معاني القرآن — يوسف 12:1 – الكهف 18:110
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:12
- يوسف 12:15
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:39
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:49
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:54
- يوسف 12:59
- يوسف 12:62
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:86
- يوسف 12:88
- يوسف 12:92
- يوسف 12:94
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:103
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:108
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:23
- الرعد 13:24
- الرعد 13:26
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:31
- الرعد 13:33
- الرعد 13:35
- الرعد 13:36
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:6
- إبراهيم 14:7
- إبراهيم 14:9
- إبراهيم 14:14
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:44
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- الحجر 15:2
- الحجر 15:4
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:15
- الحجر 15:16
- الحجر 15:17
- الحجر 15:19
- الحجر 15:20
- الحجر 15:21
- الحجر 15:22
- الحجر 15:24
- الحجر 15:26
- الحجر 15:38
- الحجر 15:41
- الحجر 15:42
- الحجر 15:44
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:53
- الحجر 15:60
- الحجر 15:62
- الحجر 15:63
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:80
- الحجر 15:82
- الحجر 15:85
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:90
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:98
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:5
- النحل 16:6
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:13
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:33
- النحل 16:35
- النحل 16:39
- النحل 16:41
- النحل 16:43
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:51
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:55
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:60
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:73
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:79
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:84
- النحل 16:86
- النحل 16:87
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:97
- النحل 16:98
- النحل 16:100
- النحل 16:101
- النحل 16:103
- النحل 16:106
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:115
- النحل 16:116
- النحل 16:118
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:128
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:13
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:46
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:51
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:53
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:69
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:73
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:81
- الإسراء 17:82
- الإسراء 17:83
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:89
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:92
- الإسراء 17:93
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
- الكهف 18:110
يوسف 12:1
من ذلك قوله جل جلاله وتقدست أسماؤه ﴿الۤر﴾.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أنا الله أرى.
وقد تقدم شرح هذه الحروف.
* وقوله جل وعز ﴿تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ﴾.
أي هذه تلك الآياتُ، والتي كنتم توعدون بها في التوراة.
يوسف 12:2
وقوله جل وعز ﴿إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾.
يجوز أن يكون المعنى: إنا أنزلنا القرآن عربياً.
ويجوز أن يكون المعنى: إنا أنزلنا خبر يوسف، وهذا أشبه بالمعنى، لأنه يُروى أنَّ اليهود قالوا: سَلُوه لمَ انتقل آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر؟ وعن خبر يوسف؟ فأنزل الله جلَّ وعزَّ هذا بمكة موافقاً لما في التوراة.
وفيه زيادةٌ ليست عندهم، فكأنَّ هذا النبيَّ ﷺ إذْ أخبرهم - ولم يقرأ كتاباً قط، ولا هو في موضع كتاب - بمنزلةِ إحياء عيسى عليه السلام الميِّت.
يوسف 12:3
وقوله جل وعز ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ﴾.
أي نبيِّن لك، والقاصُّ: الذي يأتي بالقِصَّةِ على حقيقتها.
* وقوله جل وعز ﴿بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ﴾.
أي بوحينا.
ثم قال: ﴿وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ﴾.
أي: لمن الغافلين عن قصة يوسف، لأنه لم يَقْرأ كتاباً قبلَ ذلك، وإنما عَلِمها بالوحي.
يوسف 12:4
وقوله جل ذكره ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يٰأَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.
قال قتادة والضحاك وهذا لفظ قتادة: الأحد عشر كوكباً: إخوته، و "الشمس والقمر": أبوه وأمه.
قال معمر وقال غير قتادة: أبوه وخالته.
وقال غيره: أوَّلَ "لأَحدَ عَشَرَ كوكباً" أحد عشر رجلاً، يُستضاء بهم كما يُستضاء بالكواكب، وأوَّلَ القمر أباه، وأوَّل الشمس أمه أو خالته.
وقال عبدالله بنُ شَدَّاد بن الهاد: كان تفسير رؤيا يوسف ﷺ بعد أربعين سنة، وذلك منتهى الرؤيا.
يوسف 12:5
وقوله جل وعز ﴿قَالَ يٰبُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْداً﴾.
أي فيحتالوا عليك.
يوسف 12:6
وقوله جل وعز ﴿وَكَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾.
أي يختارك، وأصله من جَبَيْتُ الشَّيْءَ: أي حَصَّلْتُه، ومنه جَبَيْتُ الماء في الحوض.
* ثم قال جل وعز ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾.
قال مجاهد: أي تأويل الرؤيا.
وقال غيره: أي أخبار الأمم.
ثم قال جل ذكره ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾.
فأخبره أنه يكون نبيًّا، لأنه قال: ﴿كَمَآ أَتَمَّهَآ عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾.
يوسف 12:7
وقوله جل وعز ﴿لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ﴾.
قيل: بَصِيرةٌ.
وقيل: أي عِبْرةٌ.
وروي أنها في بعض المصاحف "عبرةٌ للسائلين".
يوسف 12:8
ثم قال جل وعز ﴿إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾.
أي جماعة.
وقال بعض أهل اللغة: العُصْبَة: العَشَرةُ إلى الأَرْبَعِينَ.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي ضلَّ في محبة يوسف لا في دينه.
يوسف 12:9
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿ٱقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾.
فيه حذف، والمعنى: أو اطرحوه أرضاً يبعُدُ فيها عن أبيكم، ودلَّ على هذا الحذف ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ أي يفرُغُ لكم.
﴿وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ﴾ أي تكونوا من بعد إهلاكه ﴿قَوْماً صَالِحِينَ﴾ أي تائبين.
يوسف 12:10
ثم قال جل وعز ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ ٱلْجُبِّ﴾.
الغَيَابَةُ عند أهل اللغة: كلُّ ما غُيِّبَ عنك، والجبُّ: البئرُ التي ليس بمطويَّة.
ويُروى أن الجبَّ ها هنا بئرُ بيتِ المقدس، وهي من جَبَيْتُ أي قطعتُ، كأنها قُطِعت ولم يحدث فيها شيءٌ بعد القطع.
قال الضحاك: الذي قال لهم ﴿لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ﴾ هو الذي قال ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ وهو أكبرهم.
وقال غيره: هو "يَهُوذَا" وكان أشدَّهم.
يوسف 12:12
وقوله جل وعز ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ﴾.
روى حجاج عن ابن جريج عن مجاهد، وورقاءُ عن ابن أبي نجيحٍ عن مجاهد قال: أي: نتحافظ ونَتَكَالأُ.
وزاد ابنُ أبي نجيح في روايته: ونتحارس.
قال هارون: سألت أبا عمرو بن العلاء رحمه الله: كيف قالوا: "وَنَلْعَبُ" وهم أنبياء، فقال: لم يكونوا يومئذٍ أنبياء.
ومن قرأ "يرتعْ ويلعبْ" بالياء، فمعناه عندي: يرعى الإِبل، يُقال: رعى وارتعى بمعنى واحد، وهذه قراءة أهل المدينة.
ورُوي عن مجاهد ﴿نَرْتِع﴾ بالنون وكسر التاء، يُقال: أرتع صاحبَهُ وإبِلَهُ فرتعت: أي أقامت في المرتع، والله أعلم بما أراد.
وقرأ أهل الكوفة ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بإسكان العين، ومعناه: يتَّسعُ في الخِصب ويأكلُ، ويُقال: رتعتِ الإِبلُ: إذا رعتْ كيف شاءت، وكذا غيرها، وأرعيتُها: تركتها ترعى. ويقال: فلانٌ راتعٌ أي مُخْصِب ومنه:
تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتَّى إذَ ادَّكَرتْ * فَإنَّمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ
وكذا معنى (نَرْتَعْ) بفتح النون وإسكان العين، وهي قراءة أبي عَمْروٍ وأهل مكة.
وَرَوى سعيد عن قتادة قال: ﴿نَرْتَعْ﴾ نَنْشَط ونلهو، وهو كمعنى الأول.
وأما حجَّةُ أبي عمرو أنهم لم يكونوا يومئذٍ أنبياء، فلا يُحتاج إلى ذلك، لأنه ليس باللعب الصَّادِّ عن ذكر الله جل وعز.
وقال النبي ﷺ: "ألاَ بكراً تلاعبُها وتلاعبُكَ"؟!
يوسف 12:15
وقوله جل وعز ﴿وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَـٰذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: وأوحينا إليه في الجبِّ وهم لا يشعرون بذلك الوحي، هذا قولُ قتادة.
ويجوز أن يكون المعنى: لتخبرنَّهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون.
يوسف 12:17
وقوله جل ذكره ﴿قَالُواْ يَٰأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾.
أي ننتضِل.
والمعنى: نَسْتَبِقُ في الرَّمي.
* وقوله جل وعز ﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾.
أي قد اتهمتنا ووقع بقلبك أنَّا لا نَصْدُقُ، فأنتَ لا تُصدِّقُنَا.
يوسف 12:18
وقوله جلَّ وعز ﴿وَجَآءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.
رَوى إسرائيل عن سِمَاك بن حرب، عن عِكْرَمة عن ابنِ عبَّاس قال: كان دم سَخْلَةٍ.
وروى سفيان عن سِمَاك عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لَمَّا نظر إليه قال: كَذَبْتُم، لو أَكَلَه الذئبُ لخرَّقَ القميص"
وقال الحسن: لما نظر إلى الدم ولم يرَ في القميص شَقًّا، ولا خَرْقاً، قال: ما عهد بالذئب حليماً.
والمعنى: بدمٍ ذي كذب، أي مكذوب فيه.
* ثم قال جل وعز ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً﴾.
أي زَيَّنَتْ.
* ثم قال جل وعز ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾.
ويُروى أن النبي ﷺ سئل عن الصبر الجميل فقال: "هو الذي لا شكوى معه".
والمعنى عند أهل النظر: الذي لا شكوى معه بغير رضًى بقضاء الله، فإذا كانت الشكوى إلى الله جلَّ وعز كما قال ﴿إنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ﴾ و ﴿إنَّمَا أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللهِ﴾ أو كانت برضًى فصاحبها صابرٌ، كما قال النبيُّ ﷺ في عِلَّتِهِ "بل أنا وَارَأْسَاهُ".
يوسف 12:19
وقوله جلَّ وعز ﴿وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ﴾.
أي قوم يسيرون.
﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ وهو الذي يَرِدُ لاستقاءِ الماءِ.
﴿فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ﴾.
قال الأصمعي: يقال: أدليتُ الدَّلْوَ إذا أرسلتَها، ودلوتُها إذا استقيتَ.
* وقوله جل وعز ﴿قَالَ يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ﴾.
قال السُّدي والأعمش: كان اسمه بُشْرى.
وقال غيرهما: المعنى: يا أيتها البشرى.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ الصحيح، لأن أكثر القراء يقرأ ﴿يٰبُشْرَىٰ هَـٰذَا غُلاَمٌ﴾.
والمعنى في نداءِ البشرى التنبيه لمن حَضَر، وهو أوكد من قولك: تَبَشَّرْتُ، كما تقول: يَا عَجَبَاهُ، أي يا عجبُ هذا من أيامك، أو من آياتِكَ فاحضُر، وهذا مذهب سيبويه.
* وقوله جل وعز ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾.
رَوى حجَّاج عن ابن جريج عن مجاهد قال: ﴿أسرُّوهُ﴾: المُدْلِي، ومن معه من التجار الباقين، لِئلا يستشركوهم فيه إذا عرفوا ثمنه، وقالوا: إنما استبضعناه.
وروى معمرٌ عن قتادة قال: أسرُّوا بيعه، والمعنى على هذا للأخوة، كما رُوي أنَّه لمَّا وُجِدَ، أظهرَ إخوتُهُ أنه بضاعة لأصحاب الماء.
يوسف 12:20
وقوله جل ثناؤه ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾.
أي ذي بَخْسٍ، والبَخْسُ: النقصان.
وقال الشعبيُّ: البخسُ: القليل، والمعدودة: عشرون درهماً.
وقال قتادة: ﴿بخسٍ﴾ أي ظلم.
وقال الضحاك: ﴿بخسٍ﴾ أي حرام.
وروي عن ابن عباس وابن مسعود ونَوْفٍ أنهم قالوا: اشتروه بعشرين درهماً.
وقال مجاهد: وشروه: أي باعوه حين أخرجه المُدلي، وكانوا باعوه باثنين وعشرين درهماً، وهم أحد عشر.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾.
قال الفراء: إنما قال: معدودة، ليدل على قِلَّتها، لأنهم كانوا لا يزِنون إلاَّ أوقيَّةً، والأُوْقِيَّة: أربعون درهماً.
* ثم قال جل وعز ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّاهِدِينَ﴾.
قال أبو عبيدة: قال بعض المفسرين: إنما زهدوا فيه لقلة علمهم بمنزلته من الله جل وعز.
يوسف 12:21
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ﴾.
أي مقامه، والمعنى: أكرميه وقت مثواه، ومنه: ثَويتُ في المكان: إذا أقمتَ فيه كما قال الشاعر:
* "رُبَّ ثَاوٍ يُمَلُّ منهُ الثَّوَاءُ" *
* ثم قال جل وعز ﴿عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾.
أي نتبنَّاه.
وروى سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله قال: "أفرسُ الناس ثلاثة: العزيزُ حين قال لامرأته ﴿أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَآ﴾، وابنةُ شعيب حين قالت لأبيها ﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ وأبو بكر حين ولَّى عمر.
يوسف 12:22
وقوله جلَّ وعز ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
قيل: الأشدُّ: ثلاثٌ وثلاثون سنة.
وقيل: ثلاثون.
والأكثر من تسعَ عَشرةَ سنةً إلى أربعين.
وقال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك: الأشَدُّ: الحُلُمُ.
وسيبويه يذهب إلى أنه جمع شِدَّة، مِثْلُ: نِعْمَة، وأنْعُمْ.
* ثم قال جل وعز ﴿آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾.
والفرق بين "الحكيم" و "العالم" أن الحكيم هو الذي يعمل بعلمِهِ، ويمتنع من الأشياء القبيحة، ومنه قيل: حَكَمَةُ الدابة.
يوسف 12:23
وقوله جل وعز ﴿وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ﴾.
معنى رَاوَدَ فلانٌ فلانةً طَالَبَهَا على الفاحشة، وتُرِكَ ذكرُ الفاحشةِ لعلمِ السَّامِعِ.
* وقوله جل وعز ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾.
قال سعيد بن جبير: أي تعالَهْ.
ورُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: لا تَنَطَّعوا في القرآن، فإنما هو مثل قول أحدكم: هُلُمَّ، وتعالَ، ثم قرأ عبدالله ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ بفتح الهاء والتاء.
ورُوي عن مجاهد وعكرمة أنهما قرءا ﴿وَقَالَتْ هِئْتُ لَكَ﴾ بالهمز.
قال قتادة: قرأ ابن عباس ﴿هِئْتُ لَكَ﴾.
قال عكرمة: أي تهيَّأتُ لك.
وأنكر الكسائي هذه القراءة وقال: لا أعرف (هِئْتُ لَكَ) بمعنى تهيَّأتُ، وهي عند البصريين جيدة، لأنه يقال: هاءَ الرجلُ يَهَاءُ، ويهيءُ هَيْأَةً، فَهَاءَ يَهِيءُ، مثل جَاءَ يَجِيءُ، وهِئْتُ مثل جِئْتُ.
* ثم قال جل وعز ﴿مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبِّيۤ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: إنَّ الله ربي فلا أعصيه.
ويجوز أن يكون المعنى: إنَّ المَلِكَ ربِّي، أي مولايَ.
يوسف 12:24
وقوله جل وعز ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾.
قال أبو جعفر: الذي عليه أهل الحديث والمتقدمون أنه همَّ بها حتَّى مُثِّل له يعقوب ﷺ.
حدثنا أحمد بن عبدالجبار قال نا داود بن عمرو الضَبِّي عن نافع - وهو ابن عمر الجُمْحِي - عن ابن أبي مُلَيْكَةَ قال: سُئل ابن عباس رحمه الله: ما بَلَغ من هُموم يوسف؟ فقال: جلس يحِل هِمْيَاناً له فنودي يا يوسف: لا تَكُ كالطائر يزني وعليه الريش، فيقعد بلا ريش، فلم يتَّعِظْ على النداء فرأى برهان ربِّه ففرَّ وفَرِقَ.
وفي رواية ابن جريج عن ابن أبي مُليكة قال: سألتُ ابن عباس عمَّا بلغ من هموم يوسف؟ فذكر نحوه، إلاَّ أنه قال: جلس بين رِجْلَيها، ورأى يعقوب ﷺ.
وروى الأعمش عن مجاهد قال: حلَّ سراويله فتمثَّل له يعقوبُ، فقال له: يا يوسفُ، فولَّى هارباً.
وروى سفيان عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: مُثِّل له يعقوبُ، فضَرَبَ صدرَهُ، فخرجت شهوته من أنامِلِهِ.
وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن قال: رأى صورةَ يعقوبَ يقول له: يوسفُ، يوسفُ.
قال أبو صالح: رأى صورة يعقوب في سقف البيت يقول: يا يوسفُ، يا يوسفُ.
وقال الضحاك نحواً من هذا. قال أبو عُبيد "القاسم بن سَلاَّم": وقد زعم بعض من يتكلم في القرآن برأيه أن يوسف ﷺ لم يهمَّ بها، يذهبُ إلى أن الكلامَ انقطَعَ عند قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ قال: ثم استأنف فقال: ﴿وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ بمعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهمَّ بها، واحتجَّ بقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ﴾ وبقوله ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ وابنُ عباس ومن دُونه لا يختلفون في أنه همَّ بها، وهمْ أعلمُ باللهِ، وبتأويل كتابه، وأشدُّ تعظيماً للأنبياء، من أن يتكلموا فيهم بغير علم.
قال أبو جعفر: وكلامُ أبي عُبيد هذا، كلامٌ حسنٌ بَيِّنٌ لمن لَمْ يَمِلْ إلى الهوى، والذي ذكر من احتجاجهم بقوله ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ﴾ لا يلزمُ، لأنه لم يواقع المعصية.
وأيضاً فإنه قد صحَّ في الحديث أن جبريل ﷺ قال له حين قال: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ وَأنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ﴾: ولا حين هَمَمْتَ؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إن النَّفْسَ لأَمَّارةٌ بالسُّوءِ﴾.
وكذلك احتجاجهم بقوله ﴿وَاسْتَبَقَا البَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ لا يلزم، لأنه يجوز أن يكون هذا بعد الهُمُوم.
وقال الحسن: إنَّ اللهَ جلَّ وعز، لم يذكر معاصي الأنبياء ليعيِّرهم بها، ولكنَّه ذكرها لئلا تيأسُوا من التوبة.
وقيل: معنى ﴿وَهَمَّ﴾ أنه شيءٌ يخطر على القلب، كما قال النبي ﷺ "من هَمَّ بسيئةٍ ثم لم يعملْها لم تكتب عليه"، فهذا مما يخطر بالقلب، ولو همَّ بها على أنه يواقعها لكان ذلك عظيماً.
وفي الحديث: "إني لأستغفر الله جلَّ وعزَّ في اليوم والليلة مائة مرَّة".
قال أبو جعفر: وقد بيَّنا قولَ من يُرجَعُ إلى قوله من أهل الحديث والروايات.
وأهلُ اللغةِ المحققون على قولهم.
قال أبو إسحاق: يبعد أن يقال: ضربتك لولا زيدٌ، وهممتُ بك لولا زيدٌ، وإنَّما الكلام لولا زيدٌ لهممتُ بك، فلو كان "وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ"، "ولَهَمَّ بِهَا لولا أن رأى برهان ربه" لجاز على بُعدٍ، وإنَّما المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لأمضى ما همَّ به.
وقال بعض أهل اللغة: المعنى: وهمَّ بدفها.
وقوله جلَّ جلاله ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ﴾.
السُّوءُ: خيانةُ صاحبه، والفحشاءُ: ركوبُ الفاحشة.
حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال: نا محمد بن إبراهيمَ بن جَنَّاد قال: نا الحسن بن عبدالعزيز الجَرَوي قال: حدثني أبو مروانَ - وأثنى عليه خيراً - قال: حدثني عبدالرحمن بن يزيد بن جابر في قول الله جل وعز ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلْفَحْشَآءَ﴾ قال: السُّوءُ: الثناءُ القبيح، والفحشاءُ: الزِّنا.
يوسف 12:25
وقوله جل وعز ﴿وَٱسُتَبَقَا ٱلْبَابَ﴾.
قال قتادة: يعني يوسف وامرأة العزيز.
* وقوله جل وعز ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى ٱلْبَابِ﴾.
أي صادفاه، فحضَرَهَا عند ذلك كيدٌ فقَالَتْ ﴿مَا جَزَآءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوۤءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
يوسف 12:26
وقوله جل وعز ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾.
قال أبو هريرة: تكلَّم ثلاثة في المهد: صاحبُ يوسف، وعيسى ﷺ، وصاحب جريجٍ.
وروى شَرِيك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير قال: كان صبياً في البيت - أو قال في المهد - شكَّ شريكٌ.
وروى عليُّ بن الحَكَمِ عن الضحاك قال: هو صبيٌّ في البيت.
وقال هلال بن إساف: تكلَّم ثلاثة في المهد: أحدهم صاحب يوسف.
وروى إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجلاً ذا لحية.
وقال سفيان عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه قال: كان من خاصة الملك.
وقال عكرمة: لم يكن بصبي ولكن كان رجلاً حكيماً.
وروى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: كان رجلاً.
وروى أبو عاصم عن المثنّى عن القاسم ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ قال: قميصه.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ قال: قَدُّ القميصُ: الشاهدُ.
والقدُّ في اللُّغة: القَطْعُ.
يوسف 12:28
وقوله جل وعز ﴿قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾.
المعنى: إن قولِك ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً﴾ من كيدكنَّ.
ثم قال ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ أي لا تُفْشِهِ.
يوسف 12:29
ثم قال تعالى ﴿وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ﴾.
ويروى أنه كان قليل الغيرة.
يوسف 12:30
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَةُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً﴾.
وروى معاوية بن أبي صالح، عن عليِّ بن أبي طَلْحَة، عن ابن عباس قال ﴿شَغَفَهَا﴾: غَلَبَهَا.
وروى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخل تحت شَغَافها.
قال أبو جعفر: والقولان يرجعان إلى شيءٍ واحد، لأن الشَّغَاف حِجابُ القَلْبِ، فالمعنى: وصل حبُّه إلى شَغَفها، فغلَب على قلبها، قال الشاعر:
وَقَدْ حَالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ دَاخِلٌ * دُخُولَ الشَّغَافِ تَبْتَغِيهِ الأَصَابِعُ
وقد قيل: إن الشُّغَافَ داءٌ، وأنشد الأصمعي للراجز:
* "يَتْبَعُهَا وَهِيَ لَهُ شُغَافُ" *
وروي عن أبي رجاء وقتادة أنهما قَرَءا ﴿قَدْ شَعَفَهَا حُبّاً﴾ بالعين، غير معجمة وبفتحها.
قال أبو جعفر: معناه عند أكثر أهل اللغة: قد ذهب بها كل مذهب، لأن شَعَفَاتِ الجبالِ أعاليها، وقد شُعِفَ بذلك شَعْفاً بإسكان العين، أي أولع به، إلا أن أبا عبيد أنشد بيت امرئ القيس:
أَيَقْتُلُنِي وَقَدْ شَعَفْتُ فُؤَادَهَا * كَمَا شَعَفَ المَهَنُؤةَ الرَّجُلُ الطَّالِي
قال فشُبِّهت لوعةُ الحبِّ وجَوَاهُ بذلك.
وروي عن الشعبي أنه قال: الشَّغَفُ: حبٌّ، والشَّعَفُ: جنونٌ.
يوسف 12:31
وقوله جل وعز ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾.
يُقال: كيف سَمَّى هذا مكراً؟ فالجواب فيه: أنها أطلعتْهُنَّ واستكتمتهنَّ، فأفشين سِرَّها، فسُمِّي ذلك مكراً.
* وقوله جل وعز ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً﴾.
روى سفيان عن منصور عن مجاهد قال: المتَّكأُ - مثقَّلاً - الطَّعَامُ، والمَتْكُ - مخففة - الأتْرُجُّ.
وروى إسماعيل بن إبراهيم عن أبي رجاء عن الحسن قال: المتَّكأُ: الطعامُ.
وروى معمرٌ عن قتادة قال: المتكأ: الطعام.
وقيل: المتكأ: كلُّ ما اتُّكِئَ عليه عند طعامٍ، أو شرابٍ، أو حديث. وهذا هو المعروف عند أهل اللغة، إلاَّ أن الروايات قد صحَّتْ بذلك.
وحكى القُتبيُّ أنه يقال: اتَّكأْنَا عند فلان: أي أكلنا.
وقد قيل إن المَتْك الزُّمَاوَرْد، وقيل: يقال: بتكَهُ إذا قطعه وشقه فكأنَّ الميم بدلٌ من الباء، كما يقال: لازم، ولازب في نظائر له كثيرة.
* وقوله جل وعز ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: أعظمنه.
قال أبو جعفر: وهذا هو الصحيح، ومن قال: "حَضْنَ" فقد جاء بما لا يُعرف، و "حِضْنَ" لا يتعدى.
والمعنى: هالهُنَّ فأعظَمْنَهُ.
* ثم قال جل وعز ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: حزّاً بالسكين.
يريد مجاهد أنه ليس قطعاً تَبِينُ منه اليدُ، إنما هو خَدْشٌ وحَزٌّ، وذلك معروفٌ أن يُقال إذا خَدَشَ الإنسانُ يدَ صاحبه: قد قَطَعَ يَده.
* ثم قال جل وعز ﴿وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ﴾.
قال مجاهد: أي مَعَاذَ الله.
والذي قال حسنٌ، وأصلُه من قولك: فلانٌ في حَشَا فلانٍ أي في ناحيته، فإذا قلت "حَاشَا لزيدٍ" فمعناه: تنحِيةٌ لزيدٍ، و ﴿حَاشَ للهِ﴾ أي نحَّى اللهُ هذا من هذا.
* ثم قال جل وعز ﴿مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وقُرِئَ "ما هذا بِشِرَىً" أي بمشترى.
والأول أشبهُ، لأن بعده "إنْ هَذَا إلاَّ مَلَكَ كَرِيمٌ" ولأن مثل بِشِرىً يكتب في المصحف بالياء.
يوسف 12:32
وقوله جل وعز ﴿وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَٱسَتَعْصَمَ﴾.
معنى "فاستعصم": فامتنع.
وقوله جلَّ وعز ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾.
رُوي أن الزهدي قرأ ﴿قال ربِّ السِّجنُ أحبُّ إِليَّ﴾.
ومعناه: أن أُسْجَنَ احبُّ إليَّ.
ومن قرأ بالكسر "السِّجْنُ" فمعناه عنده: موضعُ السجن أحبُّ إليَّ مما يدعونني إليه.
يوسف 12:33
ثم قال جل وعز ﴿وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلْجَاهِلِينَ﴾.
يُقال: صَبَا إلى اللَّهْوِ صُبُوًّا.
وروى الفراء صَبَأ: إذا مَالَ إليه.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ﴾.
فحمله على المعنى، لأن في كلامه معنى الدعاء، وإن لم يُذْكَرْ دعاءٌ.
يوسف 12:35
وقوله جل وعز ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ ٱلآيَاتِ﴾.
قال مجاهد: يعني قَدَّ القميص.
وقال قتادة: يعني قَدَّ القميص، وحزَّ الأيدي.
ثم بيَّن الذي بَدَا لهم، فقال جل وعز: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّىٰ حِينٍ﴾.
يوسف 12:36
وقوله جل وعز ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ﴾.
يجوز أن يكونا شابين، وأن يكونا شيخين، والعربُ تستعمل هذا.
ثم قال جل ذكره ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً﴾.
في هذا أقوال منها:
أن الخمر ها هنا العنب، ومنها أن المعنى عنبَ خمرٍ، ومنها أن يكون مثل قولك أن أعصِرُ زَيتاً أي أعصِر ما يؤول أمرُهُ إلى الزيت، كما قال:
الحمد لله العليِّ المنَّان * صار الثريد في رؤوس العيدان
وإنما يعني السنبُلُ فَسَمَّاه ثريداً، لأن الثريد منه، وهذا قول حسن.
والأول أبينها، وأهل التفسير عليه.
حدثنا أحمد بن شعيب قال: أخبرني أحمد بن سعيد قال: وهب بن جرير عن أبيه عن علي بن الحكم عن الضحاك في قوله: ﴿إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً﴾ قال: فالخمر العنبُ، وإنما يسمِّي أهلُ عمان العنبَ الخمرَ.
ثم قال تبارك وتعالى ﴿وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: إنَّا نراك تُحْسِنُ تأويل الرؤيا.
والقول الآخر: يروى عن الضحاك أنه كان يُعينُ المظلومَ، ويعودُ المريضَ، وينصرُ الضعيفَ، ويوسِّع للرجال.
فحَادَ عن جوابهما إلى غير ما سألاه عنه فقال "لا يأتيكما".
وفي هذا قولان:
أحدهما: أن ابن جريج قال: لم يُردْ أن يُعَبِّرُ لهما الرؤيا، فحاد عن مسئلتهما فلم يتركاه حتى عبَّرها.
وقال غيره: أراد أن يعلمهما أنه نبيٌّ، وأنه يَعْلمُها بالغيب فقال: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيكُمَا﴾.
ويُروى أن الملك كان إذا أراد قَتْلَ إنسان، وجَّهَ إليه بطعام بعينِه لا يتجاوزه.
ثم أعلمهما أن ذلك العلم من عند الله، لا بكهانةٍ ولا تنجيم، فقال: ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾.
يوسف 12:37
ثم أعلمهما أنه هو مؤمن فقال ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾.
ثم قال بعدُ ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ﴾.
روى عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنَا﴾ أن جعلنا أنبياء، ﴿وَعَلَى النَّاسِ﴾ أنْ بُعِثْنَا إليهم رُسُلاً.
يوسف 12:39
ثم دعاهما إلى الإسلام بَعْد، فقال ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ﴾.
يوسف 12:41
وقوله جل وعز ﴿يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾.
أي يكون على شراب الملِكِ.
قال عبدالله بن مسعود: لمَّا عبَّر لهما الرؤيا قالا: ما رأينا شيئاً، فقال ﴿قُضِيَ الأمرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ أي وقع على ما قُلت، حقاً كانَ أو باطلاً.
يوسف 12:42
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾.
قال مجاهد: عند الملك، وذلك معروفٌ في اللغة أن يُقال للسيد: ربُّ. قال الأعشى:
رَبِّي كَرِيمٌ لاَ يُكَدِّرُ نِعْمَةً * وَإذَا تُنوشِدَ بالمَهَارِقِ أنْشَدَا
* وقوله جل وعز ﴿فَأَنْسَاهُ ٱلشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾.
قال مجاهد: فأنسى يوسف الشيطان ذكرَ رَبِّهِ، أن يسأله ويتضرع إليه، حتى قال لأحد الفتَيينِ: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾.
وروى إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس عن الحسن، قال: قال نبي الله ﷺ: "لولا كلمة يوسف: يعني قوله ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن ما لَبِثَ".
قال ثم يبكي الحسنُ ويقول: نحن ينزل بنا الأمر، فنشكوا إلى الناس.
* وقوله جل وعز ﴿فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾.
روى معمرٌ عن قتادة، قال: يعني أنه لبث في السجن سبع سنين.
وقال وهب: أقام أيوب في البلاء سبعَ سنينَ، وأقام يوسف في السجن سبعَ سنينَ.
قال الفراء: ذكروا أنه لبث سبعاً بعد خمس سنين، بعد قوله: ﴿ٱذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ قال: والبِضْعُ: ما دون العَشْر.
قال الأخفش: البضعُ من واحدٍ إلى عشرة.
وقال قتادة: البضعُ يكون بين الثلاث، والتسعْ، والعشر، وهو قول الأصمعي.
قال العتبي: قال أبو عُبيدة: ليس البضعُ العَقْدَ، ولا نصف العقد، نذهب إلى أنه من الواحد إلى الأربعة.
وقال قطرب: البضعُ: ما بين الثلاث إلى التسع.
قال أبو جعفر: قيل أصحُّهما قول الأصمعي لأن داود بن هند روى عن الشعبي أن النبي ﷺ قال لأبي بكر رحمه الله، حين خَاطَرَ قريشاً في غلبة الرومِ فارسَ، فمضَى ستُّ سنين، وقال أبو بكر "سيغلبون في بضعِ سنينَ" فقال النبيُّ ﷺ: كمِ البضعُ؟ فقال: ما بين الثلاث إلى التِّسْعِ، فخاطرهم أبو بكر وزاد، فجاء
الخبرُ بعد ذلك أنَّ الروم قد غَلَبتْ فارسَ.
يوسف 12:43
وقوله جلَّ وعز ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ إِنِّيۤ أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾.
والعجاف التي قد بلغت النهاية في الهزال.
ومعنى عَبَرْتَ الرؤيا: أخرجتها من حال النوم إلى حال اليقظة، مأخوذٌ من العِبْرُ: وهو الشاطئ.
يوسف 12:44
وقوله جل وعز ﴿قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ ٱلأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ﴾.
روى معمر عن قتادة: أي أخلاطٌ، والضِّغْثُ عند أهل اللغة كذلك، يقال لكل مختَلطٍ من بقلٍ، أو حشيش، أو غيرهما ضِغْثٌ.
أي هذه الرؤيا مختلطة ليست ببيِّنةٍ.
يوسف 12:45
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
روى معاوية بن صالح، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وسفيان عن عاصم، عن أبي رُزَيْنٍ عن ابن عباس ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بعد حين.
روى عفَّان عن همَّامٍ، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنه قرأ "وادَّكَرَ بَعْدَ أَمْهٍ" والمعروفُ من قراءة ابن عباس وعكرمة ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أَمَةٍ﴾.
وفسَّراه: بعد نسيان، والمعنيان متقاربان، لأنه ذكر بعد حين، وبعد نسيان.
* ثم قال تعالى: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾.
أي أنا أخبركم.
وقرأ الحسن: ﴿آتِيكُمْ بتأويله﴾، وقال: كيف ينَبِّئُهم العلْجُ؟
قال أبو جعفر: ومعنى "أنبِّئكم" صحيحٌ حسنٌ، أي أنا أخبركم إذا سألتُ.
يوسف 12:46
ثم قال جل وعز ﴿فَأَرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ﴾.
وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: فذهبَ فقال: يا يوسف.
* وقوله جل وعز ﴿لَّعَلِّيۤ أَرْجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: لعلَّهم يعلمون تأويل رؤيا الملك.
ويجوز أن يكون لعلهم يعلمون بموضعك فتخرج من السجن.
يوسف 12:47
﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾.
أي تِبَاعاً واعتياداً.
قال أبو عبيدة: معنى ﴿تُحْصِنِونَ﴾: تُحْرِزُونَ.
يوسف 12:49
وقوله جل ذكره ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
رَوى معاوية بن صالح، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال ﴿يَعْصِرُون﴾: العِنَبَ والزَّيتَ.
ويُقْرَأ "تَعْصِرُونَ" و "يَعْصِرُونَ" و "يُعْصَرُونَ".
وزعم أبو عبيدة أن معنى يعصِرُون ينجون من العُصْرةِ، والعَصَر، وهما المنجا، وأنشد أحمد بن جعفر لأبي زُبَيْدٍ:
صَادِياً يَسْتَغِيثُ غَيْرَ مُغَاثٍ * وَلَقَدْ كَانَ عَصْرُهُ المَنْجُودِ
والمنجودُ: الفَزِعُ.
قال أبو جعفر: والأجود في هذا أن يكون المعنى فيه ما قال ابن عباس وابن جريج في يعصِرُون.
وأما معنى "تُعْصَرُونَ" فمعناه تُمْطَرُونَ، من قوله: ﴿وأنْزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ ماءً ثَجَّاجاً﴾.
وكذلك معنى "تُعْصِرُون".
يوسف 12:50
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ﴾.
يروى أن النبي ﷺ تعجَّب من صبره، وقال: "لو كنتُ مكانه ثم جاء الرسولُ لبادرتُ".
ثم قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
ولم يذكر امرأة العزيز فيهن حُسْنَ عشرةٍ منه وأدباً.
يوسف 12:51
وقوله جل وعز ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾.
رَوى إسرائيل عن سِمَاك بن حَرْبٍ، عن عِكرمة عن ابن عباس، قال: جَمَعَ فرعونُ النسوةَ فقال لهن: أنتنَّ راودتنَّ يوسف عن نفسه؟ فقالت امرأة العزيز ﴿ٱلآنَ حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾ فقال يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ إنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخَائِنِينَ﴾ فقال جبريل عليه
السلام - وغمزه - ولا حين هَمَمْتَ؟ فقال: ﴿وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾.
قال أبو جعفر: وهذا كلامٌ غامضٌ عند أهل العربية، لأن كلام يوسف مختلط بما قبله وغير منفصل منه، ألاَ تراه خبَّر عن امرأةِ العزيز أنها قالت ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾؟ ثم اتصل به قول يوسف ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بالغَيْبِ﴾.
ونظيره ﴿إنَّ الملوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِهَا أذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.
قال أبو جعفر: وفي الآية تأويلٌ آخر.
رَوى حَجَّاج: عن ابن جريجٍ قال: قال يوسف ارجعْ إلى ربك، فاسأله ما بال النِّسْوَة اللاَّتي قَطَّعْنَ أيديهنَّ؟ إنَّ ربي بكيدهنَّ عليم، ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾.
وقال ابن جريج: وهذا من تقديم القرآن وتأخيره.
قال: أراد أن بييِّن عُذْره، قبل أن يخرج من السجن، فهذا على هذا التأويل قاله يوسف في السجن.
وعلى تأويل ابن عباس قاله يوسف بعد ما خرج من السجن، حين جمعه الملك مع النسوة.
قال أبو جعفر: والتأويلانِ حسنانِ، والله أعلم بحقيقة ذلك.
قال مجاهد وقتادة: معنى ﴿حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ﴾ تبيَّنَ.
قال أبو إسحاق: هو مأخوذ من الحِصَّة أي بانتْ حِصَّةُ الحقِّ، من حِصَّةِ الباطلِ.
يوسف 12:54
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾.
أي أجعله خالِصاً لنفسي، لا يَشْركني فيه غيرُه.
ثم قال جلَّ ذكره ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ ٱلْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾.
أي بد تَبَينَّا أمانتَك، وبراءَتَك ممَّا قُرِفْتَ به.
﴿قَالَ ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ﴾.
أي على أموالها.
﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾.
أي حافظٌ للأموال، وأعلمُ الماوضعَ التي يجبُ أن أجعلها فيها.
يوسف 12:59
وقوله جل وعز ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ﴾.
قيل: في الكلام حذفٌ، والمعنى: سألهم عن أمورهم، فلمَّا خبَّروه وجرى الكلامُ إلى هذا قال: ﴿ٱئْتُونِي بِأَخٍ لَّكُمْ مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّيۤ أُوفِي ٱلْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ ٱلْمُنْزِلِينَ﴾.
قيل: لأنه أحسنَ ضيافتهم.
يوسف 12:62
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾.
قيل: يراد بالفتية، والفتيان ها هنا: المماليكُ.
ثم قال: ﴿ٱجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ إِذَا ٱنْقَلَبُوۤاْ إِلَىٰ أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
قال أبو جعفر: في هذا قولان:
أحدهما: أن المعنى "إذا رأوا البضاعة في رحالهم، وهي ثمن الطعام رجعوا، لأنهم أنبياء لا يأخذون شيئاً بغير ثمنٍ".
وقيل: إذا رأوا البضاعة في الرحال، علموا أنَّ هذا لا يكون من أمرِ يوسفَ فرجعوا.
يوسف 12:64
وقوله جل وعز ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَآ أَمِنتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِن قَبْلُ﴾.
لأنهم قالوا في أخيه "أرسله معَنَا غَداً نَرْتَعْ وَنَلعب وإنَّا لهُ لحافظونَ".
فضمنوا له حفظَهُما.
يوسف 12:65
وقوله جل وعز ﴿قَالُواْ يٰأَبَانَا مَا نَبْغِي﴾.
يجوز أن يكون المعنى: أيَّ شيءٍ نبغي وقد رُدَّتْ إلينا بضاعتنا؟
ويجوز أن يكون المعنى: ما نبغي شيئاً ويكونُ "ما" نافية.
ثم قال: ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا﴾.
يُقال: مَارَ أهله، يَمِيرُهم، مَيْراً، ومَيرَةً: إذا جاء بأقواتهم من بَلدٍ إلى بلد.
* ثم قال جل وعز ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾.
قال ابن جريج: لأنه كان يعطي كل رجل منهم كيل بعير.
قال مجاهد يعني وَقْر حِمَارٍ.
وقال بعضهم يُسَمَّى الحمارُ بعيراً يعني أنها لغة.
فأما أهل اللغة فلا يعرفون أنه يقال للحمار بعيرٌ، والله أعلم بما أراد.
ثم قال: ﴿ذٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾.
أي سهلٌ عليه.
يوسف 12:66
وقوله جل وعز ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾.
أي إلاَّ أن تَهْلِكُوا وتُغْلَبُوا.
* ثم قال جل وعز ﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾.
أي كفيل.
يوسف 12:67
قوله جل وعز ﴿وَقَالَ يٰبَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَٱدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال الضحاك: خافَ عليهم العَيْنَ.
وقال غيره: العينُ حقٌّ، لأن النبي ﷺ كان يُعوِّذُ الحسنَ، والحسينَ رضي الله عنهما، فيقول: "أعيذُكُما بكلماتِ الله التَّامَّة، من كل لامَّة".
وقيل: كَرِهَ أن يلحقهم شيءٌ، فيتوهم أنه من العين، فيُؤْثم في ذلك.
والدليل على صحة هذا القول حديثُ النبي ﷺ "إذا سمعتم بالطَّاعُون في أرضٍ، فلا تَقْدُمُوا عليه..".
وجوابٌ آخرُ: أن يكون كَرِهَ أن يدخلوا فيُستَرابَ بهم، والله عزَّ وجلَّ أعلم.
يوسف 12:68
وقوله جل وعز ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً﴾.
قيل: المعنى: أنه لو قُضِيَ عليهم شيءٌ لأصابهم، دخلوا مجتمعين أو متفرقين؟
وقيل: المعنى: لو قُضِيَ أن تُصيبهم العينُ، لأصابتهم متفرِّقين كما تصيبهم مجتمعين.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾.
قال مجاهد: يعني خوفه عليهم العينَ.
يوسف 12:69
وقوله جل وعز ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىۤ إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾.
يُقال: آويتُ فلاناً بالمدِّ إذا ضممتَهُ إليكَ، وأَويتُ إليه: أي لجأتُ إليه.
ومعنى ﴿فَلاَ تَبْتَئِسْ﴾: فلا تحزن، من البؤس.
يوسف 12:70
وقوله جل وعز ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾.
قال قتادة: هي مَشْربةُ المَلِك.
وقال الضحاك: هو الإِناءُ الذي يَشْرَبُ فيهِ الملِكُ.
وَرَوى شعبةُ عن أبي بِشْرٍ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: ﴿صُوَاعُ المَلِكِ﴾: شيءٌ من فضة، يُشْبِه المكُّوكَ، من ذهب وفضة، مرصَّعٍ بالجواهر، يُجعل على الرأس.
وكان للعباس واحدٌ في الجاهلية.
* وقوله جل وعز ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾.
أي أعلم ونادى، يُقال: آذَنْتُ: أي أعلمتُ، وأَذَّنْتُ: أي أعلمت مرَّةً بعد مرَّة.
والمعنى: يا أصحاب العير.
وقال ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ولم يسرقوا الصُّواع؟
قيل: لأنهم أخذوا يوسف فباعوه، فاستجازَ أن يقول لهم: إنكم لسارقون.
وقيل: يجوز أن يكون الصُّواعُ جُعل في رحالهم، ولم يعلمِ الذي ناداهم بذلك، فيكون كاذباً.
وقال أحمد بن يحيى: أي حالكم حالُ السُّرَّاق، وهكذا كلام العربِ، وكأنَّ المنادِي حَسبَ أن القوم سرقوه، ولم يعلم بصنيع يوسف.
وقيل: يجوز أن يكون أذان المؤذن عن أمر يوسف، واستجاز ذلك بهم أنهم قد كانوا سرقوا سرقةً في بعض الأحوال، يعني بذلك تلك السرقة، لا سرقتهم الصُّواع.
وقال بعض أهل التأويل: كان ذلك خطأ من فعل يوسف، فعاقبه اللهُ عز وجل إذ قالوا له: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾.
يوسف 12:72
وقوله جل وعز ﴿وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ﴾.
قال الضحاك: أي كفيلٌ.
وقال قتادة: أي حَمِيل.
قال الفرَّاء: زعيمُ القوم رئيسُهم ومتكلِّمهم.
قال أبو جعفر: وهذا قريبٌ من الأول، لأنَّ حميلَهم هو رئيسُهم.
وروى أبو أُمَامة عن النبي ﷺ أنه قال: "والزعيمُ غارم" مختصرٌ.
يعني ﷺ بالزعيم: الضامن.
يوسف 12:73
وقوله جل وعز ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
يُروى أنهم كانوا لا يُنْزِلونَ على أحد ظُلْماً، ولا يرهبون زرعَ أحدٍ، وأنَّهم جعلوا على أفواه إبِلهم الأكِمَّةَ لئلا تَعِيث في زروع النَّاسِ.
* ثم قال جل وعز ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾.
يُروى أنهم ردُّوا البضاعة التي جُعِلت في رحالهم، أي فمن ردَّ ما وَجَده كيف يكون سارقاً؟
يوسف 12:74
ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ﴾.
يُقال: إنَّ هذه هي الحيلة التي ذكرها الله في قوله: ﴿كَذٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ﴾.
قال الضحاك: أي في سلطانِ الملك، وذلك أنه كان حكم الملك إذا سَرَقَ إنسانٌ شيئاً [غُرِّمَ مثلَهُ، وكان حكم يعقوب ﷺ إذا سرق إنسان] استُعْبِدَ، فردَّ الحكم إليهم لهذا.
يوسف 12:76
ثم قال جل وعز ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
أي إلاَّ بمشيئته تعالى.
* ثم قال تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾.
ويُقْرأ ﴿دَرَجَاتِ مَنْ نَشَاءُ﴾ بمعنى من نشاءُ درجاتٍ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
قيل: حتى ينتهي العلمُ إلى اللهِ جلَّ جلاله.
وروى إسرائيل عن سِمَاكٍ، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: يكون ذا أعلمَ من ذَا، واللهُ فوقَ كل عالم.
رَوى سفيان عن عبدالأعلى، عن سعيد بن جُبير، قال: "كُنَّا عند ابن عباس رحمه الله فتحدَّث بحديثٍ فتعجَّبَ منه رجلٌ، فقال: سبحانَ اللهِ ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ فقال ابنُ عباس: بئسَ ما قلتَ: اللهُ العَليم، وهو فوقَ كلِّ عالم".
يوسف 12:77
وقوله جل وعز ﴿قَالُوۤاْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾.
قال مجاهد: يَعْنُونَ يوسفَ.
ويُروى أنه كان رأى صورةً تُعْبَدُ، فأخذها ورمى بها، وإنما فعل ذلك إنكاراً أن يُعبدَ غيرُ اللهِ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾.
ثم بيَّن الذي أسرَّ بقوله: ﴿قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً﴾.
أي أنتم سرقتم على الحقيقة، إذْ بعتُم أخاكم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
أي الله أعلم أسَرَقَ أخوهُ أم لا؟
يوسف 12:80
وقوله جل وعز ﴿فَلَمَّا ٱسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيّاً﴾.
أي يئسوا تركوا أخاهم، وانفردوا يتناجَوْنَ كيف يرجعون إلى يعقوب وليس معهم أخوهم.
* ثم قال تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوۤاْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقاً مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
قيل: "كبيرهم" يهوذا.
قال مجاهد: هو "شمعون" وليس بكبيرهم في السنِّ، لأن "روبيل" أكبر منه.
يذهب مجاهد إلى أن المعنى: "قال كبيرهم" [في العقل، ورئيسُهم لا كبيرهم في السِّن، وقال قتادة في قوله تعالى ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾] هو "روبيل" ذهب إلى أنه كبيرهم في السِّن، والله أعلم بحقيقة ذلك.
* وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ ٱلأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِيۤ أَبِيۤ﴾.
يعني: أرض مصر، لأن كل أحدٍ على الأرض.
يوسف 12:81
وقوله جل وعز ﴿#١٦٤٩؛رْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يٰأَبَانَا إِنَّ ٱبْنَكَ سَرَقَ﴾.
وحُكي أنه قُرِئ ﴿سُرِّقَ﴾.
حدثني محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن محمد بن عثمان بن شَبِيب قال: نا أبو جعفر أحمد بن أبي سُريج قالا: نا علي بن عاصم عن داود وهو ابن أبي هندٍ عن سعيد بن جبير قال: نا ابن عباس يقرؤها: ﴿يَا أبَانَا إنَّ ابنَكَ سُرِّقَ﴾.
وحدثني محمد بن أحمد بن عمر قال: نا ابن شاذان قال: نا أحمد بن سُرَيجٍ البغدادي قال: سمعتُ الكسائيَّ يقرأ: ﴿يَا أبَانَا إنَّ ابْنَكَ سُرِّقَ﴾ مرفوعة بالسين.
و "سُرِّقَ" تحتمل معنيين:
أحدهما: اتُّهم بالسَّرقة.
والآخر: عُلِمَ منه السَّرَقُ.
ومعنى ﴿بَلْ سَوَّلَتْ﴾ أي بل زيَّنَتْ.
يوسف 12:84
وقوله جل وعز ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ﴾.
قال ابن عباس: أي يا حُزْناً.
وقال مجاهد: أي يا جَزَعَا.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.
قال قتادة: أي لم يقل بأساً.
وكذلك هو في اللغة، يُقال: فلانٌ كظيمٌ، وكاظِمٌ: أي حزينٌ لا يشكو حزنه.
يوسف 12:85
وقوله جل وعز ﴿قَالُواْ تَالله تَفْتَؤُاْ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾.
روى إسرائيل، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس "تفتأ" أي لا تزال.
وقال مجاهد: "تَفْتَؤُ" أي تَفْتُر.
والأول: المعروف عند أهل اللغة، يقال ما فَتِئَ، وما فَتَأ أي ما زال.
* ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضاً﴾.
قال ابن جريج عن مجاهد: أي دون الموت.
وقال الضحاك: أي بالياً مُبْراً.
والقولان متقاربان، يُقال: أحْرَضَهُ المَرَضُ، فَحَرِضَ وَيَحْرَضُ: إذا دام سُقْمُهُ وبَلِي.
قال الفراء: الحارضُ: الفاسدُ الجسم والعقل، وكذلك الحَرَضُ.
وقال أبو عبيدة: الحَرَضُ الذي قد أذابه الحُزنُ.
وقال غيره: منه حَرَّضتُ فلاناً أي أفسدت قلبه.
* ثم قال تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ ٱلْهَالِكِينَ﴾.
وقال الضحاك: أي من الميِّتِينَ.
يوسف 12:86
وقوله جل وعز ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ﴾.
والبثُّ: أشدُّ الحزن.
قال قتادة: ﴿ولا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ أي من رحمته.
يوسف 12:88
وقوله جل وعز ﴿قَالُواْ يٰأَيُّهَا ٱلْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾.
وروى إسرائيل عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أي وَرقٍ ردِيئةٍ، لا تجو إلاَّ بِوَضِيعةٍ.
وقال مجاهد: أي قليلة.
وقال قتادة: أي يسيرة.
وقال عبدالله بن الحارث: كان معهم متَاعُ الأعراب من سَمْنٍ، وصوفٍ، وما أشبههما.
وهذه الأقوال متقاربةٌ، وأصلُه من التزجية وهي الدفعُ والسَّوْقُ، يقال: فلانٌ يُزْجِي العِيسَ أي يَدْفع، والمعنى: أنها بضاعة تُدفعُ، ولا يقبلها كلُّ أحد.
واحتجَّ مالك بقوله تعالى ﴿فَأَوْفِ لَنَا ٱلْكَيْلَ﴾ في أنَّ أجرة الكيَّال والوزَّانِ على البايع.
يوسف 12:92
وقوله جل وعز ﴿قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ﴾.
التثريب: التعييرُ واللومُ وإفساد الأمر، ومنه ثَرَّبْتُ أمرَه أي أفسدتُه.
ومنه الحديث: "إذا زنتْ أمَةُ أحدِكم، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلا يُثَرِّبْ" أي ولا يعيِّرها بالزنا.
يوسف 12:94
وقوله جل وعز ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾.
قال ابن عباس: "هاجت ريحٌ فشمَّ ريح القميص من مسيرةِ ثمانية أيام".
ثم قال: ﴿لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾.
قال ابن عباس: تُسَفِّهونِ.
وقال عطاء والضحاك: أي تكذِّبونِ.
والقول الأول: هو المعروفُ، يُقال: فنَّده تفنيداً: إذا عَجَّزَهُ كما قال:
* "أَهْلَكَتْنِي باللَّوْمِ وَالتَّفْنِيدِ" *
ويُقال أفْنَدَ: إذا تكلَّمَ بالخطأ، والفَنَدُ: الخطأُ من الكلامِ والرأي: كما قال الشاعر:
إلاَّ سُلَيْمَانَ إذْ قَالَ المَلِيكُ لَهُ * قُمْ فِي البَرِيَّةِ فَاحْدُدْهَا عنِ الفَنَدِ
يوسف 12:99
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ آمِنِينَ﴾.
قال ابن جريج: أي سوف أستغفر لكم ربِّي إن شاء الله.
قال: وهذا من تقديم القرآنِ وتأخيره.
يذهب ابن جُريج إلى أنهم قد دخلوا مصرَ فكيفَ يقول ﴿ٱدْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾؟
يوسف 12:100
ثم قال تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ﴾.
قال قتادة: أي على السرير.
* ثم قال تعالى: ﴿وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً﴾.
وقال قتادة: وكان هذا من تحيتهم.
قال ابن جريج: كانوا يفعلون هذا كما تفعلُ فارس.
والمعنى: وخرُّوا للهِ سجداً.
والقول الأول: أشبهُ وهو سجودٌ، على غير عبادة، وإن كان قد نُهِيَ المسلمون عن هذا، فإنه على ما رُوي أنها تحيةٌ كانت لهم.
قال الحسن: كان بين مفارقة يوسف أباه إلى أن اجتمع معه ثمانون سنة، لا يهدأ يعقوبُ فيها ساعةً عن البكاء، وليس احدٌ في ذلك الوقت أكرمَ على اللهِ من يعقوبَ ﷺ.
وأُلْقِيَ فِي الجب وهو ابنُ سبعَ عشرةَ سنةً، وعاش بعد لقائِهِ يعقوبَ ثلاثاً وعِشرين سنة، ومات وهو ابنُ عشرين ومائة.
يوسف 12:101
وقوله جلَّ وعز ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ﴾.
ويجوز أن تكون "من" ها هنا للتبعيض، أي قد آتيتني بعض الملك وعلمتني بعضَ التأويل.
ويجوز أن تكون لبيان الجنس أي أتيتني الملكَ، وعلمتني تأويلَ الأحاديث.
ويدلُّ على هذا الجواب ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾.
يوسف 12:103
وقوله جل وعز ﴿وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾.
أي لستَ تقدِرُ على هداية من أردتَ.
يوسف 12:105
وقوله جل وعز ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾.
أي فكم من آيةٍ في رفع السموات بغير عمد، ومجاري الشمسِ، والقمرِ، والنجوم، وفي الأرضِ من نخلِهَا، وزرعِها؟ أي يعلمونها.
يوسف 12:106
ثم قال جل وعز ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِٱللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾.
قال عكرمة: هو قوله تعالى ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾.
فإذا سُئلوا عن صفته وصَفُوه بغيرها، ونسبُوه إلى أن له ولداً.
وقال أبو جعفر: يذهبُ عكرمة إلى أن الإِيمان ها هنا إقرارهم.
يوسف 12:107
ثم قال تعالى ﴿أَفَأَمِنُوۤاْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ ٱللَّهِ﴾؟ [آية ١٠٧].
قال مجاهد: أي تغشاهم.
قال أبو جعفر: ومعناه: تُجَلِّلُهُمْ، ومنه ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغَاشِيَةِ﴾؟
* ثم قال تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.
أي فجأةً من حيث لا يُقدِّروا.
يوسف 12:108
وقوله جل وعز ﴿قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ﴾.
أي على يقين، ومنه فلانٌ مستبصرٌ بهذا.
يوسف 12:110
وقوله جل وعز ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾.
روى الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها في قوله جل وعز ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾قالت: "استيأس الرسلُ من إيمان من كَذَّبهم من قومهم، وظنُّوا أنَّ من آمنَ من قومهم قد كذَّبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان".
وروى ابن أبي مُليكةَ عن عُروة عن عائشة قالت: لحقَ المؤمنين البلاءُ والضرر، حتى ظنَّ الرسلُ أنهم قد كذَّبوهم لِمَا لحقهم.
وقال قتادة: حتى إذا استيأس الرسلُ من إيمان قومهم، وأيقنوا أن قومهم قد كذَّبوهم جاءهم نصرنا.
يذهب قتادة إلى أن الظنَّ ها هنا يقينٌ، وذلك معروفٌ في اللغة، والمعنى أن الرسل كانوا يترجَّون أن يؤمن قومهم، ثم استيأسوا من ذلك، فجاءهم النصر.
والقولُ الأول أشبهُ بالمعنى، وهو أعلى إسناداً، واللهُ أعلمُ بما أرادَ.
وقرأ عبدالله بنُ مسعود، وابنُ عَبَّاس: ﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ بالتخفيف وضمِّ الكاف.
قال أبو جعفر: في معناه عن ابن عباس روايتان:
(أ) روى ابنُ أبي مُليكة عنه: أنهم ضَعُفوا، قال: إنهم بَشَرٌ.
(ب) والقول الثاني: أنه رُوي عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن سعيد ابن جُبير، عن ابن عباس قال: "حتَّى إذا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ" من إيمان قومهم، وظنَّ قومُهُمْ قد كَذَبُوا، جاءهم نصرُنَا.
قال أبو جعفر: الضميرُ في "كُذِبُوا" يعودُ على القوم على هذا.
وقرأ مجاهد: ﴿وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ﴾ بالتخفيف وفتح الكاف.
وفسَّره: وظنَّ قومهم أنهم قد كَذَبُوا.. وهو كالذي قبله في المعنى.
ورُوي عنه في قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا ٱسْتَيْأَسَ ٱلرُّسُلُ﴾ قولانِ:
أحدهما: حتى إذا استيأس الرسلُ أن يأتيَ قومَهُم العَذَابُ.
والقول الثاني أحسنُ وهو: حتَّى إذا استيأسَ الرسلُ من إيمانِ قومِهِمْ.
يوسف 12:111
ثم قال جلَّ وعز ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ﴾.
قال مجاهد: يعني يوسف وإخوته.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
قال سفيان: يعني التوراة والإِنجيل والكتب ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾.
الرعد 13:1
من ذلك قوله جل وعز ﴿الۤمۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ﴾.
هذا تمام الكلام.
ومَنْ ذهبَ إلى أنَّ كلَّ حرفٍ من هذه يؤدِّي عن معنى، قال: المعنى أنَا اللهُ أرى.
الرعد 13:2
وقوله جلَّ وعز ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.
المعنى: ترونها بغير عَمَدٍ.
ويجوز أن يكون الضمير يعود على العَمَدِ.
* ثم قال جل وعز ﴿وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ﴾.
أي أنهما مقهورانِ مُدَبَّرَان، فهذا معنى التسخير في اللغة.
الرعد 13:3
ثم قال تعالى ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلأَرْضَ﴾.
أي بَسَطَهَا.
﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي جبالاً.
﴿وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾ أي صنفين، وكلُّ صنفٍ زوجٌ.
الرعد 13:4
ثم قال تعالى ﴿وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾.
وفي هذا قولان:
قال ابن عباس: يعني الطيِّبَ، والخبيثَ، والسِّباخَ، والعِذَابَ.
وكذلك قال مجاهد.
والقول الآخر: أنَّ في الكلام حذفاً، والمعنى: وفي الأرض قطعٌ متجاورات وغير متجاوراتٍ، كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تقيكُمُ الحَرَّ﴾ والمعنى: وتقيكم البرد، ثم حَذَفَ ذلك لعلم السَّامعِ.
و ﴿المُتَجَاوِرَاتُ﴾ المدنُ وما كان عامراً ﴿وغَيْرَ مُتَجَاوِرَاتٍ﴾ الصَّحَارى، وما كان غَيرَ عامر.
* ثم قال تعالى: ﴿وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ﴾.
أي وفيها جنَّاتٌ من أعنابٍ.
﴿وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾.
وقرأ ﴿صُنْوَانٌ﴾ بضمِّ الصَّاد أبو رَجَاءٍ، وأبو عبدالرحمن، وطلحةُ.
ورَوَى أبو إسحاق عن البراء قال: الصِّنْوانُ: المُجْتَمِع، وغيرُ صنوان المتفرِّق.
حدثنا زهير بن شريك قال حدثنا أحمد بن عبدالله بن يونس قال: حدثنا زهير بن معاوية قال أبو إسحاق عن البراء في قوله ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ قال: الصِّنْوَانُ: ما كان أصلحه واحداً وهو متفرِّقٌ، وغيرُ صنوان التي تَنْبُت وحدَها.
وكذلك هو في اللغة، يقال للنخلة إذا كانت فيها نخلة أخرى أو أكثر "صنوان" فإذا تفرَّقت قيل: غير صنوان.
* ثم قال جل وعز ﴿يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ﴾.
أي في الثَّمر، أي هي تأتي مختلفة، وإن كان الهواء واحداً، فقد عُلِمَ أنَّ ذلك ليس من أجل الهواء، ولا الطبع، وأنَّ لها مدبِّراً.
ورَوَى سفيانُ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ﴾ قال: الحلوُ، والحامضُ، والفارسيُّ، والدَّقَلُ.
الرعد 13:5
ثم قال تعالى ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾.
أي إن تعجب من إنكارهم البعثَ بعد هذه الدلائل، فإنَّ ذلك ينبغي أن يُتعجَّبَ منه.
الرعد 13:6
وقوله تعالى ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبْلَ ٱلْحَسَنَةِ﴾.
رَوَى معْمَرٌ عن قتادة، قال: بالعُقوبةِ قبل العافية.
قال غيره: يعني قولهم: ﴿اللهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾.
* ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ ٱلْمَثُلاَتُ﴾.
قال مجاهد: يعني الأمثال.
وقال قتادة: يعني العقوبات.
قال أبو جعفر: وهذا القول أولى، لأنَّه معروف في اللغة أن يقال للعقوبة الشديدة مَثُلَةٌ، ومُثْلَةٌ.
ورُوِيَ عن الأعمش أنَّه قرأ ﴿المُثُلاَتُ﴾ بضم الميم والثَّاء. وهذا أيضاً جمع (مُثْلة).
ورُوِيَ عنه أنه قرأ ﴿المُثْلاَتُ﴾ بضم الميم وإسكان الثاء.
وهذا أيضاً جمع (مُثْلة).
ويجوز (المُثْلاَتُ) تبدل من الضَّمَّةِ فتحةٌ لثقلها.
وقيل: تأتي بالفتحة عوضاً من الهاء.
ورُوِيَ عن الأعمش أيضاً أنه قرأ ﴿المثْلاَتُ﴾ بفتح الميم وإسكان الثاء، فهذا جمع (مَثْلَة) ثمَّ حذف الضَّمَّة لثقلها.
* وقوله جل وعز ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾.
رَوى حمَّاد بنُ سَلَمَة عن عليٍّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب، قال: لمَّا نزلت ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلْعِقَابِ﴾ قال: قال رسول الله ﷺ: "لولا عفوُ الله ورحمتُه، وتجاوزُه لما هَنَأَ أحداً عيشٌ، ولولا عقَابُهُ ووعيدُه وعذابُه، لاتَّكَلَ كلُّ واحد".
الرعد 13:7
وقوله تعالى ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.
قال مجاهد وقتادة - وهذا معنى كلامهما -: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ يعني النَّبيَّ ﷺ. ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ أي نبيٌّ يدعوهم.
وروى سفيان عن أبي الضُّحَى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ قال: النَّبِيُّ ﷺ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: اللهُ جلَّ وعز.
وروى عليٌّ بنُ الحَكَمِ، عن الضَّحَّاك ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [قال: الله عزَّ وجل.
وقال أبو صالح: المعنى لكل قوم] داعي هدى، أو داعي ضلالة.
والذي يذهب إليه جماعةٌ من أهل اللغة أنَّ المعنى: أنَّهم لمَّا اقترحوا الآياتِ أعلمَ اللهُ جلَّ وعزَّ أنَّ لكل قومٍ نبيًّا يهديهم ويبيِّنُ لهم، وليس عليه أنّ يأتيهم من الآيات بما يقترحون.
وروى سفيان عن عطاءٍ عن سعيد بن جُبَيْر في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ قال: النَّبيُّ ﷺ، ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قال: اللهُ جلَّ ذكره.
وروى سفيان عن السُّدي، عن عكرمة في قوله جلَّ وعز: ﴿اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِل كُلُّ أُنْثَى﴾ قال سفيان: يعني من ذَكَرٍ أو أنثى.
الرعد 13:8
ثم قال تعالى ﴿وَمَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾.
قال الحسن والضَّحَّاك: هو نقصان الولد عن تسعة أشهر، وزيادته عليها.
وقال قتادة: تغيض السِّقْطُ، وتزداد على التسعةِ أشهر.
وقال مجاهد: الغيضُ: النقصان، فإذا اهْرَاقتِ المرأةُ الدَّمَ وهي حاملٌ انتقصَ الولدُ، وإذا لم تُهْرِق الدَّمَ عَظُمَ الولدُ وتَمَّ.
[وقال سعيد بن جبير: إذا حملت المرأة ثم حاضت] نَقَصَ ولدها، ثم تزداد به الحمل مقدار ما جاءها الدَّمُ به.
وقال عكرمة: الغيضُ: أنْ ينقص الولدُ بمجيء الدَّم، والزيادةُ أنْ يزيد مقدارُ ما جاءها الدَّمُ فيه، حتى تستكمل تسعة أشهر، سوى الأيَّامِ التي جاءها الدَّمُ فيها.
الرعد 13:10
وقوله جل وعز ﴿سَوَآءٌ مِّنْكُمْ مَّنْ أَسَرَّ ٱلْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ﴾.
قال ابن عباس: السَّاربُ: الظَّاهِرُ.
قال قتادة: الساربُ: الظاهرُ، الذَّاهبُ.
وقال مجاهد: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ﴾ أي مستترٌ بالمعاصي، وساربٌ بالنهار: ظاهرٌ.
وقال بعض أهل اللغة: ﴿وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِٱلْلَّيْلِ﴾ أي ظاهرٌ من خَفَيْتُه إذا أظهرتَهُ ﴿وَسَارِبٌ بِٱلنَّهَارِ﴾ أي مستترٌ من قولهم: انسرب الوحش إذا دخل كِنَاسَه.
قال أبو جعفر: القولُ الأول أولى لجلالة من قال به، وأشبهُ بالمعنى، لأن المعنى - والله أعلم -: سواءٌ منكم من أسرَّ منطقه أو أعلَنهُ، واستَتَرَ باللَّيْلِ، أو ظَهَرَ بالنَّهَارِ، وكلُّ ذلك في علم اللهِ سواء.
وهو في اللغة أشهرُ وأكثرُ.
قال الكسائي: يُقال: سَرَب يَسْرُب سَرْباً وسُرُوباً إذا ذهب.
وحكى الأصمعي: خَلِّ له سَرْبَه أي طريقه.
الرعد 13:11
ثم قال جل وعز ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾.
في الآية ثلاثةُ أقوالٍ:
رَوَى إسرائيلُ، عن سِمَاكٍ عن عِكْرَمةَ، عن ابن عبَّاسٍ قال: ملائكةٌ يحفظونه، فإذا جاء القَدَرُ خلَّوْا بينه وبينَه.
وَرَوى معاويةُ بن صالح، عن عليٍّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عبَّاس ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ﴾ قال: بإذن الله، وهي من أمرِ الله، وهي ملائكة.
قال الحسن: عن أمر الله.
قال مجاهد وقتادة - وهذا لفظ قتادة -: وهي ملائكةٌ تتعاقب بالليل والنهار عن أمر الله، أي بأمر اللهِ.
فهذا قولٌ.
والقولُ الثاني: أنه رُوي عن جُوَيْبِر عن الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس في قوله تعالى ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال: هم السَّلاطِينُ الذين لهم قومٌ من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله، فإذا جاء أمر الله لم ينفعوا شيئاً.
وَروَى عليُ بنُ الحَكم عن الضَّحَّاك قال: هو السلطانُ المتحرِّسُ من الله، وذلك أهلُ الشِّركِ.
وروى شعبة عن شرقي عن عكرمةَ، قال: هم الأمراء.
فهذان قولان.
والقول الثالث: أن ابن جريج قال: هو مثلُ قولِهِ ﴿عَنِ اليَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ فالذي عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات.
و ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ أي يحفظون عليه كلامه وفعله.
وأولى هذه الأقوال الأوَّل لعلوِّ إسناده، وصحته.
ويقوِّيه أن مالك بن أنس روى عن أبي الزِّناد عن الأعرج، عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "للهِ ملائكةٌ يتعاقبون فيكم باللَّيلِ والنَّهار.." وذكر الحديث.
وروى شعبة عن عمروِ بنِ مُرَّة، عن أبي عُبيدة، عن عبدالله بن مسعود في قوله تعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ قال: تدورُ كالحرسِ، ملائكة الليل، وملائكة النَّهار.
وروى ابن عُيَيْنَةَ عن عمروٍ، عن ابن عباس أنَّه قرأ ﴿معقِّباتٌ﴾ من بين يديهِ ورقباءُ من خلفه، من أمر الله يحفظونه.
فهذا قد بيَّنَ المعنى.
وقال الحسن في المعنى يحفظونه عن أمر الله. [وهذا قريب من الأول، أي حفظُهم إيَّاهُ من عند الله] لا من عند أنفسهم.
وروى عمرو بن مالك عن أبي الجوزاء في قوله ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ قال النبيُّ ﷺ.
وهذا يريد الملائكة أيضاً.
وعن بعضهم أنَّه قرأ "معاقِيبُ من بين يديهِ ومن خلفه" و "معاقيبُ" جمعُ مُعَقِّب، وتفسيره كتفسير الأول.
* وقوله جل وعز ﴿وَمَا لَهُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾.
أي ليس أحد يتولاهم من دون الله.
و "وَالٍ" ووليٌّ واحدٌ، كما يُقالُ: قديرٌ وقادرٌ، وحفيظٌ وحَافظٌ.
الرعد 13:12
وقوله جل وعز ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾.
قال الحسن ومجاهد وقتادة: أي خوفاً للمسافر، وطمعاً للحاضر.
والمعنى: أنَّ المسافر يخاف من المطر ويتأذَّى به.
قال الله تعالى ﴿أذًى مِنْ مَطَرٍ﴾.
والحاضر: المنتفع بالمطر، يطمعُ فيه إذا رأى البرق.
* ثم قال تعالى: ﴿وَيُنْشِىءُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ﴾.
قال مجاهد: التي فيها المطر.
الرعد 13:13
ثم قال تعالى ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾.
رَوى سفيانُ عن سالم، عن أبي صالح، قال: الرَّعدُ: مَلَكٌ يسبِّحُ.
وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد: قال: الرعد ملكٌ يسمَّى "الرَّعدَ" ألاَ تسمع إلى قوله: ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾؟
وروى سفيان عن الحكم بن عُتَيْبَة عن مجاهد، قال: الرَّعدُ: مَلَكٌ يزجرُ السحابَ بصوتِهِ.
وقال عكرمة: الرعد ملك يصوِّت بالسحاب كالحادي بالإِبل.
ورُوي أنَّ ابن عبَّاس كان إذا سمع صوت الرعد قال: "سبحان الذي سبَّحتْ له".
وروى مالكٌ عن عامر بن عبدالله، عن أبيه، كان إذا سمع صوت الرعد لَهِيَ من حديثه، وقال: "سبحانَ من سبَّحَ الرعدُ بحمدِهِ، والملائكةُ من خيفته" ثم يقول إنَّ هذا وعيدٌ لأهلِ الأرض شديد.
* ثم قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ ٱلصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ﴾.
يجوز أن تكون الواوُ واوَ حال، أي يصيب بها من يشاء في حال مجادلته.
لأنه يُروى أن أربد سأل النبي ﷺ فقال: أخبرنا عن ربِّنا أهو من نُحَاسٍ، أو من حديد؟ فأرسل الله صاعقة فقتلته.
ويجوز أن يكون قوله ﴿وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي ٱللَّهِ﴾ منقطعاً من الأول.
* ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ شَدِيدُ ٱلْمِحَالِ﴾.
قال ابن عباس: أي الحول.
وقال قتادة: أي الحيلة.
وقال الحسن: المكرُ.
ورُوي عن الحسن أنه قال: أي الهَلاَك.
وهذه أقوال متقاربةٌ، وأشبهها بالمعنى - والله أعلمُ - أنه الإِهْلاَكُ؛ لأن المَحْلَ الشِدَّةُ، فكأنَّ المعنى: شديد العذاب والإِهلاك.
وقد قال جماعة من أهل اللغة، منهم "أبو عُبيدة" و "أبو عُبيدٍ": هو المكرُ، من قولهم: مَحَلَ به، وأنشدَ بيتَ الأعشَى:
فَرْعُ نَبْعٍ يَهْتَزُّ فِي غُصُنِ المَجْدِ * غَزِيرُ النَّدَى شَدِيدُ المِحَالِ.
وقال أبو عبيد: الأشبهُ بقول ابن عبَّاس أنْ يكون قرأ "شديد المَحَال" بفتح الميم.
فأما الأعرجُ فالمعروف من قراءته "المَحَال" بفتح الميم.
ومعناه كمعنى الحَوْلِ من قولهم: لا حَوْلَ وَلاَ قوَّةَ إلاَّ باللهِ.
فأما معنى المكر من الله: فهو إيصال المكروه إلى من يستحقُّه من حيث لا يشعر.
الرعد 13:14
وقوله جلَّ وعز ﴿لَهُ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ﴾.
رَوَى إسرائيل عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابنِ عبَّاسٍ قال: "لا إله إلاَّ اللهُ".
وكذلك قال قتادة والضَّحَّاك.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾.
قال مجاهد: أي يشير إلى الماء بيده، ويدعوه بلسانه.
وقال غيره: أي الذي يدعو الأصنام، بمنزلة القابض على الماء، لا يحصل له شيء.
الرعد 13:15
وقوله جل وعز ﴿وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾.
قيل: مَنْ أسلم طوعاً، ومَنْ لم يسلم حتى فُحِصَ عن رأسه بالسيف، فكان أول دخوله كَرْهاً.
وقيل: إنَّما وقع هذا على العموم، لأنَّ كل من عَبَدَ غيرَ اللهِ، فإنَّما يقصد إلى ما يَعْظُم في قلبِهِ، واللهُ العظيمُ الكبيرُ.
والسجودُ في اللغة: الخضوعُ، والانقيادُ، وليس شيءٌ إلاَّ وهو يخضع للهِ، وينقادُ له.
* ثم قال تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ﴾.
يُروى أنَّ الكافر يسجد لغير اللهِ، وظلُّه يسجدُ للهِ، وهذا من الانقياد والخضوع.
وقيل: الظِّلالُ ها هنا: الأشخاصُ.
الرعد 13:16
وقوله جل وعز ﴿أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ ٱلْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾.
أي هل رأَوْا غير اللهِ خَلَقَ مثْلَ خلقِهِ، فتشابَهَ الخلقُ عليهم؟!
الرعد 13:17
وقوله تعالى ﴿أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾.
قال ابن جريج: أخبرني ابن كثير، قال: سمعتُ مجاهداً يقول: بقدر مِلئها.
قال ابن جريج: بقدر صِغَرِهَا، وكِبَرِهَا.
وقرأ الأشهبُ العُقَيْلِيُّ ﴿فَسَالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدْرِهَا﴾ والمعنى واحدٌ.
وقيل: معناها بما قُدِّر لها.
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً﴾.
أي طالعاً عالياً.
قال مجاهد: تمَّ الكلامُ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبْتِغَآءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾.
قال مجاهد: المتاع: الحديدُ، والنُّحَاسُ، والرَّصَاصُ.
قال غيره: الذي يوقد عليه ابتغاء حليةٍ: الذهب والفضَّة.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾.
قال مجاهد: أي جموداً.
قال أبو عمرو بن العلاء - رحمه الله -: يقال: أجفأَتِ القِدْرُ: إذا غَلَتْ حتى يَنْضُبُ زَبَدُها، وإذا جمد في أسفلها.
قال أبو زيد: وكان رُؤبةُ يَقْرأ ﴿فَيَذْهَبُ جُفَالاً﴾، يقال: جَفَلتِ الرِّيحُ السَّحَابَ: إذا قَطَّعَتْهُ وأذهبته.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
قال مجاهد: وهو الماءُ، وهذا مثلٌ للحقِّ والباطلِ، أي إنَّ الحقَّ يبقى ويُنتفعُ به، والباطلُ يذهبُ ويضمَحِلُّ، كما يذهب هذا الزَّبدُ، وكذهابِ خَبَثِ هذه الأشياء.
* ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ﴾.
تمَّ الكلام.
الرعد 13:18
ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿لِلَّذِينَ ٱسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
قال قتادة: هي الجنَّةُ.
* وقوله تعالى: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ سُوۤءُ ٱلْحِسَابِ﴾.
قال أبو الجوزاء: عن ابن عبَّاس يعني: المناقشة بالأعمال.
ويدلُّ على هذا الحديث: "مَنْ نُوقشَ الحسابَ هَلَك".
قال فرقد: قال لي إبراهيم: يا فرقدُ: أتدري ما سُوءُ الحساب؟ قلتُ: لا. قال: أن يُحَاسَبَ العبدُ بذنبه كلِّه، لا يُغْفَرُ له منه شيء.
الرعد 13:23
وقوله تعالى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾.
أي من كان صالحاً.
لا يدخلونها بالأنساب.
* ثم قال تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾.
أي تكرمةً من الله لهم.
الرعد 13:24
ثم قال تعالى ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾.
أي يقولون: سلامٌ عليكم بما صبرتم.
* ثم قال جل وعز ﴿فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ﴾.
قال أبو عِمْرَان الجَوْنِي: ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار﴾ الجنَّةُ من النار.
الرعد 13:26
وقوله جل وعز ﴿وَمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ﴾.
قال مجاهد: أي تذهب.
الرعد 13:27
وقوله عز وجل ﴿قُلْ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِيۤ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾.
أناب: إذا رجع إلى الطاعة.
الرعد 13:28
ثم قال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ ٱللَّهِ﴾.
أي بتوحيده، والثناء عليه.
* ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾.
أي التي هي قلوب المؤمنين.
قال مجاهد: يعني أصحابَ محمدٍ ﷺ.
الرعد 13:29
ثم قال تعالى ﴿ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ﴾.
قال ابن عباس وأبو أُمَامة: "طُوبَى" شجرةٌ في الجنة.
وكذلك قال عبيد بن عمير.
وقال مجاهد: هي الجنة.
وقال عكرمة: أي نِعْمَ ما لَهُمْ.
وقال إبراهيم: "طُوبَى" أي خيرٌ وكرامةٌ.
وهذه الأقوال متقاربةٌ، لأن "طُوبَى" فُعْلَى من الطِّيب، أي من العيش الطيِّب لهم، وهذه الأشياء ترجع إلى الشيءِ الطيِّبِ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَحُسْنُ مَآبٍ﴾.
قال مجاهد: أي مرجع.
الرعد 13:31
وقوله تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.
قال ابن عباس: قال الكفَّارُ للنَّبِيِّ ﷺ: سيِّرْ لَنَا الجبالَ، قَطِّعْ لنا الأرضَ، أحْيِي لنا الموتَى.
وقال مجاهد: قالوا للنَّبيِّ ﷺ: بعِّد لنا هذه الجبال، وادْعُ لنا أن يكون لنا زرعٌ، وقرِّبْ منَّا الشَّامَ فإنَّا نَتَّجِرُ إليه، وأحيي لنا الموتى.
قال قتادة: قالت قريش للنَّبيِّ أحْيي لنا الموتى، حتى نسألهم عن الذي جئتَ به، أحقٌّ هو؟ فأنزلَ اللهُ ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ ٱلْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ ٱلأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾.
قال: لو فُعِل هذا بأهل الكتاب لفُعِل بكم.
وهذه الأقوال كلُّها توجب أنَّ الجوابَ محذوفٌ، لعلم السامع؛ لأنهم سألوا فكان سؤالهم دليلاً على جواب (لو).
ونظيرُه: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أوْ آوِي إلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾.
وقال الشاعر:
فَلَوْ أنَّها نَفْسٌ تَمُوتُ سَوِيَّةً * وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أنْفُسَا
فحذِف جوابُ (لو)، أي لَتَسَلَّتْ.
وفي الحذف من الآية قولان:
أكثرُ أهل اللغة يذهب إلى أنَّ المعنى: ولو أنَّ قرآناً سُيِّرَت به الجِبالُ، أو قُطِّعت به الأرضُ، أو كُلِّم به المَوْتَى، لكانَ هذا القرآن.
وقال بعضهم: المعنى: لو فُعِلَ بهم هذا لَمَا آمنُوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّنَا نَزَّلْنَا إلَيْهِمْ المَلاَئِكَةَ، وَكَلَّمَهُمُ المَوْتَى، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً، مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إلاَّ أنْ يَشَاءَ اللهُ﴾.
قال أبو جعفر: [وقيل: في الكلام] تقديمٌ وتأخيرٌ، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أنَّ قرآناً سُيِّرت به الجبالُ، أي وهم يكفرون ولو وَقَعَ هذا.
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَن لَّوْ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعاً﴾.
قال أبو جعفر: في هذه الآية اختلافٌ كثير.
روى جرير بنُ حازمٍ عن يَعْلَى بن حكيمٍ، وعكرمةُ عن ابنِ عبَّاس أنه قَرَأ ﴿أفَلَمْ يَتَبَيَّن الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مُخْتَصَرٌ.
وفي كتاب خارجةَ أنَّ ابن عبَّاس قرأ ﴿أفَلَمْ يَتَبَيَّنْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.
وروى المنهال بن عُمير عن سعيد بن جُبير عن ابن عبَّاس ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ أي أفلم يعلم.
وأكثرُ أهل اللغة على هذا القول.
وممن قال به أبو عمرو بن العلاء وأبو عبيدة، قال سُحَيْم بن وثيل:
أقُولُ لَهُمْ بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي * ألَمْ تَيْأَسُوا أنِّي ابنُ فَارِسِ زَهْدَمِ
ويُروى: إذْ يأسِرونني.
فمعنى ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ ألم يعلموا.
وروى معاوية بن صالح بن عليِّ بنِ أبي طلحة عن ابنِ عبَّاس في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ قال: أفلم يعلم.
وفي الآية قول آخر:
قال الكسائي: لا أعرفُ هذه اللغة، ولا سمعتُ مَنْ يَقولُ: يئستُ بمعنى علمتُ، ولكنه عندي من اليأس بعينه، والمعنى: إنَّ الكفار لمَّا سألوا تسيير الجبال بالقرآن، و تقطيعَ الأرض، وتكليمَ الموتى، اشْرَأَبَّ لذلك المؤمنون وطمعوا في أن يُعْطَى الكفارُ ذلك
فيؤمنوا، فقال اللهُ: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾ أي أفلم ييأس الَّذِينَ
آمنُوا من إيمان هؤلاء، لعلمهم أنَّ الله لو أراد أنْ يهديهم لهداهم، كما تقول: قد يئستُ من فلانٍ أن يُفلح، والمعنى: لعلمي به.
* وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾.
قال ابن عباس: يعني السَّرَايا.
وكذلك قال عكرمة وعطاء الخراساني إلاَّ أن أبا عاصم روى عن شبيب عن عكرمة عن ابن عبَّاس قال: النكبة.
وقال مجاهد: قارعة أي سريّة ومصيبة تصيبهم.
والقارعة في اللغة: المصيبةُ العظيمة.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾.
قال مجاهد وعكرمة وقتادة: أو تحلُّ أنت يا محمد قريباً من دارهم.
حدثنا سعيد بن موسى بقَرْقيسيا قال: حدثنا مخلد بن مالك عن محمد بن سَلَمَة عن خُصَيف قال: القارعةُ: السَّرَايا التي كان يبعث بها رسول الله، أو تحلُّ أنتَ يا محمد قريباً من دارهم.
قال الحسن: أو تحلُّ القارعة قريباً من دارهم.
* ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ ٱللَّهِ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي فتح مكة.
الرعد 13:33
وقوله تعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾.
قال قتادة: هو الله جلَّ جلاله.
وقال الضحاك: يعني نفسَه جلَّ وعزَّ، وهو القائم على عباده، مَنْ كان منهم برًّا، ومَنْ كان منهم فاجراً، يرزقهم ويطعمهم وقد جعلوا للهِ شركاء.
قال الله ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ ولو سمُّوهم لكَذَبوا، وأنبئوه بما لا يعلمه، وذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلأَرْضِ﴾.
الرعد 13:35
وقوله تعالى ﴿مَّثَلُ ٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلْمُتَّقُونَ﴾.
روى النَّضْرُ بن شُمَيلٍ عن الخليل قال: "مَثَلُ" بمعنى صفة، فالمعنى على هذا: صفةُ الجنَّةِ التي وُعِدَ المتقون تجري من تحتها الأنهار، كما تقول: صفةُ فلانٍ أسْمَرُ؛ لأن معناه فلانٌ أسمرُ.
وقال أبو إسحاق: مثَّل الله لنا ما غاب بما نراه، وكذلك كلام العرب، فالمعنى: مَثَلُ الجنَّةِ التي وُعد المتقون جنَّةٌ تجري من تحتها الأنهار.
الرعد 13:36
وقوله تعالى ﴿وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾.
قال قتادة: أي إليه مصير كلِّ عبدٍ.
الرعد 13:39
وقوله تعالى ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾.
وقرأ ابن عباس: ﴿وَيُثَبِّتُ﴾.
رُوِيَ عنه يُحْكِمُ اللهُ جلَّ وعزَّ أمر السنة في شهر رمضان، فيمحو ما يشاءُ، ويُثبت، إلاَّ الحياة والموت، والشِّقْوَة والسعادة.
وفي رواية أبي صالح: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ﴾ ممَّا كَتَبَ الحفظةُ ما ليس للإنسان وليس عليه ﴿وَيُثْبِتُ﴾ ما له وعليه.
وحدثنا بكرُ بنُ سهلٍ، قال: حدثنا أبو صالح، عن معاوية بنِ صالح، عن عليِّ بن أبي طَلحة، عن ابن عباس: ﴿يَمْحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ يقول: يُبدِّل الله من القرآنِ ما يشاءُ فينسخه، ويثبِّتُ ما يشاءُ فلا يُبَدِّله.
﴿وَعِندَهُ أُمُّ ٱلْكِتَابِ﴾ يقول جملةُ ذلك عنده في أمِّ الكتابِ، الناسخُ والمنسوخ، وكذلك قال قتادة.
وقال ابن جُريج: ﴿يَمْحُو اللهُ ما يَشَاءُ﴾ أي ينسخ، وكأنَّ معنى ﴿ويُثْبِتُ﴾ عنده: لا ينسخه، فيكون محكماً.
ويثبِّت بالتشديد على التكثير.
قال أبو جعفر: "وَيُثْبِت" بالتخفيف أجمعُ لهذه الأقوال من "يُثَبِّتُ".
وكان أبو عبيد قد اختار ﴿وَيُثَبِّتُ﴾ على أنَّ أبا حاتم قد أومأ إلى أنَّ معناها واحدٌ.
وروى عوفٌ عن الحسن قال: يمحو مَنْ جاء أجلُهُ، ويثبتُ مَنْ لم يجيء أجلُه بعدُ، إلى أجله.
الرعد 13:40
وقوله عز وجل ﴿ وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا ٱلْحِسَابُ﴾.
أي إمَّا نرينَّك بعض ما وعدناك، من إظهار دين الإِسلام على الدين كلِّه ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك، فإنما عليك أن تُبلِّغهم وعلينا أنْ نحاسبهم، فنجازيهم بأعمالهم.
ثم بيَّن جل وعز أنه كان ما وَعَدَ.
الرعد 13:41
فقال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾.
يظهر الإِسلامُ بإخراج ما في يد المشركين، وإظهار المسلمين عليهم.
وفي هذه الآية أقوالٌ هذا أشبهها بالمعنى.
ومن الدليل على صحته قوله جل وعز ﴿أفَلاَ يَرَوْنَ أنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أطْرَافِهَا أفَهُمُ الغَالِبُونَ﴾ وهذا القول مذهبُ الضَّحَّاك.
وروى سَلَمَةُ بنُ نُبَيْطٍ عنه أنه قال في قول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: هو ما تُغُلِّبَ عليه من بلادهم.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: هو خرابُ الأرضِ، حتى يكون في ناحية منها، أي حتَّى يكون العمرانُ في ناحية منها.
وروى سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ قال: الموت: موتُ الفقهاءِ والعلماء.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾.
قال الخليل: لا رادَّ لقضائه.
قال أبو جعفر: والمعنى ليس أحدٌ يتعقَّب حكمه بنقضٍ ولا تغيير.
الرعد 13:43
وقوله تعالى ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾.
قال ابن جُريج عن مجاهد: عبدالله بن سلام.
وقال شُعْبَةُ عن الحكم عن مجاهد: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾ هو اللهُ تبارك وتعالى.
وقال سليمانُ التيمي: هو "عبدُاللهِ بنُ سَلاَم".
وقال قتادة: منهم "عبدالله بن سلام" فإنه قال: نَزَل فيَّ قرآنٌ ثم تلا: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ﴾.
وأنكر هذا القول الشعبيُّ وعكرمة.
قال الشعبي: نزلت هذه الآية قبل أن يُسْلِم عبدالله بن سلام.
وقال سعيد بن جبير: وعكرمة: هذه الآية نزلت بمكة، فكيف نزلت في عبدالله بن سلام؟
وقال الحسن: أي كفى بالله شهيداً وبالله مرَّتين، يذهب إلى أنّ (مَنْ) تعود على اسم الله.
قال أبو جعفر: وهذا أحسنُ ما قيل في هذه الآية من وجهات:
إحداها: أنّه يبعد أنْ يستشهد الله بأحدٍ من خلقه.
ومنها: ما أنكره الشعبيُّ وعكرمة.
ومنها: أنَّه قُرِئ ﴿وَمِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتَابِ﴾ بكسر الميم، والدَّالِ، والعين، رُوِي ذلك عن النبي ﷺ، وإنْ كان في الرواية ضعفٌ روى ذلك سليمان بن الأرقم عن الزهري بن سالم عن أبيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قرأ (ومِنْ عِنْدِهِ عِلْمُ) وكذلك رُوي عن ابن عبَّاس وسعيد بن جبير أنهما قَرَآ.
ولا اختلاف بين المفسرين أنَّ المعنى: ومِنْ عِنْدِ اللهِ: فأن يكون معنى القراءتين واحداً أحسنُ.
وروى محبوب عن إسماعيل بن محمد اليَمَاني، أنه قرأ: {وَمِنْ عِنْدِهِ عُلِمَ الكِتَابُ) بضم العين ورفعِ الكتاب.
قال أبو جعفر: وقولُ من قال هو "عبدالله بن سلام" وغيره، يحتمل أيضاً؛ لأن البراهين إذا صحَّت، وعَرَفَهَا مَنْ قرأ الكُتبَ التي أُنزلت قبل القرآن، كان أمراً مؤَكَّداً.
والله أعلم بحقيقة ذلك.
إبراهيم 14:1
قوله تبارك وتعالى ﴿الۤر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾.
الظلماتُ: الكفرُ، والنورُ: الإِسلامُ، على التمثيل لأنَّ الكفرَ بمنزلة الظُّلمة، والإِسلام بمنزلة النُّور.
والباء في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بقوله ﴿لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ﴾ والمعنى في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أنه لا يهتدي أحدٌ إلاَّ بإذنِ اللهِ.
ويجوز أن يكون المعنى: بتعليمك إِيَّاهُمْ.
ثم بَيَّن النور فقال: ﴿إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ﴾.
إبراهيم 14:3
ومعنى قوله تعالى ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾.
ويطلبون غير القصد.
إبراهيم 14:4
وقوله جل وعز ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾.
أي بلغة قومه.
﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي ليُفْهِمهم، لتقوم عليهم الحُجَّةُ.
إبراهيم 14:5
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ﴾.
قال مجاهد: أي بالآياتِ البيِّنَات يعني قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
* وقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ﴾.
قال أُبَيُّ بنُ كعب: أي بنعم اللهِ.
وقال غيره: بإهلاكه مَنْ قبلَهم، وبانتقامه منهم بكفرهم.
إبراهيم 14:6
وقوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾.
وفي موضع آخر ﴿يُذَبِّحُونَ﴾ بغير واوٍ.
ومعنى الواو يُوجبُ أنَّه قد أصابهم من العذاب شيءٌ، سوى التذبيح، وإذا كان بغير واو، فإنما هو تبيينُ الأول.
* وقوله جل وعز ﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾.
أي لا يقتلونهنَّ، من الحياة أي يَدَعُونهنَّ يَحْيَيْنَ.
وفي الحديث عن النَّبيِّ ﷺ: "اقْتُلوا شُيوخَ المشركين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ".
* ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾.
قيل: المعنى: في إنجائه إياكم منهم نعمةٌ عظيمةٌ، ويكونُ البلاء [ها هنا: النِّعمةُ.
وقيل: فيما جرى منهم عليكم بلاء أي بليَّةً].
وقيل: البلاءُ ها هنا: الاختبارُ.
إبراهيم 14:7
وقوله جلَّ وعز ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
تأذَّن: بمعنى أعلَمَ، من قولهم: آذَنَهُ فأذِنَ بالأمر، وهذا كما يُقال: تَوَعَّدتُه، وأوْعَدتُه بمعنى واحد.
إبراهيم 14:9
وقوله تعالى ﴿وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾.
رَوى سفيانُ عن أبي إسحاقَ، عن عَمْروِ بنِ ميمون، ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق عن عَمْروِ بن ميمون عن عبدالله في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ ٱللَّهُ﴾ قال: "كَذَبَ النَّسَّابُونَ".
وَرُوِيَ عن ابن عباس قال: "بين عدنان وإسماعيل ثلاثون أباً لا يُعْرَفُون".
وَرُوِيَ عن عروة بن الزبير أنه قال: "ما وجدنا أحداً يعرف ما بين عدنان وإسماعيل".
* وقوله تعالى: ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
في معنى هذا أقوال:
(أ) قال مجاهد: ردُّوا على الرُّسل قولَهم وكذَّبوهم.
(ب) قال قتادة: ردُّوا على الرُّسلِ ما جاءوا به.
فهذا على التمثيل، وهو مذهبُ أبي عبيدة
أي تركوا ما جاءهم به الرسل، فكانوا بمنزلة مَنْ ردَُّه إلى فيه، وسكَتَ فلم يقل.
وقيل: ﴿فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ردُّوا ما لو قَبِلوه كان نِعَماً. ﴿فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي بأفواههم أي بألسنتهم.
(ج) وقيل: ردُّوا نِعَمَ الرُّسُل؛ لأن إرسالهم نعمٌ عليهم، بالنطق وبالتكذيب.
(د) وفي الآية قول رابع؛ وهو أولاها وأجلُّها إسناداً:
قال أبو عبيد: حدَّثنا عبدُ الرحمن بن مَهْدِي، عن
سفيان عن أبي إسحاقَ عن أبي الأحوص، عن عبدالله في قوله ﴿فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَاهِهِمْ﴾ قال: عضُّوا عليها غَيْظاً.
قال أبو جعفر: والدليلُ على صحَّة هذا القول قوله عزَّ وجل: ﴿وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ﴾.
قال الشاعر:
لَوْ أنَّ سَلْمَى أبْصَرَتْ تَخَدُّدِي * وَدِقَّةً فِي عَظْمِ سَاقِي وَيَدِي
وَبُعْدَ أهْلِي وَجَفَاءَ عُوَّدِي * عَضَّتْ مِنَ الوَجْدِ بأطْرَافِ اليَدِ
إبراهيم 14:14
وقوله جل وعز ﴿ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾.
أي ذلك لمن خاف مقامه بين يديه، والمصدرُ يُضاف إلى الفاعل، وإلى المفعول؛ لأنه متشبِّثٌ بهما.
إبراهيم 14:15
وقوله تعالى ﴿وَٱسْتَفْتَحُواْ﴾.
قال مجاهد وقتادة: واستنصروا.
وفي الحديث "أنَّ النبي ﷺ كان يستفتح القتال بصعاليك المهاجرين".
* ثم قال تعالى: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾.
قال أبو إسحاق: الجبَّارُ عند أهلِ اللغة: الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقًّا.
وقال مجاهد: العنيد: المعاندُ المجانبُ للحقِّ.
وقال قتادة: العنيدُ: الذي أبى أن يقول: لا إله إلاَّ الله.
إبراهيم 14:16
ثم قال تعالى ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾.
أي من أمامه، وليس من الأضداد، ولكنَّه من تَوَارَى أي استتر.
* ثم قال تعالى: ﴿وَيُسْقَىٰ مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾.
قال ابن عباس: أي قد خالط لحمه ودمه.
وقال الضَّحَّاك: يعني القيح والصَّديد.
وقال مجاهد: هو القيحُ والصديد.
وقال غيره: يجوز أن يكون هذا تمثيلاً، أي يُسقى ما هو بمنزلة القيحِ والصَّديد.
ويجوز أن يكون: يُسْقَى القيحَ والصَّديدَ.
إبراهيم 14:17
ثم قال تعالى ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾.
أي يبلعه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾.
أي من كلِّ مكانٍ من جسده.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
أي من أمامه عذاب جهنَّم.
حدثني أحمد بن محمد بن الحجاج، قال: حدثنا أحمد بن الحسين قال: قال فُضَيْلُ بنُ عياضٍ في قول الله تبارك وتعالى ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ قال: حَبْسُ الأنفاس.
إبراهيم 14:18
ثم قال تعالى ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ ٱشْتَدَّتْ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾.
أي لم يُقبل منهم.
و "عاصفٌ" على النَّسَق، أي الريح فيه شديدة.
ويجوز أن يكون التقدير عاصِف الريحِ.
إبراهيم 14:22
وقوله جل وعز ﴿وَقَالَ ٱلشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ ٱلأَمْرُ﴾.
أي فُرِغَ منه، فدخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلُ النَّارِ النَّارَ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ﴾ أي وَعَدَ مَنْ أطاعه الجنة، ومن عصاه النَّار ﴿وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي وعدتكم خلاف ذلك ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي من حجَّة أُبيِّنُها ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أي إلاَّ أن أغْوَيْتُكُمْ فَتابعتموني.
* ثم قال تعالى: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي بمغيثكم.
ويُروى أنه يُخَاطَبُ بهذا في النار.
ومعنى: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أي كفرتُ بشرككم إيَّاي.
إبراهيم 14:24
وقوله جل وعز ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾.
حدثنا محمد بن جعفر الفاريابيُّ، قال: حدثنا عبدالأعلى بن حمَّاد، قال: حدثنا وهب بن خالد، قال: حدثنا عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبيَّ ﷺ قال ذات يوم لأصحابه: "أنبئوني بشجرةٍ تُشْبِهُ المسلمَ، لا يَتَحاتُّ ورقُها، تؤْتِي
أكُلَها كلَّ حينٍ بإذْنِ رَبِّهَا!؟ قال: فوقَعَ في قلبي أنها "النخلةُ". قال: فسكَتَ القومُ، فقال النَّبيُّ: هي النخلة، فقلتُ لأبي: لقد كان وقع في قلبي أنها النخلة.
فقال: فما مَنَعك أنْ تكون قلتَه لرسول الله؟ لأَنْ تَكون قلتَه أحبُّ إليَّ من كذا وكذا، فقلتُ: كنتَ في القوم وأبو بكر، فلم تقولا شيئاً، فكرهتُ أن أقول".
وروى الأعمش عن المنهال بن عمروٍ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عبَّاس قال: هي النخلةُ.
وكذلك روى الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عبَّاس.
وروى معاوية بن صالح عن عليٍّ بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله جلَّ وعز: ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ قال: لا إله إلاَّ الله. ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: المؤمن. ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ لا إله إلاَّ الله ثابتٌ في قلب المؤمن.
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: الشِّركُ. ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ قال: المشرك. ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ أي ليس للمشرك أصلٌ يعمل عليه.
وروى شُعيب بنُ الحَبْحَابِ عن أنس بن مالك ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ قال: النخلة، قال: والشجرةُ الخبيثة: الحنظلةُ.
إبراهيم 14:25
وقوله جل وعز ﴿تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
روى ابنُ نجيح وابنُ جريج عن مجاهد، قال: كلَّ سنة.
وروى عطاء بن السائب وطارقُ بن عبدالرحمن، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عبَّاس قال: كل ستَّة أشهر.
وروى أبو بكر الهُذَليُّ عن عكرمةَ عن ابن عباس قال: الحينُ: حينَانِ، حينٌ يُعرف مقداره، وحينٌ لا يُعرف مقداره. فأمَّا الذي يُعرف مقداره فقولُه: ﴿تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
وقال عكرمة: هو ستة أشهر.
وروى الأعمش في أبي ظبيان عن ابن عباس قال: الحينُ يكون غُدْوَةً وَعَشِيَّةً.
وقال الضَّحَّاك في قوله: ﴿تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ﴾ قال: في الليل والنهار، وفي الشتاء والصيف، وكذلك المؤمن يُنتفع بعمله كلَّ وقت.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربةٌ غير متناقضة؛ لأن الحين عند جميع أهل اللغة - إلاَّ من شذَّ منهم - بمعنى الوقت، يقعُ لقليل الزَّمان وكثيره، وأنشد الأصمعي بيتَ النابغة:
تَنَاذَرَهَا الرَّاقُونَ مِنْ سُوءِ سَمِّهَا * تُطَلِّقُهُ حِيناً وحِيناً تُرَاجعُ
فهذا يبين لك أن الحين بمعنى الوقت.
غير أنَّ الأشبهَ في الآية أنْ يكونَ الحينُ السَّنة؛ لأنَّ إدراك الثمرة كلَّ عام، وكذا طلعُها.
وقد رُوي عن عليٍّ بن أبي طالب رحمة الله عليه أنه قال: أدنى الحينِ سنةٌ.
وروى سفيان عن الحكم، وحمَّاد، قالا: الحينُ: سنةٌ.
ومعنى ﴿اجْتُثَّتْ﴾ قُطِعَتْ جُثَّتها بكمالها.
إبراهيم 14:27
وقوله جل وعز ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾.
رَوى معمرٌ عن طاووس عن أبيه في ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾ قال: لا إله إلا الله. ﴿وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾ عند المساءلة في القبر.
وقال البراء بن عازب وأبو هريرة: هذا عند المُسَاءلةِ، إذا صار في القبر.
وروى شعبة عن علقمةَ بن مِرْثدٍ، عن سعيد بن عُبيدة، عن البراء بن عازبٍ عن النبيِّ ﷺ في قول الله: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ﴾ قال رسول الله ﷺ: "في القبر إذا سئل".
وروى معمر عن قتادة، قال: بلغني أنَّ هذه الأمَّة تُبتَلَى في قبورها، فيثبِّتُ اللهُ الذينَ آمنوا.
ويُروى أنَّه يُقال له: مَنْ رَبُّكَ؟ وَما دِينُكَ؟ ومَنْ نَبيُّكَ؟ فمن ثَبَّته الله قال: "اللهُ رَبِّي، والإِسلامُ ديني، ومحمَّدٌ نبِيِّي".
فهذا تثبيتٌ في الآخرة.
والتثبيتُ في الدُّنيا: أنَّه لم يُوَفَّق لها، إلاَّ وقد كان اعتقادَه في الدنيا.
إبراهيم 14:28
وقوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾.
قال عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه: هم كُفَّارُ قريش.
وقال عبدالله بن عبَّاس رحمه الله: هم قادةُ المشركين يوم بدر، ﴿أَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ﴾ أي الذين اتَّبعوهم ﴿دَارَ ٱلْبَوَارِ﴾ وهي جهنَّم، دارهم في الآخرة.
قال أبو جعفر: البوارُ في اللغةِ: الهَلاَكُ.
إبراهيم 14:31
وقوله تعالى ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾.
قال أبو عبيدة: البيعُ ها هنا: الفديةُ.
قال أبو جعفر: وأصل البيع في اللغة: أنْ تدفع وتأخذ عوضاً منه، والذي قال أبو عبيدة حسنٌ جداً، وهو مثلُ قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عدلٌ﴾ أي قيمة.
والخِلاَلُ، والمُخَالَّةُ، والخُلَّةُ: بمعنى الصداقة.
قال الشاعر:
صَرَفْتُ الهَوَى عَنْهُنَّ مِنْ خشْيَةِ الرَّدَى * وَلَسْتُ بمَقْليِّ الخِلاَلِ وَلاَ قَالِي
إبراهيم 14:34
وقوله جل وعز ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾.
قال مجاهد: أي من كلِّ ما رغبتم إليه فيه.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسنٌ، يذهب غلى أنَّهم قد أُعْطُوا ممَّا لم يسألوه، وذلك معروفٌ في اللغة أنْ يقال: امْضِ إلى فلان فإنَّه يعطيكَ كلَّ ما سألتَ، وإنْ كان يعطيه غيرَ ما سألَ.
وفي الآية قولٌ آخرُ: وهو أنَّه لمَّا قال جل وعز: ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ لم ينفِ غير هذا.
على أنَّ الضَّحَّاك قد قرأ ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلٍّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ وقد رُويت هذه القراءة عن الحسن أيضاً.
وفسَّره الضَّحَّاك وقتادة على النفي.
وقال الحسن: أي من كلِّ الذي سألتموه.
بمعنى: وآتاكم من كل الأشياء التي سألتم.
قال أبو جعفر: وقول الحسن أولى، والآخر يجوز على بُعْدٍ، وبُعْدُه أنه بالواو أحسنُ عطفاً، بمعنى: وما سألتموه. إلاَّ أنه يجوز على بُعْد.
إبراهيم 14:35
وقوله جلَّ وعز ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ﴾.
وقرأ الجَحْدَرِيُّ، وعيسى ﴿وَأَجْنِبْنِي﴾ بقطع الألف، ومعناه: اجعلني جانباً.
وكذلك معنى "اجْنُبْنِي" و "جَنِّبْنِي" معناه: ثَبِّتني على توحيدك، كما قال تعالى ﴿وَاجْعَلْنَا مُسْلِمِينَ لَكَ﴾ وهما مسلمان.
إبراهيم 14:36
ثم قال تعالى ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾.
وهنَّ لا يعقلن، فالمعنى: إن كثيراً من الناس ضَلُّوا بسببهنَّ.
وهذا كثيرٌ في اللغة، يُقال: فَتَنَتْنِي هذه الدَّار، أي استحسنتُها فافْتَتَنْتُ بسببها، فكأنَّها فتنتني.
إبراهيم 14:37
وقوله جل وعز ﴿فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ﴾.
وقرأ مجاهد: تَهْوَى إليهم.
معنى "تَهْوِي" تنزِع، و "تَهْوَى" تحبُّ.
حدثنا محمد بن الحسن بن سماعة قال نا أبو نُعيم، قال: نا عيسى بن قرطاس، قال: أخبرني المسيب بن رافع قال: قال ابن عباس: إن إبراهيم ﷺ حين قال: ﴿رَبِّ إنِّي أسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ﴾ فلو أن إبراهيم ﷺ قال: "اجْعَلْ أفْئِدَةَ النَّاسِ تَهْوِي إليهم" لغلبكم عليه التُّركُ والدَّيلم.
وقُرئ على عليِّ بن الحسين - القاضي بمصر - عن الحسن ابن محمد، عن يحيى بن عبَّاد، قال: حدَّثنا شُعبة عن الحَكَم، قال: سألتُ عطاءً، وطاووساً، وعكرمة، عن قوله جلَّ وعز ﴿فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ قالوا: الحجُّ.
إبراهيم 14:40
وقوله جل وعز ﴿رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي﴾.
المعنى: واجعل من ذِرِّيَتي من يُقيمُ الصَّلاَةَ.
إبراهيم 14:41
ثم قال ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾.
قيل: إنَّما دعا بهذا أوَّلاً، فلمَّا تبيَّن له أنه عدوٌّ للهِ، تبرَّأ منه.
وقيل: يعني "بوالديه" آدم، وحواء.
وقرأ سعيدٌ بنُ جُبير "اغفِرْ لي ولوالِدِي" يعني: أباه.
وقرأ النَّخَعيُّ ويحيى بن يعمر "اغفر لِي وَلِوَلَدَيَّ" يعني: ابْنيْهِ.
إبراهيم 14:43
وقوله جل وعز ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾.
قوله: ﴿مُهْطِعِينَ﴾.
قال مجاهد وأبو الضُّحَى: أي مُديمي النَّظَرِ.
وقال قتادة: أي مسرعين.
والمعروف في اللغة أن يُقال: أهْطَعَ: إذا أسرع.
قال أبو عُبيدة: وقد يكون الوجهان جميعاً، يعني: الإِسراع مع إدامة النظر.
* ثم قال تعالى: ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾.
قال مجاهد: أي رافعيها.
وقال قتادة: المُقْنِع: الرَّافع رأسه، شاخصاً ببصره، لا يَطْرِف.
قال أبو جعفر: وهذا قولُ أهلِ اللغة، إلاَّ أنَّ أبا العباس قال: يُقال: أقْنَعَ: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأ رأسه ذلاًّ وخضوعاً، قال: وقد قيل في الآية القولان جميعاً.
قال: ويجوز أن يرفع رأسه مديماً للنظر، ثم يُطأطئه خضوعاً وذُلاًّ.
قال أبو جعفر: والمشهورُ في اللغة أن يُقال للرَّافع رأسه: مُقْنِعٌ.
ورُوِيَ أنهم لا يزالون يرفعون رءوسهم، وينظرون ما يأتي من عند الله جلَّ وعز، وأنشد أهل اللغة:
يُبَاكِرْنَ العِضَاهَ بِمُقْنِعَاتٍ * نَوَاجِذُهُنَّ كَالحِدَإِ الوَقِيعِ
يصف إبلاً، وأنهنَّ رافعاتٍ رءوسهن كالفؤوس.
ومنه قيل: مِقْنَعَةٌ لارتفاعها.
ومنه قَنِعَ الرجلُ: إذا رَضِيَ، وقَنَعَ: إذا سأل أي أتى ما يُتقنَّعُ منه.
وقوله جلَّ وعز ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾.
روى سفيان عن أبي إسحاق عن مُرَّة ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ قال: مُتَخَرِّقَةٌ لا تعي شيئاً، يعني من الخوف.
وروى حجَّاج عن ابن جريج قال: ﴿هَوَآءٌ﴾: ليس فيها شيءٌ من الخير، كما يُقال للبيت الذي ليس فيه شيءٌ: هواءٌ.
وقيل: وَصَفهم بالجُبْنِ والفَزَع، أي قلوبُهُمْ منخوبةٌ.
وأصل الهواءِ في اللَّغة: المجوَّف الخالي، ومنه قولُ زهير:
كَأَنَّ الرَّحْلَ مِنْهَا فَوْقَ صَعْلٍ * منَ الظِّلْمَانِ جُؤْجُؤُهُ هَوَاءُ
أي ليس فيها مخٌّ ولا شيءٌ، وقال حسَّانُ:
أَلاَ أَبْلِغْ أبَا سُفْيَانَ عَنِّي * فَأَنْتَ مُجَوَّفٌ نَخِبٌ هَوَاءٌ
إبراهيم 14:44
وقوله جل وعز ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ ٱلْعَذَابُ﴾.
أي خوِّفْهم.
* وقوله جل وعز ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوۤاْ أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾.
قال مجاهد: أي أقسمتم أنكم لا تموتون. لقريش.
إبراهيم 14:46
وقوله جل وعز ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾.
قرأ عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: ﴿وَإنْ كَادَ﴾ بالدَّال.
وقرأ عليُّ بن أبي طالب رضوان الله عليه: ﴿وَإن كَانَ مكرُهم لَتَزُولُ مِنه الجِبَالُ﴾ بفتح اللاَّم، ورفع الفعل.. وكاد بالدَّال هذا المعروف من قراءته.
والمشهور من قراءة عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عباس "وإنْ كادَ" بالدَّال.
وقرأ مجاهد: ﴿وَإنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لَتَزُولُ منهُ الجبالُ﴾ وهي قراءة الكسائي ومجاهد، و "إن" [معناها "لو" أي ولو كان مكرهم لَتزول منه الجبال، لم يبلغوا هذا، ولن يقدروا على الإِسلام، وقد شاء الله تبارك وتعالى] أن يُظهره على الدين كله.
قال أبو جعفر: وهذا معروفٌ في كلام العرب، كما يُقال: لو بلغتَ أسباب السَّماء. وهو لا يبلغها، فمثله هذا.
ورُوي في قراءة أُبَيِّ بن كعب رحمه الله ﴿ولولا كلمةُ اللهِ لَزَالَ مكرهم الجبال﴾.
وقال قتادة: "وإن كان مكرُهم لتزولَ منه الجبالُ" قال: حين دعوْا للهِ ولداً وقد قال سبحانه ﴿تكادُ السَّمواتُ يتفطَّرنَ منهُ﴾.
ومن قرأ: ﴿وإنْ كان مكرُهم لِتزُولُ منه الجبالُ﴾ ذهب إلى أن المعنى: ما كانَ مكرهم ليزول به القرآنُ، على تضعيفه، وقد ثبت ثبوت الجبال.
وقال الحسن: مكرُهم أوهى وأضعفُ من أن تزول منه الجبال، وقرأ بهذه القراءة.
وقد قيل في معنى الرفع قولٌ آخر، يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن نمروذ لمَّا جوَّع النُّسورَ، وعلَّق لها اللَّحْمَ في الرِّماح، فاستعلى، فقيل له: أين تريد أيُّها الفاسقُ، فاهْبِط، قال فهو قوله جل وعز ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ ٱلْجِبَالُ﴾.
وقال عبدالله بن عباس: "مكرُهم" ههنا: شِرْكُهُمْ، وهو مثلُ قوله تعالى ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَدًّا﴾.
إبراهيم 14:48
وقوله جل وعز ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ ٱلْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾.
رَوى إسرائيل عن أبي إسحاقَ عَن عَمروِ بنِ ميمونٍ، عن عبدالله بن مسعود قال: تُبَدَّلُ أرضاً بيضاء مثلَ الفِضَّة، لم يُسْفَك عليها دمٌ حرامٌ، ولا يُفْعل فيها خطيئةٌ.
وقال جابر: سألتُ أبا جعفر "محمَّد بن عليٍّ" عن قول الله عز وجل ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ﴾ قال: تُبدَّلُ خبزةً، يأكل منها الخلقُ يوم القيامة، ثم قرأ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُم جَسَداً لاَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
حدثنا الحسن بن فَرَج بغزَّة قال: نا يوسف بنُ عديٍّ، قال: حدثنا عليُّ بنُ مُسْهِر، عن داودَ بن أبي هند، عن الشعبيِّ عن مسروق عن عائشة قالت: سألت النبي ﷺ عن قول الله جل وعز ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ ٱلأَرْضُ غَيْرَ ٱلأَرْضِ وَٱلسَّمَاوَاتُ﴾ فأين يكون النَّاسُ يومئذٍ يا رسولَ الله؟ قال: "على الصِّراط".
وقال الحسن: تُبدَّل الأرضُ كما يقول القائل: لقد تبدَّلت يدينا قال: تذهب شمسُها، وقمرُها، ونجومُها، وأنهارُها، وجبالُها، فذلك هو التبديلُ.
إبراهيم 14:49
وقوله جل وعز ﴿وَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ﴾.
قال قتادة: في الأغلال والأقيادِ.
إبراهيم 14:50
وقوله جل وعز ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمْ ٱلنَّارُ﴾.
قال الحسن: هو قَطِرَانُ الإِبل.
وروي عن جماعة من التابعين أنهم قالوا: هو النحاس.
والمعروف في اللغة أنه يُقال للنحاس: قِطْرٌ: قال الله عز وجل ﴿وَأَرْسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾.
وقرأ ابن عباس وعكرمة: "سَرَابِيلُهُمْ من قِطْرٍ آنٍ" وفسَّراه: بالنحاس.
قال أبو جعفر: وهذا هو الصحيح، ومنه قوله تعالى ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ والسَّرَابِيلُ: القُمُص.
وقال عكرمة: و "آنٍ" انتهى حرُّه، ويُقال: إن الهمزة بدلٌ من الحاء.
فإن قيل: فلعلَّ الحاء بدل الهمزة. قيل: ذلك أولى، لأنه مأخوذ من الحين.
الحجر 15:2
من ذلك قولُه جلَّ وعزَّ: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾.
روى سفيانُ عن خُصَيْفٍ، عن مجاهد، عن حمَّاد، عن إبراهيم،قال: "يدخل قومٌ من الموحِّدين النَّارَ، فيقول لهم المشركون: ما أغنى عنكم إسلامكم وإيمانكم، وأنتم معنا في النار؟ فيخْرِجُهمُ اللهُ جلَّ وعزَّ منها، فعند ذلك ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَروُا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِين﴾".
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: ذلك يوم القيامة.
ورُوِى عن ابن عباس قال: (يقول المشركون لمن أُدخِلَ النَّار من الموحَّدينَ: ما نَفَعكم ما كنتم فيه، وأنتم في النار!؟ فيغضبُ اللهُ جلَّ وعزَّ لهم، فيخرجون إلى نهرٍ يقال له "نهر الحياة" فينبتُونَ فيه، ثم تبقى على وجوههم علامةٌ يُعرفون بها، يُقال هؤلاء "الجهنميُّون" فيسألون اللهَ جلَّ وعز أن يُزيل ذلك عنهم، فيزيلُه عنهم، ويُدخِلهُم الجنَّةَ، فيتمنَّى المشركون أن لو كانوا مسلمين).
وقيل: إذا عاينَ المشركون تمنَّوْا الإِسلام.
فأمَّا معنى (رُبَّ) ها هنا، فإنَّما هي في كلام العرب للتقليل، وأنَّ فيها معنى التهديد، وهذا تستعمله العربُ كثيراً، لمن تتوعَّده وتتخدَّدهُ، يقول الرجلُ للآخر: ربَّما ندمتَ على ما تفعل [ويشكَّون في تندُّمه ولا يقصدون تقليله] بل حقيقةُ المعنى: أنه يقول: لو كان ممَّا يقلُّ، أو يكون مرةً واحدة، لكان ينبغي أن لا تفعله.
وأمَّا قول من قال: إنَّ "رُبِّ" تقع للتكثير، فلا يُعرف في كلام العرب.
وقيل: إن هذا إنما يكون يوم القيامة إذا أفاقوا من الأهوال التي هم فيها، فإنما يكون في بعض المواطن.
والقولُ الأول أصحُّها.
والدليلُ على أنه وعيدٌ وتهدُّدٌ قولُه بعد: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ، فَسَوْفَ يَعْلَمُون﴾.
الحجر 15:4
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾.
أيِ أجلٌ لا يتقدَّمه ولا يتأخَّرهُ.
الحجر 15:7
وقوله جل وعز: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾.
معنى (لَوْ مَا) و (لَوْلاَ) و (هَلاَّ) واحدٌ، وأنشد أهل اللغة:
تعدُّونَ عَقْر النِّيبِ أفضلَ مجدِكُمْ * بَنِي ضَوْطَرَى لَوْلاَ الكَمِيَّ المُقَنَّعَا
أي هلاَّ تعدُّون الكمِيَّ المقنَّعَا.
وروى حجاج عن ابن جريح قال: في هذا تقديمٌ وتأخير.
يذهب إلى أن جوابه قولُه تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابَاً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُون﴾ يذهب إلى أن هذا متصل بقوله تعالى: ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِٱلْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ﴾.
الحجر 15:8
ثم قال تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ﴾.
قال مجاهد: أي بالإِرسال والعذاب.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾.
أي لو نزلت الملائكةُ ما أُمهِلُوا، ولا قُبِلَتْ توبتهُم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكَاً لَقُضِيَ الأَمْرُ﴾.
الحجر 15:9
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
قال ثابت وقتادة: حِفظه اللهُ من أن تزيد الشياطين فيه باطلاً، أو تُبطل منه حقاً.
وقال مجاهد: هو عندنا.
الحجر 15:10
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي فِرق الأولين.
الحجر 15:12
وقوله جل وعز: ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ ٱلْمُجْرِمِينَِ﴾.
روى سفيانُ عن حُمْيدٍ، عن الحسين، قال: كذلك نسلكُ الشرك.
وقال أبو عبيد: حدثنا حجَّاج، عن ابن جُريح، عن مجاهد، قال: نسلكُ التكذيب.
قال أبو جعفر: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير، وأهلُ اللغةِ، إلاَّ من شذَّ منهم، فإنَّ بعضهم قال: المعنى: كذلك نسلكُ القرآن، واحتجَّ بأنَّ النبىَّ ﷺ لمَّا تلا القرآن عليهم وأسمعهم إياه، ووصل إلى قلوبهم ـ وكان ذلك بأمرِ اللهِ وقوته ـ كان اللهُ عز وجل هو الذي يسلكه في قلوبهم على هذا المعنى.
وقيل: لمَّا خلقهم خِلقة يفهمون بها ما يأتيهم من الوحي، فإذا خلقهم خلقة يفهمون بها ما يسلك ذلك في قلوبهم فكأنه سلكه.
الحجر 15:13
ثم قال جل وعز: ﴿وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
أي قد تقدَّمتْ سُنَّتهم في التكذيب بالآيات، والبراهين وكفرهُم، فهؤلاء يقتفون آثارهم.
الحجر 15:14
ثم قال جل وعز ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ ٱلسَّمَاءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾.
قال عبدالله بن عباس: أي فظلَّ الملائكة فيه يعرجون.
أي: يذهبون ويجيئون.
قال أهل اللغة: عَرَجَ يَعْرُجُ: إذا صعد وارتفع، ومنه قول العامَّةِ عُرِجَ بروحِ فلانٍ.
الحجر 15:15
ثم قال تعالى: ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾.
قال ابن عباس: أُخِذتْ.
قال أبو جعفر: والمعروفُ من قراءة مجاهد والحسن (سُكِرَتْ) بالتخفيف.
قال الحسن: أي سُحِرَتْ.
وحكي أبو عُبيدٍ عن أبي عُبيدةَ أنهُ يقال: سُكِرتْ أبصارهم: إذا غشِيَها سَمَادِيرُ حتى لا يُبصروا.
وقال الفرَّاءُ: من قرأ (سَكِرِتْ) أخذَهُ من سكونِ الريح.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربة، والأصلُ فيها ما قال (أبو عمرو بنِ العلاءِ) يرحمه اللهُ قال: هو من السُكْرِ في الشراب.
وهذا قول حسنٌ أي غشيهم ما غطَّى أبصارَهم، كما غَشيَ السكران ما غطَّى عقلَهُ.
وسكوُر الريِح: سكونُها وفتورها، وهو يرجع إلى معنى التَّخيير.
الحجر 15:16
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي ٱلسَّمَاءِ بُرُوجاً وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينََ﴾.
قال مجاهد: يعني الكواكب.
قال أبو جعفر: ومن قال: إنها اثنا عشر برجاً، فقولُه يرجع إلى هذا، لأنها كواكبُ عظامٌ.
ومعروف في اللغةِ أن يُقالَ: بَرَج يَبْرُجُ: إذا ظَهَر وارتفع، فقيل لهذه الكواكِب بروجٌ، لظهورها وثباتها، وارتفاعها، والبَرَجُ: كِبُر العين.
الحجر 15:17
ثم قال تعالى ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍٍ﴾.
أي: لا يصل إليها، ولا يَسْمعُ شيئاً من الوحي إلاَّ مُسارقةً، وكان هذا من علامةِ نبوة محمد ﷺ ولا نعلم أحداً من الشعراء، شبَّه شيئاً بسرعة الكواكب إلاَّ في الإِسلام، ولو كان هذا قله لشَبَّهوا به.
قال ابن جريح: الرجيمُ: الملعونُ.
قال الكسائي: كل رجيم في القرآن فهو بمعنى الشتيم.
وقيل: رجيمٌ بمعنى مرجوم، أي يُرْجمُ بالكواكب.
الحجر 15:19
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍٍ﴾.
روى معاويةُ بنُ صالحٍ عن عليَّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾.
قال: أي معلومٍ.
وكذلك رَوَى عليُّ بنُ الحَكَم عن الضحَّاكِ.
وقال أبو صالح وعكرمة: أي مقدور.
وقال مجاهد: أي مقدَّر بقدرٍ.
ومعناه: مُقَدَّر لا يزيد على قَدَرِ الله، ولا ينقص، فكأنه موزونٌ.
وقيل: أراد بموزون: ما يُوزن من الذهب، والفضة، والحديد، والرصاص، وشبهِه.
والمعنى على هذا: وأنبتنا في الجبال من كل شيءٍ موزون.
الحجر 15:20
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشََ﴾.
أي في الأرض.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾.
قال مجاهد: يعني الدوابَّ، والأنعامَ.
وقال غيره: يعني المماليك، والدواب.
قال أبو جعفر: وهذا أولى لأنَّ (مَنْ) لا تكون لما لايعقل، إلاَّ أن يختلط معه من يعقل.
والمعنى: وجعلنا لكم المماليك، والدواب، والأنعام.
ويجوز أن يكون المعنى: أعشناكم، وأعشنا من لستم له برازقين.
الحجر 15:21
وقوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾.
أخبر أن خزائن الأشياء بيده.
أي أنه جل وعز حافظُها، والمتولِّي تدبيرَها.
الحجر 15:22
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾.
قال عبدالله بن مسعود: تحمل الرِّيحُ الماءَ فتلِّقح السحابَ، وتَمْريه، فيدُرُّ كما تَدُرُّ اللَّقحةُ، ثم يُمطر.
وقال ابن عباس: تُلَقِّح الرياحُ الشجر، والسَّحاب، وتَمْريهِ.
وقال أبو رجاء: قلتُ للحسن: ﴿وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ فقال: تلقِّحُ الشجرَ، قلتُ: والسَّحاب؟ قال: والسَّحاب.
وقال أبو عبيدة: ﴿لَوَاقِح﴾ أيْ مَلاَقِح، يذهبُ إلى أنه جمع مُلْقِحة، ومُلْقِح، ثم حذفت منه الزوائد.
قال أبو جعفر: وهذا بعيدٌ، وإنما يجوز حذفُ الزوائد، من مثل هذا في الشعر، ولكنَّه جمع لاقحة.
و"لاَقِحٌ" على الحقيقة بلا حذف، وهو على أحد معنيين: يجوز أن يُقال لها لاَقِحٌ على النَّسَب أي ذات إلقاحٍ كأنها تُلقِّح السحابَ والشجر، كما جاء في التفسير، وهو قولُ أبي عمرو.
ويجوز: أن يُقال لها لاقِحٌ أي حاملٌ، والعرب تقول للجَنُوب لاقحٌ وحاملٌ، وللشمال حائلٌ وعقيم، وقال الله جل وعز: ﴿حَتَّى إذَا أَقَلَّتْ سَحَابَاً ثِقَالاً﴾ فأقلَّتْ، وحَمَلَتْ واحدٌ.
الحجر 15:24
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
رَوَى ابنُ أبي نَجيح عن مجاهد قال: ﴿المستقدِمُونَ﴾ القرونُ الأولى، و ﴿المستأخِروُن﴾ أمة محمد ﷺ.
ورَوَى سفيانُ عن أبيه عن عِكرمةَ قال ﴿المستقْدِمون﴾ كلُّ من خرج، و﴿المستأخِروُن﴾ كل من كان فى أصلاب الرجال.
ورَوَى عليَّ بن الحَكَم عن الضحَّاك قال﴿المستقدِمُون﴾ من مات، و ﴿المستأخِروُنَ﴾ الأحياء.
ورَوَى سفيان عن أبانَ بنِ أبي عيَّاش، عن أبي الجوزاء عن ابن عباس: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾ الصف الأول ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ الصفَّ الآخرِ.
حدثنا محمدُ بنُ إدريسَ، قال: نا إبراهيم بن مرزوقٍ، قال نا مسلم بن إبراهيم، قال: نا نوح بن قَيْسٍ، قال نا عمروُ بنُ مالكٍ، عن أبي الجَوزْاء، عن ابن عباس في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ﴾ قال: كانت إمرأةٌ جميلة تُصَلِّي مع النبي ﷺ، فكان رجالٌ يتقدمون حتى لا يَرَوْها، وكان رجال يتأخرون فإذا ركع النبِيُّ ﷺ وضع أحدهم يده على ركبته، ونظر إليها من تحت ضَبْعه، فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا ٱلْمُسْتَأْخِرِينَ﴾.
الحجر 15:26
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍٍ﴾.
فيه قولان:
أحدهما: رواه معاويةُ بن صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحة، عن ابن عباس قال: الصَّلْصَالُ: الطِّينُ اليابسُ.
ورَوَى مَعْمر عن قتادة: هو الطينُ ييبس، فتصيرُ له صَلْصَلةٌ.
والقولُ الآخر: رواه ابنُ نجيحٍ، وابنُ جريح، عن مجاهد قال: الصلصالُ: المنتِنُ.
وقال أبو جعفر: والقولان يحتملان، وإن كان الأول أبينُ لقول الله جل وعز: ﴿خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ﴾.
وحكى أبو عبيدةَ أنه يُقال للطين اليابس: صَلْصَالٍ ما لم تاخذه النار، فإذا أخذته النار فهو فخار.
وأنشد أهل اللغة:
* "كَعَدْوِ المُصَلْصِلِ الجَوَّالِ" *
والصَّلصلةُ: الصَّوتُ.
وقال الفراء: هو طين حرٌ يخلط برملٍ، فيُسمع له صلصلة.
وأما القول الثاني: فالأصل فيه صِلاَلٌ، ثم أُبدل من إحدى الَّلامين صاد.
[وحكى الكسائي أنه يقال: صلَّ اللحمُ، وأصلَّ: إذا أنتَنَ].
* ثم قال جل وعز: ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾.
[فالحمأ، والحمأة: الطِّينُ] الأسود المتغير.
وفي المسنون أربعة أقوال:
رَوَى سفيان عن الأعمش عن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المسنون: المنتن.
وكذلك روى قيس بن الربيع عن الأعمش عن مسلم عن سعيد ابن جبير قال: خُلقَ الإِنسانُ من صلصال من طين لازب، وهو الجيد، ومن حَمَإٍ مسنون وهو المنتن.
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: هو المنتنُ.
وذهب إلى هذا القول من أهل اللغةِ الكسائيُّ، وأبو عمروٍ الشيباني، وزعم أبو عمروٍ الشيباني أن قول الله ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من هذا، وأن الأصل فيه (لَمْ يَتَسَنَّنْ) فأبدل من إحدى النونين هاءً، فهذا قولٌ.
والقولُ الآخر: وهو مذهب أبي عبيدة أن المسنونَ: المصبوب.
ورَوَى معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال المسنونُ: الرَّطبُ.
فهذا بمعنى المصبوب، لأنه لا يكون مصبوباً إلاَّ وهو رطب، وهذا قول حسنٌ لأنه يقال: سَننْتُ الشَّيءَ أي صببتُهُ، وفي الحديث "إنَّ الحسن كان يَسُنُّ الماء على وجههِ سنَّاً" ولو كان هذا من أَسِنَ الماءُ لكان مؤسِناً.
والقول الثالثُ: قول الفراء وهو المحكوك، ولا يكون إلاَّ متغيراً، من سننْتُ الحديدَ.
والقولُ الرابع: أنه المصبوبُ على مثالٍ وصورة، من سُنَّةِ الوجه.
الحجر 15:38
وقوله جل وعز: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ، إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ﴾.
قال سفيان: بلغني أنَّ الوقت المعلوم النفخةُ الأولى.
الحجر 15:41
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آية ا٤].
أحدهما: وهو مذهب مجاهد قال: الحقُّ طريقُه عليَّ، وهو يرجع إليَّ، كما يقال في التوعُّدِ: طريقكَ عليَّ فاعمل ما شئت، وكما قال تعالى ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾.
والقول الآخر: إن هذا صراط على أمري وتحت إرادتي.
وقرأ قيسُ بنُ عُبَادة ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ وقال أي رفيعٌ، ومعناه رفيعٌ في الدِّينِ والحقِّ.
الحجر 15:42
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ﴾ [آية ٤٢ٍ].
أي الضالين.
الحجر 15:44
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ، لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ٌ﴾.
أي لكلٍّ منـزلٌ منهم من العذاب، على قدر منـزلته في الذنب.
ورَوَى مالك بن مِغْوَل، عن حُميدٍ، عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: "لجهنم سبعةُ أبواب، بابٌ منها لمن سلَّ سيفه على أمتي، أو قال على أمة محمد".
الحجر 15:47
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
الغِلُّ عند أهل اللغة: الشحناءُ، والسَّخِيمة، والعداوةُ، يُقال منه: غَلَّ يَغِلُّ.
ويُقال: من الغُلُول ـ وهو السرقةُ من المغنم ـ غَلَّ يَغُلُّ، ويُغال من الخِيانة أَغَلَّ يُغِل كما قال الشاعر:
جَزَى اللَّهُ عَنَّا جَمْرَة ابنةَ نَوْفَلٍ * جَزَاءَ مُغِلٍّ بالأَمانةِ كَاذِب
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
روى سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ قال: لا ينظر أحدهُم إلى قفا صاحبه.
الحجر 15:48
ثم قال جلَّ وعز: ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌٌ﴾.
أي تعبٌ.
الحجر 15:49
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
أي أَخبِرْ.
ورُوي أن النبيَّ ﷺ خرج على أصحابه وهم يضحكون، فقال: أتضحكونَ وبين أيديكم الجنة والنار؟ فشقَّ ذلك عليهم، فأنزلَ اللهُ ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾.
الحجر 15:53
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ﴾.
معناه لا تفزع. والقانطون اليائسون.
الحجر 15:60
قوله جلَّ وعز: ﴿إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلْغَابِرِينَ﴾.
قيل: "قَدَرْنَا" بمعنى علمنا، وقدَّرنا على بابه، أي هو في تقديرنا وفيما أخبرناه به هكذا.
والغابرُ: الباقي، وقد يستعملُ للذاهب، والمعنى: إنها لمن الباقين في الهلاك، وأنشد أهل اللغة:
لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بِأَغْبَارِهَا * إنَّكَ لا تَدْرِي مَنَ النَّاتِجُ
الأغبارُ: بقايا اللَّبن.
الحجر 15:62
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونََ﴾.
قال مجاهد: أنكرهم لوط ﷺ.
وقيل: أنكرهم إبراهيم ﷺ لأنهم لم يأكلوا من طعامه، وكانوا يُنكرون أمرَ الضَّيف إذا لم يأكل.
الحجر 15:63
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾.
قال مجاهد: بالعذاب.
قال أبو جعفر: المعنى: بل جئناك بما كانوا يشكُّون من نزول العذاب بهم.
الحجر 15:65
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ ٱللَّيْلِ﴾.
السُّرى لا يكون إلاَّ بالليل، إلا أن قوله تعالى ﴿بِقِطَعٍ﴾ يدلُّ على ذهاب كثيرٍ من الليل.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾.
قيل: نهى عن الإلتفات إلى ما في المنازل، لئلا يقع الشُّغلُ به عن المضيِّ.
الحجر 15:66
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ ٱلأَمْرَ﴾.
أي أخبرناه به، ثم بيَّنه فقال تعالى: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾.
أي إن آخرهم مستأصل.
وقال الفراء: الدَّابرُ: الأصلُ.
الحجر 15:70
وقولُه تعالى: ﴿قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ ٱلْعَالَمِينَ﴾.
يُروى أنهم كانوا نَهَوْه أن يُضيف أحداً.
الحجر 15:71
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿ قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾.
هذا الجواب محمول على المعنى، والمعنى: أنهم أرادوهم للفساد، فقال لهم لوط ﷺ: هؤلاء بناتي فتزوَّجوا.
وأحسنُ ما قيل في هذا: أن أزواج كلِّ نبيٍّ بمنـزلة أمهات أمته، وأولادُ أمته بمنـزلة أولاده.
الحجر 15:72
وقولُه جل وعز: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونََ﴾.
رَوَى معاويةُ بن صالحٍ، عن علي بن أبي طلحةَ، عن ابن عباس، قال: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ لَعيشُكَ.
وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس قال: لحياتكَ.
وروي أن إبراهيم النخعي كرِهَ أن يقول الرجل لَعَمْري، قال: لأنَّ معناه: وحياتي.
وكذلك هو عند أهل اللغة.
قال سيبويه: العَمْرُ، والعُمْرُ واحدٌ، ولا يستعملون في القَسَم إلاَّ الفتح لِخفَّته، وحُكيَ: لَعُمُري، وكلُّه بمعنى العُمْر.
وهذه فضيلةٌ للنبي ﷺ، أقسم الله جلَّ وعزَّ بحياته.
قال أبو الجوزاء: ما سمعتُ اللهَ جلَّ وعز حلف بحياة أحد غيره ﷺ.
قال سفيان: سألت الأعمش عن قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
فقال: أقسمَ بالنبيَّ إنهم لفي غفلتهم يتردَّدون.
الحجر 15:73
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ ٱلصَّيْحَةُ مُشْرِقِينََ﴾.
أي فأخذتهم الصيحة بالعذاب، وقتَ إشراق الشمس.
الحجر 15:75
وقولُه جلَّ وعز: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾.
قال مجاهد: أي للمتَفرِّسِينَ.
قال الضحاك: أي للناظرين.
قال أبو جعفر: وحقيقتُه توسَّمتُ الشيءَ: نظرتُ نَظَر متثبِّت، حتى تثبتَ حقيقة سِمَةِ الشيء.
الحجر 15:76
وقولُه عزَّ وجل: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: وإنَّ الآيات، ويجوز أن يكون المعنى: وإن مدينة قوم لوطٍ.
قال مجاهد: ﴿لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ لبطريق مَعْلَم، أي واضحٍ.
الحجر 15:78
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ ٱلأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ﴾.
قال الضحاك: الأيكةُ: الغَيْضَةُ ذاتُ الشجر.
قال أبو جعفر: وكذلك هو في اللغة، يُقال للشجرة أيكةٌ، وجمعُها أَيْكٌ.
ويُروى أن شَجَرهم كان دُوْماً.
وأما روايةُ من روى أنَّ "لَيْكَةَ" اسمُ القرية التي كانوا فيها، و(الأيكةُ) البلاد كلُّها، فلا يُعرف في اللغةِ ولا يصحُّ.
الحجر 15:79
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.
قال الضحاك: أي لبطريقٍ مستبين، أي يمرُّون عليها في أسفارهم.
قال أبو جعفر: ومعروف في اللغة أن يقال للطريق: إمامٌ، لأنه يُؤتمُّ به، ويُتَّبَع.
الحجر 15:80
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ ٱلحِجْرِ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾.
ورَوَى معمرٌ عن قتادة قال: الحِجْرُ: الوادي، يذهب إلى أنه اسم له.
الحجر 15:82
وقولُه جل وعز: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ﴾.
أي آمنين أن تَسْقُط.
الحجر 15:85
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلََ﴾.
قال مجاهد: هذا قبل أن يُؤمر بالقتال.
الحجر 15:87
وقوله جل وعز: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي﴾.
روى عبدُ خَيْرٍ، عن عليِّ بن ِأبي طالب، أنه قال في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي﴾ يعني فاتحة الكتاب.
وكذلك قال أبو هريرة: هي فاتحةُ الكتاب، وليس فيها بسم الله الرحمن الرحيم.
وكذلك روى أبو يحيى عن مجاهد، وكذلك روى معْمَرٌ عن قتادة.
ورَوَى سفيانُ بن منصور، عن مجاهد عن ابن عباس قال: ﴿آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي﴾.
قال: السبع الطُّوَل.
وكذلك روى شعبةُ عن أبي بِشْر ٍعن سعيد بن جُبير: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي﴾.
قال: السبع الطُّوَل: "البقرةُ، وآلُ عمرانَ، والنِّساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، ويونس".
كذلك في الحديث، وكذلك قال الضحاك هي السبعُ الطُّوَلُ، وكذلك روى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: "السبع المثاني والقرآنُ العظيم: أمُّ القرآن".
قال الضحاك: ﴿ٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ﴾ سائِرةُ.
وقد صحَّ عن عليِّ بن أبي طالب أنه قال: السبعُ المثاني الحمدُ، وقال به قتادة.
وفسَّر معناه قال: لأنَّ فاتحة الكتاب تُثَنَّى في كل ركعة، فريضةً أو نافلةً.
والمعنى على هذا القول: ولقد آتيناك سبع آياتٍ مما يُثنَّى في الصلاة.
و(مِنْ) ها هنا لبيان الجنس على هذا القول، كما قال تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْس مِنَ الأوْثَانِ﴾.
ويجوز أن يكون المعنى: مما يثنَى به على الله، لأن في الحمد ثناءً على الله، وذكرَ توحيده، وملكَهُ يومَ الدين، وتكون (مِنْ) على هذا القول لبيان الجنس أيضاً.
ويجوز أن تكون للتبعيض، ويكونُ المعنى: ولقد آتيناك سَبع آيات من المثاني أي من القرآن، الذي يُثَنَّى فيه الآياتُ، والقصصُ، ويُثْنَى فيه على اللهِ.
وهذا أحسن، وهو مذهب أبي مالك، لأنه قال ﴿المثاني﴾: القرآنُ.
وأمَّا من قال: هي السَّبعُ الطُّوَلُ، فقد فسر سعيد بن جبير مذهبه، فقال: لأنه تثنَّى فيها الحدودُ، والفرائض، فتكون (من) على هذا لبيانِ الجنس.
ويجوز أن تكون للتبعيضِ، على ما تقدَّمَ.
وروى أبو عبيد أنَّ سفيانَ بن عُيَيْنةَ كان يتلو هذه الآية، يتأولها على حديث النبي ﷺ "ليس منَّا من لَم يَتَغَنَّ بالقرآن" قال أي يستغني به.
قال: فأمر اللهُ جلَّ وعز النبي ﷺ أن يستغني بالقرآن عن المال، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ ٱلْمَثَانِي وَٱلْقُرْآنَ ٱلْعَظِيمَ﴾.
الحجر 15:88
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾.
ورُوي عن عبداللهِ بن عمر أنه قال: "من حفظ القرآن، فرأى أن أحداً أُعطِيَ أفضلَ ممَّا أعطي، فلقد صغَّر عظيماً [ وعظَّم صغيراً ].
قال مجاهد في قوله تعالى ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾.
قال الأغنياءُ الأشباهُ، أي أمثالٌ في النِّعَمِ.
والأزواجُ في اللغة: الأصنافُ.
الحجر 15:90
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَقُلْ إِنِّيۤ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلْمُبِينُ. كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ﴾.
في الكلام حذفٌ، والمعنى: وقل إنِّي أنا النذير المبينُ عقاباً، كما أنزلنا على المقتسمين:
وفي المقتسمين أقوال:
أحدها: أنهم قومٌ تحالفوا على عَضَهِ النبي ﷺ.
والقولُ الآخر: أنه روى الأعمشُ، عن أبي ظِبْيانَ، عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى ٱلْمُقْتَسِمِينَ﴾ فقال: اليهودُ، والنَّصارى ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِين﴾ قال: آمنوا ببعضِه، وكفرُوا ببعضه.
وقال الضحاك: ﴿المقتسمين﴾: أهلُ الكتاب، مزَّقوا الكتب وفرحوا بما عندهم منها.
وقال مجاهد: ﴿المقتسمين﴾: أهلُ المِلَلِ.
قال ابن جريح وقال عطاء: هم المشركون من قريش، مزَّقوا القول في القرآن، فقال بعضهم: هو شِعرٌ، وقال بعضهم: هو سحرٌ، وقال بعضهم: هو أساطير الأولين، فذلك العِضُون.
وقال عكرمة: ﴿عِضِين﴾: سحرٌ.
وكان أبو عُبَيدةَ يذهب إلى أن ﴿عِضِينَ﴾ مأخوذٌ من الأعْضَاءِ.
قال أبو جعفر: وهو قولٌ حسنٌ. أي فرَّقوا القول، وأنشد:
* "وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بالمُعَضَّى" *
أي بالمُفَرَّقِ.
وكان الفرَّاءُ يذهب إلى أنه مأخوذٌ من العَضَاهِ وهي شجر.
وكان الكسائي يذهب إلى أنه يجوز أن يكون مأخوذاً منهما.
الحجر 15:94
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ ٱلْمُشْرِكِينََ﴾.
قال مجاهد: أي اجهر بالقرآنِ في الصلاة.
قال: ومنه تَصَدَّع القومُ: إذا افترقوا.
قال: ومنه الصُّدَاعُ، لأنه انفراقُ قبائِل الرأس.
قال أبو جعفر: ومعروفٌ عند أهل اللغة أنه يقال: صَدَع بالحق: إذا أَبانَهُ وأظهره، كأنَّه: أَبِنْ، وأَظْهِرْ.
وأنشد أبو عُبيدة لأبي ذؤيبٍ يصف عِيرَاً وَأُتُنَاً، وأنه يحكم فيها:
وكَأَنَّهُنَّ رِبابةٌ وكأَنَّه * يَسَرٌ يُفِيضُ على القِدَاحِ ويَصْدَعُ
ومن هذا قيل للصُّبحِ: صَدِيعٌ، كما قال:
* "كأنَّ بَيَاضَ لَبَّتِه صَدِيعُ" *
وأبو العباس يذهب إلى أن المعنى: فاصدَعْ الباطلَ بما تُؤمر به أي افرُقْ.
الحجر 15:95
وقولُه جلَّ وعز: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
حدثنا "أبو بكر" احمد بن محمد بن نافع، قال: نا سلمةُ بن شُعَيب بن عبدالرزاق، عن مَعْمر، عن قتادة، وعثمانُ الجَزَري عن مَقْسم، عن ابن عباس، في قوله تعالى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ ٱلْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قالا: "المستهزءون": الوليدُ بن المغيرة، والعاصُ بن وائل، وعَدِيُّ بن قيس، والأسودُ بن عبد يغوث، والأسودُ بن المطلِّب.. مَرُّوا رجلاً رجلاً على النبي ﷺ ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مرَّ رجلٌ منهم قال له جبريل: كيف تجدُ هذا؟ فيقول: بئسَ عبدُالله، فيقول جبريل: كفَيْنَاكهُ.
فأمَّا الوليد ابن المغيرة فتردَّى فتعلَّق سهمٌ بردائه فذهب يجلس فقطع أكحله فنـزف فمات.
وأما الأسود بن عبد يغوث فأُتِىَ بغصنٍ فيه شوك، فضُرِب به وجهُهُ فسالت حَدَقتاه على وجهه، وكان يقول: دعوتُ على محمد دعوةً، ودعى عليَّ دعوةً، فاسْتُجيب لي، واستُجيب له. دَعَا عليَّ أن أعمى فعميتُ، ودعوتُ عليه أن يكون وحيداً طريداً في أهل يثرب فكان كذلك.
وأما العاص بن وائل فوطِئَ على شوكة، فتساقط لحمه عن عظامه حتى هلك.
وأما الأسود بن المطلِّب، وعَدِيُّ بنُ قيس فإنَّ أحدهما قام في الليل، وهو مطمئن ليشرب من جرة، فلم يزل يشرب حتى انفتق بطنه فمات، وأما الآخر فلذغته حيَّةٌ فمات.
الحجر 15:98
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ ٱلسَّاجِدِينََ﴾.
اي كنْ من المصَلِّين.
الحجر 15:99
قال عبدالله بن عباس: إلاَّ ثلاث آيات، نزلْنَ بين مكة والمدينة، حين رجع النبيُّ ﷺ من أحُد ـ وقد قُتِل حمزةُ ومُثِّل به ـ فقال النبي "لأُمثلنَّ بثلاثين منهم، وقال المسلمون: لنمثِّلنَّ بهم" فأنزل الله ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُم فعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقبْتُم بِهِ﴾ إلى آخر ثلاث آيات.
النحل 16:1
قولُه جلَّ وعز: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُُ﴾.
قال بعضهم: ﴿أَتَى﴾ بمعنى يأتي، لأنه قد عُرِف المعنى فصار مثل قولك: إنْ أكرمتني أكرمتُك.
وقيل: أخبارُ اللهِ بالماضي والمستقبل شيءٌ واحدٌ، لأنه قد عُلِم أنه يكون فهو بمنـزلة ما قد كان.
وقول ثالثٌ ـ وهو أحسنُها ـ وذلك أنهم استبعدوا ما وعدهم اللهُ من العقاب، فأخبر اللهُ جلَّ وعز أن ذلك قريبٌ فقال ﴿أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ﴾.
أي هو في القرب بمنـزلة ما قد أتى، كما قال تعالى: ﴿إقْتَرَبَتِ السَّاعةُ﴾ وكما يُقال: أتاكَ الخبرُ، أي قَرُبَ منك.
وقال الضحاك: أي جاء القرآن بالفرائِض، والأحكامِ، والحدود.
النحل 16:2
وقوله جلَّ وعز: ﴿يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِِ﴾.
روى هُشَيْمٌ، عن أبي بِشْرٍ، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: الرُّوحُ: خلقٌ من خلق اللهِ، وأمرٌ من أمره، صُوَرُهم على صُوَر بني آدم، لا ينـزل في السماء مَلَكٌ إلا ومعه واحدٌ منهم.
وروى ابن جريح عن مجاهد قال: لا ينـزل مَلَك إلاَّ ومعه روح.
وقال إسماعيلُ بنُ أبي خالد: سألت أبا صالح عن الرُّوح، فقال: لهم صُوَرٌ كصُوَر بني آدم، وليسوا منهم.
وقال الحسن: تنـزل الملائكة بالروح أي بالنبوَّة.
وروى مَعْمر عن قتادة: تنـزل الملائكة بالروح قال: بالوحي والرحمة.
قال أبو جعفر: وهذا قول حسنٌ، وقد رواه عليُّ بن أبي طلحة عن ابن عباس.
أي يُنـزلهم بما هو بمنـزلة الروح والحياة، كما قال تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾.
وقيل معناه: رحمة.
النحل 16:5
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَٱلأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونََ﴾.
رَوَى اسرائيلُ عن سِماكِ بنِ حربٍ، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: النَّسْلُ.
وروى ابنُ جُريح عن مجاهد قال: الدفء: لباسٌ يُنسج، والمنافع: الرُّكوبُ، واللَّبنُ، واللحمُ.
قال أبو جعفر: وهذا قول حَسَنُ: أي ما يُدفئ من أوبارها وغير ذلك، وأحسِبُ مذهبَ ابنِ عباس أنَّ المنافع النسلُ، لا الدفء، على أن الأمويَّ قد رَوَى أنَّ الدفءَ عند العرب نتاجُ الإِبل، والانتفاع بها، فيكون هذا فيه.
النحل 16:6
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونََ﴾.
رَوَى معمَرٌ عن قتادة قال: إذا راحتْ أعظمَ ما تكون أسنمةً من السِّمَنِ، وضروعُها محفّلةٌ.
قال أبو جعفر: والمعنى عند أهل اللغة: وتُريحونها بالعشيِّ، يقال: أَرْحتُ الإبلَ إذا انصرفتَ بها من المرعى الذِي تكون فيه باللَّيلِ، ويُقال للموضع المُرَاحُ، وفي الحديث: "إذا سَرَقها من المُرَاح قُطِع".
ومعنى: ﴿تَسْرحُون﴾ تَغْدون بها إلى المرعى، سَرحْتُ الإِبلَ أَسْرحُها سَرْحاً وسُروحاً، إذا غدوتَ بها إلى المرعى فخلَّيتها ترعى، وسَرَّحتُ هي في المتعدي واللازم واحدٌ.
النحل 16:7
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِِ﴾.
رَوَى ابنُ جريحٍ عن مجاهد قال: إلاَّ بمشقة.
وقال غيره: المعنى: لولا الإِبلُ لم تبلغوا البلدان إِلاَّ بمشقَّة.
وقد قُرئ ﴿إلاَّ بِشَقِّ الأَنْفُسِ﴾ وهي بمعنى الأول، إلاَّ أنه مصدر.
النحل 16:8
وقولُه جلَّ وعز: ﴿ٱلْخَيْلَ وَٱلْبِغَالَ وَٱلْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةًً﴾.
تأوَّل هذا جماعةٌ منهم: عبدُاللهِ بنُ عباس على أنه لا يحلُّ أكلُ هذه، لقوله في الإبل ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل هذا في "الخيل، والبغال، والحمير".
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
وظاهرهُ عام، إلاَّ أن عبدالرحمن بنَ معاوية القُرشي حدثنا قال: حدثنا موسى بن محمد، عن ابن السدي عن أبيه في قوله تعالى ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ قال: السوس في الثياب.
النحل 16:9
وقولُه جل وعز: ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِِ﴾.
قال الضحاك: أي تبيينُ الهدى والضلالة.
وقال مجاهد: أي طريقُ الحق. وهذه تشبه ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾.
أي على منهاجي وديني. كذا ﴿وَعَلَىٰ ٱللَّهِ قَصْدُ ٱلسَّبِيلِ﴾ أي القصدُ فيها ما كان على دين الله.
وقيل: هو تبيينُ الحقِّ، والبراهينِ، والحُجَج.
وقيل: إنه يراد بالسبيل ها هنا الإِسلام.
* ثم قال جل وعز ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾.
أي ومن السُّبُل جائز، أي عادلٌ عن الحقِّ، وأنشدني أبو بكر ابن أبي الأزهر، قال أنشدنِي بُنْدار:
لَمَّا خَلَطْتُ دِمَاءَنَا بِدِمَائِهَا * ساَرَ الثِّفَالُ بهَا وجَارَ العَاذِلُ
ورُوى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿ومنكُمْ جَائِرٌ﴾.
وكذلك قرأ عبدالله بن مسعود ذا، على التفسير.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
أي لو شاء لأنزل آية تضطركم إلى الإِيمان، ولكنه أراد أن يُثيبَ ويعاقب.
النحل 16:10
وقولُه جلَّ وعز ﴿هُوَ ٱلَّذِي أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَآءً لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾.
قال قتادة والضحَّاك: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ فيه ترعون.
قال أبو جعفر: وكذا هو في اللغة، يُقال: أسَمتُ الإِبلَ: أي رعيتُها فأنا مُسِيمٌ، وهي مُسَامَةٌ، وسَائِمةٌ.
النحل 16:13
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُُ﴾.
قال قتادةُ: من الدوابِّ، والأشجار، والثِّمار.
النحل 16:14
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَتَرَى ٱلْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِِ﴾.
قال الضحاك: تذهب وتجىءُ.
والمَخْرُ في اللغة: الشَقُّ، يقال: مَخَرتِ السفينةُ تمخَرُ وتمخُرُ إذا شقَّتِ الماءَ، وسمعتَ لها صوتاً وذلك عند هبوب الرياح، ومَخْرُ الأرضِ، إنما هو شقُّ الماءِ إياها.
النحل 16:15
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيََ﴾.
قال الحسن: أي جبالاً.
قال أبو جعفر: يقال: رَسَا يرسُو، إذا ثبت وأقام. ثم قال تعالى ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾.
قال إبراهيم: أي تكفأ.
قال أبو جعفر: يقال: ماد يميد إذا تحرك ومال.
وروى معمرٌ عن قتادة قال سمعت الحسَن يقول: لمَّا خلق اللهُ الأرض كادت تميد فقالوا: لا تُقِرُّ هذه عليها أحداً، فأصبحوا وقد خلق الله الجبالَ، ولم تدر الملائكة ممَّ خُلقتِ الجبالُ.
* ثم قال جل وعز ﴿وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً﴾.
أي: وجعل فيها أنهاراً وسُبُلاً.
قال قتادة: أي طُرُقاً.
النحل 16:16
ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
رَوَى سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: من النجوم علامات، ومنها ما يُهتدى به.
وقال الفراء: الجديُ، والفرقدان.
قال أبو جعفر: والذي عليه أهل التفسير، وأهل اللغة سواه، أن النَّجم ها هنا بمعنى النجوم.
وخلق الله النجوم زينةً للسماء، ورجوماً للشياطين، وليعلم بها عدد السنين والحساب، ولُيهتدى بها.
النحل 16:20
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾.
يعني الأوثان.
وقرأ محمد اليماني ﴿والذين يُدْعَوْنَ منْ دونِ اللَّهِ﴾ بضم الياء وفتح العين.
النحل 16:21
وقوله جل وعز ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍٍ﴾.
أي: هم أمواتٌ غير أحياء ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾.
يجوز أن يكون المعنى: وما تشعر الأصنام.
ويجوز أن يكون المعنى: وما يشعر المشركون متى يُبعثون.
النحل 16:25
وقوله جلَّ وعز ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِِ﴾.
الوزرُ في اللغة: الحِمْلُ الثقيل، وقيل للإِثم وزرٌ على التمثيل.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال مجاهد: يُحَمَّلون إثمَ من أضلُّوه، ولا يُنْقص من إثمِ المضَلِّ شيء.ٌ
النحل 16:26
وقوله جلَّ وعز ﴿قَدْ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِّنَ ٱلْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾.
وقرأ الأعرجُ ﴿السُّقُّفُ﴾.
قال مجاهد: يعني بهذا "نَمْرودَ بنَ كَنْعان" الذي حَاجَّ إبراهيم في ربه، ويُروى أنه بنى بنياناً عظيماً فخرَّ.
وقد قيل: هذا تمثيلٌ، أي أهلكهم الله فكانوا بمنـزلة مَنْ سقط عليه بنيانُه وهلك.
وقيل: أحبط الله أعمالهم، فكانوا بمنـزلة من سقط عليه بنيانُه.
والفائدة في قوله تعالى ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أنه قد يقال: سقَطَ عليَّ منـزلُ كذا إذا كان يملكه، وإن لم يكن وقع عليه.
النحل 16:27
وقولُه جلَّ وعز ﴿ ثُمَّ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾.
المعنى: أين الذين كنتم تدَّعون أنهم شركائي؟ أي أين شركائي على قولكم!؟ واللهُ جلَّ وعز لا شريك له.
النحل 16:28
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ﴾.
أي الإستسلام، أي أذعنوا واستسلموا.
النحل 16:33
وقولُه جلَّ وعز ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ﴾.
أي لقبضِ أرواحهم، ﴿أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ أي بالعذاب [والزلزلة والخسف].
النحل 16:35
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلاۤ آبَاؤُنَا﴾.
[قال قومٌ: ذمَّ الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته].
وقال قوم: من قال هذا فقد كفر.
قال أبو جعفر: هذا غَلَطٌ في التأويل ولا يُقبل في التفسير، على أنهم قالوا هذا على جهة الهزء، كما قال قوم شعيب لنبيهم: ﴿إنَّكَ لأَنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾؟ أي إنك أنت الحليم الرشيد على قولك؟
وقد تبيَّن هذا بقوله ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وفي قراءة أُبيِّ ﴿فإن اللَّهَ لا هادي لمن أضَلَّ اللَّهُ﴾ وهو شاهدٌ لمن قرأ ﴿لا يُهْدَى﴾ وهي القراءة البيِّنةُ كما قال ﴿وَمَا تَوْفِيقي إلاَّ باللَّهِ﴾.
ورُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ ﴿لا يَهِدِّي مَنْ يَضِلُّ﴾ وأحسنُ ما قيل في هذا: ما رواه أبو عُبيد عن الفراء، أنه يقال: هَدَى يَهْدي بمعنى: اهتدى يهتدى، قال تعالى ﴿أَمَّنْ لاَ يَهْدِي إلاَّ أَنْ يُهْدَى﴾ بمعنى يَهْتدي.
قال أبو عبيد: ولا نعلم أحداً روى هذا غير الفراء، وليس بمتَّهمٍ فيما يحكيه.
قال أبو جعفر: حكي لي عن محمد بن يزيد، كأنَّ معنى ﴿لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ مَنْ عَلِمَ ذلك منه، وسَبَق له ذلك عنده، قال: ولا يكونُ "يَهْدي" بمعنى يَهْتدي، إلاَّ أن تقول: يَهَدِّي، أو يَهِدِّي.
النحل 16:39
وقوله جلَّ وعز: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِِ﴾.
يحتملُ معنيين:
أحدهما: أن يكون متعلقاً بفعل محذوف، دلَّ عليه جملة الكلام، وهو أن يكون المعنى: بل يبعثهم ليبيِّن لهم الذي يختلفون فيه.
والقول الآخر: أن يكون متعلقاً بقوله ﴿ولقَدْ بَعَثْنَا في كلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ فيكون المعنى: ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً، ليبيِّن لهم الذي يختلفون فيه، وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.
النحل 16:41
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾.
يُقال: إنه يُراد به بلالٌ، وصُهيب، والذي يوجب جملة الكلام أن يكون عاماً.
ويُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا دفع إلى المهاجرين أُعْطِياتِهم، قال لهم: هذا ما وعدكم اللهُ في الدنيا، وما ذخر لكم في الآخرة أكثر، ثم يتلو ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾.
ورَوَى هُشيمٌ عن داود ابن أبي هند، عن الشعبي في قوله ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: المدينة.
وكذا قال الحسنُ.
وقال الضحاك: يعني بالحسنة: النَّصرَ، والفتحَ ﴿وَلأَجْرُ ٱلآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ الجنة.
وروى ابن جُريحٍ عن مجاهد ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ قال: لسانَ صدقٍ.
النحل 16:43
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ﴾.
قيل لهم هذا، لأنهم قالوا ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرَاً رَسُولاَ﴾؟
* ثم قال تعالى: ﴿فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
قيل: يعني به أهل الكتاب، لأنهم مقرُّون أن الرسل من بني آدم.
وقال وكيع: سألتُ سفيانَ عن قوله ﴿فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ﴾ فقال: سمعنا أنَّهم مَنْ أسلم من أهل التوراة والإِنجيل.
* ثم قال تعالى: ﴿بِالبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ أي بالبراهين، والكُتُب.
النحل 16:46
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ﴾.
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: في أسفارهم.
ورَوَى عليُّ بنُ الحَكَم عن الضحَّاكِ قال: بالليل والنهار.
النحل 16:47
ثم قال تعالى ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾.
قال الضحاك: آخذُ طائفةً وأدَعُ طائفةً، فتخاف الطائفة الباقية أن ينـزل بها ما نزل بصاحبتها.
ورَوَى عطاء الخراساني عن ابن عباس ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ قال: على تَنقُّصٍ وتَفَرُّع.
ورَوَى ابن جريح عن ابن كثير عن مجاهد قال: تنقُّصاً.
قال أبو جعفر: وهذا القول هو المعروف عند أهل اللغة، يُقال: أخَذَهم على خَوْفٍ، وعلى تخوُّفٍ: إذا تنقَّصهم، كما قال ابن عباس ومجاهد.
ومعنى التنقص: أن ينقصهم في أموالهم، وفي زروعهم، وفي خيرهم شيئاً بعد شيء، حتى يهلكهم.
وقال الليثُ: على تخوَّف: سمعتُ أنه على عَجَل.
وقولُ الضحاك ﴿عَلَىٰ تَخَوُّفٍ﴾ أي يأخذ هذه القرية، ويَدَعُ هذه عندها، أي فتخاف.
النحل 16:48
وقولُه جلَّ وعز ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَٱلْشَّمَآئِلِ سُجَّداً لِلَّهِ﴾.
قال قتادة: الفيءُ: الظلُّ.
وقال غيره: التفيُّؤُ: رجوعه من موضع إلى موضع، خاضعاً منقاداً، وكذلك معنى السجود.
وقال قتادة: ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ﴾: بالغداة، وقوله ﴿وَٱلْشَّمَآئِلِ﴾ بالعشي.
ثم قال الله جلَّ وعز ﴿وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾.
قال قتادة: أي صاغرون.
النحل 16:49
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مِن دَآبَّةٍ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾.
قيل: المعنى: وللهِ يسجد ما في السَمَوات من الملائكة، وما في الأرض من دابة، والملائكةُ أي والملائكة الذين في الأرض، والله أعلم بما أراد.
وقال الضحاك: كلُّ شيءٍ فيه روحٌ: دابةٌ يسجدُ للهِ عزَّ وجلَّ.
النحل 16:51
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلـٰهَيْنِ ٱثْنَيْنِ﴾.
أي لا تعبدوا من دون الله شيئاً، وإن كنتم تتقرَّبون بعبادته إلى الله، وجاء بإثنين توكيداً.
وقيل: المعنى: لا تتَّخذوا اثنين إلهينِ.
النحل 16:52
وقوله جلَّ وعز ﴿وَلَهُ مَا فِي ٱلْسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً﴾.
رَوَى عكرمةُ عن ابن عباس قال: واجباً.
وقيل: الطاعةُ على كلِّ الأحوال، وإن كان فيها الوَصَبُ، وهو التعبُ، وهذا معنى قول الحسن.
ورَوَى مَعْمرٌ عن قتادة ﴿وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً﴾ قال دائماً، ألاَ تسمع إلى قوله ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾؟ أي: دائم. وكذا قال ميمونُ بن مهران.
ورَوَى ابنُ جُريح عن مجاهد ﴿وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً﴾ قال: الإِخلاصُ، والواصب: الدائم.
وهذا هو المعروف في اللغة، يقال: وَصَبَ يَصِبُ وُصُوباً: إذا دام، والدِّينُ: الطاعةُ، والمعنى: أن كلَّ من يُطاع تزول طاعتهُ بهلاكٍ أو زوال، إلاَّ اللهُ جلَّ وعزَّ.
النحل 16:53
ثم قال تعالى ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ﴾.
أي ما يكن بكم من سَعَة في رزقٍ، أو صحةٍ في بَدَنٍ، فمنَ اللهِ ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ﴾ وهو البلاءُ والمشقَّةُ ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ أي تَدُعون وتستغيثون.
يُقالُ: جَأَرَ، يَجْأَرُ، جُؤَاراً: إذا رفع صوته مستغيثاً من جُوعٍ أو غيره.
النحل 16:54
وقوله جل وعز ﴿ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ، لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾.
قيل: المعنى: ليجعلوا النِّعمة سبباً إلى الكفر، كما قال تعالى ﴿رَبَّنَا لَيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلكَ﴾.
وقيل: ليجحدوا النعمةَ التي أنعم عليهم، كما قال الشاعر:
* "والكفرُ مَخْبثَةٌ لنفسِ المُنْعِمِ" *
النحل 16:55
ثم قال تعالى ﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
وهذا على التهديد، كما قال تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ فإنَّا قد أرسلنا الرسل، وبينَّا وأنذرنا، فمن شاءَ فليكفر بعد هذا، فإنَّ العقوبةَ حالَّةٌ به.
النحل 16:56
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ﴾.
يعني: ما كانوا يجعلونه لأصنامهم، من زرعهم وأنعامهم، كما قال تعالى ﴿فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمهِمْ، وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾.
النحل 16:57
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ٱلْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونََ﴾.
أي ولهمُ البنون.
النحل 16:58
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾.
أي ظلَّ كئيباً مغموماً، والعربُ تقول هذا لكلِّ مغمومٍ، قد تغيَّر لونُه من الغمِّ: اسودَّ وجهُه.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [آية٥٨].
الكظيمُ: الحزينُ الذي يُخفي غيظَه، ولا يشكو ما بِهِ.
النحل 16:59
ثم قال جل وعز ﴿يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوۤءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾.
يُروى أن أحدهم كان إذا وُلدَ له، يتوارى في ذلك الوقت، أو قَبْلَه، فإنْ وُلِدَ له ذكرٌ سُرَّ بهِ، وإن وُلِدتْ له أنثى استَتَر، وربَّما وَأَدَها.
ثم بيَّن ذلك بقوله تعالى ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي ٱلتُّرَابِ﴾.
وقرأ الجحدريُّ ﴿أَمْ يَدُسُّهَا في التُّرَابِ﴾ يردُّها على قوله "بالأنثى" ويلزمُهُ أن يقرأ ﴿أَيمسكُهَا﴾.
وقرأ عيسى بن عمر ﴿أيمسكُهُ عَلى هَوَانٍ﴾ وقال: هَوَانٌ وهُونٌ واحد.
وقرأ الأعمشُ: ﴿أيمسكُهُ على سُوءٍ﴾.
وحَكَى أبو عبيد عن الكسائي قال: في لغة قريش: الهُوْنُ والهَوَانُ بمعنىً واحدٍ، وقال: لغة بني تميم يجعل الهون مصدرَ الشيء الهيِّن.
* ثم قال جل وعز ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
لأنهم جعلوا للهِ البناتِ، وهم يكرهونها هذه الكراهية.
النحل 16:60
ثم قال جلَّ وعز: ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوْءِ وَلِلَّهِ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾.
رَوَى مَعْمر عن قتادة: قال: ﴿ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾: لا إله إلاَّ الله.
ورَوَى سعيد عن قتادة قال: ﴿ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ﴾: الإخلاصُ، والتوحيدُ.
والمعنيان واحد، أي للهِ جلَّ وعزَّ التوحيدُ ونفيُ كلِّ معبودٍ دونه.
النحل 16:61
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾ [آية٦١].
أي على الأرض، ولم يَجْرِ لها ذكرٌ، لأنه قد عُرف المعنى.
النحل 16:62
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾.
يعني البنات.
* ثم قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ ٱلْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
قال مجاهد: هو قولهم: لنا البنون.
وقال غيرُه: الحسنى: الجنة.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾.
وقيل: "لا" ردٌّ لكلامهم، وجَرَمَ بمعنى: وَجَبَ، وحقَّ.
قال أبو جعفر: وقد استقصينا القول فيه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾.
كذا قرأ الحسنُ، ومجاهد، وسعيدُ بن جبير، بفتح الراء والتخفيف.
واختلفوا في تفسيره: فقال الحسنُ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾ مُعَجَّلون إلى النَّار.
وقال هُشيم: أخبرنا أبو بِشِرْ، وحُصَينٌ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾ قال: متروكُون منسِيُّون.
وَرَوَى ابن جريح عن مجاهد قال:﴿مفرطون﴾: منسيُّون.
قال أبو جعفر: وقولُ الحسَنِ أشهرُ في اللغةِ وأعرفُ.
وحكَى أهلُ اللغة وهو فَارِطٌ وفَرَطٌ، وفي حديث النبي ﷺ: "أنا فَرَطكُم على الحَوْضِ" أي متقدِّمكُمْ إليه حتى تَرِدُوا علىَّ، وأفرطته: إذا قدَّمته، وأنشد جماعةٌ من أهل اللغة:
فَاسْتَعْجَلُونا وكانُوا من صَحَابتِنَا * كَمَا تعجَّل فُرَّاطٌ لِوُرَّادِ
وقال بقولِ سعيد بن جبيرٍ ومجاهد "أبو عبيدة، والكسائيُّ، والفرَّاءُ".
قال أبو جعفر: فعلى قول الحسن: معجَّلُونُ مقدَّمون إلى النَّار، وعلى قول سعيد بن جبير ومجاهد متروكُون النَّار.
وقرأ عبدالله بن مسعود وابن عباس ﴿وَأنَّهُمْ مُفْرِطُون﴾ مبالغون في الإِساءة، كما يُقال: فَرَطَ فلانٌ على فلانٍ إذا أربى عليه، وقال له أكثرَ ممَّا قال من الشَّرِّ.
وقرأ أبو جعفر والسُّدّي ﴿وأنَّهُم مُفَرِّطُونَ﴾ ومعناه مضيِّعون، أي كانوا مضيِّعين في الدنيا.
النحل 16:66
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً﴾[آية ٦٦].
الفَرْثُ: ما يكونُ في الكَرِشِ، يُقال: أفرثتُ الكرِشَ، إذا أخرجت ما فيها، والمعنى: أنَّ الطعام يكون فيه ما في الكَرِش، ويكون منه الدَّمُ، ثم يخلص اللَّبنُ من الَّدمِ.
* ثم قال تعالى: ﴿سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾.
أي سهلاً لا يَشْجَى به من شَرِبه.
النحل 16:67
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾.
رَوَى عَمْرُو بنُ سفيان، عن ابن عباس قال: السَّكَرُ: ما حَرم من ثمرتها، والرِّزقُ الحسنُ: ما كان حلالاً من ثمرتها.
ورَوَى شعبةُ عن مغيرةَ عن إبراهيم والشعبي قالا: السَّكَرُ ما حُرِّمَ، وقد نُسخ.
وَرَوَى معمرٌ عن قتادة قال: السَّكَرُ: نبيذٌ للأعاجم وقد نسخت.
وَرَوَى عليُّ بنُ الحَكَم عن الضَّحاكِ قال: السَّكَر قد حُرّم.
وقال مجاهد: السَّكر: ما حُرِّم من الخمر، والرزقُ الحَسَنُ: ما أُحلَّ من التَّمر والعنب.
قال أبو جعفر: الأَوْلى أن تكون الآيةُ منسوخةً، لأنَّ تحريم الخمر كان بالمدينة، والنَّحلُ مكيّةٌ.
والروايةُ عن ابن عباس، كأنَّ معناها أن الآية على الإِخبار، بأنهم يفعلون ذلك، لا أنه أذن لهم في ذلك، وذلك معناه.
وهي روايةٌ تضعفُ من جهةِ "عَمْروِ بنِ سفيان".
قال أبو جعفر: وفي معنى السَّكر قول آخر، قال أبو عبيدة: السَّكَرُ: الطَّعْمُ، وأنشد:
* "جَعَلْتَ عَيْبَ الأَكْرَمينَ سَكَرَا" *
أي جعلت ذمَّهم طُعْماً.
قال أبو جعفر: قال الزجاج: وقولُ أبي عُبيدة هذا لا يُعرف، وأهلُ التفسير على خلافِهِ، ولا حجةَ له في البيت الذي أنشده، لأن معناه عند غيره أنه يصف أنها تتخمرُّ بعيوب الناسِ.
النحل 16:68
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً﴾.
رُوي عن الضحَّاك أنه قال: ألهمها.
وأصلُ الوحي في اللغةِ: الإعلانُ بالشيء في سترةٍ، فيقع ذلك بالإِلهام، وبالإِشارة، وبالكتابة، وبالكلام الخفي.
النحل 16:69
وقولُه جلَّ وعز ﴿فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاًً﴾.
رَوَى معمرٌ وسعيدٌ عن قتادة قال: مطيعة.
قال أبو جعفر: ويحتمل في اللغةِ أن يكون قولُه ﴿ذُلُلاً﴾ للسُّبِل، لأنه يقال: سبيلٌ ذلولٌ وسبُلُ ذُلُل، أي سهلة السُّلوك.
ويحتمل أن يكون للنَّحل أي هي منقادةٌ مسخَّرة.
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾.
فيه قولاَّن:
أحدهما: أن المعنى في القرآن شفاءٌ للناس.
وهذا قول حَسَنٌ، أي فيما قصصنا عليكم من الآيات والبراهين شفاءٌ للنَّاسِ.
وقيل: في العسل شفاءٌ للنَّاسِ، وهذا القولُ بيِّنٌ أيضاً، لأن أكثر الأشربة والمعجوناتِ التي يتعالج بها، أصلُها من العسل.
النحل 16:70
وقوله جل وعز ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ ٱلْعُمُرِِ﴾.
أي يهرم حتى ينقص عقله.
* ثم قال جل وعز ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي حتى يعود بعد العلم جاهلاً، أي لتعلموا أنَّ الذي ردَّه إلى هذه الحالِ، قادرٌ على أن يميته ثم يُحييه.
النحل 16:71
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادة قال: هذا مَثَلٌ ضربه اللهُ، أي إذا كان لأحدكم مملوكٌ لم تَسْغُ نفسُه أن يعطيه ممَّا يملك، واللهُ جَلَّ وعَزَّ أولى أن يُنَّـزه عن هذا.
ومعنى هذا القول: أنهم عمدوا إلى رزق اللهِ فجعلوا للأصنام منه نصيباً، وله نصيباً، والمعنى: إنكم كلكم بشر، ويكون لأحدكم المملوك فلا يَردُّ عليه مما يملك شيئاً، ولا يساويه فيه، فكيف تعمدون إلى رزق الله، فتجعلون منه نصيباً وللأوثان نصيباً؟.
* ثم قال جل وعز ﴿أَفَبِنِعْمَةِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
أي أفأَنْ أنعمَ اللهُ عليهم جحدوا بالنعمة وجعلوا ما رزقهم لغيره؟
وقيل: المعنى: أفَأَن أنعم عليهم بالبيان والبراهين جحدوا نِعَمه.
قال الضحَّاك: هذا المثلُ للهِ جلَّ وعزَّ وعيسى، أي أنتم لا تفعلون هذا بعبيدكم، فكيف ترضون لي باتِّخاذ بشرٍ ولداً؟ تعالى اللهُ عما يقولون علوّاً كبيراً.
النحل 16:72
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاًً﴾.
رَوَى سعيد عن قتادة في قوله ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ قال: خلق حواء من ضلع آدم.
وقال غيره: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾ أي من جنسكم.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.
رَوَى سفيانُ الثوري، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن عبدالله بن مسعود، قال: الحَفَدةُ: الأَخْتَانُ.
وروى سفيانُ بن عُيَينة عن [عاصم عن] زرٍّ عن عبدالله قال: الحَفَدةُ: الأصهارُ.
ورَوى شُعبةُ عن زرٍّ قال: سألني ابنُ مسعودٍ عن الحَفَدةِ، فقلت: هم الأعوانُ، قال: هم الأَخْتَانُ.
وقال عَلْقمةُ وأبو الضحى: الحَفَدةُ: الأَخْتانُ.
وقال إبراهيم: الحَفَدةُ: الأصهارُ.
قال أبو جعفرٍ: وقد اختُلِفَ في الأَخْتَانِ والأصهار، فقال محمد بنُ الحسن، الختَنُ: الزوجُ ومن كان من ذوي رَحِمَه، والصِّهرُ: من كان قِبَلِ المرأة، نحو أبيها وعمَّتها وخالها.
وقال ابن الأعرابي ضد هذا في الأختان والأصهار.
وقال الأصمعي: الخَتَنُ: من كان من قِبَلِ المرأة مثل أبيها وأخيها وما أشبههما، والأُصهار منهما جميعاً، يقال: أصْهَرَ فلانٌ إلى بني فلانٍ وَصَاهَر.
وقولُ عبدالله بن مسعود: هم الأَخْتَانُ، يحتمل المعنيين جميعاً، يجوز أن يكون أراد أبا المراة، وما أشبهه من أقربائها.
ويجوز أن يكون أراد: وجعل لكم من أزواجكم بنين وبنات تزوِّجونهم، فيكون لكم بسببهنَّ أَخْتَانٌ.
وقد قيل في الآية غير هذا.
قال عكرمة: الحَفَدة: ولدُ الرجل من نَفَعه منهم.
وقال الحسن وطاووس ومجاهد: الحَفَدةُ: الخَدَمُ.
قال أبو جعفر: وأصلُ الحَفَدة في اللغة: الخدمة، والعمل، يقال: حفد يحفِدُ حَفْداً وحفوداً وحَفَداناً، إذا خَدَم وعمل، ومنه "وإليكَ نَسْعى ونَحْفِدُ": ومنه قولُ الشاعر:
حَفَدَ الوَلاَئِدُ حولَهُنَّ وأُسْلِمَتْ * بأكُفِّهِنَّ أَزِمَّةُ الأجْمَالِ
وقول من قال: هم الخَدَمُ حسنٌ على هذا، إلاَّ أنه يكون منقطعاً مما قبله عند أبي عُبيد، ويُنْوَى به التقديمُ والتأخيرُ، كأنه قال: وجعلَ لكم حَفَدةً، أي خَدَماً، وجعل لكم من أزواجكم بنين.
النحل 16:73
وقوله جلَّ وعز ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ شَيْئاًً﴾.
أي: لا يملكون أن يرزقوهم شيئاً.
النحل 16:74
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ. فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ ٱلأَمْثَالََ﴾.
قال الضحَّاك: لا تعبدوا من دونه ما لا ينفعكم، ولا يضركم، ولا يرزقكم.
النحل 16:75
وقوله جلَّ وعز ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾.
هذه الآية مشكلةٌ وفيها أقوال:
قال مجاهد والضحّاك: هذا المثلُ للهِ جلَّ ذكره، ومن عُبِد منْ دونِه.
وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر.
يذهب قتادةُ إلى أن العبدَ المملوكَ هو الكافرُ، لأنه لا يَنتفِع في الآخرة بشيءٍ من عبادته، وإلى معنى ﴿وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناًً﴾ المؤمنُ.
وقال بعض أهل اللغة: القولُ الأول أحسنُ، لأنه وقع بين كلامين، لا نعلم بين أهل التفسير اختلافاً ـ إلاَّ من شذَّ منهم ـ أنهما للهِ جلَّ وعز، وهما ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ وبعده ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ﴾ يعني الوثنَ، لأنه كَلٌّ على من عنده وثِقْلٌ.
والمولى: الوليُّ.
النحل 16:76
ثم قال جلَّ وعز ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
يعني نفسَه جلَّ وعزَّ.
وكذا قال قتادة: اللهُ جلَّ وعز يأمرنا بالعدلِ، وهو على صراط مستقيم.
والمعنى على هذا في قوله جلَّ وعزَّ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوْكاً﴾ أنه يعني به ما عُبِد من دونه، لأنه لا يملك ضرّاً ولا نَفْعاً و ﴿مَن رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً﴾ وهذا للهِ جل وعز، لأنه الجوادُ الرازقُ للإِنسان، من حيث يعلم، ومن حيث لا يعلم.
ورُوِى عن ابن عباس ـ وهذا لفظُه المرويُّ عنه ـ قال: "نزلت هذه الآيةُ ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوْكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ في "هشام بنِ عَمْرو" وهو الذي ينفق منه سرّاً وجهراً ومولاه أبو الجواب الذي كان ينهاه، وقيل: نزلَتْ في رجلين ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ﴾ الأبكمُ منهما، الكلُّ على مولاه "أسيد بن أبي العاص" والذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم هو "عثمان بن عفان" رحمة الله عليه، كان عثمان يكفل مولاه، فعثمان الذي ينفق بالعدل وهو على صراط مستقيم، والآخر الأبكم.
وقال الحسن: ﴿عَبْداً مَمْلُوكاً﴾ هو الصنم.
وأولى الأقوال في هذا قول ابن عباس رواه عنه حمَّادُ بن سَلَمة، عن عبدالله بن عثمان بن خُثَيم، عن ابراهيم عن عكرمة، عن ابن عباس، فبيِّن ابنُ عباس رحمه الله، أنَّ هذه الآية نزلت في عبدٍ بعينِه، لم يكن له مالٌ، ولا يُقال في كل عبد (لا يقدر على شيء). فنـزلت فيه وفي سيِّد كان له مال ينفق منه، وأن الآية الأخرى نزلت في رجلٍ بعينه، لم يكن له مالٌ، وكان كَلاً على مولاه، أي ابن عمه أو قريبه.
وضرب الله هذه الأمثال ليعلم أنه إله واحدٌ، وأنه لا ينبغي أن يُشبَّه به غيرُه.
ولا يصحُّ قولُ من قال: إنه صنم، لأن الصنم لا يقع عليه اسم عبد.
النحل 16:77
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ﴾.
[أي علم ما غاب فيهما عن العباد].
ثم قال ﴿وَمَآ أَمْرُ ٱلسَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ ٱلْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾.
قال قتادة: هو أن يقول جلَّ وعزَّ (كُنْ) فذلك كلمح البصر، أو هو أقرب.
وقال غيره: المعنى: أو هو أقربُ عندكم، ولم يُرد أنها على هذا القرب، وإنِّما أراد أن يُعرِّفنا قدرته.
النحل 16:79
وقوله جلَّ وعز: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ ٱلطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ﴾.
الجوُّ: الهواءُ البعيد، وأبعدُ منه السُّكَاكُ، الواحدةُ سُكَاكه.
النحل 16:80
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَناًً﴾.
أي موضعاً تسكنون فيه.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّن جُلُودِ ٱلأَنْعَامِ بُيُوتاً﴾.
يعني بيوت الأَدَمِ وما أشبهها، والأنعامُ: الإِبلُ، والبقر، والغنمُ.
* ثم قال تعالى: ﴿تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾.
أي يَخفُّ عليكم حملُها، في سفرِكمْ وإقامتكُم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَآ أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ﴾.
فالأصواف للضأنِ، والأوبارُ للإِبلِ، والأشعارُ للمعز.
قال قتادة: الأثاث: المالُ.
وقال الضحَّاكُ: الأثاث: المالُ والزينةُ.
والأثاثُ عند أهل اللغة: متاع البيت نحو الفُرُشِ، والأكسية، وقد أثَّ يئِثُّ أثّاً: إذ صار ذا أثاث، قال أبو زيد: واحد الأَثاث أَثَاثَةٌ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَمَتَاعاً إِلَىٰ حِينٍ﴾.
روى معمرٌ عن قتادة: إلى أجلٍ وبُلْغةٍ.
النحل 16:81
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً﴾.
يعني ظلالَ الشَّجَرِ، واللهُ أعلم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾.
أي ما يُكِنُّكُمْ، والواحدُ كِنٌّ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾.
رَوى معمرٌ عن قتادة قال: يعني قُمُص الكُتَّانِ.
* ثم قال تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ﴾.
قال قتادة: يعني الدروع.
ورَوَى عثمان بن عطاء عن أبيه قال: إنما خوطبوا بما يعرفون، قال جلَّ وعز ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً﴾ وما جعل لهم من السهل أكثرُ وأعظم، ولكنهم كانوا أصحاب جبال ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ﴾ وما يقي البرد أكثر، ولكنهم أصحابُ حرٍّ.
وقال الفرَّاءُ "يحي بنُ زِيادٍ": المعنى: تقيكم الحرَّ، وتقيكم البرد، ثم حذف، كما قال الشاعر:
فَمَا أَدْرِي إذَا يَمَّمتُّ وَجْهاً * أريدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِيني
والمعنى: أي الخيرَ والشرَّ، لأنه إذا أراد الخير اتَّقى الشرَّ.
* ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
رُوى عن ابن عباس ﴿لَعَلَّكُمْ تَسْلَمُونَ﴾ وقال: أي من الجراحات، وإسناده ضعيفٌ، رواه عبَّاد بن العوَّام عن حنظلة، عن شَهْرِ بنِ حوشب، عن ابن عباس.
وظاهرُ القرآن يدلُّ على الإِسلام، لأنه عدَّد النِّعمَ، ثم قال ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ﴾.
النحل 16:82
ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلاَغُ ٱلْمُبِينُ. يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾.
رَوَى سفيانُ عن السُدَّي قال: يعني محمداً ﷺ.
قال أبو جعفر: وهذا القول حسنٌ، والمعنى: يعرفون أن أمر النبي ﷺ حقٌ ثم ينكرونه.
ورَوَى ورقاء، عن ابنِ أبي نجيح، عن مجاهد، قال: يعني المساكنَ، والأنعامَ وما يُرزقون منها، والسرابيلَ من الحديدِ والثياب، أنعمَ اللهُ بذلك عليهم، فلم يشكروا، وقالوا إنما كان لآبائنا وورثناها عنهم.
النحل 16:84
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾.
يُروى أن نبيِّ كل أمّةٍ شاهدٌ عليها.
النحل 16:86
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ ٱلْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
أي جحدتم آلهتم كما قال تعالى ﴿سَيكْفُرونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدَّاً﴾.
النحل 16:87
ثم قال جلَّ وعزَّ ﴿وَأَلْقَوْاْ إِلَىٰ ٱللَّهِ يَوْمَئِذٍ ٱلسَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قتادة قال: استسلموا وذلُّو ﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي يشركون.
النحل 16:88
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِِ﴾ [آية٨٨].
رَوَى مسروقٌ عن عبدالله قال: زيدوا عقاربَ أنيابُها كالنخلِ الطِّوال.
النحل 16:89
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ ٱلْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ﴾.
رَوَى أَبَانُ بن ثَعْلب، عن مجاهد قال: تبياناً للحلال من الحرام.
النحل 16:91
وقوله تعالى ﴿وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾.
قال مجاهد: يعني تغليظ اليمين.
النحل 16:92
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾.
هذه آيةٌ مشكلةٌ تحتاج إلى تدبُّر.
قال قتادة: الدَّخَلُ: الخيانةُ.
وقال غيرُه: المعنى: لا تحلفوا أو تؤكدوا عليكم الأيمان، ثم تحنثوا، فتكونوا كامرأةٍ غَزَلتْ غَزْلاً، فأبرمتْهُ وأحكمتْهُ، ثم نقضته.
والأنكاثُ: ما نُقِضَ من الخزِّ والوبر وغيرهما، ليُغْزل ثانية، ومنه قيل: ناكثٌ.
ورُوي في التفسير أنَّ امرأة يقال لها رَبْطةُ ابنة سعد، كانت تغزل بمغزل كبير، فإذا أبرمته وأتقنته أمرت جارتها فنقضته.
قال الضحاك في قوله تعالى ﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ أي أكثر، قال: فأُمروا بوفاء العهد، وإن كانوا كثيراً.
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: كانوا يحالفون القوم ويعاهدونهم، فإذا علموا أن غيرهم أكثر منهم وأقوى، نقضوا عهدهم، وحالفوا غيرهم، فنهاهم الله جلَّ ذكره عن ذلك.
والمعنى عند أهل اللغة: لأن تكون أمة وبأن تكون أمَّةٌ هي أربى من أُمَّة، أي هي أغنى وأكثر. أي لا تعاهدوا قوماً، فإذا أمنوا نقضتم العهد، ليكون أصحابكم أغنَى وأقوى.
النحل 16:97
وقوله جلَّ وعز ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونََ﴾.
رُوي عن ابن عباس أنه قال: الحياة ُالطيبة: الرزقُ الحلال، ثم يصير إلى اللهِ، فيجزيه أجْرَهُ بأحسنِ ما كان يعمل.
ورُوي عن ابن عبَّاسٍ ـ رواه الحكَمُ عن عكرمةَ عنه ـ أنه قال: الحياة الطَّيبةُ: القناعة.
ورَوَى ابنُ كثير عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ قال: في الآخرة يُحييه حياةً طيِّبةً.
ورَوَى عوفٌ عن الحسن: ليس لأحدٍ حياة طيِّبةٌ إلاَّ في الجنة.
النحل 16:98
وقولُه جلَّ وعز ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ﴾.
المعنى: إذا أردت أن تقرأ، وهذا كما تقول: إذا أكلت فقل: بسم الله، ومثلُه في كتاب الله عز وجل ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلى الصَلاَةِ﴾.
النحل 16:100
وقولُه جلَّ وعز ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
رَوَى ابنُ نجيح عن مجاهد قال ﴿سُلْطَانُهُ﴾ حجَّتُه، قال ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: يَعْدِلُونه بربِّ العالمين.
وقال غيرُ مجاهد: لو كان المعنى على أنهم أشركوا بالشيطان، لكانوا مؤمنين، ولكنَّ المعنى: والذين هم من أجله مشركون، كما تقول: صار فلانٌ بكَ عالماً، أي من أجلك.
النحل 16:101
وقوله جل َّوعز: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍٍ﴾.
رَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: رفعناها، وجعلنا موضعها غيرها.
وقال غيره: أي نسخنا آيةً بآيةٍ هي أشدُ عليهم منها ﴿قَالُوۤاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ أي كاذبٌ، فقال جلَّ وعز ﴿إنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي الَّذِينَ إذا رأوا آية، لا يأتي بها إلاَّ نبيٌّ، كذَّبوا بها، فهؤلاء أكذبُ الكاذبين.
النحل 16:103
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾.
رَوى سفيانُ عن حَبيبِ بنِ أبي ثابت عن عكرمة قال: هو غلامٌ لبني عَامرِ بنِ لُؤيٍّ، يُقال ـ أُرَى ـ له يعيشُ.
ورَوَى عليُّ بنُ الحَكَم عن الضحاك قال: هو "سلمانُ الفارسيُّ" رحمه الله.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد هو "عبدُاللهِ بنُ الحَضْرمي" وهو روميُّ، كان يُحسِنُ الكتابة.
قال أبو عبيد: وقال غير مجاهد: اسمهُ "جَبْرٌ".
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة، لأنه يجوز أن يكونوا أومأوا إلى هؤلاء جميعاً، وزعموا أنهم يُعلِّمونه، وأصل الإِلحاد في اللغة: المَيْلُ.
النحل 16:106
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِٱلإِيمَانِ﴾.
أهلُ التفسير أن هذه الآية نزلت في "عمَّار بِنِ ياسر" رحمهُ اللهُ، لأنه قارَبَ بعضَ ما ندبوه إليه.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ ٱللَّهِ﴾.
أي من فَتحَ صدرَه لقبوله.
النحل 16:110
وقولُه جل َّوعزَّ ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ﴾.
هذا كله في عمَّار، والمعنى: وصبروا على الجهاد.
النحل 16:111
وقولُه جلَّ وعز ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾.
يُرْوَى أن كعباً قال لعمرَ بنِ الخطَّابِ رحمه الله: تَزفر جهنم يوم القيامة زفرةً، فلا يبقى مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مُرْسَلٌ، إلاَّ جثَا على ركبيته، يقول: يا ربِّ نفسي، حتى أن ابراهيمَ خليلُ الرحمن، ليجثو على ركبتيه، ويقول: لا أسألك إلاَّ نفسي، ثم قال كعب: إن هذا لفي كتاب اللهِ، وتلا ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾.
وقال غيره: يدلُّ على هذا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أَخِيهِ. وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾.
النحل 16:112
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾.
رَوَى معمر عن قتادة قال: هي مكة.
وقال غيره: كان أهلُها في أمنٍ ودَعَةٍ، ثم ابتلاهم الله بالقتل والجوع سبع سنين، قال تعالى ﴿فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ﴾ وأصلُ الذوق بالفم، ثم استعمل للابتلاء وللاختبار.
النحل 16:115
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍٍ﴾.
قال أبو جعفر: قد ذكرناه في سورة البقرة.
ورُوي عن ابن عباس أنه قال: من أكل الميتة وهو غير مضطر إليها، فهو باغٍ عادٍ.
ورَوَى عن سعيد بن جبير ومجاهد أنهما قالا إذا أخاف السبيل، وقطع الطريق، لم تحلل له الميتةُ. هذا معنى قولهما.
النحل 16:116
وقوله جلَّ وعز ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ ٱلْكَذِبَ هَـٰذَا حَلاَلٌ وَهَـٰذَا حَرَامٌٌ﴾.
قال مجاهد: يعني البحائر، والسُّيَّب.
النحل 16:118
وقوله جل وعز ﴿وَعَلَىٰ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾.
قال قتادة: هو قوله تعالى ﴿وَعَلى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾.
النحل 16:124
وقوله جل وعز ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبْتُ عَلَىٰ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ﴾.
روى سعيدُ بن جُبَيرٍ عن قتادةَ قال: أحلَّهُ بعضُهم، وحرَّمه بعضُهُم.
وقال مجاهد: تركوا الجُمُعة، واختاروا السبتَ.
النحل 16:125
وقوله جلَّ وعز: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
﴿وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ هي منسوخة.
النحل 16:126
وقوله جل وعز: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
قال قتادة: لمَّا مَثَّلوا بحمزةَ رضي الله عنه، قالوا: لنمثِلنَّ بهم، فأنزل اللهُ جلَّ وعزَّ هذه الآية.
ورَوَى عليُّ بن الحَكَم عن الضحَّاكِ قال: نزلت هذه الآيةُ قبل القِتالِ، وقبْلَ سورةِ براءة.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ أولى، وقد قال زيدُ بنُ أسلَمَ نحوَه.
قال: لمَّا قدم رسول الله ﷺ المدينة، أُذِنَ لهُ في جهادِ المشركينَ، والغِلظةِ عليهم.
ويدلُّكَ على أن هذا نَزَل بمكة، قولُه تعالَى ﴿وَلاَ تَكُ في ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وأكثرُ مكرِهم، وحزنِهِ ﷺ عليهمْ كان بمكة.
فأمَّا حديثُ أبي هريرةَ، وأبنِ عبَّاسٍ "لمَّا قُتِل حمزةُ ـ رحمةُ اللهِ عليهِ ـ قال النبيُّ ﷺ: لأُمثِلنَّ بسبعينَ منهم"، فنـزلت ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فإسنادهما ضعيفٌ.
النحل 16:128
وقولهُ جلَّ اسمُه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونََ﴾.
رُويَ عن الحسنِ أنه قال: اتَّقُوا اللهَ جلَّ وعزَّ فيما حَرَّم عليكم، وأحسنوا في أداءِ فرائضه.
الإسراء 17:1
قولُه تعالَى جَدُّه ﴿سُبْحَانَ ٱلَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاًً﴾.
يُرْوى أن النبي ﷺ سُئل عن معنى ﴿سُبْحَانَ﴾ فقال: إنزاهُ اللهِ من السُّوء.
وفي بعض الحديث: براءةُ اللهِ من السُّوء.
قال سيبويه: وغيره: معناه: براءةُ اللهِ من السُّوء، وأنشد:
أَقُولُ لمَّا جَاءنِي فَخْرُهُ * سُبْحَانَ من عَلْقَمَةَ الفَاخِرِ
ورَوَى مَعْمرٌ عن الزُّهريِ عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ قال: "قمتُ في الحِجْرِ لمَّا كذَّبنِي قومي، ليلةَ أُسريَ بي، فأثنيتُ على ربِّي، وسألتُه أن يُمثِّل لي (بيتَ المقدس) فرُفعَ لي، فجعلتُ أنعتُ لهم آياتِهِ".
ورَوَى سفيانُ عن الأعمشِ، عن إبراهيم التَّيمْي، عن أبيه عن أبي ذَرٍّ قال: "قلت يا رسولَ اللهِ: أي مسجدٍ وُضِع أوَّلُ؟ فقال: المسجدُ الحرام، قلتُ: ثم أيٌّ؟ قال: ثمَّ المسجدُ الأقصى، قلت كم بينهما؟ قال: أربعون سنة، ثم قال: أينما أدركتك الصَّلاةُ فصَلِّ فهو مسجد".
وقوله جلَّ وعز: ﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
﴿مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ يعني مكة ﴿إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى﴾ يعني بيت المقدس ﴿ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ قيل: فجَّر حولَه الأنهارَ، وأَنبت الثِّمار.
* ثم قال جل وعز ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ﴾.
﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾ ما رأى من الأنبياء وآثارهم.
الإسراء 17:2
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
أي دللناهم بِهِ على الهُدى.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً﴾.
ويُقرأ ﴿أَنْ لاَ يتَّخِذُوا﴾ على إضمارٍ، بمعنى: وعهدنا إليهم.
ورَوَى وَرْقاءُ عن ابنِ أبي نجيح ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً﴾ قال: شريكاً.
قال أبو جعفر: وذلك معروفٌ في اللغة أن يُقال لكل من قام مقام آخر في أيِّ شيء كان: هو شريكه.
وقال الفراء: ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً﴾ أي كافياً.
الإسراء 17:3
وقوله جلَّ وعز: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍٍ﴾.
رَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال: على النِّداء، أيْ ذُرِّيةَ من حملنا.
قال أبو جعفر: "أَيْ" حرفُ نداء مثل "يا".
وروى سفيانُ عن حُميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿ذَرِّيةَ﴾ بفتح الذَّال، وتشديد الراء والياء.
ورُوي عن زيد بن ثابت ﴿ذِرِّيةَ﴾ بكسر الذال، وتشديد الرَّاء والياء.
فأمَّا عامرُ بنُ عبدالواحد، فحكَى أن زيداً قرأ ﴿ذَرِّيةََ﴾ بفتح الذال وتشديد الراء والياء.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾.
روى معمر عن قتادة قال: "كان إذا لبس ثوباً قال: "بسم الله" وإذا نزعه قال: "الحمد لله"".
وَرَوى مَعْمرٌ عن منصور عن إبراهيم قال: شكرُه أنه إذا أكل قال: بسم الله، فإذا فرغ من الأكل قال: الحمدُ للهِ.
الإسراء 17:4
وقولُه جل وعز: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِِ﴾.
قال سفيان: أي على بني إسرائيل.
قال ابن عباس: ﴿قَضَيْنَا﴾: أعلمنا.
الإسراء 17:5
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾.
أي أولى المرَّتين.
﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾.
رَوَى ابنُ ابي نجيح عن مجاهد، قال: جاءوا من ناحية فارس أول مرَّة، ومعهم "بختنصَّر" فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا في الثانية، فقتلوا بني إسرائيل، ودمَّروهم تدميراً.
وقال قتادة: بعث عليهم في أول مرة "جالوت" وفي الثانية "بختنصَّر".
* ثم قال جل وعز ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾.
رَوَى معاويةُ بن صالح عن عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قال ﴿جَاسُوا﴾: مَشَوْا.
قال أبو جعفر: المعروفُ عند أهل اللغة أنه يُقال: جُسْنَا دُورَ بنِي فلانٍ، وجِسْنَاها: إذا قهروهم وغلبوهم.
الإسراء 17:6
وقوله جل وعز: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الدولة ﴿وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾.
يجوز أن يكون ﴿نَفِيرَاً﴾ بمعنى نافر، مثلُ قديرٍ، وقادر.
ويجوز أن يكون جمع نَفْرٍ، مثلُ عَبِيدٍ، وكَلِيب، ومَعِيزٍ، وأصلهُُ من ينفر مع الرجل من عشيرته وأصحابه.
الإسراء 17:7
وقولُه جلَّ وعز: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾.
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ﴾ أي من المرَّتين ﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾
رَوَى زائدة عن الأعمش قال: اللهُ ليسوءَ وجوهكم.
وقال غيره: ليسوءَ الوعدُ وجوهكم.
ويُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿لنسوءَ وجوهكم﴾ بالنون، وهي قراءة الكسائي، وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: فإذا جاء وعدُ الآخرة بعثناهم لنسوء وجوهكم.
ورُوي عن أُبيِّ كعب أنه قرأ ﴿فإذا جاء وعدُ الآخرة لَنَسُوءَنْ وجوهَكُمْ﴾ بالنون الخفيفة، واللاَّم المفتوحة، والوقف عليه لنسوءَا مثل: لنسفَعَا، وهو على غير حذفٍ.
ومن قرأ ﴿لِيسُوءُوا﴾ فالمعنى عنده للعباد، وفيه حذفٌ.
وقولُه عزَّ وجل ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾.
قال ابن جريح: ليدمِّروا تدميراً، كذا قال ابن عباس.
قال أبو جعفر: وكذلك هو في اللغة يُقال: تَبَّر الشيءَ: إذا كَسَره، ومنه التِّبْرُ.
الإسراء 17:8
وقوله جلَّ ذكره: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.
رَوى مبارك عن الحسن قال: "إن عدتم إلى المعصية، عُدْنا إلى العقوبة".
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾.
قال مجاهد: أي يُحصرون فيها.
وقال الحسن: فراشاً ومعاداً.
ورَوَى مَعْمرٌ عن قتادة: قال: مَحْبَساً.
قال أبو جعفر: ومعروف في اللغة أن يُقال: حصرتُ الرجل أي حبستُه، ويُقال للموضع الذي يُحبسُ فيه "حَصِيرٌ" ويُقال: أحصَرَه المرضُ، والأصلُ فيه واحدٌ.
الإسراء 17:9
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُُ﴾.
[المعنى: يهدي للحال التي هي أقومُ] والحالُ التي هي أقوَمُ: توحيدُ اللهِ، واتِّباعُ رسله، والعملُ بطاعته.
الإسراء 17:11
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾.
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: يدعو الإِنسان على نفسه، بما لو استُجيب له لَهَلَكَ، ويدعو على ولده وماله.
* ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾ قيل: يَعْجَل بالدُّعاءِ على نفسه، ولا يَعْجلُ اللهُ بالإِجابة.
ورُوي عن سلمان أنه قال: أولُ ما خلق الله ُمن آدم رأْسَه، فأقبَلَ ينظرُ إلى سائره يُخْلَق، فلمَّا دنا المساءُ قال: [ربّ عجِّلْ] قبل الليل، فقال اللهُ ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً﴾.
الإسراء 17:12
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾.
الآيةُ في اللغة: الدَّلالةُ والعلامةُ، أي جعلناهما دَالَّيْن على أنَّ خالقهما ليس كمثلِهِ شيءٌ، ودالَّيْن على عَدَد ِالسِّنين والحساب.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾.
روى هشيم عن حُصَيْن عن عكرمة عن ابن عباس ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ ٱلْلَّيْلِ﴾ قال: هو السَّوادُ الذي ترونه في القمر.
ويُروى أن ابن الكوَّاء سأل "عليَّ بنَ أبي طالب" عن السَّواد الَّذي في القمر، فقال: لو سألتَ عمَّا ينفعُك في دنياك وآخرتك. ذاك أن الله يقول: ﴿وَجَعَلْنَا ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ إلى آخر الآية، فآيةُ ُالنَّهار: الشَّمسُ، وآيةُ اللَّيلِ: القمرُ، وصَحْوُهُ: السَّوادُ الذي فيه.
وقولُه جلَّ ثناوه ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصَرِةً﴾.
رَوَى الحسنُ عن قتادة قال: منيرةً.
قال أبو جعفر: وهذا مذهبُ الفراء، فقد قال ﴿مُبْصِرَةً﴾ بمعنى: مضيئة.
وقال غيره: هذا على التشبيه أي ذات إبصار، أي يبصرون بها.
الإسراء 17:13
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِِ﴾.
رَوَى منصورٌ، وابن أبي نجيح، وابن جريح، عن مجاهد قال: عمَلُه.
وقال الضحاك: رِزقُه،ُ وأجلُه، وشقاؤه، وسعادتُه.
وروى ابن جُريح عن عطاء الخراساني عن ابن عباس قال ﴿طائرة﴾: ما قُدِّر عليه، يكون معه حيثما كان، ويَزُول معه أينما زال.
وقيل: ﴿طَائِرُهُ﴾: حظُّه.
قال أبو جعفر: والمعاني متقاربةٌ، إنما هو ما يطير من خيرٍ أو شرٍّ، على التمثيل، كما تقول: هذا في عُنُقِ فلانٍ، أي يَلْزمُه كما تَلْزم القلادة.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾.
رَوَى جرير بن حازم، عن حُميد عن مجاهد أنه قرأ ﴿وَيُخْرِجُ لهُ يَوْمَ القِيَامَةِ كِتَاباً﴾ قال: يريد يعني: ويُخرج له الطائر كتاباً أي عمله كتاباً.
ورُوي عن مجاهد ﴿ويُخْرَجُ﴾ وكذلك قرأ أبو جعفر "يزيد بن القعقاع".
وقرأ الحسن: ويَخْرَجُ له يوم القيامة كتاباً، بفتح الياء أيضاً.
ورُويت هذه القراءةُ عن ابن عباس، فإنه قال: سيُحوَّل عملُه كتاباً.
وقرأ الحسنُ ﴿يُلَقَّاهُ﴾ بضم الياء، وتشديد القاف.
الإسراء 17:15
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاًً﴾.
رَوَى معمرٌ عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال: "اذا كان يومُ القيامة، جَمَع اللهُ أهلَ الفَتْرةِ، والمعتُوهَ، والأصمَّ، والأبكمَ، والأخرسَ، والشيوخ الذين لم يُدركوا الإسلام، فأرسلَ إليهم رسولاً أنِ ادخُلوا النَّار، فيقولون: كيفَ ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلُوها لكانت عليهم برداً وسلاماً ـ فيُرسِلُ الله عليهم رسولاً، فيطيعه من كان يريد أن يُطيعه، ثم قرأ أبو هريرة ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾".
وقال غيره: يومُ القيامةِ ليس بيومِ تَعَبُّدٍ ولا محنة، فيُرْسَلُ إلى أحدٍ رسولٌ، ولكنْ معنى الآية: وما كنا معذِّبين أحداً في الدنيا بالإِهلاك، حتى نبعثَ رسولاً.
الإسراء 17:16
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾.
يُقرأ هذا الحرفُ على وجوهٍ:
رُوي عن عبدالله بن مسعود أنه قرأ ﴿أَمَرْنَا﴾ بالقصر والتخفيف، وكذلك يُروى عن ابن عباس.
ورُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ ﴿أَمَّرْنَا مُتْرَفِيها﴾ وكذلك قرأ أبو عثمان النَّهديُ، وأبو العالية.
وقرأ الحسنُ، والأعرج، وابنُ أبي إسحق ﴿آامَرْنا مُتْرَفِيها﴾.
ورُوي ﴿أَمِرْنَا مُتْرفيها﴾ على "فَعِلْنا" عن ابن عباس هذه القراءة أيضاً.
قال أبو جعفر: من قرأ ﴿أَمَرْنَا مُتْرفيها﴾ ففي قراءته ثلاثة أقوال:
أحدها: وأثبتُها ما قاله ابن جُريح ـ وزعم أنه قول ابن عباس ـ وهو أن المعنى: أمرناهم بالطاعة ففسقوا.
قال محمد بن يزيد: قد عُلِمَ أنَّ اللهَ عزَّ وجل لا يأمر إلاَّ بالعدل والإِحسان، كما قال تعالى ﴿إنَّ اللَّهَ يأمُر بالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ فقد عُلِم أن المعنى: أمرنا مترفيها بالطَّاعة، فعَصَوْا.
قال مجاهد: (مترفوها): فُسَّاقُها.
وقال أبو العالية: مستكبروها.
والمعنى: أمرناهم بالطاعة، والفاسقُ إذا أُمِرَ بالطَّاعة عَصَى، فعصَوْا، فحقَّ عليهم القولُ بالعصيان، أي وجب.
والقولُ الثاني: في معنى ﴿أَمَرْنا﴾: أكثَرْنا.
قال الكسائي: يجوز أن يكون "أَمَرْنا" بمعنى "أمَّرنا" من الإِمارة، وأنكر أن يكون "أَمَرْنا" بمعنى أكثَرْنا، وقال: لا يُقال في هذا إلاَّ آمَرْنَا.
قال أبو جعفر: وهذا القولُ الثالث ـ أعني قول الكسائي ـ يُنكرهُ أهلُ اللغة.
وقد حَكَى أبو زيد وأبو عُبيدة أنه يُقال: "أَمَرْنَا" بمعنى أكثرنا.
ويُقوِّي ذلك الحديثُ المرفوع ُ(خيرُ المال سِكَّةٌ مَأْبُورةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورة).
والسُّكَّةُ المأْبورةُ: النَّخْلُ المُلَقَّحُ، والمُهْرةُ المأمورةُ: الكثيرةُ النِّتاج.
فأمَّا معنى ﴿أَمَّرْنا﴾ ففيه قولان:
أحدهما: رواهُ معاويةُ بن صالح، عن عليِّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: ﴿أمَّرْنَا﴾: سلَّطْنا. وكذلك قال أبو عثمان النَّهْدِيُّ.
ورَوَى وكيعٌ عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بنِ أنس، عن أبي العالية أنه قرأ ﴿أَمَّرْنا﴾ مُثَقَّلة، أي سلَّطْنا مستكبريها.
والقولُ الثاني: رواه الكسائي عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بنِ أنس، عن أبي العالية ﴿أَمَّرْنَا﴾ أي أكثرنا.
وليس بمعبدٍ ما رواه الكسائي، ويكون مثل: سَمِنَ الدَّابةُ، وسَمَّنتُه، وأسمنتهُ.
قال أبو جعفر: وهذا أَوْلَى، قال جلَّ وعزَّ ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾ فوصف أنهم جماعة، والقريةُ الواحدة لا تُوصف إنَّ فيها جماعة أمراء.
إن قيل: يكون واحداً، فقد قيل: وهذا خصوصٌ، والهلاكُ بالكثرةِ، فتكثر المعاصي.
فأما معنى: "ءآمَرْنَا" فأكثرنا كذلك.
قال الحسن: ويحتمل معنى "آمرنا" أكثرنا عَدَهُمْ، وأكثرنا يَسَارهم، وحقيقةُ أَمِرَ: كثُرتْ أملاكُه ُمن مال، أو غير ذلك من حاله، ومنه ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئَاً إِمْرَاً﴾.
قال الكسائي: عظيماً.
وقال هارون في قراءةِ أُبيٍّ ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً بَعَثْنا فيها أكَابِرَ مجرميها، فمكَرُوا فيها، فحقَّ عليها القَوْلُ﴾.
فأمَّا معنى "آمَرْنَا" فلا يكاد يُعرف، لأنه إنما يُقالُ: أَمِرَ القومُ: إذا كَثُروا، وآمرَهُمُ اللهُ أي أكْثَرَهم، ولا يُعْرفُ "أَمِرَهُم اللهُ".
الإسراء 17:18
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾.
﴿ٱلْعَاجِلَةَ﴾ أي الدنيا ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ وتُقرأ "ما يَشاءُ".
قال أبو جعفر: والمعنيان واحدٌ، أي ما شاءَ اللهُ.
ويجوز أن يكون لـِ (مَنْ).
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً﴾.
أي مُبَاعَداً. يُقال: دَحَرَه، يدْحَرُه، دَحْراً، ودُحُوراً: إذا أبعَدَه.
ثم أخبر تعالى أنه يرزقُ المؤمنَ والكافر، فقال: ﴿كُلاً نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾.
الإسراء 17:23
وقوله جلَّ ذكره ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
رَوَى مباركٌ عن الحسن قال: ﴿قَضَى﴾: أَمَرَ ألاَّ تعبدوا إلاَّ إيَّاه.
ورَوَى سفيان عن الأعمش قال: قرأ عبدُالله بن مسعود "ووصَّى ربُّك ألاَّ تعبدوا إلا إيَّاه".
* ثم قال تعالى: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾.
أي وأمر أن تحسنوا بالوالدين إحساناً.
وقوله جلَّ وعز ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾.
رُوي عن مجاهد أنه قال: لا تَسْتَقذِرْهما كما كانا لا يستقذرانك.
والمعنى عن أهل اللغة: لا تستثقِلْهُما، ولا تُغْلِظ عليهما في القول، والناسُ يقولون لمَا يستثقِلُونهُ "أفٍّ له".
وأصلُ هذا أنَّ الإنسان إذا وقع عليه الغبارُ، أو شيءٌ يَتَأَذَّى به نَفَخَه فقال: أُفّ.
وقيل: إنَّ "أفّ": وسَخُ الأظفار، وإن "التُّفَّ" الشيءُ الحقيرُ، نحو وَسَخِ الأذن، والقولُ الأولُ أَعْرفُ.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ أي لا تُكلِّمهما بصياحٍ، ولا بضَجَر.
يُقال: نَهَره، وانتَهَره، بمعنىً واحدٍ.
وبيَّن هذا بقوله ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماًً﴾.
الإسراء 17:24
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾.
قرأ سعيدُ بنُ جُبير، ويحيى بنُ وثَّاب، وعاصم الجحدري ﴿وَاخْفِضْ لهُمَا جَنَاحَ الذِّلِّ من الرَّحْمةِ﴾ بكسر الذَّال.
ومعنى الضمِّ: كنْ لهما بمنـزلة الذَّليل المقهور، إكراماً، وإعظاماً، وتبجيلاً.
ورَوَى هِشامُ بنُ عُرْوةَ عن أبيه ـ وبعضُهم يقول عن عائشة ـ ﴿وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ﴾ هو أن يطيعهما، ولا يمتنع من شيءٍ أراداه.
وقال عطاء: لا ترفع يدك عليهما.
وقال سعيد بن المسيب: هو قولُ العبد المذنبِ، للسيِّدِ الفظِّ الغليظ.
ويُقال: ذَلَّ، يَذِلُّ، ذُلاً، وذِلَّةً، ومَذَلَّةً، فهو ذالٌّ.. وذليلٌ.
ومعنى الذِّل بالكسر: السَّمحُ عنهما يُقال: رجلٌ ذليلٌ بيِّنُ الذِّلِّ: إذا كان سَمْحاً ليِّناً مواتياً.
وكذلك يُقال: دابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنُ الذِّلِ، إذا كان مواتياً، ومنه ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾.
الإسراء 17:25
وقوله جلَّ وعز: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً﴾.
رَوَى شعبةُ عن أبي بِشْرٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير قال: الأَوَّابون: الراجعون إلى الخير.
كما في قول الله ﴿إنَّه أوَّابٌ﴾.
قال أبو جعفر: قُرئ على الفِرْيابيُّ عن قتيبةَ قال: حدَّثنا ابن لَهِيعَة، عن أبي هُبَيْرةَ، عن حَنَشِ بنِ عبدالله، عن ابن عباس أنه قال: الأَوَّابُ: الحفيظُ، الذي إذا ذَكَرَ خطاياه استغفر منها.
ورَوَى سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد، عن عُبيد بنِ عُمير في قوله تعالى ﴿إنَّهُ كَانَ لَلأَوَّابِينَ غَفُوَراً﴾ قال: هم الذين يذكرون ذنبوبهم في الخلا، ثم يستغفرون الله.
ورَوَى يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيِّب ﴿الأَوَّابُ﴾: الذي يُذنب ثم يتوب، ثم يُذنب ثم يتوب، ثم يُذنب ثم يتوب.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال متقاربة، والأصلُ في هذا أنه يُقال: آبَ، يئوبُ: إذا رَجَع، فهو آيبٌ، و "أوَّابٌ" على التكثير.
الإسراء 17:26
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَآتِ ذَا ٱلْقُرْبَىٰ حَقَّهُُ﴾.
قال عكرمةُ: أي صِلَته التي تريدُ أن تصِلَه بها.
* ثم قال تعالى: ﴿وَٱلْمِسْكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾.
رَوَى حُصينٌ عن عكرمةَ عن ابن عباس قال: التَّبذيرُ: النَّفقةُ في غير طاعة الله.
وكذلك رُوِي عن عبدالله بن مسعود.
﴿إنَّ المبَذِّرينَ كانُوا إخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾.
معنى "إخوانَ الشياطين" أي في المعصية.
لمَّا عَصَوْا وعَصَا أولئك، جمعتهم المعصيةُ، فسُمُّوا إخواناً، وكلَّما جمعتَ شيئاً إلى شيء، فقد آخيتَ بينهما، ومنه إخاءُ النبي لله بين أصحابه.
الإسراء 17:28
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ٱبْتِغَآءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراًً﴾.
قال قتادة: أي عِدْهم.
وقال عكرمة: إن أعرضتَ عنهم لرزقٍ تنتظره، فعِدْهُم، وقل لهم: سيكون، فإذا جاءنا شيء أعطيناكم.
وقال الحسن: ﴿قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي ليِّناً.
والمعنى عند أهل اللغة: يسِّرْ فقرهم عليهم، بدعائك لهم.
الإسراء 17:29
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراًً﴾.
قال قتادة: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ أي لا تمتنعْ من النَّفقة في الطاعة [﴿وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ﴾] أي لا تنفق في معصية.
﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً﴾ قال عكرمة وقتادة: أي نادماً.
وروى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ قال: مذنباً أو آثماً ﴿مَّحْسُوراً﴾ قد انقُطِع بك.
قال أبو جعفر: وكذلك المحسورُ في اللغة، يُقال: حَسَره السَّفَرُ، إذا انقطع به، وكذلك البعيرُ حسيرٌ، ومحسورٌ: إذا انقطع ووقَفَ، وهو أشدُّ من الكَلاَل.
الإسراء 17:31
وقوله جل وعز: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍٍ﴾.
الإِملاقُ: الفقرُ، وكانوا يئدون بناتِهم.
* وقوله جل وعز: ﴿إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطآءً كَبِيراً﴾.
بكسر الخاء، والمدِّ.
ورُوي عن الحسن: "كَانَ خَطَاءً" بفتح الخاء، والمدِّ.
قال أبو جعفر: وأعرفُ هذه القراءاتِ عند أهلِ اللُّغةِ ﴿كان خِطْأً كَبِيرَاً﴾.
قال ابن جُريجٍ ـ وزعم أنهُ قولُ ابنِ عبَّاسٍ ـ وهو قولُ مجاهد: الخِطْأُ: الخطيئةُ.
قال أبو جعفر: وهذا المعروف في اللغة، يُقال: خَطِئَ، يَخْطأُ، خِطْأً: إذا أَثِمَ وتعمَّد الذَّنب، وقد حُكي في المصدر خَطْأً.
وأخطَأ، يُخْطِىءُ، إخطاءً، والإِسمُ الخَطَأ: إذا لم يتعمد الذنب.
فأما قراءة من قرأ "كان خِطَاء" بالكسر والمدَّ، والفتحِ والمدِّ، فلا يُعرف في اللغة، ولا في كلام العرب.
الإسراء 17:33
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلحَقِّ﴾.
بيَّن هذا الحديث (لا يحلُّ دمُ امرىءٍ مسلم إلاَّ بإحدى ثلاث خِلاَل: شركٌ بعد إيمان، أو زنىً بعد إحصان، أو قتلُ نفسٍ بغير نفس).
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾.
اختلف المتقدِّمون من العلماء في "السُّلطانِ" الَّذي جُعِلَ للوليِّ؟
فَرَوَى خُصَيفُ عن مجاهد قال: حُجَّتهُ التي جُعِلتْ له، أن يَقْتلَ قاتِلَه.
وذهب جماعةٌ من العلماءِ، إلى أنَّ هذا هو السلطانُ الذي جُعل له، وأنه ليس له أن يأخذ الدِّيةَ، إلاَّ ان يشاءَ القاتِلُ.
وقال الضحاك في السُّلطان الذي جُعل له: إن شاء قَتَل، وإن شاء أخَذَ الدِّيةَ، وإن شَاءَ عفا.
والقولُ عند أهلِ المدينة وأهلِ الكوفة، قولُ مجاهد: إنَّ السلطان ههنا القَوَدُ خاصَّةً، لا ما سواه.
وذهب الشافعي رحمه الله إلى قول الضحاك، غير أنه قال: كان يستحقُّ إذا عفا أَخْذَ الدِّية، اشترط ذلك أو لم يشترطه، والحجَّةُ له ﴿فَمَنْ عُفِي لهُ منْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
والحديثُ "وليُّ المقتولِ بأحَدِ النَّظَرْينِ".
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي ٱلْقَتْلِ﴾.
رَوَى خُصَيفٌ عن مجاهد قال: لا يقتُلْ غيرَ قاتِلِه.
ورَوَى منصورٌ عن طَلْقِ بنِ حَبيِبٍ قال: لا تَقتُل غيرَ قاتلك، ولا تُمثِّلْ به.
ورَوَى خُصَيفٌ عن سعيد بن جُبير قال: لا يُقتل اثنين بواحد.
ورَوَى علي بن الحَكمَ عن الضحَّاك قال: لا يقتُل أبَا القاتِل ولا ابنه.
وقرأ حُذيفة ﴿فَلاَ تُسْرِفْ فِي القَتْلِ﴾ بالتَّاء.
ورَوَى العَلاَءُ بنُ عبدِالكريم عن مجاهد قال: هو للقاتلِ الأول.
والمعنى عنده على هذا: فلا تُسْرِفْ أيُّها القاتلُ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً﴾.
رَوَى ابن كثير عن مجاهد قال: "إنَّ المقتول كان منصوراً، ومعنى قولِهِ: أنَّ الله نَصرَه بولِيِّه".
ورُوي أنه في قراءة أُبيٍّ ﴿فلا تُسْرِفُوا فِي القَتْلِ﴾ إنَّ وليَّ المقتول كان منصوراً.
قال أبو جعفر: الأبينُ بالياء، وتكونُ للوليِّ، لأنه إنما يُقال "لا يُسْرِفْ" لمن كان له أن يَقْتُلَ، فهذا للوَليِّ.
وقد يجوز بالتاء، ويكونُ للوليِّ أيضاً، إلاَّ أنه يُحتاج فيه إلى تحويل المخاطبة.
الإسراء 17:34
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُُ﴾.
قال محمد: سألتُ عَبِيدَة عن قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرَاً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾.
فقال: يستقرِضُ، فإذا استغنى رَدَّ، ثم تَلاَ ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أمْوَالَهُمْ فأَشْهِدُوا عليهِمْ﴾.
وقال أبو العالية نحواً من هذا.
وقال عمرُ بن الخطاب ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ ما يُقوِّي هذا.
حدَّثنا أبو جعفر "أحمدُ بنُ محمَّدٍ النَّحْوِيُّ" قال: حدَّثنا الحسنُ بن غُلَيْبٍ قال: نا يوسف بنُ عَدِيِّ، قال: نا أبو الأَحْوص، عن أبي إسحقَ، عن يَرْفَا ـ مولى عمر ـ قال: قال عمر بنُ الخطاب رضوان الله عليه: يا يرفا إني أنزلتُ مالَ اللهِ منِّي بمنـزلةِ مالِ اليتيم، إذا احتَجْتُ أخذتُ منه، فإذا أَيْسَرتُ رددْتُه، وإنِّي إِن استَغْنيتُ استعفَفْتُ عنه، فإني قد وَلِيتُ من أمرِ المسلمين أمراً عظيماً.
وقال سعيدُ بنُ المسيب: لا يُشْرب الماءُ من مالِ اليتيم، قال فقلت له: إنَّ الله يقول ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرَاً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾؟ قال فقال: إنَّما ذلك لخدمتِهِ، وغَسْلِ ثوبه.
ورَوَى أبو يحيى، ولَيْثٌ، عن مجاهد قال: لا تقربْ مال اليتميم إلاَّ للتِّجارة، ولا تستقرضْ.. قال: فأمَّا قولُه تعالى﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرَاً فَلْيَأكُلْ بالمَعْرُوفِ﴾ فإنما معناه: فليأكل من مالِهِ بالمعروف، يعني من مال نفسه.
وقال بهذا جماعةٌ من الفقهاء، وأهل النظر، حتى قال أبو يوسف: لعلَّ قوله ﴿وَمَنْ كَانَ غنِيَّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ منسوخٌ بقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِِل﴾.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.
وبيانُ هذا في قوله ﴿حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
قال مجاهد: أي الحُلُمَ.
الإسراء 17:35
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِٱلقِسْطَاسِ ٱلْمُسْتَقِيمِ﴾.
رَوَى ابن جُريح عن مجاهد قال: القِسْطَاسُ: العَدْلُ.
وقال الضحَّاكُ: هو الميزانُ.
* ثم قال تعالى: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
قال قتادة: أي أحسنُ عاقبةً.
أي ما يئول إليه الأمرُ، في الدنيا والآخرة.
وقيل: أحسنُ من النُّقصانِ.
الإسراء 17:36
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌٌ﴾.
رُوي عن ابن عباس قال: لا تَقُلْ ما ليس لك به علمٌ ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ قال: يُسأل أكانَ ذاك أم لا؟.
وقال ابنُ الحنفيِّة ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ: هذا في شهادة الزُّور.
ورَوَى حجَّاجٌ عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهد قال: ﴿لاَ تَقْفُ﴾ لا تَرْم.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوالُ ترجع إلى معنىً واحدٍ، وهو من قَفَوتُ الشَّىءَ: أي اتَّبعتُ أَثَره، والمعنى: لا تُتبِعنَّ لسانَك ما لم تعلَمْهُ، فتتكلَّمَ بالحَدْسِ والظَنِّ.
وحكَى الكِسائيُّ: ﴿وَلاَ تَقْفُ﴾ من القيافة، وهو بمعنى الأول، على القلب.
الإسراء 17:37
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاًً﴾.
أي متكبِّراً، مُتَبَذِّخاً.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولاً﴾.
فيه لأهل اللغة قولان.
أحدهما: أن المعنى: إنك لن تنقب الأرضَ.
والآخر: لن تقطعها كلَّها.
قال أبو جعفر: وهذا أبينُ، كأنه مأخوذٌ من الخَرْقِ، وهو الصحراء الواسعةُ.
ويُقال: فلانٌ أخرقُ من فُلانٍ، أي أكثرُ سَفَراً، وغَزْوَاً منه.
الإسراء 17:38
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾.
ويُقرأ ﴿سَيِّئَةً عندَ ربِّكَ مَكْروهَاً﴾.
وقيل: الأول أَبْيَنُ، لأنه قد تقدَّم قوله ﴿وَآتِ ذَا القُرْبَى حَقَّهُ﴾ وأشياءُ حسنةٌ وسيِّئةٌ، فقال ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾.
وأيضاً فإنه لم يقل: مكروهةً.
الإسراء 17:39
ثم قال جل وعز: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾.
أي مُقَصَىً مُبَاعداً، ومنه "اللهمَّ ادحَرْ عنَّا الشَّيْطانَ".
الإسراء 17:40
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾.
لأنهم قالوا: الملائكةُ بناتُ اللهِ.. تعالى اللهُ.
الإسراء 17:42
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاًً﴾.
قال قتادة: المعنى: إذاً لتقرَّبوا إلى اللهِ.
وقال سعيدُ بن جُبيْرٍ: إذاً لطلبوا إليه طريقاً للوصول، لِيُزيلوا مُلكه جلَّ وعز.
الإسراء 17:44
وقولُه جل وعز: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
قيل: تسبيحُهُ: دلالتهُ على قدرةِ اللهِ، وأنهُ خالقُه.
وأكثرُ أهل التفسير منهم عكرمة على أن المعنى: وإنْ منْ شيءٍ فيه الرُّوحُ إلاَّ يُسبِّح بحمدِهِ.
قال أبو جعفر: وهذا القول أولى لأنه قال ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.
الإسراء 17:45
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾.
فيه قولان:
أحدهما: أن الحجابَ الطبعُ على قلوبهم، ودلَّ على هذا ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقهُوهُ﴾.
والقولُ الآخر: أن الحجابَ منعُ اللهِ إيَّاه منهم.
الإسراء 17:46
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي ٱلْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾.
قال أبو الجوزاء: الذِّكْرُ قولُ "لا إله إلاَّ اللهُ".
الإسراء 17:47
ثم قال تعالى ﴿نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَىٰ﴾.
أي ذَوُوْ نَجْوةٍ أي سِرَارٍ.
ثم بيَّن ما يتناجون به فقال جلَّ ثناؤه:
﴿إِذْ يَقُولُ ٱلظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾.
في معناه قولان:
قال مجاهد: أي مخدوعاً.
وقال أبو عُبيدة: أي له سَحْرٌ، والسَّحْرُ والسُّحْرُ. الرِّئةُ.
والمعنى عنده: "إنْ تَتَّبعُونَ إلا بَشَرَاً" أي ليس بمَلَكٍ.
قال أبو جعفر: والقولُ الأولُ أنسبُ بالمعنى، وأعرفُ في كلام العرب، لأنه يُقال: ما فلانٌ إلاَّ مَسْحورٌ أي مَخْدوعٌ كما قال تعالى ﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسَى مَسْحُورَاً﴾.
أي مخدوعاً: قال الشاعر:
أَرَانَا مُوضِعِينَ لِحَتْم غَيْبٍ * وَنُسْخَرُ بالطَّعَامِ وبِالشَّرَابِ
أي نُعَلَّلُ بهما فكأنَّما نُخدَعُ، ويُبيِّنهُ قولُه تعالى ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لكَ الأَمْثَالَ﴾.
وقال في موضعٍ آخر ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعلِّمهُ بَشَرٌ﴾.
الإسراء 17:49
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُوۤاْ أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً﴾.
قال مجاهدٌ: أي تُراباً. وهو قول الفراء.
وقال أبو عُبيدة والكسائي: يُقال منه: رُفِتَ رَفْتَاً أي حُطِم.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾؟ [آية ٤٩].
أي مجدَّداً.
الإسراء 17:50
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً﴾.
قال مجاهد: أي ما شئتم، فستُعادونَ.
قال أبو جعفر: وهذا قولٌ حسنٌ، لأنهم لا يستطيعون أن يكونوا حجارةً، وإنما المعنى أنهم قد أقرُّوا بخالقهم، وأنكروا البعث، فقيل لهم: استشعروا أن تكونوا ما شئتم، فلو كنتم حجارةً أو حديداً، لبُعثتم كما خُلقتم أوَّلَ مرَّة.
الإسراء 17:51
ثم قال عز وجل: ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾.
أي يعظم.
قال ابنُ عمر ومجاهد وعكرمة وأبو صالح والضحاك في قوله تعالى ﴿أَوْ خَلْقاً مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ ﴾: هو الموتُ.
وفي الحديث "أنه يُؤتَى بالموتِ يومَ القيامةِ، في صُورةِ كَبْشٍ أملَحَ، فيُذْبحُ بين الجنَّةِ والنَّارِ".
* وقوله جل وعز: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ﴾.
أي يُحرِّكونها من فوق إلى أسفلَ، ومن أسفلَ إلى فوق، كما يفعل المتعجَّبُ، المُسْتَبْطِئُ للشيء.
يُقال: أنغَضَ رأسَه فنَغَضَ، ينغَضُ، ويَنْغِضُ، ويَنْغُضُ: أي تحرَّك.
الإسراء 17:52
وقوله جلَّ وعز: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِِ﴾.
قال سفيان: أي بأمره.
والمعنى عند أهل التفسير: مُقِرِّينَ أنه خالقكم.
الإسراء 17:53
وقوله جل وعز: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْْ﴾.
أي يُفسِدُ ويُهيِّجُ.
الإسراء 17:57
وقولُه جلَّ وعز: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾.
وقرأ عبدالله بن مسعود ﴿أولَئِكَ الَّذِينَ تَدْعُونَ يَبتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الوَسيلَةَ﴾.
قال: "هؤلاء من العرب، عبدوا أناساً من الجن، فأسلم الجِنيُّون ولم يعلم الذين عبدوهم".
ورَوَى شُعبةُ عن السُدِّي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ قال: عيسى، وعُزيرٌ.
وقيل: الملائكةُ الذين عبدوهم: قومٌ من العرب.
الإسراء 17:58
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداًً﴾.
قال مجاهد: مُبيدوها أو معذِّبوها.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿كَانَ ذٰلِك فِي ٱلْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾.
أي مكتوباً، يُقال: سَطَر إذا كتَبَ.
رُويَ عن عبدالله بن عباس أنه قال: "أوَّلُ ما خلق اللهُ القلمَ، فقال له: اكتُبْ، فكتَبَ ما هو كائن".
الإسراء 17:59
وقولُه جلَّ وعزَّ ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلأَوَّلُونََ﴾.
هذه آيةٌ مشكلةٌ، وفي الكلام حذفُ.
والمعنى: ما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحتموها، إلاَّ أن تُكذِّبُوا بها فتهلِكُوا، كما فُعَل بمن كان قبلكم.
وقد أخَّر اللهُ أمر هذه الأمة إلى يوم القيامة، فقال سبحانه ﴿بَل السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾.
قال مجاهد: أي آيةً.
والمعنى: ذاتَ إبصار، يُبْصَرُ بها، ويتبيَّنُ بها صدقَ صالح عليه السلام.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِٱلآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفا﴾.
أي فظلموا بتكذيبهم بها.
الإسراء 17:60
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ﴾.
رَوَى شعبةُ، عن أبي رجاء، عن الحسن قال: عصَمَك منهم.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: هم في قبضتِهِ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَمَا جَعَلْنَا ٱلرُّؤيَا ٱلَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾.
قال سعيدُ بنُ جبير ومجاهدٌ، وعكرمةُ، والضحَّاكُ: هي الرؤيا التي رآها ليلةَ أُسرى بِه.
وزاد عكرمة: هي رؤيا يقظة.
قال سعيد بن المسيّب: ﴿إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾: أي إلاَّ بلاءً للنَّاس.
ثم قال جلَّ عز: ﴿وَٱلشَّجَرَةَ ٱلْمَلْعُونَةَ فِي ٱلقُرْآنِ﴾.
قال سعيدُ بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك: هي شجرة الزقُّوم.
وقال غيرهم: إنما فُتِنَ الناسُ بالرؤيا وشجرة الزقوم، أن جماعةً ارتدُّوا وقالوا: كيف يُسْرى به إلى بيت المقدس في ليلةٍ واحدة؟ وقالوا لمَّا أنزلَ اللهُ ﴿إنَّ شَجَرَة الزقُّوم. طَعَامُ الأَثيم﴾ كيف تكون في النار شجرة ولا تأكلها؟
فكان ذلك فتنةً لقوم، واستبصاراً لقوم، منهم أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه.
ويُقال: إنَمَا سُمِّي الصدِّيق ذَلك الوقت.
فإن قال قائل: لم يُذْكَرْ في القرآنِ لعنُ هذه الشجرة؟
قال أبو جعفر: ففي ذلك جوابان:
أحدهما: أنه لقد لُعِنَ آكلوها.
والجواب الآخر: أنَّ العرب تقول لكل طعامٍ ضارٍّ، مكروهٍ [ملعونٌ].
الإسراء 17:62
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيََّ﴾.
أي فضَّلْتَ: وفي الكلام حذفٌ، والمعنى: أرأيتَكَ هذا الذي فضَّلْتَ عليَّ لمَ فضَّلته، وقد خلقتني من نار، وخلقتَه من طين؟! ثم حُذف هذا لعلم السَّامع.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال أبو جعفر: أكثر أهل اللغة على أنَّ المعنى: لأستولينَّ [عليهم] ولأستأصلنَّهم، من قولهم: احتنَكَ الجَرَادُ الزَّرْعَ: إذا ذهبَ به كلِّهِ.
وقيل: هو من قولهم: حَنَكَ الدابَّةَ يَحْنِكُها: إذا رَبَطَ حَبْلاً في حَنَكِها الأسفلِ، وسَاقَها. حكى ذلك ابن السِكِّيت.
وحُكي أيضاً: احتَنَكَ دابَّته مثل حَنَكَ، فيكون المعنى: لأسوقنَّهم كيف شئتُ.
الإسراء 17:63
ثم قال جلَّ وعز: ﴿قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُوراً﴾.
موفورٌ وموفَّرٌ واحدٌ، يُقال: وفَرْتُه ووَفَّرْتُه كما قال [الشاعر]:
وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مَنْ دُونِ عِرْضِهِ * يَفِرْهُ وَمَنْ لاَ يَتَّقِي الشَّتْمَ يُشْتَم
الإسراء 17:64
ثم قال جلَّ وعز ﴿وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكََ﴾.
أي اسْتخِفَّ.
قال مجاهد ﴿بصَوْتكَ﴾: بالغناء والمزامير.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلادِ﴾.
رَوَى سعيدُ بنُ جُبير ومجاهدٌ عن ابنِ عباس قال: كلُّ خيلٍ سارتْ في معصية اللهِ، وكلُّ رِجْلٍ مَشَتْ في معصيةِ اللهِ، وكلُّ مالٍ أُصِيبَ من حرامٍ، وكلُّ وَلَدِ غَيَّةِ فهو للشيطان.
وقال غيرُه: مشاركتُه في الأموال هي: السائبةُ والبَحِيرةُ، وفي الأولاد قولهم: عبدالعُزَّى، وعبدالحارث.
وقرأ قتادة ﴿وأَجْلِبْ عليهمْ بخَيْلكَ ورِجَالِك﴾.
* ثم قال جلَّ وعزّّ ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً﴾.
هذا أمرٌ فيه معنى التهدُّدِ والوعيد، كما قال تعالى ﴿فمنْ شَاءَ فَلْيؤمنْ، ومن شَاءَ فَلْيكفُرْ﴾.
الإسراء 17:65
وقولُه جلَّ وعز: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌٌ﴾.
قيل: أي خُلَصَائي، كما قال تعالى ﴿فَادْخُلِي في عِبَادِي﴾.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾.
أي منجياً لخلصائه من الشيطان.
والفرَّاءُ يذهبُ إلى أن معنى ﴿وَكِيلاً﴾ كافٍ، وكذا قال في قوله جلَّ وعز ﴿أَلاَّ تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلاً﴾.
الإسراء 17:66
ثم قال جلَّ وعز: ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزْجِي لَكُمُ ٱلْفُلْكَ﴾.
أي يسوقُ.
الإسراء 17:68
وقوله جلَّ وعز: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباًً﴾.
الحاصبُ: الرِّيحُ التي ترمي بالحَصْباءِ وهي: الحصَى الصِّغار.
الإسراء 17:69
وقولُه جلَّ وعز: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَىٰ فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِّنَ ٱلرِّيحِِ﴾.
قال ابن عباس: هي التي تُغرِق.
قال أبو جعفر: يُقال: قَصَفَه إذا كَسَره، كأنها من شِدَّتها تكسِرُ الشَّجَر.
* وقوله جل وعز: ﴿فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً﴾.
قال مجاهد: ثائراً.
قال أبو جعفر: وهو من الثأر، وكذلك يُقال لكل من طَلَبَ بثأرٍ أو غيره: تبِيعٌ، وتَابعٌ، ومنه قوله تعالى ﴿فَاتِّبَاعٌ بالمعْرُوفِ﴾ أي مطالبةٌ.
الإسراء 17:70
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾.
قال عبدالله بن عباس: فُضِّلوا بأنهم يأكلون بأيديهم، والبهائم تأكل بأفواهها.
وقال غيره: فُضِّلوا بالفهم والتمييز، وبما سُخِّر لهم.
الإسراء 17:71
ثم قال جل وعز: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْْ﴾.
رُوِي عن ابن عباس: أي بنبيِّهم.
وقال الحسن والضحَّاكُ: بكتابهم.
قال أبو جعفر: ويدلُّ على هذا قولُه بعدُ ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـٰئِكَ يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾.
الفتيلُ: الذي يكون في شِقِّ النَّواة، والنَّقيرُ: النُّقْرةُ التي فيها، والقِطْميرُ: الفُوقَةُ التي تكون على النواة.
أي لا يُظلمون مقدار هذا الحقير.
الإسراء 17:72
ثم قال جل وعز: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾.
قال عكرمة: "قال رجلٌ لعبداللهِ بنِ عباس: كيف يكون في الآخرة أعمى؟
فقال له: أخطأت التأويلَ، ألا تَرَى أنه جلَّ وعزَّ عدَّد النِّعم، ثم قال: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَـٰذِهِ أَعْمَىٰ﴾ أي من عميَ عن هذه النِّعم التي يراها، وتدلُّه على قدرةِ اللهِ، فهو فيما لم يَرَه ُمن أمرِ الآخرةِ أعمى". وكذلك قال قتادة.
وقال غيره: ومن كان في الدنيا أعمى وقد فَسَحَ الله له في العُمُر، ووعده قَبُولَ التوبة، ودعاه إلى الطاعة فلم يُجب، وعَميَ عن ذلك، فهو في الآخرة ـ إذا كان لا تُقبل منه توبةٌ ولا إنابةٌ ـ أعمى وأضلُّ سبيلاً.
الإسراء 17:73
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾.
المعنى: كادوا يفتنونك، لأنَّ "إنَّ" و "اللام" تدلُّ على التوكيد.
ويُروَى أنهم قالوا للنبي ﷺ: اطردْ عنَّا هؤلاء السُقَّاط والموالي، حتى نجلس معك، ونستمع منك، فهمَّ النبي بذلك، ميلاً منه إلى أن يؤمنوا، فعُصِمَ ﷺ، وأنزل اللهُ تبارك وتعالى ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿إِذَاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ﴾.
قال مالك بنُ دينار: سألتُ جابرَ بنَ زيد عن قوله ﴿إِذَاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وضِعْفَ المَمَاتِ﴾ فقال: إذاً لأذقناك ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.
قال أبو جعفر: وكذلك معناه عند أهل اللغة، وخوطب بهذا النبيُّ ﷺ لأن الثوابَ به جَزُل كما قال تعالى ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ منكنَّ بفَاحِشَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ ولمشاهدة الأنبياء الملائكةَ، والآياتِ العظام، كان في ذلك الخطاب من الفائدةِ، أنه عُلِمَ به أَنَّ هذا حكمُ اللهِ، فيمن عصاه من الأنبياء، فكيف غيرهم؟
الإسراء 17:76
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾.
قيل: المعنى يستفزُّونك بالقتل.
قال عوف عن الحسن: هَمُّوا بإخراج النبي ﷺ من مكَّة، وأراد اللهُ بقاء أهل مكة، فأمره أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة، فخرج بأمر اللهِ، ولو أخرجوه لهلكوا كما قال سبحانه ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
قال أهل التفسير: ﴿خِلاَفَكَ﴾ أي بعدك.
وحُكيَ عن العرب: جاء فلانٌ خَلْفَ فلانٍ وخِلاَفه أي بعده.
وقد يجئ "خلاف" بمعنى مخالفة.
الإسراء 17:78
وقولُه جل وعز: ﴿أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِِ﴾.
رَوَى سفيانُ عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبدالله قال: "دلوكُها": غروبُها.
ورَوَى سفيانُ عن منصور عن مجاهد [عن ابن عباس ﴿لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ لغروبها، ورَوَى الشعبيُّ عن ابن عباس] "دُلوكُها": زوالُها.
ورَوَى الزُّهريُّ، عن سالم، عن ابنِ عمرَ ﴿دُلُوكُ الشَّمْسِ﴾: بعد نصف النهار، وهو وقتُ الظهر.
ورَوَى مالكٌ والليثُ، عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ قال: ﴿دُلُوكُ الشَّمْسِ﴾: زوالُها.
وكذلك رُويَ عن جعفرَ بنِ محمد، رحمةُ الله عليه.
قال أبو جعفر: الدُّلوكُ في اللغة: الميلُ، فهي تميلُ عند الزَّوال، وعند الغروب، إلاَّ أنَّ الزَّوالَ في هذا أكثرُ على ألسُنِ النَّاسِ.
ويدلُّ عليه أنَّ بعده ﴿إِلَىٰ غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ﴾ فيدخل فيه الظهر، والعصرُ، والمغربُ، والعشاءُ وبعده ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾ فلا يمتنع أن يكون غَسَقُ اللَّيلِ أوَّلَه، وذلك عند غروبِ الشمسِ، قال ذلك أبو هريرة.
وهو يُقوِّي قولَ من قال: الدُّلوكُ: ميلُها للزَّوال.
قال ابن عباس: ﴿غَسَقِ ٱلْلَّيْلِ﴾: اجتماعُ الليلِ وظلمتهُ.
وقال قتادة: أوَّلهُ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ﴾.
فسمَّى الصَّلاةُ "قرآناً" لأنها لا تكون إلاَّ بالقرآن.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾.
رَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "صلاةُ الفجر تحضُرُها ملائكة الليلِ، وملائكةُ النَّهارِ، واقرءُوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾".
الإسراء 17:79
وقولُه عزَّ وجل: ﴿وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكََ﴾.
قال عَلْقمةُ والأسودُ: التهجُّدُ بعد النَّوم.
قال أبو جعفر: التهجُّدُ عند أهل اللغة: التيقُّظُ والسَّهرُ، والهُجُودُ: النَّومُ، تهجَّد: إذا سَهِرَ، وهَجَد: إذا نَامَ.
يُروَى عن مجاهد: أنَّ هذا للنبي ﷺ خِصِّيصاً، وأن معنى ﴿نَافِلةً لكَ﴾ للنبي خاصٌّ، لأنه قد غُفِر له ذنوبُه، فهي نافلة من أجل أنه لا يعلمها في كفارة الذنوب، والنَّاسُ يعلمون ما سوى المكتوبات لكفارات الذنوب.
وقال غيرُه: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ أي ليست بفرضٍ، لأن النَّفلَ كلُّ ما لا يجب فعلُه، والنَّافلةُ في اللغةِ، الزيادةُ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾.
رَوَى داودُ الأَوْديُّ عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى ﴿عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً﴾ قال: "هو المقامُ الذي أشفعُ فيه لأمَّتي".
ورَوَى معاويةُ بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: "كلُّ عَسَى واجبةٌ".
قال أبو عبيدة: يعني في القرآن.
الإسراء 17:80
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾.
قال الحسن وقتادة: هو دخول المدينة، وخروجه من مكة.
وقال الضحاك: هو خروجه من مكة، ودخولُه مكة يوم الفتح آمناً.
وقال مجاهد: هو دخولُه في الرسالة وأمرِ اللهِ جلَّ وعزَّ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَٱجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَاناً نَّصِيراً﴾.
قال الشعبيُّ وعكرمة: أي حُجَّة ثابتة.
وقال مجاهد: أي حُجَّة.
وذهب الحَسَنُ إلى أنه الِعزُّ والنصر، وإظهارُ دينه على الدين كلِّه.
الإسراء 17:81
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾.
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: ﴿ٱلْحَقُّ﴾ القرآنُ ﴿ٱلْبَاطِلَ﴾: الشيطانُ، قال ﴿وَزَهَقَ﴾: هَلَكَ.
الإسراء 17:82
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ليست "مِنْ" ها هنا للتبعيض، وإنما هي لبيان الجنس.
والمعنى: ونُنـزِّلُ ما هو شفاءٌ ورَحمةٌ للمؤمنين، ثمَّ بيَّن فقال ﴿مِنَ ٱلْقُرْآنِ﴾ كما قال سبحانه ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾.
الإسراء 17:83
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾.
قال مجاهد: أي تباعَدَ منَّا.
وقرأ يزيدُ بنُ القعقاع ﴿وَنَاءَ بجانبِهِ﴾ الهمزة مؤخَّرة.
واللغةُ الأولى أعرفُ، وهذا على قلب الهمزة.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾.
رَوَى سعيد عن قتادة قال: "يَئِسَ": قَنِطَ.
الإسراء 17:84
وقولُه جل وعز: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾.
قال الحسنُ: على نيَّتِهِ.
قال مجاهد: أي على حِدَتِهِ، وعلى طبيعته.
وقال الضحاك: على ناحيته.
وهذا يرجع إلى قول الحسن ومجاهد.
وحقيقةُ المعنى ـ واللهُ أعلمُ ـ: كلٌّ يعملُ على النَّحوِ الذي جرتْ به عادتُه وطبعُه.
والمعنى: وليس ينبغي أن يكون كذلك، إنما ينبغي أن يُتَّبع الحقُّ حيثُ كان، وقد ظهرت البراهينُ، وتبيَّنَ الحقُّ.
قال أبو جعفر: وهذا يرجع إلى قول الحسن.
الإسراء 17:85
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾.
رُوي عن عبدالله بن مسعود قال: "كنتُ مع النبيِّ ﷺ فسألته اليهُود عن الرُّوحِ، فسكَتَ، فحسِبتُ أنه يُوحى إليه، فتنحَّيْتُ، فأُنزل عليه ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾.
يعني: اليهودَ، فقالوا: نجد مثلَه في التَّوراة (قلِ الرُّوحُ من أَمْرِ رَبِّي).
قال أبو جعفر: وقد تكلَّم العلماءُ في الرُّوح:
فَرَوى عطاءٌ عن ابن عباس قال: "الرُّوحُ" مَلَكٌ له أحَدَ عَشَرَ ألفِ جَنَاحٍ، وألفُ وجهٍ، يسبِّحُ اللهَ إلى يوم القيامة".
وقال أبو صالح: "الرُّوْحُ خَلْقٌ كخلْقِ بني آدم، وليسوا ببني آدم، لهم أيدٍ وأرجلٌ".
وقيل: الرُّوحُ: جبريلُ عليه السلام، واحتجَّ صاحبُ هذا القول بقوله سبحانه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوْحُ الأَمِينُ﴾.
قال محمدُ بنُ إسحقَ: وزعموا أنه ناداهم ـ يعني النبيَّ ﷺ ـ الرُّوحُ جبريلُ، وكذا رُوي عن ابن عباسٍ والحسن.
قال ابن عباس: وجبريل قائمٌ بين يَدَيْ اللهِ جل ثناؤه يوم القِيامة.
وقيل: هو عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم، أي هو من أمر اللهِ، وليس كما يقول النَّصارى.
وقيل: الرُّوحُ: القرآنُ لقوله تعالى ﴿وكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إلَيْكَ رُوحَاً مِنْ أَمْرِنَا). واللهُ أعلمُ بما أراد، غير أنه قد أخبرنا أنه من أمرِ الله جلَّ وعزَّ.
فإن قال قائل: كيف قيل لليهود {وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ وقد أُوتوا التَّوراة؟.
فالجوابُ: أن قليلاً وكثيراً، إنما يُعرفان بالإِضافة إلى غيرهما، فإذا أُضيفتْ التوارةُ إلى علم الله جلَّ وعز، كانت قليلاًَ من كثير، أَلاَ ترى إلى قوله تعالى ﴿قُلْ لَوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادَاً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِد البَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَد كَلِمَاتُ رَبِّي، وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدَاً﴾!؟.
الإسراء 17:86
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِٱلَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
أي لو شئنا لأذهبناه من الصُّدور، والكُتُبِ.
﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً﴾ أي من يتوكَّلُ في ردِّه.
قال الحسنُ: أي يمنعك منا إذا أردناك.
الإسراء 17:87
ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيراً﴾.
وهذا استثناءٌ ليس من الأول، أي لكن اللهُ ثبَّتَه، رحمةً منه وتفضُّلاً.
الإسراء 17:88
وقولُه جلَّ وعز ﴿قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراًً﴾.
قال الحسن: أي مُعِيناً.
الإسراء 17:89
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍِ﴾.
أي وجَّهنا القول بكل مَثَل، وهو من قوله: صَرَفتُ إليك كذا: أي عدلتُ به إليك.
الإسراء 17:90
ثم أخبر اللهُ أنَّهم لمَّا عجزوا أن يأتوا بمثله، وانقطعت حجتهُم، اقترحوا الآيات، فقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاًً﴾.
وقد أراهم اللهُ من الآياتِ ما هو أكثرُ من هذا، من انشقاق القمر، وغير ذلك.
وقال مجاهد: يَنْبُوعٌ: عُيونٌ.
قال أبو جعفر: وهو عند أهل اللغةِ: من نَبَعَ، يَنْبَعُ، ويَنْبُعُ.
ومنه سُمِّي مالُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يَنْبُع.
الإسراء 17:92
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾.
َرَوَى مَعْمرٌ عن قتادةَ قال: ﴿كِسَفَاً﴾: قِطَعَاً.
وحكى الفرَّاءُ أنه سمع أعرابياً يقول: أعطني كِسْفةً من هذا الثوب، أي قطْعةً.
ويُقرأ: ﴿كِسْفَاً﴾ والمعنى على هذه القراءة للسَّماءِ كلِّها، أي طَبَقاً.
واشتقاقهُ من كسَفْتُ الشيءَ: أي غطَّيتُه.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ قَبِيلاً﴾.
روى مَعْمرٌ وسعيد عن قتادة قال: ﴿قَبِيلاً﴾ أي عِيَاناً.
قال أبو جعفر: ذهب إلى أنه من المقابَلةِ.
وقال غيرُه: ﴿قَبِيلاً﴾: أي كفيلاً، يُقال: قَبَلتُ به أي كَفَلتُ به، وتقبَّل فلانٌ بكذا: أي تكفَّل به.
الإسراء 17:93
ثم قال جلَّ وعز: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍٍ﴾.
رَوَى مجاهد قال: كنَّا لا ندري ما الزُّخْرفُ؟ فرأيناه في قراءة ابن مسعود "أو يكون لك بيتٌ من ذَهَبٍ".
وقال أبو جعفر: الزُّخرفُ في اللغة: الزِّينةُ، والذَّهبُ من الزِّينة.
وقوله جلَّ وعز: ﴿أَوْ تَرْقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾.
أي كتاباً بنبوَّتك.
فأعلمَ اللهُ أنه لو فُعِلَ بهم ذلك ما آمنوا، فقال تعالى ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابَاً فِي قِرْطَاسٍ، فَلَمَسُوه بِأَيْدِيهِمْ، لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا، إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.
الإسراء 17:94
وقوله جل وعز ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاًً﴾.
فأعلمَ اللهُ أن الأَعْدل الأبلغ، أن يُبعثَ إلى كلِّ خلقٍ من كان من جنسه فقال ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلاَئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكَاً رَسُولاً﴾ فقالوا من يشهد لك بهذا؟ فقال جلَّ وعزَّ ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدَاً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
الإسراء 17:97
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاًً﴾.
وفي الحديث عن النبي ﷺ "إن الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر على أن يُمشيهم على وجوههم".
قال ابن عباس: ﴿عُمْيَاً﴾ لا يرون شيئاً يَسُرُّهم ﴿وَبُكْمَاً﴾ لا ينطقون بحجة ﴿وَصُمَّاً﴾ لا يسمعون ما يُسُّرون به.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾.
قال مجاهد: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾: أي كلَّما طُفِئتْ أُوقِدَتْ.
وقال الضحَّاكُ: كلَّما سكنَتْ.
وقال أبو جعفر: يُقالُ: خَبَتِ النَّارُ: إذا سكَنَ لَهَبُها، فإن سكن لهبُها وعاد الجمرُ رَمَاداً قيل: كَبَتْ، فإن طُفِىءَ بعضُ الجَمْرِ، وسكَنَ اللَّهبُ قيل: خَمَدتْ، فإن طُفِئتْ كلُّها قيل: هَمَدتْ، تَهْمُدُ، هُمُودَاً.
ومعنى ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرَاً﴾: زدناهم ناراً تَسَعَّرُ أي تلتهبُ.
الإسراء 17:100
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلإِنْفَاقِِ﴾.
رَوَى حجَّاج عن ابنِ جُريجٍ قال: ﴿الإِنفاق﴾ الفقرُ عن ابن عباس.
ورَوَى مَعْمَرٌ عن قتادةَ قال: الإِنقاقُ: الفقرُ.
وحكَى أهل اللغة: أنفَقَ، وأَصْرَمَ، وأَعدَمَ، وأقْتَرَ: إذا قلَّ مالُه.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً﴾.
رَوَى حجَّاج عن ابنِ جُريح ﴿قَتُورَاً﴾: بخيلاً عن ابن عباس.
الإسراء 17:101
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍٍ﴾.
رَوَى شُعبة عن عمروِ بن مُرَّة، عن عبدالله بن سَلَمةَ، عن صفوان بنِ عَسَّال أن يهودياً قال لصاحبه: تعالَ حتى نسألَ هذا النبي ﷺ. فقال له الآخرُ: لا تقل له النبي، فإنه إن سمعها صارتْ له أربعةُ أعين، قال: فأتاه فسأله عن هذه الآية ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال: "لا تشركوا باللهِ شيئاً، ولا تقتلوا النفسَ التي حرَّم اللهُ إلا بالحقِّ، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تأكلوا الرِّبا، ولا تمشوا ببريءٍ إلى سلطان ليقتله، ولا تَسْحروا، ولا تفِرُّوا من الزَّحف، وعليكم خاصة اليهود ألاَّ تَعْدوا في السبت، قال: فقبلَّوا يده، وقالوا: نشهد أنك رسول الله، قال: فما يمنعكم أن تتَّبعوني؟ قالوا: إن داود ﷺ دعا ألاَّ يزال في ذرَّيته نبيٌ، وإنَّا نخشى إذا اتَّبعناك أن تقتلنا اليهود".
وقال الحسنُ والشعبيُّ، ومجاهدٌ، والضحاك في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ هي: "الطُّوفانُ، والجرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادعُ، والدَّمُ، والسِّنُونَ، ونَقْص من الثَّمرات، واليدُ، والعصا".
هذا معنى قولهم.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ﴾.
رُوي عن ابن عباس أنه قرأ ﴿فَسَأَلَ بني إسرَائيلَ﴾.
والمعنى على هذه القراءة: فسأَل بني إسرائيل، والمعنى: فلم يَرُدَّ فرعونُ ما جاءَ بهِ موسى ﷺ من الآيات والبراهين، بأكثرَ من أنَّه أخبر أنه ظانٌّ أن موسى عليه السلام ساحر فقال: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً﴾.
الإسراء 17:102
وقوله جلَّ وعز: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرََ﴾.
ورُوي عن علي بن أبي طالب ـ رحمةُ الله عليه ـ أنه قرأ ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ﴾ بضم التاء، وقال: واللهِ ما علمَ فرعون، وإنما هو موسى الذي عَلِم.
قال أبو جعفر: والقُرَّاءُ كلُّهم على فتح التاء، إلاَّ الكِسائيُ فإنه ضمَّها، ولو صحَّ الحديث على عليٍّ رحمهُ اللهُ، لم يُحْتَجْ في ذلك إلى نظرٍ، وكانت القراءهُ به أوْلَى، ولكنْ إنما رواه أبو إسحق، عن رجلٍ من مُراد، عن عليٍّ رحمةُ الله عليه.
وعِلْمُ فرعونَ بذلكَ أَوْكدُ في الحُّجةِ عليه، وقد احتج في ذلك عبدالله بنُ عباسٍ بحجةٍ قاطعة فقال: إنما هو ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ كما قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾.
حدثنا إبراهيم بن شريك قال: نا أحمد بن عبدالله بن يونس، قال: نا زهير قال: حدثنا أبو إسحق قال سمعتُ أبا عُبيدة يسأل سعد بن عياض عن قوله تعالى ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ﴾ قال سعد: هو كقول الرجل لصاحبه وهو يحاوره: لقد علِمْتَ.
قال زهيرٌ قال أبو إسحاق، وحدَّثني رجل من مراد أنه سمع علياً يقول: واللهِ ما علمَ عدوُّ اللهِ، ولكنَّ موسى الذي عَلِم، قال ﴿لَقَدْ عَلِمْتُ﴾ أنا، ثم قال ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً﴾.
رَوَى المنهال عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: ملعوناً.
ورَوَى ابن جُريج عن مجاهد قال: هالكاً.
ورَوَى معمر عن قتادة قال: مُهْلَكاً.
وروى علي بن الحكم عن الضحاك قال: ملعوناً.
ورَوَى عنه جويبر قال: هالكاً.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوال ترجع إلى شيءٍ واحد، لأنه حكى أهلُ اللغةِ: ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه، وصَرَفَك عنه، فالمعنى: ممنوعٌ من الخير.
الإسراء 17:103
ثم قال جل وعز: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلأَرْضِِ﴾.
أي يُزِيلهُمْ عنها، إمَّا بقتلٍ، أو بتَنْحيةٍ.
الإسراء 17:104
وقوله جل وعز: ﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾.
قال مجاهد وقتادة: أي جميعاً.
وروى سفيان عن منصور عن أبي رَزِينٍ قال: من كلِّ قومٍ.
قال أبو جعفر: وهذا أولى عند أهل اللغة، لأنه يُقال: لففتُ الشيءَ: إذا خلطتَه.
وقال الأصمعي: اللفيف جمعٌ ليس له واحد، وهو مثلُ الجميع.
الإسراء 17:105
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾.
أي تبشِّر المطيعين بالجنَّةِ، وتُنذِرُ العاصينَ بالنَّار.
الإسراء 17:106
وقوله جل وعز: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾.
قال أبو عمروٍ رحمه الله: ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: بيَّناه.
* ثم قال تعالى: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ﴾.
قال مجاهد: أي على تُؤَدَةٍ.
الإسراء 17:107
وقوله جل وعز: ﴿إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداًً﴾.
قال الحسنُ: أي للجباه.
وقال قتادة: أي للوجوه.
والذَّقنُ عند أهل اللغة: مجتمع اللَّحْيَيْنِ، وهو أقربُ الأشياء إلى الأرض من الوجوه، إذا ابتُدِئ السُّجودُ.
الإسراء 17:110
ثم قال جل وعز: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَـٰنََ﴾.
فيروى أنهم قالوا: ندعو اثنين؟ فأعلَمَ اللهُ جلَّ جلالُه أنَّه لا يُدعى غيرُه بأسمائه فقال ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلأَسْمَآءَ ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَٱبْتَغِ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً﴾.
فيها وجهان:
أحدهما: رواه الأعمش عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس، قال: كان رسولُ الله ﷺ يُعلنُ إذا قرأ، فيسبُّ المشركون القرآن ومَنْ أنزله، ومن جاء به، فصار يُخفِي القراءة فأنزل الله جل وعز ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾.
والقول الآخرُ: رواه هشام بن عُروةَ عن أبيه قال قالت لي عائشةُ: يا ابن أختي أتدري فيم أنزل ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾؟ قال قلتُ: لا، قالت: أُنزل في الدعاء.
قال أبو جعفر: والإِسنادان حسنان، والدعاءُ يسمى صلاةً، ولا يكاد يقع ذلك للقراءة، قال الأعشى:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِــلاً * يَا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأَوْصَابَا والوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي * نَوْمَــاً فَإِنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعَاً
ويقال: إنه إنما قيل صلاة، لأنها لا تكون إلاَّ بدعاء، والدعاءُ صلاةٌ فسميت باسمه.
الإسراء 17:111
وقولُه جل وعز: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي ٱلْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ ٱلذُّلِّ﴾.
أي لم يحتج إلى من ينتصر له.
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾.
أي عظِّمه تعظيماً.
الكهف 18:1
من ذلك قوله جلَّ وعزَّ: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. قَيِّمَاً﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: انها على التقديم والتأخير.
والمعنى: الحمدُ للهِ الذي أنزل على عبده الكتاب قيِّماً، ولم يجعلْ له عِوَجاً.
يُروى هذا المعنى عن ابن عباس، ومجاهد.
قال أبو جعفر: حدثنا بكر بنُ سهل: نا عبدالله بنُ صالح، قال: نا معاويةُ بن صالح، قال: حدثني عليُّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاس ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا. قَيِّمَاً﴾ يقول: أنزل الكتاب عَدْلاً قيِّماً، ولم يجعل عوجاً ملتبِسَاً.
والقولُ الآخرُ: رواه سعيد عن قتادة قال: في بعض القراءات "الحمدُ لله الذي أنزل عبده الكتاب ولم يجعل له عِوَجَاً، ولكنْ جعله قيِّماً".
وفي قوله تعالى ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ قولان:
أحدهما: أنه لم يجعله مختلفاً كما قال سبحانه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافَاً كَثِيراً﴾.
والقول الآخر: أنه لم يجعله مخلوقاً، كما رُوي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى ﴿قُرْآناً عَرَبِيَّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ قال: غير مخلوق.
وفي قوله جل وعز: ﴿قَيِّمَاً﴾: قولان:
أحدهما: رواه جويبر عن الضحاك قال: مستقيماً.
والقول الآخر: أنه قيِّماً على الكتب أي يُصدِّقها.
الكهف 18:2
ثم قال جلَّ وعز: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُُ﴾.
المعنى: لينذركم بأساً شديداً، كما قال تعالى ﴿إنَّما ذَلكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْ لِيَاءَهُ﴾.
الكهف 18:5
ثم قال جلَّ وعز ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباًً﴾.
المعنى: كبرت تلك الكلمةُ كلمةً عند الله، وهي قولُهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً﴾ أي: كبرت من كلمة.
وقيل: فيه معنى التعجب، كما يُقال لقاضٍ قضى بالحقِّ: ما أقضاه.
فيكون المعنى: ما أكبرها من كلمة.
وقرأ الحسن ومجاهد ويحيى بن يَعْمُر ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بالرفع.
ومعناه: عَظُمت، يُقال: كَبُرَ الشيءُ: إذا عَظُمَ، وكَبِرَ: إذا أسَنَّ.
الكهف 18:6
وقوله جل وعز: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾.
رَوَى سعيدٌ عن قَتادةَ قال: قاتلٌ نَفْسَك، ثم قال: ﴿عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ أي بعدهم.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً﴾.
قال قتادة: أي غضباً.
قال مجاهد: أي جَزعاً.
وهذا أشبهُ، أي حُزْناً عليهم.
الكهف 18:7
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾.
قال قطرب: أي ما على الأرض ممَّا تُزيَّنُ به.
* ثم قال جل وعز ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً﴾.
أي لنختبرهم.
الكهف 18:8
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاًً﴾.
روَى سعيد عن قتادة قال: أي لا شجر فيها، ولا نبات، ولا بناء.
وقال مجاهد: أي بَلْقَعاً.
قال أبو جعفر: والصعيدُ في اللُّغةِ: وجهُ الأرض، ومنه قيل للتراب: صعيدٌ.
والجُرُزُ في اللغةِ: الأرضُ التي لا نبات فيها.
قال الكسائي: يُقال: جَرُزَتِ الأرضُ تَجْرُزُ، وجَرزَهَا القومُ يَجْرِزُونَها، إذا أكلوا كلَّ ما فيها من النَّباتِ والزَّرع، فهي مَجْروزةٌ، وجُرُزٌ.
الكهف 18:9
وقولُه جلَّ وعز: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباًً﴾.
قال الضحاك: ﴿الكهفُ﴾ الغارُ في الوادي، و﴿الرَّقيمُ﴾ الوادي.
وقال يزيدُ بنُ درهم: سُئل أنسُ بن مالكٍ عن الكهفِ، والرَّقيم فقال: ﴿الكهفُ﴾ الجَبَلُ ﴿والرَّقيمُ﴾ الكلبُ.
ورَوَى سفيانُ بنُ سعيدٍ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباس، انه سأل كعباً ما الرَّقيمُ؟ فقال: هو اسمُ القرية التي خرجوا منها.
وقال عكرمة: ﴿الرَّقيمُ﴾ الدَّواةُ.
وقال مجاهد: ﴿الرَّقيمُ﴾ الكتابُ.
وقال السُدِّيُّ: الصَّخرةُ.
وقال الفراء: الرَّقِيمُ لوحٌ من رصاصٍ، كُتبت فيه أسماؤهم، وأنسابُهم، ودينهُم، وممن هربوا.
وقال أبو عُبيدةَ: الرَّقيمُ: [الوادي] الذي فيه الكهف.
ورَوَى إسرائيلُ، عن سِمَاك، عن عِكرمة، عن ابن عباس قال: "كلُّ القرآن أعلمُ إلاَّ أربعاً: غِسْلِيناً، وَحَنَانَاً، والأَوَّاهُ، والرَّقيمُ".
ورَوَى سفيانُ بنُ حسين، عن يَعْلي بنِ مُسْلمٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَير، عن ابن عباس أنه ذكر أصحاب الكهف فقال: "إنَّ الفتية فُقِدوا، فطلبهم أهلُوهم فلم يجدوهم، فرُفِعَ ذلك الى الملِك، فقال: ليكوننَّ لهم نبأٌ، وأحضَرَ لوحاً من رَصَاص، فكتب فيه أسماءَهم، وجعله في خزائنه، فذلك اللوحُ هو الرَّقيم".
ورَوَى وكيعٌ عن أبي مَكِين، عن سعيد بن جُبير قال: الرَّقيمُ: "لوحٌ [فيه أسماءُ فتيةٍ رُقمت أسماؤهم في الصخرة فذلك الكتاب].
وفي بعض الروايات: أنه كُتِب أسماؤهم وخبرهم في لوحٍ، وجُعل على باب الكهف.
قال أبو جعفر: والروايات التي رُويتْ عن ابن عباس ليست بمتناقضة.
لأن القول الأول إنما سمعه من كعب.
والقول الثاني يجوز أن يكون عَرَف الرقيم بعده.
وأحسنُ ما قيل فيه أنه الكتابُ، وذلك معروفٌ في اللغة، يُقال: رقمتُ الشيءَ أي كتبتهُ، قال اللهُ عزَّ وجلَّ ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾.
و﴿رقيمٌ﴾ بمعنى مرقوم، كما يُقال: قتيلٌ بمعنى مقتول.
ورَوَى ابنُ جُريج عن مجاهد في قوله تعالى ﴿كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ قال: هم عجبٌ.
قال أبو جعفر: يذهب مجاهدٌ إلى أنه ليس بإنكار ٍعلى النبيِّ ﷺ أن يكون عنده أنهم عجبٌ.
وقد رَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: يقول: ليس هم بأعجب آياتنا.
الكهف 18:10
وقوله جلَّ وعز: ﴿إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّىءْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾.
أي أرشدنا إلى أحبِّ الأشياء إليك.
الكهف 18:11
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً﴾.
أي منعناهم من أن يسمعوا، والمعنى: أنمناهم، لأنهم إذا سمعوا انتبهوا، ثم قال ﴿سِنِينَ عَدَدَاً﴾.
وفي الفائدة في قوله ﴿عَدَدَاً﴾ قولان:
أحدهما: أنه [توكيدٌ وإفرادٌ من الواحدة.
والآخر: أنه توكيدُ معنى الكثرة] لأن القليل لا يحتاج إلى عدد، لأنه قد عُرف.
الكهف 18:12
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾.
أي من نومهم، يُقال لمن أُحيِيَ، أو أُقِيم من نومه: مبعوثٌ، لأنه كان ممنوعاً من الانبعاث والتصرُّف.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً﴾.
قال مجاهد: أي عدداً.
قال أبو جعفر: والأمدُ في اللغة: الغايةُ.
الكهف 18:14
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْْ﴾.
قال قتادة: أي بالإِيمان.
والمعنى عند أهل اللغة: صبَّرْناهم، وثَبَّتْنَاهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِذْ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ لَن نَّدْعُوَاْ مِن دُونِهِ إِلـٰهاً﴾.
فأنكروا أن يُعْبدَ مع اللهِ غيرُه.
* ثم قال تعالى: ﴿لَّقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾.
قال قتادة: أي كذباً.
قال أبو جعفر: والشَّططُ في اللُّغةِ: التجاوزُ في الجَوْر.
الكهف 18:15
ثم قال جلَّ وعز: ﴿هَـٰؤُلاۤءِ قَوْمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلاَ يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍٍ﴾.
رَوَى ابن عُيَيْنةَ عن عمروِ بنِ دينارٍ، عن عكرمةَ عن ابنِ عباس: "كلُّ سُلطانٍ في القرآن فهو حجة".
الكهف 18:16
وقوله جل وعز: ﴿وَإِذِ ٱعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ﴾.
والمعنى: اعتزلتم ما يعبدون، إلاَّ اللهَ فإنكم لم تتركوا عبادته.
وروى سعيدٌ عن قتادة قال: في قراءة ابن مسعود ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
* ثم قال جل وعز ﴿فَأْوُوا إِلَى ٱلْكَهْفِ﴾.
أي صيِّرُوه مأواكم.
* ثم قال جل وعز ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾.
[قُرئ بفتح الميم وكسرها، وهو ما يُرتفق به، وكذلك مِرْفَقُ الإنسانِ ومَرْفقهُ، ومنهم من يجعل المَرْفِق بفتح الميم وكسر الفاء من الأمر، والمُرْفق من الإِنسان، وقد قيل: المَرْفِق بفتح الميم: الموضع كالمسجد، وهما لغتان].
الكهف 18:23
وقوله جلَّ وعز ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
[رُوي أن النبي ﷺ سُئل عن] فتيةٍ مَضَوْا في الزَّمنِ الأول، وعن رجلٍ طوَّاف، وعن الروح، فقال رسول الله ﷺ: غداً أخبركم عن ذلك، ولم يَسْتَثْنِ، فمكث عنه جبريل بضع عشرة ليلة، ثم جاءه بسورة الكهف، ونزل في قوله: أخبرُكم به غداً ﴿وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾.
الكهف 18:24
ثم قال جل وعز: ﴿وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداًً﴾.
أي عسى أن يعطيني من الآيات والدلائل، ما هو أرشدُ وأبْيَنُ من خبر أصحاب الكهف.
الكهف 18:25
ثم قال جل وعز: ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَٱزْدَادُواْ تِسْعاً﴾.
في معناه ثلاثة أقوال:
أ- قال مجاهد: هذا عددُ ما لبثوا.
ب- وقال قتادةُ: في قراءة ابنِ مسعود "وَقَالُوا لَبِثُوا في كَهْفِهمْ".
ج- والقولُ الثالث: أن اللهَ خبَّر بما لبثوا، إلى أن بُعِثوا من الكهف، ولا نعلم كم مُذْ بُعثوا إلى هذا الوقتِ، فقال سبحانه ﴿قُل اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي من أي وقت مبعثهم إلى هذا الوقت.
قال أبو جعفر: وأحسنُ هذه الأقوال الأولُ، وإنما يقع الإِشكالُ فيه لقوله جلَّ وعزَّ ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ففرَّ قومٌ إلى أن قالوا: هو معطوفٌ على قوله تعالى ﴿سَيقُولُونَ﴾.
قال أبو جعفر: وإنما اخترنا القولَ الأوَّلَ، لأنه أبلغُ، وأن ابن فُضَيل رَوَى عن الأَجْلح، عن الضحاك قال: لمَّا أُنزِلتْ ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِئَةٍ﴾ قالوا: أسنين؟ أم شهوراً؟ أم أياماً؟ فأنزل اللهُ جلَّ وعز ﴿سِنِينَ﴾.
قال أبو جعفر: فأمَّا ما أشكلَ من قوله تعالى ﴿قُلِ اللَّهُ أعلمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ فنحنُ نبيِّنهُ.
يجوز أن يكون لِمَا اختلفوا في مقدار ما لبثوا، ثم أخبر اللهُ جلَّ وعز به فقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي هو أعلمُ به من المختلفين فيه.
وقولٌ آخرُ أحسنُ من هذا: أن يكون "أعلمُ" بمعنى عالمٌ، وذلك كثيرٌ موجودٌ في كلام العرب، قال اللهُ جلَّ وعزَّ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أجودُ الأقوال فيه أن معناه: هو هيِّن عليه، وهو اختيار أبي العباس، ومنه "اللهُ أكبرُ" بمعنى كبير، ومنه قول الفرزدق:
إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا * بَيْتَاً دَعَائِمُهُ أَعَزُّ وأَطْوَلُ
وقول الآخر:
أَصْبَحْتُ أمْنَحُكِ الصُّدُودَ وَإنَّنِي * ـ قَسَمَاً إليكِ ـ مع الصُّدُودِ لأَمْيَلُ
وقولُ الآخر:
لَعَمْرُكَ مَا أدْرِي وإنِّي لأَوْجَلُ * عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ
الكهف 18:26
وقولُه جَلَّ وعز: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾.
المعنى: ما أبصَرَهُ وأسمَعَه، أي هو عالمٌ بقصَّةِ أصحاب الكهف وغيرهم.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾.
نظيرُه قولُه تعالى ﴿فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدَاً. إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾.
ومن قرأ ﴿ولا تُشْرِكْ في حُكْمِهِ أَحَدَاً﴾ فمعناه عنده: لا تنسبْ أحداً إلى أنه يعلمُ الغيبَ.
الكهف 18:27
وقولهُ جلَّ وعزَّ: ﴿لاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداًً﴾.
قال مجاهد: أي ملجأً أي يمنعك منه جلَّ وعز.
قال أبو جعفر: وهو حسن في اللغة، وأصله في اللغة من اللَّحدِ وهو من الميل والملحد: المائلُ عن الحقِّ، العادلُ عنه، فإذا أَلحدْتَ إلى الشيء فقد ملتَ إليه.
الكهف 18:28
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَٱصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِٱلْغَدَاةِ وَٱلْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾
رَوَى ابنُ عَجْلاَن عن نافعٍ عن ابن عمر قال: الصلاة المكتوبة.
قال مجاهد وإبراهيم: الصلواتُ الخمس.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾.
أي لا تتجاوزهم إلى المترفين.
ورُويَ عن الحسن أنه قرأ ﴿وَلاَ تُعَدِّ عَيْنَيْكَ عَنْهُمْ﴾. بتشديد الدال والنصب.
* ثم قال جل وعز ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾.
قال مجاهد: أي ضَيَاعاً.
قال أبو جعفر: وقيل: إسرافاً، وقيل: ندماً.
وهذه الأقوالُ متقاربةٌ، وهو من الإِفراط في الشيء، والتجاوز فيه.
وبيَّن هذا أن سفيانَ بن سعيد قال: هو "عُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ".
وقال غيره: قال: أنا أشرفُ مُضَرَ وأجَلُّها.
فهذا هو التجاوزُ بعينه.
وقال الفراء: ﴿فُرُطَاً﴾: متروكاً، قد تُركتْ فيه الطَّاعةُ.
الكهف 18:29
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ﴾.
المعنى: وقل الذي جئتُكُمْ به، الحقُّ من ربكم.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾.
هذا على التهديد.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾.
أي جعلناها لهم عَتَاداً، والعَتَادُ: الثابتُ اللاَّزمُ، وهو مثلُ العُدَّة.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾.
السُّرَادِقُ في اللُّغةِ: كلُّ شِيء محيط بشيء.
قيل: إنه يُراد به الدُّخان، الذي يحيط بالكفَّار يومَ القيامةِ، وهو الذي ذكرهُ اللهُ في قوله سبحانه ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ﴾.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِي ٱلْوجُوهَ﴾.
رَوَى هُشيمٌ عن عَوْفٍ عن الحسن قال: جاء قوم إلى عبدالله بن مسعود، يسألونه عن المُهْل، فأخذ فضَّةً فأَذَابَها، حتَّى انماعت، ثم أُذِنَ لهم بالدخول، فقال لهم: هذا أشبهُ بالمُهْلِ.
ورَوَى إسرائيلُ عن سِمَاكٍ عن عكرمة عن ابن عباس قال:
المُهْلُ: دُرْدِيُّ الزيتِ.
ورَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: المُهْلُ: القيحُ، والدَّمُ.
قال أبو جعفر: وهذه الأقوالُ متقاربةٌ، وإنما هو ما تمهَّلَ وسكَنَ، وأكثرُ ما يُستعمل لدُرْدِيِّ الزيت، كما قال ابن عباس.
* ثم قال جل وعز: ﴿يَشْوِي ٱلْوجُوهَ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاًً﴾.
المعنى: وساءت النَّارُ مرتفَقاً.
قال مجاهد: أي مجتمعاً.
وقال غيره: أي مجلساً.
قال أبو جعفر: والمعروفُ في اللُّغةِ أنَّ المرتَفَقُ: المتَّكأُ، وأنشد أهل اللغة:
إنِّي أَرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرتَفِقَاً * كَأَنَّ عَيْنيَ فِيهَا الصَّابُ مَذْبُوحُ
قال أبو جعفر: ولا يمتنع أن يكون المعنى: موضع مرتفق.
الكهف 18:30
وقوله جلَّ ذكرهُ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾.
قال أبو جعفر: حدثنا أبو عبدالله "أحمدُ بنُ عليِّ بنِ سَهْلٍ" قال: حدثنا محمد بنُ حُميد، قال: نا يحيى بنُ الضُّرَيْسِ، عن زُهيرِ بنِ معاويةَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: قدِمَ أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ في حجَّة الوداع ـ والنبيُّ واقفٌ بعرفات على ناقته الصَّهْباءِ ـ فقال: إني رجلٌ متعلِّمٌ، فأخبرْني عن قولِ الله ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ قال النبي عليه السلام: يا أعرابيُّ ما أنتَ منهم ببعيدٍ، وما هم منك ببعيد، هؤلاء الأربعةُ الَّذين هم وقوفٌ معي "أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليُّ" فَأَعلِمْ قومكَ أنَّ هذه الآية نزلتْ في هؤلاء الأربعة.
الكهف 18:31
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُُ﴾.
العَدْنُ: الإِقامةُ، ثم قال: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَارُ﴾ أي ماءُ الأنهارِ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾.
أسَاوِرُ: جمعُ أَسْوِرة، وأسْوِرَةٌ جمعُ سِوَارٍ، ويُقال: سُوَارٌ.
وحَكَى قُطْرب: أن "أساورَ" جمعُ إسوار.
ولا يُعرف ذلك.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾.
السُندسُ: رقيقُ الدِّيباجِ، والاستبرقُ: ثخينه.
* ثم قال جل وعز: ﴿مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى ٱلأَرَآئِكِ﴾.
وهي السُّرُرُ في الحِجَالِ.
* ثم قال جل وعز: ﴿نِعْمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾.
أي حَسُنت الجنة مرتفقاً.
الكهف 18:32
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾.
يُروى أن اليهود قالوا: سَلُوه عن أصحاب الكهفِ، وعن الرُّوحِ، وعن رجلين؟ فأنزل اللهُ عزَّ وجلَّ هذا، وجعله مثلاً لجميع النَّاس.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾.
أي حوَّطْناهما بهِ، وقد حفَّ القومُ بفلانٍ: إذا حَدَقوا.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً﴾.
فأخبر أنه ليس بينهما إلاَّ عمرانٌ.
الكهف 18:33
ثم أخبر أنهما في تأديةِ الحَمْلِ والثَّمر على النهاية، فقال: ﴿كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاًً﴾.
أي ولم تنقص.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلالَهُمَا نَهَراً﴾.
فأخبر أنَّ شِرْبهما كان من نَهْرٍ، وهو أغزرُ الشُّرب.
الكهف 18:34
ثم قال جل وعز:﴿وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ﴾.
ويُقرأ ﴿ثَمَرٌ﴾ فالثَّمرُ معروفٌ.
وفي الثُّمُرِ قولان:
أ- قال مجاهد: كلُّ ما كان في القرآن من ثُمُرٍ فهو المالُ، وما كان من ثَمَر فهو من الثِّمار.
ب- وقال أبو عمران الجوني: الثُّمُرُ: أنواعُ المال، والثَّمَرُ: الثَّمراتُ.
ج- وقال أبو يزيد المدني: الثُّمُرُ: الأصلُ، والثَّمَرُ: الثَّمرةُ.
قال أبو جعفر: وكأنه يريد بالأصل الشجَّرَ، وما أشبهها.
وهذه الثلاثةُ الأقوالِ ترجع إلى معنىً واحد، وهو أن الثُّمُرَ: المالُ.
والقولُ الآخرُ: حدثنا أحمد بن شُعيب، قال: أخبرَني عِمْرانُ بن بكار، قال: حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي قال: حدثنا شعيبُ بن إسحق، قال: حدثنا هارون، قال: حدثني أبان بن تغلب عن الأعمش أن الحجَّاج قال: "لو سمعتُ أحداً يقول ﴿وَكَانَ لَهُ ثُمُرٌ﴾ لقطعتُ لسانه، فقلتُ للأعمش: أتأخذ بذلك؟ قال: لا، ولا نِعْمةَ عين. فكان يقرأ ﴿ثُمُر﴾ ويأخذه من جمع الثَّمَر".
قال أبو جعفر: فالتقدير على هذا القول، أنه جَمَع ثَمَرةً على ثِمارٍ، ثم جمع ثِمَاراً على ثُمْرٍ، وهو حسنٌ في العربية، إلاَّ أنَّ القول الأولَ أشبهُ ـ واللهُ أعلمُ ـ لأن قولَه تعالى ﴿كِلْتَا الجنَّتَيْن آتَتْ أُكُلَهَا﴾ يدلُّ على أن له ثَمَراً.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَقَالَ لَصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي يخاطبه ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾.
[النَّفَرُ: الرَّهطُ، وهو ما دون العَشَرة، وأراد ها هنا الأتباع، والخَدَم، والولد].
الكهف 18:35
قال الله جل وعز: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾.
وكلُّ من كفر فقد ظلَمَ نفسَه، لأنه يُولجها النَّار.
* ثم قال تعالى: ﴿قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً. وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةًً﴾.
فكفر بالبعث، وبأنَّ الدنيا تَفْنى.
الكهف 18:36
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباًً﴾.
وهذا ممَّا يُسأل عنه فيُقال: كيف ينكرُ البعثَ ويقول: ﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي﴾ ويحكُمُ أنه يُعْطَى خيراً منهما؟
فالجوابُ: أن المعنى: ولئن رددتُ إلى ربي ـ على قولك ـ وقد أعطاني في الدنيا، فكما أعطاني في الدنيا فهو يعطيني في الآخرة.
ونظيرُ هذا قولُه جلَّ وعز ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي﴾؟ أي على قولكم.
ومن قرأ ﴿مِنْهَا﴾ أراد الجنة.
الكهف 18:37
ثم قال جلَّ وعز: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍٍ﴾.
فألزمه الكفرَ بقوله.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً﴾.
أي كمَّلكَ.
الكهف 18:38
ثم قال جلَّ وعز: ﴿لَّٰكِنَّاْ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً﴾.
فدلَّ هذا على أنه كان مشركاً.
والمعنى: لكِنْ أنا.
الكهف 18:39
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَلَوْلاۤ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِٱللَّهِ﴾.
المعنى: [هذه الجنة هي] ما شاءَ اللهُ.
ويجوز أن يكون المعنى: ما شاءَ اللهُ كانَ.
والمعنى: لا يكون لأحدٍ إلاَّ ما شاء اللهُ، وليس لأحدٍ في بدنه ولا ماله قوَّةٌ إلاَّ باللهِ.
ورَوَى عَمْروُ بنُ ميمونٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "أَلاَ أدلُّكَ على كلمةٍ من كنـزِ الجنَّةِ، من تحت العرش؟ قال: قلتُ: بلى، بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ اللهِ. قال: "لا قوَّةَ إلاَّ باللهِ" إذا قالها العبدُ، قال اللهُ: أسلمَ عبدي، واستسْلَمَ".
الكهف 18:40
ثم قال جلَّ وعز: ﴿إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً، فعسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِّن جَنَّتِكََ﴾.
يجوز أن يكون أراد في الدنيا، وأن يكون أراد في الآخرة.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾.
قال قتادةُ والضحَّاكُ: أي عَذَاباً.
وقال أبو عُبيدة: هي المرامي [جمع مرماة وشيء فيه الحصب].
والمعروفُ في اللغة: أن الحُسْبانَ والحساب واحدٌ، قال الله جلَّ وعز ﴿الشَّمْسُ وَالقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾.
وقولُ قتادةَ والضحَّاك صحيحُ المعنى، كأنه قال: أو يرسلَ عليها عذابَ حِسَابِ ما كسبتْ يداه، وهو مثلُ قوله تعالى ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً﴾.
الصَّعيدُ في اللغة: وجهُ الأرض الذي لا نباتَ عليه.
والزَّلَقُ: ما تَزِلُّ فيه الأقدامُ.
الكهف 18:41
ثم قال جل وعز: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراًً﴾.
أي غائراً، والتقديرُ: ذا غَوْرٍ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً﴾.
أي لم يبق له أثرٌ، فيُطْلب من أجله.
الكهف 18:42
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾.
أي أحاط اللهُ العذابَ بثمره.
* ثم قال تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾.
وهذا يوصف به النَّادمُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾.
الخاويةُ في اللغة: الخاليةُ، والعُروشُ: السُّقُوفُ.
والمعنى: أن حيطانها قيامٌ، وقد سقطتْ سقوفها، فكانَّ الحيطان على السُّقوف.
الكهف 18:43
وقوله جل وعز: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِِ﴾.
قال مجاهد: أي عشيرة.
الكهف 18:44
وقوله جلَّ وعز ﴿هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ﴾.
أي يؤمنون باللهِ وحده، ويتبرَّءون ممَّا كانوا يعبدون.
ويُقرأ: الوِلاَيةُ بكسر الواو.
والمعنى على الفتح، لأن الولاية المعروفُ أنَّها الإِمارةُ.
* ثم قال جل وعز: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً﴾.
العُقْبُ ـ عند أهل اللغة ـ والعُقْبى، والعَاقِبةُ واحدٌ، وهو ما يصير إليه الأمر.
الكهف 18:45
ثم قال جل وعز ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماًً﴾.
الهشيمُ: ما جفَّ من الثياب أو تفتَّتَ، ويُقال: هشمتُه أي كسرتُه.
* ثم قال جل وعز ﴿تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ﴾.
أي تنسفه.
ضربَ اللهُ هذا المثلَ للحياةِ الدُّنْيا، لأنَّ ما مضى منها، بمنـزلةِ ما لم يكن.
الكهف 18:46
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾.
قال أبو جعفر: حدثنا أبو بكر "جعفَرُ بنُ محمَّدٍ" قال: حدثنا قتيبةُ بن سعيد، قال: حدثنا خَالدٌ هو "ابنُ عبدِاللهِ" عن عبدالملك، عن عطاء، عن ابن عباس قال: ﴿ٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ﴾: (سبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلاَّ اللهُ، واللهُ أكبرْ).
وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن عمارة بن صيَّاد، عن سعيد بن المسيِّب، أنه كان يقول في ﴿ٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ﴾ إنها قول العبد: (سبحانَ اللهِ، واللهُ أكبر، والحمدُ للهِ، ولا إله إلاَّ اللهُ، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللهِ).
قال أبو جعفر: ورُوي عن ابنِ عباس أيضاً أنه قال: ﴿ٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ﴾: "الصلاةُ، والصومُ، والحجُّ، والغزوُ، والتهليلْ، والتسبيحُ".
ولا يمتنع شيءٌ من هذا عند أهل اللغة، لأنه كلُّ ما بقي ثوابُه جاز أن يُقال له هذا.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾.
أي خيرُ ما يُؤمَّلُ.
الكهف 18:47
ثم قال جل وعز: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ ٱلْجِبَالَ وَتَرَى ٱلأَرْضَ بَارِزَةًً﴾.
في قوله ﴿بارزة﴾ قولان:
أحدهما: قد اجْتُثَّت ثمارُها، وقُلِعت جبالُها، وهُدم بنيانها، فهي بارزةٌ أي ظاهرة.
وعلى هذا القولِ أهلُ التفسير، وهو البيِّنُ.
والقولُ الآخر: إن معنى ﴿بَارِزَةً﴾ قد أُبرِزَ مِن فيها من الموتى، فيكونُ هذا على النَّسبَ، كما قال: "كِلِيني لِهَمٍّ يَا أُمَيْمةَ نَاصِبِ".
* ثم قال جل وعز: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾.
أي لم نُبقِ.
الكهف 18:48
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاًً﴾.
أي لا يسترهم شيءٌ، ولا يحجبهُم.
* ثم قال جل وعز: ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
قيل: معناه: بعثناكم كما خلقناكم أوَّلَ مرَّة.
وقيل: هو كما رُوي أنهم يُحشرون حُفاةً [عُراة] غُرْلاً.
* ثم قال جل وعز: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾.
أي كنتم تنكرون البعث.
الكهف 18:49
ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُُ﴾.
في الكلام حذفٌ: والمعنى: ووُضِعَ الكتابُ في يدِ كلِّ امرئٍ، إمَّا في يمينه، وإمَّا في شماله.
ثم بيَّن هذا بقوله ﴿فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾.
[أي تراهم خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة، ويقولون: ما شأن هذا الكتاب لا يبقي صغيرة من ذنوبنا ولا كبيرة إلا حفظها وضبطها].
* ثم قال جل وعز: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾.
أي إنما تقع العقوبة على المجازاة.
وأصلُ الظلم في اللغة: وضعُ الشيء في غير موضعه.
الكهف 18:50
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِِّ﴾.
في هذا قولان:
أحدهما: أنه نُسِبَ إلى الجنِّ لأنه عمِلَ عملَهم.
والقول الآخر: أنه منهم.
* ثم قال جل وعز: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾.
أي فخرج.
وحكى الفَّراءُ: فسَقَتِ الرُّطَبةُ: إذا خرجت من قِشْرها.
وقال رُؤْبَةُ:
يَهْوِينَ في نَجْدٍ وَغَوْراً غَائِراً * فَوَاسِقَاً عَنِ قَصْدهَا جَوَائرَا
وفي هذه الآية سؤال:
يُقال: ما معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؟
ففي هذا قولان:
أحدهما: ـ وهو مذهبُ الخليل وسيبويه ـ أن المعنى: أتاه الفسقُ لمَّا أُمِرَ فعصَى، فكانَ سببَ الفسقِ أمرُ ربِّه، كما تقول: أطعمتهُ عن جُوعٍ.
والقولُ الآخرُ:ـ وهو مذهبُ محمد بن قُطْرب ـ أن المعنى: ففسق عن ردِّ أمر ربه.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾؟ [آية ٥٠].
أي أعداء.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾.
أي بئس ما استبدلوا من طاعة اللهِ، طاعة إبليسَ.
الكهف 18:51
ثم قال جل وعزَّ: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْْ﴾.
أي لم يكونوا موجودين إذْ ذاكَ.
* ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾.
رَوَى معمرٌ عن قتادة قال: أعواناً.
قال أبو جعفر: وكذلك هو في اللغة، يُقال: عَضَدَني فلانٌ، وعَاضَدَني: أي أعانَني وأعزَّني.
الكهف 18:52
وقوله جل وعز: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾.
وفي معناه أقوال:
رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس قال: مَهْلِكاً.
وكذلك قال الضحاك.
ورَوَى مَعْمرٌ عن قتادة قال: هلاكاً.
وَرَوى يزيدُ بنُ درهم عن أنس بنِ مالكٍ في قوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾.
قال: وادياً من قيح ودمٍ في جهنم.
ورَوَى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: وادٍ في جهنم.
وكذلك قال نَوْفٌ، إلا أنه قال: يحجز بينهم وبين المؤمنين.
وقال أبو عُبيدة: ﴿مَوْبِقَاً﴾: موعداً.
وقال عوف: ﴿مَوْبِقاً﴾: أي جعلنا بينهم عداوة.
قال أبو جعفر: وأصحُّ هذه الأقوالِ الأولُ، لأنه معروفٌ في اللغة أن يُقال: وَبِقَ، يَوْبَقُ، ويَابَقُ، ويَيْبَقُ.
وَوَبَقَ يَبِق: إذا هَلَك، وأوبقه اللهُ أي أهلكه.
ومنه: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾.
ومنه: أوبقَتْ فلاناً ذنوبُه.
فالمعنى: جعلنا تواصلهم في الدنيا، مَهْلَكاً لهم في الآخرة.
إلاَّ أنه يجوز أن يُسمَّى الوادي "مَوْبِقَاً" لأنه يُهْلكُ.
الكهف 18:53
ثم قال جلَّ وعز: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾.
رَوَى مَعْمرٌ عن قتادة قال: أيقنوا.
* ثم قال جل وعز: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً﴾.
قال أبو عبيدة: أي معدلاً.
الكهف 18:54
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾.
قيل: يُراد بالإِنسان ها هنا: الكفارُ، وهو في معنى جماعة، كما قال تعالى ﴿إنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.
وقيل: هو عامٌ.
وفي الحديث ما يدلُّ على أنه عامٌّ "أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلم، لمَّا لاَمَ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه، وفاطمة معه في ترك الصلاة بالليل، قال عليٌّ: أنفُسَنا بيد اللهِ إذا شاء أطلقها.. فخرج النبي ﷺ وهو يقول ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾".
الكهف 18:55
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ ٱلأَوَّلِينَ﴾.
في الكلام حذفٌ، والمعنى: إلاَّ طلبَ أن تأتيهمْ سُنَّةُ الأولين.
وسُنَّةُ الأوَّلينَ: معاينةُ العذاب، لأنهم قالوا ﴿اللَّهُمَّ إنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ، فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فطلبوا العذاب.
* ثم قال جل وعز: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ ٱلْعَذَابُ [قِبَلاً]﴾.
رَوَى ابنُ أبي نجبح عن مجاهد قال: فَجْأةً.
قال الكسائي: أي عِيَاناً.
والمعنيان متقاربان.
ويُقرأ: ﴿قُبُلاً﴾ فأكثرُ أهل اللغة على أنه جمعُ قَبِيلٍ، أي أنواعاً وضروباً.
وقال بعضهم: معناه: يُقابِلهُمْ، كما يُقال: جاءه من قُبُلٍ.
ومعنى قَبِلاً: أي استئنافاً.
كما يُقال: لا أُكلِّمكَ إلى عَشْرٍ من ذي قِبَلٍ.
الكهف 18:58
وقولُه جل وعز: ﴿بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاًٍ﴾.
رَوَى عليَّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس قال: مَلْجَاً.
وحكى أهلُ اللغةِ وَأَلَ، يَئِلُ: إذا نجا.
الكهف 18:59
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَتِلْكَ ٱلْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾.
والمعنى: أهلُ القُرى.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾.
يجوز أن يكون المعنى: لإِهلاكهم، فيكون مصدراً.
ويجوز أن يكون المعنى: لوقتِ إهلاكهم.
ومن قرأ ﴿لِمَهْلَكِهِمْ﴾ ذهب إلى أن المعنى: لهلاكهم، كما يُقال: جَلَسَ مَجْلَساً، واسمُ الموضعِ: المجلِسُ.
وهَلَكَ مَهْلَكاً، واسم الموضع: المَهْلِكُ.
قال مجاهد: ﴿مَوْعِدَاً﴾: أي أجلاً.
الكهف 18:60
ثم قال جل وعز: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ﴾.
قيل: إنما قيل له "فَتَاهُ" لأنه كان يخدمه وهو "يُوشَعُ".
ومعنى ﴿لاۤ أَبْرَحُ﴾ أي لا أزالُ، وليس معناه: لا أزولُ.
* ثم قال جلَّ وعزَّ: ﴿حَتَّىٰ أَبْلُغَ مَجْمَعَ ٱلْبَحْرَيْنِ﴾.
روى مَعْمرٌ عن قتادة قال: "بحر الروم" و "بحر فارس".
وقال غيره: هو الموضعُ الذي وعَدَه اللهُ أن يلقَى فيهِ الخَضِرَ.
* ثم قال تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾.
رَوَى عَمْروُ بنُ ميمون عن عبدِاللهِ بن عَمْروٍ: الحُقْبُ: ثمانون سنة.
ورَوَى ابنُ نجيح قال: الحقبُ: سبعون خريفاً.
ورَوَى مَعْمرٌ عن قتادة قال: الحُقْبُ: زمانٌ.
قال أبو جعفر: الذي يعرفه أهلُ اللغةِ أنَّ الحُقْبَ، والحُقْبَةَ: زمانٌ من الدَّهرِ مبهمٌ، غيرُ محدُودٍ، كما أن "قَوْمَاً" و "رَهْطَاً" مبهمٌ غير محدودٍ.
والحُقُبُ: بضمتين: جمعُهُ أحْقَابٌ.
ويجوز أن يكون "أحْقَابٌ" جمعُ حِقَبٍ، وحِقَبٌ جمعُ حِقْبَةٍ.
الكهف 18:61
ثم قال جل وعز: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾.
قال مجاهد: أي بين البحرين.
وقال أُبُّي بنُ كعبٍ رحمه اللهُ: افريقية.
* ثم قال جل وعز: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً﴾.
قيل: كان النِّسيان من موسى ﷺ أن يتقدَّم إلى "يوشع" بشيءٍ من أمر الحوت.
وكان النسيانُ من "يوشع" عليه السلامُ أن يُخبِره بِسَرَبهِ.
وقيل: أن يُقدِّمَهُ.
ثم قال ﴿فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ سَرَباً﴾.
السَّرَبُ في اللغة: المَذْهبُ والمَسْلَكُ.
الكهف 18:64
وقولُه جلَّ وعز: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾.
أي الذي كنا نبغي، لأنه وعُد أن يلقى الخَضِر في الموضع الذي ينسرب فيه.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾.
أي رجعا في الطريق الذي سَلَكاه، يقصَّان الأثر قصصاً، والقَصصُ: اتِّباعُ الأثر.
الكهف 18:65
وقوله جل وعز: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾.
يعني به الخَضِر، وقيل: إنما سُمِّي "الخَضِرَ" لأنه كان إذا صلَّى في مكان اخضرَّ ما حوله.
وفيما فعله موسى ـ وهو من جِلَّةِ الأنبياء وقد أُوتي التَّوراةَ ـ من طلبه العلم، والرحلة في ذلك، ما يدلُّ على أنه لا ينبغي لأحدٍ أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه.
الكهف 18:66
وقوله جل وعز: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداًً﴾.
هذا سؤال الملاطِفِ، والمخاطِب المبالغ في حسن الأدب، والمعنى: هل يتفق لك ويخفُّ عليك، أن تأذن لي في مرافقتك، لأقتبس من علمك ما يرشدني؟ وهذا كما في الحديث "هل تستطيع أن تريني كيف كان رسول الله ﷺ يتوضأ"؟
والرَّشدُ والرُّشْدُ بمعنى واحد، وهو كثير في اللغة العربية نحو البُخْل والبَخَل، والعُرْب والعَرَب.
الكهف 18:67
وقوله جل وعز: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾.
هذا قول الخَضِر لموسى، ثم أعلمه العِلَّةَ في تركِ الصبر فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرَاً﴾؟.
أي وكيف تصبر على ما ظاهره خطأ، ولم تُخْبَر بوجه الحكمة فيه؟ والأنبياء لا يُقرُّون على منكر، ولا يسعهم التقرير. أي لا يَسَعُك السكوتُ جرياً على عادتك وحكمك.
الكهف 18:69
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيۤ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِراًً﴾.
هذا قول موسى للخضر، أي سأصبر بمشيئة الله ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ أي قد ألزمتُ نفسي طاعتَكَ، ولن أعصَي أمرك إن شاء الله.
الكهف 18:70
وقوله جلَّ وعز ﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعْتَنِي فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾.
أي إن إنكرته فلا تعجل بالمسألة إلى أن أبيِّن لك الوجه فيهِ وحتى أكون أنا الذي أفسِّره لك.
شَرَطَ عليه قبل بدء الرحلة، ألاَّ يسأله ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته، حتى يكشف له عن سِرِّها، فقبل موسى شرطه، رعايةً لأدب المتعلِّم مع العالم.
الكهف 18:71
وقوله جل وعز: ﴿فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾.
انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر، حتى مرَّت بهما سفينة، فعرفوا الخضر، فحملوهما بدون أجر، فلما ركبا في السفينة، عمد الخضر الى فأس، فقلع لوحاً من ألواحِ السفينة، بعد أن أصبحت في لُجَّةِ البحر، فذلك قوله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ أي خرقها الخضر.
وقوله جلَّ وعز: ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾.
أي قال له موسى منكراً عليه: أخرقت السفينة لتغرق ركابها؟ لقد فعلت شيئاً عظيماً هائلاً.
ومعنى ﴿إمْرَاً﴾ أي شيئاً عظيماً من المنكر.
ويُرْوَى أن موسى لما رأى ذلك، أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق، ثم قال للخضر: قومٌ حملونا بغير أجر، عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد فعلتَ أمراً هائلاً عظيماً.
﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرَاً﴾! أي قال له الخضر: ألم أخبرك من أول الأمر، إنك لا تستطيع أن تصبر على ما ترى من صنيعي؟!
ذكَّره بلطفٍ في مخالفته للشرط.
الكهف 18:73
ثم قال جل وعز: ﴿ قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراًً﴾.
معنى ﴿تُرْهِقْنِي﴾ تُغشِّيني، أي عاملني باليُسر لا بالعسر.
رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "كانت الأُولى من موسى نسياناً، وجاء عصفورٌ فوقع على حَرْفِ السفينةِ، فنقر في البحر نَقْرةً، فقال له الخضر: ما علمي وعلمُك من علم الله تعالى، إلاَّ مثل ما نَقَص هذا العصفور من هذا البحر..".
الكهف 18:74
وقوله جل وعز: ﴿فَٱنْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾.
أي فقَبِلَ عذرَه، وانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان، فمرَّا بغلمانٍ يلعبون، وفيهم غلامٌ وضيء الوجه، جميل الصورة، فأمسكه الخضر واقتلع رأسه بيده، ثم رماه في الأرض ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي قال له موسى: أقتلتَ نفساً طاهرة بريئة، لم تذنب قطُّ، ولم تقتل نفساً حتى تُقتل به؟! لقد فعلت شيئاً منكراً عظيماً، لا يمكن السكوتُ عنه ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعي صَبْرَاً﴾ أي قال له الخضر: ألم أخبرك أنك لن تستطيع الصبر على ما ترى مني؟ وقَّره في الأول، ثم واجهه بكاف الخطاب بقوله ﴿لك﴾ لعدم العذر هنا.
ومعنى ﴿زَكِيَّةً﴾ أي بريئة لم يُر ما يوجب قتلها.
وقال هنا ﴿نُكْرَا﴾ أي منكراً فظيعاً أنكر من الأمر الأول، وهو أبلغ من قوله ﴿إِمْرَاً﴾ في الآية السابقة. وهو منصوب على ضربين:
أحدهما: معناه: أتيتَ شيئاً نُكراً.
والثاني: معناه: جئتَ بشيءٍ نُكْرٍ، فلما حذف الباء أفضى إلى الفعل فنصبه.
الكهف 18:76
ثم قال جل وعز: ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾.
أي إن أنكرتُ عليك بعد هذه المرة، واعترضتُ على ما يصدر منك، فلا تصحبني معك، فقد أعذرتَ إليَّ ونبهتني على مخالفتي الشرط، فأنت معذورٌ عندي.
الكهف 18:77
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ ٱسْتَطْعَمَآ أَهْلَهَا﴾.
أي مشيا حتى وصلا إلى قرية، فطلبا طعاماً فلم يعطوهما، واستضافاهم فلم يُضيِّفوهما.
قال ابن عباس: هي انطاكية.
وقال ابن سيرين: هي الأيلة.
ثم قال تعال: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾.
والمعنى: وجدا في القرية حائطاً مائلاً، يوشك أن يسقط ويقع، فمسحه الخضر بيده فاستقام.
وقيل: إنه هدمه ثم بناه.
ورُوي أن موسى قال للخضر: قومٌ استطعمناهم فلم يطعمونا، وضفناهم فلم يضيِّفونا، ثم قعدت تبني لهم الجدار ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً.﴾.
* وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي يوشك أن يسقط، وهذا مجازٌ وتوسُّع، وهو في كلام العرب وأشعارها كثيرٌ، فمن ذلك قول عنترة:
وَازْوَرَّ مِنْ وَقْعِ القَنَا بَلَبَانِهِ * وَشَكا إليَّ بِعَبْرةٍ وَتَحَمْحُم
وقول الآخر:
يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبي بَرَاءٍ * ويَرْغَبُ عَنْ دِمَاءِ بَنِي عَقِيَل
الكهف 18:78
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ هَـٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكََ﴾.
سيبويه يذهب إلى أن إعادة "بين" في مثل هذا على التوكيد، أي فراقُ بينِنَا، كما يُقال: أخزَى اللهُ الكاذبَ مني ومنك، أي منَّا.
الكهف 18:79
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي ٱلْبَحْرِ﴾.
أهلُ اللغةِ جميعاً لا نعلمُ بينهم اختلافاً، يقولون: المسكينُ: الذي لا شيءَ له، والفقيرُ: الذي له الشيءُ اليسيرُ.
وأكثرُ الفقهاء على ضدِّ هذا فيهما، ويحتجون بهذه الآية.
قال أبو جعفر: قيل: وليس قولُه ﴿كَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ﴾ يدلُّ على أنهم كانوا يملكونها.. ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "من باع عبداً له مالٌ، فمالُه للبائع".
فليس قولُه "له مَالٌ" ممَّا يوجب أنه يملكه، وهذا كثيرٌ جداً، منه قول اللهِ جلَّ وعز ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البُيُوتِ لَبَيْتُ العَنْكَبُوتِ﴾.
ومنه قولهم: بابُ الدَّار، وجُلُّ الدابَّة، والأشياءُ تُضاف إلى الأشياء، ولا يوجبُ ذلك مِلْكاً، فأُضيفت إليهم لأنهم كانوا يعملون فيها، كما أُضيف المالُ إلى العبدِ لأنَّه معه.
والاشتقاقُ يوجبُ ما قال أهلُ اللغةِ، لأن "مسكيناً" مأخوذٌ من السُّكونِ، وهو عدمُ الحركة، فكأنه بمنـزلة الميِّتِ.
والفقيرُ كأنه كُسِر فَقَارُهُ، فقد بقيتْ له بقيَّةٌ.
ويدلُّ على هذا أيضاً حديثُ النبي ﷺ.. حدثنا أحمد بن منصور الحاسبُ، قال: حدثنا عليُّ بنُ الجَعْدِ، قال: أَنبأنا حمَّادُ ابنُ سلمة، عن محمد بنِ زياد، قال: سمعتُ أبا هريرةَ يقول، سمعت أبا القاسم عليه السلام يقول: "إنَّ المسكينَ ليس بالطوَّاف الذي تَرُدُّه التَّمرةُ والتَّمرتان، والأُكْلَةُ والأُكْلَتانِ، ولكنِ المسكينُ الذي لا يجدُ غنىً يُغنيه، ولا يسألُ النَّاسَ إلحافاً".
وقولُه جلَّ وعز: ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾.
رَوَى ابن عُيَيْنةَ، عن عَمْروِ بنِ دينارٍ، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابن عباس أنه قرأ ﴿وَكَانَ أَمَامَهُمْ مَلِكٌ﴾.
قال أبو جعفر: في "وراء" ها هنا قولان:
أحدهما: أنه بمعنى أَمَام.
والآخر: أنه بمعنى خَلْف، على بابِهِ، كأنه قال: على طريقهم إذا رجعوا.
والقولُ الأول أحسنُ، لقراءة ابنِ عباس رحمه اللهُ به، وأن اللُّغةَ تُجيزه، لأنَّ ما توارى عنك فهو وراء، فهذا يقع لما كان أَمَامَاً.
ثم قال ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾.
وقرأ عثمان رحمه الله ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبَاً﴾.
الكهف 18:80
ثم قال جل وعز ﴿وَأَمَّا ٱلْغُلاَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾.
رَوَى ابنُ عُيَيْنةَ عن عمروِ بن دينارٍ، عن سعيدِ بن جُبير، عن ابن عباس، أنه قرأ ﴿وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ وَكَانَ كَافِرَاً﴾.
وروى أُبَيُّ بنُ كعبٍ عن النبي ﷺ قال: "طُبعَ على الكفرِ، فأُلقي على أبويه محبَّتُه".
* ثم قال جل وعز ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾.
﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾.
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبدَلهُمَا﴾.
قال أبو حاتم، هذا من كلام صاحب موسى يعني الخضر.
وقال غيرهُ: هو من قولِ اللهِ جلَّ وعز.
فإن قال قائل: كيف يجوز أن يكون ﴿فَخَشيِنَا﴾ إخباراً عن الله؟
فالجوابُ عنه: أن الفرَّاءَ قال ﴿فَخَشِينَا﴾ بمعنى: فعلمنا، كما يُقال: ظنَنَّا بمعنى: علِمْنَا.
وقال البصريون: يُقال: خشيتُ الشيءَ بمعنى: كرهته، وبمعنى: فزعتُ منه، كما يقال للرجل: أخشى أن يكون كذا وكذا: أي أكرهُ.
وقال الأخفش: وفي قراءة أُبَيٍّ ﴿فَخَافَ رَبُّكَ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانَاً وَكُفْرَاً﴾.
وقال غيره: وكذلك هو في مصحف عبدالله.
والكلامُ في "خِفْتُ" و "خَشِيتُ" واحدٌ.
حكى الأخفشُ "خفتُ أن تقولا" بمعنى: كرهتُ أن تقولا.
ومعنى ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾: أن يُلحقهما، أي أن يحملهما على الرَّهقِ وهو الجهلُ.
وقال أبو زيد: أرهقتُُهُ: كلَّفْتُه.
الكهف 18:81
وقوله جل وعز: ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَـاةً وَأَقْرَبَ رُحْماًً﴾.
قال ابن جريج: ﴿زَكَاةً﴾ أي: إسلاماً.
وقال الفرَّاءُ: إصلاحاً.
قال ابن جريج: وحدثني عبدالله بن عثمان بن خُشَمَ عن سعيد بن جبير قال: أُبْدِلا منه جاريةً.
قال ابنُ جريج: وهما بها أرحم.
قال ابنُ عباس: أُبدِلاَ منه جاريةً فولدت نبياً.
وحكى الفراء: رحِمتُه رَحْمَةً، ورُحْمَةً.
وحكى الأصمعيُّ عن أبي عمرو بن العلاء: رَحِمَهُ اللهُ رُحْمَاً.
ويجوز على مذهب الخليل: رَحْمَاً بالفتح.
الكهف 18:82
وقولُه جلَّ وعزَّ: ﴿ٱلْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي ٱلْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾.
قال سعيدُ بن جُبَير ومجاهدٌ: عِلمٌ.
وقال قتادة وعكرمة: مالٌ.
وهذا القولُ أَوْلَى من جهة اللغة، لأنه إذا قيل: عند فلانٍ كنـزٌ، فإنما يُراد به المالُ المدفونُ، والمدَّخرُ.
فإن أراد غير ذلك بيَّّنَ، فقال: عنده كنـزُ علمٍ، وكنـزُ فهمٍ.
ويحتملُ أن يكون كما رُوي أنه لوحٌ من ذهبٍ، مكتوبٌ فيه "لا إله إلا اللهُ، محمد رسولُ اللهِ" فهذا يجمع المالَ والعلمَ.
* وقوله جل وعز: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِـع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾.
يدلُّ على أنَّ ذلكَ كانَ بوحيٍ.
الكهف 18:83
وقوله جل وعز: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾.
رَوَى أبو الطُّفَيِل أن ابنَ الكوَّا سأل عليَّ بن أبي طالب رضي الله عنه عن "ذي القرنين" أكان نبيَّاً أو مَلِكاً؟ فقال: لم يكن نبيَّاً ولا ملِكِاً، ولكن كان عبداً صالحاً، أحبَّ اللهَ فأحبَّهُ، ونَصَحَ اللهَ فنَصَحه اللهُ، ضُرب على قرنه الأيمن فمات، فبعثه الله، ثم ضُرب على قرنه الأيسر فمات، ففيكم مثلُه؟.
قال أبو جعفر: وهذا أجلُّ إسنادٍ رُوي في تَسَمِّيه بذي القرنين.
وقد قيل: كانتْ له ضفيرتان.
وقيل: لأنه بلغ قُطْرَي الأرضِ: المشرقَ، والمغرب.
قال محمد بن إسحاق: حدَّثني من يسوقُ الأحاديثَ عن الأعاجم، فيما توارثوا من علمه: إنَّ ذَا القَرنينِ كان رجلاً من أهل مصرَ، اسمُه "مرزبان بن مَرْدَبة" اليوناني، من ولد "يونان بن يافث بن نوح".
قال ابن هشام: واسمُه "الاسكندرُ" وهو الذي بنى الاسنكدرية فنُسِبْت إليه.
قال محمد بن إسحق: وقد حدَّثني ثوْرُ بن يزيد، عن خالد بن مَعْدانَ الكَلاَعي ـ وكان رجلاً قد أدرك [الناس] ـ أن رسول الله ﷺ سُئِل عن ذي القرنَيْنِ، فقال: "ملِكٌ مَسَحَ الأرضَ من تحتِها بالأسباب".
وقال خالدٌ: سمع عمرَ بنَ الخطَّاب ـ رحمةُ اللهِ عليه ـ رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال عمر: "اللهم غَفْراً، أَمَا رضيتم أن تُسَمُّوْا بالنبِيِّين، حتى تسمَّيتم بالملائكة"؟.
الكهف 18:84
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾.
رَوَى عليُّ بنُ أبي طلحة عن ابن عباس قال: علماً.
والمعنى على هذا التفسير: علماً يصل به إلى المسير في أقطار الأرض.
الكهف 18:85
ثم قال تعالى ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾.
رَوَى ابنُ أبي نجيح عن مجاهد قال: منـزلاً وطريقاً بين المشرق والمغرب.
الكهف 18:86
ثم قال جل وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾.
قرأ عبدُاللهِ بنُ مسعود وابنُ الزبير: ﴿حَامِية﴾.
وقرأ ابن عباس: ﴿حَمِئَةٍ﴾.
قال أبو جعفر: حدثنا إبراهيمُ بنُ محمد بنِ عرفَةَ، قال: حدثنا محمد بنُ عبدِالملِكِ، قال: حدثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: حدثنا عمروُ بنُ ميمون، قال: سمعتُ أبا حاضرٍ يقول: سمعتُ ابن عباس يقول: كنتُ عند معاوية، فقرأ ﴿تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ﴾ فقلت: ما نقرؤها إلاَّ "حَمِئَةً" فقال لعبداللهِ بنِ عَمْروٍ: كيف تقرؤُها يا عبدَاللهِ بن عمرْوٍ؟ قالَ: كما قرأتَها يا أمير المؤمنين، فقلتُ: في بيتي يا أميرَ المؤمنين أُنزِلَ القرآنُ.
فأَرْسَلَ معاويةُ إلى كعبٍ، فقال: أينَ تجدُ الشمسَ تغربُ في التوارة؟ فقال: أمَّّا في العربية فأنتم أعلمُ بها، وأمَّا أنا فأجدُ الشمسَ في التوارةِ، تغربُ في ماءٍ وطين، وأشار بيده إلى المغرب، فقلتُ لابن عباس: لو كنتُ عندك فرفدتك بكلمةٍ تزداد بها بصيرةً في "حمئةٍ". قال ابن عباس: ما هي؟ قلتُ: فيما نأثرُ من قول تُبَّع فيما ذكَرَ به ذا القرنين من قوله:
بَلَغَ المَشَارِقَ وَالْمَغَـارِبَ يَبْتَغِي * أَسْبَابَ أَمْرٍ من حَكيمٍ مُرشِدِ
فَرَأىَ مَغِيبَ الشَّمْسِ عندَ غُروبِهَا * في عَيْن ذِيِ خُلْبٍ، وثأَطٍ حَرْمَدِ
فقال ابن عباس ما الخُلُبُ؟ فقال: الطينُ بكلامهم. قال: وما الثَّأْطُ؟ قلتُ: الحماةُ، قال: وما الحرمَدُ؟ قلتُ: الأسودُ.
قال أبو جعفر: فهذا تفسير الحَمْأَةِ، يُقال: حمئتِ البئر، إذا صارت فيها الحَمْأَةُ، وأَحْمأتُها: ألقيتُ فيها الحَمْأةَ. وحمَّأْتُها: أخرجتُ منها الحَمْأَةَ.
فأما قراءة من قرأ ﴿حامية﴾ فيحتملُ معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى "حَمِئَةِ" فكأنه قال "حامئةٍ" أي ذاتُ حمأةٍ، ثم خُفِّفت الهمزة.
والمعنى الآخر: أن يكون بمعنى حارة.
ويجوز أن تكون حارةً، وهي ذاتُ حَمَأٍ، والله أعلم بحقيقته.
قال القتبيُّ: يجوز أن تَكَون هذه العينُ من البحر، ويجوز أن تكون الشمسُ تغيب وراءها، أو معها، أو عندها، فيقام حرفُ الصِّفةِ مقام صاحبه، والله أعلم بذلك.
* وقوله جل وعز ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾.
قال إبراهيم بن السَّرِيِّ: خيَّره بين هذين، كما خيَّر محمداً ﷺ فقال: ﴿فَإِنْ جَاءُوْكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
وقال عليُّ بنُ سليمان: المعنى: قلنا يا محمد: قالوا يا ذا القرنين.
الكهف 18:87
قال: لأنَّ بعده ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾.
فكيف يقول لربه: ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ﴾؟ وكيف يقول: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾؟ والعبدُ لا يخاطِبُ بهذا، ولم يصحَّ أن "ذا القرنين" نبيٌّ فيقول اللهُ: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾.
قال أبو جعفر: وهذا موضع مشكل، وليس بممتنع حذف القول، والله أعلمُ بما أراد.
وروى معمر عن قتادة في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ قال: بالقتل.
* وقوله جل وعز ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾.
لأن عذاب الآخرة أنكر من القتل.
الكهف 18:88
ثم قال جل وعز: ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ﴾.
قيل: الحسنى ها هنا: الجَّنةُ.
ويُقرأ ﴿فَلَهُ جَزَاءُ الحُسْنَى﴾ أي الإِحسان.
* ثم قال جلَّ وعز ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾.
أي قولاً جميلاً.
الكهف 18:89
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَباًً﴾.
ويقرأ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ﴾ بقطع الألف، أي سبباً من الأسباب التي تؤدِّيه إلى أقطار الأرض.
قال الأصمعي: يُقال: أتبعتُ القومَ، بقطع الألف أي لحقتهم.
واتَّبعتهم "بوصل الألف" إذا مررت في آثارهم وإن لم تَلْحقهم.
الكهف 18:90
ثم قال جلَّ وعز: ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾.
أي ليس لهم بنيان ولا قُمص.
قال الحسنُ: إذا طلعت نزلوا الماء حتى تغرب.
فأمَّا معنى ﴿كَذَلِكَ﴾؟ فقيل فيه: حكمُهم كحكمِ الذين تغربُ عليهم الشمسُ، أي هم كأولئك.
الكهف 18:93
وقوله جلَّ وعزَّ ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.
ويُقرأ ﴿السُّدَّينِ﴾.
وقد فرَّق بينهما أبو عمروٍ وجماعةٌ من أهلِ اللغَةِ.
فقال بعضهم: السُّدَّ: ما كان من صُنعِ اللهِ، والسَّدُّ "بالفتح": ما كان من صنعِ الآدميين.
وقيل: السَّدُ ما رأيتَهُ، والسُّدُّ: ما سَتَر عينيك.
والصحيحُ في هذا ما قاله الكسائي أنهما لغتان بمعنى.
وإن زيد في هذا، قيل: السَّدُ المصْدَرُ، والسُّدُ: الاسمُ.
الكهف 18:94
وقوله جلَّ وعز ﴿قَالُواْ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾.
ويُقرأ ﴿خَرَاجَاً﴾.
قال الفرَّاء: الخَرْج: المصدرُ، والخَرَاجُ: الاسم.
وروى معمرٌ عن قَتَادةَ ﴿خَرْجَاً﴾ قال: عطَّية.
وكذلك هو في اللغة، يُقالُ: لك عندي خَرْجٌ أي عطيّةٌ وجُعْلٌ، والخرَاجُ: هو المتعارف، وإن كان أصلُه مِنْ ذَا.
الكهف 18:95
وقولُه جل وعز ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌٌ﴾.
أي خيرٌ ممَّا بذلتم لي.
والرَّدْمُ في اللغةِ: أكثرُ من السَدِّ، لأنه شيءٌ متكاثفٌ، بعضُه على بعض.
ورَوَى عَطَاءٌ الخُراسانُّي عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَيْنَ السُدَّينِ﴾ الجبلينِ: أرمينية، وأذربيجانِ.
الكهف 18:96
ثم قال جل وعز ﴿آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ﴾.
الزُّبَرُ: القِطَعُ الكبَارُ من الحَديدَ.
* ثم قال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ﴾
روى على ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الجبلين.
وقولُه جلَّ وعز ﴿قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾.
قيل: جعل قِطَعَ الحديدِ، وجعل بينهما الحَطَبَ والفحم، وأوقد عليها والحديدُ إذا أوُقِدَ عليه صار كالنَّارِ، فذلك قوله ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾.
ثمّ أَذَابَ الصُّفْر، فأفرغه عليه، فذلك قوله تعالى ﴿قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾.
أي أعطوني قِطْراً أفرغْ عليه.
ومن قرأ ﴿ائْتُوني﴾ فالمعنى عنده: تعالَوْا أفرغْ عليه نُحاساً.
الكهف 18:97
قال جلَّ اسمُه: ﴿فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُُ﴾.
أي أن يعلوا عليه، لطوله وامَّلاَسِهِ.
يُقال: ظهرتُ على السطح أي علوتُ عليه.
قال كعب: فهمُ يعالجون فيه كلَّ يومٍ، فإذا أمْسَوْا قالوا غداً ننقضُه، ولا يُوفَّقُ لهم أن يقولوا "إن شاء اللهُ" فإذا أَذِنَ اللهُ في إخراجهم، قالوا "إن شاء اللهُ" فينقضونه، فيخرجون، فيشربُ أَوَّلهُم دجلة والفرات، حتى يمرَّ آخرهم فيقول: قد كان هنا هنا مرةً ماءٌ، ويتأذى بهم أهلُ الأرض، ويدعو عليهم عيسى صلَّى الله عليه وسلم فيهلكون.
الكهف 18:98
وقوله جلَّ وعزَّ: ﴿قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾.
[أي هذا التمكين رحمةٌ من ربي].
* ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾.
أي لاصقاً بالارض.
يقال: ناقةٌ دكَّاءُ: أي لا سَنَام لها.
الكهف 18:99
وقولُه جلَّ وعز ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.
ويجوز أن يكون يُعْنَى بـ ﴿يَوْمِئذٍ﴾ يومَ يَخْرجون من السَدِّ.
وأنْ يُعْنَى به يوم القيامة، لقوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾.
الكهف 18:101
وقوله جل وعز ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾.
أي لعدواتهم النبيَّ ﷺ، لا يستطيعون أن يسمعوا منه شيئاً.
أي يثقل ذلك عليهم، كما تقول: أنا لا أستطيع أن أكلَّمك.
الكهف 18:102
وقوله جل وعز ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيۤ أَوْلِيَآءَ﴾.
قال أبو إسحاق: المعنى: أفحسب الذين كفروا أن ينفعهم أن يتخذوا عبادي من دوني اولياء؟.
ورَوَى عَبَّادُ بنُ الربيع أن عليَّ بنَ أبي طالب رحمة الله عليه قرأ: ﴿أَفَحْسَبُ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُوْنِي أَوْلِيَاءَ﴾.
قال أبو عبيدة: أي أَرَضْوا بذلك؟ أكَفَاهم ذلك؟.
* ثم قال جل وعز: ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾.
النُّـزُلُ عند أهل اللغة: ما هُيِّءَ للضيفِ وما أشبهه، والنَّـزَلُ بفتحتين: الرَّيْعُ.
الكهف 18:104
ثم قال جل وعز ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾.
رَوَى أبو الطُّفَيلِ أن عليَّاً قال: هم أول حَرُوراءَ.
ورَوَى عبدُاللهِ بن قَيْس عن عليٍّ قال: هم الرُّهبانُ.
قال الأسود: رُؤي من عليِّ بن أبي طالب فَرحٌ ومزاح، فقام ابنُ الكَوَّا اليشكري فقال يا أمير المؤمنين: منِ الَّذين ضلَّ سعيهُم في الحياةِ الدنيا؟ أهم الحرورية؟ فقال: لا، هم أهلُ الكتاب، كان أوَّلهُم على الحقِّ، ثم كفروا وأشركوا.
ورَوَى شُعبةُ عن عَمْروِ بنِ مُرَّةَ، عن مُصْعب بن سَعْدٍ، قال: قلتُ لسعدٍ مَنِ الذينَ ضلَّ سعيهُم في الحياة الدنيا؟ أهمُ الخوارج؟ فقال: هم اليهودُ والنصارى، أمَّا اليهود فلم يؤمنوا بمحمدٍ، وأمَّا النصارى فلم يؤمنوا بالقيامة، لأنهم قالوا ليس في الجنة أكلٌ ولا شربٌ، فضلَّ سعيهُم، وبطل عملهم، وهم يحسبون أنهم على هدى ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾.
وأمَّا الخوارجُ فهم الذين قال اللهُ فيهم ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بهِ أَنْ يُوصَلَ﴾.
الكهف 18:105
ثم قال جلَّ وعز ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾.
رَوَى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال: "يؤتى يومَ القيامةِ بالعظيمِ الطويلِ، الأكولِ الشروب، فلا يَزِنُ جناحَ بعوضةَ، اقرءوا إن شِئْتُم ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً﴾"؟.
الكهف 18:107
وقوله جل وعز: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ ٱلْفِرْدَوْسِ نُزُلاً﴾.
سئل أبو أُمامةَ عن الفردوس فقال هي سُرَّة الجنَّةِ.
وقال كعبٌ: هي التي فيها الأعناب.
قال أبو إسحاق: الفردوسَ: البستانُ الذي يجمع كلَّ ما يكون في البساتين، وكذلك هو عند أهل اللغة، ولم نسمعه إلاَّ في بيت حسان:
وإنَّ ثَوَابَ اللَّهِ كُلًّ مُوَحِّدٍ * جِنَانٌ مِنَ الفِرْدَوسِ فِيهَا يُخَلَّدُ
قُرىء على جعفر بن محمد الفريابي، عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا عبدُالعزيز بنُ محمد، عن زيدِ بن أسلمَ قال: "إنَّ في الجنة مائة درجة، بين كلِّ درجتين ما بين السماء والأرضِ، والفردوسُ أعلى الجنة، وفوقها عرشُ الرحمن، ومنها تُفَجَّرُ أنهار الجنة، فإذا سألتم اللهَ فاسألوه الفردوس".
الكهف 18:108
وقولُه جلَّ وعز: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: متحوَّلاً.
وقال غيره: هو من الحيلة أي لا يحتالون في غيرها.
الكهف 18:109
وقوله جلَّ ذكره: ﴿قُل لَّوْ كَانَ ٱلْبَحْرُ مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾.
قال مجاهد: يعني العلم.
* ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾.
قيل: ﴿مَدَدَاً﴾ بمعنى: مِدَادَاً.
وقيل: هو من قولهم: نحنُ مَدَدٌ له.
وقرأ ابن عباس: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مِدَاداً﴾.
الكهف 18:110
وقوله جلَّ وعز: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾.
قيل: ﴿يرجو﴾ بمعنى يخاف كما قال الشاعر:
إِذَا لسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا * وَحَالفَهَا في بَيْتِ نُوْبٍ عَوَامِلِ
وقال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ: ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ أي ثواب ربه.
قال أبو جعفر: وعلى هذا يكون ﴿يرجو﴾ على بابه، وإذا رجا ثواب ربه خاف عقابه.
وقوله جلَّ وعز: ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾.
قال مجاهد: يعني الرياء.
وقال سعيد بن جبير: أي لا يرائي.
وقال كثير بن زياد: سألت الحسن عن قوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ فيمن نزلت؟ فقال: نزلت في المؤمن، قلت: أيكون مشركاً؟ فقال يشركُ في العملِ، إذا عمل عملاً أراد اللهَ له والنَّاسَ، وذلك الَّذي يُردُّ عليه.