Lafzullah

معاني القرآن وإعرابه — الأنعام 6:1 – الأعراف 7:206

المؤلف / المصدر: أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ) · المصدر الرقمي: tafsir.app (zajjaj)

المحتويات
  1. الأنعام 6:1
  2. الأنعام 6:2
  3. الأنعام 6:3
  4. الأنعام 6:7
  5. الأنعام 6:8
  6. الأنعام 6:9
  7. الأنعام 6:10
  8. الأنعام 6:12
  9. الأنعام 6:13
  10. الأنعام 6:14
  11. الأنعام 6:16
  12. الأنعام 6:19
  13. الأنعام 6:20
  14. الأنعام 6:23
  15. الأنعام 6:25
  16. الأنعام 6:26
  17. الأنعام 6:27
  18. الأنعام 6:28
  19. الأنعام 6:29
  20. الأنعام 6:31
  21. الأنعام 6:33
  22. الأنعام 6:34
  23. الأنعام 6:35
  24. الأنعام 6:36
  25. الأنعام 6:37
  26. الأنعام 6:38
  27. الأنعام 6:40
  28. الأنعام 6:41
  29. الأنعام 6:42
  30. الأنعام 6:43
  31. الأنعام 6:44
  32. الأنعام 6:45
  33. الأنعام 6:46
  34. الأنعام 6:47
  35. الأنعام 6:48
  36. الأنعام 6:50
  37. الأنعام 6:52
  38. الأنعام 6:53
  39. الأنعام 6:54
  40. الأنعام 6:55
  41. الأنعام 6:56
  42. الأنعام 6:57
  43. الأنعام 6:59
  44. الأنعام 6:60
  45. الأنعام 6:61
  46. الأنعام 6:63
  47. الأنعام 6:65
  48. الأنعام 6:66
  49. الأنعام 6:67
  50. الأنعام 6:69
  51. الأنعام 6:70
  52. الأنعام 6:71
  53. الأنعام 6:72
  54. الأنعام 6:73
  55. الأنعام 6:74
  56. الأنعام 6:75
  57. الأنعام 6:76
  58. الأنعام 6:78
  59. الأنعام 6:79
  60. الأنعام 6:80
  61. الأنعام 6:81
  62. الأنعام 6:82
  63. الأنعام 6:84
  64. الأنعام 6:87
  65. الأنعام 6:89
  66. الأنعام 6:91
  67. الأنعام 6:92
  68. الأنعام 6:93
  69. الأنعام 6:94
  70. الأنعام 6:95
  71. الأنعام 6:96
  72. الأنعام 6:98
  73. الأنعام 6:99
  74. الأنعام 6:100
  75. الأنعام 6:101
  76. الأنعام 6:103
  77. الأنعام 6:104
  78. الأنعام 6:105
  79. الأنعام 6:107
  80. الأنعام 6:108
  81. الأنعام 6:109
  82. الأنعام 6:111
  83. الأنعام 6:112
  84. الأنعام 6:113
  85. الأنعام 6:116
  86. الأنعام 6:117
  87. الأنعام 6:118
  88. الأنعام 6:119
  89. الأنعام 6:120
  90. الأنعام 6:121
  91. الأنعام 6:122
  92. الأنعام 6:123
  93. الأنعام 6:124
  94. الأنعام 6:125
  95. الأنعام 6:127
  96. الأنعام 6:128
  97. الأنعام 6:130
  98. الأنعام 6:131
  99. الأنعام 6:133
  100. الأنعام 6:135
  101. الأنعام 6:139
  102. الأنعام 6:140
  103. الأنعام 6:141
  104. الأنعام 6:142
  105. الأنعام 6:143
  106. الأنعام 6:144
  107. الأنعام 6:145
  108. الأنعام 6:146
  109. الأنعام 6:148
  110. الأنعام 6:150
  111. الأنعام 6:151
  112. الأنعام 6:152
  113. الأنعام 6:154
  114. الأنعام 6:155
  115. الأنعام 6:156
  116. الأنعام 6:157
  117. الأنعام 6:158
  118. الأنعام 6:159
  119. الأنعام 6:160
  120. الأنعام 6:161
  121. الأنعام 6:162
  122. الأنعام 6:164
  123. الأنعام 6:165
  124. الأعراف 7:1
  125. الأعراف 7:2
  126. الأعراف 7:3
  127. الأعراف 7:4
  128. الأعراف 7:5
  129. الأعراف 7:8
  130. الأعراف 7:10
  131. الأعراف 7:11
  132. الأعراف 7:12
  133. الأعراف 7:14
  134. الأعراف 7:16
  135. الأعراف 7:17
  136. الأعراف 7:18
  137. الأعراف 7:19
  138. الأعراف 7:20
  139. الأعراف 7:22
  140. الأعراف 7:26
  141. الأعراف 7:27
  142. الأعراف 7:28
  143. الأعراف 7:29
  144. الأعراف 7:30
  145. الأعراف 7:31
  146. الأعراف 7:32
  147. الأعراف 7:33
  148. الأعراف 7:34
  149. الأعراف 7:35
  150. الأعراف 7:37
  151. الأعراف 7:38
  152. الأعراف 7:40
  153. الأعراف 7:41
  154. الأعراف 7:42
  155. الأعراف 7:43
  156. الأعراف 7:44
  157. الأعراف 7:48
  158. الأعراف 7:51
  159. الأعراف 7:53
  160. الأعراف 7:54
  161. الأعراف 7:55
  162. الأعراف 7:56
  163. الأعراف 7:57
  164. الأعراف 7:58
  165. الأعراف 7:60
  166. الأعراف 7:65
  167. الأعراف 7:66
  168. الأعراف 7:67
  169. الأعراف 7:69
  170. الأعراف 7:73
  171. الأعراف 7:77
  172. الأعراف 7:80
  173. الأعراف 7:82
  174. الأعراف 7:83
  175. الأعراف 7:85
  176. الأعراف 7:86
  177. الأعراف 7:88
  178. الأعراف 7:91
  179. الأعراف 7:92
  180. الأعراف 7:93
  181. الأعراف 7:94
  182. الأعراف 7:95
  183. الأعراف 7:97
  184. الأعراف 7:98
  185. الأعراف 7:99
  186. الأعراف 7:101
  187. الأعراف 7:102
  188. الأعراف 7:105
  189. الأعراف 7:106
  190. الأعراف 7:107
  191. الأعراف 7:108
  192. الأعراف 7:109
  193. الأعراف 7:110
  194. الأعراف 7:111
  195. الأعراف 7:112
  196. الأعراف 7:116
  197. الأعراف 7:117
  198. الأعراف 7:126
  199. الأعراف 7:127
  200. الأعراف 7:129
  201. الأعراف 7:130
  202. الأعراف 7:131
  203. الأعراف 7:132
  204. الأعراف 7:133
  205. الأعراف 7:134
  206. الأعراف 7:136
  207. الأعراف 7:137
  208. الأعراف 7:138
  209. الأعراف 7:139
  210. الأعراف 7:140
  211. الأعراف 7:141
  212. الأعراف 7:142
  213. الأعراف 7:143
  214. الأعراف 7:144
  215. الأعراف 7:145
  216. الأعراف 7:146
  217. الأعراف 7:148
  218. الأعراف 7:149
  219. الأعراف 7:150
  220. الأعراف 7:152
  221. الأعراف 7:154
  222. الأعراف 7:155
  223. الأعراف 7:156
  224. الأعراف 7:157
  225. الأعراف 7:159
  226. الأعراف 7:160
  227. الأعراف 7:163
  228. الأعراف 7:164
  229. الأعراف 7:165
  230. الأعراف 7:166
  231. الأعراف 7:167
  232. الأعراف 7:169
  233. الأعراف 7:170
  234. الأعراف 7:172
  235. الأعراف 7:175
  236. الأعراف 7:176
  237. الأعراف 7:177
  238. الأعراف 7:179
  239. الأعراف 7:180
  240. الأعراف 7:185
  241. الأعراف 7:187
  242. الأعراف 7:188
  243. الأعراف 7:189
  244. الأعراف 7:199
  245. الأعراف 7:200
  246. الأعراف 7:201
  247. الأعراف 7:202
  248. الأعراف 7:203
  249. الأعراف 7:204
  250. الأعراف 7:205
  251. الأعراف 7:206

الأنعام 6:1

(p-٢٢٦)(p-٢٢٧)سُورَةُ اَلْأنْعامِ ﷽ قالَ أبُو إسْحاقَ: بَلَغَنِي مِن حَيْثُ أثِقُ بِهِ أنَّ سُورَةَ ”اَلْأنْعامِ“، نَزَلَتْ كُلُّها جُمْلَةً واحِدَةً، نَزَلَ بِها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، وأنَّ أكْثَرَها احْتِجاجٌ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ، عَلى مَن كَذَّبَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، فابْتَدَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِحَمْدِهِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، فَذَكَرَ أعْظَمَ الأشْياءِ المَخْلُوقَةِ، لِأنَّ السَّماءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها، والأرْضَ غَيْرُ مائِدَةٍ بِنا، ثُمَّ ذَكَرَ الظُّلُماتِ والنُّورَ، وذَكَرَ أمْرَ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وهو مِمّا بِهِ قِوامُ الخَلْقِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَذِهِ خَلْقُ لَهُ، وأنَّ خالِقَها لا شَيْءَ مِثْلُهُ، وأعْلَمَ مَعَ ذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، أيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَدِيلًا، فَيَعْبُدُونَ الحِجارَةَ المَواتَ، وهم يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ ما وصَفَ.

الأنعام 6:2

ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ خَلَقَهم مِن طِينٍ، وذَكَرَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أحْوالَ المَخْلُوقِينَ في النُّطَفِ، والعَلَقِ، والمُضَغِ المُخَلَّقَةِ، وغَيْرِ المُخَلَّقَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ شَكُّوا في البَعْثِ، وقالُوا: ﴿مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فَأعْلَمَهم (p-٢٢٨)- عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الَّذِي أنْشَأهُمْ، وأنْشَأ العِظامَ، وخَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، لا مِن شَيْءٍ، قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَها، وهو يُحْيِيهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن طِينٍ ثُمَّ قَضى أجَلا﴾، أيْ: جَعَلَ لِحَياتِكم أجَلًا، أيْ: وقْتًا تَحْيَوْنَ فِيهِ، ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾، يَعْنِي أمْرَ السّاعَةِ، والبَعْثِ، ﴿ثُمَّ أنْتُمْ﴾، بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿تَمْتَرُونَ﴾، أيْ: تَشُكُّونَ.

الأنعام 6:3

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، ”في“، مَوْصُولَةٌ في المَعْنى بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ اللَّهِ، المَعْنى: هو الخالِقُ العالِمُ بِما يَصْلُحُ بِهِ أمْرُ السَّماءِ والأرْضِ، المَعْنى: هو المُتَفَرِّدُ بِالتَّدْبِيرِ في السَّماواتِ والأرْضِ، ولَوْ قُلْتَ: ”هو زَيْدٌ في البَيْتِ والدّارِ“، لَمْ يَجُزْ، إلّا أنْ يَكُونَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ زَيْدًا يُدَبِّرُ أمْرَ البَيْتِ والدّارِ، فَيَكُونَ المَعْنى: هو المُدَبِّرُ في الدّارِ والبَيْتِ، ولَوْ قُلْتَ: ”هو المُعْتَضِدُ الخَلِيفَةُ في الشَّرْقِ والغَرْبِ“، أوْ قُلْتَ: ”هو المُعْتَضِدُ في الشَّرْقِ والغَرْبِ“، جازَ عَلى هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ هو اللَّهُ، وهو في السَّماواتِ وفي الأرْضِ، ومِثْلُ هَذا القَوْلِ الأوَّلِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَهو اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ“، أيْ: هو المَعْبُودُ فِيهِما، وهَذا نَحْوَ القَوْلِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ٥]، دَلَّ بِهَذا أنَّهم كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ، وقَدْ ذُكِرَ اسْتِهْزاؤُهم في غَيْرِ هَذا المَكانِ، ومَعْنى إتْيانِهِ أيْ: ”تَأْوِيلُهُ“، اَلْمَعْنى: سَيَعْلَمُونَ ما يَؤُولُ إلَيْهِ اسْتِهْزاؤُهم. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]، (p-٢٢٩)مَوْضِعُ ”كَمْ“: نَصْبٌ بِـ ”أهْلَكْنا“، إلّا أنَّ هَذا الِاسْتِفْهامَ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، وقِيلَ: ”اَلْقَرْنُ“: ثَمانُونَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعُونَ، والَّذِي يَقَعُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”اَلْقَرْنُ“: أهْلُ مُدَّةٍ كانَ فِيها نَبِيٌّ، أوْ كانَ فِيها طَبَقَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، قَلَّتِ السُّنُونَ، أوْ كَثُرَتْ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«خَيْرُكم قَرْنِي»“، أيْ: أصْحابِي - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم - يَعْنِي التّابِعِينَ -، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم ”، يَعْنِي: اَلَّذِينَ أخَذُوا عَنِ التّابِعِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ“ اَلْقَرْنُ ”، لِجُمْلَةِ الأُمَّةِ، وهَؤُلاءِ قُرُونٌ فِيها، وإنَّما اشْتِقاقُ القَرْنِ مِن“ اَلِاقْتِرانُ ”، فَتَأْوِيلُهُ أنَّ القَرْنَ الَّذِينَ كانُوا مُقْتَرِنِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والَّذِينَ يَأْتُونَ بَعْدَهم ذَوُو اقْتِرانٍ آخَرَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأرْسَلْنا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا﴾ [الأنعام: ٦]، أيْ: ذاتَ غَيْثٍ كَثِيرٍ، و“ مِفْعالٌ ”، مِن أسْماءِ المُبالَغَةِ، يُقالُ:“ دِيمَةٌ مِدْرارٌ ”، إذا كانَ مَطَرُها غَزِيرًا دائِمًا، وهَذا كَقَوْلِهِمْ:“ اِمْرَأةٌ مِذْكارٌ ”، إذا كانَتْ كَثِيرَةَ الوِلادَةِ لِلذُّكُورِ، وكَذا“ مِئْناثٌ "، في الإناثِ.

الأنعام 6:7

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم قَدْ أصِلُوا في السَّيِّئِ الباطِلِ في دَفْعِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهم قَدْ رَأوُا القَمَرَ انْشَقَّ، فَأعْرَضُوا، وقالُوا: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ في كُلِّ ما يَعْجِزُ عَنْهُ المَخْلُوقُونَ: سِحْرٌ، هَذا عَيْنُ الدَّفْعِ (p-٢٣٠)لِغايَةِ الحَقِّ والنُّورِ السّاطِعِ المُبِينِ، فَلَوْ رَأوُا الكِتابَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، لَقالُوا: سِحْرٌ، كَما أنَّهم قالُوا في انْشِقاقِ القَمَرِ: سِحْرٌ.

الأنعام 6:8

﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، يَعْنُونَ: عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَلَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾، يَعْنِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الآياتِ مِمّا لا يَقَعُ مَعَهُ إنْظارٌ، ومَعْنى ”لَقُضِيَ الأمْرُ“: أيْ: لَتَمَّ بِإهْلاكِهِمْ، و”قُضِيَ“، في اللُّغَةِ، عَلى ضُرُوبٍ، كُلُّها يَرْجِعُ إلى مَعْنى انْقِطاعِ الشَّيْءِ، وتَمامِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أجَلا وأجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، مَعْناهُ: ثُمَّ حَتَمَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأتَمَّهُ، ومِنهُ: اَلْأمْرُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، مَعْناهُ: أمَرَ، إلّا أنَّهُ أمْرٌ قاطِعٌ حَتْمٌ، ومِنهُ: اَلْإعْلامُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، أيْ: أعْلَمْناهم إعْلامًا قاطِعًا، ومِنهُ: اَلْقَضاءُ الفَصْلُ في الحُكْمِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ١٤]، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: ”قَدْ قَضى القاضِي بَيْنَ الخُصُومِ“، أيْ: قَدْ قَطَعَ بَيْنَهم في الحُكْمِ، ومِن ذَلِكَ ”قَدْ قَضى فُلانٌ دَيْنَهُ“، تَأْوِيلُهُ: ”قَطَعَ ما لِغَرِيمِهِ عَلَيْهِ“، فَأدّاهُ إلَيْهِ، وقَطَعَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وكُلُّ ما أُحْكِمَ فَقَدْ قُضِيَ، تَقُولُ: ”قَدْ قَضَيْتُ هَذا الثَّوْبَ“، و”قَدْ قَضَيْتُ هَذِهِ الدّارَ“، إذا عَمِلْتُها، وأحْكَمْتُ عَمَلَها، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيُّ: ؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ

الأنعام 6:9

(p-٢٣١)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾، أيْ: لَوْ أرْسَلْنا إلَيْهِمْ مَلَكًا لَمْ نُرْسِلْهُ إلّا في صُورَةِ إنْسانٍ، لَأنَّ المَلَكَ - فِيما قِيلَ - لَوْ نَظَرَ إلَيْهِ ناظِرٌ عَلى هَيْئَتِهِ، لَصَعِقَ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَأْتِي الأنْبِياءَ في صُورَةِ الإنْسِ، فَمِن ذَلِكَ أنَّ جِبْرِيلَ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا نَزَلَ بِالوَحْيِ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ومِنهُ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ، لِأنَّهُما ورَدا عَلى داوُدَ وهُما مَلَكانِ في صُورَةِ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمانِ إلَيْهِ، ومِنهُ أنَّ المَلائِكَةَ أتَتْ إبْراهِيمَ في صُورَةِ الضِّيفانِ، وكَذَلِكَ أتَتْ لُوطًا، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾، يُقالُ: ”لَبَسْتُ الأمْرَ عَلى القَوْمِ، ألْبِسُهُ“، إذا شَبَّهْتُهُ عَلَيْهِمْ، وأشْكَلْتُهُ عَلَيْهِمْ، وكانُوا هم يَلْبِسُونَ عَلى ضَعَفَتِهِمْ في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُونَ: إنَّما هَذا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، فَقالَ: ”وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا فَرَأوْا هُمُ المَلَكَ رَجُلًا، لَكانَ يَلْحَقُهم فِيهِ مِنَ اللَّبْسِ مِثْلُ ما لَحِقَ ضَعَفَتَهم مِنهم“ .

الأنعام 6:10

وَقَوْلُهُ: ﴿فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ”اَلْحَيْقُ“، في اللُّغَةِ: ما يَشْتَمِلُ عَلى الإنْسانِ مِن مَكْرُوهٍ فَعَلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، أيْ: لا تَرْجِعُ عاقِبَةُ مَكْرُوهِهِ إلّا عَلَيْهِمْ.

الأنعام 6:12

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَفَضَّلَ عَلى العِبادِ بِأنْ أمْهَلَهم عِنْدَ كُفْرِهِمْ، وإقْدامِهِمْ عَلى (p-٢٣٢)كَبائِرِ ما نَهاهم عَنْهُ، بِأنْ أنْظَرَهُمْ، وعَمَّرَهُمْ، وفَسَحَ لَهم لِيَتُوبُوا، فَذَلِكَ كَتْبُهُ الرَّحْمَةَ عَلى نَفْسِهِ، فَأمّا ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، فَهو احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ دَفَعُوا البَعْثَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، أيْ: إلى اليَوْمِ الَّذِي أنْكَرْتُمُوهُ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ إلى هَؤُلاءِ“، أيْ: ضَمَمْتُ بَيْنَهم في الجَمْعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾، ذَكَرَ الأخْفَشُ أنَّ ”اَلَّذِينَ“، بَدَلٌ مِنَ الكافِ، والمِيمِ، المَعْنى: لَيَجْمَعَنَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم إلى هَذا اليَوْمِ الَّذِي يَجْحَدُونَهُ، ويَكْفُرُونَ بِهِ، والَّذِي عِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ﴿فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، لِأنَّ ”لَيَجْمَعَنَّكم“، مُشْتَمِلٌ عَلى سائِرِ الخَلْقِ، عَلى الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وغَيْرِهِمْ، وهَذِهِ اللّامُ في ”لَيَجْمَعَنَّكم“، لامُ قَسَمٍ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَمامُ الكَلامِ ”كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ“، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ”لَيَجْمَعَنَّكم“، وكَأنَّ المَعْنى: ”واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”لَيَجْمَعَنَّكم“، بَدَلًا مِن ”اَلرَّحْمَةَ“، مُفَسِّرًا لَها، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ”﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤]“، فَسَّرَ رَحْمَتَهُ بِأنَّهُ يُمْهِلُهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ويَكُونَ في الإمْهالِ ما فَسَّرْنا آنِفًا.

الأنعام 6:13

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ في اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، هَذا أيْضًا احْتِجاجٌ عَلى المُشْرِكِينَ، لِأنَّهم لَمْ يُنْكِرُوا أنَّ ما اسْتَقَرَّ في اللَّيْلِ والنَّهارِ لِلَّهِ، أيْ: هو خالِقُهُ، ومُدَبِّرُهُ، فالَّذِي هو كَذَلِكَ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى.

الأنعام 6:14

ثُمَّ زادَ في الِاحْتِجاجِ والبَيانِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، (p-٢٣٣)أيْ: خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَوْلُهُ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، مَعْناهُ: اِنْشَقَّتْ، فَكَيْفَ يَكُونُ ”اَلْفَطْرُ“، في مَعْنى ”اَلْخَلْقُ“، و”اَلِانْفِطارُ“، في مَعْنى ”اَلِانْشِقاقُ“، فَإنَّهُما يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، لِأنَّ مَعْنى ”فَطَرَهُما“: خَلَقَهُما خَلْقًا قاطِعًا، و”اَلِانْفِطارُ“، و”اَلْفُطُورُ“: تَقَطُّعٌ وتَشَقُّقٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَلا يَطْعَمُ“، والِاخْتِيارُ عِنْدَ البُصَراءِ بِالعَرَبِيَّةِ: ”وَهو يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ“، بِفَتْحِ الياءِ في الثّانِي، قالُوا: مَعْناهُ: ”وَهو يَرْزُقُ، ويُطْعِمُ، ولا يَأْكُلُ، لِأنَّهُ الحَيُّ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ“، ومَن قَرَأ: ”وَلا يُطْعَمُ“، فالمَعْنى أنَّهُ المَوْلى الَّذِي يَرْزُقُ، ولا يُرْزَقُ، كَما أنَّ بَعْضَ العَبِيدِ يَرْزُقُ مَوْلاهُ، والِاخْتِيارُ في ”فاطِرِ“، اَلْجَرُّ، لِأنَّهُ مِن صِفَةِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، والرَّفْعُ والنَّصْبُ جائِزانِ عَلى المَدْحِ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، والثَّناءِ عَلَيْهِ، فَمَن رَفَعَ فَعَلى إضْمارِ ”هو“، اَلْمَعْنى: ”هو فاطِرُ السَّماواتِ والأرْضِ، وهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ“، ومَن نَصَبَ فَعَلى مَعْنى ”اُذْكُرْ“، وأعْنِي بِهَذا الِاحْتِجاجَ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ مَن فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنْشَأ ما فِيهِما، وأحْكَمَ تَدْبِيرَهُما، وأطْعَمَ مَن فِيهِما، فَهو الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

الأنعام 6:16

وَقَوْلُهُ: ﴿مَن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾، أيْ: مَن يَصْرِفِ اللَّهُ عَنْهُ العَذابَ يَوْمَئِذٍ، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، الَّذِي ذَكَرَ أنَّهم يُجْمَعُونَ فِيهِ، وتُقْرَأُ أيْضًا: ”مَن يُصْرَفُ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ“، أيْ: مَن يُصْرَفُ عَنْهُ العَذابُ يَوْمَئِذٍ.

الأنعام 6:19

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أيُّ شَيْءٍ أكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، (p-٢٣٤)و”اَلشّاهِدُ“: هو المُبَيِّنُ لِدَعْوى المُدَّعِي، فَأمَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - نَبِيَّهُ بِأنْ يَحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ الواحِدِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وخَلَقَ الظُّلُماتِ والنُّورِ، وخَلَقَهم أطْوارًا، عَلى ما بَيَّنَ في كِتابِهِ، وأمَرَ أنْ يُعْلِمَهم أنَّ شَهادَةَ اللَّهِ بِأنَّهُ واحِدٌ، وإقامَةَ البَراهِينِ في تَوْحِيدِهِ أكْبَرُ شَهادَةً، وأنَّ القُرْآنَ الَّذِي أتى بِهِ يَشْهَدُ لَهُ بِأنَّهُ رَسُولُهُ، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، اَلَّذِي اعْتَرَفْتُمْ بِأنَّهُ خالِقُ هَذِهِ الأشْياءِ، ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لأُنْذِرَكم بِهِ﴾، فَفي الإنْذارِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ أحَدٌ بِمِثْلِهِ، ولا يَأْتِي بِمِثْلِهِ، لِأنَّ فِيهِ أخْبارَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، جاءَ بِها - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ الكُتُبَ، وأنْبَأ بِما سَيَكُونُ، وكانَ ما أنْبَأ بِهِ حَقًّا، ثُمَّ قالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكانَ ﷺ مَعْصُومًا مِنهُمْ، وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]، فَأظْهَرَ اللَّهُ دِينَ الإسْلامِ عَلى سائِرِ الأدْيانِ، بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ، وغَلَبَةِ المُسْلِمِينَ عَلى أكْثَرِ أقْطارِ الأرْضِ، وقالَ في اليَهُودِ، وكانُوا في وقْتِ مَبْعَثِهِ أعَزَّ قَوْمٍ وأمْتَنَهُ: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١]، فَهم أذِلّاءُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَأنْبَأ اللَّهُ في القُرْآنِ بِما كانَ، وما يَكُونُ، وأتى بِهِ مُؤَلَّفًا تَأْلِيفًا لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ أنْ يَأْتِيَ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، وهم في الوَقْتِ الَّذِي قِيلَ لَهم: لِيَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، خُطَباءُ شُعَراءُ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم أوْجَزُ مِنَ الكَلامِ المَنثُورِ، والمَوْزُونِ، فَعَجَزُوا عَنْ ذَلِكَ.

الأنعام 6:20

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمُ﴾، أيْ: يَعْرِفُونَ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ نَبِيٌّ، كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ، ويُرْوى عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ (p-٢٣٥)لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: ”يا أبا حَمْزَةَ، هَلْ عَرَفْتَ مُحَمَّدًا كَما عَرَفْتَ ابْنَكَ؟“، قالَ: ”نَعَمْ، لِأنَّ اللَّهَ بَعَثَ أمِينَهُ في سَمائِهِ إلى أمِينِهِ في أرْضِهِ بِنَعْتِهِ، فَعَرَفْتُهُ، فَأمّا ابْنِي فَما أدْرِي ما أحْدَثَتْ أُمُّهُ“، فَقالَ: ”صَدَقْتَ يا حَمْزَةُ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، رَفْعٌ عَلى نَعْتِ ”اَلَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ ”فَهم لا يُؤْمِنُونَ“، خَبَرَهُ، و”﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾“، اَلْأشْبَهُ أنْ يَكُونَ هَهُنا يَعْنِي بِهِ أهْلَ الكِتابِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَعْنِي بِهِ جُمْلَةَ الكُفّارِ، مِن أهْلِ الكِتابِ، وغَيْرِهِمْ.

الأنعام 6:23

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾، إنْ شِئْتَ نَصَبْتَ ”فِتْنَتَهم“، عَلى خَبَرِ ”تَكُنْ“، ويَكُونُ ”أنْ قالُوا“، هو الِاسْمَ، وأنَّثَ ”تَكُنْ“، وهو ”إلّا أنْ قالُوا“، لِأنَّ ”أنْ قالُوا“، هَهُنا هو الفِتْنَةُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ”أنْ قالُوا“: ”إلّا مَقالَتَهم“، ويَجُوزُ رَفْعُ الفِتْنَةِ، وتَأْنِيثُ ”تَكُنْ“، ويَكُونُ الخَبَرُ ”أنْ قالُوا“، والِاسْمُ ”فِتْنَتُهم“، ويَجُوزُ ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتَهم إلّا أنْ قالُوا“، فَتُذَكِّرُ ”يَكُنْ“، لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ بِـ ”أنْ قالُوا“، ويَجُوزُ ”ثُمَّ لَمْ يَكُنْ فِتْنَتُهم“، بِالياءِ، ورَفْعِ الفِتْنَةِ، لِأنَّ ”اَلْفِتْنَةُ“، و”اَلِافْتِتانُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، وتَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْوِيلٌ حَسَنٌ في اللُّغَةِ، لَطِيفٌ، لا يَفْهَمُهُ إلّا مَن عَرَفَ مَعانِيَ الكَلامِ، وتَصَرُّفَ العَرَبِ في ذَلِكَ، واللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - ذَكَرَ في هَذِهِ (p-٢٣٦)الأقاصِيصِ الَّتِي جَرَتْ في أمْرِ المُشْرِكِينَ، وهم مُفْتَتِنُونَ بِشِرْكِهِمْ، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنِ افْتِتانُهم بِشِرْكِهِمْ، وإقامَتُهم عَلَيْهِ إلّا أنْ تَبَرَّؤُوا مِنهُ، وانْتَفَوْا مِنهُ، فَحَلَفُوا أنَّهم ما كانُوا مُشْرِكِينَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ أنْ تَرى إنْسانًا يُحِبُّ غاوِيًا، فَإذا وقَعَ في هَلَكَةٍ تَبْرَأ مِنهُ، فَتَقُولُ لَهُ: ”ما كانَتْ مَحَبَّتُكَ لِفُلانٍ إلّا أنِ انْتَفَيْتَ مِنهُ“، ويَجُوزُ ”واللَّهِ رَبِّنا“، عَلى جَرِّ ”رَبِّنا“، عَلى النَّعْتِ، والثَّناءِ لِقَوْلِهِ ”واللَّهِ“، ويَجُوزُ ”واللَّهِ رَبَّنا“، بِنَصْبِ ”رَبَّنا“، ويَكُونُ النَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ: عَلى الدُّعاءِ: ”قالُوا واللَّهِ يا رَبَّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ“، ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى ”أعْنِي“، اَلْمَعْنى: ”أعْنِي رَبَّنا“، و”أذْكُرُ رَبَّنا“، ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى إضْمارِ ”هو“، ويَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ، والقِراءَةُ الجَرُّ، والنَّصْبُ، فَأمّا الرَّفْعُ فَلا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.

الأنعام 6:25

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، ”أكِنَّةً“: جَمْعُ ”كِنانٌ“، وهو الغِطاءُ، مِثْلَ ”عِنانٌ“، و”أعِنَّةٌ“، فَأمّا ”أنْ يَفْقَهُوهُ“، فَمَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، والمَعْنى: ”وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً لِكَراهَةِ أنْ يَفْقَهُوهُ“، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ نُصِبَتِ الكَراهَةُ، ولَمّا حُذِفَتِ الكَراهَةُ انْتَقَلَ نَصْبُها إلى ”أنْ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾، ”اَلْوَقْرُ“: ثِقَلُ السَّمْعِ، وهو بِالفَتْحِ، يُقالُ: ”في أُذُنِهِ وقْرٌ“، و”قَدْ وُقِرَتِ الأُذُنُ، تَوْقَرُ“، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٣٧) ؎وَكَلامٍ سَيِّئٍ قَدْ وقَرَتْ ∗∗∗ أُذُنِي مِنهُ وما بِي مِن صَمَمْ و”اَلْوِقْرُ“، بِكَسْرِ الواوِ: أنْ يَحْمِلَ البَعِيرُ، أوْ غَيْرُهُ، مِقْدارَ ما يُطِيقُ، يُقالُ: ”عَلَيْهِ وِقْرٌ“، و”نَخْلَةٌ مُوقِرٌ، ومُوقِرَةٌ“، بِالكَسْرِ أكْثَرُ، و”مُوقِرٌ“، مِثْلُ ”مُرْضِعٌ“، أيْ: ”ذاتُ وِقْرٍ“، كَما أنَّ تِلْكَ ”ذاتُ رَضاعٍ“، وإنَّما فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ مُجازاةً لَهم بِإقامَتِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَمْ يَفْهَمُوهُ، ولَمْ يَسْمَعُوهُ، ولَكِنَّهم لَمّا عَدَلُوا عَنْهُ، وصَرَفُوا فِكْرَهم عَمّا هم عَلَيْهِ، في سُوءِ العاقِبَةِ، كانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَعْلَمْ، ولَمْ يَسْمَعْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾، أيْ: كُلَّ عَلامَةٍ تَدُلُّهم عَلى نُبُوَّتِكَ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِقْدارَ احْتِجاجِهِمْ، وجَدَلِهِمْ، وأنَّهم إنَّما يَسْتَعْمِلُونَ في الِاحْتِجاجِ أنْ يَقُولُوا: هَذا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَقُولُونَ: اِفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لَيْسَ يُعارِضُونَ ما احْتُجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الحَقِّ، حَيْثُ قِيلَ لَهم: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، وحَيْثُ شَقَّ لَهُمُ القَمَرَ، وحَيْثُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، فَما أتى أحَدٌ بِسُورَةٍ، ولا قَدَرَ عَلى ضَرِّ النَّبِيِّ ﷺ، ولا عَلى قَتْلِهِ، وأنْبَأ - عَزَّ وجَلَّ - بِما سَيَكُونُ في كِتابِهِ، فَوُجِدَ ذَلِكَ أجْمَعُ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، واحِدُها ”إسْطارٌ“، و”أُسْطُورَةٌ“، وتَأْوِيلُ ”اَلسَّطْرُ“، في اللُّغَةِ: أنْ تَجْعَلَ شَيْئًا مُمْتَدًّا (p-٢٣٨)مُؤَلَّفًا، فَمِن ذَلِكَ ”سَطْرُ الكِتابِ“، يُقالُ: ”سَطْرٌ“، و”سَطَرٌ“، فَمَن قالَ: ”سَطْرٌ“، جَمَعَهُ: ”أسْطارٌ“، قالَ رُؤْبَةُ: ؎إنِّي وأسْطارٍ سُطِرْنَ سَطْرا ∗∗∗ لَقائِلٌ يا نَصْرُ نَصْرًا نَصْرا وَجَمْعُ ”أسْطارٌ“: ”أساطِيرُ“، فَعَلى هَذا - عِنْدِي - ”أساطِيرُ الأوَّلِينَ“، ومَن قالَ: ”سَطَرٌ“، فَجَمْعُهُ ”أسْطُرٌ“، وجَمْعُ الجَمْعِ: ”أساطِرَةٌ“، و”أساطِيرُ“، قالَ الشَّمّاخُ - في جَمْعِ ”سَطْرٌ“ -: ؎كَما خَطَّ عِبْرانِيَّةً يَمَنِيَّةً ∗∗∗ بِتَيْماءَ حَبْرٌ ثُمَّ عَرَّضَ أسْطُرا

الأنعام 6:26

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾، أيْ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُتَّبَعَ، ”وَيَنْأوْنَ عَنْهُ“، أيْ: يَتَباعَدُونَ عَنْهُ، يُقالُ: ”نَأيْتُ عَنِ الشَّيْءِ، أنْأى، نَأْيًا“، إذا بَعُدْتُ عَنْهُ، و”اَلنُّؤى“: حاجِزٌ يُجْعَلُ حَوْلَ البَيْتِ، لِئَلّا يَدْخُلَهُ الماءُ مِن خارِجٍ، تُحْفَرُ حُفَيْرَةٌ حَوْلَ البَيْتِ، فَيُجْعَلُ تُرابُها عَلى شَفِيرِ الحُفَيْرَةِ، فَيَمْنَعُ التُّرابُ الماءَ أنْ يَدْخُلَ مِن خارِجٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ”اَلنَّأْيُ“، أيْ: مُباعِدٌ لِلْماءِ مِنَ البَيْتِ "، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ يُعْنى بِهِ بَعْضُ أهْلِ النَّبِيِّ ﷺ، أيْ: وهم يَنْهَوْنَ عَنْ أذى النَّبِيِّ ﷺ ويَتَباعَدُونَ عَنْهُ، أيْ: لا يَتَّبِعُونَهُ، والكَلامُ مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ جَماعَةِ أهْلِ الكِتابِ، والمُشْرِكِينَ، (p-٢٣٩)والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِالمَعْنى.

الأنعام 6:27

قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾، اَلْقِراءَةُ أكْثَرُها بِالفَتْحِ، والتَّفْخِيمِ، والإمالَةُ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ، وهي مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو، أعْنِي كَسْرَ الألِفِ مِن ”اَلنّارِ“، وإنَّما حَسُنَتِ الإمالَةُ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ [الجمعة: ٥]، و”أصْحابُ النّارِ“، لِأنَّ الرّاءَ بَعْدَ الألِفِ مَكْسُورَةٌ، وهي حَرْفٌ كَأنَّهُ مُكَرَّرٌ في اللِّسانِ، فَصارَتِ الكَسْرَةُ فِيهِ كالكَسْرَتَيْنِ، ومَعْنى ﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: جائِزٌ أنْ يَكُونُوا عايَنُوها، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا عَلَيْها وهي تَحْتَهُمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”وُقِفُوا عَلى النّارِ“، أُدْخِلُوها، فَعَرَفُوا مِقْدارَ عَذابِها، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: ”قَدْ وقَفْتَ عَلى ما عِنْدَ فُلانٍ“، تُرِيدُ: ”قَدْ فَهِمْتُهُ، وتَبَيَّنْتُهُ“، ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أكْثَرُ القُرّاءِ بِالرَّفْعِ في قَوْلِهِ: ”وَلا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا“، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم تَمَنَّوُا الرَّدَّ، وضَمِنُوا أنَّهم لا يُكَذِّبُونَ، المَعْنى: ”يا لَيْتَنا نُرَدُّ، ونَحْنُ لا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا، رُدِدْنا أمْ لَمْ نُرَدَّ“، ﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: قَدْ عايَنّا وشاهَدْنا ما لا نُكَذِّبُ مَعَهُ أبَدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: مِثْلُهُ: ”دَعْنِي ولا أعُودُ“، أيْ: ”وَأنا لا أعُودُ، تَرَكْتَنِي أوْ لَمْ تَتْرُكْنِي“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى وجْهٍ آخَرَ، عَلى مَعْنى ”يا لَيْتَنا نُرَدُّ، ويا لَيْتَنا لا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا“، كَأنَّهم تَمَنَّوُا الرَّدَّ، والتَّوْفِيقَ لِلتَّصْدِيقِ، ﴿وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، اَلرَّفْعُ والنَّصْبُ أيْضًا فِيهِ جائِزانِ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى ”يا لَيْتَنا نُرَدُّ“، وتَكُونُ ”يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ“، (p-٢٤٠)عَلى الجَوابِ بِالواوِ في التَّمَنِّي، كَما تَقُولُ: ”لَيْتَكَ تَصِيرُ إلَيْنا ونُكْرِمَكَ“، اَلْمَعْنى: ”لَيْتَ مَصِيرُكَ يَقَعُ وإكْرامَنا“، ويَكُونُ المَعْنى: ”لَيْتَ رَدُّنا وقَعَ وألّا نُكَذِّبَ“، أيْ: ”إنْ رُدِدْنا لَمْ نُكَذِّبْ“ .

الأنعام 6:28

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾، أيْ: بَلْ ظَهَرَ لِلَّذِينِ اتَّبَعُوا الغُواةَ ما كانَ الغُواةُ يُخْفُونَ عَنْهم مِن أمْرِ البَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّ المُتَّصِلَ

الأنعام 6:29

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا إنْ هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾، فَأنْكَرُوا البَعْثَ، لِيُجَرِّئُوا عَلى المَعاصِي، ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ، قالَ بَعْضُهم: لَوْ رُدُّوا، ولَمْ يُعايِنُوا العَذابَ، لَعادُوا، كَأنَّهُ يَذْهَبُ إلى أنَّهم لَمْ يُشاهِدُوا ما يَضْطَرُّهم إلى الِارْتِداعِ، وهَذا - عَلَّهُ - بَيِّنٌ، لِأنَّ هَذا القَوْلَ مِنهم بَعْدَ أنْ بُعِثُوا، وعَلِمُوا أمْرَ القِيامَةِ، وعايَنُوا النّارَ، فالمَعْنى أنَّ أكْثَرَ مَن عايَنَ مِنَ اليَهُودِ والمُشْرِكِينَ قَدْ عَلِمَ أنَّ أمْرَ اللَّهِ حَقٌّ، فَرَكَنَ إلى الرَّفاهِيَةِ، وأنَّ الشَّيْءَ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ إلى أمَدٍ، كَما فَعَلَ إبْلِيسُ الَّذِي قَدْ شاهَدَ مِن بَراهِينِ اللَّهِ ما لا غايَةَ بَعْدَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لَوْ رُدُّوا لَعادُوا، لِأنَّهم قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ وُجُوبِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ، فَقِيلَ لَهُ: ما بالُ أهْلِ النّارِ عَمِلُوا في عُمْرٍ قَصِيرٍ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ، فَخُلِّدُوا في النّارِ، وأهْلِ الجَنَّةِ عَمِلُوا في عُمْرٍ قَصِيرٍ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَخُلِّدُوا في الجَنَّةِ؟ فَقالَ: ”إنَّ الفَرِيقَيْنِ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى أنَّهُ لَوْ عاشَ أبَدًا عَمِلَ بِذَلِكَ العَمَلِ»“ .

الأنعام 6:31

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾، (p-٢٤١)كُلُّ ما جاءَ فُجاءَةً فَقَدْ ”بَغَتَ“، يُقالُ: ”قَدْ بَغَتَهُ الأمْرُ، يَبْغَتُهُ، بَغْتًا، وبَغْتَةً“، إذا أتاهُ فُجاءَةً، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَلَكِنَّهم ماتُوا ولَمْ أخْشَ بَغْتَةً ∗∗∗ وأفْظَعُ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَؤُكَ البَغْتُ وَقَوْلُهُ: ﴿يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: ما مَعْنى دُعاءِ الحَسْرَةِ، وهي لا تَعْقِلُ، ولا تُجِيبُ؟ فالجَوابُ عَنْ ذَلِكَ أنَّ العَرَبَ إذا اجْتَهَدَتْ في الإخْبارِ عَنْ عَظِيمٍ تَقَعُ فِيهِ، جَعَلَتْهُ نِداءً، فَلَفْظُهُ لَفْظُ ما يُنَبَّهُ، والمُنَبَّهُ غَيْرُهُ، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وقَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، وقَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا﴾ [يس: ٥٢]، فَهَذا أبْلَغُ مِن أنْ تَقُولَ: ”أنا حَسِرٌ عَلى العِبادِ“، وأبْلَغُ مِن أنْ تَقُولَ: ”اَلْحَسْرَةُ عَلَيْنا في تَفْرِيطِنا“، قالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّكَ إذا قُلْتَ: ”يا عَجَباهُ“، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”اُحْضُرْ وتَعالَ يا عَجَبُ، فَإنَّهُ مِن أزَمانِكَ“، وتَأْوِيلُ ”يا حَسْرَتَنا“: ”اِنْتَبِهُوا عَلى أنَّنا قَدْ خَسِرْنا“، وهَذا مِثْلُهُ في الكَلامِ في أنَّكَ أدْخَلْتَ عَلَيْهِ ”يا“، لِلتَّنْبِيهِ، وأنْتَ تُرِيدُ النّاسَ، قَوْلُكُ: ”لا أرَيَنَّكَ هَهُنا“، فَلَفْظُكَ لَفْظُ النّاهِي نَفْسَهُ، ولَكِنَّهُ لَمّا عُلِمَ أنَّ الإنْسانَ لا يَحْتاجُ أنْ يَلْفِظَ بِنَهْيِ نَفْسِهِ، دَخَلَ المُخاطَبُ في النَّهْيِ، فَصارَ المَعْنى: ”لا تَكُونَنَّ هَهُنا، (p-٢٤٢)فَإنَّكَ إذا كُنْتَ رَأيْتُكَ“، وكَذَلِكَ ”يا حَسْرَتَنا“، قَدْ عُلِمَ أنَّ الحَسْرَةَ لا تُدْعى، فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ لِلْمُخاطَبِينَ، ومَعْنى: ”فَرَّطْنا فِيها“، قَدَّمْنا العَجْزَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهُمْ﴾، أيْ: يَحْمِلُونَ ثِقْلَ ذُنُوبِهِمْ، وهَذا مَثَلٌ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ جُعِلَ ما يَنالُهم مِنَ العَذابِ بِمَنزِلَةِ أثْقَلِ ما يُحْمَلُ، لِأنَّ الثِّقْلَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ في الوِزْرِ، وفي الحالِ، فَتَقُولُ في الحالِ: ”قَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ خِطابُ فُلانٍ“، تَأْوِيلُهُ: ”قَدْ كَرِهْتُ خِطابَهُ كَراهَةً اشْتَدَّتْ عَلَيَّ“، فَتَأْوِيلُ الوِزْرِ: ”اَلثِّقْلُ“، مِن هَذِهِ الجِهَةِ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْوَزَرُ“، وهو الجَبَلُ، والَّذِي يَعْتَصِمُ بِهِ المَلِكُ والنَّبِيُّ، أيْ: يُعِينُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥]، سَألَ مُوسى رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ أخاهُ وزِيرًا لَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾، أيْ: بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا، أيْ: يَحْمِلُونَهُ، وقَدْ فَسَّرْنا عَمَلَ ”نِعْمَ“، و”بِئْسَ“، فِيما مَضى مِنَ الكِتابِ، وكَذَلِكَ ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾ [الأعراف: ١٧٧]، أيْ: مَثَلُ القَوْمِ.

الأنعام 6:33

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ﴾، و”لا يُكْذِبُونَكَ“، ومَعْنى ”كَذَّبْتُهُ“: قُلْتُ لَهُ: ”كَذَبْتَ“، ومَعْنى ”أكْذَبْتُهُ“: اِدَّعَيْتُ أنَّ ما أتى بِهِ كَذِبٌ، وتَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ”لا يُكَذِّبُونَكَ“، أيْ: لا يَقْدِرُونَ أنْ يَقُولُوا لَكَ فِيما أنْبَأْتَ بِهِ مِمّا في كُتُبِهم: ”كَذَبْتَ“، ووَجْهٌ آخَرُ: إنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ بِقُلُوبِهِمْ، أيْ: يَعْلَمُونَ أنَّكَ صادِقٌ، (p-٢٤٣)﴿وَلَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، لِأنَّهم إنَّما جَحَدُوا بَراهِينَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ“، أيْ: ”أنْتَ عِنْدَهم صادِقٌ“، لِأنَّهُ ﷺ كانَ يُسَمّى فِيهِمْ ”اَلْأمِينَ“، قَبْلَ الرِّسالَةِ، ولَكِنَّهم جَحَدُوا بِألْسِنَتِهِمْ ما تَشْهَدُ قُلُوبُهم بِكَذِبِهِمْ فِيهِ.

الأنعام 6:34

ثُمَّ عَزّى اللَّهُ نَبِيَّهُ، وصَبَّرَهُ بِأنْ أخْبَرَهُ أنَّ الرُّسُلَ قَبْلَهُ قَدْ كَذَّبَتْهم أُمَمٌ، فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾، أيْ: إذْ قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وإذْ قالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، فَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ، أيْ: لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ، ولا يَغْلِبُ أوْلِياءَهُ أحَدٌ.

الأنعام 6:35

ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - رَسُولَهُ أنَّهُ يَأْتِي مِنَ الآياتِ بِما أحَبَّ، وأنَّهُ ﷺ بَشَرٌ لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِآيَةٍ، إلّا بِما شاءَ اللَّهُ مِنَ الآياتِ، فَقالَ: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهُمْ﴾، أيْ: إنْ كانَ عَظُمَ عَلَيْكَ أنْ أعْرَضُوا إذْ طَلَبُوا مِنكَ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَلَكًا، لِأنَّهم قالُوا: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٨]، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهم لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ وأتاهم عَظِيمٌ مِنَ الآياتِ، ما آمَنُوا. وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ﴾، (p-٢٤٤)و”اَلنَّفَقُ“: اَلطَّرِيقُ النّافِذُ في الأرْضِ، و”اَلنّافِقاءُ“ - ”مَمْدُودٌ“ -: أحَدُ جِحَرَةِ اليَرْبُوعِ، يَخْرِقُهُ مِن باطِنِ الأرْضِ إلى جِلْدَةِ الأرْضِ، فَإذا بَلَغَ الجِلْدَةَ أرَقَّها، حَتّى إنْ رابَهُ دَبِيبٌ رَفَعَ بِرَأْسِهِ هَذا المَكانَ وخَرَجَ مِنهُ، ومِن هَذا سُمِّيَ ”اَلْمُنافِقُ“، ”مُنافِقًا“، لِأنَّهُ أبْطَنَ غَيْرَ ما أظْهَرَ، كَـ ”اَلنّافِقاءُ“، الَّذِي ظاهِرُهُ غَيْرُ بَيِّنٍ، وباطِنُهُ حَفْرٌ في الأرْضِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ﴾، و”اَلسُّلَّمُ“: مُشْتَقٌّ مِن ”اَلسَّلامَةُ“، وهو الشَّيْءُ الَّذِي يُسَلِّمُكَ إلى مُصَعَّدِكَ، المَعْنى: ”فَإنِ اسْتَطَعْتَ هَذا فافْعَلْ“، ولَيْسَ في القُرْآنِ ”فافْعَلْ“، لِأنَّهُ قَدْ يُحْذَفُ ما في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُكَ: ”إنْ رَأيْتَ أنْ تَمْضِيَ مَعَنا إلى فُلانٍ ولا تَذْكُرَ فافْعَلْ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وإعْلامُهُ النَّبِيَّ هَذا، هو إعْلامُ الخَلْقِ أنَّهم إنَّما اقْتَرَحُوا هُمُ الآياتِ، وأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَزِّلَ آيَةً آيَةً، وأنَّهُ لَوْ أُنْزِلَتِ المَلائِكَةُ، وكَلَّمَهُمُ المَوْتى، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، فَأحَدُها أنَّهُ لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْ يَطْبَعَهم عَلى الهُدى لَفَعَلَ ذَلِكَ، وقَوْلٌ آخَرُ: ”وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى“، أيْ: لَوْ شاءَ لَأنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، كَقَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنْ نَشَأْ نُنَـزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، (p-٢٤٥)فَإنَّما أنْزَلَ اللَّهُ الآياتِ الَّتِي يُفَكِّرُ النّاسُ مَعَها، فَيُؤْجَرُ ذُو البَصَرِ، ويُثابُ عَلى الإيمانِ بِالآياتِ، ولَوْ كانَتْ نارٌ تَنْزِلُ عَلى مَن يَكْفُرُ، أوْ يُرْمى بِحَجَرٍ مِنَ السَّماءِ، لَآمَنَ كُلُّ واحِدٍ.

الأنعام 6:36

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ يَسْمَعُونَ سَماعَ قابِلِينَ، وجَعَلَ مَن لَمْ يَقْبَلْ بِمَنزِلَةِ الأصَمِّ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ ﴿والمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: يُحْيِيهِمْ، ﴿ثُمَّ إلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾

الأنعام 6:37

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أنْ يُنَـزِّلَ آيَةً﴾، أيْ: آيَةً تَجْمَعُهم عَلى الهُدى.

الأنعام 6:38

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾، يَجُوزُ ”وَلا طائِرٌ“، بِالرَّفْعِ، عَلى العَطْفِ عَلى مَوْضِعِ ”دابَّةٍ“، اَلتَّأْوِيلُ: ”وَما دابَّةٌ في الأرْضِ ولا طائِرٌ“، والجَرُّ أجْوَدُ، وأكْبَرُ، عَلى مَعْنى ”وَما مِن دابَّةٍ ولا طائِرٍ“، وقالَ: ”يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ“، عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، لِأنَّكَ قَدْ تَقُولُ لِلرَّجُلِ: ”طِرْ في حاجَتِي“، أيْ: أسْرِعْ، وجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَلَيْسَ يَخْلُو مِن هاتَيْنِ المَنزِلَتَيْنِ، إمّا أنْ يَدِبَّ، أوْ يَطِيرَ، ﴿إلا أُمَمٌ أمْثالُكُمْ﴾، أيْ: في الخَلْقِ، والمَوْتِ، والبَعْثِ.

الأنعام 6:40

(p-٢٤٦)وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ أوْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾، ”اَلسّاعَةُ“: اِسْمٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يُصْعَقُ فِيهِ العِبادُ، واسْمٌ لِلْوَقْتِ الَّذِي يُبْعَثُ فِيهِ العِبادُ، والمَعْنى: إنْ أتَتْكُمُ السّاعَةُ الَّتِي وُعِدْتُمْ فِيها بِالبَعْثِ والفَناءِ، لِأنَّ قَبْلَ البَعْثِ مَوْتُ الخَلْقِ كُلِّهِ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ﴾، أيْ: أتَدْعُونَ هَذِهِ الأصْنامَ والحِجارَةَ الَّتِي عَبَدْتُمُوها مِن دُونِ اللَّهِ؟ فاحْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِما لا يَدْفَعُونَهُ، لِأنَّهم كانُوا إذا مَسَّهُمُ الضُّرُّ دَعَوُا اللَّهَ، وقالَ النَّحْوِيُّونَ في هَذِهِ الكافِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ”أرَأيْتَكم“، غَيْرَ قَوْلٍ، قالَ الفَرّاءُ: لَفْظُها لَفْظُ نَصْبٍ، وتَأْوِيلُها تَأْوِيلُ رَفْعٍ، قالَ: ومِثْلُها الكافُ في قَوْلِهِ: ”دُونَكَ زَيْدًا“، قالَ: اَلْكافُ في مَوْضِعِ خَفْضِ، وتَأْوِيلُها تَأْوِيلُ الرَّفْعِ، لِأنَّ المَعْنى: ”خُذْ زَيْدًا“، وهَذا لَمْ يَقُلْهُ مَن تَقَدَّمَ مِنَ النَّحْوِيِّينَ، وهو خَطَأٌ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما شَأْنُهُ؟“ تَصِيرُ ”أرَأيْتَ“، قَدْ تَعَدَّتْ إلى الكافِ، وإلى زَيْدٍ، فَيَصِيرُ لِـ ”رَأيْتَ“، اِسْمانِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: ”أرَأيْتَ نَفْسَكَ زَيْدًا ما حالُهُ؟“، وهَذا مُحالٌ، والَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّحْوِيُّونَ المَوْثُوقُ بِعِلْمِهِمْ أنَّ الكافَ لا مَوْضِعَ لَها، وإنَّما المَعْنى: ”أرَأيْتَ زَيْدًا ما حالُهُ؟“، وإنَّما الكافُ زِيادَةٌ في بَيانِ الخِطابِ، وهي المُعْتَمَدُ عَلَيْها في الخِطابِ، اعْلَمْ أنَّكَ تَقُولُ - إذا كانَتِ الكافُ زائِدَةً لِلْخِطابِ، لِلْواحِدِ الذَّكَرِ -: ”أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما حالُهُ؟“، بِفَتْحِ التّاءِ، والكافِ، وتَقُولُ لِلْمُؤَنَّثِ: ”أرَأيْتَكِ زَيْدًا ما حالُهُ يا امْرَأةً“، وتَفْتَحُ عَلى أصْلِ خِطابِ الذَّكَرِ، وتَكْسِرُ الكافَ، لِأنَّها قَدْ صارَتْ آخِرَ ما في الكَلِمَةِ، والمُبَيِّنَةَ عَنِ الخِطابِ، وتَقُولُ (p-٢٤٧)لِلِاثْنَيْنِ: ”أرَأيْتَكُما زَيْدًا ما حالُهُ؟“، و”أرَأيْتَكم زَيْدًا ما حالُهُ“، لِلْجَماعَةِ، فَتُوَحِّدُ التّاءَ، فَكَما وجَبَ أنْ تُوَحِّدَها في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، وجَبَ أنْ تُذَكِّرَها مَعَ المُؤَنَّثِ، فَإذا سَألْتَ النِّسْوَةَ قُلْتَ: ”أرَأيْتَكُنَّ زَيْدًا ما حالُهُ؟“، وتَثْنِيَةُ المُؤَنَّثِ كَتَثْنِيَةِ المُذَكَّرِ في كُلِّ شَيْءٍ، فَإنْ عَدَّيْتَ الفاعِلَ إلى المَفْعُولِ في هَذا البابِ، صارَتِ الكافُ مَفْعُولَهُ، تَقُولُ: ”رَأيْتُنِي عالِمًا بِفُلانٍ“، فَإذا سَألْتَ عَنْ هَذا الشَّرْطِ قُلْتَ لِلرَّجُلِ: ”أرَأيْتَكَ عالِمًا بِفُلانٍ؟“، وتَقُولُ لِلِاثْنَيْنِ عَلى هَذا: ”أرَأيْتاكُما عالِمَيْنِ بِفُلانٍ؟“، ولِلْجَمِيعِ: ”أرَأيْتَمُوكم عالِمِينَ بِفُلانٍ؟“، لِأنَّ هَذا في تَأْوِيلِ ”أرَأيْتُمْ أنْفُسَكُمْ؟“، وتَقُولُ لِلْمَرْأةِ: ”أرَأيْتِكِ عالِمَةً بِفُلانٍ“، بِكَسْرِ التّاءِ والكافِ، وتَقُولُ لِلِاثْنَيْنِ: ”أرَأيْتُماكُما عالِمَيْنِ بِفُلانٍ؟“، ولِلْجَماعَةِ: ”أرَأيْتَكُنَّ عالِماتٍ بِفُلانٍ؟“، فَعَلى هَذا قِياسُ هَذَيْنِ البابَيْنِ.

الأنعام 6:41

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ إيّاهُ تَدْعُونَ﴾، ”بَلْ“: اِسْتِدْراكٌ، وإيجابٌ بَعْدَ نَفْيٍ، تَقُولُ: ”ما جاءَ زَيْدٌ بَلْ عَمْرٌو“، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهم لا يَدْعُونَ في حالِ الشَّدائِدِ إلّا إيّاهُ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهم قَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ﴾، اَلْمَعْنى: فَيَكْشِفُ الضُّرَّ الَّذِي مِن أجْلِهِ دَعَوْتُمْ، وهَذا عَلى اتِّساعِ الكَلامِ، مِثْلَ ”سَلِ القَرْيَةَ“، اَلْمَعْنى: ”سَلْ أهْلَ القَرْيَةِ“ . وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾، ”وَتَنْسَوْنَ“، هَهُنا، عَلى ضَرْبَيْنِ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”تَنْسَوْنَ“: تَتْرُكُونَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”إنَّكم في تَرْكِكم دُعاءَهم بِمَنزِلَةِ مَن يَسْهُونَ“ .

الأنعام 6:42

(p-٢٤٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾، قِيلَ: ”اَلْبَأْساءُ“: اَلْجُوعُ، و”اَلضَّرّاءُ“: اَلنَّقْصُ في الأمْوالِ، والأنْفُسِ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ قَدْ أرْسَلَ الرُّسُلَ قَبْلَهُ إلى قَوْمٍ بَلَغُوا مِنَ القَسْوَةِ إلى أنْ أُخِذُوا بِالشِّدَّةِ في أنْفُسِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، لِيَخْضَعُوا، ويَذِلُّوا لِأمْرِ اللَّهِ، لِأنَّ القُلُوبَ تَخْشَعُ، والنُّفُوسَ تَضْرَعُ، عِنْدَ ما يَكُونُ مِن أمْرِ اللَّهِ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ، فَلَمْ تَخْشَعْ، ولَمْ تَضْرَعْ، وقالَ: ﴿لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾، ومَعْنى ”لَعَلَّ“: تَرَجٍّ، وهَذا التَّرَجِّي لِلْعِبادِ، أخَذَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ ما يَرْجُوهُ العِبادُ مِنهُ بِالتَّضَرُّعِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّةِ فِرْعَوْنَ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَعْنى اِذْهَبا عَلى رَجائِكُما، واللَّهُ عالِمٌ بِما يَكُونُ وراءَ ذَلِكَ.

الأنعام 6:43

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾، اَلْمَعْنى: فَهَلّا إذْ جاءَهم بَأْسُنا تَضَرَّعُوا؟ ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، أيْ: أقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ.

الأنعام 6:44

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أيْ: فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ كانَ مُغْلَقًا عَلَيْهِمْ مِنَ الخَيْرِ، ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾، أيْ: حَتّى إذا ظَنُّوا أنَّ كُلَّ ما نَزَلَ بِهِمْ لَمْ يَكُنِ انْتِقامًا مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وأنَّهم لَمّا فُتِحَ عَلَيْهِمْ ظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بِاسْتِحْقاقِهِمْ، ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً﴾، أيْ: فاجَأهم عَذابُنا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ. (p-٢٤٩)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾، ”اَلْمُبْلِسُ“: اَلشَّدِيدُ الحَسْرَةِ، واليائِسُ الحَزِينُ.

الأنعام 6:45

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقُطِعَ دابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، حَمِدَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَفْسَهُ عَلى أنْ قَطَعَ دابِرَهُمْ، واسْتَأْصَلَ شَأْفَتَهُمْ، لِأنَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أرْسَلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلَ، وأنْظَرَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، وأخَذَهم بِالبَأْساءِ، والضَّرّاءِ، فَبالَغَ - جَلَّ وعَزَّ - في إنْذارِهِمْ، وإمْهالِهِمْ، فَحَمِدَ نَفْسَهُ، لِأنَّهُ مَحْمُودٌ في إمْهالِهِ مَن كَفَرَ بِهِ، وانْتِظارِهِ تَوْبَتَهُ.

الأنعام 6:46

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِهِ﴾، أيْ: بِسَمْعِكُمْ، ويَكُونُ ما عُطِفَ عَلى السَّمْعِ داخِلًا في القِصَّةِ، إذْ كانَ مَعْطُوفًا عَلى السَّمْعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾، أيْ: ”يُعْرِضُونَ“، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ يُصَرِّفُ لَهُمُ الآياتِ، وهي العَلاماتُ الَّتِي تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ثُمَّ هم يُعْرِضُونَ عَمّا وضَحَ لَهُمْ، وظَهَرَ عِنْدَهم.

الأنعام 6:47

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً﴾، ”اَلْبَغْتَةُ“: اَلْمُفاجَأةُ، و”اَلْجَهْرُ“: أوْ يَأْتِيَهم وهم يَرَوْنَهُ، ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾، (p-٢٥٠)أيْ: هَلْ يُهْلَكُ إلّا أنْتُمْ، ومَن أشْبَهَكُمْ؟ لِأنَّكم كَفَرْتُمْ مُعانِدِينَ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّكم ظالِمُونَ.

الأنعام 6:48

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ﴾، أيْ: لَيْسَ إرْسالُهم بِأنْ يَأْتُوا النّاسَ بِما يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِمْ مِنَ الآياتِ، وإنَّما يَأْتُونَ مِنَ الآياتِ بِما يُبَيِّنُ اللَّهُ بِهِ بَراهِينَهُمْ، وإنَّما قَصْدُهُمُ التَّبْشِيرُ، والإنْذارُ.

الأنعام 6:50

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾، هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الأنعام: ٣٧]، فَأعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لا يَمْلِكُ خَزائِنَ اللَّهِ الَّتِي بِها يَرْزُقُ، ويُعْطِي، وأنَّهُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَيُخْبِرَهم بِما غابَ عَنْهُ مِمّا مَضى، وما سَيَكُونُ، إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ﴿وَلا أقُولُ لَكم إنِّي مَلَكٌ﴾، أيْ: اَلْمَلَكُ يُشاهِدُ مِن أُمُورِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ما لا يُشاهِدُهُ البَشَرُ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَتَّبِعُ الوَحْيَ، فَقالَ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾، أيْ: ما أنْبَأْتُكم بِهِ مِن غَيْبٍ فِيما مَضى، وفِيما سَيَكُونُ، فَهو بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، فَأمّا الإنْباءُ بِما مَضى، فَإخْبارٌ بِقَصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والإخْبارُ بِما سَيَكُونُ كَقَوْلِهِ: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] ﴿فِي أدْنى الأرْضِ وهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣] ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، فَوُجِدَ مِن ذَلِكَ ما أنْبَأ بِهِ، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، (p-٢٥١)فاجْتَهَدُوا في قَتْلِهِ، فَلَمْ يَصِلُوا إلى ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وما يُرْوى مِنَ الأخْبارِ عَنْهُ بِما يَكُونُ، أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْ يُحْشَرُوا إلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١]، قَوْلُهُ: ”وَأنْذِرْ بِهِ“: أيْ: بِالقُرْآنِ، وإنَّما ذُكِرَ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ، دُونَ غَيْرِهِمْ، وهو ﷺ مُنْذِرُ جَمِيعِ الخَلْقِ، لِأنَّ الَّذِينَ يَخافُونَ الحَشْرَ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ أوْجَبُ، لِأنَّهم أفْهَمُ بِالمِيعادِ، فَهم أحَدُ رَجُلَيْنِ، إمّا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، فَيُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في إسْلامِهِ، وإمّا رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَأهْلُ الكِتابِ أجْمَعُونَ مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - خالِقُهُمْ، وأنَّهم مَبْعُوثُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَهم مِن دُونِهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: ٥١]، لِأنَّ النَّصارى، واليَهُودَ ذَكَرَتْ أنَّها أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا ولِيَّ لَهُ إلّا المُؤْمِنُونَ، وأنَّ أهْلَ الكُفْرِ لَيْسَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ ولِيٌّ ولا شَفِيعٌ.

الأنعام 6:52

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، كانَ قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ أرادُوا الحِيلَةَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالُوا: لَوْ باعَدْتَ عَنْكَ هَؤُلاءِ السِّفْلَةَ، والعَبِيدَ، لَجَلَسَ إلَيْكَ الكُبَراءُ والأشْرافُ، وكانُوا عَنَوْا بِالَّذِينِ قَدَّرُوا أنْ يُباعِدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ صُهَيْبًا، وخَبّابًا، وعَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، وسَلْمانَ الفارِسِيَّ، وبِلالًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أمْرَ الدِّينِ هو المُقَدَّمُ، ونَهاهُ أنْ يُباعِدَ هَؤُلاءِ، وأعْلَمَهُ أنَّهم يُرِيدُونَ ما عِنْدَ اللَّهِ، فَشَهِدَ لَهم بِصِحَّةِ النِّيّاتِ، وأنَّهم مُخْلِصُونَ في ذَلِكَ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، أيْ: يُرِيدُونَ اللَّهَ، ويَقْصِدُونَ الطُّرُقَ الَّتِي أمَرَهم بِقَصْدِها، وإنَّما قَدَّرُوا بِهَذا أنْ يُباعِدَهم فَتَكُونَ لَهم حُجَّةٌ عَلَيْهِ، واللَّهُ قَدْ أعْلَمَ (p-٢٥٢)فِي قِصَّةِ نُوحٍ أنَّهُ اتَّبَعَ نُوحًا مَن كانَ عِنْدَهم مِن أراذِلِهِمْ، فَقالَ: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١]، وقالُوا: ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾ [هود: ٢٧] وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، جَوابُ ﴿وَلا تَطْرُدِ﴾ . وَقَوْلُهُ: ”فَتَطْرُدَهم“، جَوابُ ﴿ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ﴾ .

الأنعام 6:53

وَمَعْنى ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ﴾، أيْ: اِخْتَبَرْنا، وابْتَلَيْنا، ﴿لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾، أيْ: لِيَكُونَ ذَلِكَ آيَةً أنَّهُمُ اتَّبَعُوا الرَّسُولُ وصَبَرُوا عَلى الشِّدَّةِ، وهم في حالٍ شَدِيدَةٍ.

الأنعام 6:54

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾، أيْ: اَلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِحُجَجِنا، وبَراهِينِنا، ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾، سَمِعْتُ أبا العَبّاسِ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ يَذْكُرُ أنَّ السَّلامَ في اللُّغَةِ أرْبَعَةُ أشْياءَ، فَمِنها: ”سَلَّمْتُ سَلامًا“، مَصْدَرُ ”سَلَّمْتُ“، ومِنها: ”اَلسَّلامُ“: جَمْعُ ”سَلامَةٌ“، ومِنها: ”اَلسَّلامُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها: ”اَلسَّلامُ“: شَجَرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلّا سَلامٌ وحَرْمَلُ وَمَعْنى ”اَلسَّلامُ“، اَلَّذِي هو مَصْدَرُ ”سَلَّمْتُ“، أنَّهُ دُعاءٌ لِلْإنْسانِ أنْ يَسْلَمَ مِنَ (p-٢٥٣)الآفاتِ في دِينِهِ، ونَفْسِهِ، وتَأْوِيلُهُ ”اَلتَّخَلُّصُ“، و”اَلسَّلامُ“ - اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ذُو السَّلامِ، أيْ: هو الَّذِي يَمْلِكُ السَّلامَ، الَّذِي هو تَخْلِيصٌ مِنَ المَكْرُوهِ، فَأمّا ”اَلسَّلامُ“، اَلشَّجَرُ، فَهو شَجَرٌ عِظامٌ، قَوِيٌّ، أحْسَبُهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِسَلامَتِهِ مِنَ الآفاتِ، و”اَلسِّلامُ“: اَلْحِجارَةُ الصُّلْبَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَلامَتِها مِنَ الرَّخاوَةِ، والصُّلْحُ يُسَمّى ”اَلسِّلْمَ“، و”اَلسَّلْمَ“، و”اَلسَّلَمَ“، سُمِّيَ بِهَذا لِأنَّ مَعْناهُ: اَلسَّلامَةُ مِنَ الشَّرِّ، و”اَلسَّلْمُ“: دَلْوٌ لَها عُرْوَةٌ واحِدَةٌ، نَحْوَ دَلْوِ السَّقائِينَ، سُمِّيَتْ ”اَلدَّلْوُ“، ”سَلْمًا“، لِأنَّها أقَلُّ عُرًى مِن سائِرِ الدِّلاءِ، فَهي أسْلَمُها مِنَ الآفاتِ، و”اَلسُّلَّمُ“: اَلَّذِي يُرْتَقى عَلَيْهِ، سُمِّيَ بِهَذا لِأنَّهُ يُسَلِّمُكَ إلى حَيْثُ تُرِيدُ، و”اَلسُّلَّمُ“: اَلسَّبَبُ إلى الشَّيْءِ، سُمِّيَ بِهَذا لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى غَيْرِهِ، كَما يُؤَدِّي السُّلَّمُ الَّذِي يُرْتَقى عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، بِفَتْحِهِما جَمِيعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إنَّهُ... فَإنَّهُ“، بِكَسْرِهِما جَمِيعًا، ويَجُوزُ فَتْحُ الأُولى، وكَسْرُ الثّانِيَةِ، ويَجُوزُ كَسْرُ الأُولى، وفَتْحُ الثّانِيَةِ، فَأمّا فَتْحُ الأُولى والثّانِيَةِ فَعَلى أنَّ مَوْضِعَ ”أنَّ“، اَلْأُولى نَصْبٌ، المَعْنى: ”كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ المَغْفِرَةَ“، وهي بَدَلٌ مِن ”اَلرَّحْمَةَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ، وهي المَغْفِرَةُ، لِلْمُذْنِبِينَ التّائِبِينَ“، لِأنَّ مَعْنى أنَّهُ ”غَفُورٌ رَحِيمٌ“: اَلْمَغْفِرَةُ مِنهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ وقَعَتْ مُؤَكِّدَةً لِلْأُولى، لِأنَّ المَعْنى: ”كَتَبَ رَبُّكم أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“، فَلَمّا طالَ الكَلامُ أُعِيدَ ذِكْرُ ”إنَّ“، فَأمّا كَسْرُهُما جَمِيعًا فَعَلى مَذْهَبِ الحِكايَةِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ”كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ قالَ: إنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِن بَعْدِهِ وأصْلَحَ فَإنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“، بِالكَسْرِ. (p-٢٥٤)وَجُعِلَتِ الفاءُ جَوابًا لِلْجَزاءِ، وكُسِرَتْ ”إنَّ“، دَخَلَتْ عَلى ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”فَهو غَفُورٌ رَحِيمٌ“، إلّا أنَّ الكَلامَ بِـ ”إنَّ“، أوْكَدُ، ومَن كَسَرَ الأُولى فَعَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الحِكايَةِ، وإذا فَتَحَ الثّانِيَةَ مَعَ كَسْرِ الأُولى، لِأنَّ مَعْناها المَصْدَرُ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ”إنَّهُ مَن عَمِلَ كَذا وكَذا فَمَغْفِرَةُ اللَّهِ لَهُ“، ومَن فَتَحَ الأُولى، وكَسَرَ الثّانِيَةَ، فالمَعْنى راجِعٌ إلى المَصْدَرِ، وكَأنَّكَ لَمْ تَذْكُرْ ”إنَّ“، اَلثّانِيَةَ، المَعْنى: ”كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ“، ومَعْنى ”كَتَبَ“: أوْجَبَ ذَلِكَ إيجابًا مُؤَكَّدًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كَتَبَ ذَلِكَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وإنَّما خُوطِبَ الخَلْقُ بِما يَعْقِلُونَ، فَهم يَعْقِلُونَ أنَّ تَوْكِيدَ الشَّيْءِ المُؤَخَّرِ إنَّما يُحْفَظُ بِالكِتابِ، ونَحْنُ نَشْرَحُ ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ شَرْحًا أوْكَدَ مِن هَذا، إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَعْنى: ﴿يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]، أيْ: لَيْسَ بِأنَّهم يَجْهَلُونَ أنَّهُ سُوءٌ، لَوْ أتى المُسْلِمُ ما يَجْهَلُ أنَّهُ سُوءٌ لَكانَ كَمَن لَمْ يَتَعَمَّدْ سُوءًا، ولَمْ يُوقِعْ سُوءًا، وقَوْلُكَ: ”عَمِلَ فُلانٌ كَذا وكَذا، بِجَهالَةٍ“، يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ، فَأحَدُهُما أنَّهُ عَمِلَهُ وهو جاهِلٌ بِالمَكْرُوهِ فِيهِ، أيْ: لَمْ يَعْرِفْ أنَّ فِيهِ مَكْرُوهًا، والآخَرُ: أقْدَمَ عَلَيْهِ عَلى بَصِيرَةٍ، وعَلِمَ أنَّ عاقِبَتَهُ مَكْرُوهَةٌ، فَآثَرَ العاجِلَ، فَجُعِلَ جاهِلًا، فَإنَّهُ آثَرَ القَلِيلَ عَلى الرّاحَةِ الكَثِيرَةِ، والعافِيَةَ الدّائِمَةِ، فَهَذا مَعْنى: ”مَن عَمِلَ مِنكم سُوءًا بِجَهالَةٍ“ .

الأنعام 6:55

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ﴾، يُقْرَأُ بِالتّاءِ، والياءِ، فَمَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَلِأنَّ ”اَلسَّبِيلُ“: اَلطَّرِيقُ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، ويَجُوزُ وجْهٌ ثالِثٌ: ”وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ“، بِنَصْبِ السَّبِيلِ، لِأنَّ المَعْنى: ”وَلِتَسْتَبِينَ أنْتَ يا مُحَمَّدُ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ“ . فَإنْ قالَ قائِلٌ: أفَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ مُسْتَبِينًا سَبِيلَ المُجْرِمِينَ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ جَمِيعَ ما يُخاطَبُ بِهِ (p-٢٥٥)المُؤْمِنُونَ يُخاطَبُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”وَلِتَسْتَبِينُوا سَبِيلَ المُجْرِمِينَ“، أيْ: لِتَزْدادُوا اسْتِبانَةً لَها. وَلَمْ يَحْتَجْ أنْ يَقُولَ: ”وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ“، مَعَ ذِكْرِ سَبِيلِ المُجْرِمِينَ، لِأنَّ سَبِيلَ المُجْرِمِينَ إذا اسْتَبانَتْ، فَقَدْ بانَتْ مَعَها سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُجْرِمِينَ ولِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ“، إلّا أنَّ الذِّكْرَ والخِطابَ هَهُنا في ذِكْرِ المُجْرِمِينَ، فَذُكِرُوا، وتُرِكَ ذِكْرُ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولَمْ يَقُلْ: ”تَقِيكُمُ البَرْدَ“، لِأنَّ السّاتِرَ يَسْتُرُ مِنَ الحَرِّ، والبَرْدِ، ولَكِنْ جَرى ذِكْرُ الحَرِّ، لِأنَّهم كانُوا في مَكانِهِمْ أكْثَرَ مُعاناةً لَهُ مِنَ البَرْدِ.

الأنعام 6:56

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي نُهِيتُ أنْ أعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، وقالُوا: ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يُعْبَدُ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أتَّبِعُ أهْواءَكُمْ﴾، أيْ: إنَّما عَبَدْتُمُوها عَلى طَرِيقِ الهَوى، لا عَلى طَرِيقِ البَيِّنَةِ والبُرْهانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إذًا﴾، مَعْنى ”إذَنْ“، مَعْنى الشَّرْطِ، المَعْنى: ”قَدْ ضَلَلْتُ إنْ عَبَدْتُها“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، أيْ: وما أنا مِنَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقَ الهُدى.

الأنعام 6:57

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾، (p-٢٥٦)أيْ: عَلى أمْرٍ بَيِّنٍ، لا مُتَّبَعُ هَوًى، ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾، هَذِهِ الهاءُ كِنايَةٌ عَنِ البَيانِ، أيْ: وكَذَّبْتُمْ بِالبَيانِ، لِأنَّ البَيِّنَةَ والبَيانَ في مَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونُ ”وَكَذَّبْتُمْ بِهِ“، أيْ: بِما أتَيْتُكم بِهِ، لِأنَّهُ هو البَيانُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾، والَّذِي اسْتَعْجَلُوا بِهِ الآياتُ الَّتِي اقْتَرَحُوها عَلَيْهِ، فَأعْلَمَ ﷺ أنَّ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ: ”إنِ الحُكْمُ إلّا لِلَّهِ يَقْضِ الحَقَّ وهو خَيْرُ الفاصِلِينَ“، هَذِهِ كُتِبَتْ هَهُنا بِغَيْرِ ياءٍ عَلى اللَّفْظِ، لِأنَّ الياءَ أُسْقِطَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما كَتَبُوا: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]، بِغَيْرِ واوٍ، وقُرِئَتْ: ”يَقُصُّ الحَقَّ“، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ”يَقْضِي بِالحَقِّ“، إلّا أنَّ القُرّاءَ لا يَقْرَؤُونَ ”يَقْضِي بِالحَقِّ“، لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ، و”يَقْضِي الحَقَّ“، فِيهِ وجْهانِ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”اَلْحَقَّ“، صِفَةً لِلْمَصْدَرِ، المَعْنى: يَقْضِي القَضاءَ الحَقَّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَقْضِي الحَقَّ“: يَصْنَعُ الحَقَّ، أيْ: كُلُّ ما صَنَعَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو حَقٌّ، وحِكْمَةٌ، إلّا أنَّ ﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصِلِينَ﴾، يَدُلُّ عَلى مَعْنى القَضاءِ الَّذِي هو الحُكْمُ، فَأمّا ”قَضى“، في مَعْنى ”صَنَعَ“، فَمِثْلُهُ قَوْلُ الهُذَلِيِّ: ؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ (p-٢٥٧)أيْ: صَنَعَهُما داوُدُ، ومَن قَرَأ: ”يَقُصُّ الحَقَّ“، فَمَعْناهُ أنَّ جَمِيعَ ما أنْبَأ بِهِ، وأمَرَ بِهِ، فَهو مِن أقاصِيصِ الحَقِّ.

الأنعام 6:59

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾، مَعْنى ”مَفاتِحُ الغَيْبِ“: أيْ: عِنْدَهُ الوَصْلَةُ إلى عِلْمِ الغَيْبِ، وكُلُّ ما لا يُعْلَمَ إذا اسْتُعْلِمَ يُقالُ فِيهِ: ”اِفْتَحْ عَلَيَّ“، قَوْلُهُ: ﴿وَيَعْلَمُ ما في البَرِّ والبَحْرِ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾، اَلْمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُها ساقِطَةً، وثابِتَةً، وأنْتَ تَقُولُ: ”ما يَجِيئُكَ أحَدٌ إلّا وأنا أعْرِفُهُ“، فَلَيْسَ مَعْناهُ: إلّا وأنا أعْرِفُهُ في حالِ مَجِيئِهِ فَقَطْ، ويَجُوزُ ”وَلا حَبَّةٍ“، ويَجُوزُ ”وَلا حَبَّةٌ“، فَمَن رَفَعَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”ما تَسْقُطُ ورَقَةٌ ولا حَبَّةٌ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٌ ولا يابِسٌ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ“، و”في كِتابٍ مُبِينٍ“، هُنا، عَلى مَعْنَيَيْنِ يَتَصَرَّفُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”في كِتابٍ مُبِينٍ“، أنْ يَكُونَ اللَّهُ أثْبَتَ ذَلِكَ في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ يُخْلَقَ، كَما قالَ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]، فَأعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أثْبَتَ ما خَلَقَ مِن قَبْلِ خَلْقِهِ.

الأنعام 6:60

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾، أيْ: يُنِيمُكُمْ، فَيَتَوَفّى نُفُوسَكُمُ الَّتِي بِها تُمَيِّزُونَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢]، ومَعْنى: ﴿يَبْعَثُكم فِيهِ﴾ (p-٢٥٨)أيْ: يُنَبِّهُكم مِن نَوْمِكم فِيهِ في النَّهارِ، ﴿لِيُقْضى أجَلٌ مُسَمًّى﴾، أيْ: يَبْعَثُكم مِن نَوْمِكُمْ، إلى أنْ تَبْلُغُوا آجالَكم.

الأنعام 6:61

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ويُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾، ”اَلْحَفَظَةُ“: اَلْمَلائِكَةُ، واحِدُهم ”حافِظٌ“، والجَمْعُ ”حَفَظَةٌ“، مِثْلَ ”كاتِبٌ“، و”كَتَبَةٌ“، و”فاعِلٌ“، و”فَعَلَةٌ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾، أيْ: هَؤُلاءِ الحَفَظَةُ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكم حَفَظَةً﴾، ﴿وَهم لا يُفَرِّطُونَ﴾، أيْ: لا يَغْفُلُونَ، ولا يَتَوانَوْنَ، ومَعْنى ”اَلتَّفْرِيطُ“، في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ العَجْزِ، فالمَعْنى أنَّهم لا يَعْجِزُونَ.

الأنعام 6:63

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ﴾، يَجُوزُ في القِراءَةِ ”يُنْجِيكم“، بِالتَّخْفِيفِ، لِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أنْجَيْتَنا﴾ [يونس: ٢٢]، و﴿لَئِنْ أنْجانا﴾، والأجْوَدُ ”يُنَجِّيكم“، بِالتَّشْدِيدِ، لِلْكَثْرَةِ، ومَعْنى ”ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ“: ”شَدائِدِ البَرِّ، والبَحْرِ“، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْيَوْمِ الَّذِي تَلْقى فِيهِ شِدَّةً: ”يَوْمٌ مُظْلِمٌ“، حَتّى إنَّهم يَقُولُونَ: ”يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ“، أيْ: قَدِ اشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ حَتّى صارَ كاللَّيْلِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٥٩) ؎بَنِي أسَدٍ هَلْ تَعْلَمُونَ بَلاءَنا ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ وَأنْشَدُوا: ؎فِدًى لَبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ ناقَتِي ∗∗∗ إذا كانَ يَوْمًا ذا كَواكِبَ أشْنَعا فَمَعْنى ”ظُلُماتِ البَرِّ والبَحْرِ“: ”شَدائِدِهِما“ . وَقَوْلُهُ: ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، في ”خُفْيَةً“، والمَعْنى: تَدْعُونَهُ مُظْهِرِينَ الضَّراعَةَ، وهي شِدَّةُ الفَقْرِ إلى الشَّيْءِ، والحاجَةُ، و”تَدْعُونَهُ خُفْيَةً“، أيْ: تَدْعُونَهُ في أنْفُسِكُمْ، تُضْمِرُونَ في فَقْرِكُمْ، وحاجاتِكم إلَيْهِ، كَما تُضْمِرُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾، أيْ: في أيِّ شِدَّةٍ وقَعْتُمْ قُلْتُمْ: ”لَئِنْ أنْجانا مِن هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ“، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَسْألَهم عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ، والتَّقْرِيرِ بِأنَّهُ يُنَجِّيهِمْ.

الأنعام 6:65

ثُمَّ هم يُشْرِكُونَ مَعَهُ الأصْنامَ الَّتِي عَلِمُوا أنَّها مِن صَنْعَتِهِمْ، وأنَّها لا تَنْفَعُ، ولا تَضُرُّ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى تَعْذِيبِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾، نَحْوَ الحِجارَةِ الَّتِي أمْطَرَها عَلى قَوْمِ لُوطٍ، ونَحْوَ الطُّوفانِ الَّذِي غَرِقَ بِهِ قَوْمُ فِرْعَوْنَ، ﴿أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكُمْ﴾، (p-٢٦٠)نَحْوَ الخَسْفِ الَّذِي نالَ قارُونَ، ومَن خُسِفَ بِهِ، ﴿أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا﴾، مَعْنى ”يَلْبِسَكم“: يَخْلِطَ أمْرَكم خَلْطَ اضْطِرابٍ، لا خَلْطَ اتِّفاقٍ، يُقالُ: ”لَبَسْتُ الأمْرَ ألْبِسُهُ“، لَمْ أُبَيِّنْهُ، وخَلَطْتُ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، ويُقالُ: ”لَبِسْتُ الثَّوْبَ ألْبَسُهُ“، ومَعْنى ”شِيَعًا“: أيْ: يَجْعَلَكم فِرَقًا، لا تَكُونُونَ شِيعَةً واحِدَةً، فَإذا كُنْتُمْ مُخْتَلِفِينَ قاتَلَ بَعْضُكم بَعْضًا، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكم بَأْسَ بَعْضٍ﴾، ويُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - ألّا يَبْتَلِيَ هَذِهِ الأُمَّةَ بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُها بِهِ، وألّا يُذِيقَ بَعْضَها بَأْسَ بَعْضٍ، فَأجابَهُ في صَرْفِ العَذابِ، ولَمْ يُجِبْهُ في ألّا يُذِيقَ بَعْضَها بَأْسَ بَعْضٍ، وألّا تَخْتَلِفَ» .

الأنعام 6:66

﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهو الحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكم بِوَكِيلٍ﴾، أيْ: إنَّما أدْعُوكم إلى اللَّهِ، وإلى شَرِيعَتِهِ، ولَمْ أُؤْمَرْ بِحَرْبِكُمْ، ولا أخْذِكم بِالإيمانِ كَما يُؤْخَذُ المُوَكِّلُ بِالشَّيْءِ يُلْزِمُ بُلُوغَ آخِرِهِ.

الأنعام 6:67

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾، أيْ: لِأخْذِكم بِالإيمانِ عَلى جِهَةِ الحَرْبِ، واضْطِرارِكم إلَيْهِ، ومُقاتَلَتِكم عَلَيْهِ، مُسْتَقَرٌّ، أيْ: وقْتٌ، ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ وعَدَهم بِعَذابِ الآخِرَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ وعَدَهم بِالحَرْبِ، وأخْذِهِمْ بِالإيمانِ شاؤُوا أوْ أبَوْا، إلّا أنْ يُعْطِيَ أهْلُ الكِتابِ الجِزْيَةَ.

الأنعام 6:69

(p-٢٦١)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما عَلى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ ولَكِنْ ذِكْرى﴾، أيْ: وما عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ وعَلى المُؤْمِنِينَ مِن حِسابِهِمْ، أيْ: مِن كُفْرِهِمْ، ومُخالَفَتِهِمْ أمْرِ اللَّهِ، ”وَلَكِنْ ذِكْرى“، أيْ: ولَكِنْ عَلَيْكم أنْ تُذَكِّرُوهُمْ، و”ذِكْرى“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ونَصْبٍ، فَمَن نَصَبَ فالمَعْنى ”وَلَكِنْ ذَكِّرُوهم ذِكْرى“، ومَن رَفَعَ فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما ”وَلَكِنْ عَلَيْكم أنْ تُذَكِّرُوهم“، كَما قالَ: ”﴿إنْ عَلَيْكَ إلا البَلاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَلَكِنِ الَّذِي تَأْمُرُونَ بِهِ ذِكْرى“، ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، أيْ: لِتُرْجى مِنهُمُ التَّقْوى.

الأنعام 6:70

وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾، مَعْنى ”تُبْسَلُ بِعَمَلِها“: تَكُونُ غَيْرَ قادِرَةٍ عَلى التَّخَلُّصِ، و”اَلْمُسْتَبْسِلُ“: اَلْمُسْتَسْلِمُ، الَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى التَّخَلُّصِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَإبْسالِي بَنِيَّ بِغَيْرِ جُرْمٍ ∗∗∗ بَعَوْناهُ ولا بِدَمٍ مُراقِ أيْ: إسْلامِي إيّاهُمْ، وقِيلَ: ”أنْ تُبْسَلَ“: تُرْهَنَ، والمَعْنى واحِدٌ، ويُقالُ: ”أسَدٌ (p-٢٦٢)باسِلٌ“، و”شُجاعٌ باسِلٌ“، وتَأْوِيلُهُ أنَّ مَعَهُ مِنَ الإقْدامِ ما يَسْتَبْسِلُ لَهُ قِرْنُهُ، ويُقالُ: ”هَذا بَسْلٌ عَلَيْكَ“، أيْ: حَرامٌ عَلَيْكَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أسَدٌ باسِلٌ“، مِن هَذا، أيْ: لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، ويُقالُ: ”أعْطِ الرّافِيَ بَسْلَتَهُ“، أيْ: أُجْرَتَهُ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ أنَّهُ عَمِلَ الشَّيْءَ الَّذِي قَدِ اسْتَبْسَلَ صاحِبُهُ مَعَهُ.

الأنعام 6:71

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُرَدُّ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ﴾، أيْ: نَرْجِعُ إلى الكُفْرِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن أدْبَرَ: ”قَدْ رَجَعَ إلى خَلْفٍ“، و”رَجَعَ القَهْقَرى“ . وَقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ في الأرْضِ﴾، أيْ: كالَّذِي زَيَّنَتْ لَهُ الشَّياطِينُ هَواهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿حَيْرانَ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: كالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ في حالِ حَيْرَتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ أصْحابٌ يَدْعُونَهُ إلى الهُدى﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِهَذا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ، ﴿ائْتِنا﴾، أيْ: تابِعْنا في إيمانِنا، ﴿وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾، أيْ: يَدْعُونَهُ ويَقُولُونَ لَهُ: أُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ، العَرَبُ تَقُولُ: ”أمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ“، و”أمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ“، و”أمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ“، فَمَن قالَ: ”أمَرْتُكَ بِأنْ تَفْعَلَ“، فالباءُ لِلْإلْصاقِ، المَعْنى: وقَعَ الأمْرُ بِهَذا الفِعْلِ، ومَن قالَ: ”أمَرْتُكَ أنْ تَفْعَلَ“، فَعَلى حَذْفِ الباءِ، ومَن قالَ: ”أمَرْتُكَ لِتَفْعَلَ“، فَقَدْ أخْبَرَ بِالعِلَّةِ الَّتِي لَها وقَعَ الأمْرُ، المَعْنى: ”أُمِرْنا لِلْإسْلامِ“ . (p-٢٦٣)

الأنعام 6:72

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ تَكُونَ ”أُمِرْنا لِأنْ نُسْلِمَ ولِأنْ نُقِيمَ الصَّلاةَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: ”أُمِرْنا بِالإسْلامِ، وبِإقامَةِ الصَّلاةِ“، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، لِأنَّ الباءَ لَمّا سَقَطَتْ أفْضى الفِعْلُ فَنُصِبَ، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ”يَدْعُونَهُ إلى الهُدى ائْتِنا وأنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ“، أيْ: ويَدْعُونَهُ أنْ أقِيمُوا الصَّلاةَ.

الأنعام 6:73

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نُصِبَ ”يَوْمَ“ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى ”واتَّقُوهُ، ويَوْمَ يَقُولُ...“، فَيَكُونُ نَسَقًا عَلى الهاءِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -:﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”واذْكُرْ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ“، لِأنَّ بَعْدَهُ ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]، وفِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ، وهو العَطْفُ عَلى ﴿السَّماواتِ والأرْضَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَهو الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ، وخَلَقَ يَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ“ . فَإنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ، فَإنَّ ما أنْبَأنا اللَّهُ بِكَوْنِهِ فَحَقِيقَتُهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، قالَ بَعْضُهم: اَلْمُخاطَبَةُ هَهُنا لِلصُّورِ، المَعْنى: ”وَيَوْمَ يَقُولُ لِلصُّورِ: كُنْ فَيَكُونُ“، وما ذُكِرَ مِنَ الصُّورِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ”كُنْ“، فِيهِ أسْماءُ جَمِيعِ ما يُخْلَقُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، المَعْنى: (p-٢٦٤)”وَيَوْمَ يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ“، وهَذا ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى سُرْعَةِ أمْرِ البَعْثِ، والسّاعَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَيَوْمَ يَقُولُ لِلْخَلْقِ: مُوتُوا، فَيَمُوتُونَ، وانْتَشِرُوا، فَيَنْتَشِرُونَ“، كَأنَّهُ يَأْمُرُ الحَياةَ فَتَكُونُ فِيهِمْ، والمَوْتَ فَيَحِلُّ أوَّلًا يَفْنى جَمِيعُ الخَلْقِ. وَقِيلَ: ”وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ“، ﴿قَوْلُهُ﴾، أيْ: ”يَأْمُرُ، فَيَقَعُ أمْرُهُ“، و﴿الحَقُّ﴾، مِن نَعْتِ ”قَوْلُهُ“، كَما تَقُولُ: ”قَدْ قُلْتَ، فَكانَ قَوْلُكَ“، فالمَعْنى لَيْسَ أنَّكَ قُلْتَ فَكانَ الكَلامُ، إنَّما المَعْنى أنَّهُ كانَ ما دَلَّ عَلَيْهِ القَوْلُ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ قَدْ رُفِعَ ”قَوْلُهُ“، بِالِابْتِداءِ، و”اَلْحَقُّ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”يَوْمَ“، عَلى ﴿وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾، مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ: ”وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ”قَوْلُهُ اَلْحَقُّ“، اَلْمَعْنى: ”وَقَوْلُهُ الحَقُّ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ“ . فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِلَّهِ المُلْكُ في كُلِّ وقْتٍ، فَلِمَ خُصَّ يَوْمُ القِيامَةِ، ويَوْمُ يُنْفَخُ في الصُّورِ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّهُ في اليَوْمِ الَّذِي لا يَظْهَرُ فِيهِ مِن أحَدٍ نَفْعٌ لِأحَدٍ، ولا ضُرٌّ، كَما قالَ: ﴿والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩]، والأمْرُ في كُلِّ وقْتٍ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وقالُوا في ”اَلصُّورِ“، قَوْلَيْنِ: قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ الصُّورَ اسْمٌ لِقَرْنٍ يُنْفَخُ فِيهِ، وقِيلَ: ”اَلصُّورُ“: جَمْعُ ”صُورَةٌ“، وكِلاهُما جائِزٌ، وأثْبَتُها في الحَدِيثِ والرِّوايَةِ أنَّ الصُّورَ قَرْنٌ، و”اَلصُّورُ“: جَمْعُ ”صُورَةٌ“، أهْلُ اللُّغَةِ عَلى هَذا.

الأنعام 6:74

(p-٢٦٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ﴾، بِالنَّصْبِ، والضَّمِّ، فَمَن قَرَأ بِالضَّمِّ فَعَلى النِّداءِ، المَعْنى: ”يا آزَرُ أتَتَّخِذُ أصْنامًا“، ولَيْسَ بَيْنَ النَّسّابِينَ خِلافٌ أنَّ اسْمَ أبِي إبْراهِيمَ ”تارِحُ“، والَّذِي في القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اسْمَهُ ”آزَرُ“، وقِيلَ: ”آزَرُ“، عِنْدَهُمْ، ذَمٌّ في لُغَتِهِمْ، كَأنَّهُ: ”وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ: يا مُخْطِئُ، أتَتَّخِذُ أصْنامًا؟“، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالِاخْتِيارُ الرَّفْعُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ وصْفًا لَهُ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ المُخْطِئِ“، وقِيلَ: ”آزَرُ“: اِسْمُ صَنَمٍ، فَإذا كانَ اسْمَ صَنَمٍ فَمَوْضِعُهُ نَصْبٌ، عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ: أتَتَّخِذُ آزَرَ إلَهًا؟ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً؟“ .

الأنعام 6:75

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: ومِثْلُ ما وصَفْنا مِن قِصَّةِ إبْراهِيمَ، مِن قَوْلِهِ لِأبِيهِ ما قالَ، نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ، أيْ: اَلْقُدْرَةَ الَّتِي تَقْوى بِها دَلالَتُهُ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وتَقُولُ في الكَلامِ لِمَن فَعَلَ بِكَ خَيْرًا، أوْ شَرًّا: ”كَذَلِكَ أجْزِيكَ“، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾، أيْ: نُرِيهِ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ لِما فَعَلَ، ولِيَثْبُتَ عَلى اليَقِينِ، و”اَلْمَلَكُوتُ“، بِمَنزِلَةِ ”اَلْمُلْكُ“، إلّا أنَّ ”اَلْمَلَكُوتُ“، أبْلَغُ في اللُّغَةِ مِن ”اَلْمُلْكُ“، لِأنَّ الواوَ والتّاءَ تُزادانِ لِلْمُبالَغَةِ، ومِثْلُ ”اَلْمَلَكُوتُ“: ”اَلرَّغَبُوتُ“، و”اَلرَّهَبُوتُ“، ووَزْنُهُ مِنَ الفِعْلِ ”فَعَلُوتٌ“، وفي المَثَلِ: ”رَهَبُوتِي خَيْرٌ مِن رَغَبُوتِي“، وهَذا كَقَوْلِهِمْ: ”أوْ فَرَقًا خَيْرًا مِن حُبٍّ“، ومَن رَوى ”رَهَبُوتِي خَيْرٌ مِن رَحَمُوتِي“، فَمَعْنًى صَحِيحٌ، يُحَقِّقُ مِنَ اللِّسانِ أنْ تَكُونَ لَهُ هَيْبَةٌ تُرْهَبُ بِها خَيْرٌ مِن أنْ يُرْحَمَ.

الأنعام 6:76

(p-٢٦٦)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا﴾، يُقالُ: ”جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ“، و”أجَنَّهُ اللَّيْلُ“، إذا أظْلَمَ حَتّى يَسْتَتِرَ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما سَتَرَ: ”قَدْ جَنَّ“، و”قَدْ أجَنَّ“، ويُقالُ: ”جَنَّهُ اللَّيْلُ“، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ ”جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ“، و”أجَنَّهُ اللَّيْلُ“، وقِيلَ: إنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، والشَّمْسَ، والقَمَرَ، والكَواكِبَ، فَلَمّا بَلَغَ إبْراهِيمُ المَبْلَغَ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ النَّظَرُ، وتَجِبُ بِهِ عَلى العَبْدِ الحُجَّةُ، نَظَرَ في الأشْياءِ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها قَوْمُهُ، فَلَمّا رَأى الكَوْكَبَ الَّذِي كانُوا يَعْبُدُونَهُ، قالَ لَهم: ﴿هَذا رَبِّي﴾، أيْ: في زَعْمِكُمْ، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢]، فَأضافَهم إلى نَفْسِهِ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ، ﴿فَلَمّا أفَلَ﴾، أيْ: فَلَمّا غابَ، يُقالُ: ”أفَلَ النَّجْمُ، يَأْفِلُ، ويَأْفُلُ، أُفُولًا“، إذا غابَ، ﴿قالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، أيْ: لا أُحِبُّ مَن كانَتْ حالَتُهُ أنْ يَطَّلِعَ ويَسِيرَ عَلى هَيْئَةٍ يَتَبَيَّنُ مَعَها أنَّهُ مُحْدَثٌ مُنْتَقِلٌ مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ، كَما يَفْعَلُ سائِرُ الأشْياءِ الَّتِي أجْمَعْتُمْ مَعِي عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِآلِهَةٍ، أيْ: لا أتَّخِذُ ما هَذِهِ حالُهُ إلَهًا، كَما أنَّكم لا تَتَّخِذُونَ كُلَّ ما جَرى مُجْرى هَذا مِن سائِرِ الأشْياءِ آلِهَةً، لَيْسَ أنَّهُ جَعَلَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ أنَّ ما غابَ لَيْسَ بِإلَهٍ، لِأنَّ السَّماءَ والأرْضَ ظاهِرَتانِ غَيْرُ غائِبَتَيْنِ، ولَيْسَ يُدَّعى فِيهِما هَذِهِ الدَّعْوى، وإنَّما أرادَ التَّبْيِينَ لَهُمُ القَرِيبَ، لِأنَّ غَيْبُوبَتَهُ أقْرَبُ ما (p-٢٦٧)يُناظِرُونَ بِهِ فِيما يَظْهَرُ لَهُمْ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ قالَ هَذا وهو يَنْظُرُ لِنَفْسِهِ، فَكَأنَّهُ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]، وإبْراهِيمُ قَدْ أنْبَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، فَلا شَكَّ أنَّهُ سَلِيمٌ مِن أنْ يَكُونَ الشَّكُّ دَخَلُهُ في أمْرِ اللَّهِ، واللَّهُ أعْلَمُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هَذا رَبِّي﴾، كَأنَّهُ قالَ: ”تَقُولُونَ هَذا رَبِّي“، أيْ: ”أنْتُمْ تَقُولُونَ هَذا رَبِّي“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البقرة: ١٢٧]، اَلْمَعْنى: يَقُولانِ: تَقَبَّلْ مِنّا، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ هَذا، والَّذِي عِنْدِي في هَذا القَوْلِ أنَّهُ قالَ لَهم: ”تَقُولُونَ هَذا رَبِّي“، أيْ: هَذا يُدَبِّرُنِي، لِأنَّهُ فِيما يُرْوى أنَّهم كانُوا أصْحابَ نُجُومٍ، فاحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّ الَّذِي تَزْعُمُونَ أنَّهُ مُدَبِّرٌ إنَّما يَرى فِيهِ أثَرَ مُدَبَّرٍ لا غَيْرُ.

الأنعام 6:78

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا رَأى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾، و”فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا“، يُقالُ: ”قَدْ بَزَغَ القَمَرُ“، إذا ابْتَدَأ في الطُّلُوعِ، وكَذَلِكَ الشَّمْسُ، والحُجَّةُ في الشَّمْسِ والقَمَرِ كالحُجَّةِ في الكَوْكَبِ. (p-٢٦٨)واحْتَجَّ الَّذِينَ قالُوا: إنَّهُ قالَ: ”هَذا رَبِّي“، عَلى وجْهِ الظَّنِّ والتَّفَكُّرِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ القَوْمِ الضّالِّينَ﴾ [الأنعام: ٧٧]، وهَذا لا يُوجِبُ ذَلِكَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ تَسْألُ اللَّهَ أنْ يُثَبِّتَها عَلى الهُدى، وتَعْلَمُ أنَّهُ لَوْلا هِدايَةُ اللَّهِ ما اهْتَدَتْ، وإبْراهِيمُ يَقُولُ: ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]

الأنعام 6:79

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ حَنِيفًا﴾، أيْ: مائِلًا إلى الإسْلامِ مَيْلًا لا رُجُوعَ مَعَهُ، و”اَلْحَنَفُ“: أنْ يَكُونَ في القَدَمِ مَيْلٌ، وهو أنْ تَمِيلَ إبْهامُ القَدَمِ إلى إبْهامِ القَدَمِ، فَتُقْبِلَ هَذِهِ القَدَمُ عَلى هَذِهِ القَدَمِ، ويَكُونُ ذَلِكَ خِلْقَةً، و”اَلْحَنِيفُ“: اَلصَّحِيحُ المَيْلِ إلى الإسْلامِ، الثّابِتُ فِيهِ، ومَعْنى ﴿وَجَّهْتُ وجْهِيَ﴾، أيْ: جَعَلْتُ قَصْدِيَ بِعِبادَتِي تَوْحِيدِي اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ.

الأنعام 6:80

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾، اَلْمَعْنى: حاجُّوهُ في اللَّهِ، فَقالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾، ومُحاجَّتُهم إيّاهُ كانَتْ - واللَّهُ أعْلَمُ - فِيما عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ الكَواكِبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، والأصْنامِ، فَقالَ: ﴿أتُحاجُّونِّي في اللَّهِ﴾، أيْ: في تَوْحِيدِ اللَّهِ، ﴿وَقَدْ هَدانِي﴾، وقَدْ بَيَّنَ لِي ما بِهِ اهْتَدَيْتُ، ﴿وَلا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾، أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي تَعْبُدُونَها، لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا أخافُها، ﴿إلا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾، (p-٢٦٩)إلّا أنْ يَشاءَ أنْ يُعَذِّبَنِي بِذَنْبٍ إنْ كانَ مِنِّي، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، أيْ: لا أخافُ إلّا مَشِيئَةَ اللَّهِ.

الأنعام 6:81

﴿وَكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾، أيْ: ولا تَخافُونَ أنْتُمْ شِرْكَكم بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا، أيْ: حُجَّةً بَيِّنَةً، ﴿فَأيُّ الفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالأمْنِ﴾، أيْ: أحَقُّ بِأنْ يَأْمَنَ مِنَ العَذابِ، المُوَحِّدُ، أمِ المُشْرِكُ؟

الأنعام 6:82

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾، قالُوا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا قَوْلَ اللَّهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ﴾، غَيْرَ حِكايَةٍ عَنْ إبْراهِيمَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ قالَ ذَلِكَ.

الأنعام 6:84

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وسُلَيْمانَ﴾، ”داوُدَ وسُلَيْمانَ“، نَسَقٌ عَلى ”نُوحًا“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَهَدَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونُ ”مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ“، لِأنَّ ذِكْرَهُما جَمِيعًا قَدْ جَرى، وأسْماءُ الأنْبِياءِ الَّتِي جاءَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَنُوحًا هَدَيْنا مِن قَبْلُ﴾، نَسَقٌ عَلى ”نُوحًا“، إلّا أنَّ ”اَلْيَسَعَ“، يُقالُ فِيهِ: ”اَللَّيْسَعَ“، و”اَلْيَسَعَ“، بِتَشْدِيدِ اللّامِ، وتَخْفِيفِها.

الأنعام 6:87

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن آبائِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ وإخْوانِهِمْ﴾، أيْ: هَدَيْنا هَؤُلاءِ، وهَدَيْنا بَعْضَ آبائِهِمْ، وإخْوانِهِمْ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿واجْتَبَيْناهُمْ﴾ مِثْلُ ”اِخْتَرْناهم“، وهو مَأْخُوذٌ مِن ”جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ“، إذا جَمَعْتُهُ.

الأنعام 6:89

(p-٢٧٠)وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ قَدْ كَفَرُوا، ويَكْفُرُونَ، مِمَّنْ أُرْسِلْتَ إلَيْهِ، ﴿فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾، أيْ: قَدْ وكَّلْنا بِالإيمانِ بِها، وقِيلَ في هَذِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قِيلَ: يَعْنِي بِذَلِكَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهم آمَنُوا بِما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في وقْتِ مَبْعَثِهِمْ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ المَلائِكَةَ، وقِيلَ أيْضًا: يَعْنِي بِهِ مَن آمَنَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ وأتْباعِهِ، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - يَعْنِي بِهِ الأنْبِياءَ الَّذِينَ تَقَدَّمُوا، لِقَوْلِهِ - تَبارَكَ وتَعالى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، أيْ: الأنْبِياءُ الَّذِينَ ذَكَرْناهُمُ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ، ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، أيْ: اِصْبِرْ كَما صَبَرُوا، فَإنَّ قَوْمَهم قَدْ كَذَّبُوهُمْ، فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا، وأُوذُوا، فاقْتَدِ بِهِمْ، وهَذِهِ الهاءُ الَّتِي في ”اِقْتَدِهْ“، إنَّما تَثْبُتُ في الوَقْفِ، تُبَيَّنُ بِها كَسْرَةُ الدّالِ، فَإنْ وصَلْتَ قُلْتَ: ”اِقْتَدِ“، ﴿قُلْ لا أسْألُكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي اخْتارَ مَن أثِقُ بِعِلْمِهِ أنْ يُوقَفَ عِنْدَ هَذِهِ الهاءِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ﴿إنِّي ظَنَنْتُ أنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٠]، وكَذَلِكَ ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، وكَذَلِكَ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، وقَدْ بَيَّنّا ما في ”يَتَسَنَّهْ“، في سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“ .

الأنعام 6:91

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إذْ قالُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ﴾، (p-٢٧١)مَعْناهُ: ما عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ عَظَمَتِهِ، إذْ جَحَدُوا تَنْزِيلَهُ، وذَلِكَ أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ - مِن مُنافِقِيهِمْ - جاؤُوا وهم يُعانِدُونَ النَّبِيَّ ﷺ يُجادِلُونَهُ، ويَصُدُّونَ عَنْهُ، وكانَ سِمَتُهم سِمَةَ الأحْبارِ، وكانُوا يَتَنَعَّمُونَ، ولا يَتَعَبَّدُونَ، فَأعْلَمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - لا يُحِبُّ الحَبْرَ السَّمِينَ، فَجَحَدُوا التَّوْراةَ، وقالُوا: ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ مَن أنْـزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، يُظْهِرُونَ ما يُحِبُّونَ مِن ذَلِكَ، ويُخْفُونَ كَثِيرًا، ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا﴾، أيْ: عُلِّمْتُمْ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ، ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، يُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في عَمَلٍ لا يُجْدِي: ”إنَّما أنْتَ لاعِبٌ“ .

الأنعام 6:92

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾، تُقْرَأُ بِالتّاءِ، والياءِ، جَمِيعًا، في ”لِتُنْذِرَ“، اَلْمَعْنى: أنْزَلْناهُ لِلْبَرَكَةِ، والإنْذارِ، ومَعْنى ”أُمَّ القُرى“: أيْ: أهْلَ أُمِّ القُرى، ”وَمَن حَوْلَها“، عَطْفٌ عَلَيْهِمْ، وأُمُّ القُرى: مَكَّةُ، سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى لِأنَّها كانَتْ أعْظَمَ القُرى شَأْنًا.

الأنعام 6:93

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ قالَ أُوحِيَ إلَيَّ ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ شَيْءٌ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِ مُسَيْلِمَةَ، وصاحِبَ صَنْعاءَ، لِأنَّهُما ادَّعَيا النُّبُوَّةَ. (p-٢٧٢)﴿وَمَن قالَ سَأُنْـزِلُ مِثْلَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: جَرٌّ، المَعْنى: ”وَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى ومَن قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ“، وهَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ﴾، جَوابُ ”لَوْ“، مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ لَرَأيْتَ عَذابًا عَظِيمًا، ويُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ كَثِيرٍ: ”قَدْ غَمَرَ فُلانًا ذَلِكَ“، ويُقالُ: ”قَدْ غَمَرَ فُلانًا الدَّيْنُ“، تَأْوِيلُهُ: ”قَدْ كَثُرَ فَصارَ فِيما يُعْلَمُ بِمَنزِلَةِ ما يُبْصَرُ قَدْ غُمِرَ وغُطِّيَ مِن كَثْرَتِهِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ، ومَعْنى ﴿أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ﴾، فِيهِ وجْهانِ - واللَّهُ أعْلَمُ -:“ يَقُولُونَ: أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ ”، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ كَما تَقُولُ لِلَّذِي تُعَذِّبُهُ:“ لَأُزْهِقَنَّ نَفْسَكَ ”، و“ لَأُخْرِجَنَّ نَفْسَكَ ”، فَهم يَقُولُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -:“ أخْرِجُوا أنْفُسَكم ”، عَلى هَذا المَعْنى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى:“ خَلِّصُوا أنْفُسَكم "، أيْ: لَسْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلى الخَلاصِ، ﴿اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، أيْ: العَذابَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ العَذابُ الشَّدِيدُ.

الأنعام 6:94

(p-٢٧٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أمّا مَعْنى ”فُرادى“، فَـ ”كُلُّ واحِدٍ مُنْفَرِدٌ مِن شَرِيكِهِ في الغَيِّ، وشَقِيقِهِ“، ومَعْنى: ﴿كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: عُراةً غُرْلًا، و”اَلْغُرْلُ“، هُمُ الغُلْفُ، والَّذِي تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ أيْضًا: ”كَما بَدَأْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ“، أيْ: كانَ بَعْثُكم كَخَلْقِكُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾، اَلرَّفْعُ أجْوَدُ، ومَعْناهُ: لَقَدْ تَقَطَّعَ وصْلُكُمْ، والنَّصْبُ جائِزٌ، المَعْنى: لَقَدْ تَقَطَّعَ ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الشَّرِكَةِ بَيْنَكم.

الأنعام 6:95

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ فالِقُ الحَبِّ والنَّوى﴾، أيْ: يَشُقُّ الحَبَّةَ اليابِسَةَ المَيْتَةَ، والنَّواةَ اليابِسَةَ، فَيُخْرِجُ مِنها ورَقًا أخْضَرَ، وهو مَعْنى ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾، أيْ: يُخْرِجُ النَّباتَ الغَضَّ الطَّرِيَّ الخَضِرَ مِنَ الحَبِّ اليابِسِ، ﴿وَمُخْرِجُ المَيِّتِ مِنَ الحَيِّ﴾، ويُخْرِجُ الحَبَّ اليابِسَ مِنَ النَّباتِ الحَيِّ النّامِي، احْتَجَّ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عَلَيْهِمْ بِما يُشاهِدُونَ مِن خَلْقِهِ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ الَّذِي خَلَقَ هَذِهِ الأشْياءَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾، أيْ: فَمِن أيْنَ تُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ.

الأنعام 6:96

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فالِقُ الإصْباحِ﴾، (p-٢٧٤)مَعْنى ”اَلْإصْباحُ“، و”اَلصُّبْحُ“، واحِدٌ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ خالِقُ الإصْباحِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”شاقُّ الصُّبْحِ“، وهو راجِعٌ إلى مَعْنى ”خالِقُ الصُّبْحِ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ حُسْبانًا﴾، اَلنَّصْبُ في ”اَلشَّمْسَ والقَمَرَ“، هي القِراءَةُ، والجَرُّ جائِزٌ، عَلى مَعْنى ”وَجاعِلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ حُسْبانًا“، لِأنَّ في ”جاعِلُ“، مَعْنى ”جَعَلَ“، وبِهِ نَصَبَتْ ”سَكَنًا“، ولا يَجُوزُ ”جاعِلُ اللَّيْلَ سَكَنًا“، لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ إذا كانَ الفِعْلُ قَدْ رُفِعَ، أُضِيفَتْ إلى ما بَعْدَها لا غَيْرُ، تَقُولُ: ”هَذا ضارِبُ زَيْدٍ أمْسِ“، فَإجْماعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ في زَيْدٍ النَّصْبُ، وعَلى ذَلِكَ أكْثَرُ الكُوفِيِّينَ، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ يُجِيزُ النَّصْبَ، فَإذا قُلْتَ: ”هَذا مُعْطِي زَيْدٍ دِرْهَمًا“، فَنَصْبُ الدِّرْهَمِ مَحْمُولٌ عَلى ”أعْطى“ .

الأنعام 6:98

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ﴾، اَلْأكْثَرُ في القِراءَةِ ”مُسْتَقَرٌّ“، بِفَتْحِ القافِ، وقَدْ قُرِئَتْ بِكَسْرِها، و”مُسْتَوْدَعٌ“، بِالفَتْحِ، لا غَيْرُ، وأمّا رَفْعُ ”مُسْتَقَرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ“، فَعَلى مَعْنى ”لَكم مُسْتَقَرٌّ ولَكم مُسْتَوْدَعٌ“، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ: ”فَمُسْتَقِرٌّ ومُسْتَوْدَعٌ“، فَعَلى مَعْنى ”فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ“، وتَأْوِيلُ ”مُسْتَقِرٌّ“: أيْ: مُسْتَقِرٌّ في الرَّحِمِ، ”وَمُسْتَوْدَعٌ“، أيْ: مِنكم مُسْتَوْدَعٌ في أصْلابِ الرِّجالِ، وعَلى هَذا أيْضًا ”فَمُسْتَقَرٌّ“، بِفَتْحِ القافِ، ”وَمُسْتَوْدَعٌ“، أيْ: ”فَلَهم مُسْتَقَرٌّ ولَكم في الأصْلابِ مُسْتَوْدَعٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَمُسْتَقِرٌّ“، بِالكَسْرِ، ”وَمُسْتَوْدَعٌ“، أيْ: ”فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ في الأحْياءِ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ، أيْ: مُسْتَقِرٌّ في الدُّنْيا، مَوْجُودٌ، ومُسْتَوْدَعٌ في الأصْلابِ لَمْ يُخْلَقْ بَعْدُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ (p-٢٧٥)”فَمُسْتَقِرٌّ“، بِالكَسْرِ، ”وَمُسْتَوْدَعٌ“، ”فَمِنكم مُسْتَقِرٌّ في الأحْياءِ، ومِنكم مُسْتَوْدَعٌ في الثَّرى“، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها قَدْ قِيلَتْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.

الأنعام 6:99

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: أصْلَ كَلِمَةِ ”ماءٌ“: ”ماهٌ“، إلّا أنَّ الهَمْزَةَ أُبْدِلَتْ مِنَ الهاءِ، لِخَفاءِ الهاءِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهم: ”أمْواهٌ“، في جَمْعِهِ، و”مِياهٌ“، ويُصَغَّرُ: ”مُوَيْهٌ“، قالَ الشّاعِرُ: ؎سَقى اللَّهُ أمْواهًا عَرَفْتُ مَكانَها ∗∗∗ جُرابًا ومَلْكُومًا وبَذَّرَ والغَمْرَ وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخْرَجْنا مِنهُ خَضِرًا﴾، مَعْنى ”خَضِرٌ“، كَمَعْنى ”أخْضَرُ“، يُقالُ: ”اِخْضَرَّ، فَهو أخْضَرُ، وخَضِرٌ“، مِثْلَ ”اِعْوَرَّ، فَهو أعْوَرُ، وعَوِرٌ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾، ”قِنْوانٌ“: جَمْعُ ”قِنْوٌ“، مِثْلَ ”صِنْوٌ“، و”صِنْوانٌ“، وإذا ثَنَّيْتَ القِنْوَ فَهُما ”قِنْوانِ يا هَذا“، بِكَسْرِ النُّونِ، و”اَلْقِنْوُ“: اَلْعِذْقُ، بِكَسْرِ العَيْنِ، وهي الكِباسَةُ، و”اَلْعَذْقُ“: اَلنَّخْلَةُ، و﴿دانِيَةٌ﴾، أيْ: قَرِيبَةُ المُتَناوَلِ، ولَمْ يَقُلْ: ”وَمِنها قِنْوانٌ بَعِيدَةٌ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا أنَّ البَعِيدَةَ السَّحِيقَةَ مِنَ النَّخْلِ قَدْ كانَتْ غَيْرَ سَحِيقَةٍ، واجْتُزِئَ بِذِكْرِ القَرِيبَةِ عَنْ ذِكْرِ البَعِيدَةِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولَمْ يَقُلْ: ”وَسَرابِيلَ تَقِيكُمُ البَرْدَ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى أنَّها تَقِي البَرْدَ، لِأنَّ ما يَسْتُرُ مِنَ الحَرِّ يَسْتُرُ مِنَ البَرْدِ. (p-٢٧٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ﴾، عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”خَضِرًا“، أيْ: ”فَأخْرَجْنا مِنَ الماءِ خَضِرًا، وجَناتٍ مِن أعْنابٍ“، و”اَلْجَنَّةُ“: اَلْبُسْتانُ، وإنَّما سُمِّيَ البُسْتانُ ”جَنَّةً“، وكُلُّ نَبْتٍ مُتَكاثِفٍ يَسْتُرُ بَعْضُهُ بَعْضًا فَهو ”جَنَّةٌ“، وهو مُشْتَقٌّ مِن ”جَنَنْتُ الشَّيْءَ“، إذا سَتَرْتُهُ، ومِن هَذا قِيلَ لِلتُّرْسِ: ”مِجَنٌّ“، لِأنَّهُ يَسْتُرُ. وَقَوْلُهُ: ﴿والزَّيْتُونَ والرُّمّانَ مُشْتَبِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، أيْ: في الطَّعْمِ، وفِيهِ ما يُشْبِهُ طَعْمُ بَعْضِهِ طَعْمَ بَعْضٍ، وقَرَنَ الزَّيْتُونَ بِالرُّمّانِ لِأنَّهُما شَجَرَتانِ تَعْرِفُ العَرَبُ أنَّ ورَقَهُما يَشْتَمِلُ عَلى الغُصْنِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ وَمَعْناهُ أنَّ البَرَكَةَ في ورَقِهِ واشْتِمالِهِ عَلى عُودِهِ كُلِّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ﴾، يُقالُ: ”ثَمَرَةٌ“، و”ثَمَرٌ“، و”ثِمارٌ“، و”ثُمُرٌ“، جَمْعُ ”ثِمارٌ“، فَمَن قَرَأ: ”إلى ثُمُرِهِ“، بِالضَّمِّ، أرادَ جَمْعَ الجَمْعِ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”إلى ثَمْرِهِ“، فَخَفَّفْتَ، لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، ﴿وَيَنْعِهِ﴾، ”اَلْيَنْعُ“: اَلنُّضْجُ، يُقالُ: ”يَنَعَ الشَّجَرُ، وأيْنَعَ“، إذا أدْرَكَ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٢٧٧) ؎فِي قِبابٍ حَوْلَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَوْلَها الزَّيْتُونُ قَدْ يَنَعا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْبَيْتُ لِيَزِيدَ بْنِ مُعاوِيَةَ، أوْ لِلْأحْوَصِ، احْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَصْرِيفِ ما خَلَقَ، ونَقْلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ، بِما يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ المَخْلُوقُونَ، وأنَّهُ كَذَلِكَ يَبْعَثُهم لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَ البَعْثَ، فَقالَ لَهم: ﴿إنَّ في ذَلِكم لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، فَأعْلَمَهم أنَّ فِيما قَصَّ دَلِيلًا لِمَن صَدَّقَ.

الأنعام 6:100

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهم أطاعُوا الجِنَّ فِيما سَوَّلَتْ لَهم مِن شِرْكِهِمْ، فَجَعَلُوهم شُرَكاءَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وكانَ بَعْضُهم يَنْسِبُ إلى الجِنِّ الأفْعالَ الَّتِي لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ وخَلَقَهُمْ﴾، فالهاءُ والمِيمُ إنْ شِئْتَ كانَتْ عائِدَةً عَلَيْهِمْ، أيْ: فَجَعَلُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهم شُرَكاءَ لا يَخْلُقُونَ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الهاءُ والمِيمُ تَعُودانِ عَلى الجِنِّ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الجِنَّ واللَّهُ خَلَقَ الجِنَّ، وكَيْفَ يَكُونُ الشَّرِيكُ لِلَّهِ المُحْدَثَ الَّذِي لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ كانَ؟“، فَأمّا نَصْبُ ”اَلْجِنَّ“، فَمِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ ”اَلْجِنَّ“، مَفْعُولًا، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَجَعَلُوا لِلَّهِ الجِنَّ شُرَكاءَ“، ويَكُونَ الشُّرَكاءُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَما قالَ: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”اَلْجِنَّ“، بَدَلًا مِن ”شُرَكاءَ“، ومُفَسِّرًا لِلشُّرَكاءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، (p-٢٧٨)مَعْنى ”خَرَقُوا“: اِخْتَلَقُوا، وكَذَبُوا، وذَلِكَ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وزَعَمَتِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، وذَكَرَتِ اليَهُودُ أنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ، فَأعْلَمَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُمُ اخْتَلَقُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، أيْ: لَمْ يَذْكُرُوهُ عَنْ عِلْمٍ، وإنَّما ذَكَرُوهُ تَكْذِيبًا. وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى﴾، أيْ: بَراءَتُهُ مِنَ السُّوءِ، ومَعْنى ”سُبْحانَهُ“: اَلتَّبْرِئَةُ مِن كُلِّ سُوءٍ، لا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في مَعْنى التَّسْبِيحِ أنَّهُ التَّبْرِئَةُ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.

الأنعام 6:101

وَقَوْلُهُ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿أنّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾، أيْ: مِن أيْنَ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؟ والوَلَدُ لا يَكُونُ إلّا مِن صاحِبَةٍ، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، فاحْتَجَّ - جَلَّ وعَزَّ - في نَفْيِ الوَلَدِ بِأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وكَيْفَ يَكُونُ الوَلَدُ لِمَن لا مِثْلَ لَهُ، فَإذا نُسِبَ إلَيْهِ الوَلَدُ فَقَدْ جُعِلَ لَهُ مِثْلٌ.

الأنعام 6:103

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ وهو يُدْرِكُ الأبْصارَ﴾، أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُدْرِكُ الأبْصارَ، وفي هَذا الإعْلامِ دَلِيلٌ أنَّ خَلْقَهُ لا يُدْرِكُونَ الأبْصارَ، أيْ: لا يَعْرِفُونَ كَيْفَ حَقِيقَةُ البَصَرِ، وما الشَّيْءُ الَّذِي صارَ بِهِ الإنْسانُ يُبْصِرُ بِعَيْنَيْهِ دُونَ أنْ يُبْصِرَ مِن غَيْرِهِما مِن سائِرِ أعْضائِهِ، فَأعْلَمَ أنَّ خَلْقًا مِن خَلْقِهِ لا يُدْرِكُ المَخْلُوقُونَ كُنْهَهُ، ولا يُحِيطُونَ بِعِلْمِهِ، فَكَيْفَ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ؟! (p-٢٧٩)فالأبْصارُ لا تُحِيطُ بِهِ، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، فَأمّا ما جاءَ مِنَ الأخْبارِ في الرُّؤْيَةِ، وصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَغَيْرُ مَدْفُوعٍ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى دَفْعِهِ، لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ مَعْنى إدْراكِ الشَّيْءِ والإحاطَةِ بِحَقِيقَتِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، والعِلْمِ، والحَدِيثِ.

الأنعام 6:104

وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَكم بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: قَدْ جاءَكُمُ القُرْآنُ الَّذِي فِيهِ البَيانُ، والبَصائِرُ، فَمَن أبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ، المَعْنى: ”فَلِنَفْسِهِ نَفْعُ ذَلِكَ“، ﴿وَمَن عَمِيَ فَعَلَيْها﴾، أيْ: ”فَعَلى نَفْسِهِ ضَرَرُ ذَلِكَ“، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - غَنِيٌّ عَنْ خَلْقِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾، أيْ: لَسْتُ آخُذُكم بِالإيمانِ أخْذَ الحَفِيظِ، والوَكِيلِ، وهَذا قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، فَلَمّا أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالقِتالِ، صارَ حَفِيظًا عَلَيْهِمْ، ومُسَيْطِرًا عَلى كُلِّ مَن تَوَلّى.

الأنعام 6:105

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾، أيْ: ومِثْلَ ما بَيَّنّا نُبَيِّنُ الآياتِ، ومَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، الَّتِي في أوَّلِ ”كَذَلِكَ“، اَلْمَعْنى: ”وَنُصَرِّفُ الآياتِ في مِثْلِ ما صَرَّفْناهُما فِيما تُلِيَ عَلَيْكَ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، فِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ، فالقِراءَةُ ”دَرَسْتَ“، بِفَتْحِ الدّالِ، وفَتْحِ التّاءِ، ومَعْناهُ: ”وَلِيَقُولُوا: قَرَأْتَ كُتُبَ أهْلِ الكِتابِ“، وتُقْرَأُ أيْضًا: ”دارَسْتَ“، أيْ: ”ذاكَرْتَ أهْلَ (p-٢٨٠)الكِتابِ“، وقالَ بَعْضُهم: ”وَلِيَقُولُوا دَرَسَتْ“، أيْ: هَذِهِ الأخْبارُ الَّتِي تَتْلُوها عَلَيْنا قَدِيمَةٌ قَدْ دَرَسْتَ، أيْ: قَدْ مَضَتْ وامَّحَتْ، وذَكَرَ الأخْفَشُ ”دَرُسَتْ“، بِضَمِّ الرّاءِ، ومَعْناها ”دَرَسَتْ“، إلّا أنَّ ”دَرُسَتْ“، بِضَمِّ الرّاءِ أشَدُّ مُبالَغَةً، وحُكِيَ ”دُرِسَتْ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: قُرِئَتْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: إنَّما صُرِّفَتِ الآياتُ لِيَقُولُوا دَرَسْتَ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أدّاهم إلى أنْ يَقُولُوا: ”دَرَسْتَ“، هو تِلاوَةُ الآياتِ، وهَذِهِ اللّامُ يُسَمِّيها أهْلُ اللُّغَةِ ”لامَ الصَّيْرُورَةِ“، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، فَهم لَمْ يَلْتَقِطُوهُ يَطْلُبُونَ بِأخْذِهِ أنْ يُعادِيَهُمْ، ولَكِنْ كانَتْ عاقِبَةُ أمْرِهِ أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، وكَما تَقُولُ: ”كَتَبَ فُلانٌ هَذا الكِتابَ لِحَتْفِهِ“، فَهو لَمْ يَقْصِدْ بِالكِتابِ أنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ، ولَكِنَّ العاقِبَةَ كانَتِ الهَلاكَ.

الأنعام 6:107

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا﴾، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم مُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ، وقالَ بَعْضُهم: ”لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكُوا“، أيْ: لَوْ شاءَ لاسْتَأْصَلَهُمْ، فَقَطَعَ سَبَبَ شِرْكِهِمْ.

الأنعام 6:108

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، نُهُوا في ذَلِكَ الوَقْتِ، قَبْلَ القِتالِ، أنْ يَلْعَنُوا الأصْنامَ الَّتِي يَعْبُدُها المُشْرِكُونَ. (p-٢٨١)﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أيْ: فَيَسُبُّوا اللَّهَ ظُلْمًا، وقالَ بَعْضُهم: ”فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا“، و”عُدُوًّا“، هَهُنا، في مَعْنى ”جَماعَةً“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”فَيَسُبُّوا اللَّهَ أعْداءً“، و”عُدُوًّا“، مَنصُوبٌ في هَذا القَوْلِ عَلى الحالِ، و”عَدْوًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، عَلى إرادَةِ اللّامِ، لِأنَّ المَعْنى: ”فَيَعْتَدُونَ عَدْوًا“، أيْ: ”يَظْلِمُونَ ظُلْمًا“، ويَكُونُ بِإرادَةِ اللّامِ، أيْ: ”فَيَسُبُّوا اللَّهَ لِلظُّلْمِ“، وفِيها وجْهٌ آخَرُ: ”فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًا“، بِضَمِّ الدّالِ، وهو في مَعْنى ”عُدُوًّا“، ويُقالُ في الظُّلْمِ: ”عَدا فُلانٌ عَدْوًا، وعُدُوًّا، وعُدْوانًا، وعَداءً“، أيْ: ظُلْمًا جاوَزَ فِيهِ القَدْرَ. وَقَوْلُهُ تَعالى - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، أنَّهُ بِمَنزِلَةِ ”طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ“، فَذَلِكَ تَزْيِينُ أعْمالِهِمْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]، وقالَ بَعْضُهم: ”زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهم“، أيْ: ”زَيَّنَ لِكُلِّ أُمَّةٍ العَمَلَ الَّذِي هو فَرْضٌ عَلَيْهِمْ“، والقَوْلُ الأوَّلُ أجْوَدُ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ طَبْعِ اللَّهِ عَلى قُلُوبِهِمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، ونَقْضُ هَذا، قَوْلُهُ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [فاطر: ٨]

الأنعام 6:109

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾، أيْ: اِجْتَهَدُوا في المُبالَغَةِ في اليَمِينِ، ﴿لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾، (p-٢٨٢)وَإنَّما حَلَفُوا عَلى ما اقْتَرَحُوا هم مِنَ الآياتِ، وإنَّما قالُوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠]، إلى قَوْلِهِ: ﴿والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢]، أيْ: تَأْتِيَ بِهِمْ كَفِيلًا، أيْ: يَكْفُلُونَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الآياتِ عِنْدَ اللَّهِ، ويُرْوى أنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا: لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ آيَةٌ لَعَلَّهم كانُوا يُؤْمِنُونَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّما الآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: وما يُدْرِيكُمْ؟ أيْ: لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ الغَيْبَ، فَلا تَدْرُونَ أنَّهم يُؤْمِنُونَ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ إذا قالَ لَكَ: ”اِفْعَلْ بِي كَذا وكَذا حَتّى أفْعَلَ كَذا وكَذا“، مِمّا لا تَعْلَمُ أنَّهُ يَفْعَلُهُ لا مَحالَةَ: ”ما يُدْرِيكَ“، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿أنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾، هَذِهِ هي القِراءَةُ، وقُرِئَتْ أيْضًا: ”إنَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ“، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ أنَّ مَعْناها: ”لَعَلَّها إذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ“، وهي قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، وقالَ الخَلِيلُ: إنَّها كَقَوْلِهِمْ ”إيتِ السُّوقَ أنَّكَ تَشْتَرِي شَيْئًا“، أيْ: ”لَعَلَّكَ“، وقَدْ قالَ بَعْضُهم: إنَّها ”أنْ“، اَلَّتِي عَلى أصْلِ البابِ، وجَعَلَ ”لا“، لَغْوًا، قالَ: والمَعْنى: ”وَما يُشْعِرُكم أنَّها إذا جاءَتْ يُؤْمِنُونَ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٥]، (p-٢٨٣)والقَوْلُ الأوَّلُ أقْوى، وأجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، والكَسْرُ أحَسَنُها، وأجْوَدُها، والَّذِي ذَكَرَ أنَّ ”لا“، لَغْوٌ، غالِطٌ، لِأنَّ ما كانَ لَغْوًا لا يَكُونُ غَيْرَ لَغْوٍ، مَن قَرَأ: ”إنَّها إذا جاءَتْ“، بِكَسْرِ ”إنَّ“، فالإجْماعُ أنَّ ”لا“، غَيْرُ لَغْوٍ، فَلَيْسَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى لَفْظَةٍ مَرَّةً النَّفْيَ، ومَرَّةً الإيجابَ، وقَدْ أجْمَعُوا أنَّ مَعْنى ”أنَّ“، هَهُنا، إذا فُتِحَتْ، مَعْنى ”لَعَلَّ“، والإجْماعُ أوْلى بِالِاتِّباعِ، وقَدْ بَيَّنْتُ الحُجَّةَ في دَفْعِ ما قالَهُ مَن زَعَمَ أنَّ ”لا“، لَغْوٌ.

الأنعام 6:111

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، هَذا جَوابُ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ: ”لَعَلَّهم يُؤْمِنُونَ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وهَذا كَإعْلامِ نُوحٍ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، ومَعْنى ”قُبُلًا“، جَمْعُ ”قَبِيلٌ“،، ومَعْناهُ ”اَلْكَفِيلُ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبِيلًا قَبِيلًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قُبُلٌ“، جَمْعَ ”قَبِيلٌ“، ومَعْناهُ: ”اَلْكَفِيلُ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ، ونَجْعَلُ لَهم بِصِحَّةِ ما نَقُولُ ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”قُبُلًا“، في مَعْنى ”ما يُقابِلُهم“، أيْ: ”لَوْ حَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ فَقابَلَهم“، ويَجُوزُ ”وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قِبَلًا“، أيْ: عِيانًا، ويَجُوزُ ”قُبْلًا“، عَلى تَخْفِيفِ ”قُبُلٌ“، وكُلُّ ما كانَ عَلى هَذا المِثالِ فَتَخْفِيفُهُ جائِزٌ، نَحْوَ ”اَلصُّحُفُ“، و”اَلصُّحْفُ“، و”اَلْكُتُبُ“، و”اَلْكَتْبُ“، و”اَلرُّسُلُ“، و”اَلرُّسْلُ“ . (p-٢٨٤)وَمَعْنى ”إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ“، أيْ: إلّا أنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نُنَزِّلُ عَلَيْهِمْ آيَةً تَضْطَرُّهم إلى الإيمانِ.

الأنعام 6:112

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾، أيْ: وكَما جَعَلْنا لَكَ ولِأُمَّتِكَ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ أعْداءً، كَذَلِكَ جَعَلْنا لِمَن تَقَدَّمَكَ مِنَ الأنْبِياءِ، وأُمَمِهِمْ. و”عَدُوًّا“، في مَعْنى ”أعْداءً“، و”شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ“، مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن ”عَدُوًّا“، مُفَسِّرًا لَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عَدُوًّا“، مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، المَعْنى: ”وَكَذَلِكَ شَياطِينَ الجِنِّ والإنْسِ أعْداءً لِلْأنْبِياءِ وأُمَمِهِمْ“، ﴿يُوحِي بَعْضُهم إلى بَعْضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾، ”اَلزُّخْرُفُ“، في اللُّغَةِ: اَلزِّينَةُ، والمَعْنى أنَّ بَعْضَهم يُزَيِّنُ لِبَعْضٍ الأعْمالَ القَبِيحَةَ، و”غُرُورًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، وهَذا المَصْدَرُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ مَبْنى إيحاءِ الزُّخْرُفِ مِنَ القَوْلِ مَعْنى الغُرُورِ، وكَأنَّهُ قالَ: ”يَغُرُّونَ غُرُورًا“، ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَمَنَعَ الشَّياطِينَ مِنَ الوَسْوَسَةِ، لِلْإنْسِ والجِنِّ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَمْتَحِنُ ما يَعْلَمُ أنَّهُ الأبْلَغُ في الحِكْمَةِ، والأجْزَلُ في الثَّوابِ، والأصْلَحُ لِلْعِبادِ.

الأنعام 6:113

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِتَصْغى إلَيْهِ أفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾، مَعْنى ”لِتَصْغى“: لِتَمِيلَ، أيْ: ”وَلِيَصِيرَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ“، ويَجُوزُ: ”وَلِتُصْغِيَ إلَيْهِ أفْئِدَةُ“، يُقالُ: ”صَغَوْتُ، أصْغى“، مِثْلَ ”مَحَوْتُ، أمْحى“، وإنَّما جازَ ”أصْغى“، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ”أصْغُو“، لِمَوْضِعِ الغَيْنِ، لِأنَّها تُفْتَحُ هي وأخَواتُها، وهو أنَّ ”يَفْعُلَ“، و”يَفْعِلَ“، (p-٢٨٥)يَصِيرُ مَعَها في كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ ”يَفْعَلُ“، نَحْوَ ”صَبَغَ، يَصْبَغُ“، وأصْلُهُ ”يَصْبُغُ“، وهو يُقالُ، ومِثْلَ ”ذَهَبَ، يَذْهَبُ“، كَأنَّهُ كانَ ”يَذْهُبُ“، ويُقالُ: ”صَغَيْتُ، أصْغى“، أيْضًا، و”أصْغَيْتُ، أصْغى“، شاذٌّ، و”أصْغَيْتُ، أُصْغِي“، جَيِّدٌ بالِغٌ، كَثِيرٌ، و”أفْئِدَةٌ“: جَمْعُ ”فُؤادٌ“، مِثْلَ ”غُرابٌ“، و”أغْرِبَةٌ“، ومَعْنى: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هم مُقْتَرِفُونَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَلِيَعْمَلُوا ما هم عامِلُونَ مِنَ الذُّنُوبِ“، يُقالُ: ”قَدِ اقْتَرَفَ فُلانٌ ذَنْبًا“، أيْ: قَدْ عَمِلَ ذَنْبًا، ويَجُوزُ ”وَلِيَقْتَرِفُوا“، أيْ: لِيَخْتَلِقُوا، ولِيَكْذِبُوا، وهَذِهِ لامُ ”أنْ“، اَلْمَعْنى: ”وَلِأنْ يَرْضَوْهُ“، و”لْيَقْتَرِفُوا“، عَلى أنَّ اللّامَ لامُ أمْرٍ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّهَدُّدِ، والوَعِيدِ، كَما تَقُولُ: ”اِفْعَلْ ما شِئْتَ“، فَلَفْظُهُ لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناهُ مَعْنى التَّهَدُّدِ.

الأنعام 6:116

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وإنْ هم إلا يَخْرُصُونَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أكْثَرَهم مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا أكابِرَهُمْ، لَيْسَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ أنَّهم عَلى بَصائِرَ، وأنَّهم إنَّما يَظُنُّونَ، ومِنهم مَن عانَدَ، ومَن يَعْلَمُ أنَّ النَّبِيَّ حَقٌّ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُعَذَّبُونَ وهم ظانُّونَ؟ وهَلْ يَجُوزُ أنْ يُعَذَّبَ مَن كَفَرَ وهو ظانٌّ، ومَن لَمْ يَكْفُرْ وهو عَلى يَقِينٍ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قَدْ ذَكَرَ أنَّهُ يُعَذِّبُ عَلى الظَّنِّ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، والحُجَّةُ (p-٢٨٦)فِي هَذا أنَّهم عُذِّبُوا عَلى هَذا الظَّنِّ، لِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ، وتَرَكُوا التِماسَ البَصِيرَةِ مِن حَيْثُ يَجِبُ، واقْتَصَرُوا عَلى الظَّنِّ، والجَهْلِ.

الأنعام 6:117

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ولَفْظُها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، المَعْنى: ”إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ أيُّ النّاسِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ“، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢]

الأنعام 6:118

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، مَعْناهُ: كُلُوا مِمّا أخْلَصْتُمْ ذَبْحَهُ لِلَّهِ، والمَنعُ مِنَ المَيْتَةِ داخِلٌ في هَذا، ولَيْسَ بَيْنَ النّاسِ اخْتِلافٌ في أنَّ المُشْرِكِينَ ناظَرُوا المُسْلِمِينَ، فَقالُوا لَهم: ”تَتْرُكُونَ ما سَبَقَكُمُ اللَّهُ إلى إماتَتِهِ، وتَأْكُلُونَ ما أمَتُّمْ أنْتُمْ“ .

الأنعام 6:119

فَأعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ المَيْتَةَ حَرامٌ وأنَّ ما قُصِدَ بِتَذْكِيَتِهِ اتِّباعُ أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فَذَلِكَ الحَلالُ، فَقالَ: ﴿وَما لَكم ألا تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ومَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، لِأنَّ ”في“، سَقَطَتْ، فَوَصَلَ المَعْنى إلى ”أنْ“، فَنَصَبَها، المَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكم في ألّا تَأْكُلُوا؟“، وسِيبَوَيْهِ يُجِيزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”أنْ“، جَرًّا، وإنْ سَقَطْتَ ”في“، والنَّصْبُ عِنْدَهُ أجْوَدُ، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ في أنَّ المَوْضِعَ نَصْبٌ، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾، و”حُرِّمَ“، جَمِيعًا، أيْ: فَصَّلَ لَكُمُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ، وأحَلَّ لَكم في الِاضْطِرارِ ما حَرَّمَ عَلَيْكم. (p-٢٨٧)فَمَوْضِعُ ”ما“، نَصْبٌ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما اضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ﴾، ومَعْنى ”ما اضْطُرِرْتُمْ“: دَعَتْكم شِدَّةُ الضَّرُورَةِ، أيْ: شِدَّةُ المَجاعَةِ إلى أكْلِهِ، ﴿وَإنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، أيْ: إنَّ الَّذِينَ يُحِلُّونَ المَيْتَةَ ويُناظِرُونَكم في إحْلالِها، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يَضِلُّونَ فِيهِ، إنَّما يَتَّبِعُونَ فِيهِ الهَوى، والشَّهْوَةَ، ولا بَصِيرَةَ، ولا عِلْمَ عِنْدَهم.

الأنعام 6:120

وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الإثْمِ وباطِنَهُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ظاهِرَهُ الزِّنا، وباطِنَهُ اتِّخاذُ الأخْدانِ والأصْدِقاءِ، عَلى جِهَةِ الرِّيبَةِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ أنَّ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اُتْرُكُوا الإثْمَ، ظَهْرًا، أوْ بَطْنًا“، أيْ: " لا تَقْرَبُوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، جَهْرًا، ولا سِرًّا.

الأنعام 6:121

وَقَوْلُهُ: - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، أيْ: مِمّا لَمْ يُخْلَصْ ذَبْحُهُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿وَإنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، ومَعْنى ”اَلْفِسْقُ“: اَلْخُرُوجُ عَنِ الحَقِّ، والدِّينِ، يُقالُ: ”فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ“، إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرَتِها، ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ﴾، أيْ: يُوَسْوِسُ الشَّيْطانُ لِوَلِيِّهِ، فَيُلْقِي في قَلْبِهِ الجِدالَ بِالباطِلِ، وهو ما وصَفْنا مِن أنَّ المُشْرِكِينَ جادَلُوا المُسْلِمِينَ في المَيْتَةِ، ﴿وَإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾، هَذِهِ الآيَةُ فِيها دَلِيلٌ أنَّ كُلَّ مَن أحَلَّ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ حَرَّمَ شَيْئًا مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لَهُ، فَهو مُشْرِكٌ، لَوْ أحَلَّ مُحِلٌّ المَيْتَةَ في غَيْرِ اضْطِرارٍ، أوْ أحَلَّ الزِّنا، لَكانَ مُشْرِكًا بِإجْماعِ الأُمَّةِ، وإنْ أطاعَ اللَّهَ في جَمِيعِ ما أمَرَ بِهِ، وإنَّما سُمِّيَ ”مُشْرِكًا“، لِأنَّهُ اتَّبَعَ غَيْرَ اللَّهِ، فَأشْرَكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ.

الأنعام 6:122

(p-٢٨٨)وَقَوْلُهُ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، فالنَّبِيُّ ﷺ هُدِيَ، وأُعْطِيَ نُورَ الإسْلامِ، والنُّبُوَّةَ، والحِكْمَةَ، وأبُو جَهْلٍ في ظُلُماتِ الكُفْرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ عامَّةً لِكُلِّ مَن هَداهُ اللَّهُ، ولِكُلِّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ مَثَلَ المُهْتَدِي مَثَلُ المَيْتِ الَّذِي أُحْيِيَ، وجُعِلَ مُسْتَضِيئًا، يَمْشِي في النّاسِ بِنُورِ الحِكْمَةِ، والإيمانِ، ومَثَلُ الكافِرِ مَثَلُ مَن هو في الظُّلُماتِ، لا يَتَخَلَّصُ مِنها.

الأنعام 6:123

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وهو قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، اَلْمَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ عَمَلُهم“، ”وَكَذَلِكَ جَعَلْنا“، أيْ: ”وَمِثْلَ ذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها“، لِأنَّ الأكابِرَ ما هم فِيهِ مِنَ الرِّياسَةِ، والسَّعَةِ، أدْعى لَهم إلى المَكْرِ، والكُفْرِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٢٧] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: ٣٣]، ومَعْنى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إلا بِأنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ المَكْرُ يَحِيقُ بِهِمْ، لِأنَّهم بِمَكْرِهِمْ يُعَذَّبُونَ.

الأنعام 6:124

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ﴾، هَذِهِ الهاءُ والمِيمُ تَعُودانِ عَلى الأكابِرِ الَّذِينَ جَرى ذِكْرُهُمْ، لِأنَّهم (p-٢٨٩)قالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُعْطى مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُعْطِيَ الأنْبِياءُ، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ أعْلَمُ مَن يَصْلُحُ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] . وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾، أيْ: هو أعْلَمُ بِمَن يَخْتَصُّ لِلرِّسالَةِ، وقالَ بَعْضُهم: لا يَبْلُغُ في تَصْدِيقِ الرُّسُلِ إلّا أنْ يَكُونُوا قَبْلَ مَبْعَثِهِمْ مُطاعِينَ في قَوْمِهِمْ، لِأنَّ الطَّعْنَ كانَ يَتَّسِعُ عَلَيْهِمْ، ويُقالُ: إنَّما كانُوا أكابِرَ ورُؤَساءَ، فاتُّبِعُوا، ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ: هم وإنْ كانُوا أكابِرَ في الدُّنْيا، سَيُصِيبُهم صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: مَذَلَّةٌ، و”عِنْدَ“، مُتَّصِلَةٌ بِـ ”سَيُصِيبُهم عِنْدَ اللَّهِ صَغارٌ“، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”عِنْدَ“، مُتَّصِلَةً بِـ ”صَغارٌ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ ثابِتٌ لَهم عِنْدَ اللَّهِ“، ولا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”مِن“، مَحْذُوفَةً مِن ”عِنْدَ“، إنَّما المَحْذُوفُ في ”مِن عِنْدِ“، في المَعْنى، إذا قُلْتَ: ”زَيْدٌ عِنْدَ عَمْرٍو“، والمَعْنى: ”زَيْدٌ في حَضْرَةِ عَمْرٍو“ .

الأنعام 6:125

﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ﴾، يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: وهَلْ يَنْشَرِحُ الصَّدْرُ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ، يَدْخُلُ القَلْبَ النُّورُ“، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَلْ لِذَلِكَ مِن عِلْمٍ؟ قالَ: ”نَعَمُ، التَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ المَوْتِ“ . (p-٢٩٠)﴿وَمَن يُرِدْ أنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”اَلْحَرَجُ“: مَوْضِعُ الشَّجَرِ المُلْتَفِّ، فَكَأنَّ قَلْبَ الكافِرِ لا تَصِلُ إلَيْهِ الحِكْمَةُ، كَما لا تَصِلُ الرّاعِيَةُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَلْتَفُّ فِيهِ الشَّجَرُ، وأهْلُ اللُّغَةِ أيْضًا يَقُولُونَهُ: اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ يُقالُ لَهُ: ”اَلْحَرَجُ“، و”اَلْحَرَجُ“، في اللُّغَةِ: أضْيَقُ الضِّيقِ، والَّذِي قالَ ابْنُ عَبّاسٍ صَحِيحٌ حَسَنٌ، فالمَعْنى عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ ضَيِّقٌ جِدًّا، ويَجُوزُ ”حَرِجًا“، بِكَسْرِ الرّاءِ، فَمَن قالَ: ”حَرِجًا“، فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ”رَجُلٌ دَنِفٌ“، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”دَنَفٌ“، هَهُنا، و”حَرَجٌ“، لَيْسَ مِن أسْماءِ الفاعِلِينَ، إنَّما هو بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ”رَجُلٌ عَدْلٌ“، أيْ: ”ذُو عَدْلٍ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ﴾، و”يَصّاعَدُ“، أيْضًا، وأصْلُهُ: ”يَتَصاعَدُ“، و”يَتَصَعَّدُ“، إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الصّادِ لِقُرْبِها مِنها، ومَعْنى ”كَأنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: كَأنَّهُ قَدْ كُلِّفَ أنْ يَصْعَدَ إلى السَّماءِ إذا دُعِيَ إلى الإسْلامِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ عَنْهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - كَأنَّ قَلْبَهُ يَصْعَدُ في السَّماءِ نُبُوًّا عَلى الإسْلامِ، واسْتِماعِ الحِكْمَةِ، ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: مِثْلَ قَصَصِنا عَلَيْكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ، و”اَلرِّجْسُ“: اَللَّعْنَةُ في الدُّنْيا، والعَذابُ في الآخِرَةِ.

الأنعام 6:127

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَهم دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، (p-٢٩١)أيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ دارُ السَّلامِ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلسَّلامُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، ودَلِيلُهُ: ﴿السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتِ الجَنَّةُ ”دارَ السَّلامِ“، لِأنَّها دارُ السَّلامَةِ الدّائِمَةِ الَّتِي لا تَنْقَطِعُ.

الأنعام 6:128

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا يا مَعْشَرَ الجِنِّ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: فَيُقالُ لَهم: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾، اَلْمَعْنى: قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِمَّنْ أضْلَلْتُمُوهم مِنَ الإنْسِ، ﴿وَقالَ أوْلِياؤُهم مِنَ الإنْسِ رَبَّنا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْتِمْتاعَ الإنْسِ بِالجِنِّ أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا سافَرَ سَفَرًا فَخافَ، أوْ أصابَ صَيْدًا، قالَ: أعُوذُ بِرَبِّ هَذا الوادِي، وبِصاحِبِ هَذا الوادِي، يَعْنِي بِهِ الجِنَّ، واسْتِمْتاعُ الجِنِّ بِالإنْسِ أنَّ الإنْسِيَّ قَدِ اعْتَرَفَ لَهُ بِأنَّهُ يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو قَبُولُ الإنْسِ مِنَ الجِنِّ ما كانُوا يُغْوُونَهم بِهِ، لِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإنْسِ﴾، فَأمّا مَن كانَ يَقُولُ هَذا، أعْنِي يَسْتَعِيذُ بِالجِنِّ، فَقَلِيلٌ، ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾، ”اَلْمَثْوى“: اَلْمُقامُ، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”اَلنّارُ مُقامُكم في حالِ خُلُودٍ دائِمٍ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾، مَعْنى الِاسْتِثْناءِ عِنْدِي هَهُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - إنَّما هو مِن يَوْمِ القِيامَةِ، لِأنَّ (p-٢٩٢)قَوْلَهُ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾، هو يَوْمُ القِيامَةِ، فَقالَ: ”خالِدِينَ فِيها مُذْ يُبْعَثُونَ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ، ومِقْدارِ مُدَّتِهِمْ في مُحاسَبَتِهِمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”إلّا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِهِ مِن أصْنافِ العَذابِ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، فَيَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن مِقْدارِ حَشْرِهِمْ، ومُحاسَبَتِهِمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِمّا يَزِيدُهم مِنَ العَذابِ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: هو حَكِيمٌ فِيما جَعَلَهُ مِن جَزائِهِمْ، وحَكِيمٌ في غَيْرِهِ.

الأنعام 6:130

وَقَوْلُهُ: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكم يَقُصُّونَ عَلَيْكم آياتِي﴾، فَقالَ: ”رُسُلٌ مِنكم“، وإنَّما المُرْسَلُ مِنَ الإنْسِ، دُونَ الجِنِّ، فَإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ الجَماعَةَ تَعْقِلُ وتُخاطَبُ، فالرُّسُلُ هم بَعْضُ مَن يَعْقِلُ، وهَذا كَقَوْلِهِ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، وإنَّما يَخْرُجُ ذَلِكَ مِنَ المِلْحِ، أيْ: اَلْبَحْرِ الَّذِي لَيْسَ بِعَذْبٍ، فَقالَ: ”مِنهُما“، لِأنَّ ذِكْرَهُما قَدْ جُمِعَ، فَهَذا جائِزٌ في اللُّغَةِ، في كُلِّ ما اتُّفِقَ في أصْلِهِ، كَما اتَّفَقَتِ الجِنُّ مَعَ الإنْسِ في بابِ التَّمْيِيزِ.

الأنعام 6:131

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ أنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى﴾، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَوْضِعَ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ“، وقالَ بَعْضُهم: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا، المَعْنى: ”قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّهُ (p-٢٩٣)لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ“، والمَعْنى يَخْرُجُ عَلى جَمِيعِ القَوْلَيْنِ، لِأنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلى أمْرِ الإرْسالِ، فَكَأنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”ذَلِكَ الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ الرُّسُلِ أمْرُ عَذابِ مَن كَذَّبَ بِها لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ“، أيْ: لا يُهْلِكُهم حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]

الأنعام 6:133

وَقَوْلُهُ: ﴿كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، المَعْنى: ”وَيَسْتَخْلِفُ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ مِثْلَما أنْشَأكم“، يُقالُ: ”أنْشَأ اللَّهُ الخَلْقَ“، إذا خَلَقَهُ، وأبْدَأهُ، وكُلُّ مَنِ ابْتَدَأ شَيْئًا فَقَدْ أنْشَأهُ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: ”فَأنْشَأ الشّاعِرُ يَقُولُ“، أيْ: ”اِبْتَدَأ مِن نَفْسِهِ“، و”اَلنَّشَأُ“: اَلصِّغارُ مِنَ الأوْلادِ، قالَ نُصَيْبٌ: ؎وَلَوْلا أنْ يُقالَ صَبا نُصَيْبٌ ∗∗∗ لَقُلْتُ بِنَفْسِيَ النَّشَأُ الصِّغارُ وَلِهَذا يُقالُ لِلصِّغارِ: ”نَشْءٌ حَسَنٌ“، و”نُشُوءٌ حَسَنٌ“، أيْ: قَدْ ظَهَرَ لَهُ ابْتِداءٌ حَسَنٌ.

الأنعام 6:135

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾، و”مَكاناتِكم“، اَلْمَعْنى: ”اِعْمَلُوا عَلى تَمَكُّنِكم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”اِعْمَلُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ“، ويُقالُ لِلرَّجُلِ إذا أمَرْتَهُ أنْ يَثْبُتَ عَلى حالٍ: ”عَلى مَكانَتِكَ يا فُلانُ“، أيْ: اُثْبُتْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ. (p-٢٩٤)فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَأْمُرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقِيمُوا عَلى الكُفْرِ، فَيَقُولَ لَهم: ”اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم“ ؟ فَإنَّما مَعْنى هَذا الأمْرِ المُبالَغَةُ في الوَعِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾، قَدْ أعْلَمَهم أنَّ مَن عَمِلَ بِعَمَلِهِمْ فَإلى النّارِ مَصِيرُهُ، فَقالَ لَهم: ”أقِيمُوا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ إنْ رَضِيتُمُ العَذابَ بِالنّارِ“ . و”اَلْحامِي“: اَلَّذِي حَمى ظَهْرَهُ أنْ يُرْكَبَ، ﴿وَأنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها﴾ [الأنعام: ١٣٨]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ افْتِراءٌ، أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ افْتِراءً عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ“، وهَذا يُسَمِّيهِ سِيبَوَيْهِ ”مَفْعُولًا لَهُ“، وحَقِيقَتُهُ أنَّ قَوْلَهُ: ”لا يَذْكُرُونَ“، بِمَعْنى ”يَفْتَرُونَ“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”يَفْتَرُونَ افْتِراءً“ .

الأنعام 6:139

﴿وَقالُوا ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾، وكَأنَّهُ إذا جَعَلُوا لِأصْنامِهِمْ مِمّا في بُطُونِ الأنْعامِ شَيْئًا جَعَلُوهُ ما يَكُونُ ذَكَرًا مَوْلُودًا حَيًّا، يَأْكُلُهُ الذُّكْرانُ خاصَّةً، ولا يُجِيزُونَ أنْ يَأْكُلَ النِّساءُ شَيْئًا، فَإنْ كانَ ذَكَرًا مَيْتًا اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ والنِّساءُ، وهو قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهم فِيهِ شُرَكاءُ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا﴾، فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ، أجْوَدُهُما أنْ يَكُونَ أنَّثَ الخَبَرَ، وجَعَلَ مَعْنى ”ما“، اَلتَّأْنِيثَ، لِأنَّها في مَعْنى الجَماعَةِ، كَأنَّهم قالُوا: جَماعَةُ ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ (p-٢٩٥)خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، ويُرَدُّ ”وَمُحَرَّمٌ“، عَلى لَفْظِ ”ما“، وقالَ بَعْضُهم: أنَّثَهُ لِتَأْنِيثِ الأنْعامِ، والَّذِي في بُطُونِ الأنْعامِ لَيْسَ بِمَنزِلَةِ بَعْضِ الشَّيْءِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”سَقَطَتْ بَعْضُ أصابِعِهِ“، بَعْضُ أصابِعَ: إصْبَعٌ، وهي واحِدَةٌ مِنها، والَّذِي في بُطُونِ الأنْعامِ: ما في بَطْنِ كُلِّ واحِدَةٍ غَيْرُها، ومَن قالَ: يَجُوزُ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ ”أنْعامٌ“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”وَقالُوا: اَلْأنْعامُ الَّتِي في بُطُونِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا“، والقَوْلُ الأوَّلُ الَّذِي شَرَحْنا أبْيَنُ، لِقَوْلِهِ: ”وَمُحَرَّمٌ“، لِأنَّهُ دَلِيلٌ عَلى الحَمْلِ المَعْنى في ”ما“، عَلى اللَّفْظِ. وَقَرَأ بَعْضُهم: ”خالِصَةً لِذُكُورِنا“، فَهو عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”ما خَلَصَ حَيًّا“، ويَجُوزُ ”وَإنْ يَكُنْ مَيْتَةً“، بِالياءِ، والتّاءِ، ونَصْبِ ”مَيْتَةً“، اَلْمَعْنى: ”وَإنْ تَكُنْ تِلْكَ الحَمُولُ الَّتِي في البُطُونِ مَيْتَةً“، ومَن قَرَأ: ”وَإنْ يَكُنْ“، فَعَلى لَفْظِ ”ما“، اَلْمَعْنى: ”إنْ يَكُنْ ما في البَطْنِ مَيْتَةً“، ويَجُوزُ ”وَإنْ تَكُنْ مَيْتَةٌ“، بِالتّاءِ، ورَفْعِ المَيْتَةِ، ويَكُونُ ”تَكُنْ“، بِمَعْنى الحُدُوثِ، والوُقُوعِ، كَأنَّهُ ”وَإنْ تَقَعْ مَيْتَةٌ“، و”إنْ تَحْدُثْ مَيْتَةٌ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: سَيَجْزِيهِمْ جَزاءَ وصْفِهِمُ الَّذِي هو كَذِبٌ.

الأنعام 6:140

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، ”سَفَهًا“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ: لِلسَّفَهِ، مِثْلَ: ”فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَأْوِيلِ المَصْدَرِ، لِأنَّ قَتْلَهم أوْلادَهم قَدْ سَفِهُوا فِيهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”سَفِهُوا سَفَهًا“، فَقالَ (p-٢٩٦)- عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أوْلادَهم سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلى اللَّهِ﴾، وقَدْ فَسَّرْنا نَصْبَ ”اِفْتِراءً“، ومَعْنى الِافْتِراءِ هَهُنا: اَلْكَذِبُ.

الأنعام 6:141

ثُمَّ احْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ونَبَّهَ عَلى عِظَمِ ما أتَوْهُ في أنْ أقْدَمُوا عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، وأقْدَمُوا عَلى أنْ شَرَعُوا مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، فَقالَ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾، فَكَأنَّهُ قالَ: ”اِفْتَرَوْا عَلى اللَّهِ وهو المُحْدِثُ لِلْأشْياءِ، الفاعِلُ ما لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِ“، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أنْشَأ﴾، أيْ: اِبْتَدَعَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ، و”اَلْجَنّاتُ“: اَلْبَساتِينُ، ﴿وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾، ومَعْنى ”اَلْمَعْرُوشاتُ“، هَهُنا: اَلْكُرُومُ، ﴿والنَّخْلَ والزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾، في حالِ اخْتِلافِ أُكُلِهِ، وهَذِهِ مَسْألَةٌ شَدِيدَةٌ في النَّحْوِ، إلّا عَلى مَن عَرَفَ حَقِيقَتَها، لِأنَّ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: كَيْفَ أنْشَأهُ في حالِ اخْتِلافِ أُكُلِهِ، وهو قَدْ نَشَأ مِن قَبْلِ وُقُوعِ أُكُلِهِ - و”أُكُلُهُ“: ثَمَرُهُ -؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدَّرَ إنْشاءَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ المُنْشِئُ لَهُ في حالِ اخْتِلافِ أُكُلِهِ، ويَجُوزُ ”أنْشَأهُ ولا أُكُلَ فِيهِ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ“، لِأنَّ المَعْنى: ”مُقَدِّرًا ذَلِكَ فِيهِ“، كَما تَقُولُ: ”لَتَدْخُلُنَّ مَنزِلَ زَيْدٍ آكِلِينَ شارِبِينَ“، اَلْمَعْنى: ”تَدْخُلُونَ مُقَدِّرِينَ ذَلِكَ“، وسِيبَوَيْهِ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، وبَيَّنَهُ في قَوْلِهِ: ”مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا“، فَنَصَبَ ”صائِدًا“، عَلى الحالِ، والمَعْنى: ”مُقَدِّرًا الصَّيْدَ“، ومَعْنى ﴿مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾، (p-٢٩٧)عَلى ضَرْبَيْنِ، فَأحَدُهُما أنَّ بَعْضَهُ يُشْبِهُ بَعْضًا، وبَعْضَهُ يُخالِفُ بَعْضًا، ويَكُونُ أنْ يَكُونَ مُتَشابِهًا وغَيْرَ مُتَشابِهٍ، أنْ تَكُونَ الثِّمارُ يُشْبِهُ بَعْضُها بَعْضًا في النَّظَرِ، وتَخْتَلِفُ في الطَّعُومِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ﴾، ”ثَمَرٌ“: جَمْعُ ”ثَمَرَةٌ“، ويَجُوزُ ”مِن ثُمُرِهِ“، ويَكُونُ ”اَلثُّمُرُ“، جَمْعَ ”ثِمارٌ“، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ ”حُمُرٌ“، جَمْعُ ”حِمارٌ“، ويَجُوزُ ”مِن ثَمْرِهِ“، بِإسْكانِ المِيمِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾، يَجُوزُ ”اَلْحَصادُ“، و”اَلْحِصادُ“، وتُقْرَأُ بِهِما جَمِيعًا، ومِثْلُهُ ”اَلْجَدادُ“، و”اَلْجِدادُ“، لِصِرامِ النَّخْلِ، اخْتَلَفَ النّاسُ في تَأْوِيلِ ”﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾“، فَقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ، ورُوِيَ أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ صَرَمَ خَمْسَمِائَةِ نَخْلَةٍ، فَفَرَّقَ ثِمارَها كُلَّهُ، ولَمْ يُدْخِلْ مِنهُ شَيْئًا إلى مَنزِلِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ ولا تُسْرِفُوا﴾، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّأْوِيلِ أنَّ الإنْسانَ إذا أعْطى كُلَّ مالِهِ ولَمْ يُوَصِّلْ إلى عِيالِهِ وأهْلِهِ مِنهُ شَيْئًا فَقَدْ أسْرَفَ، لِأنَّهُ جاءَ في الخَبَرِ: ”اِبْدَأْ بِمَن تَعُولُ“، وقالَ قَوْمٌ: إنَّها مَدَنِيَّةٌ، ومَعْنى ”وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ“: أدُّوا ما افْتُرِضَ عَلَيْكم في صَدَقَتِهِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ في أمْرِ الزَّكَواتِ أنَّ الثِّمارَ إذا (p-٢٩٨)حُصِدَتْ وجَبَ إخْراجُ ما يَجِبُ فِيها مِنَ الصَّدَقَةِ فِيما فُرِضَ فِيهِ الصَّدَقَةُ، فَعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ ”وَلا تُسْرِفُوا“، أيْ: ”لا تُنْفِقُوا أمْوالكم وصَدَقاتِكم عَلى غَيْرِ الجِهَةِ الَّتِي افْتُرِضَتْ عَلَيْكم“، كَما قالَ المُشْرِكُونَ: ”هَذا لَيْسَ كائِنًا“، وحَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ، فَلا يَكُونُ إسْرافٌ أبْيَنَ مِن صَرْفِ الأمْوالِ فِيما يُسْخِطُ اللَّهَ.

الأنعام 6:142

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾، نَسَقٌ عَلى الجَنّاتِ، المَعْنى: ”وَهو الَّذِي أنْشَأ جَنّاتٍ، وأنْشَأ مِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا“، و”اَلْحَمُولَةُ“: اَلْإبِلُ الَّتِي تَحْمِلُ، وأجْمَعَ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى أنَّ ”اَلْفَرْشُ“: صِغارُها، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ”اَلْفَرْشُ“: صِغارُ الإبِلِ، وإنَّ البَقَرَ والغَنَمَ مِنَ الفَرْشِ الَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فَلَمّا جاءَ هَذا بَدَلًا مِن قَوْلِهِ ”حَمُولَةً وفَرْشًا“، جَعَلَهُ لِلْبَقَرِ والغَنَمِ مَعَ الإبِلِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: ”لا تُحَرِّمُوا ما حَرَّمْتُمْ مِمّا جَرى ذِكْرُهُ“، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾، في ”خُطُواتِ“، ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ضَمُّ الطّاءِ، وفَتْحُها، وإسْكانُها، ومَعْنى ”خُطُواتِ الشَّيْطانِ“: طُرُقُ الشَّيْطانِ، قالَ بَعْضُهم: تَخَطِّي الشَّيْطانِ الحَلالَ إلى الحَرامِ، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ اللُّغَةُ أنَّ المَعْنى: ”لا تَسْلُكُوا الطَّرِيقَ الَّذِي يُسَوِّلُهُ لَكُمُ الشَّيْطانُ“ .

الأنعام 6:143

(p-٢٩٩)وَقَوْلُهُ: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾، بَدَلٌ مِن ”حَمُولَةً وفَرْشًا“، و”اَلزَّوْجُ“، في اللُّغَةِ: اَلْواحِدُ الَّذِي يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ، ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾، و”اَلضَّأْنُ“: جَمْعُ ”ضائِنٌ“، و”ضَأْنٌ“، مِثْلَ ”تاجِرٌ“، و”تَجْرٌ“، ﴿وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أمِ الأُنْثَيَيْنِ أمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ﴾، هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ، بَيَّنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ فِرْيَتَهُمْ، وكَذِبَهم فِيما ادَّعَوْهُ مِن أنَّ ما في بُطُونِ الأنْعامِ حَلالٌ لِلذُّكُورِ، ومُحَرَّمٌ عَلى الإناثِ، وما حَرَّمُوا مِن سائِرِ ما وصَفْنا، فَقِيلَ لَهم: ”آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ؟“، فَإنْ كانَ حَرَّمَ مِنَ الغَنَمَ ذُكُورَها فَكُلُّ ذُكُورِها حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ الأُنْثَيَيْنِ فَكُلُّ الإناثِ حَرامٌ، وإنْ كانَ حَرَّمَ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أرْحامُ الأُنْثَيَيْنِ فَقَدْ حَرَّمَ الأوْلادَ، وكُلُّها أوْلادٌ، فَكُلُّها حَرامٌ، وكَذَلِكَ الِاحْتِجاجُ في قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فَقِيلَ لَهم: ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾، أيْ: فَسِّرُوا ما حَرَّمْتُمْ بِعِلْمٍ، أيْ: وأنْتُمْ لا عِلْمَ لَكُمْ، لِأنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِكِتابٍ.

الأنعام 6:144

﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ وصّاكُمُ اللَّهُ بِهَذا﴾، أيْ: ”هَلْ شاهَدْتُمُ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ هَذا إذْ كُنْتُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِرَسُولٍ؟“، ثُمَّ بَيَّنَ ظُلْمَهُمْ، فَقالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وقَدْ بَيَّنَ الِاحْتِجاجُ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِنَبِيٍّ، ولا يَدَّعُونَ أنَّ نَبِيًّا خَبَّرَهم عَنِ اللَّهِ أنَّ هَذا حَرامٌ، ولا أنَّهم شاهَدُوا اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ.

الأنعام 6:145

ثُمَّ قالَ: (p-٣٠٠)﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، فَأعْلَمَهم ﷺ أنَّ التَّحْرِيمَ، والتَّحْلِيلَ، إنَّما يَقْبَلُهُ بِالوَحْيِ، أوِ التَّنْزِيلِ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾، و”اَلْمَسْفُوحُ“: اَلْمَصْبُوبُ، فَكَأنَّهُ إذا ذَبَحُوا أكَلُوا الدَّمَ، كَما يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ، ﴿أوْ لَحْمَ خِنْـزِيرٍ﴾، فَإنَّهُ رِجْسٌ، و”اَلرِّجْسُ“: اِسْمٌ لِما يُسْتَقْذَرُ، ولِلْعَذابِ، ﴿أوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، أيْ: رُفِعَ الصَّوْتُ عَلى ذَبْحِهِ بِاسْمِ غَيْرِ اللَّهِ، وكانُوا يَذْكُرُونَ أسْماءَ أوْثانِهِمْ عَلى ذَبائِحِهِمْ، فَـ ”فِسْقًا“، عَطْفٌ عَلى ”لَحْمَ خِنْزِيرٍ“، اَلْمَعْنى: ”إلّا أنْ يَكُونَ المَأْكُولُ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا، أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أوْ فِسْقًا“، فَسُمِّيَ ما ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ ”فِسْقًا“، أيْ: خُرُوجًا مِنَ الدِّينِ، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ﴾، أيْ: دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إلى أكْلِهِ، فَأكَلَهُ غَيْرَ باغٍ، أيْ: غَيْرَ قاصِدٍ لِتَحْلِيلِ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ﴿وَلا عادٍ﴾، أيْ: ولا مُجاوِزٍ لِلْقَصْدِ، وقَدْرِ الحاجَةِ، و”اَلْعادِي“: اَلظّالِمُ، ﴿فَإنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: يَغْفِرُ لِمَن لَمْ يَتَعَدَّ، فَأمّا إعْرابُ ”آلذَّكَرَيْنِ“، فالنَّصْبُ بِـ ”حَرَّمَ“، وتَثْبُتُ ألِفُ المَعْرِفَةِ مَعَ ألِفٍ الِاسْتِفْهامِ، لِئَلّا يَلْتَبِسَ الِاسْتِفْهامُ بِالخَبَرِ، (p-٣٠١)لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: ”ألذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ“، بِألِفٍ واحِدَةٍ، لالتَبَسَ الِاسْتِفْهامُ بِالخَبَرِ، وقَدْ يَجُوزُ مَعَ ”أمْ“، حَذْفُ الألِفِ، لِأنَّ ”أمْ“، تَدُلُّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: ”ألرَّجُلَ ضَرَبْتَ أمِ الغُلامَ“، لَدَلَّتْ ”أمْ“، عَلى أنَّ الأوَّلَ داخِلٌ في الِاسْتِفْهامِ، وقَدْ أجازَ سِيبَوَيْهِ أنْ يَكُونَ البَيْتُ عَلى ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ: ؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنْ كُنْتُ دارِيًا ∗∗∗ شُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ أمْ شُعْيْثُ بْنُ مِنقَرِ فَأجازَ أنْ يَكُونَ عَلى ”أشُعَيْثُ بْنُ سَهْمٍ؟“، ولَكِنَّ القِراءَةَ بِتَبْيِينِ الألِفِ الثّانِيَةِ في قَوْلِهِ: ”آلذَّكَرَيْنِ“ .

الأنعام 6:146

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، يُعْنى بِهِ الإبِلُ، والنَّعامُ، لِأنَّ النَّعامَ ذَواتُ ظُفُرٍ، كالإبِلِ، ﴿وَمِنَ البَقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما﴾، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: ”حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الثُّرُوبُ، وأُحِلُّ لَهم ما سِواها مِمّا حَمَلَتِ الظُّهُورُ، ﴿أوِ الحَوايا﴾، وهي المَباعِرُ، واحِدُها“ حاوِيَةٌ ”، و“ حاوِياءُ ”، وحَوِيَّةٌ“، ﴿أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾، نَحْوَ شَحْمِ الألِيَّةِ، وهَذا أكْثَرُ القَوْلَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الثُّرُوبُ، وأُحِلَّ لَهم ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ، وصارَتِ الحَوايا أوْ ما اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ، إلّا ما حَمَلَتِ الظُّهُورُ، فَإنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، و”أوْ“، دَخَلَتْ عَلى طَرِيقِ الإباحَةِ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: (p-٣٠٢)﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، فالمَعْنى: ”كُلُّ هَؤُلاءِ أهْلٌ أنْ يُعْصى، فاعْصِ هَذا، واعْصِ هَذا“، و”أوْ“، بَلِيغَةٌ في هَذا المَعْنى، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”لا تُطِعْ زَيْدًا وعَمْرًا“، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ نَهَيْتَنِي عَنْ طاعَتِهِما مَعًا، في حالِ إنْ أطَعْتُ زَيْدًا عَلى حِدَتِهِ لَمْ أكُنْ عَصَيْتُكَ، وإذا قُلْتَ: ”لا تُطِعْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا أوْ خالِدًا“، فالمَعْنى أنْ هَؤُلاءِ كُلَّهم أهْلٌ ألّا يُطاعَ، فَلا تُطِعْ واحِدًا مِنهُمْ، ولا تُطِعِ الجَماعَةَ، ومِثْلُهُ ”جالِسِ الحَسَنَ أوِ ابْنَ سِيرِينَ أوِ الشَّعْبِيَّ“، فَلَيْسَ المَعْنى أنِّي آمُرُكَ بِمُجالَسَةِ واحِدٍ مِنهُمْ، ولَكِنَّ مَعْنى ”أوْ“، اَلْإباحَةُ، المَعْنى: كُلُّهم أهْلٌ أنْ يُجالَسَ، فَإنْ جالَسْتَ واحِدًا مِنهم فَأنْتَ مُصِيبٌ، وإنْ جالَسْتَ الجَماعَةَ فَأنْتَ مُصِيبٌ.

الأنعام 6:148

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ العَطْفَ بِالظّاهِرِ عَلى المُضْمَرِ المَرْفُوعِ قَبِيحٌ، يُسْتَقْبَحُ ”قُمْتَ وزَيْدٌ“، و”قامَ وزَيْدٌ“، فَإنْ جاءَتْ ”لا“، حَسُنَ الكَلامُ، فَقُلْتَ: ”لا قُمْتَ ولا زَيْدٌ“، كَما أنَهُ إذا أكَّدَ، فَقالَ: ”قُمْتَ أنْتَ وزَيْدٌ“، حَسُنَ، وهو جائِزٌ في الشِّعْرِ، فَأمّا مَعْنى الآيَةِ، فَإنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أخْبَرَ عَنْهم بِما سَيَقُولُونَهُ، وقَوْلُهم: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا﴾، جَعَلُوا هَذا القَوْلَ حُجَّةً في إقامَتِهِمْ عَلى شِرْكِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾، والحُجَّةُ عَلَيْهِمْ في هَذا أنَّهم إذا اعْتَقَدُوا أنَّ كُلَّ مَن كانَ عَلى شَيْءٍ، والأشْياءُ تَجْرِي بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى، فَهو عَلى صَوابٍ، فَلا مَعْنى إذَنْ - عَلى قَوْلِهِمْ - لِلرِّسالَةِ، والأنْبِياءِ، فَيُقالُ لَهم: فالَّذِينَ عَلى دِينٍ يُخالِفُكُمْ، ألَيْسَ هو عَلى ما شاءَ اللَّهُ؟ فَيَنْبَغِي ألّا تَقُولُوا: إنَّهم ضالُّونَ، وهو - عَزَّ وجَلَّ - يَفْعَلُ ما يَشاءُ، (p-٣٠٣)وَهُوَ قادِرٌ عَلى أنْ يَهْدِيَ الخَلْقَ أجْمَعِينَ، ولَيْسَ لِلْعِبادِ عَلى اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ كُلَّ ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٩]، فَحُجَّتُهُ البالِغَةُ تَبْيِينُهُ أنَّهُ الواحِدُ، وإرْسالُهُ الأنْبِياءَ بِالحُجَجِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ.

الأنعام 6:150

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّها ”ها“، ضُمَّتْ إلَيْها ”لُمَّ“، وجُعِلَتا كالكَلِمَةِ الواحِدَةِ، فَأكْثَرُ اللُّغاتِ أنْ يُقالَ: ”هَلُمَّ“، لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَماعَةِ، بِذَلِكَ جاءَ القُرْآنُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]، ومَعْنى ﴿هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ﴾ أيْ: فَهاتُوا شُهَداءَكُمْ، وقَرِّبُوا شُهَداءَكُمْ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُثَنِّي، ويَجْمَعُ، ويُؤَنِّثُ، فَيَقُولُ لِلذَّكَرِ: ”هَلُمَّ“، ولِلِاثْنَيْنِ: ”هَلُمّا“، ولِلْجَماعَةِ: ”هَلُمُّوا“، ولِلْمَرْأةِ: ”هَلُمِّي“، ولِلِاثْنَتَيْنِ: ”هَلُمّا“، ولِلنِّسْوَةِ: ”هَلْمُمْنَ“، وفُتِحَتِ المِيمُ، لِأنَّها مُدْغَمَةٌ، كَما فُتِحَتْ ”رُدَّ“، في الأمْرِ ”لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولا يَجُوزُ“ هَلُمُّ إلَيْنا ”، لِلْواحِدِ، بِالضَّمِّ، كَما يَجُوزُ في“ رُدَّ "، اَلْفَتْحُ، والضَّمُّ، والكَسْرُ، لِأنَّها لا تَتَصَرَّفُ.

الأنعام 6:151

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾، فَـ ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، إنْ شِئْتَ بِـ ”أتْلُ“، والمَعْنى: ”تَعالَوْا أتْلُ الَّذِي حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم“، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”ما“، مَنصُوبَةً بِـ ”حَرَّمَ“، لِأنَّ التِّلاوَةَ بِمَنزِلَةِ القَوْلِ، كَأنَّهُ قالَ: ”أقُولُ: أيَّ شَيْءٍ حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ؟ أهَذا، أمْ هَذا؟“، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الَّذِي تَلاهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُ: ﴿إلا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]، ويَكُونَ ”ألّا تُشْرِكُوا“، مَنصُوبَةً بِمَعْنى طَرْحِ اللّامِ، أيْ: أُبَيِّنُ لَكُمُ الحَرامَ لِئَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، لِأنَّهم (p-٣٠٤)إذا حَرَّمُوا ما أحَلَّ اللَّهُ فَقَدْ جَعَلُوا غَيْرَ اللَّهِ - في القَبُولِ مِنهُ - بِمَنزِلَةِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، فَصارُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ألّا تُشْرِكُوا“، مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، فَيَكُونَ ”أتْلُ عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا“، فالمَعْنى: ”أتْلُ عَلَيْكم تَحْرِيمَ الشِّرْكِ بِهِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”أُوصِيكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ”أُوصِيكم بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن إمْلاقٍ﴾، أيْ: لا تَقْتُلُوا أوْلادَكم مِن فَقْرٍ، أيْ: مِن خَوْفِ فَقْرٍ، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾، بَدَلٌ مِن ”اَلْفَواحِشَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”لا تَقْرَبُوا ما ظَهَرَ مِنَ الفَواحِشِ وما بَطَنَ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ما بَطْنَ مِنها: اَلزِّنا، وما ظَهَرَ: اِتِّخاذُ الأخْدانِ، والأصْدِقاءِ، عَلى جِهَةِ الرِّيبَةِ، وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الَّذِي جَرى مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَتْلِ الأوْلادِ، وجَمِيعِ ما حَرَّمُوهُ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، فَواحِشُ، فَقالَ: ”وَلا تَقْرَبُوا هَذِهِ الفَواحِشَ مُظْهِرِينَ، ولا مُبْطِنِينَ“، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم وصّاكم بِهِ﴾، يَدُلُّ عَلى مَعْنى ﴿ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾

الأنعام 6:152

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، قالَ بَعْضُهم: ”اَلَّتِي هي أحْسَنُ“: رُكُوبُ دابَّتِهِ، واسْتِخْدامُ خادِمِهِ، ولَيْسَ في (p-٣٠٥)الظّاهِرِ أنَّ هَذا هو المُرادُ، وإنَّما ”اَلَّتِي هي أحْسَنُ“، حِفْظُ مالِهِ عَلَيْهِ، وتَثْمِيرُهُ بِما وُجِدَ إلَيْهِ السَّبِيلُ، قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، ”حَتّى“، مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى، المَعْنى: اِحْفَظُوهُ عَلَيْهِ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ، أيْ: فَإذا بَلَغَ أشُدَّهُ فادْفَعُوهُ إلَيْهِ، وبُلُوغُ أشُدِّهِ أنْ يُؤْنَسَ مِنهُ الرُّشْدُ، مَعَ أنْ يَكُونَ بالِغًا، وقالَ بَعْضُهم: ”حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ“: حَتّى يَبْلُغَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً، ولَسْتُ أعْرِفُ ما وجْهُ ذَلِكَ بِأنْ يَبْلُغَ قَبْلَ الثَّمانِيَ عَشْرَةَ، وقَدْ أنِسَ مِنهُ رُشْدًا، فَدَفْعُ مالِهِ إلَيْهِ واجِبٌ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، أيْ: إذا شَهِدْتُمْ أوْ حَكَمْتُمْ فاعْدِلُوا، ولَوْ كانَ المَشْهُودُ عَلَيْهِ، أوْ لَهُ، ذا قُرْبى.

الأنعام 6:154

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾، اَلْأكْثَرُ في القِراءَةِ بِفَتْحِ النُّونِ، ويَجُوزُ ”أحْسَنُ“، عَلى إضْمارِ ”عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ“، فَأمّا الفَتْحُ، فَعَلى أنَّ ”أحْسَنَ“، فِعْلٌ ماضٍ، مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ، وأنْ يَكُونَ صِفَةَ ”اَلَّذِي“، وهَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ خَطَأٌ فاحِشٌ، زَعَمَ البَصْرِيُّونَ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ ”اَلَّذِي“، إلّا مَوْصُولَةً، ولا تُوصَفُ إلّا بَعْدَ تَمامِ صِلَتِها، وقَدْ أجْمَعَ الكُوفِيُّونَ مَعَهم عَلى أنَّ الوَجْهَ صِلَتُها، فَيَحْتاجُونَ أنْ يُثْبِتُوا أنَّها رُفِعَتْ مَوْصُولَةً، ولا صِلَةَ لَها، فَأمّا دُخُولُ ”ثُمَّ“، في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ آتَيْنا﴾، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ ”ثُمَّ“، لا يَكُونُ الَّذِي بَعْدَها أبَدًا مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى، وبَعْدَ التَّوْراةِ، فَقالَ: (p-٣٠٦)﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾، فَإنَّما دَخَلَتْ ”ثُمَّ“، في العَطْفِ عَلى التِّلاوَةِ، والمَعْنى: ”قُلْ: تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ، أتْلُ عَلَيْكم ألّا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، ثُمَّ أتْلُو ما آتاهُ اللَّهُ مُوسى“، ومَعْنى ”عَلى الَّذِي أحْسَنَ“، يَكُونُ عَلى ”تَمامًا عَلى المُحْسِنِ“، اَلْمَعْنى: ”تَمامًا مِنَ اللَّهِ عَلى المُحْسِنِينَ“، ويَكُونُ ”تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ“، أيْ: ”عَلى الَّذِي أحْسَنَهُ مُوسى مِن طاعَةِ اللَّهِ واتِّباعِ أمْرِهِ“، ويَجُوزُ ”تَمامًا عَلى الَّذِي هو أحْسَنُ الأشْياءِ“، و”تَمامًا“، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، وكَذَلِكَ ﴿وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”آتَيْناهُ لِهَذِهِ العِلَّةِ“، أيْ: لِلتَّمامِ، والتَّفْصِيلِ.

الأنعام 6:155

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا كِتابٌ أنْـزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾، و”اَلْمُبارَكُ“: ما يَأْتِي مِن قِبَلِهِ الخَيْرُ الكَثِيرُ، وهو مِن نَعْتِ ”كِتابٌ“، ومَن قَرَأ: ”أنْزَلْناهُ مُبارَكًا“، جازَ ذَلِكَ في غَيْرِ القِراءَةِ، لِأنَّ المُصْحَفَ لا يُخالَفُ البَتَّةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾، أيْ: لِتَكُونُوا راجِينَ لِلرَّحْمَةِ.

الأنعام 6:156

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْـزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا﴾، قالَ بَعْضُهم: مَعْناهُ: أنْزَلْناهُ لِئَلّا تَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ، أيْ: أنْزَلْناهُ لِتَنْقَطِعَ حُجَّتُهُمْ، وإنْ كانَتِ الحُجَّةُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لِأنَّ الكُتُبَ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ كانَتْ فِيها الحُجَّةُ، ولَمْ يَكُنِ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِيَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى بِغَيْرِ حُجَّةٍ، ولَكِنَّ في تَنْزِيلِ الكِتابِ، والنَّبِيِّ ﷺ غايَةَ الحُجَّةِ، والزِّيادَةَ في الإبانَةِ. (p-٣٠٧)وَقالَ البَصْرِيُّونَ: مَعْناهُ: ”أنْزَلْناهُ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا“، ولا يُجِيزُونَ إضْمارَ ”لا“، لا يَقُولُونَ: ”جِئْتُ أنْ أُكْرِمَكَ“، أيْ: ”لِئَلّا أُكْرِمَكَ“، ولَكِنْ يَجُوزُ: ”فَعَلْتُ ذَلِكَ أنْ أُكْرِمَكَ“، عَلى إضْمارِ ”مَحَبَّةَ أنْ أُكْرِمَكَ“، و”كَراهَةَ أنْ أُكْرِمَكَ“، وتَكُونُ الحالُ تُنْبِئُ عَنِ الضَّمِيرِ، فالمَعْنى: ”أنْزَلَ الكِتابَ كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا: إنَّما أُنْزِلَتِ الكُتُبُ عَلى أصْحابِ مُوسى، وعِيسى، ﴿وَإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾، اَلْمَعْنى:“ وما كُنّا إلّا غافِلِينَ عَنْ تِلاوَةِ كُتُبِهِمْ " .

الأنعام 6:157

﴿أوْ تَقُولُوا﴾، اَلْمَعْنى: " أوْ كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا: ﴿لَوْ أنّا أُنْـزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ﴾، وإنَّما كانُوا يَقُولُونَ: لَكُنّا أهْدى مِنهُمْ، لِأنَّهم كانُوا مُدِلِّينَ بِالأذْهانِ، وحُسْنِ الأفْهامِ، وذَلِكَ أنَّهم يَحْفَظُونَ أشْعارَهُمْ، وأخْبارَهُمْ، وآثارَهُمْ، وهم أُمِّيُّونَ لا يَكْتُبُونَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾، أيْ: فَقَدْ جاءَكم ما فِيهِ البَيانُ، وقَطْعُ الشُّبُهاتِ عَنْكم.

الأنعام 6:158

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾، أيْ: ”إلّا أنْ تَأْتِيَهم مَلائِكَةُ المَوْتِ“، ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾، أوْ يَأْتِيَ إهْلاكُ رَبِّكَ إيّاهُمْ، وانْتِقامُهُ مِنهُمْ، إمّا بِعَذابٍ عاجِلٍ، أوْ بِالقِيامَةِ، وهَذا كَقَوْلِنا: ”قَدْ نَزَلَ فُلانٌ بِبَلَدِ كَذا وكَذا“، و”قَدْ أتاهم فُلانٌ“، أيْ: قَدْ أوْقَعَ بِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾، (p-٣٠٨)نَحْوَ خُرُوجِ الدّابَّةِ، أوْ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾، أيْ: لا يَنْفَعُها الإيمانُ عِنْدَ الآيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّكم إلى الإيمانِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قالَ: ”إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنتُمْ تَعْمَلُونَ“، وبَعَثَ الرُّسُلَ بِالآياتِ الَّتِي تُتَدَبَّرُ، فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ بِها ثَوابٌ، ولَوْ بَعَثَ اللَّهُ عَلى كُلِّ مَن لَمْ يُؤْمِن عَذابًا، لاضْطُرَّ النّاسُ إلى الإيمانِ بِهِ، وسَقَطَ التَّكْلِيفُ والجَزاءُ.

الأنعام 6:159

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهم وكانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾، قالَ بَعْضُهم: هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ الحَرْبِ، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكَ قِتالُهُمْ، إنَّما أمْرُهم إلى اللَّهِ، ومَعْنى ”وَكانُوا شِيَعًا“: أيْ: كانُوا مُتَفَرِّقِينَ في دِينِهِمْ، يُعْنى بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى، لِأنَّ النَّصارى بَعْضُها يُكَفِّرُ بَعْضًا، وكَذَلِكَ اليَهُودُ، وهم أيْضًا أهْلُ التَّوْراةِ، وبَعْضُهم يُكَفِّرُ بَعْضًا، أعْنِي اليَهُودَ تُكَفِّرُ النَّصارى، والنَّصارى تُكَفِّرُ اليَهُودَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ حَثٌّ عَلى أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةً، وألّا يَتَفَرَّقُوا في الدِّينِ، وألّا يَبْتَدِعُوا البِدَعَ ما اسْتَطاعُوا، فَقَوْلُهُ: ﴿لَسْتَ مِنهم في شَيْءٍ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن فَرَّقَ دِينَهُ مِن أهْلِ مِلَّةِ الإسْلامِ، وابْتَدَعَ البِدَعَ، فَقَدْ صارَ بِهِ مِنهُمْ، ومَعْنى ”شَيَّعْتُ“، في اللُّغَةِ: اِتَّبَعْتُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”شاعَكُمُ السِّلْمُ“، و”أشاعَكُمُ (p-٣٠٩)السَّلْمُ“، ومَعْناهُ: ”تَبِعَكُمُ السِّلْمُ“، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا نَخْلَةً مِن ذاتِ عِرْقٍ ∗∗∗ بَرُودَ الظِّلِّ شايَعَكِ الظَّلامُ وَتَقُولُ: ”آتِيكَ غَدًا، أوْ شِيَعَهُ“، أيْ: أوِ اليَوْمَ الَّذِي يَتْبَعُهُ، فَمَعْنى ”اَلشِّيعَةُ“: اَلَّذِينَ يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، ومَعْنى ”اَلشِّيَعُ“: اَلْفِرَقُ الَّتِي كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم يَتْبَعُ بَعْضُهم بَعْضًا، ولَيْسَ كُلُّهم مُتَّفِقِينَ.

الأنعام 6:160

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾، اَلْقِراءَةُ: ”فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها“، والمَعْنى: ”فَلَهُ عَشْرُ حَسَناتٍ أمْثالِها“، وكَما يَجُوزُ ”عِنْدِي خَمْسَةٌ أثْوابًا“، ويَجُوزُ ”فَلَهُ عَشْرُ مِثْلِها“، في غَيْرِ القِراءَةِ، فَيَكُونُ ”اَلْمِثْلُ“، في لَفْظِ الواحِدِ، وفي مَعْنى الجَمِيعِ، كَما قالَ: ”إنَّكم إذًا مِّثْلُهم“، ومَن قالَ: ”أمْثالِها“، فَهو كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وإنَّما جاءَ عَلى المِثْلِ التَّوْحِيدُ، وأنْ يَكُونَ في مَعْنى الجَمِيعِ، لِأنَّهُ عَلى قَدْرِ ما يُشَبَّهُ بِهِ، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِقَوْمٍ مِثْلِكم“، و”بِقَوْمٍ أمْثالِكم“ . (p-٣١٠)فَأمّا مَعْنى الآيَةِ فَإنَّهُ مِن غامِضِ المَعانِي الَّتِي عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، لِأنَّ المُجازاةَ عَلى الحَسَنَةِ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - بِدُخُولِ الجَنَّةِ شَيْءٌ لا يُبْلَغُ وصْفُ مِقْدارِهِ، فَإذا قالَ: ”عَشْرُ أمْثالِها“، أوْ قالَ: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم في سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥]، فَمَعْنى هَذا كُلِّهِ أنَّ جَزاءَ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عَلى الحَسَناتِ عَلى التَّضْعِيفِ لِلْمِثْلِ الواحِدِ الَّذِي هو النِّهايَةُ في التَّقْدِيرِ في النُّفُوسِ، ويُضاعِفُ اللَّهُ ذَلِكَ بِما بَيْنَ عَشْرَةِ أضْعافٍ إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إلى أضْعافٍ كَثِيرَةٍ، وأجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إلا مِثْلَها﴾، لِأنَّ ”اَلسَّيِّئَةَ“، هَهُنا: اَلشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقالُوا: ”مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ“، هي قَوْلُ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وأصْلُ الحَسَناتِ التَّوْحِيدُ، وأسْوَأُ السَّيِّئاتِ الكُفْرُ بِاللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.

الأنعام 6:161

﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، و”اَلصِّراطُ“: اَلدِّينُ، ”اَلَّذِي دَلَّنِي عَلى الدِّينِ الَّذِي هو دِينُ الحَقِّ“، ثُمَّ فَسَّرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾، و”اَلْقِيَمُ“، هو المُسْتَقِيمُ، وقُرِئَتْ: ”دِينًا قَيِّمًا“، و”قِيَمٌ“، مَصْدَرٌ، كَـ ”اَلصِّغَرُ“، و”اَلْكِبَرُ“، إلّا أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ”قِوَمٌ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾ [الكهف: ١٠٨]، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”قامَ قِيَمًا“، (p-٣١١)كَأنَّهُ عَلى ”قَوُمَ“، أوْ ”قَوِمَ“، فَلَمّا اعْتَلَّ فَصارَ ”قامَ“، اِعْتَلَّ ”قِيَمٌ“، فَأمّا ”حِوَلٌ“، فَهو عَلى أنَّهُ جارٍ عَلى غَيْرِ فِعْلٍ، وأمّا نَصْبُ ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾، فَمَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، دَلَّ عَلى ”عَرَّفَنِي دِينًا قِيمًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ مِن مَعْنى ”هَدانِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“، اَلْمَعْنى: ”هَدانِي صِراطًا مُسْتَقِيمًا، دِينًا قِيمًا“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، و”مِلَّةَ إبْراهِيمَ“، بَدَلٌ مِن ”دِينًا قِيَمًا“، و”حَنِيفًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ”إبْراهِيمَ“، اَلْمَعْنى: ”هَدانِي وعَرَّفَنِي مِلَّةَ إبْراهِيمَ في حالِ حَنِيفِيَّتِهِ“، وهو هَهُنا لِإبْراهِيمَ حَسَنٌ مِنهُ لِغَيْرِهِ، ﴿وَما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، وقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ”اَلْحَنِيفِيَّةُ“، وأنَّها المَيْلُ إلى الإسْلامِ مَيْلًا لا رُجُوعَ مَعَهُ.

الأنعام 6:162

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، قالُوا: ”اَلنُّسُكُ“: اَلذَّبْحُ، و”اَلنُّسُكُ“: ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ﴿وَمَحْيايَ ومَماتِي﴾، اَلْياءُ ياءُ الإضافَةِ، فُتِحَتْ لِأنَّ أصْلَها الفَتْحُ، ويَجُوزُ إسْكانُها إذا كانَ ما قَبْلَها مُتَحَرِّكًا، يَجُوزُ ”مَماتِي“، وإنْ شِئْتَ قَرَأْتَ: ”مَماتِيَ لِلَّهِ“، بِفَتْحِ الياءِ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ، فَأمّا ياءُ ”مَحْيايَ“، فَلا بُدَّ مِن فَتْحِها، لِأنَّ قَبْلَها ساكِنٌ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهُ يُخْبِرُ بِأنَّهُ إنَّما يُتَقَرَّبُ بِالصَّلاةِ وسائِرِ المَناسِكِ إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، لا إلى غَيْرِهِ، كَما كانَ المُشْرِكُونَ يَذْبَحُونَ لِأصْنامِهِمْ، فَأعْلَمَ أنَّهُ اللَّهُ وحْدَهُ، بِقَوْلِهُ: ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]

الأنعام 6:164

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِي رَبًّا وهو رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أيْ: هو ابْتَدَعَ الأشْياءَ كُلَّها، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى ابْتِداعِ شَيْءٍ مِنها. (p-٣١٢)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، أيْ: لا تُؤْخَذُ نَفْسٌ آثِمَةٌ بِإثْمِ أُخْرى، لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ غَيْرِهِ.

الأنعام 6:165

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ الأرْضِ﴾، قِيلَ: ”خَلائِفُ الأرْضِ“: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَأُمَّتُهُ قَدْ خَلَفَتْ سائِرَ الأُمَمِ، وقالَ بَعْضُهم: ”خَلائِفَ الأرْضِ“: يَخْلُفُ بَعْضُكم بَعْضًا، ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾، فَدَلَّ بِهَذا أنَّهُ فَضَّلَ بَعْضَ النّاسِ لِيَخْتَبِرَهم فِيما رَزَقَهُمْ، وهو - جَلَّ ثَناؤُهُ - عالِمٌ بِما يَكُونُ مِنهم قَبْلَ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ اخْتَبَرَهم لِيَظْهَرَ مِنهم ما يَكُونُ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ العِقابِ وإنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قِيلَ: ”سَرِيعُ العِقابِ“، وعِقابُهُ إنَّما يَكُونُ في القِيامَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُهُ قَدْ وقَعَ في الدُّنْيا؟ فَإنَّما ذَلِكَ لِأنَّ أمْرَ السّاعَةِ سَرِيعٌ، لِأنَّ كُلَّ ما زالَ، وإنْ تَطاوَلَ، فَهو بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُحَسَّ سُرْعَةً، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧]، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: ٦] ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٧]

الأعراف 7:1

(p-٣١٣)سُورَةُ اَلْأعْرافِ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المص﴾، قَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الحُرُوفَ في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، إلّا أنّا أعَدْنا هَهُنا شَيْئًا مِن تَفْسِيرِها لِشَيْءٍ في إعْرابِها، والَّذِي اخْتَرْنا في تَفْسِيرِها قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ”الـمـص“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَوْضِعُ هَذِهِ الحُرُوفِ رَفْعٌ بِما بَعْدَها، قالَ: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾، ”كِتابٌ“، مُرْتَفِعٌ بِـ ”الـمـص“، وكَأنَّ مَعْناهُ: ”الـمـص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، وهَذا لَوْ كانَ كَما وصَفَ لَكانَ بَعْدَ هَذِهِ الحُرُوفِ أبَدًا ذِكْرُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢]، يَدُلُّ عَلى أنَّ ”الـم“، لا رافِعَ لَها عَلى قَوْلِهِ، وكَذَلِكَ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]، وكَذَلِكَ: ﴿حم﴾ [الشورى: ١] ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ [الدخان: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ [الدخان: ٣]، فَهَذِهِ الأشْياءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ما ذَكَرَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ أيْضًا لَما كانَ ”الـم“، مُكَرَّرًا، ولا ”حـم“، مُكَرَّرًا. (p-٣١٤)وَقَدْ أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾، مَرْفُوعٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الحُرُوفِ، المَعْنى: ”هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، وهو مُجْمِعٌ مَعَهم عَلى أنَّ ما قالُوهُ جائِزٌ، فَيَجِبُ اتِّباعُهم مِن قَوْلِهِ وقَوْلِهِمْ، ويَجِبُ عَلى قائِلِ هَذا القَوْلِ التَّثْبِيتُ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، ولَوْ كانَ كَما يَصِفُ لَكانَ مُضْمِرًا اسْمَيْنِ، فَكانَ المَعْنى: ”الـمص بَعْضُ حُرُوفِ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، فَيَكُونَ قَدْ أضْمَرَ المُضافَ وما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهَذا لَيْسَ بِجائِزٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ يَقُولُ: ”ألِفْ با تا ثا ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفًا“، وإنَّما ذَكَرْتَ أرَبَعَةً، فَمِن أيْنَ جازَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: قَدْ صارَ اسْمُ هَذِهِ ”ألِفْ با تا ثا“، كَما أنَّكَ تَقُولُ: ”اَلْحَمْدُ سَبْعُ آياتٍ“، فَـ ”اَلْحَمْدُ“، اِسْمٌ لِجُمْلَةِ السُّورَةِ، ولَيْسَ اسْمُ الكِتابِ ”الـم“، ولا اسْمُ القُرْآنِ ”طـسـم“، وهَذا فَرْقٌ بَيِّنٌ، وهَذِهِ الحُرُوفُ كَما وصَفْنا حُرُوفُ هِجاءٍ مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ، وهي في مَوْضِعِ جُمَلٍ، والجُمْلَةُ - إذا كانَتِ ابْتِداءً وخَبَرًا فَقَطُ - لا مَوْضِعَ لَها، فَإذا كانَ مَعْنى ”كهيعص“، مَعْنى الكافِ: ”كافٍ“، ومَعْنى الهاءِ: ”هادٍ“، ومَعْنى الياءِ والعَيْنِ مِن ”عَلِيمٌ“، ومَعْنى الصّادِ مِن ”صَدُوقٌ“، وكانَ مَعْنى ”الـم“: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، فَإنَّما مَوْضِعُها كَمَوْضِعِ الشَّيْءِ الَّذِي هو تَأْوِيلٌ لَها، ولا مَوْضِعَ في الإعْرابِ لِقَوْلِكَ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، ولا لِقَوْلِكَ: ”هو هادٍ“، و”هو كافٍ“، إنَّما يَرْتَفِعُ بَعْضُ هَذا بِبَعْضٍ، والجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها. (p-٣١٥)وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾، فَمَعْنى ”اَلْحَرَجُ“: اَلضِّيقُ، وفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ: ”لا يَضِقْ صَدْرُكَ بِالإبْلاغِ ولا تَخافَنَّ“، لِأنَّهُ يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَجْعَلُوهُ كالخُبْزَةِ»“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ في أمانٍ مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقالَ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾، أيْ: فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِن تَأْدِيَةِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقِيلَ أيْضًا: ”فَلا تَشُكَّنَّ فِيهِ، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ لَهُ وجْهٌ، فَأمّا تَأْوِيلُ“ فَلا تَشُكَّنَّ ”، وتَأْوِيلُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وتَأْوِيلُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، فَإنَّ ما خُوطِبَ بِهِ ﷺ فَهو خِطابٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ“ فَلا تَشُكُّوا ولا تَرْتابُوا ”. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾، مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -:“ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ”، و“ ذِكْرى ”، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ونَصْبٍ، وجَرٍّ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى قَوْلِكَ:“ أُنْزِلَ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ”، أيْ:“ ولِتُذَكِّرَ بِهِ ذِكْرى ”، لِأنَّ في الإنْذارِ مَعْنى التَّذْكِيرِ. (p-٣١٦)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ وهو ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ”، كَقَوْلِكَ:“ وهو ذِكْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ”، فَأمّا الجَرُّ فَعَلى مَعْنى“ لِتُنْذِرَ ”، لِأنَّ مَعْنى“ لِتُنْذِرَ ”:“ لِأنْ تُنْذِرَ ”، فَهو في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى لِلْإنْذارِ، والذِّكْرى، فَأمّا“ ذِكْرى ”، فَمَصْدَرٌ فِيهِ ألِفُ التَّأْنِيثِ، بِمَنزِلَةِ“ دَعَوْتُ دَعْوى ”، وبِمَنزِلَةِ“ رَجَعْتُهُ رُجْعى ”، و“ اِتَّقَيْتُ تَقْوى "، إلّا أنَّهُ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ.

الأعراف 7:2

(p-٣١٣)سُورَةُ اَلْأعْرافِ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المص﴾، قَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الحُرُوفَ في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، إلّا أنّا أعَدْنا هَهُنا شَيْئًا مِن تَفْسِيرِها لِشَيْءٍ في إعْرابِها، والَّذِي اخْتَرْنا في تَفْسِيرِها قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ”الـمـص“، مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأفْصِلُ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَوْضِعُ هَذِهِ الحُرُوفِ رَفْعٌ بِما بَعْدَها، قالَ: ﴿المص﴾ ﴿كِتابٌ﴾، ”كِتابٌ“، مُرْتَفِعٌ بِـ ”الـمـص“، وكَأنَّ مَعْناهُ: ”الـمـص حُرُوفُ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، وهَذا لَوْ كانَ كَما وصَفَ لَكانَ بَعْدَ هَذِهِ الحُرُوفِ أبَدًا ذِكْرُ الكِتابِ، فَقَوْلُهُ: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢]، يَدُلُّ عَلى أنَّ ”الـم“، لا رافِعَ لَها عَلى قَوْلِهِ، وكَذَلِكَ: ﴿يس﴾ [يس: ١] ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ٢]، وكَذَلِكَ: ﴿حم﴾ [الشورى: ١] ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢] ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ [الشورى: ٣] . وَقَوْلُهُ: ﴿حم﴾ [الدخان: ١] ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الدخان: ٢] ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ﴾ [الدخان: ٣]، فَهَذِهِ الأشْياءُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ عَلى غَيْرِ ما ذَكَرَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ أيْضًا لَما كانَ ”الـم“، مُكَرَّرًا، ولا ”حـم“، مُكَرَّرًا. (p-٣١٤)وَقَدْ أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كِتابٌ أُنْـزِلَ إلَيْكَ﴾، مَرْفُوعٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الحُرُوفِ، المَعْنى: ”هَذا كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، وهو مُجْمِعٌ مَعَهم عَلى أنَّ ما قالُوهُ جائِزٌ، فَيَجِبُ اتِّباعُهم مِن قَوْلِهِ وقَوْلِهِمْ، ويَجِبُ عَلى قائِلِ هَذا القَوْلِ التَّثْبِيتُ عَلى مُخالَفَتِهِمْ، ولَوْ كانَ كَما يَصِفُ لَكانَ مُضْمِرًا اسْمَيْنِ، فَكانَ المَعْنى: ”الـمص بَعْضُ حُرُوفِ كِتابٍ أُنْزِلَ إلَيْكَ“، فَيَكُونَ قَدْ أضْمَرَ المُضافَ وما أُضِيفَ إلَيْهِ، وهَذا لَيْسَ بِجائِزٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ يَقُولُ: ”ألِفْ با تا ثا ثَمانِيَةٌ وعِشْرُونَ حَرْفًا“، وإنَّما ذَكَرْتَ أرَبَعَةً، فَمِن أيْنَ جازَ ذَلِكَ؟ قِيلَ: قَدْ صارَ اسْمُ هَذِهِ ”ألِفْ با تا ثا“، كَما أنَّكَ تَقُولُ: ”اَلْحَمْدُ سَبْعُ آياتٍ“، فَـ ”اَلْحَمْدُ“، اِسْمٌ لِجُمْلَةِ السُّورَةِ، ولَيْسَ اسْمُ الكِتابِ ”الـم“، ولا اسْمُ القُرْآنِ ”طـسـم“، وهَذا فَرْقٌ بَيِّنٌ، وهَذِهِ الحُرُوفُ كَما وصَفْنا حُرُوفُ هِجاءٍ مَبْنِيَّةٌ عَلى الوَقْفِ، وهي في مَوْضِعِ جُمَلٍ، والجُمْلَةُ - إذا كانَتِ ابْتِداءً وخَبَرًا فَقَطُ - لا مَوْضِعَ لَها، فَإذا كانَ مَعْنى ”كهيعص“، مَعْنى الكافِ: ”كافٍ“، ومَعْنى الهاءِ: ”هادٍ“، ومَعْنى الياءِ والعَيْنِ مِن ”عَلِيمٌ“، ومَعْنى الصّادِ مِن ”صَدُوقٌ“، وكانَ مَعْنى ”الـم“: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، فَإنَّما مَوْضِعُها كَمَوْضِعِ الشَّيْءِ الَّذِي هو تَأْوِيلٌ لَها، ولا مَوْضِعَ في الإعْرابِ لِقَوْلِكَ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، ولا لِقَوْلِكَ: ”هو هادٍ“، و”هو كافٍ“، إنَّما يَرْتَفِعُ بَعْضُ هَذا بِبَعْضٍ، والجُمْلَةُ لا مَوْضِعَ لَها. (p-٣١٥)وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾، فَمَعْنى ”اَلْحَرَجُ“: اَلضِّيقُ، وفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ: ”لا يَضِقْ صَدْرُكَ بِالإبْلاغِ ولا تَخافَنَّ“، لِأنَّهُ يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«رَبِّ إنِّي أخافُ أنْ يَثْلَغُوا رَأْسِي، فَيَجْعَلُوهُ كالخُبْزَةِ»“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ في أمانٍ مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقالَ: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾، أيْ: فَلا يَضِيقَنَّ صَدْرُكَ مِن تَأْدِيَةِ ما أُرْسِلْتَ بِهِ، وقِيلَ أيْضًا: ”فَلا تَشُكَّنَّ فِيهِ، وكِلا التَّفْسِيرَيْنِ لَهُ وجْهٌ، فَأمّا تَأْوِيلُ“ فَلا تَشُكَّنَّ ”، وتَأْوِيلُ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: ١١٤]، وتَأْوِيلُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤]، فَإنَّ ما خُوطِبَ بِهِ ﷺ فَهو خِطابٌ لِأُمَّتِهِ، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ“ فَلا تَشُكُّوا ولا تَرْتابُوا ”. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾، مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -:“ كِتابٌ أُنْزِلَ إلَيْكَ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ ”، و“ ذِكْرى ”، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ونَصْبٍ، وجَرٍّ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى قَوْلِكَ:“ أُنْزِلَ لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ”، أيْ:“ ولِتُذَكِّرَ بِهِ ذِكْرى ”، لِأنَّ في الإنْذارِ مَعْنى التَّذْكِيرِ. (p-٣١٦)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ وهو ذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ”، كَقَوْلِكَ:“ وهو ذِكْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ”، فَأمّا الجَرُّ فَعَلى مَعْنى“ لِتُنْذِرَ ”، لِأنَّ مَعْنى“ لِتُنْذِرَ ”:“ لِأنْ تُنْذِرَ ”، فَهو في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى لِلْإنْذارِ، والذِّكْرى، فَأمّا“ ذِكْرى ”، فَمَصْدَرٌ فِيهِ ألِفُ التَّأْنِيثِ، بِمَنزِلَةِ“ دَعَوْتُ دَعْوى ”، وبِمَنزِلَةِ“ رَجَعْتُهُ رُجْعى ”، و“ اِتَّقَيْتُ تَقْوى "، إلّا أنَّهُ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ.

الأعراف 7:3

وَقَوْلُهُ: ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: اِتَّبِعُوا القُرْآنَ، وما أُتِيَ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾، أيْ: لا تَتَوَلَّوْا مَن عَدَلَ عَنْ دِينِ الحَقِّ، ومَنِ ارْتَضى مَذْهَبًا مِنَ المَذاهِبِ، فالمُؤْمِنُ ولِيُّ المُؤْمِنِ، ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَلِيلا ما تَذَكَّرُونَ﴾، ”ما“، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، المَعْنى: ”قَلِيلًا تَذَكَّرُونَ“، وفي ”تَذَكَّرُونَ“، وجْهانِ في القِراءَةِ: ”قَلِيلًا ما تَذَّكَّرُونَ“، بِالتَّشْدِيدِ في الذّالِ، والمَعْنى: ”قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ“، إلّا أنَّ التّاءَ تُدْغَمُ في الذّالِ، لِقُرْبِ مَكانِ هَذِهِ مِن مَكانِ هَذِهِ، ومَن قَرَأ: ”تَذَكَّرُونَ“، فالأصْلُ - أيْضًا - ”تَتَذَكَّرُونَ“، إلّا أنَّهُ حَذَفَ إحْدى التّاءَيْنِ، وهي التّاءُ الثّانِيَةُ، لِأنَّهُما زائِدَتانِ، إلّا أنَّ الأُولى تَدُلُّ عَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ فَلا يَجُوزُ حَذْفُها، والثّانِيَةَ إنَّما دَخَلَتْ عَلى مَعْنى ”فَعَلْتُ الشَّيْءَ عَلى تَمَهُّلٍ“، نَحْوَ: ”تَفَهَّمْتُ“، و”تَعَلَّمْتُ“، أيْ: ”أحْدَثْتُ الشَّيْءَ عَلى مَهَلٍ“، وتَدْخُلُ عَلى (p-٣١٧)مَعْنى إظْهارِ الشَّيْءِ، والحَقِيقَةُ غَيْرُهُ، كَقَوْلِكَ: ”تَقَيَّسْتُ“، أيْ: أظْهَرْتُ أنِّي قَيْسِيٌّ، فَإنَّما المَحْذُوفُ مِن ”تَتَفَعَّلُونَ“ اَلثّانِيَةُ، لِأنَّ الباقِيَ في الكَلِمَةِ مِن تَشْدِيدِ العَيْنِ مِن ”تَفَعَّلَ“، يَدُلُّ عَلى مَعْنى الكَلِمَةِ، ولَوْ حُذِفَتْ تاءُ اسْتِقْبالٍ، لَبَطَلَ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ.

الأعراف 7:4

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾، اَلْمَعْنى: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ أهْلَكْناهُمْ! إلّا أنَّ ”أهْلِ“، حُذِفَ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا﴾، مَحْمُولٌ عَلى لَفْظِ القَرْيَةِ، ولَوْ قِيلَ: ”فَجاءَهم“، لَكانَ صَوابًا. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ هم قائِلُونَ﴾، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: اَلْمَعْنى: ”وَهم قائِلُونَ“، والواوُ فِيما ذُكِرَ مَحْذُوفَةٌ، وهَذا لا يَحْتاجُ إلى ضَمِيرِ الواوِ، ولَوْ قُلْتَ: ”جاءَنِي زَيْدٌ راجِلًا، أوْ وهو فارِسٌ“، أوْ: ”جاءَنِي زَيْدٌ هو فارِسٌ“، لَمْ تَحْتَجْ إلى واوٍ، لِأنَّ الذِّكْرَ قَدْ عادَ إلى الأوَّلِ، ومَعْنى ”بَياتًا“: لَيْلًا، يُقالُ: ”باتَ بَياتًا حَسَنًا“، و”بِيتَةً حَسَنَةً“، والمَصْدَرُ في الإصاباتِ ”بَيْتًا“، و”اَلْبَيْتُ“: بَيْتُ الشِّعْرِ، وكَذَلِكَ بَيْتُ المَدَرِ، وإنَّما أصْلُ تَسْمِيَتِهِ مِن أنَّهُ يَصْلُحُ لِلْمَبِيتِ، ويُقالُ: ”لِفُلانٍ بِيتَةٌ ولَيْلَةٌ“، و”بَيْتُ لَيْلَةٍ“، أيْ: ما يَكْفِيهِ مِنَ القُوتِ في لَيْلَةٍ، ومَعْنى ”أوْ هم قائِلُونَ“: أيْ: ”أوْ جاءَهم بَأْسُنا نَهارًا في وقْتِ القائِلَةِ“، يُقالُ: ”قِلْتُ“، مِن ”اَلْقائِلَةُ“، (p-٣١٨)فالمَعْنى: ”إنَّهم جاءَهم بَأْسُنا غَفْلَةً، وهم غَيْرُ مُتَوَقِّعِينَ لَهُ“، إمّا لَيْلًا وهم نائِمُونَ، أوْ نَهارًا وهم قائِلُونَ ”، كَأنَّهم غافِلُونَ، و“ أوْ ”، هَهُنا، دَخَلَتْ عَلى جِهَةِ تَصَرُّفِ الشَّيْءِ، ووُقُوعِهِ، إمّا مَرَّةً كَذا، وإمّا مَرَّةً كَذا، فَهي في الخَبَرِ هَهُنا بِمَنزِلَةِ“ أوْ ”، في الإباحَةِ، تَقُولُ:“ جالِسْ زَيْدًا أوْ عَمْرًا ”، أيْ:“ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما أهْلٌ أنْ يُجالَسَ ”، و“ أوْ ”، هَهُنا، أحْسَنُ مِنَ الواوِ، لِأنَّ الواوَ تَتَضَمَّنُ اجْتِماعَ الشَّيْئَيْنِ، لَوْ قُلْتَ:“ ضَرَبْتُ القَوْمَ قِيامًا وقُعُودًا ”، لَأوْجَبَتِ الواوُ أنَّكَ ضَرَبْتَهم وهم عَلى هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، وإذا قُلْتَ:“ ضَرَبْتُهم قِيامًا أوْ ضَرَبْتُهم قُعُودًا ”، ولَمْ تَكُنْ شاكًّا، فَإنَّما المَعْنى أنَّكَ ضَرَبْتَهم مَرَّةً عَلى هَذِهِ الحالِ، ومَرَّةً عَلى هَذِهِ الحالِ، ومَوْضِعُ“ كَمْ ”: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها“ أهْلَكْناها ”، وهو أحْسَنُ مِن أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّ قَوْلَكَ:“ زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ ”، أجْوَدُ مِن“ زَيْدًا ضَرَبْتُهُ "، والنَّصْبُ جَيِّدٌ عَرَبِيٌّ أيْضًا، مِثْلُهُ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]

الأعراف 7:5

وَقَوْلُهُ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم لَمْ يَحْصُلُوا مِمّا كانُوا يَنْتَحِلُونَهُ مِنَ المَذْهَبِ، والدِّينِ، ويَدَّعُونَهُ، إلّا عَلى اعْتِرافٍ بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، و”اَلدَّعْوى“: اِسْمٌ لِما يَدَّعِيهِ، و”اَلدَّعْوى“: يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ في مَعْنى ”اَلدُّعاءُ“، لَوْ قُلْتَ: ”اَللَّهُمَّ أشْرِكْنا في صالِحِ دُعاءِ المُسْلِمِينَ“، و”دَعْوى المُسْلِمِينَ“، جازَ، حَكى سِيبَوَيْهِ ذَلِكَ، وأنْشَدَ: (p-٣١٩)وَلَّتْ ودَعْواها كَثِيرٌ صَخَبُهْ وَمَوْضِعُ ”أنْ“: اَلْأحْسَنُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، وأنْ تَكُونَ الدَّعْوى في مَوْضِعِ نَصْبٍ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا﴾ [الجاثية: ٢٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَكُونَ الدَّعْوى في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إلّا أنَّ الدَّعْوى إذا كانَتْ في مَوْضِعِ رَفْعٍ فالأكْثَرُ في اللَّفْظِ ”فَما كانَتْ دَعْواهم كَذا وكَذا إلّا أنْ...“، لِأنَّ الدَّعْوى مُؤَنَّثَةٌ في اللَّفْظِ، ويَجُوزُ ”كانَ دَعْواهُ باطِلًا“، و”باطِلَةً“ .

الأعراف 7:8

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في ذِكْرِ المِيزانِ في القِيامَةِ، وجاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ، وأنَّ المِيزانَ أُنْزِلَ إلى الدُّنْيا لِيَتَعامَلَ النّاسُ بِالعَدْلِ، وتُوزَنَ بِهِ الأعْمالُ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمِيزانُ“: اَلْعَدْلُ، وذَهَبَ إلى قَوْلِكَ: ”هَذا في وزْنِ هَذا“، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِمّا يُوزَنُ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ قَدْ قامَ في النَّفْسِ مُساوِيًا لِغَيْرِهِ، كَما يَقُومُ الوَزْنُ في مِرْآةِ العَيْنِ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَلْمِيزانُ“: اَلْكِتابُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُ الخَلْقِ، وهَذا كُلُّهُ في بابِ اللُّغَةِ، والِاحْتِجاجُ سائِغٌ، إلّا أنَّ الأوْلى مِن هَذا أنْ يُتَّبَعَ ما جاءَ بِالأسانِيدِ الصِّحاحِ، فَإنْ جاءَ في الخَبَرِ أنَّهُ مِيزانٌ لَهُ كِفَّتانِ، مِن حَيْثُ يَنْقُلُ أهْلُ الثِّقَةِ، فَيَنْبَغِي أنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَرِيرٍ عَنِ الضِّحاكِ أنَّ المِيزانَ العَدْلُ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، إلّا أنَّ جُمْلَةَ أعْمالِ العِبادِ مَوْزُونَةٌ عَلى غايَةِ العَدْلِ والحَقِّ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ (p-٣٢٠)وَقَدْ فَسَّرْنا ”اَلْمُفْلِحُ“، فِيما تَقَدَّمَ.

الأعراف 7:10

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكم في الأرْضِ وجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾، مَعْنى التَّمْكِينِ في الأرْضِ: اَلتَّمْلِيكُ والقُدْرَةُ، ومَعْنى المَعايِشِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ما يَعِيشُونَ بِهِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الوَصْلَةَ إلى ما يَعِيشُونَ بِهِ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى تَرْكِ الهَمْزِ في مَعايِشَ، وقَدْ رَوَوْها عَنْ نافِعٍ مَهْمُوزَةً، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ يَزْعُمُونَ أنَّ هَمْزَها خَطَأٌ، وذَكَرُوا أنَّ الهَمْزَ إنَّما يَكُونُ في هَذِهِ الياءِ إذا كانَتْ زائِدَةً، نَحْوَ: ”صَحِيفَةٌ“، و”صَحائِفُ“، فَأمّا ”مَعايِشُ“، فَمِن ”اَلْعَيْشُ“، اَلْياءُ أصْلِيَّةٌ، و”صَحِيفَةٌ“، مِن ”اَلصُّحُفِ“، لِأنَّ الياءَ زائِدَةٌ، وإنَّما هُمِزَتْ لِأنَّهُ لا حَظَ لَها في الحَرَكَةِ، وقَدْ قَرُبَتْ مِن آخِرِ الكَلِمَةِ، ولَزِمَتْها الحَرَكَةُ، فَأوْجَبُوا فِيها الهَمْزَ، وإذا جَمَعْتَ ”مَقامًا“، قُلْتَ: ”مَقاوِمُ“، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ: ؎وَإنِّي لَقَوّامٌ مَقاوِمَ لَمْ يَكُنْ ∗∗∗ جَرِيرٌ ولا مَوْلى جَرِيرٍ يَقُومُها وَقَدْ أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنْ حَكَوْا: ”مَصائِبُ“، في جَمْعِ ”مُصِيبَةٌ“، بِالهَمْزِ، وأجْمَعُوا أنَّ الِاخْتِيارَ ”مَصاوِبُ“، وهَذِهِ عِنْدَهم مِنَ الشّاذِّ، أعْنِي ”مَصايِبُ“، وهَذا عِنْدِي إنَّما هو بَدَلٌ مِنَ الواوِ المَكْسُورَةِ، كَما قالُوا - في ”وِسادَةٌ“ -: ”إسادَةٌ“، إلّا أنَّ هَذا البَدَلَ في المَكْسُورَةِ يَقَعُ أوَّلًا، كَما يَقَعُ في المَضْمُومَةِ، نَحْوَ: ”أُقِّتَتْ“، وإنَّما هو مِن ”اَلْوَقْتُ“، والمَضْمُومَةُ تُبْدَلُ في غَيْرِ أوَّلٍ، نَحْوَ: ”أدْوُرٌ“، يَقُولُونَ: ”أدْؤُرٌ“، فَحَمَلُوا المَكْسُورَةَ عَلى ذَلِكَ. (p-٣٢١)وَلا أعْلَمُ أحَدًا فَسَّرَ ذَلِكَ غَيْرِي، وهو أحْسَنُ مِن أنْ يُجْعَلَ الشَّيْءُ خَطَأً، إذْ نَطَقَتْ بِهِ العَرَبُ، وكانَ لَهُ وجْهٌ مِنَ القِياسِ، إلّا أنَّهُ مِن جِنْسِ البَدَلِ الَّذِي إنَّما يُتَّبَعُ فِيهِ السَّماعُ، ولا يُجْعَلُ قِياسًا مُسْتَمِرًّا، فَأمّا ما رَواهُ نافِعٌ مِن ”مَعائِشَ“، بِالهَمْزِ، فَلا أعْرِفُ لَهُ وجْهًا، إلّا أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الياءِ الَّتِي مِن نَفْسِ الكَلِمَةِ أُسْكِنَ في ”مَعِيشَةٌ“، فَصارَ عَلى لَفْظِ ”صَحِيفَةٌ“، فَحَمَلَ الجَمْعَ عَلى ذَلِكَ، ولا أُحِبُّ القِراءَةَ بِالهَمْزِ، إذْ كانَ أكْثَرُ النّاسِ إنَّما يَقْرَؤُونَ بِتَرْكِ الهَمْزِ، ولَوْ كانَ مِمّا يُهْمَزُ لَجازَ تَحْقِيقُهُ، وتَرْكُ هَمْزِهِ، فَكَيْفَ وهو مِمّا لا أصْلَ لَهُ في الهَمْزِ، وهو كِتابُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ فِيهِ إلى ما عَلَيْهِ الأكْثَرُ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، فالأوْلى فِيها الِاتِّباعُ، والأوْلى اتِّباعُ الأكْثَرِ، وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ”مَصائِبَ“، إنَّما وقَعَتِ الهَمْزَةُ فِيها بَدَلًا مِنَ الواوِ، أُعِلَّتْ في ”مُصِيبَةٌ“، وهَذا رَدِيءٌ، لا يَلْزَمُ أنْ أقُولَ - في ”مَقامٌ -:“ مَقائِمُ ”، وفي“ مَعُونَةٌ ”: مَعائِنُ“ .

الأعراف 7:11

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، زَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ”ثُمَّ“، هَهُنا، في مَعْنى الواوِ، وهَذا خَطَأٌ، لا يُجِيزُهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ مَن يُوثَقُ بِعَرَبِيَّتِهِ، إنَّما ”ثُمَّ“، لِلشَّيْءِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ لا غَيْرُ، وإنَّما المَعْنى في هَذا الخِطابِ ذِكْرُ ابْتِداءِ خَلْقِ آدَمَ أوَّلًا، فَإنَّما المَعْنى: ”إنّا بَدَأْنا خَلْقَ آدَمَ ثُمَّ صَوَّرْناهُ“، فابْتِداءُ خَلْقِ آدَمَ التُّرابُ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فَبَدَأ اللَّهُ خَلْقَ آدَمَ تُرابًا، وبَدَأ خَلْقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِهِ، ثُمَّ (p-٣٢٢)وَقَعَتِ الصُّورَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَهَذا مَعْنى ”خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم“، أيْ: هَذا أصْلُ خَلْقِكُمْ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ نُطَفًا، ثُمَّ صُوِّرُوا، فَـ ”ثُمَّ“، إنَّما هي لِما بَعْدُ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾، أيْ: بَعْدَ الفَراغِ مِن خَلْقِ آدَمَ أُمِرَتِ المَلائِكَةُ بِالسُّجُودِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إلا إبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، ولَكِنَّهُ مِمَّنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، فَدَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، أنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ، مَعَ المَلائِكَةِ، ومَعْنى ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢]، إلْغاءُ ”لا“، وهي مُؤَكِّدَةٌ، المَعْنى: ”ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ“، فَمَسْألَتُهُ عَنْ هَذا - واللَّهُ قَدْ عَلِمَ ما مَنَعَهُ - تَوْبِيخٌ لَهُ، ولِيُظْهِرَ أنَّهُ مُعانِدٌ، وأنَّهُ رَكِبَ المَعْصِيَةَ خِلافًا لِلَّهِ، وكُلُّ مَن خالَفَ اللَّهَ في أمْرِهِ فَلَمْ يَرَهُ واجِبًا عَلَيْهِ كافِرٌ بِإجْماعٍ، لَوْ تَرَكَ تارِكٌ صَلاةً قالَ: إنَّها لا تَجِبُ، كانَ كافِرًا بِإجْماعِ الأُمَّةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ مَعْصِيَةَ إبْلِيسَ مَعْصِيَةُ مُعانَدَةٍ وكُفْرٍ، وقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ مِنَ الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، فالفَصْلُ بَيْنَ مَعْصِيَةِ إبْلِيسَ، ومَعْصِيَةِ آدَمَ وحَوّاءَ، أنَّ إبْلِيسَ عانَدَ، وأقامَ، ولَمْ يَتُبْ، وأنَّ آدَمَ وحَوّاءَ اعْتَرَفا بِالذَّنْبِ، وقالا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]

الأعراف 7:12

(p-٣٢٣)وَمِثْلُ ”ألّا“، في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَسْجُدَ﴾، قَوْلُهُ: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، أيْ: ”لِأنْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ“، وقَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أبى جُودُهُ ”لا“ البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ ∗∗∗ ”نَعَمْ“ مِن فَتًى لا يَمْنَعُ الجُودَ قاتِلَهْ قالُوا: مَعْناهُ: ”أبى جُودُهُ البُخْلَ“، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: اَلرِّوايَةُ: ”أبى جُودَهُ البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ“، والَّذِي قالَهُ أبُو عَمْرٍو حَسَنٌ، المَعْنى: ”أبى جُودُهُ“ لا ”، اَلَّتِي تُبْخِلُ الإنْسانَ، كَأنَّهُ إذا قِيلَ:“ لا تُسْرِفْ، ولا تُبَذِّرْ مالَكَ ”، أبى جُودُهُ“ لا ”، هَذِهِ، واسْتَعْجَلَتْ بِهِ“ نَعَمْ ”، فَقالَ:“ نَعَمْ، أفْعَلُ، ولا أتْرُكُ الجُودَ ”، وهَذانَ القَوْلانِ في البَيْتِ هُما قَوْلا العُلَماءِ، وأرى فِيهِ وجْهًا آخَرَ، وهو عِنْدِي حَسَنٌ، أرى أنْ تَكُونَ“ لا ”، غَيْرَ لَغْوٍ، وأنْ يَكُونَ“ اَلْبُخْلَ ”، مَنصُوبًا بَدَلًا مِن“ لا ”، اَلْمَعْنى:“ أبى جُودُهُ البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ بِهِ نَعَمْ " . وَمَوْضِعُ ”ما“، في قَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ﴾ رَفْعٌ، المَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ مَنَعَكَ في السُّجُودِ؟“، فَلَمْ يَقُلْ: مَنَعَنِي كَذا وكَذا، فَأتى بِالشَّيْءِ في مَعْنى الجَوابِ، ولَفْظُهُ غَيْرُ جَوابٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ﴾، في مَعْنى ”مَنَعَنِي مِنَ السُّجُودِ فَضْلِي عَلَيْهِ“، ومِثْلَ هَذا في الجَوابِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ”كَيْفَ كُنْتَ؟“، فَيَقُولَ: ”أنا صالِحٌ“، وإنَّما الجَوابُ: ”كُنْتُ صالِحًا“، ولَكِنَّ المَعْنى أنَّهُ قَدْ أجابَهُ بِما احْتاجَ إلَيْهِ، وزادَهُ أنَّهُ في حالِ مَسْألَتِهِ إيّاهُ صالِحٌ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٣٢٤)﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ صاغِرٌ بِهَذا الفِعْلِ.

الأعراف 7:14

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ أنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أيْ: أخِّرْنِي إلى يَوْمِ البَعْثِ، فَلَمْ يُجَبْ إلى الإنْظارِ إلى يَوْمِ البَعْثِ بِعَيْنِهِ، وأُعْلِمَ أنَّهُ مَنظُورٌ إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ.

الأعراف 7:16

﴿قالَ فَبِما أغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾، في قَوْلِهِ: ”أغْوَيْتَنِي“، قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهم: ”فَبِما أضْلَلْتَنِي“، وقالَ بَعْضُهم: ”فَبِما دَعَوْتَنِي إلى شَيْءٍ غَوِيتُ بِهِ“، أيْ: ”غَوِيتُ مِن أجْلِ آدَمَ“، ﴿لأقْعُدَنَّ لَهم صِراطَكَ المُسْتَقِيمَ﴾، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أنَّ ”عَلى“، مَحْذُوفَةٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: ”ضُرِبَ زَيْدٌ الظَّهْرَ، والبَطْنَ“ .

الأعراف 7:17

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”ثُمَّ لَآتِيَنَّهم في الضَّلالِ مِن جَمِيعِ جِهاتِهِمْ“، وقِيلَ: ”مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ“، أيْ: ”لَأُضِلَّنَّهم في جَمِيعِ ما يُتَوَقَّعُ“، وقِيلَ أيْضًا: ”لَأُخَوِّفَنَّهُمُ الفَقْرَ“، والحَقِيقَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أيْ: ”أنْصَرِفُ لَهم في الإضْلالِ في جَمِيعِ جِهاتِهِمْ“ .

الأعراف 7:18

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، مَعْنى ”مَذْؤُومٌ“، كَمَعْنى ”مَذْمُومٌ“، يُقالُ: ”ذَأمْتُهُ، أذْأمُهُ، ذَأْمًا“، إذا رَعَبْتَهُ، وذَمَمْتَهُ، ومَعْنى ”مَدْحُورًا“: مُبْعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ. (p-٣٢٥)وَقَوْلُهُ: ﴿لَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾، هَذِهِ اللّامُ لامُ القَسَمِ، تَدْخُلُ تَوْطِئَةً لِلْأمْرِ، ”لَأمْلَأنَّ“، والكَلامُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”مَن تَبِعَكَ أُعَذِّبْهُ“، فَدَخَلَتِ اللّامُ لِلْمُبالَغَةِ والتَّوْكِيدِ، ولامُ ”لَأمْلَأنَّ“، لامُ القَسَمِ، ولامُ ”مَن تَبِعَكَ“، تَوْطِئَةٌ لَها، ويَجُوزُ في الكَلامِ ”واللَّهِ مَن جاءَكَ لَأضْرِبَنَّهُ“، ولا يَجُوزُ ”واللَّهِ لَمَن جاءَكَ أضْرِبُهُ“، وأنْتَ تُرِيدُ ”لَأضْرِبَنَّهُ“، ولَكِنْ يَجُوزُ: ”واللَّهِ لَمَن جاءَكَ أضْرِبْهُ“، تُرِيدُ ”لَأضْرِبَنَّهُ“، وقالَ بَعْضُهم - في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهم مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] -: أيْ: لَأُغْوِيَنَّهم فِيما أُمِرُوا بِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧]، أيْ: لَأُغْوِيَنَّهم فِيما نُهُوا عَنْهُ، والَّذِي أظُنُّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى هَذا المَذْهَبِ: ”إنِّي أُغْوِيهِمْ حَتّى يُكَذِّبُوا بِأُمُورِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِالبَعْثِ“، كَما ذُكِرَ في هَذا، ومَعْنى: ﴿وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] أيْ: لَأُضِلَّنَّهم فِيما يَعْقِلُونَ، لِأنَّ الكَسْبَ يُقالُ فِيهِ: ”ذَلِكَ بِما كَسَبَتْ يَداكَ“، وإنْ كانَتِ اليَدانِ لَمْ تَجْنِيا شَيْئًا، إلّا أنَّهُ يُقالُ لِكُلِّ ما عَمِلَهُ عامِلٌ: ”كَسَبَتْ يَداكَ“، لِأنَّ اليَدَيْنِ الأصْلُ في التَّصَرُّفِ، فَجُعِلَتا مَثَلًا لِجَمِيعِ ما عُمِلَ بِغَيْرِهِما، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ [الحج: ١٠]، وقالَ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] (p-٣٢٦)وَقالَ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١]، ثُمَّ فَسَّرَ فَقالَ: ﴿ما أغْنى عَنْهُ مالُهُ وما كَسَبَ﴾ [المسد: ٢]

الأعراف 7:19

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيا آدَمُ اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾، هَذا الِاخْتِيارُ، أعْنِي ذِكْرَ ”أنْتَ“، تَقُولُ: ”اِذْهَبْ أنْتَ وزَيْدٌ“، ولَوْ قُلْتَ: ”اِذْهَبْ وزَيْدٌ“، كانَ قَبِيحًا، وقَدْ فَسَّرْناهُ فِيما سَلَفَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾، قالَ بَعْضُهم: هي السُّنْبُلَةُ، وقِيلَ: هي شَجَرَةُ الكَرْمِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾، اَلْأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”فَتَكُونا“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى جَوابِ الأمْرِ بِالفاءِ، أيْ: ”فَإنَّكُما إنْ قَرَبْتُماها كُنْتُما مِنَ الظّالِمِينَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”وَلا تَقْرَبا فَتَكُونا“، أيْ: ”فَلا تَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ“ .

الأعراف 7:20

وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾، تَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾، ويَجُوزُ ”مَلِكَيْنِ“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه: ١٢٠]، يَدُلُّ عَلى ”مَلِكَيْنِ“، وأحْسَبُهُ قَدْ قُرِئَ بِهِ، فَتَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّ القَوْلَ إنَّما كانَ وسْوَسَةً مِن إبْلِيسَ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ خِطابًا، لِقَوْلِهِ: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، (p-٣٢٧)أيْ: فَحَلَفَ لَهُما، ﴿فَدَلاهُما بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: دَلّاهُما في المَعْصِيَةِ بِأنْ غَرَّهُما، ﴿فَلَمّا ذاقا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ [الأعراف: ٢٢]، أيْ: ظَهَرَتْ لَهُما فُرُوجُهُما، وإنَّما السَّوْءَةُ كِنايَةٌ عَنِ الفَرْجِ، إلّا أنَّ الأصْلَ في التَّسْمِيَةِ ”اَلسَّوْءَةُ“ .

الأعراف 7:22

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾، مَعْنى ”طَفِقا“: أخَذا في الفِعْلِ، والأكْثَرُ ”طَفِقَ، يَطْفَقُ“، وقَدْ رُوِيَتْ ”طَفَقَ، يَطْفَقُ“، بِكَسْرِ الفاءِ، وقِيلَ: كانَ ورَقُ الجَنَّةِ ذَلِكَ ورَقَ التِّينِ، ومَعْنى يَخْصِفانِ، يَجْعَلانِ ورَقَةً عَلى ورَقَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلْخَصّافِ الَّذِي يَرْقَعُ النَّعْلَ: ”هو يَخْصِفُ“، قالَ الشّاعِرُ: ؎أوْ يَخْصِفُ النَّعْلَ لَهْفِي أيَّةً صَنَعا وَيَجُوزُ ”يَخْصِفانِ“، و”يَخَصِّفانِ“، والأصْلُ الكَسْرُ في الخاءِ، وفَتْحُها وتَشْدِيدُ الصّادِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”يَخْتَصِفانِ“، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْرَ التَّكَشُّفِ، وإظْهارِ السَّوْءَةِ قَبِيحٌ مِن لَدُنْ (p-٣٢٨)آدَمَ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ عِظَمَ شَأْنِها في المَعْصِيَةِ، فَقالَ: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِن سَوْآتِهِما﴾ [الأعراف: ٢٠]، وأنَّهُما بادَرا يَسْتَتِرانِ لِقُبْحِ التَّكَشُّفِ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿وُورِيَ عَنْهُما﴾ [الأعراف: ٢٠]، يَجُوزُ فِيهِ ”أُورِيَ“، لِأنَّ الواوَ مَضْمُومَةٌ، إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَ مِنها هَمْزَةً، إلّا أنَّ القِراءَةَ تُتَّبَعُ في ذَلِكَ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ، وخَطُّ المُصْحَفِ: ”وُورِيَ“، بِالواوِ، ومَعْنى ﴿إلا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ [الأعراف: ٢٠]، وقَوْلِهِ: ﴿ذاقا الشَّجَرَةَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُما ذاقاها ذَوْقًا، ولَمْ يُبالِغا في الأكْلِ.

الأعراف 7:26

وَقَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْـزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا﴾، ويُقْرَأُ: ”وَرِياشًا“، و”اَلرِّيشُ“: اَللِّباسُ، العَرَبُ تَقُولُ: ”أعْطَيْتُهُ بِرِيشَتِهِ“، أيْ: بِكِسْوَتِهِ، و”اَلرِّيشُ“: كُلُّ ما سَتَرَ الرَّجُلَ في جِسْمِهِ، ومَعِيشَتِهِ، يُقالُ: ”تَرَيَّشَ فُلانٌ“، أيْ: ”صارَ لَهُ ما يَعِيشُ بِهِ“، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، وغَيْرُهُ: ؎فَرِيشِي مِنكُمُ وهَوايَ مَعْكم ∗∗∗ وإنْ كانَتْ زِيارَتُكم لِماما ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾، بِرَفْعِ اللِّباسِ، فَمَن نَصَبَ، عَطَفَ بِهِ عَلى الرِّيشِ، يَكُونُ المَعْنى: ”أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسَ التَّقْوى“، ويَرْفَعُ ”خَيْرٌ“، بِذَلِكَ، ومَن رَفَعَ اللِّباسَ فَرَفْعُهُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً، ويَكُونَ ذَلِكَ مِن صِفَتِهِ، ويَكُونَ ”خَيْرٌ“، خَبَرَ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”وَلِباسُ التَّقْوى المُشارُ إلَيْهِ خَيْرٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَلِباسُ التَّقْوى“، مَرْفُوعًا بِإضْمارِ ”هو“، اَلْمَعْنى: ”هو (p-٣٢٩)لِباسُ التَّقْوى“، أيْ: ”وَسَتْرُ العَوْرَةِ لِباسُ المُتَّقِينَ“، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾، ويَكُونَ عَلى أنَّ لِباسَ التَّقْوى مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ ”ذَلِكَ خَيْرٌ“، يَرْتَفِعُ بِهِ ”خَيْرٌ“، عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”ذَلِكَ“، ويَكُونَ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ ”هو“، كَأنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَلِباسُ التَّقْوى هو خَيْرٌ“، لِأنَّ أسْماءَ الإشارَةِ تُقَرِّبُ فِيما يَعُودُ مِنَ الذِّكْرِ مِنَ المُضْمَرِ، والوَجْهانِ الأوَّلانِ أبْيَنُ في العَرَبِيَّةِ.

الأعراف 7:27

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾، ”حَيْثُ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، إلّا أنَّها بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، وأصْلُها أنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً، لِأنَّها لَيْسَتْ لِمَكانٍ بِعَيْنِهِ، وأنَّ ما بَعْدَها صِلَةٌ لَها، لَيْسَتْ بِمُضافَةٍ إلَيْهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”وَمِن حَيْثَ خَرَجْتَ“، فَيَفْتَحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: ”مِن حَوْثُ خَرَجْتَ“، ولا تَقْرَأْ بِهاتَيْنِ اللُّغَتَيْنِ، لِأنَّهُما لَمْ يُقْرَأْ بِواحِدَةٍ مِنهُما، ولا هُما في جَوْدَةِ ”حَيْثُ“، اَلْمَبْنِيَّةِ عَلى الضَّمِّ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ”جَعَلْنا“، في اللُّغَةِ، عَلى ضُرُوبٍ، مِنها ”جَعَلْتُ بَعْضَ الشَّيْءِ فَوْقَ بَعْضٍ“، أيْ: ”عَمِلْتُهُ، وهَيَّأْتُهُ عَلى هَذِهِ الصِّيغَةِ“، ومِنها ”جَعَلَ زَيْدٌ فُلانًا عاقِلًا“، تَأْوِيلُهُ: سَمّاهُ ”عاقِلًا“، ومِنها ”جَعَلَ يَقُولُ كَذا وكَذا“، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ أخَذَ في القَوْلِ، فَأمّا مَعْنى الآيَةِ فَعَلى ضَرْبَيْنِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ الكُفّارُ عُوقِبُوا بِأنْ سُلِّطَتْ عَلَيْهِمُ الشَّياطِينُ تَزِيدُهم في غَيِّهِمْ عُقُوبَةً عَلى كُفْرِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ [مريم: ٨٣]، (p-٣٣٠)أيْ: تَحْمِلُهم عَلى المَعاصِي حَمْلًا شَدِيدًا، تَزُجُّهم في شِدَّةِ الغَيِّ، ويَجُوزُ ”إنّا جَعَلْنا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ“: أيْ: سَوَّيْنا بَيْنَ الشَّياطِينِ والكافِرِينَ في الذَّهابِ عَنِ اللَّهِ، كَما قالَ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]

الأعراف 7:28

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾، مَعْنى ”اَلْفاحِشَةُ“: ما يَشْتَدُّ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، ﴿قالُوا وجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أمَرَنا بِها﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، لِأنَّ حِكْمَتَهُ، وجَمِيعَ ما خَلَقَ، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا المُسْتَحْسَنَ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ، وقَدِ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ بِما قَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ”اَلْأنْعامِ“ .

الأعراف 7:29

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ﴾، أيْ: بِالعَدْلِ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ إلّا الحِكْمَةَ، ولا يُثْبِتُ إلّا العَدْلَ مِن أمْرِهِ، فَإذا كانَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ - و”اَلْعَدْلُ“: ما قامَ في النُّفُوسِ أنَّهُ مُسْتَقِيمٌ، لا يُنْكِرُهُ مُمَيِّزٌ - فَكَيْفَ بِالفَحْشاءِ؟! و”اَلْفَحْشاءُ“: ما عَظُمَ قُبْحُهُ، ثُمَّ وبَّخَهُمْ، فَقالَ: ﴿أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٨]، أيْ: أتَكْذِبُونَهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأقِيمُوا وُجُوهَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، أيْ: وقْتَ كُلِّ صَلاةٍ اقْصِدُوهُ بِصَلاتِكم. (p-٣٣١)﴿وادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أيْ: مُخْلِصِينَ لَهُ الطّاعَةَ. اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ - وهو مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وفِيها تَمُوتُونَ ومِنها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥] -، فَقالَ: ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾، أيْ: فَلَيْسَ بَعْثُكم بِأشَدَّ مِنَ ابْتِدائِكم.

الأعراف 7:30

وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا هَدى وفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾، مَعْناهُ: إنَّهُ أضَلَّ فَرِيقًا، حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، ولَوْ قُرِئَتْ: ”أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ“، لَكانَتْ تَجُوزُ، ولَكِنَّ الإجْماعَ عَلى الكَسْرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْمًا يَنْتَحِلُونَ الإسْلامَ، ويَزْعُمُونَ أنَّ مَن كانَ كافِرًا، وهو لا يَعْلَمُ أنَّهُ كافِرٌ، فَلَيْسَ بِكافِرٍ، مُبْطِلُونَ لِأمْرِ نِحْلَتِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في أنَّ الحُسْبانَ لَيْسَ تَأْوِيلُهُ غَيْرَ ما يُعْلَمُ مِن مَعْنى ”حَسِبَ“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اللَّهَ قَدْ سَمّاهم بِظَنِّهِمْ ”كَفَرَةً“، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]، فَأعْلَمَ أنَّهم بِالظَّنِّ كافِرُونَ، وأنَّهم مُعَذَّبُونَ. (p-٣٣٢)وَقَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكم عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، هَذا أمْرٌ بِالِاسْتِتارِ في الصَّلَواتِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ عُراةً، ويَقُولُونَ: لا نَطُوفُ حَوْلَ البَيْتِ في ثِيابٍ قَدْ أذْنَبْنا فِيها، وكانَتِ المَرْأةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً أيْضًا، إلّا أنَّها كانَتْ تَشُدُّ في حَقْوَيْها أشْياءَ مِن سُيُورٍ مُقَطَّعَةٍ، تُسَمِّي العَرَبُ ذَلِكَ ”اَلرَّهْطُ“، قالَتِ امْرَأةٌ تَطُوفُ وعَلَيْها رَهْطٌ: ؎اَلْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أوْ كُلُّهْ ∗∗∗ فَما بَدا مِنهُ فَلا أُحِلُّهْ تَعْنِي الفَرْجَ، لِأنَّ السُّيُورَ لا تَسْتُرُ سَتْرًا تامًّا، فَأمَرَ اللَّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ عُقُوبَةَ آدَمَ، وحَوّاءَ، في أنْ بَدَتْ لَهُما سَوْءاتُهُما، بِالِاسْتِتارِ في وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ، بَعْدَ أنْ أعْلَمَ أنَّ التَّعَرِّيَ وظُهُورَ السَّوْءَةِ مَكْرُوهٌ مِن لَدُنْ آدَمَ.

الأعراف 7:31

وَقَوْلُهُ - بِعُقْبِ الِاسْتِتارِ -: ﴿وَكُلُوا واشْرَبُوا﴾، لِأنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِمّا في بُطُونِ الأنْعامِ، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ البَحِيرَةَ، والسّائِبَةَ، وكانُوا يَزْعُمُونَ فِيما يَأْتُونَ مِنَ الفَحْشاءِ، كالتَّعَرِّي وما أشْبَهَهُ، أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أمَرَهم بِذَلِكَ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالِاسْتِتارِ، وأنْ يَأْكُلُوا ما زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - حَرَّمَهُ، مِمّا لَمْ يُحَرِّمْهُ، وأنْ يَشْرَبُوا مِمّا (p-٣٣٣)زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - حُرَّمَ عَلَيْهِمْ شُرْبَهُ، لِأنَّ ألْبانَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ كانَتْ عِنْدَهم حَرامًا. وَقَوْلُهُ: - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ﴾، والإسْرافُ أنْ يَأْكُلَ ما لا يَحِلُّ أكْلُهُ، مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُؤْكَلَ شَيْءٌ مِنهُ، أوْ تَأْكُلَ مِمّا أحَلَّ لَكَ فَوْقَ القَصْدِ، ومِقْدارِ الحاجَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يُحِبُّ مَن أسْرَفَ، ومَن لَمْ يُحْبِبْهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَهو في النّارِ.

الأعراف 7:32

ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، ووَبَّخَهُمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ مَن حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبادِهِ﴾، أيْ: مَن حَرَّمَ أنْ تَلْبَسُوا في طَوافِكم ما يَسْتُرُكُمْ؟ ﴿والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، أيْ: ومَن حَرَّمَ الطَّيِّباتِ مِمّا رَزَقَ اللَّهُ؟ أيْ: مَن حَرَّمَ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرْتُمْ أنَّها حَرامٌ، ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هي لِلَّذِينَ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾، وتُقْرَأُ: ”خالِصَةً“، و”خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ“، اَلْمَعْنى أنَّها حَلالٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَدْ يَشْرَكُهم فِيها الكافِرُونَ، أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الطَّيِّباتِ تَخْلُصُ لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ، ولا يَشْرَكُهم فِيها كافِرٌ، فَأمّا إعْرابُ ”خالِصَةٌ“، فَهو أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ عاقِلٌ لَبِيبٌ“، فالمَعْنى: ”قُلْ هي ثابِتَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا في الحَياةِ الدُّنْيا، خالِصَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ“، ومَن قَرَأ: ”خالِصَةً“، جَعَلَ ”خالِصَةً“، مَنصُوبًا عَلى الحالِ، عَلى أنَّ العامِلَ في قَوْلِكَ: ”في الحَياةِ الدُّنْيا“، في تَأْوِيلِ الحالِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”هي ثابِتَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، مُسْتَقِرَّةً في الحَياةِ الدُّنْيا، خالِصَةً يَوْمَ القِيامَةِ“ .

الأعراف 7:33

(p-٣٣٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”حَرَّمَ اللَّهُ الفَواحِشَ تَحْرِيمَ الشِّرْكِ“، ومَعْنى ”لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا“: أيْ: ”لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً“ .

الأعراف 7:34

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ﴾، أيْ: وقْتٌ مُؤَقَّتٌ، ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ساعَةً، ولا أقَلَّ مِن ساعَةٍ“، ولَكِنْ ذُكِرَتِ السّاعَةُ لِأنَّها أقَلُّ أسْماءِ الأوْقاتِ.

الأعراف 7:35

وَقَوْلُهُ: ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾، ”آدَمُ“، لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ عَلى قَدْرِ ”أفْعَلُ“، وهو مَعْرِفَةٌ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ”أدَمَةِ الأرْضِ“، وهو وجْهُها، فَسُمِّيَ بِما خُلِقَ مِنهُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إمّا يَأْتِيَنَّكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾، هَذِهِ ”إنْ“، اَلَّتِي لِلْجَزاءِ، ضُمَّتْ إلَيْها ”ما“، والأصْلُ في اللَّفْظِ ”إنْ ما“، مَفْصُولَةً، ولَكِنَّها مُدْغَمَةٌ، وكُتِبَتْ عَلى الإدْغامِ، فَإذا ضُمَّتْ ”إنْ“، إلى ”ما“، لَزِمَ الفِعْلَ النُّونُ الثَّقِيلَةُ، أوِ الخَفِيفَةُ، وجَوابُ الجَزاءِ في الفاءِ أيْ: في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اتَّقى وأصْلَحَ﴾، فَإنَّما تَلْزَمُ ”ما“، اَلنُّونُ، لِأنَّ ”ما“، تَدْخُلُ مُؤَكِّدَةً، فَتَلْزَمُها النُّونُ، كَما تَلْزَمُ اللّامَ النُّونُ في القَسَمِ إذا قُلْتَ: ”واللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ“، فَـ ”ما“، تَوْكِيدٌ، كَما أنَّ اللّامَ تَوْكِيدٌ، فَلَزِمَتِ النُّونُ كَما لَزِمَتْ لامُ القَسَمِ.

الأعراف 7:37

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، أيُّ ظُلْمٍ أشْنَعُ مِنَ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ؟! وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يَنالُهم نَصِيبُهم مِنَ الكِتابِ﴾، أيْ: ما أخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عَنْ جَزائِهِمْ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]، (p-٣٣٥)وَنَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿يَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، ونَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، ونَحْوَ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢]، فَهَذِهِ أنْصِبَتُهم مِنَ الكِتابِ، عَلى قَدْرِ ذُنُوبِهِمْ في كُفْرِهِمْ، ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ ”حَتّى“، و”أمّا“، و”إلّا“، لا تَجُوزُ فِيهِنَّ الإمالَةُ، لا يُجِيزُ: ”حَتِّي إذا جاءَتْهم“، ولا يُجِيزُ ”أمِّا“، ولا ”لِا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، هَذا لَحْنٌ كُلُّهُ، وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ ألِفاتُ الفَتْحِ، لِأنَّها أواخِرُ حُرُوفٍ جاءَتْ لِمَعْنًى، فَفُصِلَ بَيْنَها وبَيْنَ أواخِرِ الأسْماءِ الَّتِي فِيها الألِفُ، نَحْوَ: ”حُبْلى“، و”هُدى“، إلّا أنَّ ”حَتّى“، كُتِبَتْ بِالياءِ، لِأنَّها عَلى أرْبَعَةِ أحْرُفٍ، فَأشْبَهَتْ ”سَكْرى“، و”أمّا“، اَلَّتِي لِلتَّخْيِيرِ شُبِّهَتْ بِـ ”إنْ“، اَلَّتِي ضُمَّتْ إلَيْها ”ما“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ [الكهف: ٨٦]، كُتِبَتْ بِالألِفِ لِما وصَفْنا، و”إلّا“، أيْضًا كُتِبَتْ بِالألِفِ لِأنَّها لَوْ كُتِبَتْ بِالياءِ لَأشْبَهَتْ ”إلى“ . وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - وجْهانِ، يَكُونُ ”حَتّى إذا جاءَتْهم مَلائِكَةُ المَوْتِ يَتَوَفَّوْنَهم سَألُوهم عِنْدَ المُعايَنَةِ، فَيَعْرِفُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ“، لِأنَّهم قالُوا: ﴿أيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾، أيْ: بَطَلُوا، وذَهَبُوا. (p-٣٣٦)وَيَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا مَلائِكَةُ العَذابِ يَتَوَفَّوْنَهم“، فَيَكُونَ ”يَتَوَفَّوْنَهم“، في هَذا المَوْضِعِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما ”يَتَوَفَّوْنَهم عَذابًا“، وهَذا كَما تَقُولُ: ”قَدْ قَتَلْتُ فُلانًا بِالعَذابِ“، وإنْ لَمْ يَمُتْ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]، وجائِزٌ - وهو أضْعَفُ الوَجْهَيْنِ - أنَّهم يَتَوَفَّوْنَ عِدَّتَهُمْ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الأعراف 7:38

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾، لِأنَّهم ضَلَّ بَعْضُهم بِاتِّباعِ بَعْضٍ، ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا﴾، أيْ: ”تَدارَكُوا“، وأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، فَإذا وقَفْتَ عَلى قَوْلِهِ: ”حَتّى إذا“، لَمْ تَبْتَدِئْ حَتّى تَأْتِيَ بِألِفِ الوَصْلِ، فَتَقُولَ: ”اِدّارَكُوا“، فَتَأْتِيَ بِألِفِ الوَصْلِ لِسُكُونِ الدّالِ فِيها، ومَعْنى ”تَدارَكُوا“: اِجْتَمَعُوا. وَقَوْلُهُ: ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”حَتّى إذا تَدارَكُوا فِيها مُجْتَمِعِينَ“، ﴿قالَتْ أُخْراهم لأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾، أيْ: قالَتْ أُخْراهم: دَعَتْهم أُولاهُمْ، فاتَّبَعَ الآخِرُ الأوَّلَ، فَأعْلَمَ التّابِعُونَ أنَّ المَتْبُوعِينَ أضَلُّوهم بِأنْ دَعَوْهم إلى الضَّلالِ، والمَعْنى: ”قالَتْ أُخْراهم يا رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا، لِأُولاهم“، تَعْنِي أُولاهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾، (p-٣٣٧)أيْ: عَذابًا مُضاعَفًا، لِأنَّ الضِّعْفَ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ”اَلْمِثْلُ“، والآخَرُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى تَضْعِيفِ الشَّيْءِ، ﴿قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾، أيْ: لِلتّابِعِ، والمَتْبُوعِ، لِأنَّهم قَدْ دَخَلُوا في الكُفْرِ جَمِيعًا، أيْ: ”لِكُلٍّ عَذابٌ مُضاعَفٌ“، فَمَن قَرَأ: ﴿وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾، بِالتّاءِ، أيْ: ”وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ أيُّها المُخاطَبُونَ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنكم مِنَ العَذابِ“، ومَن قَرَأ: ”وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ“، بِالياءِ، أيْ: ”وَلَكِنْ لا يَعْلَمُ كُلُّ فَرِيقٍ مِقْدارَ عَذابِ الفَرِيقِ الآخَرِ“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ يا أهْلَ الدُّنْيا مِقْدارَ ذَلِكَ“ .

الأعراف 7:40

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾، أيْ: كَذَّبُوا بِحُجَجِنا، وأعْلامِنا الَّتِي تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ، وتَوْحِيدِ اللَّهِ، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾، أيْ: لا تَصْعَدُ أرْواحُهُمْ، ولا أعْمالُهُمْ، لِأنَّ أعْمالَ المُؤْمِنِينَ وأرْواحَهم تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ويَجُوزُ: ”لا تُفْتَحُ“، و”لا تُفَتَّحُ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ، وبِالياءِ، والتّاءِ، وقالَ بَعْضُهم: ”لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ“: أيْ: أبْوابُ الجَنَّةِ، لِأنَّ الجَنَّةَ في السَّماءِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾، فَكَأنَّهُ لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابَ الجَنَّةِ، ولا يَدْخُلُونَها، ﴿حَتّى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياطِ﴾، (p-٣٣٨)فَـ ”اَلْخِياطُ“: اَلْإبْرَةُ، و”سَمُّها“: ثُقْبُها، المَعْنى: ”لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ أبَدًا“، وسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ الجَمَلِ، فَقالَ: ”هو زَوْجُ النّاقَةِ“، كَأنَّهُ اسْتَجْهَلَ مَن سَألَهُ عَنِ الجَمَلِ، وقَرَأ بَعْضُهم: ”اَلْجُمَّلُ“، وفَسَّرُوهُ فَقالُوا: ”قَلْسُ السَّفِينَةِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِينَ﴾، أيْ:“ ومِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي وصَفْنا نَجْزِي المُجْرِمِينَ ”، و“ اَلْمُجْرِمُونَ " - واللَّهُ أعْلَمُ - هَهُنا: اَلْكافِرُونَ، لِأنَّ الَّذِي ذُكِرَ مِن قِصَّتِهِمُ التَّكْذِيبُ بِآياتِ اللَّهِ، والِاسْتِكْبارُ عَنْها.

الأعراف 7:41

﴿لَهم مِن جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾، أيْ: ”فِراشٌ مِن نارٍ“، ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾، أيْ: ”غاشِيَةٌ فَوْقَ غاشِيَةٍ مِنَ النّارِ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾، والظّالِمُونَ، هَهُنا: اَلْكافِرُونَ. وَقَوْلُهُ: ”غَواشٍ“، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، جَمِيعًا، أنَّ التَّنْوِينَ هَنا عِوَضٌ مِنَ الياءِ، لِأنَّ ”غَواشِيَ“، لا تَنْصَرِفُ، والأصْلُ فِيها ”غَواشِي“، بِإسْكانِ الياءِ، فَإذا ذَهَبَتِ الضَّمَّةُ أدْخَلْتَ التَّنْوِينَ عِوَضًا مِنها، كَذَلِكَ فَسَّرَ أصْحابُ سِيبَوَيْهِ، وكانَ سِيبَوَيْهِ يَذْهَبُ إلى أنَّ التَّنْوِينَ عِوَضٌ مِن ذَهابِ حَرَكَةِ الياءِ، والياءُ سَقَطَتْ لِسُكُونِها، وسُكُونِ التَّنْوِينِ، فَإذا وقَفْتَ فالِاخْتِيارُ أنْ تَقِفَ بِغَيْرِ ياءٍ، فَتَقُولَ: (p-٣٣٩)”غَواشٍ“، لِتَدُلَّ أنَّ الياءَ كانَتْ تُحْذَفُ في الوَصْلِ، وبَعْضُ العَرَبِ إذا وقَفَ قالَ: ”غَواشِي“، بِإثْباتِ الياءِ، ولا أرى ذَلِكَ في القُرْآنِ، لِأنَّ الياءَ مَحْذُوفَةٌ في المُصْحَفِ، والكِتابُ عَلى الوَقْفِ.

الأعراف 7:42

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾، أيْ: عَمِلُوا الصّالِحاتِ بِقَدْرِ طاقَتِهِمْ، لِأنَّ مَعْنى ”اَلْوُسْعُ“: ما يُقْدَرُ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾، ”أُولَئِكَ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و”أصْحابُ“، خَبَرٌ، و”هم“، والجُمْلَةُ، خَبَرُ ”اَلَّذِينَ“، ويَرْجِعُ عَلى ”اَلَّذِينَ“، اِسْمُ الإشارَةِ، أعْنِي ”أُولَئِكَ“ .

الأعراف 7:43

قَوْلُهُ: ﴿وَنَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾، قالَ بَعْضُهم: ذَهَبَتِ الأحْقادُ الَّتِي كانَتْ في قُلُوبِهِمْ، وحَقِيقَتُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لا يَحْسُدُ بَعْضُ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْضًا في عُلُوِّ الرُّتْبَةِ، لِأنَّ الحَسَدَ غِلٌّ. وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ﴾، في مَعْنى الحالِ، المَعْنى: ”وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ في هَذِهِ الحالِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تَجْرِي“، إخْبارًا عَنْ صِفَةِ حالِهِمْ، فَيَكُونَ ”تَجْرِي“، مُسْتَأْنَفًا، ومَعْنى ﴿هَدانا لِهَذا﴾ أيْ: ”هَدانا لِما صَيَّرَنا إلى هَذا“، يُقالُ: ”هَدَيْتُ الرَّجُلَ هِدايَةً، وهُدًى، وهَدْيًا“، و”أهْدَيْتُ الهَدْيَةَ، فَهي مُهْداةٌ“، و”أهْدَيْتُ العَرُوسَ إلى زَوْجِها، وهَدَيْتُها“ . وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ﴾، (p-٣٤٠)فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ، وهَهُنا الهاءُ مُضْمَرَةٌ، وهي مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، والمَعْنى: ”نُودُوا بِأنَّهُ تِلْكُمُ الجَنَّةُ“، والأجْوَدُ - عِنْدِي - أنْ تَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ تَفْسِيرِ النِّداءِ، كَأنَّ المَعْنى: ”وَنُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ“، أيْ: ”قِيلَ لَهم: تِلْكُمُ الجَنَّةُ“، وإنَّما قالَ: ”تِلْكم“، لِأنَّهم وُعِدُوا بِها في الدُّنْيا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”هَذِهِ تِلْكُمُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِها“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عايِنُوها، فَقِيلَ لَهم مِن قَبْلِ دُخُولِها، إشارَةً إلى ما يَرَوْنَهُ: ”تِلْكُمُ الجَنَّةُ“، كَما تَقُولُ لِما تَراهُ: ”ذَلِكَ الرَّجُلُ أخُوكَ“، ولَوْ قُلْتَ: ”هَذا الرَّجُلُ“، لِأنَّهُ يَراكَ، جازَ، لِأنَّ ”هَذا“، و”هَؤُلاءِ“، لِما قَرُبَ مِنكَ، و”ذاكَ“، و”تِلْكَ“، لِما بَعُدَ عَنْكَ، رَأيْتَهُ أوْ لَمْ تَرَهُ.

الأعراف 7:44

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا﴾، مَعْنى ”أنْ“، هَهُنا، إنْ شِئْتَ كانَ مُفَسِّرًا لِما نادى بِهِ أصْحابُ الجَنَّةِ، والمَعْنى: ”أيْ: قَدْ وجَدْنا“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنَّ“، اَلشَّدِيدَةَ، وخُفِّفَتِ، المَعْنى: ”أنَّهُ قَدْ وجَدْنا“، قالَ الشّاعِرُ: ؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَعَمْ﴾، وفي بَعْضِ اللُّغاتِ: ”قالُوا: نَعِمْ“، في مَعْنى ”نَعَمْ“، مَوْقُوفَةَ الآخِرِ، لِأنَّها حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنًى. (p-٣٤١)وَقَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، يَجُوزُ ”أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، والمُخَفَّفَةُ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الشَّدِيدَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُخَفَّفَةُ في مَعْنى ”أيْ“، اَلْخَفِيفَةِ، الَّتِي هي تَفْسِيرٌ، كَأنَّها تَفْسِيرٌ لِما أذَّنُوا فِيهِ.

الأعراف 7:48

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في أصْحابِ الأعْرافِ، فَقالَ قَوْمٌ: ”هم قَوْمٌ اسْتَوَتْ حَسَناتُهم وسَيِّئاتُهُمْ، فَلَمْ يَسْتَحِقُّوا الجَنَّةَ بِالحَسَناتِ، ولا النّارَ بِالسَّيِّئاتِ“، فَكانُوا عَلى الحِجابِ الَّذِي بَيْنَ الجَنَّةِ والنّارِ، و”اَلْأعْرافُ“: أعالِي السُّورِ، ويُقالُ لِكُلِّ عالٍ: ”عُرْفٌ“، وجَمْعُهُ ”أعْرافٌ“ . (p-٣٤٣)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”عَلى الأعْرافِ“، عَلى مَعْرِفَةِ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ، هَؤُلاءِ الرِّجالُ، فَقالَ قَوْمٌ ما ذَكَرْنا، وأنَّ اللَّهَ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، وقالَ قَوْمٌ: ”أصْحابُ الأعْرافِ“: أنْبِياءُ، وقالَ قَوْمٌ: مَلائِكَةٌ، ومَعْرِفَتُهم كُلًّا بِسِيماهُمْ، يَعْرِفُونَ أصْحابَ الجَنَّةِ بِأنَّ سِيماهم إسْفارُ الوُجُوهِ، والضَّحِكُ، والِاسْتِبْشارُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٨] ﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس: ٣٩]، ويَعْرِفُونَ أصْحابَ النّارِ بِسِيماهُمْ، وسِيماهُمُ اسْوِدادُ الوُجُوهِ، وغَبَرَتُها، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، و﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠] ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤١]، و”اَلْقَتَرَةُ“: كالدُّخانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾، هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - خِطابُ أصْحابِ الأعْرافِ لِأهْلِ النّارِ، وقُرِئَتْ: ”تَسْتَكْثِرُونَ“، بِالثّاءِ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ﴾ [الأعراف: ٤٩]، يَعْنِي أهْلَ الجَنَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: ”يا أهْلَ النّارِ، أهَؤُلاءِ الَّذِينَ حَلَفْتُمْ، ﴿لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٩]، وإنْ شِئْتَ بِالفَتْحِ:“ لا خَوْفَ عَلَيْكم ”، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ“ اُدْخُلُوا الجَنَّةَ "، خِطابًا مِن أصْحابِ الأعْرافِ لِأهْلِ (p-٣٤٤)الجَنَّةِ، لِأنَّ كُلَّ ما يَقُولُهُ أصْحابُ الأعْرافِ فَعَنِ اللَّهِ تَعالى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ خِطابًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأهْلِ الجَنَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَنادى أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٠]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أنَّ ابْنَ آدَمَ غَيْرُ مُسْتَغْنٍ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وإنْ كانَ مُعَذَّبًا، فَأعْلَمَهم أهْلُ الجَنَّةِ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها عَلى الكافِرِينَ، يَعْنُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ طَعامَ أهْلِ الجَنَّةِ، وشَرابَهم عَلى أهْلِ النّارِ، لِأنَّهم إنَّما يَشْرَبُونَ الحَمِيمَ الَّذِي يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ.

الأعراف 7:51

وَقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نَنْساهم كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هَذا﴾، أيْ: نَتْرُكُهم في عَذابِهِمْ، كَما تَرَكُوا العَمَلَ لِلِقاءِ يَوْمِهِمْ هَذا، ومَعْنى: ﴿وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾، ”وَكَجَحْدِهِمْ“، و”ما“، نَسَقٌ عَلى ”كَما“، في مَوْضِعِ جَرٍّ. وَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢]، ”هُدًى“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: ”فَصَّلْناهُ هادِيًا، وذا رَحْمَةٍ“، ويَجُوزُ ”هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“، عَلى الِاسْتِئْنافِ، المَعْنى: ”هو هُدًى ورَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“ .

الأعراف 7:53

وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْوِيلَهُ﴾، مَعْناهُ: ”هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم مِنَ البَعْثِ“، وهَذا التَّأْوِيلُ - واللَّهُ أعْلَمُ - هو قَوْلُهُ: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أيْ: ما يَعْلَمُ مَتى يَكُونُ البَعْثُ، وما يَؤُولُ إلَيْهِ، إلّا اللَّهُ، ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]، بِالبَعْثِ - واللَّهُ أعْلَمُ -. وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”يَقُولُ“، و”اَلَّذِينَ نَسُوهُ“، عَلى ضَرْبَيْنِ، (p-٣٤٢)جائِزٌ أنْ يَكُونَ صارُوا في الإعْراضِ عَنْهُ بِمَنزِلَةِ مَن نَسِيَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا نَسُوهُ، وتَرَكُوا العَمَلَ لَهُ، والإيمانَ بِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾، ”أوْ“، نَسَقٌ عَلى قَوْلِهِ: ”مِن شُفَعاءَ“، كَأنَّهم قالُوا: ”هَلْ يَشْفَعُ لَنا شافِعٌ؟ أوْ هَلْ نُرَدُّ؟“ . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنَعْمَلَ﴾، مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ الفاءِ، لِلِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ أنْ تُنْصَبَ ”أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ“، أيْ: ”إنْ رُدِدْنا اسْتَغْنَيْنا عَنِ الشَّفاعَةِ“ .

الأعراف 7:54

وَقَوْلُهُ: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾، و”يُغَشِّي اللَّيْلَ النَّهارَ“، جَمِيعًا، يُقْرَأُ بِهِما، والمَعْنى أنَّ اللَّيْلَ يَأْتِي عَلى النَّهارِ فَيُغَطِّيهِ، ولَمْ يَقُلْ: ”يُغْشِي النَّهارَ اللَّيْلَ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وقَدْ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ ويُكَوِّرُ النَّهارَ عَلى اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأمْرِهِ﴾، أيْ: خَلَقَ النُّجُومَ جارِياتٍ مَجارِيهِنَّ بِأمْرِهِ.

الأعراف 7:55

وَقَوْلُهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾، قالَ قَوْمٌ: ”تَضَرَّعُوا“: تَمَلَّقُوا، وحَقِيقَتُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَدْعُوهُ خاضِعِينَ مُتَعَبِّدِينَ، و”خُفْيَةً“، أيْ: اِعْتَقِدُوا عِبادَتَهُ في أنْفُسِكُمْ، لِأنَّ الدُّعاءَ مَعْناهُ العِبادَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾، و”اَلْمُعْتَدُونَ“: اَلْمُجاوِزُونَ ما أُمِرُوا بِهِ، وهُمُ الظّالِمُونَ.

الأعراف 7:56

وَقَوْلُهُ: ﴿وادْعُوهُ خَوْفًا وطَمَعًا﴾، أيْ: اُدْعُوهُ خائِفِينَ عَذابَهُ وطامِعِينَ في رَحْمَتِهِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أحَدٌ بِعَمَلِهِ“، قالُوا: ولا أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ”وَلا أنا، إلّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ،» وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، إنَّما قِيلَ:“ قَرِيبٌ ”، لِأنَّ الرَّحْمَةَ والغُفْرانَ في مَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ كُلُّ تَأْنِيثٍ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، وقالَ الأخْفَشُ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ هَهُنا في مَعْنى المَطَرِ. (p-٣٤٥)وَقالَ بَعْضُهم: هَذا ذُكِرَ لِيَفْصِلَ بَيْنَ“ اَلْقَرِيبُ ”، مِن“ اَلْقَرابَةُ ”، و“ اَلْقَرِيبُ ”، مِن“ اَلْقُرْبُ "، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ كُلَّ ما قَرُبَ مِن مَكانٍ، أوْ نَسَبٍ، فَهو جارٍ عَلى ما يُصِيبُهُ مِنَ التَّأْنِيثِ، والتَّذْكِيرِ.

الأعراف 7:57

وَقَوْلُهُ: ﴿بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، و”نُشْرًا“، أيْضًا، بِضَمِّ النُّونِ، وفَتْحِها، وقَرَأ عاصِمٌ: ”بُشْرًا“، بِالباءِ، فَمَن قَرَأ: ”نَشْرًا“، فالمَعْنى: ”وَهو الَّذِي يُنْشِرُ الرِّياحَ مُنْشَرَةً، نَشْرًا“، ومَن قالَ: ”نُشْرًا“، فَهو جَمْعُ ”نُشُورٌ“، و”نُشُرٌ“، ومَن قَرَأ: ”بُشْرًا“، فَهو جَمْعُ ”بَشِيرَةٌ“، و”بُشُرٌ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْرًا﴾ وَقَوْلُهُ: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أيْ: بَيْنَ يَدَيِ المَطَرِ، الَّذِي هو رَحْمَةٌ، ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا﴾، أيْ: ”حَتّى إذا أقَلَّتِ الرِّيحُ سَحابًا“، يُقالُ: ”أقَلَّ فُلانٌ الشَّيْءَ“، إذا هو حَمَلَهُ، و”فُلانٌ لا يَسْتَقِلُّ بِحَمْلِهِ“، فالمَعْنى: ”حَتّى إذا حَمَلَتْ سَحابًا ثِقالًا“، و”اَلسَّحابُ“: جَمْعُ ”سَحابَةٌ“، ﴿ثِقالا﴾، أيْ: ثِقالًا بِالماءِ، ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾، و”مَيْتٍ“، جَمِيعًا، ﴿فَأنْـزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”فَأنْزَلْنا بِالسَّحابِ الماءَ، فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ“، اَلْأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”فَأخْرَجْنا بِالماءِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أخْرَجْنا بِالبَلَدِ مِن كُلٍّ الثَّمَراتِ“، لِأنَّ البَلَدَ لَيْسَ يُخَصُّ بِهِ هَهُنا بَلَدٌ سِوى سائِرِ البُلْدانِ. (p-٣٤٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى﴾، أيْ: ”مِثْلَ ذَلِكَ الإخْراجِ الَّذِي أشَرْنا إلَيْهِ نُخْرِجُ المَوْتى“ . وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، ”لَعَلَّ“: تَرَجٍّ، وإنَّما خُوطِبَ العِبادُ عَلى قَدْرِ عِلْمِهِمْ، وما يَرْجُوهُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، واللَّهُ يَعْلَمُ أيَتَذَكَّرُونَ أمْ لا. وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: لَعَلَّكم بِما بَيَّنّاهُ لَكم تَسْتَدِلُّونَ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وأنَّهُ يَبْعَثُ المَوْتى.

الأعراف 7:58

وَقَوْلُهُ: ﴿والبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإذْنِ رَبِّهِ والَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إلا نَكِدًا﴾، وقَرَأها أهْلُ المَدِينَةِ: ”نَكَدًا“، بِفَتْحِ الكافِ، ويَجُوزُ فِيهِ وجْهانِ آخَرانِ: ”إلّا نَكْدًا“، و”نُكْدًا“، بِضَمِّ النُّونِ، وإسْكانِ الكافِ، ولا يُقْرَأُ بِالمَضْمُومَةِ، لِأنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ بِهِ رِوايَةٌ في القُرْآنِ.

الأعراف 7:60

وَقَوْلُهُ ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِهِ﴾، وهُمُ الرُّؤَساءُ، والأشْرافُ، وقالَ بَعْضُهم: يُعْنى بِهِ الرِّجالُ، - وقَدْ بَيَّنّا ”اَلْمَلَأُ“، فِيما سَبَقَ مِنَ الكِتابِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أوَعَجِبْتُمْ أنْ جاءَكم ذِكْرٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٦٣]، هَذِهِ الواوُ واوُ العَطْفِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، فَبَقِيَتْ مَفْتُوحَةً، وقَدْ بَيَّنّا أمْرَها في الكِتابِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الفُلْكِ﴾ [الأعراف: ٦٤]، و”اَلْفُلْكُ“: اَلسَّفِينَةُ، يَكُونُ ”اَلْفُلْكُ“، واحِدًا، ويَكُونُ جَمْعًا. (p-٣٤٧)وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْمًا عَمِينَ﴾ [الأعراف: ٦٤]، أيْ: قَدْ عَمُوا عَنِ الحَقِّ، والإيمانِ.

الأعراف 7:65

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، اَلْمَعْنى: ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ، وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا“، وقِيلَ لِلْأنْبِياءِ ”أخُوهم“، وإنْ كانُوا كَفَرَةَ، يَعْنِي بِهِ أنَّهُ قَدْ أتاهم بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، مِن ولَدِ أبِيهِمْ آدَمَ، وهو أرْجَحُ عَلَيْهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أخاهم“، لِأنَّهُ مِن قَوْمِهِمْ لِيَكُونَ أفْهَمَ لَهم بِأنْ يَأْخُذُوا عَنْ رَجُلٍ مِنهم.

الأعراف 7:66

وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَنَراكَ في سَفاهَةٍ﴾، ”اَلسَّفاهَةُ“: خِفَّةُ الحِلْمِ والرَّأْيِ، يُقالُ: ”ثَوْبٌ سَفِيهٌ“، إذا كانَ خَفِيفًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، وكَفَرُوا بِهِ ظانِّينَ، لا مُسْتَيْقِنِينَ.

الأعراف 7:67

وَقَوْلُهُ: ﴿يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ﴾، هَذا مَوْضِعُ أدَبٍ لِلْخَلْقِ في حُسْنِ الحِوارِ، وفي المُخاطَبَةِ، أنَّهُ دَفَعَ ما نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنَ السَّفاهَةِ، بِأنْ قالَ: ”لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ“، فَدَفَعَهم بِنَفْيِ ما قالُوا فَقَطْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، أيْ: اَلَّذِي أُنْبِئُكم بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَةِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - وتَوْحِيدِهِ.

الأعراف 7:69

وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾، و”خُلَفاءُ“، جَمْعُ ”خَلِيفَةٌ“، عَلى التَّذْكِيرِ، لا عَلى اللَّفْظِ، مِثْلَ: ”ظَرِيفٌ“، و”ظُرَفاءُ“ . (p-٣٤٨)وَجائِزٌ أنْ يُجْمَعَ ”خَلائِفُ“، عَلى اللَّفْظِ، مَثْلَ: ”طَرِيفَةٌ“، و”طَرائِفُ“ . وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَزادَكم في الخَلْقِ بَسْطَةً﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ أقْصَرُهم طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، وأطْوَلُهم مِائَةُ ذِراعٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: ”نِعَمَ اللَّهِ“، واحِدُها ”إلًى“، قالَ الشّاعِرُ: ؎أبْيَضُ لا يَرْهَبُ الهُزالَ ولا ∗∗∗ يَقْطَعُ رِحْمًا ولا يَخُونُ إلّا وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُها ”إلْيٌ“، و”إلًى“ .

الأعراف 7:73

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾، أيْ: أرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا، و”ثَمُودُ“، في كِتابِ اللَّهِ مَصْرُوفٌ، وغَيْرُ مَصْرُوفٍ، فَأمّا المَصْرُوفُ فَقَوْلُهُ: ”ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِّثَمُودَ“، اَلثّانِي غَيْرُ مَصْرُوفٍ، فالَّذِي صَرَفَهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ، فَيَكُونُ مُذَكَّرًا، سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ، ومَن لَمْ يَصْرِفْهُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْقَبِيلَةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وتُقْرَأُ: ”غَيْرِهِ“، فَمَن رَفَعَ فالمَعْنى: ”ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ“، ودَخَلَتْ ”مِن“ مُؤَكِّدَةً، ومَن جَرَّ جَعَلَهُ صِفَةً لِـ ”إلَهٍ“، وأجازَ بَعْضُهُمُ النَّصْبَ في ”غَيْرُ“، وهو جائِزٌ في غَيْرِ القُرْآنِ، عَلى النَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وعَلى الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ، لِأنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، وأجازَ الفَرّاءُ ”ما جاءَنِي غَيْرَكَ“، بِنَصْبِ ”غَيْرَ“، وهَذا خَطَأٌ (p-٣٤٩)بَيِّنٌ، إنَّما أنْشَدَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ بَيْتًا أجازا فِيهِ نَصْبَ ”غَيْرَ“، فاسْتَشْهَدَ هو بِذَلِكَ البَيْتِ، واسْتَهْواهُ اللَّفْظُ في قَوْلِهِما: إنَّ المَوْضِعَ مَوْضِعُ رَفْعٍ، وإنَّما أُضِيفَتْ ”غَيْرَ“، في البَيْتِ إلى شَيْءٍ غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، فَبُنِيَتْ عَلى الفَتْحِ، كَما يُبْنى ”يَوْمَ“، إذا أُضِيفَ إلى ”إذٍ“، عَلى الفَتْحِ، والبَيْتُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ وَأكْثَرُهم يُنْشِدُهُ ”غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ“، فَلَمّا أضافَ ”غَيْرَ“ إلى ”أنْ“، فَتَحَ ”غَيْرَ“، ولَوْ قُلْتَ: ما جاءَنِي غَيْرَكَ ”، لَمْ يَجُزْ، ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ“ ما جاءَنِي زَيْدًا ”. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، دَعاهم إلى التَّوْحِيدِ، ودَلَّهم عَلى نُبُوتِهِ بِالنّاقَةِ، فَقالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾،“ آيَةً ”، اِنْتَصَبَ عَلى الحالِ، أيْ:“ اُنْظُرُوا إلى هَذِهِ النّاقَةِ آيَةً "، أيْ: عَلامَةً، وقَدِ اخْتُلِفَ في خَبَرِها، فَقِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: إنَّ المَلَأ مِن قَوْمِ صالِحٍ كانُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَسَألُوهُ آيَةً، وكانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَفاةٌ - وهي الصَّخْرَةُ -، فَأخْرَجَ اللَّهُ مِنها ناقَةً، مَعَها سَقْبُها، أيْ: ولَدُها، وجاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ أخَذَ ناقَةً مِن سائِرِ النُّوقِ، وجَعَلَ اللَّهُ لَها (p-٣٥٠)شِرْبًا يَوْمًا، ولَهم شِرْبُ يَوْمٍ، وذُكِرَتْ قِصَّتُهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ ولَكم شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥]، فَكانَتْ تَشْرَبُ يَوْمًا، ثُمَّ تُفْحِجُ يَوْمًا آخَرَ في وادٍ، فَلا تَزالُ تُحْتَلَبُ، ولا يَنْقَطِعُ حَلْبُها ذَلِكَ اليَوْمَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أمْرُ خُرُوجِها مِنَ الصَّخْرَةِ صَحِيحًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أمْرُ حَلْبِها صَحِيحًا، وكُلٌّ مِنهُما آيَةٌ مُعْجِزَةٌ تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الرِّوايَتانِ صَحِيحَتَيْنِ، فَيُجْمَعَ أنَّها خَرَجَتْ مِن صَخْرَةٍ، وأنَّ حَلْبَها عَلى ما ذَكَرْنا، ولَمْ يَكُنْ لِيَقُولَ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، فَتَكُونَ آيَةً فِيها لَبْسٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ عادٍ﴾ [الأعراف: ٧٤]، أيْ: لَمّا أهْلَكَهُمْ، ووَرَّثَكُمُ الأرْضَ، ﴿وَبَوَّأكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ٧٤]، أيْ: أنْزَلَكُمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَبُوِّئَتْ في صَمِيمِ مَعْشَرِها ∗∗∗ وتَمَّ في قَوْمِها مُبَوَّؤُها أيْ: أُنْزِلَتْ مِنَ الكَرَمِ في صَمِيمِ النَّسَبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبالِ﴾ [الشعراء: ١٤٩]، يُقالُ: ”نَحَتَ، يَنْحِتُ“، ويُقالُ أيْضًا: ”نَحَتَ، يَنْحَتُ“، لِأنَّ فِيهِ حَرْفًا مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، ويُرْوى أنَّهم لِطُولِ أعْمارِهِمْ كانُوا يَحْتاجُونَ أنْ يَنْحِتُوا بُيُوتًا في الجِبالِ، (p-٣٥١)لِأنَّ السُّقُوفَ والأبْنِيَةَ كانَتْ تَبْلى قَبْلَ فَناءِ أعْمارِهِمْ.

الأعراف 7:77

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَتَوْا عَنْ أمْرِ رَبِّهِمْ﴾، أيْ: جاوَزُوا المِقْدارَ في الكُفْرِ، ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨]، و”اَلرَّجْفَةُ“: اَلزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، ويُرْوى أنَّهُ لَمّا قالَ لَهم: ﴿تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥]، أصْبَحُوا في أوَّلِ يَوْمٍ مُصْفَرَّةً وُجُوهُهُمْ، وفي اليَوْمِ الثّانِي مُحَمَّرَةً وُجُوهُهُمْ، وفي اليَوْمِ الثّالِثِ مُسْوَدَّةً وُجُوهُهُمْ، وفي اليَوْمِ الرّابِعِ أتاهُمُ العَذابُ، ويُقالُ: إنَّ ابْتِداءَ عَقْرِهِمُ النّاقَةَ كانَ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ، وأخَذَهُمُ العَذابُ في يَوْمِ السَّبْتَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا نادِمِينَ﴾ [الشعراء: ١٥٧]، أيْ: في وقْتٍ لا يَنْفَعُهُمُ النَّدَمُ، و”فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ“، في اليَوْمِ الَّذِي أخَذَتْهم فِيهِ الرَّجْفَةُ، ومَعْنى ”جاثِمِينَ“: قَدْ خَمَدُوا مِن شِدَّةِ العَذابِ، وقالَ بَعْضُهم: أصْبَحُوا كالرَّمادِ الجاثِمِ.

الأعراف 7:80

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾، أيْ: وأرْسَلْنا لُوطًا، إذْ قالَ لِقَوْمِهِ، وقالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى ”واذْكُرْ لُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ“، والوَجْهُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الإرْسالِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”لُوطٌ“: مُشْتَقٌّ مِن ”لِطْتُ الحَوْضَ“، إذا مَلَّسْتُهُ بِالطِّينِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ ”لُوطًا“، مِنَ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، لَيْسَ مِنَ العَرَبِيَّةِ، فَأمّا ”لِطْتُ (p-٣٥٢)الحَوْضَ“، و”هَذا ألْوَطُ بِقَلْبِي مِن هَذا“، فَمَعْناهُ ”ألْصَقُ بِقَلْبِي“، و”اَللِّيطُ“: اَلْقِشْرُ، وهَذا صَحِيحٌ في اللُّغَةِ، ولَكِنَّ الِاسْمَ أعْجَمِيٌّ كَـ ”إبْراهِيمَ“، و”إسْحاقَ“، لا نَقُولُ: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن ”اَلسُّحْقُ“، وهو البُعْدُ، وهو كِتابُ اللَّهِ الَّذِي لا يَنْبَغِي أنْ يُقْدَمَ عَلى تَفْسِيرِهِ إلّا بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ، وحُجَّةٍ واضِحَةٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾، هَذا دَلِيلٌ أنَّ فاحِشَةَ اللِّواطِ لَمْ يَفْعَلْها أحَدٌ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في حَدِّ اللُّوطِيِّ، فَقالَ بَعْضُهم: هو كالزّانِي، ورُوِيَ أنَّ أبا بَكْرٍ حَرَقَ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ”اَلْفُجاءَةُ“، بِالنّارِ، في اللِّواطِ، وقالَ بَعْضُهم: يَجِبُ أنْ يُقْتَلَ، مُحْصَنًا أوْ غَيْرَ مُحْصَنٍ، لِأنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - قَتَلَ فاعِلِيهِ بِالحِجارَةِ، فَخاطَبَهم لُوطٌ فَقالَ: ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨]، و”اَلْفاحِشَةُ“: اَلشَّيْءُ الغَلِيظُ القَبِيحُ.

الأعراف 7:82

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهُمْ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”جَوابَ“، مَرْفُوعًا: ”وَما كانَ جَوابُ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا“، والأجْوَدُ النَّصْبُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ. (p-٣٥٣)﴿إلا أنْ قالُوا أخْرِجُوهم مِن قَرْيَتِكم إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، أيْ: يَتَطَهَّرُونَ عَنْ عَمَلِكم.

الأعراف 7:83

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأهْلَهُ﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّ أهْلَهُ: اِبْنَتاهُ، ﴿إلا امْرَأتَهُ كانَتْ مِنَ الغابِرِينَ﴾، قِيلَ في ”اَلْغابِرِينَ“، هَهُنا، قَوْلانِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”مِنَ الغابِرِينَ“: مِنَ الباقِينَ، أيْ: مِنَ الباقِينَ في المَوْضِعِ الَّذِي عُذِّبُوا فِيهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ مُعَمَّرُ بْنُ المُثَنّى: ؎فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ ∗∗∗ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ أيْ: ما بَقِيَ، وقالَ بَعْضُهم: ”مِنَ الغابِرِينَ“، أيْ: مِنَ الغائِبِينَ عَنِ النَّجاةِ، وكِلاهُما وجْهٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الأعراف 7:85

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾، ”مَدْيَنُ“، لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ، أوِ البَلْدَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ﴾، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: لَمْ يَكُنْ لِشُعَيْبٍ آيَةٌ إلّا النُّبُوَّةُ، وهَذا غَلَطٌ فاحِشٌ، قالَ: ”قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ“، فَجاءَ بِالفاءِ جَوابًا لِلْجَزاءِ، فَكَيْفَ يَقُولُ: ”﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾“، ولَمْ يَكُنْ لَهُ آيَةٌ إلّا النُّبُوَّةُ، فَإنْ كانَ مَعَ النُّبُوَّةِ آيَةٌ فَقَدْ جاءَهم بِها، وقَدْ أخْطَأ القائِلُ بِقَوْلِهِ: ”لَمْ تَكُنْ لَهُ آيَةٌ“، ولَوِ ادَّعى مُدَّعٍ النُّبُوَّةَ بِغَيْرِ آيَةٍ لَمْ تُقْبَلْ مِنهُ، ولَكِنَّ القَوْلَ في شُعَيْبٍ أنَّ آيَتَهُ - كَما قالَ - بَيِّنَةٌ، (p-٣٥٤)إلّا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ذَكَرَ بَعْضَ آياتِ الأنْبِياءِ في القُرْآنِ، وبَعْضُهم لَمْ يَذْكُرْ آيَتَهُ، فَمَن لَمْ تُذْكَرْ آيَتُهُ لا يُقالُ: ”لا آيَةَ لَهُ“، وآياتُ مُحَمَّدٍ النَّبِيٍّ ﷺ لَمْ تُذْكَرْ كُلُّها في القُرْآنِ، ولا أكْثَرُها. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾، ”اَلْبَخْسُ“: اَلنَّقْصُ، والقِلَّةُ، يُقالُ: ”بَخَسْتُ، أبْخَسُ“، بِالسِّينِ، و”بَخَصْتُ عَيْنَهُ“، بِالصّادِ، لا غَيْرُ، مِثْلَ ”فَقَأْتُ عَيْنَيْهِ“، ﴿وَلا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها﴾، أيْ: لا تَعْمَلُوا فِيها بِالمَعاصِي، وبَخْسِ النّاسِ، بَعْدَ أنْ أصْلَحَها اللَّهُ بِالأمْرِ بِالعَدْلِ، وإرْسالِ الرُّسُلِ.

الأعراف 7:86

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾، أيْ: بِكُلِّ طَرِيقٍ، ومَعْنى ”تُوعِدُونَ“، أيْ: تُوعِدُونَ مَن آمَنَ بِشُعَيْبٍ بِالعَذابِ، والتَّهَدُّدِ، يُقالُ: ”وَعَدْتُهُ خَيْرًا“، و”وَعَدْتُهُ شَرًّا“، فَإذا لَمْ تَذْكُرْ واحِدًا مِنهُما قُلْتَ في الخَيْرِ: ”وَعَدْتُهُ“، وفي الشَّرِّ: ”أوْعَدْتُهُ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: عَنِ الطَّرِيقِ الَّتِي آمَنَ اللَّهُ مَن آمَنَ بِها، ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجًا﴾، أيْ: وتُرِيدُونَ الِاعْوِجاجَ والعُدُولَ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ في الدِّينِ، وفِيما يُعْلَمُ، إذا كانَ عَلى غَيْرِ اسْتِواءٍ: ”عِوَجٌ“، بِكَسْرِ العَيْنِ، وفي الحائِطِ والعُودِ: ”عَوَجٌ“، بِفَتْحِ العَيْنِ. (p-٣٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلا فَكَثَّرَكُمْ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَكَثَّرَكم“: جَعَلَكم أغْنِياءَ بَعْدَ أنْ كُنْتُمْ فُقَراءَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كانَ عَدَدُهم قَلِيلًا فَكَثَّرَهُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا غَيْرَ ذَوِي مَقْدِرَةٍ وأقْدارٍ، فَكَثَّرَهُمْ، إلّا أنَّهُ ذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ: ﴿فاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٤]، أيْ: نِعَمَ اللَّهِ.

الأعراف 7:88

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ المَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِن قَرْيَتِنا أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا﴾، اَلْمَعْنى: ”لَيَكُونَنَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ“، ولا تُقارُّ عَلى مُخالَفَتِنا. وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾، أيْ: أتُعِيدُونَنا في مِلَّتِكم وإنْ كَرِهْناها. فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالُوا لِشُعَيْبٍ: ”أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا“، وشُعَيْبٌ نَبِيٌّ؟ فَفِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: لَمّا أشْرَكُوا - الَّذِينَ كانُوا عَلى مِلَّتِهِمْ - قالُوا: أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنا، وجائِزٌ أنْ يُقالَ: ”قَدْ عادَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ“، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَهُ مَكْرُوهٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ: ”إنَّهُ قَدْ لَحِقَنِي مِنهُ مَكْرُوهٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٨٩]، اِخْتَلَفَ النّاسُ في تَأْوِيلِ هَذا، فَأوْلى التَّأْوِيلاتِ بِاللَّفْظِ أنْ يَكُونَ:“ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ غَيْرُ ما يَشاءُ اللَّهُ ”، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما تَشاءُونَ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، و“ اَلْمَشِيئَةُ ”، في اللُّغَةِ، بَيِّنَةٌ، لا تَحْتاجُ إلى تَأْوِيلٍ. (p-٣٥٦)فالمَعْنى:“ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ سَبَقَ في عِلْمِهِ ومَشِيئَتِهِ أنّا نَعُودُ فِيها ”، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]، ثُمَّ قالَ: ﴿عَلى اللَّهِ تَوَكَّلْنا﴾ [الأعراف: ٨٩]، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [هود: ٨٨]، وقالَ قَوْمٌ:“ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ”، أيْ: فاللَّهُ لا يَشاءُ الكُفْرَ، قالُوا: هَذا مِثْلُ قَوْلِكَ:“ لا أُكَلِّمُكَ حَتّى يَبْيَضَّ القارُ، ويَشِيبَ الغُرابُ ”، والقارُ لا يَبْيَضُّ، والغُرابُ لا يَشِيبُ، قالُوا: فَكَذَلِكَ تَأْوِيلُ الآيَةِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وهَذا خَطَأٌ لِمُخالَفَتِهِ أكْثَرَ مِن ألْفِ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ لا تَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ، ولا يَحْدُثُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ، وعَنْ عِلْمِهِ، إمّا أنْ يَكُونَ عِلْمُهُ حادِثًا فَشاءَهُ حادِثًا، أوْ عِلْمُهُ غَيْرَ حادِثٍ فَشاءَهُ غَيْرَ حادِثٍ، ولا يَجُوزُ لِما مُكِّنَ الخَلْقُ مِنَ التَّصَرُّفِ أنْ يُحْدِثَ المُمْتَنِعَ مَوْجُودًا، ولا يَكُونُ ما عِلْمُهُ أنَّهُ يُوجَدُ مُمْتَنِعًا، وسُنَّةُ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَشْهَدُ بِذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - غَيَّبَ عَنِ الخَلْقِ عِلْمَهُ فِيهِمْ، ومَشِيئَتَهُ مِن أعْمالِهِمْ، فَأمَرَهُمْ، ونَهاهُمْ، لِأنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَثْبُتُ مِن جِهَةِ الأمْرِ، والنَّهْيِ، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ عَلى ما سَبَقَ في العِلْمِ، وجَرَتْ بِهِ المَشِيئَةُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلا يَعْلَمُها﴾ [الأنعام: ٥٩]، اَلْآيَةَ، فَسُقُوطُ الوَرَقَةِ مَنسُوبٌ إلَيْها، وهو خَلَقَهُ فِيها كَما خَلَقَها، وكَذَلِكَ إلى آخِرِ الآيَةِ. (p-٣٥٧)وَقالَ: ﴿يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكم فاحْذَرُوهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، وما في النُّفُوسِ مِنَ الخَواطِرِ الجائِلَةِ، والهَمِّ الجائِلِ، والعَزْمِ الجائِلِ فِيها، فَلا يَجُوزُ عَدَمُ ما عَلِمَهُ كائِنًا فِيها، ولا يَجُوزُ كَوْنُ ما عَلِمَهُ مَعْدُومًا، فَحَذَّرَهم مُخالَفَةَ ظاهِرِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ، لِأنَّ عَلَيْهِمُ السَّمْعَ والطّاعَةَ لِلْأمْرِ إذا أُمِرُوا بِهِ، وهم جارُونَ عَلى ما عَلِمَ مِنهم أنَّهم يَخْتارُونَ الطّاعَةَ، ويَخْتارُونَ المَعْصِيَةَ، فَلا سَبِيلَ إلى أنْ يَخْتارُوا خِلافَ ما عَلِمَ أنَّهم يَخْتارُونَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ عَلى ما قُلْنا وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: عِلْمُ اللَّهُ أفْعالَ العِبادِ قَبْلَ كَوْنِها، إنَّما هو عِلْمُ مَجازٍ، لا عِلْمَ حَقِيقَةٍ، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ عَلى حَقِيقَةٍ، لا مَجازٍ، والحَمْدُ لِلَّهِ، وقالَ قَوْمٌ - وهو بَعْدَ القَوْلِ الأوَّلِ قَرِيبٌ -: إنَّ المَعْنى:“ وما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ فِيها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا ”، أيْ: قَدْ تَبَرَّأْنا مِن جَمِيعِ مِلَّتِكُمْ، فَما يَكُونُ لَنا أنْ نَعُودَ في شَيْءٍ مِنها إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ وجْهًا مِن وُجُوهِ البِرِّ الَّذِي تَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ، فَيَأْمُرَنا بِهِ، فَنَكُونَ بِهَذا قَدْ عُدْنا، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي عِنْدِي - وهو إنْ شاءَ اللَّهُ الحَقُّ - القَوْلُ الأوَّلُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿بَعْدَ إذْ نَجّانا اللَّهُ مِنها﴾ [الأعراف: ٨٩]، إنَّما هو النَّجاةُ مِنَ الكُفْرِ، وأعْمالِ المَعاصِي، لا مِن أعْمالِ البِرِّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأعراف: ٨٩]،“ عِلْمًا ”، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ. وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أهْلُ عُمانَ يُسَمُّونَ القاضِي“ اَلْفاتِحَ ”، و“ اَلْفَتّاحَ ”. (p-٣٥٨)وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ“ ﴿افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩] "، أيْ: أظْهِرْ أمْرَنا حَتّى يَنْفَتِحَ ما بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا ويَنْكَشِفَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَسْألُونَ بِهَذا أنْ يَنْزِلَ بِقَوْمِهِمْ مِنَ العَذابِ والهَلَكَةِ ما يُظْهِرُ بِهِ أنَّ الحَقَّ مَعَهم.

الأعراف 7:91

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، هي الزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَأصْبَحُوا في دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾، أيْ: أجْسامًا مُلْقاةً في الأرْضِ، كالرَّمادِ الجاثِمِ.

الأعراف 7:92

وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيها، قالَ الأصْمَعِيُّ: ”اَلْمَغانِي“: اَلْمَنازِلُ الَّتِي نَزَلُوا بِها، يُقالُ: ”غَنِينا بِمَكانِ كَذا وكَذا“، أيْ: نَزَلْنا بِهِ، ويَكُونُ ”كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها“، كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا، كَأنْ لَمْ يَعِيشُوا فِيها مُسْتَغْنِينَ، كَما قالَ حاتِمُ طَيِّئٍ: ؎غَنِينا زَمانًا بِالتَّصَعْلُكِ والغِنى ∗∗∗ فَكُلًّا سَقاناهُ بِكَأْسَيْهِما الدَّهْرُ ؎فَما زادَنا بَغْيًا عَلى ذِي قَرابَةٍ ∗∗∗ غِنانا ولا أزْرى بِأحْسابِنا الفَقْرُ والعَرَبُ تَقُولُ لِلْفَقِيرِ: ”اَلصُّعْلُوكُ“ .

الأعراف 7:93

وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾، أيْ: حِينَ نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ تَوَلّى عَنْهُمْ، ﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالاتِ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكم فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، (p-٣٥٩)مَعْنى ”آسى“: أحْزَنُ، أيْ: كَيْفَ يَشْتَدُّ حُزْنِي؟ يُقالُ: ”أسِيتُ عَلى الشَّيْءِ، آسى، أسًى“، إذا اشْتَدَّ حُزْنُكَ عَلَيْهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وانْحَلَبَتْ عَيْناهُ مِن فَرْطِ الأسى

الأعراف 7:94

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ﴾، يُقالُ لِكُلِّ مَدِينَةٍ: ”قَرْيَةٌ“، وإنَّما سُمِّيَتْ بِأنَّهُ يَجْتَمِعُ فِيها النّاسُ، يُقالُ: ”قَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ“، إذا جَمَعْتُهُ فِيهِ، فَسُمِّيَتْ ”قَرْيَةً“، لِاجْتِماعِ النّاسِ فِيها، و”مَكَةُ“، أُمُّ القُرى، لِأنَّ أهْلَ القُرى يَؤُمُّونَها، أيْ: يَقْصِدُونَها. وَقَوْلُهُ: ﴿إلا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾، قِيلَ: ”اَلْبَأْساءُ“: كُلُّ ما نالَهم مِن شِدَّةٍ في أمْوالِهِمْ، و”اَلضَّرّاءُ“: ما نالَهم مِنَ الأمْراضِ، وقِيلَ: ”اَلضَّرّاءُ“: ما نالَهم في الأمْوالِ، و”اَلْبَأْساءُ“: ما نالَهم في أنْفُسِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾، أيْ: يَخْضَعُونَ، والأصْلُ ”يَتَضَرَّعُونَ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الضّادِ.

الأعراف 7:95

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا﴾، أيْ: كَثُرُوا، وكَثُرَتْ أمْوالُهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾، فَأخَذَهُمُ اللَّهُ لِيَعْتَبِرُوا، ويُقْلِعُوا عَنِ الكُفْرِ، وتَكْذِيبِ الأنْبِياءِ، فَقالُوا: مَسَّ (p-٣٦٠)آباءَنا مِثْلُ هَذا، أيْ: قَدْ جَرَتْ عادَةُ الزَّمانِ بِهَذا، ولَيْسَتْ هَذِهِ عُقُوبَةً، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَأوُّلَهم بِخَطَئِهِمْ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّ الأُمَمَ قَدْ أُهْلِكَتْ بِكُفْرِهِمْ قَبْلَهُمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾، فَهَذا ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عَنِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، لِتَعْتَبِرَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقالَ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]، أيْ: أتاهُمُ الغَيْثُ مِنَ السَّماءِ، والنَّباتُ مِنَ الأرْضِ، وجَعَلَ ذَلِكَ زاكِيًا كَثِيرًا.

الأعراف 7:97

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾، أيْ: لَيْلًا، أيْ: ”أفَأمِنتِ الأُمَّةُ الَّتِي كَذَّبَتِ النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا؟! أيْ: لَيْلًا، ﴿وَهم نائِمُونَ﴾، يُقالُ:“ نامَ الرَّجُلُ، يَنامُ، نَوْمًا، فَهو نائِمٌ، وهو حَسَنُ النِّيمَةِ ”، و“ رَجُلٌ نُومَةٌ ”، إذا كانَ خَسِيسًا، لا يُؤْبَهُ لَهُ، و“ رَجُلٌ نُوَمَةٌ ”، إذا كانَ كَثِيرَ النَّوْمِ، و“ فُلانٌ حَسَنُ النِّيمَةِ ”، أيْ: حَسَنُ هَيْئَةِ النَّوْمِ، و“ اَلنِّيمُ ”: اَلْفَرْوُ، والفاءُ في قَوْلِهِ:“ أفَأمِنَ " .

الأعراف 7:98

والواوُ في قَوْلِهِ: ”أوَ أمِنَ“، فُتِحَتْ لِأنَّها واوُ عَطْفٍ، وفاءُ عَطْفٍ، دَخَلَتْ عَلَيْها ألِفُ الِاسْتِفْهامِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم يَلْعَبُونَ﴾، يُقالُ لِكُلِّ مَن كانَ في شَيْءٍ لا يُجْدِي، أوْ في ضَلالٍ: ”إنَّما أنْتَ لاعِبٌ“، وإنَّما قِيلَ لَهم: ”ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ“، أيْ: وهم في غَيْرِ ما يُجْدِي عَلَيْهِمْ.

الأعراف 7:99

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾، أيْ: وأمِنُوا عَذابَ اللَّهِ أنْ يَأْتِيَهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ؟! (p-٣٦١)وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، وتُقْرَأُ ”نَهْدِ“، بِالنُّونِ، فَمَن قَرَأ: ”نَهْدِ“، بِالنُّونِ، فَمَعْناهُ: ”أوَلَمْ نُبَيِّنْ“، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”هَدَيْتُهُ الطَّرِيقَ“، مَعْناهُ: ”بَيَّنْتُ لَهُ الطَّرِيقَ“، ومَن قَرَأ بِالياءِ، كانَ المَعْنى: ”أوَلَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ لَهم أنَّهُ لَوْ يَشاءُ أصابَهم بِذُنُوبِهِمْ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠]، لَيْسَ بِمَحْمُولٍ عَلى ”أصَبْناهم“، اَلْمَعْنى: ”وَنَحْنُ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ“، لِأنَّهُ لَوْ حُمِلَ عَلى ”أصَبْناهم“، لَكانَ ”وَلَطَبَعْنا“، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الماضِي، وفي مَعْناهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الماضِي، ولَفْظُهُ لَفْظُ المُسْتَقْبَلِ، كَما أنَّ ”لَوْ نَشاءَ“، مَعْناهُ: ”لَوْ شِئْنا“ .

الأعراف 7:101

وَقَوْلُهُ ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، وهَذا إخْبارٌ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، وكَما قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، فَهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ. (p-٣٦٢)وَقالَ قَوْمٌ: ”فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ“، أيْ: لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِتَكْذِيبِهِمْ، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهم قَدْ طُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، ومَوْضِعُ الكافِ في ”كَذَلِكَ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ يَطْبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ“ .

الأعراف 7:102

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾، هَذِهِ ”إنْ“، تَدْخُلُ واللّامُ عَلى مَعْنى التَّوْكِيدِ، واليَمِينِ، وتَدْخُلُ عَلى الأخْبارِ، تَقُولُ: ”إنْ ظَنَنْتُ زَيْدًا لَقائِمًا“ . وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ [الأعراف: ١٠٣]، أيْ: بِالآياتِ الَّتِي جاءَتْهُمْ، لِأنَّهم إذا جاءَتْهُمُ الآياتُ فَكَفَرُوا بِها، فَقَدَ ظَلَمُوا أبْيَنَ الظُّلْمِ، لِأنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَجَعَلُوا بَدَلَ وُجُوبِ الإيمانِ بِها الكُفْرَ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ”فَظَلَمُوا بِها“ .

الأعراف 7:105

وَقَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ﴾، وتُقْرَأُ: ”حَقِيقٌ عَلَيَّ ألّا أقُولَ“، ومَن قَرَأ: ”حَقِيقٌ عَلَيَّ ألّا أقُولَ“، فالمَعْنى: واجِبٌ عَلَيَّ تَرْكُ القَوْلِ عَلى اللَّهِ إلّا بِالحَقِّ.

الأعراف 7:106

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، قَدْ أوْجَبَ فِرْعَوْنُ أنَّهُ لَيْسَ بِآيَةٍ كَما ادَّعى، لِأنَّهُ قَدْ أوْجَبَ لَهُ الصِّدْقَ إنْ أتى بِآيَةٍ يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ.

الأعراف 7:107

وَقَوْلُهُ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، (p-٣٦٣)إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”عَصاهُو“، بِالواوِ، والأجْوَدُ حَذْفُها، أعْنِي الواوَ، لِسُكُونِها، وسُكُونِ الألِفِ، والهاءُ لَيْسَتْ بِحاجِزٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: ”اَلثُّعْبانُ“: اَلْحَيَّةُ، وقالَ غَيْرُهُ: الحَيَّةُ الذَّكَرُ، وقالَ اللَّهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ [طه: ٢٠]، ومَعْنى ”مُبِينٌ“، أيْ: مُبِينٌ أنَّها حَيَّةٌ.

الأعراف 7:108

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، مَعْنى ”نَزَعَ يَدَهُ“: أظْهَرَها، وأبانَها، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾ [النمل: ١٢]، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، فَهَذا دَلِيلٌ أنَّ مَعْنى نَزْعِ يَدِهِ إخْراجُها مِن جَيْبِهِ، وإخْراجُها مِن جَناحِهِ، و”جَناحُ الرَّجُلِ“: عَضُدُهُ، وقِيلَ: ”جَناحُ الرَّجُلِ“: عِطْفُهُ، وتَأْوِيلُ الجَناحَيْنِ مِنَ الإنْسانِ أنَّهُما كالجَناحَيْنِ مِنَ الطّائِرِ، وهُما العَضُدانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، أيْ: تَخْرُجْ لَوْنُها أبْيَضُ حُورِيًّا، (p-٣٦٤)وَكانَ مُوسى فِيما يُرْوى آدَمَ، ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢]، أيْ: تَخْرُجُ بَيْضاءَ بَياضًا لَيْسَ بِبَرَصٍ، بَياضًا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ آيَةٌ، وكانَتْ عَصا مُوسى إنَّما تَكُونُ حَيَّةً عِنْدَ إظْهارِها بِها الآيَةَ، ثُمَّ تَعُودُ عَصًا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ [طه: ٢١]

الأعراف 7:109

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، وفي هَذا المَوْضِعِ: ﴿قالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾، ”اَلْمَلَأُ“: هُمُ الوُجُوهُ، وذَوُو الرَّأْيِ، وإنَّما سُمُّوا ”مَلَأً“، لِأنَّهم مُلِئُوا بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهُمْ، وقُرِئَتْ: ”لَسَحّارٌ عَلِيمٌ“ .

الأعراف 7:110

﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكُمْ﴾، قالَ فِرْعَوْنُ مُجِيبًا لَهم: ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَماذا تَأْمُرُونَ“، مِن قَوْلِ المَلَإ، كَأنَّهم خاطَبُوا فِرْعَوْنَ ومَن يَخُصُّهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِفِرْعَوْنَ وحْدَهُ، لِأنَّهُ يُقالُ لِلرَّئِيسِ المُطاعِ: ”ما تَرَوْنَ في هَذا؟“، أيْ: ”ما تَرى أنْتَ وجُنْدُكَ؟“، و”ماذا“، يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”ماذا“، اِسْمًا واحِدًا، ويَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَكُونَ المَعْنى: ”أيَّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَ؟“، (p-٣٦٥)وَيَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”ذا“، في مَوْضِعِ ”اَلَّذِي“، وتَكُونَ ”ما“، في مَعْنى رَفْعٍ، ويَكُونَ المَعْنى: ”ما الَّذِي تَأْمُرُونَ؟“ .

الأعراف 7:111

وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾، تَفْسِيرُ ”أرْجِهْ“، أخِّرْهُ، ومَعْناهُ: ”أخِّرْ أمْرَهُ، ولا تُعَجِّلْ في أمْرِهِ بِحُكْمٍ، فَتَكُونَ عَجَلَتُكَ حُجَّةً عَلَيْكَ“، وفي قَوْلِهِ: ”أرْجِهْ“، ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، قَدْ قُرِئَ بِها، قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”أرْجِئْهُ وأخاهُ“، وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ القُرّاءِ: ”أرْجِهِ وأخاهُ“، وقَرَأ بَعْضُهم: ”أرْجِهْ وأخاهُ“، بِإسْكانِ الهاءِ، وفِيها أوْجُهٌ لا أعْلَمُها، قُرِئَ بِها، يَجُوزُ: ”أرْجِهُو وأخاهُ“، و”أرْجِهِي“، و”أرْجِئْهِي“، و”أرْجِهُو“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَأمّا مَن قَرَأ: ”أرْجِهْ“، بِإسْكانِ الهاءِ فَلا يَعْرِفُها الحُذّاقُ بِالنَّحْوِ، ويَزْعُمُونَ أنَّ هاءَ الإضْمارِ اسْمٌ لا يَجُوزُ إسْكانُها، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ إسْكانَها جائِزٌ، وقَدْ رُوِيَتْ لَعَمْرِي في القِراءَةِ، إلّا أنَّ التَّحْرِيكَ أكْثَرُ وأجْوَدُ، وزَعَمَ أيْضًا هَذا أنَّ هاءَ التَّأْنِيثِ يَجُوزُ إسْكانُها، وهَذا لا يَجُوزُ، واسْتَشْهَدَ في هَذا بِشِعْرٍ مَجْهُولٍ، قالَ: أنْشَدَنِي بَعْضُهم: ؎لَمّا رَأى أنْ لا دَعَهْ ولا شَبَعْ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ وَهَذا شِعْرٌ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ، ولا هو بِشَيْءٍ، ولَوْ قالَهُ شاعِرٌ مَذْكُورٌ لَقِيلَ: أخْطَأْتَ، لِأنَّ الشّاعِرَ قَدْ يَجُوزُ أنْ يُخْطِئَ. (p-٣٦٦)وَأنْشَدَ أيْضًا آخَرَ أجْهَلَ مِن هَذا، وهو قَوْلُهُ: ؎لَسْتُ إذَنْ لَزَغْبَلَهْ ∗∗∗ إنْ لَمْ أُغَيِّرْ بَكْلَتِي ؎إنْ لَمْ أُساوَ بِالطُوَلْ فَجَزَمَ الهاءَ في ”زَغْبَلَهْ“، وجَعَلَها هاءً، وإنَّما هي تاءٌ في الوَصْلِ، وهَذا مَذْهَبٌ لا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ.

الأعراف 7:112

وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾، و”سَحّارٍ“، جَمِيعًا، قَدْ قُرِئَ بِهِما. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ [الأعراف: ١١٤]، أيْ: لَكم مَعَ الأجْرِ المَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ عِنْدِي.

الأعراف 7:116

وَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾، أيْ: اِسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمْ، حَتّى رَهِبَهُمُ النّاسُ.

الأعراف 7:117

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾، و”تَلَقَّفُ“، مُخَفَّفَةً، ومُثَقَّلَةً، يُقالُ: ”لَقَفْتُ الشَّيْءَ، ألْقَفُهُ“، ومَعْنى قَوْلِهِ: ”يَأْفِكُونَ“: أيْ: يَأْتُونَ بِالإفْكِ، وهو الكَذِبُ، وذَلِكَ أنَّهم زَعَمُوا أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم حَيّاتٌ، فَكَذَبُوا في ذَلِكَ، وإنَّما قِيلَ: إنَّهم جَعَلُوا الزِّئْبَقَ، وصَوَّرُوها بِصُوَرِ الحَيّاتِ، فاضْطَرَبَ الزِّئْبَقُ، لِأنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ. وَقَوْلُهُ: ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦]، فَلَمّا ألْقى مُوسى عَصاهُ بَلَعَتْ عِصِيَّهُمْ، وحِبالَهُمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أنْتَ عَصا مُوسى الَّتِي لَمْ تَزَلْ ∗∗∗ تَلَقَّفُ ما يَأْفِكُهُ السّاحِرُ (p-٣٦٧)هَذا البَيْتُ أُنْشِدَ لِأبِي عُبَيْدَةَ، وزَعَمَ التَّوَّزِيُّ - صاحِبُ أبِي عُبَيْدَةَ - أنَّهُ لا يَعْرِفُهُ، وهو صَحِيحٌ في المَعْنى.

الأعراف 7:126

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا﴾، يُقالُ: ”نَقِمْتُ، أنْقِمُ“، و”نَقِمْتُ، أنْقَمُ“، اَلْأجْوَدُ: ”نَقَمْتُ أنْقِمُ“، والقِراءَةُ: ”وَما تَنْقِمُ“، وهي أفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾، أيْ، يَشْتَمِلُ عَلَيْنا.

الأعراف 7:127

وَقَوْلُهُ: ﴿أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإلاهَتَكَ“، ويَجُوزَ: ”وَيَذَرُكَ وآلِهَتَكَ“، فَمَن نَصَبَ ”وَيَذَرَكَ“، رَدَّهُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ بِالواوِ، المَعْنى: ”أيَكُونُ مِنكَ أنْ تَذَرَ مُوسى، وأنْ يَذَرَكَ؟“، ومَن قالَ: ”وَيَذَرُكَ“، جَعَلَهُ مُسْتَأْنَفًا، يَكُونُ المَعْنى: ”أتَذَرُ مُوسى وهو يَذَرُكَ وآلِهَتَكَ؟“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”أتَذَرُ“، فَيَكُونَ: ”أتَذَرُ مُوسى وأيَذَرُكَ مُوسى؟“، أيْ: ”أتُطْلِقُ هَذا لَهُ؟“، وأمّا مَن قَرَأ: ”وَآلِهَتَكَ“، فَإنَّ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ أصْنامٌ يَعْبُدُها قَوْمُهُ تَقَرُّبًا إلَيْهِ.

الأعراف 7:129

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾، ”عَسى“، طَمَعٌ، وإشْفاقٌ، إلّا أنَّ ما يَطْمَعُ اللَّهُ فِيهِ فَهو واجِبٌ، وهو مَعْنى قَوْلِ المُفَسِّرِينَ: إنَّ ”عَسى“، مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، ومَعْنى: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أيْ: يَرى ذَلِكَ بِوُقُوعٍ مِنكُمْ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - لا يُجازِيهِمْ عَلى ما يَعْلَمُهُ مِنهم مِن خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي يَعْلَمُ أنَّهم عامِلُوها لا مَحالَةَ، إنَّما يُجازِيهِمْ عَلى ما وقَعَ مِنهم.

الأعراف 7:130

(p-٣٦٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾، ”اَلسِّنِينَ“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلْجُدُوبُ، يُقالُ: مَسَّتْهُمُ السَّنَةُ، ومَعْناهُ: جَدْبُ السَّنَةِ، وشِدَّةُ السَّنَةِ، ونَقْصِ الثَّمَراتِ، ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾، إنَّما أُخِذُوا بِالضَّرّاءِ لِأنَّ أحْوالَ الشِّدَّةِ تُرِقُّ القُلُوبَ، وتُرَغِّبُ فِيما عِنْدَ اللَّهِ، وفي الرُّجُوعِ إلَيْهِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ وإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت: ٥١]

الأعراف 7:131

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ﴾، أيْ: إذا جاءَهُمُ الخِصْبُ قالُوا: أُعْطِينا هَذا بِاسْتِحْقاقٍ، ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾، أيْ: جَدْبٌ، أوْ ضُرٌّ، ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾، اَلْمَعْنى: يَتَطَيَّرُوا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، لِأنَّهُما مِن مَكانٍ واحِدٍ، مِن طَرْفِ اللِّسانِ، وأُصُولِ الثَّنايا، وتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿يَطَّيَّرُوا﴾ يَتَشاءَمُوا، وإنَّما قالَتِ العَرَبُ: ”اَلطِّيرَةُ“، و”يَتَطَيَّرُ“، فِيما يَكْرَهُونَ، عَلى ما اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ بَيْنَهُمْ، جَعَلُوا ذَلِكَ أمْرًا يَتَشاءَمُونَ بِهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ﴾، (p-٣٦٩)اَلْمَعْنى: ”ألا إنَّما الشُّؤْمُ الَّذِي يَلْحَقُهم هو الَّذِي وُعِدُوا بِهِ في الآخِرَةِ، لا ما يَنالُهم في الدُّنْيا“، وقالَ بَعْضُهم: ”طائِرُهم“: حَظُّهُمْ، والمَعْنى واحِدٌ.

الأعراف 7:132

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها﴾، زَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ أصْلَ ”مَهْما“: ”ما تَأْتِنا بِهِ“، ولَكِنْ أُبْدِلَ مِنَ الألِفِ الأُولى الهاءُ، لِيَخْتَلِفَ اللَّفْظُ، فَـ ”ما“، اَلْأُولى، هي ”ما“، اَلْجَزاءِ، و”ما“، اَلثّانِيَةُ، هي الَّتِي تُزادُ تَأْكِيدًا لِلْجَزاءِ، ودَلِيلُ النَّحْوِيِّينَ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِن حُرُوفِ الجَزاءِ إلّا و”ما“، تُزادُ فِيهِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧]، كَقَوْلِكَ: ”إنْ تَثْقَفْهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْهم“، وقَوْلِهِ: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ [الإسراء: ٢٨]، أيْضًا، وهَذا في كِتابِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وقالُوا: جائِزٌ أنْ تَكُونَ ”مَهْ“، بِمَعْنى الكَفِّ، كَما تَقُولُ: ”مَهْ“، أيْ: اُكْفُفْ، وتَكُونَ ”ما“، اَلثّانِيَةُ، لِلشَّرْطِ والجَزاءِ، كَأنَّهم قالُوا - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اُكْفُفْ ما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ...“، والتَّفْسِيرُ الأوَّلُ هو الكَلامُ، وعَلَيْهِ اسْتِعْمالُ النّاسِ، وهَذا لَيْسَ فِيما فِيهِ مِنَ التَّفْسِيرِ شَيْءٌ، لِأنَّهُ يُخِلُّ اخْتِلافُ هَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ بِمَعْنى الكَلامِ.

الأعراف 7:133

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ﴾، قالَ الأخْفَشُ: ”اَلطُّوفانُ“: جَمْعُ ”طُوفانَةٌ“، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّ الطُّوفانَ المَطَرُ الَّذِي يُغْرِقُ مِن كَثْرَتِهِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - في قِصَّةِ نُوحٍ: (p-٣٧٠)﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]، وقِيلَ: ”اَلطُّوفانُ“: اَلْمَوْتُ العَظِيمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿والقُمَّلَ﴾، قالَ فِيهِ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَنْمانُ، صِغارُ القِرْدانِ، واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: هي دَوابُّ أصْغَرُ مِنَ القَمْلِ، ﴿والدَّمَ﴾، قِيلَ: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - جَعَلَ ماءَهم دَمًا، فَكانَ الإسْرائِيلِيُّ يَسْتَقِي الماءَ عَذْبًا صافِيًا، فَإذا أخَذَهُ القِبْطِيُّ تَحَوَّلَ دَمًا صافِيًا. وَقَوْلُهُ: ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾، أيْ: إنَّ بَعْضَها مُنْفَصِلٌ مِن بَعْضٍ، ويُقالُ: إنَّهُ كانَ بَيْنَ الآيَةِ والآيَةِ ثَمانِيَةُ أيّامٍ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الضَّفادِعُ تَدْخُلُ في ثِيابِهِمْ، وفي طَعامِهِمْ، و”آياتٍ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهي: اَلْعَلاماتُ.

الأعراف 7:134

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾، و”اَلرِّجْزُ“: اِسْمٌ لِلْعَذابِ، ﴿قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، وكانُوا قَدْ أخَذُوا بَنِي إسْرائِيلَ بِالكَدِّ الشَّدِيدِ، حَتّى قالُوا لِمُوسى: ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩]، فَيُقالُ: إنَّهم كانُوا يَسْتَعْمِلُونَ بَنِي إسْرائِيلَ في تَلْبِينِ اللَّبِنِ، وكانَ (p-٣٧١)فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ مِنَ القِبْطِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا بُعِثَ مُوسى أعْطَوْهُمُ اللَّبِنَ يَلْبِنُونَهُ، ومَنَعُوهُمُ التِّبْنَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَقَّ عَلَيْهِمْ.

الأعراف 7:136

وَقَوْلُهُ: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾، وهو البَحْرُ، وكَذَلِكَ هو في الكُتُبِ الأُوَلِ. ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾، أيْ: كانُوا لا يَعْتَبِرُونَ بِالآياتِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ.

الأعراف 7:137

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ مِنهم داوُدُ، وسُلَيْمانُ، مَلَكُوا الأرْضَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الحُسْنى﴾، يَعْنِي: ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن إهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، واسْتِخْلافِهِمْ في الأرْضِ، ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾، و”يَعْرُشُونَ“، جَمِيعًا، يُقالُ: ”عَرَشَ، يَعْرِشُ، ويَعْرُشُ“، إذا هو بَنى.

الأعراف 7:138

وَمَعْنى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾، أيْ: يُواظِبُونَ عَلَيْها، ويُلازِمُونَها، يُقالُ لِكُلِّ مَن لَزِمَ شَيْئًا وواظَبَ عَلَيْهِ: ”عَكَفَ، يَعْكِفُ، ويَعْكُفُ“، ومِن هَذا قِيلَ لِلْمُلازِمِ لِلْمَسْجِدِ: ”مُعْتَكِفٌ“ .

الأعراف 7:139

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ”مُتَبَّرٌ“: مُهْلَكٌ ومُدَمَّرٌ، ويُقالُ لِكُلِّ إناءٍ مُكَسَّرٍ: ”مُتَبَّرٌ“، وكُسارَتُهُ يُقالُ لَهُ: ”التِّبْرُ“ .

الأعراف 7:140

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا﴾، (p-٣٧٢)أيْ: أغَيْرَ اللَّهِ أطْلُبُ لَكم إلَهًا، ﴿وَهُوَ فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾

الأعراف 7:141

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرُوا إذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾، مَعْنى“ يَسُومُونَكم ": يُولُونَكم.

الأعراف 7:142

وَقَوْلُهُ: ﴿وَواعَدْنا مُوسى﴾، ووَعَدْنا مُوسى، ﴿ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾، قِيلَ: أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ، وقِيلَ في العَشْرِ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ، وكُلِّمَ فِيها، وقالَ بَعْضُهم: لَمّا صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا أُنْكِرَ خَلُوفُ فِيهِ، فاسْتاكَ بِعُودِ خَرُّوبٍ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: إنّا كُنّا نَسْتَنْشِئُ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ، فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، فَزِيدَتْ عَلَيْهِ عَشْرُ لَيالٍ، وقَدْ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]، فَهَذا دَلِيلٌ أنَّ المُواعَدَةَ كانَتْ أرْبَعِينَ لَيْلَةً كامِلَةً، واللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ مُوسى لأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي﴾، يَجُوزُ ”هارُونَ“، بِالفَتْحِ، وهو في مَوْضِعِ جَرٍّ، بَدَلًا مِن ”أخِيهِ“، ويَجُوزُ: ”لِأخِيهِ هارُونُ“، بِضَمِّ النُّونِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَقالَ مُوسى لِأخِيهِ، يا هارُونُ اخْلُفْنِي في قَوْمِي“ .

الأعراف 7:143

﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾، أيْ: لِلْوَقْتِ الَّذِي وقَّتْنا لَهُ، ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، (p-٣٧٣)كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا، خَصَّهُ اللَّهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - وفِيما سَمِعَ، أحَدٌ، ولا مَلَكٌ أسْمَعَهُ اللَّهُ كَلامَهُ، فَلَمّا سَمِعَ الكَلامَ قالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾، أيْ: قَدْ خاطَبْتَنِي مِن حَيْثُ لا أراكَ، والمَعْنى: أرِنِي نَفْسَكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿أرِنِي أنْظُرْ﴾، مَجْزُومٌ، جَوابُ الأمْرِ، ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾، ولَنْ نَفْيٌ لِما يُسْتَقْبَلُ، ﴿وَلَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، أيْ: ظَهَرَ وبانَ، ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾، يَجُوزُ ”دَكًّا“، بِالتَّنْوِينِ، و”دَكاءَ“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ”، أيْ: جَعَلَهُ مَدْقُوقًا مَعَ الأرْضِ، يُقالُ:“ دَكَكْتُ الشَّيْءَ - إذا دَقَقْتُهُ - أدُكُّهُ، دَكًّا ”، و“ اَلدَّكّاءُ ”، و“ اَلدَّكّاواتُ ”: اَلرَّوابِي الَّتِي مَعَ الأرْضِ ناشِزَةً عَنْها، لا تَبْلُغُ أنْ تَكُونَ جَبَلًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾،“ صَعِقًا ”، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقِيلَ: إنَّهُ خَرَّ مَيْتًا، وقِيلَ: خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، ﴿فَلَمّا أفاقَ﴾، ولا يَكادُ يُقالُ لِلْمَيِّتِ: قَدْ أفاقَ مِن مَوْتِهِ، ولَكِنْ لِلَّذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَذْهَبُ عَقْلُهُ، قَدْ أفاقَ مِن عِلَّتِهِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - قالَ في الَّذِينَ ماتُوا: ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٦] . وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ سُبْحانَكَ﴾، (p-٣٧٤)أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ مِنَ السُّوءِ، جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ قَوْلَهُ:“ سُبْحانَ اللَّهِ ”، تَنْزِيهٌ لِلَّهِ مِنَ السُّوءِ، وأهْلُ اللُّغَةِ كَذَلِكَ يَقُولُونَ، مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِما فِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولَكِنَّ تَفْسِيرَهُ يُجْمِعُونَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: أوَّلُ المُؤْمِنِينَ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا، هَذا مَعْنى ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾، إلى آخِرِ الآيَةِ، وهو قَوْلُ أهْلِ العِلْمِ، وأهْلِ السُّنَّةِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى“ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ ”: أرِنِي أمْرًا عَظِيمًا لا يُرى مِثْلُهُ في الدُّنْيا، مِمّا لا تَحْتَمِلُهُ بِنْيَةُ مُوسى، قالُوا: فَأعْلَمَهُ أنَّهُ لَنْ يَرى ذَلِكَ الأمْرَ، وأنَّ مَعْنى ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ تَجَلّى أمْرُ رَبِّهِ، وهَذا خَطَأٌ لا يَعْرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، ولا في الكَلامِ دَلِيلٌ أنَّ مُوسى أرادَ أنْ يَرى أمْرًا عَظِيمًا مِن أمْرِ اللَّهِ، وقَدْ أراهُ اللَّهُ مِنَ الآياتِ في نَفْسِهِ ما لا غايَةَ بَعْدَهُ، قَدْ أراهُ عَصاهُ ثُعْبانًا مُبِينًا، وأراهُ يَدَهُ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ، وكانَ آدَمَ، وفَرَقَ البَحْرَ بِعَصاهُ، فَأراهُ مِنَ الآياتِ العِظامِ ما يُسْتَغْنى بِهِ عَنْ أنْ يَطْلُبَ أمْرًا مِن أمْرِ اللَّهِ عَظِيمًا، ولَكِنْ لَمّا سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ قالَ:“ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ، سَمِعْتُ كَلامَكَ فَأنا أُحِبُّ أنْ أراكَ "، فَأعْلَمُهُ الله - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ لَنْ يَراهُ.

الأعراف 7:144

ثُمَّ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَشْكُرَهُ، فَقالَ: ﴿يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ﴾، أيْ: اِتَّخَذْتُكَ صَفْوَةً عَلى النّاسِ، ﴿بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾، (p-٣٧٥)وَلَوْ كانَ إنَّما تَبِعَ كَلامَ غَيْرِ اللَّهِ، لَما قالَ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي، لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ إلى الأنْبِياءِ بِكَلامِ اللَّهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ .

الأعراف 7:145

ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ قَدْ أعْطاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ يَحْتاجُ مِن أمْرِ الدِّينِ، مَعَ ما أراهُ مِنَ الآياتِ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُما كانا لَوْحَيْنِ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ أنْ يُقالَ لِلَوْحَيْنِ: ”ألْواحٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ألْواحٌ“، جَمْعَ أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾، أيْ: خُذْها بِقُوَّةٍ في دِينِكَ، وحُجَّتِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾، في هَذا وجْهانِ، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، ونَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّهم أُمِرُوا بِالخَيْرِ، ونُهُوا عَنِ الشَّرِّ، وعُرِّفُوا ما لَهم في ذَلِكَ، فَقِيلَ: ”وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها“، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ نَحْوَ ما أُمِرْنا بِهِ مِنَ الِانْتِصارِ بَعْدَ الظُّلْمِ، ونَحْوَ القِصاصِ في الجُرُوحِ، إذْ قالَ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]، فَهَذا كُلُّهُ حَسَنٌ، والعَفْوُ أحْسَنُ مِنَ القِصاصِ، والصَّبْرُ أحْسَنُ مِنَ الِانْتِصارِ.

الأعراف 7:146

(p-٣٧٦)وَقَوْلُهُ: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾، أيْ: أجْعَلُ جَزاءَهُمُ الإضْلالَ عَنْ هِدايَةِ آياتِي، ومَعْنى ”يَتَكَبَّرُونَ“: أيْ أنَّهم يَرَوْنَ أنَّهم أفْضَلُ الخَلْقِ، وأنَّ لَهم مِنَ الحَقِّ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِمْ، وهَذِهِ الصِّفَةُ لا تَكُونُ إلّا لِلَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - خاصَّةً، لِأنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - هو الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والفَضْلُ الَّذِي لَيْسَ [يُوجَدُ] مِثْلُهُ، وذَلِكَ يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: ”اَلْمُتَكَبِّرُ“، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَكَبَّرَ، لِأنَّ النّاسَ في الحُقُوقِ سَواءٌ، فَلَيْسَ لِأحَدٍ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ، واللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - المُتَكَبِّرُ، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلا﴾، و”سَبِيلُ الغَيِّ هو سَبِيلُ الضَّلالِ، يُقالُ:“ غَوى الرَّجُلُ، يَغْوِي، غَيًّا، وهو غاوٍ ”، إذا ضَلَّ. وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾،“ ذَلِكَ ”، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، أيْ:“ إنَّ أمْرَهم ذَلِكَ ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى“ فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا ”، ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾،“ غافِلِينَ ”، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - كانُوا في تَرْكِهِمُ الإيمانَ بِها، والنَّظَرَ فِيها، والتَّدَبُّرَ لَها، بِمَنزِلَةِ الغافِلِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ وكانُوا عَنْ جَوابِها غافِلِينَ ”، كَما تَقُولُ:“ ما أغْفَلَ فُلانًا عَمّا يُرادُ بِهِ! " .

الأعراف 7:148

وَقَوْلُهُ: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ﴾، و”مِن حَلْيِهِمْ“، و”مِن حِلِيِّهِمْ“، (p-٣٧٧)فَمَن قَرَأ: ”مِن حَلْيِهِمْ“، فَـ ”اَلْحَلْيُ“: اِسْمٌ لِما يُحَسَّنُ بِهِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومَن قَرَأ: ”مِن حُلِيِّهِمْ“، بِضَمِّ الحاءِ، فَهو جَمْعُ ”حَلْيٌ“، عَلى ”حُلِيٌّ“، مِثْلَ: ”حَقْوٌ“، و”حُقِيٌّ“، ومَن كَسَرَ الحاءَ فَقالَ: ”مِن حِلْيِهِمْ“، أتْبَعَ الحاءَ كَسْرَ اللّامِ، ومَعْنى ”مِن بَعْدِهِ“، أيْ: مِن بَعْدِ ما جاءَ المِيقاتَ، وخَلَفَهُ هارُونُ في قَوْمِهِ، وكانَ لَهم حَلْيٌ يَجْمَعُونَهُ في أيّامِ زِينَتِهِمْ، وكانَ لِلْقُبَّةِ حَلْيٌ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ لَهُمُ السّامِرِيُّ، وكانَ رَجُلًا مُطاعًا فِيهِمْ، ذا قَدْرٍ، وكانُوا قَدْ سَألُوا مُوسى أنْ يَجْعَلَ لَهم إلَهًا يَعْبُدُونَهُ، كَما رَأوْا قَوْمَ فِرْعَوْنَ يَعْبُدُونَ الأصْنامَ، فَجَمَعَ السّامِرِيُّ ذَلِكَ الحَلْيَ، وهو قَوْلُهم: ﴿وَلَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها﴾ [طه: ٨٧]، أيْ: ألْقَيْناها، ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧]، أيْ: وكَذَلِكَ طَرَحَ السّامِرِيُّ ما كانَ عِنْدَهُ مِنَ الحُلِيِّ، فَصاغَهُ في العِجْلِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا﴾، و”اَلْجَسَدُ“: هو الَّذِي لا يَعْقِلُ، ولا يُمَيِّزُ، إنَّما مَعْنى ”اَلْجَسَدُ“، مَعْنى ”اَلْجُثَّةُ“، فَقَطْ، ﴿لَهُ خُوارٌ﴾ أيْ: ”لَهُ صَوْتٌ“، وقِيلَ: ”لَهُ خُؤارٌ“، بِالخاءِ، والجِيمِ، وكِلاهُما مِنَ الصَّوْتِ، وكانَ قَدْ عَمِلَهُ، كَما تَعْمَلُ هَذِهِ الآلاتُ الَّتِي تُصَوِّتُ بِالخَيْلِ، فَجَعَلَهُ في بَيْتٍ، وأعْلَمَهم أنَّ إلَهَهم وإلَهَ مُوسى عِنْدِي، ويُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ سُمِعَ صَوْتُهُ مَرَّةً واحِدَةً فَقَطْ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٣٧٨)﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾، أيْ: لا يُبَيِّنُ لَهم طَرِيقًا إلى حُجَّةٍ.

الأعراف 7:149

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ﴾، يُقالُ لِلرَّجُلِ النّادِمِ عَلى ما فَعَلَ، الحَسِرِ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ: ”قَدْ سُقِطَ في يَدِهِ، وأُسْقِطَ“، وقَدْ رُوِيَتْ: ”سُقِطَ“، في القِراءَةِ، فالمَعْنى: ”وَلَمّا سَقَطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ“، كَما تَقُولُ لِلَّذِي يَحْصُلُ عَلى شَيْءٍ - وإنْ كانَ مِمّا لا يَكُونُ في اليَدِ -: ”قَدْ حَصَلَ في يَدِهِ مِن هَذا مَكْرُوهٌ“، تُشَبِّهُ ما يَحْصُلُ في القَلْبِ، وفي النَّفْسِ، بِما يُرى بِالعَيْنِ.

الأعراف 7:150

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾، ”غَضْبانَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو عَلى مِثالِ ”فَعْلانَ“، ولَهُ ”فَعْلى“، نَحْوَ: ”غَضْبى“، لَمْ يَنْصَرِفْ، لِأنَّ فِيهِ الألِفَ والنُّونَ، كَألِفَيْ ”حَمْراءَ“، و”اَلْأسِفُ“: اَلشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]، أيْ: فَلَمّا أغْضَبُونا. وَقَوْلُهُ: ﴿أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾، يُقالُ: ”عَجِلْتُ الأمْرَ، والشَّيْءَ“: سَبَقْتُهُ، و”أعْجَلْتُهُ“: اِسْتَحْثَثْتُهُ، ﴿قالَ ابْنَ أُمَّ﴾، بِالفَتْحِ، وإنْ شِئْتَ: ”اِبْنَ أُمِّ“، بِالكَسْرِ، فَمَن قالَ: ”اِبْنَ أُمَّ“، بِالفَتْحِ، فَإنَّهُ إنَّما فَتَحُوا في ”اِبْنَ أُمَّ“، و”اِبْنَ عَمَّ“، لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِهِمْ هَذا الِاسْمَ، وأنَّ النِّداءَ كَلامٌ مُحْتَمِلٌ لِلْحَذْفِ، فَجَعَلُوا ”اِبْنَ“، و”أُمَّ“، شَيْئًا واحِدًا، نَحْوَ: ”خَمْسَةَ عَشَرَ“، ومَن قالَ: ”اِبْنَ أُمِّ“، بِالكَسْرِ، فَإنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهُ اسْمًا واحِدًا، ومِنَ العَرَبِ مَن (p-٣٧٩)يَقُولُ: ”يا ابْنَ أُمِّي“، بِإثْباتِ الياءِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎يا ابْنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي ∗∗∗ أنْتَ خَلَّيْتَنِي لَدَهْرٍ شَدِيدِ

الأعراف 7:152

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ﴾، اَلْمَعْنى: اِتَّخَذُوا العِجْلَ إلَهًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، لِحَقَتْهُمُ الذِّلَّةُ أنَّهم رَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا وذَلُّوا، و”اَلذِّلَّةُ“: هو ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الذِّلَّةَ أخْذُ الجِزْيَةِ، وأخْذُ الجِزْيَةِ لَمْ يَقَعْ في الَّذِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - تابَ عَلَيْهِمْ بِقَتْلِهِمْ أنْفُسَهم.

الأعراف 7:154

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾، يُقالُ: ”سَكَتَ، يَسْكُتُ، سَكْتًا“، إذا هو سَكَنَ، و”سَكَتَ، يَسْكُتُ، سُكُوتًا، وسَكْتًا“، إذا قَطَعَ الكَلامَ، ويُقالُ: ”رَجُلٌ سِكِّيتٌ، بَيِّنُ السُّكُوتِ، والسّاكُوتَةِ“، إذا كانَ كَثِيرَ السُّكُوتِ، و”أصابَ فُلانًا سُكّاتٌ“، إذا أصابَهُ داءٌ مَنَعَهُ مِنَ الكَلامِ، و”اَلسُّكَيْتُ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ، الَّذِي يَجِيءُ آخِرَ الخَيْلِ، ورَوى بَعْضُهم: ”وَلَمّا سُكِتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ“، ولا تَقْرَأنَّ بِهِ، لِأنَّهُ خِلافُ المُصْحَفِ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ”وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ“، مَعْناهُ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، عَلى القَلْبِ، كَما قالُوا: ”أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي“، اَلْمَعْنى: أدْخَلْتُ رَأْسِي في القَلَنْسُوَةِ، والقَوْلُ الَّذِي مَعْناهُ: ”سَكَنَ“، قَوْلُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ.

الأعراف 7:155

وَقَوْلُهُ: ﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقاتِنا﴾، (p-٣٨٠)مَعْناهُ: واخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ، وكانَ مُوسى اخْتارَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةَ رِجالٍ، فَبَلَغُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ رَجُلًا، فَخَفَّفَ مِنهم رَجُلَيْنِ، ومَعْنى ”اِخْتارَ قَوْمَهُ“: اِخْتارَ مِن قَوْمِهِ، فَحُذِفَتْ ”مِن“، ووُصِلَ الفِعْلُ، فَنَصَبَ، يُقالُ: ”اِخْتَرْتُ مِنَ الرِّجالِ زَيْدًا“، و”اِخْتَرْتُ الرِّجالَ زَيْدًا“، وأنْشَدُوا: ؎وَمِنّا الَّذِي اخْتارَ الرِّجالَ سَماحَةً ∗∗∗ وجُودًا إذا هَبَّ الرِّياحُ الزَّعازِعُ وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾، وهي الحَرَكَةُ الشَّدِيدَةُ، والزَّلْزَلَةُ الشَّدِيدَةُ، يُقالُ: إنَّهُ رَجَفَ بِهِمُ الجَبَلُ، فَماتُوا، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾، أيْ: لَوْ شِئْتَ أمَتَّهم مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَهم بِما أوْجَبَ عَلَيْهِمُ الرَّجْفَةَ.

الأعراف 7:156

وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾، مَعْناهُ: ”تُبْنا إلَيْكَ“، ﴿وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، أيْ: كُلِّ ما خَلَقْتُهُ، فَبِرَحْمَتِي وفَضْلِي يَعِيشُ، فَمَعْناهُ: ”وَرَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدُّنْيا“ . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، في الآخِرَةِ، أيْ: أُجازِيهِمْ بِها في الآخِرَةِ.

الأعراف 7:157

(p-٣٨١)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾، ”اَلْأُمِّيُّ“: هو عَلى خِلْقَةِ الأُمَّةِ، لَمْ يَتَعَلَّمِ الكِتابَ، فَهو عَلى جِبِلَّتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾، وهَذا أبْلَغُ في الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ إخْبارٌ بِما في كُتُبِهِمْ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ، ولا قَرَأ التَّوْراةَ، والإنْجِيلَ، ولا عاشَرَ أهْلَهُما، فَإتْيانُهُ بِما فِيهِما مِن آياتِ اللَّهِ العِظامِ، ومُحالٌ أنْ يَجِيءَ مُدَّعٍ إلى قَوْمٍ، فَيَقُولَ لَهم: ”ذِكْرِي في كِتابِكم“، ولَيْسَ ذَلِكَ فِيهِ، وذِكْرُهُ قَدْ أنْبَأ مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ بِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَأْمُرُهم“، مُسْتَأْنَفًا. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾، أيْ: يُحِلُّ لَهم ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِن طَيِّباتِ الطَّعامِ، ويَجُوزُ: ”وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ“، أيْ: ما أُخِذَ مِن وجْهِهِ طَيِّبًا،﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهُمْ﴾، و”اَلْإصْرُ“: ما عَقَدْتَهُ مِن عَقْدٍ ثَقِيلٍ، ﴿والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾، و”اَلْأغْلالَ“، تَمْثِيلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ”جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ“، ولَيْسَ هُناكَ طَوْقٌ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ أنِّي قَدْ ولَّيْتُكَ هَذا، وألْزَمْتُكَ القِيامَ بِهِ، فَجَعَلْتُ لُزُومَهُ لَكَ كالطَّوْقِ في عُنُقِكَ، و”اَلْأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ“: كانَ عَلَيْهِمْ أنَّهُ مَن قَتَلَ قُتِلَ، لا يُقْبَلُ في ذَلِكَ دِيَةٌ، وكانَ عَلَيْهِمْ إذا أصابَ جُلُودَهم شَيْءٌ مِنَ البَوْلِ أنْ يَقْرِضُوهُ، وكانَ عَلَيْهِمْ ألّا يَعْمَلُوا في السَّبْتِ، فَهَذِهِ الأغْلالُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ. (p-٣٨٢)وَقَوْلُهُ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾، أيْ: بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وَعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ﴾، اِخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ”وَعَزَّرُوهُ“ . وَقَوْلُهُ: ”عَزَّرْتُ فُلانًا، أُعَزِّرُهُ، وأعْزُرُهُ، عَزْرًا“، قالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”عَزَّرْتُهُ“: رَدَدْتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: مَعْنى ”عَزَّرْتُهُ“: أغَثْتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: يُقالُ: ”عَزَّرْتُ الرَّجُلَ، أعْزِرُهُ“، إذا لُمْتُهُ، ويُقالُ: ”عَزَّرْتُ فُلانًا“، قالَ بَعْضُهم: ”عَزَّرْتُ فُلانًا“: نَصَرْتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: ”مَنَعْتُ مِنهُ“، فالمَعْنى: ”فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ“: مَعْنى ”عَزَّرُوهُ“: مَنَعُوا أعْداءَهُ مِنَ الكُفْرِ بِهِ، وقالَ بَعْضُهم: ”عَزَّرُوهُ“، بِمَعْنى: ”نَصَرُوهُ“، والمَعْنى قَرِيبٌ، لِأنَّ مَنعَ الأعْداءِ مِنهُ نُصْرَتُهُ، ومَعْنى ”عَزَّرْتُ فُلانًا“، إذا ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا دُونَ الحَدِّ، يَمْنَعُهُ بِضَرْبِهِ إيّاهُ عَنْ مُعاوَدَةِ مِثْلِ عَمَلِهِ. وَقَوْلُهُ: ”عَزَّرْتُهُ“: رَدَدْتُهُ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنهُ ”اَلتَّعْزِيرُ“، أيْ: فَعَلْتُ بِهِ ما يَرُدُّهُ عَنِ المَعْصِيَةِ،. وَقَوْلُهُ: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ﴾، أيْ: واتَّبَعُوا الحَقَّ الَّذِي بَيانُهُ في القُلُوبِ كَبَيانِ النُّورِ في العُيُونِ.

الأعراف 7:159

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: يَدْعُونَ النّاسَ إلى الهِدايَةِ بِالحَقِّ، ﴿وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾، أيْ: وبِالحَقِّ يَحْكُمُونَ.

الأعراف 7:160

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا﴾، ويَجُوزُ: ”عَشِرَةَ“، بِكَسْرِ الشِّينِ، المَعْنى: قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً أسْباطًا، (p-٣٨٣)مِن نَعْتِ ”فِرْقَةً“، كَأنَّهُ قالَ: ”جَعَلْناهم أسْباطًا، وفَرَّقْناهم أسْباطًا“، فَيَكُونُ ”أسْباطًا“، بَدَلًا مِن ”اثْنَتَيْ عَشْرَةَ“، وهو الوَجْهُ. وَقَوْلُهُ: ”أُمَمًا“، مِن نَعْتِ ”أسْباطًا“، قالَ بَعْضُهم: ”اَلسِّبْطُ“: اَلْقَرْنُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ قَرْنٍ ”، والصَّحِيحُ أنَّ الأسْباطَ في ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ في ولَدِ إسْماعِيلَ، فَوَلَدُ كُلِّ مَن وُلِدَ مِن أوْلادِ يَعْقُوبَ سِبْطٌ، ووَلَدُ كُلِّ مَن وُلِدَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ قَبِيلَةٌ، وإنَّما سُمِّيَ هَؤُلاءِ بِالأسْباطِ، وهَؤُلاءِ بِالقَبائِلِ، لِيُفْصَلَ بَيْنَ ولَدِ إسْماعِيلَ ووَلَدِ إسْحاقَ، ومَعْنى“ اَلْقَبِيلَةُ ”، مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، مَعْنى“ اَلْجَماعَةُ ”، يُقالُ لِكُلِّ جَماعَةٍ مِن ولَدٍ:“ قَبِيلَةٌ ”، وكَذَلِكَ يُقالُ لِكُلِّ جَمْعٍ عَلى شَيْءٍ واحِدٍ:“ قَبِيلٌ ”، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّهُ يَراكم هو وقَبِيلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فَأمّا الأسْباطُ فَهو مُشْتَقٌّ مِن“ اَلسَّبَطُ ”، و“ اَلسُّبَطُ ”: ضَرْبٌ مِنَ الشَّجَرِ تُعْلَفُهُ الإبِلُ، ويُقالُ لِلشَّجَرَةِ:“ لَها قَبائِلُ ”، فَكَذَلِكَ الأسْباطُ مِن“ اَلسَّبَطُ ”، كَأنَّهُ جَعَلَ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ شَجَرَةٍ، وجَعَلَ إسْماعِيلَ بِمَنزِلَةِ شَجَرَةٍ، وكَذَلِكَ يَفْعَلُ النَّسّابُونَ في النَّسَبِ، يَجْعَلُونَ الوالِدَ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرَةِ، ويَجْعَلُونَ الأوْلادَ بِمَنزِلَةِ أغْصانِها، ويُقالُ:“ طُوبى لِطَرْحِ فُلانٍ ”، و“ فُلانٌ مِن شَجَرَةٍ صالِحَةٍ ”، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى“ اَلْأسْباطُ ”، و“ اَلسِّبْطُ " .

الأعراف 7:163

وَقَوْلُهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾، (p-٣٨٤)السُّؤالُ عَلى ضَرْبَيْنِ، فَأحَدُ الضَّرْبَيْنِ أنْ تَسْألَ لِتَسْتَخْبِرَ عَمّا لا تَعْلَمُ لِتَعْلَمَ، والضَّرْبُ الثّانِي أنْ تَسْألَ مُسْتَخْبِرًا عَلى وجْهِ التَّقْرِيرِ، فَتَقُولَ لِلرَّجُلِ: ”أنا فَعَلْتُ كَذا؟“، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ لَمْ تَفْعَلْ، فَإنَّما تَسْألُهُ لِتُقَرِّرَهُ، وتُوَبِّخَهُ، فَمَعْنى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ يَسْألَ أهْلُ الكِتابِ عَنْ أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ - وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - بِقِصَّتِها - لِيُقَرِّرَهم بِقَدِيمِ كُفْرِهِمْ، وأنْ يُعْلِمَهم ما لا يُعْلَمُ إلّا بِكِتابٍ، أوْ وحْيٍ، ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾، أيْ: إذْ يَظْلِمُونَ في السَّبْتِ، يُقالُ: ”عَدا فُلانٌ، يَعْدُو، عُدْوانًا، وعِداءً، وعَدْوًا، وعُدُوًّا“، إذا ظَلَمَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ﴾، ”حِيتانٌ“: جَمْعُ ”حُوتٌ“، وأكْثَرُ ما تُسَمِّي العَرَبُ السَّمَكَ ”اَلْحِيتانَ“، و”اَلنِّينانِ“ . ﴿إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”سَلْهم عَنْ عُدُوِّهِمْ في السَّبْتِ، أيْ: سَلْهم عَنْ وقْتِ ذَلِكَ،“ إذْ تَأتِيهِمْ ”، في مَوْضِعِ نَصْبٍ أيْضًا بِـ“ يَعْدُونَ ”، اَلْمَعْنى: سَلْهم إذْ عَدَوْا في وقْتِ الإتْيانِ، ﴿شُرَّعًا﴾، أيْ: ظاهِرَةً، وكانَتِ الحِيتانُ تَأْتِي ظاهِرَةً، فَكانُوا يَحْتالُونَ بِحَبْسِها في يَوْمِ السَّبْتِ، ثُمَّ يَأْخُذُونَها في يَوْمِ الأحَدِ، ويُقالُ: إنَّهم جاهَرُوا بِأخْذِها في يَوْمِ السَّبْتِ. (p-٣٨٥)وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾، أيْ: مِثْلَ هَذا الِاخْتِبارِ الشَّدِيدِ نَخْتَبِرُهُمْ، ومَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾، أيْ: شَدَّدْتُ عَلَيْهِمُ المِحْنَةَ بِفِسْقِهِمْ، ويُحْتَمَلُ - عَلى بُعْدٍ - أنْ يَكُونَ: ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ﴾، أيْ: لا تَأْتِيهِمْ شُرَّعًا، ويَكُونَ“ نَبْلُوهم "، مُسْتَأْنَفَةً، وذَلِكَ القَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ النّاسِ، وهو الجَيِّدُ.

الأعراف 7:164

﴿وَإذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾، اَلْأصْلُ: ”لِما“، ولَكِنَّ الألِفَ تُحْذَفُ مَعَ حُرُوفِ الجَرِّ، نَحْوَ ”لِمَ“، و”عَمَّ“، و”بِمَ“، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١]، ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم لامُوهم في عِظَةِ قَوْمٍ يَعْلَمُونَ أنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ، هَذا الأغْلَبُ عَلَيْهِمْ في العِلْمِ بِهِمْ، ﴿اللَّهُ مُهْلِكُهم أوْ مُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا﴾، ومَعْنى ”أوْ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنَّهم أخْبَرُوهم - عَلى قَدْرِ ما رَأوْا مِن أعْمالِهِمْ - أنَّهم مُهْلَكُونَ في الدُّنْيا، أوْ مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، لا مَحالَةَ. وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: قالُوا: مَوْعِظَتُنا إيّاهم مَعْذِرَةٌ إلى رَبِّكُمْ، ﴿وَلَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾، فالمَعْنى أنَّهم قالُوا: اَلْأمْرُ بِالمَعْرُوفِ واجِبٌ عَلَيْنا، فَعَلَيْنا مَوْعِظَةُ هَؤُلاءِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ، أيْ: وجائِزٌ عِنْدَنا أنْ يَنْتَفِعُوا بِالمَعْذِرَةِ. (p-٣٨٦)وَيَجُوزُ النَّصْبُ في ”مَعْذِرَةً“، فَيَكُونُ المَعْنى في قَوْلِهِ: ”قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم“، عَلى مَعْنى ”يَعْتَذِرُونَ مَعْذِرَةً“ .

الأعراف 7:165

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾، ”نَسُوا“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ”تَرَكُوا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَرْكُهم بِمَنزِلَةِ مَن نَسِيَ. وَقَوْلُهُ: ﴿أنْجَيْنا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وأخَذْنا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾، أيْ: شَدِيدٍ، يُقالُ: ”بَئِسَ، يَبْؤُسُ، بَأْسًا“، إذا اشْتَدَّ، وقِيلَ: إنَّ القَوْمَ كانُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فِرْقَةً عَمِلَتْ بِالسُّوءِ، وفِرْقَةً نَهَتْ عَنِ السُّوءِ، وفِرْقَةً أمْسَكَتْ عَنِ النَّهْيِ، وقِيلَ: كانُوا فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً نَهَتْ عَنِ السُّوءِ، وفِرْقَةً عَمِلَتْ بِالسُّوءِ، وبَعْضُ الفِرْقَةِ الَّتِي فِيها مَن نَهى عَنِ السُّوءِ مُؤْمِنٌ غَيْرُ راضٍ بِما فَعَلَ أهْلُ السُّوءِ، فَدَخَلُوا في النَّجاةِ مَعَ الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ، ونَزَلَ العَذابُ بِالَّذِينَ عَدَوْا في السَّبْتِ.

الأعراف 7:166

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾، ”اَلْعاتِي“: اَلشَّدِيدُ الدُّخُولِ في الفَسادِ، المُتَمَرِّدُ الَّذِي لا يَقْبَلُ مَوْعِظَةً. وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بِقَوْلٍ سُمِعَ، فَيَكُونَ أبْلَغَ في الآيَةِ والنّازِلَةِ بِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَقُلْنا لَهم“، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، ومَعْنى ”خاسِئِينَ“: أيْ: مُبْعَدِينَ. (p-٣٨٧)وَقالَ قَوْمٌ: جائِزٌ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ القِرَدَةُ المُتَوَلِّدَةُ أصْلُها مِنهُمْ، وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَسْخُ لا يَبْقى، ولا يَتَوَلَّدُ، والجُمْلَةُ أنّا أُخْبِرْنا بِأنَّهم جُعِلُوا قِرَدَةً، والقِرَدَةُ هي الَّتِي نَعْرِفُها، وهي أكْثَرُ شَيْءٍ في الحَيَوانِ شَبَهًا بِابْنِ آدَمَ، واللَّهُ أعْلَمُ كَيْفَ كانَ أمْرُهم بَعْدَ كَوْنِهِمْ قِرَدَةً.

الأعراف 7:167

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ تَأذَّنَ رَبُّكَ﴾، قالَ بَعْضُهم: ”تَأذَّنَ“: تَألّى رَبُّكَ، ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ﴾، وقِيلَ: إنَّ ”تَأذَّنَ“: أعْلَمَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”تَعَلَّمْ أنَّ هَذا كَذا“، في مَعْنى ”اِعْلَمْ“، قالَ زُهَيْرٌ: ؎تَعَلَّمْ أنَّ شَرَّ النّاسِ حَيٌّ ∗∗∗ يُنادِي في شِعارِهِمُ يَسارُ وَقالَ زُهَيْرٌ أيْضًا: ؎فَقُلْتُ تَعَلَّمْ أنَّ لِلصَّيْدِ غِرَّةً ∗∗∗ وإلّا ∗∗∗ تُضَيِّعْها فَإنَّكَ قاتِلُهُ وَقَوْلُهُ: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾، أيْ: مَن يُوَلِّيهِمْ سُوءَ العَذابِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ جُعِلُوا قِرَدَةً، فَكَيْفَ يَبْقَوْنَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فالمَعْنى أنَّ الذِّكْرَ لِلْيَهُودِ، فَمِنهم مَن مُسِخَ، وجُعِلَ مِنهُمُ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ، ومَن بَقِيَ فَمُعانِدٌ لِأمْرِ اللَّهِ، فَهم مُذَلُّونَ بِالقَتْلِ، إلّا أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ، فَهم مُذَلُّونَ بِها، وهم في كُلِّ مَكانٍ أذَلُّ أهْلِهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، (p-٣٨٨)أيْ: إلّا أنْ يُعْطُوا الذِّمَّةَ، والعَهْدَ.

الأعراف 7:169

وَقَوْلُهُ: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾، يُقالُ لِلَّذِي يَجِيءُ في أثَرِ قَرْنٍ: ”خَلْفٌ“، و”اَلْخَلْفُ“: ما أُخْلِفَ عَلَيْكَ بَدَلًا مِمّا أُخِذَ مِنكَ، ويُقالُ في هَذا ”خَلْفٌ“، أيْضًا، فَأمّا ما أُخْلِفَ عَلَيْكَ بَدَلًا مِمّا ذَهَبَ مِنكَ فَهو ”اَلْخَلَفُ“، بِفَتْحِ اللّامِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَرْتَشُونَ عَلى الحُكْمِ، ويَحْكُمُونَ بِجَوْرٍ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَرْتَشُونَ ويَحْكُمُونَ بِحَقٍّ، وكُلُّ ذَلِكَ عَرَضٌ خَسِيسٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، فالفائِدَةُ أنَّهم كانُوا يُذْنِبُونَ بِأخْذِهِمُ الرِّشا، ويَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا مِن غَيْرِ أنْ يَتُوبُوا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾، دَلِيلٌ عَلى إصْرارِهِمْ عَلى الذَّنْبِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - وعَدَ بِالمَغْفِرَةِ في العَظائِمِ الَّتِي تُوجِبُ النّارَ، مَعَ التَّوْبَةِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ﴾، أيْ: فَهم ذاكِرُونَ لِما أُخِذَ عَلَيْهِمْ.

الأعراف 7:170

وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ وأقامُوا الصَّلاةَ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفِيها قَوْلانِ، أعْنِي في ”إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ“، قالَ قَوْمٌ: ”إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِينَ مِنهم“، وهو الَّذِي نَخْتارُ، (p-٣٨٩)لِأنَّ كُلَّ مَن كانَ غَيْرَ مُؤْمِنٍ وأصْلَحَ فَأجْرُهُ ساقِطٌ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وقالَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٣] ﴿تَصْلى نارًا حامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤]، فالمَعْنى: ”والَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالكِتابِ“، أيْ: يُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَحْكُمُونَ بِما فِيهِ، إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ المُصْلِحِ مِنهُمْ، والمُصْلِحُ المُقِيمُ عَلى الإيمانِ، المُؤَدِّي فَرائِضَهُ اعْتِقادًا وعَمَلًا، ومِثْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠]، أيْ: لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ مِنهم عَمَلًا، وقالَ قَوْمٌ: ”اَلْمُصْلِحُونَ“، لَفْظٌ يُخالِفُ لَفْظَ الأوَّلِ، ومَعْناهُ مَعْنى الأوَّلِ، فَعادَ الذِّكْرُ في المَعْنى، وإنْ لَمْ يَكُنْ عائِدًا في اللَّفْظِ، ولا يُجِيزُ هَؤُلاءِ ”زَيْدٌ قامَ أبُو عَمْرٍو“، لِأنَّ أبا عَمْرٍو لا يُوجِبُهُ لَفْظُ ”زَيْدٌ“ . فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”اَلْمُؤْمِنُ أنا أُكْرِمُ مَنِ اتَّقى اللَّهَ“، جازَ، لِأنَّ مَعْنى ”مَنِ اتَّقى اللَّهَ“، مَعْنى ”اَلْمُؤْمِنُ“، فَقَدْ صارَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”زَيْدٌ ضَرَبْتُهُ“، لِأنَّ الذِّكْرَ إذا تَقَدَّمَ فالهاءُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، لا مَحالَةَ، وإنْ كانَ لَفْظُها غَيْرَ لَفْظِهِ، لِأنَّ ضَمِيرَ الغائِبِ لا يَكُونُ إلّا ”هاءً“، في النَّصْبِ.

الأعراف 7:172

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾، (p-٣٩٠)مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”واذْكُرْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ“، ”مِن ظُهُورِهِمْ“، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ”مِن بَنِي آدَمَ“، اَلْمَعْنى: ”وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ ذُرِّيَتَهم وذُرِّيّاتِهِمْ جَمِيعًا“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، قالَ بَعْضُهم: خَلَقَ اللَّهُ النّاسَ كالذَّرِ مِن صُلْبِ آدَمَ، وأشْهَدَهم عَلى تَوْحِيدِهِ، وهَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ لِأمْثالِ الذَّرِ فَهْمًا تَعْقِلُ بِهِ أمْرَهُ، كَما قالَ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وكَما قالَ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ﴾ [الأنبياء: ٧٩]، و”«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ - مَعْناهُ أنَّهُ يُولَدُ وفي قَلْبِهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ - حَتّى يَكُونَ أبَواهُ هُما اللَّذانِ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ“»، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أخْرَجَ بَنِي آدَمَ بَعْضَهم مِن ظُهُورِ بَعْضٍ، ومَعْنى ﴿وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ أنَّ كُلَّ بالِغٍ يَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، لِأنَّ كُلَّ ما خَلَقَ اللَّهُ تَعالى دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقالُوا: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ تَكُنْ عَلى الكافِرِ حُجَّةٌ، وقالُوا: فَمَعْنى ”وَأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟“: دَلَّهم بِخَلْقِهِ عَلى تَوْحِيدِهِ.

الأعراف 7:175

وَقَوْلُهُ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها﴾، هَذا نَسَقٌ عَلى ما قَبْلَهُ، المَعْنى: " اُتْلُ عَلَيْهِمْ إذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ، واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها، هَذا فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَهُ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، فَدَعا بِهِ عَلى (p-٣٩١)مُوسى، وأصْحابِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكُتُبِ، وقِيلَ: إنَّهُ يُعْنى بِهِ مُنافِقُو أهْلِ الكِتابِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَكانَ مِنَ الغاوِينَ﴾، أيْ: اَلْفاسِدِينَ الهالِكِينَ.

الأعراف 7:176

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾، أيْ: لَوْ شِئْنا أنْ نَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَعْصِيَةِ لَفَعَلْنا، ﴿وَلَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ﴾، مَعْناهُ: ولَكِنَّهُ سَكَنَ إلى الدُّنْيا، يُقالُ: ”أخْلَدَ فُلانٌ إلى كَذا وكَذا“، و”خَلَدَ إلى كَذا وكَذا“، و”أخْلَدَ“، أكْثَرُ في اللُّغَةِ، والمَعْنى أنَّهُ سَكَنَ إلى لَذّاتِ الأرْضِ، واتَّبَعَ هَواهُ، أيْ: لَمْ يَرْفَعْهُ بِها، لِاتِّباعِهِ هَواهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾، ضَرَبَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: بِالتّارِكِ لِآياتِهِ والعادِلِ عَنْها أحْسَنَ مَثَلٍ في أخَسِّ أحْوالِهِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ﴾، إذا كانَ الكَلْبُ لَهَثانَ، وذَلِكَ أنَّ الكَلْبَ إذا كانَ يَلْهَثُ فَهو لا يَقْدِرُ لِنَفْسِهِ عَلى ضَرٍّ ولا نَفْعٍ، لِأنَّ التَّمْثِيلَ بِهِ عَلى أنَّهُ يَلْهَثُ عَلى كُلِّ حالٍ، حَمَلْتَ عَلَيْهِ أوْ تَرَكْتَهُ، فالمَعْنى: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ لاهِثًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾

الأعراف 7:177

وَقالَ: ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ﴾، اَلْمَعْنى: ساءَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ.

الأعراف 7:179

وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ﴾، وصَفَهم بِأنَّهم لا يُبْصِرُونَ بِعُيُونِهِمْ، ولا يَعْقِلُونَ بِقُلُوبِهِمْ، جَعَلَهم في (p-٣٩٢)تَرْكِهِمُ الحَقَّ وإعْراضِهِمْ عَنْهُ، بِمَنزِلَةِ مَن لا يُبْصِرُ ولا يَعْقِلُ، ثُمَّ قالَ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾، وذَلِكَ أنَّ الأنْعامَ تُبْصِرُ مَنافِعَها، ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما لا تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ يَعْلَمُ أكْثَرُهم أنَّهُ مُعانِدٌ فَيُقْدِمُ عَلى النّارِ، وقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥]، أيْ: عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ.

الأعراف 7:180

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾، لا يَنْبَغِي أنْ يَدْعُوَهُ أحَدٌ بِما لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِهِ، أوْ لَمْ يُسَمِّ بِهِ نَفْسَهُ، فَيَقُولُ في الدُّعاءِ: ”يا اَللَّهُ يا رَحْمَنُ يا جَوادُ“، ولا يَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: ”يا سُبْحانَ“، لِأنَّهُ لَمْ يَصِفْ نَفْسَهُ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ، وتَقُولُ: ”يا رَحِيمُ“، ولا تَقُولُ: ”يا رَفِيقُ“، وتَقُولُ: ”يا قَوِيُّ“، ولا تَقُولُ: ”يا جَلْدُ“ .

الأعراف 7:185

وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾، أيْ: ألَمْ يَسْتَدِلُّوا بِما أنْبَأهم بِهِ مِن مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ؟! ﴿وَأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾، أيْ: إنْ كانُوا يُسَوِّفُونَ بِالتَّوْبَةِ، فَعَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ، فالمَعْنى: ”أوَلَمْ يَنْظُرُوا فِيما دَلَّهُمُ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عَلى تَوْحِيدِهِ؟! فَكَفَرُوا بِهِ بِذَلِكَ، فَلَعَلَّهم قَدْ قَرُبَتْ آجالُهُمْ، فَيَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ“، ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٣٩٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، ”اَلطُّغْيانُ“: اَلْغُلُوُّ في الكُفْرِ، و”يَعْمَهُونَ“: يَتَحَيَّرُونَ، ويَجُوزُ الجَزْمُ، والرَّفْعُ، في ”يَذَرُهم“، فَمَن جَزَمَ عَطَفَ عَلى مَوْضِعِ الفاءِ، المَعْنى: ”مَن يُضْلِلِ اللَّهُ يَذَرْهُ في طُغْيانِهِ عامِهًا“، ومَن قَرَأ: ”وَيَذَرُهم“، فَهو رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

الأعراف 7:187

وَقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أيّانَ مُرْساها﴾، و”اَلسّاعَةُ“، هَهُنا: اَلَّتِي يَمُوتُ فِيها الخَلْقُ، ومَعْنى ”مُرْساها“: مُثَبِّتُها، يُقالُ: ”رَسا الشَّيْءُ، يَرْسُو“، إذا ثَبَتَ، فَهو راسٍ، وكَذَلِكَ ”جِبالٌ راسِياتٌ“، أيْ: ثابِتاتٌ، و”أرْسَيْتُهُ“، إذا أثْبَتُّهُ، فالمَعْنى: ”يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ: مَتى وُقُوعُها؟“ . وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾، أيْ: لا يُظْهِرُها في وقْتِها إلّا هُوَ، ومَعْنى: ﴿ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، قِيلَ فِيهِ قَوْلانِ، قالَ قَوْمٌ: ”ثَقُلَتْ في السَّماواتِ والأرْضِ“، ثَقُلَ وُقُوعُها عَلى أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، ثُمَّ أعْلَمَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - كَيْفَ وُقُوعُها، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لا تَأْتِيكم إلا بَغْتَةً﴾، أيْ: إلّا فَجْأةً. وَقَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: يَسْألُونَكَ عَنْها كَأنَّكَ فَرِحٌ بِسُؤالِهِمْ، يُقالُ: ”تَحَفَّيْتُ بِفُلانٍ (p-٣٩٤)فِي المَسْألَةِ“، إذا سَألْتُ سُؤالًا أظْهَرْتُ فِيهِ المَحَبَّةَ والبِرَّ بِهِ، و”أحْفى فُلانٌ بِفُلانٍ في المَسْألَةِ“، إنَّما تَأْوِيلُهُ: اَلْكَثْرَةُ، ويُقالُ: ”حَفِتِ الدّابَّةُ، تَحْفى، حَفًى“، مَقْصُورٌ، إذا كَثُرَ المَشْيُ حَتّى يُؤْلِمَها، و”اَلْحِفاءُ“، مَمْدُودٌ: أنْ يَمْشِيَ الرَّجُلُ بِغَيْرِ نَعْلٍ، وقِيلَ: ”كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها“: كَأنَّكَ أكْثَرْتَ المَسْألَةَ عَنْها. وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ﴾، مَعْنى ”إنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ“: لا يَعْلَمُها إلّا هو.

الأعراف 7:188

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ﴾، أيْ: لادَّخَرْتُ زَمَنَ الخِصْبِ لِزَمَنِ الجَدْبِ، وقِيلَ: ”لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ“: أيْ: ”لَوْ كُنْتُ أعْلَمُ ما أُسْألُ عَنْهُ، مِنَ الغَيْبِ في السّاعَةِ، وغَيْرِها...“ . وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾، أيْ: لَمْ يَلْحَقْنِي تَكْذِيبٌ، وقِيلَ أيْضًا: ”وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ“: أيْ: ”ما بِي مِن جُنُونٍ“، لِأنَّهم نَسَبُوا النَّبِيَّ ﷺ إلى الجُنُونِ، فَقالَ: ﴿وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إنْ أنا إلا نَذِيرٌ وبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ .

الأعراف 7:189

ثُمَّ بَيَّنَ لَهم ما دَلَّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، يَعْنِي آدَمَ، ﴿وَجَعَلَ مِنها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها﴾، (p-٣٩٥)كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ، أحْسَنُ كِنايَةٍ، ﴿حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا﴾، يَعْنِي المَنِيَّ، و”اَلْحَمْلُ“: ما كانَ في البَطْنِ - بِفَتْحِ الحاءِ -، أوْ أخْرَجَتْهُ الشَّجَرَةُ، و”اَلْحِمْلُ“، بِكَسْرِ الحاءِ: ما يُحْمَلُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَرَّتْ بِهِ﴾، مَعْنى ”مَرَّتْ بِهِ“: اِسْتَمَرَّتْ، قَعَدَتْ، وقامَتْ، لَمْ يُثْقِلْها، ﴿فَلَمّا أثْقَلَتْ﴾، أيْ: دَنَتْ وِلادَتُها، لِأنَّهُ أوَّلَ أمْرِهِ كانَ خَفِيفًا، فَلَمّا جُعِلَ إنْسانًا، ودَنَتِ الوِلادَةُ أثْقَلَتْ. وَقَوْلُهُ: ﴿دَعَوا اللَّهَ رَبَّهُما﴾، أيْ: دَعا آدَمُ، وحَوّاءُ، رَبَّهُما، ﴿لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ [الأعراف: ١٩٠]، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ - عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ - جاءَ إلى حَوّاءَ، فَقالَ: أتَدْرِينَ ما في بَطْنِكِ؟ فَقالَتْ: ”لا أدْرِي“، قالَ: فَلَعَلَّهُ بَهِيمَةٌ، ثُمَّ قالَ: ”إنْ دَعَوْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَهُ إنْسانًا، أتُسَمِّينَهُ بِاسْمِي؟ فَقالَتْ:“ نَعَمْ ”، فَسَمَّتْهُ“ عَبْدَ الحارِثِ ”، وهو الحارِثُ، وهَذا يُرْوى في التَّفْسِيرِ، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ، وحَوّاءَ، أصْلٌ، فَضَرَبَ هَذا مَثَلًا لِمُشْرِكِي العَرَبِ، وعُرِّفُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ، فَقِيلَ: فَلَمّا آتاهُما اللَّهُ، لِكُلِّ ذَكَرٍ وأُنْثى، آتاهُ اللَّهُ ولَدًا ذَكَرًا، أوْ أُنْثى، هو خَلَقَهُ وصَوَّرَهُ. (p-٣٩٦)﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]، يَعْنِي الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ، ﴿فَتَعالى اللَّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٠]، اَلْأوَّلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ، ومَن قَرَأ:“ شِرْكًا ”، فَهو مَصْدَرُ“ شَرِكْتُ الرَّجُلَ، أشْرِكُهُ، شِرْكًا ”، قالَ بَعْضُهم: كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ:“ شِرْكًا ”،“ جَعَلا لَغَيْرِهِ شِرْكًا ”، يَقُولُ: لِأنَّهُما لا يُنْكِرانِ أنَّ الأصْلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، فالشِّرْكُ إنَّما يُجْعَلُ لِغَيْرِهِ، وهَذا عَلى مَعْنى“ جَعَلا لَهُ ذا شِرْكٍ ”، فَحَذَفَ“ ذا "، مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]

الأعراف 7:199

وَقَوْلُهُ: ﴿خُذِ العَفْوَ﴾، و”اَلْعَفْوُ“: اَلْفَضْلُ، و”اَلْعَفْوُ“: ما أتى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ، ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾، أيْ: بِالمَعْرُوفِ، ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾

الأعراف 7:200

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾، لِأدْنى حَرَكَةٍ تَكُونُ، تَقُولُ: ”قَدْ نَزَغْتُهُ“، إذا حَرَّكْتَهُ، فالمَعْنى: ”إنْ نالَكَ مِنَ الشَّيْطانِ أدْنى نَزْغٍ - أيْ: وسْوَسَةٍ“ .

الأعراف 7:201

وَقَوْلُهُ: ﴿مَسَّهم طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾، يُقالُ: ”طُفْتُ، أطُوفُ“، و”طافَ الخَيالُ، يَطِيفُ“ . وَقَوْلُهُ: ﴿تَذَكَّرُوا فَإذا هم مُبْصِرُونَ﴾، أيْ: تَفَكَّرُوا فِيما هو أوْضَحُ لَهم مِنَ الحُجَّةِ، فَإذا هم مُبْصِرُونَ عَلى بَصِيرَةٍ.

الأعراف 7:202

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾، (p-٣٩٧)هَذا مَعْناهُ التَّقْدِيمُ، المَعْنى: ”لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ، ولا أنْفُسَهم يَنْصُرُونَ، وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ“، يَعْنِي الشَّياطِينَ، لِأنَّ الكُفّارَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، و”اَلْغَيُّ“: اَلْجَهْلُ، والوُقُوعُ في الحَرَكَةِ، ويُقالُ: ”أقْصَرَ، يُقْصِرُ“، و”قَصَّرَ، يُقَصِّرُ“ .

الأعراف 7:203

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾، أيْ: هَلّا اخْتَلَقْتَها؟ أيْ: هَلّا أتَيْتَ بِها مِن نَفْسِكَ؟ فَأعْلَمَهم ﷺ أنَّ الآياتِ مِن قِبَلِ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ -. وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي هَذا بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: هَذا القُرْآنُ - الَّذِي أتَيْتُ بِهِ - بَصائِرُ مِن رَبِّكُمْ، واحِدَةُ ”اَلْبَصائِرُ“: ”بَصِيرَةٌ“، و”اَلْبَصِيرَةُ“، و”اَلْبَصائِرُ“: طَرائِقُ الدَّمِ، قالَ الأسْعَرُ الجُعْفِيُّ: ؎راحُوا بَصائِرُهم عَلى أكْتافِهِمْ ∗∗∗ وبَصِيرَتِي يَعْدُو بِها عَتَدٌ وأى و”اَلْبَصِيرَةُ“: اَلتُّرْسُ، وجَمْعُها ”بَصائِرُ“، وجَمِيعُ هَذا أيْضًا مَعْناهُ: ظُهُورُ الشَّيْءِ وبَيانُهُ.

الأعراف 7:204

(p-٣٩٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا قُرِئَ القُرْآنُ فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾، يُرْوى أنَّ الكَلامَ في الصَّلاةِ كانَ جائِزًا، فَكانَ يَدْخُلُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: كَمْ صَلَّيْتُمْ؟ فَيُقالُ: ”صَلَّيْنا كَذا“، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾، حُرِّمَ الكَلامُ في الصَّلاةِ، إلّا ما كانَ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ -، ومِمّا ذَكَرَتْهُ الفُقَهاءُ، نَحْوَ التَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والِاسْتِغْفارِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مِن ذِكْرِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ومَسْألَتِهِ العَفْوَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا﴾، ”اِعْمَلُوا بِما فِيهِ، ولا تُجاوِزُوا“، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِ القائِلِ: ”سَمِعَ اللَّهُ دُعاءَكَ“، تَأْوِيلُهُ: ”أجابَ اللَّهُ دُعاءَكَ“، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - سَمِيعٌ عَلِيمٌ.

الأعراف 7:205

وَقَوْلُهُ: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾، ”اَلْآصالُ“: جَمْعُ ”أُصُلٌ“، و”اَلْأُصُلُ“: جَمْعُ ”أصِيلٌ“، فالآصالُ جَمْعُ الجَمْعِ، و”اَلْآصالُ“: اَلْعَشِيّاتُ.

الأعراف 7:206

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾، يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ، ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ يُنَزِّهُونَهُ عَنِ السُّوءِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: اَللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - في كُلِّ مَكانٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، فَمِن أيْنَ قِيلَ لِلْمَلائِكَةِ: ”عِنْدَ رَبِّكَ“ ؟ فَتَأْوِيلُهُ: إنَّهُ مَن قَرُبَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، ومِن تَفَضُّلِهِ، وإحْسانِهِ.