارُ بالتَّشْبيهِ بالأَجْنَبيَّةِ). وقال الشعبيُّ :(لاَ يَصِحُّ الظِّهَارُ إلاَّ بالأُمِّ)، وقال الشافعيُّ :(إذا قَالَ : يَدُكِ، أوْ قَالَ : أنْتِ عَلَيَّ كَيَدِ أُمِّي، فَهُوَ ظِهَارٌ). ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

المجادلة 58:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ؛ أي فمَن لم يجدْ مِن المظاهرِين الرقبةَ ولا قِيمَتها، فعليه أنْ يصُومَ شَهرَين متتابعين قبلَ الْمَسيسِ. وهذا يقتضِي أنه إذا أفطرَ فيهما لِمَرضٍ أو غيرهِ كان عليه استقبالُ الصَّوم أيضاً، وكذا إذا قدرَ على الرقبةِ في خلال الصَّوم فلم يُعتِقها حتى عجزَ عنها كان عليه الاستقبالُ أيضاً في قولِ أبي حنيفةَ ومحمَّد، سواءٌ كان المسيسُ بالليلِ أو بالنهار. وقال أبو يوسف. (إذا مَسَّهَا باللَّيْلِ عَامِداً أوْ بالنَّهَار نَاسِياً لَمْ يَسْتَقْبلْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ؛ إذا عجزَ عن الصَّومِ لكِبَرٍ أو مرضٍ فكفَّارتهُ أن يُطعِمَ ستِّين مِسكيناً، وإنْ مسَّها المظاهرُ بعدَ ما أطعمَ بعضَ الطعامِ لم يستقبلِ الإطعامَ ؛ لأنه ليس في ذكرِ الإطعامِ في هذه الآية مِن قَبْلِ أن يتمَاسَّا، إلاَّ أنَّا إنما أمَرنَاهُ بالإطعامِ قبلَ المسيسِ ؛ لأنَّا لو لم نَأمُرْهُ بذلكِ لم يُؤمَنْ أن يَمسَّها فقَدِرَ على العتقِ قبل الإطعامِ أو يقدرَ على الصَّوم قبل الإطعامِ فيحصلُ أو الصومُ بعدَ المسيسِ، وذلك خلافُ ما أوجبَهُ اللهُ تعالى. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ أي ذلك الذي أمرَكم اللهُ به لتَسَتدِيْمُوا الإيمانَ بالله ورسولهِ، وتُصدِّقوا أنَّ الله أمرَ بذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾، أي التي شرَّعَها اللهُ تعالى في الظِّهار أحكامُ اللهِ وفرائضهُ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ وللجاحِدين لحدودِ الله عذابُ جهنم. " فلمَّا نزَلت هذه الآيةُ قَالَ النَّبيُّ ﷺ لأَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ :" هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُعْتِقَ رَقَبَةً ؟ " قَالَ : فَإنِّي قَلِيلُ الْمَالِ، قَالَ :" فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ ؟ " قَالَ : وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إنِّي إذا لَمْ آكُلْ فِي الْيَوْمِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ كَلَّ بَصَرِي وَخَشِيتُ أنْ تَعْشُو عَيْنِي، قَالَ :" فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِيناً ؟ " قَالَ : لاَ وَاللهِ إلاَّ أنْ تُعِينَنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ :" إنِّي مُعِينُكَ بخَمْسَةَ عَشَرَ صَاعاً وَأدْعُو لَكَ بالْبَرَكَةِ " فَأَعَانَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ". ورُوي :" أنَّ خَوْلَةَ لَمَّا ظَاهَرَ مِنْهَا أوْسُ بْنُ الصَّامِتِ، خَرَجَ فَجَلَسَ فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهَا فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَقَالَتْ : كَلاَّ ؛ وَالَّذِي نَفْسُ خَوْلَةَ بيَدِهِ لاَ تَصِلُ إلَيَّ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ فِيَّ وَفِيكَ. ثُمَّ مَضَتْ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ عَلَيْهِ قِصَّتَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ. فَقَالَ ﷺ :" مُرِيهِ أنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً " فَقَالَتْ : وَاللهِ مَا عِنْدَهُ ذلِكَ، قَالَ :" مُرِيهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ " قَالَتْ : يَا نَبيَّ اللهِ إنَّهُ شَيْخٌ كَبيرٌ مَا بهِ مِنْ صَوْمٍ، قَالَ :" مُرِيهِ فَلْيُطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً " قَالَتْ : وَاللهِ مَا يَجِدُ مَا يُطْعِمُ، قَالَ :" إنَّا سَنُعِينُهُ بعِرْقٍ مِنْ تَمْرٍ " - وهو مكتل سبعٍ وثلاثين صَاعاً - قَالَتْ : أنَا أُعِينُهُ يَا رَسُولَ اللهِ بعِرْقٍ آخَرَ ".

المجادلة 58:5

وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ معناهُ : إنَّ الذين يخالِفُون اللهَ ورسولَهُ في الدِّين ويصِيرُون في حدٍّ غير الحدِّ الذي فيه أولياءُ اللهِ، أُذِلُّوا وأُخْزُوا بالعذاب كما أُذِلَّ الذين أشرَكُوا من قَبلِ أهلِ مكَّة، مِن الذين خالَفُوا الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم. والْكَبْتُ في اللغة : الكَبُّ، ومنه كَبَتَ اللهُ عدُوَّكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كُبدُوا أي ضُرِبُوا على أكبَادِهم، فقُلبت الدالُ تاءً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ؛ أي فرائضَ معروفةٍ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ أي ولِمَن لم يعمَلْ بها ولم يصدِّقْ بها عذابٌ مُهِينٌ. ثم بيَّن ذلك العذابَ فقالَ تعالى :﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ ؛ ويَجزِيهم عليه، وقولهُ تعالى :﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ مما يجبُ لهم وعليهم، ﴿شَهِيدٌ﴾ ؛ عالِمٌ.

المجادلة 58:6

وقولهُ تعالى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ معناهُ : إنَّ الذين يخالِفُون اللهَ ورسولَهُ في الدِّين ويصِيرُون في حدٍّ غير الحدِّ الذي فيه أولياءُ اللهِ، أُذِلُّوا وأُخْزُوا بالعذاب كما أُذِلَّ الذين أشرَكُوا من قَبلِ أهلِ مكَّة، مِن الذين خالَفُوا الأنبياءَ صلواتُ اللهِ عليهم. والْكَبْتُ في اللغة : الكَبُّ، ومنه كَبَتَ اللهُ عدُوَّكَ. وَقِيْلَ : معناهُ : كُبدُوا أي ضُرِبُوا على أكبَادِهم، فقُلبت الدالُ تاءً. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ؛ أي فرائضَ معروفةٍ، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ أي ولِمَن لم يعمَلْ بها ولم يصدِّقْ بها عذابٌ مُهِينٌ. ثم بيَّن ذلك العذابَ فقالَ تعالى :﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾ ؛ ويَجزِيهم عليه، وقولهُ تعالى :﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ مما يجبُ لهم وعليهم، ﴿شَهِيدٌ﴾ ؛ عالِمٌ.

المجادلة 58:7

وقوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ اللهَ يعلمُ بكلِّ ما في السَّمواتِ وكلِّ ما في الأرضِ مما ظهرَ للعبادِ، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾[يونس: ٦١]. وقولهُ تعالى :﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني الْمُسَّار ؛ ما تُناجِي به صاحبَكَ من شيءٍ إلاّ هو رابعُهم بالعلمِ. يعني نجوَاهم معلومةٌ عندَهُ كما تكون معلومةً عند الرابعِ الذي هم معهم، ﴿وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ ؛ ولا أقلَّ من ثلاثةٍ ولا أكثرَ من الخمسةِ إلاَّ وهو عالِمٌ بهم وقادرٌ عليهم في أيِّ موضعٍ كانوا، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ عند الجزاءِ والحساب، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ وهذه الآيةُ نزَلت في اليهودِ والمنافقين لَمَّا أعيَاهُم الإسلامُ وظهورهُ وجعلوا يتنَاجَون فيما بينهم فيُوهِمون المؤمنين أنَّهم يتناجَون فيما يسُوءُهم. وكانوا إذا خَرجت سريَّةٌ من سَرايا رسولِ الله ﷺ، فرَأى هؤلاءِ رِجَالاً مِمَّن خرجَ لهم في السريَّة صديقٌ أو قريب تنَاجَوا فيما بينهم ليَظُنَّ الرجلُ أنه حدثَ بصاحبهِ حادثٌ فيحزنُ عليه لذلك. فلمَّا كَثُرَ ذلك وطالَ شَكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنهَاهُم عن المناجاةِ دون المسلمين، فلم ينتَهُوا وعادُوا إلى مُناجَاتِهم، فأنزلَ اللهُ : قولَهُ تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ ؛ معناهُ : ألَمْ ترَ إلى هؤلاءِ الذين نَهاهُم اللهُ عن مُنَاجَاةِ بعضهم بعضاً دون المؤمنين في الآيةِ التي قبلَ هذه، ثم عَادُوا إليها مُغَايَظَةً لأصحاب رسولِ الله ﷺ، ويتشَاوَرُون فيما بينهم بالكَذِب والاعتداءِ، ويُوصِي بعضُهم بعضاً بمخالفةِ النبيِّ ﷺ، ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ﴾ ؛ أي سلَّمُوا عليك بما لم يسَلِّمُ به اللهُ عليكَ. " وَذلِكَ أنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالُواْ : السَّامُ عَلَيْكَ! وَكَانَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ سَتْرٍ فَلَعَنَتْهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" مَهْلاً يَا عَائِشَةُ " فَقَالَتْ : أمَا سَمِعْتَ مَا قَالُواْ ؟ قَالَ :" أوَمَا سَمِعْتِ كَيْفَ أجَبْتُهُمْ ؟ " ثُمَّ قَالَ :" إذا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب فَقُولُواْ : عَلَيْكَ مَا قُلْتَ " والسَّامُ هو الموتَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ؛ معناهُ : أنَّهم كانوا يقُولون فِي أنفُسِهِم : ألاَ ينَزِّلُ اللهُ العذابَ بنا بما نقولُ لنَبيِّهِ إنْ كان نَبيّاً كما يزعمُ، فلو كان مُحَمَّدٌ نَبيّاً لعَذبَنا اللهُ بما نقولُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ ؛ أي كَافِيهم جهنمُ عذاباً لَهم يلزَمُونَها ويُقَاسُونَ حرَّها، ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي فبئْسَ الْمَرْجِعُ يرجعون إليه.

المجادلة 58:8

وقوله تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ اللهَ يعلمُ بكلِّ ما في السَّمواتِ وكلِّ ما في الأرضِ مما ظهرَ للعبادِ، ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾[يونس: ٦١]. وقولهُ تعالى :﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ يعني الْمُسَّار ؛ ما تُناجِي به صاحبَكَ من شيءٍ إلاّ هو رابعُهم بالعلمِ. يعني نجوَاهم معلومةٌ عندَهُ كما تكون معلومةً عند الرابعِ الذي هم معهم، ﴿وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ﴾ ؛ ولا أقلَّ من ثلاثةٍ ولا أكثرَ من الخمسةِ إلاَّ وهو عالِمٌ بهم وقادرٌ عليهم في أيِّ موضعٍ كانوا، ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ؛ عند الجزاءِ والحساب، ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ؛ وهذه الآيةُ نزَلت في اليهودِ والمنافقين لَمَّا أعيَاهُم الإسلامُ وظهورهُ وجعلوا يتنَاجَون فيما بينهم فيُوهِمون المؤمنين أنَّهم يتناجَون فيما يسُوءُهم. وكانوا إذا خَرجت سريَّةٌ من سَرايا رسولِ الله ﷺ، فرَأى هؤلاءِ رِجَالاً مِمَّن خرجَ لهم في السريَّة صديقٌ أو قريب تنَاجَوا فيما بينهم ليَظُنَّ الرجلُ أنه حدثَ بصاحبهِ حادثٌ فيحزنُ عليه لذلك. فلمَّا كَثُرَ ذلك وطالَ شَكَوا ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ فنهَاهُم عن المناجاةِ دون المسلمين، فلم ينتَهُوا وعادُوا إلى مُناجَاتِهم، فأنزلَ اللهُ : قولَهُ تعالى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُواْ عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ ؛ معناهُ : ألَمْ ترَ إلى هؤلاءِ الذين نَهاهُم اللهُ عن مُنَاجَاةِ بعضهم بعضاً دون المؤمنين في الآيةِ التي قبلَ هذه، ثم عَادُوا إليها مُغَايَظَةً لأصحاب رسولِ الله ﷺ، ويتشَاوَرُون فيما بينهم بالكَذِب والاعتداءِ، ويُوصِي بعضُهم بعضاً بمخالفةِ النبيِّ ﷺ، ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ، ﴿حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ﴾ ؛ أي سلَّمُوا عليك بما لم يسَلِّمُ به اللهُ عليكَ. " وَذلِكَ أنَّ الْيَهُودَ دَخَلُوا عَلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالُواْ : السَّامُ عَلَيْكَ! وَكَانَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ سَتْرٍ فَلَعَنَتْهُمْ، فَقَالَ ﷺ :" مَهْلاً يَا عَائِشَةُ " فَقَالَتْ : أمَا سَمِعْتَ مَا قَالُواْ ؟ قَالَ :" أوَمَا سَمِعْتِ كَيْفَ أجَبْتُهُمْ ؟ " ثُمَّ قَالَ :" إذا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أحَدٌ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب فَقُولُواْ : عَلَيْكَ مَا قُلْتَ " والسَّامُ هو الموتَ، قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ ؛ معناهُ : أنَّهم كانوا يقُولون فِي أنفُسِهِم : ألاَ ينَزِّلُ اللهُ العذابَ بنا بما نقولُ لنَبيِّهِ إنْ كان نَبيّاً كما يزعمُ، فلو كان مُحَمَّدٌ نَبيّاً لعَذبَنا اللهُ بما نقولُ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ ؛ أي كَافِيهم جهنمُ عذاباً لَهم يلزَمُونَها ويُقَاسُونَ حرَّها، ﴿فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ أي فبئْسَ الْمَرْجِعُ يرجعون إليه.

المجادلة 58:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ ؛ معناهُ : أي أيُّها الذين آمَنُوا إذا تجالَستُم للسرِّ فيما بينكم، فلا تُجالِسُوا وتخالفوا بالمعصيةِ والظُّلم ومخالفةِ الرسولِ، ولا تكونوا كاليهودِ والمنافقين، ﴿وَتَنَاجَوْاْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ؛ أي بفِعْلِ ما أُمِرتُم به، وتركِ ما نُهيتم عنه، ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾، واتَّقوا عذابَ الله الذي إليه تُرجَعون في الآخرةِ.

المجادلة 58:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : إنما النَّجوَى الذي يفعلهُ اليهود والمنافقون من عمل الشَّيطان ووَسَاوسِهِ ليُحزِنَ به الشيطانُ الذين آمَنوا وأخلَصُوا، وليس تناجِيهم يضرُّ المؤمنين شيئاً إلاَّ بعلمِ الله وقضائهِ، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ؛ ويستَعِيذُوا به من الشَّيطانِ. ويقرأ (لِيُحْزِنَ) بضمِّ الياء وهما لُغتان.

المجادلة 58:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ ؛ قال مقاتلُ :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُكْرِمُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَار، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ وَمِنْهُمْ ثَابتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسِ وَقَدْ سَبَقُواْ فِي الْمَجْلِسِ، فَقَامُواْ حِيَالَ النَّبيِّ ﷺ فَقَالُواْ : السَّلاَمُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. ثُمَّ سَلَّمُواْ عَلَى الْقَوْمِ بَعْدَ ذلِكَ، فَرَدُّوا عَلَيْهِمْ. فَقَامُواْ عَلَى أرْجُلِهِمْ يَنْتَظِرُونَ أنْ يُوَسَّعَ لَهُمْ، فَعَلِمَ النَّبيُّ ﷺ مَا لَحِقَهُمْ مِنْ ضَرَر الْقِيَامِ، فَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ :" قُمْ يَا فُلاَنُ وَأنْتَ يَا فُلاَنُ " فَأَقَامَ مِنَ الْمَجْلِسِ بقَدْر النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُواْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ أهْلِ بَدْرٍ. فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى مَنْ أُقِيمَ مِنْ مَجْلِسِهِ، وَعَرَفَ النَّبيُّ ﷺ الْكَرَاهِيَةَ فِي وُجُوهِهِمْ، فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ لِلْمُسْلِمِينَ : ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ صَاحِبَكُمْ يَعْدِلُ بَيْنَ النَّاسِ ؟ فَوَاللهِ مَا عَدَلَ عَلَى هَؤُلاَءِ إنَّ قَوْماً أخَذُواْ مَجَالِسَهُمْ، وَأحَبُّوا الْقُرْبَ مِنْ نَبيِّهِمْ فَأَقَامَهُمْ وَأجْلَسَ غَيْرَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". قولهُ تعالى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي الْمَجَالِسِ﴾ أي أوسِعُوا في المجلسِ ﴿فَافْسَحُواْ﴾ أي أوْسِعُوا على مَن حضرَ مجلسَ رسولِ الله ﷺ وأحبَّ سماعَ كلامهِ ؛ لتَشتَرِكُوا في سماعِ الدِّين منه، وهذا أمرٌ لَهم بالتأديب كي لا يؤذِي أحدٌ جليسَهُ بفعلِ الزِّحامِ، ولئلاَّ يكون غرضُهم إلاَّ التواضعُ للهِ تعالى وللدِّين، وذلك أنَّهم كانوا قد جلَسُوا مُتَضايقين حولَ النبيِّ ﷺ، فأُمِرُوا أن يتنَحَّوا عنه في الجلوسِ ويتوَسَّعوا المجلسَ غيرَهم معهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ أي يُوسِّع مجالِسَكم في الجنَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ ؛ معناهُ : وإذا قِيْلَ : انْهَضُوا إلى صلاةٍ أو أمرٍ بمعروف ونُودِيَ للصَّلاة فانْهَضوا. وَقِيْلَ : معناهُ : وإذا قيلَ لكم اخرجُوا إلى الجهادِ فاخرُجوا يرفعِ الله درجاتِكم في الجنَّة، ويرفعِ اللهُ الذين أُوتوا العلمَ درجاتٍ فوقَ درجاتِ الذين أُكرِمُوا بالإيمانِ بغير علمٍ. وفي الحديثِ أنَّ النبيَّ ﷺ قال :" إنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَالطَّيْرُ فِي جَوِّ السَّمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الَّذِي لَيْسَ بعَالِمٍ سَبْعُونَ دَرَجَةً، اللهُ أعْلَمُ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ " وقال ﷺ :" فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابدِ كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ أُمَّتِي "، وقال ﷺ :" يُؤتَى بالْعَالِمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْعَابدِ، فَيُقَالُ لِلْعَابدِ : أُدْخُلِ الْجَنَّةَ، وَيُحْبَسُ الْفَقِيهُ فَيَقُولُ : فَبمَ حَبَسْتُمُونِي؟! فَيُقَالُ لَهُ : اشْفَعْ ". قرأ أهلُ المدينة والشام وعاصم (انْشُزُوا فَانْشُزُوا) بضمِّ الشين، وقرأ الآخرون بكسرِها، وهما لُغتان، ومعناهما : إذا قيلَ لكم تحرَّكُوا وقُومُوا وارتفعوا وتوسَّعوا لإخوانِكم فافعَلُوا. وَقِيْلَ : معناهُ : إذا قيل لكم انْهَضُوا إلى الصَّلاة والذِّكر وعملِ الخير، فانشُزوا ولا تقَصِّروا. وقولهُ تعالى :﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ﴾ ؛ يعني يَرفَعُهم بطاعةِ رسول الله ﷺ وقيامِهم من مجالسِهم وتوسِعهم لإخوانِهم، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ ؛ منهم بفضلِ عَمَلِهم، قال ﷺ :" مَنْ جَاءَتْ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ، فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الأَنْبيَاءِ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ ".

المجادلة 58:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ؛ وذلك أنَّ الأغنياءَ كانوا يَسْتَخْلُونَ بالنبيِّ ﷺ فيُشاورُونَهُ بما يريدون ويُلِحُّونَ عليه بالحاجاتِ والمسائل، ويشغَلُون بذلك أوقاتَهُ التي كانت مستغرقةً بالعبادةِ والإبلاغِ إلى الأُمة، وكان الفقراءُ لا يتمكَّنون من النبيِّ ﷺ كتمكُّنِ الأغنياءِ منه. فأَمرَ اللهُ الناسَ بتقديمِ الصَّدقةِ على نجوَاهُم مع النبيِّ ﷺ إعْظَاماً له وتَوقِيراً لمقامِ مُناجاتهِ، ونَفعاً للفُقراءِ بتلك الصَّدقة، وبيَّن أنَّ ذلك خيرٌ لهم من الكفِّ عن الصدقةِ وأصلحُ لقُلوبهم وقلوب الفقراء، ورخَّصَ مَن لم يجد ما يتصدَّقُ به أن يُكلِّمَ النبيَّ ﷺ بما شاءَ من غيرِ صدقةٍ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فلمَّا عَلِمَ اللهُ ضيقَ صدر كثيرٍ منهم من ذلك الوجوب نَسَخَ اللهُ ذلك الحكمَ بقوله :﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ ؛ معناهُ : أبَخِلتُمْ يا أهلَ الميسرةِ، وثَقُلَ عليكم تقديمُ الصَّدقةِ، بين نجوَاكم مع النبيِّ ﷺ، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ وخفَّفَ اللهُ عنكم بإسقاطِ تلك الصَّدقةِ، ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ أي دَاومُوا عليها، يعني الصَّلاةَ المفروضةَ، ﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ؛ المفروضةَ، ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الفرائضِ، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ ؛ في السُّنن، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الخيرِ والشرِّ. وعن عليٍّ رضي الله عنه قال :(إنَّ فِي كِتَاب اللهِ آيَةٌ مَا عَمِلَ بهَا أحَدٌ قَبْلِي، وَلاَ يَعْمَلُ بهَا أحَدٌ بَعْدِي وَهِيَ آيَةُ النَّجْوَى، كَانَ لِي مِثْقَالٌ فَبعْتُهُ بعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُلَّمَا أرَدْتُ أنْ أُنَاجِيَ رَسُولَ اللهِ قَدَّمْتُ دِرْهَماً، فَقَدَّمْتُ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ بَيْنَ يَدَي نَجْوَايَ، ثُمَّ نُسِخَتْ). قال مجاهدُ :(نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى يَتَصَدَّقُواْ، فَلَمْ يُنَاجِهِ إلاَّ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، قَدَّمَ دِينَاراً فَتَصَدَّقَ بهِ، فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ).

المجادلة 58:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ ؛ وذلك أنَّ الأغنياءَ كانوا يَسْتَخْلُونَ بالنبيِّ ﷺ فيُشاورُونَهُ بما يريدون ويُلِحُّونَ عليه بالحاجاتِ والمسائل، ويشغَلُون بذلك أوقاتَهُ التي كانت مستغرقةً بالعبادةِ والإبلاغِ إلى الأُمة، وكان الفقراءُ لا يتمكَّنون من النبيِّ ﷺ كتمكُّنِ الأغنياءِ منه. فأَمرَ اللهُ الناسَ بتقديمِ الصَّدقةِ على نجوَاهُم مع النبيِّ ﷺ إعْظَاماً له وتَوقِيراً لمقامِ مُناجاتهِ، ونَفعاً للفُقراءِ بتلك الصَّدقة، وبيَّن أنَّ ذلك خيرٌ لهم من الكفِّ عن الصدقةِ وأصلحُ لقُلوبهم وقلوب الفقراء، ورخَّصَ مَن لم يجد ما يتصدَّقُ به أن يُكلِّمَ النبيَّ ﷺ بما شاءَ من غيرِ صدقةٍ، وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. فلمَّا عَلِمَ اللهُ ضيقَ صدر كثيرٍ منهم من ذلك الوجوب نَسَخَ اللهُ ذلك الحكمَ بقوله :﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ ؛ معناهُ : أبَخِلتُمْ يا أهلَ الميسرةِ، وثَقُلَ عليكم تقديمُ الصَّدقةِ، بين نجوَاكم مع النبيِّ ﷺ، ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُواْ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ؛ وخفَّفَ اللهُ عنكم بإسقاطِ تلك الصَّدقةِ، ﴿فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ﴾ ؛ أي دَاومُوا عليها، يعني الصَّلاةَ المفروضةَ، ﴿وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ ؛ المفروضةَ، ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ﴾ ؛ في الفرائضِ، ﴿وَرَسُولَهُ﴾ ؛ في السُّنن، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ من الخيرِ والشرِّ. وعن عليٍّ رضي الله عنه قال :(إنَّ فِي كِتَاب اللهِ آيَةٌ مَا عَمِلَ بهَا أحَدٌ قَبْلِي، وَلاَ يَعْمَلُ بهَا أحَدٌ بَعْدِي وَهِيَ آيَةُ النَّجْوَى، كَانَ لِي مِثْقَالٌ فَبعْتُهُ بعَشْرَةِ دَرَاهِمَ، فَكُلَّمَا أرَدْتُ أنْ أُنَاجِيَ رَسُولَ اللهِ قَدَّمْتُ دِرْهَماً، فَقَدَّمْتُ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ بَيْنَ يَدَي نَجْوَايَ، ثُمَّ نُسِخَتْ). قال مجاهدُ :(نُهُوا عَنْ مُنَاجَاةِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى يَتَصَدَّقُواْ، فَلَمْ يُنَاجِهِ إلاَّ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ، قَدَّمَ دِينَاراً فَتَصَدَّقَ بهِ، فَنَزَلَتِ الرُّخْصَةُ).

المجادلة 58:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ ؛ نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من المنافقين كانوا يتوَلَّون اليهودَ وينقُلون أسرارَ المسلمين إليهم مُغَايَظَةً لَهم، ولم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهودِ، وكانوا يَحلِفُون للمؤمنين بأنَّا مُؤمِنون مصَدِّقون، وهم يعلمون أنَّهم كَاذِبون في حلفِهم، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ أي وَلا من اليهودِ، ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّهم كَذبَةٌ. وقال السديُّ ومقاتلُ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ نَبْتَلِ الْمُنَافِقُ، كَانَ يُجَالِسُ النَّبيَّ ﷺ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلَى الْيَهُودِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ إذْ قَالَ :" يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبَّارِ، وَيَنْظُرُ بعَيْنَي الشَّيْطَانِ " فَدَخَلَ عَبْدُاللهِ بْنُ نَبْتَل، وَكَانَ أزْرَقاً. فَقَالَ ﷺ :" عَلاَمَ سَبَبْتَنِي أنْتَ وَأصْحَابُكَ ؟ " فَحَلَفَ باللهِ مَا فَعَلَ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" وَقَدْ فَعَلْتَ " فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بأَصْحَابهِ فَحَلَفُواْ باللهِ مَا سَبُّوهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ " ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ أي هَيَّأَ لهم عَذاباً شَديداً في قُبورهم، ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من مُوَالاةِ اليهودِ وكتمان الكُفرِ والحلف الكاذب مع العلمِ به.

المجادلة 58:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ ؛ نزلت هذه الآيةُ في قومٍ من المنافقين كانوا يتوَلَّون اليهودَ وينقُلون أسرارَ المسلمين إليهم مُغَايَظَةً لَهم، ولم يكونوا من المؤمنين ولا من اليهودِ، وكانوا يَحلِفُون للمؤمنين بأنَّا مُؤمِنون مصَدِّقون، وهم يعلمون أنَّهم كَاذِبون في حلفِهم، قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾ أي وَلا من اليهودِ، ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ؛ أنَّهم كَذبَةٌ. وقال السديُّ ومقاتلُ :" نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي عَبْدِاللهِ بْنِ نَبْتَلِ الْمُنَافِقُ، كَانَ يُجَالِسُ النَّبيَّ ﷺ يَرْفَعُ حَدِيثَهُ إلَى الْيَهُودِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ جَالِسٌ إذْ قَالَ :" يَدْخُلُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ قَلْبُهُ قَلْبُ جَبَّارِ، وَيَنْظُرُ بعَيْنَي الشَّيْطَانِ " فَدَخَلَ عَبْدُاللهِ بْنُ نَبْتَل، وَكَانَ أزْرَقاً. فَقَالَ ﷺ :" عَلاَمَ سَبَبْتَنِي أنْتَ وَأصْحَابُكَ ؟ " فَحَلَفَ باللهِ مَا فَعَلَ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" وَقَدْ فَعَلْتَ " فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بأَصْحَابهِ فَحَلَفُواْ باللهِ مَا سَبُّوهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّا هُم مِّنكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ " ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ أي هَيَّأَ لهم عَذاباً شَديداً في قُبورهم، ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا من مُوَالاةِ اليهودِ وكتمان الكُفرِ والحلف الكاذب مع العلمِ به.

المجادلة 58:16

وقولهُ تعالى :﴿اتَّخَذْواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ؛ أي اتَّخذوا أيمانَهم الكاذبةَ تِرْساً من القتلِ وجعَلُوها عُدَّة ليدفَعُوا عن أنفسهم التهمةَ، وقرأ الحسنُ (إيْمَانَهُمْ) بكسرِ الألف، وقولهُ تعالى :﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي صرَفُوا الناسَ عن ذكرِ الله وطاعتهِ بإلقاء الشُّبهة عليهم في السرِّ. وَقِيْلَ : فصَدُّوا المؤمنين عن جهادِهم بالقتلِ، ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ ؛ يُهِينُهم في الآخرةِ.

المجادلة 58:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي لن يدفعَ عنهم كثرةُ أموالهم ولا كثرةُ أولادِهم من عذاب الله شيئاً، ﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

المجادلة 58:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ ؛ انتصبَ على الظَّرفيةِ من قوله﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾[المجادلة: ١٧] ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ﴾ ؛ أي يحلِفُون للهِ يومئذ أنَّهم كانوا مُخلِصين في الدُّنيا، ﴿كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ﴾ ؛ يومئذٍ ؛ ﴿أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ ؛ على صوابٍ، ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ؛ عندَ اللهِ في حلفهم. وعن ابنِ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : أيْنَ خُصَمَاءُ اللهِ، فَيَقُومُ الْقَدَريَّةُ مُسْوَدَّةٌ وُجُوهُهُمْ مُزْرَقَّةٌ أعْيُنُهُمْ، مَائِلَةٌ أشْدَاقُهُمْ يَسِيلُ لُعَابُهُمْ، يَقُولُونَ : وَاللهِ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِكَ شَمْساً وَلاَ قَمَراً وَلاَ صَنَماً وَلاَ وَثَناً وَلاَ اتَّخَذْنَا مِنْ دُونِكَ إلَهاً ". قَالَ ابْنُ عبَّاسٍ :(صَدَقُواْ وَاللهِ ؛ أتَاهُمُ الشِّرْكُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ) ثُمَّ تلاَ ابنُ عبَّاس هذه الآيةَ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ هُمْ وَاللهِ الْقَدَريُّونَ، هُمْ وَاللهِ الْقَدَريُّونَ).

المجادلة 58:19

وقولهُ تعالى :﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ ؛ أي غلبَ عليهم واستولَى عليهم وحَولَهم، ﴿فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ ؛ أي شغَلَهم عن ذكرِ الله وعن طاعته حتى ترَكُوهُ وصاروا إلى الْخُسرَانِ، ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ ؛ أي جُنْدُهُ، ﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾.

المجادلة 58:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ أي يُخالِفُون اللهَ ورسولَهُ، ﴿أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ ؛ أي في الْمَغْلُوبينَ المقهورين، ومِن جُملة مَن يلحَقُهم الذلُّ في الدُّنيا والآخرةِ.

المجادلة 58:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِي﴾ ؛ أي كتبَ ذلك في اللوحِ المحفوظ، وقال الحسنُ :(مَا أُمِرَ نَبيٌّ بحَرْبٍ فَغُلِبَ قَطُّ، وَإنَّ الرُّسُلَ عَلَى نَوْعَيْنِ : مِنْهُمْ مَنْ بُعِثَ بالْحَرْب، وَمِنْهُمْ مَنْ بُعِثَ بغَيْرِ حَرْبٍ، فَهُوَ غَالِبٌ بالْحُجَّةِ)، وقال تعالى :﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾[الصافات: ١٧٣]. وقوله تعالى :﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ؛ أي مَانِعٌ حِزْبَهُ من أنْ يَذِلَّ، عَزِيزٌ غالبٌ لِمَن نازعَ أولياءَهُ.

المجادلة 58:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَآءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ ؛ " نزَلت هذه الآيةُ في حاطب بن أبي بَلْتَعَةَ، وذلك أنَّهُ كتبَ إلى أهلِ مكَّة : أنَّ مُحَمَّداً يُرِيدُ أنْ يَغْزُوَكُمْ فَاسْتَعِدُّوا لَهُ، فأعلمَ اللهُ تعالى نَبيَّهُ عليه السلام بذلكَ، فَقَالَ :ﷺ :" مَا دَعَاكَ يَا حَاطِبُ إلَى مَا فَعَلْتَ ؟ " فَقَالَ : أحْبَبْتُ أنْ أتَقَرَّبَ إلَى أهْلِ مَكَّةَ لِمَكَانِ عِيَالِي فِيْهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عِيَالِي ذابٌّ هُنَالِكَ. فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ". ومعناها : لا تجدُ قوماً يصَدِّقون بوحدانيَّة اللهِ تعالى وبالعبثِ بعد الموت يُناصِحُون ويطلبُون مَوَدَّةَ مَن خالفَ اللهَ ورسولَهُ في الدِّين، ولو كانوا أقاربَهم في النَّسب، فإن البراءةَ واجبةٌ من المْحَادِّينَ للهِ. وسنذكرُ هذه القصَّة أولَ سورةِ الممتَحنة إنْ شاءَ الله ُ تعالى. أخبرَ اللهُ تعالى بهذه الآيةِ : أنَّ إيمانَ المؤمنين يَفسُد بمودَّةِ الكفَّار، وإنَّ مَن كان مُؤمناً لا يُوالِي مَن كفرَ، وإنْ كان أباهُ أو ابنَهُ أو أخاهُ أو أحداً من عَشيرتهِ. وعن عبدِاللهِ بن مسعودٍ في هذه الآية أنَّهُ قالَ :(قَتَلَ أبُو عُبَيْدَةُ أبَاهُ يَوْمَ أُحُدٍ)، فمعنى قولهِ ﴿وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ﴾. " وقوله ﴿أَوْ أَبْنَآءَهُمْ﴾ يعني أبَا بكرٍ رضي الله عنه دعَا ابْنَهُ يَوْماً إلَى الْبرَاز وَقَالَ :(دَعْنِي يَا رَسُولَ اللهِ أكِرُّ عَلَيْهِ) فقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ :" مَتِّعْنَا بنَفْسِكَ يَا أبَا بَكْرٍ، أمَا تَعْلَمُ أنَّكَ عِنْدِي بمَنْزِلَةِ سَمْعِي وَبَصَرِِي " ". وقوله تعالى :﴿أَوْ إِخْوَانَهُمْ﴾ يعني مصعبَ بن عُمير قتلَ أخاهُ عبيدَ بن عُمير بأُحُد. وقولهُ تعالى :﴿أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ يعني عمرَ رضي الله عنه قتلَ خالدَ العاصِي بن هشامِ بن المغيرة يومَ بدرٍ، وكذلك عليٌّ رضي الله عنه قتلَ شَيبَةَ بن ربيعةَ، وكذلك حمزَةُ رضي الله عنه قتلَ عُتبة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ ؛ يعني الذين لا يُوادُّون من حَادَّ اللهَ ورسولَهُ أثبتَ اللهُ في قلوبهم حُبَّ الإيمانِ كأَنَّهُ مكتوبٌ في قلوبهم ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي قوَّاهم بنور الإيمانِ حتى اهتَدَوا للحقِّ وعَمِلُوا بِه. وَقِيْلَ : المرادُ بالرُّوحِ جبريل عليه السلام يُعِينُهم في كثيرٍ من المواطنِ. وَقِيْلَ : معناهُ : وأيَّدهم بنصرٍ منه في الدُّنيا على عدُوِّهم، لأنَّهم عَادَوا عشيرتَهم الكفار وقاتَلوهم، غضباً لله ولدينهِ. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ ظاهرُ المعنى. وقولُه تعالى :﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ ؛ بإخلاصِهم في التوحيدِ والطاعة، ورَضُوا عنه بما أعدَّ لهم من الثَّواب والكرامةِ في الآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي يا أهلَ هذه القصَّة جندُ اللهِ وأولياؤهُ، ألاَ إنَّ جُنْدَ اللهِ همُ الفائزون بالبقاءِ الدائم والنعيمِ الْمُقيمِ.

الحشر 59:1

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

الحشر 59:2

قَولُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ؛ قال المفسِّرون :" نزَلت هذه الآيةُ والسُّورة بأَسرِها في بني النَّضير واليهودِ، وعاهدوهُ أن لا يكُونوا معَهُ ولا عليهِ، لا يُقاتِلون معه ولا يقاتلونَهُ، فكانوا على ذلكَ حتى كانت وقعةُ أحُدٍ، فأصابَتِ المسلمين يومئذٍ نَكْبَةٌ، فنقَضُوا العهدَ، ورَكِبَ كعبُ ابن الأشرَفِ في أربَعين راكباً إلى مكَّة، فأتَوا قُريشاً فطلَبُوا إلى أبي سُفيان وأصحابهِ فحالَفُوهم وعاقَدُوهم بين الكعبةِ والأستار على حرب النبيِّ ﷺ، وأنَّ كلمَتَهم واحدةٌ. ثم رجعَ كعبُ بن الأشرف وأصحابهُ إلى المدينةِ. فنَزل جبريلُ عليه السلام على النبيِّ ﷺ وأخبرَهُ بأمرِهم وقال له :" إنَّ اللهَ يَأْمُرُكَ بقَتْلِ كَعْب بْنِ الأَشْرَفِ " فَجَمَعَ النَّبيُّ ﷺ أصْحَابَهُ وَأخْبَرَهُمْ بمَا صَنَعَ كَعْبُ بْنُ الأَشْرَفِ وَقَالَ لَهُمْ :" إنَّ اللهَ أمَرَنِي بقَتْلِهِ، فَانْتَدِبُوا إلَى ذلِكَ ". فَانْتَدَبَ رَهْطٌ مِنْهُمْ وَفِيْهِمْ مُحَمَّدُ بْنُ مَسلَمَةَ، وَكَانَ أخَا كَعْبٍ مِنَ الرِّضَاعَةِ وَحَلِيفَهُ، فَانْطَلَقُوا فِي أوَّلِ اللَّيْلِ إلَى دَار كَعْبٍ، فَنَادَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَاسْتَنْزَلَهُ مِنْ دَارهِ، وَأوْهَمَهُ أنَّهُ يُكَلِّمُهُ فِي حَاجَةٍ، فَلَمَّا نَزَلَ أخَذ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بنَاصِيَتِهِ وَكَبَّرَ، فَخَرَجَ أصْحَابُهُ وَكَانُواْ مِنْ وَرَاءِ الْحَائِطِ، فَضَرَبُوهُ حَتَّى بَرُدَ مَكَانُهُ، فَصَاحَتْ امْرَأتهُ وَتَصَايَحَتِ الْيَهُودُ، فَخَرَجُوا إلَيْهِمْ وَقَدْ رَجَعَ الْمُسْلِمُونَ. فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأخْبَرُوهُ بذلِكَ، فَلَمَّا أصْبَحَ النَّبيُّ ﷺ خَرَجَ إلَيْهِمْ غَازياً، فَتَحَصَّنُوا فِي دُورهِمْ فَوَجَدَهُمْ فِي قَرْيَةٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهَا (زَهْوَةُ) وَهُمْ ينُوحُونَ عَلَى كَعْبٍ وَكَانَ سَيِّدَهُمْ، فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ؛ بَاغِيَةٌ عَلَى إثْرِ نَاعِيَةٍ، وَبَاكِيَةٌ عَلَى إثْرِ بَاكيَةٍ ؟ قَالَ :" نَعَمْ " قَالُوا : ذرْنَا نَبْكِي شَجْواً عَلَى كَعْبٍ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي سَلُولٍ الْمُنَافِقُ وَأصْحَابُهُ أمَرَ إلَى الْيَهُودِ سِرّاً بأَنْ لاَ تَخْرُجُوا مِنَ الْحِصْنِ، وَقَاتِلُواْ مُحَمَّداً وَأصْحَابَهُ، فَإنْ قَاتَلُوكُمْ فَنَحْنُ مَعَكُمْ وَلاَ نُخْذُلُكُمْ وَلَنَنْصُرَنَّكُمْ، وَلَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ. فَدَرَبُواْ عَلَى الأَزقَّةِ وَحَصَّنُوهَا، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَيْلَةً. فَلَمَّا عَجَزُوا عَنْ مُقَاوَمَةِ الْمُسْلِمِينَ وَآيَسُوا مِنْ نَصْرِ الْمُنَافِقِينَ لَهُمْ طَلَبُوا الصُّلْحَ، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ ﷺ إلاَّ أنْ يَخْرُجُواْ مِنْ مَدِينَتِهِمْ عَلَى مَا يَأْمُرُهُمْ بهِ، فَقَبلُوا ذلِكَ، فَصَالَحَهُمْ عَلَى الْجَلاَءِ، وَعَلَى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ أهْلِ ثَلاَثَةِ أبْيَاتٍ مِنْ مَتَاعِهِمْ عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ، وَلِنَبيِّ اللهِ مَا بَقِيَ، وَيَخْرُجُوا، إلَى الشَّامِ، فَفَعَلُوا ذلِكَ وَخَرَجُواْ إلَى الشَّامِ إلَى أذْرُعَاتٍ وَأريحَا وَالْحِيرَةَ وَخَيْبَرَ. فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ " يعني بني النَّضير من ديارهم التي كانت بيَثرِبَ وحصونِهم.

الحشر 59:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا نَزَلَ ببَنِي النَّضِير وَتَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، أمَرَ بقَطْعِ نَخِيلِهِمْ وَإحْرَاقِهَا، فَقَالَتِ الْيَهُودُ : مَا بُعِثَ نَبيٌّ إلاَّ بالصَّلاحِ، وَلَيْسَ فِي هَذا إلاَّ إفْسَادُ الْمَعِيشَةِ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ، وَقَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ إنَّكَ تُرِيدُ الصَّلاَحَ، أفَمِنَ الصَّلاحِ قَطْعُ النَّخِيلِ وَالأَشْجَار ؟ وَهَلْ وَجَدْتَ فِيمَا زَعَمْتَ أنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ. فَشُقَّ ذلِكَ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وَوَجَدَ الْمُسْلِمُونَ فِي أنْفُسِهِمْ مِنْ ذلِكَ مَشَقَّةً، وَكَانَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يُمْعِنُونَ فِي قَطْعِ النَّخْلِ، وَبَعْضُهُمْ يَنْهَى عَنْ ذلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ تَصْدِيْقاً لِلَّذِينَ نَهَوا عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ وَتَحْلِيْلاً لِمَنْ قَطَعَهُ، وَبَرَاءَةً لَهُمْ مِنَ الإثمِ وَتَصْوِيْباً لِلْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ تَعَالَى :﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بيَّن أنَّ ما قُطِعَ منها قُطِعَ بإذنِ الله، وما تُرِكَ منها بإذنِ الله. واللِّينَةُ هي النَّخلَةُ، قال ابنُ عبَّاس وقتادةُ :(اللِّينَةُ هِيَ كُلُّ نَخْلَةٍ مَا لَمْ تَكُنْ عَجْوَةً)، وَقِيْلَ : اللِّينَةُ : مَا خَلاَ العجوةَ والبرني وجمعه لِيَانٌ، ورُوي :" أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يَقْطَعُ نَخِيلَهُمْ إلاَّ الْعَجْوَةَ " قال عكرمةُ :(وَالنَّخْلُ كُلُّهُ لِيَانٌ مَا خَلاَ الْعَجْوَةَ)، وقال سفيانُ :(اللَّينَةُ هِيَ كِرَامُ النَّخْلِ). وقال مقاتلُ :(هُوَ ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ ثَمَرُهَا شَدِيدُ الصُّفْرَةِ يَغِيبُ فِيْهِ الضِّرْسُ عِنْدَ أكْلِهِ، وَكَانَ مِنْ أجْوَدِ ثَمَرِهِمْ وَأعْجَبهِ إلَيْهِمْ)، والعربُ تُسمِّي النخلَ كُله لِيَانٌ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ ؛ معناهُ : ولِيُهِينَ اللهُ ويُذِلَّ اليهودَ ويُخْزِيَهُمْ بأن يُرِيَهم أموالَهم يتحكَّمُ فيها المؤمنون كيف أحَبُّوا لأنَّهم نقَضُوا العهدَ.

الحشر 59:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ؛ معناهُ : وما ردَّ اللهُ على رسولهِ من غنائمِ بني النضيرِ، فمِمَّا لم تُوجِفُوا عليه أنتم خيلاً ولا ركَاباً ولكن مَشَيتُم إليه مَشياً ؛ لأن ذلك كان قَريباً من المدينةِ ؛ أي لم يحصُلْ ذلك بقتَالِكم، فلا شيءَ لكم مِن ذلك، ﴿وَلَـاكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ إنما كان ذلك بتسليطِ الله تعالى نَبيَّهُ ﷺ، واللهُ يُمَكِّنُ رُسُلَهُ صلواتُ الله عليهم من أعدائهِ بغيرِ قتالٍ، واللهُ على كلِّ شيءٍ من النَّصرِ والغنيمةِ قادرٌ. والضميرُ في قوله ﴿أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على ما أفاءَ اللهُ، والإيجافُ الإسراعُ والإزعاجُ للسَّير، يقالُ : أوجفَ السَّيرَ، وأوْجَفْتُهُ أنَا، والوَجِيفُ : نوعٌ من السَّيرِ فوق التَّقريب، ويقال : وَجَفَ الفرسُ والبعير يَجِفُ وَجْفاً إذا أسرعَ السَّيرَ، وأوْجَفَهُ صاحبهُ إذا حملَهُ على السَّير السريعِ. ومعنى الآية :﴿وَمَآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ من مالِ بني النَّضيرِ ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي فما وضَعتُم عليه من خيلٍ ولا إبل ولم تنَالُوا فيه مشقَّةً ولم تلقَوا حَرباً وإنما مَشَيتُم إليه مَشْياً، إلاَّ النبيّ ﷺ فإنه رَكِبَ جَملاً فافتَتَحها النبيُّ ﷺ وأجْلاَهُم وأخذ أموالَهم. فسألَ المسملون النبيَّ ﷺ في القِسْمَةِ في تلك الأموالِ، فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآيةَ، فجعلَ أموالَ بني النضير خاصَّة لرسولِ اللهِ يضعُها حيث يشاء، فقسَمَها رسولُ الله ﷺ بين المهاجرِين ولم يُعْطِ الأنصارَ منها شيئاً، إلاَّ ثَلاثةَ نفرٍ كانت لهم حاجةٌ، وهم : أبُو دُجَانَةَ ؛ وسَهلُ بن حنيف ؛ والحارثُ بن الصِّمَّةِ. وعن عمرَ رضي الله عنه :(أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أهْلِهِ مِنْ مَالِ بَنِي النَّضِيرِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ جَعَلَهُ فِي الْكِرَاعِ وَالسِّلاَحِ عُدَّةً فِي سَبيلِ الله ؛ لأَنَّهُ مِمَّا أفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَلَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ بخَيْلٍ وَلاَ ركَابٍ، فَكَانَ خَالِصاً لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم). وأرادَ بهذا ما كان يحصلُ من غُلَّةِ أراضِيهم في كلِّ سنةٍ. وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على أنَّ كلَّ مالٍ من أموالِ أهلِ الشِّرك لم يغلِبْ عليه المسلمون عُنوَةً وإنما أُخِذ صُلْحاً أنْ يُوضَعَ في بيتِ مالِ المسلمين ويُصرَفَ إلى الوجُوهِ التي تُصرَفُ فيها الجزيةُ والْخَرَاجُ ؛ لأن ذلك بمنْزِلَة أموالِ بني النضيرِ.

الحشر 59:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ؛ اختلفَ أهلُ اللغة في الفَيْءِ ما هُوَ ؟ فقالَ بعضُهم : هو مما مَلَّكَهُ اللهُ المسلمين من أموالِ المشرِكين بغيرِ قتالٍ أو بقتالٍ، فالغنيمةُ فَيْءٌ والخراجُ فَيْءٌ. قال بعضُهم : الْغَنِيمَةُ اسمٌ لِمَا أخذهُ المسلمون من الكفَّار غُنوةً وقهراً، والفَيْءُ ما صالَحُوا عليهِ، فبيَّن اللهُ تعالى في هذه الآيةِ حُكمَ الفيءِ، فقالَ تعالى :﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي من غنائمِ قُرَى المدنيةِ في قريظةَ وبني النضير وفدَكٍ، فإنَّ ذلك خاصَّة للنبيِّ ﷺ دون الغانِمين، وكان أمرُ النبيِّ ﷺ في ذلك جَائزاً، فكان النبيُّ ﷺ يصرِفُها بأمرِ الله تعالى إلى قرائب نفسه وفُقراءِ قَرَابَتهِ ويتامَى الناسِ عامَّة والمساكين عامَّة، يعني المحتاجِين وأبناءِ السَّبيل والفُقَراء المهاجرِين. واختلفَ العلماءُ في حُكمِ هذه الآيةِ، فقالَ بعضُهم : أرادَ بقولهِ ﴿مَّآ أَفَآءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ الغنائمَ التي يأخذُها المسلمون من أموالِ الكفَّار عُنوةً وغَلبةً، وكانت في بدءِ الإسلام لعامة الغانِمين المسلمين دون الغانِمين الْمُوجِفين عليها، ثم نَسَخَ اللهُ ذلك بقولهِ تعالى في سورة الأنفال﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾[الأنفال: ٤١] والآيةُ التي قبلَ هذه الآية في بيانِ حُكم أموالِ بني النضير خاصَّة، وهذه الآيةُ في بيان حُكمِ جلب الأموال التي أُصيبت بغيرِ قتالٍ ولم يوجَفْ عليها بالخيلِ والجمالِ. وقال آخَرُون : هما واحدٌ، والثانيةُ بيان قسمِ المالِ الذي ذكر اللهُ تعالى في هذه الآيةِ الأُولى، والغنائمُ كانت في بدءِ الإسلام لرسولِ الله ﷺ يصنَعُ بها ما يشاءُ، كما قال تعالى﴿قُلِ الأَنفَالُ للَّهِ وَالرَّسُولِ﴾[الأنفال: ١] ثم نُسِخَ ذلك بقوله﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ﴾[الأنفال: ٤١] الآيةُ، فجَعَلَ أربعةَ أخماسِها للغانِمين يُقسَمُ بينهم، وأما الْخُمْسُ الباقي فيقسمهُ على خمسةِ أسهُمٍ : سهمٌ لرسولِ الله ﷺ، وسهمٌ لذوي القُربَى، وسهمٌ لليتَامَى، وسهمٌ للمساكين، وسهمٌ لبني السَّبيلَ. وقولهُ تعالى :﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَآءِ مِنكُم﴾ ؛ معناه : كَي لا يكون الفَيءُ مُتدَاولاً بين الأغنياءِ منكم، والفرقُ بين الدُّولَةِ والدَّوْلَةِ بفتحِ الدال عبارةٌ عن المدَّة من الاستيلاءِ والغَلبَةِ، والدُّولَةُ اسمٌ للشيءِ المتداوَل، والمعنى : كي لا يتداولهُ الأغنياءُ منكم، يكون لِهذا مرَّة ولهذا مرة، كما يُعمَلُ في الجاهليَّة، وكانوا إذا أخَذُوا غنيمةً أخذ الرئيسُ رُبعَها وهو الرِّبَاعُ، والأغنياءُ والرُّؤساء، وقال مقاتل :(كَيْ لاَ يَغْلِبَ الأَغْنِيَاءُ الْفُقَرَاءَ فَيَقْسِمُونَهُ بَيْنَهُمْ). ثُم قالَ :﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ ؛ من الفَيءِ والغنيمةِ، ﴿فَخُذُوهُ﴾ ؛ فهو حلالٌ لكم، ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ ؛ أي عن أخذهِ، ﴿فَانتَهُواْ﴾ ؛ وهذا نازلٌ في أمرِ الفيءِ، ثم هو عامٌّ في كلِّ ما أمَرَ اللهُ به النبيَّ ﷺ ونَهى عنه، قال الحسنُ في قولهِ :﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ﴾ :(يَعْنِي مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنَ الْغَلُولِ). وقولهُ تعالى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ معناهُ : اتَّقوا عذابَ اللهِ، ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ إذا عاقبَ فعقوبتهُ شديدةٌ.

الحشر 59:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ ؛ معناه : كَي لا يكون دُولَةً بين الأغنياءِ، ولكن يكون للفُقراء المهاجرين الذين أُخرِجُوا من ديارهم، يعني أنَّ كفارَ مكَّةَ أخرَجُوهم، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ أي رزْقاً يأتيهم، ﴿وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ؛ رضَى ربهم حين خرَجُوا إلى دار الهجرة ينصرون الله ورسوله، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ؛ في إيمانِهم. والمعنى بقوله ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ بيانُ المحتاجِين المذكورين في الآيةِ التي قبلَ هذه الآيةِ، كأنَّهُ قال : لهؤلاءِ الفقراء المحتاجِين ما تقدَّمَ ذِكرهُ من الفَيءِ، وكانوا نحواً من مائةِ رجُلٍ، وكانوا شَهِدُوا بَدراً أجمعين، ولذلك أثْنَى اللهُ عليهم بقوله ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ أي يطلُبون بتلك الهجرةِ ثوابَ الله ورضوانَهُ، وينصُرون بالسِّيف والجهادِ أولياءَ اللهِ وأولياءَ رسُولهِ، ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ في الإيمان وطلب الثَّواب.

الحشر 59:9

وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :( ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ مُبْتَدَأ، وَخَبَرُهُ ﴿يُحِبُّونَ﴾ ). وَهَذا ثناءٌ على الأنصار، " وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا أعْطَى الْمُهَاجِرِينَ مَا قَسَمَ لَهُمْ مِنْ فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ لَمْ يَأْمَنْ عَلَى غَيْرِهِمْ أنْ يَحْسِدَهُمْ إذْ لَمْ يَقْسِمْ لَهُمْ. فَقَالَ لِلأَنْصَار :" إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لَهُمْ مِنْ دُوركُمْ وَأمْوَالِكُمْ، وَقَسَمْتُ لَكُمْ مَا قَسَمْتُ لَهُمْ، وَإمَّا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الْقَسْمُ وَلَكُمْ دِيَارُكُمْ وَأمْوَالُكُمْ " فَقَالُواْ : لاَ ؛ بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ دِيَارنَا وَأمْوَالِنَا وَلاَ نُشَاركُهُمْ فِي قَسْمِهِمْ. فَأَثْنَى اللهُ تعالَى عليهم بهذه الآيةِ ". والمعنى : لَزِمُوا دارَ الهجرةِ ولَزِمُوا الإيمانَ من قبلِ هجرةِ المهاجرِين ووَطَنُوا منازلَ أنفُسِهم، فهم يحبُّون مَن هاجرَ إليهم من مكَّة من أصحاب النبيِّ ﷺ، ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً﴾ ؛ ضِيقاً وحسَداً، ﴿مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ ؛ مما أُعطِيَ المهاجرين من الغنائِم. ومعنى الآيةِ :﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ﴾ يعني المدينةَ، وهي دارُ الهجرةِ، وتبَوَّأها الأنصارُ قبلَ المهاجرِين. وتقديرُ الآية : والَّذين تَبوَّءوا الدارَ مِن قبلِهم والإيمانَ ؛ لأن الأنصارَ لم يُؤمِنوا قبلَ المهاجرِين، وعطفُ (الإيْمَانَ) على (الدَّارَ) في الظاهرِ لا في المعنى ؛ لأنَّ الإيمان ليس بمكانِ تَبَوَّءٍ. والتقديرُ : وآثَرُوا الإيمانَ واعتقَدُوا الإيمانَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ؛ معناهُ : ويُؤثِرُون المهاجرِين على أنفُسِهم بأموالِهم ومنازلهم، ولو كان بهم فقرٌ وحاجة إلى الدار والنَّفقةِ، بيَّن اللهُ أن إيثارَهم لم يكن عن غِنًى عن المالِ ولكن عن حاجةٍ، فكان ذلك أعظمَ لأجرِهم. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :" جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ : إنِّي جَائِعٌ فَأَطْعِمْنِي ؟ فَبَعَثَ النَّبيُّ ﷺ إلَى أحَدِ أزْوَاجِهِ :" هَلْ عِنْدَكُنَّ شَيْءٌ ؟ " فَكُلُّهُنَّ قُلْنَ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بالْحَقِّ مَا عِنْدَنَا إلاَّ الْمَاءُ، فَقَالَ ﷺ :" مَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا يُطْعِمُكَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ " ثُمَّ قَالَ :" مَنْ يُضِيفُ هَذا هَذِهِ اللَّيْلَةَ رَحِمَهُ اللهُ ؟ ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : أنَا يَا رَسُولَ اللهِ، - قالَ في صحيحِ مُسلم : هُوَ أبُو طَلْحَةَ، وَقِيْلَ : أبُو أيُّوبٍ، والضَّيْفُ أبُو هريرةَ - فَمَضَى بهِ إلَى مَنْزِلِهِ، فَقَالَ لأَهْلِهِ : هَذا ضيْفُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَكْرِمِيهِ وَلاَ تَدَّخِرِي عَنْهُ شَيْئاً، فَقَالَتْ : مَا عِنْدَنَا إلاَّ قُوتُ الصِّبْيَةِ، قَالَ : قُومِي فَعَلِّلِيهِمْ عَنْ قُوتِهِمْ حَتَّى يَنَامُوا، ثُمَّ أسْرِجِي وَأحْضِرِي الطَّعَامَ، فَإذا قَامَ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قُومِي كَأَنَّكِ تُصْلِحِينَ السِّرَاجَ فَأَطْفِئِيهِ، وَتَعَالَي نَمْضُغْ الْسِنَتَنَا لِضَيْفِ رسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى يَشْبَعَ. فَقَامَتْ إلَى الصِّبْيَةِ فَعَلَّلَتْهُمْ حَتَّى نَامُوا وَلَمْ يَطْعَمُوا شَيْئاً، ثُمَّ قَامَتْ فَأَسْرَجَتْ، فَلَمَّا أخَذ الضَّيْفُ لِيَأْكُلَ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ السِّرَاجَ فَأَطْفَأَتْهُ، وَجَعَلاَ يَمْضُغَانِ ألْسِنَتَهُمَا، فَظَنَّ الضَّيْفُ أنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ مَعَهَُ، فَأَكَلَ الضَّيْفُ حَتَّى شَبعَ، وَبَاتَا طَوِيَّيْنِ. فَلَمَّا أصْبَحَا غَدَوا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِمَا تَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ :" لَقَدْ عَجِبَ اللهُ مِنْ فُلاَنٍ وَفُلاَنَةٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ".

الحشر 59:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ؛ يعني التَّابعين وهمُ الذين جاءُوا بعدَ المهاجرِين والأنصار إلى يومِ القيامة، قال ابنُ عمر :(هَؤُلاَءِ هُمُ التَّابعِينَ بالإحْسَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ). قال ابنُ أبي ليلى :(النَّاسُ عَلَى ثَلاَثَةِ منَازلَ : الْفُقَرَاءُ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيْمَانَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ، فَاجْهَدْ أنْ لاَ تَكُونَ خَارجاً مِنْ هَذِهِ الْمَنَازلِ). ثم ذكرَ اللهُ تعالى أنَّ هؤلاء التابعين يدعُون لأنفُسِهم وللسَّلَفِ الذين سبَقُوهم، فقالَ تعالى ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ ﴿وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ أي لا تجعَلْ في قُلوبنا غِشّاً وحسَداً وبُغْضاً وحِقْداً للمؤمنين، فكلُّ مَن لم يترحَّمْ على جميعِ الصَّحابة وكان في قلبهِ غِلٍّ لَهم على أحدٍ منهم كان خَارجاً من أقسامِ المؤمنين ؛ لأنَّ اللهَ رتَّبَ المؤمنين على ثلاثِ مراتب : الهاجرين، والأنصار، والتابعين إلى يومِ القيامة.

الحشر 59:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ ؛ يعني عبدَالله بنَ أُبَيٍّ وأصحابَهُ، ومعنى ﴿نَافَقُواْ﴾ أي أظهَرُوا خلافَ ما أضمَرُوا، ﴿يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ؛ وهم بنُو قريظةَ وبنو النضِير، سَمَّاهم إخوَانَهم لأنَّهم كفارٌ مثلَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ ؛ أي لئن أخرِجتُم من دياركم ؛ أي لغربة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ؛ أي لا نُسَاكِنُ مُحَمَّداً، ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ ؛ ولا نطيعهُ على قتالِكم، ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ ؛ فإنْ قاتَلَكم مُحَمَّدٌ وأصحابهُ، لنُعاونَنَّكم عليه حتى تكون أيدِينا يَداً واحدةً في المقاتَلة حتى نغلِبَهم، وعَدُوهُمْ أنَّهم ينصرونَهم، فكذبَهم اللهُ في ذلك بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في مُقاتَلتِهم، وقد بانَ كذِبهُم في ما نزلَ ببني النَّضيرِ من الجلاءِ وفيما أصابَ بني قريظةَ من القتلِ. ثم ذكرَ اللهُ أنَّهم يُخلِفُونَهم ما وَعَدُوهم من الخروجِ والنصرِ، فقال تعالى :﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ ؛ فكان الأمرُ على ما ذكرَ اللهُ تعالى ؛ لأنَّهم أُخرِجُوا من ديارهم لم يخرُجْ معهم المنافقون، وقُوتِلُوا فلم يَنصُرونهم أظهرَ اللهُ كَذِبَهم وأبانَ صِدْقَ ما قَالَ اللهُ تَعَالَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : ولئن قُدِّرَ وجودُ نصرِهم ؛ لأن ما نفاهُ الله لا يجوزُ وجودهُ، قال الزجَّاجِيُّ :(مَعْنَاهُ : لَوْ قَصَدُوا نَصْرَ الْيَهُودِ لَوَلَّوا الأَدْبَارَ مَهْزُومِينَ). ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ يَعْنِي بَنِي النَّضير لا يُصِيرون مَنصُورين إذا انْهزَمَ ناصِرُوهم.

الحشر 59:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ﴾ ؛ يعني عبدَالله بنَ أُبَيٍّ وأصحابَهُ، ومعنى ﴿نَافَقُواْ﴾ أي أظهَرُوا خلافَ ما أضمَرُوا، ﴿يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ؛ وهم بنُو قريظةَ وبنو النضِير، سَمَّاهم إخوَانَهم لأنَّهم كفارٌ مثلَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ ؛ أي لئن أخرِجتُم من دياركم ؛ أي لغربة ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ ؛ أي لا نُسَاكِنُ مُحَمَّداً، ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ ؛ ولا نطيعهُ على قتالِكم، ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ ؛ فإنْ قاتَلَكم مُحَمَّدٌ وأصحابهُ، لنُعاونَنَّكم عليه حتى تكون أيدِينا يَداً واحدةً في المقاتَلة حتى نغلِبَهم، وعَدُوهُمْ أنَّهم ينصرونَهم، فكذبَهم اللهُ في ذلك بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ في مُقاتَلتِهم، وقد بانَ كذِبهُم في ما نزلَ ببني النَّضيرِ من الجلاءِ وفيما أصابَ بني قريظةَ من القتلِ. ثم ذكرَ اللهُ أنَّهم يُخلِفُونَهم ما وَعَدُوهم من الخروجِ والنصرِ، فقال تعالى :﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ﴾ ؛ فكان الأمرُ على ما ذكرَ اللهُ تعالى ؛ لأنَّهم أُخرِجُوا من ديارهم لم يخرُجْ معهم المنافقون، وقُوتِلُوا فلم يَنصُرونهم أظهرَ اللهُ كَذِبَهم وأبانَ صِدْقَ ما قَالَ اللهُ تَعَالَى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ ؛ معناهُ : ولئن قُدِّرَ وجودُ نصرِهم ؛ لأن ما نفاهُ الله لا يجوزُ وجودهُ، قال الزجَّاجِيُّ :(مَعْنَاهُ : لَوْ قَصَدُوا نَصْرَ الْيَهُودِ لَوَلَّوا الأَدْبَارَ مَهْزُومِينَ). ﴿ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ يَعْنِي بَنِي النَّضير لا يُصِيرون مَنصُورين إذا انْهزَمَ ناصِرُوهم.

الحشر 59:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : لأَنتم يا معشرَ المسلمين أهْيَبُ في قُلوب المنافقين واليهودِ من عذاب الله، وخَوفُهم منكم أشدُّ من خوفِهم اللهَ لعِلمِهم بكم وصفاتِكم، وجَهلِهم باللهِ وعظَمَتهِ، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الخوفُ الذي بهم منكم دونَ اللهِ، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ﴾ ؛ لاَ يعرِفُون اللهَ تعالى، ولو عَرفوهُ لعَلِمُوا أنَّ عقوبةَ اللهِ أعظمُ مما عساهُ يقع بهم من فعلِ المؤمنين. وفي هذه الآيةِ بيانُ أنَّهُ لا ينبغِي لأحدٍ أنْ يكون خَوفهُ من الناسِ أزيَدُ من خوفهِ من اللهِ تعالى، وإنَّ من زادَ خوفهُ من أحدٍ من الناسِ على خوفهِ من اللهِ فليس بفَقِيهٍ، إنما الفقيهُ من يخشَى اللهَ كما في آيةٍ أخرى﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾[فاطر: ٢٨]، والفقهُ : الْعِلْمُ بمفهومِ الكلامِ في إدراكِ ظَاهرهِ بمضمونهِ، والناسُ يتفَاضَلون في الإدراكِ لاختلافِهم في جَوْدَةِ القريحةِ وسُرعَةِ الفطنةِ.

الحشر 59:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ﴾ ومعناهُ : لا يُقاتِلُونَكم بنو قُريظةَ إلاَّ في حُصُونٍ موَثَّقةٍ أو من خَلفِ جِدَارٍ، لِمَا قذفَ اللهُ في قلوبهم الرُّعبَ، ولا يُقاتونَكم مبارزةً. قرأ ابنُ عبَّاس ومجاهدُ وابن كثير وأبو عمرٍو (أوْ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ) بالألفِ على الواحد. ويَروي بعضُ أهلِ مَّكة (جَدْرٍ) بفتحِ الجيم وجزمِ الدال وهي لغةٌ في الجدار، وقرأ يحيى بن وثَّاب (جُدْرٍ) بضم الجيم وجزمِ الدال، وقرأ الباقون بضَمِّهما. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ﴾ ؛ يعني بُغْضُهم وعداوةُ بعضِهم لبعضٍ شديدٌ، وبينهم مخالفةٌ وعداوة عظيمةٌ، ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً﴾ ؛ أي تحسَبُهم متَّفقين على أمرٍ واحد بنِيَّات مجتمعةٍ إذا قاتَلُوا المؤمنين، ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ؛ أي متفرِّقةٌ لا يتعاوَنون لمعاداةِ بعضهم بعضاً، وإنْ أظهَرُوا الموافقةَ، والمعنى : أنَّهم مختَلِفُون لا تستوِي قلوبُهم ولا نيَّاتُهم لأنَّ اللهَ خذلَهم، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ الاختلافُ، ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ﴾ ؛ ما فيه الحظُّ لهم ولا يعقِلُون الرُّشدَ من الغيِّ.

الحشر 59:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ ؛ معناهُ : مَثَلُ هؤلاءِ اليهود كمَثلِ الذين مِن قَبلِهم وهم كفارُ مكَّة، يعني : مثَلُهم في ما ينْزِلُ من العقوبةِ كمَثَلِ مُشرِكي مكَّة، وقوله تعالى :﴿قَرِيباً ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ يعني القتلَ والأسرَ ببدرٍ، وكان ذلك قبلَ غزوةِ بني النَّضير بستَّة أشهُرٍ، ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ في الآخرةِ.

الحشر 59:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ﴾ ؛ أي مثَلُ الكافرِين في غُرورهم لبني النضير وخِلاَّنِهم، كمثَلِ الشَّيطانِ في غُرورهِ لابنِ آدمَ إذ دعاهُ إلى الكُفرِ بما زَيَّنَهُ له من المعاصِي، فلمَّا كَفَرَ الآدميُّ تَبَرَّأ الشيطانُ منه ومن دينهِ في الآخرة. ويقال : إنَّ المرادَ بهذه الآيةِ إنسانٌ بعَينهِ يقالُ له بَرصِيصَا، عَبَدَ اللهَ تعالى في صَومعَةٍ له سَبعين سنةً، وكان من بنِي إسرائيلَ، فعالَجهُ إبليس فلم يقدِرْ عليه، فجمعَ ذاتَ يومٍ مَرَدَةَ الشياطين وقال لَهم : ألاَ أحدٌ منكم يكفِيني أمرَ برصيصا ؟ فقال له الأبيضُ : أنا أكفِيكَهُ، وكان من شدَّة تَمرُّد هذا الأبيضِ أنه اعترضَ النبيَّ ﷺ ليُوَسوِسَ إليه، فدفعَهُ جبريلُ دفعةً هيِّنة فوقعَ في أقصى أرضِ الهند. فقالَ الأبيضَ لإبليسَ : أنا أُزَيِّنُ له، فتزيَّنَ بزينةِ الرُّهبان ومضَى حتى أتَى صومعةَ برصيصا، فأقبلَ على العبادةِ في أصلِ الصَّومعة فانفتلَ برصيصا فاذا هو يراهُ قائم يصلِّي في هيئةِ حسَنةٍ من هيئة الرُّهبان، فأقبلَ إليه وقالَ : يا هذا ما حاجَتُكَ ؟ فقال : أحبُّ أن أكون معكَ فأتعلَّمَ منكَ وأقتبسَ عِلمَكَ، فتدعُو لي وأدعُو لكَ، فقال برصيصا : إنِّي لفِي شُغلٍ عنكَ، فإن كُنتَ مُؤمِناً فسيجعلُ الله لكَ نَصيباً مما أدعوهُ للمؤمنين والمؤمناتِ. ثم أقبلَ على صلاتهِ وتركَ الأبيضَ، وقامَ الأبيضُ يصَلِّي فلم يلتَفِتْ برصيصا إلاَّ بعد أربعين يَوماً، فلمَّا التفتَ بعد الأربعين رآهُ قائماً يصلِّي، فلما رأى برصيصا شدَّةَ اجتهادهِ وكثرةَ ابتهالهِ وتضرُّعه أقبلَ إليهِ، وقالَ : اطلُبْ حاجتَكَ، قال حاجَتي أن تأذنَ لي فارتفعَ إليك فأكونَ في صَومَعَتِكَ، فأَذِنَ له فارتفعَ اليهِ. فأقامَ في صَومعتهِ حَوْلاً كاملاً يتعبَّدُ، لا يفطرُ إلاّ في كلِّ أربعينَ يَوماً يوماً، ولا ينفتِلُ إلاّ في كلِّ أربعين يوماً يَوماً، فلما رأهُ بَرصِيصا ورأى شدَّةَ اجتهادهِ أعجبَهُ شأنهُ، وتقاصَرت عندهُ عبادةُ نفسهِ. فلمَّا حالَ الحولُ قال الأبيضُ لبَرصِيصَا : إنِّي منطلقٌ إلى صاحبٍ لِي غيرك أشدُّ اجتهاداً منكَ، وإنه قد كان بلَغَني عنكَ من العبادةِ والاجتهاد غيرَ الذي أرَى منكَ، فدخلَ على برصِيصا من كلامهِ ذلك أمرٌ عظيم وكَرِهَ مفارقتَهُ لِمَا رأى من شدَّة اجتهادهِ في العبادةِ. فلمَّا ودَّعَهُ قالَ له الأبيضُ : إنَّ عندي دَعَواتٍ أُعلِّمُكَها تدعو بها، فهي خيرٌ لكَ مما أنتَ فيه، يَشفَى بها السقيمُ، ويُعافَى بها الْمُبتَلى والمجنون، فقال بَرصِيصا : إنِّي أكرهُ هذه المْنزِلَةَ، وإنَّ لي في نفسي شُغلاً، وإنِّي أخافُ إنْ عَلِمَ الناسُ بذلك شغَلونِي عن العبادةِ. فلَم يزَلْ به الأبيضُ حتى علَّمَهُ. وانطلقَ الأبيضُ حتى أتَى إبليسَ وقالَ له : قد واللهِ أهلكتُ الرجلَ. ثم انطلقَ الأبيضُ إلى رجلٍ فخنقَهُ، ثم جاءَ إلى أهلهِ في صُورَةِ طبيبٍ فقالَ لَهم : إنَّ بصاحبكم جُنوناً، فقالُوا له : عَالِجْهُ لنا وَدَاوهِ، فقالَ : إنِّي لا أقوَى على جِنِّيَّتِهِ! ولكن أرشِدُكم إلى مَن يدعُو له فيُعافَى، قالوا : دُلَّنَا.

الحشر 59:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ؛ معناهُ : فكان عاقبةُ الشَّيطانِ والذي كفَرَ أنَّهما في النار مُقِيمِين دائمين، ﴿وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي وذلكَ عاقبةُ الكافرِين، فَلْيَحْذر امرِؤٌ أن يقعَ في مثلِ ما وقعَ فيه هذا الكافرُ، وقال مقاتلُ :(مَعْنَى الآيَةِ : فَكَانَ عَاقِبَةُ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ أنْ صَارُواْ إلَى النَّار وَذلِكَ جَزَاؤُهُمْ).

الحشر 59:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ﴾ ؛ معناهُ : واتَّقُوا اللهَ بأداءِ فرائضهِ واجتناب مَعاصيه، ﴿وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ؛ أي ليومِ القيامةِ عَملاً صَالِحاً يُنجِيها أم عَملاً سَيِّئاً يُوبقُها، قال الحسنُ :(مَا زَالَ اللهُ يُقَرِّبُ السَّاعَةَ حَتَّى جَعَلَهَا كَغَدٍ). ﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.

الحشر 59:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ﴾ ؛ أي ترَكُوا حقَّ اللهِ وأمرَهُ حتى صارَ كالْمَنْسِيِّ عندَهم، ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ ؛ أي فخذلَهم حتى لم يَعْمَلُوا للهِ طاعةً، ويُقدِّموا خيراً لأنفسهم، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ) وباقِي الآيتَين، ﴿أُولَـائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾، ظاهرُ المعنى.

الحشر 59:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ﴾ ؛ أي ترَكُوا حقَّ اللهِ وأمرَهُ حتى صارَ كالْمَنْسِيِّ عندَهم، ﴿فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ﴾ ؛ أي فخذلَهم حتى لم يَعْمَلُوا للهِ طاعةً، ويُقدِّموا خيراً لأنفسهم، قال ابنُ عبَّاس :(يُرِيدُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ) وباقِي الآيتَين، ﴿أُولَـائِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لاَ يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾، ظاهرُ المعنى.

الحشر 59:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَـاذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ؛ معناهُ : لو جُعِلَ في الجبلِ تَمييزٌ وعقلٌ مِثلَكم، وعَلِمَ من القرآنِ كما تعلَمُون أنتم لرأيتَهُ يخشَعُ ويتصدَّعُ خَوفاً من عذاب اللهِ، وكبرهُ وصلابتهُ فأنتم مع ضَعفِكم وصِغَرِكم أولَى بالخشُوعِ والعملِ على مقتضَى الدِّين في تمييزِ الحقِّ من الباطلِ. وَقِيْلَ : معناهُ : لو شَعَرَ الجبلُ مع صَلابتهِ وشدَّتهِ بالقرآنِ لخشَعَ تَعظيماً للقرآنِ ولصَدعَ من خشيةِ الله، فالإنسانُ أحقُّ بهذا منه، وهذا وصفٌ للكافرِ بالقسوَةِ حين لم يَلِنْ قلبهُ بمواعظِ القرآن الذي لو أُنزِلَ على جبلٍ لخشعَ.

الحشر 59:22

قَوُْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَـانُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ قِيْلَ : إنَّ هذه الآياتِ مردودةٌ إلى أوَّلِ السُّورة، والمعنى : هو الذي أخرجَ الذين كفَرُوا وهو اللهُ الذي تَحِقُّ له العبادةُ، ولا يشركهُ في ذلك غيرهُ، وهو العالِمُ بكلِّ شيءٍ مما غابَ عن العبادِ ومما علموهُ.

الحشر 59:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ القُدُّوسُ : هو الظاهرُ على كلِّ عيبٍ، المنَزَّهُ عن كلِّ ما لا يليقُ به. والسَّلاَمُ : هو الذي سَلِمَ من كلِّ نقصٍ وعيب، وَقِيْلَ : هو الذي سَلِمَ العبادُ من ظُلمهِ. والْمُؤْمِنُ : هو الذي أمِنَ أولياؤهُ عذابَهُ. والْمُهَيْمِنُ : هو الشهيدُ على عبادهِ بأعمالهم، ومنه قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾[المائدة: ٤٨] أي شَاهِداً عليه، ويقالُ : هَيْمَنَ يُهَيْمِنُ فهو مُهَيْمِنٌ، إذا كان رَقِِيباً على الشيءِ. والْعَزِيزُ : الممتنعُ الذي لا يغلِبهُ شيءٌ ولا يُمنَعُ من مُرادهِ. والْجَبَّارُ : هو العظيمُ، وجَبَرُوتُ اللهِ عَظَمَتهُ، ويجوزُ أن يكون فَعَّالاً من جَبَرَ إذا أغنَى الفقيرَ وأصلحَ الكسيرَ. ويجوزُ أن يكون من جَبَرَهُ على كذا اذا أكرهَهُ على ما أرادَ. قال السديُّ ومقاتل :(هُوَ الَّذِي يَقْهَرُ النَّاسَ وَيُجْبرُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ). والْمُتَكَبرُ : هو المستحقُّ لصفاتِ التعظيمِ وهو من الكِبْرِيَاءِ، وإنما تُذمُّ صفةُ المتكبر في الناسِ لأنه يُنْزِلْ نفسَهُ منْزِلَةً لا يستحقُّها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ﴾ ؛ الْخَالِقُ : هو الْمُنْشِئُ للأعيانِ. والبَارئُ : الْمُقَدِّرُ والْمُسَوِّي لها، والبَرِيَّةُ : الْخَلْقُ، وبَرَيْتُ القلمَ إذا سوَّيتهُ. والْمُصَوِّرُ : النَّاقِشُ كيف يشاءُ، يعني الْمُمَثِّلُ للمخلوقاتِ بالعلاماتِ المميَّزة والهيئاتِ المتفرِّقة.

الحشر 59:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَهُ الأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، والأسماءُ الْحُسنَى هي الصفاتُ العُلَى. وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنْ قَرَأ سُورَةَ الْحَشْرِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذنْبهِ وَمَا تَأَخَّرَ ". وقال ﷺ :" وَمَنْ قَرَأ حِينَ يُصْبحُ الثَّلاَثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ الْحَشْرِ وَكَّلَ اللهُ بهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِي، فَإنْ مَاتَ مِنْ ذلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيداً، وَمَنْ قَرَأهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ ". وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال :" سَأَلْتُ حَبيبي رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ اسْمِ اللهِ الأَعْظَمِ، فَقَالَ :" عَلَيْكَ بآخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، فَأَكْثِرْ قِرَاءَتَهَا " فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ فَأَعَادَ عَلَيَّ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ، فَأَعَادَ عَلَيَّ ".

الممتحنة 60:1

﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ ؛ " نَزلت هذه الآية في حاطِب بن أبي بَلْتَعَةَ، وَذلِكَ أنَّ سَارَةَ مَوْلاَةَ أبي عَمْرٍو صَيْفِي بْنِ هِشَامٍ أتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ بَعْد بَدْرٍ بسَنَتَيْنِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ :" أمُسْلِمَةً جِئْتِ " قَالَتْ : لاَ : قَالَ :" أمُهَاجِرَةً جِئْتِ ؟ " قَالَتْ : لاَ، قَالَ :" فَمَا حَاجَتُكَ ؟ " قَالَتْ : كُنْتُمُ الأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ وَالْمَوَالِي، وَقَدْ ذهَبَتْ أمْوَالِي وَاحْتَجْتُ حَاجَةً شَدِيدَةً، فَقَدِمْتُ عَلَيْكُمْ لِتُعْطُونِي وَتَكْسُونِي وَتَحْمِلُونِي، قَالَ :" وَأيْنَ أنْتِ مِنْ شَبَاب أهْلِ مَكَّةَ ؟ " وَكَانَتْ مُغَنِّيَةً وَنَائِحَةً، قَالَتْ : مَا طُلِبَ مِنِّي شَيْءٌ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب فَكَسَوْهَا وَأعْطَوْهَا نَفَقَةً. فَأَتَاهَا حَاطِبُ بْنُ أبي بَلْتَعَةَ الأَزَدِيُّ حَلِيفُ بَنِي أسَدٍ، فَكَتََبَ إلَى أهْلِ مَكَّةََ وَأعْطَاهَا عَشْرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أنْ تُوصِلَ الْكِتَابَ إلَى أهْلِ مَكَّةَ، وَكَتَبَ فِي الْكِتَاب : مِنْ حَاطِب بْنِ أبي بَلْتَعَةَ إلَى أهْلِ مَكَّةَ : رَسُولُ اللهِ ﷺ يُريدُ أنْ يَغْزُوَكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. مَعَ أشْيَاءَ كَتَبَ بهَا يَتَنَصَّحُ لَهُمْ فِيهَا، فَمَضَتْ سَارَةُ بالْكِتَاب. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَأَخْبَرَ النَّبيَّ ﷺ بمَا فَعَلَ حَاطِبُ، فَبَعَثَ النَّبيُّ ﷺ وَرَاءَهَا عَلِيَّ بْنَ أبي طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادَ، فَخَرَجُوا يُعَادِي بهِمْ خيْلُهُمْ، فَطَلَبُوا مِنْهَا الْكِتَابَ، فَقَالَتْ : مَا عِنْدِي كِتَابٌ، وَحَلَفَتْ عَلَى ذلِكَ، فَفَتَّشُواْ مَتَاعَهَا فَلَمْ يَجِدُوهُ، وَقَالَتْ : إنَّكُمْ لاَ تُصَدِّقُونِي حَتَّى تُفَتِّشُوا ثِيَابي، وَاصْرِفُواْ وُجُوهَكُمْ عَنِّي فَصَرَفُوهَا، فَطَرَحَتْ ثِيَابَهَا فَفَتَّشُوهَا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئاً، فَتَرَكُوهَا وَهَمُّواْ بالرُّجُوعِ. فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أبي طَالِبٍ : إنِّي أشْهَدُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمْ يَكْذِبْنَا، وَإنَّهَا هِيَ الْكَاذِبَةُ فِيمَا تَقُولُ : فَسَلَّ سَيْفَهُ وَقَالَ : أخْرِجِي الْكِتَابَ وَإلاَّ وَاللهِ لأَضْرِبَنَّ عُنُقَكِ وَأقْسَمَ عَلَى ذلِكَ، فَلَمَّا رَأتِ الْحَدَّ أخْرَجَتْهُ مِنْ ظَفَائِرِ رَأسِهَا، فَأَخَذُوهُ وَخَلَّوا سَبيلَهَا وَرَجَعُواْ بالْكِتَاب إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَأَرْسَلَ إلَى حَاطِبٍ فأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ :" يَا حَاطِبُ هَلْ تَعْرِفُ هَذا الْكِتَابَ ؟ " قَالَ : نَعَمْ، قَالَ :" مَا حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ ؟ " قَالَ : وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَفَرْتُ مُنْذُ أسْلَمْتُ، وَلاَ غَشَشْتُكَ مُنْذُ صَحِبْتُكَ، وَلاَ أحْبَبْتُهُمْ مُنْذُ فَارَقْتُهُمْ، فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيَّ يَا رَسُولَ للهِ، إنِّي كُنْتُ امْرِءاً مُلْصَقاً فِي قُرَيْشٍ، وَلَمْ أكُنْ مِنْهُمْ، وَلَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ إلاَّ وَلَهُ بمَكَّةَ مَنْ يَمْنَعُ عَشِيرَتَهُ، وَأنَا غَرِيبٌ فِيْهِمْ، وَكَانَ أهْلِي بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَخَشِيتُ عَلَى أهْلِي فَأَرَدْتُ أنْ أتَّخِذ عِنْدَهُمْ يَداً، فَوَاللهِ مَا فَعَلْتُ ذلِكَ شَكّاً فِي دِينِي وَلاَ رضًى بالْكُفْرِ بَعْدَ الإسْلاَمِ، وَلاَ ارْتَبْتُ فِي اللهِ مُنْذُ أسْلَمْتُ، وَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ اللهَ تَعَالَى نَزَّلَ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ، وَإنَّ كِتَابي لاَ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئاً. فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَذرَهُ وَقَالَ :" إنَّهُ قَدْ صَدَقَ ". فَقَاَمَ عُمَرُ رضي لله عنه وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَ هَذا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" إنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْراً، وَمَا يُدْريكَ أنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ لأَهْلِ بَدْرٍ : اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ ".

الممتحنة 60:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَعْدَآءً﴾ ؛ معناهُ : إنْ يُصادِفُوكم ويَظفَرُوكم في حالٍ لا يخافونَكم عليها يُظهِرُوا عداوتَكم، ﴿وَيَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ ؛ بالقتلِ والضَّرب، ﴿وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ ؛ بالشَّتمِ والطعنِ، ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ؛ ويحبُّون أن تكفُروا باللهِ بعد إيمانِكم كما أنَّهم كافرون، والمعنى : لا ينفعُكم التقرُّب إليهم بنقلِ أخبار النبيِّ ﷺ إليهم.

الممتحنة 60:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ ؛ أي تُوادُّوهم بسبب الأرحامِ والأولاد، فإنَّ الأرحامَ والأولادَ لا ينفعُوكم، فلا تَعصُوا اللهَ ولا تخونُوا رسولَهُ لأجلِهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ؛ فيُدخِلُ أهلَ طاعةِ الله الجنةَ، ويدخل أهلَ الكفرِ النارَ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ، ﴿بَصِيرٌ﴾. قرأ عاصمُ ويعقوب (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) بفتحِ الياء وكسر الصاد مخفَّفاً، وقرأ ابنُ عامر والأعرج (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياء وفتحِ الصاد مشدَّداً، وقرأ طلحةُ والنخعي (نُفَصِّلُُ) بالنون وبضمَّة وكسرِ الصاد مشدَّداً، وقرأ الباقون (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مخفَّفاً. ثُم ضربَ اللهُ لهم إبراهيمَ مَثلاً حين تبرَّأ من قومهِ فقال تعالى :﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ؛ أي قد كانت لكم قدوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ خليلِ الله والذين معَهُ من المؤمنين، ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ﴾ ؛ لأقاربهم من الكفَّار :﴿إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ﴾ ؛ ومن دِينكم، ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ من الأصنامِ، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، تبرَّأنَا منكم، ﴿وَبَدَا﴾ ؛ وظهرَ، ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ﴾ ؛ بالفعلِ، ﴿وَالْبَغْضَآءُ﴾ ؛ بالقولِ، ﴿أَبَداً﴾ ؛ إلى الأبدِ، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ؛ تُقِرُّوا وتُصدِّقوا بوحدانيَّة اللهِ تعالى، فهلاَّ تأَسَّيتَ يا حاطبُ بإبراهيمَ في إظهارهِ مُعاداةَ الكفَّار، وقطعِ الموالاةِ بينكم وبينهم كما فعلهُ إبراهيم ومَن معهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ ؛ أي قد كانت لكم أسوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ وأمُورهِ، إلاَّ في قولهِ لأبيهِ لأستغفرن لك، ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ إنْ عَصَيتَهُ، نُهُوا أن يتأَسَّوا بإبراهيمَ في هذا خاصَّة فيَستَغفِرُوا للمشركين. والمعنى : قد كانت لكم أسوةٌ حَسنةٌ في صُنعِ إبراهيمَ إلاَّ في استغفارهِ لأبيهِ وهو مشركٌ. ثم بيَّن اللهُ عُذرَهُ إبراهيمَ في سورةِ التَّوبة في استغفارهِ لأبيه فقالَ تعالى :﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾[التوبة: ١١٤] وكان هذا قبلَ إخبار الله تعالى أنْ لا يغفرَ أنْ يُشرَكَ به. وقولُ إبراهيم :﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ معناهُ : لا أقدرُ على دفعِ شيءٍ من عذاب الله عنكَ إنْ لم تُؤمِنْ. وكان من دعاءِ إبراهيمَ وأصحابهِ :﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي وَثِقْنا، ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ؛ أي فوَّضنَا أُمورَنا وإليك رجَعنا بالتَّوبةِ والطاعةِ، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي لا تُظهِرِ الكفَّارَ عَلينا فيظُنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّا على الباطلِ فيُفتَنوا بها، هكذا قال قتادةُ. وعن ابنِ عبَّاس أنَّهُ قالَ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُسَلِّطْهُمْ فَيَفْتِنُونَا). وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُعَذِّبْنَا بأَيْدِيهِمْ وَلاَ بعَذابٍ مِنْ عِنْدِكَ فَيَقُولُوا : لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ عَلَى الْحَقِّ مَا أصَابَهُمْ هَذا).

الممتحنة 60:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ ؛ أي تُوادُّوهم بسبب الأرحامِ والأولاد، فإنَّ الأرحامَ والأولادَ لا ينفعُوكم، فلا تَعصُوا اللهَ ولا تخونُوا رسولَهُ لأجلِهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ؛ فيُدخِلُ أهلَ طاعةِ الله الجنةَ، ويدخل أهلَ الكفرِ النارَ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ، ﴿بَصِيرٌ﴾. قرأ عاصمُ ويعقوب (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) بفتحِ الياء وكسر الصاد مخفَّفاً، وقرأ ابنُ عامر والأعرج (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياء وفتحِ الصاد مشدَّداً، وقرأ طلحةُ والنخعي (نُفَصِّلُُ) بالنون وبضمَّة وكسرِ الصاد مشدَّداً، وقرأ الباقون (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مخفَّفاً. ثُم ضربَ اللهُ لهم إبراهيمَ مَثلاً حين تبرَّأ من قومهِ فقال تعالى :﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ؛ أي قد كانت لكم قدوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ خليلِ الله والذين معَهُ من المؤمنين، ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ﴾ ؛ لأقاربهم من الكفَّار :﴿إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ﴾ ؛ ومن دِينكم، ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ من الأصنامِ، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، تبرَّأنَا منكم، ﴿وَبَدَا﴾ ؛ وظهرَ، ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ﴾ ؛ بالفعلِ، ﴿وَالْبَغْضَآءُ﴾ ؛ بالقولِ، ﴿أَبَداً﴾ ؛ إلى الأبدِ، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ؛ تُقِرُّوا وتُصدِّقوا بوحدانيَّة اللهِ تعالى، فهلاَّ تأَسَّيتَ يا حاطبُ بإبراهيمَ في إظهارهِ مُعاداةَ الكفَّار، وقطعِ الموالاةِ بينكم وبينهم كما فعلهُ إبراهيم ومَن معهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ ؛ أي قد كانت لكم أسوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ وأمُورهِ، إلاَّ في قولهِ لأبيهِ لأستغفرن لك، ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ إنْ عَصَيتَهُ، نُهُوا أن يتأَسَّوا بإبراهيمَ في هذا خاصَّة فيَستَغفِرُوا للمشركين. والمعنى : قد كانت لكم أسوةٌ حَسنةٌ في صُنعِ إبراهيمَ إلاَّ في استغفارهِ لأبيهِ وهو مشركٌ. ثم بيَّن اللهُ عُذرَهُ إبراهيمَ في سورةِ التَّوبة في استغفارهِ لأبيه فقالَ تعالى :﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾[التوبة: ١١٤] وكان هذا قبلَ إخبار الله تعالى أنْ لا يغفرَ أنْ يُشرَكَ به. وقولُ إبراهيم :﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ معناهُ : لا أقدرُ على دفعِ شيءٍ من عذاب الله عنكَ إنْ لم تُؤمِنْ. وكان من دعاءِ إبراهيمَ وأصحابهِ :﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي وَثِقْنا، ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ؛ أي فوَّضنَا أُمورَنا وإليك رجَعنا بالتَّوبةِ والطاعةِ، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي لا تُظهِرِ الكفَّارَ عَلينا فيظُنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّا على الباطلِ فيُفتَنوا بها، هكذا قال قتادةُ. وعن ابنِ عبَّاس أنَّهُ قالَ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُسَلِّطْهُمْ فَيَفْتِنُونَا). وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُعَذِّبْنَا بأَيْدِيهِمْ وَلاَ بعَذابٍ مِنْ عِنْدِكَ فَيَقُولُوا : لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ عَلَى الْحَقِّ مَا أصَابَهُمْ هَذا).

الممتحنة 60:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ﴾ ؛ أي تُوادُّوهم بسبب الأرحامِ والأولاد، فإنَّ الأرحامَ والأولادَ لا ينفعُوكم، فلا تَعصُوا اللهَ ولا تخونُوا رسولَهُ لأجلِهم، ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ ؛ فيُدخِلُ أهلَ طاعةِ الله الجنةَ، ويدخل أهلَ الكفرِ النارَ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ، ﴿بَصِيرٌ﴾. قرأ عاصمُ ويعقوب (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ) بفتحِ الياء وكسر الصاد مخفَّفاً، وقرأ ابنُ عامر والأعرج (يُفَصَّلُ) بضمِّ الياء وفتحِ الصاد مشدَّداً، وقرأ طلحةُ والنخعي (نُفَصِّلُُ) بالنون وبضمَّة وكسرِ الصاد مشدَّداً، وقرأ الباقون (يُفْصَلُ) بضم الياء وفتح الصاد مخفَّفاً. ثُم ضربَ اللهُ لهم إبراهيمَ مَثلاً حين تبرَّأ من قومهِ فقال تعالى :﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ؛ أي قد كانت لكم قدوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ خليلِ الله والذين معَهُ من المؤمنين، ﴿إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ﴾ ؛ لأقاربهم من الكفَّار :﴿إِنَّا بُرَءآؤُاْ مِّنْكُمْ﴾ ؛ ومن دِينكم، ﴿وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؛ من الأصنامِ، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾، تبرَّأنَا منكم، ﴿وَبَدَا﴾ ؛ وظهرَ، ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ﴾ ؛ بالفعلِ، ﴿وَالْبَغْضَآءُ﴾ ؛ بالقولِ، ﴿أَبَداً﴾ ؛ إلى الأبدِ، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ؛ تُقِرُّوا وتُصدِّقوا بوحدانيَّة اللهِ تعالى، فهلاَّ تأَسَّيتَ يا حاطبُ بإبراهيمَ في إظهارهِ مُعاداةَ الكفَّار، وقطعِ الموالاةِ بينكم وبينهم كما فعلهُ إبراهيم ومَن معهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾ ؛ أي قد كانت لكم أسوةٌ حسَنةٌ في إبراهيمَ وأمُورهِ، إلاَّ في قولهِ لأبيهِ لأستغفرن لك، ﴿لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ إنْ عَصَيتَهُ، نُهُوا أن يتأَسَّوا بإبراهيمَ في هذا خاصَّة فيَستَغفِرُوا للمشركين. والمعنى : قد كانت لكم أسوةٌ حَسنةٌ في صُنعِ إبراهيمَ إلاَّ في استغفارهِ لأبيهِ وهو مشركٌ. ثم بيَّن اللهُ عُذرَهُ إبراهيمَ في سورةِ التَّوبة في استغفارهِ لأبيه فقالَ تعالى :﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾[التوبة: ١١٤] وكان هذا قبلَ إخبار الله تعالى أنْ لا يغفرَ أنْ يُشرَكَ به. وقولُ إبراهيم :﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ معناهُ : لا أقدرُ على دفعِ شيءٍ من عذاب الله عنكَ إنْ لم تُؤمِنْ. وكان من دعاءِ إبراهيمَ وأصحابهِ :﴿رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي وَثِقْنا، ﴿وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا﴾ ؛ أي فوَّضنَا أُمورَنا وإليك رجَعنا بالتَّوبةِ والطاعةِ، ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ أي لا تُظهِرِ الكفَّارَ عَلينا فيظُنُّوا أنَّهم على الحقِّ وأنَّا على الباطلِ فيُفتَنوا بها، هكذا قال قتادةُ. وعن ابنِ عبَّاس أنَّهُ قالَ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُسَلِّطْهُمْ فَيَفْتِنُونَا). وقال مجاهدُ :(مَعْنَاهُ : لاَ تُعَذِّبْنَا بأَيْدِيهِمْ وَلاَ بعَذابٍ مِنْ عِنْدِكَ فَيَقُولُوا : لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ عَلَى الْحَقِّ مَا أصَابَهُمْ هَذا).

الممتحنة 60:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ؛ معناهُ : لقد كان لكم في إبراهيمَ والَّذين معَهُ قدوةٌ صالحة فيما يرجعُ إلى رجاءِ ثواب الله وحُسنِ الْمُنْقَلَب في اليومِ الآخرِ. وهذا يقتضي وجوبَ الاقتداء بهم في أفعالِهم، وأما الأُولى فنُهوا الاقتداءَ بهم في باب العداوة للهِ في أمر الدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بدلٌ من قولهِ ﴿لَكُمْ فِيهِمْ﴾ وهذا كقولهِ تعالى﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[آل عمران: ٩٧]. ومعنى ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أي يخافُ اللهَ ويخافُ الآخرةَ، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ؛ أي مَن يُعرِضُ عن الإيمانِ ويُوالِي الكفارَ فإنَّ اللهَ هو الغنيُّ عن خلقهِ، الحميدُ إلى أوليائهِ وأهلِ طاعته. قال مقاتلُ :(فَلَمَّا أمَرَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ بعَدَاوَةِ الْكُفَّار أظْهَرُواْ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَرَاءَةَ امْتِثَالاً لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى) فأنزلَ اللهُ :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم﴾ ؛ أي كونوا على رجاءٍ وطمعٍ في أن يجعلَ اللهُ بينكم وبين الذين عادَيتم من المشركين، ﴿مَّوَدَّةً﴾ ؛ يعني من كفار مكَّة. ففعلَ اللهُ ذلكَ بأن أسلمَ كثيرٌ منه بعدَ الفتحِ، منهم أبو سُفيان بن حربٍ ؛ وأبو سُفيان بن الحارث ؛ والحارثُ بنُ هشام ؛ وسُهيل بن عمرٍو ؛ وحَكمُ بن حِزام، وكانوا مِن رُؤساء الكفَّار والمعادِين لأهلِ الإسلامِ، فصارُوا لهم أولياءً وإخوَاناً، فخَالَطُوهم وناكَحُوهم، وتزوَّجَ رسولُ الله ﷺ أُمَّ حبيبةَ بنتِ أبي سُفيان بن حرب، فَلانَ لهم أبو سفيان، فهذه المودَّةُ التي جعلَها اللهُ تعالى بينَهم، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ ؛ على أن يجعلَ بينكم المودَّة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ بهم بعد ما تَابُوا وأسلَمُوا.

الممتحنة 60:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ ؛ معناهُ : لقد كان لكم في إبراهيمَ والَّذين معَهُ قدوةٌ صالحة فيما يرجعُ إلى رجاءِ ثواب الله وحُسنِ الْمُنْقَلَب في اليومِ الآخرِ. وهذا يقتضي وجوبَ الاقتداء بهم في أفعالِهم، وأما الأُولى فنُهوا الاقتداءَ بهم في باب العداوة للهِ في أمر الدين. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بدلٌ من قولهِ ﴿لَكُمْ فِيهِمْ﴾ وهذا كقولهِ تعالى﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾[آل عمران: ٩٧]. ومعنى ﴿يَرْجُو اللَّهَ﴾ أي يخافُ اللهَ ويخافُ الآخرةَ، ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ؛ أي مَن يُعرِضُ عن الإيمانِ ويُوالِي الكفارَ فإنَّ اللهَ هو الغنيُّ عن خلقهِ، الحميدُ إلى أوليائهِ وأهلِ طاعته. قال مقاتلُ :(فَلَمَّا أمَرَ اللهُ الْمُسْلِمِينَ بعَدَاوَةِ الْكُفَّار أظْهَرُواْ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَرَاءَةَ امْتِثَالاً لأَمْرِ اللهِ تَعَالَى) فأنزلَ اللهُ :﴿عَسَى اللَّهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم﴾ ؛ أي كونوا على رجاءٍ وطمعٍ في أن يجعلَ اللهُ بينكم وبين الذين عادَيتم من المشركين، ﴿مَّوَدَّةً﴾ ؛ يعني من كفار مكَّة. ففعلَ اللهُ ذلكَ بأن أسلمَ كثيرٌ منه بعدَ الفتحِ، منهم أبو سُفيان بن حربٍ ؛ وأبو سُفيان بن الحارث ؛ والحارثُ بنُ هشام ؛ وسُهيل بن عمرٍو ؛ وحَكمُ بن حِزام، وكانوا مِن رُؤساء الكفَّار والمعادِين لأهلِ الإسلامِ، فصارُوا لهم أولياءً وإخوَاناً، فخَالَطُوهم وناكَحُوهم، وتزوَّجَ رسولُ الله ﷺ أُمَّ حبيبةَ بنتِ أبي سُفيان بن حرب، فَلانَ لهم أبو سفيان، فهذه المودَّةُ التي جعلَها اللهُ تعالى بينَهم، ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ ؛ على أن يجعلَ بينكم المودَّة، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ بهم بعد ما تَابُوا وأسلَمُوا.

الممتحنة 60:8

قوله :﴿لاَّ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ﴾ يعني أهلَ العهدِ الذين عاهَدُوا المؤمنين على تركِ القتالِ والْمُظَاهَرَةِ، وهم خُزاعة، ﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾، والمعنى : لاَ ينهاكُم اللهُ عن برِّ الذين لم يُقاتِلُوكم، وهذا يدلُّ على جواز البرِّ بأهلِ الذمَّة وإنْ كانت الموالاةُ منقطعةً. ولذلك جوَّزَ أبو حَنيفة ومحمَّد صرفَ صدقةِ الفطرِ والكفَّارات والنُّذور الْمُطْلَقَةِ إليهم، وأجْمَعُوا على جواز صرفِ صدقةِ التطوُّع إليهم، وأجْمَعُوا على أنه لا يجوزُ صرفُ الزَّكَوَاتِ إليهم لقوله عليه السلام :" أُمِرْتُ أنْ آخُذ الصَّدَقَةَ مِنْ أغْنِيَائِكُمْ وَأرُدَّهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ ". وقولهُ تعالى :﴿أَن تَبَرُّوهُمْ﴾ في موضعِ خفضٍ بدلَ من ﴿الَّذِينَ﴾ كأنَّهُ قالَ عن أنْ تبَرُّوا الذين لم يُقاتِلُوكم، وقوله تعالى :﴿وَتُقْسِطُواْ إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ ؛ القِسْطُ إليهم أن نُعطِيَهم قِسْطاً من أموالِنا على جهة البرِّ، ويقالُ : أقسطتُ إلى الرجُلِ اذا عامَلتهُ بالعدلِ، قال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : وَتَعْدِلُوا فِيْمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِنَ الْوَفَاءِ بالْعَهْدِ).

الممتحنة 60:9

قَوْلُهُ تعَالَى :﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُواْ عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ؛ يعني الْمُحَاربينَ من الكفَّار، نَهى اللهُ أن يُتَصَدَّقَ عليهم، ونَهى عن مُوالاتِهم ومُكاتَباتِهم. والْمُظَاهَرَةُ : الْمُعَاوَنَةُ للظُّهور بها على العدوِّ بالغَلبةِ.

الممتحنة 60:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وذلك أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمَّا صَالَحَ قُرَيْشاً يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ عَلَى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَيْهِ النِّسَاءُ أبَى اللهُ أنْ يَرْجِعْنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأمَرَ بامْتِحَانِهِنَّ، وقوله تعالى :﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وذلك أنْ تُستَحلَفَ المهاجِرةُ ما هاجَرتْ لِحَدَثٍ أحدثَتْهُ، ولا خَرَجَتْ عِشْقاً لرجُلٍ من المسلمين ولا خرجَتْ إلاَّ رغبةً في الإسلامِ. قال ابنُ عبَّاس :" صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُفَّارَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ عَلَى أنَّ مَنْ أتَاهُ مِنْ مَكَّةَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أتَى مَكَّةَ مِنْ أصْحَابهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ بذلِكَ كِتَاباً لَهُمْ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَتَمَ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ جَاءَتْهُ سَبيعَةُ بنْتُ الْحَارثِ الأَسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً. فَجَاءَ زَوْجُهَا إلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ رُدَّهَا عَلَيَّ، فَإنَّكَ شَرَطْتَ لَنَا ذلِكَ عَلَيْكَ، وَهَذِهِ طِينَةُ كِتَابنَا لَمْ تَجِفَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ؛ فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " باللهِ مَا أخْرَجَكِ إلَيْنَا إلاَّ الْحِرْصُ عَلَى الإيْمَانِ وَالرَّغْبَةُ فِيْهِ وَالْمَحَبَّةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلإسْلاَمِ " فَحَلَفَتْ باللهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ مَا خَرَجْتُ إلاَّ لِذلِكَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يُعْطَى زَوْجُهَا مَهْرَهَا الَّذِي أُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَوْهُ مَهْرَهَا وذلك معنى قولهِ :﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ أي هذا الامتحانُ لكم، واللهُ عالِمٌ بهنَّ، وليس عليكم إلاَّ علمُ الظاهرِ، واللهُ أعلَمُ بإيمانِهنَّ قبلَ الامتحانِ وبعدَهُ، فإن علمتُموهنَّ في الظاهرِ بالامتحان أنَّهن مؤمناتٍ فلا تردُّوهن إلى أزواجهنَّ الكفَّار بمكة، لا المؤمناتُ حِلٌّ للكفار ولا الكفارُ يحلُّون للمؤمناتِ. وقوله تعالى :﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ أي أعطُوا أزواجَ المهاجراتِ من الكفَّار ما أنفَقُوا عليهنَّ من المهرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؛ أي لا جُناحَ عليكم أنْ تتزوَّجُوهن إذا أعطيتُموهنَّ مُهورَهن ولو كان لَهنَّ أزواجٌ كفَّار في دار الكفر ؛ لأن الإسلامَ قد فرَّقَ بينها وبين الكافرِ، وهذا كلُّه دليلٌ أنَّ الْحُرَّةَ إذا هاجَرت إلينا مُسلمةً أو ذميَّة وقعتِ الفرقةُ بينهما بنفسِ الْمُهَاجَرَةِ، كما هو مذهبُ أصحابنا. ولهذا قال أبو حنيفةَ :(إنَّ الْمُهَاجِرَةَ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا لأنَّ اللهَ تَعَالَى أبَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ التَّزَوُّجَ بالْمُهَاجِرَاتِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَشْرُطَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةً بَعْدَ الْمُهَاجَرَةِ لَمَا أمَرَ اللهُ برَدِّ مُهُورهِنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ.

الممتحنة 60:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وذلك أنَّ رسُولَ الله ﷺ لَمَّا صَالَحَ قُرَيْشاً يَوْمَ الْحُدَيْبيَةِ عَلَى أنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إلَيْهِ النِّسَاءُ أبَى اللهُ أنْ يَرْجِعْنَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَأمَرَ بامْتِحَانِهِنَّ، وقوله تعالى :﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ وذلك أنْ تُستَحلَفَ المهاجِرةُ ما هاجَرتْ لِحَدَثٍ أحدثَتْهُ، ولا خَرَجَتْ عِشْقاً لرجُلٍ من المسلمين ولا خرجَتْ إلاَّ رغبةً في الإسلامِ. قال ابنُ عبَّاس :" صَالَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كُفَّارَ مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبيَةِ عَلَى أنَّ مَنْ أتَاهُ مِنْ مَكَّةَ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أتَى مَكَّةَ مِنْ أصْحَابهِ فَهُوَ لَهُمْ، وَلَمْ يَرُدُّوهُ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ بذلِكَ كِتَاباً لَهُمْ وَخَتَمَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَتَمَ عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ جَاءَتْهُ سَبيعَةُ بنْتُ الْحَارثِ الأَسْلَمِيَّةُ مُسْلِمَةً. فَجَاءَ زَوْجُهَا إلَى النَّبيِّ ﷺ وَهُوَ كَافِرٌ وَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ رُدَّهَا عَلَيَّ، فَإنَّكَ شَرَطْتَ لَنَا ذلِكَ عَلَيْكَ، وَهَذِهِ طِينَةُ كِتَابنَا لَمْ تَجِفَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا جَآءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ؛ فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ " باللهِ مَا أخْرَجَكِ إلَيْنَا إلاَّ الْحِرْصُ عَلَى الإيْمَانِ وَالرَّغْبَةُ فِيْهِ وَالْمَحَبَّةُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلإسْلاَمِ " فَحَلَفَتْ باللهِ الْعَظِيمِ الَّذِي لاَ إلَهَ إلاَّ هُوَ مَا خَرَجْتُ إلاَّ لِذلِكَ، فَأَمَرَ النَّبيُّ ﷺ أنْ يُعْطَى زَوْجُهَا مَهْرَهَا الَّذِي أُنْفِقَ عَلَيْهَا، فَأَعْطَوْهُ مَهْرَهَا وذلك معنى قولهِ :﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ أي هذا الامتحانُ لكم، واللهُ عالِمٌ بهنَّ، وليس عليكم إلاَّ علمُ الظاهرِ، واللهُ أعلَمُ بإيمانِهنَّ قبلَ الامتحانِ وبعدَهُ، فإن علمتُموهنَّ في الظاهرِ بالامتحان أنَّهن مؤمناتٍ فلا تردُّوهن إلى أزواجهنَّ الكفَّار بمكة، لا المؤمناتُ حِلٌّ للكفار ولا الكفارُ يحلُّون للمؤمناتِ. وقوله تعالى :﴿وَآتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ﴾ أي أعطُوا أزواجَ المهاجراتِ من الكفَّار ما أنفَقُوا عليهنَّ من المهرِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؛ أي لا جُناحَ عليكم أنْ تتزوَّجُوهن إذا أعطيتُموهنَّ مُهورَهن ولو كان لَهنَّ أزواجٌ كفَّار في دار الكفر ؛ لأن الإسلامَ قد فرَّقَ بينها وبين الكافرِ، وهذا كلُّه دليلٌ أنَّ الْحُرَّةَ إذا هاجَرت إلينا مُسلمةً أو ذميَّة وقعتِ الفرقةُ بينهما بنفسِ الْمُهَاجَرَةِ، كما هو مذهبُ أصحابنا. ولهذا قال أبو حنيفةَ :(إنَّ الْمُهَاجِرَةَ لاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا لأنَّ اللهَ تَعَالَى أبَاحَ لِلْمُسْلِمِينَ التَّزَوُّجَ بالْمُهَاجِرَاتِ مِنْ غَيْرِ أنْ يَشْرُطَ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ، وَلَوْ كَانَتْ الزَّوْجِيَّةُ بَاقِيَةً بَعْدَ الْمُهَاجَرَةِ لَمَا أمَرَ اللهُ برَدِّ مُهُورهِنَّ عَلَى أزْوَاجِهِنَّ.

الممتحنة 60:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلاَ يَسْرِقْنَ وَلاَ يَزْنِينَ وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ ؛ " وذلك أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَتَحَ مَكَّةَ، جَلَسَ عِنْدَ الصَّفَا وَإلى جَنْبهِ عُمَرُ رضي الله عنه وَالنِّسَاءُ يَأْتِينَ يُبَايعْنَهُ ﷺ وَفِيهِنَّ هِنْدٌ بنْتُ عُتْبَةَ مُتَنَكِّرَةٌ مَعَ النِّسَاءِ خَوْفاً أنْ يَعْرِفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ هَذِهِ الآيَةَ، فَقَالَ :ﷺ :" أبَايعْكُنَّ عَلَى أنْ لاَ تُشْرِكْنَ باللهِ شَيْئاً " فَقَالَتْ هِنْدٌ : أشْرَكْنَا وَعَبَدْنَا الآلِهَةَ فَمَا أغْنَتْ عَنَّا شَيْئاً. فَقَالَ ﷺ :" وَلاَ تَسْرِقْنَ " فَقَالَتْ هِنْدٌ : إنَّ أبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ مُمْسِكٌ، وَإنِّي أُصِيبُ مِنْ مَالِهِ لِغِنَاهُ، وَلاَ أدْري أيَحِلُّ لِي أمْ لاَ ؟ فَقَالَ أبُو سُفْيَان : مَا أصَبْتِ مِنْ شَيْءٍ فِيمَا مَضَى أوْ قَدْ بَقِيَ فَهُوَ لَكِ حَلاَلٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَرَفَهَا وَقَالَ :" إنَّكِ لَهِنْدُ بنْتُ عُتْبَةَ ؟ " قَالَتْ : فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ يَا نَبيَّ اللهِ عَفَا اللهُ عَنْكَ. فَقَالَ :" وَلاَ تَزْنِينَ " قَالَتْ : وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ فَضَحِكَ عُمَرُ رضي الله عنه وَقَالَ : لاَ لَعَمْرِي مَا تَزْنِي الْحُرَّةُ، فَقَالَ :" وَلاَ تَقْتُلْنَ أوْلاَدَكُنَّ " فَقَالَتْ هِنْدُ : زَيَّنَّاهُمْ صِغَاراً وَقَتَلْتُمُوهُمْ كِبَاراً، وَكَانَ ابْنُهَا حَنْظَلَةُ بْنُ أبي سُفْيَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَضَحِكَ عُمَرُ رضي الله عنه حَتَّى اسْتَلْقَى عَلَى ظَهْرِهِ، وَتَبَسَّمَ النَّبيُّ ﷺ ". ومعنى الآية :﴿وَلاَ يَقْتُلْنَ أَوْلاَدَهُنَّ﴾ أي لا يدفِنَّ بناتِهنَّ أحياءً كما كان العربُ يفعلونَهُ، فقال تعالى :﴿وَلاَ يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ ؛ أي لا تُلحِقُ بزوجِها وَلداً ليس منه، وذلك أنَّ المرأةَ كانت تلتقطُ لَقيطاً فتضعهُ بين يدَيها ورجلَيها وتقولُ لزوجِها : ولدتُ هذا الولدَ، فذاكَ البهتانُ والافتراءُ. ويقالُ : أرادَ بين الأيدِي أن يوضَعَ بين يدَيها ولدُ غيرها وبين أيدِيهنَّ أن يأتِين بولدٍ حرام، وهذا كنايةٌ عن الفرجِ، فلما قالَ عليه السلام، قَالَتْ هِنْدٌ : وَاللهِ إنَّ الْبُهْتَانَ لَقَبيحٌ وَمَا تَأْمُرُنَا إلاَّ بالرُّشْدِ وَمَكَارمِ الأَخْلاَقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ؛ أي وجميعُ ما تأمرُهنَّ وتنهاهُنَّ من النَّوحِ وشقِّ الجيوب وخَمْشِ الوُجوهِ ورنَّةِ الشيطانِ وغيرِ ذلك من أصواتِ المعصية ومن صوتِ اللَّعب واللهوِ والمزاميرِ وغير ذلك. والمعروفُ : كلُّ ما كان طاعةً، والمنكَرُ : كلُّ ما كان معصيةً، فلما قالَ ﷺ :" وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ " قَالَتْ هِنْدُ : وَمَا جَلَسْنَا مَجْلِسَنَا هَذا وَفِي أنْفُسِنَا أنْ نَعْصِيَكَ فِي شَيْءٍ، فَأَقَرَّتِ النِّسْوَةُ بمَا أخَذ عَلَيْهِنَّ. وقولهُ تعالى :﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ؛ معناهُ : إذا بايعنَكَ على هذهِ الشُّروط فبايعهُن، فقال ﷺ :" قَدْ بَايَعْتُكُنَّ " كلاماً كلَّمَهن به من غيرِ أن مسَّتْ يدهُ يدَ امرأةٍ، وكان على يدِ عُمر رضي الله عنه ثوبٌ يصافحُ به النساءَ.

الممتحنة 60:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَوَلَّوْاْ قوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ ختمَ اللهُ هذه السُّورةَ بمثلِ كما افتتحَها به، حيث نَهَى المؤمنين عن تولِّي أعداءِ الله، وأرادَ بالقومِ الذين غَضِبَ اللهُ عليهم اليهودَ، والمعنى : يا أيُّها الذين آمَنَُوا لا تتوَلُّوا اليهودَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ يَئِسُواْ مِنَ الآخِرَةِ﴾ ؛ لأنَّهم كانوا يعرِفُون النبيَّ ﷺ كما يعرِفون أبنائَهم، وكانوا لا يؤمنون به، فآيَسُوا من أن يكون لَهم في الآخرةِ خيرٌ. وَقِيْلَ : إنَّهم كانوا يزعُمون أنه لا يكون في الآخرةِ أكلٌ ولا شربٌ ولا نعمة، والمرادُ بذلك اليهودُ. وقولهُ تعالى :﴿كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ ؛ معناهُ كما يَئِسَ المشركون الذين لا يُؤمنون بالبعثِ من رُجوعِ أصحاب القبور ومِن أن يُبعَثوا. وَقِيْلَ : معناهُ : كما يَئِسَ الكفارُ إذا ماتوا وصارُوا في القبور من أنْ يكون لَهم في الآخرةِ حظٌّ، ويَئِسُوا من أنْ يكون لهم في الآخرةِ نصيبٌ.

الصف 61:1

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتلُ :(وَذلِكَ أنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُواْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُواْ بالْقِتَالِ : لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأَعْمَالِ إلَى اللهِ تََعَالَى لَعَمِلْنَا وَبَذلْنَا فِيْهِ أمْوَالَنَا وَأنْفُسَنَا، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى أحَب الأَعْمَالَ إلَيْهِ) فقَالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بمَا أصَابَهُمْ، فَتَوَلَّوا عَنِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى شُجَّ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتهُ، فَذمَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ فَقَالَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ؛ أي عَظُمَ ذلك في الْمَقْتِ والبُغضِ عندَ الله ؛ أي أنَّ الله يبغضهُ بُغضاً شَديداً أن تَعِدُونِي من أنفُسِكم شيئاً ثم لم تُوَفُّوا به. وموضع ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ رُفِعَ، وانتصبَ قوله ﴿مَقْتاً﴾ على التمييزِ. وذكرَ الكلبيُّ :(أنُّ الْمُسْلِمِينَ كَانُواْ يَقُولُونَ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ : لَوْ عَلِمْنَا أيَّ الأَعْمَالِ أحَبُّ إلَى اللهِ لَفَعَلْنَاهُ، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الصف: ١٠]، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا هِيَ، فَمَكَثُوا عَلَى ذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالُواْ : يَا لَيْتَنَا نَعْلَمُ مَا هِيَ فَنُسَارعُ إلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[الصف: ١١] إلَى آخِرِ الآيَاتِ). وقال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلَى الْجِهَادِ ثُمَّ رَجَعَ قالَ : قُلْتُ وَفَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.).

الصف 61:2

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتلُ :(وَذلِكَ أنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُواْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُواْ بالْقِتَالِ : لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأَعْمَالِ إلَى اللهِ تََعَالَى لَعَمِلْنَا وَبَذلْنَا فِيْهِ أمْوَالَنَا وَأنْفُسَنَا، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى أحَب الأَعْمَالَ إلَيْهِ) فقَالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بمَا أصَابَهُمْ، فَتَوَلَّوا عَنِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى شُجَّ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتهُ، فَذمَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ فَقَالَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ؛ أي عَظُمَ ذلك في الْمَقْتِ والبُغضِ عندَ الله ؛ أي أنَّ الله يبغضهُ بُغضاً شَديداً أن تَعِدُونِي من أنفُسِكم شيئاً ثم لم تُوَفُّوا به. وموضع ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ رُفِعَ، وانتصبَ قوله ﴿مَقْتاً﴾ على التمييزِ. وذكرَ الكلبيُّ :(أنُّ الْمُسْلِمِينَ كَانُواْ يَقُولُونَ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ : لَوْ عَلِمْنَا أيَّ الأَعْمَالِ أحَبُّ إلَى اللهِ لَفَعَلْنَاهُ، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الصف: ١٠]، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا هِيَ، فَمَكَثُوا عَلَى ذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالُواْ : يَا لَيْتَنَا نَعْلَمُ مَا هِيَ فَنُسَارعُ إلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[الصف: ١١] إلَى آخِرِ الآيَاتِ). وقال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلَى الْجِهَادِ ثُمَّ رَجَعَ قالَ : قُلْتُ وَفَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.).

الصف 61:3

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ قد تقدَّم تفسيرهُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ قال مقاتلُ :(وَذلِكَ أنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَالُواْ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُواْ بالْقِتَالِ : لَوْ نَعْلَمُ أحَبَّ الأَعْمَالِ إلَى اللهِ تََعَالَى لَعَمِلْنَا وَبَذلْنَا فِيْهِ أمْوَالَنَا وَأنْفُسَنَا، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى أحَب الأَعْمَالَ إلَيْهِ) فقَالَ :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بمَا أصَابَهُمْ، فَتَوَلَّوا عَنِ النَّبيِّ ﷺ حَتَّى شُجَّ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رُبَاعِيَّتهُ، فَذمَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ فَقَالَ :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ؛ أي عَظُمَ ذلك في الْمَقْتِ والبُغضِ عندَ الله ؛ أي أنَّ الله يبغضهُ بُغضاً شَديداً أن تَعِدُونِي من أنفُسِكم شيئاً ثم لم تُوَفُّوا به. وموضع ﴿أَن تَقُولُواْ﴾ رُفِعَ، وانتصبَ قوله ﴿مَقْتاً﴾ على التمييزِ. وذكرَ الكلبيُّ :(أنُّ الْمُسْلِمِينَ كَانُواْ يَقُولُونَ قَبْلَ فَرْضِ الْجِهَادِ : لَوْ عَلِمْنَا أيَّ الأَعْمَالِ أحَبُّ إلَى اللهِ لَفَعَلْنَاهُ، فَدَلَّهُمُ اللهُ عَلَى ذلِكَ بقَوْلِهِ تَعَالَى :﴿هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الصف: ١٠]، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا هِيَ، فَمَكَثُوا عَلَى ذلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ قَالُواْ : يَا لَيْتَنَا نَعْلَمُ مَا هِيَ فَنُسَارعُ إلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾[الصف: ١١] إلَى آخِرِ الآيَاتِ). وقال قتادةُ :(كَانَ الرَّجُلُ إذا خَرَجَ إلَى الْجِهَادِ ثُمَّ رَجَعَ قالَ : قُلْتُ وَفَعَلْتُ، وَلَمْ يَكُنْ فَعَلَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.).

الصف 61:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً﴾ ؛ يُحِبُّ الذين يصُفُّون أنفسهم عند القتالِ صَفّاً ﴿كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ ؛ أي مُلتَزِقٌ بعضهُ إلى بعضٍ، أعلمَ اللهُ أنه يحبُّ مَن تثَبَّتَ في القتالِ ويلزمَ مكانَهُ كثُبوتِ البناءِ المرصوصِ الذي قد أُحكِمَ وأُتقِنَ، ليس فيه فرجةٌ ولا خلل.

الصف 61:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ في هذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ فيما لَقِيَ من أذى الكفار والمنافقين، وقد مرَّ تفسيرُ أذاهُم موسَى في سورةِ الأحزاب. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ؛ أي بإيذائِهم أمَالَها عن الحقِّ وخذلَها ومنعَها الهدى مجازاةً لهم بايذائهم، ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ إلى ثوابهِ وجنَّتهِ.

الصف 61:6

قْوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُواْ هَـاذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ معناهُ : واذكُرْ يا مُحَمَّدُ لقومِكَ قصَّةَ عيسى وعاقبةَ مَن آمنَ معه، وعاقبةَ من كفرَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مُّصَدِّقاً﴾ نُصب على الحالِ ؛ أي في حالِ تصديقي بالتَّوراةِ التي أوتِيها موسَى عليه السلام مِن قبلي، وفي حالِ تبشيري برسولٍ من بعدي يأتِي اسمهُ أحْمَدُ. وذلك أنَّ الْحَوَاريِّينَ قَالُوا لِعِيسَى عليه السلام : يَا رُوحَ اللهِ هَلْ مِنْ بَعْدِنَا مِنْ أُمَّةٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ أُمَّةُ أحْمَدَ. قَالُواْ : يَا رُوحَ اللهِ وَمَا أُمَّةُ أحْمَدَ ؟ قَالَ : حُكَمَاءٌ عُلَمَاءٌ أبْرَارٌ أتْقِيَاءٌ ؛ كَأَنَّهُمْ مِنَ الْفِقْهِ أنْبيَاءُ، يَرْضَوْنَ مِنَ اللهِ بالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، وَيَرْضَى اللهُ مِنْهُمْ بالْيَسِِيرِ مِنَ الْعَمَلِ، وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ بـ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ. وفي تسميةِ نبيِِّنا عليه السلام أحمدَ قولان : أحدُهما : أنَّ الأنبياء كانوا حَمَّادِينَ للهِ تعالى، ونبيُّنا ﷺ أحمدُ ؛ أي أكثرُ حَمْداً للهِ منهم، فيكون معنى أحمدَ المبالغةَ في الفاعلِ. والثاني : الأنبياءُ كلهم مَحمُودُونَ، ونبيُّنا عليه السلام أكثرُ مناقباً للفضائلِ، فيكون معناهُ مبالغةٌ من المفعولِ، يعني إنه يُحْمَدُ بما فيه من الأخلاقِ والمحاسنِ أكثرَ مما يُحمَدُ غيرهُ. قال ﷺ :" إنَّ لِي أسْمَاءً : أنَا أحْمَدُ ؛ وَأنَا مُحَمَّدُ ؛ وَأنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ بيَ الْكُفْرَ، وَأنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأنَا الْعَاقِبُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدِي نَبيٌّ ".

الصف 61:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ معناهُ : وأيُّ ظُلمٍ مِن الكفَرة ممن افترَى على اللهِ الكذبَ بأنْ جعلَ لله شَريكاً أو وَلداً وهو يُدعَى إلى دينِ الإسلام، واللهُ يرشده إلى دينهِ، ومَن كان في سابقِ علمه أنه يموتُ على الكفرِ.

الصف 61:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الإِسْلاَمِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ؛ معناهُ : وأيُّ ظُلمٍ مِن الكفَرة ممن افترَى على اللهِ الكذبَ بأنْ جعلَ لله شَريكاً أو وَلداً وهو يُدعَى إلى دينِ الإسلام، واللهُ يرشده إلى دينهِ، ومَن كان في سابقِ علمه أنه يموتُ على الكفرِ.

الصف 61:9

وقولهُ تعالى :﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ ؛ أي هو الَّذي أرسلَ مُحَمَّداً بالقرآنِ والدُّعاء إلى دينِ الحقِّ ليُظهِرَهُ على جميعِ الأديانِ، وإنْ كَرِهَ المشركون ذلكَ، فلا تقومُ السَّاعة حتى لا يبقَى أهلُ دينٍ إلاّ دخَلُوا في الإسلامِ وأدَّوا الجزيةَ إلى المسلمين. وقولهُ تعالى قبلَ هذه الآية ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ يريدون ليَغلِبُوا دينَ اللهِ مع ظهورهِ وقوَّته بتكذيبهم بألسنتهم، كمَن أرادَ إطفاءَ نُور الشمسِ بأخفِّ الأشياءِ وهو الريحُ التي يُخرِجُها من فيهِ ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ أي هداهُ ومظهرُ دينهِ، وغالبُ أعدائهِ وناصرُ أوليائهِ على عدوهم من الكفار.

الصف 61:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ أي هل أدلُّكم على طاعةٍ تخلِّصُكم من عذابٍ مُؤلِم. وإنما سُمِّيت الطاعةُ تجارةً لأنه يربحُ عليها الجنةَ والثوابَ كما يربحُ على تجارةِ الدُّنيا زيادةَ المالِ.

الصف 61:11

وقوله تعالى :﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ تفسيرٌ للتجارةِ المذكورة، وإنَّما قدَّمَ ذكرَ الإيمان في هذه الآيةِ لأنه رأسُ الطاعاتِ، وقولهُ تعالى :﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ ؛ أي وتُجاهدون العدوَّ في طاعةِ الله بنَفقَتِكُمْ وخُروجِكم من أنفسكم، وقد تكون الطاعاتُ بالمالِ دونَ النفسِ بأن يجهِّزَ غَازياً بمالهِ، وقد تكون بالنفسِ دون المالِ بأن يجاهدَ بنفسهِ بمال غيرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ؛ أي التجارةُ التي دلَلتُكم عليها خيرٌ من التجارةِ في الأموال، ﴿إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ؛ ثوابَ الله، لأن تلك التجارةِ تؤدِّي إلى ربحٍ لا يزولُ ولا يَبيدُ بخلافِ التجارة في الأموالِ في أمُور الدُّنيا.

الصف 61:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ ؛ إنما جزَمَ ﴿يَغْفِرْ﴾ على المعنى، تقديرهُ : إنْ فعلتُم ذلك يغفِرْ لكم، وقال الزجَّاجُ :(هُوَ جَوَابُ تُؤْمِنُونَ وَتُجَاهِدُونَ ؛ لأَنَّ مَعْنَاهُ الأَمْرُ، كَأَنَّهُ قَالَ : آمِنُوا باللهِ وَرَسُولِهِ وَجَاهِدُوا يَغْفِرْ لَكُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ ؛ المساكن الطيِّبةُ هي المنازلُ التي طيَّبَها اللهُ بالْمِسْكِ والرياحينِ، ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ ؛ أي في بساتينِ إقامةٍ، يقالُ : عَدَنَ بالمكانِ إذا أقامَ به. وقولهُ تعالى :﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ؛ أي ذلك الذي ذكرتُ لكم هو التجارةُ العظيمة، والنعيمُ المقيم.

الصف 61:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا﴾ ؛ أي ذلكم خِصلَةٌ أُخرى في العاجلةِ تحبُّونَها مع ثواب الآخرِ، وهي الغنيمةُ والفتحُ، ﴿نَصْرٌ مِّن اللَّهِ﴾ ؛ على أعدائِكم، ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ ؛ أي عاجلٌ يعني فتحَ مكَّة، وَقِيْلَ : فتحُ عامَّة البلادِ. وقَوْلُهُ تَعَـالَى :﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أي بشِّرهم بهاتَين النِّعمَتين : نعمةَ العاجلِ ونعمةَ الآجلِ، ومعناهُ : بشِّرِ المؤمنين يا مُحَمَّدُ بالنصرِ في الدُّنيا والجنَّة في الآخرةِ.

الصف 61:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ أَنصَارَ اللَّهِ﴾ ؛ أي كُونوا أنصارَ دينِ الله على أعدائهِ بالسَّيف ودومُوا على ذلكَ، كما نصرَ الحواريُّون عيسى عليه السلام. وقرئَ (أنْصَارَ اللهِ) من غير تنوينٍ. والأنصارُ : جمعُ نَاصِرٍ، كصاحبٍ وأصحابٍ، والحواريُّون : خُلَصَاءُ الأنبياءِ الذين نُقُّوا من كلِّ عيبٍ، ومنه الدَّقيقُ الحواريُّ وهو الْمُنَقَّى. وقَوْلُهُ تَعَالَى :﴿كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنَّصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي معَ اللهِ كما في قوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾[النساء: ٢]. وقولهُ تعالى :﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآمَنَت طَّآئِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ؛ أي صدَّقت جماعةٌ منهم بعيسى، ﴿وَكَفَرَت طَّآئِفَةٌ﴾ ؛ وذلك أنه لَمَّا رُفِعَ عيسى عليه السلام تفرَّقَ قومهُ ثلاثَ فرقٍ : فرقةٌ قالوا كان اللهَ فارتفعَ، وفرقةٌ قالوا كان ابنَ اللهِ فرفعَهُ اللهُ، وفرقةٌ قالوا : كان عبدَ اللهِ ورسولَهُ فرفعَهُ الله إليه وهم المؤمنون. فاتَّبعَ كلَّ فريق منهم طائفةٌ من الناسِ، فاقتَتَلوا فظهرَ الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ فظهرت الفرقةُ المؤمنة على الكافرةِ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُواْ ظَاهِرِينَ﴾ ؛ أي غالِبين، والمعنى : فاصبحت حُجَّةُ مَن آمنَ بعيسى ظاهرةً بتصديقِ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّ عيسى عبدُ اللهِ، وكلمتهُ وروحَهُ والتأييد. وعن الحسنِ قال :(سَأَلْتُ عِمْرَانَ بْنَ الْحُصَيْنِ وَأبَا هُرَيْرَةَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فَقَالَ أبُو هُرَيْرَة :" سَأَلْتُ عَنْ ذلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ :" قَصْرٌ مِنْ لُؤلُؤَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فِي ذلِكَ الْقَصْرِ سَبْعُونَ دَاراً مِنْ يَاقُوتٍ أحْمَرَ، فِي كُلِّ دَارٍ سَبْعُونَ بَيْتاً مِنْ زُمُرُّدٍ أخْضَر، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ سَرِيراً وَسَبْعُون فِرَاشاً، عَلَى كُلِّ فِرَاشٍ امْرَأةٌ مِنَ الْحُور الْعِين، فِي كُلِّ بَيْتٍ سَبْعُونَ مَائِدَةً، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ لَوْناً مِنْ طَعَامٍ، يُعْطِي اللهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْقُوَّةِ مَا يَأْتِي عَلَى ذلِكَ كُلِّهِ " ".

الجمعة 62:1

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى، ﴿الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ؛ الْقُدُّوسُ : المستحقُّ للتعظيمِ لتنْزِيهِ صفاتهِ عن كلِّ نقصٍ، ويقالُ : معناهُ : كثيرُ البركةِ.

الجمعة 62:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ ؛ الأُمِّيُّونَ هم العربُ كلُّهم، مَن كتبَ منهم ومن لَمْ يَكتُبْ ؛ لأنَّهم لم يكونوا من أهلِ الكتاب. وأوَّلُ ما ظهرتِ الكتابةُ في العرب ظهرت في أهلِ الطائف، تعلَّمُوا من الحيرةِ، وتعلَّمَ أهلُ الحيرةِ من أهل الأنبار. وقولهُ تعالى ﴿رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ يعني مُحَمَّداً ﷺ نَسَبهُ مثلُ نَسَبهم وجنسهُ مثل جنسهم، ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ ؛ يعني القرآنَ، ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ ؛ أي يُطهِّرُهم من الدَّنسِ والكفرِ، فيجعلهم أزْكِيَاءَ بما يأْمُرهم به من التوحيدِ ويدعوهم إليه من طاعةِ، ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ؛ أي القرآنَ والعلمَ، ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ أي وقد كانوا قبلَ مجيئهِ إليهم بالقرآنِ لفِي ظلالٍ مبين، يعبُدون الأصنامَ ويَسْتَقْسِمُونَ بالأَزْلاَمِ.

الجمعة 62:3

قَوْلُهُ تَعََالَى :﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ؛ معناهُ : وبعثَهُ في آخَرِين منهم يعني الأعاجمَ، والنبيُّ ﷺ مبعوثٌ إلى كلِّ مَن شاهدَهُ من العرب والعجم وإلى كلِّ مَن يأتي منهم بعدَ ذلك. وقوله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ لأنَّهم إذا أسلَمُوا صاروا منهم، والمسلمون كلُّهم يدٌ واحدة وأُمَّةٌ واحدةٌ وإن اختلفَ أجناسُهم. وقوله تعالى :﴿لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ في الفَضْلِ والسَّابقةِ ؛ لأن التَّابعين لا يُدركون شأنَ الصحابةِ.

الجمعة 62:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾ ؛ يعني الإسلامَ والهدايةَ إلى دينهِ، وَقِيْلَ : النبوَّةَ والكتابَ والإسلامَ يُعطيهِ اللهُ قُريشاً ممن يراهُ أهلاً له به، ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ؛ على مَن اختصَّهُ بالنبوَّةِ والإسلامِ، وَقِيْلَ : ذو الْمَنِّ العظيمِ على خلقهِ ببعثِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

الجمعة 62:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ ؛ معناهُ : مَثَلُ اليهودِ الذين أُمِرُوا بما في التَّوراةِ، ويُظهِروا صفةَ مُحَمَّدٍ ونَعْتَهُ فيها، ثم لَمْ يفعلُوا ما أُمروا به ولم يُؤمِنُوا بالنبيِّ ﷺ، ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ ؛ أي يَحمِلُ كُتُباً من العلمِ عِظَاماً لا يدري ما عليه وما حَمَلَ. والأَسْفَارُ : جمعُ سِفْرٍ، وهو الكتابُ الكبير، شَبَّةَ اليهودَ إذ لم ينتفِعُوا بما في التَّوراةِ وهي دالَّةٌ على الإيمانِ بالحمار يحملُ كُتُبَ العلمِ، ولا يدري ما فيه، وليس حَمْلُ التوراةِ من الحملِ على الظَّهرِ، وإنما هو من الْحَمَالَةِ وهو الضَّمانُ والكفالةُ والقبول كما في قوله تعالى﴿فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا﴾[الأحزاب: ٧٢] أي يَقْبَلْنَهَا. فاليهودُ ضَمِنُوا العملَ بها ثم لم يفعَلُوا بما ضَمِنُوا وجَحَدُوا بعضَ ما حَمَلوا، فلذلك قِيْلَ :﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ؛ يعني اليهودَ كذبُوا بالقرآنِ وبالتَّوراة حين لم يُؤمِنوا بمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ الذين ظَلَموا أنفُسَهم بتكذيبهم الأنبياءَ.

الجمعة 62:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ ياأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ هذا جوابٌ لليهودِ في قولهم﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾[المائدة: ١٨] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لنَبيِّهِ : قل لَهم : إنِ ادَّعيتُم أنَّكم أحبَّاءُ اللهِ وأهلُ ولايتهِ وأنَّ الجنةَ في الآخرةِ لكم من دونِ الناسِ، فاسأَلُوا اللهَ الموتَ إنْ كُنتم صَادِقين في مقَالَتِكم، قولوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا كي تصلوا إلى نعيمِ الآخر وتستَرِيحوا من تعقب الدُّنيا، وسُيمِيتُكم اللهُ إنْ قُلتم ذلكَ. كما رُوي في الحديثِ :" أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" قُولُوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَقُولُ ذلِكَ إلاَّ غَصَّ بريقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ " فَكَرِهُوا ذلِكَ وَأبَوا أنْ يَقُولُوا "، وَعَرَفُوا أنَّهُ سَيَكُونُ ذلِكَ إنْ قَالُوا. فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾ ؛ أي لا يتَمنَّون ذلك بما قدَّمُوا من التكذيب بمُحَمَّدٍ ﷺ، والتحريفِ لصِفَتِه في التَّوراةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ؛ إخبارٌ عن معلومِ الله فيهم، حذرَهم اللهُ بقولهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّدُ لليهودِ : إنَّ الموتَ الذي تفِرُّون منه لأَنْ تَلْقَوْهُ فإنه نازلٌ بكم لا محالةَ عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من خيرٍ أو شرٍّ.

الجمعة 62:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ ياأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ هذا جوابٌ لليهودِ في قولهم﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾[المائدة: ١٨] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لنَبيِّهِ : قل لَهم : إنِ ادَّعيتُم أنَّكم أحبَّاءُ اللهِ وأهلُ ولايتهِ وأنَّ الجنةَ في الآخرةِ لكم من دونِ الناسِ، فاسأَلُوا اللهَ الموتَ إنْ كُنتم صَادِقين في مقَالَتِكم، قولوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا كي تصلوا إلى نعيمِ الآخر وتستَرِيحوا من تعقب الدُّنيا، وسُيمِيتُكم اللهُ إنْ قُلتم ذلكَ. كما رُوي في الحديثِ :" أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" قُولُوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَقُولُ ذلِكَ إلاَّ غَصَّ بريقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ " فَكَرِهُوا ذلِكَ وَأبَوا أنْ يَقُولُوا "، وَعَرَفُوا أنَّهُ سَيَكُونُ ذلِكَ إنْ قَالُوا. فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾ ؛ أي لا يتَمنَّون ذلك بما قدَّمُوا من التكذيب بمُحَمَّدٍ ﷺ، والتحريفِ لصِفَتِه في التَّوراةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ؛ إخبارٌ عن معلومِ الله فيهم، حذرَهم اللهُ بقولهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّدُ لليهودِ : إنَّ الموتَ الذي تفِرُّون منه لأَنْ تَلْقَوْهُ فإنه نازلٌ بكم لا محالةَ عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من خيرٍ أو شرٍّ.

الجمعة 62:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ ياأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُواْ إِن زَعمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ هذا جوابٌ لليهودِ في قولهم﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾[المائدة: ١٨] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لنَبيِّهِ : قل لَهم : إنِ ادَّعيتُم أنَّكم أحبَّاءُ اللهِ وأهلُ ولايتهِ وأنَّ الجنةَ في الآخرةِ لكم من دونِ الناسِ، فاسأَلُوا اللهَ الموتَ إنْ كُنتم صَادِقين في مقَالَتِكم، قولوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا كي تصلوا إلى نعيمِ الآخر وتستَرِيحوا من تعقب الدُّنيا، وسُيمِيتُكم اللهُ إنْ قُلتم ذلكَ. كما رُوي في الحديثِ :" أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ :" قُولُوا : اللَّهُمَّ أمِتْنَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيْسَ أحَدٌ مِنْكُمْ يَقُولُ ذلِكَ إلاَّ غَصَّ بريقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ " فَكَرِهُوا ذلِكَ وَأبَوا أنْ يَقُولُوا "، وَعَرَفُوا أنَّهُ سَيَكُونُ ذلِكَ إنْ قَالُوا. فأنزلَ اللهُ تعالى :﴿وَلاَ يَتَمَنَّونَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْديهِمْ﴾ ؛ أي لا يتَمنَّون ذلك بما قدَّمُوا من التكذيب بمُحَمَّدٍ ﷺ، والتحريفِ لصِفَتِه في التَّوراةِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ ؛ إخبارٌ عن معلومِ الله فيهم، حذرَهم اللهُ بقولهِ :﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ﴾ ؛ أي قل يا مُحَمَّدُ لليهودِ : إنَّ الموتَ الذي تفِرُّون منه لأَنْ تَلْقَوْهُ فإنه نازلٌ بكم لا محالةَ عند انقضاءِ آجالكم، ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من خيرٍ أو شرٍّ.

الجمعة 62:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ ؛ يعني النداءَ إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ يومَ الجمُعة ؛ لأنه لم يكُن على عهدِ رسولِ الله ﷺ نداءٌ سواهُ، كان إذا جلسَ على المنبرِ أذنَ بلالٌ على باب المسجدِ، وكذا كان على عهدِ أبي بكرٍ وعمرَ. والنداءُ المشروع لهذهِ الصَّلاة الأذانُ الثانِي يقولهُ المؤذِّنُ عند صعودِ الإمام المنبرَ، كما رُوي عن السَّائب بن يزيدٍ أنه قال (مَا كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ إلاَّ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ يُؤَذِّنُ إذا قَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ يُقِيمُ إذا نَزَلَ، ثُمَّ أبُو بَكْرٍ كَذِلكَ، ثُمَّ عُمَرَ كَذلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي أيَّامِ عُثْمَانَ رضي الله عنه وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ نِدَاءً غَيْرَهُ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ يعني الذهابَ والمشيَ إلى الصَّلاةِ، والسَّعيُ : هو إجابةُ النِّداءِ في هذه الآيةِ، والمبادرةُ إلى الجمعةِ، وفي قراءةِ ابن مسعودٍ رضي لله عنه (فَامْضُوا إلَى ذِكْرِ اللهِ) وكان يقولُ :(لَوْ أُمِرْتُ بالسَّعْيِ لَسَعَيْتُ حَتَّى سَقَطَ ردَائِي). وَقِيْلَ : السَّعيُ هنا هو العملُ إذا نُودِيَ للصَّلاة فاعمَلُوا على المعنَى إلى ذكرِ الله من التفرُّغِ له والاشتغالِ بالطَّهارة والغُسلِ والتوجُّه إليه بالقصدِ والنيَّة. واختلفَ مشائخُنا : هل يجبُ على الإنسانِ الإسراعُ والعَدْوُ إذا خافَ فوتَ الجمُعة أم لاَ ؟ قال بعضُهم : يلزمهُ ذلك بظاهرِ النصِّ، بخلاف السَّعيِ إلى سائرِ الجماعات لا يؤمرُ به وإنْ خافَ الفوتَ. وقال بعضُهم : لا يلزمهُ ذلك، وليس السَّعيُ إلاّ العملُ كما قال تعالى﴿وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى﴾[النجم: ٣٩]. وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ :" إذا أتَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ، فَمَا أدْرَكْتُمْ فصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا "، وهذا عامٌّ في جميعِ الصَّلوات. قال بعضُهم : فاسعَوا إلى ذكرِ اللهِ، يعني الصَّلاةَ مع الإمامِ، وذلك هو المرادُ بذكرِ الله. وقال بعضُهم : هي الخطبةُ لأنَّها تلِي النداءَ، عن أبي بكرٍ رضي الله عنه قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَرَجَتْ ذُنُوبُهُ وَخَطَايَاهُ، فَإذا رَاحَ كَتَبَ اللهُ لَهُ بكُلِّ قَدَمٍ عَمَلَ عِشْرِينَ سَنَةً، فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ أُجِيزَ بعَمَلِ مِائَتَي سَنَةٍ ". وعن أبي ذرٍّ قالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ غُسْلَهُ، وَلَبسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيب بَيْتِهِ أوْ دُهْنِهُ، ثُمَّ لَمْ يُفَرِّقْ مَا بَيْنَ اثْنَيْنِ، غَفَرَ اللهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَزيَادَةَ ثَلاَثَةِ أيَّامٍ بَعْدَهَا ". وعن أنسٍ رضي الله عنه :" أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ :" يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، إنَّ هَذا يَوْماً جَعَلَهُ اللهُ عِيْداً لِلْمُسْلِمِينَ فَاغْتَسِلُوا فِيْهِ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلاَ يَضُرُّهُ أنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بالسِّوَاكِ " ".

الجمعة 62:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانتَشِرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي إذا فَرغتُم من الصَّلاة فانتَشِرُوا في الأرضِ، هذا أمرُ إباحةٍ، قال ابنُ عبَّاس :(إنْ شِئْتَ فَاخْرُجْ، وَإنْ شِئْْتَ فَصَلِّ إلَى الْعَصْرِ، وَإنْ شِئْتَ فَاقْعُدْ). وكذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؛ إباحةٌ لطلب الرِّزقِ والتجارة والبيعِ بعدَ المنعِ. وعن ابنِ عبَّاس قال :(لَمْ تُؤْمَرُوا فِي هَذِهِ الآيَةِ بِطَلَب شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَكِنْ عِيَادَةُ مَرِيضٍ وَحُضُورُ جَنَازَةٍ وَزيَارَةُ أخٍ فِي اللهِ تَعَالَى). وقال الحسنُ :( ﴿وَابْتَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي طَلَبَ الْعِلْمِ). والقولُ الأوَّلُ أظهرُ. واختلفَ العلماءُ في موضعِ وجُوب الْجُمعةِ، وعلى مَن تجبُ، وكم يشتَرطُ له الجماعةُ ؟ فقال أبو حنيفةَ :(لاَ تَجِبُ الْجُمُعَةُ إلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ لِقَوْلِهِ عليه السلام :" لاَ جُمُعَةَ وَلاَ تَشْرِيقَ إلاَّ فِي مِصْرٍ جَامِعٍ " وَلاَ تَصِحُّ فِي الْقُرَى، وَلاَ تُجِبُ عَلَى السَّوَادِ وَلَوْ قَرُبَتْ مِنَ الْمِصْرِ، إلاَّ إذا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بهِ). وقال الشافعيُّ :(تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى أهْلِ السَّوَادِ إذا سَمِعُوا النِّدَاءَ مِنَ الْمِصْرِ، وَوَقْتُ اعْتِبَار سَمَاعِ الأَذانِ أنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتاً، وَالأَصْوَاتُ هَادِئَةً وَالريِّحُ سَاكِنَةً). وقال ابنُ عمرٍو وأبو هريرة وأنس :(تَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ كَانَ عَلَى عَشْرَةِ أمْيَالٍ مِنَ الْمِصْرِ). وقال سعيدُ بن المسيَّب :(تَجِبُ عَلَى مَنْ كَانَ دُونَ الْمَبيتِ). وقال الزهريُّ :(عَلَى سِتَّةِ أمْيَالٍ)، وقال ربيعةُ :(أرْبَعَةُ أمْيَالٍ)، وقال مالكُ :(ثَلاَثَةُ أمْيَالٍ). وعندَ الشافعيِّ :(تَجِبُ الْجُمُعَةُ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ اجْتَمَعَ فِيهَا أرْبَعُونَ رَجُلاً أحْرَاراً بَالِغِينَ، لاَ يَظْعَنُونَ عَنْهَا شِتَاءً وَلاَ صَيْفاً إلاَّ ظَعْنَ حَاجَةٍ، فَإذا كَانَ كَذلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ. وَإنْ كَانَ أقَلَّ مِنْ ذلِكَ، وَكَانَ بقُرْبهَا مَوْضِعٌ تُقَامُ فِيْهِ الْجُمُعَةُ، فَعَلَيْهِمُ الْحُضُورُ فِيْهِ لِلْجُمُعَةِ إذا كَانُوا بحَيْثُ يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ). وقال مالكُ :(إذا كَانَتِ الْقَرْيَةُ فِيهَا سُوقٌ وَمَسْجِدٌ وَجَبَ عَلَيهِمْ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ). وأما أهلُ الوجوب، فتجبُ الجمُعة على كلِّ مسلمٍ إلاَّ على أربعة : عبدٌ ؛ أو مريض ؛ أو مسافرٌ ؛ أو امرأةٌ، فمَنِ استغنَى عنها بلهوٍ أو تجارةٍ استغنَى اللهُ عنه، واللهُ غنيٌّ حميد. وأما العددُ الذين تنعقد بهم الجمعةُ، فقال الحسنُ :(تَنْعَقِدُ باثْنَيْنِ)، وقال أبو يوسف والليثُ بن سعد :(بثَلاَثَةٍ)، وقال أبو حنيفةََ ومحمَّد وسفيان :(بأَرْبَعَةٍ)، وقال ربيعةُ :(باثْنَي عَشَرَ)، وقال الشافعيُّ :(لاَ تَنْعَقِدُ إلاَّ بأَرْبَعِينَ).

الجمعة 62:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّواْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ ؛ قال الحسنُ :" أصَابَ أهْلَ الْمَدِينَةِ جُوعٌ َوَغَلاَءُ سِعْرٍ، فَقَدِمَ دَحِيَّةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبيُّ مِنَ الشَّامِ بتِجَارَةٍ، وَكَانَ يَقْدُمُ الْمَدِينَةَ بكُلِّ مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ دَقِيقٍ وَبُرٍّ وَغَيْرِهِ، فَيَنْزِلُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ وَيَضْرِبُ الطَّبْلَ لِيُعْلِمَ النَّاسَ بقُدُومِهِ، فَيَخْرُجُونَ إلَيْهِ لِيَبْتَاعُوا مِنْهُ. فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمِ جُمُعَةٍ - وَكَانَ قَبْلَ إسْلاَمِهِ - وَرَسُولُ اللهِ ﷺ قَائِمٌ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَضَرَبَ الطَّبْلَ فَخَرَجَ النَّاسُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يَبْقَ إلاَّ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ ثَبَتُوا مَعَ النَّبيِّ ﷺ - وَقِيْلَ : بَقِيَ اثْنَى عَشَرَ رَجُلاً وَامْرَأةٌ - فَقَالَ ﷺ :" لَوْ لَحِقَ آخِرُهُمْ أوَّلَهُمْ لاَلْتَهَبَ الْوَادِي عَلَيْهِمْ نَاراً " فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ". وقولهُ تعالى ﴿انفَضُّواْ إِلَيْهَا﴾ أي تفَرَّقوا بالخروجِ إليها ﴿وَتَرَكُوكَ قَآئِماً﴾ على المنبرِ تخطبُ. وفي هذا دليلٌ على وجوب استماعِ الْخُطبَةِ ؛ لأنَّ اللهَ تعالى عاتبَهم على تركِ الاستماعِ، ولو لم يكن فَرضاً لم يُعاتَبوا على ذلك. ويستدلُّ من هذه الآيةِ على أنَّ من السُّنة أن يَخطُبَ الإمامُ قَائماً. والكنايةُ في قولهِ تعالى :﴿إِلَيْهَا﴾ راجعةٌ إلى التِّجارةِ دونَ اللَّهوِ، وإنما خُصَّت التجارةُ برَدِّ الضميرِ إليها ؛ لأنَّها كانت أهمَّ إليهم لأنَّ السَّنة كانت سَنَةَ مجاعةٍ وغلاء سعرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ﴾ ؛ معناهُ : ما عندَ اللهِ من ثواب الصَّلاة والثباتِ مع النبيِّ ﷺ خيرٌ من اللَّهوِ ومن التجارةِ، ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ ؛ أي ليس يَفوتُهم من أرزاقِهم لتخلُّفهم عن الْمِيرَةِ شيءٌ، ولا بتَركِهم البيعَ في وقتِ الصَّلاة.

المنافقون 63:1

﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ ؛ معناهُ : إذا جاءَك يا مُحَمَّدُ منافِقُوا أهلِ المدينةِ عبدُالله بنُ أُبَي وأصحابهُ، ﴿قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، قالُوا : نُقسِمُ إنَّكَ لرسولُ اللهِ، وعلى ذلكَ ضَمِيرُنا واعتقادُنا، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، من غيرِ شهادة المنافقين وحلفِهم ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ؛ أي واللهُ يخبر أنَّ المنافقين لكَاذبون فيما يعتقدونَهُ بقُلوبهم وما يقُولون بأَلسِنَتِهم، فهُم كاذِبون في إخبارهم عمَّا في ضَمائرِهم، فأمَّا شَهادتُهم بألسِنتهم أنه رسولُ الله فقد كانت صِدْقاً.

المنافقون 63:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ ؛ أي سُتْرَةً يدفعون بها عن أنفُسِهم السَّبي والقتلِ والجزية كمَن أعدَّ على نفسهِ جُنَّةً لدفعِ الجراح. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ؛ أي مَنَعُوا الناسَ عن طاعةِ الله وامَتنعوا عنها، ﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ؛ في نفاقِهم من الكذب والخيانة. وفي هذه الآيةِ دليلٌ أنَّ قولَ الرجُلِ : أشْهَدُ، يمينٌ ؛ لأنَّ القومَ قالوا (نَشْهَدُ) فجعلَهُ اللهُ يَميناً في هذهِ الآية، وعلى هذا أُقسِمُ وأعزِمُ وأحلِفُ، كلُّها إيمانٌ عند أبي حنيفةَ وصَاحِبَيْهِ، والثوريِّ والأوزاعي. وقال مالكُ :(إنْ أرَادَ بهِ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ)، وقال الشافعيُّ :(أُقْسِمُ لَيْسَ بيَمِينٍ وَأُقْسِمُ باللهِ يَمِينٌ). وفي قراءةِ الحسن (اِتَّخَذُوا إيْمَانَهُمْ) بكسر الألف، أي إنَّا مُؤمِنون، اتَّخذوهُ تُقْيَةً عن القتلِ.

المنافقون 63:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ ؛ أي ذلك الحكمُ بنفَاقِهم، ويقالُ : ذلك الصدُّ بأنَّهم كانوا مُؤمنين في العَلانِيَةِ بحضرةِ النبيِّ ﷺ، فإذا عادُوا إلى قَومِهم ثبَتُوا على الكفرِ في السرِّ، فأورثَ ذلك طَبْعاً على قُلوبهم فهُم لا يفقَهُون الإيمانَ والقرآنَ، ولا يَعُونَ ما يُوعَظُونَ به.

المنافقون 63:4

قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُواْ تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ ؛ أي في صحَّة أجسامِهم وحُسنِ مَنظَرِهم ؛ لأنَّهم يكونون على صُورةٍ حَسنة، وكان عبدُالله بن أُبَي رجُلاً فَصِيحاً لَسِناً، وكانوا إذا قالُوا شَيئاً أصغَى النبيُّ ﷺ لِحُسنِ كلامِهم، ولهذا أُدخلت اللامُ في ﴿تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾، ويجوزُ أن يكون معناه : إلى قولِهم. قَوْلُهُ تَعَاَلَى :﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾ ؛ فيه بيانٌ في تركِ التفهُّم والاستبصار بمنْزِلة الْخُشُب الْمُسَنَّدَةِ إلى الجدار، لا ينتفعُ إلاَّ بالنظرِ إليها، والْخُشُبُ لا أرواحَ فيها ولا تعقلُ ولا تفهمُ، وكذلك المنافقون لا يَسمعون الإيمانَ ولا يعقلونَهُ. و(الْمُسَنَّدَةُ) الْمُمَالَةُ إلى الجدار، ويُقرأ (خُشُبٌ، وَخُشْبٌ) بجزم الشِّين، ومنها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي يظُنُّون مِن الْجُبنِ والخوفِ أنَّ كلَّ مَن خاطبَ النبيَّ ﷺ فإنما يُخاطِبهُ في أمرِهم وكشفِ نفقاهم. ويقالُ : لا يسمعون صَوتاً إلاَّ ظنُّوا أنْ قد أتوا (فإذا نادَى مُنادٍ في العسكرِ، وانفلَتَتْ دابَّة، أو أنشِدَتْ ضالَّةٌ، ظنُّوا أنُّهم يُرَادُون مما في قلوبهم من الرُّعب) أنْ يكشفَ اللهُ أسرارَهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾ ؛ ابتداءُ كلامٍ، والمعنى : هُمْ على الحقيقةِ العدوِّ الأدنَى إليكَ، ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ ؛ يا مُحَمَّدُ ولا تَأْمَنْهُمْ وإنْ أظهَرُوا أنَّهم معكَ، نلا تُطلِعْهُمْ على سرِّكَ كأَنَّهم عيونٌ لأعدائِكَ من الكفَّار. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ؛ أي لعَنَهم اللهُ وأخزَاهم وأحَلَّهم محلَّ مَن يقاتلهُ عدُوّاً قاهراً له، ﴿أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي يُصرَفُون من الحقِّ إلى الباطلِ.

المنافقون 63:5

قوله تعالى :﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْاْ رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ ؛ أي إذا قيلَ لهؤلاء المنافقين بعدَ ما افتُضِحُوا : هَلُمُّوا إلى رسولِ اللهِ يستغفِرْ لكم ذُنوبَكم، عطَفُوا رُؤوسَهم استهزاءً به ورغبةً عن الاستغفار، ورأيتَهم يصدُّون عن الاستغفار وعن طلب المغفرةِ. ومعنى ﴿يَصُدُّونَ﴾ أي يَمتَنِعُونَ، ويَمنَعُونَ غيرَهم عن طلب المغفرةِ، وهم مُستكبرون عن استغفار رسولِ الله لَهم وعن قبولِ الحقِّ. وذلك : أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ بكَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مَقَتَهُ الْمُسْلِمُونَ وَعَنَّفُوهُ، فَقالَ لَهُ بَنُوا أبيهِ ؛ إئْتِ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَسْتَغْفِرَ لَكَ، قَالَ : لاَ أذْهَبُ إلَيْهِ وَلاَ أُريدُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِي. ومن قرأ (لَوَوْا) بالتخفيفِ فهو من لَوَى يَلْوِي إذا صَرَفَ الشيءَ وقلبه.

المنافقون 63:6

وقولهُ تعالى :﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ أي سواءٌ عليهم الاستغفارُ وتركهُ، ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَـاسِقِينَ﴾ ؛ لإبطانِهم الكفرَ. وهذا في قومٍ مَخصُوصِينَ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤمنون فلم يستغفِرْ لهم النبيُّ ﷺ، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾. " وذلك : أنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا نُزُولاً عَلَى الْمَاءِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، إذْ وَقَعَ بَيْنَ غُلاَمٍ لِعُمَرَ رضي الله عنه مِنْ بَنِي غِفَارٍ يَقُالُ لَهُ : جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُودُ لِعُمَرَ فَرَسَهُ وَبَيْنَ غُلاَمٍ لِعَبْدِاللهِ بْنِ أبي سَلُولٍ يُقَالُ لَهُ : سِنَانُ الْجُهَنِيُّ، فَأَقْبَلَ جَهْجَاهُ يَقُودُ فَرَسَ عُمَرَ فَازْدَحَمَ هُوَ وَسِنَان عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلاَ، فَصَرَخَ سِنَانُ : يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، وَصَرَخَ الْغِفَاريُّ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ. فَاشْتَبَكَ النَّاسُ وَعَلَتِ الأَصْوَاتُ. فَقَالَ عبْدُاللهِ بْنُ أبَيٍّ : مَا أدْخَلْنَا هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فِي دِيَارنَا إلاَّ لِيَرْكَبُوا أعْنَاقَنَا، وَاللهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إلاَّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! أمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ، يَعْنِي الأَعَزَّ نَفْسَهُ وَالأَذلَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم! ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ : هَذا مَا فَعَلْتُمُوهُ لِنَفْسِكُمْ أحْلَلْتُمُوهُمْ بلاَدَكُمْ، قَاسَمْتُمُوهُمْ أمْوَالَكُمْ، أمَا وَاللهِ لَوْ أمْسَكْتُمْ طَعَامَكُمْ وَمَنَعْتُمْ أصْحَابَ هَذا الرَّجُلِ الطَّعَامَ لَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إلَى عَشَائِرِهِمْ، وَتَحَوَّلُوا عَنْ بلاَدِهِمْ، فَلاَ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفَضُّوا ؛ أيْ يَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِ مُحَمَّدٍ. فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ كَلاَمَهُ، فَقَالَ : وَاللهِ أنْتَ الذلِيلُ الْبَغِيضُ، الْقَلِيلُ الْمَبْغُوضُ فِي قَوْمِكَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فِي عَزِّ الرَّحْمَنِ وَعِزَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : ثُمَّ ذهَبَ زَيْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأخْبَرَهُ بذلِكَ وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه فَقَالَ : دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إذْ تَرْعَدُ لَهُ أنْفٌ كَثِيرٍ بيَثْرِبَ. فَقَالَ عُمَرُ : فَإنْ كَرِهْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَمُرْ سَعِدَ بْنَ مُعَاذٍ أوْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أوْ عَبَّادَ بْنَ بشْرٍ فَلْيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ ﷺ :" فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذا تَحَدَّثَ النَّاسُ أنَّ مُحَّمَداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ ؟ لاَ وَلَكِنِ أذِّنْ بالرَّحِيلِ " وَذلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُرْتَحَلُ فِيْهَا، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ إلَى عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ :" أنْتَ صَاحِبُ هَذا الْكَلاَمِ الَّذِي بَلَغَنِي ؟ " فَقَالَ : وَالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا قُلْتُ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ، وَإنَّ زَيْداً لَكَاذِبٌ. وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي قَوْمِهِ شَرِيفاً عَظِيماً، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الأَنْصَار : يَا رَسُولَ اللهِ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ، لاَ تُصَدِّقْ عَلَيْهِ كَلاَمَ صَبيٍّ مِنْ غِلْمَانِ الأَنْصَار، عَسَى أنْ يَكُونَ هَذا الصَّبيُّ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ، فَعَذرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. وَفَشَتِ الْمَلامَةُ مِنَ الأَنْصَار لِزَيْدٍ وَكَذبُوهُ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ : مَا أرَدْتَ يَا وَلَد إلاَّ أنْ كَذبَكَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ وَمَقَتُوكَ. وََكَانَ زَيْدٌ يُسَايرُ النَّبيَّ ﷺ فَاسْتَحَى بَعْدَ ذلِكَ أنْ يَدْنُو مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَبَلَغَ وَلَدَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أمْرِ أبيهِ، فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ لِمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي فَأَنَا أحْمِلْ إلَيْكَ دُأبَتَهُ، وَإنِّي أخْشَى أنْ تَأْمُرَ بهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أنْ أنْظُرَ إلَى قَاتِلِهِ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، فَأَخَافُ أنْ أقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ ﷺ :" بَلْ تَرْفُقُ بهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا ". وَكَذلِكَ جَاءَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ كُنْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُمْشَى فِيهَا، فَقَالَ لَهُ :" أوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ؟ زَعَمَ أنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ " فَقَالَ أُسَيْدُ : بَلْ أنْتَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ تُخْرِجُهُ إنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللهِ الذلِيلُ وَأنْتََ الْعَزِيزُ، فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بكَ، وَإنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظُمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتوِّجُوهُ، فَهُوَ يَرَى أنَّكَ سَلَبْتَهُ مُلْكَهُ. ثم سارَ رسولُ الله ﷺ حتى وافَى المدينةَ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ الآية إلى قولهِ :﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَـاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ؛ فَأَخَذ رَسُولُ اللهِ ﷺ بأُذُنٍ زَيْدٍ فَقَالَ :" يَا زَيْدُ إنَّ اللهَ صَدَّقَكَ ". وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ بقُرْب الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَدْخُلَهَا جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ حَتَّى أنَاخَ عَلَى مَجَامِعِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَمَنَعَ أبَاهُ أنْ يَدْخُلَهَا، فَقَالَ لَهُ : مَا لكَ ؟ قَالَ : وَيْلَكَ! وَاللهِ لاَ تَدْخُلُهَا أبَداً إلاَّ أنْ يَأْذنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلِتَعْلَمَنَّ الْيَوْمَ مَنِ الأَعَزُّ وَمَنِ الأَذلُّ. فَشَكَا عَبْدُاللهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا مَنَعَ ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ :" أنْ دَعْهُ يَدْخُلُ " فَقَالَ : أمَّا إذا جَاءَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَعَمْ. فَلَبثَ بَعْدَ أنْ دَخَلَ أيَّاماً قَلاَئِلَ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ ".

المنافقون 63:7

وقولهُ تعالى :﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ أي سواءٌ عليهم الاستغفارُ وتركهُ، ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَـاسِقِينَ﴾ ؛ لإبطانِهم الكفرَ. وهذا في قومٍ مَخصُوصِينَ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤمنون فلم يستغفِرْ لهم النبيُّ ﷺ، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾. " وذلك : أنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا نُزُولاً عَلَى الْمَاءِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، إذْ وَقَعَ بَيْنَ غُلاَمٍ لِعُمَرَ رضي الله عنه مِنْ بَنِي غِفَارٍ يَقُالُ لَهُ : جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُودُ لِعُمَرَ فَرَسَهُ وَبَيْنَ غُلاَمٍ لِعَبْدِاللهِ بْنِ أبي سَلُولٍ يُقَالُ لَهُ : سِنَانُ الْجُهَنِيُّ، فَأَقْبَلَ جَهْجَاهُ يَقُودُ فَرَسَ عُمَرَ فَازْدَحَمَ هُوَ وَسِنَان عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلاَ، فَصَرَخَ سِنَانُ : يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، وَصَرَخَ الْغِفَاريُّ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ. فَاشْتَبَكَ النَّاسُ وَعَلَتِ الأَصْوَاتُ. فَقَالَ عبْدُاللهِ بْنُ أبَيٍّ : مَا أدْخَلْنَا هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فِي دِيَارنَا إلاَّ لِيَرْكَبُوا أعْنَاقَنَا، وَاللهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إلاَّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! أمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ، يَعْنِي الأَعَزَّ نَفْسَهُ وَالأَذلَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم! ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ : هَذا مَا فَعَلْتُمُوهُ لِنَفْسِكُمْ أحْلَلْتُمُوهُمْ بلاَدَكُمْ، قَاسَمْتُمُوهُمْ أمْوَالَكُمْ، أمَا وَاللهِ لَوْ أمْسَكْتُمْ طَعَامَكُمْ وَمَنَعْتُمْ أصْحَابَ هَذا الرَّجُلِ الطَّعَامَ لَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إلَى عَشَائِرِهِمْ، وَتَحَوَّلُوا عَنْ بلاَدِهِمْ، فَلاَ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفَضُّوا ؛ أيْ يَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِ مُحَمَّدٍ. فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ كَلاَمَهُ، فَقَالَ : وَاللهِ أنْتَ الذلِيلُ الْبَغِيضُ، الْقَلِيلُ الْمَبْغُوضُ فِي قَوْمِكَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فِي عَزِّ الرَّحْمَنِ وَعِزَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : ثُمَّ ذهَبَ زَيْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأخْبَرَهُ بذلِكَ وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه فَقَالَ : دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إذْ تَرْعَدُ لَهُ أنْفٌ كَثِيرٍ بيَثْرِبَ. فَقَالَ عُمَرُ : فَإنْ كَرِهْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَمُرْ سَعِدَ بْنَ مُعَاذٍ أوْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أوْ عَبَّادَ بْنَ بشْرٍ فَلْيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ ﷺ :" فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذا تَحَدَّثَ النَّاسُ أنَّ مُحَّمَداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ ؟ لاَ وَلَكِنِ أذِّنْ بالرَّحِيلِ " وَذلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُرْتَحَلُ فِيْهَا، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ إلَى عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ :" أنْتَ صَاحِبُ هَذا الْكَلاَمِ الَّذِي بَلَغَنِي ؟ " فَقَالَ : وَالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا قُلْتُ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ، وَإنَّ زَيْداً لَكَاذِبٌ. وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي قَوْمِهِ شَرِيفاً عَظِيماً، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الأَنْصَار : يَا رَسُولَ اللهِ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ، لاَ تُصَدِّقْ عَلَيْهِ كَلاَمَ صَبيٍّ مِنْ غِلْمَانِ الأَنْصَار، عَسَى أنْ يَكُونَ هَذا الصَّبيُّ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ، فَعَذرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. وَفَشَتِ الْمَلامَةُ مِنَ الأَنْصَار لِزَيْدٍ وَكَذبُوهُ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ : مَا أرَدْتَ يَا وَلَد إلاَّ أنْ كَذبَكَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ وَمَقَتُوكَ. وََكَانَ زَيْدٌ يُسَايرُ النَّبيَّ ﷺ فَاسْتَحَى بَعْدَ ذلِكَ أنْ يَدْنُو مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَبَلَغَ وَلَدَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أمْرِ أبيهِ، فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ لِمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي فَأَنَا أحْمِلْ إلَيْكَ دُأبَتَهُ، وَإنِّي أخْشَى أنْ تَأْمُرَ بهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أنْ أنْظُرَ إلَى قَاتِلِهِ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، فَأَخَافُ أنْ أقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ ﷺ :" بَلْ تَرْفُقُ بهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا ". وَكَذلِكَ جَاءَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ كُنْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُمْشَى فِيهَا، فَقَالَ لَهُ :" أوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ؟ زَعَمَ أنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ " فَقَالَ أُسَيْدُ : بَلْ أنْتَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ تُخْرِجُهُ إنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللهِ الذلِيلُ وَأنْتََ الْعَزِيزُ، فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بكَ، وَإنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظُمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتوِّجُوهُ، فَهُوَ يَرَى أنَّكَ سَلَبْتَهُ مُلْكَهُ. ثم سارَ رسولُ الله ﷺ حتى وافَى المدينةَ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ الآية إلى قولهِ :﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَـاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ؛ فَأَخَذ رَسُولُ اللهِ ﷺ بأُذُنٍ زَيْدٍ فَقَالَ :" يَا زَيْدُ إنَّ اللهَ صَدَّقَكَ ". وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ بقُرْب الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَدْخُلَهَا جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ حَتَّى أنَاخَ عَلَى مَجَامِعِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَمَنَعَ أبَاهُ أنْ يَدْخُلَهَا، فَقَالَ لَهُ : مَا لكَ ؟ قَالَ : وَيْلَكَ! وَاللهِ لاَ تَدْخُلُهَا أبَداً إلاَّ أنْ يَأْذنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلِتَعْلَمَنَّ الْيَوْمَ مَنِ الأَعَزُّ وَمَنِ الأَذلُّ. فَشَكَا عَبْدُاللهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا مَنَعَ ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ :" أنْ دَعْهُ يَدْخُلُ " فَقَالَ : أمَّا إذا جَاءَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَعَمْ. فَلَبثَ بَعْدَ أنْ دَخَلَ أيَّاماً قَلاَئِلَ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ ".

المنافقون 63:8

وقولهُ تعالى :﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ؛ أي سواءٌ عليهم الاستغفارُ وتركهُ، ﴿لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَـاسِقِينَ﴾ ؛ لإبطانِهم الكفرَ. وهذا في قومٍ مَخصُوصِينَ عَلِمَ اللهُ أنَّهم لا يُؤمنون فلم يستغفِرْ لهم النبيُّ ﷺ، ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾. " وذلك : أنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا نُزُولاً عَلَى الْمَاءِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، إذْ وَقَعَ بَيْنَ غُلاَمٍ لِعُمَرَ رضي الله عنه مِنْ بَنِي غِفَارٍ يَقُالُ لَهُ : جَهْجَاهُ بْنُ سَعِيدٍ يَقُودُ لِعُمَرَ فَرَسَهُ وَبَيْنَ غُلاَمٍ لِعَبْدِاللهِ بْنِ أبي سَلُولٍ يُقَالُ لَهُ : سِنَانُ الْجُهَنِيُّ، فَأَقْبَلَ جَهْجَاهُ يَقُودُ فَرَسَ عُمَرَ فَازْدَحَمَ هُوَ وَسِنَان عَلَى الْمَاءِ فَاقْتَتَلاَ، فَصَرَخَ سِنَانُ : يَا مَعْشَرَ الأَنْصَار، وَصَرَخَ الْغِفَاريُّ : يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ. فَاشْتَبَكَ النَّاسُ وَعَلَتِ الأَصْوَاتُ. فَقَالَ عبْدُاللهِ بْنُ أبَيٍّ : مَا أدْخَلْنَا هَؤُلاَءِ الْقَوْمِ فِي دِيَارنَا إلاَّ لِيَرْكَبُوا أعْنَاقَنَا، وَاللهِ مَا مَثَلُنَا وَمَثَلُهُمْ إلاَّ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ : سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ! أمَا وَاللهِ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ، يَعْنِي الأَعَزَّ نَفْسَهُ وَالأَذلَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم! ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَقَالَ : هَذا مَا فَعَلْتُمُوهُ لِنَفْسِكُمْ أحْلَلْتُمُوهُمْ بلاَدَكُمْ، قَاسَمْتُمُوهُمْ أمْوَالَكُمْ، أمَا وَاللهِ لَوْ أمْسَكْتُمْ طَعَامَكُمْ وَمَنَعْتُمْ أصْحَابَ هَذا الرَّجُلِ الطَّعَامَ لَتَفَرَّقُوا عَنْهُ وَرَجَعُوا إلَى عَشَائِرِهِمْ، وَتَحَوَّلُوا عَنْ بلاَدِهِمْ، فَلاَ تُنْفِقُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْفَضُّوا ؛ أيْ يَتَفَرَّقُوا مِنْ حَوْلِ مُحَمَّدٍ. فَسَمِعَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ كَلاَمَهُ، فَقَالَ : وَاللهِ أنْتَ الذلِيلُ الْبَغِيضُ، الْقَلِيلُ الْمَبْغُوضُ فِي قَوْمِكَ، وَمُحَمَّدٌ ﷺ فِي عَزِّ الرَّحْمَنِ وَعِزَّةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ : ثُمَّ ذهَبَ زَيْدٌ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأخْبَرَهُ بذلِكَ وَعِنْدَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب رضي الله عنه فَقَالَ : دَعْنِي أضْرِبْ عُنُقَهُ يَا رَسُولَ اللهِ إذْ تَرْعَدُ لَهُ أنْفٌ كَثِيرٍ بيَثْرِبَ. فَقَالَ عُمَرُ : فَإنْ كَرِهْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أنْ يَقْتُلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَمُرْ سَعِدَ بْنَ مُعَاذٍ أوْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ أوْ عَبَّادَ بْنَ بشْرٍ فَلْيَقْتُلُوهُ. فَقَالَ ﷺ :" فَكَيْفَ يَا عُمَرُ إذا تَحَدَّثَ النَّاسُ أنَّ مُحَّمَداً يَقْتُلُ أصْحَابَهُ ؟ لاَ وَلَكِنِ أذِّنْ بالرَّحِيلِ " وَذلِكَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُرْتَحَلُ فِيْهَا، فَارْتَحَلَ النَّاسُ، فَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ إلَى عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ :" أنْتَ صَاحِبُ هَذا الْكَلاَمِ الَّذِي بَلَغَنِي ؟ " فَقَالَ : وَالَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مَا قُلْتُ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ، وَإنَّ زَيْداً لَكَاذِبٌ. وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ فِي قَوْمِهِ شَرِيفاً عَظِيماً، فَقَالَ مَنْ حَضَرَ مِنَ الأَنْصَار : يَا رَسُولَ اللهِ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ، لاَ تُصَدِّقْ عَلَيْهِ كَلاَمَ صَبيٍّ مِنْ غِلْمَانِ الأَنْصَار، عَسَى أنْ يَكُونَ هَذا الصَّبيُّ وَهِمَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَحْفَظْ مَا قَالَ، فَعَذرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. وَفَشَتِ الْمَلامَةُ مِنَ الأَنْصَار لِزَيْدٍ وَكَذبُوهُ، فَقَالَ لَهُ عَمُّهُ : مَا أرَدْتَ يَا وَلَد إلاَّ أنْ كَذبَكَ رَسُولُ اللهِ وَالنَّاسُ وَمَقَتُوكَ. وََكَانَ زَيْدٌ يُسَايرُ النَّبيَّ ﷺ فَاسْتَحَى بَعْدَ ذلِكَ أنْ يَدْنُو مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَبَلَغَ وَلَدَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ مَا كَانَ مِنْ أمْرِ أبيهِ، فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ قَتْلَ عَبْدِاللهِ بْنِ أُبَيٍّ لِمَا بَلَغَكَ عَنْهُ، فَإنْ كُنْتَ فَاعِلاً فَمُرْنِي فَأَنَا أحْمِلْ إلَيْكَ دُأبَتَهُ، وَإنِّي أخْشَى أنْ تَأْمُرَ بهِ غَيْرِي فَيَقْتُلَهُ، فَلاَ تَدَعُنِي نَفْسِي أنْ أنْظُرَ إلَى قَاتِلِهِ يَمْشِي بَيْنَ النَّاسِ، فَأَخَافُ أنْ أقْتُلَهُ فَأَقْتُلَ مُؤْمِناً بكَافِرٍ فَأَدْخُلَ النَّارَ، فَقَالَ ﷺ :" بَلْ تَرْفُقُ بهِ وَتُحْسِنُ صُحْبَتَهُ مَا بَقِيَ مَعَنَا ". وَكَذلِكَ جَاءَ أُسَيدُ بْنُ حُضَيرٍ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ كُنْتَ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يُمْشَى فِيهَا، فَقَالَ لَهُ :" أوَمَا بَلَغَكَ مَا قَالَ صَاحِبُكَ ؟ زَعَمَ أنَّهُ إنْ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذلَّ " فَقَالَ أُسَيْدُ : بَلْ أنْتَ وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ تُخْرِجُهُ إنْ شِئْتَ، هُوَ وَاللهِ الذلِيلُ وَأنْتََ الْعَزِيزُ، فَوَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ لَقَدْ جَاءَ اللهُ بكَ، وَإنَّ قَوْمَهُ لَيَنْظُمُونَ لَهُ الْخَرَزَ لِيُتوِّجُوهُ، فَهُوَ يَرَى أنَّكَ سَلَبْتَهُ مُلْكَهُ. ثم سارَ رسولُ الله ﷺ حتى وافَى المدينةَ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لاَ تُنفِقُواْ عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّواْ﴾ الآية إلى قولهِ :﴿وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَـاكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَفْقَهُونَ * يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ ؛ فَأَخَذ رَسُولُ اللهِ ﷺ بأُذُنٍ زَيْدٍ فَقَالَ :" يَا زَيْدُ إنَّ اللهَ صَدَّقَكَ ". وَكَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أُبَيٍّ بقُرْب الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أرَادَ أنْ يَدْخُلَهَا جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُاللهِ حَتَّى أنَاخَ عَلَى مَجَامِعِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَمَنَعَ أبَاهُ أنْ يَدْخُلَهَا، فَقَالَ لَهُ : مَا لكَ ؟ قَالَ : وَيْلَكَ! وَاللهِ لاَ تَدْخُلُهَا أبَداً إلاَّ أنْ يَأْذنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلِتَعْلَمَنَّ الْيَوْمَ مَنِ الأَعَزُّ وَمَنِ الأَذلُّ. فَشَكَا عَبْدُاللهِ إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا مَنَعَ ابْنَهُ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ :" أنْ دَعْهُ يَدْخُلُ " فَقَالَ : أمَّا إذا جَاءَ أمْرُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَعَمْ. فَلَبثَ بَعْدَ أنْ دَخَلَ أيَّاماً قَلاَئِلَ ثُمَّ مَرِضَ وَمَاتَ ".

المنافقون 63:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ؛ أي لا تَشغَلكُم أموالُكم ولا أولادكم عن ذكرَ اللهِ، يعني الصَّلاةَ المفروضةَ، والمعنى : لا تشغَلكُم أموالكم وحفظُها وتنميتها، ولا تربيةُ الأولادِ وإصلاحُ حالهم عن طاعةِ الله وعن الصَّلاة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ؛ أي ومَن ينشغِلْ بالمالِ والأولاد عن طاعةِ الله فأُولئك هم الْمَغْبُونُونَ لذهاب الدُّنيا والآخرة عنهم، وهلاكِ أنفُسهم التي هي رأسُ مالهم.

المنافقون 63:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ ؛ معناهُ : وأنفِقُوا الأموالَ في الزَّكاة والجهادِ وغيرهما من الحقوقِ الواجبة من قبلِ أن يأتِيَ أحدَكم الموتُ فيعلم أنه ميِّت، ﴿فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ ؛ في الدُّنيا ؛ أي يتمَنَّى القليلَ من التأخيرِ ليتصَدَّق به ويكون من الصَّالِحين بالتلاقِي والتوبةِ واستئناف العملِ الصالح، ولاَ ينفعهُ تَمَنِّيهِ عند ذلك، والمعنى : إنه يستزيدُ في أجَلهِ حتى يتصدَّقَ ويُزَكِّي. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ ؛ قِِيْلَ : إنَّ معناه وأحجُّ، عن ابنِ عبَّاس. وقوله :﴿وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ على قراءةِ مَن جزمَ عطفَهُ على موضعِ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه على معنى إنْ أخرَجتَني أصَّدَّقُ وأكُنْ، ولولا الفاءُ لكان فأَصَّدَّقْ مجزومٌ، ومن قرأ (وَأكُونُ) فهو عطفٌ على لفظ ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾. وانتصبَ قوله تعالى ﴿فَأَصَّدَّقَ﴾ لأنه جوابُ التَّمنِّي، فالفاءُ وأصله : فَأَتَصَدَّقَ.

المنافقون 63:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَآءَ أَجَلُهَآ﴾ ؛ أي لا يُؤخِّرها عن الموتِ إذا جاء وقتُ إهلاكها، ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ؛ من الخيرِ والشرِّ، وبمن أخَّرَ في أجله أنه يتوبُ أو لا يتوبُ.

التغابن 64:1

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقوله :﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ؛ أي له الْمُلْكُ الدائمُ الذي لا يزولُ، وله الحمدُ في السَّمواتِ والأرض، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من أمُور الدُّنيا والآخرةِ، ﴿قَدِيرٌ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

التغابن 64:2

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ؛ قد تقدَّمَ تفسيرهُ، وقوله :﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ؛ أي له الْمُلْكُ الدائمُ الذي لا يزولُ، وله الحمدُ في السَّمواتِ والأرض، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ ؛ من أمُور الدُّنيا والآخرةِ، ﴿قَدِيرٌ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

التغابن 64:3

وقولهُ تعالى :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ؛ أي صوَّرَكم في أرحامِ الأُمَّهات، فجعلَ صُورَكم أحسنَ من صُور سائرِ الحيوانات، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ، وباقي الآيتين، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

التغابن 64:4

وقولهُ تعالى :﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ ؛ أي صوَّرَكم في أرحامِ الأُمَّهات، فجعلَ صُورَكم أحسنَ من صُور سائرِ الحيوانات، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ ؛ في الآخرةِ، وباقي الآيتين، ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

التغابن 64:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي ألَمْ يأتِكُم خبَرُ الذين كفَرُوا من قبلِكم من الأُمم الخاليةِ كيف أذاقَهم اللهُ عقوبةَ تكذيبهم في الدُّنيا ولَهم في الآخرةِ عذابٌ جميعُ، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ العذاب، ﴿بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالمعجزات، ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ؛ فقالوا آدَمِيٌّ مِثلُنا يَدعُونا إلى خلافِ دينِ آبائنا، ﴿فَكَفَرُواْ﴾ ؛ بالكتُب والرُّسل وأعرَضُوا عن القبولِ منهم، ﴿وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ ؛ عن إيمانِهم وطاعتهم، ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ ؛ عن أفعالِ العباد، ﴿حَمِيدٌ﴾ ؛ في إنعامهِ عليهم. ومعنى قولهِ ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أصلُ الْوَبَالِ مِنَ الثُّقْلِ، يقالُ : أمرٌ وَبيلٌ ؛ أي ثقيلٌ، يسمى جزاءُ المعصية وَبَالاً لِثِقَلِهِ.

التغابن 64:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؛ أي ألَمْ يأتِكُم خبَرُ الذين كفَرُوا من قبلِكم من الأُمم الخاليةِ كيف أذاقَهم اللهُ عقوبةَ تكذيبهم في الدُّنيا ولَهم في الآخرةِ عذابٌ جميعُ، ﴿ذَلِكَ﴾ ؛ العذاب، ﴿بِأَنَّهُ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ؛ أي بالمعجزات، ﴿فَقَالُواْ أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ ؛ فقالوا آدَمِيٌّ مِثلُنا يَدعُونا إلى خلافِ دينِ آبائنا، ﴿فَكَفَرُواْ﴾ ؛ بالكتُب والرُّسل وأعرَضُوا عن القبولِ منهم، ﴿وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ ؛ عن إيمانِهم وطاعتهم، ﴿وَاللَّهُ غَنِيٌّ﴾ ؛ عن أفعالِ العباد، ﴿حَمِيدٌ﴾ ؛ في إنعامهِ عليهم. ومعنى قولهِ ﴿وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ أصلُ الْوَبَالِ مِنَ الثُّقْلِ، يقالُ : أمرٌ وَبيلٌ ؛ أي ثقيلٌ، يسمى جزاءُ المعصية وَبَالاً لِثِقَلِهِ.

التغابن 64:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾ ؛ أي قال كفارُ مكَّة قولاً بالظنِّ غير يقينٍ أنَّهم لا يُبعَثون بعد الموتِ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحمَّدُ :﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ؛ بعدَ الموتِ، ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ ؛ في الدُّنيا ﴿وَذَلِكَ﴾ ؛ الجزاءُ والبعثُ، ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ؛ أي سهلٌ هيِّن، ﴿فَآمِنُواْ﴾ ؛ يا أهلَ مكَّة، ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَالنّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ ؛ يعني القرآنَ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

التغابن 64:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ﴾ ؛ أي قال كفارُ مكَّة قولاً بالظنِّ غير يقينٍ أنَّهم لا يُبعَثون بعد الموتِ، ﴿قُلْ﴾ ؛ لَهم يا مُحمَّدُ :﴿بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ ؛ بعدَ الموتِ، ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ ؛ في الدُّنيا ﴿وَذَلِكَ﴾ ؛ الجزاءُ والبعثُ، ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ؛ أي سهلٌ هيِّن، ﴿فَآمِنُواْ﴾ ؛ يا أهلَ مكَّة، ﴿بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ؛ مُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَالنّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا﴾ ؛ يعني القرآنَ، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.

التغابن 64:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ يُجمَعُ فيه الأوَّلون والآخِرون، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ ؛ يَغْبنُ فيه أهلُ الحقِّ أهلَ الباطلِ، وأهلُ الإيمانِ أهلَ الكفرِ، فلا غُبْنَ أبْيَنُ منه، هؤلاءِ يدخُلون الجنةَ وهؤلاء يدخُلون النارَ. والغُبْنُ : فَوْتُ الحظِّ والمرادِ. وعن رسولِ الله ﷺ قال :" مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلاَّ وَقَدْ رَأى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار لَوْ أسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْراً. وَمَا مِنْ عَبْدٍ كَافِرٍ يَدْخُلُ النَّارَ إلاّ وَقَدْ رَأى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدَادَ حَسْرَةً ". فالْمَغْبُونُ من غُبنَ أهلَهُ ومنازلَهُ من الجنَّةِ، ويظهرُ يومئذ غُبْنُ كلِّ كافرٍ بتركِ الإيمان، وغُبْنُ كلِّ كافرٍ بتقصيرهِ في الأحسن وتضييعهِ الأيامَ. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

التغابن 64:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ؛ يعني يومَ القيامةِ يُجمَعُ فيه الأوَّلون والآخِرون، ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ ؛ يَغْبنُ فيه أهلُ الحقِّ أهلَ الباطلِ، وأهلُ الإيمانِ أهلَ الكفرِ، فلا غُبْنَ أبْيَنُ منه، هؤلاءِ يدخُلون الجنةَ وهؤلاء يدخُلون النارَ. والغُبْنُ : فَوْتُ الحظِّ والمرادِ. وعن رسولِ الله ﷺ قال :" مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إلاَّ وَقَدْ رَأى مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار لَوْ أسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْراً. وَمَا مِنْ عَبْدٍ كَافِرٍ يَدْخُلُ النَّارَ إلاّ وَقَدْ رَأى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أحْسَنَ لِيَزْدَادَ حَسْرَةً ". فالْمَغْبُونُ من غُبنَ أهلَهُ ومنازلَهُ من الجنَّةِ، ويظهرُ يومئذ غُبْنُ كلِّ كافرٍ بتركِ الإيمان، وغُبْنُ كلِّ كافرٍ بتقصيرهِ في الأحسن وتضييعهِ الأيامَ. ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.

التغابن 64:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما أصابَ أحداً في البدنِ والأهل والمالِ إلاّ بعلمِ الله وقضائه، ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ ؛ أي مَن يصدِّقْ بأنَّ المصيبةَ من اللهِ، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، للرِّضا والصبرِ، ويقالُ : يُوَفِّقْهُ للاسترجاعِ. وقرأ السُّلميُّ :(يُهْدَ قَلْبَهُ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِِلُهُ، وقرأ طلحةُ بن مصرِّف بالهمزِ والرفعِ في قوله (يُهْدِئْ قَلْبَهُ) على معنى يُسْكِنُ قلبَهُ. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

التغابن 64:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما أصابَ أحداً في البدنِ والأهل والمالِ إلاّ بعلمِ الله وقضائه، ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ ؛ أي مَن يصدِّقْ بأنَّ المصيبةَ من اللهِ، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، للرِّضا والصبرِ، ويقالُ : يُوَفِّقْهُ للاسترجاعِ. وقرأ السُّلميُّ :(يُهْدَ قَلْبَهُ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِِلُهُ، وقرأ طلحةُ بن مصرِّف بالهمزِ والرفعِ في قوله (يُهْدِئْ قَلْبَهُ) على معنى يُسْكِنُ قلبَهُ. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

التغابن 64:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ؛ أي ما أصابَ أحداً في البدنِ والأهل والمالِ إلاّ بعلمِ الله وقضائه، ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ ؛ أي مَن يصدِّقْ بأنَّ المصيبةَ من اللهِ، ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، للرِّضا والصبرِ، ويقالُ : يُوَفِّقْهُ للاسترجاعِ. وقرأ السُّلميُّ :(يُهْدَ قَلْبَهُ) عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِِلُهُ، وقرأ طلحةُ بن مصرِّف بالهمزِ والرفعِ في قوله (يُهْدِئْ قَلْبَهُ) على معنى يُسْكِنُ قلبَهُ. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ فَإِن تَولَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾.

التغابن 64:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ ؛ وذلك أنَّ الرجُلَ كان لا يستطيعُ أن يهاجرَ مع أزواجهِ وأولاده، وكان إذا أرادَ أن يُهاجر بنفسهِ تعلَّقت به امرأتهُ وأولاده وقالوا له : إلى مَن تدَعُنا ؟ نُنشِدُكَ اللهَ أن تجلِسَ وتدعَ الهجرةَ، فأنزلَ اللهُ هذه الآيةَ بالمدينةِ، ينهَاهُم عن ذلك ويحذِّرُهم طاعةَ الأزواجِ والأولادِ في معصية الله، وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ﴾. ودخول (مِنْ) هنا يدلُّ على أنه ليس جميعُ الأزواجِ والأولاد عدُوّاً، وإنما منهم من يحبُّ هلاكَكُم ليرثَ مالَكم، وأيُّ عدُوٍّ أعدَى ممن يحبُّ موتَكَ لمنفعةِ نفسه، ومنهم من يحملُوكم على أنْ تَعصُوا اللهَ بأخذِ غيرِ الواجب، ويمنعُ الواجبَ لمنفعةٍ ترجعُ إليهم، ومعنى قولهِ تعالى ﴿فَاحْذَرُوهُمْ﴾ أي فاحذرُوا أن تُطِيعُوهم وتدَعُوا الهجرةَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وذلك أنَّ الرجُلَ كان إذا أرادَ الجهادَ والهجرة عرضَ على امرأتهِ وقَرائِبه إذا أبَوا عليه أقسَمَ أنْ لا يُنفِقَ عليهم، فإذا عادَ كفَّ عن النفقةِ ليَمِينهِ، فقيل لَهم :﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ﴾ أي وإنْ تَعفُوا عنهم وتُجاوزُوا عن صَدِّهم إياكم، وتَغفِرُوا ذُنوبَهم بعدَ ما رجَعتُم وبعدَ ما اجتَمَعتُم في دار الهجرة، ولم تُكافِؤُوهم عن سوءِ ما فَعلوهُ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ يغفرُ لَكم كذلكَ كثيراً من ذُنوبكم. وَقِيْلَ : معنى الآية : إنَّ الرجل من هؤلاءِ إذا رأى الناسَ قد سبَقوهُ إلى الهجرةِ وتفَقَّهوا في الدِّين همَّ أن يُعاقِبَ زوجتَهُ وأولادَهُ الذين يُبطِئونَهُ عن الهجرةِ، وإنْ لَحِقُوا به في الهجرةِ لم يُنفِقْ عليهم، فأنزلَ اللهُ تعالى ﴿وَإِن تَعْفُواْ وَتَصْفَحُواْ وَتَغْفِرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.

التغابن 64:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ؛ أي بلاءٌ وشُغْلٌ عن الآخرةِ، والإنسانُ بسبب المال والولدِ يقعُ في العظائمِ ويتناولُ الحرامَ إلاَّ مَن عصمَهُ اللهُ، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ إنْ لم يشغَلهُ مالهُ وولدهُ عن طاعةِ الله. وعن بُرَيدَةَ قال :" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثِرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ :" صَدَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نَظَرْتُ إلَى هَذيْنِ الصَّبيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثرَانِ، فَلَمْ أصْبرْ عَنْهُمَا حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا " ثُمَّ أخَذ رََسُولُ اللهِ ﷺ فِي خُطْبَتِهِ ".

التغابن 64:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ؛ أي اتَّقُوا اللهَ جُهدَكم وقَدِّروا سَعيَكم باجتناب محارمهِ وأداء فرائضهِ وجميع طاعاتهِ، ﴿وَاسْمَعُواْ﴾ ؛ ما تُؤمَرون به، ﴿وَأَطِيعُواْ﴾ ؛ أمرَ رسولهِ، ﴿وَأَنْفِقُواْ﴾ ؛ مِن أموالِكم في طاعةِ الله يكن ذلك، ﴿خَيْراً لأَنفُسِكُمْ﴾ ؛ لأنَّ نفعَ الآخرةِ أعظمُ، ويقالُ : الخيرُ ها هنا المالُ، كأنَّهُ قال : أنفِقُوا مَالاً من أموالِكم، وهذه الآية نسَخَتْ قولَهُ تعالى :﴿اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾[آل عمران: ١٠٢]. وقولهُ تعالى :﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَـائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ؛ أي من يدفَعْ عنه بُخْلَ نفسهِ فأُولئك هم الْمُزَكُّونَ لطلبتهم. والشُّحُّ الذي في اللغة : منعُ الواجب، ومن الشُّحِّ أن يعمدَ الرجلُ إلى مالِ غيره فيأكلهُ.

التغابن 64:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ تُعطوا في الصَّدقة مالاً عن حُسبَةٍ صادقةٍ من قُلوبكم، يَقْبَلْهُ منكم ويُضاعِفْهُ لكم ويغفِرْ لكم ذُنوبَكم، ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ ؛ يقبَلُ اليسيرَ ويُعطِي الجزيلَ من الثواب، ﴿حَلِيمٌ﴾ ؛ لا يعجِّلُ بالعقوبةِ على من بَخِلَ بالصَّدقة، واستحقَّ العقوبةَ على ذنوبهِ، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ؛ أي يعلمُ ما تُكِنُّهُ صدورُكم مما لا تعلمهُ الْحَفَظَةُ، ويعلمُ كلَّ ما ظهرَ مما سقطَ من ورقةٍ، وما قَطَرَ من قطرِ المطرِ، وهو، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ؛ في مُلكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في أمرهِ وقضائه.

التغابن 64:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تُقْرِضُواْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ؛ معناهُ : إنْ تُعطوا في الصَّدقة مالاً عن حُسبَةٍ صادقةٍ من قُلوبكم، يَقْبَلْهُ منكم ويُضاعِفْهُ لكم ويغفِرْ لكم ذُنوبَكم، ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ﴾ ؛ يقبَلُ اليسيرَ ويُعطِي الجزيلَ من الثواب، ﴿حَلِيمٌ﴾ ؛ لا يعجِّلُ بالعقوبةِ على من بَخِلَ بالصَّدقة، واستحقَّ العقوبةَ على ذنوبهِ، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ؛ أي يعلمُ ما تُكِنُّهُ صدورُكم مما لا تعلمهُ الْحَفَظَةُ، ويعلمُ كلَّ ما ظهرَ مما سقطَ من ورقةٍ، وما قَطَرَ من قطرِ المطرِ، وهو، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ؛ في مُلكه وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في أمرهِ وقضائه.

الطلاق 65:1

﴿ياأيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ ؛ الخطابُ للنبيِّ ﷺ والمؤمنون داخِلُون فيهِ ؛ لأن خطابَ الرئيسِ خطابٌ للأَتباعِ، خُصوصاً إذا كانوا مأْمُورين بالاقتداءِ به، والمعنى : يا أيُّها النبيُّ إذا أردتَ أنتَ وأُمَّتُكَ الطلاقَ، فطَلِّقوا النساءَ لعِدَّتِهِنَّ، وهذا كقوله تعالى﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾[المائدة: ٦] أي أرَدتُم القيامَ. والطلاقُ للعدَّةِ هو أن يطلِّقَها في طُهرٍ لم يَمسَّها فيه، لما رُوي " أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الطَّلاَقِ :" طَلِّقْهَا طَاهِراً مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ، أوْ حَامِلاً قَدِ اسْتَبَانَ حَمْلُهَا " ويقالُ في معنى الطَّلاقِ للعدَّة : أن يُفرِّقَ الطلاقَ الثلاثَ على أطْهَار العدَّةِ، فيطلِّقُها في كلِّ طُهرٍ لم يمسَّها فيه تطليقةً. والطلاق السُّني : أن يُطلِّقَها في طُهرٍ لم يُجامِعها فيه، فقد رُوي :" أنَّ عَبْدَاللهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا طَلَّقَ امْرَأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ وَتَحِيضَ عِنْدَهُ حَيْضَةً أُخْرَى، ثُمَّ تَطْهُرَ مِنْ حَيْضَتِهَا، فَإذا أرَادَ أنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا حِينَ تَطْهُرُ قَبْلَ أنْ يُجَامِعْهَا " فتلكَ العدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تطلَّقَ لها النساءُ. والطلاقُ البْدِعْيُّ : أن يقعَ في حال الحيضِ، أو في طُهرٍ قد جامَعها فيه، وهو واقعٌ وصاحبهُ آثِمٌ، ورُوي :" أنَّ ابْنَ عُمَرَ طَلَّقَ امْرأتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذكَرَ عُمَرُ ذلِكَ لِلنِّبيِّ ﷺ فَقَالَ :" مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، فَإذا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إنْ شَاءَ " قُلْتُ : وَيَحْتَسِبُ لَهَا ؟ قَالَ :" فَمَهْ ؟ " ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَحْصُواْ الْعِدَّةَ﴾ ؛ إنما أمرَ بإحصاءِ العدَّة لتوزيعِ الطَّلاق على الأطهار، والمعنى بذلكَ : أحصُوا عدَّةَ المطلَّقات لِمَا تُريدون من رجعةٍ أو تسريح، فإذا حاضَتِ المعتدَّةُ حيضةً وطَهُرت، فأرادَ الزوجُ أن يطلِّقَها ثانيةً قبلَ أن تحيضَ، فإذا حاضَتْ وطَهُرت طلَّقَها أُخرى إنْ شاءَ، فتَبينُ الثلاثُ وقد بقي من عدَّتِها حيضةٌ. قَوْلُه تَعَالَى :﴿وَاتَّقُواْ اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ؛ أي أتَّقوهُ في النِّساء إذا طلَّقتمُوهن واحدةً أو اثنتينِ أو ثلاثاً، ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ ؛ التي طلَّقتُموهن فيها، وهي بيوتُ أزواجِهن، والمعنى : اتَّقوا اللهَ فلا تَعْصُوهُ فيما أمَرَكم به، فلا يجوزُ للزوجِ أن يُخرجَ المطلَّقة المتعدَّة من مَسْكَنِهِ الذي كان يُساكنها فيه قبلَ الطَّلاق. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ ؛ أي ولا يَخرُجْنَ من قِبَلِ أنفُسِهن حتى تنقضي عدَّتُهن، ولهذا لا يباحُ لها السفرُ في العدَّة، ولا يباحُ لها التزوُّج وإنْ أذِنَ لها الزوجُ. وأما المنكُوحة فيجوزُ لها الخروج من المنْزِل بإذنِ الزوج. قوله تعالى :﴿إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ أي لا يَخرُجن إلاَّ أن يكون خروجُهن معصيةً، وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : إلاَّ أنْ يَزْنِينَ فَيَظْهَرُ ذلِكَ الزِّنَا عَلَيْهَا بشَهَادَةِ أرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ، فَيَخْرُجْنَ لإقَامَةِ الْحُدُودِ).

الطلاق 65:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ معناهُ : إذا قَارَبْنَ انقضاءَ عدَّتِهن فراجِعُوهن بحُسْنِ الصُّحبة قبلَ أن يَغتسِلْنَ من الحيضةِ الثالثة، أو يترُكوا معراجعتَهن بإيفاءِ المهرِ ونفقة العدَّة حتى تنقضِي عدَّتُهن، ولا يجوزُ أن يكون المرادُ بهذه الآية حقيقةُ بلوغِ الأجلِ لأنه لا رجعةَ بعد بلُوغِ الأجلِ الذي هو انقضاءُ العدَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ؛ أي أشهِدُوا على الطَّلقة والرجعةِ ذوَى عدلٍ منكم من المسلمين، وهذا أمرُ استحبابٍ احتياطاً من التجاحُدِ، كي لا يجحدَ الزوجُ الطلاقَ، ولا تجحدُ المرأةُ بعد مُضِيِّ العدَّة الرجعةَ. ثم قال للشُّهود :﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ أي ذلك الذي ذُكِرَ لكم من الأمرِ والنهي والطَّلاق والرجعةِ وإقامةِ الشَّهادة، يوعَظُ به مَن كان يؤمنُ باللهِ، ويصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ ؛ لأنَّهم همُ الذين ينتفعون بالوعظِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ؛ أي ومن يتَّقِ اللهَ بامتثالِ أوامره واجتناب نواهيه يجعَلْ له مَخْرجاً من المعصيةِ إلى الطاعةِ، ويقالُ : من الحرامِ والشُّبهات إلى الحلالِ. وَقِيْلَ : يجعَلْ له مَخرجاً من شُبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائدِ يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ ؛ في الآخرةِ من نعيم الجنَّة، ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ؛ ويقالُ : يرزقه في الدنيا من حيث لا يأمَلُ، وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" مَنْ أكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَار جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ؛ أي من يُفَوِّضْ أُمورَهُ إلى اللهِ عالِماً واثقاً بحُسنِ تقديرهِ وتدبيره فهو كَافِيه، لا يحتاجُ إلى غيرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ ؛ أي مُنَفِّذُ أمرهِ ممضي إرادتهِ، لا يُمنَعُ عمَّا يريدُ، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ؛ من أحكامه مِقداراً وأجَلاً معلوماً فلا عذر للعبد في تقصيرٍ يقعُ منه.

الطلاق 65:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ معناهُ : إذا قَارَبْنَ انقضاءَ عدَّتِهن فراجِعُوهن بحُسْنِ الصُّحبة قبلَ أن يَغتسِلْنَ من الحيضةِ الثالثة، أو يترُكوا معراجعتَهن بإيفاءِ المهرِ ونفقة العدَّة حتى تنقضِي عدَّتُهن، ولا يجوزُ أن يكون المرادُ بهذه الآية حقيقةُ بلوغِ الأجلِ لأنه لا رجعةَ بعد بلُوغِ الأجلِ الذي هو انقضاءُ العدَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ ؛ أي أشهِدُوا على الطَّلقة والرجعةِ ذوَى عدلٍ منكم من المسلمين، وهذا أمرُ استحبابٍ احتياطاً من التجاحُدِ، كي لا يجحدَ الزوجُ الطلاقَ، ولا تجحدُ المرأةُ بعد مُضِيِّ العدَّة الرجعةَ. ثم قال للشُّهود :﴿وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ ؛ أي ذلك الذي ذُكِرَ لكم من الأمرِ والنهي والطَّلاق والرجعةِ وإقامةِ الشَّهادة، يوعَظُ به مَن كان يؤمنُ باللهِ، ويصدِّقُ بالبعثِ بعدَ الموتِ ؛ لأنَّهم همُ الذين ينتفعون بالوعظِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً﴾ ؛ أي ومن يتَّقِ اللهَ بامتثالِ أوامره واجتناب نواهيه يجعَلْ له مَخْرجاً من المعصيةِ إلى الطاعةِ، ويقالُ : من الحرامِ والشُّبهات إلى الحلالِ. وَقِيْلَ : يجعَلْ له مَخرجاً من شُبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن شدائدِ يوم القيامة، ﴿وَيَرْزُقْهُ﴾ ؛ في الآخرةِ من نعيم الجنَّة، ﴿مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ؛ ويقالُ : يرزقه في الدنيا من حيث لا يأمَلُ، وعن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال :" مَنْ أكْثَرَ مِنَ الاسْتِغْفَار جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجاً، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجاً ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ؛ أي من يُفَوِّضْ أُمورَهُ إلى اللهِ عالِماً واثقاً بحُسنِ تقديرهِ وتدبيره فهو كَافِيه، لا يحتاجُ إلى غيرهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ ؛ أي مُنَفِّذُ أمرهِ ممضي إرادتهِ، لا يُمنَعُ عمَّا يريدُ، ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ ؛ من أحكامه مِقداراً وأجَلاً معلوماً فلا عذر للعبد في تقصيرٍ يقعُ منه.

الطلاق 65:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ؛ " وذلك أنَّهُ لَمَّا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عِدَّةَ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ : أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ نَاساً يَقُولُونَ : قَدْ بَقِيَ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيْهِ شَيْءٌ ؟ قَالَ :" وَمَنْ هُمْ ؟ " قَالَ : الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَذوَاتُ الْحَمْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ لكبرهِنَّ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي إن شكَكتُم في عدَّتِهن، ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إذا طُلِّقن بعدَ الدُّخول ﴿ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾. وقولهُ تعالى :﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ معناهُ : واللاَّتي في حالِ الصِّغَرِ هنَّ بمنْزِلة الكبيرةِ التي قد يَئِست، عدَّتُهن ثلاثةُ أشهر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ؛ معناهُ : وذواتُ الأحمالِ عدَّتُهن تنقضِي بوضعِ ما في بُطونِهن من الحملِ، مطلقةً كانت الحاملُ أو مُتَوفَّى عنها زوجُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ؛ أي من يَخْشَ اللهَ ويَمتَثِلْ أوامرَهُ ويجتنِبْ نواهيَهُ يُيَسِّرْ عليه أمرَهُ ويُوفِّقه للعبادةِ، ويسهِّلُ عليه أمرَ الدنيا والآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ أي ذلك الحكمُ الذي قد سبقَ حكمُ اللهِ في الطَّلاق والعدَّة والرجعةِ أنزَلَهُ إليكم، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بطاعتهِ وترك معصيتهِ، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ؛ أي يَسْتُرْ ذُنوبَهُ عنه ويدفعُ عنه عقابَها ويُعطيه على ذلك ثَواباً حَسناً في الجنَّة.

الطلاق 65:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ؛ " وذلك أنَّهُ لَمَّا أنْزَلَ اللهُ تَعَالَى عِدَّةَ الْمُطَلَّقَاتِ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ، قَالَ : أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ : يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ نَاساً يَقُولُونَ : قَدْ بَقِيَ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِيْهِ شَيْءٌ ؟ قَالَ :" وَمَنْ هُمْ ؟ " قَالَ : الصِّغَارُ وَالْكِبَارُ وَذوَاتُ الْحَمْلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ " ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ لكبرهِنَّ ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي إن شكَكتُم في عدَّتِهن، ﴿فَعِدَّتُهُنَّ﴾ إذا طُلِّقن بعدَ الدُّخول ﴿ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾. وقولهُ تعالى :﴿وَاللاَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ معناهُ : واللاَّتي في حالِ الصِّغَرِ هنَّ بمنْزِلة الكبيرةِ التي قد يَئِست، عدَّتُهن ثلاثةُ أشهر. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ؛ معناهُ : وذواتُ الأحمالِ عدَّتُهن تنقضِي بوضعِ ما في بُطونِهن من الحملِ، مطلقةً كانت الحاملُ أو مُتَوفَّى عنها زوجُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ ؛ أي من يَخْشَ اللهَ ويَمتَثِلْ أوامرَهُ ويجتنِبْ نواهيَهُ يُيَسِّرْ عليه أمرَهُ ويُوفِّقه للعبادةِ، ويسهِّلُ عليه أمرَ الدنيا والآخرة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ أي ذلك الحكمُ الذي قد سبقَ حكمُ اللهِ في الطَّلاق والعدَّة والرجعةِ أنزَلَهُ إليكم، ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بطاعتهِ وترك معصيتهِ، ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ ؛ أي يَسْتُرْ ذُنوبَهُ عنه ويدفعُ عنه عقابَها ويُعطيه على ذلك ثَواباً حَسناً في الجنَّة.

الطلاق 65:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ أي أسكِنُوا المطلَّقات حيث سَكنتُم من البيوتِ التي تَجِدُونَ أن تُسكِنُوهنَّ فيها على قدر سِعَتِكُمْ وطاقتِكُم، فإنْ كان مُوسِراً أوسعَ عليها في المسكنِ والنفقة، وإنْ كان فقيراً فعلى قدر ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ﴾ ؛ أي لا تُضَارُّوهُنَّ في المسكنِ ولا في أمرِ النفقة، ﴿لِتُضَيِّقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ ؛ يعني أعطوهُنَّ في المسكنِ ما يكفيهِنَّ لجلوسهن وطهارتِهن، ومن النفقةِ ما يكون كَفَافاً لهن بالمعروفِ، وهذا عامٌّ في الْمَبْتُوتَةِ والرجعيَّة. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن كُنَّ أُوْلاَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ؛ يعني تجبُ نفقة الحاملِ إلى أن تضعَ، سواءٌ طالت مدَّة الحملِ أم قصُرت، لأن عدَّتها تنقضِي بوضعهِ، فلها النفقةُ إلى أن تضعَ حَملها. ولا نفقةَ للمتوفَّى عنها زوجُها لأنَّ قولَهُ تعالى ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وقولَهُ تعالى ﴿فَأَنفِقُواْ عَلَيْهِنَّ﴾ خطابٌ للأزواجِ وقد زالَ عنهم الخطابُ بالموتِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ ؛ يعني بعدَ وضعِ الحملِ إذا أرضعنَ لكم أولادَكم فأعطُوهنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ، وهذا دليلٌ بأن الأُمَّ أولى بإرضاعِ الولدِ بأُجرة المثلِ، وأولى بالحضانةِ من كلِّ أحدٍ، وفيه دليلٌ أنَّ الأُجرة لا تُستحَقُّ بالعقدِ، وإنما تستحَقُّ بالفراغِ من العملِ ؛ لأنَّ الله تعالى أوجبَها بعدَ الرضاعِ. وقولهُ تعالى :﴿وَأْتَمِرُواْ بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ ؛ أمرَ الرجلَ والمرأة أن يأْتَمروا في الولدِ بالمعروفِ، وهو أن يُنفق الرجلُ بنفقةِ الرَّضاع من غيرِ تَقتيرٍ ولا إسرَافٍ، أو تقومَ المرأةُ على ولدها في إرضاعهِ وتتعهَّدهُ من غير تقصيرٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ ؛ معناهُ : وإن تضايَقتم وتَمانعتم فأبَتِ الأُم أنْ تُرضِعَ الولدَ، أو طَلبت على ذلك أكثرَ من أُجرة المثلِ، وأبَى الأبُ أن يعطِيَها ما طَلبت، فَلْيَطْلُب الأبُ للولدِ مرضعةً غير الأُم، إلاَّ أنه يجب أن يكون في بيتِ الأُم لأَنَّ الأُمَّ أحقُّ بإمساكِ الولد.

الطلاق 65:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ ؛ أي لِيُنفق غَنِيٌّ على نسائهِ وأولادهِ على قدر غناهُ، ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّآ آتَاهُ اللَّهُ﴾ ؛ معناهُ : ومن ضُيِّقَ عليه رزقهُ فليُنفِقْ مما أعطاهُ الله من المالِ، ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَآ آتَاهَا﴾ ؛ من الرِّزقِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ ؛ فيه تسليةٌ للصحابةِ، فإن أكثرَهم كانوا فُقراء، فوعَدَهم اللهُ اليُسْرَ بعدَ العُسْرِ، ففتحَ اللهُ عليهم بعدَ ذلك وجعلَ يُسراً بعد عُسرٍ. ويستدلُّ من هذه الآيةِ على أنَّ الواصِي يأمرُ المرأةَ أن تَستَدِينَ على زوجِها المعسرِ مقدارَ ما تستحقُّ عليه من النفقةِ، لأن الْمُعسِرَ يُرجَى له اليُسْرُ.

الطلاق 65:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَأِيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ﴾ ؛ أي وكم مِن أهلِ بَلدَةٍ عَتَوا من أمرِ ربهم ورُسلهِ ؛ أي جاوَزُوا الحدَّ في المعصيةِ، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ ؛ فجازَيناهم في الآخرةِ جَزاءً شديداً على كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، ﴿وَعَذَّبْنَاهَا﴾ ؛ وعذبنَاهُم في الدنيا، ﴿عَذَاباً نُّكْراً﴾ ؛ أي عَذاباً خَارجاً عن العادةِ لم يَعهَدُوا مثلَهُ.

الطلاق 65:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ ؛ أي فذاقُوا جزاءَ كُفرِهم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ ؛ أي هلاكَ النُّفوس وهي رأسُ أموالهم، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ يعني الذي نزَلَ بهم في الدُّنيا، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي يا أُولي العقُولِ لا تَسِيرُوا بسَيرِهم فينْزِلُ بكم ما نزلَ بهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ نعتُ أُولِي الألباب، وقولهُ تعالى ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ أي أنزلَ إليكم كِتَاباً آتاهُ رسُولاً ليؤدِّيَهُ إليكم. وَقِيْلَ : معناهُ : قد أنزلَ الله إليكم قُرآناً وأرسلَ رَسُولاً، ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ؛ يعني الرسولَ، ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾. وقولهُ تعالى :﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ يعني الجنَّةَ التي لا ينقطعُ نَعِيمُها.

الطلاق 65:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ ؛ أي فذاقُوا جزاءَ كُفرِهم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ ؛ أي هلاكَ النُّفوس وهي رأسُ أموالهم، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ يعني الذي نزَلَ بهم في الدُّنيا، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي يا أُولي العقُولِ لا تَسِيرُوا بسَيرِهم فينْزِلُ بكم ما نزلَ بهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ نعتُ أُولِي الألباب، وقولهُ تعالى ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ أي أنزلَ إليكم كِتَاباً آتاهُ رسُولاً ليؤدِّيَهُ إليكم. وَقِيْلَ : معناهُ : قد أنزلَ الله إليكم قُرآناً وأرسلَ رَسُولاً، ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ؛ يعني الرسولَ، ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾. وقولهُ تعالى :﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ يعني الجنَّةَ التي لا ينقطعُ نَعِيمُها.

الطلاق 65:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا﴾ ؛ أي فذاقُوا جزاءَ كُفرِهم، ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْراً﴾ ؛ أي هلاكَ النُّفوس وهي رأسُ أموالهم، ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿عَذَاباً شَدِيداً﴾ ؛ يعني الذي نزَلَ بهم في الدُّنيا، ﴿فَاتَّقُواْ اللَّهَ ياأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ؛ أي يا أُولي العقُولِ لا تَسِيرُوا بسَيرِهم فينْزِلُ بكم ما نزلَ بهم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِينَ آمَنُواْ قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ نعتُ أُولِي الألباب، وقولهُ تعالى ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَّسُولاً﴾ أي أنزلَ إليكم كِتَاباً آتاهُ رسُولاً ليؤدِّيَهُ إليكم. وَقِيْلَ : معناهُ : قد أنزلَ الله إليكم قُرآناً وأرسلَ رَسُولاً، ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ﴾ ؛ يعني الرسولَ، ﴿لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾. وقولهُ تعالى :﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقاً﴾ يعني الجنَّةَ التي لا ينقطعُ نَعِيمُها.

الطلاق 65:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ؛ أي سبعَ أرضِين أيضاً، وليس في القرآنِ آية تدلُّ على أن الأَرضِين سبعٌ غيرُ هذهِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾، أي تنْزِلُ الملائكةُ بالتدبيرِ من اللهِ تعالى، ومن سماءٍ إلى سماءٍ، ومن السَّماء الى الأرضِ بحياةِ بعضٍ وموت بعض، وغِنَى بعضٍِ وفَقْرِ بعضٍ، وسلامةِ هذا وهلاكِ هذا، ﴿لِّتَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ؛ فلا يخفَى عليه شيءٌ.

التحريم 66:1

﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ؛ " وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَسَّمَ الأَيَامَ بَيْنَ نِسَائِهِ وَكَانَ لَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، وَكَانَ لِكُلِّ امْرَأةٍ مِنْهُنَّ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، ثُمَّ إنَّ حَفْصَةَ زَارَاتْ أبَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ ذلِكَ الْيَوْمُ لِعَائِشَةَ، فَدَخَلَ النَّبيُّ ﷺ ذلِكَ الْيَوْمَ بَيْتَ حَفْصَةَ فَوَجَدَ فِيْهِ جَاريَتَهُ مَاريَّةُ فَأَخْلاَ بهَا، فَلَمَّا رَجَعَتْ حَفْصَةُ إلَى مَنْزلِهَا، وَقَفَتْ حَفْصَةُ عَلَى ذلِكَ الْبَاب فَلَمْ تَدْخُلْ حَتَّى خَرَجَتْ مَاريَّةُ، ثُمَّ دَخَلَتْ فَقَالَتْ لِلنَّبيِّ ﷺ : إنِّي قَدْ رَأيْتُ مَنْ كَانَ مَعَكَ فِي الْبَيْتِ، فَلَمَّا رَأى النَّبيُّ ﷺ الْغَيْرَةَ وَالْكَآبَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ :" اكْتُمِي عَلَيَّ، وَلاَ تُخْبرِي عَائِشَةَ بذلِكَ " ثُمَّ قَالَ :" هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ " يَعْنِي مَاريَّةَ، فَأَخْبَرَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ وَكَانَتَا مُتَصَافِيَتَيْنِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَأَخْبَرَ النَّبيَّ بذلِكَ، فَدَعَا النَّبيُّ ﷺ حَفْصَةَ وَقَالَ لَهَا :" مَا الَّذِي حَمَلَكَ عَلَى ذلِكَ ؟ " قَالَتْ : وَمَنِ الَّذِي أخْبَرَكَ ؟ قَالَ :" أخْبَرَنِي الْعَلِيمُ الْخَبيرُ ". فَغَضِبَ النَّبيُّ ﷺ عَلَى حَفْصَةَ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً وَاعْتَزَلَ نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَمَكَثَ سَبْعاً وَعِشْرِينَ لَيْلَةً يَنْتَظِرُ مَا يَنْزِلُ فِيْهنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ هذهِ الآياتِ. ومعناها : يا أيُّها النبيُّ لِمَ تحرِّمُ ما أحَلَّ اللهُ لكَ، ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ ؛ طالباً رضَى أزواجِكَ، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ ؛ لِمَا كان منكَ من التحريمِ، ﴿رَّحِيمٌ﴾ ؛ بكَ حيث رخَّصَ لك الخروجَ منه بالكفَّارة، فأعتقَ رسولُ الله ﷺ رقبةً وعادَ إلى ماريَّة ". ورُوي :" أنَّ حَفْصَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا اسْتَأْذنَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي زيَارَةِ أبيهَا فِي يَوْمِهَا، فَأَذِنَ لَهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي بَيْتِهَا، فَمَضَتْ، فَأَرْسَلَ النَّبيُّ ﷺ إلَى جَارِيَتِهِ مَاريَّةَ الْقِبْطِيَّةَ فَأَدْخَلَهَا فِي حِضْنِهِ، وَكَانَ ذلِكَ فِي يَوْمِ حَفْصَةَ، فَلَمَّا رَجَعَتْ حَفْصَةُ وَجَدَتْ بَابَ بَيْتِهَا مُغْلَقاً، فَجَلَسَتْ عَلَى الْبَاب حَتَّى خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَوَجْهُهُ يَقْطُرُ عَرَقاً وحَفْصَةُ تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا :" مَا يُبْكِيكِ ؟ " قَالَتْ : إنَّمَا أذِنْتَ لِي بالزِّيَارَةِ مِنْ أجْلِ هَذا ؛ أدْخَلْتَ أمَتَكَ بَيْتِي وَوََقَعْتَ عَلَيْهَا فِي يَوْمِي وَعَلَى فِرَاشِي ؟ مَا رَأيْتَ لِي حُرْمَةً وَحَقّاً، مَا قَطُّ صَنَعْتَ هَذا بامْرَأةٍ مِنْ نِسَائِكَ ؟ فَقَالَ ﷺ :" هِيَ جَارِيَتِي فَلاَ أحَلَّهَا اللهُ، اسْكُتِي هِيَ عَلَيَّ حَرَامٌ، ألْتَمِسُ بذلِكَ رضَاكِ، وَلاَ تُخْبرِي بذلِكَ امْرَأةً مِنْهُنَّ، وَهَذِهِ أمَانَةٌ عِنْدَكِ ". ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَامَتْ حَفْصَةُ عَلَى الْجِدَار الَّذِي كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ عَائِشَةَ، فَقَالَتْ لَهَا : ألاَ أبَشِّرُكِ يَا عَائِشَةُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ حَرَّمَ جَاريَتَهُ مَاريَّةَ، وَقَدْ أرَاحَنَا اللهُ مِنْهَا. وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ مُتَصَافِيَتَيْنِ مُتَظَاهِرَِتَيْنِ عَلَى سَائِرِ أزْوَاجِ النَّبيِّ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَأَخْبَرَهُ بذلِكَ، فَغَضِبَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَالَ :" مَا حَمَلَكِ عَلَى ذلِكَ "، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ".

التحريم 66:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ أي وجبَت لكم كفَّارةُ أيمانِكم، ﴿وَاللَّهُ مَوْلاَكُمْ﴾ ؛ أي مُتولٍّ أُمورَكم وهو أولى أن يُؤثِرُوا مَرضَاتَهُ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ ؛ بما فيه صلاحُ خَلقهِ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ؛ في تدبيرِ أمرهِ. وإنَّما سُميت الكفَّارَةُ تَحِلَّةً ؛ لأنَّها تجبُ عند انحلالِ اليمين، قال مقاتلُ :(مَعْنَاهُ : قَدْ بَيَّنَ اللهُ لَكُمْ كَفَّارَةَ أيْمَانِكُمْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَأمَرَ نَبيَّهُ ﷺ أنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، وَيُرَاجِعَ جَاريَتَهُ مَاريَّةَ).

التحريم 66:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً﴾ ؛ يعني إسرارَهُ إلى حفصةَ، فلمَّا أخبرت عائشةَ به أطلَعَ اللهُ نَبيَّهُ عليه السلام على ذلك. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ﴾ ؛ " وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ عِنْدَمَا رَأى الْكَآبَةَ فِي وَجْهِِهَا وَالْغَيْرَةَ أسَرَّ إلَيْهَا شَيْئَيْنِ : تََحْرِيمُ الْجَاريَةِ، وَقَالَ :" أُخْبرُكِ يَا حَفْصَةُ أنَّ أبَاكِ وَأبَا بَكْرٍ سَيَمْلِكَانِ أُمَّتِي بَعْدِي " فلمَّا أظهرَهُ اللهُ عليه أخبرَ حفصةَ بما قالت لعائشةَ من تحريمِ الجاريةِ، وأعرضَ عن ذكرِ خلافة أبي بكرٍ وعمرَ ". وقرأ الحسنُ البصري والكسائي وقتادة (عَرَفَ بَعْضَهُ) بالتخفيفِ أي غَضِبَ على حفصةَ مِن ذلك وجَارَاها فطلَّقَها، من قولِ القائل لِمَن أساءَ إليه : لأَعْرِفَنَّ لكَ ما فعلتَ ؛ أي لأُجازينَّكَ عليه، فجَازَاها رسولُ اللهَ ﷺ بأنْ طلَّقَها، فلما عَلِمَ عمرَُ رضي الله عنه بذلك قالَ : لَوْ كَانَ فِي آلِ الْخَطَّاب خَيْرٌ لَمَا طَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَنَزَلَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبيِّ ﷺ يَقُولُ لَهُ : رَاجِعْهَا فَإنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ، وَهِيَ إحْدَى نِسَائِكَ فِي الْجَنَّةِ، فَرَاجَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قال مقاتلُ :(لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَفْصَةَ، وَإنَّمَا هَمَّ بهِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ وَقَالَ لَهُ : لاَ تُطَلِّقْهَا فَإنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ وَهِيَ مِنْ نِسَائِكَ فِي الْجَنَةِ، فَلَمْ يُطَلِّقْهَا)، وكان سفيانُ الثوريُّ يقول :(مَا اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطٌّ، وَمَا زَالَ التَّغَافُلُ مَنْ فِعْلِ الْكِرَامِ، عَرَّفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَفْصَةَ بَعْضَ مَا فَعَلَتْ، وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ﴾ ؛ أي لَمَّا أخبرَ حفصةَ بما أظهرَهُ اللهُ عليه، ﴿قَالَتْ﴾ ؛ لَهُ :﴿مَنْ أَنبَأَكَ هَـاذَا﴾ ؛ أي من أخبَركَ أنِّي أفشيتُ سِرَّكَ ؟ ﴿قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾.

التحريم 66:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى اللَّهِ﴾ ؛ معناهُ : إنْ تَتُوبَا إلى اللهِ من إظهار الغَيرَةِ وإيذاءِ النبيِّ ﷺ والتعاوُنِ عليه، ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ؛ أي مَالَتْ إلى الإثمِ وعَدَلَتْ عن الحقِّ، وهو أنَّهما أحبَّتا ما كَرِهَ رسولُ الله ﷺ، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾ أي تعَاوَنا عليه بالإيذاءِ وإظهار الغَيْرَةِ عليه من الجاريةِ، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ﴾ ؛ يتولَّى حِفْظَهُ ونَصرَهُ ودفعَ الأذيَّةِ عنهُ، ﴿وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ؛ أبُو بكرٍ وعُمرُ يتولَّيانهِ وينصُرانهِ على مَن عاداهُ، ﴿وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ؛ أعوانهُ وأنصارهُ. وعن ابنِ عبِّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قال :(حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخطَّاب رضي الله عنه قَالَ : لَمَّا اعْتَزَلَ النَّبيُّ ﷺ نِسَاءَهُ، دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأنَا أرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا شَقَّ عَلَيْكَ مِنْ أمْرِ النِّسَاءِ ؟ فَإنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإنَّ اللهَ مَعَكَ وَمَلاَئِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأنَا وَأبُو بَكْرٍ وَالْمَؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأحْمَدُ اللهَ بكَلاَمٍ، إلاَّ رَجَوْتُ أن يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أقُولُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ). وعن ابنِ عبَّاس قالَ :(سَأَلْتُ عُمَرَ رضي الله عنه فَقُلْتُ : يَا أمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأتَانِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَا عَلَى النَّبيِّ ﷺ ؟ قَالَ : عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ). ثُمَّ أخَذ عُمَرُ رضي الله عنه يَسُوقُ الْحَدِيثَ قَالَ :(كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قُوْماً نَغْلِبُ نِسَاءََنَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْماً تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ : فَغَضِبْتُ عَلَى امْرَأتِي فَإذا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فأَنْكَرْتُ أنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ : وَمَا يُنْكَرُ أنْ أُرَاجِعَكَ ؟ فَوَاللهِ إنَّ أزْوَاجَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إلَى اللَّيْلِ. قَالَ : فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ : أتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ؟ قَالَتْ : نَعَمْ، قُلْتُ : وَتَهْجُرُهُ إحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إلَى اللِّيْلِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ، قُلْتُ : أفَتَأْمَنُ إحْدَاكُنَّ أنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَب رَسُولِهِ فإذَا هِيَ هَلَكَتْ؟! لاَ تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ ﷺ وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلاَ يَغُرَّكِ إنْ كَانَتْ جَارَتَكِ هِيَ أوْسَمُ وَأحَبُّ إلَى رَسُولِ اللهِ مِنْكِ) يَعْنِي عائشةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. قرأ أهلُ الكوفة (تَظَاهَرَا عَلَيْهِ) بالتخفيفِ، وقرأ الباقون بالتشديدِ.

التحريم 66:5

وقولهُ تعالى :﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِّنكُنَّ﴾ ؛ هذا إيعادٌ وتخويفٌ لِحَفصةَ وعائشةَ وسائرِ أزواجِ النبيِّ ﷺ، وعدَ النبيَّ ﷺ بخيرٍ منهُنَّ إنْ أحوجنَهُ إلى مفارقتِهن، و ﴿عَسَى﴾ من اللهِ واجبَةٌ، ﴿مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ﴾ ؛ نعتٌ للأزواجِ اللاتِي كان يَبدِّلهُ لو طلَّقَ نساءَهُ، ومعنى ﴿مُسْلِمَاتٍ﴾ أي خاضعاتٍ للهِ بالطاعة، مسلماتٍ لأمرِ الله وقضائه، أي مصدِّقاتٍ مؤمناتٍ بتوحيدِ الله الأَلسُنِ والقلوب، ﴿قَانِتَاتٍ﴾ ؛ أي طائعاتٍ لله والنبيِّ ﷺ، ﴿تَائِبَاتٍ﴾ ؛ أي راجعاتٍ إلى ما يحبُّه اللهُ، ﴿عَابِدَاتٍ﴾ ؛ للهِ متَذلِّلاتٍ لله ولرسولهِ، ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ؛ أي صائماتٍ، ﴿ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ ؛ ظاهرُ المرادِ.

التحريم 66:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ ؛ أي يا أيُّها الذين آمَنُوا ادفَعُوا عن أنفُسِكم وأهلِيكُم ناراً، ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، حطَبُها الناسُ والحجارةُ، يعني حجارةَ الكبريتِ، والمعنى : اعمَلُوا بطاعةِ الله وانتَهُوا عن معصيتهِ، وعلِّموا أولادَكم وأهليكم الاجتنابَ عما تجبُ لهم به النارُ. وعن عمرَ رضي الله عنه :" أنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ نَقِي أنْفُسَنَا، فَكَيْفَ لَنَا بأَهْلِنَا ؟ قَالَ :" تَنْهَوْهُمْ عَمَّا نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ، وَتَأْمُرُوهُمْ بمَا أمَرَكُمُ اللهُ بهِ " ". قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ﴾ ؛ أي على النار ملائكةٌ غِلاَظُ الأخلاقِ شِدَادٌ أقوياءُ الأخذِ والعقوبةِ، يدفعُ الواحدُ منهم في الدفعةِ الواحدة سبعين ألْفاً في جهنَّمَ، لم يخلُقِ الله فيهم شيئاً مِن الرحمةِ، ﴿لاَّ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ﴾ ؛ من تعذيبٍ أهلِها، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ؛ من ذلك، جعلَ اللهُ سُرورَهم في تعذيب المعذبين كما جعلَ سُرورَ المؤمنين في الجنَّة. وجاء في الخبرِ :" أنَّ الْمَلَكَ مِنْهُمْ يَكْسِرُ عِظَامَ الْمُعَذب، فيَقُولُ لَهُ : ألاَ تَرْحَمُنِي ؟ فَيَقُولُ لَهُ : كَيْفَ أرْحَمُكَ وَأرْحَمُ الرَّاحِمِينَ لَمْ يَرْحَمْكَ ".

التحريم 66:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَعْتَذِرُواْ الْيَوْمَ﴾ ؛ أي لا تَعَتذِرُوا اليومَ فيما قدَّمتُم لأنفُسِكم، إنه لا تُقبَلُ منكم الأعذارُ، ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ؛ في الدُّنيا، ولا تُظلَمون بزيادةٍ على ما تستحقُّون من العذاب.

التحريم 66:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً﴾ ؛ قال ابنُ عبَّاس :(التَّوْبَةُ النَّصُوحُ : هِيَ النَّدَمُ بالْقَلْب، وَالاسْتِغْفَارُ باللِّسَانِ، وَالإقْلاَعُ بالْبَدَنِ، وَالإضْمَارُ عَلَى أنْ لا يَعُودَ). " وعن معاذِ بن جبلٍ قالَ : يَا رَسُولَ اللهِ مَا التَّوْبَةُ النَّصُوحُ ؟ قَالَ :" أنْ يَتُوبَ التَّائِبُ ثُمَّ لاَ يَرْجِعُ فِي ذلِكَ، كَمَا لاَ يَعُودُ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ " ". قَالَ ابنُ مسعودٍ :(التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أنْ تُكَفِّرَ كُلَّ سَيِّئَةٍ)، وقال أبو ذرٍّ :(النَّصُوحُ : الصَّادِقَةُ) أي يتُوبوا توبةً صادقةً، يقالُ : نَصحتُه أي صدَّقتُه. وَقِيْلَ : النَّصُوحُ المستقيمةُ الُمُتْقَنَةُ التي لا يلحقُها النقصُ والإبطالُ. وقال الفُضيل :(التَّوْبَةُ النَّصُوحُ : أنْ يَكُونَ الذنْبُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، وَلاَ يَزَالُ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إلَيْهِ)، وقال أبُو بكرٍ الورَّاقُ :(هُوَ أنْ تَضِيقَ الأَرْضُ عَلَيْكَ بَما رَحُبَتْ، وَتَضِيقَ عَلَيْكَ نَفْسُكَ كَتَوْبَةِ الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا). وقال الدقَّاقُ :(هِيَ رَدُّ الْمَظَالِمِ، وَاسْتِحْلاَلُ الْخُصُومِ، وَإدْمَانُ الطَّاعَاتِ). وقال ذو النُّون :(عَلاَمَتُهَا ثَلاَثَةُ أشْيَاءٍ : قِلَّةُ الْكَلاَمِ، وَقِلَّةُ الطَّعَامِ، وَقِلَّةُ الْمَنَامِ). وقال بعضُهم : هي أن يكون لصاحبها دمعٌ مسفوح وقلبٌ من المعاصِي جموحٌ، فإذا كان كذلك فيه توبةٌ نصوحٌ. وقال فتحُ الْمَوْصِليُّ :(عَلاَمَتُهَا ثَلاَثَةٌ : مُخَالَفَةُ الْهَوَى، وَكَثْرَةُ الْبُكَاءِ، وَمُكَابَدَةُ الْجُوعِ وَالظَّمَأ). وقال شقيقُ الْبَلْخِيُّ :(هِيَ أنْ يُكْثِرَ صَاحِبُهَا لِنَفْسِهِ الْمَلاَمَةَ، وَلاَ يُقْلِعُ مِنَ النَّدَامَةِ). وقال الجنيدُ :(هِيَ أنْ يَنْسَى مَا سِوَى اللهِ، وَلاَ يَذْكُرُ إلاَّ اللهَ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ؛ هذا وعدٌ من اللهِ لأنَّ ﴿عَسَى﴾ من الله واجبَةٌ، والصَّلواتُ الخمسُ كفَّاراتٌ لما بينهنَّ ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لاَ يُخْزِى اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ؛ أي يُكرِمُ اللهُ تعالى المؤمنين بهذه الكرامةِ في يومٍ لا يسوءُ اللهُ النبيَّ ولا يُخجِلُهُ وَلا يسوء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ﴾ ؛ والمعنى : لا يُدخِلُهم اللهُ النارَ. وقوله :﴿نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ؛ ليدلهم في الجنَّة، ﴿وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ ؛ يعني نورَ كتابهم الذي يُعطونَهُ بها، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ ؛ أي يقولون ذلك بعدَ ما ذهبَ نورُ المنافقِين، والمعنى : أتْمِمْ لنا نُورَنا على الصِّراطِ إلى أن ندخلَ الجنة، ﴿وَاغْفِرْ لَنَآ﴾ ؛ ما سَلَفَ من ذُنوبنا، ﴿إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ من إتْمَامِ النور والمغفرة، فيجيبُ الله دعاءَهم ويفعلُ ذلك لَهم، فيكون الصِّراطُ على المؤمنين كما بين صنعاءَ والمدينة، يمشِي عليه بعضُهم مثلَ البرقِ، وبعضُهم مثلَ الريحِ، وبعضهم كعَدْو الفرسِ، وبعضهم يمشِي وبعضهم يزحفُ، ويكون على الكافرين كحدِّ السيف مذهبه.

التحريم 66:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ياأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ؛ أي جاهِدِ الكفارَ بالسَّيف، والمنافقين باللِّسان بالزَّجرِ والوعظِ حتى يُسلِمُوا، وسَمَّاهما جِهَاداً لاشتراكِها في بذلِ الجهد، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ ؛ أي على الفَرِيقين بالفعلِ والقول، ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ وبيِّنْ أنَّ مصيرَهم في الآخرةِ إلى النار. وقال الحسنُ :(كَانُوا أكْثَرَ مَنْ كَانَ يُصِيبُ الْحُدُودَ فِي ذلِكَ الزَّمَانِ الْمُنَافِقُونَ، فَأَمَرَ اللهُ أنْ يُغْلِظَ عَلَيْهِمْ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ). وعن ابنِ مسعود قال :(إذا لَمْ تَقْدِرُوا أنْ تُنْكِرُوا عَلَى الْفَاجِرِ - فـ - بوُجُوهٍ مَكْفَهِرَّةٍ).

التحريم 66:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ ؛ أي فخَالفَتاهما في الدِّين، قال ابنُ عباس :(مَا بَغَتِ امْرَأةُ نَبيٍّ قًطُّ، فَأَمَّا خِيَانَةُ امْرَأةِ نُوحٍ، فَإنَّهَا قَالَتْ لِقَوْمِهِ : إنَّهُ مَجْنُونٌ فَلاَ تُصَدِّقُوهُ، وَأمَّا خِيَانَةُ امْرَأةِ لُوطٍ فَإنَّهَا كَانَتْ تَدُلُّ قَوْمَهُ عَلَى أضْيَافِهِ، كَانَ إذا نَزَلَ بلُوطٍ ضَيْفٌ باللَّيْلِ أوْقَدَتِ النَّارَ، وَإذا نَزَلَ بالنَّهَار أدْخَنَتْ لِيَعْلَمَ قَوْمُهُ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ بهِ ضَيْفٌ). وقال الكلبيُّ :(أسَرَّتَا النِّفَاقَ، وَأظْهَرَتَا الإيْمَانَ) ولأنَّ الخيانةَ في الفراشِ لا يجوزُ أن تكون مُرادَةً في هذه الآيةِ ؛ لأنَّها عيبٌ يرجعُ إلى الزوجِ فينَفِرُ الناسُ عنه. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً﴾ ؛ أي لم يَدفَعَا عنهما عذابَ اللهِ، أعلَمَ اللهُ تعالى أنَّ أحداً لا يُجزِي عن أحدٍ شيئاً، وأنَّ الإنسان لا ينجُو إلاّ بعملهِ، وقطعَ الله بهذه الآيةِ طمعَ مَن رَكِبَ المعصيةَ، ورجَا أن ينفعَهُ صلاحُ غيرهِ، وأخبرَ الله تعالى أن معصيةَ غيرهِ لا تضرُّه إذا كان مُطيعاً وهو قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾.

التحريم 66:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾ ؛ وهي آسيَةُ بنتُ مزاحم، كانت قد آمَنت بموسَى عليه السلام، فلمَّا عَلِمَ فرعون بإسلامِها وتَّدَ لها أربعةَ أوتادٍ في يدَيها ورجلَيها، ومدَّها للعذاب وشدَّها على الأرضِ بالأوتادِ، وألقَى على صدرها صخرةً عظيمةً وألقاها في الشمسِ. فكانت الملائكةُ تُظِلُّها بأجنحتِها وأبصَرتِ الجنَّة وهي كذلكَ فقالَتْ :﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾، فاستجابَ اللهُ دعاءَها وألحقَها بالشُّهداء، ولم تجدْ ألَماً من عذاب فرعون لأنَّها قالت :﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ؛ أي الكافرين أهلِ دين فرعون. وليس في هذه الآيةِ أنَّ فرعون قتلَها، وقد اختُلِفَ في ذلك، والأقربُ أنه أجابَ اللهُ دعاءَها فنجَّاها من فرعون وقومهِ. وفي قولهِ تعَالَى في الآيةِ الأُولى ﴿وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ تخويفٌ لحفصةَ وعائشة، كأنه قالَ لعائشةَ وحفصة لا تَكُونا بمنْزِلة امرأةِ نوحٍ ولوط في المعصيةِ، وكُونا بمنْزِلة امرأةِ فرعون ومريمَ.

التحريم 66:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ ؛ عطفَ مريمَ على امرأةِ فرعون، وإحصانُ الفَرْجِ إعفافُهُ وحِفظُهُ عن الحرامِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ ؛ أي في جيب دِرعِها، وذلك أنَّ جبريلَ عليه السلام مدَّ جيبَ درعِها بإصبعهِ، ثم نفخَ في جيبها فحمَلت، وبالكنايةِ عن غير مذكور. وقولهُ تعالى :﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾ ؛ والشرائعِ التي شرَعَها اللهُ في كُتبه المنَزَّلة، وقرأ عيسى الجحدري والحسن (بكَلِمَةِ رَبهَا) على التوحيدِ يعنُونَ عيسَى عليه السلام. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكُتُبِهِ﴾ ؛ أي وصدَّقت بكُتب الله تعالى وهو التوراةُ والإنجيل والفرقانُ وصُحف ابراهيم وموسى وداودَ، وقرأ أبو عمرٍو ويعقوب (وَكُتُبهِ) بالجمعِ، وتفسيرهُ ما ذكرناه، وقرأ الباقون (وَكِتَابهِ) على الواحدِ، والمرادُ به الإنجيل. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ؛ أي من الْمُطِيعِينَ للهِ، وقال عطاءُ :(مِنَ الْمُصَلِّينَ، كَانَتْ تُصَلِّي بَيْنَ الْمَغْرِب وَالْعِشَاءِ) تقديرهُ : وكانت من القَوْمِ القَانتِين، ولم يقُل منَ القانتاتِ ؛ لأنَّ متعبَّدَها كان في المسجدِ مع العُبَّادِ. وعن رسول الله ﷺ أنه قال :" كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمَلْ مِنْ النِّسَاءِ إلاَّ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَآسْيَةُ أمْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وَإنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " وقال ﷺ :" سَيِّدَاتُ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنَّةِ أرْبَعٌ : مَرْيَمُ وَآسْيَةُ وَخَدِيجَةُ وَفَاطِمَةُ ". وعن معاذِ بن جبلٍ قال :" دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى خَدِيجَةَ وَهِيَ تَجُودُ بنَفْسِهَا فَقَالَ :" أتَكْرَهِينَ مَا نَزَلَ بكِ يَا خَدِيجَةُ وَقَدْ جَعَلَ اللهُ فِي الْكَرْهِ خَيْراً كَثِيراً، فَإذا قَدِمْتِ عَلَى ضَرَّاتِكِ فَأَقْرِئيهِنَّ مِنِّي السَّلاَمَ " قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللهِ وَمَنْ هُنَّ ؟ قَالَ :" مَرْيَمُ بْنتُ عِمْرَانَ، وَآسْيَةُ بنْتُ مُزَاحِمٍ، وَكَلِيمَةُ بنْتُ عِمْرَانَ أُخْتِ مُوسَى "، فقَالَتْ : بالرَّفَاهِ وَالْبَنِينِ ".

الملك 67:1

﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ؛ أي تعالَى باستحقاقِ التعظيمِ الذي بيده إعطاءُ الْمُلْكِ وأخذهُ، يؤتِي الْمُلْكَ مَن يشاءُ فيُعِزُّهُ ويَنْزَعُهُ ممن يشاءُ فَيُذِلُّهُ، ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ؛ من الإعزاز والإذلالِ.

الملك 67:2

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ ؛ معناهُ : الذي قدَّرَ الإماتةَ والإحياءَ، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ ؛ فيما بين الإحياءِ والإماتةِ، ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ؛ اللاَّمُ في ليَبلُوَكم متعلَّقٌ بخلقِ الحياة دون خلقِ الموت، لأنَّ الابتلاءَ في الحياةِ، ومعنى ﴿لِيَبْلُوَكُمْ﴾ أي ليُعامِلَكم معاملةَ المختبر، فيُجازيَكم على ما ظهرَ منكم لا على ما يعلمُ منكم، ومعنى ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ أي أحسنُ عَقْلاً وأورَعُ عن محارمِ الله، قال ﷺ :" أتَمُّكُمْ عَقْلاً أشَدُّكُمْ خَوْفاً للهِ، وَأحْسَنُكُمْ نَظَراً فِيْمَا أمَرَ اللهُ بهِ وَنَهَى عَنْهُ ". وقال الحسنُ :(مَعْنَاهُ : لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَأتْرَكُ لَهَا) وارتفعَ ﴿أَيُّكُمْ﴾ على الابتداءِ لأنه بتأْويلِ ألف الاستفهامِ ولا يعملُ فيها ما قبلَها، تقديرهُ : ليَبلُوَكم أنتم أحسنُ عملاً أم غيركم. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ ؛ أي العزيزُ بالنقمةِ لِمَن لا يؤمنُ، الغفورُ لِمَن تابَ وآمَنَ.

الملك 67:3

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ ؛ أي مُطْبَقَةً بعضُها على بعضٍ مثل القُبَّةِ، ﴿مَّا تَرَى﴾ ؛ أيُّها الرَّائي، ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَـانِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، في مخلوقاتِ الرَّحمنِ من تَفَاوُتٍ ؛ أي لا ترَى بعضَها حِكمَةً وبعضَها عَبثاً، ولا ترَى في السَّماء اضطِرَاباً وتبايُناً في الخِلقَةِ، وقال مقاتلُ :(مَا تَرَى ابْنَ آدَمَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ مِنْ عَيْبٍ). وقال قتادةُ :(مَا تَرَى فِيهَا خَلَلاً وَلاَ اخْتِلاَفاً)، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ ؛ أي كرِّر النظرَ هل ترَى في السمَّاء من شُقوقٍ أو صُدوعٍ أو خُروقٍ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ؛ أي إنْ لم تستَدركْ بالمرَّة الأُولى، فرُدَّ البصرَ مرَّة أُخرى مُستقصياً، وردِّدِ البصر مرَّة أُخرى بعدَ مرَّة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً﴾ ؛ صَاغِراً بمنْزِلة الخاسِئ وهو الذليلُ، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ؛ أي كَلِيلٌ منقطعٌ قد أعَيى بمنْزِلة الحسيرِ الذي طلبَ شيئاً فلم يجدْهُ كما يحسِرُ البعيرُ.

الملك 67:4

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً﴾ ؛ أي مُطْبَقَةً بعضُها على بعضٍ مثل القُبَّةِ، ﴿مَّا تَرَى﴾ ؛ أيُّها الرَّائي، ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَـانِ مِن تَفَاوُتٍ﴾، في مخلوقاتِ الرَّحمنِ من تَفَاوُتٍ ؛ أي لا ترَى بعضَها حِكمَةً وبعضَها عَبثاً، ولا ترَى في السَّماء اضطِرَاباً وتبايُناً في الخِلقَةِ، وقال مقاتلُ :(مَا تَرَى ابْنَ آدَمَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ مِنْ عَيْبٍ). وقال قتادةُ :(مَا تَرَى فِيهَا خَلَلاً وَلاَ اخْتِلاَفاً)، ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾ ؛ أي كرِّر النظرَ هل ترَى في السمَّاء من شُقوقٍ أو صُدوعٍ أو خُروقٍ، ﴿ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ ؛ أي إنْ لم تستَدركْ بالمرَّة الأُولى، فرُدَّ البصرَ مرَّة أُخرى مُستقصياً، وردِّدِ البصر مرَّة أُخرى بعدَ مرَّة، ﴿يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئاً﴾ ؛ صَاغِراً بمنْزِلة الخاسِئ وهو الذليلُ، ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ ؛ أي كَلِيلٌ منقطعٌ قد أعَيى بمنْزِلة الحسيرِ الذي طلبَ شيئاً فلم يجدْهُ كما يحسِرُ البعيرُ.

الملك 67:5

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَآءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ ؛ السَّماءُ الدُّنيا هي الأدنَى إلينا، وهي التي يرَاها الناسُ، والمصابيحُ : النجومُ، واحدها مِصْبَاحٌ، سُمِّيت بذلك ؛ لأنَّها تضيءُ كما يضيء الْمِصْبَاحُ، ومِن ذلك الصُّبْحُ والصَّبَاحُ وهو السِّراجُ، والنجومُ لثلاث خصالِ : زينة، وعلامات يُهتدَى بها، ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ﴾ أي ورُجُومٌ لِمَن يسترقُ السمعَ من الشياطين، ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ ؛ مع ما جعَلنا لهم في الدُّنيا من الرَّمي بالشُّهب.

الملك 67:6

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ؛ ظاهرُ المعنى.

الملك 67:7

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِذَآ أُلْقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقاً﴾ ؛ أي صَوْتاً قطيعاً كصوتِ الحِمَار، وهو آخرُ ما يَنهَقُ بنَفَسٍ شديدٍ، وهو أقبحُ الأصواتِ، وإذا اشتدَّ لَهَبُ النار سُمِعَ لها صوتٌ شديدٌ كأنَّها تطلبُ الوقودَ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ ؛ أي تَغلِي بهم كغَلِيِ الْمِرْجَلِ. وقال مجاهدُ :(تَفُورُ بهِمْ، كَمَا يَفُورُ الْمَاءُ الْكَثِيرُ بالْحَب الْقَلِيلِ)، والفَوْرُ ارتفاعُ الشيءِ بالغَلَيانِ.

الملك 67:8

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ؛ أي تكادُ تَنْشَقُّ وتَتَقَطَّعُ من تغيُّظِها على أهلها لتأخُذهم، والمعنى : تكادُ النار يَنْفَرِقُ بعضُها من بعضٍ غَضَباً على الكفار، وانتقاماً لله عَزَّ وَجَلَّ منهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ؛ من الكفار ؛ أي جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ ؛ أي النارُ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؛ أي رسولٌ مُنذِرٌ، وهذا التوبيخُ زيادةٌ لَهم في العذاب، ﴿قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾، له، ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ مِمَّا تقولُ، وقلنا للرَّسُولِ :﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي خطأ عظيمٍ. وَقِيْلَ : إن قَولَهُ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ من قولِ الزَّبانِيَةِ للكُفَّار ؛ أي ما كُنتم في الدُّنيا إلاَّ في ضلالٍ كبير. وقالَ أهلُ النار مُعتَرِفين بجهلِهم :﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ ؛ أي لو كُنَّا نسمعُ الهدى من الرُّسُلِ سَمَاعَ مَن يتفكرُ ويعقلُ منهم عقلَ مَن يُمَيِّزُ، ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ ؛ أي أقَرُّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ؛ أي أسْحَقَهُمُ اللهُ سُحْقاً ؛ أي باعدَهم من رحمتهِ، والسُّحْقُ : البُعْدُ، والمعنى : فبُعداً لأصحاب النار من رحمة الله.

الملك 67:9

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ؛ أي تكادُ تَنْشَقُّ وتَتَقَطَّعُ من تغيُّظِها على أهلها لتأخُذهم، والمعنى : تكادُ النار يَنْفَرِقُ بعضُها من بعضٍ غَضَباً على الكفار، وانتقاماً لله عَزَّ وَجَلَّ منهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ؛ من الكفار ؛ أي جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ ؛ أي النارُ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؛ أي رسولٌ مُنذِرٌ، وهذا التوبيخُ زيادةٌ لَهم في العذاب، ﴿قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾، له، ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ مِمَّا تقولُ، وقلنا للرَّسُولِ :﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي خطأ عظيمٍ. وَقِيْلَ : إن قَولَهُ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ من قولِ الزَّبانِيَةِ للكُفَّار ؛ أي ما كُنتم في الدُّنيا إلاَّ في ضلالٍ كبير. وقالَ أهلُ النار مُعتَرِفين بجهلِهم :﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ ؛ أي لو كُنَّا نسمعُ الهدى من الرُّسُلِ سَمَاعَ مَن يتفكرُ ويعقلُ منهم عقلَ مَن يُمَيِّزُ، ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ ؛ أي أقَرُّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ؛ أي أسْحَقَهُمُ اللهُ سُحْقاً ؛ أي باعدَهم من رحمتهِ، والسُّحْقُ : البُعْدُ، والمعنى : فبُعداً لأصحاب النار من رحمة الله.

الملك 67:10

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ؛ أي تكادُ تَنْشَقُّ وتَتَقَطَّعُ من تغيُّظِها على أهلها لتأخُذهم، والمعنى : تكادُ النار يَنْفَرِقُ بعضُها من بعضٍ غَضَباً على الكفار، وانتقاماً لله عَزَّ وَجَلَّ منهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ؛ من الكفار ؛ أي جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ ؛ أي النارُ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؛ أي رسولٌ مُنذِرٌ، وهذا التوبيخُ زيادةٌ لَهم في العذاب، ﴿قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾، له، ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ مِمَّا تقولُ، وقلنا للرَّسُولِ :﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي خطأ عظيمٍ. وَقِيْلَ : إن قَولَهُ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ من قولِ الزَّبانِيَةِ للكُفَّار ؛ أي ما كُنتم في الدُّنيا إلاَّ في ضلالٍ كبير. وقالَ أهلُ النار مُعتَرِفين بجهلِهم :﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ ؛ أي لو كُنَّا نسمعُ الهدى من الرُّسُلِ سَمَاعَ مَن يتفكرُ ويعقلُ منهم عقلَ مَن يُمَيِّزُ، ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ ؛ أي أقَرُّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ؛ أي أسْحَقَهُمُ اللهُ سُحْقاً ؛ أي باعدَهم من رحمتهِ، والسُّحْقُ : البُعْدُ، والمعنى : فبُعداً لأصحاب النار من رحمة الله.

الملك 67:11

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ ؛ أي تكادُ تَنْشَقُّ وتَتَقَطَّعُ من تغيُّظِها على أهلها لتأخُذهم، والمعنى : تكادُ النار يَنْفَرِقُ بعضُها من بعضٍ غَضَباً على الكفار، وانتقاماً لله عَزَّ وَجَلَّ منهم، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ ؛ من الكفار ؛ أي جماعةٌ، ﴿سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ﴾ ؛ أي النارُ، ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ؛ أي رسولٌ مُنذِرٌ، وهذا التوبيخُ زيادةٌ لَهم في العذاب، ﴿قَالُواْ بَلَى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا﴾، له، ﴿مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ ؛ مِمَّا تقولُ، وقلنا للرَّسُولِ :﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ ؛ أي خطأ عظيمٍ. وَقِيْلَ : إن قَولَهُ ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ﴾ من قولِ الزَّبانِيَةِ للكُفَّار ؛ أي ما كُنتم في الدُّنيا إلاَّ في ضلالٍ كبير. وقالَ أهلُ النار مُعتَرِفين بجهلِهم :﴿وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ﴾ ؛ أي لو كُنَّا نسمعُ الهدى من الرُّسُلِ سَمَاعَ مَن يتفكرُ ويعقلُ منهم عقلَ مَن يُمَيِّزُ، ﴿مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ﴾ ؛ أي أقَرُّوا بذلك، ﴿فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ ؛ أي أسْحَقَهُمُ اللهُ سُحْقاً ؛ أي باعدَهم من رحمتهِ، والسُّحْقُ : البُعْدُ، والمعنى : فبُعداً لأصحاب النار من رحمة الله.

الملك 67:12

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ؛ معناهُ : إنَّ الذين يعمَلون لربهم ويتَّقون معصيتَهُ في سرِّهم، ويخافونَهُ ولم يَرَوهُ، لهم مغفرةٌ لذُنوبهم وثوابٌ عظيم في الجنَّة، والْخِشْيَةُ في الغيب أدلُّ على الإخلاصِ وأبعَدُ من النِّفاقِ.

الملك 67:13

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وهذا تحذيرٌ للكفَّار عن الإقدامِ على المعاصي، يقول : إنْ أخفَيتُم كلامَكم في أمرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو جهَرتُم به، فإنه عليمٌ بما في القلوب من الخير والشرِّ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيُخْبرُهُ جِبْرِيلُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أسِرُّوا قَوْلَكُمْ كَيْلاَ يَسْمَعَ بهِ إلَهُ مُحَمَّدٍ) قال اللهُ هذه الآية :﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ؛ هذه الأشياءَ ما في الضَّمير. وَقِيْلَ : معناهُ : ألا يعلمُ الله مخلوقاتهِ، وَقِيْلَ : ألا يعلمُ سرَّ العبدِ من خلقه، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ؛ أي لَطُفَ عِلْمُهُ بالأشياءِ حتى لا تخفَى عليه غوامضُ الأمور، الخبيرُ بمصالِح عبادهِ.

الملك 67:14

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَأَسِرُّواْ قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُواْ بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وهذا تحذيرٌ للكفَّار عن الإقدامِ على المعاصي، يقول : إنْ أخفَيتُم كلامَكم في أمرِ مُحَمَّدٍ ﷺ أو جهَرتُم به، فإنه عليمٌ بما في القلوب من الخير والشرِّ. قال ابنُ عبَّاس :(كَانُوا يَنَالُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيُخْبرُهُ جِبْرِيلُ فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : أسِرُّوا قَوْلَكُمْ كَيْلاَ يَسْمَعَ بهِ إلَهُ مُحَمَّدٍ) قال اللهُ هذه الآية :﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ ؛ هذه الأشياءَ ما في الضَّمير. وَقِيْلَ : معناهُ : ألا يعلمُ الله مخلوقاتهِ، وَقِيْلَ : ألا يعلمُ سرَّ العبدِ من خلقه، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ؛ أي لَطُفَ عِلْمُهُ بالأشياءِ حتى لا تخفَى عليه غوامضُ الأمور، الخبيرُ بمصالِح عبادهِ.

الملك 67:15

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً﴾ ؛ أي سَهْلَةً تنصَرفون فيها فلا تضطربُ بكم ولا تمتَنعُ عليكم، يقال : دابة ذلُولٌ إذا كانت سهلةَ الرُّكوب، والذلُولُ لا تمتنعُ على صاحبها فيما يريدُها. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَامْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا﴾ ؛ أي في أطرافِها، وَقِيْلَ : في جِبَالها وآكامِها وجوانبها، ﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ﴾ ؛ أي وكُلوا من نباتِها الذي جعلَهُ اللهُ رزقاً في الأرض، ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ ؛ أي وإلى اللهِ المرجِعُ في الآخرةِ للحساب والجزاءِ، والنُّشُورُ هو البعثُ من القبور.

الملك 67:16

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ؛ معناهُ : أأمِنتُم يا أهلَ مكَّة مَن في السَّماء سُلطانه وقدرتهُ ومُلكه أن يُغَيِّبَكم في الأرضِ جَزاءً على فُبْحِ أفعالِكم. وَقِيْلَ : معناهُ : أأمنت عقوبةَ مَن في السَّماء وعذابَ مَن في السَّماء. وَقِيْلَ : معناهُ : مَن جَرَتْ عادتهُ أن يُنْزِلَ نِقمَتَهُ مِن السَّماء على مَن يكفرُ به ويعصيَهُ. وَقِيْلَ : أأمنتم مَن في السَّماء، وهو الْمَلَكُ الموكَّل بالعذاب، يعني جبريلَ أنْ يخسِفَ بكمُ الأرضَ بأمرِ الله تعالى، ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ ؛ أي تضطربُ وتتحرَّكُ، والمعنى : أنَّ اللهَ تعالى يحرِّكُ الأرضَ عند الخسفِ بهم حتى تضطربَ، وتتحركَ فتَعلُو بهم وهم يُخسَفُون فيها، والأرضُ تَمُورُ فوقَهم فتقلِبُهم إلى أسفل. والْمَوْرُ : التردُّدُ في الذهاب والمجيءِ ؛ لأنه إذا خُسِفَ بقومٍ دارت الأرضُ فتدورُ بهم كما يدورُ الماء بمَن يُغرِقهُ.

الملك 67:17

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ؛ كما أرسلَ على قومِ لُوطٍ، والحاصِبُ : الرِّيحُ التي تَرمِي بالحصباءِ لا دافعَ لها ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ؛ أي إنذاري إذا عايَنتم العذابَ، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ ؛ معناهُ : ولقد كذب الذين مِن قَبْلِ أهل مكة من كفَّار الأُمم الماضيةِ، فكيف كان الإنكارُ عليهم بالعذاب.

الملك 67:18

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ؛ كما أرسلَ على قومِ لُوطٍ، والحاصِبُ : الرِّيحُ التي تَرمِي بالحصباءِ لا دافعَ لها ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ ؛ أي إنذاري إذا عايَنتم العذابَ، ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾ ؛ معناهُ : ولقد كذب الذين مِن قَبْلِ أهل مكة من كفَّار الأُمم الماضيةِ، فكيف كان الإنكارُ عليهم بالعذاب.

الملك 67:19

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَـافَّـاتٍ﴾ ؛ معناهُ : أوَلَمْ يَرَوا إلى الطيرِ صافَّاتٍ فوقَ رُؤوسِهم بانبساطِ أجنحتها تارةً وقابضاتِها أُخرى، معناهُ : صافَّات أجنحتَها، ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ ؛ أجنحتَها بعد البسطِ، وهذا معنى الطَّير ؛ وهو بَسْطُ الجناحِ وقبضهُ بعدَ البسطِ. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَـانُ﴾ ؛ أي ما يُمسِكهُنَّ ويحفظُهُنَّ في الهوَاء في الحالَين ؛ في حالِ البسطِ والقبضِ إلاّ الرحمنُ. وهذا أكبرُ آيةٍ دالَّة على قدرةِ الله تعالى إذ أمسكَها في الهواءِ على ثُقلِها وضخم أبدانِها، فمَن قَدِرَ على إمساكِ الطيرِ في الهواء قَدِرَ على إرسالِ الحاصب من السَّماء. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ ؛ أي عالِمٌ، كما يقالُ : فلان بصيرٌ بالنَّحوِ وبالقرآنِ ؛ أي عالِمٌ به.

الملك 67:20

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّنْ هَـاذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرَّحْمَـانِ﴾ ؛ فيه تنبيهٌ على أنه إنْ أرادَ اللهُ تعذيبَهم ليس لَهم مَنعهُ، ولا أحدٌ يصرِفُ عنهم العذابَ، ولفظُ الْجُنْدِ مُوحَّدٌ، وهذا استفهامُ إنكارٍ ؛ أي لا جُندَ لكم ينصرُكم ويمنعكم من عذاب الله. قال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى يَنْصُرُكُمْ : يَمْنَعُكُمْ مِنِّي إنْ أرَدْتُ عذابَكُمْ). قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ ؛ أي في غرورٍ من الشَّيطان، يغُرُّهم بأنَّ العذابَ لا ينْزِلُ بهم.

الملك 67:21

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَمَّنْ هَـاذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ؛ معناه : هل يَقدِرُ أحدٌ مِن مَعبُودِكم أنْ يُوصِلَ إليكم أرزاقَكم إن حَبَسَ اللهُ عنكم المطرَ والنباتَ، ﴿بَل لَّجُّواْ﴾ ؛ بل لَجَّ الكافرون ﴿فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ ؛ أي في مُجاوَزَةِ الحدِّ في الطُّغيان والتباعُدِ عن سماعِ الحقِّ وقَبولِهِ، وليسوا يعتَبرون ولا يتفكَّرون، لَجُّوا في طُغيانِهم وتَمادِيهم وتباعُدهم عن الإيمانِ.

الملك 67:22

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ؛ معناهُ : أفمَنْ يَمشِي نَاكِساً رأسَهُ على وجههِ لا يرَى ما يَصدِمهُ أو يَهجِمُ عليه من حُفرةٍ، أو بئرٍ في طريقهِ، فلا ينظرُ يَميناً ولا شِمالاً، يمشي مشيَ العُميان ؛ وهو مَثَلُ الكافرِ يقولُ : أهُدِيَ صَوْبَ طريقاً أمِ المؤمنُ الذي يَمشي مُستَوياً على طريقٍ مستقيم، يعني الإسلامَ. وإنما شبَّهَ الكافرَ بالمُكِب على وجههِ ؛ لأنه ضالٌّ أعمَى القلب عن الهدى، وقال قتادةُ :(هَذا فِي الآخِرَةِ) معناه : أفمَن يَمشي مُكِبّاً على النار يومَ القيامة أهْدَى أم مَن يمشي على طريقِ الجنة ؟ كما قالَ تعالى في الكفَّار﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً﴾[الاسراء: ٩٧].

الملك 67:23

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ ؛ أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ : هو الذي خلَقَكم وخلقَ لكم السمعَ فاستمعوا إلى الحقِّ، والأبصارَ فأبصِرُوا بها الحقَّ، والأفئدةَ فاعلَمُوا بها الحقَّ، ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ ؛ نِعَمَ اللهِ عليكم.

الملك 67:24

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ؛ أي هو الذي خلَقَكم صِغَاراً وربَّاكم إلى أن صيَّرَكم كِباراً، ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ؛ أي تُجمَعون في الآخرةِ فيجزِيَكم بأعمالِكم.

الملك 67:25

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ﴾ ؛ أي هذا الحشرُ الذي تَعِدُنا به، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أنْ يكون ذلك، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت الحشرِ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي مُخَوِّفٌ لكم بلُغةٍ تعرِفونَها.

الملك 67:26

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَـاذَا الْوَعْدُ﴾ ؛ أي هذا الحشرُ الذي تَعِدُنا به، ﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ؛ أنْ يكون ذلك، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ﴾ بوقت الحشرِ، ﴿عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ ؛ أي مُخَوِّفٌ لكم بلُغةٍ تعرِفونَها.

الملك 67:27

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؛ معناهُ : فلمَّا رأوا العذابَ قريباً تبيَّن السُّوءُ في وُجوهِهم وسَاءَهم ذلك. وَقِيْلَ : أُحرِقَتْ وجوهُ الذين كفَرُوا، فاسودَّتْ وَعَلَتها الكآبةُ والقَتْرَةُ. وَقِيْلَ : معنى ﴿سِيئَتْ﴾ قََبُحَتْ وجوهُهم بالسَّوادِ، ﴿وَقِيلَ﴾ ؛ لَهم :﴿هَـاذَا﴾ ؛ العذابُ، ﴿الَّذِي كُنتُم بِهِ﴾ ؛ من أجلهِ، ﴿تَدَّعُونَ﴾ ؛ الأباطيلَ والأكاذيبَ أنَّكم إذا مِتُّمْ. وكنتم تُراباً وعظاماً أنَّكم لا تُبعثون. وقرأ الضحَّاك وقتادةُ ويعقوب (تَدْعُونَ) مخفَّفاً ؛ أي تَدْعُونَ اللهَ أنْ يأتِيَكم به، من الدُّعاء وهو قولهم﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـاذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ﴾[الأنفال: ٣٢] الآية.

الملك 67:28

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ؛ وذلك أنَّ الكفارَ متمَنَّون موتَ رسولِ الله ﷺ وموتَ أصحابهِ، فقيلَ لَهم : أرأيتُم إنْ أصَبتُم مُنَاكُمْ فينا بالهلاكِ، فمَن يُجِيرُكم من العذاب الذي لا بدَّ نازلٌ بكم، أتَظنُّون أنَّ الأصنامَ أو غيرها تُجِيرُكم ؟ فإذا عَلمتُم أنْ لا مجيرَ لكم فهلاَّ تمسَّكتُم بما يُخلِّصُكم من العذاب وهو الإيمانُ باللهِ.

الملك 67:29

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَـانُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ ؛ أي هو الرَّحمنُ الذي نعبدهُ، ونفوِّضُ أمُورَنا إليه، ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ ؛ في الآخرةِ، ﴿مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ ؛ نحن أم أنتم.

الملك 67:30

قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً﴾ ؛ أي غَائِراً في الأرضِ لا تَنالهُ الأيدِي والدِّلاءُ، ﴿فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ ؛﴾ ظاهرٍ يظهرُ من العيونِ إلاَّ اللهُ الذي به تُشرِكون، فإذا لم تَقدِرُوا أنتم ولا آلِهتُكم على أن تَجعَلُوا الماءَ الغائرَ في الأرضِ ظَاهراً، فكيف تَقدِرُون على أن تَدفَعُوا عذابَ الله عن أنفسكم إذا نزلَ بكم ؟ وكيفَ يقدِرُ على ذلك مَن اتَّخذتُموهُ إلهاً من دونِ الله. ويُحكى أنَّ متَّهماً في دينهِ سَمِعَ رجُلاً يقرأ ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ فقالَ : الماءُ مع الفأسِ والْمِعْوَلِ، فنامَ من ليلتهِ تلك فأصبحَ وقد ذهبَ ماءُ عَينَيهِ وبقي أعمَى إلى أن ماتَ، والعياذُ بالله من الْخُذلاَنِ.