معاني القرآن وإعرابه — النساء 4:1 – المائدة 5:119
المحتويات
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:69
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:121
- النساء 4:123
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:148
- النساء 4:153
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:166
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:174
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:38
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:48
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:57
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:73
- المائدة 5:75
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:82
- المائدة 5:84
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:101
- المائدة 5:103
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
النساء 4:1
(p-٥)سُورَةُ اَلنِّساءِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، اِبْتَدَأ اللَّهُ السُّورَةَ بِالمَوْعِظَةِ، أخْبَرَ بِما يُوجِبُ أنَّهُ واحِدٌ، وأنَّ حَقَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُتَّقى، فَقالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، يَعْنِي: مِن آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وإنَّما قِيلَ في اللُّغَةِ ”واحِدَةٍ“، لِأنَّ لَفْظَ النَّفْسِ مُؤَنَّثٌ، ومَعْناها مُذَكَّرٌ في هَذا المَوْضِعِ، ولَوْ قِيلَ: ”مِن نَفْسٍ واحِدٍ“، لَجازَ، ﴿وَخَلَقَ مِنها زَوْجَها﴾، حَوّاءَ، خُلِقَتْ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، وبَثَّ اللَّهُ جَمِيعَ خَلْقِ النّاسِ مِنها.
وَمَعْنى ”بَثَّ“، نَشَرَ، يُقالُ: ”بَثَّ اللَّهُ الخَلْقَ“، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ [القارعة: ٤]، فَهَذا يَدُلُّ عَلى ”بَثَّ“، وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: ”أبَثَّ اللَّهُ الخَلْقَ“، ويُقالُ: ”بَثَثْتُكَ سِرِّي“، و”أبْثَثْتُكَ سِرِّي“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسّاءَلُونَ بِهِ“، (p-٦)بِالتَّشْدِيدِ، فالأصْلُ: ”تَتَساءَلُونَ“، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ لِقُرْبِ مَكانِ هَذِهِ مِن هَذِهِ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فالأصْلُ: ”تَتَساءَلُونَ“، إلّا أنَّ التّاءَ الثّانِيَةَ حُذِفَتْ لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ، وذَلِكَ يُسْتَثْقَلُ في اللَّفْظِ، فَوَقَعَ الحَذْفُ اسْتِخْفافًا، لِأنَّ الكَلامَ غَيْرُ مُلْبِسٍ.
وَمَعْنى ”﴿تَساءَلُونَ بِهِ﴾“، تَطْلُبُونَ حُقُوقَكم بِهِ، ﴿والأرْحامَ﴾، اَلْقِراءَةُ الجَيِّدَةُ نَصْبُ ”اَلْأرْحامَ“، اَلْمَعْنى: واتَّقُوا الأرْحامَ أنْ تَقْطَعُوها، فَأمّا الجَرُّ في ”اَلْأرْحامِ“، فَخَطَأٌ في العَرَبِيَّةِ، لا يَجُوزُ إلّا في اضْطِرارِ شِعْرٍ، وخَطَأٌ أيْضًا في أمْرِ الدِّينِ عَظِيمٌ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”لا تَحْلِفُوا بِآبائِكم“»، فَكَيْفَ يَكُونُ ”تَساءَلُونَ بِهِ وبِالرَّحِمِ“، عَلى ذا؟ رَأيْتُ أبا إسْحاقَ، إسْماعِيلَ بْنَ إسْحاقَ، يَذْهَبُ إلى أنَّ الحَلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ أمْرٌ عَظِيمٌ، وأنَّ ذَلِكَ خاصٌّ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، عَلى ما أتَتْ بِهِ الرِّوايَةُ، فَأمّا العَرَبِيَّةُ فَإجْماعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ يَقْبُحُ أنْ يُنْسَقَ بِاسْمٍ ظاهِرٍ عَلى اسْمٍ مُضْمَرٍ في حالِ الجَرِّ، إلّا بِإظْهارِ الجارِّ، يَسْتَقْبِحُ النَّحْوِيُّونَ: ”مَرَرْتُ بِهِ وزَيْدٍ“، و”بِكَ وزَيْدٍ“، إلّا مَعَ إظْهارِ الخافِضِ، حَتّى يَقُولُوا: ”بِكَ وبِزَيْدٍ“، فَقالَ بَعْضُهم: لِأنَّ المَخْفُوضَ حَرْفٌ مُتَّصِلٌ غَيْرُ مُنْفَصِلٍ، فَكَأنَّهُ كالتَّنْوِينِ في الِاسْمِ، فَقَبُحَ أنْ يُعْطَفُ بِاسْمٍ يَقُومُ بِنَفْسِهِ عَلى اسْمٍ لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ، وقَدْ فَسَّرَ المازِيُّ هَذا تَفْسِيرًا مُقْنِعًا، فَقالَ: اَلثّانِي في العَطْفِ شَرِيكٌ لِلْأوَّلِ، فَإنْ كانَ الأوَّلُ يَصْلُحُ شَرِيكًا (p-٧)لِلثّانِي، وإلّا لَمْ يَصْلُحْ أنْ يَكُونَ الثّانِي شَرِيكًا لَهُ، قالَ: فَكَما لا تَقُولُ ”مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وكَ“، فَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ ”مَرَرْتُ بِكَ وزَيْدٍ“، وقَدْ جازَ ذَلِكَ في الشِّعْرِ، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتُمُنا ∗∗∗ فاذْهَبْ فَما بِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ
النساء 4:2
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾، أيْ: أعْطُوهم أمْوالَهم إذا آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا، وإنَّما يُسَمَّوْنَ ”يَتامى“، بَعْدَ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُمُ الرُّشْدُ، وقَدْ زالَ عَنْهُمُ اسْمُ ”يَتامى“، بِالِاسْمِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ لَهُمْ، وقَدْ كانَ يُقالُ في النَّبِيِّ ﷺ: ”يَتِيمُ أبِي طالِبٍ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾، اَلطَّيِّبُ: مالُكُمْ، والخَبِيثُ: مالُ اليَتِيمِ، وغَيْرُهُ مِمّا لَيْسَ لَكُمْ، فَلا تَأْكُلُوا مالَ اليَتِيمِ بَدَلًا مِن مالِكُمْ، وكَذَلِكَ لا تَأْكُلُوا أيْضًا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ، أيْ: لا تُضِيفُوا أمْوالَهم في الأكْلِ إلى أمْوالِكُمْ، أيْ: إنِ احْتَجْتُمْ إلَيْها فَلَيْسَ لَكم أنْ تَأْكُلُوها مَعَ أمْوالِكُمْ، ﴿إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾، (p-٨)و”اَلْحُوبُ“: اَلْإثْمُ العَظِيمُ، و”اَلْحُوبُ“: فِعْلُ الرَّجُلِ، تَقُولُ: ”حابَ حُوبًا“، كَقَوْلِكَ: ”قَدْ خانَ خُونًا“ .
النساء 4:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾، قالَ مُجاهِدٌ: إنْ تَحَرَّجْتُمْ أنْ تَتْرُكُوا وِلايَةَ اليَتامى إيمانًا وتَصْدِيقًا، فَكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا مِنَ الزِّنا، وقالَ غَيْرُهُ: وإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا في أمْرِ النِّساءِ فانْكِحُوا ما ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَوْلًا ثالِثًا، قالَ أهْلُ البَصْرَةِ، مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ - يَقُولُ ذَلِكَ المُفَسِّرُ - قالَ: إنَّهم كانُوا يَتَزَوَّجُونَ العَشْرَ مِنَ اليَتامى، ونَحْوَ ذَلِكَ، رَغْبَةً في مالِهِنَّ، فَقالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى﴾، أيْ: في نِكاحِ اليَتامى، ودَلَّ عَلَيْهِ ﴿فانْكِحُوا﴾، كَذَلِكَ قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، وهو مَذْهَبُ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾، لَمْ يَقُلْ: ”مَن طابَ“، والوَجْهُ في الآدَمِيِّينَ أنْ يُقالَ: ”مَن“، وفي الصِّفاتِ، وأسْماءِ الأجْناسِ، أنْ يُقالَ: ”ما“، تَقُولُ: ”ما عِنْدَكَ؟“، فَيَقُولُ: ”فَرَسٌ، وطِيبٌ“، فالمَعْنى: فانْكِحُوا الطَّيِّبَ الحَلالَ عَلى هَذِهِ العِدَّةِ الَّتِي وُصِفَتْ، لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ النِّساءِ طَيِّبًا، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (p-٩)فَلَيْسَ مِمَّنْ ذُكِرَ ما يَطِيبُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾، بَدَلٌ مِن ”﴿ما طابَ لَكُمْ﴾“، ومَعْناهُ: اِثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثًا ثَلاثًا، وأرْبَعًا أرْبَعًا، إلّا أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ لِجِهَتَيْنِ لا أعْلَمَ أنَّ أحَدًا مِنَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرَهُما، وهي أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ عِلَّتانِ أنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وثَلاثٍ ثَلاثٍ، وأنَّهُ عُدِلَ عَنْ تَأْنِيثٍ، قالَ أصْحابُنا: إنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ عِلَّتانِ، أنَّهُ عُدِلَ عَنْ تَأْنِيثٍ، وأنَّهُ نَكِرَةٌ، والنَّكِرَةُ أصْلٌ لِلْأسْماءِ، بِهَذا كانَ يَنْبَغِي أنْ نُخَفِّفَهُ، لِأنَّ النَّكِرَةَ تُخَفَّفُ، ولا تُعَدُّ فَرْعًا، وقالَ غَيْرُهم: هو مَعْرِفَةٌ، وهَذا مُحالٌ، لِأنَّهُ صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [فاطر: ١]، فَهَذا مُحالٌ أنْ يَكُونَ ”أُولِي أجْنِحَةٍ الثَّلاثَةَ والأرْبَعَةَ“، وإنَّما مَعْناهُ: ”أُولِي أجْنِحَةٍ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وأرْبَعَةً أرْبَعَةً“، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٠)
؎وَلَكِنَّما أهْلِي بِوادٍ أنِيسُهُ ∗∗∗ ذِئابٌ تَبَغّى النّاسَ مَثْنى ومَوْحَدُ
فَإنْ قالَ قائِلٌ مِنَ الرّافِضَةِ: إنَّهُ قَدْ أُحِلَّ لَنا تِسْعٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾“، يُرادُ بِهِ تِسَعٌ، قِيلَ: هَذا يَبْطُلُ مِن جِهاتٍ، أحَدُها في اللُّغَةِ أنَّ ”مَثْنى“، لا يَصْلُحُ إلّا لِـ ”اِثْنَيْنِ اثْنَيْنِ“، عَلى التَّفْرِيقِ، ومِنها أنَّهُ يَصِيرُ أعْيى كَلامٍ، لَوْ قالَ قائِلٌ في مَوْضِعِ تِسْعَةٍ: ”أُعْطِيكَ اثْنَيْنِ وثَلاثَةً وأرْبَعَةً“، يُرِيدُ تِسْعَةً، قِيلَ: ”تِسْعَةٌ“، تُغْنِيكَ عَنْ هَذا، لِأنَّ ”تِسْعَةٌ“، وُضِعَتْ لِهَذا العَدَدِ كُلِّهِ، أعْنِي مِن واحِدٍ إلى تِسْعَةٍ، وبَعْدُ، فَيَكُونُ - عَلى قَوْلِهِمْ - مَن تَزَوَّجَ أقَلَّ مِن تِسْعٍ أوْ واحِدَةً فَعاصٍ، لِأنَّهُ إذا كانَ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ تِسْعًا أوْ واحِدَةً، فَلَيْسَ لَنا سَبِيلٌ إلى ”اِثْنَيْنِ“، لِأنَّهُ إذا أمَرَكَ مَن تَجِبُ عَلَيْكَ طاعَتُهُ فَقالَ: اُدْخُلْ هَذا المَسْجِدَ في اليَوْمِ تِسْعًا، أوْ واحِدَةً، فَدَخَلْتَ غَيْرَ هاتَيْنِ اللَّتَيْنِ حَدَّدَهُما لَكَ مِنَ المَرّاتِ فَقَدْ عَصَيْتَهُ، هَذا قَوْلٌ لا يُعَرَّجُ عَلى مِثْلِهِ، ولَكِنّا ذَكَرْناهُ لِيَعْلَمَ المُسْلِمُونَ أنَّ أهْلَ هَذِهِ المَقالَةِ مُبايِنُونَ لِأهْلِ الإسْلامِ في اعْتِقادِهِمْ، ويَعْتَقِدُونَ في ذَلِكَ ما لا يُشْتَبَهُ عَلى أحَدٍ مِنَ الخَطَإ.
(p-١١)فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى ألا تَعُولُوا﴾، فَمَعْناهُ: ذَلِكَ أقْرَبُ ألّا تَجُورُوا، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ألّا تَمِيلُوا، ومَعْنى ”تَمِيلُوا“: تَجُورُوا، فَأمّا مَن قالَ: ”ألّا تَعُولُوا“: ألّا تَكْثُرَ عِيالُكُمْ، فَزَعَمَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ هَذا خَطَأٌ، لِأنَّ الواحِدَةَ تُعَوِّلُ، وإباحَةَ كُلِّ ما مَلَكَتِ اليَمِينُ أزْيَدُ في العِيالِ مِن أرْبَعٍ، ولَمْ يَكُنْ في العَدَدِ في النِّكاحِ حَدٌّ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم كانُوا يَرْغَبُونَ في التَّزْوِيجِ مِنَ اليَتامى لِمالِهِنَّ، أنَّهم كانُوا لا يُبالُونَ ألّا يَعْدِلُوا في أمْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]، فالمَعْنى: وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في نِكاحِ يَتامى، فانْكِحُوا الطَّيِّبَ الَّذِي قَدْ أُحِلَّ لَكم مِن غَيْرِهِنَّ، والمَعْنى: إنْ أمِنتُمُ الجَوْرَ في اليَتامى فانْكِحُوا مِنهُنَ كَهَذِهِ العِدَّةِ، لِأنَّ النِّساءَ تَشْتَمِلُ عَلى اليَتامى، وغَيْرِهِنَّ.
النساء 4:4
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، يُقالُ: هو صَداقُ المَرْأةِ، وصَدُقَةُ المَرْأةِ، وصُدْقَةُ المَرْأةِ.
و”صَداقُ المَرْأةِ“، مَفْتُوحٌ أوَّلُها، والَّذِي في القُرْآنِ جَمْعُ ”صَدُقَةٌ“، ومَن قالَ: ”صُدْقَةٌ“، قالَ: ”صُدُقاتِهِنَّ“، كَما يَقُولُ: ”غُرْفَةٌ“، و”غُرُفاتٌ“، ويَجُوزُ ”صُدْقاتِهِنَّ“، و”صُدَقاتِهِنَّ“، بِضَمِّ الصّادِ، وفَتْحِ (p-١٢)الدّالِ، ويَجُوزُ ”صُدُقاتِهِنَّ“، ولا تَقْرَأنَّ مِن هَذا إلّا ما قَدْ قُرِئَ بِهِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ فِيها بِكُلِّ ما يُجِيزُهُ النَّحْوِيُّونَ، وإنْ تَتَّبِعْ فالَّذِي رُوِيَ مِنَ المَشْهُورِ في القِراءَةِ أجْوَدُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، فَيَجْتَمِعَ في القِراءَةِ - بِما قَدْ رُوِيَ - الِاتِّباعُ وإثْباتُ ما هو أقْوى في الحُجَّةِ، إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿نِحْلَةً﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهم: ”فَرِيضَةً“، وقالَ بَعْضُهم: ”دِيانَةً“، تَقُولُ: ”فُلانٌ يَنْتَحِلُ كَذا وكَذا“، أيْ: يَدِينُ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم: هي نَحْلَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُنَّ أنْ جَعَلَ عَلى الرِّجالِ الصَّداقَ، ولَمْ يَجْعَلْ عَلى المَرْأةِ شَيْئًا مِنَ الغُرْمِ، فَتِلْكَ نِحْلَةٌ مِن اللَّهِ لِلنِّساءِ، يُقالُ: ”نَحَلْتُ الرَّجُلَ والمَرْأةَ - إذا وهَبْتُ لَهُ - نِحْلَةً، ونُحْلًا“، ويُقالُ: ”قَدْ نَحِلَ جِسْمُ فُلانٍ، ونَحَلَ“، إذا دَقَّ، و”اَلنَّحْلُ“: جائِزٌ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ ”نَحْلًا“، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - " نَحَلَ النّاسَ العَسَلَ الَّذِي يَخْرُجُ مِن بُطُونِها.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾، أيْ: عَنْ شَيْءٍ مِنَ الصَّداقِ، و”لَكم“، خِطابٌ لِلْأزْواجِ، وقالَ بَعْضُهم: لِلْأوْلِياءِ هَهُنا، و”نَفْسًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّهُ إذا قالَ: ”طِبْنَ لَكم“، لَمْ يُعْلَمْ في أيِّ صِنْفٍ وقَعَ الطِّيبُ، المَعْنى: فَإنْ طابَتْ أنْفُسُهُنَّ بِذَلِكَ، وقَدْ شَرَحْناهُ قَبْلَ هَذا المَكانِ شَرْحًا وافِيًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾، يُقالُ: ”هَنَأنِي الطَّعامُ ومَرَأنِي“، وقالَ بَعْضُهم: يُقالُ مَعَ ”هَنَأنِي“: ”مَرَأنِي“، فَإذا لَمْ تَذْكُرْ ”هَنَأنِي“، قُلْتَ: ”أمْرَأنِي“، بِالألِفِ، وهَذا حَقِيقَتُهُ أنَّ ”مَرَأنِي“، تَبَيَّنْتُ أنَّهُ (p-١٣)سَيَنْهَضِمُ، وأحْمَدُ مَغَبَّتَهُ، فَإذا قُلْتَ: ”أمْرَأنِي الطَّعامُ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ قَدِ انْهَضَمَ، وحُمِدَتْ مَغَبَّتُهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما قِيلَ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَقْبَلَ الرَّجُلُ المَهْرَ كُلَّهُ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”مِنهُ“ ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ ”مِنهُ“، هَهُنا لِلْجِنْسِ، لِما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، فَلَمْ نُؤْمَرْ أنْ نَجْتَنِبَ بَعْضَ الأوْثانِ، ولَكِنَّ المَعْنى: اِجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ، أيْ: فَكُلُوا الشَّيْءَ الَّذِي هو مَهْرٌ.
النساء 4:5
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ﴾، قالَ بَعْضُهم: اَلسُّفَهاءُ: اَلنِّساءُ والصِّبْيانُ، وقالَ بَعْضُهم: اَلسُّفَهاءُ: اَلْيَتامى، و”اَلسُّفَهاءُ“: يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَعْنِي بِهِ النِّساءَ وحْدَهُنَّ، لِأنَّ النِّساءَ أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيهِنَّ جَمْعُ ”سَفِيهَةٌ“، وهو ”سَفائِهِ“، ويَجُوزُ ”سُفَهاءُ“، كَما يُقالُ: ”فَقِيرَةٌ“، و”فُقَراءُ“، وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: لا تَهَبُوا لِلسُّفَهاءِ أمْوالَكُمْ، وهَذا عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - غَيْرُ جائِزٍ - كَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا البَصْرِيُّونَ -، بَلِ السَّفِيهُ أحَقُّ بِالهِبَةِ، لِتَعَذُّرِ الكَسْبِ عَلَيْهِ، ولَوْ مُنِعْنا مِنَ الهِبَةِ لَهُمْ، لَما جازَ أنْ نُوَرِّثَهُمْ، وإنَّما مَعْنى ”وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكم“: لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٦]، وإنَّما قِيلَ: ”أمْوالَكم“، لِأنَّ مَعْناهُ: ”اَلشَّيْءَ الَّذِي بِهِ قِوامُ أمْرِكم“، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥]، ولَمْ يَكُنِ الرَّجُلُ مِنهم يَقْتُلُ نَفْسَهُ، (p-١٤)وَلَكِنْ كانَ بَعْضُهم يَقْتُلُ بَعْضًا، أيْ: تَقْتُلُونَ الجِنْسَ الَّذِي هو جِنْسُكُمْ، وقُرِئَتْ: ”اَللّاتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا“، و”قِيَمًا“، يُقالُ: ”هَذا قِوامُ الأمْرِ ومِلاكُهُ“، اَلْمَعْنى: اَلَّتِي جَعَلَها اللَّهُ تُقِيمُكُمْ، فَتَقُومُونَ بِها قِيامًا، فَهو راجِعٌ إلى هَذا، والمَعْنى: جَعَلَها اللَّهُ قَيِّمَةَ الأشْياءِ، فَبِها يَقُومُ أمْرُكم.
﴿وَقُولُوا لَهم قَوْلا مَعْرُوفًا﴾، أيْ: عَلِّمُوهم - مَعَ إطْعامِكم إيّاهُمْ، وكِسْوَتِكم إيّاهم - أمْرَ دِينِهِمْ.
النساء 4:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وابْتَلُوا اليَتامى﴾، مَعْناهُ: اِخْتَبِرُوا اليَتامى، ﴿حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾، مَعْنى: ”آنَسْتُمْ“: عَلِمْتُمْ، ومَعْنى ”اَلرَّشْدُ“: اَلطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ الَّتِي تَثِقُونَ مَعَها بِأنَّهم يَحْفَظُونَ أمْوالَهُمْ، فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهُمْ، ﴿وَلا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾، أيْ: مُبادَرَةَ كِبَرِهِمْ، قالَ بَعْضُهم: ”لا تَأْكُلُوها إسْرافًا“: لا تَأْكُلُوا مِنها، وكُلُوا القُوتَ عَلى قَدْرِ نَفْعِكم إيّاهم في تَوَلِّيكم عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى ﴿وَمَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: يَأْكُلْ قَرْضًا، ولا يَأْخُذْ مِن مالِ اليَتِيمِ شَيْئًا، لِأنَّ المَعْرُوفَ أنْ يَأْكُلَ (p-١٥)الإنْسانُ مالَهُ، ولا يَأْكُلَ مالَ غَيْرِهِ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إلَيْهِمْ أمْوالَهم فَأشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾
النساء 4:7
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾، كانَتِ العَرَبُ لا تُوَرِّثُ إلّا مَن طاعَنَ بِالرِّماحِ، وذادَ عَنِ المالِ، وحازَ الغَنِيمَةَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ حَقَّ المِيراثِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الفَرْضِ، «وَجاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ ومَعَها بَناتٌ لَها، تُوُفِّيَ أبُوهُنَّ، وهو زَوْجُها، وقَدْ هَمَّ عَمّا البَناتِ بِأخْذِ المالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١]، اَلْآيَةَ، فَقالَ العَمّانِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيَرِثُ مَن لا يُطاعِنُ بِالرِّماحِ، ولا يَذُودُ عَنِ المالِ، ولا يَحُوزُ الغَنِيمَةَ؟ فَقالَ ﷺ: ”أعْطِيا البَناتِ الثُّلُثَيْنِ، وأعْطِيا الزَّوْجَةَ - وهي أُمُّهُنَّ - الثُّمُنَ، وما بَقِيَ فَلَكُما“، فَقالا: فَمَن يَتَوَلّى القِيامَ بِأمْرِهِما؟ فَأمَرَهُما النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَتَوَلَّيا ذَلِكَ».
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، هَذا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: لِهَؤُلاءِ أنْصِبَةٌ عَلى ما ذَكَرْناها في حالِ الفَرْضِ، وهَذا كَلامٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾، مَعْناهُ: إنَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ لَهُنَّ.
النساء 4:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ﴾، أيْ: فَأعْطُوهم مِنهُ.
(p-١٦)قالَ الحَسَنُ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، والنَّخَعِيُّ: أدْرَكْنا النّاسَ وهم يَقْسِمُونَ عَلى القَراباتِ، والمَساكِينِ، واليَتامى، مِنَ العَيْنِ، يَعْنِيانِ الوَرِقَ، والذَّهَبَ، فَإذا قُسِمَ الوَرِقُ، والذَّهَبُ، وصارَتِ القِسْمَةُ إلى الأرَضِينَ، والرَّقِيقِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، قالُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا، كانُوا يَقُولُونَ لَهم: بُورِكَ فِيكُمْ، وقالَ قَوْمٌ: نَسَخَ الأمْرَ لِلْمَساكِينِ ومَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ الفَرْضُ في القِسْمَةِ، وإباحَةُ الثُّلُثِ لِلْمَيِّتِ، يَجْعَلُهُ حَيْثُ شاءَ، قالَ أبُو إسْحاقَ، وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ الأمْرَ بِالقِسْمَةِ مِنَ المِيراثِ لِلْقَرابَةِ، والمَساكِينَ، واليَتامى، قَدْ أُمِرَ بِها، ولَمْ يُجْمِعُوا عَلى نَسْخِها، والأمْرُ في ذَلِكَ عَلى ما أُجْمِعَ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:9
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ﴾، اَلْكَلامُ في ”ذُرِّيَّةً“، بِضَمِّ الذّالِ، ويَجُوزُ ”ذِرِّيَّةً“، بِكَسْرِ الذّالِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما، إلّا أنَّ الضَّمَّ أجْوَدُ، وهي مَنسُوبَةٌ إلى ”اَلذَّرُّ“، وهي ”فُعْلِيَّةٌ“، مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أصْلُها ”ذُرُّورَةٌ“، ولَكِنَّ الرّاءَ أبْدِلَتْ ياءَ، وأُدْغِمَتِ الواوُ فِيها، فَأمّا الكَسْرُ في الذّالِ فَلِكَسْرِ الرّاءِ، كَما قالُوا في ”عُتِيٌّ“: ”عِتِيٌّ“، و”ضِعافٌ“، جَمْعِ ”ضَعِيفٌ“، و”ضَعِيفَةٌ“، كَما تَقُولُ: ”ظَرِيفٌ“، و”ظِرافٌ“، و”خَبِيثٌ“، (p-١٧)و”خِباثٌ“، وإنْ قِيلَ: ”ضُعَفاءُ“، جازَ، تَقُولُ: ”ضَعِيفُ“، و”ضُعَفاءُ“ .
قِيلَ: ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم كانُوا يُوصُونَ بِأمْوالِهِمْ عَلى قَدْرِ أهْوائِهِمْ، ويَتْرُكُونَ ضَعَفَةَ ذَرارِيهِمْ وأوْلادِهِمْ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُوصُوا لَهُمْ، وأنْ يُجْرُوا ذَلِكَ مِن سَدادٍ، وقِيلَ: قِيلَ لَهم هَذا بِسَبَبِ اليَتامى، فَوُعِظُوا في تَوْلِيَتِهِمُ اليَتامى بِأنْ يَفْعَلُوا كَما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وكِلا القَوْلَيْنِ جائِزٌ حَسَنٌ، إلّا أنَّ ”تَسْمِيَةَ الفَرائِضِ“ قَدْ نَسَخَ ذَلِكَ، بِما جَعَلَ مِنَ الأقْسامِ لِلْأوْلادِ، وذَوِي العَصَبَةِ.
النساء 4:10
ثُمَّ خَوَّفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وغَلَّظَ في أمْرِ اليَتامى، وأوْعَدَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾، يُقْرَأُ: ”وَسَيُصْلَوْنَ“ .
فِي هَذا - أعْنِي في قَوْلِهِ: ”يَأْكُلُونُ أمْوالَ اليَتامى“ - دَلِيلٌ أنَّ مالَ اليَتِيمِ إنْ أُخِذَ مِنهُ عَلى قَدْرِ القِيامِ لَهُ، ولَمْ يُتَجاوَزْ ذَلِكَ، جازَ، بَلْ يُسْتَظْهَرُ فِيهِ إنْ أمْكَنَ ألّا يُقْرَبَ البَتَّةَ، لِشِدَّةِ الوَعِيدِ فِيهِ، بِألّا يُؤْكَلَ مِنهُ إلّا قَرْضًا، وإنْ أخَذَ القَصْدَ، وقَدْرَ الحاجَةِ، عَلى قَدْرِ نَفْعِهِ، فَلا بَأْسَ إنْ شاءَ اللَّهُ.
النساء 4:11
(p-١٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾، مَعْنى ”يُوصِيكم“: يَفْرِضُ عَلَيْكُمْ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَرْضٌ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وهَذا مِنَ المُحْكَمِ عَلَيْنا.
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، اَلْمَعْنى: يَسْتَقِرُّ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ، لَهُ الثُّلُثانِ، ولِلِابْنَةِ الثُّلُثُ، ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَها النِّصْفُ﴾، يَجُوزُ ”واحِدَةً“، و”واحِدَةٌ“، هَهُنا، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، إلّا أنَّ النَّصْبَ عِنْدِي أجْوَدُ بِكَثِيرٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، قَدْ بَيَّنَ أنَّ المَعْنى: فَإنْ كانَ الأوْلادُ نِساءً، وكَذَلِكَ وإنْ كانَتِ المَوْلُودَةُ واحِدَةً، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا النَّصْبَ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القِراءَةِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما ذُكِرَ لَنا ما فَوْقَ الثِّنْتَيْنِ، وذُكِرَتْ واحِدَةٌ، فَلِمَ أُعْطِيَتِ البِنْتانِ الثُّلُثَيْنِ، فَسُوِّيَ بَيْنَ الثِّنْتَيْنِ والجَماعَةِ؟ فَقَدْ قالَ النّاسُ في هَذا غَيْرَ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهم: أُعْطِيَتِ البِنْتانِ الثُّلُثَيْنِ بِدَلِيلٍ، لا تُفْرَضُ لَهُما مُسَمًّى، والدَّلِيلُ هو قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، (p-١٩)فَقَدْ صارَ لِلْأُخْتِ النِّصْفُ، كَما أنَّ لِلِابْنَةِ النِّصْفَ، فَإنْ كانَتا اثْنَتَيْنِ فَلَهُما الثُّلُثانِ، فَأُعْطِيَتِ البِنْتانِ الثُّلُثَيْنِ، كَما أُعْطِيَتِ الأُخْتانِ، وأُعْطِيَ جُمْلَةُ الأخَواتِ الثُّلُثَيْنِ قِياسًا عَلى ما ذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في جُمْلَةِ البَناتِ، وأعْلَمَ اللَّهُ في مَكانٍ آخَرَ أنَّ حَظَّ الِابْنَتَيْنِ وما فَوْقَهُما حَظٌّ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢]، فَدَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ حَظَّ الجَماعَةِ إذا كانَ المِيراثُ مُسَمًّى حَظُّ واحِدَةٍ، وهَذا أيْضًا في العَرَبِيَّةِ كَذا قِياسُهُ، لِأنَّ مَنزِلَةَ الِاثْنَتَيْنِ مِنَ الثَّلاثِ كَمَنزِلَةِ الثَّلاثِ مِنَ الأرْبَعِ، فالِاثْنانِ جَمْعٌ، كَما أنَّ الثَّلاثَ جَمْعٌ، وصَلاةُ الِاثْنَيْنِ، وصَلاةُ الِاثْنَتَيْنِ جَماعَةٌ، والِاثْنانِ يَحْجُبانِ كَما تَحْجُبُ الجَماعَةُ، فَهَذا بَيِّنٌ واضِحٌ، وهَذا جَعَلَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ يَدُلُّ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، تَفْقِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ وتَعْلِيمًا، لِيَعْلَمُوا فِيما يَحْزُبُهم مِنَ الأُمُورِ عَلى هَذِهِ الأدِلَّةِ، وقالَأبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ - وكَذا قالَ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ: إنَّهُ قالَ -: في الآيَةِ نَفْسِها دَلِيلٌ أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، لِأنَّهُ إذا قالَ: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، وكانَ أوَّلُ العَدَدِ ذَكَرًا وأُنْثى، فَلِلذَّكَرِ الثُّلُثانِ، ولِلْأُنْثى الثُّلُثُ، فَقَدْ بانَ مِن هَذا أنَّ لِلْبِنْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، واللَّهُ قَدْ أعْلَمَ أنَّ ما فَوْقَ الثِّنْتَيْنِ لَهُما الثُّلُثانِ.
(p-٢٠)وَجَمِيعُ هَذِهِ الأقْوالِ الَّتِي ذَكَرْنا حَسَنٌ جَمِيلٌ بَيِّنٌ، فَأمّا ما ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ البِنْتَيْنِ بِمَنزِلَةِ البِنْتِ، فَهَذا لا أحْسَبُهُ صَحِيحًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو يَسْتَحِيلُ في القِياسِ، لِأنَّ مَنزِلَةَ الِاثْنَيْنِ مَنزِلَةُ الجَمْعِ، فالواحِدُ خارِجٌ عَنْ الِاثْنَيْنِ، ويُقالُ: ”ثُلُثٌ“، و”رُبُعٌ“، و”سُدُسٌ“، ويَجُوزُ تَخْفِيفُ هَذِهِ الأشْياءِ لِثِقَلِ الضَّمِّ، فَيُقالُ: ”ثِلْثٌ“، و”رُبْعٌ“، و”سُدْسٌ“، ومَن زَعَمَ أنَّ الأصْلَ فِيهِ التَّخْفِيفُ، وأنَّهُ ثُقِّلَ، فَخَطَأٌ، لِأنَّ الكَلامَ مَوْضُوعٌ عَلى الإيجازِ والتَّخْفِيفِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إنْ كانَ لَهُ ولَدٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، فالأُمُّ لَها في المِيراثِ تَسْمِيَةٌ مِن جِهَتَيْنِ، تَسْمِيَةُ السُّدُسِ مَعَ الوَلَدِ، وتَسْمِيَةُ السُّدُسِ مَعَ الإخْوَةِ، وتَسْمِيَةُ الثُّلُثِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ، والأبُ يَرِثُ مِن جِهَةِ التَّسْمِيَةِ السُّدُسَ، ويَرِثُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ عَلى جِهَةِ التَّعْصِيبِ، والأُمُّ يَحْجُبُها الإخْوَةُ عَنِ الثُّلُثِ، فَتَرِثُ مَعَهُمُ السُّدُسَ، قالَ أبُو إسْحاقَ: ونَذْكُرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ مِن هَذا مَسْألَةً، إذْ كانَ أصْلُ الفَرائِضِ في الأمْوالِ، والمَوارِيثِ، في هَذِهِ السُّورَةِ، فَإنْ ماتَ رَجُلٌ، أوِ امْرَأةٌ، فَخَلَّفا أبَوَيْنِ، فَلِلْأُمِّ الثُّلُثُ، والثُّلُثانِ الباقِيانِ لِلْأبِ، بِهَذا جاءَ التَّنْزِيلُ، وعَلَيْهِ اجْتَمَعَتِ الأُمَّةُ، فَإنْ خَلَّفَ المَيِّتُ ولَدًا، وكانَ (p-٢١)ذَكَرًا، فَلِلْأُمِّ السُّدُسُ، ولِلْأبِ السُّدُسُ، وما بَقِيَ فَلِلِابْنِ، فَإنْ خَلَّفَ بِنْتًا، وأبَوَيْنِ، فَلِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولِلْأُمِّ السُّدُسُ، وما بَقِيَ لِلْأبِ، يَأْخُذُ الأبُ سُدُسًا بِحَقِّ التَّسْمِيَةِ، ويَأْخُذُ السُّدُسَ الآخَرَ بِحَقِّ التَّعْصِيبِ، فَإنْ خَلَّفَ المَيِّتُ - وكانَتِ امْرَأةً - زَوْجًا، وأبَوَيْنِ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، ولِلْأُمِّ ثُلُثُ ما بَقِيَ، ولِلْأبِ ثُلُثا ما بَقِيَ، وهو ثُلُثُ أصْلِ المالِ، وقَدْ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُعْطِي الأُمَّ الثُّلُثَ مِن جَمِيعِ المالِ، ويُعْطِي الأبَ السُّدُسَ، فَيُفَضِّلُ الأُمَّ عَلى الأبِ في هَذا المَوْضِعِ، والإجْماعُ عَلى خِلافِ ما رُوِيَ عَنْهُ، وقالَ الَّذِينَ احْتَجُّوا مَعَ الإجْماعِ: لَوْ أعْلَمَنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المالَ بَيْنَ الأبِ والأُمِّ، ولَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ واحِدٍ، لَوَجَبَ أنْ نَقْسِمَهُ بَيْنَهُما نِصْفَيْنِ، فَلَمّا أعْلَمَنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ، عَلِمْنا أنَّ لِلْأبِ الثُّلُثَيْنِ، فَلَمّا دَخَلَ عَلى الأبِ والأُمِّ داخِلٌ أخَذَ نِصْفَ المالِ، دَخَلَ النَّقْصُ عَلَيْهِما جَمِيعًا، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المِيراثُ لِلْأبَوَيْنِ إنَّما هو النِّصْفُ، فَصارَ لِلْأُمِّ ثُلُثُ النِّصْفِ، ولِلْأبِ ثُلُثا النِّصْفِ، وقِيلَ في الِاحْتِجاجِ في هَذا قَوْلٌ آخَرُ، قالَ بَعْضُهم: إنَّما قِيلَ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾، ولَمْ يَرِثْهُ هَهُنا أبَواهُ فَقَطْ، بَلْ ورِثَهُ أبَواهُ ووَرِثَهُ مَعَ الأبَوَيْنِ غَيْرُ الأبَوَيْنِ، فَرَجَعَ مِيراثُ الأُمِّ إلى ثُلُثِ ما بَقِيَ.
(p-٢٢)وَقالَ أصْحابُ هَذا الِاحْتِجاجِ: كَيْفَ تُفَضَّلُ الأُمُّ عَلى الأبِ، والإخْوَةُ يَمْنَعُونَ الأُمَّ الثُّلُثَ؟ فَيُقْتَصَرُ بِها عَلى السُّدُسِ، ويُوَفَّرُ الباقِي عَلى الأبِ، فَيَأْخُذُ الأبُ خَمْسَةَ أسْداسٍ، وتَأْخُذُ الأُمُّ سُدُسًا، فَإنْ تُوُفِّيَ رَجُلٌ أوِ امْرَأةٌ، وخَلَّفَ إخْوَةً ثَلاثَةً فَما فَوْقَ، وأُمًّا، وأبًا، أخَذَتِ الأُمُّ السُّدُسَ، وأخَذَ الأبُ الباقِي، هَذا إجْماعٌ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذا شَيْءٌ شاذٌّ، رَوَوْا أنَّهُ كانَ يُعْطِي الإخْوَةَ هَذا السُّدُسَ الَّذِي مَنَعَ الإخْوَةُ الأُمَّ أنَّ تَأْخُذَهُ، فَكانَ يُعْطِي الأُمَّ السُّدُسَ، والإخْوَةَ السُّدُسَ، ويُعْطِي الأبَ الثُّلُثَيْنِ، وهَذا لا يَقُولُهُ أحَدٌ مِنَ الفُقَهاءِ، وقَدْ أجْمَعَتْ فُقَهاءُ الأمْصارِ أنَّ الإخْوَةَ لا يَأْخُذُونَ مَعَ الأبَوَيْنِ، فَإنْ تُوَفِّيَ رَجُلٌ وخَلَّفَ أخَوَيْنِ، وأبَوَيْنِ، فَقَدْ أجْمَعَ الفُقَهاءُ أنَّ الأخَوَيْنِ يَحْجُبانِ الأُمَّ عَنِ الثُّلُثِ، إلّا ابْنَ عَبّاسٍ، فَإنَّهُ كانَ لا يَحْجُبُ بِأخَوَيْنِ، وحُجَّتُهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾، وقالَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ الأخَوَيْنِ جَماعَةٌ، كَما أنَّ الإخْوَةَ جَماعَةٌ، لِأنَّكَ إذا جَمَعْتَ واحِدًا إلى واحِدٍ، فَهُما جَماعَةٌ، ويُقالُ لَهُما: ”إخْوَةٌ“، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ”قَدْ وضَعا رِحالَهُما“، يُرِيدُونَ: ”رَحْلَيْهِما“، وما كانَ الشَّيْءُ مِنهُ واحِدًا فَتَثْنِيَتُهُ جَمْعٌ، لِأنَّ الأصْلَ هو الجَمْعُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، وقالَ: ﴿وَلأبَوَيْهِ﴾، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما قَدْ ولَدَهُ.
(p-٢٣)والأصْلُ في ”أُمٌّ“، أنْ يُقالَ: ”أبَةٌ“، ولَكِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْها بِـ ”أُمٌّ“، و”أبَوانِ“، تَثْنِيَةُ ”أبٌ“، و”أبَةٌ“، وكَذَلِكَ لَوْ ثَنَّيْتَ ”اِبْنًا“، و”اِبْنَةً“، - ولَمْ تَخَفِ اللَّبْسَ - قُلْتَ: ”اِبْنانِ“ .
”فَلِأُمِّهِ“، تُقْرَأُ بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وهي أكْثَرُ القِراءاتِ، وتُقْرَأُ بِالكَسْرِ: ”فَلِإمِّهِ“، فَأمّا إذا كانَ قَبْلَ الهَمْزَةِ غَيْرُ كَسْرٍ، فالضَّمُّ لا غَيْرُ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، لا يَجُوزُ ”وَإمَّهُ“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وإنَّما جازَ ”لِإمِّهِ“، و”في إمِّها رَسُولًا“، بِالكَسْرِ، لِأنَّ قَبْلَ الهَمْزَةِ كَسْرَةٌ، فاسْتَثْقَلُوا الضَّمَّةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ مِثْلُ ”فِعُلٌ“، بِكَسْرِ الفاءِ، وضَمِّ العَيْنِ، فَلَمّا اخْتَلَطَتِ اللّامُ بِالِاسْمِ، شُبِّهَ بِالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، فَأُبْدِلَ مِنَ الضَّمَّةِ كَسْرَةٌ، ومَن قالَ: ”فَلِأُمِّهِ“، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، أتى بِها عَلى أصْلِها، عَلى أنَّ اللّامَ تَقْدِيرُها تَقْدِيرُ الِانْفِصالِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾، أيْ: إنَّ هَذِهِ الأنْصِبَةَ إنَّما تَجِبُ بَعْدَ قَضاءِ الدَّيْنِ، وإنْفاذِ وصِيَّةِ المَيِّتِ في ثُلُثِهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ قالَ: ”أوْ دَيْنٍ“ ؟ وهَلّا كانَ ”مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها ودَيْنٍ“ ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ ”أوْ“، تَأْتِي لِلْإباحَةِ، فَتَأْتِي لِواحِدٍ واحِدٍ عَلى (p-٢٤)انْفِرادٍ، وتَضُمُّ الجَماعَةَ، فَيُقالُ: ”جالِسِ الحَسَنَ، أوِ الشَّعْبِيَّ“، والمَعْنى: كُلُّ واحِدٍ مِن هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُجالَسَ، فَإنْ جالَسْتَ الحَسَنَ، فَأنْتَ مُصِيبٌ، ولَوْ قُلْتَ: ”جالِسِ الرَّجُلَيْنِ“، فَجالَسْتَ واحِدًا مِنهُما، وتَرَكْتَ الآخَرَ كُنْتَ غَيْرَ مُتَّبِعٍ ما أُمِرْتَ، فَلَوْ كانَ ”مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها ودَيْنٍ“، اِحْتَمَلَ اللَّفْظُ أنْ يَكُونَ هَذا إذا اجْتَمَعَتِ الوَصِيَّةُ والدَّيْنُ، فَإذا انْفَرَدا كانَ حُكْمٌ آخَرُ، فَإذا كانَتْ ”أوْ“، دَلَّتْ عَلى أنَّ أحَدَهُما إنْ كانَ فالمِيراثُ بَعْدَهُ، وكَذَلِكَ إنْ كانا كِلاهُما.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آباؤُكم وأبْناؤُكم لا تَدْرُونَ أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا﴾، في هَذا غَيْرُ قَوْلٍ، أمّا التَّفْسِيرُ فَإنَّهُ يُرْوى أنَّ الِابْنَ إنْ كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِن أبِيهِ في الجَنَّةِ سَألَ أنْ يُرْفَعَ إلَيْهِ أبُوهُ فَيُرْفَعُ، وكَذَلِكَ الأبُ، إنْ كانَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِنَ ابْنِهِ سَألَ أنْ يُرْفَعُ ابْنُهُ إلَيْهِ، فَأنْتُمْ لا تَدْرُونَ في الدُّنْيا أيُّهم أقْرَبُ لَكم نَفْعًا، أيْ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ فَرَضَ الفَرائِضَ عَلى ما هي عِنْدَهُ حِكْمَةٌ، ولَوْ وكَلَ ذَلِكَ إلَيْكم لَمْ تَعْلَمُوا أيُّهم لَكم أنْفَعُ في الدُّنْيا، فَوَضَعْتُمْ أنْتُمُ الأمْوالَ عَلى غَيْرِ حِكْمَةٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أيْ: عَلِيمٌ بِما يُصْلِحُ خَلْقَهُ، حَكِيمٌ فِيما فَرَضَ مِن هَذِهِ الأمْوالِ وغَيْرِها.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، (p-٢٥)مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ، والحالِ مِن ”وَلِأبَوَيْهِ“، أيْ: ولِهَؤُلاءِ الوَرَثَةِ ما ذَكَرْنا مَفْرُوضًا، فَـ ”فَرِيضَةً“، مُؤَكِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ”يُوصِيكُمُ اللَّهُ“، ومَعْنى ”إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا“، فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ: كانَ القَوْمُ شاهَدُوا عِلْمًا وحِكْمَةً ومَغْفِرَةً وتَفَضُّلًا، فَقِيلَ لَهم: إنَّ اللَّهَ كانَ كَذَلِكَ، ولَمْ يَزَلْ، أيْ: لَمْ يَزَلْ عَلى ما شاهَدْتُمْ، وقالَ الحَسَنُ: كانَ عَلِيمًا بِالأشْياءِ قَبْلَ خَلْقِها، حَكِيمًا فِيما يُقَدِّرُ تَدْبِيرَهُ مِنها، وقالَ بَعْضُهم: اَلْخَبَرُ عَنِ اللَّهِ في هَذِهِ الأشْياءِ بِالمُضِيِّ، كالخَبَرِ بِالِاسْتِقْبالِ، والحالِ، لِأنَّ الأشْياءَ عِنْدَ اللَّهِ في حالٍ واحِدَةٍ، ما مَضى، وما يَكُونُ، وما هو كائِنٌ، والقَوْلانِ الأوَّلانِ هُما الصَّحِيحانِ، لِأنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْقِلُ، ونَزَلَ القُرْآنُ بِلُغَتِها، فَما أشْبَهَ مِنَ التَّفْسِيرِ كَلامَها فَهو أصَحُّ، إذْ كانَ القُرْآنُ بِلُغَتِها نَزَلَ، وقالَ بَعْضُهم: اَلْأبُ تَجِبُ عَلَيْهِ النَّفَقَةُ لِلِابْنِ إذا كانَ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ، وكَذَلِكَ الأبُ تَجِبُ نَفَقَتُهُ عَلى الِابْنِ إذا كانَ مُحْتاجًا إلى ذَلِكَ، فَهُما في النَّفْعِ في هَذا البابِ لا يُدْرى أيُّهُما أقْرَبُ نَفْعًا، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ.
النساء 4:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾، يُقْرَأُ: ”يُورَثُ“، و”يُورِثُ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، وكَسْرِها، فَمَن قَرَأ: ”يُورِثُ“، بِالكَسْرِ، فَـ ”كَلالَةً“، مَفْعُولٌ، ومَن قَرَأ: ”يُورَثُ“، فَـ ”كَلالَةً“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ ”اَلْكَلالَةُ“، مِن قَوْلِكَ: ”تَكَلَّلَهُ النَّسَبُ“، أيْ: لَمْ يَكُنِ الَّذِي (p-٢٦)يَرِثُهُ ابْنُهُ، ولا أباهُ، والكَلالَةُ سِوى الوَلَدِ، والوالِدِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأبَ لَيْسَ بِكَلالَةٍ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَإنَّ أبا المَرْءِ أحَمى لَهُ ∗∗∗ ومَوْلى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ
وَإنَّما هو كالإكْلِيلِ الَّذِي عَلى الرَّأْسِ، وإنَّما اسْتُدِلَّ عَلى أنَّ الكَلالَةَ هَهُنا الإخْوَةُ لِأُمٍّ، دُونَ الأبِ، بِما ذُكِرَ في آخِرِ السُّورَةِ أنَّ لِلْأُخْتَيْنِ الثُّلُثَيْنِ، وأنَّ لِلْإخْوَةِ كُلَّ المالِ، فَعُلِمَ هَهُنا لِما جُعِلَ لِلْواحِدِ السُّدُسُ، ولِلِاثْنَيْنِ الثُّلُثُ، ولَمْ يُزادُوا عَلى الثُّلُثِ شَيْئًا ما كانُوا، عُلِمَ أنَّهُ يَعْنِي بِهِمُ الإخْوَةَ لِأُمٍّ، فَإنْ ماتَتِ امْرَأةٌ وخَلَّفَتْ زَوْجًا، وأُمًّا، وإخْوَةً لِأُمٍّ، فَلِلزَّوْجِ النِّصْفُ، ولِلْأُمِّ السُّدُسُ، ولِلْإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ الثُّلُثُ، فَإنْ خَلَّفَتْ زَوْجًا، وأُمًّا، وإخْوَةً لِأبٍ، وأُمٍّ، وإخْوَةً لِأُمٍّ، فَإنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ يُسَمِّيها بَعْضُهم ”اَلْمَسْألَةَ المُشْتَرَكَةَ“، وبَعْضُهم يُسَمِّيها ”اَلْحِمارِيَّةَ“، قالَ بَعْضُهم: إنَّ الثُّلُثَ الَّذِي بَقِيَ لِلْإخْوَةِ لِلْأُمِّ دُونَ الإخْوَةِ لِلْأبِ والأُمِّ، لِأنَّ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لِلْأُمِّ تَسْمِيَةً، وهي الثُّلُثُ، ولَيْسَ لِلْإخْوَةِ لِلْأبِ والأُمِّ تَسْمِيَةٌ، فَأعْطَيْناهُمُ الثُّلُثَ، كَما أنَّهُ لَوْ ماتَ رَجُلٌ وخَلَّفَ أخَوَيْنِ لِأُمٍّ، وخَلَّفَ مِائَةَ أخٍ لِأبٍ وأُمٍّ، لَأُعْطِيَ الأخَوانِ لِلْأُمِّ الثُّلُثَ، وأُعْطِيَ المِائَةُ الثُّلُثَيْنِ، فَقَدْ صارَ الإخْوَةُ لِلْأُمِّ يَفْضُلُونَ في الأنْصِباءِ الإخْوَةَ لِلْأبِ والأُمِّ الأشِقّاءِ، وقالَ بَعْضُهم: اَلْأُمُّ واحِدَةٌ.
(p-٢٧)وَسَمَّوْها ”اَلْحِمارِيَّةَ“، بِأنْ قالُوا: هَبْ أباهم كانَ حِمارًا، واشْتَرَكُوا بَيْنَهُ، فَسُمِّيَتْ ”اَلْمُشْتَرَكَةَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غَيْرَ مُضارٍّ وصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾، ”غَيْرَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: يُوصِي بِها غَيْرَ مُضارٍّ، فَمَنَعَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الضِّرارِ في الوَصِيَّةِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «”مَن ضارَّ في وصِيَّةٍ ألْقاهُ اللَّهُ في وادٍ مِن جَهَنَّمَ - أوْ: مِن نارٍ“»، فالضِّرارُ راجِعٌ في الوَصِيَّةِ إلى المِيراثِ، ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾، أيْ: عَلِيمٌ ما دَبَّرَ مِن هَذِهِ الفَرائِضِ، حَلِيمٌ عَمَّنْ عَصاهُ بِأنْ أخَّرَهُ، وقَبِلَ تَوْبَتَهُ، ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٣]، أيْ: اَلْأمْكِنَةُ الَّتِي لا يَنْبَغِي أنْ تُتَجاوَزَ.
النساء 4:13
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، أيْ: ”يُقِيمُ حُدُودَهُ عَلى ما حَدَّ“، ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾، أيْ: يُدْخِلْهم مُقَدَّرِينَ الخُلُودَ فِيها، والحالُ يُسْتَقْبَلُ بِها، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِهِ مَعَهُ بازٍ صائِدًا بِهِ غَدًا“، أيْ: مُقَدَّرًا الصَّيْدُ بِهِ غَدًا.
النساء 4:14
﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾، أيْ: يُجاوِزُ ما حَدَّهُ اللَّهُ وأمَرَ بِهِ، ﴿يُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها﴾، ”خالِدًا“، مِن نَعْتِ النّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، أيْ: يُدْخِلْهُ مُقَدَّرًا لَهُ الخُلُودُ فِيها.
النساء 4:15
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واللاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِسائِكُمْ﴾، (p-٢٨)اَلْفاحِشَةُ: اَلزِّنا، و”اَلَّتِي“، يُجْمَعُ: ”اَللّاتِي“، و”اَللَّواتِي“، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ اللَّواتِي والَّتِي واللّاتِي ∗∗∗ زَعَمْنَ أنِّي كَبِرَتْ لِداتِي
وَيُجْمَعُ ”اَللّاتِي“، بِإثْباتِ الياءِ، ويُحْذَفُ الياءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِنَ اللّاءِ لَمْ يَحْجُجْنَ يَبْغِينَ حِسْبَةً ∗∗∗ ولَكِنْ لِيَقْتُلْنَ البَرِيءَ المُغَفَّلا
﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكُمْ﴾، أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ، ﴿فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾، هَذا كانَ الفَرْضَ في الزِّنا قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ الجَلْدُ، ويَأْمُرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالرَّجْمِ، فَكانَ يُحْبَسُ الزّانِيانِ أبَدًا، وقالَ بَعْضُهم: ”﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا﴾“، هو الحَدُّ الَّذِي نَسَخَ التَّخْلِيدَ في الحَبْسِ، والأذى.
النساء 4:16
﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾، (p-٢٩)قالَ بَعْضُهم: كانَ الحَبْسُ لِلثَّيِّبَيْنِ، والأذى لِلْبِكْرَيْنِ، يُوَبَّخانِ، فَيُقالُ لَهُما: ”زَنَيْتُما، وفَجَرْتُما، وانْتَهَكْتُما حُرُماتِ اللَّهِ“، وقالَ بَعْضُهم: نُسِخَ الأذى لَهُما مَعَ الحَبْسِ، وقالَ بَعْضُهم: اَلْأذى لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَنسُوخًا عَنْهُما إلّا أنْ يَتُوبا، وإنَّ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، هو مِنَ التَّوْبِيخِ لَهُما بِأنْ يُفْضَحا عَلى رُؤُوسِ المَلَإ، أمّا ما سَلَفَ مِمّا كانَ في أمْرِ الفاجِرَيْنِ فَقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ، إلّا أنَّ الفائِدَةَ فِيهِ أنَّ الشَّهادَةَ لَمْ تَزَلْ في الزِّنا شَهادَةَ أرْبَعَةِ نَفَرٍ.
النساء 4:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾، لَيْسَ مَعْناهُ أنَّهم يَعْمَلُونَ السُّوءَ وهم جُهّالٌ، غَيْرُ مُمَيِّزِينَ، فَإنَّ مَن لا عَقْلَ لَهُ ولا تَمْيِيزَ لا حَدَّ عَلَيْهِ، وإنَّما مَعْنى ”بِجَهالَةٍ“، أنَّهم في اخْتِيارِهِمُ اللَّذَّةَ الفانِيَةَ عَلى اللَّذَّةِ الباقِيَةِ جُهّالٌ، فَلَيْسَ ذَلِكَ الجَهْلُ مُسْقِطًا عَنْهُمُ العَذابَ، لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَمْ يُعَذَّبْ أحَدٌ، ولَكِنَّهُ جَهْلٌ في الِاخْتِيارِ، ومَعْنى ”يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ“، يَتَوَقَّفُونَ قَبْلَ المَوْتِ، لِأنَّ ما بَيْنَ الإنْسانِ وبَيْنَ المَوْتِ قَرِيبٌ، فالتَّوْبَةُ مَقْبُولَةٌ قَبْلَ اليَقِينِ بِالمَوْتِ.
النساء 4:18
َقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾، إنَّما لَمْ تَكُنْ لَهُ التَّوْبَةُ لِأنَّهُ تابَ في وقْتٍ لا يُمْكِنُ الإقْلاعُ بِالتَّصَرُّفِ فِيما يُحَقِّقُ التَّوْبَةَ.
﴿أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾، أيْ: مُؤْلِمًا مُوجِعًا، و”اَلْمُؤْلِمُ“: اَلَّذِي يَبْلُغُ إيجاعُهُ غايَةَ البُلُوغِ.
النساء 4:19
(p-٣٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾، مَعْناهُ: تُكْرِهُوهُنَّ عَلى التَّزْوِيجِ بِكُمْ، وهَذِهِ نَزَلَتْ لِأنَّهم كانُوا إذا ماتَ زَوْجُ المَرْأةِ ولَهُ ولَدٌ مِن غَيْرِها ضَرَبَ ابْنُهُ عَلَيْها حِجابًا، وقالَ: أنا أحَقُّ بِها، فَتَزَوَّجَها عَلى العَقْدِ الَّذِي كانَ عَقَدَهُ أبُوهُ مِن تَزَوُّجِها، لِيَرِثَها ما ورِثَتْ مِن أبِيهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾، هَؤُلاءِ غَيْرُ أُولَئِكَ، حَرَّمَ اللَّهُ أنْ تُعْضَلَ المَرْأةُ، ومَعْنى ”تُعْضَلُ“: تُحْبَسُ عَنِ التَّزَوُّجِ، كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا تَزَوَّجَ امْرَأةً، ولَمْ تَكُنْ مِن حاجَتِهِ، حَبَسَها لِتَفْتَدِيَ مِنهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ، و”تَعْضُلُوهُنَّ“، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزْمًا، أمّا النَّصْبُ فَعَلى: ”ألّا يَحِلَّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ ولا أنْ تَعْضُلُوهُنَّ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَزْمًا عَلى النَّهْيِ.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، والفاحِشَةُ: اَلزِّنا، ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: بِالنَّصَفَةِ في المَبِيتِ والنَّفَقَةِ، والإجْمالِ في القَوْلِ.
النساء 4:20
(p-٣١)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾، مَعْناهُ: إذا أرَدْتُمْ تَخْلِيَةَ المَرْأةِ، إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يَسْتَبْدِلَ مَكانَها ولَمْ تُرِدْ، هَذا شَدَّدَ اللَّهُ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]
﴿وَآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾، ”اَلْقِنْطارُ“: اَلْمالُ العَظِيمُ، وقَدْ بَيَّنا ما قالَهُ النّاسُ فِيهِ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾، فَحَرَّمَ اللَّهُ الأخْذَ مِنَ المَهْرِ، عَلى جِهَةِ الإضْرارِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾، و”اَلْبُهْتانُ“: اَلْباطِلُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن بُطْلانِهِ، و”بُهْتانًا“، حالٌ مَوْضُوعَةٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أتَأْخُذُونَهُ مُباهِتِينَ وآثِمِينَ“ .
النساء 4:21
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ﴾، اَلْإفْضاءُ: أصْلُهُ الغَشَيانُ، وقالَ بَعْضُهم: ”إذا خَلا فَقَدْ أفْضى، غَشِيَ أوْ لَمْ يَغْشَ“، ﴿وَأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، (p-٣٢)قالَ بَعْضُهم: هو عَقْدُ المَهْرِ، وقالَ بَعْضُهم: اَلْمِيثاقُ الغَلِيظُ: قَوْلُهُ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكم أنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والتَّسْرِيحُ بِإحْسانٍ لا يَكُونُ بِأنْ تَأْخُذَ مِنها مَهْرَها، هَذا تَسْرِيحٌ بِإساءَةٍ، لا بِإحْسانٍ.
النساء 4:22
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾، اَلْمَعْنى: لا تَنْكِحُوا كَما كانَ مَن قَبَلَكم يَنْكِحُ ما نَكَحَ أبُوهُ، فَهَذا مَعْنى ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ﴿إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾، اَلْمَعْنى: إلّا ما قَدْ سَلَفَ فَإنَّهُ كانَ فاحِشَةً، أيْ: زِنًا، ومَقْتًا، و”اَلْمَقْتُ“: أشَدُّ البُغْضِ، ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾، أيْ: وبِئْسَ طَرِيقًا، أيْ: ذَلِكَ الطَّرِيقُ بِئْسَ طَرِيقًا، فالمَعْنى أنَّهم أعْلَمُوا أنَّ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ كانَ يُقالُ لَهُ: ”مَقْتٌ“، وكانَ المَوْلُودُ عَلَيْهِ يُقالُ لَهُ: ”اَلْمَقْتِيُّ“، فَأُعْلِمُوا أنَّ هَذا الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَزَلْ مُنْكَرًا في قُلُوبِهِمْ، مَمْقُوتًا عِنْدَهُمْ، وقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ ”كانَ“، زائِدَةً، فالمَعْنى عَلى هَذا: إنَّهُ فاحِشَةٌ ومَقْتٌ، وأنْشَدَ في ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ: (p-٣٣)
؎فَكَيْفَ إذا حَلَلْتُ بِدارِ قَوْمٍ ∗∗∗ وجِيرانٍ لَنا كانُوا كِرامِ
قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا غَلَطٌ مِن أبِي العَبّاسِ، لِأنَّ ”كانَ“، لَوْ كانَتْ زائِدَةً لَمْ تَنْصِبْ خَبَرَها، والدَّلِيلُ عَلى هَذا البَيْتُ الَّذِي أنْشَدَهُ:
؎”وَجِيرانٍ لَنا كانُوا كِرامِ“
، ولَمْ يَقُلْ: ”كانُوا كِرامًا“ .
النساء 4:23
وَقَوْلُهُ: - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ﴾، هَذا يُسَمّى ”اَلتَّحْرِيمَ المُبْهَمَ“، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ لا يُفَرِّقُ في المُبْهَمِ وغَيْرِ المُبْهَمِ تَفْرِيقًا مُقْنِعًا، وإنَّما كانَ يُسَمّى هَذا المُبْهَمُ مِنَ المُحَرَّماتِ، لِأنَّهُ لا يَحِلُّ بِوَجْهٍ ولا سَبَبٍ، واللّاحِقُ بِهِ ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾، والرَّضاعَةُ قَدْ أدْخَلَتْ هَذِهِ المُحَرَّماتِ في الإبْهامِ، ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾، قَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في هَذِهِ، فَجَعَلَها بَعْضُهم مُبْهَمَةً، وجَعَلَها بَعْضُهم غَيْرَ مُبْهَمَةٍ، فالَّذِي جَعَلَها مُبْهَمَةً قالَ: إنَّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ المَرْأةَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها، دَخَلَ بِها أوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها، واحْتَجَّ بِأنَّ ”اَللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ“، إنَّما هو مُتَّصِلٌ بِالرَّبائِبِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾“، مِنَ المُبْهَمَةِ.
(p-٣٤)﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: اَللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ نَعْتٌ لِلنِّساءِ اللَّواتِي هُنَّ أُمَّهاتُ الرَّبائِبِ لا غَيْرُ، قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ إجْماعُ النّاسِ أنَّ الرَّبِيبَةَ تَحِلُّ إذا لَمْ يُدْخَلْ بِأُمِّها، وأنَّ مَن أجازَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿مِن نِسائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾، هو لِأُمَّهاتِ نِسائِكُمْ، يَكُونُ المَعْنى عَلى تَقْدِيرِهِ: ”وَأُمَّهاتُ نِسائِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ“، فَيَخْرُجُ أنْ يَكُونَ ”اَللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ“، لِأُمَّهاتِ الرَّبائِبِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ما قالَهُ أبُو العَبّاسِ هو الصَّحِيحُ أنَّ الخَبَرَيْنِ إذا اخْتَلَفا لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، لا يُجِيزُ النَّحْوِيُّونَ: ”مَرَرْتُ بِنِسائِكَ، وهَرَبْتُ مِن نِساءِ زَيْدٍ الظَّرِيفاتِ“، عَلى أنْ تَكُونَ ”اَلظَّرِيفاتِ“، نَعْتًا لِهَؤُلاءِ النِّساءِ، وهَؤُلاءِ النِّساءِ، والَّذِينَ قالُوا بِهَذا القَوْلِ - أعْنِي الَّذِينَ جَعَلُوا ”أُمَّهاتُ نِسائِكم“، بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ”مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ“، إنَّما يَجُوزُ لَهم أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى ”أعْنِي“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أعْنِي اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ“، وأنْ يَكُونَ ”وَأُمَّهاتُ نِسائِكم“، تَمامَ هَذِهِ التَّحْرِيماتِ المُبْهَماتِ، ويَكُونَ ”اَلرَّبائِبُ“، هُنَّ اللّاتِي يَحْلِلْنَ إذا لَمْ يُدْخَلْ بِأُمَّهاتِهِنَّ قَطُّ، دُونَ أُمَّهاتِ نِسائِكُمْ، هو الجَيِّدُ البالِغُ.
فَأمّا الرَّبِيبَةُ فَبِنْتُ امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، ومَعْناها: ”مَرْبُوبَةٌ“، لِأنَّ الرَّجُلَ هو يَرُبُّها، ويَجُوزُ أنْ تُسَمّى ”رَبِيبَةً“، لِأنَّهُ تَوَلّى تَرْبِيَتَها، كانَتْ في حِجْرِهِ، أوْ لَمْ تَكُنْ تَرَبَّتْ في حِجْرِهِ، لِأنَّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ بِأُمِّها سُمِّيَ رَبِيبَها، والعَرَبُ تُسَمِّي الفاعِلِينَ والمَفْعُولِينَ بِما يَقَعُ بِهِمْ، ويُوقِعُونَهُ، فَيَقُولُونَ: ”هَذا مَقْتُولٌ“، و”هَذا ذَبِيحٌ“، أيْ: قَدْ وقَعَ بِهِمْ ذَلِكَ، و”هَذا قاتِلٌ“، أيْ: قَدْ قَتَلَ، وهَذِهِ أُضْحِيَةُ آلِ فُلانٍ، لِما قَدْ (p-٣٥)ضَحَّوْا بِهِ، وكَذَلِكَ ”هَذِهِ قَتُوبَةٌ“، و”هَذِهِ حَلُوبَةٌ“، أيْ: ما يُقْتَبُ ويُحْلَبُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾، جَمْعُ ”حَلِيلَةٌ“، وهي امْرَأةُ ابْنِ الرَّجُلِ، لا تَحِلُّ لِلْأبِ، وهي مِنَ المُبْهَماتِ، و”حَلِيلَةٌ“، بِمَعْنى ”مُحَلَّةٌ“، مُشْتَقٌّ مِن ”اَلْحَلالُ“ .
﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: حُرِّمَتْ هَذِهِ الأشْياءُ، والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، ﴿إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾، اَلْمَعْنى: سِوى ما قَدْ سَلَفَ، فَإنَّهُ مَغْفُورٌ لَكم.
النساء 4:24
وَقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالفَتْحِ، قَدْ أُجْمِعَ عَلى الفَتْحِ في هَذِهِ، لِأنَّ مَعْناها: ”اَللّاتِي أُحْصِنَّ بِالأزْواجِ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”والمُحْصِناتِ“، لَجازَ، لِأنَّهُنَّ يُحْصِنَّ فُرُوجَهُنَّ بِأنْ يَتَزَوَّجْنَ، وقَدْ قُرِئَتِ الَّتِي سِوى هَذِهِ: ”اَلْمُحْصَناتُ“، و”اَلْمُحْصِناتِ“ .
﴿إلا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾، أيْ: إنْ مَلَكَ الرَّجُلُ مُحْصَنَةً في بِلادِ الشِّرْكِ فَلَهُ أنْ يَطَأها، إلّا أنَّ جَمِيعَ الوَطْءِ لا يَكُونُ في مِلْكِ اليَمِينِ إلّا عَنِ اسْتِبْراءٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: إنَّ الرَّجُلَ إذا مَلَكَ جارِيَةً وكانَتْ مُتَزَوِّجَةً فَبَيْعُها ومَلْكُها قَدْ أحَلَّ فَرْجَها، وإنْ لَمْ تَكُنْ (p-٣٦)أُحْصِنَتْ في بِلادِ الشِّرْكِ، والتَّفْسِيرُ عَلى ما وصَفْنا في ذَواتِ الأزْواجِ في الشِّرْكِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ”كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم هَذا كِتابًا“، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَرُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أيَّ إذْلالِ
لِأنَّ مَعْنى ”رُضْتُ“: أذْلَلْتُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى جِهَةِ الأمْرِ، ويَكُونَ ”عَلَيْكم“، مُفَسِّرًا لَهُ، فَيَكُونَ المَعْنى: اِلْزَمُوا كِتابَ اللَّهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ”عَلَيْكم“، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”عَلَيْكَ زَيْدًا“، لَيْسَ لَهُ ناصِبٌ مُتَصَرِّفٌ، فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ مَنصُوبِهِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎يا أيُّها الماتِحُ دَلْوِي دُونَكا ∗∗∗ إنِّي رَأيْتُ النّاسَ يَحْمَدُونَكا
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”دَلْوِي“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِإضْمارِ ”خُذْ دَلْوِي“، ولا يَجُوزُ عَلى أنْ يَكُونَ ”دُونَكَ دَلْوِي“، لِما شَرَحْناهُ.
(p-٣٧)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”دَلْوِي“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، والمَعْنى: ”هَذا دَلْوِي دُونَكا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم“، رَفْعًا عَلى مَعْنى ”هَذا فَرْضُ اللَّهِ عَلَيْكم“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾، و”أحَلَّ“، أيْضًا يُقْرَآنِ جَمِيعًا، ومَعْنى ”ما وراءَ ذَلِكم“: ما بَعْدَ ذَلِكُمْ، أيْ: ”ما بَعْدَ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي حُرِّمَتْ، حَلالٌ، عَلى ما شَرَعَ اللَّهُ“، إلّا أنَّ السُّنَّةَ قَدْ حَرَّمَتْ تَزَوُّجَ المَرْأةِ عَلى عَمَّتِها، وكَذَلِكَ تَزَوُّجَها عَلى خالَتِها، ولَمْ يَقُلِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”لا أُحَرِّمُ عَلَيْكم غَيْرَ هَذا“، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، وأتَوَهَّمُ أنَّ الخالَةَ كالوالِدَةِ، وأنَّ العَمَّةَ كالوالِدِ، لِأنَّ الوالِدَ في وُجُوبِ الحَقِّ كالوالِدَةِ، وتَزَوُّجُها عَلى عَمَّتِها وخالَتِها مِن أعْظَمِ العُقُوقِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾، نَصْبٌ، وإنْ شِئْتَ رَفْعٌ، المَعْنى: ”أُحِلَّ لَكم أنْ تَبْتَغُوا مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ“، أيْ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ زُناةٍ، و”اَلْمُسافِحُ“، و”اَلْمُسافِحَةُ“: الزّانِيانِ غَيْرُ المُمْتَنِعَيْنِ مِنَ الزِّنا، فَإذا كانَتْ تَزْنِي بِواحِدٍ، فَهي ذاتُ خِدْنٍ، فَحَرَّمَ اللَّهُ الزِّنا عَلى الجِهاتِ كُلِّها، عَلى السِّفاحِ، وعَلى اتِّخاذِ الصَّدِيقِ، والإحْصانُ: إحْصانُ الفَرْجِ، وهو إعْفافُهُ، يُقالُ: ”اِمْرَأةٌ حَصانٌ، بَيِّنَةُ الحُصْنِ“، (p-٣٨)و”فَرَسٌ حَصانٌ“، بَيِّنَةٌ التَّحَصُّنِ، والتَّحْصِينِ، و”بِناءٌ حَصِينٌ“، بَيِّنُ الحَصانَةِ، ولَوْ قِيلَ في كُلِّهِ: ”اَلْحِصانَةُ“، لَكانَ بِإجْماعٍ، والسِّفاحُ في الزِّنا اشْتُقَّ مِن قَوْلِهِمْ: ”سَفَحْتُ الشَّيْءَ“، إذا صَبَبْتُهُ، وأمْرُ الزِّنا سِفاحٌ لِأنَّهُ جارٍ عَلى غَيْرِ عَقْدٍ، كَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ السُّفُوحِ الَّذِي لا يَحْبِسُهُ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، هَذِهِ آيَةٌ قَدْ غَلِطَ فِيها قَوْمٌ غَلَطًا عَظِيمًا جِدًّا، لِجَهْلِهِمْ بِاللُّغَةِ، وذَلِكَ أنَّهم ذَهَبُوا إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾، مِن ”اَلْمُتْعَةُ“، اَلَّتِي قَدْ أجْمَعَ أهْلُ الفِقْهِ أنَّها حَرامٌ، وإنَّما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾، أيْ: فَما نَكَحْتُمُوهُ، عَلى الشَّرِيطَةِ الَّتِي جَرَتْ في الآيَةِ، آيَةِ الإحْصانِ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكم مُحْصِنِينَ﴾، أيْ: عاقِدِينَ التَّزْوِيجَ الَّذِي جَرى ذِكْرُهُ، فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً، أيْ: مُهُورَهُنَّ، فَإنِ اسْتَمْتَعَ بِالدُّخُولِ بِها أعْطى المَهْرَ تامًّا، وإنِ اسْتَمْتَعَ بِعَقْدِ النِّكاحِ آتى نِصْفَ المَهْرِ، و”اَلْمَتاعُ“، في اللُّغَةِ: كُلُّ ما انْتُفِعَ بِهِ، فَهو مَتاعٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ -: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلى المُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، لَيْسَ بِمَعْنى زَوِّجُوهُنَّ المُتَعَ، إنَّما المَعْنى: أعْطُوهُنَّ ما يَسْتَمْتِعْنَ بِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، ومَن زَعَمَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾، اَلْمُتْعَةُ الَّتِي هي الشَّرْطُ في التَّمَتُّعِ، الَّذِي تَعْمَلُهُ الرّافِضَةُ، فَقَدْ أخْطَأ خَطَأً عَظِيمًا، لِأنَّ الآيَةَ واضِحَةٌ بَيِّنَةٌ.
(p-٣٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾، أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَهَبَ المَرْأةُ لِلرَّجُلِ مَهْرَها، أوْ يَهَبَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأةِ الَّتِي لَمْ يَدْخُلْ بِها نِصْفَ المَهْرِ الَّذِي لا يَجِبُ إلّا لِمَن دَخَلَ بِها، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أيْ: عَلِيمًا بِما يُصْلِحُ أمْرَ العِبادِ، حَكِيمًا فِيما فَرَضَ لَهم مِن عَقْدِ النِّكاحِ، الَّذِي حُفِظَتْ بِهِ الأمْوالُ والأنْسابُ.
النساء 4:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾، اَلْمُحْصَناتُ هُنَّ الحَرائِرُ، وقِيلَ أيْضًا: اَلْعَفائِفُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أصْحابِنا: إنَّهُنَّ الحَرائِرُ خاصَّةً، وزَعَمَ مَن قالَ: إنَّهُنَّ العَفائِفُ، حُرِّمَ عَلى النّاسِ أنْ يَتَزَوَّجُوا بِغَيْرِ العَفِيفَةِ، ولَيْسَ يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ عَفِيفَةٍ، واحْتَجَّ قائِلُ هَذا القَوْلِ بِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، مَنسُوخٌ، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ: يَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ مَن أحَبَّ مِنَ النِّساءِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُحْصَناتِ هُنَّ العَفائِفُ قَوْلُهُ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾ [التحريم: ١٢]، أيْ: أعَفَّتْ فَرْجَها.
(p-٤٠)و”اَلطَّوْلُ“: اَلْقُدْرَةُ عَلى المَهْرِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا﴾، أيْ: مَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى مَهْرِ الحُرَّةِ، يُقالُ: ”قَدْ طالَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ طَوْلًا“، أيْ: كانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَيْهِ في القُدْرَةِ، و”قَدْ طالَ الشَّيْءُ يَطُولُ طُولًا“، و”أطَلْتُهُ إطالَةً“، و”قَدْ طالَ طِوَلُكَ، وطِيلُكَ، وطِيَلُكَ“، أيْ: طالَتْ مُدَّتُكَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنّا مُحَيُّوكَ فاسْلَمْ أيُّها الطَّلَلُ ∗∗∗ وإنْ بَلَغْتَ وإنْ طالَتْ بِكَ الطِّيَلُ
و”اَلطِّوَلُ“: اَلْحَبْلٌ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎تُعْرَضُ المُهْرَةُ بِالطِّوَلِّ
اَللّامُ مُشَدَّدَةٌ لِلْقافِيَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، ”اَلْفَتَياتُ“: اَلْمَمْلُوكاتُ، العَرَبُ تَقُولُ لِلْأمَةِ: ”فَتاةٌ“، ولِلْعَبْدِ: ”فَتًى“، أيْ: مَن لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَتَزَوَّجَ الحُرَّةَ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ المَمْلُوكَةَ إذا خافَ عَلى نَفْسِهِ الفُجُورَ، ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾، أيْ: اِعْمَلُوا عَلى ظاهِرِكم في الإيمانِ، فَإنَّكم مُتَعَبِّدُونَ بِما ظَهَرَ مِن بَعْضِكم لِبَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾، (p-٤١)قِيلَ: في الحَسَبِ، أيْ: كُلُّكم ولَدُ آدَمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾، ”دِينُكم واحِدٌ“، لِأنَّهُ ذَكَرَ هَهُنا المُؤْمِناتِ مِنَ العَبِيدِ، وإنَّما قِيلَ لَهم ذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَطْعَنُ في الأنْسابِ، وتَفْخَرُ بِالأحْسابِ، وتُعَيِّرُ بِالهُجْنَةِ، كانُوا يُسَمُّونَ ابْنَ الأمَةِ ”اَلْهَجِينَ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أمْرَ العَبِيدِ وغَيْرِهِمْ مُسْتَوْفى الإيمانِ، وإنَّما كُرِهَ التَّزَوُّجُ بِالأمَةِ إذا وُجِدَ إلى الحُرَّةِ سَبِيلٌ، لِأنَّ ولَدَ الحُرِّ مِنَ الأمَةِ يَصِيرُونَ رَقِيقًا، ولِأنَّ الأمَةَ مُسْتَخْدَمَةٌ مُمْتَهَنَةٌ، تُكْثِرُ عِشْرَةَ الرِّجالِ، وذَلِكَ شاقٌّ عَلى الزَّوْجِ، فَلِذَلِكَ كُرِهَ تَزَوُّجُ الحُرِّ بِالأمَةِ، فَأمّا المُفاخَرَةُ بِالأحْسابِ، والتَّعْيِيرُ بِالأنْسابِ، فَمِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”ثَلاثٌ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ: اَلطَّعْنُ في الأنْسابِ، والمُفاخَرَةُ بِالأحْسابِ، والِاسْتِسْقاءُ بِالأنْواءِ، ولَنْ تُتْرَكَ في الإسْلامِ“» .
وَقَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾، أمَرَ اللَّهُ أنْ تُنْكَحَ بِإذْنِ مَوْلاها.
وَقَوْلُهُ: ”فَإذا أحْصَنَّ“، وتُقْرَأُ: ”أُحْصِنَّ“، بِضَمِّ الألِفِ، ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾، أيْ: عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الحَدِّ، والحَدُّ مِائَةُ جَلْدَةٍ عَلى الحُرِّ، والحُرَّةِ، غَيْرِ المُحْصَنَيْنِ، وعَلى المُحْصَنَيْنِ الرَّجْمُ، إلّا أنَّ الرَّجْمَ قَتْلٌ، والقَتْلُ لا نِصْفَ لَهُ، فَإنَّما عَلَيْهِنَّ نِصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي لَهُ نِصْفٌ، وهو الجَلْدُ.
(p-٤٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾، أيْ: تَزَوُّجُ الإماءِ جائِزٌ لِمَن خافَ العَنَتَ، و”اَلْعَنَتُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَشَقَّةُ الشَّدِيدَةُ، يُقالُ مِن ذَلِكَ: ”أكَمَةٌ عَنُوتٌ“، إذا كانَتْ شاقَّةً، قالَ أبُو العَبّاسِ: ”اَلْعَنَتُ“، هَهُنا: اَلْهَلاكُ، وقالَ غَيْرُهُ: مَعْناهُ: ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ أنْ تَحْمِلَهُ الشَّهْوَةُ عَلى الزِّنا، فَيَلْقى الإثْمَ العَظِيمَ في الآخِرَةِ، والحَدَّ في الدُّنْيا، وقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ أنْ يَعْشَقَ الأمَةَ، ولَيْسَ في الآيَةِ عِشْقٌ، ولَكِنَّ ذا العِشْقِ يَلْقى عَنَتًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أيْ: اَلصَّبْرُ خَيْرٌ لَكُمْ، لِما وصَفْنا مِن أنَّ الوَلَدَ يَصِيرُونَ عَبِيدًا.
النساء 4:26
وَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، قالَ الكُوفِيُّونَ: مَعْنى اللّامِ مَعْنى ”أنْ“، و”أرَدْتُ“، و”أمَرْتُ“، تَطْلُبانِ المُسْتَقْبَلَ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”أرَدْتُ أنْ قُمْتُ“، ولا ”أمَرْتُ أنْ قُمْتُ“، ولَمْ يَقُولُوا لِمَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وهَذا غَلَطٌ أنْ تَكُونَ لامُ الجَرِّ تَقُومُ مَقامَ ”أنْ“، وتُؤَدِّيَ مَعْناها، لِأنَّ ما كانَ في مَعْنى ”أنْ“، دَخَلَتْ عَلَيْهِ اللّامُ، تَقُولُ: ”جِئْتُكَ لِكَيْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا“، و”جِئْتُ لِكَيْ تَفْعَلَ كَذا وكَذا“، وكَذَلِكَ اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، كاللّامِ في ”كَيْ“، اَلْمَعْنى: أرادَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلتَّبْيِينِ لَكُمْ، أنْشَدَ أهْلُ اللُّغَةِ:
؎أرَدْتُ لِكَيْما لا تُرى لِيَ عَثْرَةٌ ∗∗∗ ومَن ذا الَّذِي يُعْطى الكَمالَ فَيَكْمُلُ
(p-٤٣)وَأنْشَدَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ:
؎أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ
فَأدْخَلَ هَذِهِ اللّامَ عَلى ”كَيْ“، ولَوْ كانَتْ بِمَعْنى ”أنْ“، لَمْ تَدْخُلِ اللّامُ عَلَيْها، وكَذَلِكَ ”أرَدْتُ لِأنْ تَقُومَ“، و”أُمِرْتُ لِأنْ أكُونَ مُطِيعًا“، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣]، أيْ: إنْ كُنْتُمْ عِبارَتُكم لِلرُّؤْيا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيْضًا: ﴿لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤]، أيْ: اَلَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: يَدُلَّكم عَلى طاعَتِهِ، كَما دَلَّ الأنْبِياءَ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم مِن قَبْلِكُمْ، ومَعْنى ﴿سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: طُرُقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
النساء 4:27
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: يَدُلَّكم بِطاعَتِهِ عَلى ما يَكُونُ سَبَبًا لِتَوْبَتِكُمُ الَّتِي يَغْفِرُ لَكم بِها ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِكم.
(p-٤٤)﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾، أيْ: أنْ تَعْدِلُوا عَنِ القَصْدِ.
النساء 4:28
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾، أيْ: يَسْتَمِيلُهُ هَواهُ.
النساء 4:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾، فَحَرَّمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - المالَ، إلّا أنْ يُوجَدَ عَلى السُّبُلِ الَّتِي ذَكَرَ مِنَ الفَرائِضِ في المَوارِيثِ، والمُهُورِ، والتَّسَرِّي، والبَيْعِ، والصَّدَقاتِ الَّتِي ذَكَرَ وُجُوهَها، ﴿إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً﴾، اَلْمَعْنى: إلّا أنْ تَكُونَ الأمْوالُ تِجارَةً، ومَن قَرَأ: ”إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ“، فَمَعْناهُ: إلّا أنْ تَقَعَ تِجارَةٌ، ﴿عَنْ تَراضٍ مِنكم ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾، فَأعْلَمَ أنَّ التِّجارَةَ تَصِحُّ بِرِضا البَيِّعِ، والمُشْتَرِي.
النساء 4:30
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾، أيْ: ومَن يَأْكُلْها ويَقْتُلِ النَّفْسَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا...
مَعْنى العُدْوانِ أنْ يَعْدُوَ ما أُمِرَ بِهِ، والظُّلْمُ: أنْ يَضَعَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾، و”نَصْلِيهِ نارًا“، وعَدَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - عَلى أكْلِ الأمْوالِ ظُلْمًا، وعَلى القَتْلِ، النّارَ.
(p-٤٥)﴿وَكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾، أيْ: سَهْلًا، يُقالُ: ”قَدْ يَسَرَ الشَّيْءُ، فَهو يَسِيرٌ“، إذا سَهُلَ، و”قَدْ عَسَرَ الشَّيْءُ، وعَسِرَ“، إذا لَمْ يَسْهُلْ، فَهو عَسِيرٌ.
النساء 4:31
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾، ”تَجْتَنِبُوا“: تَتْرُكُوا نِهائِيًّا، والكَبائِرُ حَقِيقَتُها أنَّها كُلُّ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ، نَحْوَ اَلْقَتْلِ، والزِّنا، والسَّرِقَةِ، وأكْلِ مالِ اليَتِيمِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”اَلْكَبائِرُ إلى أنْ تَكُونَ سَبْعِينَ أقْرَبُ مِنها إلى أنْ تَكُونَ سَبْعًا“، قالَ بَعْضُهم: اَلْكَبائِرُ مِن أوَّلِ سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، إلى رَأْسِ الثَّلاثِينَ، والكَبائِرُ: ما كَبُرَ، وعَظُمَ مِنَ الذُّنُوبِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾، اَلِاسْمُ عَلى ”أدْخَلْتُ“، ومَن قالَ: ”مَدْخَلًا“، بِفَتْحِ المِيمِ، فَهو مَبْنِيٌّ عَلى ”دَخَلَ مَدْخَلًا“، يَعْنِي بِهِ هَهُنا الجَنَّةَ.
النساء 4:32
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾، قِيلَ: لا يَنْبَغِي أنْ يَتَمَنّى الرَّجُلُ مالَ غَيْرِهِ، ومَنزِلَ غَيْرِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الحَسَدُ، ولَكِنْ لِيَقُلْ: اَللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن فَضْلِكَ، وقِيلَ: إنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: ”لَيْتَنا كُنّا رِجالًا فَجاهَدْنا وغَزَوْنا وكانَ لَنا ثَوابُ الرِّجالِ“، وقالَ بَعْضُهم: قالَ الرِّجالُ: ”لَيْتَنا فُضِّلْنا في الآخِرَةِ عَلى النِّساءِ كَما فُضِّلْنا في الدُّنْيا“، (p-٤٦)وَهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى تَمَنِّي الإنْسانِ ما لِغَيْرِهِ.
النساء 4:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾، أيْ: جَعَلْنا المِيراثَ لِمَن هو مَوْلى المَيِّتِ، والمَوْلى: كُلُّ مَن يَلِيكَ، وكُلُّ مَن والاكَ فَهو مَوْلًى لَكَ في المَحَبَّةِ، والمَوْلى مَوْلى نِعْمَةٍ، نَحْوَ مَوْلى العَبْدِ، والمَوْلى: اَلْعَبْدُ إذا عُتِقَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾، هَؤُلاءِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ، كانَ الرَّجُلُ الذَّلِيلُ يَأْتِي الرَّجُلَ العَزِيزَ فَيُعاقِدُهُ، أيْ: يُحالِفُهُ، ويَقُولُ لَهُ: أنا ابْنُكَ، تَرِثُنِي وأرِثُكَ، حُرْمَتِي حُرْمَتُكَ، ودَمِي دَمُكَ، وثَأْرِي ثَأْرُكَ، وأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالوَفاءِ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ أُمِرَ بِهِ قَبْلَ تَسْمِيَةِ المَوارِيثِ، وقِيلَ أيْضًا: أمَرَ أنْ يُوَفّى لَهم بِعَقْدِهِمُ الَّذِي كانَ في الجاهِلِيَّةِ، ولا يَعْقِدَ المُسْلِمُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: اَلَّذِي يَعْقِدُ عَلى المُوالاةِ، ويَجِبُ أنْ يُجْعَلَ لَهُ نَصِيبٌ في المالِ، يَذْهَبُ إلى أنَ ذَلِكَ مِنَ الثُّلُثِ الَّذِي هو لِلْمَيِّتِ، وإجْماعُ الفُقَهاءِ أنَّهُ لا مِيراثَ لِغَيْرِ مَن وُصِفَ مِنَ الآباءِ، والأبْناءِ، وذَوِي العَصَبَةِ، والمَوالِي، والأزْواجِ.
النساء 4:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾، اَلرَّجُلُ قَيِّمٌ عَلى المَرْأةِ فِيما يَجِبُ لَها عَلَيْهِ، فَأمّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلا، ويُقالُ: ”هَذا قَيِّمُ المَرْأةِ، وقِوامُها“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٧)
؎اَللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَ قَيِّمِها ∗∗∗ يَفِرُّ مِنِّي بِها وأتَّبِعُ
جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ لِلرِّجالِ، لِفَضْلِهِمْ في العِلْمِ، والتَّمْيِيزِ، ولِإنْفاقِهِمْ أمْوالَهم في المُهُورِ، وأقْواتِ النِّساءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾، أيْ: قَيِّماتٌ بِحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ، ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾، تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِالشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ أمْرَ اللَّهِ، ودِينَ اللَّهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”بِحِفْظِ اللَّهِ“، أيْ: بِأنْ يَحْفَظْنَ اللَّهَ، وهو راجِعٌ إلى أمْرِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واللاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾، ”اَلنُّشُوزُ“: كَراهَةُ أحَدِهِما صاحِبَهُ، يُقالُ: ”نَشَزَتِ المَرْأةُ، تَنْشِزُ، وتَنْشُزُ“، جَمِيعًا، وقَدْ قُرِئَ بِهِما ﴿وَإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا﴾ [المجادلة: ١١]، ”اِنْشِزُوا“، و”اُنْشُزُوا“، ”فانْشِزُوا“، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلنَّشْزُ“، وهو المَكانُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُ: ”نَشْزٌ“، و”نَشَزٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾، أيْ: في النَّوْمِ مَعَهُنَّ، والقُرْبِ مِنهُنَّ، فَإنَّهُنَّ إنْ كُنَّ يُحْبِبْنَ أزْواجَهُنَّ شَقَّ عَلَيْهِنَّ الهِجْرانُ في المَضاجِعِ، وإنْ كُنَّ مُبْغِضاتٍ وافَقَهُنَّ ذَلِكَ، فَكانَ دَلِيلًا عَلى النُّشُوزِ مِنهُنَّ.
(p-٤٨)يُقالُ: ”هَجَرْتُ الإنْسانَ، والشَّيْءَ، أهْجُرُهُ، هَجْرًا، وهِجْرانًا“، و”أهْجَرَ فُلانٌ مَنصِبَهُ، يُهْجِرُهُ، إهْجارًا“، إذا تَكَلَّمَ بِالقَبِيحِ، و”هَجَرَ الرَّجُلُ هَجْرًا“، إذا هَذى، و”هَجَرْتُ البَعِيرَ، أهْجُرُهُ، هَجْرًا“، إذا جَعَلْتُ لَهُ هِجارًا، و”اَلْهِجارُ“: حَبْلٌ يُشَدُّ في حَقْوِ البَعِيرِ وفي رُسْغِهِ، و”هَجَّرْتُ تَهْجِيرًا“، إذا قُمْتُ وقْتَ الهاجِرَةِ، وهو انْتِصافُ النَّهارِ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في النِّساءِ أنْ يُبْدَأْنَ بِالمَوْعِظَةِ أوَّلًا، ثُمَّ بِالهِجْرانِ بَعْدُ، وإنْ لَمْ يُنْجِعا فِيهِنَّ، فالضَّرْبُ، ولَكِنْ لا يَكُونُ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فَإنْ أطْعَنْ فِيما يُلْتَمَسُ مِنهُنَّ، فَلا يُبْغى عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا، أيْ: لا يُطْلَبُ عَلَيْهِنَّ طَرِيقُ عَنَتٍ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾، أيْ: هو مُتَعالٍ أنْ يُكَلِّفَ إلّا بِالحَقِّ، ومِقْدارِ الطّاقَةِ.
النساء 4:35
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾، قالَ بَعْضُهم: ”خِفْتُمْ“، هَهُنا، في مَعْنى ”أيْقَنْتُمْ“، وهَذا خَطَأٌ، لَوْ عَلِمْنا الشِّقاقَ عَلى الحَقِيقَةِ لَمْ يُجْنَحْ إلى الحَكَمَيْنِ، وإنَّما يُخافُ الشِّقاقُ، والشِّقاقُ: اَلْعَداوَةُ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْمُتَشاقَّيْنِ“، كُلُّ صِنْفٍ مِنهُما في شِقٍّ، أيْ: في ناحِيَةٍ، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى - إنْ خِفْتُمْ وُقُوعَ العَداوَةِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ - أنْ يَبْعَثُوا حَكَمَيْنِ، حَكَمًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وحَكَمًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ، و”اَلْحَكَمُ“: اَلْقَيِّمُ بِما يُسْنَدُ إلَيْهِ، ويُرْوى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ اجْتَمَعَ إلَيْهِ فِئامٌ (p-٤٩)مِنَ النّاسِ - أيْ: جَمْعٌ كَثِيرٌ - مَعَ امْرَأةٍ وزَوْجِها، قَدْ وقَعَ بَيْنَهُما اخْتِلافٌ، فَأمَرَ حَكَمَيْنِ أنْ يَتَعَرَّفا أمْرَهُما، وقالَ لَهُما: ”أتَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما؟ إنَّ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَرَّقْتُما، وإنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما“، وقالَ بَعْضُهم: عَلى الحَكَمَيْنِ أنْ يَعِظا، ويُعَرِّفا ما عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجِ والمَرْأةِ في مُجاوَزَةِ الحَقِّ، فَإنْ رَأيا أنْ يُفَرِّقا فَرَّقا، وإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا جَمَعا، وحَقِيقَةُ أمْرِ الحَكَمَيْنِ أنَّهُما يَقْصِدانِ لِلْإصْلاحِ، ولَيْسَ لَهُما طَلاقٌ، وإنَّما عَلَيْهِما أنْ يُعَرِّفا الإمامَ حَقِيقَةَ ما وقَفا عَلَيْهِ، فَإنْ رَأى الإمامُ أنْ يُفَرِّقَ فَرَّقَ، أوْ أنْ يَجْمَعَ جَمَعَ، وإنْ وكَّلَهُما بِتَفْرِيقٍ، أوْ بِجَمْعٍ، فَهُما بِمَنزِلَةٍ، وما فَعَلَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَهو فِعْلٌ لِلْإمامِ أنْ يَفَعَلَهُ، وحَسْبُنا بِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إمامًا، فَلَمّا قالَ لَهُما: ”إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَرَّقْتُما“، كانَ قَدْ ولّاهُما ذَلِكَ، ووَكَّلَهُما فِيهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، أيْ: عَلِيمًا بِما فِيهِ الصَّلاحُ لِلْخَلْقِ، خَبِيرًا بِذَلِكَ.
النساء 4:36
وَقَوْلُهُ: ﴿واعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، أيْ: لا تَعْبُدُوا مَعَهُ غَيْرَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ عِبادَتَهُ، ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، اَلْمَعْنى: أوْصاكُمُ اللَّهُ بِعِبادَتِهِ، وأوْصاكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣]، لِأنَّ مَعْنى ”قَضى“، هَهُنا: أمَرَ، ووَصّى.
(p-٥٠)وَقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ”إحْسانًا“، مَنصُوبٌ عَلى ”وَأحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا“، كَما تَقُولُ: ”ضَرْبًا زَيْدًا“، اَلْمَعْنى: ”اِضْرِبْ زَيْدًا ضَرْبًا“، ﴿وَبِذِي القُرْبى﴾، أمَرَ اللَّهُ بِالإحْسانِ إلى ذَوِي القُرْبى بَعْدَ الوالِدَيْنِ، ﴿واليَتامى﴾، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: ”وَبِاليَتامى والمَساكِينِ أوْصاكم أيْضًا“، وكَذَلِكَ جَمِيعُ ما ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، المَعْنى: أحْسِنُوا بِهَؤُلاءِ كُلِّهِمْ، ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾، أيْ: اَلْجارِ الَّذِي يُقارِبُكَ وتَعْرِفُهُ ويَعْرِفُكَ، ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾، والجارِ القَرِيبِ المُتَباعِدِ، قالَ عَلْقَمَةُ:
؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنَ جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾، قِيلَ هو الصّاحِبُ في السَّفَرِ، ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾، اَلضَّيْفُ يَجِبُ قِراهُ، وأنْ يُبَلَّغَ حَيْثُ يُرِيدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾، أيْ: وأحْسِنُوا بِمِلْكِ أيْمانِكُمْ، مَوْضِعُ ”ما“: عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، وكانَتْ وصِيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ وفاتِهِ: «”اَلصَّلاةَ، وما مَلَكَتْ أيْمانُكم“» .
(p-٥١)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالا فَخُورًا﴾، اَلْمُخْتالُ: اَلصَّلِفُ، التَّيّاهُ، الجَهُولُ، وإنَّما ذَكَرَ الِاخْتِيالَ في هَذِهِ القِصَّةِ لِأنَّ المُخْتالَ يَأْنَفُ مِن ذَوِي قَراباتِهِ إذا كانُوا فُقَراءَ، ومِن جِيرانِهِ إذا كانُوا كَذَلِكَ، فَلا يُحْسِنُ عِشْرَتَهم.
النساء 4:37
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾، و”اَلْبَخْلِ“، جَمِيعًا يُقْرَآنِ، يُعْنى بِهِ اليَهُودُ، لِأنَّهم يَبْخَلُونَ بِعِلْمِ ما كانَ عِنْدَهم مِن مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، أيْ: ما أعْطاهم مِنَ العِلْمِ بِرِسالَةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾، أيْ: جَعَلْنا ذَلِكَ عَتادًا لَهُمْ، أوْ مُثْبَتًا لَهُمْ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“، نَصْبًا عَلى البَدَلِ، والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ مُخْتالًا فَخُورًا، أيْ: لا يُحِبُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ويَكُونَ ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ [النساء: ٣٨]، عَطْفًا عَلى ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾، في النَّصْبِ، والرَّفْعِ، وهَؤُلاءِ يُعْنى بِهِمُ المُنافِقُونَ، كانُوا يُظْهِرُونَ الإيمانَ ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
النساء 4:38
﴿وَمَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾، أيْ: مَن يَكُنْ عَمَلُهُ بِما يُسَوِّلُ لَهُ الشَّيْطانُ فَبِئْسَ العَمَلُ عَمَلُهُ، (p-٥٢)”فَساءَ قَرِينًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ نِعْمَ رَجُلًا“، وكَما قالَ: ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٧]
النساء 4:39
وَقَوْلُهُ: ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”ما“، و”ذا“، اِسْمًا واحِدًا، المَعْنى: وأيُّ شَيْءٍ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ذا“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، أوْ تَكُونَ ”ما“، وحْدَها اسْمًا، المَعْنى: وما الَّذِي عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ؟! هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ يَبْخَلُونَ بِما عَلِمُوا، ﴿وَكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾
النساء 4:40
وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾، ”مِثْقالٌ“: ”مِفْعالٌ“، مِن ”اَلثِّقْلُ“، أيْ: ما كانَ وزْنُهُ الذَّرَّةُ، وقِيلَ: لِكُلِّ ما يُعْمَلُ ”وَزْنُ مِثْقالٍ“، تَمْثِيلًا، لِأنَّ الصَّلاةَ والصِّيامَ والأعْمالَ لا وزْنَ لَها، لَكِنَّ النّاسَ خُوطِبُوا فِيما في قُلُوبِهِمْ بِتَمْثِيلِ ما يُدْرَكُ بِأبْصارِهِمْ، لِأنَّ ذَلِكَ - أعْنِي ما يُبْصَرُ - أبْيَنُ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾، اَلْأصْلُ في ”تَكُنْ“: ”تَكُونْ“، فَسَقَطَتِ الضَّمَّةُ لِلْجَزْمِ، وسَقَطَتِ الواوُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ، فَأمّا سُقُوطُ النُّونِ مِن ”تَكُنْ“، فَأكْثَرُ الِاسْتِعْمالِ جاءَ في القُرْآنِ بِإثْباتِها، وإسْقاطُها قَلِيلٌ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥]، (p-٥٣)فاجْتَمَعَ في النُّونِ أنَّها تُشْبِهُ حُرُوفَ اللِّينِ، وأنَّها ساكِنَةٌ، فَحُذِفَتِ اسْتِخْفافًا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، كَما قالُوا: ”لا أدْرِ“، و”لَمْ أُبَلْ“، والأجْوَدُ ”لَمْ أُبالِ“، و”لا أدْرِي“، و”حَسَنَةً“، يَكُونُ فِيها الرَّفْعُ، والنَّصْبُ، المَعْنى: وإنْ تَكُنْ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، ومَن قَرَأ: ”وَإنْ تَكُنْ حَسَنَةٌ“، بِالرَّفْعِ، رَفَعَ عَلى اسْمِ ”كانَ“، ولا خَبَرَ لَها، وهي هَهُنا في مَذْهَبِ التَّمامِ، والمَعْنى: وإنْ تَحْدُثْ حَسَنَةٌ يُضاعِفْها.
﴿وَيُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾، ”وَيُؤْتِ“، بِغَيْرِ ياءٍ، سَقَطَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ، مَعْطُوفٌ عَلى ”يُضاعِفْها“، ووَقَعَتْ ”لَدُنْ“، وهي في مَوْضِعٍ جَرٍّ، وفِيها لُغاتٌ، يُقالُ: ”لَدُ“، و”لَدُنْ“، و”لَدُنٌ“، و”لَدى“، والمَعْنى واحِدٌ، ومَعْناهُ: مِن قِبَلِهِ، إلّا أنَّها لا تَتَمَكَّنُ تَمَكُّنَ ”عِنْدَ“، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”هَذا القَوْلُ عِنْدِي صَوابٌ“، ولا يُقالُ: ”اَلْوَقْتُ لَدُنِّي صَوابٌ“، وتَقُولُ: ”عِنْدِي مالٌ عَظِيمٌ“، والمالُ غائِبٌ عَنْكَ، و”لَدُنْ“، لِما يَلِيكَ.
النساء 4:41
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، أيْ: فَكَيْفَ تَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ يَوْمَ القِيامَةِ؟! وحَذَفَ ”تَكُونُ حالُهم“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ما حُذِفَ، و”كَيْفَ“، لَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها مَعْنى التَّوْبِيخِ، قَوْلُهُ: ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، (p-٥٤)أيْ: نَأْتِي بِكُلِّ نَبِيِّ أُمَّةٍ يَشْهَدُ عَلَيْها ولَها.
النساء 4:42
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ﴾، اَلِاخْتِيارُ الضَّمُّ في الواوِ في ”عَصَوُا الرَّسُولَ“، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والكَسْرُ جائِزٌ، وقَدْ فَسَّرْناهُ فِيما مَضى.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾، و”بِهِمِ الأرْضُ“، بِضَمِّ المِيمِ، وكَسْرِها، ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، أيْ: يَوَدُّونَ أنَّهم لَمْ يُبْعَثُوا، وأنَّهم كانُوا والأرْضُ سَواءً، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ البَهائِمَ يَوْمَ القِيامَةِ تَصِيرُ تُرابًا، فَيَوَدُّونَ أنَّهم يَصِيرُونَ تُرابًا، قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهم: ودُّوا أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا، لِأنَّ قَوْلَهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، قَدْ كَذَبُوا فِيهِ، وقالَ بَعْضُهم: ”﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾“، مُسْتَأْنَفٌ، لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كَتْمِهِ.
النساء 4:43
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها نَزَلَتْ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ، لِأنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ اجْتَمَعُوا فَشَرِبُوا الخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِها، وتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنهم (p-٥٥)فَصَلّى بِهِمْ فَقَرَأ: ”قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ، وأنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ“، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: ”اَللَّهُمَّ إنَّ الخَمْرَ تَضُرُّ بِالعُقُولِ“، وتَذْهَبُ بِالمالِ، فَأنْزِلْ فِيها أمْرَكَ ”، فَنَزَلَ في سُورَةِ“ اَلْمائِدَةِ ”: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠]، وقالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]، والتَّحْرِيمُ نُصَّ بِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ والبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الأعراف: ٣٣]، فَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِأنَّهُ قالَ: إنَّها إثْمٌ كَبِيرٌ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الإثْمَ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في ذَلِكَ الوَقْتِ ألّا يَقْرَبَ الصَّلاةَ السَّكْرانُ، وحَرَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ السُّكْرَ، لِأنَّ إجْماعَ الأُمَّةِ أنَّ السُّكْرَ حَرامٌ، وإنَّما حُرِّمَ ذُو السُّكُرِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ السُّكْرِ أنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَرامًا، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في سُورَةِ“ اَلْبَقَرَةِ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾، أيْ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ جُنُبٌ، إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، أيْ: إلّا مُسافِرِينَ، لِأنَّ المُسافِرَ يُعْوِزُه الماءُ، وكَذَلِكَ المَرِيضُ الَّذِي يَضُرُّ بِهِ الغُسْلُ، ويُرْوى «أنَّ قَوْمًا غَسَلُوا مُجْدَرًا فَماتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، كانَ يَجْزِيهِ التَّيَمُّمُ ”،» وقالَ قَوْمٌ:“ لا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلاةِ ”، حَقِيقَتُهُ: لا تُصَلُّوا إذا كُنْتُمْ جُنُبًا (p-٥٦)حَتّى تَغْتَسِلُوا، إلّا ألّا تَقْدِرُوا عَلى الماءِ، وإلّا أنْ تَخافُوا أنْ يَضُرَّكُمُ الغَسْلُ إضْرارًا شَدِيدًا، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا في حالِ مَرَضٍ، ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، مَعْنى“ تَيَمَّمُوا ”: اِقْصِدُوا، والصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ، فَعَلى الإنْسانِ في التَّيَمُّمِ أنْ يَضْرِبَ بِيَدَيْهِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَمْسَحَ بِهِما جَمِيعًا وجْهَهُ، وكَذَلِكَ يَضْرِبُ ضَرْبَةً واحِدَةً، فَيَمْسَحُ بِهِما يَدَيْهِ، والطَّيِّبُ: هو النَّظِيفُ الطّاهِرُ، ولا يُبالِي أكانَ في المَوْضِعِ تُرابٌ أمْ لا، لِأنَّ الصَّعِيدَ لَيْسَ هو التُّرابَ، إنَّما هو وجْهُ الأرْضِ، تُرابًا كانَ أوْ غَيْرَهُ، ولَوْ أنَّ أرْضًا كانَتْ كُلُّها صَخْرًا لا تُرابَ عَلَيْها، ثُمَّ ضَرَبَ المُتَيَمِّمُ يَدَهُ عَلى ذَلِكَ الصَّخْرِ، لَكانَ ذَلِكَ طَهُورًا إذا مَسَحَ بِهِ وجْهَهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠]، فَأعْلَمَكَ أنَّ الصَّعِيدَ يَكُونُ زَلَقًا، والصُّعُداتُ: اَلطُّرُقاتُ، وإنَّما سُمِّيَ“ صَعِيدًا "، لِأنَّها نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِن باطِنِ الأرْضِ، لا أعْلَمُ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ اخْتِلافًا في أنَّ الصَّعِيدَ وجْهُ الأرْضِ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، أيْ: يَقْبَلُ مِنكُمُ العَفْوَ، ويَغْفِرُ لَكُمْ، لِأنَّ قَبُولَهُ التَّيَمُّمَ تَسْهِيلٌ عَلَيْكم.
النساء 4:44
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، قالَ بَعْضُهم: ”ألَمْ تَرَ“: ألَمْ تُخْبَرْ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ألَمْ تَعْلَمْ، المَعْنى: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَؤُلاءِ، ومَعْناهُ: اِعْرَفْهُمْ، يُعْنى بِهِ عُلَماءُ أهْلِ الكِتابِ، أعْطاهُمُ اللَّهُ في كِتابِهِمْ عِلْمَ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عِنْدَهم مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ.
(p-٥٧)وَقَوْلُهُ: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾، أيْ: يُؤْثِرُونَ التَّكْذِيبَ بِأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَأْخُذُوا عَلى ذَلِكَ الرِّشا، ويَثْبُتَ لَهم رِياسَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾، أيْ: تَضِلُّوا طَرِيقَ الهُدى، لِأنَّ ”اَلسَّبِيلُ“، في اللُّغَةِ: اَلطَّرِيقُ.
النساء 4:45
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾، أيْ: هو أعْرَفُ بِهِمْ، فَهو يُعْلِمُكم ما هم عَلَيْهِ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾، أيْ: اَللَّهُ ناصِرُكم عَلَيْهِمْ، ومَعْنى الباءِ التَّوْكِيدُ، المَعْنى: وكَفى اللَّهُ ولِيًّا، وكَفى اللَّهُ نَصِيرًا، إلّا أنَّ الباءَ دَخَلَتْ في اسْمِ الفاعِلِ، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الأمْرُ، المَعْنى: اِكْتَفُوا بِاللَّهِ.
النساء 4:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾، فِيها قَوْلانِ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ ”اَلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“، والمَعْنى: ”ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ مِنَ الَّذِينَ هادُوا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ“، ويَكُونَ ”يُحَرِّفُونَ“، صِفَةً، والمَوْصُوفُ مَحْذُوفٌ، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في مِثْلِ هَذا قَوْلَ الشّاعِرِ: (p-٥٨)
؎وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
اَلْمَعْنى: مِنهُما تارَةً أمُوتُ فِيها، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: اَلْمَعْنى: ”مِنَ الَّذِينَ هادُوا مَن يُحَرِّفُونَهُ“، فَجَعَلَ ”يُحَرِّفُونَ“، صِلَةَ ”مَن“، وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ لا يُحْذَفُ المَوْصُولُ وتَبْقى صِلَتُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَوْ قُلْتُ ما في قَوْمِها لَمْ تِيثَمِ ∗∗∗ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
اَلْمَعْنى: ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، وزَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ هَذا إنَّما يَجُوزُ مَعَ ”مِن“، و”في“، وهو جائِزٌ إذا كانَ فِيما بَقِيَ دَلِيلٌ عَلى ما أُلْقِيَ، لَوْ قُلْتَ: ”ما فِيهِمْ يَقُولُ ذاكَ“، أوْ: ”ما عِنْدَهم يَقُولُ ذاكَ“، جازا جَمِيعًا جَوازًا واحِدًا، والمَعْنى: ”ما عِنْدَهم أحَدٌ يَقُولُ ذاكَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾، كانَتِ اليَهُودُ - لُعِنَتْ - تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اِسْمَعْ، وتَقُولُ في أنْفُسِها: لا أُسْمِعْتَ، وقِيلَ: ”غَيْرَ مُسْمَعٍ“: غَيْرَ مُجابٍ إلى ما تَدْعُو إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَراعِنا﴾، هَذِهِ كَلِمَةٌ كانَتْ تَجْرِي بَيْنَهم عَلى حَدِّ السُّخْرى والهُزُؤِ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا يَقُولُونَها (p-٥٩)كِبْرًا، كَأنَّهم يَقُولُونَ: أرْعِنا سَمْعَكَ، أيْ: اِجْعَلْ كَلامَكَ لِسَمْعِنا مَرْعًى، وهَذا مِمّا لا تُخاطَبُ بِهِ الأنْبِياءُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، إنَّما يُخاطَبُونَ بِالإجْلالِ والإعْظامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾، أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مُعانَدَةً لِلْحَقِّ، وطُغْيانًا في الدِّينِ، وأصْلُ ”لَيًّا“: ”لَوْيًا“، ولَكِنَّ الواوَ أُدْغِمَتْ في الياءِ، لِسَبْقِها بِالسُّكُونِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾، أيْ: فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا إيمانًا قَلِيلًا، لا يَجِبُ بِهِ أنْ يُسَمَّوْا ”اَلْمُؤْمِنِينَ“، وقالَ بَعْضُهم: ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾، أيْ: إلّا قَلِيلًا مِنهُمْ، فَإنَّهم آمَنُوا.
النساء 4:47
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾، فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالَ بَعْضُهم: ”نَجْعَلَ وُجُوهَهم كَأقْفائِهِمْ“، وقالَ بَعْضُهم: ”نَجَعَلَ وُجُوهَهم مَنابِتَ لِلشَّعْرِ كَأقْفائِهِمْ“، وقالَ بَعْضُهم: اَلْوُجُوهُ هَهُنا: تَمْثِيلٌ بِأمْرِ الدِّينِ، المَعْنى: قَبْلَ أنْ نُضِلَّهم مُجازاةً لِما هم عَلَيْهِ مِنَ المُعانَدَةِ، فَنُضِلَّهم ضَلالًا لا يُؤْمِنُونَ مَعَهُ أبَدًا.
النساء 4:48
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾، أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّ ما دُونَ الكَبائِرِ مَغْفُورٌ، واخْتَلَفُوا في الكَبائِرِ، فَقالَ بَعْضُهم: اَلْكَبائِرُ الَّتِي وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها النّارَ لا تُغْفَرُ، وقالَ المَشْيَخَةُ مِن أهْلِ (p-٦٠)الفِقْهِ والعِلْمِ: جائِزٌ أنْ يُغْفَرَ كُلُّ ما دُونَ ذَلِكَ بِالتَّوْبَةِ، وبِالتَّوْبَةِ يُغْفَرُ الشِّرْكُ وغَيْرُهُ، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾، ”اِفْتَرى“: اِخْتَلَقَ وكَذَبَ، ”إثْمًا عَظِيمًا“: أيْ: غَيْرَ مَغْفُورٍ.
النساء 4:49
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾، ”ألَمْ تَرَ“: ألَمْ تُخْبَرْ، في قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ألَمْ تَعْلَمْ، وتَأْوِيلُهُ سُؤالٌ فِيهِ مَعْنى الإعْلامِ، تَأْوِيلُهُ: اِعْلَمْ قِصَّتَهُمْ، وعَلى مُجْرى اللُّغَةِ: ”ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى هَؤُلاءِ؟“، ومَعْنى ”يُزَكُّونَ أنْفُسَهم“: أيْ: يَزْعُمُونَ أنَّهم أزْكِياءُ، وتَأْوِيلُ قَوْلِنا: ”زُكاءُ الشَّيْءِ“، في اللُّغَةِ: نَماؤُهُ في الصَّلاحِ، وهَذا أيْضًا يُعْنى بِهِ اليَهُودُ، وكانُوا جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ بِأطْفالِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، أعَلى هَؤُلاءِ ذُنُوبٌ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لا“، فَقالُوا: كَذا نَحْنُ، ما نَعْمَلُ بِاللَّيْلِ يُغْفَرُ بِاللَّيْلِ، وما نَعْمَلُ بِالنَّهارِ يُغْفَرُ بِالنَّهارِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾، أيْ: يَجْعَلُ مَن يَشاءُ زاكِيًا، ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾، تَأْوِيلُهُ: ولا يُظْلَمُونَ مِقْدارَ فَتِيلٍ، قالَ بَعْضُهم: اَلْفَتِيلُ ما تَفْتُلُهُ بَيْنَ إصْبَعَيْكَ مِنَ الوَسَخِ، قالَ بَعْضُهم: اَلْفَتِيلُ ما كانَ في باطِنِ النَّواةِ مِن لِحائِها، وقالُوا في التَّفْسِيرِ: ما كانَ في ظَهْرِها، وهو الَّذِي تَنْبُتُ مِنهُ النَّخْلَةُ، والقِطْمِيرُ: جُمْلَةُ ما التَفَّ عَلَيْها مِن لِحائِها.
النساء 4:50
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾، (p-٦١)أيْ: يَفْعَلُونَهُ، ويَخْتَلِقُونَهُ، ويُقالُ: ”قَدْ فَرى الرَّجُلُ، يَفْرِي“، إذا عَمِلَ، وإذا قَطَعَ، ومِن هَذا ”فَرَيْتُ جِلْدَهُ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّ هَذا القَوْلَ - أعْنِي تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم - فِرْيَةٌ مِنهُمْ، ﴿وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾، أيْ: كَفى هو إثْمًا، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، أيْ: كَفى بِهِ في الآثامِ.
النساء 4:51
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾، يَعْنِي بِهِ عُلَماءَ اليَهُودِ، أيْ: أُعْطُوا عِلْمَ أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَمُوهُ، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: كُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو جِبْتٌ، وطاغُوتٌ، وقِيلَ: اَلْجِبْتُ والطّاغُوتُ: اَلْكَهَنَةُ، والشَّياطِينُ، وقِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: اَلْجِبْتُ والطّاغُوتُ هَهُنا: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، اليَهُودِيّانِ، وهَذا غَيْرُ خارِجٍ عَمّا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، لِأنَّهُ إذا اتَّبَعُوا أمْرَهُما فَقَدْ أطاعُوهُما مِن دُونِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾، وهَذا بُرْهانٌ، ودَلِيلٌ عَلى مُعانَدَةِ اليَهُودِ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَدِّقُوا بِشَيْءٍ مِنَ الكُتُبِ وعِبادَةِ الأصْنامِ، أهْدى طَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ يُجامِعُونَهم عَلى كَثِيرٍ مِمّا يُصَدِّقُونَ بِهِ، وهَذا عِنادٌ بَيِّنٌ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سَبِيلا﴾، (p-٦٢)مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، كَما تَقُولُ: ”هَذا أحْسَنُ مِنكَ وجْهًا“، و”هَذا أجْوَدُ مِنكَ ثَوْبًا“، لِأنَّكَ في قَوْلِكَ: ”هَذا أجْوَدُ مِنكَ“، قَدْ أبْهَمْتَ الشَّيْءَ الَّذِي فَضَّلْتَهُ بِهِ، إلّا أنْ تُرِيدَ أنَّ جُمْلَتَهُ أجْوَدُ مِن جُمْلَتِكَ، فَتَقُولَ: ”هَذا أجْوَدُ مِنكَ“، وتُمْسِكَ.
النساء 4:52
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ باعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ، وقَدْ بَيَّنّا أنَّ اللَّعْنَةَ هي المُباعَدَةُ في جَمِيعِ اللُّغَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾، أيْ: مَن يُباعِدِ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ فَهو مَخْذُولٌ في دَعْواهُ، وحُجَّتِهِ، ومَغْلُوبٌ، واليَهُودُ خاصَّةً أبْيَنُ خِذْلانًا في أنَّهم غُلِبُوا مِن بَيْنِ جَمِيعِ سائِرِ أهْلِ الأدْيانِ، لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ عِنادًا، وأنَّهم كَتَمُوا الحَقَّ، وهم يَعْلَمُونَهُ.
النساء 4:53
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾، اَلْمَعْنى: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟! ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾، قالَ بَعْضُهم: إنَّما مَعْناهُ أنَّهم لَوْ أُعْطُوا المُلْكَ، ما أعْطَوُا النّاسَ نَقِيرًا، وذِكْرُ النَّقِيرَ هَهُنا تَمْثِيلٌ، المَعْنى: لَضَنُّوا بِالقَلِيلِ، وأمّا رَفْعُ ”يُؤْتُونَ“، فَعَلى ”فَلا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا إذَنْ“، ومَن نَصَبَ فَقالَ: ”فَإذًا لا يُؤْتُوا النّاسَ“، جازَ لَهُ ذَلِكَ، في غَيْرِ القِراءَةِ، فَأمّا المُصْحَفُ فَلا يُخالَفُ.
(p-٦٣)قالَ سِيبَوَيْهِ: ”إذًا“، في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ ”أظُنُّ“، في عَوامِلِ الأسْماءِ، فَإذا ابْتَدَأْتَ ”إذَنْ“، وأنْتَ تُرِيدُ الِاسْتِقْبالَ، نَصَبْتَ لا غَيْرُ، تَقُولُ: ”إذَنْ أُكْرِمَكَ“، وإنْ جَعَلْتَها مُعْتَرِضَةً ألْغَيْتَها، فَقُلْتَ: ”أنا إذَنْ أُكْرِمُكَ“، أيْ: ”أنا أُكْرِمُكَ إذَنْ“، فَإنْ أتَيْتَ بِها مَعَ الواوِ والفاءِ، قُلْتَ: ”فَإذًا أُكْرِمُكَ“، وإنْ شِئْتَ ”فَإذَنْ أُكْرِمَكَ“، فَمَن قالَ: ”فَإذَنْ أُكْرِمَكَ“، نَصَبَ بِها، وجَعَلَ الفاءَ مُلْصَقَةً بِها في اللَّفْظِ، والمَعْنى، ومَن قالَ: ”فَإذَنْ أُكْرِمُكَ“، جَعَلَ ”إذًا“، لَغْوًا، وجَعَلَ الفاءَ في المَعْنى مُعَلَّقَةً بِـ ”أ ُكْرِمُكَ“، والمَعْنى: ”فَأُكْرِمُكَ إذَنْ“، وتَأْوِيلُ ”إذَنْ“: إنْ كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرْتَ، أوْ كَما جَرى، يَقُولُ القائِلُ: ”زَيْدٌ يَصِيرُ إلَيْكَ“، فَتُجِيبُ فَتَقُولُ: ”إذَنْ أُكْرِمُهُ“، تَأْوِيلُهُ: إنْ كانَ الأمْر عَلى ما تَصِفُ، وقَعَ إكْرامُهُ، فَـ ”أنْ“، مَعَ ”أُكْرِمُهُ“، مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ ”إذَنْ“، اَلْمَعْنى: ”إكْرامُكَ واقِعٌ إنْ كانَ الأمْرُ كَما قُلْتَ“، قالَ سِيبَوَيْهِ: حَكى بَعْضُ أصْحابِ الخَلِيلِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ ”أنْ“، هي العامِلَةُ في بابِ ”إذَنْ“، فَأمّا سِيبَوَيْهِ فالَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْكِيهِ عَنْهُ أنَّ ”إذَنْ“، نَفْسَها النّاصِبَةُ، وذَلِكَ أنَّ ”إذَنْ“، لِما يُسْتَقْبَلُ لا غَيْرُ في حالِ النَّسَبِ، فَجَعَلَها بِمَنزِلَةِ ”أنْ“، في العَمَلِ، كَما جُعِلَتْ ”لَكِنَّ“، نَظِيرَةَ ”إنَّ“، في العَمَلِ في الأسْماءِ، وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، إلّا أنَّ العامِلَ - عِنْدِي - النَّصْبَ في سائِرِ الأفْعالِ، ”أنْ“، وذَلِكَ أجْوَدُ، إمّا أنْ تَقَعَ ظاهِرَةً، أوْ مُضْمَرَةً، لِأنَّ رَفْعَ المُسْتَقْبَلِ بِالمُضارَعَةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ نَصَبَهُ في مُضارِعِهِ ما يَنْصِبُ في بابِ الأسْماءِ، تَقُولُ: ”أظُنُّ أنَّكَ (p-٦٤)مُنْطَلِقٌ“، فالمَعْنى: ”أظُنُّ انْطِلاقَكَ“، وتَقُولُ: ”أرْجُو أنْ تَذْهَبَ“، أيْ: ”أرْجُو ذَهابَكَ“، فَـ ”أنْ“، اَلْخَفِيفَةُ، مَعَ المُسْتَقْبَلِ، كالمَصْدَرِ، كَما أنَّ ”أنَّ“، اَلشَّدِيدَةَ مَعَ اسْمِها، وخَبَرِها، كالمَصْدَرِ، وهو وجْهُ المُضارَعَةِ.
النساء 4:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، مَعْناهُ: بَلْ أيَحْسُدُونَ النّاسَ؟! وهُنا يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، كانَتِ اليَهُودُ قَدْ حَسَدَتْهُ عَلى ما آتاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ النُّبُوَّةَ في ”آلِ إبْراهِيمَ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقِيلَ لَهم: أتَحْسُدُونَ النَّبِيَّ ﷺ وقَدْ كانَتِ النُّبُوَّةُ في آلِهِ، وهم آلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَأْنُهُ النِّساءُ، حَسَدًا لِما أُحِلَّ لَهُ مِنهُنَّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ آلَ إبْراهِيمَ قَدْ أُوتُوا مُلْكًا عَظِيمًا، وقالَ بَعْضُهم: نالُوا مِنَ النِّساءِ أكْثَرَ مِمّا نالَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ، وكانَ لِسُلَيْمانَ ألْفٌ، ما بَيْنَ حُرَّةٍ، ومَمْلُوكَةٍ، فَما بالُهم حَسَدُوا النَّبِيَّ ﷺ.
النساء 4:55
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾، أيْ: مَن آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ (p-٦٥)وَقِيلَ: ”مِنهم مَن آمَنَ بِهِ“، أيْ: بِهَذا الخَبَرِ عَنْ سُلَيْمانَ، وداوُدَ، فِيما أُعْطِيا مِنَ النِّساءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾، اَلْمَعْنى: كَفَتْ جَهَنَّمُ شِدَّةَ تَوَقُّدٍ.
النساء 4:56
وَقَوْلُهُ: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾، أيْ: نَشْوِيهِمْ في نارٍ، ويُرْوى أنَّ يَهُودِيَّةً أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ شاةً مَصْلِيَّةً، أيْ: مَشْوِيَّةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾، اَلْأحْسَنُ إظْهارُ التّاءِ هَهُنا مَعَ الجِيمِ، لِئَلّا تَكْثُرَ الجِيماتُ، وإنْ شِئْتَ أدْغَمْتَ التّاءَ في الجِيمِ، لِأنَّ الجِيمَ مِن وسَطِ اللِّسانِ، والتّاءَ مِن طَرَفِهِ، والتّاءُ حَرْفٌ مَهْمُوسٌ، فَأدْغَمْتَهُ في الجِيمِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: بُدِّلَ الجِلْدُ الَّذِي عَصى بِالجِلْدِ الَّذِي غَيْرُ العاصِي، فَذَلِكَ غَلَطٌ مِنَ القَوْلِ، لِأنَّ العاصِيَ والآلِمَ هو الإنْسانُ، لا الجِلْدُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بُدِّلَ الجِلْدُ النَّضِجُ، وأُعِيدَ كَما كانَ جِلْدُهُ الأوَّلُ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ صُغْتُ مِن خاتَمِي خاتَمًا آخَرَ“، فَأنْتَ وإنْ غَيَّرْتَ الصَّوْغَ فالفِضَّةُ أصْلٌ واحِدٌ، وقَدْ كانَ الجِلْدُ بَلِيَ بَعْدَ البَعْثِ، فَإنْشاؤُهُ بَعْدَ النُّضْجِ كَإنْشائِهِ بَعْدَ البَعْثِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾، أيْ: لِيُبْلِغَ في ألَمِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، (p-٦٦)اَلْعَزِيزُ: اَلْبالِغُ إرادَتَهُ، الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، وهو مَعَ ذَلِكَ حَكِيمٌ فِيما يُدَبِّرُ، لِأنَّ المُلْحِدِينَ رُبَّما سَألُوا عَنِ العَذابِ كَيْفَ وقَعَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ جَمِيعَ ما فَعَلَهُ بِحِكْمَةٍ.
النساء 4:57
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، اَلْمَعْنى: تَجْرِي مِن تَحْتِها مِياهُ الأنْهارِ، لِأنَّ الجارِيَ عَلى الحَقِيقَةِ الماءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾، مَعْنى ”ظَلِيلٌ“: يُظِلُّ مِنَ الرِّيحِ، والحَرِّ، ولَيْسَ كُلَّ ظِلٍّ كَذَلِكَ، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ظِلَّ أهْلِ الجَنَّةِ ظَلِيلٌ، لا حَرَّ مَعَهُ، ولا بَرْدَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، لِأنَّ لَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ مَمْدُودًا.
النساء 4:58
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾، هَذا أمْرٌ عامٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ وجَمِيعِ أُمَّتِهِ، ويُرْوى في التَّفْسِيرِ «أنَّ العَبّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ ﷺ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُ السِّقايَةَ، والسِّدانَةَ، وهي الحِجْبَةُ، وهو أنْ يَجْعَلَ لَهُ مَعَ السِّقايَةِ فَتْحَ البَيْتِ، وإغْلاقَهُ، فَنازَعَهُ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمانَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اُرْدُدْ عَلَيَّ ما أخَذْتَ مِنِّي، يَعْنِي مِفْتاحَ الكَعْبَةِ، فَرَدَّهُ ﷺ عَلى شَيْبَةَ،» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾، (p-٦٧)هَذِهِ عَلى أوْجُهٍ: ”نِعِمّا“، بِكَسْرِ النُّونِ، والعَيْنِ، وإدْغامِ المِيمِ في المِيمِ، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَ النُّونَ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ العَيْنَ، فَقُلْتَ: ”نَعْمًا“، إلّا أنَّ الأحْسَنَ عِنْدِي الإدْغامُ مَعَ كَسْرِ العَيْنِ، فَأمّا مَن قَرَأ ”نِعْمْ ما“، بِإسْكانِ العَيْنِ والمِيمِ، فَهو شَيْءٌ يُنْكِرُهُ البَصْرِيُّونَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ اجْتِماعَ السّاكِنَيْنِ - أعْنِي العَيْنَ والمِيمَ - غَيْرُ جائِزٍ، والَّذِي قالُوا بَيِّنٌ، وذَلِكَ أنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ في اللَّفْظِ، إنَّما يُحْتالُ فِيهِ بِمَشَقَّةٍ في اللَّفْظِ.
النساء 4:59
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾، أيْ: أطِيعُوا أُولِي الأمْرِ مِنكُمْ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِطاعَتِهِ فِيما فَرَضَ، وطاعَةِ رَسُولِهِ وتَصْدِيقِهِ فِيما أدّى عَنِ اللَّهِ، وأُولُو الأمْرِ مِنهم هم أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَنِ اتَّبَعَهم مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: إنَّهم هُمُ الأُمَراءُ، والأُمَراءُ إذا كانُوا أُولِي عِلْمٍ، ودِينٍ، آخِذِينَ بِما يَقُولُهُ أهْلُ العِلْمِ، فَطاعَتُهم فَرِيضَةٌ، وجُمْلَةُ أُولِي الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ مَن يَقُومُ بِشَأْنِهِمْ في أمْرِ دِينِهِمْ، وجَمِيعِ ما أدّى إلى صَلاحٍ لَهُ، ويُقالُ: ”أدَّيْتُ الشَّيْءَ تَأْدِيَةً“، والأداءُ: اِسْمٌ مَمْدُودٌ، و”أدَوْتُ الرَّجُلَ، آدُو لَهُ، أدْوًا“، إذا خَتَلْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أدَوْتُ لَهُ لِأخْتِلَهُ ∗∗∗ فَهَيْهاتَ الفَتى حَذَرا
و”أدِيَ اللَّبَنُ، أدْيًا“، إذا حَمَضَ.
(p-٦٨)وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾، مَعْنى ”تَنازَعْتُمْ“: اِخْتَلَفْتُمْ، وتَجادَلْتُمْ، وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: اَلْقَوْلُ قَوْلِي، واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَنْزِعُ الحُجَّةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ أمْرٌ مُؤَكَّدٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ القَصْدَ لِلِاخْتِلافِ كُفْرٌ، وأنَّ الإيمانَ اتِّباعُ الإجْماعِ والسُّنَّةِ، ولا يَخْلُو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾، مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَرُدُّوا ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، أوْ تَقُولُوا - إنْ لَمْ تَعْلَمُوهُ -: اَللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾، أيْ: إنَّ رَدَّكم ما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ إلى ما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ، وتَرْكَكُمُ التَّحارُبَ خَيْرٌ، وأحْسَنُ تَأْوِيلًا لَكُمْ، أيْ: أحْسَنُ عاقِبَةً لَكُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أحْسَنُ تَأْوِيلًا“: أيْ: أحْسَنُ مِن تَأوُّلِكم أنْتُمْ، دُونَ رَدِّكم إيّاهُ إلى الكِتابِ والسُّنَّةِ، و”تَأْوِيلًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
النساء 4:60
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ، ”أنَّهم“، تَنُوبُ عَنِ اسْمِ الزَّعْمِ، وخَبَرِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾، إلى الكاهِنِ، والشَّيْطانِ.
(p-٦٩)وَيُرْوى «أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ نازَعَهُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ الكاهِنُ، فَلَمْ يَرْضَ اليَهُودِيُّ بِالكاهِنِ، وصارَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ أيْضًا لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ، فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ بِأنَّ المُنافِقَ قَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ عُمَرُ لِلْمُنافِقِ: ”أكَذاكَ؟“، قالَ: نَعَمْ، فَقالَ عُمَرُ: ”اِصْبِرا فَإنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما“، فَدَخَلَ، وأخَذَ سَيْفَهُ، وخَرَجَ إلى المُنافِقِ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ حَتّى قَتَلَهُ، فَجاءَ أهْلُهُ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَألَهُ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”أنْتَ الفارُوقُ“».
النساء 4:61
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، أيْ: يَصُدُّونَ عَنْ حُكْمِكَ.
النساء 4:62
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: فَكَيْفَ تَكُونُ حالُهم إذا قُتِلَ صاحِبُهم بِما أظْهَرَ مِنَ الخِيانَةِ، ورَدَّ حُكْمَ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾، أيْ: ما أرَدْنا بِمُطالَبَتِنا بِدَمِ صاحِبِنا إلّا إحْسانًا، وطَلَبًا لِما يُوافِقُ الحَقَّ.
النساء 4:63
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾، اَللَّهُ يَعْلَمُ ما في قُلُوبِ أُولَئِكَ، وقُلُوبِ غَيْرِهِمْ، إلّا أنَّ الفائِدَةَ في ذِكْرِهِ (p-٧٠)هَهُنا ”اَلَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ“، أيْ: أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ، والفائِدَةُ لَنا هي: ”اِعْلَمُوا أنَّهم مُنافِقُونَ“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا﴾، أيْ: أعْلِمْهم أنَّهم إنْ ظَهَرَ مِنهم رَدٌّ لِحُكْمِكَ وكُفْرٌ، فالقَتْلُ حَقُّهُمْ، يُقالُ: ”قَوْلٌ بَلِيغٌ“، إذا كانَ يُبْلِغُ بِعِبارَةِ لِسانِهِ كُنْهَ ما في قَلْبِهِ، ويُقالُ: ”أحْمَقُ بَلْغٌ، وبُلْغٌ“، وفِيهِ قَوْلانِ: إنَّهُ أحْمَقُ يَبْلُغُ حَيْثُ يُرِيدُ، ويَكُونُ ”أحْمَقُ بَلْغٌ وبُلْغٌ“، قَدْ بَلَغَ في الحَماقَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ، والثّانِي وجْهٌ جَيِّدٌ.
النساء 4:64
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، أيْ: أُذِنَ في ذَلِكَ، و”مِن“، دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ، المَعْنى: وما أرْسَلْنا رَسُولًا إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، ”أنَّ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: لَوْ وقَعَ مَجِيئُهم في وقْتِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم مَعَ اسْتِغْفارِهِمْ، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾
النساء 4:65
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ، ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: فِيما وقَعَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُمْ، ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾، أيْ: لا تَضِيقُ صُدُورُهم مِن قَضِيَّتَيِكَ، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، (p-٧١)أيْ: يُسَلِّمُونَ لِما يَأْتِي بِهِ مِن حُكْمِكَ، لا يُعارِضُونَهُ بِشَيْءٍ، و”تَسْلِيمًا“، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، والمَصادِرُ المُؤَكِّدَةُ بِمَنزِلَةِ ذِكْرِ الفِعْلِ ثانِيًا، كَأنَّكَ إذا قُلْتَ ”سَلَّمْتُ تَسْلِيمًا“، فَقَدْ قُلْتَ: ”سَلَّمْتُ سَلَّمْتُ“، وحَقُّ التَّوْكِيدِ أنْ يَكُونَ مُحَقِّقًا لِما تَذْكُرُهُ في صَدْرِ كَلامِكَ، فَإذا قُلْتَ: ”ضَرَبْتُ ضَرْبًا“، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”أحْدَثْتُ ضَرْبًا أُحَقُّهُ ولا أشُكُّ فِيهِ“، وكَذَلِكَ ”وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا“، أيْ: يُسَلِّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا، لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ فِيهِ شَكًّا.
النساء 4:66
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكُمْ﴾، ”لَوْ“، يُمْنَعُ بِها الشَّيْءُ لِامْتِناعِ غَيْرِهِ، تَقُولُ: ”لَوْ جاءَنِي زَيْدٌ لَجِئْتُهُ“، اَلْمَعْنى أنَّ مَجِيئِي امْتَنَعَ لِامْتِناعِ مَجِيءِ زَيْدٍ، فَحَقُّها أنْ يَلِيَها الأفْعالُ، إلّا أنَّ ”أنَّ“، اَلْمُشَدَّدَةَ تَقَعُ بَعْدَها، لِأنَّ ”أنَّ“، في اللُّغَةِ تَنُوبُ عَنْ الِاسْمِ، والخَبَرِ، تَقُولُ: ”ظَنَنْتُ أنَّكَ عالِمٌ“، وهَذا كَقَوْلِكَ: ”ظَنَنْتُكَ عالِمًا“، والمَعْنى: ”ظَنَنْتُ عِلْمَكَ“، فالمَعْنى في ”أنَّ“، بَعْدَ ”لَوْ“، أنَّها نابَتْ عَنِ الفِعْلِ والِاسْمِ، كَما نابَتْ عَنْ الِاسْمِ والخَبَرِ، فالمَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾، كالمَعْنى في ”لَوْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مُضْمَرًا الفِعْلُ مَعَ ”أنَّ“، مَعَ وُقُوعِ قابِلِها، المَعْنى: ”وَلَوْ وقَعَ وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم“، وإنْ شِئْتَ كَسَرْتَها لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أعْنِي: ”أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”أنُ اقْتُلُوا“، فَضَمَمْتَها لِانْضِمامِ التّاءِ.
(p-٧٢)وَأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ يَخْتارُ مَعَ النُّوناتِ خاصَّةً الكَسْرَ، ومَعَ سائِرِ ما في القُرْآنِ - إذا كانَ ما بَعْدَها مَضْمُومًا - الضَّمَ، إلّا قَوْلَهُ: ﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١]، ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [الرعد: ٣٢]، ولَسْتُ أعْرِفُ في هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةَ أبِي عَمْرٍو إيّاهُما بِالكَسْرِ، إلّا أنْ يَكُونَ رَوى رِوايَةً فاخْتارَ الكَسْرَ لِهَذِهِ العِلَّةِ، أوْ يَكُونَ أرادَ أنَّ الكَسْرَ جازَ أيْضًا، كَما جازَ الضَّمُّ، وهَذا أجْوَدُ التَّأْوِيلَيْنِ، ولِلْكَسْرِ والضَّمِّ في هَذِهِ الحُرُوفِ وجْهانِ جَيِّدانِ، قَدْ قَرَأتِ القُرّاءُ بِهِما، فَأمّا رَفْعُ ﴿إلا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ، المَعْنى: ”ما فَعَلَهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم“، والنَّصْبُ جائِزٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، عَلى مَعْنى: ”ما فَعَلُوهُ أسْتَثْنِي قَلِيلًا مِنهم“، وعَلى ما فَسَّرْنا في نَصْبِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنْ كانَ في النَّفْيِ نَوْعانِ مُخْتَلِفانِ فالِاخْتِيارُ النَّصْبُ، والبَدَلُ جائِزٌ، تَقُولُ: ”ما بِالدّارِ أحَدٌ إلّا حِمارًا“، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ:
؎وَقَفْتُ فِيها أُصَيْلالًا أُسائِلُها ∗∗∗ عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِ
؎إلّا الأوارِيَّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
(p-٧٣)فَقالَ: ”ما بِالرَّبْعِ مِن أحَدٍ“، أيْ: ما بِالرَّبْعِ أحَدٌ، إلّا أوارِيَّ، لِأنَّ الأوارِيَّ لَيْسَتْ مِنَ النّاسِ، وقَدْ يَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ، وإنْ كانَ لَيْسَ مِن جِنْسِ الأوَّلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
فَجَعَلَ اليَعافِيرَ والعِيسَ بَدَلًا مِنَ الأنِيسِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أنِيسُ ذَلِكَ البَلَدِ اليَعافِيرَ والعِيسَ.
النساء 4:69
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، يَعْنِي النَّبِيِّينَ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ﴾، أيْ: اَلْمُطِيعُونَ، ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، أيْ: اَلْأنْبِياءُ ومَن مَعَهم حَسُنُوا رَفِيقًا، و”رَفِيقًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، يَنُوبُ عَنْ ”رُفَقاءَ“، وقالَ بَعْضُهم: لا يَنُوبُ الواحِدُ عَنِ الجَماعَةِ إلّا أنْ يَكُونَ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ، فَلَوْ كانَ ”حَسُنَ القَوْمُ رَجُلًا“، لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ”رَفِيقٌ“، و”رَجُلٌ“، في هَذا المَعْنى، لِأنَّ الواحِدَ في (p-٧٤)التَّمْيِيزِ يَنُوبُ عَنِ الجَماعَةِ، وكَذَلِكَ في المَواضِعِ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا جَماعَةً، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”هو أحْسَنُ فَتًى وأجْمَلُهُ“، اَلْمَعْنى: هو أحْسَنُ الفِتْيانِ وأجْمَلُهُمْ، وإذا كانَ المَوْضِعُ الَّذِي لا يُلْبِسُ ذِكْرُ الواحِدِ فِيهِ، فَهو يُنْبِئُ عَنِ الجَماعَةِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
وَقالَ الآخَرُ:
؎فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
يُرِيدُ: في حُلُوقِكم عِظامٌ، ولَوْ قُلْتَ: ”حَسُنَ القَوْمُ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ“، و”حَسُنَ القَوْمُ رَجُلًا“، كانَ واحِدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٧٠]، مَعْناهُ: كَفى اللَّهُ عَلِيمًا، والباءُ مُؤَكِّدَةٌ، المَعْنى: اِكْتَفُوا بِاللَّهِ عَلِيمًا.
النساء 4:71
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، أمَرَ اللَّهُ ألّا يُلْقِيَ المُؤْمِنُونَ بِأيْدِيهِمْ إلى التَّهْلُكَةِ، وأنْ يَحْذَرُوا عَدُوَّهُمْ، وأنْ يُجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ الجِهادِ، لِيَبْلُوَ اللَّهُ الأخْيارَ، وضَمِنَ لَهم مَعَ ذَلِكَ النَّصْرَ، لِأنَّهُ لَوْ تَوَلّى اللَّهُ تَعالى قَتْلَ أعْدائِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ لِلْآدَمِيِّينَ لَمْ يَكُونُوا مُثابِينَ، ولَكِنَّهُ أمَرَ أنْ يُؤْخَذَ الحَذَرُ، وقالَ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، (p-٧٥)و”اَلثُّباتُ“: اَلْجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ، واحِدُها ”ثُبَةٌ“، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:
؎وَقَدْ أغْدُو عَلى ثُبَةٍ كِرامٍ ∗∗∗ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ
قالَ سِيبَوَيْهِ: ”ثُبَةٌ“، تُجْمَعُ ”ثُبُونَ“، و”ثُبِينَ“، في الرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والجَرِّ، وإنَّما جُمِعَتْ بِالواوِ والنُّونِ - وكَذَلِكَ ”عِزَةٌ“، و”عِضَةٌ“ - كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، لِأنَّ الواوَ والنُّونَ جُعِلَتا عِوَضًا مِن حَذْفِ آخِرِ الكَلِمَةِ، و”ثُبَةٌ“، اَلَّتِي هي الجَماعَةُ، مَحْذُوفٌ آخِرُها، تُصَغَّرُ ”ثُبَيَّةٌ“، و”ثُبَةُ الحَوْضِ“: وسَطُهُ، حَيْثُ يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ، تُصَغَّرُ ”ثُوَيْبَةٌ“، لِأنَّ هَذا مَحْذُوفَةٌ مِنهُ عَيْنُ الفِعْلِ، وإنَّما اشْتُقَّتْ ثُبَةُ الجَماعَةِ مِن ”ثَبَّيْتُ عَلى الرَّجُلِ“، إذا أثْنَيْتُ عَلَيْهِ في حَياتِهِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّكَ جَمَعْتَ ذِكْرَ مَحاسِنِهِ، فَأمّا ”اَلثُّبَةُ“: اَلْجَماعَة مِن فِرْقَةٍ، فَتَأْوِيلُهُ: اِنْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقَةً، أوِ انْفِرُوا بَعْضُكم إلى بَعْضٍ.
النساء 4:72
وَقالَ: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾، أيْ: مِمَّنْ أظْهَرَ الإيمانَ، لَمَن يُبْطِئُ عَنِ القِتالِ، يُقالُ: ”قَدْ أبْطَأ الرَّجُلُ“، و”بَطُؤَ“، بِمَعْنًى، ”أبْطَأ“: تَأخَّرَ، ومَعْنى ”بَطُؤَ“: ثَقُلَ، ”إبْطاءً“، و”بُطْئًا“، واللّامُ الأُولى الَّتِي في ”لَمَن“، لامُ ”إنَّ“، واللّامُ الَّتِي في ”لَيُبَطِّئَنَّ“، لامُ القَسَمِ، و”مَن“، مَوْصُولَةٌ بِالجالِبِ لِلْقَسَمِ، كانَ هَذا لَوْ كانَ كَلامًا لَقُلْتَ: ”إنَّ مِنكم لَمَن أحْلِفُ واللَّهِ لَيُبَطِّئَنَّ“، والنَّحْوِيُّونَ يُجْمِعُونَ عَلى أنَّ ”مَن“، و”ما“، و”اَلَّذِي“، (p-٧٦)لا يُوصَلْنَ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، إلّا بِما يُضْمَرُ مَعَها مِن ذِكْرِ الخَبَرِ، وأنَّ لامَ القَسَمِ إذا جاءَتْ مَعَ هَذِهِ الحُرُوفِ فَلَفْظُ القَسَمِ وما أشْبَهَ لَفْظُهُ مُضْمَرٌ مَعَها.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ﴾، هَذا المُبَطِّئُ، ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾، أيْ: لَمْ أُشْرِكْهم في مُصِيبَتِهِمْ.
النساء 4:73
﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾، أيْ: ظَفِرْتُمْ، وغَنِمْتُمْ، ﴿لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾، ”كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ وقَعَ هَهُنا مُعْتَرِضًا، المَعْنى: ”وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِيَقُولَنَّ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا“، ويَكُونَ ”إنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ“، ومَعْنى ”اَلْمَوَدَّةُ“، هَهُنا، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الإيمانِ، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُظْهِرْ لَكُمُ المَوَدَّةَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”لَيَقُولَنَّ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ“، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى أنْ يُجاهِدَ مَعَكُمْ، فَلا يَكُونُ في العَرَبِيَّةِ فِيهِ عَيْبٌ، ولا يَنْقُصُ مَعْنًى، واللَّهُ أعْلَمُ، ﴿فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ”فَأفُوزَ“، مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي بِالفاءِ.
النساء 4:74
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، (p-٧٧)أيْ: إنْ كانَتْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ عُقْدَةُ أمانٍ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَكُمْ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾، أيْ: يَبِيعُونَ، يُقالُ: ”شَرَيْتُ“، بِمَعْنى ”بِعْتُ“، و”شَرَيْتُ“، بِمَعْنى ”اِشْتَرَيْتُ“، قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفْرِغٍ:
؎وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي ∗∗∗ مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
”بُرْدٌ“: غُلامُهُ، و”شَرَيْتُهُ“: بِعْتُهُ.
النساء 4:75
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ”ما“، مُنْفَصِلَةٌ، المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَكم تارِكِينَ القِتالَ، و”لا تُقاتِلُونَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، كَقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما لَهم عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩]، و”اَلْمُسْتَضْعَفِينَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: " وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ.
﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾، يَعْنِي بِالقَرْيَةِ ”مَكَّةَ“، أيْ: ما لَكم لا تَسْعَوْنَ في خَلاصِ هَؤُلاءِ؟! وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، أيْ: ”تَوَلَّنا بِنَصْرِكَ، وخَلِّصْنا مِن أهْلِ مَكَّةَ الظّالِمِ أهْلُها“، فَهو نَعْتٌ لِـ ”اَلْقَرْيَةِ“، ووَحَّدَ ”اَلظّالِمِ“، لِأنَّهُ صِفَةٌ تَقَعُ مَوْقِعَ الفِعْلِ، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِالقَرْيَةِ الصّالِحِ أهْلُها“، كَقَوْلِكَ: ”اَلَّتِي صَلُحَ أهْلُها“ .
(p-٧٨)قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”والمُسْتَضْعَفِينَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ مِن وجْهَيْنِ، المَعْنى: ”ما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ؟!“، قالَ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، أيْ: في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، قالَ: وأخْتارُ أنْ يَكُونَ عَلى ”وَفي المُسْتَضْعَفِينَ“، لِاخْتِلافِ السَّبِيلَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى ”سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ“، كَأنَّهُ خَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ، وقَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ كَما اخْتارَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، والوَجْهُ الثّانِي عِنْدِي أشْبَهُ بِالمَعْنى، لِأنَّ سَبِيلَ المُسْتَضْعَفِينَ هي سَبِيلُ اللَّهِ.
النساء 4:76
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾، ”اَلطّاغُوتُ“، في قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ أجْمَعِينَ، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وفي القُرْآنِ دَلِيلٌ عَلى تَذْكِيرِهِ وتَأْنِيثِهِ، فَأمّا تَذْكِيرُهُ فَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠]، وأمّا تَأْنِيثُهُ فَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾ [الزمر: ١٧]، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلطّاغُوتُ“، هَهُنا في مَعْنى ”جَماعَةٌ“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْـزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، مَعْناهُ: لَحْمُ الخَنازِيرِ كُلِّها، و”اَلطّاغُوتُ“: اَلشَّيْطانُ، وكُلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ فَهو طاغُوتٌ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ ”اَلطّاغُوتَ“، اَلشَّيْطانُ، قَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ٦٠] .
النساء 4:77
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، قِيلَ: كانَ المُسْلِمُونَ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِالقِتالِ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ أذِنْتَ (p-٧٩)لَنا أنْ نَعْمَلَ مَعاوِلَ نُقاتِلُ بِها المُشْرِكِينَ، فَأُمِرُوا بِالكَفِّ وأداءِ ما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ غَيْرَ القِتالِ، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالَ خَشِيَ فَرِيقٌ مِنهُمْ، وقالُوا: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”هَلّا أخَّرْتَنا؟“ .
النساء 4:78
فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَتاعَ الدُّنْيا قَلِيلٌ، وأنَّ الآخِرَةَ لِأهْلِ التُّقى، وأعْلَمَهم أنَّ آجالَهم لا تُخْطِئُهُمْ، ولَوْ تَحَصَّنُوا بِأمْنَعِ الحُصُونِ، فَقالَ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، لِأنَّ ”مُفَعَّلَةٌ“، و”فَعَّلَ“، لِلتَّكْثِيرِ، يُقالُ: ”شادَ الرَّجُلُ بِناءَهُ، يُشَيِّدُهُ، شَيْدًا“، إذا رَفَعَهُ، وإذا طَلاهُ بِالشَّيْدِ، وهو ما يُطْلى بِهِ البِناءُ مِنَ الكِلْسِ، والجِصِّ، وغَيْرِهِ، ويُقالُ أيْضًا: ”قَدْ أشادَ الرَّجُلُ بِناءَهُ“، فَأمّا في الذِّكْرِ فَـ ”أشَدْتُ بِذِكْرِ فُلانٍ“، لا غَيْرُ، إذا رَفَعْتَ مِن ذِكْرِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾، قِيلَ: كانَتِ اليَهُودُ - لُعِنَتْ - تَشاءَمَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ دُخُولِهِ المَدِينَةَ، فَقالَتْ: مُنْذُ دَخَلَ المَدِينَةَ نَقَصَتْ ثِمارُنا، وغَلَتْ أسْعارُنا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الخِصْبَ والجَدْبَ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
النساء 4:79
وَقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾، فَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، يُرادُ بِهِ الخَلْقُ، ومُخاطَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ تَكُونُ لِلنّاسِ جَمِيعًا، لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِسانُهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فَنادى النَّبِيَّ ﷺ وحْدَهُ وصارَ الخِطابُ شامِلًا لَهُ ولِسائِرِ أُمَّتِهِ، فَمَعْنى (p-٨٠)”﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾“: أيْ: ما أصَبْتُمْ مِن غَنِيمَةٍ، أوْ أتاكم مِن خِصْبٍ، فَمِن تَفَضُّلِ اللَّهِ، ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾، أيْ: مِن جَدْبٍ، أوْ غَلَبَةٍ في حَرْبٍ، ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾، أيْ: أصابَكم ذَلِكَ بِما كَسَبْتُمْ، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، ومَعْنى ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ مَعْنى ”اَلرَّسُولُ“، هَهُنا، مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْناكَ﴾، لِأنَّ ”وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ“، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ رَسُولٌ، ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، أيْ: اَللَّهُ قَدْ شَهِدَ أنَّهُ صادِقٌ، وأنَّهُ رَسُولُهُ، و”شَهِيدًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”كَفى اللَّهُ“، ولَمْ تُبَيِّنْ في أيِّ شَيْءٍ الكِفايَةُ، كُنْتَ مُبْهِمًا، والفاءُ دَخَلَتْ في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، لِأنَّ الكَلامَ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ فَمِنَ اللَّهِ“ .
النساء 4:80
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، أيْ: مَن قَبِلَ ما أتى بِهِ الرَّسُولُ فَإنَّما قَبِلَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّكَ لا تَعْلَمُ غَيْبَهُمْ، إنَّما لَكَ ما ظَهَرَ مِنهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ ما يَتْلُوهُ، وهو قَوْلُهُ:
النساء 4:81
﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾، (p-٨١)قالَ النَّحْوِيُّونَ: تَقْدِيرَهُ: ”أمْرُنا طاعَةٌ“، وقالَ بَعْضُهم: ”مِنّا طاعَةٌ“، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ إضْمارَ ”أمْرُنا“، أجْمَعُ في القِصَّةِ، وأحْسَنُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يُقالُ لِكُلِّ أمْرٍ قَدْ قُضِيَ بِلَيْلٍ: ”قَدْ بُيِّتَ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎أتَوْنِي فَلَمْ أدْرِ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي لِأمْرٍ نُكُرْ
أيْ: فَلَسْتَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ تَعْلَمُ ما يَغِيبُ عَنْكَ مِن شَأْنِهِمْ، وهَذا ونَظائِرُهُ في كِتابِ اللَّهِ مِن أبْيَنِ آياتِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهم ما كانُوا يُخْفُونَ عَنْهُ أمْرًا إلّا أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾، فِيهِ وجْهانِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - يُنْزِلُهُ إلَيْكَ في كِتابِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ“، يَحْفَظُهُ عَلَيْهِمْ، لِيُجازَوْا بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾، أيْ: لا تُسَمِّ هَؤُلاءِ بِأعْيانِهِمْ، لِما أحَبَّ اللَّهُ مِن سَتْرِ أمْرِ المُنافِقِينَ إلى أنْ يَسْتَقِيمَ أمْرُ الإسْلامِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾، فَذَكَّرَ، ولَمْ يَقُلْ: ”بَيَّتَتْ“، فَلِأنَّ (p-٨٢)كُلَّ تَأْنِيثٍ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ فَتَعْبِيرُهُ بِلَفْظِ التَّذْكِيرِ جائِزٌ، تَقُولُ: ”قالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ“، و”قالَ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ“، لِأنَّ ”طائِفَةً“، و”فَرِيقًا“، في مَعْنًى واحِدٍ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [يونس: ٥٧]، يَعْنِي الوَعْظَ، إذا قُلْتَ: ”فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ“، وقَرَأ القُرّاءُ: ”بَيَّتْ طائِفَةٌ“، عَلى إسْكانِ التّاءِ، وإدْغامِها في الطّاءِ، ورُوِيَ عَنِ الكِسائِيِّ أنَّ ذَلِكَ إذا كانَ في فِعْلٍ فَهو قَبِيحٌ، ولا فَرْقَ في الإدْغامِ هَهُنا في فِعْلٍ كانَ، أوْ في اسْمٍ، لَوْ قُلْتَ: ”بَيَّتُ طائِفَةً“، و”هَذا بَيْتُ طائِفَةٍ“، وأنْتَ تُرِيدُ ”بَيَّتُّ طائِفَةً“، كانَ واحِدًا، وإنَّما جازَ الإدْغامُ لِأنَّ التّاءَ والطّاءَ مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ.
النساء 4:82
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾، يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ، أيْ: لَوْ كانَ ما يُخْبِرُونَ بِهِ مِمّا بَيَّتُوا، وما يُسِرُّونَ، ويُوحى إلى النَّبِيِّ ﷺ، لَوْلا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ الإخْبارُ بِهِ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، وهَذا مِن آياتِ النَّبِيِّ ﷺ البَيِّنَةِ، ومَعْنى ”تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ“: نَظَرْتُ في عاقِبَتِهِ، وقَوْلُهم في الخَبَرِ: ”لا تَدابَرُوا“، أيْ: لا تَكُونُوا أعْداءً، أيْ: لا يُوَلِّي بَعْضُكم دُبُرَهُ، يُقالُ: ”قَدْ دَبَرَ القَوْمُ، يَدْبُرُونَ، دِبارًا“، إذا هَلَكُوا، و”أدْبَرُوا“، إذا ولّى أمْرُهُمْ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَقَصّى أمْرَهم إلى آخِرِهِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم باقِيَةٌ، و”اَلدَّبْرُ“: اَلنَّحْلُ، سُمِّيَ ”دَبْرًا“، لِأنَّهُ يُعْقِبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، و”اَلدِّبْرُ“: اَلْمالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ ”دِبْرًا“، لِكَثْرَتِهِ، ولِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ، والأدْبارِ.
النساء 4:83
(p-٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾، أيْ: أظْهَرُوهُ، ونادَوْا بِهِ في النّاسِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أذاعَ بِهِ في النّاسِ حَتّى كَأنَّهُ ∗∗∗ بِعَلْياءَ نارٌ أُوقِدَتْ بِثُقُوبِ
وَكانَ إذا عَلِمَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ ظاهِرٌ عَلى قَوْمٍ أمِنَ مِنهُمْ، أوْ أُعْلِمَ تَجَمُّعَ قَوْمٍ يَخافُ مِن جَمْعِ مِثْلِهِمْ، أذاعَ المُنافِقُونَ ذَلِكَ لِيَحْذَرَ مَن يَحْذَرُ مِنَ الكُفّارِ، ويَقْوى قَلْبُ مَن يَنْبَغِي أنْ يَقْوى قَلْبُهُ لِما أذاعُوا، وكانَ ضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ يُشِيعُونَ ذَلِكَ مَعَهم مِن غَيْرِ عِلْمٍ بِالضَّرَرِ في ذَلِكَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ - ”وَلَوْ رَدُّوا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْخُذُوهُ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ، ومِن قِبَلِ أُولِي الأمْرِ مِنهم...“، أيْ: مِن قِبَلِ ذَوِي العِلْمِ والرَّأْيِ مِنهم.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾، أيْ.
لَعَلِمَهُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أذاعُوا بِهِ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وذَوِي العِلْمِ، وكانُوا يَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ هَلْ يَنْبَغِي أنْ يُذاعَ، أوْ لا يُذاعَ، ومَعْنى ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾، في اللُّغَةِ: يَسْتَخْرِجُونَهُ، وأصْلُهُ مِن ”اَلنَّبَطُ“، وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ في أوَّلِ ما تُحْفَرُ، يُقالُ مِن ذَلِكَ: ”قَدْ أنْبَطَ فُلانٌ في غَضْراءَ“، أيْ: اِسْتَنْبَطَ الماءَ مِن طِينٍ حُرٍّ، و”اَلنَّبَطُ“، إنَّما سُمُّوا ”نَبَطًا“، لِاسْتِنْباطِهِمْ ما يُخْرَجُ مِنَ الأرْضِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾، (p-٨٤)قالَ بَعْضُهم: لَوْلا ما أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْكم مِنَ القُرْآنِ، وبَيَّنَ لَكم مِنَ الآياتِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا، أيْ: كانَ أوَّلُكم بِجِوارِ الكُفْرِ، وهَذا لَيْسَ قَوْلَ أحَدٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ كُلُّهم: اَلْمَعْنى: ”وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا“، إنَّما هو اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: ”لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم إلّا قَلِيلًا“، وقالَ النَّحْوِيُّونَ: اَلْمَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا، وقالُوا: أنْ يَكُونَ الِاسْتِثْناءُ مِن ”أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا“، أجْوَدُ، لِأنَّ ما عُلِمَ بِالِاسْتِنْباطِ فَلَيْسَ الأكْثَرُ يَعْرِفُهُ، إنَّما يَسْتَنْبِطُ القَلِيلُ، لِأنَّ الفَضائِلَ، والِاسْتِنْباطَ، والِاسْتِخْراجَ في القَلِيلِ مِنَ النّاسِ، وهَذا في هَذا المَوْضِعِ غَلَطٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، لِأنَّ هَذا الِاسْتِنْباطَ لَيْسَ بِشَيْءٍ يُسْتَخْرَجُ بِنَظَرٍ وتَفَكُّرٍ، إنَّما هو اسْتِنْباطُ خَبَرٍ، فالأكْثَرُ يَعْرِفُ الخَبَرَ، إذا خُبِرَ بِهِ، وإنَّما القَلِيلُ المُبالِغُ في البَلادَةِ لا يَعْلَمُ ما يُخْبَرُ بِهِ، والقَوْلُ الأوَّلُ مَعَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ جائِزَةٌ كُلُّها، واللَّهُ أعْلَمُ، لِأنَّ القُرْآنَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ، والنَّبِيَّ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ قَدْ كانَ في النّاسِ القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدِ القُرْآنَ، ولا النَّبِيَّ ﷺ مُؤْمِنًا، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَقُولَ القائِلُ: إنَّ مَن كانَ قَبْلَ هَذا مُؤْمِنًا فَبِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ آمَنَ، فالفَضْلُ والرَّحْمَةُ لا يَخْلُو مِنهُما مَن نالَ ثَوابَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، إلّا أنَّ المَقْصُودَ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ ﷺ والقُرْآنُ.
النساء 4:84
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾، هَذِهِ الفاءُ جَوابُ قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٧٤]، (p-٨٥)﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥]، أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في تَرْكِ القِتالِ، فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالقِتالِ، ولَوْ أنَّهُ قاتَلَ وحْدَهُ، لِأنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ، ويُرْوى عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ - في الرِّدَّةِ -: ”لَوْ خالَفَتْنِي يَمِينِي جاهَدْتُها بِشِمالِي“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾، ”اَلْبَأْسُ“: اَلشِّدَّةُ في كُلِّ شَيْءٍ.
النساء 4:85
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾، ”اَلْكِفْلُ“، في اللُّغَةِ: اَلنَّصِيبُ، أُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: ”أكْفَلْتَ البَعِيرَ“، إذا أدَرْتَ عَلى سِنامِهِ، أوْ عَلى مَوْضِعٍ مِن ظَهْرِهِ كِساءً، ورَكِبْتَ عَلَيْهِ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”كِفْلٌ“، و”اِكْتُفِلَ البَعِيرُ“، لِأنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلِ الظَّهْرُ كُلُّهُ، إنَّما اسْتُعْمِلَ نَصِيبٌ مِنَ الظَّهْرِ، ولَمْ يُسْتَعْمَلْ كُلُّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾، قالَ بَعْضُهم: ”اَلْمُقِيتُ“: اَلْقَدِيرُ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمُقِيتُ“: اَلْحَفِيظُ، وهو عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - بِالحَفِيظِ أشْبَهُ، لِأنَّهُ مِن ”اَلْقُوتُ“، مُشْتَقٌّ، يُقالُ: ”قُتُّ الرَّجُلَ، أقُوتُهُ، قُوتًا“، إذا حَفِظْتُ عَلَيْهِ نَفْسَهُ بِما يَقُوتُهُ، و”اَلْقُوتُ“: اِسْمُ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ نَفْسَهُ، ولا فَضْلَ فِيهِ عَلى قُدْرَةِ الحِفْظِ، فَمَعْنى ”اَلْمُقِيتُ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: اَلْحَفِيظُ، الَّذِي يُعْطِي الشَّيْءَ قَدْرَ الحاجَةِ مِنَ الحِفْظِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٨٦)
؎ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا ∗∗∗ حُوسِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ
النساء 4:86
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾، قالَ النَّحْوِيُّونَ: ”أحْسَنَ“، هَهُنا، صِفَةٌ لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ عَلى وزْنِ ”أفْعَلُ“، وهو صِفَةٌ، والمَعْنى: فَحَيُّوا بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنها، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلتَّحِيَّةُ“، هُنا: اَلسَّلامُ، وهي ”تَفْعِلَةٌ“، مِن ”حَيَّيْتُ“، ومَعْنى ”حَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها“: إذا قِيلَ لَكم: ”اَلسَّلامُ عَلَيْكم“، فَقُولُوا: ”وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ“، فالتَّحِيَّةُ الَّتِي هي أحْسَنُ مِنها هي: ”وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ“، ويُقالُ: ”لِكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَهًى، ومُنْتَهى السَّلامِ كَلِمَةُ (وَبَرَكاتُهُ)“، ويُرْوى «أنَّ داخِلًا دَخَلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: اَلسَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَعَلَيْكَ“، ودَخَلَ آخَرُ فَقالَ: اَلسَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ“، ودَخَلَ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ: اَلسَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ“، فَقامَ الدّاخِلُ الأوَّلُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، سَلَّمْتُ فَلَمْ تَزِدْ عَلى ”وَعَلَيْكَ“، وقامَ هَذا فَقالَ: اَلسَّلامَ عَلَيْكُمْ، فَزِدْتَهُ، وقامَ هَذا فَقالَ: ”اَلسَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَزِدْتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ إنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ مِنَ السَّلامِ شَيْئًا، فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ، وهَذانِ تَرَكا مِنهُ شَيْئًا فَزِدْتُهُما ”،» وهَذا دَلِيلٌ أنَّ آخِرَ ما في السُّنَّةِ مِنَ السَّلامِ كَلِمَةُ“ وبَرَكاتُهُ ”.
(p-٨٧)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾، أيْ: يُعْطِي كُلَّ شَيْءٍ مِنَ العِلْمِ والحِفْظِ والجَزاءِ مِقْدارَ ما يَحْسِبُهُ، أيْ: يَكْفِيهِ، تَقُولُ:“ حَسْبُكَ بِهَذا ”، أيْ:“ اِكْتَفِ بِهَذا ”، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَطاءً حِسابًا﴾ [النبإ: ٣٦]، أيْ: كافِيًا، وإنَّما سُمِّيَ الحِسابُ في المُعامَلاتِ“ حِسابًا "، لِأنَّهُ يُعْلَمُ ما فِيهِ كِفايَةٌ، لَيْسَ فِيها زِيادَةٌ عَلى المِقْدارِ، ولا نُقْصانٌ.
النساء 4:87
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، هَذِهِ لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: ”واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم“، ومَعْنى ”اَلْقِيامَةُ“، في اللُّغَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ ”اَلْقِيامَةَ“، لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتْ ”اَلْقِيامَةَ“، لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِلْحِسابِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، ومَعْنى ”لَيَجْمَعَنَّكم“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أيْ: يَجْمَعُكم في المَوْتِ، وفي قُبُورِكم.
النساء 4:88
وَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، هَذا خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: قَدِ اجْتَوَيْنا المَدِينَةَ، فَلَوْ أذِنْتَ لَنا فَخَرَجْنا إلى البَدْوِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا يَرْحَلُونَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً، حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: هم كُفّارٌ، هم كُفّارٌ، وقالَ قَوْمٌ: هم مُسْلِمُونَ، حَتّى نَعْلَمَ أنَّهم بَدَّلُوا، فَأمَرَ اللَّهُ بِأنْ يَتَّفِقَ المُسْلِمُونَ عَلى تَكْفِيرِ مَنِ احْتالَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وخالَفَهُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، (p-٨٨)أيْ: أيُّ شَيْءٍ لَكم في الِاخْتِلافِ في أمْرِهِمْ، ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾، وتَأْوِيلُ ”أرْكَسَهم“، في اللُّغَةِ: نَكَّسَهُمْ، ورَدَّهُمْ، يُقالُ: ”أرْكَسَهُ“، و”رَكَسَهُ“، ومَعْنى ”واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا“، أيْ: رَدَّهم إلى حُكْمِ الكُفّارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾، أيْ: أتَقُولُونَ: إنَّ هَؤُلاءِ مُهْتَدُونَ، واللَّهُ قَدْ أضَلَّهُمْ؟! ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾، أيْ: طَرِيقًا إلى الحُجَّةِ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ في نَصْبِ ”فِئَتَيْنِ“: إنَّها مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: إذا قُلْتَ: ”ما لَكَ قائِمًا؟!“، فَإنَّما مَعْناهُ: ”لِمَ قُمْتَ“، ونُصِبَ عَلى تَأْوِيلِ: ”أيُّ شَيْءٍ يَسْتَقِرُّ لَكَ في هَذِهِ الحالِ“، قالَ غَيْرُهُ: إنَّ ”قائِمًا“، هَهُنا، مَنصُوبٌ عَلى جِهَةِ فِعْلِ ”مالَ“، ويُجِيزُ ”ما لَكَ قائِمًا؟!“، و”ما لَكَ القائِمَ يا هَذا؟!“، و”ما لَكَ القائِمَ“، خَطَأٌ، لِأنَّ ”اَلْقائِمَ“، مَعْرِفَةٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ حالًا، و”ما“، حَرْفٌ مِن حُرُوفِ الِاسْتِفْهامِ، لا تَعْمَلُ عَمَلَ ”كانَ“، ولَوْ جازَ ”ما لَكَ القائِمَ يا هَذا؟!“، جازَ أنْ يَقُولَ: ”ما عِنْدَكَ القائِمَ“، و”ما بِكَ القائِمَ“، وبِالإجْماعِ أنَّ ”ما عِنْدَكَ القائِمَ“، خَطَأٌ، فَـ ”ما لَكَ القائِمَ“، مِثْلُهُ، لا فَرْقَ في ذَلِكَ.
النساء 4:89
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: لا تَتَّخِذُوا مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ احْتالُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ حَتّى فارَقُوهُ، أوْلِياءَ، أيْ: لا تَقُولُوا: إنَّهم مُؤْمِنُونَ، ﴿حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: حَتّى يَرْجِعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَوَلَّوْا عَنْ أنْ يُهاجِرُوا، ولَزِمُوا الإقامَةَ عَلى ما هم عَلَيْهِ، ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾
النساء 4:90
(p-٨٩)وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾، أيْ: فاقْتُلُوهم إلّا مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، ويُرْوى أنَّ هَؤُلاءِ اتَّصَلُوا بِبَنِي مُدْلِجٍ، وكانُوا صُلْحًا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، مَعْناهُ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمْ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّ ”حَصِرَتْ صُدُورُهم“، مَعْناهُ: أوْ جاؤُوكم قَدْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، لِأنَّ ”حَصِرَتْ“، لا يَكُونُ حالًا، إلّا بِـ ”قَدْ“، وقالَ بَعْضُهم: ”حَصِرَتْ صُدُورُهم“، خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: ”أوْ جاؤُوكم“، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: ”حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾، أيْ: ضِيقُ صُدُورِهِمْ عَنْ قِتالِكم إنَّما هو لِقَذْفِ اللَّهِ الرُّعْبَ في صُدُورِهِمْ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”حَصِرَةً صُدُورُهم“، عَلى الحالِ.
النساء 4:91
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾، سَتَجِدُونَ مَن يُظْهِرُ لَكُمُ الصُّلْحَ لِيَأْمَنَكُمْ، وإذا سَنَحَتْ فِتْنَةٌ كانُوا مَعَ أهْلِها عَلَيْكم.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾، أيْ: اِنْتَكَسُوا عَنْ عَهْدِهِمُ الَّذِي عَقَدُوهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾، أيْ: فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا قِتالَكُمْ، ولَمْ يُعاوِنُوا عَلَيْكم.
(p-٩٠)﴿وَيُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾، أيْ: اَلْمَقادَةَ والِاسْتِسْلامَ، ﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾، أيْ: عَنِ الحَرْبِ، ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾، أيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً، بِأنَّهم غَدَرَةٌ، لا يَفُونَ بِما يُفارِقُونَكم عَلَيْهِ مِنَ الهُدْنَةِ، والصُّلْحِ.
النساء 4:92
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾، اَلْمَعْنى: ما كانَ لِمُؤْمِنٍ البَتَّةَ، و”إلّا خَطَأً“، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: إلّا أنْ يُخْطِئَ المُؤْمِنُ، فَكَفارَّةُ خَطَئِهِ ما ذُكِرَ بَعْدُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: ”وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً“، عَلى مَعْنى أنَّ دَمَ المُسْلِمِ إنَّما يَصْفَحُ عَنْ أنْ يُؤْخَذَ بِهِ القاتِلُ في الخَطَإ، فَقَدْ عُفِيَ لَهُ عَنْ قَتْلِ الخَطَإ، إلّا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - فَرَضَ في كِتابِهِ عَلى القاتِلِ خَطَأً تَحْرِيرَ رَقَبَةٍ، ودِيَةً مُسَلَّمَةً إلى أوْلِياءِ المَقْتُولِ، وبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِيَةَ الخَطَإ عَلى العاقِلَةِ، وعَلى القاتِلِ أنْ يُؤَدِّيَ في ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الصِّيامُ بَدَلًا مِنَ الرَّقَبَةِ، وبَدَلًا مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُؤَدّى في الدِّيَةِ، فَإنْ قَتَلَ المُؤْمِنُ خَطَأً رَجُلًا مُؤْمِنًا مِن قَوْمٍ كَفَرَةٍ، فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، (p-٩١)وَلا مالَ لِلْكُفّارِ الَّذِينَ هم حَرْبٌ، لِأنَّ الدِّيَةَ في الخَطَإ إنَّما جُعِلَتْ - واللَّهُ أعْلَمُ - لِيَحْذَرَ النّاسُ حَذَرًا شَدِيدًا مِن أنْ يُخْطِئُوا خَطَأً يُؤَدِّي إلى القَتْلِ، لِتَذْهَبَ الضَّغائِنُ بَيْنَهُمْ، ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، وتَسْلِيمُ الدِّيَةِ إلى ذَوِي المِيثاقِ، لِئَلّا تَقَعَ ضَغِينَةٌ بَيْنَ أهْلِ المِيثاقِ، والمُؤْمِنِينَ، ونُصِبَ ”تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ“، عَلى جِهَةِ نَصْبِ ”فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذارَ الشَّرِّ“، اَلْمَعْنى: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ، وعَلَيْهِ دِيَةٌ إذا وُجِدَ، ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ، فَأمّا قَتْلُ النَّفْسِ فَجَزاؤُهُ كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]، في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ جَهَنَّمُ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]، وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ في القَتْلِ، حَظَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ الدِّماءَ.
النساء 4:94
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، و”فَتَثَبَّتُوا“، بِالثّاءِ، والتّاءِ، ومَعْنى ”ضَرَبْتُمْ“، سِرْتُمْ في الأرْضِ، وغَزَوْتُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (p-٩٢)قُرِئَتْ: ”اَلسَّلامَ“، بِالألِفِ، وقُرِئَتْ: ”اَلسَّلَمَ“، فَأمّا ”اَلسَّلامَ“، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن ”اَلتَّسْلِيمُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”اَلسِّلْمُ“، وهو الِاسْتِسْلامُ، وإلْقاءُ المَقادَةِ إلى إرادَةِ المُسْلِمِينَ، ويُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ سَبَبَ هَذا أنَّ رَجُلًا انْحازَ وأظْهَرَ الإسْلامَ، فَقَتَلَهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وأخَذَ سَلْبَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ حَقَّ مَن ألْقى السَّلَمَ أنْ يُتَبَيَّنَ أمْرُهُ، ومَن قَرَأ: ”فَتَثَبَّتُوا“، فَحَقُّهُ أنْ يُتَثَبَّتَ في أمْرِهِ، وأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ كُلَّ مَن أسْلَمَ مِمَّنْ كانَ كافِرًا، فَبِمَنزِلَةِ الَّذِي تَعَوَّذَ بِالإسْلامِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: مَنَّ عَلَيْكم بِالإسْلامِ، وبِأنْ قَبِلَ ذَلِكَ مِنكم عَلى ما أظْهَرْتُمْ، ثُمَّ كَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّبْيِينِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
النساء 4:95
﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾، قُرِئَتْ: ”غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ“، بِالرَّفْعِ، و”غَيْرَ“، بِالنَّصْبِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَمِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ ”غَيْرُ“، صِفَةً لِلْقاعِدِينَ، وإنْ كانَ أصْلُها أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، المَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ الَّذِينَ هم غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، أيْ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ الأصِحّاءُ، والمُجاهِدُونَ، وإنْ كانُوا كُلُّهم مُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”غَيْرُ“، رَفْعًا عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، المَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ، والمُجاهِدُونَ (p-٩٣)إلّا أُولُو الضَّرَرِ، فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، لِأنَّ الَّذِي أقْعَدَهم عَنِ الجِهادِ الضَّرَرُ، والضَّرَرُ أنْ يَكُونَ ضَرِيرًا، أوْ أعْمى، أوْ زَمِنًا، أوْ مَرِيضًا، ويُرْوى أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أعَلَيَّ جِهادٌ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١]، فَإمّا أنْ تَكُونَ مِنَ الخِفافِ، أوْ مِنَ الثِّقالِ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾، أيْ: وعَدَ الجَنَّةَ، ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ“، نَصْبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن ”اَلْقاعِدِينَ“، اَلْمَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ إلّا أُولِي الضَّرَرِ، عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، النَّصْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”غَيْرَ“، مَنصُوبًا عَلى الحالِ، المَعْنى: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ في حالِ صِحَّتِهِمْ، والمُجاهِدُونَ، كَما تَقُولُ: ”جاءَنِي زَيْدٌ غَيْرَ مَرِيضٍ“، أيْ: جاءَنِي زَيْدٌ صَحِيحًا، ويَجُوزُ جَرُّ ”غَيْرَ“، عَلى الصِّفَةِ لِـ ”اَلْمُؤْمِنِينَ“، أيْ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الأصِحّاءِ، والمُجاهِدُونَ، أمّا الرَّفْعُ والنَّصْبُ فالقِراءَةُ بِهِما كَثِيرَةٌ، والجَرُّ وجْهٌ جَيِّدٌ، إلّا أنَّ أهْلَ الأمْصارِ لَمْ يَقْرَؤُوا بِهِ، وإنْ كانَ وجْهًا، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ.
النساء 4:96
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾، ”دَرَجاتٍ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وهو مُفَسِّرٌ لِلْآخَرِ، المَعْنى: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ دَرَجاتٍ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ (p-٩٤)مَنصُوبًا عَلى التَّوْكِيدِ لِـ ”أجْرًا عَظِيمًا“، لِأنَّ الأجْرَ العَظِيمَ هو رَفْعُ الدَّرَجاتِ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، والمَغْفِرَةُ والرَّحْمَةُ، كَما تَقُولُ: ”لَكَ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ:“ عَلَيَّ ألْفُ دِرْهَمٍ ”، هو اعْتِرافٌ، فَكَأنَّكَ قُلْتَ:“ أعْرِفُها عُرْفًا ”، وكَأنَّهُ قِيلَ:“ غَفَرَ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً، وأجَرَهم أجْرًا عَظِيمًا ”، لِأنَّ قَوْلَهُ:“ أجْرًا عَظِيمًا ”، فِيهِ مَعْنى“ غَفَرَ، ورَحِمَ، وفَضَّلَ ”، ويَجُوزُ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ:“ دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ”، ولَوْ قِيلَ:“ دَرَجاتٌ مِنهُ ومَغْفِرَةٌ ورَحْمَةٌ ”، كانَ جائِزًا عَلى إضْمارِ“ تِلْكَ دَرَجاتٌ مِنهُ ومَغْفِرَةٌ ”، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، أيْ:“ ذَلِكَ بَلاغٌ " .
النساء 4:97
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، يُعْنى بِهِ المُشْرِكُونَ، الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الهِجْرَةِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَـ ”تَوَفّاهم“، إنْ شِئْتَ كانَ لَفْظُها ماضِيًا، عَلى مَعْنى ”إنَّ الَّذِينَ تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ“، وذَكَّرَ الفِعْلَ، لِأنَّهُ فِعْلٌ صَحِيحٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، عَلى مَعْنى ”إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ“، وحُذِفَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ لِاجْتِماعِ تاءَيْنِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذا الكِتابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾، نُصِبَ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”تَتَوَفّاهم في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم“، والأصْلُ ”ظالِمِينَ أنْفُسَهم“، إلّا أنَّ النُّونَ حُذِفَتِ اسْتِخْفافًا، والمَعْنى مَعْنى ثُبُوتِها، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والمَعْنى مَعْنى ثُبُوتِ التَّنْوِينِ، مَعْنى ”بالِغًا الكَعْبَةَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾، (p-٩٥)هَذِهِ الواوُ لِـ ”اَلْمَلائِكَةُ“، أيْ: قالَ المَلائِكَةُ لِلْمُشْرِكِينَ: فِيمَ كُنْتُمْ؟ أيْ: أكُنْتُمْ في المُشْرِكِينَ، أمْ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ؟ وهَذا سُؤالُ تَوْبِيخٍ، قَدْ مَرَّ نُظَراؤُهُ مِمّا قَدِ اسْتَقْصَيْنا شَرْحَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم كانُوا مُسْتَضْعَفِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَقالَتْ لَهُمُ المَلائِكَةُ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾
النساء 4:98
﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾، ”اَلْمُسْتَضْعَفِينَ“، نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ: ”مَأْواهم جَهَنَّمُ... إلّا المُسْتَضْعَفِينَ“، أيْ: إلّا مَن صَدَقَ أنَّهُ مُسْتَضْعَفٌ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ حِيلَةً، ولا مُهْتَدٍ سَبِيلًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ راجُونَ العَفْوَ، كَما يَرْجُو المُؤْمِنُونَ، فَقالَ:
النساء 4:99
﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾، و”عَسى“: تَرَجٍّ، وما أمَرَ اللَّهُ بِهِ أنْ يُرْجى مِن رَحْمَتِهِ فَبِمَنزِلَةِ الواقِعِ، كَذَلِكَ الظَّنُّ بِأرْحَمِ الرّاحِمِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، تَأْوِيلُ ”كانَ“، في هَذا المَوْضِعِ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ النّاسُ، فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ”كانَ غَفُورًا لِعِبادِهِ، وعَنْ عِبادِهِ، قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم“، وقالَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ: ”كَأنَّ القَوْمَ شاهَدُوا مِنَ اللَّهِ رَحْمَةً فَأُعْلِمُوا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحادِثٍ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ“، وقالَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: ”كانَ“، (p-٩٦)و”فَعَلَ“، مِنَ اللَّهِ، بِمَنزِلَةِ ما في الحالِ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: واللَّهُ عَفُوٌّ غَفُورٌ، والَّذِي قالَهُ الحَسَنُ وغَيْرُهُ أدْخَلُ في اللُّغَةِ، وأشْبَهُ بِكَلامِ العَرَبِ، وأمّا القَوْلُ الثّالِثُ فَمَعْناهُ يُؤَوَّلُ إلى ما قالَهُ الحَسَنُ، وسِيبَوَيْهِ، إلّا أنْ يَكُونَ الماضِي بِمَعْنى الحالِ يَقِلُّ، وصاحِبُ هَذا القَوْلِ لَهُ مِنَ الحُجَّةِ قَوْلُنا: ”غَفَرَ اللَّهُ لِفُلانٍ“، بِمَعْنى ”لِيَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ“، فَلَمّا كانَ في الحالِ دَلِيلٌ عَلى الِاسْتِقْبالِ، وقَعَ الماضِي مُؤَدِّيًا عَنْها اسْتِخْفافًا، لِأنَّ اخْتِلافَ ألْفاظِ الأفْعالِ إنَّما وقَعَ لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ، فَإذا أُعْلِمَتِ الأحْوالُ والأوْقاتُ، اسْتُغْنِيَ بِلَفْظِ بَعْضِ الأفْعالِ عَنْ لَفْظِ بَعْضٍ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن تابَ وعَمِلَ صالِحًا فَإنَّهُ يَتُوبُ إلى اللَّهِ مَتابًا﴾ [الفرقان: ٧١]، مَعْناهُ: ”مَن يَتُبْ“، و" مَن يَجِئْ بِالحَسَنَةِ يُعْطَ عَشْرَ أمْثالِها.
النساء 4:100
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾، مَعْنى ”مُراغَمٌ“، مَعْنى ”مُهاجَرٌ“، اَلْمَعْنى: يَجِدْ في الأرْضِ مُهاجَرًا، لِأنَّ المُهاجِرَ لِقَوْمِهِ، والمُراغَمَ، بِمَنزِلَةٍ واحِدَةٍ، وإنِ اخْتَلَفَ اللَّفْظانِ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎إلى بَلَدٍ غَيْرِ دانِي المَحَلِّ ∗∗∗ بَعِيدِ المُراغَمِ والمُضْطَرَبْ
وَقِيلَ: ”اَلْمُراغَمُ“، هَهُنا: اَلْمُضْطَرِبُ، ولَيْسَ المُراغَمُ هَهُنا إلّا المُضْطَرِبَ في حالِ هِجْرَةٍ، وإنْ كانَ مُشْتَقًّا مِن ”اَلرُّغامُ“، و”اَلرُّغامُ“: اَلتُّرابُ، وتَأْوِيلُ قَوْلِكَ: ”راغَمْتُ (p-٩٧)فُلانًا“، أيْ: هَجَرْتُهُ وعادَيْتُهُ، ولَمْ أُبالِ رَغْمَ أنْفِهِ، أيْ: وإنْ لَصَقَ أنْفُهُ بِالتُّرابِ، و”اَلرَّغامُ“، و”اَلرُّغامُ“: ما يَسِيلُ مِنَ الأنْفِ، والأنْفُ يُوصَفُ بِالرَّغْمِ، فَيُضْرَبُ مَثَلًا لِكُلِّ ذَلِيلٍ، فَيُقالُ: ”عَلى رَغْمِ أنْفِهِ“ .
النساء 4:102
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، هَذِهِ الهاءُ والمِيمُ يَعُودانِ عَلى المُؤْمِنِينَ، أيْ: وإذا كُنْتَ أيُّها النَّبِيُّ في المُؤْمِنِينَ في غَزَواتِهِمْ وخَوْفِهِمْ، ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهم فَإذا سَجَدُوا﴾، أيْ: فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي قامَتْ مَعَكَ، ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ولْتَأْخُذِ الجَماعَةُ حِذْرَهُمْ، وأسْلِحَتَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِينَ هم وُجاهَ العَدُوِّ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهُمْ، لِأنَّ مَن في الصَّلاةِ غَيْرُ مُقاتِلٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الجَماعَةُ أُمِرَتْ بِحَمْلِ السِّلاحِ، وإنْ كانَ بَعْضُها لا يُقاتِلُ، لِأنَّهُ أرْهَبُ لِلْعَدُوِّ، وأحْرى ألّا يُقْدِمَ عَلى الحَذِرِينَ المُتَيَقِّظِينَ المُتَأهِّبِينَ لِلْحَرْبِ في كُلِّ حالٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في صَلاةِ الخَوْفِ، فَزَعَمَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ أنَّ أحَبَّ ما رُوِيَ فِيها إلَيْهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قامَ يُصَلِّي، وقامَتْ خَلْفَهُ طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وطائِفَةٌ وُجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالطّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَهُ رَكْعَةً، وقامَ فَأتَمَّتِ الطّائِفَةُ بِرَكْعَةٍ أُخْرى، وسَلَّمَتْ، وهو ﷺ واقِفٌ، ثُمَّ انْصَرَفَتْ، وقامَتْ وُجاهَ العَدُوِّ، والنَّبِيُّ ﷺ واقِفٌ (p-٩٨)فِي الصَّلاةِ، وأتَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ وُجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ثانِيَةً لَهُ، وهي الأُولى لِهَذِهِ الطّائِفَةِ الأُخْرى، وجَلَسَ النَّبِيُّ ﷺ، وقامُوا فَصَلَّوْا رَكْعَةً ثانِيَةً وحْدَهُمْ، وهو ﷺ قاعِدٌ، وقَعَدُوا في الثّانِيَةِ، فَسَلَّمَ، وسَلَّمُوا بِتَسْلِيمِهِ، فَصَلَّتْ كُلُّ طائِفَةٍ مِنهم رَكْعَتَيْنِ، وصَلّى النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ،» وقالَ مالِكٌ: هَذا أحَبُّ ما رُوِيَ في صَلاةِ الخَوْفِ إلَيَّ، وأمّا ”أسْلِحَةٌ“، فَجَمْعُ ”سِلاحٌ“، مِثْلَ ”حِمارٌ“، و”أحْمِرَةٌ“، و”سِلاحٌ“، اِسْمٌ لِجُمْلَةِ ما يَدْفَعُ النّاسُ بِهِ عَنْ أنْفُسِهِمْ في الحُرُوبِ، مِمّا يُقاتَلُ بِهِ خاصَّةً، لا يُقالُ لِلدَّوابِّ، وما أشْبَهَها: ”سِلاحٌ“، فَأمّا ”وَلْيَأْخُذُوا“، فالقِراءَةُ عَلى سُكُونِ اللّامِ: ”وَلْيَأْخُذُوا“، و”وَلِيَأْخُذُوا“، هو الأصْلُ، بِالكَسْرِ، إلّا أنَّ الكَسْرَ اسْتُثْقِلَ، فَيُحْذَفُ اسْتِخْفافًا، وحَكى الفَرّاءُ أنَّ لامَ الأمْرِ قَدْ فَتَحَها بَعْضُ العَرَبِ في قَوْلِكَ: ”لِيَجْلِسْ“، فَقالُوا: ”لَيَجْلِسْ“، فَفَتَحُوا، وهَذا خَطَأٌ، لا يَجُوزُ فَتْحُ لامِ الأمْرِ، لِئَلّا تُشْبِهَ لامَ التَّوْكِيدِ، وقَدْ حَكى بَعْضُ البَصْرِيِّينَ فَتْحَ لامِ الجَرِّ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”اَلْمالُ لِزَيْدٍ“، تَقُولُ: ”اَلْمالُ لَزَيْدٍ“، وهَذِهِ الحِكايَةُ في الشُّذُوذِ كالأُولى، لِأنَّ الإجْماعَ، والرِّواياتِ الصَّحِيحَةَ كَسْرُ لامِ الجَرِّ، ولامِ الأمْرِ، ولا يُلْتَفَتُ إلى الشُّذُوذِ، خاصَّةً إذا لَمْ يَرْوِهِ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ الَّذِينَ هم أصْلُ الرِّوايَةِ، وجَمِيعُ مَن ذَكَرْنا مِنَ الَّذِينَ رَوَوْا هَذا الشّاذَّ عِنْدَنا صادِقُونَ في الرِّوايَةِ، إلّا أنَّ الَّذِي سَمِعَ مِنهم مُخْطِئٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾، (p-٩٩)”اَلْجُناحُ“: اَلْإثْمُ، وتَأْوِيلُهُ: مِن ”جَنَحْتُ“، إذا عَدَلْتُ عَنِ المَكانِ، أيْ: أخَذْتُ جانِبًا عَنِ القَصْدِ، فَتَأْوِيلُ ”لا جُناحَ عَلَيْكم“، أيْ: لا تَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ إنْ وضَعْتُمْ أسْلِحَتَكُمْ، ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾، و”أذًى“، مَقْصُورَةٌ، تَقُولُ: ”أذِيَ، يَأْذى، أذًى“، مِثْلَ: ”فَزِعَ، يَفْزَعُ، فَزَعًا“، ومَوْضِعُ ”أنْ تَضَعُوا“: نَصْبٌ، أيْ: لا إثْمَ عَلَيْكم في أنْ تَضَعُوا، فَلَمّا سَقَطَتْ ”في“، عَمِلَ ما قَبْلَ ”أنْ“، فِيها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها جَرًّا، بِمَعْنى ”في“ .
النساء 4:103
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾، يَعْنِي بِهِ صَلاةَ الخَوْفِ هَذِهِ، ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾، أيْ: اُذْكُرُوهُ بِتَوْحِيدِهِ، وشُكْرِهِ، وتَسْبِيحِهِ، وكُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يُتَقَرَّبَ بِهِ مِنهُ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾، أيْ: إذا سَكَنَتْ قُلُوبُكُمْ، ويُقالُ: ”اِطْمَأنَّ الشَّيْءُ“، إذا سَكَنَ، و”طامَنتُهُ“، و”طَمْأنْتُهُ“، إذا سَكَّنْتُهُ، وقَدْ رُوِيَ ”اِطْبَأنَّ“، بِالباءِ، ولَكِنْ لا تَقْرَأْ بِها، لِأنَّ المُصْحَفَ لا يُخالَفُ البَتَّةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، أيْ: فَأتِمُّوا، لِأنَّهم جُعِلَ لَهم في الخَوْفِ قَصْرُها، وأُمِرُوا في الأمْنِ بِإتْمامِها.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾، أيْ: مَفْرُوضًا، مُؤَقَّتًا فَرْضُهُ.
النساء 4:104
(p-١٠٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾، هَذا خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، والقَوْمُ هَهُنا: اَلْكُفّارُ الَّذِينَ هم حَرْبُ المُؤْمِنِينَ، وتَأْوِيلُ: ”لا تَهِنُوا“، في اللُّغَةِ: لا تَضْعُفُوا، يُقالُ: ”وَهَنَ الرَّجُلُ، يَهِنُ“، إذا ضَعُفَ، فَهو ”وَهِنٌ“، ومَعْنى ”اِبْتِغاءِ القَوْمِ“: طَلَبِ القَوْمِ بِالحَرْبِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ﴾، أيْ: إنْ تَكُونُوا تُوجَعُونَ، فَإنَّهم يَجِدُونَ مِنَ الوَجَعِ بِما يَنالُهم مِنَ الجِراحِ والتَّعَبِ كَما تَجِدُونَ، وأنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾، أيْ: أنْتُمْ تَرْجُونَ النَّصْرَ الَّذِي وعَدَكُمُ اللَّهُ بِهِ، وإظْهارَ دِينِكم عَلى سائِرِ أدْيانِ أهْلِ المِلَلِ المُخالِفَةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، وتَرْجُونَ مَعَ ذَلِكَ الجَنَّةَ، وهم - أعْنِي المُشْرِكِينَ - يَرْجُونَ الجَنَّةَ، لِأنَّهم كانُوا غَيْرَ مُقِرِّينَ بِالبَعْثِ، فَأنْتُمْ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ، قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: مَعْنى ”تَرْجُونَ“، هَهُنا: تَخافُونَ، وأجْمَعَ أهْلُ اللُّغَةِ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمْ أنَّ الرَّجاءَ هَهُنا عَلى مَعْنى الأمَلِ، لا عَلى تَصْرِيحِ الخَوْفِ، وقالَ بَعْضُهم: اَلرَّجاءُ لا يَكُونُ بِمَعْنى الخَوْفِ إلّا مَعَ الجَحْدِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎لا تَرْتَجِي حِينَ تُلاقِي الذّائِدا ∗∗∗ أسَبْعَةً لاقَتْ مَعًا أمْ واحِدا
مَعْناهُ: لا تَخافُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، أيْ: لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظْمَةً، ولا عِظَةً، وإنَّما اشْتَمَلَ الرَّجاءُ عَلى مَعْنى الخَوْفِ، لِأنَّ الرَّجاءَ أمَلٌ قَدْ يُخافُ ألّا يَتِمَّ.
النساء 4:105
(p-١٠١)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾، أيْ: بِالحَقِّ الَّذِي أعْلَمَكَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾، أيْ: لا تَكُنْ مُخاصِمًا، ولا دافِعًا عَنْ خائِنٍ، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ كانَ يُقالُ لَهُ: ”أبُو طُعْمَةَ“، أوْ ”طِعْمَةَ“، سَرَقَ دِرْعًا، وجَعَلَهُ في غِرارَةِ دَقِيقٍ، وكانَ فِيها خَرْقٌ، فانْتَثَرَ الدَّقِيقُ مِن مَكانِ سَرِقَتِهِ إلى مَنزِلِهِ، فَظُنَّ بِهِ أنَّهُ سارِقُ الدِّرْعِ، وحِيصَ في أمْرِهِ، فَمَضى بِالدِّرْعِ إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، فَأوْدَعَها إيّاهُ، ثُمَّ صارَ إلى قَوْمِهِ، فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لَمّا اتُّهِمَ بِالدِّرْعِ اتُّبِعَ أثَرُها، فَعُلِمَ أنَّها عِنْدَ اليَهُودِيِّ، وأنَّ اليَهُودِيَّ سارِقُها، فَجاءَ قَوْمُهُ - أيْ: طُعْمَةَ، أوْ طِعْمَةَ - إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألُوهُ أنْ يَعْذِرَهُ عِنْدَ النّاسِ، وأعْلَمُوهُ أنَّ اليَهُودِيَّ صاحِبُ الدِّرْعِ، وكانَ بَعْضُهم قَدْ عَلِمَ أنَّ أبا طِعْمَةَ قَدْ رَمى اليَهُودِيَّ وهو بَرِيءٌ مِنَ الدِّرْعِ، فَهَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وعَرَّفَهُ قِصَّتَهُ - أيْ: طُعْمَةَ -، وأعْلَمَهُ أنَّهُ خائِنٌ، ونَهاهُ أنْ يَحْتَجَّ لَهُ، وأمَرَهُ بِالِاسْتِغْفارِ مِمّا هَمَّ بِهِ، وأنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ، فَقالَ:
النساء 4:107
﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾، يَعْنِي أبا طُعْمَةَ، ومَن عاوَنَهُ مِن قَوْمِهِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ سارِقٌ، ويُرْوى أنَّ أبا طُعْمَةَ هَذا هَرَبَ إلى مَكَّةَ، وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، وأنَّهُ نَقَبَ حائِطًا بِمَكَّةَ لِيَسْرِقَ أهْلَهُ فَسَقَطَ الحائِطُ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ.
النساء 4:108
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾، كُلُّ ما فُكِّرَ فِيهِ، أوْ خِيضَ فِيهِ بِلَيْلٍ، فَقَدْ بُيِّتَ.
(p-١٠٢)يَعْنِي بِهِ هَذا السّارِقَ، والَّذِي بَيَّتَ مِنَ القَوْلِ أنْ قالَ: أرْمِي اليَهُودِيَّ بِأنَّهُ سارِقُ الدِّرْعِ، وأحْلِفُ أنِّي لَمْ أسْرِقْها، فَتُقْبَلُ يَمِينِي، لِأنِّي عَلى دِينِي، ولا تُقْبَلُ يَمِينُ اليَهُودِيِّ، فَهَذا ما بَيَّتَ مِنَ القَوْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:109
وَقَوْلُهُ: ﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، يَعْنِي بِهِ مَنِ احْتَجَّ عَنْ هَذا السّارِقِ، ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، أيْ: في اليَوْمِ الَّذِي يُؤْخَذُ فِيهِ بِالحَقائِقِ، وأمْرُ الدُّنْيا يَقُومُ بِالشَّهاداتِ في الحُقُوقِ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الشَّهادَةُ غَيْرَ حَقِيقَةٍ، فَكَأنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - قِيلَ لَهم: إنْ يَقُمِ الجِدالُ في الدُّنْيا، والتَّغْيِيبُ عَنْ أمْرِ هَذا السّارِقِ، فَيَوْمَ القِيامَةِ لا يَنْفَعُ فِيهِ جِدالٌ، ولا شَهادَةٌ، ومَعْنى قَوْلِهِ ”ها أنْتُمْ“: ”ها“، لِلتَّنْبِيهِ، وأُعِيدَتْ في ”أُولاءِ“، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”ها أنْتُمُ الَّذِينَ جادَلْتُمْ“، لِأنَّ ”هَؤُلاءِ“، و”هَذا“، يَكُونانِ في الإشارَةِ لِلْمُخاطَبِينَ بِمَنزِلَةِ ”اَلَّذِينَ“، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
وَهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
أيْ: ”والَّذِي تَحْمِلِينَهُ طَلِيقٌ“، وأصْلُ المُجادَلَةِ والجِدالِ، في اللُّغَةِ، شِدَّةُ المُخاصَمَةِ، و”اَلْجَدْلُ“: شِدَّةُ القَتْلِ، و”رَجُلٌ مَجْدُولٌ“، أيْ: كَأنَّهُ قَدْ قُتِلَ، و”اَلْأجْدَلُ“: اَلصَّقْرُ، يُقالُ لَهُ: ”أجْدَلُ“، لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطُّيُورِ قُوَّةً.
النساء 4:110
وَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ التَّوْبَةَ مَبْذُولَةٌ في كُلِّ ذَنْبٍ، دُونَ الشِّرْكِ، فَقالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: (p-١٠٣)﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أيْ: يَسْألْهُ المَغْفِرَةَ، مَعَ إقْلاعٍ، لِأنَّهُ إذا كانَ مُقِيمًا عَلى الإصْرارِ فَلَيْسَ بِتائِبٍ.
النساء 4:111
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إثْمًا فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾، ولا يُؤْخَذُ الإثْمُ بِالإثْمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، قِيلَ: ”إثْمًا“، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمّى بَعْضَ المَعاصِيَ ”خَطايا“، وسَمّى بَعْضَها ”آثامًا“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مَن كَسَبَ خَطِيئَةً، ويَقَعُ عَلَيْها اسْمُ الإثْمِ، أوِ اسْمُ الخَطِيئَةِ، ثُمَّ رَمى بِهِ مَن لَمْ يَعْمَلْهُ، وهو مِنهُ بَرِيءٌ، ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا﴾ [النساء: ١١٢]، و”اَلْبُهْتانُ“: اَلْكَذِبُ الَّذِي يُتَحَيَّرُ مِن عِظَمِهِ وبَيانِهِ، يُقالُ: ”قَدْ بَهَتَ فُلانٌ فُلانًا“، إذا كَذَبَ عَلَيْهِ، و”قَدْ بُهِتَ الرَّجُلُ، يُبْهَتُ“، إذا تَحَيَّرَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا“، أيْ: مَن يَقَعْ عَلَيْهِ خَطَأٌ، نَحْوَ قَتْلِ الخَطَإ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ القَوْمُ، ولا إثْمَ فِيهِ، فَيَكُونَ أنْ يَرْمِيَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا.
النساء 4:113
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والطّائِفَةُ هم طُعْمَةُ هَذا السّارِقُ، لِأنَّ بَعْضَهم (p-١٠٤)قَدْ كانَ وقَفَ عَلى أنَّهُ سارِقٌ، وسَألَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَعْذِرَهُ، فالتَّأْوِيلُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ بِما أوْحى إلَيْكَ، وأعْلَمَكَ أمْرَ هَذا السّارِقِ، لَهَمَّتْ طائِفَةٌ أنْ يُضِلُّوكَ، والمَعْنى في ”هَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ“: أيْ: فَبِفَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ أنْ تَعْمَلَ ما هَمَّتْ بِهِ الطّائِفَةُ، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”أنْ يُضِلُّوكَ“: أنْ يُخَطِّئُوكَ في حُكْمِكَ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما يُضِلُّونَ إلا أنْفُسَهُمْ﴾، أيْ: لِأنَّهم هم يَعْمَلُونَ عَمَلَ الضّالِّينَ، واللَّهُ يَعْصِمُ نَبِيَّهُ ﷺ مِن مُتابَعَتِهِمْ، والإضْلالُ راجِعٌ عَلَيْهِمْ، وواقِعٌ بِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾، أيْ: مَعَ عِصْمَةِ اللَّهِ إيّاكَ، ونَصْرِهِ دِينَهُ، دِينَ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾، أيْ: بَيَّنَ في كِتابِهِ ما فِيهِ الحِكْمَةُ الَّتِي لا يَقَعُ لَكَ مَعَها ضَلالٌ.
النساء 4:114
وَقَوْلُهُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾، اَلنَّجْوى في الكَلامِ: ما تَنْفَرِدُ بِهِ الجَماعَةُ، أوْ الِاثْنانِ، سِرًّا كانَ، أوْ ظاهِرًا، ومَعْنى ”نَجَوْتُ الشَّيْءَ“، في اللُّغَةِ: خَلَّصْتُهُ، وألْقَيْتُهُ، يُقالُ: ”نَجَوْتُ الجِلْدَ“، إذا ألْقَيْتُهُ عَنِ البَعِيرِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٠٥)
؎فَقُلْتُ انْجُوا عَنْها نَجا الجِلْدِ إنَّهُ ∗∗∗ سَيُرْضِيكُما مِنها سَنامٌ وغارِبُهْ
و”قَدْ نَجَوْتُ فُلانًا“، إذا اسْتَنْكَهْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَجَوْتُ مُجالِدًا فَوَجَدْتُ مِنهُ ∗∗∗ كَرِيحِ الكَلْبِ ماتَ حَدِيثَ عَهْدِ
و”نَجَوْتُ الوَبَرَ“، و”اِسْتَنْجَيْتُهُ“، إذا خَلَّصْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَبازَتْ فَتَبازَخْتُ لَها ∗∗∗ جِلْسَةَ الأعْسَرِ يَسْتَنْجِي الوَتَرْ
وَأصْلُهُ كُلُّهُ مِن ”اَلنَّجْوَةُ“، وهو ما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَمَن بِنَجْوَتِهِ كَمَن بِعَقْوَتِهِ ∗∗∗ والمُسْتَكِنُّ كَمَن يَمْشِي بِقِرْواحِ
(p-١٠٦)وَيُقالُ: ”ما أنْجى فُلانٌ شَيْئًا“، و”ما نَجا شَيْئًا مُنْذُ أيّامٍ“، أيْ: لَمْ يَدْخُلِ الغائِطَ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم“، أيْ: مِمّا يُدَبِّرُونَهُ بَيْنَهم مِنَ الكَلامِ، ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”مَن“، خَفْضًا، المَعْنى: إلّا في نَجْوى مِن صَدَقَةٍ، أوْ مَعْرُوفٍ، أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْتِثْناءً لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، ويَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا، ويَكُونَ عَلى مَعْنى ”لَكِنَّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ فَفي نَجْواهُ خَيْرٌ“، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَنْفَعُ مَنِ ابْتَغى بِهِ ما عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾، ومَعْنى ”اِبْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ“: طَلَبَ مَرْضاةِ اللَّهِ، ونُصِبَ ”اِبْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ“، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ لِابْتِغاءِ مَرْضاةِ اللَّهِ، وهو راجِعٌ إلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَمَن يَبْتَغِ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ“، ثُمَّ عادَ الأمْرُ إلى ذِكْرِ طُعْمَةَ هَذا، ومَن أشْبَهَهُ، فَقالَ:
النساء 4:115
﴿وَمَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾، لِأنَّ طُعْمَةَ هَذا كانَ قَدْ تَبَيَّنَ لَهُ ما أوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ في أمْرِهِ، وأظْهَرَ مِن سَرِقَتِهِ في الآيَةِ ما فِيهِ بَلاغٌ، فَعادى النَّبِيَّ ﷺ وصارَ إلى مَكَّةَ، وأقامَ مَعَ المُشْرِكِينَ.
(p-١٠٧)وَمَعْنى ”نُوَلِّهِ ما تَوَلّى“، نَدَعْهُ وما اخْتارَ لِنَفْسِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - وعَدَ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ.
النساء 4:116
وَأعْلَمَ - تَعالى - أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وذَكَرَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]، وأعْلَمَ بَعْدَها أنَّ الشِّرْكَ لا يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَهُ، ما أقامَ المُشْرِكُ عَلَيْهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَإنَّما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فَإنْ سُمِّيَ رَجُلٌ ”كافِرًا“، ولَمْ يُشْرِكْ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ فَهو خارِجٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، فالجَوابُ في هَذا أنَّ كُلَّ كافِرٍ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، لِأنَّ الكافِرَ إذا كَفَرَ بِنَبِيٍّ فَقَدْ زَعَمَ أنَّ الآياتِ الَّتِي أتى بِها لَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَيَجْعَلُ ما لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ، فَيَصِيرُ مُشْرِكًا، فَكُلُّ كافِرٍ مُشْرِكٌ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ كُفْرَ مَن كَفَرَ بِهِ، وبِنَبِيٍّ مِن أنْبِيائِهِ، لِأنَّ كُفْرَهُ بِنَبِيِّهِ كُفْرٌ بِهِ، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾، لِأنَّ جَعْلَهُ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ مِن أبْعَدِ الضَّلالِ والعَمى، وهَذا أكْثَرُ ما جَرى هَهُنا مِن أجْلِ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِعُقْبِ هَذا -: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧]، فَأمّا ”نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ“، فَفِيها أوْجُهٌ، يَجُوزُ فِيها: ”نُوَلِّهِي“، بِإثْباتِ الياءِ، ويَجُوزُ: ”نُوَلِّهُو“، بِإثْباتِ الواوِ، ويَجُوزُ: ”نُوَلِّهِ“، بِكَسْرِ الهاءِ، فَأمّا ”نُوَلِّهْ“، بِإسْكانِ الهاءِ، و”نُصْلِهْ جَهَنَّمَ“، فَلا يَجُوزُ إسْكانُ الهاءِ، لِأنَّ الهاءَ حَقُّها أنْ يَكُونَ مَعَها ياءٌ، وأمّا حَذْفُ الياءِ فَضَعِيفٌ فِيها، ولا يَجُوزُ حَذْفُ الياءِ، ولا تَبْقى الكَسْرَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْها.
(p-١٠٨)وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧]، ”إنْ يَدْعُونَ“، تُقْرَأُ: ”إلّا أُنُثًا“، و”إلّا أُثُنًا“، بِتَقْدِيمِ الثّاءِ، وتَأْخِيرِها، فَمَن قالَ: ﴿إناثًا﴾ [النساء: ١١٧]، فَهو جَمْعُ ”أُنْثى“، و”إناثٌ“، ومَن قالَ: ”أُنُثٌ“، فَهو جَمْعُ ”إناثٌ“، لِأنَّ ”إناثًا“، عَلى وزْنِ ”مِثالٌ“، و”إناثٌ“، و”أُنُثٌ“، مِثْلُ ”مِثالٌ“، و”مُثُلٌ“، ومَن قالَ: ”أُثُنًا“، فَإنَّهُ جَمْعُ ”وَثَنٌ“، والأصْلُ ”وُثُنٌ“، إلّا أنَّ الواوَ إذا انْضَمَّتَ يَجُوزُ إبْدالُها هَمْزَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ [المرسلات: ١١]، اَلْأصْلُ ”وُقِّتَتْ“، ومِثالُ ”وُثُنٌ“، في الجَمْعِ مِثْلُ ”سُقُفٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أُثْنٌ“، مِثْلَ ”أسَدٌ“، و”أُسْدٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أُثُنٌ“، أصْلُها ”أُثْنٌ“، فاتَّبَعَتِ الضَّمَّةُ الضَّمَّةَ.
النساء 4:117
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾، يَعْنِي بِهِ ”إبْلِيسَ“، لِأنَّهم إذا أطاعُوهُ فِيما سَوَّلَ لَهم فَقَدْ عَبَدُوهُ، و”يَدْعُونَ“، في مَعْنى ”يَعْبُدُونَ“، لِأنَّهم إذا دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ فَقَدْ عَبَدُوهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، أيْ: اُعْبُدُونِي، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، ومَعْنى ”مَرِيدٌ“: أيْ: خارِجٌ عَنِ الطّاعَةِ، مُتَمَلِّصٌ مِنها، ويُقالُ: ”شَجَرَةٌ مَرْداءُ“، إذا تَناثَرَ ورَقُها، ومِن ذَلِكَ يُسَمّى مَن لَمْ تَنْبُتْ لَهُ لِحْيَةٌ ”أمْرَدَ“، أيْ: أمْلَسَ مَوْضِعِ اللِّحْيَةِ، و”قَدْ مَرَدَ الرَّجُلُ، يَمْرُدُ، مُرُودًا“، إذا عَتا، وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ.
النساء 4:118
﴿وَقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾، قِيلَ في ﴿مَفْرُوضًا﴾ إنَّ مَعْناهُ: مُؤَقَّتٌ، وجاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: مِن كُلِّ ألْفٍ واحِدٌ لِلَّهِ، وسائِرُهم لِإبْلِيسَ.
(p-١٠٩)وَمَعْنى ﴿مَفْرُوضًا﴾ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أيْ: أفْتَرِضُهُ عَلى نَفْسِي، وأصْلُ ”اَلْفَرْضُ“، في اللُّغَةِ: اَلْقَطْعُ، و”اَلْفُرْضَةُ“: اَلثُّلْمَةُ تَكُونُ في النَّهْرِ، يُقالُ: ”سَقاها بِالفِراضِ، وبِالفُرَضِ“، و”اَلْفَرْضُ“: اَلْحَزُّ الَّذِي يَكُونُ في المِسْواكِ، يُشَدُّ فِيهِ الخَيْطَ، والفَرْضُ في القَوْسِ: اَلْحَزُّ الَّذِي يُشَدُّ فِيهِ الوَتَرُ، والفَرِيضَةُ في سائِرِ ما افْتُرِضَ: ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ العِبادَ، فَجَعَلَهُ أمْرًا حَتْمًا عَلَيْهِمْ، قاطِعًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، أيْ: جَعَلْتُمْ لَهُنَّ قِطْعَةً مِنَ المالِ، و”قَدْ فَرَضْتُ الرَّجُلَ“، جَعَلْتُ لَهُ قِطْعَةً مِن مالِ الفَيْءِ، فَأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا أكَلْتُ سَمَكًا وفَرْضًا ∗∗∗ ذَهَبْتُ طُولًا وذَهَبْتُ عَرْضًا
فالفَرْضُ هَهُنا: اَلتَّمْرُ، وإنَّما سُمِّيَ التَّمْرُ ”فَرْضًا“، لِأنَّهُ يُؤْخَذُ في فِراضِ الصَّدَقَةِ.
النساء 4:119
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾، أيْ: أجْمَعُ لَهم مَعَ الإضْلالِ أنْ أُوهِمَهم أنَّهم يَنالُونَ مِنَ الآخِرَةِ حَظًّا، كَما قالَ: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨]
﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾، كَأنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ولَآمُرَنَّهم بِتَبْتِيكِ آذانِ الأنْعامِ فَلَيُبَتِّكُنَّ، أيْ: يُشَقِّقُنَّ، يُقالُ: ”بَتَكْتُ الشَّيْءَ، أبْتِكُهُ، بَتْكًا“، إذا قَطَعْتُهُ، و”بِتْكَةٌ“، و”بِتَكٌ“، مِثْلُ ”قِطْعَةٌ“، و”قِطَعٌ“، وهَذا في البَحِيرَةِ، كانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا ولَدَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنٍ فَكانَ الخامِسُ ذَكَرًا، شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ، وامْتَنَعُوا مِنَ الِانْتِفاعِ بِها، ولَمْ تُطْرَدْ عَنْ ماءٍ، (p-١١٠)وَلا مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المُعْيا لَمْ يَرْكَبْها، فَهَذا تَأْوِيلُ ”فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ“، سَوَّلَ لَهم إبْلِيسُ أنَّ في تَرْكِها لا يَنْتَفِعُ بِها قُرْبَةً إلى اللَّهِ، ﴿وَلآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، قِيلَ: إنَّ مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الأنْعامَ لِيَرْكَبُوها، ويَأْكُلُوها، فَحَرَّمُوها عَلى أنْفُسِهِمْ، وخَلَقَ الشَّمْسَ، والقَمَرَ، والأرْضَ، والحِجارَةَ، سُخْرَةً لِلنّاسِ، يَنْتَفِعُونَ بِها، فَعَبَدَها المُشْرِكُونَ، فَغَيَّرُوا خَلْقَ اللَّهِ، أيْ: دِينَ اللَّهِ، لِأنَّ اللَّهَ فَطَرَ الخَلْقَ عَلى الإسْلامِ، خَلَقَهم مِن بَطْنِ آدَمَ كالذَّرِّ، وأشْهَدَهم أنَّهُ رَبُّهُمْ، فَآمَنُوا، فَمَن كَفَرَ فَقَدْ غَيَّرَ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، فَإنَّ مَعْناهُ: ما خَلَقَهُ اللَّهُ هو الصَّحِيحُ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُبَدِّلَ مَعْنى صِحَّةِ الدِّينِ، وقالَ بَعْضُهم: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾، هو الخِصاءُ، لِأنَّ الَّذِي يُخْصِي الفَحْلَ قَدْ غَيَّرَ خَلْقَ اللَّهِ، ومَعْنى ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ: ما يَعْبُدُونَ إلّا ما قَدْ سَمَّوْهُ بِاسْمِ الإناثِ، يُعْنى بِهِ المُشْرِكُونَ، سَمَّوُا الأصْنامَ ”اَللّاتَ“، و”اَلْعُزّى“، و”مَناةَ“، وما أشْبَهَهُ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا“: أيْ: مَواتًا، والمَواتُ كُلُّها يُخْبَرُ عَنْها كَما يُخْبَرُ عَنِ المُؤَنَّثِ، تَقُولُ مِن ذَلِكَ: ”هَذِهِ الأحْجارُ تُعْجِبُنِي“، ولا تَقُولُ: يُعْجِبُونَنِي، وكَذَلِكَ ”اَلدَّراهِمُ تَنْفَعُنِي“ .
النساء 4:121
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصًا﴾، (p-١١١)أيْ: لا يَجِدُونَ عَنْها مَعْدِلًا، ولا مَلْجَأً، يُقالُ: ”حِصْتُ عَنِ الرَّجُلِ، أحِيصُ“، ورَوَوْا ”جِضْتُ عَنْهُ، أجِيضُ“، بِالجِيمِ، والضّادِ المُعْجَمَةِ، بِمَعْنى ”حِصْتُ“، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، والخَطُّ غَيْرَ مُخالِفٍ، لِأنَّ القُرْآنَ سُنَّةٌ لا تُخالَفُ فِيهِ الرِّوايَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، والسَّلَفِ، وقُرّاءِ الأمْصارِ، بِما يَجُوزُ في النَّحْوِ، واللُّغَةِ، وما فِيهِ أفْصَحُ مِمّا يَجُوزُ، فالِاتِّباعُ فِيهِ أوْلى، يُقالُ: ”حُصْتُ، أحُوصُ، حَوْصًا، وحِياصًا“، إذا خِطْتُ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: ”حُصْ عَيْنَ صَقْرِكَ“، أيْ: خِطْ عَيْنَهُ، والحَوَصُ في العَيْنِ: ضِيقُ مُؤَخِّرِها، و”اَلْخَوَصُ“، بِالخاءِ مُعْجَمَةً، غُؤُورُها.
النساء 4:123
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾، اِسْمُ ”لَيْسَ“، مُضْمَرٌ، المَعْنى: لَيْسَ ثَوابُ اللَّهِ بِأمانِيِّكُمْ، ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ، وقَدْ جَرى ما يَدُلُّ عَلى إضْمارِ الثَّوابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا وعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [النساء: ١٢٢]، أيْ: إنَّما يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، لَيْسَ كَما يَتَمَنّى أهْلُ الكِتابِ، لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ، وأحِبّاؤُهُ، وقالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ وثَوابَ اللَّهِ عَلى الحَسَناتِ، والسَّيِّئاتِ، لَيْسَ بِالأمانِيِّ، ولَكِنَّهُ بِالأعْمالِ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ ذَلِكَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-١١٢)﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، أيْ: لا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيهِ، ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ﴾ [النساء: ١٢٤]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ عامِلَ السُّوءِ لا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيهِ، ولا يَتَوَلّاهُ مُتَوَلٍّ، ولا يَنْصُرُهُ ناصِرٌ، وقَدِ احْتَجَّ قَوْمٌ مِن أصْحابِ الوَعِيدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾، فَزَعَمُوا أنَّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن عَمِلَ السُّوءَ جُزِيَ بِهِ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يَغْفِرُ ما دُونَ الشِّرْكِ لِمَن يَشاءُ، فَعامِلُ السُّوءِ - ما لَمْ يَكُنْ كافِرًا - مَرْجُوٌّ لَهُ العَفْوُ، والرَّحْمَةُ، والنَّبِيُّ ﷺ شافِعٌ لِأُمَّتِهِ، يُشَفَّعُ فِيهِمْ، ومَعْنى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤]، ”اَلنَّقِيرُ“: اَلنُّقْطَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وهي مَنبَتُ النَّخْلَةِ، والمَعْنى: ولا يُظْلَمُونَ مِقْدارَ ذَلِكَ.
النساء 4:125
وَقَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾، ”اَلْخَلِيلُ“: اَلْمُحِبُّ الَّذِي لَيْسَ في مَحَبَّتِهِ خَلَلٌ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ سُمِّيَ خَلِيلَ اللَّهِ بِأنَّهُ الَّذِي أحَبَّهُ اللَّهُ واصْطَفاهُ مَحَبَّةً تامَّةً كامِلَةً، وقِيلَ أيْضًا: اَلْخَلِيلُ: اَلْفَقِيرُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ فَقِيرَ اللَّهِ، أيْ: اَلَّذِي لَمْ يَجْعَلْ فَقْرَهُ وفاقَتَهُ إلّا إلى اللَّهِ مُخْلِصًا في ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥]، ومِثْلُ أنَّ إبْراهِيمَ الخَلِيلَ الفَقِيرُ إلى اللَّهِ قَوْلُ زُهَيْرٍ يَمْدَحُ هَرَمَ بْنَ سِنانٍ: (p-١١٣)وَإنْ أتاهُ خَلِيلٌ يَوْمَ مَسْغَبَةٍ ... يَقُولُ لا غائِبٌ مالِي ولا حَرَمُ
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ يُضِيفُ الضِّيفانَ، ويُطْعِمُ المَساكِينَ الطَّعامَ، وأصابَ النّاسَ جَدْبٌ، فَبَعَثَ إلى خَلِيلٍ لَهُ كانَ بِمِصْرَ، يَمْتارُ مِنهُ، فَقالَ ذَلِكَ الخَلِيلُ لِنَفْسِهِ: لَوْ كانَ إبْراهِيمُ إنَّما يُرِيدُ المِيرَةَ لِنَفْسِهِ لَوَجَّهْتُ إلَيْهِ بِها، ولَكِنَّهُ يُرِيدُها لِلنّاسِ، فَرَجَعَ غِلْمانُ إبْراهِيمَ بِغَيْرِ مِيَرَةٍ، فاجْتازُوا بِبَطْحاءَ لَيِّنَةٍ، فَأخَذُوا مِن رَمْلٍ كانَ فِيها، وجَعَلُوهُ في أوْعِيَتِهِمُ، اسْتِحْياءً مِنَ النّاسِ أنْ يَرْجِعُوا بِغَيْرِ شَيْءٍ، فَلَمّا رَآهم - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَألَهم عَنِ الخَبَرِ، فَأعْلَمُوهُ، فَحَمَلَتْهُ عَيْنُهُ فَنامَ مَهْمُومًا، وانْتَبَهَتِ امْرَأتُهُ وقَدْ بَصُرَتْ بِالأوْعِيَةِ مَمْلُوءَةً، فَأمَرَتْ بِأنْ يُخْرَجَ مِنها ويُخْبَزَ، فَأُخْرِجَ مِنها طَعامٌ في غايَةِ الحُسْنِ، فاخْتُبِزَ، وانْتَبَهَ إبْراهِيمُ وشَمَّ رائِحَةَ الطَّعامِ، فَقالَ: ”مِن أيْنَ هَذا؟“، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: مِن عِنْدِ خَلِيلِكَ المِصْرِيِّ، فَقالَ إبْراهِيمُ: ”هَذا مِن عِنْدِ خَلِيلِيَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ“ .
فَهَذا ما رُوِيَ في التَّفْسِيرِ، وهو مِن آياتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - غَيْرُ مُنْكَرٍ، والَّذِي فَسَّرْنا مِنَ الِاشْتِقاقِ لا يُخالِفُ هَذا، و”اَلْخُلَّةُ“: اَلصَّداقَةُ، و”اَلْخُلَّةُ“: اَلْحاجَةُ، فَأمّا مَعْنى الحاجَةِ فَإنَّهُ الِاخْتِلالُ الَّذِي يَلْحَقُ الإنْسانَ فِيما يَحْتاجُ إلَيْهِ، وأمّا ”اَلْخُلَّةُ“: اَلصَّداقَةُ، فَمَعْناها أنَّهُ يَسُدُّ كُلُّ مُحِبٍّ خَلَلَ صاحِبِهِ في المَوَدَّةِ، وفي الحاجَةِ إلَيْهِ، و”اَلْخَلَلُ“: كُلُّ فُرْجَةٍ تَقَعُ في شَيْءٍ، و”اَلْخِلالُ“: اَلَّذِي يُتَخَلَّلُ بِهِ، وإنَّما سُمِّيَ ”خِلالًا“، لِأنَّهُ، يُتْبَعُ بِهِ الخَلَلُ بَيْنَ الأسْنانِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ: (p-١١٤)
؎وَنَظَرْنَ مِن خَلَلِ السُّتُورِ بِأعْيُنٍ ∗∗∗ مَرْضى مُخالِطُها السِّقامُ صِحاحُ
فَإنَّ مَعْناهُ: نَظَرْنَ مِنَ الفُرَجِ الَّتِي تَقَعُ في السُّتُورِ، وقَوْلُ القائِلِ: ”لَكَ خَلَّةٌ مِن خِلالٍ“، تَأْوِيلُهُ أنِّي أُخَلِّي لَكَ مِن رَأْيِي، أوْ مِمّا عِنْدِي، عَنْ خَلَّةٍ مِن خِلالٍ، وتَأْوِيلُ ”أُخَلِّي“، إنَّما هو ”أُخَلِّلُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أُخَلِّي“، مِن ”اَلْخَلْوَةُ“، و”اَلْخَلْوَةُ“، و”اَلْخَلَلُ“، يَرْجِعانِ إلى مَعْنًى، و”اَلْخِلُّ“: اَلطَّرِيقُ في الرَّمْلِ، مَعْناهُ أنَّهُ انْفَرَجَتْ فِيهِ فُرْجَةٌ فَصارَتْ طَرِيقًا، و”اَلْخَلُّ“، اَلَّذِي يُؤْكَلُ، إنَّما سُمِّيَ ”خَلًّا“، لِأنَّهُ اخْتَلَّ مِنهُ طَعْمُ الحَلاوَةِ.
النساء 4:126
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، أيْ: إنَّ إبْراهِيمَ الَّذِي اتَّخَذَهُ اللَّهُ خَلِيلًا هو عَبْدُ اللَّهِ، وهو لَهُ، وكُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ.
النساء 4:127
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، مَوْضِعُ ”ما“، رَفْعٌ، المَعْنى: ”اَللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ أيْضًا يُفْتِيكم فِيهِنَّ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، وهو بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الظّاهِرَ لا يُعْطَفُ عَلى المُضْمَرِ، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ الرَّفْعُ، ولِأنَّ مَعْنى الرَّفْعِ أيْضًا أبْيَنُ، لِأنَّ ما يُتْلى في الكِتابِ هو الَّذِي بَيَّنَ ما سَألُوا، فالمَعْنى: ”قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وكِتابُهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾، (p-١١٥)اَلْمَعْنى: ”وَتَرْغَبُونَ عَنْ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾، يَعْنِي اليَتامى، ومَوْضِعُ ”اَلْمُسْتَضْعَفِينَ“: جَرٌّ، عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾، اَلْمَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ، والَّذِي يُفْتِيهِمْ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، والَّذِي تُلِيَ عَلَيْهِمْ في التَّزْوِيجِ هو قَوْلُهُ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ [النساء: ٣]، فالمَعْنى: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ، وهَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي في الكِتابِ يُفْتِيكم فِيهِنَّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ وفي أنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالقِسْطِ.
النساء 4:128
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحًا﴾، اَلنُّشُوزُ مِن بَعْلِ المَرْأةِ أنْ يُسِيءَ عِشْرَتَها، وأنْ يَمْنَعَها نَفْسَهُ، ونَفَقَتَهُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ - في النِّساءِ -: ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩]، وقالَ: ﴿فَإمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أوْ تَسْرِيحٌ بِإحْسانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقالَ: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فَشَدَّدَ (p-١١٦)اللَّهُ في العَدْلِ في أمْرِ النِّساءِ، فَلَوْ لَمْ يَعْلَمْ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ رِضا المَرْأةِ مِن زَوْجِها بِالإقامَةِ عَلى مَنعِها - في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ - نَفْسَهُ، ومَنعِها بَعْضَ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ، لَما جازَ الإمْساكُ إلّا عَلى غايَةِ العَدْلِ، والمَعْرُوفِ، فَجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الصُّلْحَ جائِزًا بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ، إذا رَضِيَتْ مِنهُ بِإيثارِ غَيْرِها عَلَيْهِ، فَقالَ لا إثْمَ عَلَيْهِما في أنْ يَتَصالَحا بَيْنَهُما صُلْحًا، والصُّلْحُ خَيْرٌ مِنَ الفُرْقَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾، وهو أنَّ المَرْأةَ تَشِحُّ عَلى مَكانِها مِن زَوْجِها، والرَّجُلَ يَشِحُّ عَلى المَرْأةِ بِنَفْسِهِ إنْ كانَ غَيْرُها أحَبَّ إلَيْهِ مِنها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تُحْسِنُوا وتَتَّقُوا﴾، أيْ: إنْ تُحْسِنُوا إلَيْهِنَّ، وتَتَحَمَّلُوا عِشْرَتَهُنَّ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾، أيْ: يَخْبُرُ ذَلِكَ، فَيُجازِيكم عَلَيْهِ.
؎فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما قِيلَ: ”وَإنِ امْرَأةٌ خافَتْ“، ولَمْ يَقُلْ: ”وَإنْ نَشَزَ رَجُلٌ عَلى المَرْأةِ“، لِأنَّ الخائِفَ لِلشَّيْءِ لَيْسَ بِمُتَيَقِّنٍ لَهُ، فالجَوابُ في هَذا: إنْ خافَتِ الإقامَةَ مِنهُ عَلى النُّشُوزِ والإعْراضِ، ولَيْسَ أنْ تَخافَ الإقامَةَ إلّا وقَدْ بَدا مِنهُ شَيْءٌ، فَأمّا التَّفْرِقَةُ بَيْنَ ”إنْ“، اَلْجَزاءِ، والفِعْلِ الماضِي فَجَيِّدٌ، ولَكِنْ إنْ وقَعَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ ”إنْ“، والفِعْلِ المُسْتَقْبَلِ، فَذَلِكَ قَبِيحٌ، إنْ قُلْتَ: ”إنِ امْرَأةٌ تَخافُ“، فَهو قَبِيحٌ، لِأنَّ ”إنْ“، لا يُفْصَلُ بَيْنَها وبَيْنَ ما يُجْزَمُ، وذَلِكَ في الشِّعْرِ جائِزٌ في ”إنْ“، وغَيْرِها، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: (p-١١٧)فَمَتى واغِلٌ يَنُبْهم يَحْبُو ∗∗∗ هُ وتُعْطَفْ عَلَيْهِ كَأْسُ السّاقِي
فَأمّا الماضِي فَـ ”إنْ“، غَيْرُ عامِلَةٍ في لَفْظِهِ، و”إنْ“، أُمُّ حُرُوفِ الجَزْمِ، فَجازَ أنْ تُفَرِّقَ بَيْنَها وبَيْنَ الفِعْلِ، و”اِمْرَأةٌ“، اِرْتَفَعَتْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَ الِاسْمِ، المَعْنى: ”إنْ خافَتِ امْرَأةٌ خافَتْ“، فَأمّا غَيْرُ ”إنْ“، فالفَصْلُ يَقْبُحُ فِيهِ مَعَ الماضِي، والمُسْتَقْبَلِ جَمِيعًا، لَوْ قُلْتَ: ”مَتى زَيْدٌ جاءَنِي أكْرَمْتُهُ“، كانَ قَبِيحًا، ولَوْ قُلْتَ: ”إنِ اللَّهُ أمْكَنَنِي فَعَلْتُ“، كانَ حَسَنًا جَمِيلًا.
النساء 4:134
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، وكانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُمْ، فَكانَ تَقَرُّبُهم إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّما هو لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا، ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّها، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ عِنْدَهُ.
النساء 4:135
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾، ”اَلْقِسْطُ“، و”اَلْإقْساطُ“: اَلْعَدْلُ، يُقالُ: ”أقْسَطَ الرَّجُلُ، يُقْسِطُ، إقْساطًا“، إذا عَدَلَ، وأتى بِالقِسْطِ، ويُقالُ: ”قَسَطَ الرَّجُلُ، قُسُوطًا“، إذا جارَ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَأقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]، أيْ: اِعْدِلُوا، إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العادِلِينَ، وقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَأمّا القاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، أيْ: اَلْجائِرُونَ، يُقالُ: ”قَسَطَ البَعِيرُ، قَسْطًا“، إذا يَبِسَتْ يَدُهُ، و”يَدٌ قَسْطاءُ“، أيْ: يابِسَةٌ، فَكَأنَّ ”أقْسَطَ“: أقامَ الشَّيْءَ عَلى حَقِيقَةِ التَّعْدِيلِ، وكَأنَّ ”قَسَطَ“، بِمَعْنى ”جارَ“، مَعْناهُ: يَبَّسَ الشَّيْءَ، وأفْسَدَ جِهَتَهُ المُسْتَقِيمَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾، (p-١١٨)اَلْمَعْنى: قُومُوا بِالعَدْلِ، وأشْهِدُوا لِلَّهِ بِالحَقِّ، وإنْ كانَ الحَقُّ عَلى نَفْسِ الشّاهِدِ، أوْ عَلى والِدَيْهِ، وأقْرَبِيهِ، ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾، أيْ: إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ لَهُ فَقِيرًا، فاللَّهُ أوْلى بِهِ، وكَذَلِكَ إنْ يَكُنِ المَشْهُودُ عَلَيْهِ غَنِيًّا، فاللَّهُ أوْلى بِهِ، فالتَّأْوِيلُ: أقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وأقارِبِكُمْ، ولا تَمِيلُوا في الشَّهادَةِ رَحْمَةً لِلْفَقِيرِ، ولا تَحِيفُوا لِاحْتِفالِ غِنى غَنِيٍّ عِنْدَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾، أيْ: لا تَتَّبِعُوا الهَوى فَتَعْدِلُوا، ﴿وَإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾، قَرَأ عاصِمٌ، وأبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، وأهْلُ المَدِينَةِ: ”تَلْوُوا“، بِواوَيْنِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، بِواوٍ واحِدَةٍ: ”تَلُوا“، والأشْبَهُ عَلى ما جاءَ في التَّفْسِيرِ، ومَذْهَبِ أهْلِ المَدِينَةِ، وأبِي عَمْرٍو - لِأنَّهُ جاءَ في التَّفْسِيرِ - أنَّ ”لَوى الحاكِمُ في قَضِيَّتِهِ“: أعْرَضَ، فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، يُقالُ: ”لَوَيْتُ فُلانًا حَقَّهُ“، إذا دَفَعْتَهُ بِهِ، ومَطَلْتَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَإنْ تَلُو“، أصْلُهُ ”تَلْوُوا“، فَأبْدَلُوا مِنَ الواوِ المَضْمُومَةِ هَمْزَةً، فَصارَتْ ”تَلْؤُوا“، بِإسْكانِ اللّامِ، ثُمَّ طُرِحَتِ الهَمْزَةُ، وطُرِحَتْ حَرَكَتُها عَلى اللّامِ، فَصارَ ”تَلُو“، كَما قِيلَ في ”أدْؤُرٌ“: ”أدُورٌ“، ثُمَّ طُرِحَتِ الهَمْزَةُ، فَصارَتْ ”آدُرٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَإنْ تَلُوا“، مِن ”اَلْوِلايَةُ“، و”تُعْرِضُوا“، أيْ: إنْ قُمْتُمْ بِالأمْرِ، أوْ أعْرَضْتُمْ عَنْهُ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٢٨] (p-١١٩)وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، قِيلَ: كالمَحْبُوسَةِ، لا أيِّمًا، ولا ذاتَ بَعْلٍ.
النساء 4:136
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أقِيمُوا عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، أيْ: وعَدَ مَن أقامَ عَلى الإيمانِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذِهِ القِصَّةِ، مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا، وقِيلَ: يُعْنى بِهَذا المُنافِقُونَ الَّذِينَ أظْهَرُوا التَّصْدِيقَ، وأسَرُّوا التَّكْذِيبَ، فَقِيلَ:“ يا أيُّها الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ "، أيْ: أبْطِنُوا مِثْلَ ما أظْهَرْتُمْ، والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ أشْبَهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:137
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، قِيلَ فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهم: يُعْنى بِهِ اليَهُودُ، لِأنَّهم آمَنُوا بِمُوسى، ثُمَّ كَفَرُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ آمَنُوا بِعُزَيْرٍ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُحارِبٌ آمَنَ، ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ آمَنَ، ثُمَّ كَفَرَ، وقِيلَ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُنافِقٌ أظْهَرَ الإيمانَ، وأبْطَنَ الكُفْرَ، ثُمَّ آمَنَ بَعْدُ، ثُمَّ كَفَرَ، وازْدادَ كُفْرًا بِإقامَتِهِ عَلى الكُفْرِ.
(p-١٢٠)فَإنْ قالَ قائِلٌ: اَللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - لا يَغْفِرُ كُفْرَ مَرَّةٍ واحِدَةٍ، فَلِمَ قِيلَ هَهُنا فِيمَن آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ، ثُمَّ آمَنَ، ثُمَّ كَفَرَ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾، وما الفائِدَةُ في هَذا؟ فالجَوابُ في هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَغْفِرُ لِلْكافِرِ إذا آمَنَ بَعْدَ كُفْرِهِ، فَإنْ كَفَرَ بَعْدَ إيمانِهِ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَهُ الكُفْرَ الأوَّلَ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - يَقْبَلُ التَّوْبَةَ، فَإذا كَفَرَ بَعْدَ إيمانٍ قَبْلَهُ كُفْرٌ فَهو مُطالَبٌ بِجَمِيعِ كُفْرِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إذا آمَنَ بَعْدَ ذَلِكَ لا يَغْفِرُ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - يَغْفِرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدَ كُفْرِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُو عَنِ السَّيِّئاتِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وهَذا في القُرْآنِ كَثِيرٌ، وهو شَبِيهٌ بِالإجْماعِ أيْضًا، ومَعْنى: ﴿وَلا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾، أيْ: لا يَجْعَلُهم بِكُفْرِهِمْ مُهْتَدِينَ، بَلْ يُضِلُّهُمْ، لِأنَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - يُضِلُّ الفاسِقِينَ.
النساء 4:138
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾، مَعْنى ”ألِيمٌ“: مُوجِعٌ، قالَ: ”بَشِّرْ“، أيْ: اِجْعَلْ في مَكانِ بِشارَتِهِمْ ”لَهُمُ العَذابُ“، اَلْعَرَبُ تَقُولُ: ”تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، وعِتابُكَ السَّيْفُ“، أيْ: لَكَ، بَدَلًا مِنَ التَّحِيَّةِ هَذا، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
النساء 4:139
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾، أيْ: أيَبْتَغِي المُنافِقُونَ عِنْدَ الكافِرِينَ العِزَّةَ؟! و”اَلْعِزَّةُ“: اَلْمَنعَةُ، وشِدَّةُ الغَلَبَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: ”أرْضٌ عَزازٌ“ .
(p-١٢١)قالَ الأصْمَعِيُّ: ”اَلْعَزازُ“: اَلنَّفَلُ مِنَ الأرْضِ، والصُّلْبُ الحِجارَةُ، الَّذِي يُسْرِعُ مِنهُ جَرْيُ الماءِ والسَّيْلُ، هَذا لَفْظُ الأصْمَعِيِّ، فَتَأْوِيلُ ”اَلْعِزَّةُ“: اَلْغَلَبَةُ والشِّدَّةُ الَّتِي لا يَتَعَلَّقُ بِها إذْلالٌ، قالَتِ الخَنْساءُ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى ∗∗∗ إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا
أيْ: مَن قَوِيَ وغَلَبَ سَلَبَ، ويُقالُ: ”قَدِ اسْتُعِزَّ عَلى المَرِيضِ“، إذا اشْتَدَّ وجَعُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ النّاسِ: ”يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ تَفْعَلَ“، أيْ: يَشْتَدُّ، فَأمّا قَوْلُهم: ”قَدْ عَزَّ الشَّيْءُ“، إذا لَمْ يُوجَدْ، فَتَأْوِيلُهُ: قَدِ اشْتَدَّ وُجُودُهُ، أيْ: صَعُبَ أنْ يُوجَدَ، والمَآبُ واحِدٌ.
النساء 4:140
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - المُؤْمِنِينَ أنَّ المُنافِقِينَ يَهْزَؤُونَ بِكِتابِ اللَّهِ، فَأُمِرُوا ألّا يَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ، أيْ: في حَدِيثٍ غَيْرِ القُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾، أيْ: إنَّكم إذا جالَسْتُمُوهم عَلى الخَوْضِ في كِتابِ اللَّهِ بِالهُزُؤِ فَأنْتُمْ مِثْلُهم.
النساء 4:141
(p-١٢٢)وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، هَذا يَقُولُهُ المُنافِقُونَ إذا كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ، قالُوا: ”ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ؟“، أيْ: ألَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكم بِالمُوالاةِ لَكُمْ، ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِما كُنّا نُعَلِّمُكم مِن أخْبارِهِمْ؟ و”نَسْتَحْوِذُ“، في اللُّغَةِ: ”نَسْتَوْلِي عَلى الشَّيْءِ“، يُقالُ: ”حاذَ الحِمارُ آتُنَهُ“، إذا اسْتَوْلى عَلَيْها وجَمَعَها، وكَذَلِكَ ”حازَها“، قالَ الشّاعِرُ:
؎يَحُوذُهُنَّ ولَهُ حُوذِيُّ
وَرَوَوْهُ أيْضًا: ”يَحُوزُهُنَّ ولَهُ حُوزِيُّ“، قالَ النَّحْوِيُّونَ: ”اِسْتَحْوَذَ“، خَرَجَ عَلى أصْلِهِ، فَمَن قالَ: ”حاذَ، يَحُوذُ“، لَمْ يَقُلْ إلّا: ”اِسْتَحاذَ، يَسْتَحِيذُ“، ومَن قالَ: ”أحْوَذَ“، فَهو كَما قالَ بَعْضُهم: ”أجْوَدْتَ“، و”أطْيَبْتَ“، بِمَعْنى ”أجَدْتَ“، و”أطَبْتَ“، فَأخْرَجَهُ عَلى الأصْلِ، قالَ: ”اِسْتَحْوَذَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾، أيْ: إنَّ اللَّهَ ناصِرُ المُؤْمِنِينَ بِالحُجَّةِ، والغَلَبَةِ، فَلَنْ يَجْعَلَ لِلْكافِرِينَ أبَدًا عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.
النساء 4:142
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾، أيْ: يُخادِعُونَ النَّبِيَّ ﷺ، بِإظْهارِهِمْ لَهُ الإيمانَ وإبْطانِهِمُ الكُفْرَ، فَجَعَلَ (p-١٢٣)اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُخادَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ مُخادَعَةً لَهُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قالَ بَعْضُهم: مُخادَعَةُ اللَّهِ إيّاهم: جَزاؤُهم عَلى المُخادَعَةِ بِالعَذابِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وقِيلَ: ”وَهو خادِعُهم“، بِأمْرِهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالقَبُولِ مِنهم ما أظْهَرُوا، فاللَّهُ خادِعُهم بِذَلِكَ.
النساء 4:144
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: لا تَجْعَلُوهم بِطانَتَكُمْ، وخاصَّتَكُمْ، ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾، أيْ: حُجَّةً ظاهِرَةً، و”اَلسُّلْطانُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحُجَّةُ، وإنَّما قِيلَ لِلْخَلِيفَةِ والأمِيرِ: ”سُلْطانٌ“، لِأنَّ مَعْناهُ أنَّهُ ذُو الحُجَّةِ، والعَرَبُ تُؤَنِّثُ السُّلْطانَ، وتُذَكِّرُهُ، فَتَقُولُ: ”قَضَتْ عَلَيْكَ بِهَذا السُّلْطانُ“، و”أمَرَتْكَ بِهِ السُّلْطانُ“، وزَعَمَ قَوْمٌ مِنَ الرُّواةِ أنَّ التَّأْنِيثَ فِيهِ أكْثَرُ، ولَمْ يُخْتَلَفْ في التَّذْكِيرِ، وأحْسَبُ الَّذِينَ رَوَوْا لَمْ يَضْبِطُوا مَعْنى الكَثْرَةِ مِنَ القِلَّةِ، والتَّذْكِيرُ فِيهِ أكْثَرُ، فَأمّا القُرْآنُ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ ذِكْرُ السُّلْطانِ إلّا مُذَكَّرًا، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾ [الكهف: ١٥]، (p-١٢٤)وَقالَ: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]، وقالَ: ﴿سُلْطانًا مُبِينًا﴾، فَجَمِيعُ ما في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ السُّلْطانِ مُذَكَّرٌ، ولَوْ كانَ التَّأْنِيثُ أكْثَرَ لَكانَ في كِتابِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما رَوَوْا أنَّ ”اَلسُّلْطانُ“، بَيْنَ النّاسِ هو المُؤَنَّثُ، قِيلَ: إنَّما ”اَلسُّلْطانُ“، مَعْناهُ: ذُو السُّلْطانِ، و”اَلسُّلْطانُ“، اَلْحُجَّةُ، و”اَلِاحْتِجاجُ“، و”اَلْحُجَّةُ“، مَعْناهُما واحِدٌ، فَأمّا التَّأْنِيثُ فَصَحِيحٌ، إلّا أنَّهُ أقَلُّ مِنَ التَّذْكِيرِ، فَمَن قالَ: ”قَضَتْ بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ“، أرادَ: ”قَضَتْ عَلَيْكَ بِهِ الحُجَّةُ“، و”قَضَتْ عَلَيْكَ حُجَّةُ الوالِي“، ومَن قالَ: ”قَضى بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطانُ“، ذَهَبَ إلى مَعْنى ”صاحِبُ السُّلْطانِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَهَبَ بِهِ إلى ”اَلْبُرْهانِ“، و”اَلِاحْتِجاجِ“، أيْ: قَضى بِهِ عَلَيْكَ البُرْهانُ.
النساء 4:145
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ مُعَمَّرُ بْنُ المُثَنّى: جَهَنَّمُ أدْراكٌ، أيْ: مَنازِلُ، فَكُلُّ مَنزِلَةٍ مِنها دَرَكٌ.
والقِراءَةُ: ”اَلدَّرَكِ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، و”اَلدَّرْكِ“، بِتَسْكِينِ الرّاءِ، فَأمّا أهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ البَصْرَةِ، فَيَقْرَؤُونَها: ”اَلدَّرَكِ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، وأمّا أهْلُ الكُوفَةِ، والأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، فَيَقْرَؤُونَ: ”اَلدَّرْكِ“، وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها عَنْ عاصِمٍ، فَرَواها بَعْضُهم عَنْهُ: ”اَلدَّرَكِ“، ورَواها بَعْضُهم: ”اَلدَّرْكِ“، بِالحَرَكَةِ، والسُّكُونِ، جَمِيعًا، واللُّغَتانِ حَكاهُما جَمِيعًا أهْلُ اللُّغَةِ، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ فَتْحُ الرّاءِ، لِإجْماعِ المَدَنِيِّينَ، والبَصْرِيِّينَ عَلَيْها، وأنَّ أحَدًا مِنَ المُحْدَثِينَ ما رَواها إلّا ”اَلدَّرَكِ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنا ”اَلدَّرَكِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لَهم نَصِيرًا﴾، أيْ: لا يَمْنَعُهم مانِعٌ مِن عَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولا يَشْفَعُ لَهم شافِعٌ.
النساء 4:146
(p-١٢٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾، اَلْخَطُّ حُذِفَتْ مِنهُ الياءُ في هَذا المَوْضِعِ، وزَعَمَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ الياءَ حُذِفَتْ مِنَ الخَطِّ كَما حُذِفَتْ في اللَّفْظِ، لِأنَّ الياءَ سَقَطَتْ مِنَ اللَّفْظِ لِسُكُونِها، وسُكُونِ اللّامِ في ”اَللَّهُ“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١]، اَلْياءُ مِن ”يُنادِ“، حُذِفَتْ في الخَطِّ لِهَذِهِ العِلَّةِ، وكَذَلِكَ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، و﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦]، فالواواتُ حُذِفَتْ هَهُنا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَأمّا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾ [الكهف: ٦٤]، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿يُنادِ المُنادِ﴾ [ق: ٤١]، و﴿يَدْعُ الدّاعِ﴾ [القمر: ٦]، فَهَذِهِ الياءاتُ مِن نَحْوِ ”نَبْغِ“، حُذِفَتْ لِأنَّ الكَسْرَةَ دَلَّتْ عَلى الياءِ، فَحُذِفَتِ الياءُ لِثِقَلِها، ولَيْسَ الوَجْهُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ حَذْفُها، فَأمّا ”اَلْمُنادِي“، و”اَلدّاعِي“، فَحُذِفَتِ الياءُ مِنها كَما حُذِفَتْ قَبْلَ دُخُولِ الألِفِ واللّامِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”هَذا داعٍ“، و”هَذا مُنادٍ“، فَأمّا ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤]، فَحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، ورُؤُوسُ الآيِ الحَذْفُ جائِزٌ فِيها، كَما يَجُوزُ في آخِرِ الأبْياتِ.
النساء 4:148
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾، و”إلّا مَن ظَلَمَ“، يُقْرَأُ بِهِما جَمِيعًا، فالمَعْنى أنَّ المَظْلُومَ جائِزٌ أنْ يُظْهِرَ بِظُلامَتِهِ تَشَكِّيًا، والظّالِمَ يَجْهَرُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ ظُلْمًا واعْتِداءً، ومَوْضِعُ ”مَن“، نَصْبٌ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، لِأنَّهُ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، (p-١٢٦)المَعْنى: لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ، لَكِنَّ المَظْلُومَ يُظْهِرُ بِظُلامَتِهِ تَشَكِّيًا، ولَكِنَّ الظّالِمَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ ظُلْمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”مَن“، رَفْعًا، عَلى مَعْنى ”لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظُلِمَ“، فَيَكُونَ ”مَن“، بَدَلًا مِن مَعْنى ”أحَدٌ“، اَلْمَعْنى: ”لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَجْهَرَ أحَدٌ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا المَظْلُومُ“، وفِيها وجْهٌ آخَرُ، لا أعْلَمَ النَّحْوِيِّينَ ذَكَرُوهُ، وهو أنْ يَكُونَ ”إلّا مَن ظَلَمَ“، عَلى مَعْنى ”لَكِنَّ الظّالِمَ اجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ“، وهَذا بَعْدُ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو وجْهٌ حَسَنٌ، ومَوْضِعُهُ نَصْبٌ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ هَذا ورَدَ في الضَّيْفِ إذا أُسِيءَ إلَيْهِ، فَلَهُ أنْ يَشْكُوَ لَكَ، وحَقِيقَتُهُ ما قُلْناهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
النساء 4:153
وَقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ﴾، وهَذا حِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، أيْ: فَقَدْ سَألُوا مُوسى بَعْدَ أنْ جاءَهم بِالآياتِ، ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ - في ”جَهْرَةً“ - قَوْلَيْنِ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”قالُوا جَهْرَةً أرِنا اللَّهَ“، لِأنَّهم إذا رَأوُا اللَّهَ فالسِّرُّ جَهْرَةٌ، فَإنَّما ”جَهْرَةً“، صِفَةٌ لِقَوْلِهِمْ، وقالَ بَعْضُهم: ”أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً“، إنَّما مَعْناهُ: ”أرِنا رُؤْيَةً بَيِّنَةً مُنْكَشِفَةً ظاهِرَةً“، لِأنَّ مَن عَلِمَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَقَدْ زادَ عِلْمًا، ولَكِنْ سَألُوهُ رُؤْيَةً يُدْرِكُونَها بِأبْصارِهِمْ.
(p-١٢٧)وَدَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، وهَذا عِنْدِي هو القَوْلُ البَيِّنُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
النساء 4:155
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ”ما“، لَغْوٌ في اللَّفْظِ، المَعْنى: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم حَقًّا، فَكَما أنَّ ”حَقًّا“، لِتَوْكِيدِ الأمْرِ، فَكَذَلِكَ ”ما“، دَخَلَتْ لِلتَّوْكِيدِ، وتَأْوِيلُ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أخَذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ في أنْ يُبَيِّنُوا ما أنْزَلَ عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وغَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، والجالِبُ لِلْباءِ، والعامِلُ فِيها قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠]، اَلْمَعْنى: بِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، والأشْياءَ الَّتِي ذُكِرَتْ بَعْدَهُ، وقَوْلُهُ ”فَبِظُلْمٍ“، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾، أيْ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾، وإنْ شِئْتَ أدْغَمْتَ اللّامَ في الطّاءِ، وكَذَلِكَ: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [الأعلى: ١٦]، يُدْغَمُ، فَتَقُولُ: ”بَـ طُّبِعَ“، و”بَـ تُّؤْثِرُونَ“، جَعَلَ اللَّهُ مُجازاتَهم عَلى كُفْرِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ.
النساء 4:156
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾، (p-١٢٨)”اَلْبُهْتانُ“: اَلْكَذِبُ الَّذِي يُحَيِّرُ مِن شِدَّتِهِ، وعِظَمِهِ، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ - لَعَنَها اللَّهُ - رَمَتْ مَرْيَمَ - وهي صَفْوَةُ اللَّهِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ - بِأمْرٍ عَظِيمٍ.
النساء 4:157
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، أيْ: بِاعْتِرافِهِمْ بِقَتْلِهِمْ إيّاهُ، ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾، فَإنَّما عُذِّبُوا، أوْ يُعَذَّبُونَ عَذابَ مَن قَتَلَ، أوْ كانَ شُبِّهَ لَهم لِأنَّهم قَدْ أتَوُا الأمْرَ عَلى أنَّهُ قَتْلُ نَبِيٍّ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عِيسى لَمّا أرادَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - رَفْعَهُ إلَيْهِ، وتَطْهِيرَهُ مِنهُمْ، قالَ لِأصْحابِهِ: ”أيُّكم يَرْضى أنْ يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلَ، ويُصْلَبَ، ويُدْخَلَ الجَنَّةَ؟“، فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: ”أنا“، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُهُ، فَقُتِلَ، ورَفَعَ اللَّهُ عِيسى إلَيْهِ، وهَذا كُلُّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأنّا لا نَشُكُّ في أنَّهُ شُبِّهَ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفي شَكٍّ مِنهُ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ اخْتَلَفُوا في قَتْلِهِ شاكُّونَ، لِأنَّ بَعْضَهم زَعَمَ أنَّهُ إلَهٌ، وما قُتِلَ، وبَعْضُهم ذَكَرَ أنَّهُ قُتِلَ، وهم في ذَلِكَ شاكُّونَ، ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلا اتِّباعَ الظَّنِّ﴾، ”اِتِّباعَ“، مَنصُوبٌ بِالِاسْتِثْناءِ، وهو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ، لَكِنَّهم يَتَّبِعُونَ الظَّنَّ، وإنْ رُفِعَ جازَ، عَلى أنْ يُجْعَلَ عَلَيْهِمُ اتِّباعُ الظَّنِّ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ”تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ، وعِتابُكَ السَّيْفُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، (p-١٢٩)قالَ بَعْضُهم: اَلْهاءُ لِلْعِلْمِ، المَعْنى: ”وَما قَتَلُوا عِلْمَهم يَقِينًا“، كَما تَقُولُ: ”أنا أقْتُلُ الشَّيْءَ عِلْمًا“، تَأْوِيلُهُ: إنِّي أعْلَمُهُ عِلْمًا تامًّا، وقالَ بَعْضُهم: ”وَما قَتَلُوهُ“، اَلْهاءُ لِـ ”عِيسى“، كَما قالَ: ﴿وَما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾، وكِلا القَوْلَيْنِ جائِزٌ.
النساء 4:158
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾، إدْغامُ اللّامِ في الرّاءِ هو الكَلامُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ، لِأنَّ اللّامَ قَرِيبَةٌ مِن مَخْرَجِ الرّاءِ، والرّاءُ مُتَمَكِّنَةٌ، وفِيها كالتَّكْرِيرِ، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ الإدْغامُ فِيها، وإنْ لَمْ تُدْغَمْ، لِأنَّهُ مِن كَلِمَتَيْنِ، جازَ.
النساء 4:159
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، اَلْمَعْنى: وما مِنهم مِن أحَدٍ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، اَلْمَعْنى: ما مِنكم أحَدٌ إلّا وارِدُها، وكَذَلِكَ: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، اَلْمَعْنى: وما مِنّا أحَدٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ تَيْثَمِ ∗∗∗ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ
اَلْمَعْنى ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، فالمَعْنى: لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، فالهاءُ في ”مَوْتِهِ“، راجِعَةٌ عَلى (p-١٣٠)كافِرٍ، في بَعْضِ الأقاوِيلِ، وقَدْ قِيلَ: ما مِن أحَدٍ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِعِيسى مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، لِأنَّ المَيِّتَ قَبْلَ مَوْتِهِ يُعايِنُ عَمَلَهُ، فَيَعْلَمُ صالِحَهُ مِن طالِحِهِ، وكُلُّ كافِرٍ إذا عايَنَ آمَنَ بِكُلِّ نَبِيٍّ كَفَرَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وقالُوا - في الهاءِ، في قَوْلِهِ: ﴿لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾، أيْ: بِعِيسى، وقالَ بَعْضُهم: بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والقَوْلانِ واحِدٌ، لِأنَّ مَن كَفَرَ بِنَبِيٍّ عايَنَ قَبْلَ مَوْتِهِ أنَّهُ كانَ عَلى ضَلالٍ، وآمَنَ حَيْثُ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، وقالَ بَعْضُهم: ”إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ“، أيْ: سَيُؤْمِنُ بِعِيسى إذا نَزَلَ لِقَتْلِ المَسِيخِ الدَّجّالِ، وهَذا بَعِيدٌ في اللُّغَةِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، والَّذِينَ يَبْقَوْنَ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ إنَّما هم شِرْذِمَةٌ مِنهُمْ، ولَكِنَّهُ يُحْتَمَلُ أنَّهم كُلُّهم يَقُولُونَ: إنَّ عِيسى الَّذِي يَنْزِلُ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، نَحْنُ نُؤْمِنُ، فَيَجُوزُ عَلى هَذا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَتِهِ.
النساء 4:162
وَقَوْلُهُ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾، يُعْنى بِالرّاسِخِينَ: اَلثّابِتُونَ في العِلْمِ مِن أهْلِ الكِتابِ، إنَّهم لِعِلْمِهِمْ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وسائِرِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾، نَسَقٌ عَلى ”ما“، اَلْمَعْنى: يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وبِالمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، أيْ: ويُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمُقِيمِينَ“، عَطْفٌ عَلى الهاءِ والمِيمِ، المَعْنى: ”لَكِنِ (p-١٣١)الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم ومِنَ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ رَدِيءٌ، أعْنِي العَطْفَ عَلى الهاءِ والمِيمِ، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ بِالظّاهِرِ المَجْرُورِ، عَلى المُضْمَرِ المَجْرُورِ، إلّا في شِعْرٍ، وذَهَبَ بَعْضُهم أنَّ هَذا وهْمٌ مِنَ الكاتِبِ، وقالَ بَعْضُهم: في كِتابِ اللَّهِ أشْياءُ سَتُصْلِحُها العَرَبُ بِألْسِنَتِها، وهَذا القَوْلُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ بَعِيدٌ جِدًّا، لِأنَّ الَّذِينَ جَمَعُوا القُرْآنَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم أهْلُ اللُّغَةِ، وهُمُ القُدْوَةُ، وهم قَرِيبُو العَهْدِ بِالإسْلامِ، فَكَيْفَ يَتْرُكُونَ في كِتابِ اللَّهِ شَيْئًا يُصْلِحُهُ غَيْرُهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ أخَذُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وجَمَعُوهُ، وهَذا ساقِطٌ عَمَّنْ لا يَعْلَمُ بَعْدَهُمْ، وساقِطٌ عَمَّنْ يَعْلَمُ، لِأنَّهم يُقْتَدى بِهِمْ، فَهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُنْسَبَ إلَيْهِمْ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، والقُرْآنُ مُحْكَمٌ، لا لَحْنَ فِيهِ، ولا تَتَكَلَّمُ العَرَبُ بِأجْوَدَ مِنهُ في الإعْرابِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، وقالَ: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]، ولِسِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، وجَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ في هَذا بابٌ يُسَمُّونَهُ“ بابَ المَدْحِ ”، قَدْ بَيَّنُوا فِيهِ صِحَّةَ هَذا وجَوْدَتَهُ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ: إذا قُلْتَ:“ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمِ ”، وأنْتَ تُرِيدُ أنْ تُخَلِّصَ زَيْدًا مِن غَيْرِهِ، فالجَرُّ هو الكَلامُ، حَتّى يُعْرَفَ زَيْدٌ الكَرِيمُ مِن زَيْدٍ غَيْرِ الكَرِيمِ، وإذا أرَدْتَ المَدْحَ، والثَّناءَ، فَإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ، فَقُلْتَ:“ مَرَرْتُ بِزَيْدٍ الكَرِيمَ ”، كَأنَّكَ قُلْتَ:“ أذْكُرُ الكَرِيمَ ”، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ:“ بِزَيْدٍ الكَرِيمُ ”، عَلى تَقْدِيرِ“ هو الكَرِيمُ ”، و“ جاءَنِي قَوْمُكَ المُطْعِمِينَ في المَحَلِّ، والمُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ ”، عَلى مَعْنى“ أذْكُرُ المُطْعِمِينَ، وهُمُ المُغِيثُونَ في الشَّدائِدِ ”، وعَلى هَذا الآيَةُ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾، عُلِمَ أنَّهم (p-١٣٢)يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ، فَقالَ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾، عَلى مَعْنى“ أذْكُرُ المُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وهُمُ المُؤْتُونَ الزَّكاةَ "، وأنْشَدُوا بَيْتَ الخِرْنِقَ بِنْتِ بَدْرِ بْنِ هِفّانَ:
؎لا يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُو ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
؎اَلنّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَكٍ ∗∗∗ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدُ الأُزُرِ
عَلى مَعْنى ”أذْكُرُ النّازِلِينَ“، رَفْعُهُ ونَصْبُهُ عَلى المَدْحِ، وبَعْضُهم يَرْفَعُ ”اَلنّازِلِينَ“، ويَنْصِبُ ”اَلطَّيِّبِينَ“، وكُلُّهُ واحِدٌ، جائِزٌ، حَسَنٌ، فَعَلى هَذِهِ الآيَةُ.
فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ وهْمٌ فَقَدْ بَيَّنّا ما فِيهِ كِفايَةٌ، والَّذِي ذَكَرْناهُ مِنَ الِاحْتِجاجِ في ذَلِكَ مَذْهَبُ أصْحابِنا البَصْرِيِّينَ.
النساء 4:163
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾، هَذا جَوابٌ لَهم حِينَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ، وقَدْ جَرى ذِكْرُ ذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَـزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ [النساء: ١٥٣]، فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنَّ شَأْنَهُ في الوَحْيِ كَشَأْنِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ سَلَفُوا قَبْلَهُ، وهَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾، وسائِرِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾، اَلْقِراءَةُ فِيهِ بِفَتْحِ الزّايِ، وضَمِّها، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى فَتْحِ الزّايِ، وقَدْ قَرَأتْ جَماعَةٌ: ”زُبُورًا“، بِضَمِّ الزّايِ، مِنهُمُ الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، فَمَن قَرَأ: ”زَبُورًا“، بِفَتْحِ الزّايِ، فَمَعْناهُ: ”كِتابًا“، وهَذا الوَجْهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ الآثارَ كَذا جاءَتْ ”زَبُورُ داوُدَ“، كَما جاءَ ”تَوْراةُ مُوسى“، و”إنْجِيلُ عِيسى“ .
(p-١٣٣)وَمَن قَرَأ: ”زُبُورًا“، بِضَمِّ الزّايِ، فَمَعْناهُ: ”وَآتَيْناهُ كُتُبًا“، جَمْعَ ”زَبْرٌ“، و”زُبُورٌ“، ويُقالُ: ”ذَبَرْتُ الكِتابَ، أذْبُرُهُ، ذَبْرًا“، إذا كَتَبْتُ، و”ذَبَرْتُ، أذْبُرُ، ذَبْرًا“، و”أذْبِرُ“، إذا قَرَأْتُ، و”اَلزَّبْرُ“: في اللُّغَةِ: إحْكامُ العَمَلِ في البِئْرِ خاصَّةً، تَقُولُ: ”بِئْرٌ مَزْبُورَةٌ“، إذا كانَتْ مَطْوِيَّةً بِالحِجارَةِ، و”اَلزَّبْرُ“: إحْكامُ الكِتابِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎هَوْجاءُ لَيْسَ لِلُبِّها زَبْرُ
يَصِفُ رِيحًا، جَعَلَ هَذا مَثَلًا لَها، كَأنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِشَأْنِها قُوَّةٌ في الِاسْتِواءِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ [الكهف: ٩٦]، واحِدُها ”زُبْرَةٌ“، وهي قِطَعُ الحَدِيدِ.
النساء 4:164
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَرُسُلا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ﴾، ”رُسُلًا“، مَنصُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ، أجْوَدُهُما أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، المَعْنى: وقَدْ قَصَصْنا رُسُلًا عَلَيْكَ قَدْ قَصَصْناهُمْ، كَما تَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا أكْرَمْتُهُ“، اَلْمَعْنى: وأكْرَمْتُ عَمْرًا أكْرَمْتُهُ، وجائِزٌ أنْ يُحْمَلَ ”وَرُسُلًا“، عَلى مَعْنى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٣]، لِأنَّ مَعْناهُ: ”إنّا أرْسَلْنا إلَيْكَ، مُوحِينَ إلَيْكَ، وأرْسَلْنا رُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ.“ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾، أخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَخْصِيصِ نَبِيٍّ مِمَّنْ ذَكَرَ، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مُوسى كُلِمَّ بِغَيْرِ وحْيٍ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ”تَكْلِيمًا“، فَهو كَلامٌ كَما يُعْقَلُ الكَلامُ، لا شَكَّ في ذَلِكَ.
النساء 4:166
(p-١٣٤)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْـزَلَ إلَيْكَ﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ مَعَ تَخْفِيفِ ”لَكِنْ“، والنَّصْبُ جائِزٌ: ”لَكِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ“، إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، إلّا أنْ يَثْبُتَ بِهِ رِوايَةٌ عَنِ الصَّحابَةِ، وقُرّاءِ الأمْصارِ، ومَعْنى ”لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِما أنْزَلَ إلَيْكَ“، يُبَيِّنُ، لِأنَّ الشّاهِدَ هو المُبَيِّنُ لِما يَشْهَدُ بِهِ، فاللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - يُبَيِّنُهُ، ويَعْلَمُ مَعَ إبانَتِهِ أنَّهُ حَقٌّ، ﴿والمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، مَعْناهُ: وكَفى اللَّهُ شَهِيدًا، والباءُ دَخَلَتْ مُؤَكِّدَةً، المَعْنى: اِكْتَفُوا بِاللَّهِ في شَهادَتِهِ، ومَعْنى ﴿أنْـزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، أيْ: أنْزَلَ القُرْآنَ الَّذِي فِيهِ عِلْمُهُ.
النساء 4:170
وَقَوْلُهُ: ﴿فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾، اِخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِ نَصْبِ ”خَيْرًا“، فَقالَ الكِسائِيُّ: اِنْتَصَبَ لِخُرُوجِهِ مِنَ الكَلامِ، قالَ: وهَذا تَقُولُهُ العَرَبُ في الكَلامِ التّامِّ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”لَتَقُومَنَّ خَيْرًا لَكَ“، فَإذا كانَ الكَلامُ ناقِصًا رَفَعُوا، فَقالُوا: ”إنْ تَنْتَهِ خَيْرٌ لَكَ“، وقالَ الفَرّاءُ: اِنْتَصَبَ هَذا وقَوْلُهُ ”خَيْرًا لَكم“، لِأنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالأمْرِ، وهو مِن صِفَتِهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ”اِنْتَهِ هو خَيْرٌ لَكَ“ ؟ فَلَمّا سَقَطَتْ ”هو“، اِتَّصَلَ بِما قَبْلَهُ، وهو مَعْرِفَةٌ، فانْتَصَبَ، ولَمْ يَقُلْ هو ولا الكِسائِيُّ مِن أيِّ المَنصُوباتِ هُوَ، ولا شَرَحُوهُ بِأكْثَرَ مِن هَذا، وقالَ الخَلِيلُ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى مَعْنًى، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”اِنْتَهِ خَيْرًا“، فَأنْتَ تَدْفَعُهُ عَنْ أمْرٍ، وتُدْخِلُهُ في غَيْرِهِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: " اِنْتَهِ وائْتِ خَيْرٌ لَكَ، وادْخُلْ فِيما هو خَيْرٌ لَكَ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ قَوْلَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ: (p-١٣٥)
؎فَواعِدِيهِ سَرْحَتَيْ مالِكٍ ∗∗∗ أوِ الرُّبى بَيْنَهُما أسْهَلا
كَأنَّهُ قالَ: ”إيتِي مَكانًا أسْهَلا“ .
النساء 4:171
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ﴾، مَعْنى ”سُبْحانَهُ“: تَبْرِئَتُهُ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ مَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“: تَبْرِئَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وتَفْسِيرُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ مُوافِقٌ لِما جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا﴾، اَلرَّفْعُ لا غَيْرُ، ورَفْعُهُ بِإضْمارِ ”لا تَقُولُوا: آلِهَتُنا ثَلاثَةٌ“، ﴿إنَّما اللَّهُ إلَهٌ واحِدٌ﴾، أيْ: ما هو إلّا إلَهٌ واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ﴾، أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وهو ابْنُ مَرْيَمَ؟ وكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وأُمُّهُ قَبْلَهُ؟ واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - القَدِيمُ الَّذِي لَمْ يَزَلْ، ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكم ولا تَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾، ”اَلْغُلُوُّ“: مُجاوَزَةُ القَدْرِ في الظُّلْمِ.
النساء 4:172
وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾، أيْ: لَيْسَ يَسْتَنْكِفُ الَّذِي تَزْعُمُونَ أنَّهُ إلَهٌ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ، ولا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ.
(p-١٣٦)والمَلائِكَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أكْرَمُ مِنَ النَّبِيِّينَ، ألا تَرى أنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ: ﴿وَلا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ [هود: ٣١] ؟ فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ المَسِيحُ﴾، مِنَ العُبُودَةِ لِلَّهِ، ومَعْنى ”يَسْتَنْكِفُ“: أيْ: لَنْ يَأْنَفَ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ مِن ”نَكَفْتَ الدَّمْعَ“، إذا نَحَّيْتَهُ بِإصْبَعِكَ مِن خَدِّكَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَبانُوا فَلَوْلا ما تَذَكَّرُ مِنهُمُ ∗∗∗ مِنَ الخُلْفِ لَمْ يُنْكَفْ لِعَيْنَيْكَ مَدْمَعُ
فَتَأْوِيلُ ”لَنْ يَسْتَنْكِفَ“: لَنْ يَنْقَبِضَ، ولَنْ يَمْتَنِعَ مِن عُبُودَةِ اللَّهِ.
النساء 4:174
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾، يُعْنى بِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - القُرْآنُ، لِأنَّ النُّورَ هو الَّذِي يُبَيِّنُ الأشْياءَ حَتّى تُرى، ومَثَّلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُعْلَمُ بِالقَلْبِ عِلْمًا واضِحًا لِما يُرى بِالعَيْنِ رُؤْيَةً مُنْكَشِفَةً بَيِّنَةً، و”اَلْكَلالَةُ“، قَدْ بَيَّناها أوَّلَ السُّورَةِ.
النساء 4:176
وَقَوْلُهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾، جازَ مَعَ ”إنْ“، تَقْدِيمُ الِاسْمِ قَبْلَ الفِعْلِ، لِأنَّ ”إنْ“، لا تَعْمَلُ في الماضِي، ولِأنَّها أُمُّ الجَزاءِ، والنَّحْوِيُّونَ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ مَعَها فِعْلًا مُضْمَرًا، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، والمَعْنى: ”إنْ هَلَكَ امْرُؤٌ هَلَكَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾، قِيلَ فِيها قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهم: اَلْمَعْنى: يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم ألّا تَضِلُّوا ”، (p-١٣٧)فَأُضْمِرَتْ“ لا ”، وقالَ البَصْرِيُّونَ: إنَّ“ لا ”، لا تُضْمَرُ، وإنَّ المَعْنى:“ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم كَراهَةَ أنْ تَضِلُّوا ”، ولَكِنْ حُذِفَتْ“ كَراهَةَ ”، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، وإنَّما جازَ الحَذْفُ عِنْدَهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمَعْنى: واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ، فَحَذْفُ الأوَّلِ جائِزٌ، ويَبْقى المُضافُ يَدُلُّ عَلى المَحْذُوفِ، قالُوا: فَأمّا حَذْفُ“ لا ”، وهي حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنى النَّفْيِ، فَلا يَجُوزُ، ولَكِنَّ“ لا "، تَدْخُلُ في الكَلامِ مُؤَكِّدَةً، وهي لَغْوٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألا يَقْدِرُونَ﴾ [الحديد: ٢٩]، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗ لِما رَأيْنَ الشَّمِطَ القَفَنْدَرا
اَلْمَعْنى: وما ألُومُ البِيضَ أنْ تَسْخَرَ، ومِثْلُ دُخُولِ ”لا“، تَوْكِيدًا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١]، و﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: أفَيَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”لا أحْلِفُ عَلَيْكَ“، تُرِيدُ: ”أحْلِفُ عَلَيْكَ“ ؟ قِيلَ: ”لا“، لِأنَّ ”لا“، إنَّما تُلْغى إذا مَضى صَدْرُ الكَلامِ عَلى غَيْرِ النَّفْيِ، فَإذا بَنَيْتَ الكَلامَ عَلى النَّفْيِ فَقَدْ نَقَضْتَ الإيجابَ، وإنَّما جازَ أنْ تُلْغى ”لا“، في أوَّلِ السُّورَةِ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كالسُّورَةِ الواحِدَةِ، ألا تَرى أنَّ جَوابَ الشَّيْءِ قَدْ (p-١٣٨)يَقَعُ وبَيْنَهُما سُورٌ؟ كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ - جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا يا أيُّها الَّذِي نُـزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ [الحجر: ٦] - فَقالَ: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١] ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ كَثِيرٌ.
المائدة 5:1
(p-١٣٩)وَمِن سُورَةِ ”اَلْمائِدَةِ“
﷽
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾، خاطَبَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ بِالعُقُودِ الَّتِي عَقَدَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، والعُقُودِ الَّتِي يَعْقِدُها بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، عَلى ما يُوجِبُهُ الدِّينُ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: يا أيُّها الَّذِينَ صَدَّقُوا النَّبِيَّ ﷺ، أوْفُوا بِالعُقُودِ، و”اَلْعُقُودُ“: اَلْعُهُودُ، يُقالُ: ”وَفَيْتُ بِالعَهْدِ“، و”أوْفَيْتُ“، و”اَلْعُقُودُ“، واحِدُها ”عَقْدٌ“، وهي أوْكَدُ العُهُودِ، يُقالُ: ”عَهِدْتُ إلى فُلانٍ في كَذا وكَذا“، تَأْوِيلُهُ: ”ألْزَمْتُهُ ذَلِكَ“، فَإنَّما قُلْتَ: ”عاقَدْتُهُ“، أوْ ”عَقَدْتُ عَلَيْهِ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّكَ ألْزَمْتَهُ ذَلِكَ بِاسْتِيثاقٍ، وقالَ بَعْضُهم: ”أوْفُوا بِالعُقُودِ“: أيْ: بِما كانَ عَقَدَ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ في الجاهِلِيَّةِ، نَحْوَ المُوالاةِ، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والمَوارِيثُ تَنْسَخُ العُقُودَ في بابِ المَوارِيثِ، يُقالُ: ”عَقَدْتُ الحَبْلَ، والعَهْدَ، فَهو مَعْقُودٌ“، قالَ الحُطَيْئَةُ:
؎قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ ∗∗∗ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا
(p-١٤٠)تَأْوِيلُهُ أنَّهم يُوفُونَ عُهُودَهم بِالوَفاءِ بِها، ويُقالُ: ”أعْقَدْتُ العَسَلَ ونَحْوَهُ، فَهو مُعْقَدٌ، وعَقِيدٌ“، ورَوى بَعْضُهم: ”عَقَدْتُ العَسَلَ، والكَلامَ، أعْقَدْتُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَكَأنَّ رُبًّا أوْ كَحِيلًا مُعْقَدًا ∗∗∗ حَشَّ الوَقُودُ بِهِ جَوانِبَ قُمْقُمِ
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾، قالَ بَعْضُهم: ”بَهِيمَةُ الأنْعامِ“: اَلظِّباءُ، والبَقَرُ الوَحْشِيَّةُ، والحُمُرُ الوَحْشِيَّةُ، و”اَلْأنْعامُ“، في اللُّغَةِ، تَشْتَمِلُ عَلى الإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ، فالتَّأْوِيلُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ، أيْ: أُحِلَّتْ لَكُمُ الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، والوَحْشُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأنْعامَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ما وصَفْنا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، فالحَمُولَةُ: اَلْإبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ، والفَرْشُ: صِغارُ الإبِلِ، قالَ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وهَذا مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: (p-١٤١)﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا، ثُمَّ ذَكَرَ ”ثَمانِيَةَ أزْواجٍ“، بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، والسُّورَةُ تُدْعى سُورَةُ ”اَلْأنْعامِ“، فَبَهِيمَةُ الأنْعامِ هَذِهِ، وإنَّما قِيلَ لَها: ”بَهِيمَةُ الأنْعامِ“، لِأنَّ كُلَّ حَيٍّ لا يُمَيِّزُ فَهو بَهِيمَةٌ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”بَهِيمَةٌ“، لِأنَّهُ أبْهَمُ عَنْ أنْ يُمَيِّزَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الَّذِي أُحِلَّ لَنا مِمّا أُبْهِمَ هَذِهِ الأشْياءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، مَوْضِعُ ”ما“، نَصْبٌ بِـ ”إلّا“، وتَأْوِيلُهُ: أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، والمَوْقُوذَةِ، والمُتَرَدِّيَةِ، والنَّطِيحَةِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، أيْ: أُحِلَّتْ لَكم هَذِهِ، لا مُحِلِّينَ الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ، وقالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: اِنْتَصَبَ ”غَيْرُ مُحِلِّي الصَّيْدِ“، عَلى قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: ”أوْفُوا بِالعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ“، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنَّهُ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ”جاءَ إخْوَتُكَ إلّا زَيْدٌ“، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ باطِلٌ، لِأنَّ المَعْنى عِنْدَ هَذا القائِلِ: ”جاءَ إخْوَتُكَ وزَيْدٌ“، كَأنَّهُ يَعْطِفُ بِها كَما يَعْطِفُ بِـ ”لا“، ويَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ ”جاءَ الرِّجالُ إلّا زَيْدٌ“، عَلى مَعْنى ”جاءَ الرِّجالُ غَيْرُ زَيْدٍ“، عَلى أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلنَّكِرَةِ، أوْ ما قارَبَ النَّكِرَةَ مِنَ الأجْناسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾، أيْ: مُحْرِمُونَ، وأحَدُ ”اَلْحُرُمُ“: ”حَرامٌ“، يُقالُ: ”رَجُلٌ حَرامٌ“، و”قَوْمٌ حُرُمٌ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٤٢)
؎فَقُلْتُ لَها فِيئِي إلَيْكِ فَإنَّنِي ∗∗∗ حَرامٌ وإنِّي بَعْدَ ذاكَ لَبِيبُ
، أيْ: مُلَبٍّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾، أيْ: اَلْخَلْقُ لَهُ - عَزَّ وجَلَّ -، يُحِلُّ مِنهُ ما يَشاءُ، لِمَن يَشاءُ، ويُحَرِّمُ ما يُرِيدُ.
المائدة 5:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾، ”اَلشَّعائِرُ“: واحِدَتُها ”شَعِيرَةٌ“، ومَعْناهُ: ما أُشْعِرَ، أيْ: أُعْلِمَ لِيُهْدى إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، وقالَ قَوْمٌ: ”شَعائِرُ اللَّهِ“، يُعْنى بِهِ جَمِيعُ مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ الَّتِي أشْعَرَها اللَّهُ، أيْ: جَعَلَها أعْلامًا لَنا، ﴿وَلا الهَدْيَ﴾، ”اَلْهَدْيُ“: واحِدَتُهُ ”هَدْيَةٌ“، مِثْلَ ”جَدْيَةٌ“، و”جَدْيٌ“، يَعْنِي حَدَبَةَ السَّرْجِ، و”اَلْقَلائِدُ“: كانُوا يُقَلِّدُونَ بِلِحاءِ الشَّجَرِ، ويَعْتَصِمُونَ بِذَلِكَ، وهَذا كُلُّهُ كانَ لِلْمُشْرِكِينَ، وكانَ قَدْ أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِألّا يُحِلُّوا هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي يَتَقَرَّبُ بِها المُشْرِكُونَ إلى اللَّهِ، وكَذَلِكَ ﴿وَلا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾، وهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ، وكَذَلِكَ ﴿وَلا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾، وهو ”اَلْمُحَرَّمُ“، لِأنَّ القِتالَ كانَ مَرْفُوعًا فِيهِ، فَنَسَخَ جَمِيعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم وخُذُوهم واحْصُرُوهم واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥] (p-١٤٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، هَذا اللَّفْظُ أمْرٌ، ومَعْناهُ الإباحَةُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلى المُحْرِمِ، وأباحَهُ لَهُ إذا حَلَّ مِن إحْرامِهِ، لَيْسَ أنَّهُ واجِبٌ عَلَيْهِ إذا حَلَّ أنْ يَصْطادَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ أُبِيحَ لَكم بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ: ”لا تَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدّارَ حَتّى تُؤَدِّيَ ثَمَنَها“، فَإذا أدَّيْتَ فادْخُلْها، تَأْوِيلُهُ: ”فَإذا أدَّيْتَ فَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دُخُولُها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ، يُقالُ:“ شَنِئْتُهُ شَنَآنًا ”، مَعْناهُ: أبْغَضْتُهُ إبْغاضًا، و“ اَلشَّنَآنُ ”، مَصْدَرٌ، مِثْلُ“ غَلى، غَلَيانًا ”، و“ نَزا، نَزَوانًا ”، فالمَعْنى: لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ أنْ تَعْتَدُوا، ومَوْضِعُ“ أنْ ”: نَصْبٌ، أيْ:“ تَعْتَدُوا لِأنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ”، فَمَوْضِعُ“ أنْ ”، اَلْأُولى: نَصْبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، ومَوْضِعُ“ أنْ ”، اَلثّانِيَةِ: نَصْبٌ، مَفْعُولٌ بِهِ، المَعْنى:“ لا يُكْسِبَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ - أيْ: بُغْضُكم قَوْمًا - الِاعْتِداءَ، بِصَدِّهِمْ إيّاكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ ”، يُقالُ:“ فُلانٌ جَرِيمَةُ أهْلِهِ ”، أيْ: هو كاسِبُهُمْ، وقِيلَ: في التَّفْسِيرِ:“ لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ ”، والمَعْنى واحِدٌ، وقالَ الأخْفَشُ: لا يَحِقَّنَّ لَكم بُغْضُ قَوْمٍ“، وهَذِهِ ألْفاظٌ مُخْتَلِفَةٌ، والمَعْنى واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ (p-١٤٤)وَهَذا كُلُّهُ مَنسُوخٌ، إلّا التَّعاوُنَ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى البَرِّ.
المائدة 5:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾، أصْلُهُ: ”اَلْمَيِّتَةُ“، بِالتَّشْدِيدِ، إلّا أنَّهُ مُخَفَّفٌ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”اَلْمَيِّتَةُ“، لَجازَ، يُقالُ: ”مَيِّتٌ“، و”مَيْتٌ“، والمَعْنى واحِدٌ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمَيِّتُ“، يُقالُ لِما لَمْ يَمُتْ، و”اَلْمَيْتُ“، لِما قَدْ ماتَ، وهَذا خَطَأٌ، إنَّما ”مَيِّتٌ“، يَصْلُحُ لِما قَدْ ماتَ، ولِما سَيَمُوتُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وقالَ الشّاعِرُ - في تَصْدِيقِ أنَّ ”اَلْمَيْتُ“، و”اَلْمَيِّتُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ:
؎لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ∗∗∗ إنَّما المَيْتُ مَيِّتُ الأحْياءِ
فَجَعَلَ ”اَلْمَيْتُ“، مُخَفَّفًا مِن ”اَلْمَيِّتُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿والدَّمُ﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَجْعَلُونَ الدَّمَ في المَباعِرِ، ويَشْوُونَها، ويَأْكُلُونَها، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الدَّمَ المَسْفُوحَ - أيْ: اَلْمَصْبُوبَ - حَرامٌ، فَأمّا المُتَلَطِّخُ بِالدَّمِ فَهو كاللَّحْمِ في الحَلِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، مَوْضِعُهُ ”رَفْعٌ“، والمَعْنى: ”وَحُرِّمَ عَلَيْكم ما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ“، ومَعْنى ”أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ“، ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ، وقَدْ فَسَّرْنا أنَّ الإهْلالَ: رَفْعُ الصَّوْتِ (p-١٤٥)بِالشَّيْءِ، فَما يُتَقَرَّبُ بِهِ، مِنَ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ، أوْ ذِكْرِ غَيْرِ اسْمِهِ، فَحَرامٌ، ولَحْمُ الخِنْزِيرِ حَرامٌ، حَرَّمَ اللَّهُ أكْلَهُ، ومِلْكَهُ، والخِنْزِيرُ يَشْتَمِلُ عَلى الذَّكَرِ، والأُنْثى.
وَقَوْلُهُ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾، وهي الَّتِي تَنْخَنِقُ بِرِبْقَتِها، أيْ: بِالحَبَلِ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ، وبِأيِّ جِهَةٍ اخْتَنَقَتْ فَهي حَرامٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾، وهي الَّتِي تُقْتَلُ ضَرْبًا، يُقالُ: ”وَقَذْتُها، أوْقِذُها، وقْذًا“، و”أوْقَذْتُها، أُوقِذُها، إيقاذًا“، إذا أثْخَنْتُها ضَرْبًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والنَّطِيحَةُ﴾، وهي الَّتِي تَنْطِحُ، أوْ تُنْطَحُ، فَتَمُوتُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أكَلَ السَّبُعُ﴾، مَوْضِعُ ”ما“، أيْضًا: رَفْعٌ، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾، أيْ: إلّا ما أدْرَكْتُمْ ذَكاتَهُ مِن هَذِهِ الَّتِي وصَفْنا، ومَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ، أيْ: حُرِّمَتْ عَلَيْكم هَذِهِ الأشْياءُ، إلّا الشَّيْءَ الَّذِي أُدْرِكَ ذَبْحُهُ مِنها، وكُلُّ ذَبْحٍ ”ذَكاةٌ“، ومَعْنى ”اَلتَّذْكِيَةُ“، أنْ يُدْرِكَها وفِيها بَقِيَّةٌ تَشْخُبُ مَعَها الأوْداجُ، وتَضْطَرِبُ اضْطِرابَ المَذْبُوحِ الَّذِي أُدْرِكَتْ ذَكاتُهُ، وأهْلُ العِلْمِ يَقُولُونَ: إنْ أخْرَجَ السَّبُعُ الحَشْوَةَ، أوْ قَطَعَ الجَوْفَ قَطْعًا خَرَجَ مَعَهُ الحَشْوَةُ، فَلا ذَكاةَ لِذَلِكَ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَصِيرُ في حالَةِ ما لا يُؤَثِّرُ في حَياتِهِ الذَّبْحُ، وأصْلُ ”اَلذَّكاءُ“، في اللُّغَةِ كُلِّها: تَمامُ الشَّيْءِ، (p-١٤٦)فَمِن ذَلِكَ الذَّكاءُ في السِّنِّ، والفَهْمِ، وهو تَمامُ السِّنِّ، قالَ الخَلِيلُ: ”اَلذَّكاءُ في السِّنِّ“: أنْ يَأْتِيَ عَلى قُرُوحِهِ سَنَةٌ، وذَلِكَ تَمامُ اسْتِكْمالِ القُوَّةِ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎يُفَضِّلُهُ إذا اجْتَهَدُوا عَلَيْهِ ∗∗∗ تَمامُ السِّنِّ مِنهُ والذَّكاءُ
وَقِيلَ: ”جَرْيُ المُذْكِياتِ غِلابٌ“، أيْ: ”جَرْيُ المَسانِّ الَّتِي قَدْ تَأسَّنَتْ، وتَأْوِيلُ تَمامِ السِّنِّ: اَلنِّهايَةُ في الشَّبابِ، فَإذا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ أوْ زادَ، فَلا يُقالُ لَها:“ اَلذَّكاءُ ”، والذَّكاءُ في الفَهْمِ أنْ يَكُونَ فَهْمًا تامًّا، سَرِيعَ القَبُولِ، و“ ذَكَيْتُ النّارَ "، إنَّما هو مِن هَذا، تَأْوِيلُهُ: أتْمَمْتُ إشْعالَها.
﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾، ما أذْكَيْتُمْ ذَبْحَهُ عَلى التَّمامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾، و”اَلنُّصُبُ“: اَلْحِجارَةُ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وهي الأوْثانُ، واحِدُها ”نِصابٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ واحِدًا، وجَمْعُهُ ”أنْصابٌ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: رَفْعٌ، والمَعْنى: وحُرِّمَ عَلَيْكم الِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ، وواحِدُ الأزْلامِ: ”زُلَمْ“، و”زَلَمٌ“، وهي سِهامٌ كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ، مَكْتُوبٌ عَلى بَعْضِها ”أمَرَنِي رَبِّي“، وعَلى بَعْضِها: ”نَهانِي رَبِّي“، فَإذا أرادَ الرَّجُلُ سَفَرًا، أوْ أمْرًا يَهْتَمُّ بِهِ (p-١٤٧)اهْتِمامًا شَدِيدًا، ضَرَبَ تِلْكَ القِداحَ، فَإنْ خَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي عَلَيْهِ ”أمَرَنِي رَبِّي“، مَضى لِحاجَتِهِ، وإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ ”نَهانِي رَبِّي“، لَمْ يَمْضِ في أمْرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ، ولا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وبَيْنَ قَوْلِ المُنَجِّمِينَ: ”لا تَخْرُجْ مِن أجْلِ نَجْمِ كَذا“، و”اُخْرُجْ مِن أجْلِ طُلُوعِ نَجْمِ كَذا“، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قالَ: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤]، ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«خَمْسٌ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا اللَّهُ...“، وذَكَرَ الآيَةَ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ ”لُقْمانَ“: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤]»، وهَذا هو دُخُولٌ في عِلْمِ اللَّهِ، الَّذِي هو غَيْبٌ، وهو حَرامٌ، كالأزْلامِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّها حَرامٌ، والِاسْتِقْسامُ بِالأزْلامِ فِسْقٌ، و”اَلْفِسْقُ“: اِسْمٌ لِكُلِّ ما أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ مُخْرِجٌ عَنِ الحَلالِ إلى الحَرامِ، فَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ بِهِ جَمِيعَ الخارِجِينَ مِن مُتَعَبَّداتِهِ، وأصْلُهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: ”قَدْ فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ“، إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِها، ولَوْ كانَ بَعْضُ هَذِهِ المَرْفُوعاتِ نَصْبًا عَلى المَعْنى لَجازَ في غَيْرِ القُرْآنِ، لَوْ قُلْتَ: ”حُرِّمَتْ عَلى النّاسِ المَيْتَةُ والدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ“، وتَحْمِلُهُ عَلى مَعْنى ”وَحَرَّمَ اللَّهُ الدَّمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ“، لَجازَ ذَلِكَ، فَأمّا القُرْآنُ فَخَطَأٌ فِيهِ أنْ نَقْرَأ بِما لَمْ يَقْرَأْ بِهِ مَن هو قُدْوَةٌ في القِراءَةِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ لا تُتَجاوَزُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾، ”اَلْيَوْمَ“: مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ولَيْسَ يُرادُ بِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - يَوْمًا بِعَيْنِهِ.
(p-١٤٨)مَعْناهُ: اَلْآنَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ، وهَذا كَما تَقُولُ: ”أنا اليَوْمَ قَدْ كَبِرْتُ“، وهَذا الشَّأْنُ لا يَصْلُحُ في اليَوْمِ ”، تُرِيدُ“ أنا الآنَ ”، و“ في هَذا الزَّمانِ ”، ومَعْناهُ أنْ قَدْ حَوَّلَ اللَّهُ الخَوْفَ الَّذِي كادَ يَلْحَقُكم مِنهُمُ اليَوْمَ، ويَئِسُوا مِن بُطْلانِ الإسْلامِ، وجاءَكم ما كُنْتُمْ تُوعَدُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، و“ اَلدِّينُ "، اِسْمٌ لِجَمِيعِ ما تَعَبَّدَ اللَّهُ خَلْقَهُ، وأمَرَهم بِالإقامَةِ عَلَيْهِ، والَّذِي بِهِ يُجْزَوْنَ، والَّذِي أمَرَهم أنْ يَكُونَ عادَتَهُمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾، أيْ: فَلْيَكُنْ خَوْفُكم لِلَّهِ وحْدَهُ، فَقَدْ أمِنتُمْ أنْ يَظْهَرَ دِينٌ عَلى الإسْلامِ، وكَذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾، أيْ: اَلْآنَ أكْمَلْتُ لَكم الدِّينَ بِأنْ كَفَيْتُكم خَوْفَ عَدُوِّكُمْ، وأظْهَرْتُكم عَلَيْهِمْ، كَما تَقُولُ: ”اَلْآنَ كَمُلَ لَنا المِلْكُ، وكَمُلَ لَنا ما نُرِيدُ، بِأنْ كُفِينا مَن كُنّا نَخافُهُ“، وقَدْ قِيلَ أيْضًا: ”اَلْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم“، أيْ: أكْمَلْتُ لَكم فَرْضَ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِكُمْ، وذَلِكَ جائِزٌ حَسَنٌ، فَأمّا أنْ يَكُونَ دِينُ اللَّهِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ غَيْرَ كامِلٍ، فَلا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾، أيْ: فَمَن دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ في مَجاعَةٍ، لِأنَّ ”اَلْمَخْمَصَةُ“: شِدَّةُ ضُمُورِ البَطْنِ، ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ (p-١٤٩)أيْ: غَيْرَ مائِلٍ إلى إثْمٍ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: فَإنَّ اللَّهَ أباحَهُ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنهُ، وتَسْهِيلًا عَلى خَلْقِهِ، وكَذَلِكَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣]، أيْ: غَيْرَ آكِلٍ لَها عَلى جِهَةِ الِاسْتِحْلالِ، ولا عادٍ، أيْ: مُجاوِزٍ لِقَدْرِ الحاجَةِ، وغَيْرَ آكِلٍ لَها عَلى جِهَةِ التَّلَذُّذِ، ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
المائدة 5:4
وَقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾، مَوْضِعُ ”ما“: رَفْعٌ، إنْ شِئْتَ جَعَلْتَها وحْدَها اسْمًا، ويَكُونَ خَبَرُها قَوْلُهُ: ”ذا“، ويَكُونَ ”أُحِلَّ“، مِن صِلَةِ ”ما“، والتَّأْوِيلُ: ”يَسْألُونَكَ أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم“، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”ما“، و”ذا“، اِسْمًا واحِدًا، وهي أيْضًا رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والتَّأْوِيلُ عَلى هَذا: ”يَسْألُونَكَ أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم“، و”أُحِلَّ لَهم“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾، فَـ ”اَلطَّيِّباتُ“: كُلُّ شَيْءٍ لَمْ يَأْتِ تَحْرِيمُهُ في كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، والكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم سَألُوا عَنِ الصَّيْدِ فِيما سَألُوا عَنْهُ، ولَكِنْ حُذِفَ ذِكْرُ صَيْدِ ما عَلَّمْتُمْ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، اَلْمَعْنى: واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾، أيْ: في هَذِهِ الحالِ، يُقالُ: ”رَجُلٌ مُكَلِّبٌ“، و”كَلّابٌ“، أيْ: صاحِبُ صَيْدٍ بِالكِلابِ، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ لَحْمَ صَيْدِ الكَلْبِ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ حَرامٌ إذا لَمْ تُدْرَكْ ذَكاتُهُ، فَإذا أرْسَلَ المُرْسِلُ كَلْبَ الصَّيْدِ فَصادَ، فَقَتَلَ صَيْدَهُ، وقَدْ ذَكَرَ الصّائِدُ اسْمَ اللَّهِ عَلى الصَّيْدِ، فَهو حَلالٌ بِلا اخْتِلافٍ بَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ.
(p-١٥٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، فاخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيهِ إذا أكَلَ مِنَ الصَّيْدِ، فَقالَ بَعْضُهم: يُؤْكَلُ مِنهُ، وإنْ أكَلَ مِنهُ، وكُلُّ ذَلِكَ في اللُّغَةِ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ، لِأنَّهُ قَدْ يُمْسِكُ الصَّيْدَ إذا قَتَلَهُ ولَمْ يَأْكُلْ مِنهُ، وقَدْ يُمْسِكُ وقَدْ أكَلَ مِنهُ، ومَعْنى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: تُؤَدِّبُونَهُنَّ أنْ يُمْسِكْنَ الصَّيْدَ عَلَيْكُمْ، فَإنْ غابَ الصَّيْدُ فَماتَ فَإنَّهُ غَيْرُ مُمْسَكٍ، وفي الحَدِيثِ: ”كُلْ ما أصْمَيْتَ، ولا تَأْكُلْ ما أنْمَيْتَ“، ومَعْنى ”كُلْ ما أصْمَيْتَ“: أيْ: إنْ صِدْتَ صَيْدًا بِكَلْبٍ أوْ غَيْرِهِ، فَماتَ وأنْتَ تَراهُ ماتَ بِصَيْدِكَ، فَهو ما أصْمَيْتَ، وأصْلُ ”اَلصَّمَيانُ“، في اللُّغَةِ: اَلسُّرْعَةُ، والخِفَّةُ، فالمَعْنى: ”كُلْ ما أصْمَيْتَ“، أيْ: ما قَتَلْتَهُ بِصَيْدِكَ وأنْتَ تَراهُ أسْرَعَ في المَوْتِ، فَرَأيْتَهُ وعَلِمْتَ - لا مَحالَةَ - أنَّهُ ماتَ بِصَيْدِكَ، ومَعْنى ”ما أنْمَيْتَ“، أيْ: ما غابَ عَنْكَ فَماتَ ولَمْ تَرَهُ، فَلَسْتَ تَدْرِي أماتَ بِصَيْدِكَ، أمْ عَرَضَ لَهُ عارِضٌ آخَرُ فَقَتَلَهُ، يُقالُ: ”نَمَتِ الرَّمْيَةُ“، إذا مَضَتْ والسَّهْمُ فِيها، و”أنْمَيْتُ الرَّمْيَةَ“، إذا رَمَيْتُها فَمَضَتْ والسَّهْمُ فِيها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎فَهْوَ لا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ ∗∗∗ مالُهُ لا عُدَّ مِن نَفَرِهْ
وَقالَ الحَرِثُ بْنُ وعْلَةَ الشَّيْبانِيُّ:
؎قالَتْ سُلَيْمى قَدْ غَنَيْتَ فَتًى ∗∗∗ فالآنَ لا تَصْمِي ولا تَنْمِي
المائدة 5:5
(p-١٥١)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾، أيْ: ذَبائِحُ أهْلِ الكِتابِ حِلٌّ لَكُمْ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّ ذَبائِحَ أهْلِ الكِتابِ حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ، واخْتَلَفُوا فِيما سِواها مِنَ الأطْعِمَةِ، والذَّبائِحُ هي مِنَ الأطْعِمَةِ، فالظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ جَمِيعَ طَعامِهِمْ حَلالٌ كالذَّبائِحِ، ﴿وَطَعامُكم حِلٌّ لَهُمْ﴾، تَأْوِيلُهُ: حِلٌّ لَكم أنْ تُطْعِمُوهُمْ، لِأنَّ الحَلالَ، والحَرامَ، والفَرائِضَ بَعْدَ عَقْدِ التَّوْحِيدِ، إنَّما يُعْقَدُ عَلى أهْلِ الشَّرِيعَةِ، والمِلَّةِ، فَأمّا الكُفّارُ، فالواجِبُ فِيهِمُ القَتْلُ، إلّا مَن أدّى الجِزْيَةَ مِن أهْلِ الكِتابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أيْ: وأُحِلَّ لَكُمُ المُحْصَناتُ، وهُنَّ العَفائِفُ، وقِيلَ: اَلْحَرائِرُ، و”اَلْكِتابَ“، يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمَةَ إذا كانَتْ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ لَمْ يَجُزِ التَّزْوِيجُ بِها، لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، أيْ: إذا أعْطَيْتُمُوهُنَّ الأجْرَ عَلى جِهَةِ التَّزْوِيجِ، لا عَلى جِهَةِ السِّفاحِ، وهو الزِّنا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾، (p-١٥٢)وَهُنَّ الصَّدِيقاتُ، والأصْدِقاءُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الجِماعَ عَلى جِهَةِ السِّفاحِ، أوْ عَلى جِهَةِ اتِّخاذِ الصَّدِيقَةِ، وأحَلَّهُ عَلى جِهَةِ الإحْصانِ، وهو التَّزْوِيجُ، عَلى ما عَلَيْهِ جَماعَةُ العُلَماءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾، أيْ: مَن بَدَّلَ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ فَجَعَلَهُ حَرامًا، أوْ أحَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ، فَهو كافِرٌ بِإجْماعٍ، وقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ، أيْ: حَبِطَ جَمِيعُ ما تَقَرَّبَ بِهِ إلى اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ -، ومِن غَيْرِ ذَلِكَ.
المائدة 5:6
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: إذا أرَدْتُمُ القِيامَ إلى الصَّلاةِ، وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ في الكَلامِ والِاسْتِعْمالِ دَلِيلًا عَلى مَعْنى الإرادَةِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]، اَلْمَعْنى: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالنَّصْبِ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالخَفْضِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، فَمَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فالمَعْنى: ”فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ، وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ، وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكم“، عَلى التَّقْدِيمِ، والتَّأْخِيرِ، والواوُ جائِزٌ فِيها ذَلِكَ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]، (p-١٥٣)والمَعْنى: ”وارْكَعِي واسْجُدِي“، لِأنَّ الرُّكُوعَ قَبْلَ السُّجُودِ، ومَن قَرَأ: ”وَأرْجُلِكم“، بِالجَرِّ، عَطَفَ عَلى الرُّؤُوسِ، وقالَ بَعْضُهم: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ، والسُّنَّةُ في الغَسْلِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: هو جَرٌّ عَلى الجِوارِ، فَأمّا الخَفْضُ عَلى الجِوارِ فَلا يَكُونُ في كَلِماتِ اللَّهِ، ولَكِنَّ المَسْحَ عَلى هَذا التَّحْدِيدِ في القُرْآنِ كالغَسْلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾، فَذَكَرَ الحَدَّ في الغَسْلِ لِلْيَدِ إلى المَرافِقِ، ولِلْيَدِ مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الكَفِّ، فَفَرَضَ عَلَيْنا أنْ نَغْسِلَ بَعْضَ اليَدِ مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى المِرْفَقِ، فالمِرْفَقُ مُنْقَطِعٌ مِمّا لا يُغْسَلُ، ودَخَلَ فِيما يُغْسَلُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَعْناهُ: مَعَ المَرافِقِ، واليَدُ المِرْفَقُ داخِلٌ فِيها، فَلَوْ كانَ ”اِغْسِلُوا أيْدِيَكم مَعَ المِرْفَقِ“، لَمْ تَكُنْ في المَرافِقِ فائِدَةٌ، وكانَتِ اليَدُ كُلُّها يَجِبُ أنْ تُغْسَلَ، ولَكِنَّهُ لَمّا قِيلَ: ”إلى المَرافِقِ“، اِقْتُطِعَتْ في الغَسْلِ مِن حَدِّ المِرْفَقِ، و”اَلْمِرْفَقُ“، في اللُّغَةِ: ما جاوَزَ الإبْرَةَ، وهو المَكانُ الَّذِي يُرْتَفَقُ بِهِ، أيْ: يُتَّكَأُ عَلَيْهِ عَلى المِرْفَقَةِ وغَيْرِها، فالمَرافِقُ حَدُّ ما يُنْتَهى إلَيْهِ في الغَسْلِ مِنها، ولَيْسَ يَحْتاجُ إلى تَأْوِيلِ ”مَعَ“، ولَمّا حَدَّ في الرِّجْلِ إلى الكَعْبَيْنِ، والرِّجْلُ مِن أصْلِ الفَخِذِ إلى القَدَمِ، عُلِمَ أنَّ الغَسْلَ مِن أطْرافِ الأصابِعِ إلى الكَعْبَيْنِ، والكَعْبانِ هُما العَظْمانِ النّاتِئانِ في آخِرِ السّاقِ مَعَ القَدَمِ، وكُلُّ مِفْصَلٍ مِنَ العِظامِ فَهو كَعْبٌ، إلّا أنَّ (p-١٥٤)هَذَيْنِ الكَعْبَيْنِ ظاهِرانِ عَنْ يُمْنَةٍ فَوْقَ القَدَمِ ويُسْرَتِهِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يُقالُ: اَلْكَعْبانِ اللَّذانِ صِفَتُهُما كَذا وكَذا، فالدَّلِيلُ عَلى أنَّ الغَسْلَ هو الواجِبُ في الرِّجْلِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَسْحَ عَلى الرِّجْلِ لا يَجُوزُ، هو تَحْدِيدُ ”إلى الكَعْبَيْنِ“، كَما جاءَ في تَحْدِيدِ اليَدِ إلى المَرافِقِ، ولَمْ يَجِئْ في شَيْءٍ في المَسْحِ تَحْدِيدٌ، قالَ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾، بِغَيْرِ تَحْدِيدٍ في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾، ويَجُوزُ ”وَأرْجُلِكم“، بِالجَرِّ، عَلى مَعْنى ”واغْسِلُوا“، لِأنَّ قَوْلَهُ إلى الكَعْبَيْنِ قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، كَما وصَفْنا، ويُنْسَقُ بِالغَسْلِ عَلى المَسْحِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎يا لَيْتَ بَعْلَكِ قَدْ غَدا ∗∗∗ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا ورُمْحا
اَلْمَعْنى: مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وحامِلًا رُمْحًا، وكَذَلِكَ قالَ الآخَرُ:
؎عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدا
اَلْمَعْنى: وسَقَيْتُها ماءً بارِدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾، يُقالُ لِلْواحِدِ: ”رَجُلٌ جُنُبٌ“، و”رَجُلانِ جُنُبٌ“، و”قَوْمٌ جُنُبٌ“، و”اِمْرَأةٌ جُنُبٌ“، كَما يُقالُ: ”رَجُلٌ رِضًى“، و”قَوْمٌ رِضًى“، وإنَّما هو عَلى تَأْوِيلِ ”ذَوُو أجْنُبٍ“، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، والمَصْدَرُ يَقُومُ مَقامَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُثَنِّي، ويَجْمَعُ، ويَجْعَلُ (p-١٥٥)المَصْدَرَ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ، وإذا جُمِعَ ”جُنُبٌ“، قُلْتَ في الرِّجالِ: ”جُنُبُونَ“، وفي النِّساءِ: ”جُنُباتٌ“، ولِلِاثْنَيْنِ: ”جُنُبانِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فاطَّهَّرُوا﴾، مَعْناهُ: ”فَتَطَهَّرُوا“، إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الطّاءِ، لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ، وهُما مَعَ الدّالِ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، وأصُولِ الثَّنايا العُلْيا، فَإذا أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، سَقَطَ أوَّلُ الكَلِمَةِ، فَزِيدَ فِيها ألِفُ الوَصْلِ، فابْتَدَأْتَ فَقُلْتَ: ”اِطَّهَّرُوا“، وبَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - ما طَهارَةُ الجُنُبِ في سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، بِالغُسْلِ، فَقالَ: ﴿وَلا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]، و”اَلْغائِطُ“: كِنايَةٌ عَنْ مَكانِ الحَدَثِ، و”اَلْغِيطانُ“: ما انْخَفَضَ مِنَ الأرْضِ.
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، أيْ: اِقْصِدُوا، وقَدْ بَيَّنّا ”اَلصَّعِيدُ“، في سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾، أيْ: مِن ضِيقٍ، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، واللّامُ دَخَلَتْ لِتُبَيِّنَ الإرادَةَ، المَعْنى: إرادَتُهُ لِيُطَهِّرَكُمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
المائدة 5:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾، أيْ: بِالعَدْلِ.
(p-١٥٦)”شُهَداءَ“: أيْ: مُبَيِّنِينَ عَنْ دِينِ اللَّهِ، لِأنَّ الشّاهِدَ يُبَيِّنُ ما شَهِدَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾، فَـ ”شَنَآنُ قَوْمٍ“، مَعْناهُ: بُغْضُ قَوْمٍ، أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُكُمُ المُشْرِكِينَ عَلى تَرْكِ العَدْلِ، ومَن قالَ: ”شَنْآنُ قَوْمٍ“، فَمَعْناهُ: بُغْضُ قَوْمٍ، ويُقالُ: ”أجْرَمَنِي كَذا وكَذا“، و”جَرَمَنِي“، و”جَرَّمَنِي“، و”أُجْرِمْتُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قِيلَ: ”لا يَجْرِمَنَّكم“: لا يُدْخِلَنَّكم في الجُرْمِ، كَما تَقُولُ: ”آثَمْتُهُ“، أيْ: أدْخَلْتُهُ في الإثْمِ.
المائدة 5:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، هَذا تَمامُ الكَلامِ، يُقالُ: ”وَعَدْتُ الرَّجُلَ“، تُرِيدُ ”وَعَدْتُهُ خَيْرًا“، و”أوْعَدْتُ الرَّجُلَ“، تُرِيدُ ”أوْعَدْتُهُ شَرًّا“، وإذا ذَكَرْتَ المَوْعُودَ قُلْتَ فِيهِما جَمِيعًا: ”واعَدْتُهُ“، وإذا لَمْ تَذْكُرِ المَوْعُودَ قُلْتَ في الخَيْرِ: ”وَعَدْتُهُ“، وفي الشَّرِّ: ”أوْعَدْتُهُ“، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، فَدَلَّ عَلى الخَيْرِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الخَيْرَ فَقالَ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾، أيْ: تَغْطِيَةٌ عَلى ذُنُوبِهِمْ، ﴿وَأجْرٌ عَظِيمٌ﴾، جَزاءٌ عَلى إيمانِهِمْ.
المائدة 5:11
وَقَوْلُهُ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ كانُوا عاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى تَرْكِ القِتالِ، وعَلى أنْ يُعِينَهم في دِياتِهِمْ، ويُعِينُوهُ في دِياتِ المُسْلِمِينَ، فَأُصِيبَ رَجُلانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهم في دِياتِهِما، فَوَعَدُوهُ (p-١٥٧)لِوَقْتٍ يَسِيرُ إلَيْهِمْ فِيهِ، فَسارَ النَّبِيُّ هو وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، فَلَمّا صارُوا إلَيْهِمْ هَمُّوا بِالغَدْرِ، وأنْ يَقْتُلُوا النَّبِيَّ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وأعْلَمَهُ ما عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَخَرَجُوا مِنَ المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، فَأعْلَمَهُمُ اليَهُودُ أنَّ قُدُورَهم تَغْلِي، فَأعْلَمَهم ﷺ أنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بِما عَزَمُوا عَلَيْهِ، وهَذِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مَرْدُودٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، أيْ: قَدْ أُعْطِيتُمُ الظَّفَرَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾، وكِلا الوَجْهَيْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ - جائِزٌ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قَدْ أظْهَرَ الإسْلامَ عَلى سائِرِ الأدْيانِ.
المائدة 5:12
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: أخَذَ اللَّهُ مِنهُمُ المِيثاقَ عَلى تَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِرُسُلِهِ، ﴿وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، ”اَلنَّقِيبُ“، في اللُّغَةِ: كالأمِيرِ، والكَفِيلِ، ونَحْنُ نُبَيِّنُ حَقِيقَتَهُ واشْتِقاقَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، يُقالُ: ”نَقَبَ الرَّجُلُ عَلى القَوْمِ، يَنْقُبُ“، إذا صارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، وما كانَ الرَّجُلُ نَقِيبًا، ولَقَدْ نَقُبَ، وصِناعَتُهُ النِّقابَةُ، وكَذَلِكَ ”عَرَفَ عَلَيْهِمْ“، إذا صارَ عَرِّيفًا، (p-١٥٨)وَلَقَدْ عَرَفَ، ويُقالُ لِأوَّلِ ما يَبْدُو مِنَ الجَرَبِ: ”اَلنُّقْبَةُ“، ويُجْمَعُ: ”اَلنُّقُبُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ ∗∗∗ يَضَعُ الهِناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ
و”اَلنُّقْبَةُ“، وجَمْعُها ”نُقُبٌ“، سَراوِيلُ تَلْبَسُهُ المَرْأةُ بِلا رِجْلَيْنِ، ويُقالُ: ”فُلانَةٌ حَسَنَةُ النُّقْبَةِ، والنِّقابِ“، ويُقالُ: ”في فُلانٍ مَناقِبُ جَمِيلَةٌ“، و”هو حَسَنُ النَّقِيبَةِ“، أيْ: حَسَنُ الخَلِيقَةِ، ويُقالُ: ”كَلْبٌ نَقِيبٌ“، وهو أنْ تُنْقَبَ حَنْجَرَةُ الكَلْبِ لِئَلّا يَرْتَفِعُ صَوْتُهُ في نُباحِهِ، وإنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ البُخَلاءُ مِنَ العَرَبِ، لِئَلّا يَطْرُقَهم ضَيْفٌ بِسَماعِ نُباحِ الكِلابِ، وهَذا البابُ كُلُّهُ يَجْمَعُهُ التَّأْثِيرُ الَّذِي لَهُ عُمْقٌ ودُخُولٌ، فَمِن ذَلِكَ ”نَقَبْتُ الحائِطَ“، أيْ: بَلَغْتُ في الثُّقْبِ آخِرَهُ، ومِن ذَلِكَ النُّقْبَةُ مِنَ الجَرَبِ، لِأنَّهُ داءٌ شَدِيدُ الدُّخُولِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ البَعِيرَ يُطْلى بِالهَناءِ، فَيُوجَدُ طَعْمُ القَطِرانِ (p-١٥٩)فِي لَحْمِهِ، و”اَلنُّقْبَةُ“: هَذِهِ السَّراوِيلُ الَّتِي لا رِجَلَيْنِ لَها، قَدْ بُولِغَ في فَتْحِها ونَقْبِها، ونِقابُ المَرْأةِ وهو ما ظَهَرَ مِن تَلَثُّمِها مِنَ العَيْنَيْنِ والمَحاجِرِ، و”اَلنَّقَبُ“، و”النُّقْبُ“: اَلطَّرِيقُ في الجَبَلِ، وإنَّما قِيلَ: ”نَقِيبٌ“، لِأنَّهُ يَعْلَمُ دَخِيلَةَ أمْرِ القَوْمِ، ويَعْرِفُ مَناقِبَهُمْ، وهو الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”عَزَّرْتُمُوهم“: عَظَّمْتُمُوهُمْ، قالَ غَيْرُهُ: ”عَزَّرْتُمُوهم“: نَصَرْتُمُوهُمْ، وهَذا هو الحَقُّ - واللَّهُ أعْلَمُ -، وذَلِكَ أنَّ ”اَلْعَزْرُ“، في اللُّغَةِ: اَلرَّدُّ، وتَأْوِيلُ ”عَزَّرْتُ فُلانًا“: أيْ: أدَّبْتُهُ، فَعَلْتُ بِهِ ما يَرْدَعُهُ عَنِ القَبِيحِ، كَما أنَّ ”نَكَّلْتُ بِهِ“، فَعَلْتُ بِهِ ما يَجِبُ أنْ يُنَكَّلَ مَعَهُ عَنِ المُعاوَدَةِ، فَتَأْوِيلُ ”عَزَّرْتُمُوهم“: نَصَرْتُمُوهم بِأنْ تَرُدُّوا عَنْهم أعْداءَهُمْ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، فَلَوْ كانَ التَّعْزِيرُ هو التَّوْقِيرَ لَكانَ الأجْوَدُ في اللُّغَةِ الِاسْتِعانَةَ والنُّصْرَةَ إذا وجَبَتْ، فالتَّعْظِيمُ داخِلٌ فِيها، لِأنَّ نُصْرَةَ الأنْبِياءِ هي المُدافَعَةُ عَنْهُمْ، والذَّبُّ عَنْ دَمِهِمْ، وتَعْظِيمُهُمْ، وتَوْقِيرُهُمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾، أيْ: فَقَدْ ضَلَّ قَصْدَ السَّبِيلِ.
المائدة 5:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾، ”ما“، لَغْوٌ، المَعْنى: ”فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهم“، ومَعْنى ”ما“، اَلْمُلْغاةِ في العَمَلِ، تَوْكِيدُ القِصَّةِ، ﴿لَعَنّاهُمْ﴾، أيْ: باعَدْناهم مِنَ الرَّحْمَةِ، ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾، أيْ: يابِسَةً، (p-١٦٠)يُقالُ لِلرَّجُلِ الرَّحِيمِ: ”لَيِّنُ القَلْبِ“، ولِلرَّجُلِ غَيْرِ الرَّحِيمِ: ”قاسِي القَلْبِ، ويابِسُ القَلْبِ“، و”اَلْقاسِي“، في اللُّغَةِ، و”اَلْقاسِحُ“، بِالحاءِ ”: اَلشَّدِيدُ الصَّلابَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾،“ اَلْكَلِمُ ”: جَمْعُ“ كَلِمَةٌ ”، وتَأْوِيلُ“ يُحَرِّفُونَ ”: يُغَيِّرُونَهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، مَعْنى“ نَسُوا ”:“ تَرَكُوا نَصِيبًا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾،“ خائِنَةٍ ”، في مَعْنى“ خِيانَةٍ ”، اَلْمَعْنى:“ لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خِيانَةٍ مِنهم ”، و“ فاعِلَةٌ ”، في أسْماءِ المَصادِرِ كَثِيرَةٌ، نَحْوَ:“ عافاهُ اللَّهُ، عافِيَةً ”، وقَوْلِهِ: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]، وقَدْ يُقالُ:“ رَجُلٌ خائِنَةٌ "، قالَ الشّاعِرُ:
؎حَدَّثْتَ نَفْسَكَ بِالوَفاءِ ولَمْ تَكُنْ ∗∗∗ لِلْغَدْرِ خائِنَةً مُغِلَّ الإصْبَعِ
قالَ: ”خائِنَةً“، عَلى المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ يُخاطِبُ رَجُلًا، يَقُولُ: لا تَحْمِلَنَّ فَتَغْلُلْ (p-١٦١)إصْبَعَكَ في المَتاعِ فَتُدْخِلُها لِلْخِيانَةِ، و”مُغِلَّ يَدِكَ مِن خائِنَةٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”عَلى خائِنَةٍ“، ”أنَّ عَلى فِرْقَةٍ خائِنَةٍ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾، مَنصُوبٌ بِالِاسْتِثْناءِ.
المائدة 5:14
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، يُعْنى بِهِ النَّصارى، ويَعْنِي قَوْلُهُ: ”أغْرَيْنا“: ألْصَقْنا بِهِمْ ذَلِكَ، يُقالُ: ”غَرَّيْتُ بِالرَّجُلِ غَرًى“، مَقْصُورٌ، إذا لَصِقْتُ بِهِ، وهَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ غَيْرُ الأصْمَعِيِّ: ”غَرِيتُ بِهِ غَراءً“، وهو الغِراءُ الَّذِي يُغَرّى، إنَّما تُلْصَقُ بِهِ الأشْياءُ، وتَأْوِيلُ ”أغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ“، أنَّهم صارُوا فِرَقًا يُكَفِّرُ بَعْضُهم بَعْضًا، مِنهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلْكانِيَّةُ، وهُمُ الرُّومُ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى.
المائدة 5:15
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾، اَلنُّورُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ، والهُدى أوِ النُّورُ هو الَّذِي يُبَيِّنُ الأشْياءَ، ويُرِي الأبْصارَ حَقِيقَتَها، فَمَثَلُ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في القُلُوبِ، في بَيانِهِ، وكَشْفِهِ الظُّلُماتِ، كَمَثَلِ النُّورِ.
المائدة 5:16
﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾، و”رُضْوانَهُ“، بِالكَسْرِ، والضَّمِّ، ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾، جَمْعُ ”سَبِيلٌ“، و”اَلسُّبُلُ“: اَلطُّرُقُ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”طُرُقَ السَّلامِ“، أيْ: طُرَقَ السَّلامَةِ، الَّتِي مَن مَلَكَها سَلِمَ في دِينِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”سُبُلَ السَّلامِ“، طُرُقَ اللَّهِ، و”اَلسَّلامُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ.
المائدة 5:19
(p-١٦٢)وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾، أيْ: عَلى انْقِطاعٍ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ بَعْدَ انْقِطاعِ الرُّسُلِ، لِأنَّ الرُّسُلَ كانَتْ إلى وقْتِ رَفْعِ عِيسى تَتْرى، أيْ: مُتَواتِرَةً، يَجِيءُ بَعْضُها في أثَرِ بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ﴾، قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: ألّا تَقُولُوا: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ، أيْ: بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ لِئَلّا تَقُولُوا: ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، مَعْناهُ: ”ألّا تَضِلُّوا“، وقالَ بَعْضُهم: ”أنْ تَقُولُوا“، مَعْناهُ: ”كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا“، وحُذِفَتْ ”كَراهَةَ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، مَعْناهُ: ”سَلْ أهْلَ القَرْيَةِ“، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا شَرْحَ هَذا في آخِرِ سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“ .
المائدة 5:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾، مِثْلُ ”جَعَلَكم تَمْلِكُونَ أمْرَكُمْ، لا يَغْلِبُكم عَلَيْهِ غالِبٌ“ وقالَ بَعْضُهم: جَعَلَكم ذَوِي مَنازِلَ لا يُدْخَلُ عَلَيْكم فِيها إلّا بِإذْنٍ، والمَعْنى راجِعٌ إلى مِلْكِ الأمْرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾، وهو أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ.
المائدة 5:21
وَقَوْلُهُ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، ”اَلْمُقَدَّسَةَ“: اَلْمُطَهَّرَةَ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها دِمَشْقُ، وفِلَسْطِينُ، وبَعْضُ (p-١٦٣)الأُرْدُنِّ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، وإنَّما سُمِّيَ بِـ ”اَلْمَقْدِسِ“، لِأنَّ ”اَلْمَقْدِسُ“: اَلْمَكانُ الَّذِي يُتَطَهَّرُ فِيهِ، فَتَأْوِيلُهُ: اَلْبَيْتُ الَّذِي يُطَهِّرُ الإنْسانَ مِنَ العُيُوبِ، ومِن هَذا قِيلَ: ”اَلْقُدْسُ“، أيْ: اَلَّذِي يُتَطَهَّرُ مِنهُ، كَما قِيلَ: ”مَطْهَرَةٌ“، لِما يُتَوَضَّأُ مِنهُ، إنَّما هي ”مَفْعَلَةٌ“، مِن ”اَلطُّهْرُ“ .
المائدة 5:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾، تَأْوِيلُ ”اَلْجَبّارُ مِنَ الآدَمِيِّينَ“: اَلْعاتِي، الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الجَبّارُ العَزِيزُ، وهو المُمْتَنِعُ مِن أنْ يُزَلَّ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَأْمُرُ بِما أرادَ، لا رادَّ لِأمْرِهِ، ولا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وإنَّما وصَفُوهم بِالقُدْرَةِ والتَّكَبُّرِ، والمَنعَةِ، و”قَوْمًا“، مَنصُوبٌ بِـ ”إنَّ“، و”جَبّارِينَ“، مِن صِفَتِهِمْ، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ”فِيها“ .
المائدة 5:23
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾، أيْ: أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما بِالإيمانِ، ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾، فَكَأنَّهُما عَلِما أنَّ ذَلِكَ البابَ إذا دُخِلَ مِنهُ وقَعَ الغَلَبُ.
المائدة 5:24
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها﴾، أيْ: لَسْنا نَقْبَلُ مَشُورَةً في دُخُولِها، ولا أمْرًا، وفِيها هَؤُلاءِ الجَبّارُونَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ أهْلَ الكِتابِ هَؤُلاءِ غَيْرُ قابِلِينَ مِنَ الأنْبِياءِ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ الخِلافَ شَأْنُهُمْ، وفي هَذا الإعْلامِ دَلِيلٌ عَلى تَصْحِيحِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ أعْلَمَهم (p-١٦٤)ما لا يُعْلَمُ إلّا مِن قِراءَةِ كِتابٍ، أوْ إخْبارٍ، أوْ وحْيٍ، والنَّبِيُّ ﷺ مَنشَؤُهُ مَعْرُوفٌ بِالخُلُوِّ مِن ذِكْرِ أقاصِيصِ بَنِي إسْرائِيلَ، وبِحَيْثُ لا يَقْرَأُ كُتُبَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ في عِلْمِ ذَلِكَ إلّا الوَحْيُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا﴾، كَلامُ العَرَبِ: ”اِذْهَبْ أنْتَ وزَيْدٌ“، والنَّحْوِيُّونَ يَسْتَقْبِحُونَ ”اِذْهَبْ وزَيْدٌ“، لِأنَّهُ لا يُعْطَفُ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ، والمُضْمَرُ في النِّيَّةِ لا عَلامَةَ لَهُ، فَكانَ الِاسْمُ يَصِيرُ مَعْطُوفًا عَلى ما هو مُتَّصِلٌ بِالفِعْلِ، غَيْرُ مُفارِقٍ لَهُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، فَمَن رَفَعَ فَإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّ المَفْعُولَ يُقَوِّي الكَلامَ، وكَذَلِكَ ”ضَرَبْتُ زَيْدًا وعَمْرٌو“، كَما يُقَوِّي الكَلامَ دُخُولُ ”لا“، قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ [الأنعام: ١٤٨]
المائدة 5:25
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي﴾، ”أخِي“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: قالَ رَبِّي: إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي أيْضًا لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ، ورَفْعُهُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى مَوْضِعِ ”إنِّي“، اَلْمَعْنى: أنا لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وأخِي كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ”ما“، في قَوْلِهِ: ”أمْلِكُ“، (p-١٦٥)فالمَعْنى: أنا لا أمْلِكُ أنا وأخِي إلّا أنْفُسَنا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أخِي“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى الياءِ في ”إنِّي“، اَلْمَعْنى: إنِّي وأخِي لا نَمْلِكُ إلّا أنْفُسَنا، و”إنِّي لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، وإنَّ أخِي لا يَمْلِكُ إلّا نَفْسَهُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”نَفْسِي“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”لا أمْلِكُ إلّا نَفْسِي، ولا أمْلِكُ إلّا أخِي“، لِأنَّ أخاهُ إذا كانَ مُطِيعًا لَهُ فَهو مِلْكُ طاعَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ [المائدة: ٢٠]، لا يُصْرَفُ ”أنْبِياءَ“، لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى ألِفِ التَّأْنِيثِ، وهو غَيْرُ مَصْرُوفٍ في المَعْرِفَةِ والنَّكِرَةِ، لِأنَّ فِيهِ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ، وهِيَ، مَعَ أنَّها عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، مَبْنِيَّةٌ مَعَ الِاسْمِ عَلى غَيْرِ خُرُوجِ التَّأْنِيثِ عَنِ التَّذْكِيرِ، نَحْوَ ”قائِمٌ“، و”قائِمَةٌ“ .
المائدة 5:26
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾، يَعْنِي أنَّ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ دُخُولُها، أيْ: هم مَمْنُوعُونَ مِن ذَلِكَ، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: ”أرْبَعِينَ سَنَةً“، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِقَوْلِهِ: ”مُحَرَّمَةٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”يَتِيهُونَ“، أمّا نَصْبُهُ بِـ ”مُحَرَّمَةٌ“، فَخَطَأٌ، لِأنَّ التَّفْسِيرَ جاءَ بِأنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أبَدًا، فَنَصْبُ ”أرْبَعِينَ سَنَةً“، بِقَوْلِهِ: ”يَتِيهُونَ“، وقِيلَ: عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِأنْ مَكَثُوا في التِّيهِ أرْبَعِينَ سَنَةً، سَيّارَةً، لا يُقِرُّهم قَرارٌ، إلى أنْ ماتَ البالِغُونَ الَّذِينَ عَصَوُا اللَّهَ، ونَشَأ الصِّغارُ، ووُلِدَ مَن لَمْ يَدْخُلْ في جُمْلَتِهِمْ في المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى، وهارُونَ، كانا مَعَهم في التِّيهِ، قالَ بَعْضُهم: لَمْ يَكُنْ مُوسى وهارُونُ في التِّيهِ، لِأنَّ التِّيهَ عَذابٌ، والأنْبِياءُ لا يُعَذَّبُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ (p-١٦٦)كانا في التِّيهِ، وأنَّ اللَّهَ - جَلَّ اسْمُهُ - سَهَّلَ عَلَيْهِما ذَلِكَ، كَما سَهَّلَ عَلى إبْراهِيمَ النّارَ، فَجَعَلَها عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، وشَأْنُها الإحْراقُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا خِطابًا لِمُوسى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا تَحْزَنْ عَلى قَوْمٍ لَمْ يَزَلْ شَأْنُهُمُ المَعاصِيَ، ومُخالَفَةَ الرُّسُلِ.
المائدة 5:27
وَقَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ إذْ قَرَّبا قُرْبانًا﴾، قِيلَ: كانا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ القُرْبانَ كانَ تَأْكُلُهُ النّارُ في زَمَنِ بَنِي إسْرائِيلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، وقِيلَ: اِبْنا آدَمَ لِصُلْبِهِ، أحَدُهُما ”هابِيلُ“، والآخَرُ ”قابِيلُ“، فَقَرَّبا قُرْبانًا، ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أحَدِهِما ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ﴾، وكانَ الرَّجُلُ إذا قَرَّبَ قُرْبانًا سَجَدَ، وتَنْزِلُ النّارُ فَتَأْكُلُ قُرْبانَهُ، فَذَلِكَ عَلامَةُ قَبُولِ القُرْبانِ، فَنَزَلَتِ النّارُ وأكَلَتْ قُرْبانَ ”هابِيلَ“، ولَمْ تَأْكُلْ قُرْبانَ ”قابِيلَ“، فَحَسَدَهُ ”قابِيلُ“، وتَوَعَّدَهُ بِالقَتْلِ، فَقالَ: ﴿لأقْتُلَنَّكَ قالَ إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، اَلْمَعْنى: قالَ الَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ: لَأقْتُلَنَّكَ، وحُذِفَ ذِكْرُ ”اَلَّذِي لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الكَلامِ: ”إذا رَأيْتَ الحاكِمَ والمَظْلُومَ كُنْتَ مَعَهُ“، اَلْمَعْنى: كُنْتَ مَعَ المَظْلُومِ، ويُقالُ: إنَّ السَّيْفَ كانَ مَمْنُوعًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، كَما كانَ حِينَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ، وكَما كانَ مَمْنُوعًا في زَمَنِ عِيسى، فَقالَ:
المائدة 5:28
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ﴾، (p-١٦٧)أيْ: ما أنا بِمُجازِيكَ، ولا مُقاتِلُكَ، ولا قاتِلُكَ، ﴿إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾
المائدة 5:29
﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾، أيْ: أنْ تَرْجِعَ إلى اللَّهِ بِإثْمِي، وإثْمِكَ، ﴿فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾، مَعْنى ”بِإثْمِي“: بِإثْمِ قَتْلِي، ”وَإثْمِكَ“، اَلَّذِي مِن أجْلِهِ لَمْ يُتَقَبَّلْ قُرْبانُكَ أيْ: إنْ قَتَلْتَنِي فَأنا مُرِيدٌ ذَلِكَ، ﴿وَذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
المائدة 5:30
﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾، تابَعَتْهُ، وقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: ”فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ“: ”فَعَّلَتْ“، مِن ”اَلطَّوْعُ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”طاعَ لِهَذِهِ الظَّبْيَةِ أُصُولُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ“، و”طاعَ لَهُ كَذا وكَذا“، أيْ: أتاهُ طَوْعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾، أيْ: مِمَّنْ خَسِرَ حَسَناتِهِ، وكانَ حِينَ قَتَلَهُ سَلَبَهُ ثِيابَهُ، وتَرَكَهُ عارِيًا بِالأرْضِ القِفارِ.
المائدة 5:31
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ﴾، قالَ بَعْضُهم: بَعْثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ عَلى غُرابٍ آخَرَ مَيِّتٍ، ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ﴾، وقِيلَ: بَلْ أكْرَمَهُ اللَّهُ بِأنْ بَعَثَ غُرابًا حَثا عَلَيْهِ التُّرابَ، لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي، ﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾، يُقالُ: ”عَجَزْتُ عَنِ الأمْرِ، أعْجِزُ، عَجْزًا، ومُعْجَزَةً، ومَعْجِزَةً“، فَأمّا ”يا ويْلَتى“، (p-١٦٨)فالوَقْفُ عَلَيْها في غَيْرِ القُرْآنِ: ”يا ويْلَتاهُ“، والنِّداءُ لِغَيْرِ الآدَمِيِّينَ نَحْوَ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، و﴿يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، و﴿قالَ يا ويْلَتا أعَجَزْتُ﴾، فَإنَّما وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى تَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ، وأنَّ الوَقْتَ الَّذِي تُدْعى لَهُ هَذِهِ الأشْياءُ هو وقْتُها، فالمَعْنى: ”يا ويْلَتى تَعالَيْ، فَإنَّهُ مِن إبّانِكِ، فَإنَّهُ قَدْ لَزِمَنِي الوَيْلُ“، وكَذَلِكَ ”يا عَجَبًا“، اَلْمَعْنى: ”يا أيُّها العَجَبُ هَذا وقْتُكَ“، فَعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ.
المائدة 5:32
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ [المائدة: ٣١] ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ﴾، اَلْأجْوَدُ أنْ يَكُونَ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾، يُقالُ: ”أجَلْتُ الشَّيْءَ، أأْجِلُهُ، أجَلًا“، إذا جَنَيْتُهُ، قالَ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ:
؎وَأهْلِ خِباءٍ صالِحٍ كُنْتُ بَيْنَهم ∗∗∗ قَدِ احْتَرَبُوا في عاجِلٍ أنا آجِلُهُ
أيْ: أنا جانِيهِ، وتَأْوِيلُ ”اَلْوَيْلُ“، في اللُّغَةِ: قالَ سِيبَوَيْهِ: ”اَلْوَيْلُ“: كَلِمَةٌ تُقالُ عِنْدَ الهَلَكَةِ، وقِيلَ: ”اَلْوَيْلُ“: وادٍ في جَهَنَّمَ، وهَذا غَيْرُ خارِجٍ مِن مَذاهِبِ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ مَن وقَعَ في ذَلِكَ فَقَدْ وقَعَ في هَلَكَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾، ”فَسادٍ“، مَعْطُوفٌ عَلى ”نَفْسٍ“، اَلْمَعْنى: ”بِغَيْرِ فَسادٍ“، ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، (p-١٦٩)أيْ: اَلْمُؤْمِنُونَ كُلُّهم خُصَماءُ القاتِلِ، وقَدْ وتَرَهم وتْرَ مَن قَصَدَ لِقَتْلِهِمْ جَمِيعًا، ﴿وَمَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾، أيْ: مَنِ اسْتَنْقَذَها مِن غَرَقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ هَدْمِ، أوْ ما يُمِيتُ لا مَحالَةَ، أوِ اسْتَنْقَذَها مِن ضَلالَةٍ، فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا، أيْ: أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أجْرُ مَن أحْياهم أجْمَعِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في إسْدائِهِ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ بِإحْيائِهِ أخاهُمُ المُؤْمِنَ بِمَنزِلَةِ مَن أحْيا كُلَّ واحِدٍ مِنهُمْ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَكُونُ ثَوابُهُ ثَوابَ مَن أحْياهم جَمِيعًا؟ فالجَوابُ في هَذا كالجَوابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فالتَّأْوِيلُ أنَّ الثَّوابَ الَّذِي إذا جَعَلَ لِلْحَسَنَةِ كانَ غايَةَ ما يُتَمَنّى، يُعْطى العامِلُ لَها عَشْرَةُ أمْثالِهِ.
المائدة 5:33
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا أنْ يُقَتَّلُوا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، رَفْعٌ، المَعْنى: إنَّما جَزاؤُهُمُ القَتْلُ، أوِ الصَّلْبُ، أوِ القَطْعُ لِلْأيْدِي، والأرْجُلِ مِن خِلافٍ، لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: ”إنَّما جَزاؤُكَ دِينارٌ“، فالمَعْنى: ما جَزاؤُكَ إلّا دِينارٌ ”، وقَوْلُ العُلَماءِ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الكُفّارِ خاصَّةً، ورُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أبا بَرْزَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ عاهَدَ النَّبِيَّ ﷺ ألّا يَعْرِضَ لِما يُرِيدُ النَّبِيُّ ﷺ (p-١٧٠)بِسُوءٍ، وألّا يُمْنَعَ مِن ذَلِكَ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَمْنَعُ مَن يُرِيدُ أبا بَرْزَةَ، فَمَرَّ قَوْمٌ يُرِيدُونَ النَّبِيَّ بِأبِي بَرْزَةَ، فَعَرَضَ أصْحابُهُ لَهُمْ، فَقَتَلُوا وأخَذُوا المالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ، وأتاهُ جِبْرِيلُ فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنَّ مَن أدْرَكَهُ مِنهم قَدْ قَتَلَ وأخَذَ المالَ، قَتَلَهُ، وصَلَبَهُ، ومَن قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ، قَتَلَهُ، ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ، قَطَعَ يَدَهُ لِأخْذِهِ المالَ، وقَطَعَ رِجْلَهُ لِإخافَةِ السَّبِيلِ، وقالَ بَعْضُهم: اَلْمُسْلِمُونَ مُخَيَّرُونَ في أمْرِ المُشْرِكِينَ، إنْ شاؤُوا قَتَلُوهُمْ، وصَلَبُوهُمْ، أوْ قَطَعُوا أيْدِيَهُمْ، وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، ومَعْنى: ﴿يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾، فِيهِ قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهم: مَن قَتَلَهُ فَدَمُهُ هَدَرٌ، أيْ: لا يُطالَبُ قاتِلُهُ بِدَمِهِ، وقِيلَ:“ أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ ”، أنْ يُقاتَلُوا حَيْثُ تَوَجَّهُوا مِنها، لا يُتْرَكُوا فارِّينَ، يُقالُ:“ نَفَيْتُ الشَّيْءَ أنْفِيهِ، نَفْيًا، ونُفايَةً ”، و“ اَلنُّفايَةُ ”: ما يُطْرَحُ، ويُنْفى، القَلِيلُ، مِثْلُ“ اَلْبُرايَةُ ”، و“ اَلنُّحاتَةُ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لَهم خِزْيٌ في الدُّنْيا﴾، يُقالُ:“ خَزِيَ الرَّجُلُ، يَخْزى، خِزْيًا، ”إذا افْتُضِحَ، وتَحَيَّرَ فَضِيحَةً، و“ قَدْ خَزى، يَخْزِي، خِزايَةً "، إذا اسْتَحى، كَأنَّهُ يَتَحَيَّرُ أنْ يَفْعَلَ قَبِيحًا.
المائدة 5:34
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، اَلْمَعْنى: غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُمْ، المَعْنى: لَكِنِ التّائِبُونَ مِن قَبْلِ القُدْرَةِ عَلَيْهِمْ، فاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، (p-١٧١)مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“: نَصْبٌ، فَيَكُونَ المَعْنى ”جَزاؤُهُمُ الَّذِي وصَفْنا، إلّا التّائِبِينَ“، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، واللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - جَعَلَ التَّوْبَةَ لَكَ، فادْرَؤُوا عَنْهُمُ الحُدُودَ الَّتِي وجَبَتْ عَلَيْهِمْ في كُفْرِهِمْ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أدْعى إلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ، وجَعَلَ تَوْبَةَ المُؤْمِنِينَ مِنَ الزِّنا، والقَتْلِ، والسَّرِقَةِ، لا تَرْفَعُ عَنْهم إقامَةَ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ، وتَدْفَعُ عَنْهُمُ العَذابَ في الآخِرَةِ، لِأنَّ في إقامَةِ الحُدُودِ الصَّلاحَ لِلْمُؤْمِنِينَ، والحَياةِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]
المائدة 5:35
وَقَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾، مَعْناهُ: اُطْلُبُوا إلَيْهِ القُرْبَةَ، ﴿وَجاهِدُوا في سَبِيلِهِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، أيْ: لَعَلَّكم تَظْفَرُونَ بِعَدُوِّكُمْ، و”اَلْمُفْلِحُ“: اَلْفائِزُ بِما فِيهِ غايَةُ صَلاحِ حالِهِ.
المائدة 5:38
وَقَوْلُهُ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾، اِخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في تَفْسِيرِ الرَّفْعِ فِيهِما، قالَ سِيبَوَيْهِ، وكَثِيرٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ: إنَّ هَذا وقَوْلَهُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقَوْلَهُ: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦]، هَذِهِ الأشْياءُ مَرْفُوعَةٌ عَلى مَعْنى: ”وَفِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم: اَلسّارِقُ والسّارِقَةُ، والزّانِيَةُ والزّانِي“، أوْ: ”اَلسّارِقُ والسّارِقَةُ فِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم“، ومَعْنى قَوْلِهِمْ هَذا: ”فِيما فُرِضَ عَلَيْكم حُكْمُ السّارِقِ والسّارِقَةِ“، وقالَ سِيبَوَيْهِ: اَلِاخْتِيارُ في هَذا النَّصْبُ في العَرَبِيَّةِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدًا اضْرِبْهُ“، وقالَ: أبَتِ العامَّةُ القِراءَةَ إلّا بِالرَّفْعِ، يَعْنِي بِالعامَّةِ (p-١٧٢)الجَماعَةَ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”والسّارِقَ والسّارِقَةَ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما“، وكَذَلِكَ ”اَلزّانِيَةَ والزّانِيَ“، وهَذِهِ القِراءَةُ - وإنْ كانَ القارِئُ بِها مُقَدَّمًا - لا أُحِبُّ أنْ يُقْرَأ بِها، لِأنَّ الجَماعَةَ أوْلى بِالِاتِّباعِ، إذْ كانَتِ القِراءَةُ سُنَّةً، قالَ أبُو إسْحاقَ: ودَلِيلِي أنَّ القِراءَةَ الجَيِّدَةَ بِالرَّفْعِ في ”والزّانِيَةُ والزّانِي، وفي“ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ”، قَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦]، وقالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وهو مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ“ والسّارِقُ والسّارِقَةُ ”، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، لِأنَّ القَصْدَ لَيْسَ إلى واحِدٍ بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ هو مِثْلَ قَوْلِكَ:“ زَيْدًا فاضْرِبْهُ ”، إنَّما هو كَقَوْلِكَ:“ مَن سَرَقَ فاقْطَعْ يَدَهُ، ومَن زَنى فاجْلِدْهُ ”، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ، وهو مَذْهَبُ بَعْضِ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ، وقِيلَ:“ أيْدِيَهُما ”، يَعْنِي بِهِ أيْمانَهُما، وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ:“ والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهم ”، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّما جُعِلَتْ تَثْنِيَةُ ما في الإنْسانِ مِنهُ واحِدٌ، لِأنَّ أكْثَرَ أعْضائِهِ فِيهِ مِنهُ اثْنانِ، فَحَمْلُ ما كانَ فِيهِ الواحِدُ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ، قالَ: لِأنَّ لِلْإنْسانِ عَيْنَيْنِ، فَإذا ثَنَّيْتَ قُلْتَ:“ عُيُونُهُما ”، فَجُعِلْتَ“ قُلُوبُكُما ”، و“ ظُهُورُهُما ”، في القُرْآنِ، وكَذَلِكَ“ أيْدِيَهُما ”، وهَذا خَطَأٌ، إنَّما يَنْبَغِي أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ ما في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ، وبَيْنَ ما في الشَّيْءِ مِنهُ اثْنانِ، (p-١٧٣)وَقالَ قَوْمٌ: إنَّما فَعَلْنا ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ ما في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ وبَيْنَ ما في الشَّيْءُ مِنهُ اثْنانِ، فَجُعِلَ ما في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ تَثْنِيَتُهُ جَمْعًا، نَحْوَ قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، قالَ أبُو إسْحاقَ: وحَقِيقَةُ هَذا البابِ أنَّ كُلَّ ما كانَ في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ لَمْ يُثَنَّ، ولُفِظَ بِهِ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ الإضافَةَ تُبَيِّنُهُ، فَإذا قُلْتَ:“ أشْبَعْتُ بُطُونَهُما ”، عُلِمَ أنَّ لِلِاثْنَيْنِ بَطْنَيْنِ فَقَطْ، وأصْلُ التَّثْنِيَةِ الجَمْعُ، لِأنَّكَ إذا ثَنَّيْتَ الواحِدَ فَقَدْ جَمَعْتَ واحِدًا إلى واحِدٍ، وكانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ:“ اِثْنا رِجالٍ ”، ولَكِنَّ“ رَجُلانِ ”، يَدُلُّ عَلى جِنْسِ الشَّيْءِ، وعَدَدِهِ، فالتَّثْنِيَةُ يُحْتاجُ إلَيْها لِلِاخْتِصارِ، فَإذا لَمْ يَكُنِ اخْتِصارٌ رُدَّ الشَّيْءُ إلى أصْلِهِ، وأصْلُهُ الجَمْعُ، فَإذا قُلْتَ:“ قُلُوبُهُما ”، فالتَّثْنِيَةُ في“ هُما ”، قَدْ أغْنَتْكَ عَنْ تَثْنِيَةِ“ قَلْبٌ ”، فَصارَ الِاخْتِصارُ هَهُنا تَرْكَ تَثْنِيَةِ“ قَلْبٌ "، وإنْ ثُنِّيَ ما كانَ في الشَّيْءِ مِنهُ واحِدٌ فَذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ظَهْراهُما مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ
فَجاءَ بِالتَّثْنِيَةِ، والجَمْعِ، في بَيْتٍ واحِدٍ، وحَكى سِيبَوَيْهِ أنَّهُ قَدْ يُجْمَعُ المُفْرَدُ، والَّذِي لَيْسَ مِن شَيْءٍ، إذا أرَدْتَ بِهِ التَّثْنِيَةَ، وحُكِيَ عَنِ العَرَبِ: ”وَضَعا رِحالَهُما“، يُرِيدُ: ”رَحْلَيْ راحِلَتِهِما“ .
(p-١٧٤)وَأجْمَعَتِ الفُقَهاءُ أنَّ السّارِقَ يُقْطَعُ، حُرًّا كانَ أوْ عَبْدًا، وأنَّ السّارِقَةَ تُقْطَعُ، حُرَّةً كانَتْ أوْ أمَةً، وأجْمَعُوا أنَّ القَطْعَ مِنَ الرُّسْغِ، و”اَلرُّسْغُ“: اَلْمِفْصَلُ بَيْنَ الكَفِّ والسّاعِدِ، ويُقالُ: ”رُسْغٌ“، و”رُصْغٌ“، والسِّينُ أجْوَدُ.
﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾، ”جَزاءً“، نُصِبَ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، المَعْنى: فاقْطَعُوا بِجَزاءِ فِعْلِهِمْ، وكَذَلِكَ ﴿نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾، وإنْ شِئْتَ كانا مَنصُوبَيْنِ عَلى المَصْدَرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ”فاقْطَعُوا“، لِأنَّ مَعْنى ”فاقْطَعُوا“: جازُوهُمْ، ونَكِّلُوا بِهِمْ.
المائدة 5:41
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾، إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”يَحْزُنْكَ“، و”يَحْزَنْكَ“، بِالفَتْحِ، والضَّمِّ، أيْ: ”لا يَحْزُنْكَ مُسارَعَتُهم في الكُفْرِ إذْ كُنْتَ مَوْعُودًا بِالنَّصْرِ عَلَيْهِمْ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾، أيْ: ”لا تَحْزُنْكَ المُسارَعَةُ في الكُفْرِ مِنَ المُنافِقِينَ، ومِنَ الَّذِينَ هادُوا“، ثُمَّ قالَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾، هَذا تَمامُ الكَلامِ، ورَفْعُ سَمّاعُونَ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما: ”هم سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ“، أيْ: مُنافِقُونَ، واليَهُودُ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، و”سَمّاعُونَ“، فِيهِ وجْهانِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، أحَدُهُما أنَّهم مُسْمِعُونَ لِلْكَذِبِ، أيْ: قابِلُونَ لِلْكَذِبِ، لِأنَّ الإنْسانَ يَسْمَعُ الحَقَّ والباطِلَ، ولَكِنْ يُقالُ: ”لا تَسْمَعْ مِن فُلانٍ قَوْلَهُ“، أيْ: لا تَقْبَلْ قَوْلَهُ، ومِنهُ ”سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ“، أيْ: تَقَبَّلَ اللَّهُ حَمْدَهُ، فَتَأْوِيلُهُ أنَّهم يَقْبَلُونَ الكَذِبَ، والوَجْهُ الآخَرُ في سَمّاعُونَ أنَّ مَعْناهُ أنَّهم يَسْمَعُونَ مِنكَ لِيَكْذِبُوا عَلَيْكَ، وذَلِكَ أنَّهم إذا جالَسُوهُ تَهَيَّأ أنْ يَقُولُوا: ”سَمِعْنا مِنهُ كَذا وكَذا“ .
(p-١٧٥)﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾، أيْ: هم مُسْتَمِعُونَ مِنكَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ ﴿لَمْ يَأْتُوكَ﴾، أيْ: هم عُيُونٌ لِأُولَئِكَ الغُيَّبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ ”سَمّاعُونَ“، عَلى مَعْنى ”وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ“، فَيَكُونَ الإخْبارُ أنَّ السَّمّاعِينَ مِنهُمْ، ويَرْتَفِعُ ”مِنهم“، كَما تَقُولُ: ”في قَوْمِكَ عُقَلاءُ“، هَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هَذا يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ أنْ وضَعَهُ اللَّهُ مَوْضِعَهُ، أيْ: فَرَضَ فُرُوضَهُ، وأحَلَّ حَلالَهُ، وحَرَّمَ حَرامَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، إنْ أُوتِيتُمْ هَذا الحُكْمَ المُحَرَّفَ فَخُذُوهُ، وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا، أيْ: اِحْذَرُوا إنْ أفْتاكُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِغَيْرِ ما حَدَّدْنا لَكُمْ، فاحْذَرُوا أنْ تَعْمَلُوا بِهِ، وكانَ السَّبَبُ في هَذا فِيما رُوِيَ «أنَّ الزِّنا كَثُرَ في أشْرافِ اليَهُودِ وخَيْبَرَ، وكانَ في التَّوْراةِ أنَّ عَلى المُحْصَنَيْنِ الرَّجْمَ، فَزَنى رَجُلٌ وامْرَأةٌ، فَطَمِعَتِ اليَهُودُ أنْ يَكُونَ نُزِّلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ الجَلْدُ في المُحْصَنَيْنِ، وكانُوا قَدْ حَرَّفُوا، وصارُوا يَجْلِدُونَ المُحْصَنَيْنِ، ويَسَوِّدُونَ وُجُوهَهُما، فَأوْحى اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهم يَسْتَفْتُونَهُ في أمْرِ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ، وأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهم عَنْ أعْلَمِهِمْ بِالتَّوْراةِ، فَأعْلَمُوهُ أنَّهُ لَيْسَ بِحاضِرٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ ”قَدْ عَلِمْتُ“، وكانَ جِبْرِيلُ قَدْ أعْلَمَهُ مَكانَهُ فَأمَرَهم أنْ يُحْضِرُوهُ، فَأحْضَرُوهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ أنْ يَسْتَحْلِفَهم (p-١٧٦)لَيَصْدُقُنَّهُ، فَلَما حَضَرَ عالِمُهم قالَ لَهُ النَّبِيُّ: ”أسَألُكَ بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، ورَفَعَ فَوْقَكُمُ الطُّورَ، وفَلَقَ لَكُمُ البَحْرَ، هَلْ في التَّوْراةِ أنْ يُرْجَمَ المُحْصَنانِ إذا زَنَيا؟“، قالَ: نَعَمْ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ سَفَلَةُ اليَهُودِ، فَقالَ: خِفْتُ إنْ كَذَّبْتُهُ أنْ يَنْزِلَ بِنا عَذابٌ،» ويُقالُ: إنَّ الَّذِي سَألَهُ النَّبِيُّ ﷺ ابْنُ صُورِيّا اليَهُودِيُّ، وكانَ حَدِيثَ السِّنِّ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”أنْتَ أعْلَمُ قَوْمِكَ بِالتَّوْراةِ؟“، قالَ: كَذا يَقُولُونَ، وكانَ هو المُخْبِرَ لَهُ بِأنَّ الرَّجْمَ فِيها، وأنَّهُ ساءَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أشْياءَ كانَ يَعْرِفُها مِن أعْلامِهِ، فَلَمّا أنْبَأهُ النَّبِيُّ ﷺ بِها قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ المُرْسَلُونَ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ مِن أمْرِ الزّانِيَيْنِ مَشْهُورٌ في رِوايَةِ المُفَسِّرِينَ، وهو يُبَيِّنَ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، والقائِلُ يَقُولُ: ما تَفْسِيرُ هَذا؟ فَلِذَلِكَ شَرَحْناهُ، وبِاللَّهِ الحَوْلُ والقُوَّةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾، قِيلَ: فَضِيحَتَهُ، وقِيلَ أيْضًا: كُفْرَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: اِخْتِبارَهُ بِما يَظْهَرُ بِهِ أمْرُهُ، يُقالُ: ”فَتَنْتُ الحَدِيدَ“، إذا أحْمَيْتُهُ، و”فَتَنْتُ الرَّجُلَ“، إذا أزَلْتُهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٧٣]، أيْ: وإنْ كادُوا لَيُزِيلُونَكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، أيْ: أنْ يُهِينَهُمُ، ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ (p-١٧٧)قِيلَ: لَهم في الدُّنْيا فَضِيحَةٌ بِما أظْهَرَ اللَّهُ مِن كَذِبِهِمْ، وقِيلَ: لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ.
المائدة 5:42
ثُمَّ عادَ - عَزَّ وجَلَّ - في وصْفِهِمْ، فَقالَ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾، ويُقْرَأُ: ”لِلسُّحُتِ“، جَمِيعًا، تَأْوِيلُهُ أنَّ الرِّشا الَّتِي يَأْكُلُونَها يُعاقِبُهُمُ اللَّهُ بِها أنْ يُسْحِتَهم بِعَذابٍ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١]، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ [النساء: ١٠]، أيْ: يَأْكُلُونَ ما عاقِبَتُهُ النّارُ، يُقالُ: ”سَحَتَهُ، وأسْحَتَهُ“، إذا اسْتَأْصَلَهُ، وقالَ بَعْضُهم: ”سَحَتَهُ“: أذْهَبَهُ قَلِيلًا قَلِيلًا إلى أنِ اسْتَأْصَلَهُ، ومِثْلُ ”أسْحَتَهُ“، قَوْلُ الفَرَزْدَقِ:
؎وَعَضُّ زَمانٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ ∗∗∗ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”سَحَتَهُ“، و”أسْحَتَهُ“، إذا اسْتَأْصَلَهُ، كانَ ذَلِكَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، أوْ كانَ دَفْعَةً واحِدَةً.
وَقَوْلُهُ ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، أجْمَعَتِ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُخَيَّرٌ بِها في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وقِيلَ في بَعْضِ الأقاوِيلِ: إنَّ التَّخْيِيرَ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]
وَقَوْلُهُ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾، أيْ: اَلْعَدْلِ.
المائدة 5:44
(p-١٧٨)وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾، أيْ: فِيها نُورٌ، أيْ: بَيانٌ أنَّ أمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَقٌّ، وفِيها بَيانُ الحُكْمِ الَّذِي جاؤُوا يَسْتَفْتُونَ فِيهِ النَّبِيَّ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، عَلى مَعْنى: ”إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ لِلَّذِينِ هادُوا، يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا والرَّبّانِيُّونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾، أيْ: يَحْكُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِيما سَألُوهُ بِما في التَّوْراةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾، لِلَّذِينِ تابُوا، أيْ: اَلنَّبِيُّونَ والرَّبّانِيُّونَ هُمُ العُلَماءُ والأحْبارُ، وهُمُ العُلَماءُ الخُيّارُ، يَحْكُمُونَ لِلتّائِبِينَ مِنَ الكُفْرِ، ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾، أيْ: اِسْتُودِعُوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، أيْ: مَن زَعَمَ أنَّ حُكْمًا مِن أحْكامِ اللَّهِ الَّتِي أتَتْ بِها الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - باطِلٌ، فَهو كافِرٌ، أجْمَعَتِ الفُقَهاءَ أنَّ مَن قالَ: إنَّ المُحْصَنَيْنِ لا يَجِبُ أنْ يُرْجَما إذا زَنَيا، وكانا حُرَّيْنِ، كافِرٌ، وإنَّما كُفِّرَ مَن رَدَّ حُكْمًا مِن أحْكامِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهُ مُكَذِّبٌ لَهُ، ومَن كَذَّبَ النَّبِيَّ فَهو كافِرٌ.
المائدة 5:45
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾، أيْ: في التَّوْراةِ، ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾، ورُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ قَرَأ: ”والعَيْنُ بِالعَيْنِ“، والقِراءَةُ: ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ (p-١٧٩)بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ، جَمِيعًا، لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ في ذَلِكَ، فَمَن قَرَأ: ”اَلْعَيْنَ بِالعَيْنِ“، أرادَ ”أنَّ العَيْنَ بِالعَيْنِ“، ومَن قَرَأ: ”والعَيْنُ بِالعَيْنِ“، فَرَفْعُهُ عَلى وجْهَيْنِ، عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ”اَلنَّفْسَ بِالنَّفْسِ“، والعامِلِ فِيها، المَعْنى: ”وَكَتَبْنا عَلَيْهِمُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ“، أيْ: ”قُلْنا لَهم: اَلنَّفْسُ بِالنَّفْسِ“، ويَجُوزُ كَسْرُ ”إنَّ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”اَلْعَيْنُ بِالعَيْنِ“، ورَفْعُهُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وفِيها وجْهٌ آخَرُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى المُضْمَرِ في ”اَلنَّفْسَ“، لِأنَّ المُضْمَرَ في ”اَلنَّفْسَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”أنَّ النَّفْسَ مَأْخُوذَةٌ هي بِالنَّفْسِ“، و”اَلْعَيْنُ“، مَعْطُوفَةٌ عَلى ”هي“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾، قالَ بَعْضُهم: مَن تَصَدَّقَ بِهِ، أيْ: بِحَقِّهِ، فَهو كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ، إذا تَرَكَ المَجْرُوحُ حَقَّهُ رُفِعَ القِصاصُ عَنِ الجارِحِ، وقالَ بَعْضُهم: هو كَفّارَةٌ لِلْمَجْرُوحِ، أيْ: يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ بِعَفْوِهِ ما سَلَفَ مِن ذُنُوبِهِ.
المائدة 5:48
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، رَواها بَعْضُهم: ”وَمُهَيْمَنًا“، بِفَتْحِ المِيمِ الثّانِيَةِ، وهي عَرَبِيَّةٌ، ولا أُحِبُّ القِراءَةَ بِها، لِأنَّ الإجْماعَ في القِراءَةِ عَلى كَسْرِ المِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: وشاهِدًا عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: رَقِيبًا عَلَيْهِ، وقالَ (p-١٨٠)بَعْضُهم: مَعْناهُ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمُهَيْمِنُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ في الكُتُبِ القَدِيمَةِ، وقالَ بَعْضُهم: ”مُهَيْمِنٌ“، في مَعْنى ”مُؤْتَمَنٌ“، إلّا أنَّ الهاءَ بَدَلٌ مِنَ الهَمْزَةِ، والأصْلُ ”مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ“، كَما قالُوا: ”هَرَقْتُ الماءَ“، و”أرَقْتُ الماءَ“، وكَما قالُوا: ”إيّاكَ“، و”هِيّاكَ“، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وهو عَلى مَذْهَبِ العَرَبِيَّةِ حَسَنٌ ومُوافِقٌ لِبَعْضِ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ، لِأنَّ مَعْناهُ: ”مُؤْتَمَنٌ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ﴾ [المائدة: ٤٧]، قُرِئَتْ بِإسْكانِ اللّامِ، وجَزْمِ المِيمِ، عَلى مَذْهَبِ الأمْرِ، وقُرِئَتْ: ”وَلِيَحْكُمَ“، بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِ المِيمِ، عَلى مَعْنى ”وَلِأنْ يَحْكُمَ“، ويَجُوزَ كَسْرُ اللّامِ مَعَ الجَزْمِ: ”وَلِيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ“، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما عَلِمْتُ، والأصْلُ كانَ كَسْرَ اللّامِ، ولَكِنَّ الكَسْرَةَ حُذِفَتِ اسْتِثْقالًا، و”اَلْإنْجِيلِ“، اَلْقِراءَةُ فِيهِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ورُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ: ”اَلْأنْجِيلِ“، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وهَذِهِ قَوْلَةٌ ضَعِيفَةٌ، لِأنَّ ”أنْجِيلٌ“، ”أفْعِيلٌ“، ولَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ هَذا المِثالُ، و”إنْجِيلٌ“، ”إفْعِيلٌ“، مِن ”اَلنَّجْلُ“، وهو الأصْلُ، ولِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: إنَّ ”إنْجِيلٌ“، اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ فَلا يُنْكَرُ أنْ يَقَعَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، لِأنَّ كَثِيرًا مِنَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ تُخالِفُ أمْثِلَةَ العَرَبِ، نَحْوَ ”آجُرُّ“، و”إبْراهِيمُ“، و”هابِيلُ“، و”قابِيلُ“، فَلا يُنْكَرُ أنْ يَجِيءَ ”أنْجِيلٌ“، وإنَّما كَرِهْتُ القِراءَةَ بِها لِأنَّ إسْنادَها عَنِ الحَسَنِ لا أدْرِي هَلْ هو مِن ناحِيَةٍ يُوثَقُ بِها، أمْ لا.
المائدة 5:50
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾، أيْ: تَطْلُبُ اليَهُودُ في حُكْمِ الزّانِيَيْنِ حُكْمًا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ، وهو أهْلُ الكِتابِ، كَما تَفْعَلُ الجاهِلِيَّةُ.
وَقَوْلُهُ:﴿وَمَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، (p-١٨١)أيْ: مَن أيْقَنَ تَبَيَّنَ عَدْلَ اللَّهِ وحُكْمَهُ، و”حُكْمًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ.
المائدة 5:51
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾، أيْ: مَن عاضَدَهم عَلى المُسْلِمِينَ فَإنَّهُ مِمَّنْ عاضَدَهُ.
المائدة 5:52
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾، و”اَلْمَرَضُ“، هَهُنا: اَلنِّفاقُ في الدِّينِ، ومَعْنى ”يُسارِعُونَ فِيهِمْ“، أيْ: في مُعاوَنَتِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾، أيْ: نَخْشى ألّا يَتِمَّ الأمْرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، ومَعْنى ”دائِرَةٌ“: أيْ: يَدُورُ الأمْرُ عَنْ حالِهِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾، أيْ: فَعَسى اللَّهُ أنْ يُظْهِرَ المُسْلِمِينَ، و”عَسى“، مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - واجِبَةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾، أيْ: أوْ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإظْهارِ أمْرِ المُنافِقِينَ بِقَتْلِهِمْ، ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾
المائدة 5:53
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾، أيْ: يَقُولُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ باطِنُهم وظاهِرُهم واحِدٌ: أهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَلَفُوا، وأكَدُّوا أيْمانَهم: إنَّهم مُؤْمِنُونَ، وإنَّهم مَعَكُمْ، أعْوانُكم عَلى مَن خالَفَكُمْ؟ ﴿حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، (p-١٨٢)أيْ: ذَهَبَ ما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ، وبَطَلَ كُلُّ خَيْرٍ عَمِلُوهُ بِكُفْرِهِمْ وصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، اَلْمَعْنى: ويَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ، أيْ: في وقْتٍ يُظْهِرُ اللَّهُ نِفاقَهم فِيهِ.
المائدة 5:54
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾، فِيها مِنَ العَرَبِيَّةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”مَن يَرْتَدِدْ“، و”مَن يَرْتَدَّ“، بِفَتْحِ الدّالِ، و”مَن يَرْتَدِّ مِنكم“، بِكَسْرِ الدّالِ، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ الكَسْرُ لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ أنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وأمّا ”مَن يَرْتَدِدْ“، فَهو الأصْلُ، لِأنَّ التَّضْعِيفَ إذا سُكِّنَ الثّانِي مِنَ المُضَعَّفَيْنِ، ”ظَهَرَ التَّضْعِيفُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، ولَوْ قُرِئَتْ:“ إنْ يَمَسَّكم قَرْحٌ ”، كانَ صَوابًا، ولَكِنْ لا تَقْرَأنَّ بِهِ، لِمُخالَفَتِهِ المُصْحَفَ، ولِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ نافِعٍ وأهْلِ الشّامِ:“ يَرْتَدِدْ ”، بِدالَيْنِ، ومَوْضِعُ“ يَرْتَدَّ ”، جَزْمٌ، والأصْلُ كَما قُلْنا:“ يَرْتَدِدْ ”، وأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وحُرِّكَتِ الثّانِيَةُ بِالفَتْحِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: إنَّهم كَرِهُوا اجْتِماعَ حَرْفَيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ، وأحْسَبُهُ غَلِطَ، لِأنَّ اجْتِماعَ حَرْفَيْنِ مُتَحَرِّكَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ أكْثَرُ في الكَلامِ مِن أنْ يُحْصى، نَحْوَ:“ شَرَرٌ ”، و“ مَدَدٌ ”، و“ قِدَدٌ ”، و“ خُدَدٌ ”، والكَسْرُ في قَوْلِهِ:“ مَن يَرْتَدِّ ”، يَجُوزُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّهُ أصْلٌ، والفاءُ جَوابٌ لَلْجَزاءِ، أيْ:“ إنِ ارْتَدَّ أحَدٌ عَنْ دِينِهِ "، أيْ: اَلَّذِي هو الإيمانُ.
(p-١٨٣)﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾، أيْ: بِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، غَيْرِ مُنافِقِينَ، ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: جانِبُهم لَيِّنٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، لَيْسَ أنَّهم أذِلّاءُ مُهانُونَ، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾، أيْ: جانِبُهم غَلِيظٌ عَلى الكافِرِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُراقِبُونَ الكُفّارَ، ويُظاهِرُونَهُمْ، ويَخافُونَ لَوْمَهُمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الصَّحِيحَ الإيمانِ لا يَخافُ في نُصْرَةِ الدِّينِ بِيَدِهِ، ولا لِسانِهِ، لَوْمَةَ لائِمٍ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بِتَسْدِيدِهِ، وتَوْفِيقِهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾، أيْ: مَحَبَّتُهم لِلَّهِ، ولِينُ جانِبِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وشِدَّتُهم عَلى الكافِرِينَ، فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ، لا تَوْفِيقَ لَهم إلّا بِهِ - عَزَّ وجَلَّ.
المائدة 5:55
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾، بَيَّنَ مَن هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، وإقامَتُها تَمامُها بِجَمِيعِ فَرْضِها، وأوَّلُ فُرُوضِها صِحَّةُ الإيمانِ بِها، وهَذا كَقَوْلِكَ: ”فُلانٌ قائِمٌ بِعِلْمِهِ الَّذِي ولِيَهُ“، تَأْوِيلُهُ: إنَّهُ يُوَفِّي العَمَلَ حُقُوقَهُ، ومَعْنى (p-١٨٤)”يُقِيمُونَ“: مِن قَوْلِكَ: ”هَذا قِوامُ الأمْرِ“، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]، فَمَخْفُوضٌ عَلى نَعْتِ ”قَوْمٍ“، وإنْ شِئْتَ كانَتْ نَصْبًا عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما الحالُ، عَلى مَعْنى ”يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ“، في حالِ تَذَلُّلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ، وتَعَزُّزِهِمْ عَلى الكافِرِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى المَدْحِ.
فَأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، أيْ: قَفَّيْنا عَلى آثارِ الرُّسُلِ بِعِيسى، أيْ: جَعَلْناهُ يَقْفُوهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦]، أيْ: لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّوْراةِ، ونُصِبَ ”مُصَدِّقًا“، عَلى الحالِ، وهو جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن صِفَةِ ”اَلْإنْجِيلَ“، فَهو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”وَآتَيْناهُ“، اَلْمَعْنى: ”آتَيْناهُ الإنْجِيلَ مُسْتَقِرًّا فِيهِ هُدًى ونُورٌ ومُصَدِّقًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ”عِيسى“، اَلْمَعْنى: ”وَآتَيْناهُ الإنْجِيلَ هادِيًا ومُصَدِّقًا“، لِأنَّهُ إذا قِيلَ: ”آتَيْناهُ الإنْجِيلَ فِيهِ هُدًى“، فالَّذِي أتى بِالهُدى هو هادٍ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”وَقَفَّيْنا بِعِيسى آتِيًا بِالإنْجِيلِ وهادِيًا ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ“، والدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ مِن صِفَةِ ”عِيسى“، قَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [الصف: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، قالَ بَعْضُهم: ”اَلشِّرْعَةُ“: اَلدِّينُ، و”اَلْمِنهاجُ“: اَلطَّرِيقُ، وقِيلَ: ”اَلشِّرْعَةُ“، و”اَلْمِنهاجُ“، جَمِيعًا: اَلطَّرِيقُ، والطَّرِيقُ هَهُنا: اَلدِّينُ، ولَكِنَّ اللَّفْظَ إذا اخْتَلَفَ أُتِيَ مِنهُ بِألْفاظٍ تُؤَكَّدُ بِها القِصَّةُ، والأمْرُ، نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: (p-١٨٥)
؎حُيِّيتَ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ ∗∗∗ أقْوى وأقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
فَإنَّ مَعْنى ”أقْوى وأقْفَرَ“، يَدُلُّ عَلى الخَلْوَةِ، إلّا أنَّ اللَّفْظَيْنِ أوْكَدُ في الخُلُوِّ مِن لَفْطٍ واحِدٍ، وقالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”شِرْعَةً“، مَعْناها: اِبْتِداءَ الطَّرِيقِ، و”اَلْمِنهاجُ“: اَلطَّرِيقُ المُسْتَمِرُّ، قالَ: وهَذِهِ الألْفاظُ إذا تَكَرَّرَتْ في مِثْلِ هَذا فَلِلزِّيادَةِ في الفائِدَةِ، قالَ: وكَذَلِكَ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرْضٌ بِها هِنْدُ ∗∗∗ وهِنْدٌ أتى مِن دُونِها النَّأْيُ والبُعْدُ
قالَ: ”اَلنَّأْيُ“، لِكُلِّ ما قَلَّ بُعْدُهُ مِنكَ أوْ كَثُرَ، كَأنَّهُ يَقُولُ: ”اَلنَّأْيُ“: اَلْمُفارَقَةُ، قَلَّتْ، أوْ كَثُرَتْ، و”اَلْبُعْدُ“، إنَّما يُسْتَعْمَلُ في الشَّيْءِ البَعِيدِ، ومَعْنى البَعِيدِ عِنْدَهُ ما كَثُرَتْ مَسافَةُ مُفارَقَتِهِ، وكَأنَّهُ يَقُولُ لِما قَرُبَ مِنهُ: هو ناءٍ عَنِّي، وكَذَلِكَ لِما بَعُدَ عَنْهُ، و”اَلنَّأْيُ“، عِنْدَهُ: اَلْمُفارَقَةُ.
المائدة 5:57
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾، ”هُزُؤًا“، فِيهِ لُغاتٌ، إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”هُزُؤًا“، بِضَمِّ الزّايِ، وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، وهو الأصْلُ، والأجْوَدُ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”هُزُوًا“، وأبْدَلْتَ مِنَ الهَمْزَةِ واوًا، لِانْضِمامِ ما قَبْلَها، وأنَّها مَفْتُوحَةٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”هُزْءًا“، بِإسْكانِ الزّاي، وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ، فَهَذِهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ جَيِّدَةٌ يُقْرَأُ بِهِنَّ، وفِيها وجْهٌ آخَرُ، ولا تَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، وهو أنْ يَقُولَ: ”هُزًا“، مِثْلَ: ”هُدًى“، وذَلِكَ يَجُوزُ إذا أرَدْتَ تَخْفِيفَ هَمْزَةِ (p-١٨٦)”هُزْءٌ“، فِيمَن أسْكَنَ الزّايَ، أنْ يَقُولَ: ”هُزًا“، تُطْرَحُ حَرَكَتُها عَلى الزّايِ، كَما تَقُولُ: رَأيْتُ ”خَبًا“، تُرِيدُ ”خَبْئًا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ﴾، اَلنَّصْبُ فِيهِ عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾، أيْ، ولا تَتَّخِذُوا الكُفّارَ أوْلِياءَ، ويَجُوزُ: ”والكُفّارِ أوْلِياءَ“، عَلى العَطْفِ عَلى ”اَلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ“، اَلْمَعْنى: ”مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الكُفّارِ أوْلِياءَ“ .
المائدة 5:59
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾، يُقالُ: ”نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ، أنْقِمُ“، و”نَقِمْتُ عَلَيْهِ، أنْقَمُ“، والأجْوَدُ: ”نَقَمْتُ، أنْقِمُ“، وكَذَلِكَ الأكْثَرُ في القِراءَةِ: ﴿وَما نَقَمُوا مِنهم إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ [البروج: ٨]، وأُنْشِدَ بَيْتُ ابْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
؎ما نَقِمُوا مِن أُمَيَّةَ إلّا ∗∗∗ أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا
بِالفَتْحِ، والكَسْرِ: ”نَقَمُوا“، و”نَقِمُوا“، ومَعْنى ”نَقَمْتُ“: بالَغْتُ في كَراهَةِ الشَّيْءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ﴾، اَلْمَعْنى: هَلْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا وفِسْقَكُمْ، أيْ: إنَّما كَرِهْتُمْ إيمانَنا، (p-١٨٧)وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنّا عَلى حَقٍّ، لِأنَّكم فَسَقْتُمْ، بِأنْ أقَمْتُمْ عَلى دِينِكُمْ، لِمَحَبَّتِكُمُ الرِّياسَةَ، وكَسْبِكم بِها الأمْوالَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: وكَيْفَ يَعْلَمُ عالِمٌ أنَّ دِينًا مِنَ الأدْيانِ حَقٌّ فَيُؤْثِرُ الباطِلَ عَلى الحَقِّ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ أكْثَرَ ما نُشاهِدُهُ كَذَلِكَ، مِن ذَلِكَ أنَّ الإنْسانَ يَعْلَمُ أنَّ القَتْلَ يُورِدُ النّارَ، فَيَقْتُلُ، إمّا إيثارًا لِشِفاءِ غَيْظِهِ، أوْ لِأخْذِ مالٍ، ومِنها أنَّ إبْلِيسَ قَدْ عَلِمَ أنَّ اللَّهَ يُدْخِلُهُ النّارَ بِمَعْصِيَتِهِ، فَآثَرَ هَواهُ عَلى قُرْبِهِ مِنَ اللَّهِ، وعَمِلَ عَلى دُخُولِ النّارِ، وهَذا بابٌ بَيِّنٌ.
المائدة 5:60
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِشَرٍّ مِمّا نَقَمْتُمْ مِن إيمانِنا ثَوابًا، و”مَثُوبَةً“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: إنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، وإنْ شِئْتَ كانَ جَرًّا، فَأمّا مَن جَرَّ فَيَجْعَلُهُ بَدَلًا مِن ”شَرٍّ“، اَلْمَعْنى: ”أُنَبِّئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ“، و”مَن“، رَفْعٌ، فَبِإضْمارِ ”هو“، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ”مَن ذَلِكَ؟“، فَقِيلَ: ”هو مَن لَعَنَهُ اللَّهُ“، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ﴾ [الحج: ٧٢]، كَأنَّهُ قالَ: ”هي النّارُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾، ”اَلطّاغُوتُ“، هو الشَّيْطانُ، وتَأْوِيلُ ”وَعَبَدَ الطّاغُوتَ“: أطاعَهُ فِيما سَوَّلَ لَهُ، وأغْراهُ بِهِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَعَبْدَ الطّاغُوتِ“، والَّذِي أخْتارُ: ”وَعَبَدَ الطّاغُوتَ“، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”وَعَبَدُوا الطّاغُوتَ“، وهَذا يُقَوِّي ”وَعَبَدَ الطّاغُوتَ“، ومَن قالَ: ”وَعَبُدَ الطّاغُوتِ“، فَضَمَّ الباءَ، وجَرَّ ”اَلطّاغُوتِ“، فَإنَّهُ عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ لَيْسَ بِالوَجْهِ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّ ”عَبُدَ“، عَلى ”فَعُلَ“، ولَيْسَ هَذا (p-١٨٨)مِن أمْثِلَةِ الجَمْعِ، لِأنَّهم فَسَّرُوهُ ”خَدَمَ الطّاغُوتِ“، والثّانِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى ”وَجَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ“، فَأمّا مَن قَرَأ: ”وَعُبُدَ الطّاغُوتِ“، فَهو جَمْعُ ”عَبِيدٌ“، و”عُبُدٌ“، مِثْلَ: ”رَغِيفٌ“، و”رُغُفٌ“، و”سَرِيرٌ“، و”سُرُرٌ“، ويَكُونُ عَلى مَعْنى ”وَجَعَلَ مِنهم عُبُدَ الطّاغُوتِ“، عَلى ”جَعَلْتُ زَيْدًا أخاكَ“، أيْ: ”نَسَبْتُهُ إلَيْكَ“، ووَجْهُ ”وَعَبُدَ الطّاغُوتِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، وضَمِّ الباءِ، أنَّ الِاسْمَ يُبْنى عَلى ”فَعُلَ“، كَما قالُوا: ”عَلُمٌ زَيْدٌ“، وكَما أقُولُ: ”رَجُلٌ حَذُرٌ“، تَأْوِيلُ ”حَذُرٌ“، أنَّهُ مُبالِغٌ في الحَذَرِ، فَتَأْوِيلُ ”عَبُدَ“، أنَّهُ بَلَغَ الغايَةَ في طاعَةِ الشَّيْطانِ، وكَأنَّ اللَّفْظَ لَفْظٌ واحِدٌ، يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، كَما تَقُولُ لِلْقَوْمِ: ”مِنكم عَبُدُ العَصا“، تُرِيدُ ”مِنكم عَبِيدُ العَصا“، ويَجُوزُ بَعْدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأوْجُهِ الرَّفْعُ في قَوْلِهِ: ”وَعَبُدَ الطّاغُوتِ“، فَيَقُولُ: ”وَعَبُدُ الطّاغُوتِ“، وكَذَلِكَ ”وَعُبُدُ الطّاغُوتِ“، بِالرَّفْعِ، ولا تَقْرَأنَّ بِهَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، وإنْ كانا جائِزَيْنِ، لِأنَّ القِراءَةَ لا تُبْتَدَعُ عَلى وجْهٍ يَجُوزُ، وإنَّما سَبِيلُ القِراءَةِ اتِّباعُ مَن تَقَدَّمَ، فَيَجُوزُ رَفْعُ ”وَعَبُدُ الطّاغُوتِ“، ”وَعُبُدُ الطّاغُوتِ“، عَلى مَعْنى الذَّمِّ، والمَعْنى: ”وَهم عُبُدُ الطّاغُوتِ“، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾، دَلَّ الكَلامُ عَلى اتِّباعِهِمُ الشَّياطِينَ، فَقِيلَ: ”وَهم عُبُدُ الطّاغُوتِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن ”مَن“، في رَفْعِ ”مَن“، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ”مِنهم مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، وغَضِبَ عَلَيْهِ“، قِيلَ: ”هم عَبُدُ الطّاغُوتِ“، و”عُبُدُ الطّاغُوتِ“، ويَجُوزُ في الكَلامِ أيْضًا: ”وَعَبْدَ الطّاغُوتِ“، بِإسْكانِ الباءِ، وفَتْحِ الدّالِ، ويَكُونُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مُخَفَّفًا مِن ”عَبُدَ“، كَما يُقالُ في ”عَضُدٌ“: ”عَضْدٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”عَبْدَ“، اِسْمًا واحِدًا يَدُلُّ عَلى الجِنْسِ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ في ”عَبْدَ“، اَلرَّفْعُ، (p-١٨٩)والنَّصْبُ، مِن جِهَتَيْنِ، كَما وصَفْنا في ”عَبُدَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى ”وَجَعَلَ مِنهم عَبْدَ الطّاغُوتِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الذَّمِّ، عَلى ”أعْنِي عَبْدَ الطّاغُوتِ“، ويَجُوزُ في ”وَعَبْدَ“، ”وَعَبُدَ“، ”وَعُبُدَ“، اَلْجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن ”مَن“، ويَكُونُ المَعْنى: ”هَلْ أُنَبِّئُكم بِمَن لَعَنَهُ اللَّهُ وعَبْدِ الطّاغُوتِ“، ولا يَجُوزُ القِراءَةُ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ إلّا بِالثَّلاثَةِ الَّتِي رُوِيَتْ، وقَرَأ بِها القُرّاءُ، وهي ”عَبَدَ الطّاغُوتَ“، وهي أجْوَدُها، ثُمَّ ”وَعَبُدَ الطّاغُوتِ“، ثُمَّ ”وَعُبُدَ الطّاغُوتِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم شَرٌّ مَكانًا، وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، أيْ: عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ، و”مَكانًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ.
المائدة 5:63
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾، وهم عُلَماؤُهُمْ، ورُؤَساؤُهُمْ، و”اَلْحَبْرُ“: اَلْعالِمُ، و”اَلْحِبْرُ“: اَلْمِدادُ، بِالكَسْرِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ رُؤَساءَهم وسِفْلَتَهم مُشْتَرِكُونَ في الكُفْرِ، ومَعْنى: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ هَلّا يَنْهاهُمْ؟
المائدة 5:64
ثُمَّ أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - بِعَظِيمِ فِرْيَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: قالُوا: يَدُهُ مُمْسِكَةٌ عَنْ الِاتِّساعِ عَلَيْنا، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]، تَأْوِيلُهُ: لا تُمْسِكْها عَنِ الإنْفاقِ، قالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ“: نِعْمَتُهُ مَقْبُوضَةٌ عَنّا، وهَذا القَوْلُ خَطَأٌ يَنْقُضُهُ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: بَلْ نِعْمَتاهُ مَبْسُوطَتانِ، ونِعَمُ اللَّهِ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى.
(p-١٩٠)وَقالَ بَعْضُهم: وقالُوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ عَنْ أعْدائِنا، أيْ: لا يُعَذِّبُنا، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّما أُجِيبُوا عَلى قَدْرِ كَلامِهِمْ، كَما قالُوا: ”يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ“، يُرِيدُونَ بِهِ تَبْخِيلَ اللَّهِ، فَقِيلَ: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾، أيْ: هو جَوادٌ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ، ومَعْنى ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: جُعِلُوا بُخَلاءَ، فَهم أبْخَلُ قَوْمٍ، وقِيلَ: ”غُلَّتْ أيْدِيهِمْ“، أيْ: غُلَّتْ في نارِ جَهَنَّمَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾، أيْ: كُلَّما نَزَلَ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كَفَرُوا بِهِ، فَيَزِيدُ كُفْرُهم والطُّغْيانُ الغُلُوَّ والكُفْرَ هُناكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، جَعَلَهُمُ اللَّهُ مُخْتَلِفِينَ في دِينِهِمْ، مُتَباغِضِينَ، كَما قالَ: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤]، فَألْقى اللَّهُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ، وهي أحَدُ الأسْبابِ الَّتِي أذْهَبَ اللَّهُ بِها جَدَّهم وشَوْكَتَهم.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾، هَذا مَثَلٌ، أيْ: كُلَّما جَمَعُوا عَلى النَّبِيِّ والمُسْلِمِينَ، وأعَدُّوا لِحَرْبِهِمْ، فَرَّقَ اللَّهُ جَمْعَهُمْ، وأفْسَدَ ذاتَ بَيْنِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾، (p-١٩١)أيْ: يَجْتَهِدُونَ في دَفْعِ الإسْلامِ، ومَحْوِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِن كُتُبِهِمْ.
المائدة 5:66
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾، أيْ: لَوْ عَمِلُوا بِما فِيهِما، ولَمْ يَكْتُمُوا ما عَلِمُوا مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِما، ﴿وَما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - القُرْآنُ، أيْ: لَوْ عَمِلُوا بِما في هَذِهِ الكُتُبِ مِن ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ، وأظْهَرُوا أمْرَهُ، ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾، قِيلَ: إنَّهُ كانَ أصابَهم جَدْبٌ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم لَوِ اتَّقُوا لَأوْسَعَ عَلَيْهِمْ في رِزْقِهِمْ، ودَلَّ بِهَذا عَلى ما أصابَهم مِنَ الجَدْبِ فِيما عاقَبَهم بِهِ، ومَعْنى ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾، أيْ: لَأكَلُوا مِن قَطْرِ السَّماءِ، ﴿وَمِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾، مِن نَباتِ الأرْضِ، وقِيلَ: قَدْ يَكُونُ هَذا مِن جِهَةِ التَّوْسِعَةِ، كَما تَقُولُ: ”فُلانٌ في خَيْرٍ مِن قَرْنِهِ إلى قَدَمِهِ“، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ التُّقى سَعَةٌ في الرِّزْقِ، فَقالَ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥]، وقالَ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣]، وقالَ في قِصَّةِ نُوحٍ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ [نوح: ١٢]، وهي البَساتِينُ، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ أتَمَّ الغِنى عَلى الإيمانِ والِاسْتِغْفارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾، (p-١٩٢)أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ، قالَ بَعْضُهم: يُعْنى بِهَذا مَن آمَنُ مِنهُمْ، وقِيلَ: يُعْنى بِهِ طائِفَةٌ لَمْ تُناصِبِ النَّبِيَّ ﷺ مُناصَبَةَ هَؤُلاءِ، والَّذِي أظُنُّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لا يُسَمِّي اللَّهُ مَن كانَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الكُفْرِ مُقْتَصِدًا، ﴿وَكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: بِئْسَ شَيْئًا عَمَلُهم.
المائدة 5:67
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾، وتُقْرَأُ: ”رِسالاتِهِ“، والمَعْنى: بَلِّغْ جَمِيعَ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ، وإنْ تَرَكْتَ مِنهُ شَيْئًا فَما بَلَّغْتَ، أيْ: لا تُراقِبَنَّ أحَدًا، ولا تَتْرُكَنَّ شَيْئًا مِن ذَلِكَ خَوْفًا مِن أنْ يَنالَكَ مَكْرُوهٌ، ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾، أيْ: يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَنالَكَ مِنهم مَكْرُوهٌ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ يَسْلَمْ مِنهُمْ، وفي هَذا آيَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَيِّنَةٌ.
المائدة 5:69
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ والنَّصارى مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، اِخْتَلَفَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِ رَفْعِ ”اَلصّابِئُونَ“، فَقالَ بَعْضُهم: نَصْبُ ”إنَّ“، ضَعُفَ، فَنُسِقَ بِـ ”اَلصّابِئُونَ“، عَلى ”اَلَّذِينَ“، لِأنَّ الأصْلَ فِيهِمُ الرَّفْعُ، وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ، وقالَ الفَرّاءُ مِثْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ ذَكَرَ أنَّ هَذا يَجُوزُ في النَّسَقِ عَلى مِثْلِ ”اَلَّذِينَ“، وعَلى المُضْمَرِ، يَجُوزُ: ”إنِّي وزِيدٌ قائِمانِ“، وأنَّهُ لا يُجِيزُ ”إنَّ زَيْدًا وعَمْرٌو قائِمانِ“، وهَذا التَّفْسِيرُ إقْدامٌ عَظِيمٌ عَلى كِتابِ اللَّهِ، وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ نَصْبَ (p-١٩٣)”“ إنَّ ”، ضَعِيفٌ، لِأنَّها إنَّما تُغَيِّرُ الِاسْمَ، ولا تُغَيِّرُ الخَبَرَ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ“ إنَّ ”، عَمِلَتْ عَمَلَيْنِ، النَّصْبَ، والرَّفْعَ، ولَيْسَ في العَرَبِيَّةِ ناصِبٌ لَيْسَ مَعَهُ مَرْفُوعٌ، لِأنَّ كُلَّ مَنصُوبٍ مُشَبَّهٌ بِالمَفْعُولِ، والمَفْعُولُ لا يَكُونُ بِغَيْرِ فاعِلٍ، إلّا فِيما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَيْفَ يَكُونُ نَصْبُ“ إنَّ ”، ضَعِيفًا، وهي تَتَخَطّى الظُّرُوفَ، فَتَنْصِبُ ما بَعْدَها، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢]، ونَصْبُ إنَّ مِن أقْوى المَنصُوباتِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿والصّابِئُونَ﴾، مَحْمُولٌ عَلى التَّأْخِيرِ، ومَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، المَعْنى:“ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ أيْضًا ”، أيْ:“ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ "، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وَإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
اَلْمَعْنى: ”وَإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقٍ، وأنْتُمْ أيْضًا كَذَلِكَ“، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ يَغْلِطُونَ فَيَقُولُونَ: ”إنَّهم أجْمَعُونَ ذاهِبُونَ“، و”إنَّكَ وزَيْدٌ ذاهِبانِ“، فَجَعَلَ سِيبَوَيْهِ هَذا غَلَطًا، وجَعَلَهُ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: (p-١٩٤)
؎بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقٌ شَيْئًا إذا كانَ جائِيا
فَأمّا ”مَن آمَنَ بِاللَّهِ“، وقَدْ ذَكَرَ ”اَلَّذِينَ آمَنُوا“، فَإنَّما يَعْنِي ”اَلَّذِينَ آمَنُوا“، هَهُنا: اَلْمُنافِقِينَ الَّذِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ بِألْسِنَتِهِمْ، ودَلَّ عَلى أنَّ المَعْنى هُنا ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، ومَعْنى ”اَلصّابِئُ“: اَلْخارِجُ عَنْ جُمْلَةِ الأدْيانِ، لِأنَّهم لا يَدِينُونَ بِالكُتُبِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”قَدْ صَبَأ نابُ البَعِيرِ“، و”صَبَأ سِنُّ الصَّبِيِّ“، إذا خَرَجَ، فَأمّا قَوْلُهم: ”ضَبَأتْ“، بِالضّادِ المُعْجَمَةِ، فَمَعْناهُ: اِخْتَبَأتْ في الأرْضِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ ”ضابِئٌ“، وقالَ الكِسائِيُّ، ”اَلصّابِئُونَ نَسَقٌ عَلى ما في“ هادُوا ”، كَأنَّهُ قالَ:“ هادُوا هم والصّابِئُونَ ”، وهَذا القَوْلُ خَطَأٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّ الصّابِئَ يُشارِكُ اليَهُودِيَّ في اليَهُودِيَّةِ، وإنْ ذَكَرَ أنَّ“ هادُوا ”، في مَعْنى تابُوا فَهَذا خَطَأٌ في هَذا المَوْضِعِ أيْضًا، لِأنَّ مَعْنى“ اَلَّذِينَ آمَنُوا ”، هَهُنا، إنَّما هو إيمانٌ بِأفْواهِهِمْ، لِأنَّهُ يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ: مَن آمَنَ بِاللَّهِ، فَلَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَمْ يَحْتَجْ أنْ يُقالَ:“ إنْ آمَنُوا فَلَهم أجْرُهم " .
المائدة 5:70
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ كَذَّبُوا فَرِيقًا، وقَتَلُوا فَرِيقًا، أمّا التَّكْذِيبُ فاليَهُودُ والنَّصارى مُشْتَرِكَةٌ فِيهِ، وأمّا القَتْلُ فَكانَتِ اليَهُودُ خاصَّةً - دُونَ (p-١٩٥)النَّصارى - يَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ، وكانَتِ الرُّسُلُ عَلى ضَرْبَيْنِ: رُسُلٍ تَأْتِي بِالشَّرائِعِ والكُتُبِ، نَحْوَ مُوسى، وعِيسى، وإبْراهِيمَ، ومُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ -، فَهَؤُلاءِ مَعْصُومُونَ مِنَ الخَلْقِ، لَمْ يُوصَلْ إلى قَتْلِ واحِدٍ مِنهُمْ، ورُسُلٍ تَأْتِي بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، والحَثِّ عَلى التَّمَسُّكِ بِالدِّينِ، نَحْوَ يَحْيى، وزَكَرِيّا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ.
المائدة 5:71
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، تُقْرَأُ: ”ألّا تَكُونَ بِالنَّصْبِ“، و”ألّا تَكُونُ بِالرَّفْعِ“، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: ”أنَّهُ لا تَكُونُ فِتْنَةٌ“، أيْ: ”حَسِبُوا فِعْلَهم غَيْرَ فاتِنٍ لَهم“، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾، هَذا مَثَلٌ، تَأْوِيلُهُ أنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِما سَمِعُوا، ولا بِما رَأوْا مِنَ الآياتِ، فَصارُوا كالعُمْيِ الصُّمِّ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، أيْ: أرْسَلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ يُعْلِمُهم أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ إنْ آمَنُوا وصَدَّقُوا، فَلَمْ يُؤْمِنُوا أكْثَرُهُمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾، أيْ: بَعْدَ أنِ ازْدادَ لَهُمُ الأمْرُ وُضُوحًا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾، يَرْتَفِعُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، أحَدُها أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِنَ الواوِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿عَمُوا وصَمُّوا﴾، أبْدَلَ الكَثِيرَ مِنهُمْ، أيْ: ”عَمِيَ وصَمَّ كَثِيرٌ مِنهم“، كَما تَقُولُ: ”جاءَنِي قَوْمُكَ أكْثَرُهم“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمَعَ الفِعْلَ مُقَدَّمًا، كَما حَكى أهْلُ اللُّغَةِ: ”أكَلُونِي (p-١٩٦)البَراغِيثُ“، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ ”كَثِيرٌ مِنهم“، خَبَرَ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، المَعْنى: ”ذَوُو العَمى والصَّمَمِ كَثِيرٌ مِنهم“ .
المائدة 5:73
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، مَعْناهُ أنَّهم قالُوا: ”اَللَّهُ أحَدُ ثَلاثَةِ آلِهَةٍ“، أوْ: ”واحِدٌ مِن ثَلاثَةِ آلِهَةٍ“، ولا يَجُوزُ في ”ثَلاثَةٍ“، إلّا الجَرُّ، لِأنَّ المَعْنى: ”أحَدُ ثَلاثَةٍ“، فَإنْ قُلْتَ: ”زَيْدٌ ثالِثُ اثْنَيْنِ“، أوْ: ”رابِعُ ثَلاثَةٍ“، جازَ الجَرُّ، والنَّصْبُ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى قَوْلِكَ: كانَ القَوْمُ ثَلاثَةً فَرَبَّعَهُمْ، و”أنا رابِعُهم غَدًا“، أوْ ”رابِعُ الثَّلاثَةِ غَدًا“، ومَن جَرَّ فَعَلى حَذْفِ التَّنْوِينِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلا إلَهٌ واحِدٌ﴾، دَخَلَتْ ”مِن“، مُؤَكِّدَةً، والمَعْنى: ”ما إلَهٌ إلّا إلَهٌ واحِدٌ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مَعْنى ”اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم“: اَلَّذِينَ أقامُوا عَلى هَذا الدِّينِ، وهَذا القَوْلِ.
المائدة 5:75
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أيْ: إبْراؤُهُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وإتْيانُهُ بِالآياتِ المُعْجِزاتِ لَيْسَ بِأنَّهُ إلَهٌ، إنَّما أتى بِالآياتِ كَما أتى مُوسى بِالآياتِ، وكَما أتى إبْراهِيمُ بِالآياتِ، ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، أيْ: مُبالِغَةٌ في الصِّدْقِ، والتَّصْدِيقِ، وإنَّما وقَعَ عَلَيْها ”صِدِّيقَةٌ“، لِأنَّهُ أرْسَلَ إلَيْها جِبْرِيلَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢]، (p-١٩٧)و”صِدِّيقٌ“: ”فِعِّيلٌ“، مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: ”فُلانٌ سِكِّيتٌ“، أيْ: مُبالِغٌ في السُّكُوتِ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾، هَذا احْتِجاجٌ بَيِّنٌ، أيْ: إنَّما يَعِيشانِ بِالغِذاءِ، كَما يَعِيشُ سائِرُ الآدَمِيِّينَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا مَن لا يُقِيمُهُ إلّا أكْلُ الطَّعامِ؟! وقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾، أيْ: اَلْعَلاماتِ الواضِحَةِ، ﴿ثُمَّ انْظُرْ﴾، أيْ: اُنْظُرْ بَعْدَ البَيانِ، ﴿أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، أيْ: مِن أيْنَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ الواضِحِ، وكُلُّ شَيْءٍ صَرَفْتَهُ عَنْ شَيْءٍ، وقَلَبْتَهُ عَنْهُ، تَقُولُ:“ أفَكْتُهُ آفِكُهُ إفْكًا ”، و“ اَلْإفْكُ ”: اَلْكَذِبُ، إنَّما سُمِّيَ لِأنَّهُ صَرْفٌ عَنِ الحَقِّ، و“ اَلْمُؤْتَفِكاتُ ": اَلرِّياحُ الَّتِي تَأْتِي مِن جِهاتٍ عَلى غَيْرِ قَصْدٍ واحِدٍ.
المائدة 5:77
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾، ”أهْواءَ“: جَمْعُ ”هَوًى“، و”هَوى النَّفْسِ“، مَقْصُورٌ، لِأنَّهُ مِثْلُ ”اَلْفَرَقُ“، و”فَعَلٌ“، جَمْعُهُ ”أفْعالٌ“، وتَأْوِيلُهُ: لا تَتَّبِعُوا شَهَواتِهِمْ، لِأنَّهم آثَرُوا الشَّهَواتِ عَلى البَيانِ، والبُرْهانِ، وما في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ اتِّباعِ الهَوى مَذْمُومٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ [النجم: ٣] (p-١٩٨)وَمَعْنى ﴿وَأضَلُّوا كَثِيرًا﴾، اَلْكَثِيرُ اتَّبَعُوهُمْ، ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾، أيْ: ضَلُّوا بِإضْلالِهِمْ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ.
المائدة 5:78
وَقَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾، تَأْوِيلُ ”لُعِنُوا“: بُوعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْمًا اجْتَمَعُوا عَلى مُنْكَرٍ، فَأتاهم داوُدُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَنْهاهم عَنْهُ، فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: نَحْنُ قُرُودٌ، وما نَفْقَهُ ما تَقُولُ، فَقالَ: ”كُونُوا قِرْدَةً“، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرْدَةً، وأنَّ قَوْمًا اجْتَمَعُوا عَلى عِيسى يَسُبُّونَهُ في أُمِّهِ، ويَرْجُمُونَهُ، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهم خَنازِيرَ، فَصارُوا خَنازِيرَ، وذَلِكَ لَعْنُهم عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ داوُدُ، وعِيسى أُعْلِما أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيٌّ، وأنَّهُما لَعَنا مَن كَفَرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾، أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِمَعْصِيَتِهِمْ، واعْتِدائِهِمْ، و”ذَلِكَ“، اَلْكافُ فِيهِ لِلْمُخاطَبَةِ، واللّامُ في ”ذَلِكَ“، كُسِرَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولَمْ يَذْكُرِ الكُوفِيُّونَ كَسْرَ هَذِهِ اللّامِ في شَيْءٍ مِن كُتُبِهِمْ، ولا عَرَّفُوهُ، وهَذِهِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي كانَ يَنْبَغِي أنْ يَتَكَلَّمُوا فِيها، إذْ كانَ ”ذَلِكَ“، إشارَةً إلى كُلِّ مُتَراخٍ عَنْكَ، إلّا أنَّ تَرْكَهُمُ الكَلامَ أعْوَدُ عَلَيْهِمْ مِن تَكَلُّمِهِمْ، إذْ كانَ أوَّلُ ما نَطَقُوا بِهِ في ”فَعِلَ“، قَدْ نَقَضَ سائِرَ العَرَبِيَّةِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ قَدِيمًا.
المائدة 5:79
(p-١٩٩)وَقَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾، أيْ: لَبِئْسَ سَيِّئًا فِعْلُهُمْ، واللّامُ دَخَلَتْ لِلْقَسَمِ، والتَّوْكِيدِ، وقَدْ بَيَّنّا لِمَ فُتِحَتْ، وسائِرُ الحُرُوفِ الَّتِي جاءَتْ يَعْنِي لِمَ فُتِحَتْ وكُسِرَتْ، ولَمْ يُبَيِّنِ الكُوفِيُّونَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ.
المائدة 5:80
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ”أنْ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى تَأْوِيلِ ”بِئْسَ الشَّيْءُ ذَلِكَ لِأنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“، أيْ: ”لِأنْ أكْسَبَهُمُ السَّخْطَةَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ”هو“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”هو أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ“، كَما تَقُولُ: ”نِعْمَ الرَّجُلُ زَيْدٌ“ .
المائدة 5:82
وَقَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ والَّذِينَ أشْرَكُوا﴾، وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمُوسى، والتَّوْراةِ الَّتِي أتى بِها، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا إلى مَن وافَقَهم في الإيمانِ بِنَبِيِّهِمْ وكِتابِهِمْ أقْرَبَ، فَظاهَرُوا المُشْرِكِينَ حَسَدًا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ”لَتَجِدَنَّ“، هَذِهِ اللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ دَخَلَتْ تَفْصِلُ بَيْنَ الحالِ والِاسْتِقْبالِ، هَذا مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، ومَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ: ”عَداوَةً“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
﴿وَلَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾، في هَذِهِ غَيْرُ وجْهٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ نَيِّفًا وثَلاثِينَ مِنَ الحَبَشِ مِنَ (p-٢٠٠)النَّصارى جاؤُوا وجَماعَةٌ مَعَهُمْ، فَأسْلَمُوا لَمّا تَلا عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ القُرْآنَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِهِ النَّصارى، لِأنَّهم كانُوا أقَلَّ مُظاهَرَةً لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ اليَهُود ِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَإذا سَمِعُوا ما أُنْـزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة: ٨٣]، عَلى مَعْنى ذَلِكَ، ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾، ومِنهم قَوْمٌ إذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ، يَعْنِي بِهِ هَهُنا مُؤْمِنِيهِمْ، و”اَلْقُسُّ“، و”اَلْقِسِّيسُ“، مِن رُؤَساءِ النَّصارى، فَأمّا ”اَلْقَسُّ“، في اللُّغَةِ، فَهي النَّمِيمَةُ، ونَشْرُ الحَدِيثِ، يُقالُ: ”قَسَّ فُلانٌ الحَدِيثَ قَسًّا“، ومَعْنى ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٣]، أيْ: مَعَ مَن شَهِدَ مِن أنْبِيائِكَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - ومُؤْمِنِي عِبادِكَ، بِأنَّكَ لا إلَهَ غَيْرُكَ.
المائدة 5:84
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾، مَوْضِعُ ”لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ“، نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَنا تارِكِينَ لِلْإيمانِ؟! أيْ: في حالِ تَرْكِنا لِلْإيمانِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمَهم عَنَّفُوهم عَلى إيمانِهِمْ، فَأجابُوهم بِأنْ قالُوا: ”ما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ“ .
المائدة 5:86
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، ”اَلْجَحِيمُ“: اَلنّارُ الشَّدِيدَةُ الوَقُودِ، و”قَدْ جَحِمَ فُلانٌ النّارَ“، إذا شَدَّدَ وقُودَها، ويُقالُ لِعَيْنِ الأسَدِ: ”جَحْمَةٌ“، لِشِدَّةِ تَوَقُّدِها، ويُقالُ لِوَقُودِ الحَرْبِ - وهو شِدَّةُ القِتالِ فِيها -: ”جاحِمٌ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٠١)
؎والخَيْلُ لا يَبْقى لِجاحِمِها التَّخَيُّلُ والمَراحُ
؎إلّا الفَتى الصَّبّارُ في النَّجْداتِ والفَرَسُ الوَقاحُ
المائدة 5:87
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾، هَذِهِ قِيلَ: نَزَلَتْ لِأنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ كانُوا هَمُّوا بِأنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا ويَجْتَنِبُوا الطَّيِّباتِ ويُخْصُوا أنْفُسَهُمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ شَرِيعَةَ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - غَيْرُ ذَلِكَ، والطَّيِّباتُ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْتَنَبَ البَتَّةَ، وسُمِّيَ الخِصاءُ ”اِعْتِداءً“، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾، أيْ: لا تَجُبُّوا أنْفُسَكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ اعْتِداءٌ.
المائدة 5:89
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾، ”اَللَّغْوُ“، في كَلامِ العَرَبِ: ما اطُّرِحَ ولَمْ يُعْقَدْ عَلَيْهِ أمْرٌ، ويُسَمّى ما لَيْسَ مُعْتَدًّا بِهِ - وإنْ كانَ مَوْجُودًا - ”لَغْوًا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎أوْ مِائَةً تَجْعَلُ أوْلادَها ∗∗∗ لَغْوًا وعُرْضُ المِائَةِ الجَلْمَدُ
اَلَّذِي يُعارِضُها في قُوَّةِ الجَلْمَدِ، يَعْنِي بِذَلِكَ نُوقًا، يَقُولُ: ”مِائَةٌ لا تَجْعَلُ أوْلادَها مِن عَدَدِها“، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ اليَمِينَ الَّتِي يُؤاخَذُ بِها العَبْدُ، وتَجِبُ في بَعْضِها (p-٢٠٢)الكَفّارَةُ، ما جَرى عَلى عَقْدٍ، ومَعْنى ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾، أيْ: فَكَفّارَةُ المُؤاخَذَةِ فِيهِ إذا حَنَثَ أنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَساكِينَ، إنْ كانُوا ذُكُورًا، أوْ إناثًا وذُكُورًا، أجْزَأهُ ذَلِكَ، ولَكِنْ وقَعَ لَفْظُ التَّذْكِيرِ لِأنَّهُ المُغَلَّبُ في الكَلامِ، ومَعْنى ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾، قالَ بَعْضُهم: أعْدَلِهِ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ: عَدْلًا، و”أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: أوْسَطُهُ في القَدْرِ، والقِيمَةِ، والآخَرُ: أوْسَطُهُ في الشِّبَعِ، لا يَكُونُ المَأْكُولُ يُفْرَطُ في أكْلِهِ، فَيُؤْكَلُ مِنهُ فَوْقَ القَصْدِ، وقَدْرِ الحاجَةِ، ولا يَكُونُ دُونَ المُغْنِي عَنِ الجُوعِ، ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾، والكِسْوَةُ أنْ يَكْسُوَهم نَحْوَ الإزارِ والعِمامَةِ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، فَخُيِّرَ الحالِفُ أحَدَ هَذِهِ الثَّلاثَةِ، وأفْضَلُها عِنْدَ اللَّهِ أكْثَرُها نَفْعًا، وأحْسَنُها مَوْقِعًا مِنَ المَساكِينِ، أوْ مِنَ المُعْتَقِ، فَإنْ كانَ النّاسُ في جَدْبٍ لا يَقْدِرُونَ عَلى المَأْكُولِ إلّا بِما هو أشَدُّ تَكَلُّفًا مِنَ الكِسْوَةِ، أوِ الإعْتاقِ، فالإطْعامُ أفْضَلُ، لِأنَّ بِهِ قِوامَ الحَياةِ، وإلّا فالإعْتاقُ، أوِ الكِسْوَةُ أفْضَلُ، ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾، أيْ: مَن كانَ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ مِمّا حُدِّدَ في الكَفّارَةِ، فَعَلَيْهِ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، و”صِيامُ ثَلاثَةِ“، مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”كَفّارَتُهُ“، أوْ ”فَكَفّارَتُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ“، ويَجُوزُ ”فَصِيامٌ ثَلاثَةَ أيّامٍ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤]، (p-٢٠٣)”أوْ عَدْلٌ ذَلِكَ صِيامًا“، ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي يُغَطِّي عَلى آثامِكُمْ، يُقالُ: ”كَفَرْتُ الشَّيْءَ“، إذا غَطَّيْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أعْجَبَ الكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، و”اَلْكُفّارُ“: اَلَّذِينَ يُغَطُّونَ الزَّرْعَ ويُصْلِحُونَهُ، و”اَلْكافِرُ“، إنَّما سُمِّيَ ”كافِرًا“، لِأنَّهُ سَتَرَ بِكُفْرِهِ الإيمانَ.
المائدة 5:90
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾، فالخَمْرُ مَعْرُوفٌ، وهو ما خامَرَ العَقْلَ، وقَدْ فَسَّرْناهُ، و”اَلْمَيْسِرُ“: اَلْقِمارُ كُلُّهُ، وأصْلُهُ أنَّهُ كانَ قِمارًا في الجَزُورِ، وكانُوا يُقَسِّمُونَ الجَزُورَ - في قَوْلِ الأصْمَعِيِّ - عَلى ثَمانِيَةٍ وعِشْرِينَ جُزْءًا، وفي قَوْلِ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ: عَلى عَشْرَةِ أجْزاءٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: لا أعْرِفُ عَدَدَ الأجْزاءِ، وكانُوا يَضْرِبُونَ عَلَيْها بِالقِداحِ، وهي سِهامُ خَشَبٍ، لَها أسْماءٌ، نُبَيِّنُها عَلى حَقِيقَتِها في كِتابِنا إنْ شاءَ اللَّهُ، فَيَحْصُلُ كُلُّ رَجُلٍ مِن ذَلِكَ القِمارِ عَلى قَدْرِ إمْكانِهِ، فَهَذا أصْلُ المَيْسِرِ، والقِمارُ كُلُّهُ كالمَيْسِرِ، وقَدْ بَيَّنّا الأنْصابَ والأزْلامَ في أوَّلِ السُّورَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ القِمارَ، والخَمْرَ، والِاسْتِقْسامَ بِالأزْلامِ، وعِبادَةَ الأوْثانِ رِجْسٌ، و”اَلرِّجْسُ“، في اللُّغَةِ: اِسْمٌ لِكُلِّ ما اسْتُقْذِرَ مِن عَمَلٍ، فَبالَغَ اللَّهُ في ذَمِّ هَذِهِ الأشْياءِ، وسَمّاها رِجْسًا، وأعْلَمَ أنَّ الشَّيْطانَ يُسَوِّلُ ذَلِكَ لِبَنِي آدَمَ، يُقالُ: ”رَجِسَ الرَّجُلُ، يَرْجَسُ“، و”رَجَسَ يَرْجُسُ“، إذا عَمِلَ عَمَلًا قَبِيحًا، و”اَلرَّجْسُ“، بِفَتْحِ الرّاءِ: (p-٢٠٤)شِدَّةُ الصَّوْتِ، فَكَأنَّ ”اَلرِّجْسُ“، اَلْعَمَلُ الَّذِي يَقْبُحُ ذِكْرُهُ، ويَرْتَفِعُ في القُبْحِ، ويُقالُ: ”سَحابٌ ورَعْدٌ رَجّاسٌ“، إذا كانَ شَدِيدَ الصَّوْتِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَكُلُّ رَجّاسٍ يَسُوقَ الرُّجَّسا
وَأمّا ”اَلرِّجْزُ“، بِالزّايِ، فالعَذابُ، أوِ العَمَلُ الَّذِي يُؤَدِّي إلى العَذابِ، قالَ اللَّهُ: ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: ١٣٤]، أيْ: كَشَفْتَ عَنّا العَذابَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]، قالُوا: عِبادَةَ الأوْثانِ، وأصْلُ ”اَلرِّجْزُ“، في اللُّغَةِ: تَتابُعُ الحَرَكاتِ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهم: ”رَجْزاءُ“، إذا كانَتْ تَرْتَعِدُ قَوائِمُها عِنْدَ قِيامِها، ومِن هَذا ”رَجَزُ الشِّعْرِ“، لِأنَّهُ أقْصَرُ أبْياتِ الشِّعْرِ، والِانْتِقالُ فِيهِ مِن بَيْتٍ إلى بَيْتٍ سَرِيعٌ، نَحْوَ قَوْلِهِ:
؎يا لَيْتَنِي فِيها جَذَعْ ∗∗∗ أخُبُّ فِيها وأضَعْ
وَنَحْوَ قَوْلِهِمْ:
؎صَبْرًا بَنِي عَبْدِ الدّارِ
وَنَحْوَ قَوْلِهِمْ:
؎ما هاجَ أحْزانًا وشَجْوًا قَدْ شَجا
(p-٢٠٥)وَزَعَمَ الخَلِيلُ أنَّ الرَّجَزَ لَيْسَ بِشِعْرٍ، وإنَّما هو أنْصافُ أبْياتٍ، أوْ أثْلاثٌ، ودَلِيلُ الخَلِيلِ في ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ”«سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا، وتَأْتِيكَ مَن لَمْ تُزَوَّدْ بِالأخْبارِ»“، قالَ الخَلِيلُ: لَوْ كانَ نِصْفُ البَيْتِ شِعْرًا ما جَرى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ ”«سَتُبْدِي لَكَ الأيّامُ ما كُنْتَ جاهِلًا»“، وجاءَ النِّصْفُ الثّانِي عَلى غَيْرِ تَأْلِيفِ الشِّعْرِ، لِأنَّ نِصْفَ البَيْتِ لا يُقالُ لَهُ: ”شِعْرٌ“، ولا ”بَيْتٌ“، ولَوْ جازَ أنْ يُقالَ لِنِصْفِ البَيْتِ: ”شِعْرٌ“، لَقِيلَ لِجُزْءٍ مِنهُ: ”شِعْرٌ“، وجَرى عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما رُوِيَ: ”«أنا النَّبِيُّ لا كَذِبْ، أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ»“، قالَ بَعْضُهم: إنَّما هو: ”لا كَذِبَ أنا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ“، بِفَتْحِ الباءِ، عَلى الوَصْلِ، قالَ الخَلِيلُ: فَلَوْ كانَ شِعْرًا لَمْ يَجْرِ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، أيْ: ما يَسْهُلُ لَهُ، قالَ الأخْفَشُ: كانَ قَوْلُ الخَلِيلِ: إنَّ هَذِهِ الأشْياءَ شِعْرٌ، وأنا أقُولُ: إنَّها لَيْسَتْ بِشِعْرٍ، وذَكَرَ أنَّهُ ألْزَمَ الخَلِيلَ أنَّ الخَلِيلَ اعْتَقَدَهُ، ومَعْنى ”اَلرِّجْزُ“: اَلْعَذابُ المُقَلْقِلُ لِشِدَّتِهِ قَلْقَلَةً شَدِيدَةً مُتَتابِعَةً، ومَعْنى ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أيْ: اُتْرُكُوهُ.
(p-٢٠٦)واشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ: كُونُوا جانِبًا مِنهُ، أيْ: في ناحِيَةٍ.
المائدة 5:94
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾، هَذِهِ اللّامُ لامُ القَسَمِ، واللّامُ مَفْتُوحَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، في قَوْلِ بَعْضِهِمْ: ”اُغْزُوَنَّ يا رَجُلُ“، فَأمّا لامُ ”لَتُبْلَوُنَّ“، فَزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ، وقَدْ أحْكَمْنا شَرْحَ هَذا قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ، ومَعْنى: ”لَيَبْلُونَّكم“: لَيَخْتَبِرَنَّ طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكُمْ، ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾، فَبَعَّضَ، وهو يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّهُ عَلى صَيْدِ البَرِّ، دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، والثّانِي أنَّهُ لَمّا عَنى الصَّيْدَ ما دامُوا في الإحْرامِ، كانَ ذَلِكَ بَعْضَ الصَّيْدِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهٍ ثالِثٍ، ويَكُونَ ”مِن“، هَذِهِ تُبَيِّنُ جِنْسًا مِنَ الأجْناسِ، تَقُولُ: ”لَأمْتَحِنَنَّكَ بِشَيْءٍ مِنَ الوَرِقِ“، أيْ: ”لَأمْتَحِنَنَّكَ بِالجِنْسِ الَّذِي هو ورِقٌ“، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، والأوْثانُ كُلُّها رِجْسٌ، المَعْنى: فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾، اَلَّذِي تَنالُهُ الأيْدِي نَحْوَ بَيْضِ النَّعامِ، وفِراخِهِ، وما كانَ صَغِيرًا يَنْهَضُ مِن مَجْثَمِهِ مِن غَيْرِ النَّعامِ، وسائِرِ ما يَفُوقُ اليَدَ بِحَرَكَتِهِ، مِن سائِرِ الوَحْشِ، فَحَرَّمَ جَمِيعَ صَيْدِ البَرِّ، الجَرادِ، وكُلِّ ما يُصْطادُ، فَحَرامٌ صَيْدُهُ ما دامُوا حُرُمًا، وبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ كُلَّ ما اصْطِيدَ في الحَرَمِ حَرامٌ، كانُوا مُحْرِمِينَ أوْ غَيْرَ مُحْرِمِينَ.
المائدة 5:95
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾، (p-٢٠٧)أيْ: عَمْدًا لِقَتْلِهِ، كَأنَّهُ ناسٍ أنَّهُ مُحْرِمٌ، ومُتَعَمِّدٌ لِلْقَتْلِ، وجائِزٌ أنْ يَقْصِدَ القَتْلَ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُحْرِمٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، و”فَجَزاءُ مِثْلِ ما قَتَلَ“، بِرَفْعِ ”مِثْلُ“، وجَرِّها، فَمَن رَفَعَهُما جَمِيعًا فَرَفْعُهُ عَلى مَعْنى ”فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مِثْلُ الَّذِي قَتَلَ“، فَيَكُونَ ”مِثْلُ“ ”مِن نَعْتِ الجَزاءِ، ويَكُونَ أنْ تُرْفَعَ“ جَزاءٌ ”، عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ“ مِثْلُ قَتْلِ ”، خَبَرَ الِابْتِداءِ، ويَكُونَ المَعْنى:“ فَجَزاءُ ذَلِكَ الفِعْلِ مِثْلُ ما قَتَلَ ”، ومَن جَرَّ أرادَ“ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مِثْلُ ذَلِكَ المَقْتُولِ مِنَ النَّعَمِ ”، و“ اَلنَّعَمُ ”، في اللُّغَةِ، هي: اَلْإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ، وإنِ انْفَرَدَتِ الإبِلُ مِنها قِيلَ لَها:“ نَعَمٌ ”، وإنِ انْفَرَدَتِ الغَنَمُ والبَقَرُ لَمْ تُسَمَّ“ نَعَمًا "، فَكانَ عَلَيْهِ بِحِذاءِ حِمارِ الوَحْشِ، وبَقَرَةِ الوَحْشِ، بَدَنَةٌ، وعَلَيْهِ بِحِذاءِ الظِّباءِ مِنَ الغَنَمِ شاةٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، أيْ: مِن أهْلِ مِلَّتِكُمْ، فَعَلى قاتِلِ الصَّيْدِ أنْ يَسْألَ فَقِيهَيْنِ عَدْلَيْنِ عَنْ جَزاءِ ما قَتَلَ، ويَقُولانِ لَهُ: ”أقَتَلْتَ صَيْدًا قَبْلَ هَذا وأنْتَ مُحْرِمٌ؟“، فَإنِ اعْتَرَفَ بِأنَّهُ قَتَلَ صَيْدًا قَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يَحْكُما عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ نَظَرا فِيما قَتَلَ، فَإنْ كانَ كالإبِلِ، حَكَما عَلَيْهِ بِها ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، وإنْ كانَ كالشّاءِ، حَكَما عَلَيْهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وإنْ كانَتِ القِيمَةُ لا تَبْلُغُ، نَظَرا فَقَدَّرا قِيمَةَ ذَلِكَ، وأطْعَمَ بِثَمَنِ ذَلِكَ المَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ - قالَ بَعْضُهم - صاعًا مِن حِنْطَةٍ، وقالَ بَعْضُهم: نِصْفَ صاعٍ، أوْ صامَ بِعَدْلِ ذَلِكَ، عَلى ما تُوجِبُهُ السُّنَّةُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أوْ“، وهو الأجْوَدُ في اللُّغَةِ، لِلتَّخْيِيرِ، فَإنْ شاءَ أهْدى، وإنْ شاءَ قَوَّما لَهُ الهَدْيَ، وأطْعَمَ بَدَلَهُ عَلى ما وصَفْنا، وجَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ صِيامًا، لِأنَّ ”أوْ“، لِلتَّخْيِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: كَأنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى الإبِلِ والغَنَمِ (p-٢٠٨)فَيَنْبَغِي أنْ يُطْعِمَ، أوْ يَصُومَ، والَّذِي يُوجِبُهُ اللَّفْظُ التَّخْيِيرُ، وأهْلُ الفِقْهِ أعْلَمُ بِالسُّنَّةِ في ذَلِكَ، إلّا أنِّي أخْتارُ عَلى مَذْهَبِ اللُّغَةِ أنَّهُ مُخَيَّرٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: يَحْكُمانِ بِهِ مُقَدَّرًا أنْ يُهْدى، و”بالِغَ الكَعْبَةِ“، لَفْظُهُ لَفْظُ مَعْرِفَةٍ، ومَعْناهُ النَّكِرَةُ، المَعْنى ”بالِغًا الكَعْبَةَ“، إلّا أنَّ التَّنْوِينَ حُذِفَ اسْتِخْفافًا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ أوْ مِثْلُ ذَلِكَ، قالَ بَعْضُهم: ”عِدْلُ الشَّيْءِ“: مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، و”عَدْلُهُ“: مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، بِفَتْحِ العَيْنِ، وقالَ: إلّا أنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَغْلَطُ فَيَجْعَلُ ”اَلْعَدْلُ“، و”اَلْعِدْلُ“، في مَعْنى ”اَلْمِثْلُ“، وإنْ كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِ الأوَّلِ، قالَ البَصْرِيُّونَ: ”اَلْعَدْلَ“، و”اَلْعِدْلُ“، في مَعْنى ”اَلْمِثْلُ“، والمَعْنى واحِدٌ، كانَ لِمِثْلٍ مِنَ الجِنْسِ، أوْ مِن غَيْرِ الجِنْسِ، كَما أنَّ المِثْلَ ما كانَ مِن جِنْسِ الشَّيْءِ، ومِن غَيْرِ جِنْسِهِ، ”مِثْلٌ“، ولَمْ يَقُولُوا: إنَّ العَرَبَ غَلِطَتْ، ولَيْسَ إذا أخْطَأ مُخْطِئٌ يُوجِبُ أنْ تَقُولَ: إنَّ بَعْضَ العَرَبِ غَلِطَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿صِيامًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، المَعْنى: أوْ مِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيامِ، لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، ”اَلْوَبالُ“: ثِقْلُ الشَّيْءِ في المَكْرُوهِ، ومِنهُ قَوْلُهم: ”طَعامٌ وبِيلٌ“، و”ماءٌ وبِيلٌ“، إذا كانا ثَقِيلَيْنِ غَيْرَ نامِيَيْنِ في المالِ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأخَذْناهُ أخْذًا وبِيلا﴾ [المزمل: ١٦]، أيْ: ثَقِيلًا شَدِيدًا، و”اَلْوَبِيلُ“: خَشَبَةُ القَصّارِ، ومِن هَذا قِيلَ لَها: ”وَبِيلٌ“، قالَ طَرَفَةُ بْنُ العَبْدِ: (p-٢٠٩)
؎عَقِيلَةُ شَيْخٍ كالوَبِيلِ يَلنْدَدِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾، اَلْفاءُ جَوابُ الجَزاءِ، والمَعْنى أنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”وَمَن عادَ مُسْتَحِلًّا لِلصَّيْدِ بَعْدَ أنْ حَرَّمَهُ اللَّهُ مِنهُ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ“، أيْ: فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”مَن عادَ مُسْتَخِفًّا بِأمْرِ اللَّهِ فَجَزاؤُهُ العَذابُ، كَجَزاءِ قاتِلِ النَّفْسِ“ .
المائدة 5:96
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾، أيْ: أُحِلَّ لَكم صَيْدَ البَحْرِ، وأُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ لِلسَّيّارَةِ، فَأمّا صَيْدُهُ فَمَعْرُوفٌ، وأمّا طَعامُهُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما نَضَبَ الماءُ عَنْهُ فَأُخِذَ بِغَيْرِ صَيْدٍ فَهو طَعامُهُ، وقالَ: طَعامُهُ هو كُلُّ ما سَقاهُ الماءُ، فَأنْبَتَ، فَهو طَعامُ البَحْرِ، لِأنَّهُ نَبَتَ عَنْ ماءِ البَحْرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الَّذِي أُحِلَّ لَهم كَثِيرٌ في البَرِّ، والبَحْرِ، وأنَّ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ إنَّما هو صَيْدُ البَرِّ في حالِ الإحْرامِ، وسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ في الحَرَمِ، لِيَكُونَ قَدْ أعْذَرَ إلَيْهِمْ مِنَ الِانْتِقامِ مِمَّنْ عاوَدَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، مَعَ كَثْرَةِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ، و”مَتاعًا“، مَنصُوبٌ، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ”أُحِلَّ لَكم“، كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ قَدْ مَتَّعَهم بِهِ، كَما أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]
المائدة 5:97
(p-٢١٠)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾، قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ ”اَلْكَعْبَةَ“، لِتَرْبِيعِ أعْلاها، ومَعْنى ”قِيامًا لِلنّاسِ“: أيْ: مِمّا أُمِرُوا بِهِ أنْ يَقُومُوا بِالفَرْضِ فِيهِ، وكَذَلِكَ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ أمْنٌ، فَلِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، ولَمْ تَزَلِ العَرَبُ تَتْرُكُ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وكانَ يُسَمّى ”رَجَبَ الأصَمَّ“، لِأنَّهُ لا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتُ السِّلاحِ، وأمّا مَن قالَ: ”جُعِلَتْ هَذِهِ الأشْياءُ لِيَقُومَ النّاسُ بِها“، فَإنَّما عَنى مُتَعَبَّداتِهِمْ بِالحَجِّ، وأسْبابِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما أنَّ اللَّهَ لَمّا آمَنَ مِنَ الخَوْفِ البَلَدَ الحَرامَ، والنّاسُ كانَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، وجَعَلَ الشَّهْرَ الحَرامَ يُمْتَنَعُ فِيهِ مِنَ القَتْلِ، والقَوْمُ أهْلُ جاهِلِيَّةٍ، فَدَلَّ بِذَلِكَ أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، إذْ جَعَلَ في أعْظَمِ الأوْقاتِ فَسادًا ما يُؤْمَنُ بِهِ، وفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، وهو عِنْدِي أبْيَنُ، وهو أنَّ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عَلى ما أنْبَأ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ في هَذِهِ السُّورَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، فَأخْبَرَ بِنِفاقِهِمُ الَّذِي كانَ مُسْتَتِرًا عَنِ المُسْلِمِينَ، وما أخْبَرَ بِهِ أنَّهم سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ، سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ ما كانُوا أسَرُّوهُ مِن قِصَّةِ الزّانِيَيْنِ، ومَسْألَتِهِمْ إيّاهُ ﷺ، وما شَرَحْناهُ مِمّا كانُوا عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَأظْهَرَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ عَلى جَمِيعِ ما سَتَرُوا عَنْهم.
(p-٢١١)فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا الغَيْبَ الَّذِي أنْبَأْتُكم بِهِ عَنِ اللَّهِ، يَدُلُّكم عَلى أنَّهُ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٩٩]
المائدة 5:101
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾، ”تُبْدَ لَكم“: تَظْهَرْ لَكُمْ، يُقالُ: بَدا لِيَ الشَّيْءُ، يَبْدُو ”، إذا ظَهَرَ، جاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ النّاسَ فَأعْلَمَهم أنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الحَجَّ، فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ ﷺ، فَعادَ الرَّجُلُ ثانِيَةً، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عادَ ثالِثَةً، فَقالَ ﷺ“ ما يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ، فَتَجِبُ، فَلا تَقُومُونَ بِها، فَتَكْفُرُونَ ”»، تَأْوِيلُ“ تَكْفُرُونَ ”- واللَّهُ أعْلَمُ -، هَهُنا، أنَّكم تَدْفَعُونَ لِثِقَلِها وُجُوبَها فَتَكْفُرُونَ، وقالَ ﷺ:“ «اُتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ اخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ» ”، وسَألَهُ ﷺ رَجُلٌ كانَ يَتَنازَعُهُ اثْنانِ، يَدَّعِي كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أنَّهُ أبُوهُ، فَأخْبَرَ ﷺ بِأبِيهِ مِنهُما، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ السُّوالَ عَنْ مِثْلِ هَذا الجِنْسِ لا يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ، فَإنَّهُ إذا ظَهَرَ مِنهُ الجَوابُ ساءَ ذَلِكَ، وخاصَّةً في وقْتِ سُؤالِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جِهَةِ تَبْيِينِ الآياتِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وأعْلَمَ أنَّهُ قَدْ عَفا عَنْها، ولا وجْهَ عَنْ مَسْألَةِ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ، وفِيهِ فَضِيحَةٌ عَلى السّائِلِ إنْ ظَهَرَ.
(p-٢١٢)وَ“ أشْياءَ ”، في مَوْضِعِ جَرٍّ، إلّا أنَّها فُتِحَتْ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ، وقالَ الكِسائِيُّ أشْبَهَ آخِرُها آخِرَ“ حَمْراءُ ”، ووَزْنُها عِنْدَهُ:“ أفْعالُ ”، وكَثُرَ اسْتِعْمالَهم فَلَمْ تُصْرَفْ، وقَدْ أجْمَعَ البَصْرِيُّونَ وأكْثَرُ الكُوفِيِّينَ عَلى أنَّ قَوْلَ الكِسائِيِّ خَطَأٌ في هَذا، وألْزَمُوهُ ألّا يَصْرِفَ“ أبْناءٌ ”، و“ أسْماءٌ ”، وقالَ الأخْفَشُ - سَعِيدُ بْنُ مَسْعِدَةَ -، والفَرّاءُ: أصْلُها:“ أفْعِلاءُ ”، كَما تَقُولُ:“ هَيْنٌ ”، و“ أهْوِناءُ ”، إلّا أنَّهُ كانَ الأصْلُ“ أشْيِئاءُ ”، عَلى وزْنِ“ أشْبِعاعٌ ”، فاجْتَمَعَتْ هَمْزَتانِ بَيْنَهُما ألِفٌ، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةَ الأُولى، وهَذا غَلَطٌ أيْضًا، لِأنَّ“ شَيْئًا ”،“ فَعْلٌ ”، و“ فَعْلٌ ”، لا يُجْمَعُ عَلى“ أفْعِلاءُ ”، فَأمّا“ هَيْنٌ ”، فَأصْلُهُ“ أهْيِنٌ ”، فَجُمِعَ عَلى“ أفْعِلاءُ ”، كَما يُجْمَعُ“ فَعِيلٌ ”، عَلى“ أفْعِلاءُ ”، مِثْلَ“ نَصِيبٌ ”، و“ أنْصِباءُ ”، وقالَ الخَلِيلُ:“ أشْياءُ ”: اِسْمٌ لِلْجَمِيعِ، كانَ أصْلُهُ“ فَعْلاءٌ ”،“ شَيْئاءٌ ”، فاسْتُثْقِلَتِ الهَمْزَتانِ، فَقُلِبَتِ الأُولى إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ، فَجُعِلَتْ“ لَفْعاءُ ”، كَما قالُوا:“ أنْوُقٌ ”، فَقَلَبُوا“ أيْنُقٌ ”، كَما قَلَبُوا“ قُوُوسٌ ”، فَقالُوا“ ”قِسِيٌّ“، ويُصَدِّقُ قَوْلَ الخَلِيلِ جَمْعُهم ”أشْياءُ“، عَلى ”أشاوِي“، و”أشاياهٌ“، وقَوْلُ الخَلِيلِ هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وأبِي عُثْمانَ المازِنِيِّ، وجَمِيعِ البَصْرِيِّينَ، إلّا الزِّيادِيَّ مِنهُمْ، فَإنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلى قَوْلِ الأخْفَشِ، وذَكَرُوا أنَّ المازِنِيَّ ناظَرَ الأخْفَشَ في هَذا، فَقَطَعَ المازِنِيُّ الأخْفَشَ، وذَلِكَ أنَّهُ سَألَهُ: كَيْفَ تُصَغِّرُ ”أشْياءُ“ ؟ فَقالَ: ”أُشَيّاءُ“، فاعْلَمْ، ولَوْ كانَتْ ”أفْعِلاءُ“، لَرُدَّتْ في التَّصْغِيرِ إلى واحِدِها، فَقِيلَ: ”شُيَيْئاتٌ“، وإجْماعُ البَصْرِيِّينَ أنَّ تَصْغِيرَ (p-٢١٣)”أصْدِقاءُ“، إذا كانَ لِلْمُؤَنَّثاتِ ”صُدَيِّقاتٌ“، وإنْ كانَ لِلْمُذَكَّرِينَ ”صُدَيِّقُونَ“ .
المائدة 5:103
وَقَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾، أثْبَتُ ما رَوَيْنا في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأسْماءِ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ ما أذْكُرُهُ هَهُنا، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”اَلْبَحِيرَةُ“: ناقَةٌ كانَتْ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، وكانَ آخِرُها ذَكَرًا، نَحَرُوا أُذْنَها - أيْ: شَقُّوها -، وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها، وذَبْحِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ مِن مَرْعًى، وإذا لَقِيَها المُعْيى لَمْ يَرْكَبْها، و”اَلسّائِبَةُ“: كانَ الرَّجُلُ إذا نَذَرَ لِقُدُومٍ مِن سَفَرٍ أوْ بُرْءٍ مِن عِلَّةٍ أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، قالَ: ناقَتِي هَذِهِ سائِبَةٌ، فَكانَتْ كالبَحِيرَةِ في ألّا يُنْتَفَعَ بِها، وألّا تُجْلى عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعَ مِن مَرْعًى، وكانَ الرَّجُلُ إذا أعْتَقَ عَبْدًا قالَ: هو سائِبَةٌ، فَلا عَقْلَ بَيْنَهُما، ولا مِيراثَ، وأمّا ”اَلْوَصِيلَةُ“، فَفي الغَنَمِ، كانَتِ الشّاةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهُمْ، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: ”وَصَلَتْ أخاها“، فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وأمّا ”اَلْحامِي“، فالذَّكَرُ مِنَ الإبِلِ، كانَتِ العَرَبُ إذا نَتَجَتْ مِن صُلْبِ الفَحْلِ عَشْرَةُ أبْطُنٍ، حُمِيَ ظَهْرُهُ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْهِ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ، ولا مَرْعًى، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ مِن هَذِهِ الأشْياءِ شَيْئًا، وأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ.
المائدة 5:105
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾، مَعْناهُ: إنَّما ألْزَمَكُمُ اللَّهُ أمْرَ أنْفُسِكم.
(p-٢١٤)﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، أيْ: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِ غَيْرِكُمْ، ولَيْسَ يُوجِبُ لَفْظُ هَذِهِ الآيَةِ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وأعْلَمَ أنَّهُ لا يَضُرُّ المُؤْمِنَ كُفْرُ الكافِرِ، فَإذا تَرَكَ المُؤْمِنُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ وهو مُسْتَطِيعٌ ذَلِكَ فَهو ضالٌّ، ولَيْسَ بِمُهْتَدٍ، وإعْرابُ ”لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ“: اَلْأجْوَدُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، ويَكُونَ عَلى جِهَةِ الخَبَرِ، المَعْنى: لَيْسَ يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُهُ جَزْمًا، ويَكُونَ الأصْلُ: ”لا يَضْرُرْكم“، إلّا أنَّ الرّاءَ الأُولى أُدْغِمَتْ في الثّانِيَةِ، فَضُمَّتِ الثّانِيَةُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ عَلى جِهَةِ النَّهْيِ: ”لا يَضُرَّكم“، بِفَتْحِ الرّاءِ، و”لا يَضُرِّكم“، بِكَسْرِها، ولَكِنَّ القِراءَةَ لا تُخالَفُ، ولِأنَّ الضَّمَّ أجْوَدُ، كانَ المَوْضِعُ رَفْعًا، أوْ جَزْمًا، فَأمّا مَن ضَمَّ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ فَأتْبَعَ الضَّمَّ الضَّمَّ، وأمّا مَن كَسَرَ فَلِأنَّ أصْلَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ الكَسْرُ، وأمّا مَن فَتَحَ فَلِخِفَّةِ الفَتْحِ فَتَحَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا النَّهْيُ لِلَفْظٍ غائِبٍ يُرادُ بِهِ المُخاطَبُونَ، إذا قُلْتَ: ”لا يَضْرُرْكَ كُفْرُ الكافِرِ“، فالمَعْنى: ”لا تَعُدَّنَ أنْتَ كُفْرَهُ ضَرَرًا“، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”لا أرَيَنَّكَ هَهُنا“، فالنَّهْيُ في اللَّفْظِ لِنَفْسِكَ، ومَعْناهُ لِمُخاطَبِكَ، مَعْناهُ: ”لا تَكُونَنَّ هَهُنا“ .
المائدة 5:106
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾، مَعْناهُ أنَّ الشَّهادَةَ في وقْتِ الوَصِيَّةِ هي لِلْمَوْتِ، لَيْسَ أنَّ المَوْتَ حاضِرُهُ وهو يُوصِي بِما يَقُولُ المُوصِي - صَحِيحًا كانَ، أوْ غَيْرَ صَحِيحٍ -: ”إذا حَضَرَنِي المَوْتُ - أوْ إذا مِتُّ - فافْعَلُوا...، واصْنَعُوا...“، والشَّهادَةُ تَرْتَفِعُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ تَرْتَفِعَ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُها ”اِثْنانِ“، والمَعْنى: ”شَهادَةُ هَذِهِ الحالِ، شَهادَةُ اثْنَيْنِ“، فَتُحْذَفُ ”شَهادَةُ“، ويَقُومُ ”اِثْنانِ“، مَقامَها.
(p-٢١٥)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُ ”شَهادَةُ بَيْنِكم“، عَلى قَوْلِهِ: ”وَفِيما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكم في شَهادَتِكم أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ“، فَيَرْتَفِعَ ”اِثْنانِ“، بِـ ”شَهادَةُ“، والمَعْنى: ”أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم“، مَعْنى ”مِنكم“: قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهم: ”مِنكم“: مِن أهْلِ دِينِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾، مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّتِكُمْ، وقالَ بَعْضُهم: ”ذَوا عَدْلٍ مِنكم“: مِن أهْلِ المَيِّتِ، ”أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم“: مِن غَيْرِ أهْلِ المَيِّتِ، واحْتَجَّ هَؤُلاءِ بِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ ”مِنكم“: مِن ذَوِي قَراباتِكُمْ، وقالَ هَؤُلاءِ: إذا كانُوا أيْضًا عُدُولًا مِن قَراباتِ المَيِّتِ، فَهم أوْلى، لِأنَّهم أعْلَمُ بِأحْوالِ الأهْلِ مِنَ الغَرائِبِ، وأعْلَمُ بِما يُصْلِحُهُمْ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾، لا يَكُونانِ مِن غَيْرِ أهْلِ مِلَّةِ الإسْلامِ، لِأنَّ الكُفْرَ قَدْ باعَدَ مِنَ العَدالَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الوَصِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ شاهِداها عَدْلَيْنِ مِن أهْلِ المَيِّتِ، أوْ مِن غَيْرِ أهْلِهِ، إنْ كانَ المُوصِي في حَضَرٍ، وكَذَلِكَ إنْ كانَ في سَفَرٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾، ذَكَرَ المَوْتَ في السَّفَرِ، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، فَكَأنَّ في الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - دَلِيلًا عَلى الشَّهادَةِ في الحَضَرِ والسَّفَرِ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اثْنَيْنِ كانا شَهِدا في السَّفَرِ غَيْرَ مُسْلِمَيْنِ، (p-٢١٦)وَلِلْإجْماعِ أنَّ الشُّهُودَ لا يَجِبُ أنْ يَحْلِفُوا، وقَدْ أجازَ قَوْمٌ في السَّفَرِ شَهادَةَ الذِّمِّيَّيْنِ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم وأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢]، وقالَ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، والشّاهِدُ إذا عُلِمَ أنَّهُ كَذّابٌ، لَمْ تَجُزْ أنْ تُقْبَلَ شَهادَتُهُ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ النَّصارى زَعَمَتْ أنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وأنَّ اليَهُودَ قالَتْ: إنَّ العُزَيْرَ ابْنُ اللَّهِ، وعَلِمْنا أنَّهم كاذِبُونَ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ تُقْبَلَ شَهادَةُ مَن هو مُقِيمٌ عَلى الكَذِبِ؟ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾، كانَ النّاسُ بِالحِجازِ يَحْلِفُونَ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ، لِأنَّهُ وقْتُ اجْتِماعِ النّاسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾، إنْ وقَعَ في أنْفُسِكم مِنهم رَيْبٌ، أيْ: ظَنَنْتُمْ بِهِمْ رِيبَةً.
المائدة 5:107
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾، أيْ: فَإنِ اطُّلِعَ عَلى أنَّهُما قَدْ خانا، ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾، وقَدْ قُرِئَتْ: ”اَلْأوَّلِينَ“، ويَجُوزُ ”مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ“، وهَذا مَوْضِعٌ مِن أصْعَبِ ما في القُرْآنِ في الإعْرابِ، فَـ ”أوْلَيانِ“، في قَوْلِ أكْثَرِ البَصْرِيِّينَ، يَرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِ مِمّا في ”يَقُومانِ“، اَلْمَعْنى: ”فَلْيَقُمِ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ مَقامَ هَذَيْنِ الخائِنَيْنِ“، فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما.
(p-٢١٧)فَإذا ارْتَفَعَ ”اَلْأوْلَيانِ“، عَلى البَدَلِ، فاللَّذانِ في ”اِسْتَحَقَّ“، مِنَ الضَّمِيرِ مَعْنى الوَصِيَّةِ، المَعْنى: ”فَلْيَقُمِ الأوْلَيانِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّتِ الوَصِيَّةُ عَلَيْهِمْ، أوِ اسْتَحَقَّ الإيصاءُ عَلَيْهِمْ“، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ“، مَعْناهُ: اِسْتُحِقَّ فِيهِمْ، وقامَتْ ”عَلى“، مَقامَ ”في“، كَما قامَتْ ”في“، مَقامَ ”عَلى“، في قَوْلِهِ: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، ومَعْناهُ: عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى عَلى ”مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ“، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢]، أيْ: إذا اكْتالُوا مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: إنَّ في ”اِسْتَحَقَّ“، ذِكْرَ الإثْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾، كانَ المَعْنى: ”اَلَّذِينَ جَنِيَ الإثْمُ عَلَيْهِمْ“، وقِيلَ إنَّ ”اَلْأوْلَيانِ“، جائِزٌ أنْ يَرْتَفِعا بِـ ”اِسْتَحَقَّ“، ويَكُونَ مَعْناهُما: ”اَلْأوْلَيانِ بِاليَمِينِ“، أيْ: بِأنْ يُحَلِّفا مَن يَشْهَدُ بِعْدَهُما، فَإنْ جازَ شَهادَةُ النَّصْرانِيَّيْنِ كانَ ”اَلْأوْلَيانِ“، عَلى هَذا القَوْلِ: ”اَلنَّصْرانِيَّيْنِ“، أوِ الآخَرانِ مِن غَيْرِ بَيْتِ المَيِّتِ، وأجْوَدُ هَذِهِ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”اَلْأوْلَيانِ“، بَدَلًا، عَلى أنَّ المَعْنى: ”لِيَقُمِ الأوْلَيانِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الوَصِيَّةُ“، ومَن قَرَأ: ”اَلْأوَّلِينَ“، رَدَّهُ عَلى ”اَلَّذِينَ“، وكانَ المَعْنى: ”مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإيصاءُ الأوَّلِينَ“، واحْتَجَّ مَن قَرَأ بِهَذا فَقالَ: أرَأيْتَ إنْ كانَ الأوْلَيانِ صَغِيرَيْنِ؟
المائدة 5:108
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾، أيْ: ذَلِكَ أقْرَبُ مِنَ الإتْيانِ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، وأقْرَبُ إلى أنْ يَخافُوا.
المائدة 5:109
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾، (p-٢١٨)أمّا نَصْبُ ”يَوْمَ“، فَمَحْمُولٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ [المائدة: ١٠٨]، أيْ: واتَّقُوا يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، كَما قالَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ومَعْنى المَسْألَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِلرُّسُلِ تَكُونُ عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِلَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩]، فَإنَّما تُسْألُ لِيُوَبَّخَ قاتِلُوها، وأمّا إجابَةُ الرُّسُلِ وقَوْلُهم: ”لا عِلْمَ لَنا“، فَقَدْ قالَ النّاسُ في هَذا غَيْرَ قَوْلٍ، جاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ عَزَبَتْ عَنْهم أفْهامُهم لِهَوْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، فَقالُوا: ”لا عِلْمَ لَنا مَعَ عِلْمِكَ“، وقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانَتْ عَزَبَتْ أفْهامُهم لَمْ يَقُولُوا: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى قَوْلِ الرُّسُلِ: ”لا عِلْمَ لَنا“: أيْ: بِما غابَ عَنّا مِمَّنْ أُرْسِلْنا إلَيْهِ، أنْتَ يا رَبَّنا تَعْلَمُ باطِنَهُمْ، ولَسْنا نَعْلَمُ غَيْبَهُمْ، إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ.
المائدة 5:110
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾، أمّا نِعْمَتُهُ عَلى والِدَتِهِ فَإنَّهُ اصْطَفاها، وطَهَّرَها، واصْطَفاها عَلى نِساءِ العالَمِينَ، وكانَ رِزْقُها يَأْتِيها مِن عِنْدِهِ وهي في مِحْرابِها.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾، أيْ: أيَّدْتُكَ بِجِبْرِيلَ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ قَوّاهُ بِهِ، إذْ حاوَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ (p-٢١٩)قَتْلَهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أيَّدَهُ بِهِ في كُلِّ أحْوالِهِ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾، أيْ: أيَّدْتُكَ مُكَلِّمًا النّاسَ في المَهْدِ، ﴿وَكَهْلا﴾، أيْ: أيَّدْتُكَ كَهْلًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَكَهْلًا“، مَحْمُولًا عَلى ”تُكَلِّمُ، كانَ المَعْنى أيَّدْتُكَ مُخاطِبًا لِلنّاسِ في صِغَرِكَ، ومُخاطِبًا النّاسَ كَهْلًا، وقَرَأ بَعْضُهم:“ أأْيَدْتُكَ ”، عَلى“ أفْعَلْتُكَ ”، مِن“ اَلْأيْدُ ”، وقَرَأ بَعْضُهم:“ آيَدْتُكَ ”، عَلى“ فاعَلْتُكَ ”، أيْ: عاوَنْتُكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾،“ اَلْأكْمَهُ "، قالَ بَعْضُهم: اَلَّذِي يُولَدُ أعْمى، قالَ الخَلِيلَ: هو الَّذِي يُولَدُ أعْمى، وهو الَّذِي يَعْمى بَعْدَ أنْ كانَ بَصِيرًا.
المائدة 5:111
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾، قالَ بَعْضُهم: ”أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ“: أيْ: ألْهَمْتُهُمْ، كَما قالَ: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]، أيْ: ألْهَمَها، وقالَ بَعْضُهم: ”أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ“، مَعْناهُ: أمَرَهُمْ، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي استَهَلَّتْ ∗∗∗ بِإذْنِهِ السَّماءُ واطْمَأنَّتْ
أوْحى لَها القَرارَ فاسْتَقَرَّتْ
قالُوا: مَعْناهُ: أمَرَها، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”وَإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ“: أتَيْتُهم في الوَحْيِ (p-٢٢٠)إلَيْكَ بِالبَراهِينِ، والآياتِ الَّتِي اسْتَدَلُّوا بِها عَلى الإيمانِ، فَآمَنُوا بِي.
المائدة 5:112
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”عِيسى“، نَصْبًا، كَما تَقُولُ: ”يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو“، لِأنَّ ”اِبْنًا“، إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ مَعْرُوفٍ عَلَمٍ، أوْ أُضِيفَ إلى كُنْيَةٍ مَعْرُوفَةٍ، جُعِلَ وما قَبْلَهُ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يَخْتارُونَ ”يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو“، وكُلُّهم يُجِيزُونَ: ”يا زَيْدُ بْنَ عَمْرٍو“، وعَلى هَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”عِيسى“، مَوْضِعَ اسْمٍ مَبْنِيٍّ عَلى الضَّمِّ، قالُوا كُلُّهم: فَإنْ قُلْتَ: ”يا زَيْدُ ابْنَ أخِينا“، و”يا زَيْدُ ابْنَ الرَّجُلِ الصّالِحِ“، فَضَمَمْتَ ”زَيْدًا“، لا غَيْرُ، لِأنَّ النَّصْبَ إنَّما يَكُونُ إذا أُضِيفَ ”اِبْنٌ“، إلى عَلَمٍ، كَما وصَفْنا، وقَدْ قُرِئَ: ”هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ“، و﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، فَمَن قَرَأ: ”هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ“، فالمَعْنى: ”هَلْ تَسْتَدْعِي إجابَتَهُ، وطاعَتَهُ في أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا...“، ومَن قَرَأها: ”هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ“، كانَ مَعْناهُ: ”هَلْ يَقْدِرُ رَبُّكَ؟“، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولَيْسَ المَعْنى عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم جَهِلُوا أنَّ اللَّهَ يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنَزِّلَ مائِدَةً، ولَكِنَّ وجْهَ السُّؤالِ: ”هَلْ تُرِينا أنْتَ أنَّ رَبَّكَ يُرِينا ما سَألْنا مِن أجْلِكَ مِن آياتِكَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِكَ؟“، فَأمّا ”اَلْمائِدَةُ“، فَقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّها في المَعْنى ”مَفْعُولَةٌ“، ولَفْظُها ”فاعِلَةٌ“، قالَ: وهي مِثْلُ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١]، وقالَ: إنَّ المائِدَةَ مِنَ العَطاءِ، و”اَلْمُمْتادُ“: اَلْمُفْتَعِلُ، المَطْلُوبُ مِنهُ العَطاءُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنِّي أمِيرُ المُؤْمِنِينَ المُمْتادْ
و”مادَ زَيْدٌ عَمْرًا“، إذا أعْطاهُ، والأصْلُ عِنْدِي في ”مائِدَةٌ“، أنَّها ”فاعِلَةٌ“، مِن ”مادَ، يَمِيدُ“، إذا تَحَرَّكَ، فَكَأنَّها تَمِيدُ بِما عَلَيْها، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمْ في يَوْمِ الأحَدِ، وكانَ عَلَيْها خُبْزٌ، (p-٢٢١)وَسَمَكٌ، فالنَّصارى تَجْعَلُ الأحَدَ عِيدًا - فِيما قِيلَ - لِذَلِكَ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّها لَمْ تُنَزَّلْ لِلتَّهَوُّدِ الَّذِي وقَعَ في الكُفْرِ بَعْدَ نُزُولِها، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ لِأنَّ نُزُولَها قَدْ جاءَ ذِكْرُهُ في هَذِهِ القِصَّةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١١٥]، وقالَ غَيْرُ أهْلِ الإسْلامِ: إنَّها نَزَلَتْ، والأخْبارُ أنَّها انْتَهَتْ، فالتَّصْدِيقُ بِها واجِبٌ، فَأمّا وجْهُ مَسْألَةِ الحَوارِيِّينَ عِيسى المائِدَةَ، فَيَحْمِلُ ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونُوا ازْدادُوا تَثْبِيتًا، كَما قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ مَسْألَتُهُمُ المائِدَةَ قَبْلَ عِلْمِهِمْ أنَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، وأنَّهُ أحْيا المَوْتى، وأمّا قَوْلُ عِيسى لِلْحِوارِيِّينَ: اتَّقُوا اللَّهَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، فَإنَّما أمَرَهم ألّا يَقْتَرِحُوا هُمُ الآياتِ، وألّا يُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ أراهُمُ الآياتِ والبَراهِينَ بِإحْياءِ المَوْتى، وهو أوْكَدُ فِيما سَألُوا، وطَلَبُوا.
المائدة 5:114
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا﴾، ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”اَللَّهُمَّ“، كالصَّوْتِ، وأنَّهُ لا يُوصَفُ، وأنَّ ”رَبَّنا“، مَنصُوبٌ عَلى نِداءٍ آخَرَ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا قَبْلُ شَرْحًا تامًّا، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَآيَةً مِنكَ﴾، (p-٢٢٢)أيْ: فَتَكُونَ لَنا عَلامَةً مِنكَ.
المائدة 5:115
وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ يُعَجِّلُ لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾
المائدة 5:116
وَقَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، فالمَسْألَةُ هَهُنا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ لِلَّذِينِ ادَّعَوْا عَلَيْهِ، لِأنَّهم مُجْمِعُونَ أنَّهُ صادِقُ الخَبَرِ، وأنَّهُ لا يَكْذِبُهُمْ، وهو الصّادِقُ عِنْدَهُمْ، فَذَلِكَ أوْكَدُ في الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وأبْلَغُ في تَوْبِيخِهِمْ، والتَّوْبِيخُ، ضَرْبٌ مِنَ العُقُوبَةِ، ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾، أيْ: بَراءٌ أنْتَ مِنَ السُّوءِ، ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾، و”اَلْغِيُوبِ“، بِالكَسْرِ، والضَّمِّ، قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا مَوْضِعٌ - أعْنِي ”تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ“ - يُلْبِسُ بِهِ أهْلُ الإلْحادِ عَلى مَن ضَعُفَ عِلْمُهُ بِاللُّغَةِ، ولا تُعْلَمُ حَقِيقَةُ هَذا إلّا مِنَ اللُّغَةِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”اَلنَّفْسُ“، في كَلامِ العَرَبِ، تُجْرى عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُكَ: ”خَرَجَتْ نَفْسُ فُلانٍ“، و”في نَفْسِ فُلانٍ أنْ يَفْعَلَ كَذا وكَذا“، والضَّرْبُ الآخَرُ: مَعْنى ”اَلنَّفْسُ“، فِيهِ، مَعْنى جُمْلَةِ الشَّيْءِ، ومَعْنى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ، ”قَتَلَ (p-٢٢٣)فُلانٌ نَفْسَهُ“، و”أهْلَكَ فُلانٌ نَفْسَهُ“، فَلَيْسَ مَعْناهُ أنَّ الإهْلاكَ وقَعَ بِبَعْضِهِ، إنَّما الإهْلاكُ وقَعَ بِذاتِهِ كُلِّها، ووَقَعَ بِحَقِيقَتِهِ، ومَعْنى ”تَعْلَمُ ما في نَفْسِي“: أيْ: ”تَعْلَمُ ما أُضْمِرُهُ“، ”وَلا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ“: ”لا أعْلَمُ ما في حَقِيقَتِكَ، وما عِنْدِي عِلْمُهُ“، فالتَّأْوِيلُ: إنَّكَ تَعْلَمُ ما أعْلَمُ، ولا أعْلَمُ ما تَعْلَمُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾، فَإنَّما هو راجِعٌ إلى الفائِدَةِ في المَعْلُومِ، والتَّوْكِيدِ أنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ.
المائدة 5:117
وَقَوْلُهُ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾، جائِزٌ أنَّ ”أنْ“، تَكُونُ في مَعْنى ”أيْ“، مُفَسِّرَةً، المَعْنى: ”ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ، أيْ: اُعْبُدُوا...“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ، وتَكُونَ ”أنْ“، مَوْصُولَةً بِـ ”اُعْبُدُوا اللَّهَ“، ومَعْناهُ: ”إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا عَلى البَدَلِ مِن ”ما“، اَلْمَعْنى: ”ما قُلْتُ لَهم شَيْئًا إلّا أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ“، أيْ: ”ما ذَكَرْتُ لَهم إلّا عِبادَةَ اللَّهِ“ .
المائدة 5:118
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، مَعْنى قَوْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”وَإنْ تَغْفِرْ لَهم“، اِخْتَلَفَ أهْلُ النَّظَرِ في تَفْسِيرِ قَوْلِ عِيسى: ”وَإنْ تَغْفِرْ لَهم“، فَقالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: ”إنْ تَغْفِرْ لَهم كَذِبَهم عَلَيَّ“، وقالُوا: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”إنَّ اللَّهَ يَجُوزُ أنْ يَغْفِرَ الكُفْرَ“، وكَأنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ: ”إنْ تَغْفِرْ لَهُمُ الحِكايَةَ فَقَطْ“، هَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، (p-٢٢٤)وَلا أدْرِي: أشَيْءٌ سَمِعَهُ، أمِ اسْتَخْرَجَهُ؟ والَّذِي عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ عِيسى قَدْ عَلِمَ أنَّ مِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن أقامَ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ عِيسى في جُمْلَتِهِمْ: ”إنْ تُعَذِّبْهم“، أيْ: ”إنْ تُعَذِّبْ مَن كَفَرَ مِنهُمْ، فَإنَّهم عِبادُكَ، وأنْتَ العادِلُ عَلَيْهِمْ، لِأنَّكَ أوْضَحْتَ لَهُمُ الحَقَّ، وكَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وإنْ تَغْفِرْ لِمَن أقْلَعَ مِنهم وآمَنَ، فَذَلِكَ تَفَضُّلٌ مِنكَ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ لَكَ ألّا تَقْبَلَهُمْ، وألّا تَغْفِرَ لَهم بَعْدَ عَظِيمِ فِرْيَتِهِمْ، وأنْتَ في مُغْفِرَتِكَ لَهم عَزِيزٌ، لا يَمْتَنِعُ عَلَيْكَ ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في ذَلِكَ“، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يُعْلِمْ عِيسى أنَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، وهَذا قَوْلٌ لا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، لا يَخُصُّ شَيْئًا مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ دُونَ غَيْرِها، لِأنَّ هَذا خَبَرٌ، والخَبَرُ لا يُنْسَخُ، وهَذا القَوْلُ دارَ في المُناظَرَةِ، ولَيْسَ شَيْئًا يَعْتَقِدُهُ أحَدٌ يُوثَقُ بِعِلْمِهِ.
المائدة 5:119
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾، اَلْقِراءَةُ بِرَفْعِ اليَوْمِ، ونَصْبِ اليَوْمِ، جَمِيعًا، فَأمّا مَن رَفَعَ اليَوْمَ، فَعَلى خَبَرِ ”هَذا اليَوْمُ، قالَ اللَّهُ اليَوْمُ ذُو مَنفَعَةِ صِدْقِ الصّادِقِينَ“، ومَن نَصَبَ، فَعَلى أنَّ ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، المَعْنى: ”قالَ اللَّهُ هَذا لِعِيسى في يَوْمِ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم“، أيْ: ”قالَ اللَّهُ هَذا في يَوْمِ القِيامَةِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”قالَ اللَّهُ هَذِهِ الأشْياءَ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ يَقَعُ في يَوْمِ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم“، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الفِعْلِ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، بِمَنزِلَةِ ”يَوْمَئِذٍ“، (p-٢٢٥)مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ في كُلِّ حالٍ، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ خَطَأٌ، لا يُجِيزُونَ ”هَذا يَوْمَ آتِيكَ“، يُرِيدُونَ ”هَذا يَوْمُ إتْيانِكَ“، لِأنَّ ”آتِيكَ“، فِعْلٌ مُضارِعٌ، فالإضافَةُ إلَيْهِ لا تُزِيلُ الإعْرابَ عَنْ جِهَتِهِ، ولَكِنَّهم يُجِيزُونَ ”ذَلِكَ يَوْمَ نَفَعَ زَيْدًا صِدْقُهُ“، لِأنَّ الفِعْلَ الماضِي غَيْرُ مُضارِعٍ، فَهي إضافَةٌ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وإلى غَيْرِ ما ضارَعَ المُتَمَكِّنَ، وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ: ”هَذا يَوْمٌ يَنْفَعَ الصّادِقِينَ“، بِتَنْوِينِ ”يَوْمُ“، عَلى إضْمارِ ”هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ فِيهِ الصّادِقِينَ صِدْقُهم“، ويَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما أمُوتُ ∗∗∗ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
اَلْمَعْنى: ”فَمِنهُما تارَةٌ أمُوتُ فِيها“ .