معاني القرآن وإعرابه — الأنفال 8:1 – هود 11:120
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:25
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:34
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:77
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:84
- التوبة 9:90
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:122
- التوبة 9:124
- التوبة 9:125
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
- يونس 10:1
- يونس 10:2
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:10
- يونس 10:11
- يونس 10:12
- يونس 10:13
- يونس 10:14
- يونس 10:15
- يونس 10:16
- يونس 10:18
- يونس 10:19
- يونس 10:21
- يونس 10:22
- يونس 10:23
- يونس 10:24
- يونس 10:25
- يونس 10:26
- يونس 10:27
- يونس 10:28
- يونس 10:29
- يونس 10:30
- يونس 10:32
- يونس 10:33
- يونس 10:35
- يونس 10:37
- يونس 10:38
- يونس 10:39
- يونس 10:40
- يونس 10:42
- يونس 10:43
- يونس 10:45
- يونس 10:46
- يونس 10:47
- يونس 10:50
- يونس 10:53
- يونس 10:54
- يونس 10:57
- يونس 10:58
- يونس 10:59
- يونس 10:61
- يونس 10:64
- يونس 10:66
- يونس 10:68
- يونس 10:69
- يونس 10:71
- يونس 10:77
- يونس 10:78
- يونس 10:83
- يونس 10:85
- يونس 10:87
- يونس 10:88
- يونس 10:89
- يونس 10:92
- يونس 10:94
- يونس 10:98
- يونس 10:100
- يونس 10:103
- هود 11:1
- هود 11:3
- هود 11:5
- هود 11:6
- هود 11:7
- هود 11:8
- هود 11:9
- هود 11:11
- هود 11:12
- هود 11:13
- هود 11:14
- هود 11:15
- هود 11:17
- هود 11:18
- هود 11:19
- هود 11:20
- هود 11:22
- هود 11:24
- هود 11:25
- هود 11:27
- هود 11:28
- هود 11:29
- هود 11:31
- هود 11:32
- هود 11:34
- هود 11:35
- هود 11:36
- هود 11:37
- هود 11:38
- هود 11:39
- هود 11:40
- هود 11:41
- هود 11:42
- هود 11:43
- هود 11:45
- هود 11:50
- هود 11:52
- هود 11:54
- هود 11:56
- هود 11:57
- هود 11:58
- هود 11:60
- هود 11:61
- هود 11:64
- هود 11:65
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:74
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:84
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:103
- هود 11:105
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:109
- هود 11:111
- هود 11:114
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
الأنفال 8:1
(p-٣٩٩)سُورَةُ اَلْأنْفالِ
﷽
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾، ”اَلْأنْفالُ“: اَلْغَنائِمُ، واحِدُها: ”نَفَلٌ“، قالَ لَبِيدٌ:
؎إنَّ تَقْوى رَبِّنا خَيْرُ نَفَلْ ∗∗∗ وبِإذْنِ اللَّهِ رَيْثِي وعَجَلْ
وَإنَّما سَألُوا عَنْها لِأنَّها - فِيما رُوِيَ - كانَتْ حَرامًا عَلى مَن كانَ قَبْلَهُمْ، ويُرْوى أنَّ النّاسَ في غَزاةِ ”بَدْرٍ“، كانُوا قَلِيلِينَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ لِمَن جاءَ بِأسِيرٍ غُنْمًا، ومَن جاءَ بِأسِيرَيْنِ عَلى حَسَبِ ذَلِكَ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّهُ نَفَلَ في السَّرايا، فَقالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾
الأنفال 8:2
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللَّهُ وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”إذا ذُكِرَتْ عَظَمَةُ اللَّهِ، وقُدْرَتُهُ، وما خَوَّفَ بِهِ مَن عَصاهُ، وجِلَتْ قُلُوبُهم“، أيْ: ”فَزِعَتْ لِذَلِكَ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لِأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَعْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ
يُقالُ: ”وَجِلَ، يَوْجَلُ، وجَلًا“، ويُقالُ في مَعْنى ”يَوْجَلُ“: ”ياجَلُ، يِيجَلُ، ويَيْجَلُ“، (p-٤٠١)هَذِهِ أرْبَعُ لُغاتٍ، حَكاها سِيبَوَيْهِ، وأجْوَدُها: ”يَوْجَلُ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾، تَأْوِيلُ ”اَلْإيمانُ“: اَلتَّصْدِيقُ، وكُلُّ ما تُلِيَ عَلَيْهِمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ صَدَّقُوا بِهِ، فَزادَ تَصْدِيقُهم بِذَلِكَ زِيادَةَ إيمانِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، ”حَقًّا“، مَنصُوبٌ بِمَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ، والجُمْلَةُ هي ”أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا“، فالمَعْنى: ”أحُقُّ ذَلِكَ حَقًّا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤]، أيْ: لَهم مَنازِلُ في الرِّفْعَةِ، عَلى قَدْرِ مَنازِلِهِمْ.
الأنفال 8:5
وَقَوْلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالحَقِّ الواجِبِ، ويَكُونُ تَأْوِيلُهُ: ﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ وإنَّ فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ ”كَذَلِكَ نَنْفُلُ مَن رَأيْنا، وإنْ كَرِهُوا“، لِأنَّ بَعْضَ الصَّحابَةِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ جَعَلَ لِكُلِّ مَن أتى بِأسِيرٍ شَيْئًا، قالَ: ”يَبْقى أكْثَرُ النّاسِ بِغَيْرِ شَيْءٍ“ .
(p-٤٠٠)فَمَوْضِعُ الكافِ في ”كَما“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”اَلْأنْفالُ ثابِتَةٌ لَكَ مِثْلَ إخْراجِ رَبِّكَ إيّاكَ مِن بَيْتِكَ بِالحَقِّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، مَعْنى ”ذاتَ بَيْنِكم“: حَقِيقَةُ وصْلِكُمْ، و”اَلْبَيْنُ“: اَلْوَصْلُ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤]، أيْ: وصْلُكُمْ، فالمَعْنى: ”اِتَّقُوا اللَّهَ، وكُونُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى ما أمَرَ اللَّهُ ورَسُولُهُ“، وكَذَلِكَ: ”اَللَّهُمَّ أصْلِحْ ذاتَ البَيْنِ“، أيْ: ”أصْلِحِ الحالَ الَّتِي بِها يَجْتَمِعُ المُسْلِمُونَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١]، أيْ: اِقْبَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في الغَنائِمِ، وغَيْرِها.
الأنفال 8:6
وَقَوْلُهُ: ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ بَعْدَما تَبَيَّنَ﴾، وعَدَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - في غَزاةِ ”بَدْرٍ“، أنَّهم يَظْفَرُونَ بِأهْلِ مَكَّةَ، وبِالعِيرِ، وهي الإبِلُ، لِكَراهَتِهِمُ القِتالَ، فَجادَلُوا النَّبِيَّ ﷺ، وقالُوا: إنَّما خَرَجْنا إلى العِيرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ﴾، أيْ: وهم كانُوا في خُرُوجِهِمْ لِلْقِتالِ كَأنَّهم يُساقُونَ إلى المَوْتِ، لِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، وأنَّهم رَجّالَةٌ، يُرْوى أنَّهم إنَّما كانَ فِيهِمْ فارِسانِ، فَخافُوا.
الأنفال 8:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إحْدى الطّائِفَتَيْنِ أنَّها لَكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرُوا إذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ أنَّ لَكم إحْدى الطّائِفَتَيْنِ“ .
(p-٤٠٢)﴿أنَّها لَكُمْ﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى البَدَلِ مِن ”إحْدى“، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، اَلْمَعْنى: ”وَلَوْلا أنْ تَطَؤُوهم“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، أيْ: تَوَدُّونَ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي لَيْسَتْ فِيها حَرْبٌ، ولا سِلاحٌ، وهي الإبِلُ، تَكُونُ لَكُمْ، و”ذاتُ الشَّوْكَةِ“: ذاتُ السِّلاحِ، يُقالُ: ”فُلانٌ شاكٍ في السِّلاحِ“، و”شائِكٌ في السِّلاحِ“، و”شاكٌّ في السِّلاحِ“، بِتَشْدِيدِ الكافِ، مِن ”اَلشِّكَةُ“، ومِثْلُ ”شاكِي“، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَتَعَرَّفُونِي إنَّنِي أنا ذاكُمُ ∗∗∗ شاكٍ سِلاحِي في الحَوادِثِ مُعْلِمُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾، أيْ: ”ظَفَرُكم بِذاتِ الشَّوْكَةِ أقْطَعُ لِدابِرِهِمْ“ .
الأنفال 8:9
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكُمْ﴾، لَمّا رَأوْا أنْفُسَهم في قِلَّةِ عَدَدٍ اسْتَغاثُوا، فَأمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنِّي مُمِدُّكم بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، يُقالُ: ”رَدِفْتُ الرَّجُلَ“، إذا رَكِبْتُ خَلْفَهُ، و”أرْدَفُتُهُ“، إذا أرْكَبْتُهُ خَلْفِي، ويُقالُ: ”هَذِهِ دابَّةٌ لا تُرادِفُ“، ولا يُقالُ: ”لا تُرْدَفُ“، ويُقالُ: ”أرْدَفْتُ الرَّجُلَ“، إذا جِئْتُ بَعْدَهُ، فَمَعْنى ”مُرْدِفِينَ“: يَأْتُونَ فِرْقَةً بَعْدَ فِرْقَةٍ، ويُقْرَأُ: ”مُرْدَفِينَ“، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ (p-٤٠٣)”مَرَدَّفِينَ“، ويَجُوزُ ”مُرِدِّفِينَ“، و”مُرَدَّفِينَ“، يَجُوزُ في الرّاءِ، مَعَ تَشْدِيدِ الدّالِ، كَسْرُها، وفَتْحُها، وضَمُّها، والدّالُ مُشَدَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلى كُلِّ حالٍ: قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْأصْلُ ”مُرْتَدِفِينَ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، فَصارَتْ ”مُرَدِّفِينَ“، لِأنَّكَ طَرَحْتَ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الرّاءِ، قالَ: وإنْ شِئْتَ لَمْ تَطْرَحْ حَرَكَةَ التّاءِ، وكَسَرْتَ الرّاءَ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والَّذِينَ ضَمُّوا الرّاءَ جَعَلُوها تابِعَةً لِضَمَّةِ المِيمِ.
الأنفال 8:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلا بُشْرى﴾، أيْ: ما جَعَلَ اللَّهُ المَدَدَ إلّا بُشْرى.
الأنفال 8:11
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ﴾، ”إذْ“، مَوْضِعُها نَصْبٌ عَلى مَعْنى ”وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إلّا بُشْرى في ذَلِكَ الوَقْتِ“، ويَجُوزُ عَلى أنْ يَكُونَ: ”اُذْكُرُوا إذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ“، يُقالُ: ”نَعَسَ الرَّجُلُ يَنْعَسُ نُعاسًا، وهو ناعِسٌ“، وبَعْضُهم يَقُولُ: ”نَعْسانُ“، ولَكِنْ لا أشْتَهِيها.
و”أمَنَةً“، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، كَقَوْلِكَ: ”فَعَلْتُ ذَلِكَ حَذَرَ الشَّرِّ“، والتَّأْوِيلُ أنَّ اللَّهَ أمَّنَهم أمْنًا، حَتّى غَشِيَهُمُ النُّعاسُ لِما وعَدَهم مِنَ النَّصْرِ، يُقالُ: ”قَدْ آمَنتُ، آمَنُ، أمْنًا - بِفَتْحِ الألِفِ -، وأمانًا، وأمَنَةً“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُنَـزِّلُ عَلَيْكم مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾، كانَ المُشْرِكُونَ قَدْ نَزَلُوا عَلى الماءِ، وسَبَقُوا المُسْلِمِينَ، ونَزَلَ المُسْلِمُونَ في رَمْلٍ تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، وأصابَتْ بَعْضَهُمُ الجَنابَةُ، فَوَسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطانُ بِأنَّ عَدُوَّهم يَقْدِرُونَ عَلى الماءِ وهم لا يَقْدِرُونَ عَلى الماءِ، وخُيِّلَ إلَيْهِمْ أنَّ (p-٤٠٤)ذَلِكَ عَوْنٌ مِنَ اللَّهِ لِعَدُوِّهِمْ، فَأمْطَرَ اللَّهُ المَكانَ الَّذِي كانُوا فِيهِ فَتَطَهَّرُوا مِنَ الماءِ، واسْتَوَتِ الأرْضُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها، حَتّى أمْكَنَ الوُقُوفُ فِيها، والتَّصَرُّفُ، وهَذا مِن آياتِ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - الَّتِي تَدُلُّ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، وأمْرُ ”بَدْرٍ“، كانَ مِن أعْظَمِ الآياتِ، لِأنَّ عَدَدَ المُسْلِمِينَ كانَ قَلِيلًا جِدًّا، وكانُوا رَجّالَةً، فَأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وكانَ المُشْرِكُونَ أضْعافَهُمْ، وأمَدَّهُمُ اللَّهُ بِالمَلائِكَةِ، قالَ بَعْضُهم: كانَ المَلائِكَةُ خَمْسَةَ آلافٍ، وقالَ بَعْضُهم: تِسْعَةَ آلافٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾، أيْ: وساوِسَهُ، وخَطاياهُ، ويُثَبِّتَ بِهِ الأقْدامَ، أيْ: ”وَيُثَبِّتَ بِالماءِ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلى الرَّمْلِ حَتّى اسْتَوى“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ زَيَّنَ بِهِ لِلرَّبْطِ عَلى قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكم ويُثَبِّتَ بِالرَّبْطِ الأقْدامَ“ .
الأنفال 8:12
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ﴾، ”إذْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى ”وَلِيَرْبِطَ إذْ يُوحِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ”اُذْكُرُوا“، فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا، جائِزٌ أنْ يَكُونَ أنَّهم يُثَبِّتُوهم بِأشْياءَ يُلْقُونَها في قُلُوبِهِمْ تَقْوى بِها، وجائِزَ أنْ يَكُونُوا يَرَوْنَهم مَدَدًا، فَإذا عايَنُوا نَصْرَ المَلائِكَةِ ثَبَتُوا.
(p-٤٠٥)وَقَوْلُهُ: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾، أباحَهُمُ اللَّهُ قَتْلَهم بِكُلِّ نَوْعٍ في الحَرْبِ، واحِدُ ”اَلْبَنانُ“: بَنانَةٌ، ومَعْناهُ هَهُنا: اَلْأصابِعُ، وغَيْرُها مِن جَمِيعِ الأعْضاءِ، وإنَّما اشْتِقاقُ ”اَلْبَنانُ“، مِن قَوْلِهِمْ: ”أبَنَّ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ بِهِ، فالبِناءُ بِهِ يَعْتَمِلُ كُلَّ ما يَكُونُ لِلْإقامَةِ والحَياةِ.
الأنفال 8:13
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، ”شاقُّوا“: جانَبُوا، صارُوا في شِقٍّ غَيْرِ شِقِّ المُؤْمِنِينَ، ومِثْلُ ”شاقُّوا“: جانَبُوا، وحازَبُوا، وحارَبُوا، مَعْنى ”حازَبُوا“: صارَ هَؤُلاءِ حِزْبًا، وهَؤُلاءِ حِزْبًا، ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾، ”يُشاقِقْ“، و”يُشاقِّ“، جَمِيعًا، إلّا أنَّها هَهُنا ”يُشاقِقْ“، بِإظْهارِ التَّضْعِيفِ مَعَ الجَزْمِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وغَيْرُهم يُدْغِمُ، فَإذا أدْغَمْتَ قُلْتَ: ”مَن يُشاقَّ زَيْدًا أُهِنْهُ“، بِفَتْحِ القافِ، لِأنَّ القافَيْنِ ساكِنَتانِ، فَحُرِّكَتِ الثّانِيَةُ بِالفَتْحِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ولِأنَّ قَبْلَها ألِفًا، وإنْ شِئْتَ كَسَرْتَ، فَقُلْتَ: ”يُشاقِّ زَيْدًا“، كَسَرْتَ القافَ، لِأنَّ أصْلَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ الكَسْرُ، فَإذا اسْتَقْبَلَتْها ألِفٌ ولامٌ اخْتَرْتَ الكَسْرَ، فَقُلْتَ: ”وَمَن يُشاقِّ اللَّهَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
الأنفال 8:15
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾، يُقالُ: ”أزَحَفْتُ لِلْقَوْمِ“، إذا ثَبَتُّ لَهُمْ، فالمَعْنى: ”إذا واقَفْتُمُوهم لِلْقِتالِ، ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾، أيْ:“ لا تَنْهَزِمُوا حَتّى تُدْبِرُوا ”.
(p-٤٠٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا﴾ [الأنفال: ١٦]، يَعْنِي يَوْمَ حَرْبِهِمْ، ﴿إلا مُتَحَرِّفًا﴾ [الأنفال: ١٦]، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّصْبُ في“ مُتَحَرِّفًا ”، و“ مُتَحَيِّزًا ”، عَلى الِاسْتِثْناءِ، أيْ:“ إلّا رَجُلًا مُتَحَيِّزًا ”، أيْ: يَكُونُ مُنْفَرِدًا، فَيَنْحازُ لِيَكُونَ مَعَ المُقاتِلَةِ، وأصْلُ“ مُتَحَيِّزٌ ”:“ مُتَحَيْوِزٌ "، فَأُدْغِمَتِ الياءُ في الواوِ.
الأنفال 8:17
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهم ولَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، ويُقْرَأُ، ”وَلَكِنِ اللَّهُ قَتَلَهم“، فَمَن شَدَّدَ، نَصَبَ لَنَصْبِ ”لَكِنَّ“، ومَن خَفَّفَ، أبْطَلَ عَمَلَها، ورَفَعَ قَوْلَهُ: ”اَللَّهُ“، بِالِابْتِداءِ، أضافَ اللَّهُ قَتْلَهم إلَيْهِ، لِأنَّهُ هو الَّذِي تَوَلّى نَصْرَهُمْ، وأظْهَرَ في ذَلِكَ الآياتِ المُعْجِزاتِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾، لَيْسَ هَذا نَفْيَ رَمْيِ النَّبِيِّ ﷺ ولَكِنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْقِلُ، ويُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: ”ناوِلْنِي كَفًّا مِن بَطْحاءَ“، فَناوَلَهُ كَفًّا، فَرَمى بِها، فَلَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ - أعْنِي مِنَ العَدُوِّ - إلّا شُغِلَ بِعَيْنِهِ،» فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ كَفًّا مِن تُرابٍ، أوْ حَصًى، لا يَمْلَأُ عُيُونَ ذَلِكَ الجَيْشِ الكَثِيرِ (p-٤٠٧)بِرَمْيَةِ بَشَرٍ، وأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَوَلّى إيصالَ ذَلِكَ إلى أبْصارِهِمْ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾، أيْ: لَمْ يُصِبْ رَمْيُكَ ذاكَ، ويَبْلُغْ ذَلِكَ المَبْلَغَ بِكَ، إنَّما اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَوَلّى ذَلِكَ، فَهَذا مَجازُ ”﴿وَما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ رَمى﴾“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنهُ بَلاءً حَسَنًا﴾، أيْ: لِيَنْصُرَهم نَصْرًا جَمِيلًا، ويَخْتَبِرَهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ، ومَعْنى ”يُبْلِيَهم“، هَهُنا: يُسْدِيَ إلَيْهِمْ.
الأنفال 8:18
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ”﴿ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾“، بِتَشْدِيدِ الهاءِ، والنَّصْبِ في ”كَيْدَ“، ويَجُوزُ الجَرُّ في ”كَيْدِ“، وإضافَةُ ”مُوهِنُ“، إلَيْهِ، فَفِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، في النَّصْبِ وجْهانِ، وفي الجَرِّ وجْهانِ، ومَوْضِعُ ”ذَلِكم“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكم وأنَّ اللَّهَ...“، و”اَلْأمْرُ أنَّ اللَّهَ مُوهِنُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ﴾ [الأنفال: ١٤]، مَوْضِعُ ”ذَلِكم“: رَفْعٌ عَلى إضْمارِ ”اَلْأمْرُ“، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكم فَذُوقُوهُ“، فَمَن قالَ: إنَّهُ يَرْفَعُ ”ذَلِكم“، بِما عادَ عَلَيْهِ مِنَ الهاءِ، أوْ بِالِابْتِداءِ، وجَعَلَ الخَبَرَ ”فَذُوقُوهُ“، فَقَدْ أخْطَأ مِن قِبَلِ أنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَكُونُ خَبَرًا لِمُبْتَدَإٍ، لا يَجُوزُ ”زَيْدٌ فَمُنْطَلِقٌ“، ولا ”زَيْدٌ فاضْرِبْهُ“، إلّا أنْ تُضْمِرَ ”هَذا“، تُرِيدُ ”هَذا زَيْدٌ فاضْرِبْهُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَقائِلَةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فَتاتَهم ∗∗∗ وأُكْرُومَةُ الحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَما هِيا
(p-٤٠٨)وَذَكَرَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى إضْمارِ ”واعْلَمُوا أنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ“، ويَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: ”زَيْدٌ مُنْطَلِقٌ وعَمْرًا قائِمًا“، عَلى مَعْنى: ”واعْلَمْ عَمْرًا قائِمًا“، بَلْ يَلْزَمُهُ أنْ يَقُولَ: ”عَمْرًا مُنْطَلِقًا“، لِأنَّ المُخْبِرَ مُعْلِمٌ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَجُزْ إضْمارُ ”اِعْلَمْ“، هَهُنا، لِأنَّ كُلَّ كَلامٍ يُخْبَرُ بِهِ، أوْ يُسْتَخْبَرُ فِيهِ، فَأنْتَ مُعْلِمٌ بِهِ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ إظْهارِ العِلْمِ، أوْ إضْمارِهِ، وهَذا القَوْلُ لَمْ يَقُلْهُ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
الأنفال 8:19
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾، مَعْناهُ: ”إنْ تَسْتَنْصِرُوا فَقَدْ جاءَكُمُ النَّصْرُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”إنْ تَسْتَحْكِمُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الحُكْمُ“، وقَدْ أتى التَّفْسِيرُ بِالمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا، رَوَوْا أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ يَوْمَ ”بَدْرٍ“: اَللَّهُمَّ أقْطَعُنا لِلرَّحِمِ، وأفْسَدُنا لِلْجَماعَةِ، فَأحِنْهُ اليَوْمَ ”، فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَحْكُمَ بِحَيْنِ مَن كانَ كَذَلِكَ، فَنُصِرَ النَّبِيُّ ﷺ، ونالَ الحَيْنُ أبا جَهْلٍ، وأصْحابَهُ، فَقالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾، أيْ:“ إنْ تَسْتَقْضُوا فَقَدْ جاءَكُمُ القَضاءُ ”، وقِيلَ: إنَّهُ قالَ:“ اَللَّهُمَّ انْصُرْ أحَبَّ الفِئَتَيْنِ إلَيْكَ ”، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْناهُ:“ إنْ تَسْتَنْصِرُوا "، وكِلا الوَجْهَيْنِ جَيِّدٌ.
الأنفال 8:21
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾، يُعْنى بِهِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١]، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ”لا يَسْمَعُونَ“، لِأنَّهُمُ اسْتَمَعُوا اسْتِماعَ عَداوَةٍ وبَغْضاءَ، فَلَمْ يَتَفَهَّمُوا، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا، فَكانُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَسْمَعْ.
الأنفال 8:22
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ﴾، (p-٤٠٩)يُعْنى بِهِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ، ويَفْهَمُونَ، فَيَكُونُونَ في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَسْمَعْ، ولَمْ يَعْقِلْ.
الأنفال 8:23
﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾، أيْ: لَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهم جَوابَ كُلِّ ما يَسْألُونَ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَوْ أسْمَعَهم لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: لَوْ بَيَّنَ لَهم كُلَّ ما يَعْتَلِجُ في نُفُوسِهِمْ لَتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ، لِمُعانَدَتِهِمْ.
الأنفال 8:24
وَقَوْلُهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾، أيْ: لِما يَكُونُ سَبَبًا لِلْحَياةِ، وهو العِلْمُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ لِما يَكُونُ سَبَبًا لِلْحَياةِ الدّائِمَةِ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ومَعْنى ”اِسْتَجِيبُوا“، في مَعْنى ”أجِيبُوا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النِّدا ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
أيْ: فَلَمْ يُجِبْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾، قِيلَ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالَ بَعْضُهم: ”يَحُولُ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكُفْرِ“، و”يَحُولُ بَيْنَ الكافِرِ والإيمانِ بِالمَوْتِ“، أيْ: ”يَحُولُ بَيْنَ الإنْسانِ وما يُسَوِّفُ بِهِ نَفْسَهُ بِالمَوْتِ“، وقِيلَ: ”يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ“، مَعْناهُ: ”واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المَرْءِ في القُرْبِ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ“، كَما قالَ: - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُفَكِّرُونَ في كَثْرَةِ عَدُوِّهِمْ، وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَيَدْخُلُ في (p-٤١٠)قُلُوبِهِمُ الخَوْفُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ، بِأنْ يُبْدِلَهُ بِالخَوْفِ الأمْنَ، ويُبْدِلَ عَدُوَّهم - بِظَنِّهِمْ أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْهِ - الجُبْنَ، والخَوَرَ.
الأنفال 8:25
﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾، أيْ: اِتَّقُوا أنْ يُبْدَلَ الظّالِمُونَ بِنِقْمَةٍ مِنَ اللَّهِ، يُعْنى بِهَذا مَرَدَةُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا يَصُدُّونَ عَنِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الكَلامَ جَزاءٌ فِيهِ طَرَفٌ مِنَ النَّهْيِ، فَإذا قُلْتَ: ”اِنْزِلْ عَنِ الدّابَّةِ لا تَطْرَحْكَ، ولا تَطْرَحَنَّكَ“، فَهَذا جَوابُ الأمْرِ بِلَفْظِ النَّهْيِ، فالمَعْنى: ”إنْ تَنْزِلْ عَنْها لا تَطْرَحْكَ“، فَإذا أتَيْتَ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، أوِ الثَّقِيلَةِ، كانَ أوْكَدَ لِلْكَلامِ، ومِثْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، إنَّها أمَرَتْ بِالدُّخُولِ، ثُمَّ نَهَتْهم أنْ يَحْطِمَهم سُلَيْمانُ، فَقالَتْ: ”لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِسُلَيْمانَ، ومَعْناهُ لِلنَّمْلِ، كَما تَقُولُ:“ لا أرَيَنَّكَ هَهُنا ”، فَلَفْظُ النَّهْيِ لِنَفْسِكَ، ومَعْناهُ:“ لا تَكُونَنَّ هَهُنا فَإنِّي أراكَ " .
الأنفال 8:30
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرْ إذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا“، فَأذْكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - نِعْمَةً ما أنْعَمَ عَلَيْهِ مِنَ النَّصْرِ، والظَّفَرِ يَوْمَ ”بَدْرٍ“، ذَلِكَ، فَقالَ: ”وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا“، أيْ: ”اُذْكُرْ تِلْكَ الخِلالَ“، ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾، لِأنَّ مَكْرَ اللَّهِ إنَّما هو مُجازاةٌ، ونَصْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فاللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ.
الأنفال 8:31
(p-٤١١)﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، وقَدْ دُعُوا بِأنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ واحِدَةٍ مِن مِثْلِ القُرْآنِ، فَلَمْ يَأْتُوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ هَذا إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، واحِدَتُها ”أُسْطُورَةٌ“، يَعْنُونَ ما سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ مِنَ الأكاذِيبِ، ثُمَّ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢]، اَلْقِراءَةُ عَلى نَصْبِ ”اَلْحَقَّ“، عَلى خَبَرِ ”كانَ“، ودَخَلَتْ ”هو“، لِلْفَصْلِ، وقَدْ شَرَحْنا هَذا فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، واعْلَمْ أنَّ ”هو“، لا مَوْضِعَ لَها في قَوْلِنا، وأنَّها بِمَنزِلَةِ ”ما“، اَلْمُؤَكِّدَةِ، ودَخَلَتْ لِيُعْلَمَ أنَّ ”اَلْحَقَّ“، لَيْسَ بِصِفَةٍ لِـ ”هَذا“، أوْ أنَّهُ خَبَرٌ، ويَجُوزُ ”هو الحَقُّ مِن عِنْدِكَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَتِها، ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ لا يُقْرَأُ فِيها إلّا بِقِراءَةٍ مَرْوِيَّةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، اَلْمَعْنى: ”واذْكُرْ إذْ قالُوا هَذا القَوْلَ“، وقالُوا عَلى وجْهِ الدَّفْعَ لَهُ، وقالُوهُ والنَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهم ورَسُولُهُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، (p-٤١٢)أيْ: ”وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم ومِنهم مَن يَؤُولُ أمْرُهُ إلى الإسْلامِ، قالَ: ﴿وَما لَهم ألا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، اَلْمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَهم في تَرْكِ العَذابِ؟! أيْ: في دَفْعِهِ عَنْهُمْ، ﴿وَهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ [الأنفال: ٣٤]، اَلْمَعْنى:“ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أوْلِياءَهُ، وما كانُوا أوْلِياءَهُ، ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلا المُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]، اَلْمَعْنى: ”ما أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُعَذِّبَهم بِالعَذابِ الَّذِي وقَعَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ، والسَّبْيِ، وهو بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، ولا لِيُوقِعَ ذَلِكَ العَذابَ بِمَن يَؤُولُ أمْرُهُ إلى الإسْلامِ مِنهُمْ، وأعْلَمُهُ أنَّهُ لا يَدْفَعُ العَذابَ عَنْ جُمْلَتِهِمُ الَّذِي أوْقَعَهُ بِهِمْ، ثُمَّ أعْلَمُ أنَّهم ما كانُوا مَعَ صَدِّهِمْ أوْلِياءَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأوْلِياءَ اللَّهِ، إنَّهم إنَّما كانَ تَقَرُّبُهم إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - بِالصَّفِيرِ، والتَّصْفِيقِ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما كانَ صَلاتُهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً وتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، فالمُكاءُ: اَلصَّفِيرُ، والتَّصْدِيَةُ: اَلتَّصْفِيقُ.
الأنفال 8:37
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أيْ: لِيُمَيِّزَ ما أنْفَقَهُ المُؤْمِنُونَ في طاعَةِ اللَّهِ، مِمّا أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وَيَجْعَلَ الخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾، (p-٤١٣)و”اَلرَّكْمُ“: أنْ يُجْعَلَ بَعْضُ الشَّيْءِ عَلى بَعْضٍ، ويُقالُ: ”رَكَمْتُ الشَّيْءَ، أرْكُمُهُ، رَكْمًا“، و”اَلرُّكامُ“، اَلِاسْمُ، ﴿فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ﴾، أيْ: يَجْعَلَ بَعْضَ ما أنْفَقَهُ المُشْرِكُونَ عَلى بَعْضٍ، ويُجْعَلَ عَلَيْهِمْ في النّارِ، فَيَكُونَ مِمّا يُعَذَّبُونَ بِهِ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم وظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥]
الأنفال 8:39
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، أيْ: حَتّى لا يُفْتَنَ النّاسُ فِتْنَةَ كُفْرٍ، ويَدُلُّ عَلى مَعْنى ”فِتْنَةُ كُفْرٍ“، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾
الأنفال 8:40
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَوَلَّوْا فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَإنْ أقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم“، أيْ: ”هو المَوْلى لَكم“، فَلا تَضُرُّكم مُعاداتُهم.
الأنفال 8:41
وَقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾، كَثُرَ اخْتِلافُ النّاسِ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، والعَمَلِ بِها، وجُمْلَتُها أنَّها مالٌ مِنَ الأمْوالِ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - فِيها الفُرُوضَ، والأمْوالُ الَّتِي جَرى فِيها ذِكْرُ الفُرُوضِ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ ومَن أشْبَهَهم ثَلاثَةُ أصْنافٍ، سَمّى اللَّهَ كُلَّ صِنْفٍ مِنها، فَسَمّى ما كانَ مِنَ الأمْوالِ الَّتِي يَأْخُدُها المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ في حالِ الحَرْبِ أنْفالًا وغَنائِمَ، وسُمِّيَ ما صارَ إلى المُسْلِمِينَ مِمّا لَمْ يُؤْخَذْ في الحَرْبِ مِنَ الخَراجِ، والجِزْيَةِ ”فَيْئًا“، وسُمِّيَ ما خَرَجَ مِن أمْوالِ المُسْلِمِينَ (p-٤١٤)- كالزَّكاةِ، وما نَذَوُوا مِن نُذُرٍ، وتَقَرَّبُوا بِهِ إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - ”صَدَقَةً“، فَهَذِهِ جُمْلَةُ تَسْمِيَةِ الأمْوالِ، ونَحْنُ نُبَيِّنُ في هَذِهِ الآيَةِ ما قالَهُ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ، وما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أجْمَعَتِ الفُقَهاءُ أنَّ أرْبَعَةَ أخْماسِ الغَنِيمَةِ لِأهْلِ الحَرْبِ خاصَّةً، والخُمُسُ الَّذِي سُمِّيَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ﴾، إلى آخِرِ الآيَةِ، في الِاخْتِلافِ، فَأمّا الشّافِعِيُّ فَذَكَرَ أنَّ هَذا الخُمُسَ مَقْسُومٌ عَلى ما سَمّى اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - مِن أهْلِ قِسْمَتِهِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، افْتِتاحَ كَلامٍ، قالَ أبُو إسْحاقَ، وأحْسَبُ مَعْنى ”اِفْتِتاحُ كَلامٍ“، عِنْدَهُ في هَذا أنَّ الأشْياءَ كُلَّها لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فابْتَدَأ وافْتَتَحَ الكَلامَ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ“، كَما قالَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ قُلِ الأنْفالُ لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ثُمَّ قَسَّمَ هَذا الخُمُسَ عَلى خَمْسَةِ أنْصِباءَ، خُمُسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وخُمُسٌ لِيَتامى المُسْلِمِينَ، لا لِيَتامى آلِ النَّبِيِّ ﷺ، وخُمُسٌ في المَساكِينِ - مَساكِينِ المُسْلِمِينَ، لا مَساكِينِ النَّبِيِّ ﷺ وخُمُسٌ لِابْنِ السَّبِيلِ، ولا يَرى الشّافِعِيُّ أنْ يَتْرُكَ صِنْفًا مِن هَذِهِ الأصْنافِ بِغَيْرِ حَظٍّ في القِسْمَةِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وبَلَغَنِي أنَّهُ يَرى أنْ يُفَضَّلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، ويَرى في سَهْمِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُصْرَفَ إلى ما كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُهُ فِيهِ، والَّذِي رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَصْرِفُ الخُمُسَ في عُدَدٍ لِلْمُسْلِمِينَ، نَحْوَ اتِّخاذِ (p-٤١٥)السِّلاحِ الَّذِي تَقْوى بِهِ شَوْكَتُهُمْ، فَهَذا مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وهو عَلى لَفْظِ ما في الكِتابِ، فَأمّا أبُو حَنِيفَةَ - ومَن قالَ بِقَوْلِهِ -، فَيُقَسِّمُ هَذا الخُمُسَ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ، يُسْقِطُ ما لِلرَّسُولِ مِنَ القِسْمَةِ، وما لِذَوِي القُرْبى، وحُجَّتُهُ في هَذا أنَّ أبا بَكْرٍ، وعُمَرَ، لَمْ يُعْطِيا سَهْمَ ذَوِي القُرْبى، وأنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ ﷺ ذَهَبَ بِوَفاتِهِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا تُوَرَّثُ، فَيُقَسَّمُ عَلى اليَتامى، والمَساكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ، عَلى قَدْرِ حاجَةِ كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُمْ، ويُعْطِي بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ مِنهم خاصَّةً، إلّا أنَّهُ لا يُخْرِجُ القَسْمَ عَنْ هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، وأمّا مَذْهَبُ مالِكٍ، فَيُرْوى أنَّ قَوْلَهُ في هَذا الخُمُسِ، وفي الفَيْءِ، أنَّهُ إنَّما ذُكِرَ هَؤُلاءِ المُسَمَّوْنَ لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِمْ، فَهو يُجِيزُ أنْ يُقَسَّمَ بَيْنَهُمْ، ويُجِيزَ أنْ يُعْطِيَ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، ويَجُوزَ أنْ يُخْرِجَهم مِنَ القَسْمِ إنْ كانَ أمْرُ غَيْرِهِمْ أهَمَّ مِن أمْرِهِمْ، فَيَفْعَلَ هَذا عَلى قَدْرِ الحاجَةِ، وحُجَّتُهُ في هَذا أنَّ أمْرَ الصَّدَقاتِ لَمْ يَزَلْ يَجْرِي في الِاسْتِعْمالِ عَلى ما يَراهُ النّاسُ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم وفي الرِّقابِ والغارِمِينَ وفي سَبِيلِ اللَّهِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَلَوْ أنَّ رَجُلًا وجَبَتْ عَلَيْهِ خَمْسَةُ دَراهِمَ لَأخْرَجَها إلى صِنْفٍ مِن هَذِهِ، أوْ إلى ما شاءَ مِن هَذِهِ الأصْنافِ، ولَوْ كانَ ذِكْرُ التَّسْمِيَةِ يُوجِبُ الحَقَّ لِلْجَماعَةِ، لَما جازَ أنْ يُخَصَّ واحِدٌ دُونَ غَيْرِهِ، ولا أنْ يُنْقَصَ واحِدٌ مِمّا يُعْطى غَيْرُهُ، (p-٤١٦)قالَ أبُو إسْحاقَ: مِن حُجَجِ مالِكٍ في أنَّ ذِكْرَ هَؤُلاءِ إنَّما وقَعَ لِلْخُصُوصِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فَذَكَرَ جُمْلَةَ المَلائِكَةِ، فَقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكالُ في الجُمْلَةِ، وذُكِرا بِاسْمَيْهِما، لِخُصُوصِهِما، وكَذَلِكَ ذِكْرُ هَؤُلاءِ في القِسْمَةِ، والفَيْءِ، والصَّدَقَةِ، لِأنَّهم مِن أهَمِّ مَن يُصْرَفُ إلَيْهِ الأمْوالَ مِنَ البَرِّ، والصَّدَقَةِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: ومِنَ الحُجَّةِ لِمالِكٍ أيْضًا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، فَلِلرَّجُلِ أنَّ يُنْفِقَ في البِرِّ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ، وعَلى صِنْفٍ مِنها، ولَهُ أنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذِهِ الأصْنافِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النّاسِ في ذَلِكَ، قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا جُمْلَةُ ما عَلِمْناهُ مِن أقْوالِ الفُقَهاءِ في هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْـزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إنْ كُنْتُمْ“، مُعَلَّقَةً بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَوْلاكم نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: ٤٠]، ﴿إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ وما أنْـزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾، فَأيْقِنُوا أنَّ اللَّهَ نَصَرَكم إذْ كُنْتُمْ قَدْ شاهَدْتُمْ مِن نَصْرِهِ ما شاهَدْتُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ“، مَعْناها: اِعْلَمُوا أنَّ ما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ولِلرَّسُولِ، يَأْمُرانِ فِيهِ بِما يُرِيدانِ، إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فاقْبَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ في الغَنِيمَةِ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَوْمَ الفُرْقانِ﴾، هو يَوْمُ ”بَدْرٍ“، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أظْهَرَ فِيهِ مِن نَصْرِهِ بِإرْدافِ المَلائِكَةِ (p-٤١٧)والإمْدادِ بِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، ما كانَ فِيهِ فُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
الأنفال 8:42
ثُمَّ أكَّدَ التَّبَيُّنَ في ذَلِكَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾، أيْ: اَلدُّنْيا مِنكُمْ، و”اَلْعُدْوَةُ“: شَفِيرُ الوادِي، يُقالُ: ”عِدْوَةٌ“، و”عُدْوَةٌ“، و”عِدى الوادِي“، مَقْصُورٌ، فالمَعْنى: ”إذْ أنْتُمْ بِالعُدْوَةِ الدُّنْيا“، أيْ: بِشَفِيرِ الوادِي الَّذِي يَلِي المَدِينَةَ، وهم بِالعُدْوَةِ القُصْوى، بِشَفِيرِ الوادِي الَّذِي يَلِي مَكَّةَ، ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾، ”اَلرَّكْبُ“: اَلْعِيرُ الَّتِي كانَ فِيها أبُو سُفْيانَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ نَصْرَ المُؤْمِنِينَ وهم في هَذا المَوْضِعِ فُرْقانٌ، قالَ أبُو إسْحاقَ: قَدْ بَيَّنّا أنَّهُ كانَ رَمْلًا تَسُوخُ فِيهِ الأرْجُلُ، ولَمْ يَكُونُوا عَلى ماءٍ، وكانَ المُشْرِكُونَ نازِلِينَ عَلى مَوْضِعٍ فِيهِ الماءُ، وهم مَعَ ذَلِكَ يُحامُونَ عَنِ العِيرِ، فَهو أشَدُّ لِشَوْكَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - النَّصْرَ في هَذِهِ الحالِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، وكَثْرَةِ عَدَدِ المُشْرِكِينَ، وشِدَّةِ شَوْكَتِهِمْ، فُرْقانًا، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّكْبُ أسْفَلَ مِنكُمْ﴾، وجْهانِ، الوَجْهُ أنْ تَنْصِبَ ”أسْفَلَ“، وعَلَيْهِ القِراءَةُ، ويَجُوزُ أنْ تَرْفَعَ ”أسْفَلُ“، عَلى أنَّكَ تُرِيدُ ”والرَّكْبُ أسْفَلُ مِنكم“، أيْ: أشَدُّ تَسَفُّلًا، ومَن نَصَبَ أرادَ: ”والرَّكْبُ مَكانًا أسْفَلَ مِنكم“ .
(p-٤١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾، جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - القاصِدَ لِلْحَقِّ بِمَنزِلَةِ الحَيِّ، وجَعَلَ الضّالَّ بِمَنزِلَةِ الهالِكِ، ويَجُوزُ ”حَيِيَ“، بِياءَيْنِ، و”حَيَّ“، بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَأمّا الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، فَيُجِيزانِ الإدْغامَ، والإظْهارَ إذا كانَتِ الحَرَكَةُ في الثّانِي لازِمَةً، فَأمّا مَن أدْغَمَ فَلِاجْتِماعِ حَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، وأمّا مَن أظْهَرَ فَلِأنَّ الحَرْفَ الثّانِيَ يَنْتَقِلُ عَنْ لَفْظِ الياءِ، تَقُولُ: ”حَيِيَ، يَحْيا“، و”اَلْمَحْيا، والمَماتُ“، فَعَلى هَذا يَجُوزُ الإظْهارُ، فَأمّا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُوَ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ [الأعراف: ١٥٨] .
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٤٠]، فَلا يَجُوزُ فِيهِ عِنْدَ جَمِيعِ البَصْرِيِّينَ إلّا ”يُحْيِيَ“، بِياءَيْنِ ظاهِرَتَيْنِ، وأجازَ بَعْضُهم: ”يُحَيِّ“، بِياءٍ واحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ مُدْغَمَةٍ، وذُكِرَ أنَّ بَعْضَهم أنْشَدَ:
؎وَكَأنَّها بَيْنَ النِّساءِ سَبِيكَةٌ ∗∗∗ تَمْشِي بِسُدَّةِ بَيْتِها فَتَعِي
وَلَوْ كانَ هَذا المُنْشِدُ المُسْتَشْهِدُ أعْلَمَنا مَن هَذا الشّاعِرُ، ومِن أيِّ القَبائِلِ هُوَ، وهَلْ هو مِمَّنْ يُؤْخَذُ بِشِعْرِهِ أمْ لا، ما كانَ يَضُرُّهُ ذَلِكَ، ولَيْسَ يَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كِتابُ اللَّهِ عَلى ”أنْشَدَنِي بَعْضُهم“، ولا عَلى بَيْتٍ شاذٍّ لَوْ عُرِفَ قائِلُهُ، وكانَ مِمَّنْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ لَمْ يَجُزْ، وهَذا عِنْدَنا لا يَجُوزُ في كَلامٍ، ولا شِعْرٍ، لِأنَّ الحَرْفَ الثّانِيَ إذا كانَ (p-٤١٩)يَسْكُنُ مِن غَيْرِ المُعْتَلِّ، نَحْوَ: ”لَمْ يَوَدَّ“، فالِاخْتِيارُ إظْهارُ التَّضْعِيفِ، فَكَيْفَ إذا كانَ مِنَ المُعْتَلِّ.
الأنفال 8:43
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلا﴾، رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ أنَّ مَعْناها: ”في عَيْنِكَ الَّتِي تَنامُ بِها، وكَثِيرٌ مِن أصْحابِ النَّحْوِ يَذْهَبُونَ إلى هَذا المَذْهَبِ، ومَعْناهُ عِنْدَهم:“ إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَوْضِعِ مَنامِكَ ”، أيْ: بِعَيْنِكَ، ثُمَّ حَذَفَ المَوْضِعَ، وأقامَ المَقامَ مَكانَهُ، وهَذا مَذْهَبٌ حَسَنٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهم في النَّوْمِ قَلِيلًا، وقَصَّ الرُّؤْيا عَلى أصْحابِهِ، فَقالُوا:“ صَدَقَتْ رُؤْياكَ يا رَسُولَ اللَّهِ» ”، وهَذا المَذْهَبُ أُسْوَغُ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ قَدْ جاءَ: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فَدَلَّ بِهَذا أنَّ هَذا رُؤْيَةُ الِالتِقاءِ، وأنَّ تِلْكَ رُؤْيَةُ النَّوْمِ، ويَجُوزُ عَلى هَذا المَذْهَبِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ الخِطابُ الأوَّلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ الخِطابَ الثّانِيَ لِجَمِيعِ مَن شاهَدَ الحَرْبَ، ولِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾، أيْ: لَتَأخَّرْتُمْ عَنْ حَرْبِهِمْ، وكِعْتُمْ، وجَبُنْتُمْ، يُقالُ:“ فَشِلَ فَشَلًا "، إذا جَبُنَ وهابَ أنْ يَتَقَدَّمَ.
الأنفال 8:46
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾، مَعْناهُ: تَذْهَبَ صَوْلَتُكُمْ، وقُوَّتُكُمْ، ويُقالُ في الأوَّلِ: ”اَلرِّيحُ مَعَ فُلانٍ“، أيْ: اَلدَّوْلَةُ.
(p-٤٢٦)
الأنفال 8:48
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”اُذْكُرْ إذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهُمْ، ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليَوْمَ مِنَ النّاسِ وإنِّي جارٌ لَكُمْ﴾، تَمَثَّلَ لَهم إبْلِيسُ في صُورَةِ رَجُلٍ، يُقالُ لَهُ: سُراقَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جُعْثُمٍ، مِن كِنانَةَ، وقالَ لَهم: لَنْ يَغْلِبَكم أحَدٌ، وأنا جارٌ لَكم مِن بَنِي كِنانَةَ، ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الفِئَتانِ﴾، (p-٤٢١)تَوافَقَتا حَتى رَأتْ كُلُّ واحِدَةٍ الأُخْرى، فَبَصُرَ إبْلِيسُ بِالمَلائِكَةِ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَنَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ، ﴿وَقالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ﴾، وذَلِكَ أنَّهُ عُنِّفَ لِهَرَبِهِ، فَقالَ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكُمْ، ﴿إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ إنِّي أخافُ اللَّهَ واللَّهُ شَدِيدُ العِقابِ﴾، ومَعْنى“ نَكَصَ ": رَجَعَ بِخِزْيٍ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَقُولُ إبْلِيسُ: إنِّي أخافُ اللَّهَ، وهو كافِرٌ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّهُ ظَنَّ الوَقْتَ الَّذِي أُنْظِرَ إلَيْهِ قَدْ حَضَرَ.
الأنفال 8:54
وَقَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، مَعْناهُ: عادَةُ هَؤُلاءِ في كُفْرِهِمْ كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ في كُفْرِهِمْ، فَجُوزِيَ هَؤُلاءِ بِالقَتْلِ، والسَّبْيِ، كَما جُوزِيَ آلُ فِرْعَوْنَ بِالإغْراقِ، والإهْلاكِ، كَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ في ”اَلدَّأْبُ“: إنَّهُ ”اَلْعادَةُ“، وقالَ أبُو إسْحاقَ: وحَقِيقَةُ ”اَلدَّأبُ“: إدامَةُ العَمَلِ، تَقُولُ: ”فُلانٌ يَدْأبُ في كَذا وكَذا“، أيْ يُداوِمُ عَلَيْهِ، ويُواظِبُ، ويُتْعِبُ نَفْسَهُ فِيهِ، وهَذا التَّفْسِيرُ مَعْنى ”اَلْعادَةُ“، إلّا أنَّ هَذا أبْيَنُ وأكْشَفُ.
الأنفال 8:55
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، عَنى أنَّ هَؤُلاءِ لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، كَما قالَ لِنُوحٍ: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]
الأنفال 8:57
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَن خَلْفَهُمْ﴾، (p-٤٢٠)مَعْناهُ: ”اِفْعَلْ بِهِمْ فِعْلًا مِنَ القَتْلِ تُفَرِّقُ بِهِ مَن خَلْفَهم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَثْقَفَنَّهُمْ﴾، مَعْناهُ:“ تُصادِفَنَّهُمْ، وتَلْقَيَنَّهم " .
الأنفال 8:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾، أيْ: نَقْضًا لِلْعَهْدِ، ﴿فانْبِذْ إلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾، أيْ: اِنْبِذْ عَهْدَهُمُ الَّذِي عاهَدْتَهم عَلَيْهِ، أيْ: اِرْمِ بِهِ، ﴿عَلى سَواءٍ﴾، أيْ: لِتَكُونَ وهم سَواءً في العَداوَةِ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخائِنِينَ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ يَخُونُونَ في عَهْدِهِمْ وغَيْرِهِ.
الأنفال 8:59
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إنَّهم لا يُعْجِزُونَ﴾، مَعْناها: ”لا يَحْسَبَنَّ مَن أفْلَتَ مِن هَذِهِ الحَرْبِ قَدْ سَبَقَ إلى الحَياةِ“، والقِراءَةُ الجَيِّدَةُ: ”وَلا تَحْسَبَنَّ“، بِالتّاءِ، عَلى مُخاطَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وتَكُونُ ”تَحْسَبَنَّ“، عامِلَةً في ”اَلَّذِينَ“، ويَكُونُ ”سَبَقُوا“، اَلْخَبَرَ، ويَجُوزُ فَتْحُ السِّينِ، وكَسْرُها، وقَدْ قَرَأ بَعْضُ القُرّاءِ: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا“، بِالياءِ، ووَجْهُها ضَعِيفٌ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، إلّا أنَّها جائِزَةٌ، عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ سَبَقُوا“، لِأنَّها في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”إنَّهم سَبَقُوا“، فَإذا كانَتْ كَذَلِكَ فَهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”حَسِبْتُ أنْ أقُومَ“، و”حَسِبْتُ أقُومُ“، عَلى حَذْفِ ”أنْ“، وتَكُونُ ”أقُومُ“، و”قامَ“، تَنُوبُ عَنْ الِاسْمِ، والخَبَرِ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”ظَنَنْتُ لَزَيْدٌ خَيْرٌ مِنكَ“، فَقَدْ نابَتِ الجُمْلَةُ عَنِ اسْمِ الظَّنِّ، وخَبَرِهِ، وفِيها وجْهٌ آخَرُ: ”وَلا يَحْسَبَنَّ قَبِيلُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا“ .
(p-٤٢٢)وَيَجُوزُ فِيها أوْجُهٌ لَمْ يُقْرَأْ بِها: يَجُوزُ ”وَلا يُحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا“، و”﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾“، أيْ: ”لا يَحْسَبِ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا“، ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، لا يُقْرَأُ إلّا بِما قَرَأتْ بِهِ القُرّاءُ، ويَجُوزُ: ”إنَّهم“، بِكَسْرِ ”إنَّ“، ويَجُوزُ ”أنَّهم“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم يُعْجِزُونَ“، ويَكُونُ ”أنَّ“، بَدَلًا مِن ”سَبَقُوا“، قالَ أبُو إسْحاقَ: هَذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ ”لا“، لا تَكُونُ لَغْوًا في مَوْضِعٍ يَجُوزُ أنْ تَقَعَ فِيهِ غَيْرَ لَغْوٍ.
وَقَوْلُهُ: ”يُعْجِزُونَ“، فَتْحُ النُّونِ الِاخْتِيارُ، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”إنَّهم لا يُعْجِزُونَنِي“، بِحَذْفِ النُّونِ الأُولى لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَأتْهُ كالنَّعامِ يُعَلُّ مِسْكًا ∗∗∗ يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْنِي
يُرِيدُ: ”فَلَيْنَنِي“ .
الأنفال 8:60
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، ”وَآخَرِينَ“: عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾، أيْ: وتُرْهِبُونَ آخَرِينَ مِن دُونِهِمْ.
الأنفال 8:61
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾، ”اَلسَّلْمُ“: اَلصُّلْحُ، والمُسالَمَةُ، يُقالُ: ”سِلْمٌ“، و”سَلْمٌ“، و”سَلَمٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ، أيْ: ”إنْ مالُوا إلى الصُّلْحِ فَمِلْ إلَيْهِ“ .
الأنفال 8:62
﴿وَإنْ يُرِيدُوا أنْ يَخْدَعُوكَ﴾، أيْ: إنْ أرادُوا بِإظْهارِ الصُّلْحِ خَدِيعَتَكَ، ﴿فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾، (p-٤٢٣)أيْ: فَإنَّ الَّذِي يَتَوَلّى كِفايَتَكَ اللَّهُ، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]، مَوْضِعُ ”مَن“: نَصْبٌ، ورَفْعٌ، أمّا مَن نَصَبَ، فَعَلى تَأْوِيلِ الكافِ، المَعْنى: ”فَإنَّ اللَّهَ يَكْفِيكَ ويَكْفِي مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ“، ومَن رَفَعَ، فَعَلى العَطْفِ عَلى ”اللَّهُ“، والمَعْنى: ”فَإنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ وتُبّاعُكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ“، ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾، ومَعْنى ”أيَّدَكَ“: قَوّاكَ.
الأنفال 8:63
﴿وَبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] ﴿وَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: جَمَعَهم عَلى المَوَدَّةِ عَلى الإيمانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْفَقْتَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾، ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿ما ألَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّ اللَّهَ ألَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ تَأْلِيفَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الآياتِ العِظامِ، وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى قَوْمٍ أنَفَتُهم شَدِيدَةٌ، ونُصْرَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ومُعاوَنَتُهُ أبْلَغُ نُصْرَةٍ ومُعاوَنَةٍ، كانَ يُلْطَمُ مِنَ القَبِيلَةِ لَطْمَةٌ، فَيُقاتَلُ عَنْهُ حَتى يُدْرَكَ ثَأْرُهُ، فَألَّفَ الإيمانُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، حَتّى قاتَلَ الرَّجُلُ أباهُ، وأخاهُ، وابْنَهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَذا ما تَوَلّاهُ مِنهم إلّا هو.
الأنفال 8:65
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ حَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَلى القِتالِ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”حُثَّهم عَلى القِتالِ“، وتَأْوِيلُ ”اَلتَّحْرِيضُ“، في اللُّغَةِ: أنْ يَحُثَّ الإنْسانُ عَلى الشَّيْءِ حَثًّا يُعْلَمُ مَعَهُ أنَّهُ حارِضٌ إنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، و”اَلْحارِضُ“: اَلَّذِي قَدْ قارَبَ الهَلاكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٤٢٤)﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ [يوسف: ٨٥]، أيْ: حَتّى تَذُوبَ غَمًّا، فَتُقارِبَ الهَلاكَ، فَتَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ﴾، لا يَجُوزُ إلّا كَسْرُ العَيْنِ، وزَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ أوَّلَ ”عِشْرِينَ“، كُسِرَ، كَما كُسِرَ أوَّلُ ”اِثْنَيْنِ“، لِأنَّ ”عِشْرِينَ“، مِن ”عَشَرَةٌ“، مِثْلُ ”اِثْنَيْنِ“، مِن واحِدٍ، ودَلِيلُهم عَلى ذَلِكَ فَتْحُهم ”ثَلاثِينَ“، كَفَتْحِ ”ثَلاثَةٌ“، وكَسْرَةُ ”تِسْعِينَ“، كَكَسْرَةِ ”تِسْعَةٌ“ .
الأنفال 8:66
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾، قُرِئَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: قُرِئَتْ: ”ضَعْفًا“، بِفَتْحِ الضّادِ، و”ضُعْفًا“، بِضَمِّ الضّادِ، والمَعْنى واحِدٌ، يُقالُ: ”هو الضَّعْفُ، والضُّعْفُ“، و”اَلْمَكْثُ، والمُكْثُ“، و”اَلْفَقْرُ، والفُقْرُ“، وبابُ ”فَعْلٌ“، و”فُعْلٌ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، في اللُّغَةِ كَثِيرٌ، وقَرَأ بَعْضُ الشِّيَخَةِ: ”وَعَلِمَ أنَّ فِيكم ضُعَفاءَ“، عَلى ”فُعَلاءَ“، عَلى جَمْعِ ”ضَعِيفٌ“، و”ضُعَفاءُ“، ولَمْ يُصْرَفْ، ولَمْ يُنَوَّنْ، لِأنَّ ”فُعَلاءَ“، في آخِرِها ألِفُ التَّأْنِيثِ، ﴿فَإنْ يَكُنْ مِنكم مِائَةٌ صابِرَةٌ﴾، وقُرِئَتْ: ”فَإنْ تَكُنْ“، بِالتّاءِ، فَمَن أنَّثَ فَلِأنَّ لَفْظَ المِائَةِ مُؤَنَّثٌ، ومَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ المِائَةَ وقَعَتْ عَلى عَدَدٍ فَذُكِّرَ.
الأنفال 8:67
وَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى﴾، ويُقْرَأُ: ”أُسارى“، فَمَن قَرَأ: ”أسْرى“، فَهو جَمْعُ ”أسِيرٌ“، و”أسْرى“، و”فَعْلى“، جَمْعٌ لِكُلِّ ما أُصِيبُوا بِهِ في أبْدانِهِمْ، وعُقُولِهِمْ، يُقالُ: ”هالِكُ“، و”هَلْكى“، و”مَرِيضُ“، و”مَرْضى“، و”أحْمَقُ“، و”حَمْقى“، و”سَكْرانُ“، و”سَكْرى“، (p-٤٢٥)وَمَن قَرَأ: ”أُسارى“، فَهو جَمْعُ الجَمْعِ، تَقُولُ: ”أسِيرٌ“، و”أُسارى“، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأها: ”أسارى“، وهي جائِزَةٌ، ولا تَقْرَأْنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، ﴿حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾، مَعْناهُ: حَتّى يُبالِغَ في قَتْلِ أعْدائِهِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ ”حَتّى يَتَمَكَّنَ في الأرْضِ“، و”اَلْإثْخانُ“، في كُلِّ شَيْءِ: قُوَّةُ الشَّيْءِ، وشِدَّتُهُ، يُقالُ: ”قَدْ أثْخَنْتُهُ“ .
الأنفال 8:75
وَمَعْنى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾، أيْ: بَعْضُهم في المَوارِيثِ أوْلى بِبَعْضٍ، وهَذِهِ المَوارِيثُ في الوِلايَةِ بِالهِجْرَةِ مَنسُوخَةٌ، نَسَخَها ما في سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، مِنَ الفَرائِضِ.
التوبة 9:1
(p-٤٢٧)سُورَةُ بَراءَةٌ
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، «سُئِلَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ما بالُ ”بَراءَةٌ“، لَمْ تُفْتَتَحْ بِـ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“ ؟ فَقالَ: ”لِأنَّها نَزَلَتْ في آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ في أوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ بِـ“ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ”، ولَمْ يَأْمُرْ في سُورَةِ“ بَراءَةٌ ”، بِذَلِكَ، فَضُمَّتْ إلى سُورَةِ“ اَلْأنْفالِ ”، لِشَبَهِها بِها»“، يَعْنِي أنَّ أمْرَ العُهُودِ مَذْكُورٌ في سُورَةِ ”اَلْأنْفالِ“، وهَذِهِ نَزَلَتْ بِنَقْضِ العُهُودِ، فَكانَتْ مُلْتَبِسَةً بِـ ”اَلْأنْفالِ“، في الشَّبَهِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: أخْبَرَنا بَعْضَ أصْحابِنا عَنْ صاحِبِنا أبِي العَبّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: لَمْ تُفْتَتَحْ بِـ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، لِأنَّ ”بِسْمِ اللَّهِ“، اِفْتِتاحٌ لِلْخَيْرِ، وأوَّلُ ”بَراءَةٌ“، وعِيدٌ، ونَقْضُ عُهُودٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُفْتَتَحُ بِـ ”بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، و”بَراءَةٌ“، نَزَلَتْ في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وافْتُتِحَتْ مَكَّةُ في سَنَةِ ثَمانٍ، ووَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ لِلْوُقُوفِ بِالنّاسِ في المَوْسِمِ، فاجْتَمَعَ في (p-٤٢٨)تِلْكَ السَّنَةِ في المَوْقِفِ، ومَعالِمِ الحَجِّ، وأسْبابِهِ، المُسْلِمُونَ، والمُشْرِكُونَ، فَلَمّا كانَ في سَنَةِ تِسْعٍ ولّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ الوُقُوفَ بِالنّاسِ، وأمَرَ بِتِلاوَةِ ”بَراءَةٌ“، ووَلّى تِلاوَتَها عَلِيًّا، وقالَ في ذَلِكَ: ”«لَنْ يُبَلِّغَ عَنِّي إلّا رَجُلٌ مِنِّي»“، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ جَرَتْ عادَتُها في عَقْدِ عُقُودِها، ونَقْضِها، أنْ يَتَوَلّى ذَلِكَ عَلى القَبِيلَةِ رَجُلٌ مِنها، فَكانَ جائِزًا أنْ يَقُولَ العَرَبُ إذا تُلِيَ عَلَيْها نَقْضُ العَهْدِ مِنَ الرَّسُولِ: هَذا خِلافُ ما نَعْرِفُ فِينا في نَقْضِ العُهُودِ، فَأزاحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ العِلَّةَ، فَتُلِيَتْ ”بَراءَةٌ“، في المَوْقِفِ: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، أيْ: قَدْ بَرِئَ مِن إعْطائِهِمُ العُهُودَ، والوَفاءَ لَهُمْ، ذَلِكَ أنْ نَكَثُوا.
”بَراءَةٌ“، مُرْتَفِعَةٌ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، عَلى مَعْنى: ”هَذِهِ الآياتُ بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ“، وعَلى الِابْتِداءِ، يَكُونُ الخَبَرُ ”إلى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ“، لِأنَّ ”بَراءَةٌ“، مَوْصُولَةٌ بِـ ”مِن“، وصارَ كَقَوْلِكَ: ”اَلْقَصْدُ إلى زَيْدٍ“، و”اَلتَّبَرُّؤُ إلَيْكَ“، وكِلاهُما جائِزٌ حَسَنٌ، يُقالُ: ”بَرِئْتُ مِنَ الرَّجُلِ، والدِّينِ، بَراءَةً“، و”بَرِئْتُ مِنَ المَرَضِ“، و”بَرَأْتُ - أيْضًا - بُرْءًا“، وقَدْ رَوَوْا: ”بَرَأْتُ، أبْرُؤُ، بُرُوءًا“، ولَمْ نَجِدْ فِيما لامُهُ هَمْزَةٌ ”فَعَلْتُ، أفْعُلُ“، نَحْوَ: ”قَرَأْتُ، أقْرُؤُ“، و”هَنَأْتُ البَعِيرَ، أهْنُؤُهُ“ .
(p-٤٢٩)وَقَدِ اسْتَقْصى العُلَماءُ بِاللُّغَةِ هَذا، فَلَمْ يَجِدُوهُ إلّا في هَذا الحَرْفِ، ويُقالُ: ”بَرَيْتُ القَلَمَ“، وكُلُّ شَيْءٍ نَحَتُّهُ أبْرِيهِ بَرْيًا، غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وكَذَلِكَ ”بَراةُ السَّيْرِ“، غَيْرُ مَهْمُوزٍ، و”اَلْبُرَةُ“: حَلَقَةٌ مِن حَدِيدٍ في أنْفِ النّاقَةِ، فَإذا كانَتْ مِن شَعْرٍ فَهي ”خِزامَةٌ“، والَّذِي في أنْفِ البَعِيرِ مِن خَشَبٍ يُقالُ لَهُ ”اَلْخِشاشُ“، يُقالُ: ”أبْرَيْتُ النّاقَةَ، أبْرِيها، بِراءً“، إذا جَعَلْتُ لَها بُرَةً، ولا يُقالُ إلّا بِالألِفِ ”أبْرَيْتُ“، ومِن ”اَلْخِزامَةُ“: ”خَزَمْتُ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، وكَذَلِكَ مِن ”اَلْخِشاشُ“: ”خَشَشْتُ“، و”اَلْبُرَةُ“: اَلْخَلْخالُ، مِن هَذا، وتُجْمَعُ ”اَلْبَرَةُ“: ”بُرِينُ“، و”اَلْبُرى“ .
التوبة 9:2
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ﴾، أيْ: اِذْهَبُوا، وأقْبِلُوا، وأدْبِرُوا، أرْبَعَةَ أشْهُرٍ، ﴿واعْلَمُوا أنَّكم غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾، أيْ: وإنْ أجَّلْتُمْ هَذِهِ الأرْبَعَةَ الأشْهَرَ فَلَنْ تُفَوِّتُوا اللَّهَ ”﴿وَأنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ﴾، اَلْأجْوَدُ فَتْحُ“ أنَّ ”، عَلى مَعْنى:“ اِعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مُخْزِي الكافِرِينَ "، ويَجُوزُ كَسْرُها عَلى مَعْنى الِاسْتِئْنافِ، وهَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِنَصْرِهِ المُؤْمِنِينَ عَلى الكافِرِينَ.
التوبة 9:3
﴿وَأذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، عَطْفٌ عَلى ”بَراءَةٌ“، ومَعْناهُ: ”وَإعْلانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ“، يُقالُ: ”آذَنْتُهُ بِالشَّيْءِ“، إذا أعْلَمْتُهُ بِهِ، ﴿إلى النّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ أنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، قِيلَ: ”يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ“، هو يَوْمُ عَرَفَةَ، و”اَلْحَجُّ الأكْبَرُ“: اَلْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وقِيلَ: ”اَلْحَجُّ الأصْغَرُ“: اَلْعُمْرَةُ.
(p-٤٣٠)والإجْماعُ أنَّهُ مَن فاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّما سُمِّيَ ”يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ“، لِأنَّهُ اتَّفَقَتْ فِيهِ أعْيادُ أهْلِ المِلَّةِ، كانَ اتَّفَقَ في ذَلِكَ اليَوْمِ عِيدُ النَّصارى، واليَهُودِ، والمَجُوسِ، وهَذا لا يُسَمّى بِهِ ”يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ“، لِأنَّهُ أعْيادُ غَيْرِ المُسْلِمِينَ، إنَّما فِيها تَعَظُّمُ كُفْرٍ بِاللَّهِ، فَلَيْسَتْ مِنَ الحَجِّ الأكْبَرِ في شَيْءٍ، إجْماعُ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ أكْبَرُ الحَجِّ.
التوبة 9:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: وقَعَتِ البَراءَةُ مِنَ المُعاهِدِينَ النّاقِضِينَ لِلْعُهُودِ، إلّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكم شَيْئًا ولَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكم أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهم إلى مُدَّتِهِمْ﴾، أيْ: لَيْسُوا داخِلِينَ في البَراءَةِ، ما لَمْ يَنْقُضُوا العُهُودَ.
التوبة 9:5
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، أيْ: اُقْتُلُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَقَضُوا العَهْدَ، ونُقِضَ عَهْدُهُمْ، وأحَلُّوا هَذِهِ المُدَّةَ، ويُقالُ: إنَّ الأرْبَعَةَ الأشْهَرَ كانَتْ: عِشْرِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ، والمُحَرَّمَ، وصَفَرَ، ورَبِيعًا الأوَّلَ، وعَشْرًا مِن رَبِيعٍ الآخَرَ، لِأنَّ البَراءَةَ وقَعَتْ في يَوْمِ عَرَفَةَ، فَكانَ هَذا الوَقْتُ ابْتِداءَ الأجَلِ، ﴿واقْعُدُوا لَهم كُلَّ مَرْصَدٍ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: اَلْمَعْنى: كُلَّ طَرِيقٍ، قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: ”عَلى“، مَحْذُوفَةٌ، المَعْنى: ”اُقْعُدُوا لَهم عَلى كُلِّ مَرْصَدٍ“، وأنْشَدَ:
؎نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نَيْئًا ∗∗∗ ونُرْخِصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورُ
(p-٤٣١)اَلْمَعْنى: ”نُغالِي بِاللَّحْمِ“، فَحَذَفَ الباءَ هَهُنا، وكَذَلِكَ حَذْفُ ”عَلى“، قالَ أبُو إسْحاقَ: ”كُلَّ مَرْصَدٍ“، ظَرْفٌ، كَقَوْلِكَ: ”ذَهَبْتُ مَذْهَبًا“، و”ذَهَبْتُ طَرِيقًا“، و”ذَهَبْتُ كُلَّ طَرِيقٍ“، فَلَسْتَ تَحْتاجُ أنْ تَقُولَ في هَذا إلّا ما تَقُولُهُ في الظُّرُوفِ، مِثْلَ ”خَلْفَ“، و”أمامَ“، و”قُدّامَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكم في الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، أيْ: إنْ تابُوا وآمَنُوا فَهم مِثْلُكُمْ، قَدْ دَرَأ عَنْهم إيمانُهم وتَوْبَتُهم إثْمَ كُفْرِهِمْ، ونَكْثِهِمُ العُهُودَ.
التوبة 9:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: إنْ طَلَبَ مِنكَ أحَدٌ مِنهم أنْ تُجِيرَهُ مِنَ القَتْلِ إلى أنْ يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ فَأجِرْهُ، حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، أيْ: ”وَجَبَ أنْ يُعَرَّفُوا، وأنْ يُجازَوْا بِجَهْلِهِمْ، وبِما يَتَبَيَّنُونَ الإسْلامَ، وأمّا الإعْرابُ في“ أحَدٌ ”، مَعَ“ إنْ ”، فالرَّفْعُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، المَعْنى:“ وإنِ اسْتَجارَكَ أحَدٌ ”، ومَن زَعَمَ أنَّهُ يَرْفَعُ“ أحَدٌ ”، بِالِابْتِداءِ فَخَطَأٌ، لِأنَّ الجَزاءَ لا يَتَخَطّى ما يُرْفَعُ بِالِابْتِداءِ، ويَعْمَلُ فِيما بَعْدَهُ.
(p-٤٣٢)فَلَوْ أظْهَرْتَ المُسْتَقْبَلَ لَقُلْتَ:“ إنْ أحَدٌ يَقُمْ أُكْرِمْهُ ”، ولا يَجُوزُ“ إنْ يَقْمُ أحَدٌ زَيْدٌ يَقُمْ ”، لا يَجُوزُ أنْ تَرْفَعَ زَيْدًا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، ويُجْزَمَ، وإنَّما جازَ في“ إنْ ”، لِأنَّ“ إنْ ”، يَلْزَمُها الفِعْلُ، وجَوابُ الجَزاءِ يَكُونُ بِالفِعْلِ، وغَيْرِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تُضْمِرَ، وتَجْزِمَ بَعْدَ المُبْتَدَإ، لِأنَّكَ تَقُولُ هَهُنا:“ إنْ تَأْتِنِي فَزَيْدٌ يَقُومُ ”، فالمَوْضِعُ مَوْضِعُ ابْتِداءٍ، وإنَّما يَجُوزُ الفَصْلُ في بابِ“ إنْ ”، لِأنَّ“ إنْ "، أُمُّ الجَزاءِ، ولا تَزُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ، فَأمّا أخَواتُها فَلا يَجُوزُ ذَلِكَ فِيها، إلّا في الشِّعْرِ، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
؎فَمَتى واغِلٌ يَزُرْهم يَحْبُو ∗∗∗ هُ وتُعْطَفْ عَلَيْهِ كَأْسُ السّاقِي
التوبة 9:7
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، أيْ: لَيْسَ العَهْدُ إلّا لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ لَمْ يَنْكُثُوا، ﴿فَما اسْتَقامُوا لَكم فاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، أيْ: ما أقامُوا عَلى الوَفاءِ بِعَهْدِهِمْ، ومَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“: نَصْبٌ بِالِاسْتِثْناءِ.
(p-٤٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿كَيْفَ وإنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم لا يَرْقُبُوا فِيكم إلا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ٨]، وحُذِفَ مَعَ ”كَيْفَ“، جُمْلَةُ ”يَكُونُ لَهم عَهْدٌ“، لِأنَّهُ قَدْ ذُكِرَ قَبْلَ ذَلِكَ، قالَ الشّاعِرُ - يَرْثِي أخًا لَهُ ماتَ -:
؎وَخَبَّرْتُمانِي أنَّما المَوْتُ بِالقُرى ∗∗∗ فَكَيْفَ وهاتا هَضْبَةٌ وقَلِيبُ
أيْ: فَكَيْفَ ماتَ ولَيْسَ بِقَرْيَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:
؎وَكَيْفَ ولَمْ أعْلَمْهُمُ خَذَلُوكُمُ ∗∗∗ عَلى مُعْظَمٍ ولا أدِيمَكُمُ قَدُّوا
أيْ: فَكَيْفَ تَلُومُونَنِي عَلى مَدْحِ قَوْمٍ، وتَذُمُّونَهُمْ، واسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ ”ذَلِكَ“، مَعَ ذِكْرِ ”كَيْفَ“، لِأنَّهُ قَدْ جَرى في القَصِيدَةِ ما يَدُلُّ عَلى ما أُضْمِرَ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلْإلُّ“: اَلْعَهْدُ، و”اَلذِّمَّةُ“: ما يُتَذَمَّمُ مِنهُ، وقالَ غَيْرُهُ: ”اَلذِّمَّةُ“: اَلْعَهْدُ، وقِيلَ في ”اَلْإلُّ“، غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: ”اَلْإلُّ“: اَلْقَرابَةُ، وقِيلَ: ”اَلْإلُّ“: اَلْحِلْفُ، وقِيلَ: ”اَلْإلُّ“: اَلْعَهْدُ، وقِيلَ: ”اَلْإلُّ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، وهَذا عِنْدَنا لَيْسَ بِالوَجْهِ، لِأنَّ أسْماءَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - مَعْرُوفَةٌ مَعْلُومَةٌ، كَما سُمِعَتْ في القُرْآنِ، وتُلِيَتْ في الأخْبارِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]، فالدّاعِي يَقُولُ: ”يا اَللَّهُ، يا رَحْمَنُ، يا رَبُّ، يا مُؤْمِنُ، يا مُهَيْمِنُ“، (p-٤٣٤)وَلَمْ يُسْمَعْ ”يا إلُّ“، في الدُّعاءِ، وحَقِيقَةُ ”اَلْإلُّ“، عِنْدِي عَلى ما تُوحِيهِ اللُّغَةُ: تَحْدِيدُ الشَّيْءِ، فَمِن ذَلِكَ: ”اَلْإلَّةُ“: اَلْحَرْبَةُ، لِأنَّها مُحَدَّدَةٌ، ومِن ذَلِكَ: ”أُذُنٌ مُؤَلَّلَةٌ“، إذا كانَتْ مُحَدَّدَةً، و”اَلْألُّ“، يُخْرَجُ في جَمِيعِ ما فُسِرَ مِنَ العَهْدِ، والجِوارِ، عَلى هَذا، وكَذَلِكَ القَرابَةُ، فَإذا قُلْتَ في العَهْدِ: ”بَيْنَهُما إلٌّ“، فَمَعْناهُ جِوارٌ يُحادُّ الإنْسانُ، وإذا قُلْتَهُ في القَرابَةِ فَتَأْوِيلُهُ القَرابَةُ الدّانِيَةُ الَّتِي تُحادُّ الإنْسانَ.
التوبة 9:12
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَإنْ نَكَثُوا أيْمانَهم مِن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وطَعَنُوا في دِينِكم فَقاتِلُوا أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، أيْ: ”رُؤَساءَ الكافِرِينَ“، وقادَتَهُمْ، لِأنَّ الإمامَ مُتَّبَعٌ، وهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ قَتْلَ الذِّمِّيِّ إذا أظْهَرَ الطَّعْنَ في الإسْلامِ، لِأنَّ العَهْدَ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ بِألّا يَطْعَنَ، فَإذا طَعَنَ فَقَدْ نَكَثَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أئِمَّةَ الكُفْرِ﴾، فِيها عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ لُغَةٌ واحِدَةٌ: ”أيِمَّةَ“، بِهَمْزَةٍ وياءٍ، والقُرّاءُ يَقْرَؤُونَ: ”أئِمَّةَ“، بِهَمْزَتَيْنِ، و”أيِمَّةَ“، بِهَمْزَةٍ، وياءٍ، فَأمّا النَّحْوِيُّونَ فَلا يُجِيزُونَ اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ هَهُنا، لِأنَّهُما لا تَجْتَمِعانِ في كَلِمَةٍ، ومَن قَرَأ: ”أئِمَّةَ“، بِهَمْزَتَيْنِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَقْرَأ: ”يا بَنِي أأْدَمَ“، والِاجْتِماعُ أنَّ ”آدَمَ“، فِيهِ هَمْزَةٌ واحِدَةٌ، فالِاخْتِلافُ راجِعٌ إلى الإجْماعِ، إلّا أنَّ النَّحْوِيِّينَ يَسْتَصْعِبُونَ هَذِهِ المَسْألَةَ، ولَهم فِيها غَيْرُ قَوْلٍ، يَقُولُونَ - إذا فَضَّلْنا رَجُلًا في الإمامَةِ -: ”هَذا أوَمُّ مِن هَذا“، ويَقُولُ بَعْضُهم: ”أيَمُّ مِن هَذا“، فالأصْلُ في اللُّغَةِ: ”أأْمِمَةٌ“، لِأنَّهُ جَمْعُ ”إمامٌ“، مِثْلَ ”مِثالٌ“، و”أمْثِلَةٌ“، ولَكِنَّ (p-٤٣٥)المِيمَيْنِ لَمّا اجْتَمَعَتا أُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، وأُلْغِيَتْ حَرَكَتُها عَلى الهَمْزَةِ، فَصارَ ”أئِمَّةَ“، فَأبْدَلَ النَّحْوِيُّونَ مِنَ الهَمْزَةِ الياءَ، ومَن قالَ: ”هَذا أيَمُّ مِن هَذا“، جَعَلَ هَذِهِ الهَمْزَةَ كُلَّما تَحَرَّكَتْ أبْدَلَ مِنها ياءً، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي قالَ: ”هَذا أوَمُّ مِن هَذا“، كانَتْ عِنْدَهُ أصْلُها ”أأمُّ“، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يُبْدِلَ مِنها ألِفًا، لِاجْتِماعِ السّاكِنَيْنِ، فَجَعَلَها واوًا مَفْتُوحَةً، لِأنَّهُ قالَ: إذا جَمَعْتَ ”آدَمُ“، قُلْتَ: ”أوادِمُ“، وهَذا هو القِياسُ الَّذِي جَعَلَها ياءً، قالَ: قَدْ صارَتِ الياءُ في ”أئِمَّةٌ“، بَدَلًا لازِمًا، وهَذا مَذْهَبُ الأخْفَشِ، والأوَّلُ مَذْهَبُ المازِنِيِّ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وأظُنُّهُ أقْيَسَ الوَجْهَيْنِ، أعْنِي: ”هَذا أوَمُّ مِن هَذا“، فَأمّا ”أئِمَّةٌ“، بِاجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، فَلَيْسَ مِن مَذاهِبِ أصْحابِنا، إلّا ما يُحْكى عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، فَإنَّهُ كانَ يُحِبُّ اجْتِماعَهُما، ولَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي جائِزًا، لِأنَّ هَذا الحَرْفَ في ”أئِمَّةٌ“، قَدْ وقَعَ فِيهِ التَّضْعِيفُ، والإدْغامُ، فَلَمّا أُدْغِمَ وقَعَتْ عِلَّةٌ في الحَرْفِ، وطُرِحَتْ حَرَكَتُهُ عَلى الهَمْزَةِ، فَكانَ تَرْكُها دَلِيلًا عَلى أنَّها هَمْزَةٌ قَدْ وقَعَ عَلَيْها حَرَكَةُ ما بَعْدَها، وعَلى هَذا القِياسِ يَجُوزُ: ”هَذا أأمُّ مِن هَذا“، والَّذِي بَدَأْنا بِهِ هو الِاخْتِيارُ مِن ألّا تَجْتَمِعَ هَمْزَتانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم لا أيْمانَ لَهُمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”لا إيمانَ لَهم“، فَمَن قَرَأ: ”لا أيْمانَ لَهم“، بِالفَتْحِ، فَقَدْ وصَفَهم بِالنَّكْثِ في العَهْدِ، وهو أجْوَدُ القِراءَتَيْنِ، ومَن قَرَأ: ”لا إيمانَ لَهم“، فَقَدْ وصَفَهم بِالرِّدَّةِ، أيْ: ”لا إسْلامَ لَهم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ، لِأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا، كَما تَقُولُ: ”لا عِلْمَ لِفُلانٍ“ .
(p-٤٣٦)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لا أيْمانَ لَهم“، إذا كُنْتُمْ أنْتُمْ آمَنتُمُوهُمْ، فَنَقَضُوا هم عَهْدَكُمْ، فَقَدْ بَطَلَ الأمانُ الَّذِي أعْطَيْتُمُوهُمْ، أيْ: ”لا إيمانَ لَهم“، عَلى ”آمَنتُ إيمانًا“، عَلى المَصْدَرِ، ﴿لَعَلَّهم يَنْتَهُونَ﴾، أيْ: لِيُرْجى مِنهم الِانْتِهاءُ والنَّكْثُ: اَلنَّقْضُ في كُلِّ شَيْءٍ.
التوبة 9:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألا تُقاتِلُونَ قَوْمًا﴾، هَذا عَلى وجْهِ التَّوْبِيخِ، ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى قِتالِهِمْ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿وَهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، إنَّهم كانُوا قاتَلُوا حُلَفاءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أتَخْشَوْنَهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”أتَخْشَوْنَ أنْ يَنالَكم مِن قِتالِهِمْ مَكْرُوهٌ“، ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ﴾، أيْ: فَمَكْرُوهُ عَذابِ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُخْشى، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: مُصَدِّقِينَ بِعِقابِ اللَّهِ، وثَوابِهِ.
التوبة 9:14
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، فِيهِ دَلِيلٌ أنَّهُ اشْتَدَّ غَضَبُهم لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَوَعَدَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ النَّصْرَ، وفِيها دَلِيلٌ عَلى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ، لِأنَّهُ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قاتِلُوهم يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأيْدِيكم ويُخْزِهِمْ ويَنْصُرْكم عَلَيْهِمْ ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، فَوَعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ، ووَفّى بِهِ، ودَلَّ عَلى صِدْقِ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ١٥]، (p-٤٣٧)لَيْسَ بِجَوابٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوهُمْ﴾، ولَكِنَّهُ مُسْتَأْنِفٌ، لِأنَّ ”يَتُوبُ“، لَيْسَ مِن جِنْسِ ما يُجابُ بِهِ ”قاتِلُوهم“ .
التوبة 9:16
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾، اَللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ عَلِمَ قَبْلَ أمْرِهِمْ بِالقِتالِ مَن يُقاتِلُ مِمَّنْ لا يُقاتِلُ، ولَكِنَّهُ كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْبًا، فَأرادَ العِلْمَ الَّذِي يُجازى عَلَيْهِ، لِأنَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - إنَّما يُجازِي عَلى ما عَمِلُوا، وسُورَةُ ”بَراءَةٌ“، كانَتْ تُسَمّى ”اَلْحافِرَةَ“، لِأنَّها حَفَرَتْ عَنْ قُلُوبِ المُنافِقِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا فُرِضَ القِتالُ تَبَيَّنَ المُنافِقُ مِن غَيْرِهِ، ومَن يُوالِي المُؤْمِنِينَ مِمَّنْ يُوالِي أعْداءَهُمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تُتْرَكُوا ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكم ولَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ ولا رَسُولِهِ ولا المُؤْمِنِينَ ولِيجَةً﴾، و”اَلْوَلِيجَةُ“: اَلْبِطانَةُ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِن ”وَلَجَ الشَّيْءُ، يَلِجُ“، إذا دَخَلَ، أيْ: ولَمْ يَتَّخِذُوا بَيْنَهم وبَيْنَ الكافِرِينَ دَخِيلَةَ مَوَدَّةٍ.
التوبة 9:17
وَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾، ”شاهِدِينَ“، حالٌ، المَعْنى: ما كانَتْ لَهم عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ في حالِ إقْرارِهِمْ بِالكُفْرِ، ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ﴾، أيْ: كُفْرُهم قَدْ أذْهَبَ ثَوابَ أعْمالِهِمْ.
التوبة 9:18
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ ولَمْ يَخْشَ إلا اللَّهَ﴾، (p-٤٣٨)وَلَمْ يُذْكَرِ الرَّسُولُ في هَذا، لِأنَّ فِيهِ دَلِيلًا بِقَوْلِهِ: ”وَأقامَ الصَّلاةَ“، اَلَّتِي أتى بِتَحْدِيدِها الرَّسُولُ، ”وَلَمْ يَخْشَ إلّا اللَّهَ“، تَأْوِيلُهُ: لَمْ يَخَفْ في بابِ الدِّينِ إلّا اللَّهَ، ﴿فَعَسى أُولَئِكَ أنْ يَكُونُوا مِنَ المُهْتَدِينَ﴾، ”عَسى“، واجِبَةٌ مِنَ اللَّهِ.
التوبة 9:19
وَقَوْلُهُ: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”أجَعَلْتُمْ أهْلَ سِقايَةِ الحاجِّ، وأهَلَ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، كَمَنَ آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ؟“، واخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: فَقِيلَ: إنَّهُ سَألَ المُشْرِكُونَ اليَهُودَ، فَقالُوا: نَحْنُ سُقاةُ الحاجِّ، وعُمّارُ المَسْجِدِ الحَرامِ، أفَنَحْنُ أفْضَلُ أمْ مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ؟ فَقالَتْ لَهُمُ اليَهُودُ - عِنادًا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنْتُمْ أفْضَلُ، وقِيلَ: إنَّهُ تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ المُجاهِدُونَ.
التوبة 9:20
والَّذِينَ لَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ المُجاهِدِينَ، والمُهاجِرِينَ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾، ”دَرَجَةً“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، المَعْنى: ”أعْظَمُ مِن غَيْرِهِمْ دَرَجَةً“، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾، (p-٤٣٩)و”اَلْفائِزُ“: اَلَّذِي يَظْفَرُ بِأمْنِيَّتِهِ مِنَ الخَيْرِ.
التوبة 9:21
﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ﴾، أيْ: يُعْلِمُهم في الدُّنْيا ما لَهم في الآخِرَةِ.
التوبة 9:25
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ ويَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكُمْ﴾، أيْ: وفي ”حُنَيْنٍ“، أيْ: ونَصَرَكم في يَوْمِ ”حُنَيْنٍ“، و”حُنَيْنٌ“: اِسْمُ وادٍ بَيْنَ مَكَّةَ، والطّائِفِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾، أيْ: في أمْكِنَةٍ، كَقَوْلِكَ: ”في مُقاماتٍ“، تَقُولُ: ”اِسْتَوْطَنَ فُلانٌ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ فِيهِ، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”مَواطِنَ“، لَمْ يَنْصَرِفْ هَهُنا لِأنَّهُ جَمْعٌ، وأنَّها لا تُجْمَعُ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وإنَّما لَمْ تُجْمَعْ لِأنَّها لا تَدْخُلُ عَلَيْها الألِفُ والتّاءُ، لا نَقُولُ: ”مَواطِناتٌ“، ولا ”حَدائِداتٌ“، إلّا في شِعْرٍ، وإنَّما سُمِعَ قَوْلُ الخَلِيلِ أنَّهُ جَمَعَ، لا يَكُونُ عَنى مِثالَ الواحِدِ، وتَأْوِيلُهُ عِنْدَ الخَلِيلِ أنَّ الجُمُوعَ أبَدًا تَتَناهى إلَيْهِ، فَلَيْسَ بَعْدَهُ جَمْعٌ، لَوْ كَسَّرْتَ، أيْ: جَمَعْتَ عَلى التَّكْسِيرِ ”أقْوالٌ“، فَقُلْتَ: ”أقاوِيلُ“، لَمْ يَتَهَيَّأْ لَكَ أنْ تُكَسِّرَ ”أقاوِيلُ“، ولَكِنَّكَ قَدْ تَقُولُ: ”أقاوِيلاتٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَهُنَّ يَعْلِكْنَ حَدائِداتِها
(p-٤٤٠)وَإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ ”مَواطِنُ“، عِنْدَ الخَلِيلِ لِأنَّهُ جَمْعٌ، وأنَّهُ لَيْسَ عَلى مِثالِ الواحِدِ، ومَعْنى لَيْسَ عَلى مِثالِ الواحِدِ، أيْ: لَيْسَ في ألْفاظِ الواحِدِ ما جاءَ عَلى لَفْظِهِ، وأنَّهُ لا يُجْمَعُ كَما يُجْمَعُ الواحِدُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أعْلَمَهم أنَّهُ لَيْسَ بِكَثْرَتِهِمْ يَغْلِبُونَ، وأنَّهم إنَّما يَغْلِبُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهُمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكم كَثْرَتُكم فَلَمْ تُغْنِ عَنْكم شَيْئًا﴾، يُرْوى أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا في ذَلِكَ اليَوْمِ، وقالَ بَعْضُهم: كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ، فَأُعْجِبُوا بِكَثْرَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ عُقُوبَتَهم عَلى إعْجابِهِمْ بِالكَثْرَةِ، وقَوْلِهِمْ: ”لَنْ نُغْلَبَ اليَوْمَ مِن قِلَّةٍ“، بِأنْ رَعَّبَهُمْ، حَتّى ولَّوْا مُدْبِرِينَ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلّا العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ حَتّى عادُوا وظَفِرُوا، فَأراهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِن آياتِهِ ما زادَهم تَبْيِينًا بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨]، وقُرِئَتْ: ”مَسْجِدَ اللَّهِ“، فَمَن قَرَأ: ”مَسْجِدَ اللَّهِ“، عَنى بِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، ودَخَلَ مَعَهُ غَيْرُهُ، كَما تَقُولُ: ما أسْهَلَ عَلى فُلانٍ إنْفاقَ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ! أيْ: هَذا الجِنْسُ سَهُلَ عَلَيْهِ إنْفاقُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَساجِدَ اللَّهِ“، يَعْنِي بِهِ المَسْجِدَ الحَرامَ، كَما تَقُولُ إذا (p-٤٤١)رَكِبَ الرَّجُلُ الفَرَسَ: ”قَدْ صارَ فُلانٌ يَرْكَبُ الخَيْلَ“، فَعَلى هَذا تَجْرِي الأسْماءُ الَّتِي تُعَبِّرُ عَنِ الأجْناسِ.
التوبة 9:28
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾، يُقالُ لِكُلِّ مُسْتَقْذَرٍ: ”نَجَسٌ“، فَإذا ذَكَرْتَ ”اَلرِّجْسَ“، قُلْتَ: ”هو رِجْسٌ نَجِسٌ“، وهَذا وقَعَ في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، أُمِرَ المُسْلِمُونَ بِمَنعِ المُشْرِكِينَ مِنَ الحَجِّ، وبِقَتْلِهِمْ حَيْثُ ثَقِفُوهُمْ، ﴿وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إنْ شاءَ﴾، كانَ لِأهْلِ مَكَّةَ مُكْسِبَةٌ، ورِفْقٌ مِمَّنْ كانَ يَحُجُّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يُعَوِّضُهم مِن ذَلِكَ، و”اَلْعَيْلَةُ“: اَلْفَقْرُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ ∗∗∗ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
التوبة 9:29
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، مَعْناهُ: اَلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمانَ المُوَحِّدِينَ، لِأنَّهم أقَرُّوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُمْ، وأنَّهُ لَهُ ولَدٌ، وأشْرَكَ المُشْرِكُونَ مَعَهُ الأصْنامَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَذا غَيْرُ إيمانٍ بِاللَّهِ، وأنَّ إيمانَهم بِالبَعْثِ لَيْسَ عَلى جِهَةِ إيمانِنا، لِأنَّهم لا يُقِرُّونَ بِأنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، ولَيْسَ يُقِرُّونَ بِاليَوْمِ الآخِرِ، كَما أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -، ولَيْسَ يَدِينُونَ بِدِينِ الحَقِّ، فَأمَرَ اللَّهُ بِقَتْلِ الكافِرِينَ كافَّةً، إلّا أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وفُرِضَ قَبُولُ الجِزْيَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهُمُ النَّصارى، واليَهُودُ.
(p-٤٤٢)وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المَجُوسِ، والصّابِئِينَ، أنْ يُجْرُوا مُجْرى أهْلِ الكِتابِ في قَبُولِ الجِزْيَةِ، فَأمّا عَبَدَةُ الأوْثانِ مِنَ العَرَبِ فَلَيْسَ فِيهِمْ إلّا القَتْلُ، وكَذَلِكَ مِن غَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾، قِيلَ: مَعْنى ”عَنْ يَدٍ“: عَنْ ذُلٍّ، وقِيلَ: ”عَنْ يَدٍ“: عَنْ قَهْرٍ، وذُلٍّ، كَما تَقُولُ: ”اَلْيَدُ في هَذا لِفُلانٍ“، أيْ: اَلْأمْرُ النّافِذُ لِفُلانٍ، وقِيلَ: ”عَنْ يَدٍ“: أيْ: عَنْ إنْعامٍ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، لِأنَّ قَبُولَ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وتَرْكَ أنْفُسِهِمْ نِعْمَةٌ عَلَيْهِمْ، ويَدٌ مِنَ المَعْرُوفِ جَزِيلَةٌ.
التوبة 9:30
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾، قُرِئَتْ: ”عُزَيْرُ“، بِالتَّنْوِينِ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ، والوَجْهُ إثْباتُ التَّنْوِينِ، لِأنَّ ”اِبْنُ“، خَبَرٌ، وإنَّما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ في الصِّفَةِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”جاءَنِي زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو“، فَيُحْذَفُ التَّنْوِينُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأنَّ ”اِبْنُ“، مُضافٌ إلى عَلَمٍ، وأنَّ النَّعْتَ والمَنعُوتَ كالشَّيْءِ الواحِدِ، فَإذا كانَ خَبَرًا فالتَّنْوِينُ، وقَدْ يَجُوزُ حَذْفُ التَّنْوِينِ - عَلى ضَعْفٍ - لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”قُلْ هو اللَّهُ أحَدُ اللَّهُ الصَّمَدُ“، بِحَذْفِ التَّنْوِينِ، لِسُكُونِها، وسُكُونِ الباءِ في قَوْلِهِ: ”عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ“، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، فَيَكُونَ مَعْناها: ”عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ مَعْبُودُنا“، فَيَكُونَ ”اِبْنُ“، نَعْتًا، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ إثْباتَ التَّنْوِينِ أجْوَدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ﴾، (p-٤٤٣)إنْ قالَ قائِلٌ: كُلُّ قَوْلٍ هو بِالفَمِ، فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ بِأفْواهِهِمْ؟ فالفائِدَةُ فِيهِ عَظِيمَةٌ بَيِّنَةٌ، المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَيانٌ ولا بُرْهانٌ، إنَّما هو قَوْلٌ بِالفَمِ، لا مَعْنى تَحْتَهُ صَحِيحٌ، لِأنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ صاحِبَةً، فَكَيْفَ يَزْعُمُونَ لَهُ ولَدًا، فَإنَّما هو تَكَذُّبٌ وقَوْلٌ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾، أيْ: يُشابِهُونَ في قَوْلِهِمْ هَذا ما تَقَدَّمَ مِن كَفَرَتِهِمْ، أيْ: إنَّما قالُوهُ اتِّباعًا لِمَن تَقَدَّمَ مِن كَفَرَتِهِمُ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، أيْ: قَبِلُوا مِنهم أنَّ العُزَيْرَ والمَسِيحَ ابْنا اللَّهِ تَعالى، وهَذا مَعْنى ”يُضاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ“، وقُرِئَ: ”يُضاهُونَ“، وأصْلُ ”اَلْمُضاهاةُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمُشابَهَةُ، والأكْثَرُ تَرْكُ الهَمْزَةِ، واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ ضَهْياءُ“، وهي الَّتِي لا يَنْبُتُ لَها ثَدْيٌ، وقِيلَ: هي الَّتِي لا تَحِيضُ، وإنَّما مَعْناها أنَّها أشْبَهَتِ الرِّجالَ في أنَّها لا ثَدْيَ لَها، وكَذَلِكَ إذا لَمْ تَحِضْ، و”ضَهْياءُ“، فَعْلاءُ، الهَمْزَةُ زائِدَةٌ، كَما زِيدَتْ في ”شَمْألُ“، و”غِرْقِيءُ البَيْضَةِ“، ولا نَعْلَمُ أنَّها زِيدَتْ غَيْرَ أوَّلٍ، إلّا في هَذِهِ الأشْياءِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”فَعْيَلٌ“، وإنْ كانَتْ بِنْيَةً لَيْسَ لَها في الكَلامِ نَظِيرٌ، فَإنّا قَدْ نَعْرِفُ كَثِيرًا مِمّا لا ثانِيَ لَهُ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: ”كَنَهْبَلٌ“، وهو الشَّجَرُ العِظامُ، تَقْدِيرُهُ: ”فَنَعْلَلٌ“، وكَذَلِكَ ”قَرَنْفُلٌ“، لا نَظِيرَ لَهُ، وتَقْدِيرُهُ ”فَعَنْلُلٌ“، وقَدْ قِيلَ: (p-٤٤٤)”إبِلٌ“، لا نَظِيرَ لَهُ، وإنْ كانَ قَدْ جاءَ ”إطِلٌ“، وهو الخَصْرُ، وقالُوا: ”إيْطِلٌ“، ثُمَّ حَذَفُوا، فَقالُوا: ”إطِلٌ“، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُضاهِئُونَ“، مِن هَذا، بِالهَمْزِ، وتَكُونَ هَمْزَةُ ”ضَهْياءُ“، أصْلًا في الهَمْزِ.
التوبة 9:31
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، مَعْناها: تَنْزِيهًا لَهُ مِن شِرْكِهِمْ.
التوبة 9:34
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، أكْثَرُ التَّفْسِيرِ إنَّما هو لِلْمُشْرِكِينَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّها فِيمَن مَنَعَ الزَّكاةَ مِن أهْلِ القِبْلَةِ، لِأنَّ مَن أدّى مِن مالِهِ زَكاتَهُ فَقَدْ أنْفَقَ في سَبِيلِ اللَّهِ ما يَجِبُ مِن مالِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، دَخَلَتْ ”إلّا“، ولا جَحْدَ في الكَلامِ، وأنْتَ لا تَقُولُ: ”ضَرَبْتُ إلّا زَيْدًا“، لِأنَّ الكَلامَ غَيْرُ دالٍّ عَلى المَحْذُوفِ، وإذا قُلْتَ: ﴿وَيَأْبى اللَّهُ إلا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، فالمَعْنى: ”يَأْبى اللَّهُ كُلَّ شَيْءٍ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ“، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ في ”يَأْبى“، طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ، والجَحْدُ، والتَّحْقِيقُ، لَيْسا بِذِي أطْرافٍ، وآلَةُ الجَحْدِ ”لا“، و”ما“، و”لَمْ“، و”لَنْ“، و”لَيْسَ“، فَهَذِهِ لا أطْرافَ لَها، يُنْطَقُ بِها عَلى حالِها، ولا يَكُونُ الإيجابُ جَحْدًا، ولَوْ جازَ هَذا عَلى أنْ فِيهِ طَرَفًا مِنَ الجَحْدِ، لَجازَ ”كَرِهْتُ إلّا أخاكَ“، ولا دَلِيلَ هَهُنا عَلى (p-٤٤٥)المَكْرُوهِ، ما هُوَ، ولا مَن هُوَ، فَـ ”كَرِهْتُ“، مِثْلُ ”أبَيْتُ“، إلّا أنَّ ”أبَيْتُ“، اَلْحَذْفُ مُسْتَعْمَلٌ مَعَها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فَقالَ: ﴿الذَّهَبَ والفِضَّةَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”وَلا يُنْفِقُونَهُما في سَبِيلِ اللَّهِ“، فَإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى ”يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَ المَكْنُوزَ في سَبِيلِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الأمْوالِ، فَيَكُونَ: ”وَلا يُنْفِقُونَها ولا يُنْفِقُونَ الأمْوالَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَلا يُنْفِقُونَها“: ”وَلا يُنْفِقُونَ الفِضَّةَ“، وحَذَفَ الذَّهَبَ لِأنَّهُ داخِلٌ في الفِضَّةِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
يُرِيدُ: ”نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ“، فَحَذَفَ ”راضُونَ“، فَكَذَلِكَ يَكُونُ المَعْنى: ”والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ ولا يُنْفِقُونَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها في سَبِيلِ اللَّهِ“ .
التوبة 9:36
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ عِدَّةَ شُهُورِ المُسْلِمِينَ - الَّذِينَ تَعَبَّدُوا بِأنْ يَجْعَلُوا لِسَنَتِهِمُ - اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، عَلى مَنازِلِ القَمَرِ، فَجُعِلَ حَجُّهم وأعْيادُهُمْ، (p-٤٤٦)وَصَلاتُهم في أعْبادِهِمْ هَذا العَدَدَ، فالحَجُّ، والصَّوْمُ يَكُونُ مَرَّةً في الشِّتاءِ، ومَرَّةً في الصَّيْفِ، وفي فُصُولِ الأزْمانِ عَلى قَدْرِ الشُّهُورِ، ودَوَرانِ السِّنِينَ، وكانَتْ أعْيادُ أهْلِ الكِتابِ ومُتَعَبَّداتُهم في سَنَتِهِمْ يَعْمَلُونَ فِيها عَلى أنَّ السَّنَةَ ثَلاثُمِائَةِ يَوْمٍ وخَمْسَةٌ وسِتُّونَ يَوْمًا وبَعْضُ يَوْمٍ، عَلى هَذا يَجْرِي أمْرُ النَّصارى، واليَهُودِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ سِنِيَّ المُسْلِمِينَ عَلى الأهِلَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾، اَلْأرْبَعَةُ الحُرُمُ: اَلْمُحَرَّمُ، ورَجَبٌ، وذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾، قِيلَ: في الأرْبَعَةِ، وقِيلَ في الِاثْنَيْ عَشَرَ، فَمَن قالَ: ”في الأرْبَعَةِ“، قالَ: أرادَ تَعْظِيمَ شَأْنِ المَعاصِي، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فالفُسُوقُ لا يَجُوزُ في حَجٍّ، ولا غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَرَّفَ الأيّامَ الَّتِي تَكُونُ فِيها المَعاصِي أكْثَرَ إثْمًا وعِقابًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾، فَـ ”كافَّةً“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهو مَصْدَرٌ عَلى ”فاعِلَةً“، كَما قالُوا: ”اَلْعاقِبَةُ“، و”اَلْعافِيَةُ“، وهو في مَوْضِعِ ”قاتِلُوا المُشْرِكِينَ مُحِيطِينَ بِهِمْ بِاعْتِقادِ مُقاتَلَتِهِمْ“، وهَذا مُشْتَقٌّ مِن ”كُفَّةُ الشَّيْءِ“، وهي حَرْفُهُ، وإنَّما أُخِذَ مِن أنَّ الشَّيْءَ إذا انْتَهى إلى ذَلِكَ كُفَّ عَنِ الزِّيادَةِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُثَنّى، ولا أنْ يُجْمَعَ، ولا يُقالُ: ”قاتِلُوهم كافّاتٍ“، ولا ”كافِّينَ“، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”قاتِلُوهم عامَّةً“، لَمْ تُثَنِّ، ولَمْ تَجْمَعْ، وكَذَلِكَ ”خاصَّةً“ .
(p-٤٤٧)هَذا مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ ضامِنٌ لَهُمُ النَّصْرَ.
التوبة 9:37
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما النَّسِيءُ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾، ”اَلنَّسِيءُ“ - هَذا - تَأْخِيرُ الشَّيْءِ، وكانُوا يُحَرِّمُونَ القِتالَ في المُحَرَّمِ، فَإذا عَزَمُوا عَلى أنْ يُقاتِلُوا فِيهِ جَعَلُوا صَفَرًا كالمُحَرَّمِ، وقاتَلُوا في المُحَرَّمِ، وأبْدَلُوا صَفَرًا مِنهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ ذَلِكَ زِيادَةٌ في الكُفْرِ، ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾، فَيَجْعَلُوا صَفَرًا كالمُحَرَّمِ في العِدَّةِ، ويَقُولُوا: إنَّ هَذِهِ أرْبَعَةٌ بِمَنزِلَةِ أرْبَعَةٍ، و”اَلْمُواطَأةُ“: اَلْمُماثَلَةُ والِاتِّفاقُ عَلى الشَّيْءِ.
التوبة 9:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾، اَلْإجْماعُ في الرِّواياتِ أنَّ هَذا كانَ في غَزْوَةِ ”تَبُوكَ“، وذَلِكَ أنَّ النّاسَ خَرَجُوا فِيهِ عَلى ضَيْقَةٍ شَدِيدَةٍ شاقَّةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾، اَلْمَعْنى: تَثاقَلْتُمْ، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في التّاءِ، فَصارَتْ ثاءً ساكِنَةً، فابْتُدِئَتْ بِألِفِ الوَصْلِ - الِابْتِداءِ.
وَفِي ”اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ“، عِنْدِي غَيْرُ وجْهٍ، مِنها أنَّ مَعْناهُ: ”تَثاقَلْتُمْ إلى الإقامَةِ بِأرْضِكم“، ومِنها ”اِثّاقَلْتُمْ إلى شَهَواتِ الدُّنْيا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾، أيْ: أرَضِيتُمْ بِنَعِيمِ الحَياةِ الدُّنْيا مِن نَعِيمِ الآخِرَةِ؟ (p-٤٤٨)﴿فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلا قَلِيلٌ﴾، أيْ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الدُّنْيا قَلِيلٌ، عِنْدَما يَتَمَتَّعُ بِهِ أوْلِياءُ اللَّهِ في الجَنَّةِ.
التوبة 9:39
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾، هَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، وأعْلَمَ أنَّهُ يَسْتَبْدِلُ لِنَصْرِ دِينِهِ ونَبِيِّهِ قَوْمًا غَيْرَ مُثّاقِلِينَ عَنِ النَّصْرِ إلى أعْدائِهِ، إذْ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم إنْ تَرَكُوا نَصْرَهُ فَلَنْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ شَيْئًا، كَما لَمْ يَضْرُرْهُ إذْ كانَ بِمَكَّةَ لا ناصِرِينَ لَهُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ﴾ [التوبة: ٤٠]، «وَكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ أجْمَعُوا عَلى قَتْلِهِ ﷺ، فَمَضى هو وأبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ هارِبًا مِنهم في اللَّيْلِ، وتَرَكَ عَلِيًّا عَلى فِراشِهِ لِيَرَوْا شَخْصَهُ عَلى الفِراشِ، فَلا يَعْلَمُوا وقْتَ مُضِيِّهِ، وأطْلَعا أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ عَلى مَكانِهِما في الغارِ، ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ثُمامَةَ، وهي شَجَرَةٌ صَغِيرَةٌ ضَعِيفَةٌ، فَأمَرَ أبا بَكْرٍ أنْ يَأْخُذَها مَعَهُ، فَلَمّا صارا إلى الغارِ، أمَرَ أبا بَكْرٍ فَجَعَلَها عَلى بابِ الغارِ، ثُمَّ سَبَقَ أبُو بَكْرٍ إلى دُخُولِ الغارِ فانْبَطَحَ فِيهِ، وألْقى نَفْسَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ”لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟“، فَقالَ: ”لِأنَّ هَذِهِ الغِيرانَ تَكُونُ فِيها الهَوامُّ المُؤْذِيَةُ، والسِّباعُ، فَأحْبَبْتُ إنْ كانَ فِيها شَيْءٌ أنْ أقِيَكَ بِنَفْسِي يا رَسُولَ اللَّهِ“، ونَظَرَ أبُو بَكْرٍ إلى جُحْرٍ في الغارِ فَسَدَّهُ بِرِجْلِهِ، وقالَ: ”إنْ خَرَجَ مِنهُ ما يُؤْذِي وقَيْتُكَ مِنهُ“، فَلَمّا أصْبَحَ المُشْرِكُونَ اجْتازُوا بِالغارِ، فَبَكى أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ما يُبْكِيكَ؟“، فَقالَ: ”أخافُ أنْ تُقْتَلَ فَلا يُعْبَدَ اللَّهُ بَعْدَ اليَوْمِ“، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ: ”لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا“، أيْ: إنَّ اللَّهَ تَعالى يَمْنَعُهم مِنّا، ويَنْصُرُنا، (p-٤٤٩)فَقالَ: ”أهَكَذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟“، قالَ: ”نَعَمْ“، فَرَقَأ دَمْعُ أبِي بَكْرٍ، وسَكَنَ،» وقالَ المُشْرِكُونَ - حِينَ اجْتازُوا بِالغارِ -: لَوْ كانَ فِيهِ أحَدٌ لَمْ تَكُنْ بِبابِهِ هَذِهِ الثُّمامَةُ، ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٤٠]، أيَّدَهُ بِمَلائِكَةٍ يَصْرِفُونَ وُجُوهَ الكُفّارِ وأبْصارَهم عَنْ أنْ يَرَوْهُ.
وَقَوْلُهُ: ”سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ“، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ الَّتِي في عَلَيْهِ لِأبِي بَكْرٍ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ تَرْجِعُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ألْقى في قَلْبِهِ ما سَكَنَ بِهِ، وعَلِمَ أنَّهم غَيْرُ واصِلِينَ إلَيْهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم إنْ تَرَكُوا نَصْرَهُ، نَصَرَهُ كَما نَصَرَهُ في هَذِهِ الحالِ، و”ثانِيَ اثْنَيْنِ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ أحَدَ اثْنَيْنِ“، أيْ: نَصْرَهُ مُنْفَرِدًا، إلّا مِن أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
التوبة 9:41
وَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾، فَقِيلَ: ”خِفافًا وثِقالًا“، أيْ: مُوسِرِينَ ومُعْسِرِينَ، وقِيلَ: ”خِفافًا وثِقالًا“: خَفَّتْ عَلَيْكُمُ الحَرَكَةُ، أوْ ثَقُلَتْ، وقِيلَ: رُكْبانًا، ومُشاةً، وقِيلَ أيْضًا: شَبابًا وشُيُوخًا، ويُرْوى «أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أعَلَيَّ أنْ أنْفِرَ؟ فَقالَ: ”نَعَمْ“، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [الفتح: ١٧]» .
التوبة 9:42
﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ﴾، ”اَلْعَرَضُ“: كُلُّ ما عَرَضَ لَكَ مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، فالمَعْنى: ”لَوْ كانَتْ غَنِيمَةً قَرِيبَةً“، أيْ: لَوْ كانَ ما دُعُوا إلَيْهِ غُنْمًا، و”سَفَرًا قاصِدًا“، أيْ: سَهْلًا قَرِيبًا، ﴿لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾، (p-٤٥٠)أيْ: بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الغايَةُ الَّتِي تَقْصِدُها، وكانَ هَذا حِينَ دُعُوا إلى غَزْوَةِ ”تَبُوكَ“، فَثَقُلَ عَلَيْهِمُ الخُرُوجُ إلى نَواحِي الشّامِ.
التوبة 9:43
وَقَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنْتَ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾، أيْ: حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ مَن يُنافِقُ، مِمَّنْ يُصَحِّحُ.
التوبة 9:44
ثُمَّ أعْلَمَهُ - جَلَّ وعَلا - أنَّ عَلامَةَ النِّفاقِ في ذَلِكَ الوَقْتِ الِاسْتِئْذانُ في التَّخَفُّفِ عَنِ الجِهادِ، فَقالَ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: لا يَسْتَأْذِنُكَ هَؤُلاءِ في أنْ يُجاهِدُوا، ولَكِنَّ ”في“، حُذِفَتْ، فَأفْضى الفِعْلُ، فَنَصَبَ ”أنْ“، قالَ سِيبَوَيْهِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها جَرًّا، لِأنَّ حَذْفَها هَهُنا إنَّما جازَ مَعَ ظُهُورِ ”أنْ“، فَلَوْ أظْهَرْتَ المَصْدَرَ لَمْ تَحْذِفْ ”في“، ”لا يَسْتَأْذِنُكَ القَوْمُ الجِهادَ“، حَتّى تَقُولَ: ”في الجِهادِ“، ويَجُوزَ ”لا يَسْتَأْذِنُكَ القَوْمُ أنْ يُجاهِدُوا“ .
التوبة 9:45
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، وأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ مَنِ ارْتابَ وشَكَّ في اللَّهِ، وفي البَعْثِ، فَهو كافِرٌ.
التوبة 9:46
﴿وَلَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾، أيْ: فَتَرْكُهُمُ العُدَّةَ دَلِيلٌ عَلى إرادَتِهِمُ التَّخَفُّفَ، ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾، و”اَلتَّثْبِيطُ“: رَدُّكَ الإنْسانَ عَنِ الشَّيْءِ يَفْعَلُهُ، أيْ: كَرِهَ اللَّهُ أنْ يَخْرُجُوا مَعَكُمْ، فَرَدَّهم عَنِ الخُرُوجِ، ثُمَّ أعْلَمُ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَ كَرِهَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلا خَبالا﴾ [التوبة: ٤٧]، (p-٤٥١)و”اَلْخَبالُ“: اَلْفَسادُ، وذَهابُ الشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبَنِي لُبَيْنى لَسْتُما بِيَدٍ ∗∗∗ إلّا يَدًا مَخْبُولَةَ العَضُدِ
أيْ: فاسِدَةَ العَضُدِ، ﴿وَلأوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، يُقالُ: ”أوْضَعْتُ في السَّيْرِ“، إذا أسْرَعْتُ ”،“ ولَأسْرَعُوا فِيما يُخِلُّ بِكم ”، ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٧]، أيْ:“ فِيكم مَن يَسْمَعُ ويُؤَدِّي إلَيْهِمِ ما يُرِيدُونَ ”، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ“ سَمّاعُونَ لَهم ”، مَن يَقْبَلُ مِنهُمْ، وفي المُصْحَفِ مَكْتُوبٌ“ ولَأوْضَعُوا ”،“ ولَأ اوْضَعُوا ”، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ:“ أوْ لَأ اذْبَحَنَّهُ ”، بِزِيادَةِ ألِفٍ أيْضًا، وهَذا إنَّما حَقُّهُ عَلى اللَّفْظِ:“ ولَأوْضَعُوا ”، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ كانَتْ تُكْتَبُ قَبْلَ“ اَلْعَرَبِيِّ ”، ألِفًا، والكِتابُ ابْتُدِئَ بِهِ في“ اَلْعَرَبِيِّ ”، بِقُرْبِ نُزُولِ القُرْآنِ، فَوَقَعَ فِيهِ زِياداتٌ في أمْكِنَةٍ، وإتْباعُ الشَّيْءِ بِنَقْصٍ عَنِ الحُرُوفِ، فَكُتِبَتْ“ ولا أوْضَعُوا "، بِلامٍ وألِفٍ، بَدَلًا مِنَ الفَتْحَةِ، وبِهَمْزَةٍ، فَهَذا مَجازُ ما وقَعَ مِن هَذا النَّحْوِ في الكِتابِ.
التوبة 9:49
﴿وَمِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي﴾، أيْ: لا تُؤَثِّمْنِي بِأمْرِكَ إيّايَ بِالخُرُوجِ، وذَلِكَ غَيْرُ مُتَيَسِّرٍ لِي، فَآثَمَ، وقِيلَ: إنَّ المُنافِقِينَ هَزِئُوا بِالمُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ ”تَبُوكَ“، فَقالُوا: أتُرِيدُونَ بَناتِ (p-٤٥٢)الأصْفَرِ؟ فَقالَ: ”لا تَفْتِنِّي“، أيْ: لا تَفْتِنِّي بِبَناتِ الأصْفَرِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم قَدْ سَقَطُوا في الفِتْنَةِ، أيْ: سَقَطُوا في الإثْمِ.
التوبة 9:50
﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾، أيْ: قَدْ عَلِمْنا بِالحَزْمِ في التَّخَلُّفِ عَنْكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ المُسْلِمِينَ لَنْ يُصِيبَهم إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَهُمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إلا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا﴾ [التوبة: ٥١]، أيْ: ما قَدَّرَ عَلَيْنا، كَما قالَ: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ في الأرْضِ ولا في أنْفُسِكم إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: ”إنَّهُ لَنْ يُصِيبَنا إلّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا ما بَيَّنَ لَنا في كِتابِهِ، مِن أنّا نَظْفَرُ، فَتَكُونَ تِلْكَ حُسْنى لَنا، أوْ نُقْتَلَ فَتَكُونَ الشَّهادَةُ حُسْنى لَنا أيْضًا“، أيْ: فَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ لَنا ما يُصِيبُنا، أوْ عَلِمْنا ما لَنا فِيهِ حَظٌّ، ثُمَّ بَيَّنَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]، إلّا الظَّفَرَ، أوِ الشَّهادَةَ، ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ [التوبة: ٥٢]، فَأنْتُمْ تَرَبَّصُونَ بِنا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم إحْدى الشَّرَّتَيْنِ، فَبَيْنَ ما تَنْتَظِرُونَهُ، ونَنْتَظِرُهُ فَرْقٌ عَظِيمٌ.
التوبة 9:53
(p-٤٥٣)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾، وإنْ شِئْتَ: ”كُرْهًا“، بِالضَّمِّ، هَذا لَفْظُ أمْرٍ، ومَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ، والجَزاءِ، والمَعْنى: أنْفِقُوا طائِعِينَ، أوْ مُكْرَهِينَ، لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
فَلَمْ يَأْمُرْها بِالإساءَةِ، ولَكِنْ أعْلَمَها أنَّها إنْ أساءَتْ أوْ أحْسَنَتْ فَهو عَلى عَهْدِها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ كانَ الخَبَرُ في مَعْنى الأمْرِ؟ قُلْنا: هو كَقَوْلِكَ: ”غَفَرَ اللَّهُ لِزَيْدٍ“، و”رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا“، فَمَعْناهُ: ”اَللَّهُمَّ ارْحَمْ زَيْدًا“ .
التوبة 9:54
﴿وَما مَنَعَهم أنْ تُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلا أنَّهم كَفَرُوا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، اَلْأُولى: نَصْبٌ، ومَوْضِعُ ”أنْ“، اَلثّانِيَةِ: رَفْعٌ، المَعْنى: ما مَنَعَهم مِن قَبُولِ نَفَقاتِهِمْ إلّا كُفْرُهُمْ، ويَجُوزُ ”أنْ يُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم“، لِأنَّ النَّفَقاتِ في مَعْنى الإنْفاقِ، ويَجُوزُ: ”وَما مَنَعَهم مِن أنْ يُقْبَلَ مِنهم نَفَقاتُهم إلّا أنَّهم كَفَرُوا“، وهَذا لا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يُرْوَ في القِراءَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلا وهم كُسالى﴾، و”كَسالى“، بِالضَّمِّ، والفَتْحِ، جَمْعُ ”كَسْلانُ“، وكَقَوْلِكَ: ”سَكْرانُ“، و”سُكارى“، و”سَكارى“، ويَجُوزُ: ”وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إلّا وهم كَسْلى“، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إلا وهم كارِهُونَ﴾، (p-٤٥٤)اَلْقِراءَةُ عَلى فَتْحِ الكافِ، ويَجُوزُ الكَسْرُ: ”إلّا وهم كِارِهُونَ“، ولَمْ يُرْوَ في القُرْآنِ.
التوبة 9:55
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهُمْ، ولا أوْلادُهم في الدُّنْيا، إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الآخِرَةِ“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا“، أيْ: ”هم يُنْفِقُونَها في الدُّنْيا، وهم مُنافِقُونَ، فَهم مُتَعَذِّبُونَ بِإنْفاقِها، إذْ كانُوا يُنْفِقُونَها عَلى كُرْهٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾، مَعْناهُ:“ وتَخْرُجَ أنْفُسُهم "، أيْ: يَغْلُظَ عَلَيْهِمُ المَكْرُوهُ حَتّى تَزْهَقَ أنْفُسُهم.
التوبة 9:56
﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾، أيْ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم مُؤْمِنُونَ، كَما أنْتُمْ مُؤْمِنُونَ، وما هم مِنكُمْ، لِأنَّهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ، ويُبْطِنُونَ الكُفْرَ، ﴿وَلَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أيْ: ”يَفْرَقُونَ أنْ يُظْهِرُوا ما هم عَلَيْهِ فَيُقْتَلُوا“ .
التوبة 9:57
ثُمَّ أعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهم لَوْ وجَدُوا مَخْلَصًا فِيهِ لَفارَقُوكُمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ﴾، و”المَلْجَأُ“، و”اَللَّجَأُ“، مَقْصُورٌ، ومَهْمُوزٌ، وهو المَكانُ الَّذِي يُتَحَصَّنُ فِيهِ، و”مَغاراتٌ“، جَمْعُ ”مَغارَةٌ“، وهو المَوْضِعُ يَغُورُ فِيهِ الإنْسانُ، أيْ: يَسْتَتِرُ فِيهِ، ويُقْرَأُ: ”أوْ مُغاراتٍ“، بِضَمِّ المِيمِ، لِأنَّهُ يُقالُ: ”أغَرْتُ“، و”غُرْتُ“، إذا دَخَلْتُ الغَوْرَ.
(p-٤٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ مُدَّخَلا﴾، ويُقْرَأُ: ”أوْ مُدْخَلًا“، بِالتَّخْفِيفِ، ويُقْرَأُ: ”أوْ مَدْخَلًا“، فَأمّا ”مُدَّخَلٌ“، فَأصْلُهُ: ”مُدْتَخَلٌ“، ولَكِنَّ التّاءَ والدّالَ مِن مَكانٍ واحِدٍ، فَكانَ الكَلامُ مِن وجْهٍ واحِدٍ أخَفَّ، ومَن قالَ: ”مَدْخَلًا“، فَهو مِن ”دَخَلَ، يَدْخُلُ، مَدْخَلًا“، ومَن قالَ: ”مُدْخَلًا“، فَهو مِن ”أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎اَلْحَمْدُ لِلَّهِ مُمْسانا ومُصْبَحَنا ∗∗∗ بِالخَيْرِ صَبَّحَنا رَبِّي ومَسّانا
وَمَعْنى ”مُدَّخَلٌ“، و”مُدْخَلٌ“: أنَّهم لَوْ وجَدُوا قَوْمًا يَدْخُلُونَ في جُمْلَتِهِمْ، أوْ يُدْخِلُونَهم في جُمْلَتِهِمْ، ﴿لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾، اَلْمَعْنى: لَوْ وجَدُوا هَذِهِ الأشْياءَ، ”لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ“، أيْ: يُسْرِعُونَ إسْراعًا لا يَرُدُّ وُجُوهَهَمْ شَيْءٌ، ومِن هَذا قِيلَ: ”فَرَسٌ جُمُوحٌ“، لِلَّذِي إذا حَمَلَ لَمْ يَرُدَّهُ اللِّجامُ.
التوبة 9:58
﴿وَمِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾، وتُقْرَأُ: ”يَلْمِزُونَكَ“، يُقالُ: ”لَمَزْتُ الرَّجُلَ، ألْمِزُهُ - بِكَسْرِ المِيمِ -، وألْمُزُهُ - بِضَمِّ المِيمِ“، إذا عِبْتُهُ، وكَذَلِكَ ”هَمَزْتُهُ، أهْمِزُهُ“، إذا عِبْتُهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا لَقِيتُكَ تُبْدِي لِي مُكاشَرَةً ∗∗∗ وإنْ تَغَيَّبْتُ كُنْتَ الهامِزَ اللُّمَزَةْ
(p-٤٥٦)و”اَللُّمَزَةُ“: اَلْكَثِيرُ العَيْبِ لِلنّاسِ، وقالَ بَعْضُهم: ”اَللُّمَزَةُ“: اَلْعَيِبُ، بِكَسْرِ العَيْنِ - أيْ: بِكَسْرِ عَيْنِهِ - ”عَيِبٌ“، كَـ ”نَهِمٌ“، إذا عابَ، يُرادُ بِهِ عَيِبَ صاحِبَهُ، وقالُوا: ”اَللُّمْزَةُ“: اَلْعَيِبُ بِالمُسارَّةِ، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى ”اَلْعَيْبُ“ .
التوبة 9:60
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ والمَساكِينِ والعامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، وهم قَوْمٌ كانُوا يُعْطَوْنَ، يُتَألَّفُونَ عَلى أنْ يُسْلِمُوا، وهَذا غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ اليَوْمَ لِظُهُورِ الإسْلامِ، ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾، كَأنْ يُعاوِنَ المَكاتِبَ حَتّى يَفُكَّ رَقَبَتَهُ، ”﴿والغارِمِينَ﴾، وهُمُ الَّذِينَ لَزِمَهُمُ الدَّيْنُ في الحِمالَةِ، و“ اَلْحِمالَةُ ”: اَلْإعْطاءُ في الذِّمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغارِمُ الَّذِي لَزِمَهُ الدَّيْنُ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، فالأوْلى أنْ يَكُونَ الدَّيْنُ الَّذِي يُقْضى عَنْهُ في غَيْرِ مَعْصِيَةٍ، لِأنَّ ذا المَعْصِيَةِ إنْ أُدِّيَ عَنْهُ الدَّيْنُ كانَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً عَلى المَعاصِي، ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أيْ: ولِلْمُجاهِدِينَ حَقٌّ في الصَّدَقَةِ، ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾، اِبْنِ الطَّرِيقِ، وتَأْوِيلُهُ: اَلَّذِي قُطِعَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ، ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾، (p-٤٥٧)مَنصُوبٌ عَلى التَّوْكِيدِ، لِأنَّ قَوْلَهُ:“ إنَّما الصَّدَقاتُ لِهَؤُلاءِ ”، كَقَوْلِكَ:“ فَرَضَ اللَّهُ الصَّدَقاتِ لِهَؤُلاءِ ”، وقَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ“ اَلْأنْفالِ ”، ما قِيلَ في جَمِيعِ الأمْوالِ، واسْتَقْصَيْناهُ، ويَجُوزُ“ فَرِيضَةٌ مِنَ اللَّهِ "، عَلى ذَلِكَ، ولا أعْلَمُهُ قُرِئَ بِهِ.
التوبة 9:61
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هو أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾، وتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ مِنَ المُنافِقِينَ مَن كانَ يَعِيبُ النَّبِيَّ ﷺ، ويَقُولُ: إنْ بَلَغَهُ عَنِّي حَلَفْتُ لَهُ، وقَبِلَ مِنِّي، لِأنَّهُ أُذُنٌ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ أُذُنُ خَيْرٍ لكُمْ، أيْ: مُسْتَمِعُ خَيْرٍ لَكُمْ، ثُمَّ بَيَّنَ مِمَنَ يَقْبَلُ، فَقالَ: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: هو أُذُنُ خَيْرٍ، لا أُذُنُ شَرٍّ، يَسْمَعُ ما يُنْزِلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، ويُصَدِّقُ المُؤْمِنِينَ فِيما يُخْبِرُونَهُ بِهِ، ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾، أيْ: هو رَحْمَةٌ، لِأنَّهُ كانَ سَبَبَ المُؤْمِنِينَ في إيمانِهِمْ، ومَن قَرَأ: ”أُذُنٌ خَيْرٌ لَكم“، فالمَعْنى: فَإنَّ مَن يَسْمَعُ مِنكم ويَكُونُ قَرِيبًا مِنكم قابِلًا لِلْعُذْرِ، خَيْرٌ لَكُمْ، ويُرْوى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ قالَ: لَوْ كانَ ما أتى بِهِ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ حَمِيرٌ، فَقالَ لَهُ ابْنُ امْرَأتِهِ: إنَّ ما أتى بِهِ لَحَقٌّ، وإنَّكَ لَشَرٌّ مِن دابَّتِكَ هَذِهِ، وبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَهُ: نَعْتَذِرُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ لَهُ، فَإنَّهُ أُذُنٌ.
(p-٤٥٨)وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢]، قالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ هَذِهِ اللّامَ بِمَعْنى القَسَمِ، أيْ: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لَيُرْضُنَّكُمْ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّهم إنَّما حَلَفُوا إنَّهم ما قالُوا ما حُكِيَ عَنْهم لِيُرْضُوكم بِاليَمِينِ، ولَمْ يَحْلِفُوا أنَّهم يُرْضُونَ فِيما يُسْتَقْبَلُ، ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢]، أيْ: إنْ كانُوا عَلى ما يُظْهِرُونَ، فَكانَ يَنْبَغِي ألّا يَعِيبُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَيَكُونُونَ بِتَوَلِّيهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وتَرْكِ عَيْبِهِ مُؤْمِنِينَ، ويَجُوزُ في قَوْلِهِ: ”وَرَحْمةٌ“، اَلْجَرُّ عَلى العَطْفِ عَلى ”خَيْرٍ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”قُلْ أُذُنَ خَيْرٍ لَكم وأُذُنُ رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢]، ولَمْ يَقُلْ: ”يُرْضُوهُما“، لِأنَّ المَعْنى يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَحَذَفَ اسْتِخْفافًا، المَعْنى: ”واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ، ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ“، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والأمْرَ مُخْتَلِفُ
اَلْمَعْنى: ”نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ“ .
التوبة 9:63
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾، مَعْناهُ: ”مَن يُعادِي اللَّهَ ورَسُولَهُ، ومَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ“، واشْتِقاقُهُ مِنَ اللُّغَةِ كَقَوْلِكَ: ”مَن يُجانِبِ اللَّهَ ورَسُولَهُ“، أيْ: ”مَن يَكُونُ في حَدٍّ، واللَّهُ ورَسُولُهُ في حَدٍّ، (p-٤٥٩)﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾، والقِراءَةُ بِالفَتْحِ والكَسْرِ:“ فَإنَّ لَهُ ”، فَمَن كَسَرَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، بَعْدَ الفاءِ، كَما تَقُولُ:“ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ ”، ودَخَلَتْ“ إنَّ ”، مُؤَكِّدَةً، ومَن قالَ:“ فَأنَّ لَهُ ”، فَإنَّما أعادَ“ فَأنَّ "، تَوْكِيدًا، لِأنَّهُ لَمّا طالَ الكَلامُ كانَ إعادَتُها أوْكَدَ.
التوبة 9:64
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾، لَفْظُ ”يَحْذَرُ“، لَفْظُ الخَبَرِ، ومَعْناهُ الأمْرُ، لِأنَّهُ لا لَبْسَ في الكَلامِ في أنَّهُ أمْرٌ، فَهو كَقَوْلِكَ: ”لِيَحْذَرِ المُنافِقُونَ“، وعَلى هَذا يَجُوزُ في كُلِّ ما يُؤْمَرُ بِهِ أنْ تَقُولَ: ”يُفْعَلُ ذَلِكَ“، فَيَنُوبَ عَنْ قَوْلِكَ: ”لِيُفْعَلْ ذَلِكَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْهُمْ، لِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ عِنادًا، وحَسَدًا، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾
التوبة 9:65
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: ”إنَّما كُنّا نَخُوضُ كَما يَخُوضُ الرَّكْبُ“ .
التوبة 9:66
وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾، تَأْوِيلُهُ: إنَّهُ قَدْ ظَهَرَ كُفْرُكم بَعْدَ إظْهارِكُمُ الإيمانَ، ﴿إنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾، والقِراءَةُ: ”إنْ نَعْفُ“، و”إنْ يُعْفَ“، و”إنْ يَعْفُ“، جَيِّدَةٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المَشْهُورِينَ قَرَأ بِها، ويُرْوى أنَّ هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ إنَّما كانُوا ثَلاثَةَ نَفَرٍ، فَهَزِئَ اثْنانِ، وضَحِكَ واحِدٌ، فَجُعِلَ ”طائِفَةٌ“، لِلْواحِدِ، وكَذَلِكَ قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، يُرادُ بِهِ نَفْسٌ طائِفَةٌ.
(p-٤٦٠)و”اَلطّائِفَةُ“، في اللُّغَةِ، أصْلُها: ”اَلْجَماعَةُ“، لِأنَّها المِقْدارُ الَّذِي يَطِيفُ بِالشَّيْءِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ لِلْواحِدِ: ”طائِفَةٌ“، يُرادُ بِها نَفْسٌ طائِفَةٌ.
التوبة 9:67
وَقَوْلُهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾، هَذا يَتْلُو قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦]، أيْ: لَيْسَ المُنافِقُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ المُنافِقِينَ، ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾، أيْ: يَأْمُرُونَ بِالكُفْرِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ﴾، أيْ: يَنْهَوْنَ عَنِ الإيمانِ بِهِ، ﴿وَيَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾، أيْ: لا يَتَصَدَّقُونَ، ولا يُزَكُّونَ، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، أيْ: تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ مِن رَحْمَتِهِ وتَوْفِيقِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [التوبة: ٦٨]، أيْ: كِفايَةُ ذُنُوبِهِمْ، كَما تَقُولُ: ”عَذَّبْتُكَ حَسَبَ فِعْلِكَ“، و”حَسْبُ فُلانٍ ما نَزَلَ بِهِ“، أيْ: ذَلِكَ عَلى قَدْرِ فِعْلِهِ.
التوبة 9:69
وَقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، أيْ: وعَدَهُمُ اللَّهُ عَلى الكُفْرِ بِهِ، كَما وعَدَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾، قِيلَ: فاسْتَمْتَعُوا بِحَظِّهِمْ مِنَ الدُّنْيا، وقِيلَ: فاسْتَمْتَعُوا بِدِينِهِمْ، و”اَلْخَلاقُ“: اَلنَّصِيبُ الَّذِي هو عِنْدَ صاحِبِهِ وافِرُ الحَظِّ.
التوبة 9:70
﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ﴾، (p-٤٦١)ألَمْ يَأْتِهِمْ خَبَرُ الَّذِينَ هَلَكُوا في الدُّنْيا بِذُنُوبِهِمْ فَيَتَّعِظُوا؟ و”اَلْمُؤْتَفِكاتُ“: جَمْعُ ”مُؤْتَفِكَةٌ“، اِئْتَفَكَتْ بِهِمُ الأرْضُ، أيْ: اِنْقَلَبَتْ، يُقالُ: إنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، ويُقالُ: إنَّهم جَمِيعُ مَن أُهْلِكَ، كَما تَقُولُ لِلْهالِكِ: ”اِنْقَلَبَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيا“، ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ تَعْذِيبَهُ إيّاهم بِاسْتِحْقاقِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ عَدْلٌ.
التوبة 9:72
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرِضْوانٌ﴾، وتُقْرَأُ: ”وَرُضْوانٌ“، و”وَرِضْوانٌ“، وهُما جَمِيعًا عَنْ عاصِمٍ، ومَعْنى ”وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ“: أيْ: أكْبَرُ مِمّا هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ.
التوبة 9:73
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾، أمَرَ بِجِهادِهِمْ، والمَعْنى: جاهِدْهم بِالقَتْلِ، والحُجَّةِ، فالحُجَّةُ عَلى المُنافِقِينَ جِهادٌ لَهم.
التوبة 9:74
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾، قِيلَ: إنَّهم كانُوا هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا عَزَمُوا عَلى أنْ يَقِفُوا لَهُ بِعَقَبَةٍ عَلى طَرِيقِهِ، ويَغْتالُوهُ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ ذَلِكَ، فَلَمّا بَلَغَ إلَيْهِمْ أمْرُ مَن نَحّاهم عَنْ طَرِيقِهِ، وسَمّاهم رَجُلًا رَجُلًا، فَهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِهِ، لِأنَّ الأمْرَ إنَّما عُلِمَ في قِصَّتِهِمْ بِالوَحْيِ، ﴿وَما نَقَمُوا إلا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾، (p-٤٦٢)وَإنَّما قِيلَ: ”أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ“، لِأنَّ أمْوالَهم كَثُرَتْ مِنَ الغَنائِمِ، فَكانَ سَبَبُ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، مَعْناهُ: مُؤْلِمًا، وإنَّما قالَ: ”في الدُّنْيا“، لِأنَّهم أُمِرَ بِقَتْلِهِمْ، ويَجُوزُ: ”وَما نَقِمُوا“ .
التوبة 9:75
﴿وَمِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، اَلْأصْلُ: ”لَنَتَصَدَّقَنَّ“، ولَكِنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الصّادِ، لِقُرْبِها مِنها.
التوبة 9:77
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة: ٧٦]، قالَ: ”فَأعْقَبَهم نِفاقًا“، أيْ: أضَلَّهُمُ اللَّهُ بِفِعْلِهِمْ.
التوبة 9:79
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، ”يَلْمِزُونَ“، ويَلْمُزُونَ ”، بِكَسْرِ المِيمِ، وضَمِّها، ومَعْناهُ: يَعِيبُونَ، وكانُوا عابُوا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَدَقاتٍ أتَوْا بِها النَّبِيَّ ﷺ، يُرْوى أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أتى بِصُرَّةٍ تَمْلَأُ الكَفَّ، وأنَّ رَجُلًا، كانَ يُقالُ لَهُ أبُو عَقِيلٍ، أتى بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَعابُوهُ بِذَلِكَ، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا غَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذا، وإنَّما أتى بِهَذا لِيُذْكَرَ بِنَفْسِهِ، فَهو مَعْنى ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾، و“ جَهْدَهم ”، بِالفَتْحِ، والضَّمِّ، (p-٤٦٣)﴿فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾، و“ اَلسِّخْرِيَّ "، مِنَ اللَّهِ: اَلْمُجازاةُ عَلى فِعْلِهِمْ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ.
التوبة 9:80
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فَيُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”أسْتَغْفِرُ لَهم أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً“، فَنَزَلَتْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]
التوبة 9:81
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾، بِمَعْنى مُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وهو مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى بِأنْ قَعَدُوا لِمُخالَفَةِ رَسُولِ اللَّهِ، ويُقْرَأُ: ”خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ“، ويَكُونُ هَهُنا أنَّهم تَأخَّرُوا عَنِ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾، وهَذا وعِيدٌ في تَرْكِ الجِهادِ، ويَجُوزُ: ”لا تَنْفُرُوا“، بِضَمِّ الفاءِ.
التوبة 9:82
﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، ”جَزاءً“، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”وَلْيَبْكُوا جَزاءً لِهَذا الفِعْلِ“ .
التوبة 9:84
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾، يُرْوى أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وكانَ رَأْسَ المُنافِقِينَ، فَلَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ بَعَثَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْألُهُ أحَدَ ثَوْبَيْهِ، لِيُكَفَّنَ بِهِ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأحَدِهِما، فَأرْسَلَ المُنافِقُ إلى رَسُولِ اللَّهِ: أُرِيدُ الَّذِي كانَ يَلِي جِلْدَكَ مِن ثِيابِكَ، فَوَجَّهَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ فِيهِ: لِمَ وجَّهْتَ إلَيْهِ بِقَمِيصِكَ يُكَفَّنُ فِيهِ وهو كافِرٌ؟ فَقالَ: ”إنَّ قَمِيصِي لَنْ يُغْنِيَ عَنْهُ شَيْئًا مِنَ اللَّهِ، وإنِّي أُؤَمِّلُ مِنَ اللَّهِ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ خَلْقٌ كَثِيرٌ بِهَذا السَّبَبِ“، فَيُرْوى أنَّهُ أسْلَمُ مِنَ الخَزْرَجِ ألْفٌ، لَمّا رَأوْهُ يَطْلُبُ الِاسْتِشْفاءَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ، وأرادَ الصَّلاةَ عَلَيْهِ، (p-٤٦٤)فَنَزَلَ الوَحْيُ عَلَيْهِ ﷺ: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾، ويُرْوى أنَّهُ ﷺ صَلّى عَلَيْهِ، وإنَّما مَجازُ الصَّلاةِ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ ظاهِرُهُ ظاهِرَ الإسْلامِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ إذا عَلِمَ مِنهُ النِّفاقَ فَلا صَلاةَ عَلَيْهِ، ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دُفِنَ المَيِّتُ وقَفَ عَلى قَبْرِهِ، ودَعا لَهُ.
التوبة 9:90
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾، ”اَلْمُعَذِّرُونَ“، بِتَشْدِيدِ الذّالِ، وتُقْرَأُ: ”اَلْمُعْذِرُونَ“، فَمَن قَرَأ: ”اَلْمُعْذِرُونَ“، فَتَأْوِيلُهُ: اَلَّذِينَ أعْذَرُوا، أيْ: جاؤُوا بِعُذْرٍ، ومَن قَرَأ: ”اَلْمُعَذِّرُونَ“، بِتَشْدِيدِ الذّالِ، فَتَأْوِيلُهُ: اَلْمُعْتَذِرُونَ، إلّا أنَّ التّاءَ أُدْغِمَتْ في الذّالِ، لِقُرْبِ مَخْرَجِهِما، ومَعْنى ”اَلْمُعْتَذِرُونَ“: اَلَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ، كانَ لَهم عُذْرٌ، أوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ، وهو هَهُنا أشْبَهُ بِأنْ يَكُونَ لَهم عُذْرٌ، وأنْشَدُوا:
؎إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما ∗∗∗ ومَن يَبْكِ حَوْلًا كامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
اَلْمَعْنى فَقَدْ جاءَ بِعُذْرٍ، ويَجُوزُ ”اَلْمُعِذِّرُونَ“، بِكَسْرِ العَيْنِ، لِأنَّ الأصْلَ: ”اَلْمُعْتَذِرُونَ“، فَأُسْكِنَتِ التّاءُ، وأُدْغِمَتْ في الذّالِ، ونُقِلَتْ حَرَكَتُها إلى العَيْنِ، فَصارَ الفَتْحُ أوْلى الأشْياءِ، ومَن كَسَرَ العَيْنَ حَرَّكَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَجُوزُ ”اَلْمُعُذَّرُونَ“، بِإتْباعِ الضَّمَّةِ الَّتِي قَبْلَها، وهَذانِ الوَجْهانِ - كَسْرُ العَيْنِ، وضَمُّها - لَمْ يُقْرَأْ بِهِما، وإنَّما يَجُوزُ في النَّحْوِ، وهُما جِهَتانِ يَثْقُلُ اللَّفْظُ بِهِما، فالقِراءَةُ بِهِما مَطْرُوحَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْمُعَذِّرُونَ“، اَلَّذِينَ يُعَذَّرُونَ، يُوهِمُونَ أنَّ لَهم أعْذارٌ، ولا عُذْرَ لَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]، (p-٤٦٥)قِيلَ: ”أُولُو الطَّوْلِ“، هم أُولُو الغِنى، وقِيلَ: أُولُو الفَضْلِ، في المَعْنى، والرَّأْيِ، والجاهِ، و”اَلطَّوْلُ“: اَلْفَضْلُ في القُدْرَةِ عَلى هَذِهِ الأشْياءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ [التوبة: ٩٣]، ”اَلْخَوالِفُ“: اَلنِّساءُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ”خالِفَةٌ“، في الرِّجالِ، و”اَلْخالِفُ“: اَلَّذِي هو غَيْرُ مُنْجِبٍ، ولَمْ يَأْتِ في ”فاعِلٌ“، ”فَواعِلُ“، إلّا في حَرْفَيْنِ: ”فارِسٌ“، و”فَوارِسُ“، و”هالِكٌ“، و”هَوالِكُ“ .
التوبة 9:97
وَقَوْلُهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾، هَؤُلاءِ أعْرابٌ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ، فَكُفْرُهم أشَدُّ، لِأنَّهم أقْسى وأجْفى مِن أهْلِ المَدَرِ، وهم أيْضًا أبْعَدُ مِن سَماعِ التَّنْرِيلِ، وإنْذارِ الرَّسُولِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْـزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، لِأنَّ الباءَ مَحْذُوفَةٌ مِن ”أنْ“، اَلْمَعْنى: ”أجْدَرُ بِتَرْكِ العِلْمِ“، تَقُولُ: ”أنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَفْعَلَ كَذا“، و”بِأنْ تَفْعَلَ كَذا“، كَما تَقُولُ: ”أنْتَ خَلِيقٌ أنْ تَفْعَلَ“، أيْ: هَذا الفِعْلُ مُيَسَّرٌ فِيكَ، فَإذا حُذِفَتِ الباءُ، لَمْ يَصْلُحْ إلّا بِـ ”أنْ“، وإنْ أتَيْتَ بِالباءِ صَلُحَ بِـ ”أنْ“، وغَيْرِهِ، تَقُولُ: ”أنْتَ جَدِيرٌ أنْ تَقُومَ“، و”جَدِيرٌ بِالقِيامِ“، فَإذا قُلْتَ، ”أنْتَ جَدِيرٌ القِيامَ“، كانَ خَطَأً، وإنَّما صَلُحَ مَعَ ”أنْ“، لِأنَّ ”أنْ“، تَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْبالِ، فَكَأنَّها عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ.
التوبة 9:98
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾، أيْ: اَلْمَوْتَ، والقَتْلَ.
التوبة 9:99
وَقَوْلُهُ: ﴿قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”قُرُباتٍ“، بِضَمِّ الرّاءِ، و”قُرْباتٍ“، بِإسْكانِها، و”قُرَباتٍ“، بِفَتْحِ الرّاءِ.
(p-٤٦٦)﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾، وكَذَلِكَ ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، مَعْناهُ: دُعاءُ الرَّسُولِ، قالَ الأعْشى:
؎تَقُولُ بِنْتِي وقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ يا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأوْصابَ والوَجَعا
؎عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ عَيْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ الأرْضِ مُضْطَجَعا
إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي“، و”مِثْلَ الَّذِي“، فَمَن قالَ: ”عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ“، فَقَدْ أمَرَها بِالدُّعاءِ، كَأنَّهُ قالَ: ”اِدْعِي مِثْلَ الَّذِي دَعَوْتِ“، ومَن قالَ: ”مِثْلَ“، فالمَعْنى: ”عَلَيْكِ مِثْلَ هَذا الدُّعاءِ“، أيْ: ”ثَبَّتُّ عَلَيْكِ مِثْلَ هَذا“ .
التوبة 9:100
وَقَوْلُهُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، ويَجُوزُ ”والأنْصارُ“، فَمَن قالَ: ”والأنْصارِ“، نَسَقَ عَلى المُهاجِرِينَ، المَعْنى: ”والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ، ومِنَ الأنْصارِ“، ومَن قالَ: ”والأنْصارُ“، نَسَقَ بِهِ عَلى ”والسّابِقُونَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”والسّابِقُونَ والأنْصارُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾، أيْ: مَنِ اتَّبَعَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾، تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ رَضِيَ أفْعالَهُمْ، وأنَّهم رَضُوا ما جازاهُمُ اللَّهُ بِهِ.
التوبة 9:101
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾، (p-٤٦٧)مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ، ”مَرَدُوا“، مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ”مُنافِقُونَ“، ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾، أيْ: سَنُعَذِّبُهم بِالنِّفاقِ، وبِالفِعْلِ، وقِيلَ: بِالقَتْلِ، وعَذابِ القَبْرِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: يُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ.
التوبة 9:103
وَقَوْلُهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾، يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”تُطَهِّرُهم بِها“، نَعْتًا لِلصَّدَقَةِ، كَأنَّهُ قالَ: ”خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً مُطَهِّرَةً“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”تُطَهِّرُهم“، لِلنَّبِيِّ ﷺ، المَعْنى: ”خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً فَإنَّكَ تُطَهِّرُهم بِها“، ويَجُوزُ ”تُطَهِّرْهم“، بِالجَزْمِ عَلى جَوابِ الأمْرِ، المَعْنى: ”إنْ تَأْخُذْ مِن أمْوالِهِمْ تُطَهِّرْهم وتُزَكِّهِمْ“، ولا يَجُوزُ في القِراءَةِ إلّا بِإثْباتِ الياءِ في ”تُزَكِّيهِمْ“، اِتِّباعًا لِلْمُصْحَفِ، ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾، أيْ: اُدْعُ لَهُمْ، و”سَكَنٌ“، أيْ: يَسْكُنُونَ بِها.
التوبة 9:104
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”وَيَقْبَلُ الصَّدَقاتِ“، وكَذَلِكَ ما يُرْوى: ”إنَّ الصَّدَقَةَ تَقَعُ في يَدِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ“، تَأْوِيلُهُ أنَّ الصَّدَقَةَ يَتَقَبَّلُها اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ويُضاعِفُ عَلَيْها.
التوبة 9:106
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ”﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾“، مَعْنى ”مُرْجَؤُونَ“: مُؤَخَّرُونَ، يُقالُ: ”أرْجَأْتُ الأمْرَ“، إذا أخَّرْتُهُ، ويُقْرَأُ: ﴿مُرْجَوْنَ﴾، عَلى ”أرْجَيْتُ“، و”آخَرُونَ“، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١]، اَلْمَعْنى: ”مِن أهْلِ المَدِينَةِ مُنافِقُونَ، ومِنهم آخَرُونَ مُرْجَوْنَ“ .
(p-٤٦٨)وَيُقالُ: إنَّهُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا، ﴿إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، ”إمّا“، لِوُقُوعِ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عالِمٌ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرُهُمْ، إلّا أنَّ هَذا لِلْعِبادِ، خُوطِبُوا بِما يَعْلَمُونَ، فالمَعْنى: ”لَكِنَّ أمْرَهم عِنْدَكم عَلى هَذا في الخَوْفِ والرَّجاءِ“ .
التوبة 9:107
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾، ”اَلَّذِينَ“، في وضْعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”وَمِنهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا“، اِنْتَصَبَ ”ضِرارًا“، مَفْعُولًا لَهُ، المَعْنى: ”اِتَّخَذُوهُ لِلضِّرارِ، والكُفْرِ، والتَّفْرِيقِ، والإرْصادِ“، فَلَمّا حُذِفَتِ اللّامُ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مَحْمُولًا عَلى المَعْنى، لِأنَّ اتِّخاذَهُمُ المَسْجِدَ عَلى غَيْرِ التَّقْوى مَعْناهُ: ”ضارُّوا بِهِ ضِرارًا“، وتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّ قَوْمًا مِن مُنافِقِي الأنْصارِ أرادُوا أنْ يُفَرِّقُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَن يُصَلِّي مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فاتَّخَذُوا مَسْجِدًا يَقْطَعُونَ بِهِ المُؤْمِنِينَ والنَّبِيَّ ﷺ عَنْ مَسْجِدِ ”قُباءَ“، ﴿وَإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن قَبْلُ﴾، كانَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، حارَبَ النَّبِيَّ ﷺ ومَضى إلى هِرَقْلَ، وكانَ أحَدَ المُنافِقِينَ، فَقالُوا: نَبْنِي هَذا المَسْجِدَ، ونَنْتَظِرُ أبا عامِرٍ حَتى يَجِيءَ، فَيُصَلِّيَ فِيهِ، فَـ ”اَلْإرْصادُ“: اَلِانْتِظارُ.
(p-٤٦٩)واتَّخَذُوا هَذا المَسْجِدَ مُضارَّةً وكُفْرًا، لِأنَّ عِنادَ النَّبِيِّ ﷺ كُفْرٌ، وأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى طَوِيَّتِهِمْ، وعَلى أنَّهم سَيَحْلِفُونَ كاذِبِينَ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، وكانُوا دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أيَّ المَسْجِدَيْنِ أحَقُّ بِالقِيامِ فِيهِ، فَقالَ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، يَعْنِي بِهِ مَسْجِدَ ”قُباءَ“، ﴿أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨]، و”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى أحَقُّ بِأنْ تَقُومُ فِيهِ“، ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، يُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وقَفَ بِبابِ المَسْجِدِ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في طَهُورِكُمْ، فَبِمَ تَطَّهَّرُونَ؟“، فَقالُوا: نَغْسِلُ أثَرَ الغائِطِ بِالماءِ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ مِنَ الأنْصارِ» .
التوبة 9:109
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾، ويَجُوزُ: ”أفَمَن أُسِّسَ بُنْيانُهُ“، ويَجُوزُ: ”أفَمَن أساسُ بُنْيانِهِ“، ويَجُوزُ: ”أفَمَن أُسُسُ بُنْيانِهِ“، فَأمّا ”أسَّسَ بُنْيانَهُ“، و”أُسِّسَ بُنْيانُهُ“، فَقِراءَتانِ جَيِّدَتانِ، والَّذِي ذُكِرَ غَيْرُ هاتَيْنِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، غَيْرُ جائِزٍ في القِراءَةِ، إلّا أنْ تَثْبُتَ بِهِ رِوايَةٌ، المَعْنى أنَّ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى التَّقْوى خَيْرٌ مِمَّنْ أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى الكُفْرِ، فَقالَ: ﴿عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾، (p-٤٧٠)و”شَفا الشَّيْءِ“: حَرْفُهُ، وحَدُّهُ، و”اَلشَّفا“، مَقْصُورٌ، يُكْتَبُ بِالألِفِ، ويُثَنّى: ”شَفَوَيْنِ“، ومَعْنى ”هارٍ“: هائِرٍ، وهَذا مِنَ المَقْلُوبِ، كَما قالُوا في ”لاثَ الشَّيْءُ“، إذا دارَ، فَهو ”لاثٍ“، والأصْلُ: ”لائِثٌ“، وكَما قالُوا: ”شاكِ السِّلاحِ“، و”شائِكُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَتَعَرَّفُونِي إنَّنِي أنا ذاكُمُ ∗∗∗ شاكٍ سِلاحِي في الحَوادِثِ مُعْلِمُ
وَكَما قالَ العَجّاجُ:
؎لاثٍ بِهِ الأشاءُ والعُبْرِيُّ
”اَلْأشاءُ“: اَلنَّخْلُ، و”اَلْعُبْرِيُّ“: اَلسِّدْرُ الَّذِي عَلى شاطِئِ الأنْهارِ، ومَعْنى ”لاثٍ بِهِ“: مُطِيفٌ بِهِ، ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾، وهَذا مَثَلٌ، المَعْنى أنَّ بِناءَ هَذا المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ضِرارًا، وكُفْرًا، كَبِناءٍ عَلى جُرُفِ جَهَنَّمَ، يَتَهَوَّرُ بِأهْلِهِ فِيها.
التوبة 9:110
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾، قالَ بَعْضُهم: ”لا يَزالُ كُفْرًا“، وقالَ بَعْضُهم: ”لا يَزالُ شَكًّا“، و”اَلرِّيبَةُ“: مِن ”اَلرَّيْبُ“، و”اَلرَّيْبُ“: اَلشَّكُّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ بِناءَهم لا يَزالُونَ شاكِّينَ فِيهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - جَعَلَ عُقُوبَتَهم أنْ ألْزَمَهُمُ الضَّلالَ بِرُكُوبِهِمْ هَذا الأمْرَ الغَلِيظَ، ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، (p-٤٧١)وَيَجُوزُ: ”إلّا أنْ يَقْطَعَ قُلُوبَهم“، مَعْناهُ: ”إلّا أنْ يَمُوتُوا“، وقالَ بَعْضُهم: " إلّا أنْ يَتُوبُوا تَوْبَةً تَتَقَطَّعُ بِها قُلُوبُهم نَدَمًا، وأسَفًا عَلى تَفْرِيطِهِمْ.
التوبة 9:111
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾، يُرْوى أنَّهُ تاجَرَهم فَأغْلى لَهُمُ الثَّمَنَ، وهَذا كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]، ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، بِالمَعْنى، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾، وعَدَهُمُ الجَنَّةَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا، ولَوْ كانَتْ في غَيْرِ القُرْآنِ جازِ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”ذَلِكَ وعْدٌ عَلَيْهِ حَقٌّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾، يَدُلُّ أنَّ أهْلَ كُلِّ مِلَّةٍ أُمِرُوا بِالقِتالِ، وأُوعِدُوا عَلَيْهِ الجَنَّةَ.
التوبة 9:112
وَقَوْلُهُ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى وُجُوهٍ، أحَدُها المَدْحُ، كَأنَّهُ قالَ: ”هَؤُلاءِ التّائِبُونَ“، أوْ: ”هُمُ التّائِبُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ، المَعْنى ”يُقاتِلُ التّائِبُونَ“، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ قَوْلَهُ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مُضْمَرٌ، المَعْنى: ”اَلتّائِبُونَ العابِدُونَ... - إلى آخِرِ الآيَةِ - لَهُمُ الجَنَّةُ أيْضًا“، أيْ: مَن لَمْ يُجاهِدْ غَيْرَ مُعانِدٍ، ولا قاصِدٍ لِتَرْكِ الجِهادِ، لِأنَّ بَعْضَ (p-٤٧٢)المُسْلِمِينَ يُجْزِي عَنْ بَعْضٍ في الجِهادِ، فَمَن كانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ فَلَهُ الجَنَّةُ أيْضًا، ”اَلتّائِبُونَ“: اَلَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ، و”اَلْعابِدُونَ“: اَلَّذِينَ عَبَدُوا اللَّهَ وحْدَهُ، و”اَلرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ“: اَلَّذِينَ أدَّوْا ما افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ اَلْآمِرُونَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ، ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَنِ الكُفْرِ بِاللَّهِ، ويَجُوزُ: ”اَلْآمِرُونَ بِجَمِيعِ المَعْرُوفِ، النّاهُونَ عَنْ جَمِيعِ المُنْكَرِ“، ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ اَلْقائِمُونَ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿السّائِحُونَ﴾، في قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ جَمِيعًا: اَلصّائِمُونَ، ومَذْهَبُ الحَسَنِ أنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ الفَرْضَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُمُ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ، وقَوْلُ الحَسَنِ في هَذا أبْيَنُ، وكَذَلِكَ ”اَلرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ“، عِنْدَ الحَسَنِ، هُمُ الَّذِينَ يُؤَدُّونَ ما افْتُرِضَ عَلَيْهِمْ في رُكُوعِهِمْ وسُجُودِهِمْ.
التوبة 9:113
وَقَوْلُهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾، يُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَرَضَ عَلى عَمِّهِ أبِي طالِبٍ الإسْلامَ عِنْدَ وفاتِهِ، وذَكَرَ لَهُ وُجُوبَ حَقِّهِ عَلَيْهِ، فَأبى أبُو طالِبٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ حَتّى أُنْهى عَنْ ذَلِكَ“»، ويُرْوى أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأُمِّهِ، ويُرْوى أنَّهُ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ، وأنَّ (p-٤٧٣)المُؤْمِنِينَ ذَكَرُوا مَحاسِنَ آبائِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، وسَألُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِآبائِهِمْ لِما كانَ مِن مَحاسِنَ كانَتْ لَهُمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، فَقالَ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم ماتُوا كافِرِينَ.
التوبة 9:114
ثُمَّ أعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - كَيْفَ كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ، فَقالَ: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾، فَيُرْوى أنَّهُ كانَ وعَدَهُ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ أيّامَ حَياتِهِ، ويُرْوى أنَّ أبا إبْراهِيمَ كانَ وعَدَ إبْراهِيمَ أنْ يُسْلِمَ إنِ اسْتَغْفَرَ لَهُ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ إقامَتُهُ عَلى الكُفْرِ تَبَرَّأ مِنهُ، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا قَوْلَ إبْراهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]، أيْ: تَأسَّوْا بِإبْراهِيمَ في هَذا القَوْلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾، يُرْوى «أنَّ عُمَرَ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأوّاهِ، فَقالَ: ”اَلْأوّاهُ الدَّعّاءُ“»، و”اَلْأوّاهُ“، في أكْثَرِ الرِّوايَةِ: اَلدَّعّاءُ، ويُرْوى أنَّ الأوّاهَ الفَقِيهُ، ويُرْوى أنَّ الأوّاهَ المُؤْمِنُ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ، ويُرْوى أنَّ الأوّاهَ الرَّحِيمُ الرَّفِيقُ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلْأوّاهُ“: اَلْمُتَأوِّهُ شَفَقًا، وفَرَقًا، المُتَضَرِّعُ يَقِينًا، يُرِيدُ أنْ يَكُونَ (p-٤٧٤)تَضَرُّعُهُ عَلى يَقِينٍ بِالإجابَةِ، ولُزُومًا لِلطّاعَةِ، وقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ أكْثَرَ ما رُوِيَ في الأوّاهِ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎إذا ما قُمْتُ أرْحَلُها بِلَيْلٍ ∗∗∗ تَأوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ
التوبة 9:115
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾، يُرْوى أنَّهُ لَمّا نَزَلْ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، ووَقَعَتِ الحُدُودُ، قالَ المُسْلِمُونَ فَيَمَن ماتَ قَبْلَ ذَلِكَ ولَمْ يُدْرِكِ التَّحْرِيمَ: اِسْألُوا عَنْ حالِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ لا يُؤاخِذُهم بِما حُرِّمَ مِمّا لَمْ يُحَرَّمْ عَلَيْهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”إذا وفَّقَ اللَّهُ لِلْهِدايَةِ فَلا إضْلالَ بَعْدَها“، لِأنَّ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ.
التوبة 9:117
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾، مَعْناها: في وقْتِ العُسْرَةِ، لِأنَّ السّاعَةَ تَقَعُ عَلى كُلِّ زَمانٍ، وكانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ حَرٌّ شَدِيدٌ، وكانَ القَوْمُ في ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ، وكانَ الجَمَلُ بَيْنَ جَماعَةٍ يَعْتَقِبُونَ عَلَيْهِ، وكانُوا مِنَ الشِّدَّةِ والفَقْرِ رُبَّما اقْتَسَمَ الثَّمَرَةَ اثْنانِ، ورُبَّما مَصَّ الثَّمَرَةَ الجَماعَةُ لِيَشْرَبُوا عَلَيْها الماءَ، ورُبَّما نَحَرُوُا الإبِلَ فَشَرِبُوا مِن ماءِ كُرُوشِها، مِنَ الحَرِّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ قَدْ تابَ عَلَيْهِمْ مِن بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ، أيْ: مِن بَعْدِ ما كادُوا يَقْفِلُونَ مِن غَزْوَتِهِمْ لِلشِّدَّةِ، لَيْسَ أنَّهُ يَزِيغُ عَنِ الإيمانِ، إنَّما هو أنْ كادُوا يَرْجِعُونَ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنْ أقْفَلَهم مِن غَزْوَتِهِمْ.
التوبة 9:118
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا“، ويُقالُ: إنَّهم هُمُ المُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ.
التوبة 9:119
(p-٤٧٥)وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾، عَلى نَسَقِ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في الشِّدَّةِ والرَّخاءِ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ بَعْضِهِمْ: ”مِنَ الصّادِقِينَ“، والمَعْنى واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مِمَّنْ يَصْدُقُ ولا يَكْذِبُ، في قَوْلٍ، ولا فِعْلٍ“ .
التوبة 9:120
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ﴾، ”اَلظَّمَأُ“: اَلْعَطَشُ، و”اَلنَّصَبُ“: اَلتَّعَبُ، ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾، ”اَلْمَخْمَصَةُ“: اَلْمَجاعَةُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وأنَّهُ يَكْتُبُ لَهم عَمَلًا صالِحًا.
التوبة 9:122
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾، هَذا لَفْظُ خَبَرٍ فِيهِ مَعْنى أمْرٍ، كَما كانَ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣]، والمَعْنى أنَّهم كانُوا إذا كانَتْ سَرِيَّةٌ نَفَرُوا فِيها بِأجْمَعِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يَنْفِرَ بَعْضُهُمْ، ويَبْقى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضٌ، لِئَلّا يَبْقى وحْدَهُ، ولِئَلّا يَخْلُوَ مَن خَرَجَ مِنهم مِن فائِدَةٍ مِنهُ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهم إذا بَقِيَتْ مِنهم بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ بَقِيَّةٌ، فَسَمِعُوا مِنهُ وحْيًا أعْلَمُوا الَّذِينَ نَفَرُوا ما عَلِمُوا، فاسْتَوَوْا في العِلْمِ، ولَمْ يَخْلُوا مِنهُ، وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ هَذا دَلِيلًا عَلى فَرْضِ الجِهادِ، يُجْزِي الجَماعَةُ فِيهِ عَنِ الجَماعَةِ.
(p-٤٧٦)﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، ”غِلْظَةً“، فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: ”غِلْظَةً“، و”غُلْظَةً“، و”غَلْظَةً“، فَهَذا دَلِيلٌ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُقاتِلَ أهْلُ كُلِّ ثَغْرٍ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، وقِيلَ: إنَّ هَذا يُعْنى بِهِ العَرَبُ، وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ رُبَّما تَخَطّى في حَرْبِهِ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ الأعْداءِ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أهْيَبَ لَهُ، فَأُمِرَ بِقِتالِ مَن يَلِيهِ، لِيُسْتَنَّ بِذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ المُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣]، أيْ: اَللَّهُ آمِرٌ مَن نَصَرَهُ بِالحَرْبِ.
التوبة 9:124
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾، وأضافَ الإيمانَ إلى السُّورَةِ لِأنَّهُ يَزِيدُ بِسَبَبِها.
التوبة 9:125
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، أيْ: شَكٌّ، ونِفاقٌ، فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ، أيْ: زادَتْهم كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ، لِأنَّهم كُلَّما كَفَرُوا بِسُورَةٍ ازْدادَ كُفْرُهم.
التوبة 9:126
وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾، مَعْناهُ: يُخْتَبَرُونَ في كُلِّ عامٍ، وقِيلَ: يُخْتَبَرُونَ بِالدُّعاءِ إلى الجِهادِ، وقِيلَ: يُخْتَبَرُونَ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ العَذابُ والمَكْرُوهُ.
التوبة 9:127
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا ما أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾، يَقُولُونَ ذَلِكَ إيماءً لِأنَّهم مُنافِقُونَ، لا يُظْهِرُونَ ذَلِكَ، ﴿هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾، (p-٤٧٧)يَقُولُونَ ذَلِكَ اسْتِسْرارًا، وتَحَذُّرًا مِن أنْ يُعْلِمَ بِهِمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وهو أعْلَمُ، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾، أيْ: يَفْعَلُونَ ذَلِكَ ويَنْصَرِفُونَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنِ المَكانِ الَّذِي اسْتَخْفَوْا فِيهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنِ العَمَلِ بِشَيْءٍ مِمّا يَسْتَمِعُونَ، ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أيْ: أضَلَّهُمُ اللَّهُ، مُجازاةً عَلى فِعْلِهِمْ.
التوبة 9:128
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾، أيْ: هو بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أيْ: فَهو أوْكَدُ لِلْحُجَّةِ عَلَيْكُمْ، لِأنَّكم تَفْهَمُونَ عَمَّنْ هو مِثْلُكُمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَنى بِهِ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، كَما أنَّكم عَرَبٌ، فَأنْتُمْ تَخْبُرُونَهُ، وقَدْ وقَفْتُمْ عَلى مَذْهَبِهِ، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾، أيْ: عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُكُمْ، و”اَلْعَنَتُ“: لِقاءُ الشِّدَّةِ، ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: حَرِيصٌ عَلى إيمانِكم.
التوبة 9:129
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾، أيْ: اَلَّذِي يَكْفِينِي اللَّهُ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾، و”اَلْعَظِيمُ“، هَهُنا جائِزانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن أوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، (p-٤٧٨)دَخَلَتْ ”مِن“، في الزَّمانِ، والأصْلُ ”مُنْذُ“، و”مُذْ“، هَذا أكَثُرَ الِاسْتِعْمالِ في الزَّمانِ، و”مِن“، جائِزٌ دُخُولُها، لِأنَّها الأصْلُ في ابْتِداءِ الغايَةِ، والتَّبْعِيضِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لِمَنِ الدِّيارُ بِقُنَّةِ الحِجْرِ ∗∗∗ أقْوَيْنَ مِن حِجَجٍ ومِن شَهْرِ
وَقِيلَ: إنَّ مَعْنى هَذا: " مُذْ حِجَجٍ ومُذْ
يونس 10:1
(p-٥)سُورَةُ يُونُسَ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ .
قَدْ بَيَّنّا في أوَّلِ ”اَلْبَقَرَةِ“، ما قِيلَ مِن ”الـر“، وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾
أيْ: ”اَلْآياتُ الَّتِي جَرى ذِكْرُها هي آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ“.
يونس 10:2
وَقَوْلُهُ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ .
يُعْنى بِـ ”اَلنّاسِ“، هَهُنا، أهْلُ مَكَّةَ، ويُرْوى أنَّهم قالُوا: ”اَلْعَجَبُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَجِدْ رَسُولًا يُرْسِلُهُ إلى النّاسِ إلّا يَتِيمَ أبِي طالِبٍ“.
وَجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم عَجِبُوا مِن أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أنْذَرَهُمْ، وبَشَّرَ الَّذِينَ آمَنُوا، والإنْذارُ، والبِشارَةُ، مُتَّصِلانِ بِالبَعْثِ، والنُّشُورِ، فَعَجِبُوا أنْ أعْلَمَهم أنَّهم يُبْعَثُونَ، ويُجازَوْنَ بِالحَسَنَةِ، والسَّيِّئَةِ، فَقالَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهم أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
فَمَوْضِعُ ”أنْ“، اَلْأُولى: رَفْعٌ، المَعْنى: ”أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا وحْيُنا“، ومَوْضِعُ ”أنْ“، اَلثانِيَةِ: نَصْبٌ بِـ ”أوْحَيْنا“، ومَوْضِعُ ”أنَّ“، اَلْمُشَدَّدَةِ: نَصْبٌ بِـ ”بَشِّرِ“، والقِراءَةُ (p-٦)الفَتْحُ، ويَجُوزُ كَسْرُها: ”وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ“، لِأنَّ البِشارَةَ قَوْلٌ، فالمَعْنى: ”قُلْ لَهُمْ: إنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ“، ولَكِنَّهُ لا يُقْرَأُ بِها، إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها رِوايَةٌ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
وَ”اَلْقَدَمُ الصِّدْقُ“: اَلْمَنزِلَةُ الرَّفِيعَةُ، ﴿قالَ الكافِرُونَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾، و”لَساحِرٌ مُبِينٌ“، جَمِيعًا، وإنَّما قالُوا: ”لَسِحْرٌ مُبِينٌ“، لَمّا أنْذَرَهم بِالبَعْثِ، والنُّشُورِ.
يونس 10:3
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾، أعْلَمَهم أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وقُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةُ، قادِرٌ عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾، ولَمْ يَجْرِ لِلشَّفِيعِ ذِكْرٌ قَبْلَ هَذا، ولَكِنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ الأصْنامَ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ، فالذِّكْرُ جَرى بَعْدُ في الشُّفَعاءِ، فَقَوْلُهُ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾، أيْ: لا يَشْفَعُ شَفِيعٌ إلّا لِمَنِ ارْتَضى اللَّهُ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾، أيْ: فاعْبُدُوهُ وحْدَهُ.
يونس 10:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ (p-٧)يَدُلُّ عَلى أنَّ الأمْرَ في العَجَبِ كانَ في البَعْثِ، والنُّشُورِ، ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾، ”وَعْدَ اللَّهِ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى ”وَعَدَكُمُ اللَّهُ وعْدًا“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”مَرْجِعُكم“، مَعْناهُ: اَلْوَعْدُ بِالرُّجُوعِ، و”حَقًّا“، مَنصُوبٌ عَلى ”أحُقُّ ذَلِكَ حَقًّا“، ويَجُوزُ مِن غَيْرِ القِراءَةِ: ”وَعْدُ اللَّهِ حَقٌّ“، ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، قُرِئَتْ: ”إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ“، وقُرِئَتْ: ”أنَّهُ“، بِفَتْحِ الألِفِ، وكَسْرِها، جَمِيعًا، كَثِيرَتانِ في القِراءَةِ، فَمَن فَتَحَ فالمَعْنى: ”إلَيْهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا لِأنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ“، ومَن كَسَرَ كَسْرَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والِابْتِداءِ، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾، أيْ: بِالعَدْلِ.
يونس 10:5
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ ”وَقَدَّرَهُ“، يَعْنِي القَمَرَ، لِأنَّهُ المُقَدَّرُ لِعِلْمِ السِّنِينَ والحِسابِ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: "وَقَدَّرَهُما مَنازِلَ، فَحَذَفَ أحَدَهُما اخْتِصارًا، وإيجازًا، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
يونس 10:10
(p-٨)وَقَوْلُهُ: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾، مَعْنى ”دَعْواهُمْ“: دُعاؤُهُمْ، يَعْنِي: ”إنَّ دُعاءَ أهْلِ الجَنَّةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ وتَعْظِيمُهُ“، ﴿وَتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ما يُحَيِّي بِهِ بَعْضُهم بَعْضًا ”سَلامٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يُحَيِّيهِمْ مِنها بِالسَّلامِ، ﴿وَآخِرُ دَعْواهم أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم يَبْتَدِئُونَ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، و”أنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“، بِالتَّخْفِيفِ، عَلى حَذْفِ ”أنَّ“، اَلشَّدِيدَةِ والهاءِ، والمَعْنى: ”أنَّهُ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ“.
يونس 10:11
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ﴾، يُرْوى أنَّهم لَوْ أُجِيبُوا في الدُّعاءِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأهْلِيهِمْ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِابْنِهِ وحَمِيمِهِ: ”أماتَكَ اللَّهُ“، و”فَعَلَ بِكَ كَذا وكَذا“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَنى قَوْلَهُ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَوْ عَجَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ كَما يُعَجِّلُ لَهُمُ الخَيْرَ، لَأهْلَكَهم بِهِ، ونُصِبَ ”اِسْتِعْجالَهُمْ“، عَلى: ”مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ“، أيْ: عَلى نَعْتِ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ”، والمَعْنى:“وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ تَعْجِيلًا مِثْلَ اسْتِعْجالِهِمْ بِالخَيْرِ، لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ”، ويُقْرَأُ:“لَقَضى إلَيْهِمْ أجَلَهُمْ”، جَمِيعًا، جَيِّدَتانِ، و“لَقُضِيَ"، أحْسَنُهُما، لِأنَّ (p-٩)قَوْلَهُ: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ﴾، يَتَّصِلُ بِهِ ﴿لَقُضِيَ إلَيْهِمْ أجَلُهُمْ﴾
﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، ”اَلطُّغْيانُ في كُلِّ شَيْءٍ“: اِرْتِفاعُهُ، وعُلُوُّهُ، و”اَلْعَمَهُ“: اَلتَّحَيُّرُ، المَعْنى: ”فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا في غُلُوِّهِمْ، وكُفْرِهِمْ، يَتَحَيَّرُونَ“.
يونس 10:12
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أوْ قاعِدًا أوْ قائِمًا﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ مِن حالٍ مِنَ الأحْوالِ“، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”دَعانا لِجَنْبِهِ“: ”دَعانا وهو سَطِيحٌ“، أوْ ”دَعانا قائِمًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”وَإذا مَسَّ الإنْسانَ الضُّرُّ لِجَنْبِهِ أوْ مَسَّهُ قاعِدًا، أوْ مَسَّهُ قائِمًا، دَعانا“، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”مَرَّ في العافِيَةِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أنْ يُبْتَلى، ولَمْ يَتَّعِظْ بِما نالَهُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ويَجُوزُ ”زَيَّنَ لِلْمُسْرِفِينَ“، مَوْضِعُ الكافِ: نَصْبٌ عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، المَعْنى: ”زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ عَمَلُهم كَذَلِكَ“، أيْ: ”مِثْلَ ذَلِكَ“، أيْ: ”جُعِلَ جَزاؤُهُمُ الإضْلالَ بِإسْرافِهِمْ بِكُفْرِهِمْ“.
يونس 10:13
(p-١٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أهْلَكْنا القُرُونَ مِن قَبْلِكم لَمّا ظَلَمُوا وجاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ وما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾، اَلْمَعْنى كالمَعْنى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ﴾ [الأعراف: ١٠١]، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَوْ أبْقاهم أبَدًا، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ جَزاءَهُمُ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أعْلَمَ ما قَدْ عَلِمَ مِنهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ جَزاءً لَهم قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾
قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَدْعُنا إلى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ [يونس: ١٢]، ”كَأنْ“، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الشَّدِيدَةِ، المَعْنى: كَأنَّهُ لَمْ يَدْعُنا، قالَتِ الخَنْساءُ:
؎كَأنْ لَمْ يَكُونُوا حِمًى يُتَّقى إذِ النّاسُ إذْ ذاكَ مَن عَزَّ بَزّا
أيْ: ”كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا“.
يونس 10:14
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، مَوْضِعُ ”كَيْفَ“: نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ”تَعْمَلُونَ“، لِأنَّها حَرْفُ اسْتِفْهامٍ، ولا يَعْمَلُ فِيها ”لِنَنْظُرَ“، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ولَوْ قُلْتَ: ”لِنَنْظُرَ أخَيْرًا تَعْمَلُونَ أمْ شَرًّا“، كانَ العامِلُ في ”خَيْرًا“، و”شَرًّا“، ”تَعْمَلُونَ“.
يونس 10:15
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾، (p-١١)لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، والنُّشُورِ ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾، أيْ: ”اِيتِ بِقُرْآنٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ البَعْثِ، والنُّشُورِ، ولَيْسَ فِيهِ عَيْبُ آلِهَتِنا“، ﴿أوْ بَدِّلْهُ﴾، أيْ: ”أوْ بَدِّلْ مِنهُ ذِكْرَ البَعْثِ والنُّشُورِ، ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾، تَأْوِيلُهُ:“إنَّ الَّذِي أتَيْتُ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا مِن عِنْدِي، فَأُبَدِّلُهُ".
يونس 10:16
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾، ويَجُوزُ ”عُمْرًا“، بِإسْكانِ المِيمِ، أيْ: قَدْ لَبِثْتُ فِيكم مِن قَبْلِ أنْ يُوحى إلَيَّ لا أتْلُو كِتابًا ولا أخُطُّهُ بِيَمِينِي، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أُوحِيَ إلَيَّ، إذْ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَنِي بَيْنَكُمْ، نَشَأْتُ لا أقْرَأُ كِتابًا، وإخْبارِي إيّاكم أقاصِيصَ الأوَّلِينَ مِن غَيْرِ كِتابٍ ولا تَلْقِينٍ، يَدُلُّ عَلى أنَّ ما أتَيْتُ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وحْيٌ.
يونس 10:18
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”ما لا يَضُرُّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، ولا يَنْفَعُهم إنْ عَبَدُوهُ“، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾، أيْ: ”أتَعْبُدُونَ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُمَيِّزُ، وتَزْعُمُونَ أنَّها تَشْفَعُ عِنْدَ اللَّهِ، فَتُخْبِرُونَ بِالكَذِبِ؟!“.
يونس 10:19
﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾، (p-١٢)قِيلَ: يُعْنى بِـ ”اَلنّاسُ“، هَهُنا: اَلْعَرَبُ الَّذِينَ كانُوا عَلى الشِّرْكِ، ”اِخْتَلَفُوا“: آمَنَ بَعْضٌ، وكَفَرَ بَعْضٌ، وقِيلَ: ”ما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً“، أيْ: ”وُلِدُوا عَلى الفِطْرَةِ، واخْتَلَفُوا بَعْدَ الفِطْرَةِ“، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، ويَجُوزُ: ”لَقَضى بَيْنَهُمْ“، أيْ: ”لَوْلا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - جَعَلَ لَهم أجَلًا في القَضاءِ بَيْنَهُمْ، لَفَصَلَ بَيْنَهم في وقْتِ اخْتِلافِهِمْ، و“بَيْنَ"، مَنصُوبَةٌ لِأنَّها ظَرْفٌ.
يونس 10:21
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهم إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾، يُعْنى بِـ ”اَلنّاسَ“، هَهُنا: اَلْكافِرُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا لَهم مَكْرٌ في آياتِنا﴾، جَوابُ الجَزاءِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ إذا هم يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، اَلْمَعْنى: ”وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ قَنَطُوا“، وإذا أذَقْنا النّاسَ رَحْمَةً مَكَرُوا، فَـ ”إذا“، تَنُوبُ عَنْ جَوابِ الشَّرْطِ، كَما يَنُوبُ الفِعْلُ.
يونس 10:22
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ﴾، ويَجُوزُ: ”هُوَ الَّذِي يَسِيرُكُمْ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
(p-١٣)﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ﴾، ”اَلْفُلْكُ“، يَكُونُ واحِدًا، ويَكُونُ جَمْعًا، كَما أنَّ ”فُعْلًا“، في قَوْلِكَ: ”أُسْدٌ“، جَمْعُ ”أسَدٍ“، و”فُعْلٌ“، و”فَعَلٌ“، مِن بابٍ واحِدٍ، جازَ أنْ يَكُونَ جَمْعُ ”اَلْفُلْكُ“: ”فُلُكًا“، ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، اِبْتِداءُ الكَلامِ خِطابٌ، وبَعْدَ ذَلِكَ إخْبارٌ عَنْ غائِبٍ، لِأنَّ مَن أقامَ الغائِبَ مَقامَ مَن يُخاطِبُهُ، جازَ أنْ يَرُدَّهُ إلى الغائِبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎شَطَّتْ مَزارَ العاشِقِينَ فَأصْبَحَتْ عُسْرًا عَلى طُلّابِكَ ابْنَةَ مَخْرَمِ
وَمِثْلُ الآيَةِ قَوْلُ كُثَيِّرٍ:
؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةً ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةً إنْ تَقَلَّتِ
وَقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”هُوَ الَّذِي يَنْشُرُكُمْ“، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ النّاسُ إلا أُمَّةً واحِدَةً﴾ [يونس: ١٩]، يُعْنى بِهِ ”آدَمُ“ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿فاخْتَلَفُوا﴾ [يونس: ١٩]، اِخْتَلَفَ هابِيلُ، وقابِيلُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وجاءَهُمُ المَوْجُ مِن كُلِّ مَكانٍ﴾، (p-١٤)اَلْمَعْنى: ”مِن كُلِّ أمْكِنَةِ المَوْجِ“، ﴿وَظَنُّوا أنَّهم أُحِيطَ بِهِمْ﴾، يُقالُ لِكُلِّ مَن وقَعَ مِن بَلاءٍ: ”قَدْ أُحِيطَ بِهِ“، أيْ: أحاطَ بِهِ البَلاءُ، وقِيلَ: أحاطَتْ بِهِمُ المَلائِكَةُ.
يونس 10:23
﴿فَلَمّا أنْجاهم إذا هم يَبْغُونَ في الأرْضِ﴾، اَلْمَعْنى: فَلَمّا أنْجاهم بَغَوْا، و”اَلْبَغْيُ“: اَلتَّرامِي في الفَسادِ، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: ”بَغى الجُرْحُ، يَبْغِي، بَغْيًا“، إذا تَرامى إلى فَسادٍ، و”بَغَتِ المَرْأةُ بِغاءً“، إذا فَجَرَتْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكم مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، وتُقْرَأُ: ”مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“، خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ الِابْتِداءِ ”عَلى أنْفُسِكُمْ“، ويَكُونَ ”مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا“ عَلى إضْمارِ ”هُوَ“، ومَعْنى الكَلامِ أنَّ ما تَنالُونَهُ بِهَذا الفَسادِ والبَغْيِ إنَّما تَتَمَتَّعُونَ بِهِ في الدُّنْيا، ثُمَّ إلَيْنا مَرْجِعُكُمْ، ومَن نَصَبَ ”مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا“، فَعَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: تَتَمَتَّعُونَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَتَمَتَّعُونَ، ومَعْنى ”بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ“، أيْ: ”عَمَلُكم بِالظُّلْمِ عَلَيْكم يَرْجِعُ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [فصلت: ٤٦]
يونس 10:24
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَأزْيَنَتْ“، (p-١٥)وَ”اَلزُّخْرُفُ“: كَمالُ حُسْنِ الشَّيْءِ، فَمَن قَرَأ: ”وازَّيَّنَتْ“، فالمَعْنى: ”وَتَزَيَّنَتْ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ، وسُكِّنَتِ الزّايُ، فاجْتُلِبَتْ لَها ألِفُ الوَصْلِ، ومَن قَرَأ: ”وَأزْيَنَتْ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَهو عَلى ”أفْعَلَتْ“، أيْ: ”جاءَتْ بِالزِّينَةِ“، و”اِزَّيَّنَتْ“، بِالتَّشْدِيدِ، أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ ”أزْيَنَتْ“، اَلْأجْوَدُ فِيهِ في الكَلامِ: ”أزانَتْ“، ﴿وَظَنَّ أهْلُها أنَّهم قادِرُونَ عَلَيْها﴾، أيْ: قادِرُونَ عَلى الِانْتِفاعِ بِها.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ﴾، أيْ: كَأنْ لَمْ تُعْمَرْ بِالأمْسِ، و”اَلْمَغانِي“: اَلْمَنازِلُ الَّتِي يَعْمُرُها النّاسُ بِالنُّزُولِ بِها، يُقالُ: ”غَنِينا بِمَكانِ كَذا وكَذا“، إذا نَزَلُوا بِهِ.
يونس 10:25
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾، ”اَلسَّلامُ“: هو اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -، فاللَّهُ يَدْعُو إلى دارِهِ، ودارُهُ الجَنَّةُ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”دارُ السَّلامِ“، اَلدّارَ الَّتِي يُسْلَمُ فِيها مِنَ الآفاتِ.
يونس 10:26
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾، ”اَلْحُسْنى“: اَلْجَنَّةُ، و”زِيادَةٌ“، في التَّفْسِيرِ: اَلنَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ تَضْعِيفَ الحَسَناتِ، لِأنَّهُ قالَ: - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، والقَوْلُ في النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ كَثِيرٌ في التَّفْسِيرِ، وهو مَرْوِيٌّ بِالأسانِيدِ الصِّحاحِ، لا يُشَكُّ في ذَلِكَ، ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهم قَتَرٌ ولا ذِلَّةٌ﴾، ”اَلْقَتَرُ“: اَلْغَبَرَةُ الَّتِي فِيها سَوادٌ، و”لا يَرْهَقُ“: لا يَغْشى.
يونس 10:27
(p-١٦)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ - لِأهْلِ النّارِ: ﴿كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾، ويُقْرَأُ: ”قِطْعًا مِنَ اللَّيْلِ“، ”مُظْلِمًا“، مِن نَعْتِ القِطْعِ، ومَن قَرَأ: ”قِطَعًا“، جَعَلَ ”مُظْلِمًا“، حالًا مِن ”اَللَّيْلِ“، اَلْمَعْنى: ”أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ في حالِ ظُلْمَتِهِ“.
يونس 10:28
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا﴾، ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ﴾، ”مَكانَكُمْ“، مَنصُوبٌ عَلى الأمْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ”اِنْتَظِرُوا مَكانَكم حَتّى نَفْصِلَ بَيْنَكُمْ“، والعَرَبُ تَتَوَعَّدُ فَتَقُولُ: ”مَكانَكَ“، و”اِنْتَظِرْ“، فَهي كَلِمَةٌ جَرَتْ عَلى الوَعِيدِ، ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾، مِن قَوْلِكَ: ”زِلْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَكانِهِ، أزِيلُهُ“، و”زيَّلْتُ“، لِلْكَثْرَةِ، ومِن هَذا إذا نَحَّيْتَهُ عَنْ مَكانِهِ.
يونس 10:29
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، مَعْناهُ: ”كَفى اللَّهُ شَهِيدًا“، و”شَهِيدًا“، مَنصُوبٌ إنْ شِئْتَ عَلى التَّمْيِيزِ، وإنْ شِئْتَ عَلى الحالِ.
﴿إنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكم لَغافِلِينَ﴾، مَعْناهُ: ”ما كُنّا عَنْ عِبادَتِكم إلّا غافِلِينَ“.
يونس 10:30
قَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ﴾، (p-١٧)”هُنالِكَ“: ظَرْفٌ، المَعْنى: ”فِي ذَلِكَ الوَقْتِ تَبْلُو“، وهو مَنصُوبٌ بِـ ”تَبْلُو“، إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، واللّامُ زائِدَةٌ، والأصْلُ ”هُناكَ“، وكُسِرَتِ اللّامُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الألِفِ، والكافُ لِلْمُخاطَبَةِ، ومَعْنى ”تَبْلُو“: تَخْبُرُ، أيْ: ”تَعْلَمُ كُلُّ نَفْسِ ما قَدَّمَتْ“، ومِثْلُ ”هُنالِكَ“، قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎هُنالِكَ إنْ يَسْتَخْبِلُوا المالَ يَخْبِلُوا وإنْ يُسْألُوا يُعْطُوا وإنْ يَيْسِرُوا يُغْلُوا
وَقُرِئَتْ: ”هُنالِكَ تَتْلُو“، بِتاءَيْنِ، وفَسَّرَها الأخْفَشُ وغَيْرُهُ مِنَ النَّحْوِيِّينَ: ”تَتْلُو“: مِن ”اَلتِّلاوَةُ“، أيْ: ”تَقْرَأُ كُلُّ نَفْسٍ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤]، وفَسَّرُوهُ أيْضًا: ”تَتْبَعُ كُلُّ نَفْسٍ ما أسْلَفَتْ“، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ جَعَلَتْ دَلْوِي تَسْتَتْلِينِي ∗∗∗ ولا أُحِبُّ تَبَعَ القَرِينِ
أيْ: تَسْتَتْبِعُنِي، أيْ: تَسْتَدْعِي اتِّباعِي لَها، ﴿وَرُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾
اَلْقِراءَةُ ”اَلْحَقِّ“، مِن صِفَةِ ”اَللَّهِ“ - عَزَّ وجَلَّ -، ويَجُوزُ: ”اَلْحَقُّ“، و”اَلْحَقَّ“، والنَّصْبُ (p-١٨)مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما: ”رُدُّوا حَقًّا“، ثُمَّ أُدْخِلَتِ الألِفُ واللّامُ، ويَجُوزُ عَلى تَقْدِيرِ: ”هُوَ مَوْلاهُمُ الحَقَّ“، أيْ: ”يَحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا“، وفِيهِ جِهَةٌ ثالِثَةٌ في النَّصْبِ: عَلى المَدْحِ، هِيَ: ”اُذْكُرْ مَوْلاهُمُ الحَقَّ“، ومَن قَرَأ: ”اَلْحَقُّ“، بِضَمِّ القافِ، فَعَلى ”هُوَ مَوْلاهُمُ الحَقُّ، لا مَن جَعَلُوا مَعَهُ مِنَ الشُّرَكاءِ“، ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾
يونس 10:32
﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾، بَعْدَ أنْ قُرِّرُوا، فَقِيلَ لَهُمْ: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ أمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأبْصارَ ومَن يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ ومَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الحَقُّ﴾، لَمّا خُوطِبُوا بِما لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إلّا اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِهِ.
يونس 10:33
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، اَلْكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: ”مِثْلَ أفْعالِهِمْ جازاهم رَبُّكَ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: حَقِّ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَـ ”أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ“، بَدَلٌ مِن ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم بِأعْمالِهِمْ قَدْ مُنِعُوا مِنَ الإيمانِ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكَلِمَةُ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَـ ”أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ“، بَدَلٌ مِن ”كَلِمَةُ رَبِّكَ“، وتَكُونُ الكَلِمَةُ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العِقابِ.
يونس 10:35
(p-١٩)وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾، تَقُولُ: ”هَدَيْتُ إلى الحَقِّ“، و”هَدَيْتُ الحَقَّ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، لِأنَّ ”هَدَيْتُ“، يَتَعَدّى إلى المَهْدِيِّينَ، وإلى الحَقِّ يَتَعَدّى بِحَرْفِ جَرٍّ، المَعْنى: ”يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْحَقِّ“، ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أمَّنْ لا يَهِدِّي إلا أنْ يُهْدى﴾، أيْ: قُرِّرُوا، فَقِيلَ لَهُمْ: أيٌّ أوْلى بِالِاتِّباعِ، الَّذِي يَهْدِي أمِ الَّذِي لا يَهْدِي إلّا أنْ يُهْدى؟! وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ الأصْنامُ.
وَفِي ”يَهِدِّي“، قِراءاتٌ، قَرَأ بَعْضُهُمْ: ”أمَّنْ لا يَهْدْي“، بِإسْكانِ الهاءِ، والدّالِ، وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ، إلّا أنَّ اللَّفْظَ بِها مُمْتَنِعٌ، فَلَسْتُ أدْرِي كَيْفَ قُرِئَ بِها، وهي شاذَّةٌ، وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ أنَّ مِثْلَها قَدْ يُتَكَلَّمُ بِهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: ”أمَّنْ لا يَهَدِّي“، بِفَتْحِ الهاءِ، وهَذا صَحِيحٌ، جَيِّدٌ، بالِغٌ، الأصْلُ ”يَهْتَدِي“، فَأدْغَمَ التّاءَ في الدّالِ، وطَرَحَ فَتْحَتَها عَلى الهاءِ، والَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ ساكِنَيْنِ، الأصْلُ عِنْدَهم أيْضًا: ”يَهْتَدِي“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الدّالِ، وتُرِكَتِ الهاءُ ساكِنَةً، فاجْتَمَعَ ساكِنانِ.
وَقَرَأ عاصِمٌ: ”أمَّنْ لا يَهِدِّي“، وهي في الجَوْدَةِ كَفَتْحِ الهاءِ في الجَوْدَةِ، والهاءُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَكْسُورَةٌ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ أيْضًا: ”يِهِدِّي“، بِكَسْرِ الهاءِ، والياءِ، أتْبَعَ الكَسْرَةَ الكَسْرَةَ، وهي رَدِيئَةٌ، لِنَقْلِ الكَسْرِ في الياءِ.
(p-٢٠)وَقُرِئَتْ: ”أمَّنْ لا يَهْدِي“، بِدالٍ خَفِيفَةٍ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ، قَدْ قُرِئَ بِها هَذا الحَرْفُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾، ”ما لَكُمْ“، كَلامٌ تامٌّ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: ”أيُّ شَيْءٍ لَكم في عِبادَةِ الأوْثانِ؟!“، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: ”كَيْفَ تَحْكُمُونَ؟!“، أيْ: ”عَلى أيِّ حالٍ تَحْكُمُونَ؟!“، فَمَوْضِعُ ”كَيْفَ“: نَصْبٌ بِـ ”تَحْكُمُونَ“.
يونس 10:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ هَذا القُرْآنُ أنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ﴾، هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ”اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ“، وجَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ”اِفْتَراهُ“، والمَعْنى: ”وَما كانَ هَذا القُرْآنُ لِأنْ يُفْتَرى مِن دُونِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”وَما كانَ هَذا القُرْآنُ افْتِراءً“، كَما تَقُولُ: ”وَما كانَ هَذا الكَلامُ كَذِبًا“، ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾
وَفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ تَصْدِيقَ الشَّيْءِ الَّذِي القُرْآنُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ: اَلَّذِي قَبْلَ سَماعِكُمُ القُرْآنَ، أيْ: تَصْدِيقٌ مِن أنْباءِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأقاصِيصِ أنْبائِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيِ القُرْآنِ“، أيْ: ”تَصْدِيقَ الشَّيْءِ الَّذِي تَقَدَّمَهُ القُرْآنُ“، أيْ: يَدُلُّ عَلى البَعْثِ، والنُّشُورِ.
وَقُرِئَ: ولَكِنْ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ”، فَمَن نَصَبَ فَإنَّ المَعْنى:“وَلَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ”، ومَن رَفَعَ فَعَلى“وَلَكِنْ تَصْدِيقُ الَّذِي هو بَيْنَ يَدَيْهِ”، ومَن رَفَعَ قالَ:“وَتَفْصِيلُ الكِتابِ".
يونس 10:38
(p-٢١)وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”بَلْ أيَقُولُونَ: اِفْتَراهُ“، هَذا تَقْرِيرٌ لَهم لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾، أيْ: ”أتَقُولُونَ النَّبِيُّ اخْتَلَقَهُ، وأتى بِهِ مِن ذاتِ نَفْسِهِ؟! فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ“، أيْ: بِسُورَةٍ مِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ، وإنَّما قِيلَ: ”مِثْلِهِ“، يُرادُ: ”سُورَةٍ مِنهُ“، لِأنَّهُ إنَّما التَمَسَ مِن هَذا شَبَهَ الجِنْسِ، ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾، مِمَّنْ هو في التَّكْذِيبِ مِثْلُكُمْ، وإنْ خالَفَكم في أشْياءَ، ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، في أنَّهُ اخْتَلَقَهُ.
يونس 10:39
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾، هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قِيلَ في الَّذِينَ كَذَّبُوا، وهم شاكُّونَ، ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ مَعَهم عِلْمُ تَأْوِيلِهِ، وهَذا دَلِيلٌ أنَّ عِلْمَ التَّأْوِيلِ يَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ فِيهِ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ“، ”لَمْ يَأْتِهِمْ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم في التَّكْذِيبِ بِهِ مِنَ العُقُوبَةِ“، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾، ”كَيْفَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى خَبَرِ ”كانَ“، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها ”اُنْظُرْ“، لِأنَّ ما قَبْلَ الِاسْتِفْهامِ لا يَعْمَلُ فِيهِ.
يونس 10:40
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنهم مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾، أيْ: مِنهم مَن يَعْلَمُ أنَّهُ حَقٌّ، فَيُصَدِّقُ بِهِ، أوْ يُعانِدُ فَيُظْهِرُ الكُفْرَ، (p-٢٢)”وَمِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ“، أيْ: مِنهم مَن يَشُكُّ، ولا يُصَدِّقُ.
يونس 10:42
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، أيْ: ظاهِرُهم ظاهِرُ مَن يَسْتَمِعُ، وهم لِشَدَّةِ عَداوَتِهِمْ وبُغْضِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وسُوءِ اسْتِماعِهِمْ، بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ، ﴿وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾، أيْ: ولَوْ كانُوا مَعَ ذَلِكَ جُهّالًا، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
يونس 10:43
﴿وَمِنهم مَن يَنْظُرُ إلَيْكَ أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾، أيْ: يُقْبِلُ عَلَيْكَ بِالنَّظَرِ، وهو كالأعْمى، مِن بُغْضِهِ لَكَ، وكَراهَتِهِ لِما يَراهُ مِن آياتِكَ، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ -﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]
يونس 10:45
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهم كَأنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِنَ النَّهارِ﴾، أيْ: قَرُبَ عِنْدَهم ما بَيْنَ مَوْتِهِمْ، وبَعْثِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣]
﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾، يَعْرِفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وفي مَعْرِفَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وعِلْمِ بَعْضِهِمْ بِإضْلالِ بَعْضٍ، التَّوْبِيخُ لَهُمْ، وإثْباتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمَ.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ﴾، يَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ هَذا إعْلامًا مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - بَعْدَ أنْ (p-٢٣)بَيَّنَ الدَّلالَةَ عَلى أمْرِ البَعْثِ، والنُّشُورِ، أنَّهُ مَن كَذَّبَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ خَسِرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِتَعارُفِهِمْ بَيْنَهم يَقُولُونَ: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ.
يونس 10:46
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، يُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ يُعْنى بِهِ وقْعَةُ ”بَدْرٍ“، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أعْلَمَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهُ يَنْتَقِمُ مِن بَعْضِ هَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يُعْلِمْهُ أيَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ وفاتِهِ أمْ بَعْدَها، والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أعْلَمَهُ أنَّهُ إنْ لَمْ يَنْتَقِمْ مِنهم في العاجِلِ انْتَقَمَ مِنهم في الآجِلِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإلَيْنا مَرْجِعُهم ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ أعْلَمَ كَيْفَ المُجازاةُ عَلى الكُفْرِ، والمَعاصِي.
يونس 10:47
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإذا جاءَ رَسُولُهم قُضِيَ بَيْنَهم بِالقِسْطِ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ كُلَّ رَسُولٍ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ بِإيمانِهِمْ وكُفْرِهِمْ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]
وَيَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ أنَّهُ لا يُعَذِّبُ قَوْمًا إلّا بَعْدَ الإعْذارِ إلَيْهِمْ والإنْذارِ، أيْ: لَمْ يُعَذِّبْهم حَتّى يَجِيئَهُمُ الرَّسُولُ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: (p-٢٤)﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]، وكَما قالَ: ﴿رُسُلا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]
يونس 10:50
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أتاكم عَذابُهُ بَياتًا أوْ نَهارًا﴾، ”اَلْبَياتُ“: كُلُّ ما كانَ بِلَيْلٍ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الوَقْتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ﴾، ”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ ”ذا“، بِمَعْنى: ”ما الَّذِي يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ؟!“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ماذا“، اِسْمًا واحِدًا، ويَكُونَ المَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ مِنهُ المُجْرِمُونَ؟!“، والهاءُ في ”مِنهُ“، يَعُودُ عَلى العَذابِ، نَصْبٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ يَسْتَعْجِلُ المُجْرِمُونَ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -؟!“، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ الهاءُ تَعُودُ عَلى العَذابِ، لِقَوْلِهِ: ﴿أثُمَّ إذا ما وقَعَ آمَنتُمْ بِهِ﴾ [يونس: ٥١]
وَقَوْلُهُ: ﴿آلآنَ وقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [يونس: ٥١]، اَلْمَعْنى: ”آلْآنَ تُؤْمِنُونَ؟!“، فَزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ ”آلْآنَ“، إنَّما هُوَ: ”أأنْ كَذا وكَذا؟!“، وأنَّ الألِفَ واللّامَ دَخَلَتْ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ، وما كانَ عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ نَحْوَ قَوْلِكَ: ”قامَ“، إذا سَمَّيْتَ بِهِ فَجَعَلْتَهُ مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، لَمْ تَدْخُلْهُ الألِفُ واللّامُ.
وَ”اَلْآنَ“، عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، نَحْوَ: ”نَحْنُ مِنَ الآنَ نَصِيرُ إلَيْكَ“، فَتُفْتَحُ، لِأنَّ الألِفَ واللّامَ إنَّما تَدْخُلُ لِعَهْدٍ، و”اَلْآنَ“، لَمْ تَعْهَدْهُ قَبْلَ هَذا (p-٢٥)الوَقْتِ، فَدَخَلَتِ الألِفُ واللّامُ لِلْإشارَةِ إلى الوَقْتِ، والمَعْنى: ”نَحْنُ مِن هَذا الوَقْتِ نَفْعَلُ“، فَلَمّا تَضَمَّنَتْ مَعْنى ”هَذا“، وجَبَ أنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً فَفُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهُما الألِفُ واللّامُ.
يونس 10:53
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، اَلْمَعْنى: ”نَعَمْ ورَبِّي“، ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾، أيْ: لَسْتُمْ مِمَّنْ يُعْجِزُ أنْ يُجازى عَلى كُفْرِهِ.
يونس 10:54
﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، هَؤُلاءِ الدُّعاةُ، الرُّؤَساءُ، الكَفَرَةُ، أسَرُّوا نَدامَتَهم.
يونس 10:57
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ.
يونس 10:58
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، اَللّامُ أصْلُها الكَسْرُ، و”فَبِذَلِكَ“، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ”بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ“، وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ أيْضًا.
يونس 10:59
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما أنْـزَلَ اللَّهُ لَكم مِن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنهُ حَرامًا وحَلالا﴾، ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”أنْزَلَ“، والمَعْنى: "إنَّكم جَعَلْتُمُ البَحائِرَ والسَّوائِبَ حَرامًا، واللَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ.
يونس 10:61
(p-٢٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾، أيْ: أيَّ وقْتٍ تَكُونُ في شَأْنٍ مِن عِبادَةِ اللَّهِ، وما تَلَوْتَ بِهِ مِنَ الشَّأْنِ مِن قُرْآنٍ، ﴿إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، أيْ: إذْ تَنْتَشِرُونَ فِيهِ، يُقالُ: ”أفاضَ القَوْمُ في الحَدِيثِ“، إذا انْتَشَرُوا فِيهِ، وخاضُوا، ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ﴾، يَقْرَأُ: ”يَعْزُبُ“، و”يَعْزِبُ“، بِضَمِّ الزّايِ، وكَسْرِها، ومَعْناهُ: ما يَبْعُدُ، و”اَلْمِثْقالُ“، و”اَلثِّقْلُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿وَلا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ﴾
فالفَتْحُ عَلى ”ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ، ولا مِثْقالَ أصْغَرَ مِن ذَلِكَ، ولا أكْبَرَ“، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ جَرٍّ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ لِأنَّهُ لا يُصْرَفُ، ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: ”ما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ، ولا أكْبَرُ، إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ“، والخَبَرُ قَوْلُهُ: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾
يونس 10:64
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُمُ البُشْرى في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾، جاءَ في أكْثَرِ التَّفْسِيرِ: ”اَلْبُشْرى“: اَلرُّؤْيا الصّالِحَةُ، يَراها المُؤْمِنُ في مَنامِهِ، ”وَفِي الآخِرَةِ“: اَلْجَنَّةِ، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ البُشْرى ما بَشَّرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وهو (p-٢٧)قَوْلُهُ: ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١]، وهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهم إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٦٥]، أيْ: لا يَحْزُنْكَ إيعادُهُمْ، وتَكْذِيبُهُمْ، وتَظاهُرُهم عَلَيْكَ، ﴿إنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ﴾ [يونس: ٦٥]، إنَّ الغَلَبَةَ لِلَّهِ، فَهو ناصِرُكَ، وناصِرُ دِينِهِ.
يونس 10:66
﴿ألا إنَّ لِلَّهِ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾، يَفْعَلُ فِيهِمْ ما يَشاءُ.
يونس 10:68
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا﴾، اَلْمَعْنى: ما عِنْدَكم مِن حُجَّةٍ بِهَذا.
يونس 10:69
﴿قُلْ إنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾، هَذا وقْفُ التَّمامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ في الدُّنْيا﴾ [يونس: ٧٠]، مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى ”ذَلِكَ مَتاعٌ في الدُّنْيا“، ولَوْ كانَتْ نَصْبًا لَجازَتْ، إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِها، لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ.
يونس 10:71
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”فاجْمَعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكُمْ“، زَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْناهُ: ”فاجْمَعُوا أمْرَكم وادْعُوا شُرَكاءَكُمْ“، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ الكَلامَ لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّهم إنْ كانُوا يَدْعُونَ شُرَكاءَهم لِأنْ يَجْمَعُوا أمْرَهُمْ، (p-٢٨)فالمَعْنى: ”فاجْمَعُوا أمْرَكم مَعَ شُرَكائِكُمْ“، كَما تَقُولُ: ”لَوْ تُرِكَتِ النّاقَةُ وفَصِيلَها لَرَضَعَها“، اَلْمَعْنى: ”لَوْ تُرِكَتْ مَعَ فَصِيلِها لَرَضَعَها“.
وَمَن قَرَأ: ”وَشُرَكاؤُكُمْ“، جازَ أنْ يَعْطِفَ بِهِ عَلى الواوِ، لِأنَّ المَنصُوبَ قَدْ قَوّى الكَلامَ، لَوْ قُلْتَ: ”لَوْ تُرِكْتَ اليَوْمَ وزَيْدٌ لَعَلِمْتَ“، جازَ، ولَوْ قُلْتَ: ”لَوْ تُرِكْتَ وزَيْدٌ“، لَقَبُحَ، لِأنَّكَ لا تَعْطِفُ عَلى الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ حَتّى تُقَوِّيَ المَرْفُوعَ بِلَفْظٍ مَعَهُ.
وَمَن قَرَأ: ”وَشُرَكاءَكُمْ“، في قَوْلِهِ: ”فاجْمَعُوا أمْرَكُمْ“، بِوَصْلِ الألِفِ، فَنَصْبُهُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: اَلْعَطْفُ عَلى الأمْرِ، المَعْنى: ”فاجْمَعُوا أمْرَكُمْ، واجْمَعُوا شُرَكاءَكُمْ“، ويَكُونُ: ”فاجْمَعُوا مَعَ شُرَكائِكم أمْرَكُمْ“، ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً﴾، أيْ: لِيَكُنْ أمْرُكم ظاهِرًا مُنْكَشِفًا، كَما قالَ رُؤْبَةُ:
؎بَلْ لَوْ شَهِدْتَ النّاسَ إذْ تُكُمُّوا بِغُمَّةٍ لَوْ لَمْ تُفَرَّجْ غُمُّوا
غُمُّوا بِالمَكْرُوهِ، بِغُمَّةٍ، أيْ: ما يَسْتُرُهُمْ، واشْتِقاقُ ذَلِكَ مِن ”اَلْغَمامَةُ“، اَلَّتِي تَسْتُرُ، ويَجُوزُ ”ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غَمَّةً“، أيْ: غَمًّا.
(p-٢٩)﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾، قُرِئَتْ: ”ثُمَّ أفْضُوا إلَيَّ“، فَمَن قالَ: ”ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ“، فالمَعْنى: ”ثُمَّ افْعَلُوا ما تُرِيدُونَ“، و”ثُمَّ أفْضُوا“، بِالفاءِ، وهي قَرِيبَةُ المَعْنى مِنها.
يونس 10:77
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكم أسِحْرٌ هَذا﴾، هَذا الكَلامُ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا قالُوا إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس: ٧٦] ﴿قالَ مُوسى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾، هَذا اللَّفْظُ، أيْ: ”إنَّ هَذا لَسِحْرٌ مُبِينٍ“، ثُمَّ قَرَّرَهُمْ، فَقالَ: ﴿أسِحْرٌ هَذا ولا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾، و”اَلْمُفْلِحُ“: اَلَّذِي يَفُوزُ بِإرادَتِهِ، أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا سِحْرًا، وقَدْ أفْلَحَ الَّذِي أتى بِهِ؟! أيْ: فازَ، وفَلَحَ في حُجَّتِهِ.
يونس 10:78
﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾، أيْ: لِتَصْرِفَنا، وتَعْدِلَنا، يُقالُ: ”لَفَتُّهُ عَنِ الأمْرِ، ألْفِتُهُ، لَفْتًا“، إذا عَدَلْتُهُ عَنْهُ، ومِن هَذا قَوْلُهُمْ: ”اِلْتَفَتَ إلَيْهِ“، أيْ: عَدَلَ وجْهَهُ إلَيْهِ، ﴿وَتَكُونَ لَكُما الكِبْرِياءُ في الأرْضِ﴾، ”اَلْكِبْرِياءُ“: اَلْمُلْكُ، وإنَّما سُمِّيَ المُلْكُ ”كِبْرِياءَ“، لِأنَّهُ أكْبَرُ ما يُطْلَبُ مِن أمْرِ الدُّنْيا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ [يونس: ٨١]، (p-٣٠)أيْ: ”قالَ مُوسى: اَلَّذِي جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ“، ويُقْرَأُ: ”ما جِئْتُمْ بِهِ آلسِّحْرُ“، والمَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ جِئْتُمْ بِهِ، آلسِّحْرُ؟!“، هو عَلى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لَهم.
يونس 10:83
﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إلا ذُرِّيَّةٌ مِن قَوْمِهِ﴾، قِيلَ: إنَّهُ مَكَثَ يَدْعُو الآباءَ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا، وآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن أوْلادِهِمْ، ﴿عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِمْ أنْ يَفْتِنَهُمْ﴾، جازَ أنْ يُقالَ: ”مَلَئِهِمْ“، لِأنَّ فِرْعَوْنَ ذُو أصْحابٍ، يَأْتَمِرُونَ لَهُ، و”اَلْمَلَأُ مِنَ القَوْمِ“: اَلرُّؤَساءُ الَّذِينَ يُرْجَعُ إلى قَوْلِهِمْ.
يونس 10:85
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، أيْ: ”لا تُهْلِكْنا، وتُعَذِّبْنا، فَيَظُنَّ آلُ فِرْعَوْنَ أنّا إنَّما عُذِّبْنا لِأنَّنا عَلى ضَلالٍ.“
يونس 10:87
وَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: اِجْعَلُوا صَلاتَكم إلى البَيْتِ الحَرامِ، وقِيلَ: ”اِجْعَلُوا بُيُوتَكم قِبْلَةً“، أيْ: صَلُّوا في بُيُوتِكُمْ، لِتَأْمَنُوا مِنَ الخَوْفِ، لِأنَّهم آمَنُوا عَلى خَوْفٍ مِن فِرْعَوْنَ.
يونس 10:88
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، ويُقْرَأُ: ”لِيَضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ“، أيْ: إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً، وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا، فَأصارَهم ذَلِكَ إلى الضَّلالِ، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أيْ: ”فالتَقَطُوهُ، وآلَ أمْرُهُ أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا“، لا أنَّهم قَصَدُوا إلى أنْ يَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾
(p-٣١)جاءَ في التَّفْسِيرِ: أيْ: اِجْعَلْ سُكَّرَهم حِجارَةً، وتَأْوِيلُ تَطْمِيسِ الشَّيْءِ: إذْهابُهُ عَنْ صُورَتِهِ، والِانْتِفاعِ بِهِ عَلى الحالِ الأُولى الَّتِي كانَ عَلَيْها، ﴿واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: اِطْبَعْ عَلى قُلُوبِهِمْ، ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾، دُعاءٌ أيْضًا عَلَيْهِمْ.
وَيَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - ما قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، ذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا يُؤْمِنُوا﴾، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾، أيْ: ”رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَهم لِيُضِلُّوا، فَلا يُؤْمِنُوا“.
يونس 10:89
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ مُوسى دَعا، وأنَّ هارُونَ أمَّنَ عَلى دُعائِهِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ أنَّهُما دَعَوا جَمِيعًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾، يَدُلُّ أنَّ الدَّعْوَةَ مِنهُما جَمِيعًا، والمُؤَمِّنُ عِلى دُعاءِ الدّاعِي داعٍ أيْضًا، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”آمِينَ“، تَأْوِيلُهُ: ”اِسْتَجِبْ“، فَهو سائِلٌ كَسُؤالِ الدّاعِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾، مَوْضِعُ ”تَتَّبِعانِّ“: جَزْمٌ، إلّا أنَّ النُّونَ الشَّدِيدَةَ دَخَلَتْ لِلنَّهْيِ، مُؤَكِّدَةً، وكُسِرَتْ لِسُكُونِها، وسُكُونِ النُّونِ الَّتِي قَبْلَها، واخْتِيرَ لَها الكَسْرُ، لِأنَّها بَعْدَ الألِفِ، فَشُبِّهَتْ بِنُونِ الِاثْنَيْنِ.
﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ [يونس: ٩٠]، (p-٣٢)جَعَلَهُ اللَّهُ يَبَسًا حَتّى جاوَزُوهُ.
يونس 10:92
وَقَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَن خَلْفَكَ آيَةً﴾، ”نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ“: نُلْقِيكَ عُرْيانًا، وقِيلَ: ”نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ“: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأرْضِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً لِأنَّهُ كانَ يَدَّعِي أنَّهُ إلَهٌ، وكانَ يَعْبُدُهُ قَوْمُهُ، فَبَيَّنَ اللَّهُ أمْرَهُ، وأنَّهُ عَبْدٌ، وفِيهِ مِنَ الآيَةِ أنَّهُ غَرِقَ القَوْمُ وأُخْرِجَ هو مِن بَيْنِهِمْ، فَكانَ في ذَلِكَ آيَةٌ.
يونس 10:94
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾، هَذِهِ آيَةٌ قَدْ كَثُرَ سُؤالُ النّاسِ عَنْها، وخَوْضُهم فِيها جِدًّا، وفي السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى بَيانِها، وكَشْفِ حَقِيقَتِها: والمَعْنى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - خاطَبَ النَّبِيَّ ﷺ، وذَلِكَ الخِطابُ شامِلٌ لِلْخَلْقِ.
فالمَعْنى: ”إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ فاسْألُوا“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - في آخِرِ السُّورَةِ -: ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن دِينِي فَلا أعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ [يونس: ١٠٤]
فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ نَبِيَّهُ ﷺ لَيْسَ في شَكٍّ، وأمَرَهُ أنْ يَتْلُوَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ويُرْوى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَسْألْ، ولَمْ يَشُكَّ، فَهَذا بَيِّنٌ جِدًّا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُخاطَبَةَ لِلنَّبِيِّ، مُخاطَبَةٌ لِلنّاسِ، قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، فَقالَ: ”طَلَّقْتُمُ“، ولَفْظُ أوَّلِ الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ (p-٣٣)وَحْدَهُ، فَهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ.
وَفِيها قَوْلانِ آخَرانِ، ”فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ“، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ: ”إنْ كُنْتَ أبِي فَتَعَطَّفْ عَلَيَّ“، أيْ: ”إنْ كُنْتَ أبِي فَواجِبٌ أنْ تَتَعَطَّفَ عَلَيَّ“، لَيْسَ أنَّهُ شَكَّ في أنَّهُ أبُوهُ، وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ: أنْ تَكُونَ ”أنْ“، في مَعْنى ”ما“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”ما كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ، فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ“، أيْ: ”لَسْنا نَأْمُرُكَ لِأنَّكَ شاكٌّ، ولَكِنْ لِتَزْدادَ“، كَما قالَ لِإبْراهِيمَ: ﴿أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فالزِّيادَةُ في التَّثْبِيتِ لَيْسَتْ مِمّا يُبْطِلُ صِحَّةَ القَصْدِ.
يونس 10:98
﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إيمانُها﴾، ”فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ ؟“، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَعُدُونَ عَقْرَ النِّيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا
(p-٣٤)أيْ: ”فَهَلّا تَعُدُّونَ الكَمِيَّ؟“، و”اَلْكَمِيُّ“: اَلدّاخِلُ في السِّلاحِ، والمَعْنى: ”فَهَلّا كانَ أهْلُ قَرْيَةٍ آمَنُوا؟“.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، كَأنَّهُ قالَ: ”لَكِنَّ قَوْمَ يُونُسَ“، ﴿لَمّا آمَنُوا﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿فَنَفَعَها إيمانُها﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ في وقْتٍ يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ؟“، وجَرى هَذا بِعُقْبِ قَوْلِ فِرْعَوْنَ لَمّا أدْرَكَهُ الغَرَقُ: ﴿آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ﴾ [يونس: ٩٠]
فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ الإيمانَ لا يَنْفَعُ عِنْدَ وُقُوعِ العَذابِ، ولا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، الَّذِي لا يُشَكِّ فِيهِ.
قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ﴾ [النساء: ١٨]
وَقَوْمُ يُونُسَ - واللَّهُ أعْلَمُ - لَمْ يَقَعْ بِهِمُ العَذابُ، إنَّما رَأوُا الآيَةَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى العَذابِ، فَلَمّا آمَنُوا كُشِفَتْ عَنْهم.
وَمِثْلُ ذَلِكَ العَلِيلُ الَّذِي يَتُوبُ في مَرَضِهِ، وهو يَرْجُو في مَرَضِهِ العافِيَةَ، ولا يَخافُ المَوْتَ، فَتَوْبَتُهُ صَحِيحَةٌ، أمّا الَّذِي يُعايِنُ، فَلا تَوْبَةَ لَهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في قِصَّتِهِ -: ﴿وَإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]
فَأمّا النَّصْبُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا قَوْمَ يُونُسَ﴾، فَمِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ النّابِغَةِ: (p-٣٥)
؎وَقَفْتُ فِيها أُصَيْلالًا أُسائِلُها ∗∗∗ عَيَّتْ جَوابًا وما بِالرَّبْعِ مِن أحَدِ
؎إلّا الأوارِيَّ لَأْيًا ما أُبَيِّنُها ∗∗∗ والنُّؤْيُ كالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ
وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ غَيْرُ قَوْمِ يُونُسَ“، فَيَكُونَ ”إلّا قَوْمُ يُونُسَ“، صِفَةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ، لِأنَّ مَعْنى ”قَوْمُ يُونُسَ“، مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ”هَلّا كانَ قَوْمُ قَرْيَةٍ، أوْ قَوْمُ نَبِيٍّ آمَنُوا إلّا قَوْمُ يُونُسَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالرَّفْعِ، وفي الرَّفْعِ وجْهٌ آخَرُ، وهو البَدَلُ، وإنْ لَمْ يَكُنِ الثّانِي مِن جِنْسِ الأوَّلِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِها أنِيسُ ∗∗∗ إلّا اليَعافِيرُ وإلّا العِيسُ
يونس 10:100
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، (p-٣٦)مَعْناها: ”وَما كانَ لِنَفْسٍ الوَصْلَةُ إلى الإيمانِ إلّا بِما أعْلَمَها اللَّهُ مِنهُ“، ويَكُونُ أيْضًا: ”إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ“، وهو إذْنُهُ، ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾، و”اَلرِّجْسُ“: اَلْعَذابُ، ويُقالُ: هو الرِّجْزُ.
يونس 10:103
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ المُؤْمِنِينَ﴾، و”نُنْجِئُ“، أيْ: إذا أُهْلِكَتْ قَرْيَةٌ أنْجى اللَّهُ الأنْبِياءَ، والمُؤْمِنِينَ، مِمّا يَنْزِلُ بِأهْلِها.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ”فَهَلّا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ؟ ألَمْ يُؤْمِن أحَدٌ مِن أهْلِ القُرى؟“، فالمَعْنى أنَّ أهْلَ القُرى ذَكَرَ اللَّهُ في جُمْهُورِهِمُ الكُفْرَ، فَقالَ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]
فَأمّا مَن قَرَأ: ”نُجِّيَ المُؤْمِنِينَ“، فَلا وجْهَ لَهُ، وقَدْ نُجِّيَ النِّجاءَ المُؤْمِنِينَ، وهَذا رُوِيَ في القِراءَةِ عَنْ عاصِمٍ في سُورَةِ ”اَلْأنْبِياءِ“، ولا وجْهَ لَهُ.
هود 11:1
(p-٣٧)سُورَةُ هُودٍ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾، ”كِتابٌ“، مَرْفُوعٌ بِإضْمارِ ”هَذا كِتابٌ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”كِتابٌ“، خَبَرُ ”الـر“، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، لَيْسَ هو ”الـر“، وحْدَها.
وَفِي التَّفْسِيرِ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ بِالأمْرِ، والنَّهْيِ، والحَلالِ، والحَرامِ، ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾، بِالوَعْدِ والوَعِيدِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ آياتِهِ أُحْكِمَتْ وفُصِّلَتْ بِجَمِيعِ ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّوْحِيدِ، وإثْباتِ نُبُوَّةِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وإقامَةِ الشَّرائِعِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف: ١١١]، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]، اَلْمَعْنى: ”أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ“.
(p-٣٨)أيْ: مِن عِنْدِ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، لـ ”ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ“، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّنِي﴾ [هود: ٢]، مَقُولُ قَوْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: "قُلْ يا مُحَمَّدُ لَهُمْ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ﴾ [هود: ٢]، أيْ: مِن جِهَةِ اللَّهِ ﴿نَذِيرٌ﴾ [هود: ٢]، أيْ: مُخَوِّفٌ مِن عَذابِهِ لِمَن كَفَرَ، ﴿وَبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]، بِالجَنَّةِ، لِمَن آمَنَ.
هود 11:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾، أيْ: وآمُرُكم بِالِاسْتِغْفارِ، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا﴾، أيْ: يُبْقِكم ولا يَسْتَأْصِلْكم بِالعَذابِ، كَما اسْتَأْصَلَ أهْلَ القُرى الَّذِينَ كَفَرُوا، ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾، أيْ: مَن كانَ ذا فَضْلٍ في دِينِهِ فَضَلَّهُ اللَّهُ بِالثَّوابِ، وفَضَّلَهُ بِالمَنزِلَةِ في الدُّنْيا بِالدِّينِ، كَما فَضَّلَ أصْحابَ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:5
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ﴾، ”ألا“، مَعْناها التَّنْبِيهُ، ولا حَظَّ لَها في الإعْرابِ، وما بَعْدَها مُبْتَدَأٌ، ومَعْنى ”يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا“، أيْ: "يُسِرُّونَ عَداوَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
وَقِيلَ: إنَّ طائِفَةً مِنَ المُشْرِكِينَ قالَتْ: إذا أغْلَقْنا أبْوابَنا وأرْخَيْنا سُتُورَنا، واسْتَغْشَيْنا ثِيابَنا، وثَنَيْنا صُدُورَنا عَلى عَداوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَيْفَ يَعْلَمُ بِنا؟ فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - (p-٣٩)بِما كَتَمُوهُ، فَقالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ﴿ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾
وَقُرِئَتْ: ”ألا إنَّهم يَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ“، قَرَأها الأعْمَشُ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ“، عَلى مِثالِ ”تَفْعَوْعِلُ“، ومَعْناها: اَلْمُبالَغَةُ في الشَّيْءِ، ومِثْلُ ذَلِكَ: ”قَدِ احْلَوْلى الشَّيْءُ“، إذا بَلَغَ الغايَةَ في الحَلاوَةِ.
هود 11:6
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها ومُسْتَوْدَعَها﴾، قِيلَ: ”مُسْتَقَرُّها“: مَأْواها عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، و”مُسْتَوْدَعُها“: ما تَصِيرُ إلَيْهِ، وقِيلَ أيْضًا: ”مُسْتَقَرُّها“: في الأصْلابِ، و”مُسْتَوْدَعُها“: مِنَ الأرْحامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ في كِتابٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: ذَلِكَ ثابِتٌ مِن عِلْمِ اللَّهِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ في كِتابٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إلا في كِتابٍ مِن قَبْلِ أنْ نَبْرَأها﴾ [الحديد: ٢٢]
هود 11:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ﴾، اَللَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَهُما في لَحْظَةٍ، لِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَإذا خَلَقَهُما وقَدَّرَهُما هَذا القَدْرَ العَظِيمَ - والسَّماءُ لَيْسَ بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ عَمَدٌ يُرى - في سِتَّةِ أيّامٍ، عُلِمَ أنَّ مَن كانَتْ قُدْرَتُهُ هَذِهِ القُدْرَةَ لَمْ يُعْجِزْهُ شَيْءٌ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وكانَ المُشْرِكُونَ يُكَذِّبُونَ بِأنَّهُ يَبْعَثُ المَوْتى، ويُقِرُّونَ أنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ.
(p-٤٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْشَ والماءَ كانا قَبْلَ السَّماواتِ والأرْضِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾، مَعْناهُ: ”لِيَخْتَبِرَكم الِاخْتِبارَ الَّذِي يُجازِيكم عَلَيْهِ، وهو قَدْ عَلِمَ قَبْلَ ذَلِكَ أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا“، إلّا أنَّهُ يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، لا عَلى عِلْمِهِ فِيهِمْ.
﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾
وَيُقْرَأُ: ”إلّا ساحِرٌ مُبِينٌ“، والسِّحْرُ باطِلٌ عِنْدَهُمْ، فَكَأنَّهم قالُوا: ”إنْ هَذا إلّا باطِلٌ بَيِّنٌ“، وأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ القُدْرَةَ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ تَدُلُّ عَلى بَعْثِ المَوْتى.
وَأهْلُ الكُفْرِ مُخْتَلِفُونَ في البَعْثِ، فالمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ إنَّهم لا يُبْعَثُونَ البَتَّةَ، ولا يُرْجَعُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، واليَهُودُ والنَّصارى يَزْعُمُونَ أنْ لا أكْلَ، ولا شُرْبَ، ولا غَشْيًا لِلنِّساءِ في الجَنَّةِ، وكُلٌّ كافِرٌ بِالبَعْثِ عَلى جِهَتِهِ.
هود 11:8
﴿وَلَئِنْ أخَّرْنا عَنْهُمُ العَذابَ إلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾، مَعْناهُ: إلى أجَلٍ، وحِينٍ مَعْلُومٍ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أيْ: بَعْدَ حِينٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا﴾، ”يَوْمَ يَأْتِيهِمْ“، مَنصُوبٌ بِـ ”مَصْرُوفًا“، اَلْمَعْنى: لَيْسَ العَذابُ مَصْرُوفًا عَنْهم يَوْمَ يَأْتِيهِمْ.
(p-٤١)﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، كَما تَقُولُ: ”أحاطَ بِفُلانٍ عَمَلُهُ“، و”أهْلَكَهُ كَسْبُهُ“، أيْ: ”أهْلَكَهُ جَزاءُ كَسْبِهِ، وعاقِبَتُهُ“.
هود 11:9
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَئِنْ أذَقْنا الإنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَـزَعْناها مِنهُ إنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾، يَعْنِي الكافِرَ، و”اَلرَّحْمَةُ“: اَلرِّزْقُ، هَهُنا، و”اَلْإنْسانُ“: اِسْمٌ لِلْجِنْسِ، في مَعْنى ”اَلنّاسُ“.
هود 11:11
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: ”لَكِنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ“.
هود 11:12
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ﴾، يُرْوى أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ تَرَكْتَ عَيْبَنا، وسَبَّ آلِهَتِنا، لَجالَسْناكَ، ومَعْنى ”أنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ“، مَعْناهُ: ”كَراهَةَ أنْ يَقُولُوا ...“، ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾، أيْ: إنَّما عَلَيْكَ أنْ تُنْذِرَهُمْ، وتَأْتِيَهم مِنَ الآياتِ بِما يُوحى إلَيْكَ، ولَيْسَ عَلَيْكَ أنْ تَأْتِيَهم بِشَهَواتِهِمْ، واقْتِراحِهِمُ الآياتِ، ثُمَّ أعْلَمَهم وجْهَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، أيْ: ”أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟“.
هود 11:13
(p-٤٢)﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾، أيْ: مِثْلِ سُورَةٍ مِنهُ، أيْ: سُورَةٍ مِنها، ﴿وادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، أيْ: اُطْلُبُوا أنْ يُعاوِنَكم عَلى ذَلِكَ كُلُّ مَن قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ، ورَجَوْتُمْ مُظاهَرَتَهُ، ومُعاوَنَتَهُ.
هود 11:14
﴿فَإلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكم فاعْلَمُوا أنَّما أُنْـزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾، ومَعْنى ”أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ“: أيْ: ”أُنْزِلَ واللَّهُ عالِمٌ بِإنْزالِهِ“، وعالِمٌ أنَّهُ حَقٌّ مِن عِنْدِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”بِعِلْمِ اللَّهِ“، أيْ: ”بِما أنْبَأ اللَّهُ فِيهِ مِن غَيْبٍ، ودَلَّ عَلى ما سَيَكُونُ، وما سَلَفَ، مِمّا لَمْ يَقْرَأُ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ كِتابًا“، وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
هود 11:15
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها﴾، أيْ: نُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا، فَأمّا ”كانَ“، في بابِ حُرُوفِ الجَزاءِ، فَفِيها قَوْلانِ، قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: جائِزٌ أنْ تَكُونَ لِقُوَّتِها عَلى مَعْنى المُضِيِّ عِبارَةً عَنْ كُلِّ فِعْلٍ ماضٍ، فَهَذا هو قُوَّتُها، وكَذَلِكَ تَتَأوَّلُ قَوْلَهُ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]
(p-٤٣)وَحَقِيقَتُها - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”مَن تَعْلَمُ مِنهُ هَذا“، فَهَذا عَلى بابِ سائِرِ الأفْعالِ، إلّا أنَّ مَعْنى ”كانَ“، إخْبارٌ عَنِ الحالِ فِيما مَضى مِنَ الدَّهْرِ، فَإذا قُلْتَ: ”سَيَكُونُ عالِمًا“، فَقَدْ أنْبَأْتَ أنَّ حالَهُ سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ، فَإنَّما مَعْنى ”كانَ“، و”يَكُونُ“، اَلْعِبارَةُ عَنِ الأفْعالِ، والأحْوالِ.
هود 11:17
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، أيْ: شاهِدٌ مِن رَبِّهِ، والشّاهِدُ جِبْرِيلُ، وقِيلَ: يَتْلُوهُ البُرْهانُ، والَّذِي جَرى ذِكْرُ البَيِّنَةِ، لِأنَّ البَيِّنَةَ والبُرْهانَ بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقِيلَ: ”وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ“، يَعْنِي لِسانَ النَّبِيِّ ﷺ، أيْ: ”أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وكانَ مَعَهُ مِنَ الفَضْلِ ما يُبَيِّنُ تِلْكَ البَيِّنَةِ، كانَ هو وغَيْرُهُ سَواءً؟!“، وتَرَكَ ذِكْرَ المُضادِّ لَهُ، لِأنَّ فِيما بَعْدَهُ دَلِيلًا - عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ [هود: ٢٤]
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ“، يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، وسائِرَ المُؤْمِنِينَ، ويَكُونَ مَعْنى ”وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ“، يَتْلُوهُ، ويَتْبَعُهُ، أيْ: يَتْبَعُ البَيانَ شاهِدٌ مِن ذَلِكَ البَيانِ، ويَكُونَ الدَّلِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾
وَيَكُونَ دَلِيلُهُ أيْضًا: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١]، فَإتْباعُ الشّاهِدِ بَعْدَ البَيانِ، كَإتْباعِ التَّفْصِيلِ بَعْدَ الأحْكامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾، (p-٤٤)أيْ: وكانَ مِن قَبْلِ هَذا كِتابُ مُوسى دَلِيلًا عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، ويَكُونُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾، عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ، ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى“، أيْ: وكانَ يَتْلُوهُ كِتابُ مُوسى.
لِأنَّ النَّبِيَّ بَشَّرَ بِهِ مُوسى وعِيسى في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ونُصِبَ ”إمامًا“، عَلى الحالِ، لِأنَّ ﴿كِتابُ مُوسى﴾، مَعْرِفَةٌ، ﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾
يَجُوزُ كَسْرُ المِيمِ في ”مِرْيَةٍ“، وضَمُّها، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا في ”مِرْيَةٍ“، و”فِرْيَةٌ“، ويَجُوزُ نَصْبُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾، ويَكُونُ المَعْنى: ”وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ، وهو الَّذِي كانَ يَتْلُو كِتابَ مُوسى“، والأجْوَدُ الرَّفْعُ، والقِراءَةُ بِالرَّفْعِ لا غَيْرُ.
هود 11:18
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾، اَلْأشْهادُ هُمُ الأنْبِياءُ، والمُؤْمِنُونَ، وقالَ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾، والخَلْقُ كُلُّهم يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ”إلَيْنا مَرْجِعُهم“، و”إلَيْنا يُرْجَعُونَ“، فَذَكَرَ عَرْضَهم عَلى رَبِّهِمْ تَوْكِيدًا لِحالِهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهم.
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾، ”لَعْنَةُ اللَّهِ“: إبْعادُهُ مَن يَلْعَنُهُ مِن عَفْوِهِ ورَحْمَتِهِ.
هود 11:19
﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا﴾، (p-٤٥)أيْ: يَصُدُّونَ عَنْ طَرِيقِ الإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ، يُرِيدُونَ رَدَّ السَّبِيلِ الَّتِي هي الإيمانُ، والِاسْتِواءَ إلى الكُفْرِ، والِاعْوِجاجَ عَنِ القَصْدِ، ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾، ذُكِرَتْ ”هُمْ“، ثانِيَةً، عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ لِشَأْنِهِمْ في الكُفْرِ.
هود 11:20
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾، أيْ: اَللَّهُ لا يُعْجِزُهُ انْتِقامٌ مِن دارِ الدُّنْيا، ولا ولِيَّ يَمْنَعُ مِنَ انْتِقامِ اللَّهِ لِمَن أرادَ بِهِ النِّقْمَةَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾، فَوَصَفَ مُضاعَفَةَ العَذابِ عَلى قَدْرِ ما وصَفَ مِن عِظَمِ كُفْرِهِمْ بِنَبِيِّهِ ﷺ، وبِالبَعْثِ، والنُّشُورِ.
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، أيْ: مِن شِدَّةِ كُفْرِهِمْ وعَداوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَسْمَعُوا ما يَقُولُ، ثُمَّ بَيَّنَ - جَلَّ وعَزَّ - ضَرَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [هود: ٢١]
هود 11:22
وَقَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾، قالَ المُفَسِّرُونَ: اَلْمَعْنى: ”جَزاءً حَقًّا أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ“، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ”جَرَمَ“، بِمَعْنى: ”حَقٌّ“، قالَ الشّاعِرُ:(p-٤٦)
؎وَلَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
مَعْناهُ: ”أحَقَّتْ فَزارَةَ الطَّعْنَةُ بِالغَضَبِ“، ومَعْنى ”لا“، نَفْيٌ لِما ظَنُّوا أنَّهُ يَنْفَعُهُمْ، كَأنَّ المَعْنى: ”لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ“، أيْ: ”كَسَبَ ذَلِكَ الفِعْلُ لَهُمُ الخُسْرانَ“.
هود 11:24
ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ، والكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾، ومَثَلُ فَرِيقِ الكافِرِينَ كالأعْمى، والأصَمِّ، لِأنَّهم في عَداوَتِهِمْ، وتَرْكِهِمُ التَّفَهُّمَ، كَمَن لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ.
هود 11:25
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، كَسْرُ ”إنَّ“، في القِراءَةِ عَلى مَعْنى: ”قالَ لَهم إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، ويَجُوزُ: ”أنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ“، عَلى مَعْنى: ”لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ بِالإنْذارِ، ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أُنْذِرُكم لِتُوَحِّدُوا اللَّهَ، وأنْ تَتْرُكُوا عِبادَةَ غَيْرِهِ“، ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ [هود: ٢٦]
يَجُوزُ في غَيْرِ القِراءَةِ: ”إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمًا“، لِأنَّ الألِيمَ صِفَةٌ لِلْعَذابِ، وإنَّما وصَفَ اليَوْمَ بِالألَمِ، لِأنَّ الألَمَ فِيهِ يَقَعُ، والمَعْنى: ”عَذابَ يَوْمٍ مُؤْلِمٍ“، أيْ: مُوجِعٍ.
هود 11:27
﴿فَقالَ المَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ﴾، (p-٤٧)”اَلْمَلَأُ“: رُؤَساءُ القَوْمِ، وكُبَراؤُهُمُ الَّذِينَ هم مُلاءٌ بِالرَّأْيِ وبِما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنهُمْ، أيْ: فَأجابُوهُ بِهَذا الجَوابِ، والقَوْلِ، ﴿ما نَراكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنا﴾، أيْ: ”ما نَراكَ إلّا إنْسانًا مِثْلَنا“، ﴿وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾، أيْ: لَمْ يَتَّبِعْكَ المَلَأُ مِنّا، وإنَّما اتَّبَعَكَ أخِسّاؤُنا.
وَقَوْلُهُ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾، بِغَيْرِ هَمْزٍ في ”بادِي“، وأبُو عَمْرٍو يَهْمِزُ ”بادِئَ الرَّأْيِ“، أيْ: ”اِتَّبَعُوا اتِّباعًا في ظاهِرِ ما يُرى“، هَذا فِيمَن لَمْ يَهْمِزْ، ويَكُونُ التَّفْسِيرُ عَلى نَوْعَيْنِ في هَذا، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ ”اِتَّبَعُوكَ في الظّاهِرِ، وباطِنُهم عَلى خِلافِ ذَلِكَ“ .
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اِتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ الرَّأْيِ ولَمْ يَتَدَبَّرُوا ما قُلْتَ، ولَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ“، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو عَلى هَذا التَّفْسِيرِ الثّانِي، أيْ: ”اِتَّبَعُوكَ ابْتِداءَ الرَّأْيِ“، أيْ: حِينَ ابْتَدَؤُوا يَنْظُرُونَ، وإذا فَكَّرُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، فَأمّا نَصْبُ ”بادِيَ الرَّأْيِ“، فَعَلى: ”اِتَّبَعُوكَ في ظاهِرِ الرَّأْيِ“، و”عَلى ظاهِرِ الرَّأْيِ“، كَأنَّهُ قالَ: ”اَلِاتِّباعَ الَّذِي لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ“، ومَن قالَ: ”بادِيَ الرَّأْيِ“، فَعَلى ذَلِكَ نَصَبَهُ.
هود 11:28
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ كَذا أكْثَرُ القِراءَةِ، بِفَتْحِ العَيْنِ، والتَّخْفِيفِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ“، بِضَمِّ العَيْنِ، وتَشْدِيدِ المِيمِ، هَذا ما أجابَهم بِهِ في أنْ قالُوا: ”إنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ إنَّما اتَّبَعُوكَ غَيْرَ (p-٤٨)مُحَقِّقِينَ“، فَأعْلَمَهم أنَّهم مُحَقِّقُونَ بِهَذا القَوْلِ، لِأنَّهُ إذا كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فَعالِمٌ بَصِيرٌ مَفْضُولٌ لَهُ، وأنَّ مَن لَمْ يَفْهَمِ البَيِّنَةَ فَقَدْ عَمِيَ عَلَيْهِ الصَّوابُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾، أيْ: فَعَمِيَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْكُمْ، ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾، اَلْقِراءَةُ بِضَمِّ المِيمِ، ويَجُوزُ إسْكانُها عَلى بُعْدٍ، لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، وثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وسِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ لا يُجِيزانِ إسْكانَ حَرْفِ الإعْرابِ إلّا في اضْطِرارٍ، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الإسْكانِ، فَلَمْ يُضْبَطْ ذَلِكَ عَنْهُ، ورَواهُ عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يُخَفِّفُ الحَرَكاتِ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الوَجْهُ.
هود 11:29
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾، وإذا لاقَوْا رَبَّهم جازى مَن ظَلَمَهم وطَرَدَهُمْ، بِجَزائِهِ مِنَ العَذابِ.
هود 11:31
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، ”تَزْدَرِي“: تَسْتَسْفِلُ، وتَسْتَخِسُّ، يُقالُ: ”زَرَيْتُ عَلى الرَّجُلِ“، إذا عِبْتُ عَلَيْهِ، وخَسَّسْتَ فِعْلَهُ، و”أزْرَيْتُ“، إذا قَصَّرْتُ بِهِ، و”تَزْدَرِي“، أصْلُهُ: ”تَزْتَرِي“، بِالتّاءِ، إلّا أنَّ هَذِهِ التّاءَ تُبْدَلُ بَعْدَ الزّايِ دالًا، لِأنَّ التّاءَ مِن حُرُوفِ الهَمْسِ، وحُرُوفُ الهَمْسِ خَفِيَّةٌ، فالتّاءُ بَعْدَ الزّايِ تُخْفى، فَأُبْدِلَتْ مِنها الدّالُ لِجَهْرِها، وكَذَلِكَ ”يَفْتَعِلُ“، مِن ”اَلزِّينَةُ“: ”يَزْدانُ“، تَقُولُ: ”أنْتَ تَزْدانُ يا هَذا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾، (p-٤٩)لِأنَّهم قالُوا: ”اِتَّبَعَكَ أراذِلُنا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾، أيْ: إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّهم إنَّما اتَّبَعُونِي في ظاهِرِ الرَّأْيِ، والَّذِي أدْعُو إلَيْهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ، فَإذا رَأيْتُ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - عَمِلْتُ عَلى ظاهِرِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ بِما في نَفْسِهِ، لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ.
هود 11:32
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأكْثَرْتَ جِدالَنا﴾، ويُقْرَأُ: ”فَأكْثَرْتَ جَدَلَنا“، و”اَلْجَدَلُ“، و”اَلْجِدالُ“: اَلْمُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ، والمُنافَرَةِ، وهو مَأْخُوذٌ مِن ”اَلْجَدْلُ“، وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والصَّقْرُ يُقالُ لَهُ: ”أجْدَلُ“، لِأنَّهُ مِن أشَدِّ الطَّيْرِ.
هود 11:34
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، ”يُغْوِيَكُمْ“: يُضِلَّكُمْ، ويُهْلِكَكم.
هود 11:35
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾، مَعْناهُ: ”بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟!“، ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي﴾، مِن قَوْلِكَ: ”أجْرَمَ الرَّجُلُ إجْرامًا“، ويُقالُ: ”جَرَمَ“، في مَعْنى ”أجْرَمَ“، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ ”أجْرَمَ“، في كَسْبِ الإثْمِ خاصَّةً، يُقالُ: ”رَجُلٌ مُجْرِمٌ، وجارِمٌ“، ويَجُوزُ ”فَعَلَيَّ أجْرامِي“، عَلى جَمْعِ ”جُرْمٌ“، وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]، و”أسْرارَهُمْ“، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِكَسْرِ الألِفِ، و”إجْرامِي“، عَلى المَصْدَرِ.
هود 11:36
﴿وَأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾، فَلِذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْتَجارَ نُوحٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧]
(p-٥٠)أُعْلِمَ أنَّهم لا يَلِدُونَ إلّا الكَفَرَةَ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾، مَعْناهُ: ”لا تَحْزَنْ ولا تَسْتَكِنْ“.
هود 11:37
وَقَوْلُهُ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾، ”اَلْفُلْكُ“: اَلسَّفِينَةُ، و”اَلْفَلَكُ“، يَكُونُ واحِدًا، ويَكُونُ جَمْعًا، كَما أنَّهم قالُوا: ”أسَدٌ“، و”أُسْدٌ“، قالُوا في الواحِدِ: ”فَلَكٌ“، وفي الجَمْعِ ”فُلْكٌ“، لِأنَّ ”فُعْلًا“، و”فَعَلًا“، جَمْعُهُما واحِدٍ، ويَأْتِيانِ بِمَعْنًى كَثِيرًا، يُقالُ: ”اَلْعُجْمُ“، و”اَلْعَجَمُ“، و”اَلْعُرْبُ“، و”اَلْعَرَبُ“، و”اَلْفُلْكُ و“اَلْفَلَكُ”، و“اَلْفَلْكَةُ”، يُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مُسْتَدِيرٍ، أوْ في اسْتِدارَةٍ، ومَعْنى: ﴿بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا﴾، أيْ: بِإبْصارِنا إلَيْكَ، وحِفْظِنا لَكَ، وبِما أوْحَيْنا إلَيْكَ، ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾، اَلْمَعْنى:“لا تُخاطِبْنِي في إمْهالِ الَّذِينَ كَفَرُوا، إنَّهم مُغْرَقُونَ".
هود 11:38
ثُمَّ أخْبَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - بِعَمَلِهِ الفُلْكَ، فَقالَ: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾، يُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، صارَ نَجّارًا، فَقالَ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾، أيْ: نَحْنُ نَسْتَجْهِلُكم كَما تَسْتَجْهِلُونَنا.
هود 11:39
ثُمَّ أعْلَمَهم بِما يَكُونُ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ، فَقالَ: (p-٥١)﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾، أيْ: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن هو أحَقُّ بِالخِزْيِ، ومَن هو أحْمَدُ عاقِبَةً.
هود 11:40
﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - نُوحًا أنَّ وقْتَ إهْلاكِهِمْ فَوْرُ التَّنُورِ، وقِيلَ في التَّنُورِ أقْوالٌ، قِيلَ: إنَّ التَّنُورَ وجْهُ الأرْضِ، ويُقالُ: إنَّ الماءَ فارَ مِن ناحِيَةِ مَسْجِدِ الكُوفَةِ، ويُقالُ: إنَّ الماءَ فارَ مِن تَنُّورِ الخابِزَةِ، وقِيلَ: ”اَلتَّنُّورُ“: تَنْوِيرُ الصُّبْحِ.
والجُمْلَةُ أنَّ الماءَ فارَ مِنَ الأرْضِ، وجاءَ مِنَ السَّماءِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ [القمر: ١١] ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، فالماءُ فَوْرُهُ مِن تَنُّورٍ، أوْ مِن ناحِيَةِ المَسْجِدِ، أوْ مِن وجْهِ الأرْضِ، أوْ في وقْتِ الصُّبْحِ، لا يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَلّامَةَ لِإهْلاكِ القَوْمِ، ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، أيْ: مِن كُلِّ شَيْءِ.
وَ”اَلزَّوْجُ“، في كَلامِ العَرَبِ: واحِدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعَهُ واحِدٌ، والِاثْنانِ يُقالُ لَهُما: ”زَوْجانِ“، يَقُولُ الرَّجُلَ: ”عَلَيَّ زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ“، وتَقُولُ: ”عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الطَّيْرِ“، وإنَّما تُرِيدُ ”ذَكَرٌ“، أوْ ”أُنْثى“، فَقَطْ، وتُقْرَأُ: ”مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ“، عَلى الإضافَةِ.
والمَعْنى واحِدٌ في الزَّوْجَيْنِ، أضَفْتَ أمْ لَمْ تُضِفْ، ﴿وَأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ﴾، (p-٥٢)أيْ: ”واحْمِلْ مَن آمَنَ“، ويُقالُ: ”إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ كانُوا ثَمانِينَ نَفْسًا“، فَقالَ تَعالى: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ﴾، لِأنَّ ثَمانِينَ قَلِيلٌ في جُمْلَةِ أُمَّةِ قَوْمِ نُوحٍ.
هود 11:41
﴿وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾، أيْ: بِاللَّهِ تَجْرِي، وبِهِ تَسْتَقِرُّ، ومَعْنى ”قُلْنا بِاسْمِ اللَّهِ“، أيْ: ”بِاللَّهِ“، وقَدْ قُرِئَتْ عَلى وُجُوهٍ، قُرِئَتْ: ”مَجْراها“، بِفَتْحِ المِيمِ، و”مُرْساها“، بِضَمِّ المِيمِ.
وَقُرِئَتْ: ”مُجْراها ومُرْساها“، بِضَمِّ المِيمَيْنِ جَمِيعًا، ويَجُوزُ: ”مَجْراها ومَرْساها“، وكُلٌّ صَوابٌ حَسَنٌ، فَأمّا مَن قَرَأ: ”مَجْراها“، بِفَتْحِ المِيمِ، فالمَعْنى: ”جَرْيُها“، و”مُرْساها“، اَلْمَعْنى: ”وَبِاللَّهِ يَقَعُ إرْساؤُها“، أيْ: إقْرارُها.
وَمَن قَرَأ: ”مُجْراها ومُرْساها“، فَمَعْنى ذَلِكَ: ”بِاللَّهِ إجْراؤُها، وبِاللَّهِ إرْساؤُها“، يُقالُ: ”أجْرَيْتُهُ مُجْرًى، وإجْراءً“، في مَعْنًى واحِدٍ، ومَن قالَ: ”مَجْراها ومَرْساها“، فَهو عَلى ”جَرَتْ جَرْيًا، ومَجْرًى“، و”رَسَتْ رُسُوًّا ومَرْسًى“ .
وَ”اَلْمَرْسى“: مُسْتَقَرُّها، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أمَرَهم أنْ يُسَمُّوا في وقْتِ جَرْيِها، ووَقْتِ اسْتِقْرارِها، و”مُرْساها“، في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى الصِّفَةِ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ويَجُوزُ فِيهِ شَيْءٌ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ - ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِهِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ -: (p-٥٣)”بِاسْمِ اللَّهِ مُجْرِيَها“، عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما الحالُ، المَعْنى: ”مُجْرِيًا لَها، ومُرْسِيًا لَها“، كَما تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِزَيْدٍ ضارِبَها“، عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ: ”أعْنِي مُجْرِيَها، ومُرْسِيَها“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مُجْرِيها ومُرْسِيها“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى إضْمارِ ”هُوَ مُجْرِيها ومُرْسِيها“.
هود 11:42
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾، قِيلَ: إنَّ السَّماءَ والأرْضَ التَقى ماؤُهُما، فَطُبِّقَ بَيْنَهُما، وجَرَتِ السَّفِينَةُ في ذَلِكَ الماءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ﴾، إنَّ المَوْجَ لا يَكُونُ إلّا فَوْقَ الماءِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الماءَ جاوَزَ كُلَّ شَيْءٍ خَمَسَةَ عَشَرَ ذِراعًا.
قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: ١٢]، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَلْتَقِي ماءُ السَّماءِ، وماءُ الأرْضِ، وما يُطَبَّقُ ما بَيْنَهُما، وجائِزٌ أنْ يُطَبَّقَ ما بَيْنَهُما، و”اَلْمَوْجُ“: تَمَوُّجُ الماءِ، وأكْثَرُ ما يُعْرَفُ تَكَوُّنُهُ في عُلُوِّ الماءِ.
وَجائِزٌ أنْ يَتَمَوَّجَ داخِلَ الماءِ، والرِّوايَةُ في السَّفِينَةِ أكْثَرُ ما قِيلَ في طُولِها أنَّهُ كانَ ألْفًا ومِائَتَيْ ذِراعٍ، وقِيلَ: ”سِتَّمِائَةِ ذِراعٍ“، وقِيلَ: إنَّ نُوحًا بُعِثَ ولَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، ولَبِثَ في قَوْمِهِ كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ﴿ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، وعَمِلَ السَّفِينَةَ في خَمْسِينَ سَنَةً، ولَبِثَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً.
(p-٥٤)﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ كانَ في مَعْزِلٍ مِن دِينِهِ، أيْ: دِينِ أبِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - وهو أشْبَهُ - أنْ يَكُونَ في مَعْزِلٍ مِنَ السَّفِينَةِ - ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾، اَلْكَسْرُ أجْوَدُ القِراءَةِ، أعْنِي كَسْرَ الياءِ، ويَجُوزُ كَسْرُها، وفَتْحُها، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّ الأصْلَ: ”يا بُنَيِّي“، والياءُ تُحْذَفُ في النِّداءِ، أعْنِي ياءَ الإضافَةِ، وتَبْقى الكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها.
وَيَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ الياءُ لِسُكُونِ الرّاءِ مِن ”اِرْكَبْ“، وتُقَرُّ في الكِتابِ عَلى ما هي في اللَّفْظِ، والفَتْحُ مِن جِهَتَيْنِ، الأصْلَ: ”يا بُنَيّا“، فَتُبْدَلُ الألِفُ مِن ياءٍ الإضافَةِ، العَرَبُ تَقُولُ: ”يا غُلامًا أقْبِلْ“، ثُمَّ تُحْذَفُ الألِفُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الرّاءِ، ويُقَرُّ في الكِتابِ عَلى حَذْفِها في اللَّفْظِ.
وَيَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ ألِفُ النِّداءِ، كَما تُحْذَفُ ياءُ الإضافَةِ، وإنَّما حُذِفَتْ ياءُ الإضافَةِ وألِفُ الإضافَةِ في النِّداءِ، كَما يُحْذَفُ التَّنْوِينُ، لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ زِيادَةٌ في الِاسْمِ، كَما أنَّ التَّنْوِينَ زِيادَةٌ فِيهِ، ويَجُوزُ وجْهٌ آخَرُ، لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، وهو إثْباتُ الياءِ، ”يا بُنَيِّي“، وهَذِهِ تَثْقُلُ لِاجْتِماعِ الياءاتِ.
هود 11:43
﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾، أيْ: يَمْنَعُنِي مِنَ الماءِ، والمَعْنى: مِن تَغْرِيقِ الماءِ، ﴿قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾، هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، ومَوْضِعُ ”مَن“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”لَكِنَّ مَن رَحِمَ اللَّهُ، فَإنَّهُ مَعْصُومٌ“، ويَكُونُ ”لا عاصِمَ“، مَعْناهُ: ”لا ذا عِصْمَةٍ“، كَما قالُوا: ”عِيشَةٌ راضِيَةٌ“، مَعْناهُ: مُرْضِيَةٌ، وجازَ ”راضِيَةٌ“، عَلى جِهَةِ النَّسَبِ، أيْ: في عِيشَةٍ ذاتِ رِضًا.
(p-٥٥)وَتَكُونُ ”مَن“، عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَكُونُ المَعْنى: ”لا مَعْصُومَ إلّا المَرْحُومُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَغِيضَ الماءُ﴾ [هود: ٤٤]، يُقالُ: ”غاضَ الماءُ، يَغِيضُ“، إذا غابَ في الأرْضِ، ويَجُوزُ إشْمامُ الضَّمِّ في الغَيْنِ، ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ﴾ [هود: ٤٤]، أيْ: هَلاكُ قَوْمِ نُوحٍ، ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، و”اَلْجُودِيُّ“: جَبَلٌ بِناحِيَةِ آمِدَ.
هود 11:45
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦]، قَرَأ الحَسَنُ، وابْنُ سِيرِينَ: ”عَمَلٌ غَيْرَ صالِحٍ“، وكانَ مَذْهَبُهُما أنَّهُ لَيْسَ بِابْنِهِ، لَمْ يُولَدْ مِن صُلْبِهِ، قالَ الحَسَنُ: واللَّهِ ما هو بِابْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّهُ ابْنُهُ، ولَمْ يَبْتَلِ اللَّهُ نَبِيًّا في أهْلِهِ بِمِثْلِ هَذِهِ البَلْوى، فَأمّا مَن قَرَأ: ”إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ“، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَعْنِي بِهِ أنَّهُ ”ذُو عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ“، كَما قالَتِ الخَنْساءُ:
؎تَرْتَعُ ما رَتَعَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
(p-٥٦)أيْ: ”ذاتُ إقْبالٍ“، وقَدْ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، فَنَسَبَهُ إلَيْهِ، ولِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: نَسَبَهُ إلَيْهِ عَلى الِاسْتِعْمالِ، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧]، فَنَسَبَهم إلَيْهِ عَلى قَوْلِهِمْ، واللَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ولَكِنَّ الأجْوَدَ في التَّفْسِيرِ أنْ يَكُونَ: ”إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ الَّذِينَ وعَدْتُكَ أنْ أُنْجِيَهُمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ“: ”إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِ دِينِكَ“.
﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود: ٤٦]، ويُقْرَأُ: ”فَلا تَسْألَنْ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ“.
هود 11:50
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، اَلْمَعْنى: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم هُودًا، وقِيلَ: ”أخاهُمْ“، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّهُ مِنهُمْ، وبَيَّنَ بِلِسانِهِمْ، والأُخْرى أنَّهُ أخُوهم مِن ولَدِ آدَمَ، بَشَرٌ مِثْلُهم.
(p-٥٧)﴿قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾، وإنْ شِئْتَ ”غَيْرِهِ“، ”غَيْرِهِ“، مِن نَعْتِ الإلَهِ، و”غَيْرُهُ“، عَلى مَعْنى: ”ما لَكم إلَهٌ غَيْرُهُ“.
هود 11:52
﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾، كانَ أصابَهم جَدْبٌ، فَأعْلَمَهم أنَّهم إنِ اسْتَغْفَرُوا رَبَّهُمْ، وتابُوا، أرْسَلَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْرارًا.
وَ”اَلتَّوْبَةُ“: اَلنَّدَمُ عَلى ما سَلَفَ، والعَزْمُ عَلى تَرْكِ العَوْدِ في الذُّنُوبِ، والإقامَةُ عَلى أداءِ الفَرائِضِ، ونُصِبَ ”مِدْرارًا“، عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: ”يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم دارَّةً“، ومَعْنى ”مِدْرارٌ“: اَلْمُبالَغَةُ.
وَكانَ قَوْمُ هُودِ - أعْنِي عادًا - أهْلَ بَساتِينَ، وزُرُوعٍ، وعِمارَةٍ، وكانَتْ مَساكِنُهُمُ الرِّمالَ الَّتِي هي بَيْنَ الشّامِ، واليَمَنِ، فَدَعاهم هُودٌ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، واسْتِغْفارِهِ، وتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ، فَلَمْ يُطِيعُوهُ، وتَوَعَّدَهم بِالعَذابِ، فَأقامُوا عَلى كُفْرِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ، وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا.
﴿وَيَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا﴾، أيْ: يَزِدْكم قُوَّةً في النِّعْمَةِ الَّتِي لَكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”وَيَزِدْكم قُوَّةً في أبْدانِكُمْ“.
هود 11:54
﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾، أيْ: ما نَقُولُ إلّا مَسَّكَ بَعْضُ أصْنامِنا بِجُنُونٍ، بِسَبِّكَ إيّاها، فَقالَ لَهم هُوَ: (p-٥٨)﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٥]، وهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِ الرُّسُلِ، أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ وحْدَهُ، وأُمَّتُهُ مُتَعاوِنَةً عَلَيْهِ، فَيَقُولَ لَها: ”كِيدُونِي ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي“، فَلا يَسْتَطِيعُ واحِدٌ مِنهم ضَرَّهُ، وكَذَلِكَ قالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: ﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكم وشُرَكاءَكم ثُمَّ لا يَكُنْ أمْرُكم عَلَيْكم غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١]، وقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فَإنْ كانَ لَكم كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٩]، فَهَذِهِ مِن أعْظَمِ آياتِ الرُّسُلِ، وأدَلِّها عَلى رِسالاتِهِمْ.
هود 11:56
﴿ما مِن دابَّةٍ إلا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾، أيْ: هي في قَبْضَتِهِ، وتَنالُها بِما تَشاءُ قُدْرَتُهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أيْ: هو سُبْحانَهُ، وإنْ كانَتْ قُدْرَتُهُ تَنالُها بِما شاءَ، فَهو لا يَشاءُ إلّا العَدْلَ.
هود 11:57
﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، اَلْمَعْنى: ”فَإنْ تَتَوَلَّوْا“، ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ﴾، فَجَعَلَ ”فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ“، في مَوْضِعِ ”قَدْ ثَبَتَتِ الحُجَّةُ عَلَيْكُمْ“، ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾
هود 11:58
وَقَوْلُهُ: ﴿نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾، يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِما أرَيْناهم مِنَ الهُدى، والبَيانِ، الَّذِي هو رَحْمَةٌ، (p-٥٩)وَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ”بِرَحْمَةٍ مِّنّا“، أيْ: لا يَنْجُو أحَدٌ وإنِ اجْتَهَدَ، إلّا بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾، أيْ: مِمّا عُذِّبَ بِهِ قَوْمُ عادٍ الكُفّارُ في الدُّنْيا، ومِمّا يُعَذَّبُونَ بِهِ في الآخِرَةِ.
هود 11:60
﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾، ”ألا“: اِبْتِداءٌ، وتَنْبِيهٌ، و”بُعْدًا“، مَنصُوبٌ عَلى ”أبْعَدَهُمُ اللَّهُ بُعْدًا“، ومَعْنى ”بُعْدًا“: أيْ: بُعْدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
هود 11:61
﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَأرْسَلْنا إلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا“، و”ثَمُودَ“، لَمْ يَنْصَرِفْ، لِأنَّهُ اسْمُ قَبِيلَةٍ، ومَن جَعَلَهُ اسْمًا لِلْحَيِّ صَرَفَهُ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ مَصْرُوفًا: ”ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ“.
﴿قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٣]
هود 11:64
ثُمَّ بَيَّنَ ما هِيَ، فَقالَ: ﴿هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً﴾، يُقالُ: إنَّها خَرَجَتْ مِن حَجَرٍ، وفي هَذا أعْظَمُ الآياتِ، ويُقالُ: إنَّها كانَتْ تَرِدُ الماءَ، لا تَرِدَ الماءَ مَعَها دابَّةٌ، فَإذا كانَ يَوْمُ لا تَرِدُ ورَدَتِ الوارِدَةُ كُلُّها، وفي هَذا أعْظَمُ آيَةٍ، (p-٦٠)وَنَصْبُ ”آيَةً“، عَلى الحالِ، المَعْنى: إنْ قالَ: هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ آيَةً، أوْ آيَةٌ لَكُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”اِنْتَبِهُوا لَها في هَذِهِ الحالَةِ“، و”اَلْآيَةُ“: اَلْعَلامَةُ، ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ﴾
وَ”تَأْكُلُ في أرْضِ اللَّهِ“، فَمَن قَرَأ: ”تَأْكُلْ“، بِالجَزْمِ، فَهو جَوابُ الأمْرِ، وقَدْ بَيَّنّا مِثْلَهُ في سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، ومَن قَرَأ ”تَأْكُلُ“، فَمَعْناهُ: ”فَذَرُوها في حالِ أكْلِها“، ويَجُوزُ في الرَّفْعِ وجْهٌ آخَرُ، عَلى الِاسْتِئْنافِ، المَعْنى: ”فَإنَّها تَأْكُلُ في أرْضِ اللَّهِ“، ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾، ”فَيَأْخُذَكُمْ“، جَوابُ النَّهْيِ، والمَعْنى: ”عَذابٌ يَقْرُبُ مِمَّنْ مَسَّها بِالسُّوءِ“، أيْ: فَإنْ عَقَرْتُمُوها لَمْ تُمْهَلُوا.
هود 11:65
﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾، فَأُهْلِكُوا بَعْدَ الثَّلاثِ، وقَدْ بَيَّنا في ”اَلْأعْرافِ“، كَيْفَ أُهْلِكُوا.
هود 11:68
وَقَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، مَعْناهُ: كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيها، قالَ الأصْمَعِيُّ: ”اَلْمَغانِي“: اَلْمَنازِلُ الَّتِي نَزَلُوا بِها، يُقالُ: ”غَنِينا بِمَكانِ كَذا وكَذا“، إذا نَزَلُوا بِهِ.
هود 11:69
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، ”بِالبُشْرى“: بِالوَلَدِ، ﴿قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾، و”قالُوا سَلامٌ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، فَأمّا قَوْلُهُ: ”سَلامًا“، فَمَنصُوبٌ عَلى ”سَلَّمْنا سَلامًا“، وأمّا ”سَلامٌ“، فَمَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: ”أمْرِي سَلامٌ“ .
(p-٦١)أيْ: لَسْتُ مُرِيدًا غَيْرَ السَّلامَةِ، والصَّفْحِ، ﴿فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾، أيْ: ”ما أقامَ حَتّى جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ“، و”اَلْحَنِيذُ“: اَلْمَشْوِيُّ بِالحِجارَةِ، وقِيلَ: ”اَلْحَنِيذُ“: اَلْمَشْوِيُّ حَتّى يَقْطُرَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”اِحْنِذِ الفَرَسَ“، أيْ: اِجْعَلْ عَلَيْهِ الجُلَّ، حَتّى يَقْطُرَ عَرَقًا، وقِيلَ: ”اَلْحَنِيذُ“: اَلْمَشْوِيُّ فَقَطْ، وقِيلَ: ”اَلْحَنِيذُ“: اَلسَّمِيطُ، ويُقالُ: ”حَنَذَتْهُ الشَّمْسُ، والنّارُ“، إذا شَوَتْهُ.
هود 11:70
﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهُمْ﴾، لَمْ يَأْكُلُوا لِأنَّهم مَلائِكَةٌ، ويُقالُ: إنَّهم كانَتِ العَلامَةُ لَدَيْهِمْ في الضِّيفانِ إذا قَصَدُوا لِخَيْرٍ الأكْلَ، يُقالُ: ”نَكِرْتُ الشَّيْءَ، وأنْكَرْتُ“، ويَقِلُّ في اللُّغَةِ ”نَكِرَ“، ويَقِلُّ ”مَنكُورٌ“، والكَلامُ: ”أنْكَرَ“ و”مُنْكَرٌ“، ﴿وَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾، مَعْناهُ: أضْمَرَ مِنهم خَوْفًا، ﴿قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، ألا تَراهُ قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٢] ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]
هود 11:71
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها﴾، يُرْوى أنَّها ضَحِكَتْ لِأنَّها كانَتْ قالَتْ لِإبْراهِيمَ: ”اُضْمُمْ لُوطًا ابْنَ أخِيكَ (p-٦٢)إلَيْكَ، فَإنِّي أعْلَمُ أنَّهُ سَيَنْزِلُ بِهَؤُلاءِ القَوْمِ عَذابٌ“، فَضَحِكَتْ سُرُورًا لَمّا أتى الأمْرُ عَلى ما تَوَهَّمَتْ.
فَأمّا مَن قالَ: ”ضَحِكَتْ“: حاضَتْ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾، يُقْرَأُ: ”يَعْقُوبُ“، و”يَعْقُوبَ“، بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ.
وَفِي هَذِهِ البِشارَةِ بِشارَةٌ بِالوَلَدِ، ووَلَدِ الوَلَدِ، يُقالُ: ”هَذا ابْنِي مِنَ الوَراءِ“، أيْ: ”هَذا ابْنُ ابْنِي“، فَبَشَّرْناها بِأنَّها تَلِدُ إسْحاقَ، وأنَّها تَعِيشُ حَتى تَرى ولَدَهُ، ورَوَيْنا في التَّفْسِيرِ أنَّ عُمْرَها كانَ تِسْعًا وثَمانِينَ، وأنَّ عُمْرَ إبْراهِيمَ كانَ تِسْعًا وتِسْعِينَ، في وقْتِ البِشارَةِ.
فَأمّا مَن قَرَأ: ”وَمِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ“، فَـ ”يَعْقُوبَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَحْمُولٌ عَلى مَوْضِعِ ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾، مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، المَعْنى: ”وَهَبْنا لَها إسْحاقَ، ووَهَبْنا لَها يَعْقُوبَ“، ومَن قَرَأ: ”يَعْقُوبُ“، فَرَفْعُهُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما الِابْتِداءُ مُؤَخَّرًا، مَعْناهُ التَّقْدِيمُ.
والمَعْنى: ”وَيَعْقُوبُ مُحْدَثٌ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِالفِعْلِ الَّذِي يَعْمَلُ في ”مِن وراءِ“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَثَبَتَ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ“، ومَن زَعَمَ أنَّ يَعْقُوبَ في مَوْضِعِ جَرٍّ، فَخَطَأٌ زَعْمُهُ، ذَلِكَ لِأنَّ الجارَّ لا يُفْصَلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَجْرُورِ، ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ الواوِ العاطِفَةِ، لا يَجُوزُ ”مَرَرْتُ بِزَيْدٍ (p-٦٣)فِي الدّارِ، والبَيْتِ عَمْرٍو، ولا في البَيْتِ عَمْرٍو“، حَتّى تَقُولَ: ”وَعَمْرٍو في البَيْتِ“.
هود 11:72
﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾، اَلْمُصْحَفُ فِيهِ ”يا ويْلَتى“، بِالياءِ، والقِراءَةُ بِالألِفِ، إنْ شِئْتَ عَلى التَّضْخِيمِ، وإنْ شِئْتَ عَلى الإمالَةِ، والأصْلُ: ”يا ويْلَتِي“، فَأُبْدِلَ مِنَ الياءِ والكَسْرَةِ الألِفُ، لِأنَّ الفَتْحَ والألِفُ أخَفُّ مِنَ الياءِ، والكَسْرَةِ، ويَجُوزُ الوَقْفُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الهاءِ، والِاخْتِيارُ أنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ بِالهاءِ، ”يا ويْلَتاهُ“ .
فَأمّا المُصْحَفُ فَلا يُخالَفُ، ولا يُوقَفُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ الهاءِ، فَإنِ اضْطُرَّ واقِفٌ وقَفَ بِغَيْرِ الهاءِ، فَأمّا الهَمْزَتانِ بَعْدَ ”يا ويْلَتى“، فَفِيهِما ثَلاثَةُ أوْجُهٍ.
إنْ شِئْتَ حَقَّقْتَ الأُولى، وخَفَّفْتَ الثّانِيَةَ، فَقُلْتَ: ”يا ويْلَتى أالِدُ“، وإنْ شِئْتَ - وهو الِاخْتِيارُ - خَفَّفْتَ الأُولى، وخَفَّفْتَ الثّانِيَةَ فَقُلْتَ: ”يا ويْلَتى آلِدُ“، وإنْ شِئْتَ حَقَّقْتَهُما جَمِيعًا، فَقُلْتَ: ”أألِدُ“ .
وَتَحْقِيقُ الهَمْزَتَيْنِ مَذْهَبُ ابْنِ أبِي إسْحاقَ، ﴿وَهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾، اَلْقِراءَةُ النَّصْبُ، وكَذَلِكَ هي في المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والحالُ هَهُنا نَصْبُها مِن لَطِيفِ النَّحْوِ، وغامِضِهِ، ذَلِكَ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”هَذا زَيْدٌ قائِمًا“، فَإنْ كُنْتَ تَقْصِدُ أنْ تُخْبِرَ مَن لَمْ يَعْرِفُ زَيْدًا أنَّهُ زَيْدٌ، لَمْ يَجُزْ أنْ تَقُولَ: ”هَذا زَيْدٌ قائِمًا“، لِأنَّهُ يَكُونُ زَيْدًا ما دامَ (p-٦٤)قائِمًا.
فَإذا زالَ عَنِ القِيامِ فَلَيْسَ بِزَيْدٍ، وإنَّما تَقُولُ ذاكَ لِلَّذِي يَعْرِفُ زَيْدًا: ”هَذا زَيْدٌ قائِمًا“، فَيَعْمَلُ في الحالِ التَّنْبِيهُ، والمَعْنى: ”اِنْتَبِهْ لِزَيْدٍ في حالِ قِيامِهِ“، وأُشِيرَ لَكَ إلى زَيْدٍ حالَ قِيامِهِ، لِأنَّ ”هَذا“، إشارَةٌ إلى ما حَضَرَ، فالنَّصْبُ الوَجْهُ، كَما ذَكَرْنا.
وَيَجُوزُ الرَّفْعُ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ الرَّفْعَ مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، فَوَجْهٌ مِنها أنْ تَقُولَ: ”هَذا زَيْدٌ قائِمٌ“، فَتَرْفَعَ زَيْدًا بِهَذا، وتَرْفَعُ ”قائِمٌ“، خَبَرًا ثانِيًا، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”هُوَ قائِمٌ“، أوْ: ”هَذا قائِمٌ“، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ زَيْدًا وقائِمًا جَمِيعًا خَبَرَيْنِ عَنْ هَذا، فَتَرْفَعَهُما جَمِيعًا خَبَرًا بِهَذا، كَما تَقُولُ: ”هَذا حُلْوٌ حامِضٌ“، تُرِيدُ أنَّهُ جَمَعَ الطَّعْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ زَيْدًا بَدَلًا مِن ”هَذا“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”زَيْدٌ قائِمٌ“، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ زَيْدًا مَبَيِّنًا عَنْ هَذا، كَأنَّكَ أرَدْتَ: ”هَذا قائِمٌ“، ثُمَّ بَيَّنْتَ مَن هُوَ، بِقَوْلِكَ: ”زَيْدٌ“، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ.
هود 11:74
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾، ”اَلرَّوْعُ“: اَلْفَزَعُ، يَعْنِي: اِرْتِياعُهُ لَمّا نَكِرَهم حِينَ لَمْ يَأْكُلُوا مِنَ العِجْلِ، و”اَلرُّوْعُ“، بِضَمِّ الرّاءِ: اَلنَّفْسُ، يُقالُ: ”وَقَرَ ذَلِكَ في رُوعِي“، أيْ: ”فِي نَفْسِي، ومِن خَلَدِي“ .
﴿وَجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾، ”يُجادِلُنا“، حِكايَةُ حالٍ قَدْ مَضَتْ، لِأنَّ ”لَمّا“، جُعِلَتْ في الكَلامِ لِما قَدْ وقَعَ (p-٦٥)لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، تَقُولُ: ”لَمّا جاءَ زَيْدٌ جاءَ عَمْرٌو“، ويَجُوزُ ”لَمّا جاءَ زَيْدٌ يَتَكَلَّمُ وعَمْرٌو“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ ”إنْ“، لَمّا كانَتْ شَرْطًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، وقَعَ الماضِي فِيها في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، نَحْوَ: ”إنْ جاءَ زَيْدٌ جِئْتُ“ .
والوَجْهُ الثّانِي - وهو الَّذِي أخْتارُهُ - أنْ يَكُونَ حالًا لِحِكايَةٍ قَدْ مَضَتِ، المَعْنى: ”فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى أخَذَ يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ، وأقْبَلَ يُجادِلُنا“، ولَمْ يَذْكُرْ في الكَلامِ ”أخَذَ“، و”أقْبَلَ“، لِأنَّ في كُلِّ كَلامٍ يُخاطَبُ بِهِ المُخاطَبُ مَعْنى ”أخَذَ“، و”أقْبَلَ“، إذا أرَدْتَ حِكايَةَ الحالِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”قامَ زَيْدٌ“، دَلَّلْتَ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وإذا قُلْتَ: ”أخَذَ زَيْدٌ يَقُولُ“، دَلَّلْتَ عَلى حالٍ مُمْتَدَّةٍ مِن أجْلِها ذَكَرْتَ ”أخَذَ“، و”أقْبَلَ“، وكَذَلِكَ ”جَعَلَ زَيْدٌ يَقُولُ كَذا وكَذا“، و”كَرَبَ يَقُولُ كَذا وكَذا“ .
وَقَدْ ذَكَرْنا ”اَلْأوّاهُ“، في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وهو المُبْتَهِلُ إلى اللَّهِ، المُتَخَشِّعُ في ابْتِهالِهِ، الرَّحِيمُ، الَّذِي يُكْثِرُ مِنَ التَّأوُّهِ خَوْفًا وإشْفاقًا مِنَ الذُّنُوبِ، ويُرْوى أنَّ مُجادَلَتَهُ في قَوْمِ لُوطٍ أنَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ - وقَدْ أعْلَمُوهُ أنَّهم مُهْلِكُوهم -، فَقالَ: ”أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أتُهْلِكُونَهم مَعَهُمْ؟!“، إلى أنْ بَلَغَ خَمْسَةً، فَقالُوا: ”لا“، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]
(p-٦٦)وَيُرْوى أنَّهم كانُوا جَمْعًا كَثِيرًا، أكْثَرُ ما رُوِيَ فِيهِمْ أنَّهم كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ [هود: ٧٦]، اَلْمَعْنى: ”جادَلَنا فَقُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا“، ويُرْوى أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا جاءَتْهُ المَلائِكَةُ كانَ يَعْمَلُ في أرْضٍ لَهُ، وكُلَّما عَمِلَ دَبْرَةً مِنَ الدِّبارِ - وهي الَّتِي تُسَمّى المَشاراتُ - غَرَزَ بالَتَهُ، وصَلّى، فَقالَتِ المَلائِكَةُ: ”حَقِيقٌ عَلى اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا“.
هود 11:77
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، مَعْناهُ: ”ساءَهُ مَجِيئُهُمْ“، لِأنَّهُمُ اسْتَضافُوهُ، فَخافَ عَلَيْهِمْ قَوْمَهُ، فَلَمّا مَشى مَعَهم قَلِيلًا قالَ لَهُمْ: ”إنَّ أهْلَ هَذِهِ القَرْيَةِ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ“، وكانَ قَدْ عُهِدَ إلى الرُّسُلِ ألّا يُهْلِكُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ ثَلاثَ مَرّاتٍ.
ثُمَّ جازَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ قَلِيلًا، ورَدَّ عَلَيْهِمُ القَوْلَ، ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثالِثَةً، ومَضَوْا مَعَهُ، ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾، أصْلُهُ: ”سُوِئَ بِهِمْ“، مِن ”اَلسُّوءُ“، إلّا أنَّ الواوَ أُسْكِنَتْ، ونُقِلَتْ كَسْرَتُها إلى السِّينِ.
وَمَن خَفَّفَ الهَمْزَةَ قالَ: ”سِيَّ بِهِمْ“، ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، يُقالُ: ”ضاقَ زَيْدٌ بِأمْرِهِ ذَرْعًا“، إذا لَمْ يَجِدْ مِنَ المَكْرُوهِ في ذَلِكَ الأمْرِ مَخْلَصًا، ﴿وَقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، (p-٦٧)أيْ: شَدِيدٌ، فَلَمّا أضافَهُمْ، مَضَتِ امْرَأتُهُ - عَجُوزُ السُّوءِ -، فَقالَتْ لِقَوْمِهِ: إنَّهُ اسْتَضافَ لُوطًا قَوْمٌ، لَمْ أرَ أحْسَنَ وُجُوهًا مِنهُمْ، ولا أطْيَبَ رائِحَةً، ولا أنْظَفَ ثِيابًا.
هود 11:78
﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، أيْ: يُسْرِعُونَ في المَجِيءِ، فَراوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، وحاوَلُوا فَتْحَ بابِهِ، فَأعْلَمَتْهُ المَلائِكَةُ أنَّهم رُسُلُ اللَّهِ، وأنَّ قَوْمَهُ الفَسَقَةَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ، فَقالَ لَهم لُوطٌ - حِينَ راوَدُوهُ -: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِ في ضَيْفِي﴾، فَقِيلَ: إنَّهم عُرِضَ عَلَيْهِمُ التَّزْوِيجُ، وكَأنَّهُ عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ إنْ أسْلَمُوا، وقِيلَ: ”هَؤُلاءِ بَناتِي“: نِساءُ أُمَّتِي، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: اَلتَّزْوِيجُ أطْهَرُ لَكُمْ، فَلَمّا حاوَلُوا فَتْحَ البابِ طَمَسَ اللَّهُ أعْيُنَهُمْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: ٣٧]، ولَمّا اسْتَعْجَلُوهُ بِالعَذابِ، قالَتْ لَهُ الرُّسُلُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]
﴿هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ في ”أطْهَرُ“، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ الحَسَنِ: ”هُنَّ أطْهَرَ لَكُمْ“، وعَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ابْنَ مَرْوانَ لَحَنَ في هَذِهِ في نَصْبِها، ولَيْسَ يُجِيزُ أحَدٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ وأصْحابِهِمْ نَصْبَ ”أطْهَرُ“، ويُجِيزُها (p-٦٨)غَيْرُهُمْ، والَّذِينَ يُجِيزُونَها يَجْعَلُونَ ”هُنَّ“، في هَذا بِمَنزِلَتِها في ”كانَ“، فَإذا قالُوا: ”هَؤُلاءِ بَناتِي أطْهَرَ لَكُمْ“، أجازُوا ”هُنُّ أطْهَرَ لَكُمْ“، كَما يُجِيزُونَ ”كانَ زَيْدٌ هو أطْهَرَ مِن عَمْرٍو“، وهَذا لَيْسَ بِمَنزِلَةِ ”كانَ“ .
إنَّما يَجُوزُ أنْ يَقَعَ ”هُوَ“، وتَثْنِيَتُها وجَمْعُها ”عِمادًا“، فِيما لا يَتِمُّ الكَلامُ إلّا بِهِ، نَحْوَ: ”كانَ زَيْدٌ أخاكَ“، لِأنَّهم إنَّما أدْخَلُوا ”هُمْ“، لِيُعْلِمُوا أنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ مِنهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْأوَّلِ، وبابَ ”هَذا“، يَتِمُّ الكَلامُ بِخَبَرِهِ، إذا قُلْتَ: ”هَذا زَيْدٌ“، فَهو كَلامٌ تامٌّ، ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ ”جاءَ زَيْدٌ هو أنْبَلُ مِن عَمْرٍو“ .
وَإجْماعُ النَّحْوِيِّينَ الكُوفِيِّينَ، والبَصْرِيِّينَ، أنَّهُ لا يَجُوزُ ”قَدِمَ زَيْدٌ هو أنْبَلَ مِنكَ“، حَتّى يَرْفَعُوا، فَيَقُولُوا: ”هُوَ أنْبَلُ مِنكَ“، وبَعْدُ، فالَّذِينَ قَرَؤُوا بِالرَّفْعِ هم قُرّاءُ الأمْصارِ، وهُمُ الأكْثَرُ، والحَسَنُ قَدْ قَرَأ ”اَلشَّياطُونَ“، و”اَلشَّياطُونَ“، مُمْتَنِعٌ في العَرَبِيَّةِ.
وَقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّ المُشْرِكِينَ في ذَلِكَ الدَّهْرِ قَدْ كانَ لَهم أنْ يَتَزَوَّجُوا مِنَ المُسْلِمِينَ.
هود 11:81
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، أيْ: بِظُلْمَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، يُقالُ: مَعْنى ”قِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ“: أيْ: قِطْعَةٍ صالِحَةٍ، (p-٦٩)وَكَذَلِكَ ”مَضى عِنْكٌ مِنَ اللَّيْلِ“، و”سِعْوٌ مِنَ اللَّيْلِ“، ويُقْرَأُ: ”فَأسْرِ“، بِإثْباتِ الهَمْزَةِ في اللَّفْظِ، ويُقْرَأُ: ”فاسْرِ“، يُقالُ: ”أسْرَيْتَ، وسَرَيْتُ“، إذا سِرْتُ لَيْلًا، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَرَيْتُ بِهِمْ حَتّى تَكِلَّ مَطِيُّهم وحَتّى الجِيادُ ما يُقَدْنَ بِأرْسانِ
وَقالَ النّابِغَةُ:
؎أسْرَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ الجَوْزاءِ سارِيَةٌ ∗∗∗ تُزْجِي الشَّمالَ عَلَيْها جامِدُ البَرَدِ
وَقَدْ رَوَوْا في هَذا البَيْتِ: ”سَرَتْ“، وقالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا امْرَأتَكَ﴾، يَجُوزُ فِيهِ النَّصْبُ، والرَّفْعُ، فَمَن قَرَأ: ”إلّا امْرَأتَكَ“، بِالنَّصْبِ، فَعَلى مَعْنى: (p-٧٠)”فَأسْرِ بِأهْلِكَ إلّا امْرَأتَكَ“، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، حَمَلَهُ عَلى مَعْنى: ”وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتُكَ“.
هود 11:82
وَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾، يُقالُ: إنَّ جِبْرِيلَ جَعَلَ جَناحَهُ في أسْفَلِها، ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ، وصِياحَ الدَّجاجِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٣]
وَقَدْ قالَ النّاسُ في ”سِجِّيلٍ“، أقْوالًا، فَفي التَّفْسِيرِ أنَّها مِن جِلٍّ، وحِجارَةٍ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هو فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، والعَرَبُ لا تَعْرِفُ هَذا، والَّذِي عِنْدِي أنَّهُ إذا كانَ هَذا التَّفْسِيرُ صَحِيحًا فَهو فارِسِيٌّ، أُعْرِبَ لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ ذَكَرَ هَذِهِ الحِجارَةَ في قِصَّةِ قَوْمِ لُوطٍ، فَقالَ: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]، فَقَدْ تَبَيَّنَ لِلْعَرَبِ ما عُنِيَ بِـ ”سِجِّيلٍ“ .
وَمِن كَلامِ الفُرْسِ ما لا يُحْصى، مِمّا قَدْ أعْرَبَتْهُ العَرَبُ، نَحْوَ: ”جامُوسٌ“، و”دِيباجٌ“، فَلا أُنْكِرُ أنَّ هَذا مِمّا أُعْرِبَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مُعَمَّرُ بْنُ المُثَنّى: تَأْوِيلُهُ كَسِيرَةٌ شَدِيدَةٌ، وقالَ: إنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٧١)
؎وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُضٍ ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا
والبَيْتَ لِابْنِ مُقْبِلٍ، و”سِجِّينٌ“، و”سِجِّيلٌ“، بِمَعْنًى واحِدٍ.
وَقالَ بَعْضُهُمْ: ”سِجِّيلٌ“، مِن ”أسْجَلْتُهُ“، أيْ: أرْسَلْتُهُ، فَكَأنَّها مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مِن سِجِّيلٍ“: مِن ”أسْجَلْتُ“، إذا أعْطَيْتُ، فَجَعَلَهُ مِن ”اَلسَّجْلُ“، وهو الدَّلْوُ، قالَ الفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ:
؎مَن يُساجِلْنِي يُساجِلْ ماجِدًا ∗∗∗ يَمْلَأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَبْ
وَقِيلَ: ”مِن سِجِّيلٍ“: كَقَوْلِكَ: ”مِمّا سُجِّلَ“، أيْ: ”مِمّا كُتِبَ لَهُمْ“، وهَذا القَوْلُ إذا فُسِّرَ، فَهو أثْبَتُها، لِأنَّ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى دَلِيلًا عَلَيْهِ.
قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿كَلا إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] ﴿وَما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ [المطففين: ٨] ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٩]، (p-٧٢)”سِجِّيلٌ“، في مَعْنى ”سِجِّينٌ“، فالمَعْنى أنَّها حِجارَةٌ مِمّا كَتَبَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ يُعَذِّبُهم بِها، وهَذا أحْسَنُ ما مَرَّ فِيها عِنْدِي.
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود: ٨٣]، فَمَعْناهُ أنَّ بَعْضَها يَأْتِي مَعَ بَعْضٍ كالمَطَرِ، وأمّا ”مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ“، فَرُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّها مُعَلَّمَةٌ بِبَياضٍ، وحُمْرَةٍ، وقالَ غَيْرُهُ: ”مُسَوَّمَةً“، بِعَلامَةٍ يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ أهْلِ الدُّنْيا، وتُعْلَمُ بِسِيماها أنَّها مِمّا عَذَّبَ اللَّهُ بِها، ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، قِيلَ: إنَّها ما هي مِن ظالِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ بِبَعِيدٍ.
هود 11:84
﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾، اَلْمَعْنى: أرْسَلْنا إلى أهْلِ مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا، فَحَذَفَ ”أهْلِ“، وأقامَ ”مَدْيَنَ“، مَقامَهُ، و”مَدْيَنُ“: اِسْمُ المَدِينَةِ، أوِ القَبِيلَةِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْصَرِفْ.
هود 11:86
وَقَوْلُهُ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ومَعْناهُ: طاعَةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”اَلْحالُ الَّتِي تَبْقى لَكم مِنَ الخَيْرِ خَيْرٌ لَكُمْ“.
هود 11:87
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ﴾، ويُقْرَأُ: ”أصَلَواتُكَ“، ﴿تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾، هَذا دَلِيلٌ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾، (p-٧٣)اَلْمَعْنى: ”إنّا قَدْ تَراضَيْنا بِالبَخْسِ فِيما بَيْنَنا“، وفي التَّفْسِيرِ أنَّهُ نَهاهم أنْ يَحْذِفُوا الدَّراهِمَ، أيْ: أنْ يَكْسِرُوها، ﴿إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، قِيلَ: كُنِّيَ بِذا عَنْ أنَّهم قالُوا لَهُ: ”إنَّكَ السَّفِيهُ الجاهِلُ“، وقِيلَ: "إنَّهم قالُوا لَهُ هَذا عَلى وجْهِ السِّخْرِيِّ.
هود 11:88
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، وجَوابُ الشَّرْطِ هَهُنا مَتْرُوكٌ، المَعْنى: ”إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي أتَّبِعُ الضَّلالَ“، فَتَرَكَ الجَوابَ لِعِلْمِ المُخاطَبِينَ بِالمَعْنى، وقَدْ مَرَّ ما تُرِكَ جَوابُهُ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ، وشَرْحُهُ في أمْكِنَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، أيْ: حَلالًا، وقِيلَ: ”رِزْقًا حَسَنًا“: ما وُفِّقَ لَهُ مِنَ الطّاعَةِ، ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾، أيْ: لَسْتُ أنْهاكم عَنْ شَيْءٍ وأدْخُلُ فِيهِ، وإنَّما أخْتارُ لَكم ما أخْتارُ لِنَفْسِي، ومَعْنى ”ما أُخالِفُكَ إلَيْهِ“، أيْ: ”ما أقْصِدُ بِخِلافِكَ القَصْدَ إلى أنْ أرْتَكِبَهُ“، ﴿إنْ أُرِيدُ إلا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ﴾، أيْ: بِقَدْرِ طاقَتِي، وقَدْرُ طاقَتِي إبْلاغُكُمْ، وإنْذارُكُمْ، ولَسْتُ قادِرًا عَلى إجْبارِكم عَلى الطّاعَةِ، ثُمَّ قالَ: (p-٧٤)﴿وَما تَوْفِيقِي إلا بِاللَّهِ﴾، فَأعْلَمَ أنَّهُ لا يَقْدِرُ هو ولا غَيْرُهُ عَلى الطّاعَةِ، إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ومَعْنى ”إلَيْهِ أُنِيبُ“، إلَيْهِ أرْجِعُ.
هود 11:89
﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكُمْ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: "لا تَكْسِبَنَّكم عَداوَتُكم إيّايَ أنْ يُصِيبَكم عَذابُ العاجِلَةِ، ﴿مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾، وكانَ إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ أقْرَبَ الإهْلاكاتِ الَّتِي عَرَفُوها، فَكَأنَّهُ قالَ لَهُمْ: اَلْعِظَةُ في قَوْمِ لُوطٍ قَرِيبَةٌ مِنكم.
هود 11:91
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا﴾، وكانَ ضَرِيرًا، وحِمْيَرُ تُسَمِّي المَكْفُوفَ ضَعِيفًا، وهَذا كَما قِيلَ: ضَرِيرٌ، أيْ: قَدْ ضُرَّ بِذَهابِ بَصَرِهِ، وكَذَلِكَ قَدْ كُفَّ عَنِ التَّصَرُّفِ بِذَهابِ بَصَرِهِ، ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾، أيْ: لَوْلا عَشِيرَتُكَ لَرَجَمْناكَ، أيْ: لَقَتَلْناكَ بِالرَّجْمِ، والرَّجْمُ مِن سَيِّئِ القِتْلاتِ، وكانَ رَهْطُهُ مِن أهْلِ مِلَّتِهِمْ، فَلِذَلِكَ أظْهَرُوا المَيْلَ إلَيْهِمْ، والإكْرامَ لَهم.
هود 11:92
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾، أيْ: أنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّكم تَتْرُكُونَ قَتْلِي إكْرامًا لِرَهْطِي، واللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أوْلى بِأنْ يُتَّبَعَ أمْرُهُ، ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا﴾، (p-٧٥)أيْ: نَبَذْتُمُوهُ وراءَ ظُهُورِكُمْ، والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن لا يَعْبَأُ بِأمْرٍ: ”قَدْ جَعَلَ فُلانٌ الأمْرَ بِظَهْرِهِ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَمِيمَ بْنَ قَيْسٍ لا تَكُونَنَّ حاجَتِي بِظَهْرٍ فَلا يَعْيا عَلَيَّ جَوابُها
هود 11:94
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾، يُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ صاحَ بِهِمْ صَيْحَةً، فَماتُوا في أمْكِنَتِهِمْ، فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ، لا يَقْدِرُونَ عَلى حَرَكَةٍ، قَدْ ماتُوا.
هود 11:95
﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾، كَأنْ لَمْ يَنْزِلُوا فِيها، يُقالُ: ”غَنِينا بِالمَكانِ“، إذا نَزَلْنا بِهِ، ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾، (p-٧٦)”ألا“، حَرْفٌ يُبْتَدَأُ الكَلامُ بِهِ، وهو تَنْبِيهٌ لِلْمُخاطَبِ، ومَعْنى ”بُعْدًا لِمَدْيَنَ“: أنَّهم قَدْ بُعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: أبْعَدَهُمُ اللَّهُ فَبَعُدُوا بُعْدًا، ودَلِيلُ ذَلِكَ: ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، ويَجُوزُ: ”بَعَدَتْ“، و”بَعُدَتْ“.
هود 11:96
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾، أيْ: بِعَلاماتِنا، الَّتِي تَدُلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: وحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ، والسُّلْطانُ إنَّما سُمِّيَ سُلْطانًا لِأنَّهُ حُجَّةٌ اللَّهِ في أرْضِهِ، واشْتِقاقُ ”اَلسُّلْطانُ“، مِن ”اَلسَّلِيطُ“، و”اَلسَّلِيطُ“: ما يُضاءُ بِهِ، ومِن هَذا قِيلَ لِلزَّيْتِ: ”سَلِيطٌ“.
هود 11:97
﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، ”مَلْؤُهُ“: أشْرافُ قَوْمِهِ، الَّذِينَ هم مِلاءٌ بِالرَّأْيِ، والمَقْدِرَةِ، ﴿فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾، أيْ: اِسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى.
هود 11:98
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، يُقالُ: ”قَدَمْتُ القَوْمَ، أقْدُمُهُمْ، قَدْمًا، وقُدُومًا“، إذا تَقَدَّمْتُهُمْ، أيْ: ”يَقْدُمُهم إلى النّارِ“، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾
(p-٧٧)وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩]، كُلُّ شَيْءٍ جَعَلْتَهُ عَوْنًا لِشَيْءٍ، وأسْنَدْتَ بِهِ شَيْئًا، فَقَدْ رَفَدْتَهُ، يُقالُ: ”عَمَدْتُ الحائِطَ“، و”أسْنَدْتُهُ“، و”رَفَدْتُهُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، و”اَلْمَرْفَدُ“: اَلْقَدَحُ العَظِيمُ.
هود 11:100
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾، أيْ: مِنَ القُرى الَّتِي أُهْلِكَتْ قائِمٌ، قَدْ بَقِيَتْ حِيطانُهُ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]، و”حَصِيدٌ“: مَخْسُوفٌ بِهِ، وهي ما قَدِ انْمَحى أثَرُهُ.
هود 11:101
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾، مَعْناهُ: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، أيْ: خَسِرَتْ.
هود 11:103
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُحْيِي الخَلْقَ، ويَبْعَثُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، ويَشْهَدُوا بِهِ.
هود 11:105
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾، اَلَّذِي يَخْتارُهُ النَّحْوِيُّونَ: ”يَوْمَ يَأْتِي لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ“، بِإثْباتِ الياءِ، والَّذِي في المُصْحَفِ، وعَلَيْهِ قُرّاءُ القِراءاتِ، بِكَسْرِ التّاءِ، مِن غَيْرِ ياءٍ، وهُذَيْلٌ تَسْتَعْمِلُ حَذْفَ هَذِهِ الياءاتِ كَثِيرًا.
وَقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ”لا أدْرِ“، فَتَحْذِفُ الياءَ، وتَجْتَزِي بِالكَسْرِ، إلّا أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، والأجْوَدُ في النَّحْوِ إثْباتُ الياءِ، والَّذِي أراهُ اتِّباعُ المُصْحَفِ مَعَ إجْماعِ القُرّاءِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
وَقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها سُؤالٌ أكْثَرُ ما يَسْألُ عَنْهُ أهْلُ الإلْحادِ في الدِّينِ، فَيَقُولُونَ: لِمَ قالَ: ”يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ“، و﴿هَذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥] ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]
(p-٧٨)وَقالَ في مَواضِعَ مِن ذِكْرِ القِيامَةِ: ﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم: ٣٠]، وقالَ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ [النحل: ١١١]، وقالَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، ونَحْنُ نُفَسِّرُ هَذا عَلى ما قالَتِ العُلَماءُ المُتَقَدِّمُونَ في اللُّغَةِ، المُسْلِمُونَ الصَّحِيحُو الإسْلامِ، قالُوا: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، اَللَّهُ عالِمٌ بِأعْمالِهِمْ، فَسَألَهم سُؤالَ تَوْبِيخٍ، وتَقْرِيرٍ، لِإيجابِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، أيْ: لا يُسْألُ لِيُعْلَمَ ذَلِكَ مِنهُ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أعْمالَهم قَبْلَ أنْ يَعْمَلُوها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَنْطِقُونَ﴾ [المرسلات: ٣٥]، أيْ: لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ تَجِبُ لَهُمْ، وإنَّما يَتَكَلَّمُونَ بِالإقْرارِ بِذُنُوبِهِمْ، ولَوْمِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وطَرْحِ بَعْضِهِمُ الذُّنُوبَ عَلى بَعْضٍ.
فَأمّا التَّكَلُّمُ والنُّطْقُ بِحُجَّةٍ لَهُمْ، فَلا، وهَذا كَما تَقُولُ لِلَّذِي يُخاطِبُكَ كَثِيرًا، وخِطابُهُ فارِغٌ مِنَ الحُجَّةِ: ”ما تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ“، و”ما نَطَقْتَ بِشَيْءٍ“، فَسُمِّيَ مَن تَكَلَّمَ بِما لاحُجَّةَ لَهُ فِيهِ، ”غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٨]، وهم يُبْصِرُونَ ويَسْمَعُونَ، إلّا أنَّهم في أنَّهم لا يَقْبَلُونَ، ولا يُفَكِّرُونَ فِيما يَسْمَعُونَ، ولا يَتَأتَّلُونَ، بِمَنزِلَةِ الصُّمِّ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٧٩)
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
فَهَذا قَوْلٌ حَسَنٌ، وقالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ اليَوْمُ طَوِيلٌ، ولَهُ مَواضِعُ ومَواطِنُ ومَواقِفُ، في بَعْضِها يُمْنَعُونَ مِنَ الكَلامِ، وفي بَعْضِها يُطْلَقُ لَهُمُ الكَلامُ، فَهَذا يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلا بِإذْنِهِ﴾، وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ جَمِيلٌ.
هود 11:106
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ﴾، مِن شَدِيدِ الأنِينِ، وقُبْحِهِ، ﴿وَشَهِيقٌ﴾، و”اَلشَّهِيقُ“: اَلْأنِينُ الشَّدِيدُ المُرْتَفِعُ جِدًّا، وزَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ، أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ في النَّهِيقِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ صَوْتِهِ في النَّهِيقِ.
هود 11:107
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ، قَوْلانِ مِنها لِأهْلِ اللُّغَةِ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ، جَمِيعًا، قالُوا: اَلْمَعْنى: ”لَوْ كانَ مَعَنا رَجُلٌ إلّا زَيْدًا“، أيْ: ”سِوى زَيْدٍ“، و”لَكَ عِنْدِي ألْفُ دِرْهَمٍ سِوى الألْفَيْنِ“، و”إلّا الألْفَيْنِ اللَّذَيْنِ عِنْدِي“، فالمَعْنى عَلى هَذا: ”خالِدِينَ فِيها مِقْدارَ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ سِوى ما شاءَ رَبُّكَ مِنَ الخُلُودِ والزِّيادَةِ“، كَما قُلْتَ: ”سِوى الألْفَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَيَّ“.
وَقالُوا قَوْلًا آخَرَ: ”إلّا ما شاءَ رَبُّكَ، وهو لا يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَهم مِنها“، كَما تَقُولُ: ”أنا أفْعَلُ كَذا وكَذا إلّا أنْ أشاءَ غَيْرَ ذَلِكَ“، ثُمَّ تُقِيمُ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ وأنْتَ قادِرٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، فَتَكُونُ الفائِدَةُ في هَذا الكَلامِ أنْ لَوْ شاءَ يُخْرِجُهم لَقَدَرَ، ولَكِنَّهُ قَدْ أعْلَمَنا أنَّهم خالِدُونَ أبَدًا، (p-٨٠)فَهَذانَ المَذْهَبانِ مِن مَذاهِبِ أهْلِ اللُّغَةِ.
وَقَوْلانِ آخَرانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: إذا حُشِرُوا وبُعِثُوا، فَهم في شُرُوطِ القِيامَةِ، فالِاسْتِثْناءُ وقَعَ مِنَ الخُلُودِ بِمِقْدارِ مَوْقِفِهِمْ لِلْحِسابِ، والمَعْنى: ”خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا مِقْدارَ مَوْقِفِهِمْ لِلْمُحاسَبَةِ“، وفِيها قَوْلٌ رابِعٌ: أنَّ الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَلى أنَّ لَهم فِيها زَفِيرًا وشَهِيقًا إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن أنْواعِ العَذابِ الَّتِي لَمْ تُذْكَرْ.
وَكَذَلِكَ لِأهْلِ الجَنَّةِ نَعِيمٌ ما ذُكِرَ، ولَهم ما لَمْ يُذْكَرْ مِمّا شاءَ رَبُّكَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، أيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، قالَ النّابِغَةُ:
؎تَجُذُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
يَصِفُ السُّيُوفَ، وأنَّها تَقْطَعُ الدُّرُوعَ.
هود 11:109
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾، أيْ: نُوَفِّيهِمْ ما يُصِيبُهم مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
هود 11:111
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، قُرِئَتْ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وتَخْفِيفِها، وقُرِئَتْ: ”لَما“، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، و”لَمّا“، (p-٨١)بِتَشْدِيدِها، فَأمّا تَشْدِيدُ ”إنَّ“، والنَّصْبُ، فَعَلى بابِ ”إنَّ“، وأمّا تَخْفِيفُها، وتَرْكُ النَّصْبِ عَلى حالِهِ فَلِأنَّ ”إنَّ“، مُشَبَّهَةٌ بِالفِعْلِ، فَإذا حُذِفَ مِنها التَّشْدِيدُ بَقِيَ العَمَلُ عَلى حالِهِ، وأمّا تَخْفِيفُ ”لَمّا“، فَهو الوَجْهُ والقِياسُ، ولامُ ”لَمّا“، لامُ ”إنَّ“، و”ما“، زائِدَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ، لَمْ تُغَيِّرِ المَعْنى، ولا العَمَلَ، وأمّا التَّشْدِيدُ في ”لَمّا“، فَزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْناهُ ”لَمَن ما“، ثُمَّ انْقَلَبَتِ النُّونُ مِيمًا، فاجْتَمَعَ ثَلاثُ مِيماتٌ، فَحُذِفَتْ إحْداها، وهي الوُسْطى، فَبَقِيَتْ ”لَمّا“.
وَهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأنَّ ”مَن“، لا يَجُوزُ حَذْفُها، لِأنَّها اسْمٌ عَلى حَرْفَيْنِ، ولَكِنَّ التَّشْدِيدَ فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما يُرْوى عَنِ المازِنِيِّ، زَعَمَ المازِنِيُّ أنَّ أصْلَها ”لَما“، ثُمَّ شُدِّدَتِ المِيمُ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ أيْضًا، لِأنَّ الحُرُوفَ نَحْوَ: ”رُبَّ“، وما أشْبَهَها تُخَفَّفُ، ولَسْنا نُثَقِّلُ ما كانَ عَلى حَرْفَيْنِ، فَهَذا مُنْتَقَضٌ.
وَقالَ بَعْضُهم قَوْلًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّ ”لَمّا“، في مَعْنى ”إلّا“، كَما تَقُولُ: ”سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ كَذا وكَذا“، و”إلّا فَعَلْتَ كَذا“، ومِثْلُهُ: ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، مَعْناهُ: ”إلّا“، وتَأْوِيلُ اللّامِ مَعَ ”إنْ“، اَلْخَفِيفَةِ، إنَّما هو تَأْوِيلُ الجَحْدِ والتَّحْقِيقِ، إلّا أنَّ ”إنْ“، إذا قُلْتَ: ”إنْ زَيْدًا لَعالِمٌ“، هي ”ما“، ولَكِنَّ اللّامَ دَخَلَتْ عَلَيْها لِئَلّا يُشْبِهَ المَنفِيُّ المُثْبَتَ، فَتَكُونَ المُشَدَّدَةُ بِدُخُولِ اللّامِ عَلَيْها بِمَعْنى المُخَفَّفَةِ إذا دَخَلَتْ عَلَيْها اللّامُ.
فَعَلى هَذا جاءَتْ ”إنْ“، اَلنّاصِبَةُ، فَجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”إنْ“، اَلنّاصِبَةُ مِن حَيْثُ دَخَلَتْ عَلَيْها اللّامُ كَما دَخَلَتْ عَلى ”إنْ“، غَيْرِ النّاصِبَةِ، دَخَلَتْ عَلَيْها ”لَمّا“، ودَخَلَتْ عَلَيْها ”إلّا“، فَصارَ الكَلامُ في تَخْلِيصِ التَّحْقِيقِ لَهُ بِمَنزِلَةِ ما نُفِيَ عَنْهُ غَيْرُ المَذْكُورِ بَعْدَ ”لَمّا“، ووَجَبَ لَهُ ما بَعْدَ ”لَمّا“، (p-٨٢)فَتَقُولُ عَلى هَذا الحَدِّ: ”إنَّ كُلَّهم لَمّا يُحِبَّنِي“، مَعْناهُ يَؤُولُ إلى مَعْنى ”ما كُلُّهم إلّا يُحِبُّنِي“.
وَكَذَلِكَ يَجُوزُ ”إنْ كُلًّا لَمّا يُحِبُّنِي“، بِحِذاءِ ”إنْ كُلًّا لَمّا يُحِبُّنِي“، فَدَخَلَتْ ”لَمّا“، مُحَقِّقَةً، كَما دَخَلَتِ اللّامُ مُحَقِّقَةً، وصارَ تَأْوِيلُ الجُمْلَةِ تَأْوِيلَ المَنفِيِّ، والمُحَقَّقِ، وحَكى سِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ، أنَّ ”لَمّا“، تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى ”إلّا“، ويَجُوزُ ”إنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ“، مَعْناهُ: ”وَإنَّ كُلًّا لَيُوَفِّيَنَّهم جَمْعًا“، لِأنَّ مَعْنى اللَّمِّ الجَمْعُ، يُقالُ: ”لَمَمْتُ الشَّيْءَ، ألُمُّهُ، لَمًّا“، إذا جَمَعْتُهُ، فَأمّا قَوْلُهُمْ: ”لَمَّ اللَّهُ شَعَثَكَ“، فَتَأْوِيلُهُ: ”جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ما يُذْهِبُ شَعَثَكَ“.
هود 11:114
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، فَطَرَفا النَّهارِ: غُدُوُّهُ وعَشِيُّهُ، وصَلاةُ طَرَفَيِ النَّهارِ: اَلْغَداةُ، والظُّهْرُ، والعَصْرُ، ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، ويَجُوزُ: ”وَزُلُفًا مِنَ اللَّيْلِ“، بِضَمِّ الزّايِ، واللّامِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، كَما تَقُولُ: ”حَيِّنا طَرَفَيِ النَّهارِ، وأوَّلَ اللَّيْلِ“، ومَعْنى ”زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ“: اَلصَّلاةُ القَرِيبَةُ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، و”زُلَفًا“، جَمْعُ ”زُلْفَةً“، يُعْنى بِالزُّلَفِ مِنَ اللَّيْلِ المَغْرِبُ، وعِشاءُ الآخِرَةِ.
﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: إنَّ هَذِهِ الصَّلَواتِ تُكَفِّرُ ما بَيْنَها مِنَ الذُّنُوبِ، وهَذا يُصَدِّقُ ما في الخَبَرِ مِن تَكْفِيرِ الصَّلَواتِ الذُّنُوبَ، و”اَلزُّلُفُ“: واحِدٌ، مِثْلَ ”اَلْحُلُمُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمْعًا، عَلى ”زَلِيفٍ مِنَ اللَّيْلِ“، فَيَكُونَ مِثْلَ ”اَلْقَرِيبُ“، و”اَلْقُرْبُ“، ولَكِنَّ ”اَلزُّلَفُ“، أجْوَدُ في الجَمْعِ، وما عَلِمْتُ أنَّ ”زَلِيفًا“، يُسْتَعْمَلُ في اللَّيْلِ.
هود 11:116
(p-٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾، مَعْناهُ: ”أُولُو تَمْيِيزٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”أُولُو طاعَةٍ“، ومَعْنى ”اَلْبَقِيَّةُ“، إذا قُلْتَ: ”فُلانٌ في بَقِيَّةٍ“، مَعْناهُ: ”فِيهِ فَضْلٌ فِيما يُمْدَحُ بِهِ“، ﴿إلا قَلِيلا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾، اِسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، المَعْنى: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم مِمَّنْ نَهى عَنِ الفَسادِ، ﴿واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾، مَعْناهُ: اِتَّبَعُوا الشَّيْءَ الَّذِي بِهِ تَدُومُ لَهُمُ التُّرْفَةُ والنَّعِيمُ، ورَكَنُوا إلى الدُّنْيا، فَلَمْ يَقْبَلُوا ما يَنْقُصُ تُرْفَتَهم في كَسْبٍ، أوْ عَمَلٍ.
هود 11:117
﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ أحَدًا وهو يَظْلِمُهُ“، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس: ٤٤]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى - ومَعْناهُ“أهْلَ القُرى" - بِظُلْمٍ، وأهْلُها يَتَعاطَوْنَ فِيما بَيْنَهم بِالنَّصَفَةِ.
هود 11:118
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾، أيْ: لَوْ شاءَ لَجَمَعَهم عَلى هِدايَتِهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥] ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩]، ”مَن“، اِسْتِثْناءٌ، عَلى مَعْنى: ”لَكِنَّ مَن رَحِمَ رَبُّكَ“، فَإنَّهُ غَيْرُ مُخالِفٍ.
هود 11:119
(p-٨٤)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، أيْ: خَلَقَهم لِلسَّعادَةِ، والشَّقاءِ، فاخْتِلافُهم في الدِّينِ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى سَعادَةٍ، أوْ شَقاءٍ، وقِيلَ: ”وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ“، أيْ: لِرَحْمَتِهِ خَلَقَهُمْ، لِقَوْلِهِ: ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، والقَوْلُ الأوَّلُ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، ”لَأمْلَأنَّ“، لَفْظُ القَسَمِ، أيْ: ”فَتَمَّ قَوْلُهُ: لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ“.
هود 11:120
﴿وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾، ”كُلًّا“، مَنصُوبٌ بِـ ”نَقُصُّ“، اَلْمَعْنى: ”وَكُلَّ الَّذِي يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ نَقُصُّ عَلَيْكَ“، و”ما“، مَنصُوبَةٌ، بَدَلٌ مِن ”كُلًّا“، اَلْمَعْنى: ”نَقُصُّ عَلَيْكَ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ“، ومَعْنى تَثْبِيتِ الفُؤادِ: تَسْكِينُ القَلْبِ، وهو هَهُنا لَيْسَ لِلشَّكِّ، ولَكِنْ كُلَّما كانَ الدَّلالَةُ والبُرْهانُ أكْثَرَ، كانَ القَلْبُ أثْبَتَ، كَما قالَ إبْراهِيمُ: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]
﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَجاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ“، لِأنَّ فِيها أقاصِيصَ الأنْبِياءِ، ومَواعِظَ، وذِكْرَ ما في الجَنَّةِ، والنّارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وَجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ﴾، أيْ: في ذِكْرِي هَذِهِ الآياتِ الَّتِي ذَكَرْتُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ، أيْ: جاءَكَ الحَقُّ في أنَّ الخَلْقَ يُجازَوْنَ بِأنْصِبائِهِمْ، في قَوْلِهِ: ﴿وَإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهُمْ﴾ [هود: ١٠٩]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ كُلا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١]
(p-٨٥)وَقَدْ جاءَهُ في القُرْآنِ كُلِّهِ الحَقُّ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَها هُنا تَوْكِيدًا، ولَيْسَ إذا قِيلَ: ”قَدْ جاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ“، وجَبَ أنْ يَكُونَ لَمْ يَأْتِكَ الحَقُّ إلّا في هَذِهِ، ولَكِنَّ بَعْضَ الحَقِّ أوْكَدُ مِن بَعْضٍ في ظُهُورِهِ عِنْدَنا، وخَفائِهِ عَلَيْنا، لا في عَيْنِهِ، إذا قُلْتَ: ”فُلانٌ في الحَقِّ“، وأنْتَ تُرِيدُ أنَّهُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَلَيْسَ هو في غَيْرِ تِلْكَ الحالِ في باطِلٍ، ولَكِنَّ ذِكْرَ الحَقِّ هَهُنا أغْنى عَنْ ذِكْرِ المَوْتِ، لِعِظَمِهِ، وأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَهُ عَلى الحَقِّ.