معاني القرآن وإعرابه — يوسف 12:1 – الإسراء 17:111
المحتويات
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:28
- يوسف 12:29
- يوسف 12:30
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:33
- يوسف 12:35
- يوسف 12:36
- يوسف 12:37
- يوسف 12:39
- يوسف 12:41
- يوسف 12:42
- يوسف 12:43
- يوسف 12:44
- يوسف 12:45
- يوسف 12:46
- يوسف 12:47
- يوسف 12:50
- يوسف 12:51
- يوسف 12:52
- يوسف 12:54
- يوسف 12:55
- يوسف 12:59
- يوسف 12:60
- يوسف 12:61
- يوسف 12:62
- يوسف 12:63
- يوسف 12:64
- يوسف 12:65
- يوسف 12:66
- يوسف 12:67
- يوسف 12:68
- يوسف 12:69
- يوسف 12:70
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:74
- يوسف 12:76
- يوسف 12:77
- يوسف 12:78
- يوسف 12:79
- يوسف 12:80
- يوسف 12:81
- يوسف 12:83
- يوسف 12:84
- يوسف 12:85
- يوسف 12:88
- يوسف 12:90
- يوسف 12:92
- يوسف 12:94
- يوسف 12:97
- يوسف 12:98
- يوسف 12:99
- يوسف 12:100
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:103
- يوسف 12:104
- يوسف 12:105
- يوسف 12:106
- يوسف 12:107
- يوسف 12:109
- يوسف 12:110
- يوسف 12:111
- الرعد 13:1
- الرعد 13:2
- الرعد 13:3
- الرعد 13:4
- الرعد 13:5
- الرعد 13:6
- الرعد 13:7
- الرعد 13:8
- الرعد 13:10
- الرعد 13:11
- الرعد 13:12
- الرعد 13:13
- الرعد 13:14
- الرعد 13:15
- الرعد 13:16
- الرعد 13:17
- الرعد 13:18
- الرعد 13:22
- الرعد 13:27
- الرعد 13:28
- الرعد 13:29
- الرعد 13:31
- الرعد 13:35
- الرعد 13:39
- الرعد 13:40
- الرعد 13:41
- الرعد 13:42
- الرعد 13:43
- إبراهيم 14:1
- إبراهيم 14:3
- إبراهيم 14:4
- إبراهيم 14:5
- إبراهيم 14:15
- إبراهيم 14:16
- إبراهيم 14:17
- إبراهيم 14:18
- إبراهيم 14:21
- إبراهيم 14:22
- إبراهيم 14:24
- إبراهيم 14:25
- إبراهيم 14:26
- إبراهيم 14:27
- إبراهيم 14:28
- إبراهيم 14:29
- إبراهيم 14:30
- إبراهيم 14:31
- إبراهيم 14:33
- إبراهيم 14:34
- إبراهيم 14:35
- إبراهيم 14:36
- إبراهيم 14:37
- إبراهيم 14:40
- إبراهيم 14:41
- إبراهيم 14:43
- إبراهيم 14:46
- إبراهيم 14:47
- إبراهيم 14:48
- إبراهيم 14:49
- إبراهيم 14:50
- الحجر 15:2
- الحجر 15:4
- الحجر 15:7
- الحجر 15:8
- الحجر 15:9
- الحجر 15:10
- الحجر 15:11
- الحجر 15:12
- الحجر 15:13
- الحجر 15:14
- الحجر 15:16
- الحجر 15:18
- الحجر 15:19
- الحجر 15:22
- الحجر 15:24
- الحجر 15:25
- الحجر 15:26
- الحجر 15:27
- الحجر 15:30
- الحجر 15:31
- الحجر 15:32
- الحجر 15:34
- الحجر 15:44
- الحجر 15:47
- الحجر 15:48
- الحجر 15:49
- الحجر 15:52
- الحجر 15:53
- الحجر 15:54
- الحجر 15:56
- الحجر 15:57
- الحجر 15:59
- الحجر 15:60
- الحجر 15:63
- الحجر 15:65
- الحجر 15:66
- الحجر 15:68
- الحجر 15:70
- الحجر 15:71
- الحجر 15:72
- الحجر 15:73
- الحجر 15:74
- الحجر 15:75
- الحجر 15:76
- الحجر 15:77
- الحجر 15:78
- الحجر 15:79
- الحجر 15:87
- الحجر 15:88
- الحجر 15:90
- الحجر 15:94
- الحجر 15:95
- الحجر 15:99
- النحل 16:1
- النحل 16:2
- النحل 16:3
- النحل 16:4
- النحل 16:5
- النحل 16:7
- النحل 16:8
- النحل 16:9
- النحل 16:10
- النحل 16:14
- النحل 16:15
- النحل 16:16
- النحل 16:20
- النحل 16:21
- النحل 16:23
- النحل 16:24
- النحل 16:25
- النحل 16:26
- النحل 16:27
- النحل 16:28
- النحل 16:30
- النحل 16:33
- النحل 16:35
- النحل 16:36
- النحل 16:38
- النحل 16:40
- النحل 16:41
- النحل 16:43
- النحل 16:44
- النحل 16:45
- النحل 16:46
- النحل 16:47
- النحل 16:48
- النحل 16:49
- النحل 16:52
- النحل 16:53
- النحل 16:54
- النحل 16:56
- النحل 16:57
- النحل 16:58
- النحل 16:59
- النحل 16:61
- النحل 16:62
- النحل 16:64
- النحل 16:66
- النحل 16:67
- النحل 16:68
- النحل 16:69
- النحل 16:70
- النحل 16:71
- النحل 16:72
- النحل 16:74
- النحل 16:75
- النحل 16:76
- النحل 16:77
- النحل 16:78
- النحل 16:80
- النحل 16:81
- النحل 16:82
- النحل 16:83
- النحل 16:86
- النحل 16:88
- النحل 16:89
- النحل 16:91
- النحل 16:92
- النحل 16:96
- النحل 16:98
- النحل 16:101
- النحل 16:103
- النحل 16:105
- النحل 16:106
- النحل 16:109
- النحل 16:110
- النحل 16:111
- النحل 16:112
- النحل 16:113
- النحل 16:117
- النحل 16:120
- النحل 16:124
- النحل 16:125
- النحل 16:126
- النحل 16:127
- النحل 16:128
- الإسراء 17:1
- الإسراء 17:2
- الإسراء 17:3
- الإسراء 17:4
- الإسراء 17:5
- الإسراء 17:6
- الإسراء 17:7
- الإسراء 17:8
- الإسراء 17:9
- الإسراء 17:11
- الإسراء 17:12
- الإسراء 17:14
- الإسراء 17:15
- الإسراء 17:16
- الإسراء 17:17
- الإسراء 17:18
- الإسراء 17:23
- الإسراء 17:24
- الإسراء 17:25
- الإسراء 17:26
- الإسراء 17:27
- الإسراء 17:28
- الإسراء 17:29
- الإسراء 17:31
- الإسراء 17:32
- الإسراء 17:33
- الإسراء 17:34
- الإسراء 17:35
- الإسراء 17:36
- الإسراء 17:37
- الإسراء 17:38
- الإسراء 17:39
- الإسراء 17:40
- الإسراء 17:41
- الإسراء 17:42
- الإسراء 17:44
- الإسراء 17:45
- الإسراء 17:47
- الإسراء 17:49
- الإسراء 17:50
- الإسراء 17:52
- الإسراء 17:55
- الإسراء 17:56
- الإسراء 17:57
- الإسراء 17:58
- الإسراء 17:59
- الإسراء 17:60
- الإسراء 17:61
- الإسراء 17:62
- الإسراء 17:63
- الإسراء 17:64
- الإسراء 17:65
- الإسراء 17:66
- الإسراء 17:68
- الإسراء 17:70
- الإسراء 17:71
- الإسراء 17:72
- الإسراء 17:74
- الإسراء 17:76
- الإسراء 17:78
- الإسراء 17:79
- الإسراء 17:80
- الإسراء 17:84
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:91
- الإسراء 17:93
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:96
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:108
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
يوسف 12:1
(p-٨٦)(p-٨٧)سُورَةُ يُوسُفَ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾، اَلْمَعْنى: ”هَذِهِ الآياتُ“، ”تِلْكَ الآياتُ“، ”اَلْمُبِينُ“: اَلَّذِي وُعِدْتُمْ بِهِ في التَّوْراةِ، كَما قالَ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]
يوسف 12:2
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، هَذِهِ الهاءُ تَصْلُحُ لِشَيْئَيْنِ، أحَدُهُما أنْ تَكُونَ لِلْكِتابِ، المَعْنى: ”إنّا أنْزَلْنا الكِتابَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا“، ومَعْنى ”قُرْآنٌ“: مَجْمُوعٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إنّا أنْزَلْناهُ“، أيْ: أنْزَلْنا خَبَرَ يُوسُفَ وقِصَّتَهُ.
وَيُرْوى أنَّ عُلَماءَ اليَهُودِ قالُوا لِكُبَراءِ المُشْرِكِينَ: سَلُوا مُحَمَّدًا: لِمَ انْتَقَلَ آلُ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ ؟ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧]
يوسف 12:3
وَقَوْلُهُ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾، (p-٨٨)أيْ: ”نُبَيِّنُ لَكَ أحْسَنَ البَيانِ“، و”اَلْقاصُّ“: اَلَّذِي يَأْتِي بِالقِصَّةِ عَلى حَقِيقَتِها، ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ﴾، أيْ: ”بِوَحْيِنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ“، اَلْقِراءَةُ نَصْبُ ”اَلْقُرْآنَ“، ويَجُوزُ الجَرُّ، والرَّفْعُ، جَمِيعًا، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِما، فَأمّا الجَرُّ فَعَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، فَيَكُونُ المَعْنى: ”نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِهَذا القُرْآنِ“، ولا تَقْرَأنَّ بِها.
والرَّفْعُ عَلى تَرْجَمَةِ ”ما أوْحَيْنا إلَيْكَ“، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ”ما هُوَ؟ وما هَذا؟“، فَقِيلَ: ”هَذا القُرْآنُ“، ولا تَقْرَأنَّ بِها أيْضًا، ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾، أيْ: ”مِنَ الغافِلِينَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ“، لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إنَّما عَلِمَ ذَلِكَ بِالوَحْيِ.
يوسف 12:4
﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لأبِيهِ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبًا، المَعْنى: ”نَقُصُّ عَلَيْكَ إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى ”اُذْكُرْ إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ“، ﴿يا أبَتِ إنِّي﴾، في قَوْلِهِ: ”يا أبَتِ إنِّي“، قِراءَتانِ: ”يا أبَتِ إنِّي“، ”يا أبَتَ إنِّي“، بِالخَفْضِ، والنَّصْبِ.
وَأجازَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ ”يا أبَةُ إنِّي“، فَمَن قَرَأ: ”يا أبَتَ إنِّي“، بِكَسْرِ التّاءِ، فَعَلى الإضافَةِ إلى نَفْسِهِ، وحَذَفَ الياءَ، لِأنَّ ياءَ الإضافَةِ تُحْذَفُ في النِّداءِ، وقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ (p-٨٩)الكِتابِ، وأمّا إدْخالُ التَّأْنِيثِ في الأبِ فَإنَّما دَخَلَتْ في النِّداءِ خاصَّةً، والمُذَكَّرُ قَدْ سُمِّيَ بِاسْمٍ لِمُؤْنَثٍ فِيهِ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، ويُوصَفُ بِما فِيهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، فَأمّا المُذَكَّرُ الَّذِي يُسَمّى بِمُؤَنَّثٍ فَقَوْلُهُمْ: ”عَيْنٌ“، و”نَفْسٌ“، يُرادُ بِهِ الرَّجُلُ، وأمّا الصِّفَةُ فَقَوْلُهُمْ: ”غُلامٌ يَفَعَةٌ“، و”رَجُلٌ رَبْعَةٌ“، والتّاءُ كَثُرَتْ، ولَزِمَتْ في الأبِ، عِوَضًا مِن تاءِ الإضافَةِ، والوَقْفُ عَلَيْها: ”يا أبَهْ“، وإنْ كانَتْ في المُصْحَفِ بِالتّاءِ.
وَزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّكَ إذا كَسَرْتَ، وقَفْتَ بِالتّاءِ لا غَيْرُ، وإذا فَتَحْتَ وقَفْتَ بِالتّاءِ، والهاءِ، ولا فَرْقَ بَيْنَ الكَسْرِ، والفَتْحِ، وزَعَمَ قُطْرُبٌ أنَّ الفَتْحَ عَلى جِهاتٍ، إحْداها أنَّكَ أرَدْتَ ”يا أبَةً“، ثُمَّ حَذَفْتَ التَّنْوِينَ، وعَلى ”يا أبَتاهُ“، وعَلى قَوْلٍ قَوْلُ الطِّرْماحِ:
؎يا دارَ أقْوَتْ بَعْدَ أصْرامِها عامًا وما يَعْنِيكَ مِن عامِها
وَهَذا الَّذِي قالَهُ قُطْرُبٌ خَطَأٌ كُلُّهُ، التَّنْوِينُ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى (p-٩٠)المَنصُوبِ، لِأنَّ النَّصْبَ إعْرابُ المُنادى، ولا يَجُوزُ مُعْرَبٌ مُنْصَرِفٌ غَيْرُ مُنَوَّنٍ في حالِ النَّصْبِ، وأمّا قَوْلُهُ: ”يا دارَ أقْوَتْ“، بِنَصْبِ الدّارِ، فَلَمْ يَرْوِهِ أحَدٌ مِن أصْحابِنا، ولا أعْرِفُ لَهُ وجْهًا.
أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: ”يا دارُ أقْوَتْ“، بِضَمِّ الرّاءِ، وأمّا ”يا أبَتاهُ“، فالنُّدْبَةُ هَهُنا لا مَعْنى لَها، ولَكِنَّ الفَتْحَ يَجُوزُ عَلى أنَّهُ أبْدَلَ مِن تاءِ الإضافَةِ ألِفًا، ثُمَّ حَذَفَ الألِفَ، وبَقِيَتِ الفَتْحَةُ، كَما تُحْذَفُ بِالإضافَةِ، وأمّا ”يا أبَةُ إنِّي“، بِالرَّفْعِ، فَلا يَجُوزُ إلّا عَلى ضَعْفٍ، لِأنَّ الهاءَ هَهُنا جُعِلَتْ بَدَلًا مِن ياءِ الإضافَةِ.
﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾، اَلْقِراءَةُ بِفَتْحِ العَيْنِ، وفَتْحِ جَمِيعِ الحُرُوفِ في ”أحَدَ عَشَرَ“، وقَدْ رُوِيَ بِتَسْكِينِ العَيْنِ في القِراءَةِ: ”أحَدَ عْشَرَ كَوْكَبًا“، قَرَأ بِها بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ، وهي غَيْرُ مُنْكَرَةٍ، ما كانَ قَبْلَ العَيْنِ حَرْفٌ مُتَحَرِّكٌ، لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ في قَوْلِهِ: ”أحَدَ عَشَرَ“.
فَأمّا ”اِثْنا عَشَرَ“، فَلا يَجُوزُ فِيها الإسْكانُ في العَيْنِ، وقَدْ رُوِيَتْ لُغَةٌ أُخْرى، وهِيَ: ”أحَدَ اَعْشَرَ“، وهَذِهِ الرِّوايَةُ في الرَّداءَةِ وتَرْكِ الِاسْتِعْمالِ بِمَنزِلَةِ ”اَلْحَمْدِ لِلَّهِ“، لا يُلْتَفَتُ إلَيْها، فَأمّا التَّسْكِينُ في العَيْنِ، فَقِراءَةٌ صَحِيحَةٌ كَثِيرَةٌ، ولَكِنَّ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلَ، وجَمِيعَ أصْحابِهِمْ، لا يُجِيزُونَ إلّا فَتْحَ العَيْنِ، إلّا أنَّ قُطْرُبًا قَدْ رَوى إسْكانَ العَيْنِ، ورَواهُ الفَرّاءُ أيْضًا، وقَدْ قُرِئَ بِهِ، فَأمّا ما لا اخْتِلافَ فِيهِ فَفَتْحُ العَيْنِ، و”كَوْكَبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
(p-٩١)﴿والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾، فَكَرَّرَ ”رَأيْتُهُمْ“، تَوْكِيدًا، المَعْنى: ”رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ لِي ساجِدِينَ“، فَكَرَّرَ ”رَأيْتُهُمْ“، لَمّا طالَ الكَلامُ، فَأمّا قَوْلُهُ: ”ساجِدِينَ“، فَحَقِيقَتُهُ فِعْلُ كُلِّ ما يَعْقِلُ، وجَمْعُهُ وجَمْعُ ضَمِيرِهِ بِالواوِ والنُّونِ في الرَّفْعِ، والياءِ والنُّونِ في النَّصْبِ والجَرِّ، فَإذا وصَفَ غَيْرَ النّاسِ والمَلائِكَةِ بِأنَّهُ ”يَعْبُدُ“، و”يَتَكَلَّمُ“، فَقَدْ دَخَلَ في المُمَيِّزِينَ، وصارَ الإخْبارُ عَنْهُ كالإخْبارِ عَنْهُمْ، فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقالَ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، فالواوُ والنُّونُ دَخَلَتا لِما وصَفْنا مِن دُخُولِهِمْ في التَّمْيِيزِ، والألِفُ والتّاءُ، والنُّونُ لِكُلِّ مُؤَنَّثٍ، ولِكُلِّ مَواتٍ لا يَعْقِلُ، غَيْرِ المُمَيِّزِينَ، فَإذا جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - غَيْرَ المُمَيِّزَةِ كالمُمَيِّزَةِ فَكَذَلِكَ تَكُونُ أفْعالُها، والإنْباءُ عَنْها.
يوسف 12:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾، مَعْناهُ: يَخْتارُكَ، ويَصْطَفِيكَ، وهو مُشْتَقٌّ مِن ”جَبَيْتَ الشَّيْءَ“، إذا حَصَّلْتَهُ لِنَفْسِكَ، ومِنهُ ”جَبَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ“، ومَوْضِعُ الكافِ في قَوْلِهِ ”كَذَلِكَ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”وَمِثْلَ ما رَأيْتَ تَأْوِيلُهُ: يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ“، ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾، (p-٩٢)قِيلَ: ”يُعَلِّمُكَ تَأْوِيلَ الرُّؤْيا“.
وَقِيلَ: ”يُعَلِّمُكَ تَأْوِيلَ أحادِيثِ الأنْبِياءِ والأُمَمِ“، يَعْنِي الكُتُبَ، وكِلاهُما جائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ -، ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾، اَلْمَعْنى: ”يُتِمُّها كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ“.
فَقَدْ فَسَّرَ لَهُ يَعْقُوبُ الرُّؤْيا، والتَّأْوِيلُ أنَّهُ لَمّا قالَ لَهُ: ”إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ“، فَتَأوَّلَ الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا أحَدَ عَشَرَ نَفْسًا لَهم فَضْلٌ، وأنَّهم يُسْتَضاءُ بِهِمْ، لِأنَّ الكَواكِبَ لا شَيْءَ أضْوَأُ مِنها، وبِها يُهْتَدى، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]
فَتَأوَّلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ أبَوَيْهِ، فالقَمَرُ الأبُ، والشَّمْسُ الأُمُّ، والأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا إخْوَتُهُ، فَتَأوَّلَ لَهُ أنَّهُ يَكُونُ نَبِيًّا، وأنَّ إخْوَتَهُ يَكُونُونَ أنْبِياءَ، لِأنَّهُ أعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى إخْوَتِهِ، كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْهِ، إبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، فَإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ، إذْ قالَ: ﴿كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ﴾ [يوسف: ٥]، ”اَلرُّؤْيا“، فِيها أرْبَعُ لُغاتٍ: ”رُؤْيا“، بِالهَمْزِ، و”رُويا“، بِالواوِ، بِلا هَمْزٍ، وهاتانِ يُقْرَأُ بِهِما، و”رُيّاكَ“، بِالإدْغامِ، و”رِيّاكَ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، ولا تَقْرَأُ بِهاتَيْنِ.
وَ”يُوسُفُ“، فِيهِ لُغَتانِ: ”يُوسُفُ“، بِضَمِّ السِّينِ، و”يُوسِفُ“، بِكَسْرِ السِّينِ، وكَذَلِكَ ”يُونُسُ“، و”يُونِسُ“، وحَكَوْا ”يُونَسُ“، بِفَتْحِ النُّونِ، حَكاها قُطْرُبٌ، وهي شاذَّةٌ.
يوسف 12:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾، وقُرِئَتْ: ”آيَةٌ“، ومَعْناهُ: ”عِبْرَةٌ“، وقَدْ رُوِيَتْ في غَيْرِ هَذا المُصْحَفِ: ”عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ“، وهَذا مَعْنى الآيَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”آيَةٌ“، بَصِيرًا لِلسّائِلِينَ الَّذِينَ (p-٩٣)سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْبَأهم بِقِصَّةِ يُوسُفَ، وهو عَنْها غافِلٌ، لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولَمْ يَأْتِهِ إلّا مِن جِهَةِ الوَحْيِ، جَوابًا لَهم حِينَ سَألُوهُ.
يوسف 12:8
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾، أيْ: إنَّ أبانا قَدَّمَ اثْنَيْنِ صَغِيرَيْنِ في المَحَبَّةِ عَلَيْنا، ونَحْنُ عُصْبَةٌ، أيْ: جَماعَةٌ نَفْعُنا أكْثَرُ مِن نَفْعِ هَذَيْنِ، ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، هَذا مَوْضِعٌ يَنْبَغِي أنْ يُتَفَهَّمَ، إنَّما عَنَوْا أنَّ أباهم ضالٌّ في مَحَبَّةٍ هَذَيْنِ، ولَوْ وصَفُوهُ بِالضَّلالَةِ في الدِّينِ كانُوا كُفّارًا، و”اَلْعُصْبَةُ“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلْعَشِيرَةُ، ونَحْوُهم.
يوسف 12:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾، أيْ: تَتُوبُونَ مِن بَعْدِ قَتْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أرْضًا يَبْعُدُ بِها عَنْ أبِيهِ، لِأنَّهُ لَنْ يَخْلُوَ مِن أنْ يَكُونَ في أرْضٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكُمْ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهم تَآمَرُوا في أنْ يَطْرَحُوهُ في أرْضٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِيها أبُوهُ، و”أرْضًا“، مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ ”فِي“، وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْها، لِأنَّ ”أرْضًا“، لَيْسَتْ مِنَ الظُّرُوفِ المُبْهِمَةِ.
يوسف 12:10
﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾، ”اَلْغَيابَةُ“: كُلُّ ما غابَ، أوْ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا، قالَ المُنَخَّلُ: (p-٩٤)
؎وَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي مَنِيَّتِي فَسِيرِي بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأصْلِ
وَ”اَلْجُبِّ“: اَلْبِئْرُ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَطْوِيَّةٍ، وسُمِّيَتْ ”جُبًّا“، مِن أنَّها قُطِعَتْ قَطْعًا، ولَمْ يُحْدَثْ فِيها غَيْرُ القَطْعِ، مِن طَيٍّ، وما أشْبَهَهُ، ورَوَوْا أنَّ اسْمَ الَّذِي أشارَ عَلَيْهِمْ بِألّا يَقْتُلُوهُ ”يَهُوذا“، وكانَ مِن أشَدِّهِمْ، ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾، هَذا أكْثَرُ القِراءَةِ، بِالياءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”تَلْتَقِطْهُ“، بِالتّاءِ، وأجازَ ذَلِكَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ، وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ إنَّما جازَ لِأنَّ بَعْضَ السَّيّارَةِ سَيّارَةٌ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”تَلْتَقِطْهُ سَيّارَةُ بَعْضِ السَّيّارَةِ“، وأنْشَدُوا:
؎وَتَشْرِقُ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ
يوسف 12:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾، قُرِئَتْ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: عَلى إشْمامِ المِيمِ الضَّمَّ: ”تَأْمُنّا“، وعَلى الإدْغامِ، وتَرْكِ الإشْمامِ: ”تَأْمَنّا“، وقُرِئَتْ: ”تَأْمَنُنا“، بِنُونَيْنِ، وضَمَّةٍ بَيْنَهُما، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابِ: ”تِيْمَنّا“، وقِراءَةُ يَحْيى تُخالِفُ المُصْحَفَ، وهي في العَرَبِيَّةِ جائِزَةٌ بِكَسْرِ التّاءِ في كُلِّ ما ماضِيهِ عَلى ”فَعِلَ“، نَحْوَ: ”أمِنَ يا هَذا“، والإدْغامُ لِأنَّ الحَرْفَيْنِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، (p-٩٥)والإشْمامُ يَدُلُّ عَلى الضَّمَّةِ المَحْذُوفَةِ، وتَرْكُ الإشْمامِ جَيِّدٌ، لِأنَّ المِيمَ مَفْتُوحَةٌ، فَلا تُغَيَّرُ، والإظْهارُ في ”تَأْمَنُنا“، جَيِّدٌ، لِأنَّ النُّونَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ.
يوسف 12:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، بِالياءِ، وقُرِئَتْ: ”نَرْتَعْ ونَلْعَبْ“، بِالنُّونِ، وقُرِئَتْ: ”يُرْتَعْ ويُلْعَبْ“، بِضَمِّ الياءِ، وقُرِئَتْ: ”يَرْتَعِ ويَلْعَبْ“، فَجَزْمُ هَذِهِ القِراءاتِ كُلِّها عَلى جَوابِ الأمْرِ، المَعْنى: ”أرْسِلْهُ، إنْ تُرْسِلْهُ يَرْتَعْ“، وكَذَلِكَ ”يُرْتَعْ“، وكَذَلِكَ ”يَرْتَعِ ويَلْعَبْ“، بِكَسْرِ العَيْنِ، وكَسْرُ العَيْنِ مِن ”اَلرَّعْيُ“، اَلْمَعْنى: ”(يَرْتَعِي) ويَلْعَبْ“، كَأنَّهم قالُوا: ”(يَرْعى) ماشِيَتَهُ ويَلْعَبْ“، فَيَجْتَمِعَ النَّفْعُ، والسُّرُورُ، و”يَرْتَعْ“، مِن ”اَلرَّتْعَةُ“، أيْ: ”يَتَّسِعْ في الخِصْبِ“، وكُلُّ مُخْصِبٍ فَهو راتِعٌ.
يوسف 12:15
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾، وقُرِئَتْ: ”غَياباتِ الجُبِّ“، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلْجُبُّ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها ”بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ“، ﴿وَأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾، ”هَذا“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ ”لَتُنَبِّئَنَّهم وهم لا يَشْعُرُونَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ ”وَأوْحَيْنا“، اَلْمَعْنى: ”وَأوْحَيْنا إلَيْهِ وهم لا يَشْعُرُونَ“، أيْ: ”أنْبَأْناهُ بِالوَحْيِ وهم لا يَشْعُرُونَ أنَّهُ نَبِيٌّ قَدْ أُوحِيَ إلَيْهِ“.
يوسف 12:16
﴿وَجاءُوا أباهم عِشاءً﴾، ”عِشاءً“، مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، ﴿إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧]، وقِيلَ: ”نَنْتَضِلُ“، (p-٩٦)﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ [يوسف: ١٧]، أيْ: ”بِمُصَدِّقٍ لَنا“، ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، لَيْسَ يُرِيدُونَ أنَّ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يُصَدِّقُ مَن يَعْلَمُ أنَّهُ صادِقٌ، هَذا مُحالٌ، لا يُوصَفُ الأنْبِياءُ بِذَلِكَ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”لَوْ كُنّا عِنْدَكَ مِن أهْلِ الثِّقَةِ، والصِّدْقِ، لاتَّهَمْتَنا في يُوسُفَ، لِمَحَبَّتِكَ إيّاهُ، وظَنَنْتَ أنّا قَدْ كَذَبْناكَ“.
يوسف 12:18
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾، يُرْوى أنَّهم - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لَمّا طَرَحُوا يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الجُبِّ، أخَذُوا قَمِيصَهُ، وذَبَحُوا جَدْيًا، فَلَطَّخُوا القَمِيصَ بِدَمِ الجَدْيِ، وقِيلَ: سَخْلَةٌ، والمَعْنى واحِدٌ، فَلَمّا رَأى يَعْقُوبُ ﷺ القَمِيصَ قالَ: ”كَذَبْتُمْ، لَوْ أكَلَهُ الذِّئْبُ لَخَرَقَ قَمِيصَهُ“.
وَقِيلَ: إنَّهُ قالَ: إنْ كانَ هَذا الذِّئْبُ لَحَلِيمًا، أشْفَقَ عَلى القَمِيصِ فَلَمْ يُمَزِّقْهُ، وأكَلَ ابْنِي، فالدَّمُ دَمٌ كَذِبٌ”، أيْ:“ذُو كَذِبٍ”، والمَعْنى:“دَمٌ مَكْذُوبٌ”، ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾، أيْ:“بَلْ زَيَّنَتْ أنْفُسُكم أمْرًا في قِصَّةِ يُوسُفَ”، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، مَعْناهُ:“صَبْرٌ لا جَزَعَ فِيهِ، ولا شَكْوى إلى النّاسِ".
وَ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“، مَرْفُوعٌ عَلى ضَرْبَيْنِ: اَلْمَعْنى ”فَشَأْنِي صَبْرٌ جَمِيلٌ“، و”اَلَّذِي أعْتَقِدُهُ صَبْرٌ جَمِيلٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ”فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ“، وهَذا لَفْظُ قُطْرُبٍ: ”فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ“، والأوَّلُ مَذْهَبُ الخَلِيلِ، وجَمِيعِ أصْحابِهِ، ويَجُوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ: ”فَصَبْرًا جَمِيلًا“، وأنْشَدُوا في الرَّفْعِ: (p-٩٧)
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى يا جَمَلِي لَيْسَ إلَيَّ المُشْتَكى
صَبْرٌ جَمِيلٌ فَكِلانا مُبْتَلى
وَ”صَبْرًا جَمِيلًا“، مَنصُوبٌ عَلى مِثْلِ ”فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا“.
يوسف 12:19
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾، ”اَلْوارِدُ“: اَلَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْقِيَ لِلْقَوْمِ، ﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾، يُقالُ: ”أدْلَيْتَ الدَّلْوَ“، إذا أرْسَلْتَها لِتَمْلَأها”، و“دَلَوْتَها”، إذا أخْرَجْتَها،“قالَ يا بُشْرايَ”، بِألِفٍ وياءٍ مَفْتُوحَةٍ، وقُرِئَتْ“يا بُشْرَيَّ".
وَقَدْ فَسَّرْناها في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وتَفْسِيرُها أنَّ ياءَ الإضافَةِ تُغَيِّرُ ما قَبْلَها، ولا يَبِينُ مَعَها الإعْرابُ، فَإذا كانَ قَبْلَها ألِفٌ، فالِاخْتِيارُ ألّا تُغَيَّرَ الألِفُ، وبَعْضُ العَرَبِ يُبْدِلُ الألِفَ مَعَها ياءً، فَيَكُونُ بَدَلُها بِمَنزِلَةِ تَغْيِيرِ الحُرُوفِ قَبْلَها، وقُرِئَتْ: ﴿يا بُشْرى هَذا غُلامٌ﴾، بِغَيْرِ ياءٍ.
وَمَعْنى النِّداءِ في هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي لا تُجِيبُ، ولا تَعْقِلُ، إنَّما هو عَلى تَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ، وتَوْكِيدِ القِصَّةِ، إذا قُلْتَ: ”يا عَجَباهُ“، فَكَأنَّكَ قُلْتَ: ”اِعْجَبُوا“، و”يا أيُّها العَجَبُ، هَذا مِن حِينِكَ“، وكَذَلِكَ إذا قالَ: ”يا بُشْرايَ“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”أبْشِرُوا“، وكَأنَّهُ قالَ: ”يا أيَّتُها البُشْرى هَذا مِن إبّانِكِ، وأوانِكِ“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾، لَمّا وجَدُوهُ أحَبُّوا ألّا يُعْلَمَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ، وأنْ يُوهِمُوا أنَّهُ بِضاعَةٌ دَفَعَها (p-٩٨)إلَيْهِمْ أهْلُ الماءِ، و”بِضاعَةً“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: ”وَأسَرُّوهُ جاعِلِيهِ بِضاعَةً“.
يوسف 12:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾، قِيلَ: ”بَخْسٍ“: ظُلْمٍ، لِأنَّ الإنْسانَ المَوْجُودَ لا يَحِلُّ بَيْعُهُ، وقِيلَ: ”بَخْسٍ“: نُقْصانٍ، وأكْثَرُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ ”بَخْسًا“: ظُلْمًا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ بِيعَ بِعِشْرِينَ دِرْهَمًا، وقِيلَ بِاثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا، أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِن إخْوَتِهِ دِرْهَمَيْنِ، وقِيلَ: بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، ورُوِيَ كُلُّ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾، ”فِيهِ“، لَيْسَتْ بِصِلَةِ ”اَلزّاهِدِينَ“، اَلْمَعْنى: ”وَكانُوا مِنَ الزّاهِدِينَ“، ثُمَّ بَيَّنَ في أيِّ شَيْءٍ زَهِدُوا، فَكَأنَّهُ قالَ: ”زَهِدُوا فِيهِ“، وهَذا في الظُّرُوفِ جائِزٌ، فَأمّا المَفْعُولاتُ، فَلا يَجُوزُ فِيها، لا يَجُوزُ ”كُنْتُ زَيْدًا مِنَ الضّارِبِينَ“، لِأنَّ زَيْدًا مِن صِلَةِ الضّارِبِينَ، فَلا يَتَقَدَّمُ المَوْصُولُ صِلَتَهُ.
يوسف 12:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾، ”مِصْرَ“، مَفْتُوحَةٌ في مَوْضِعِ الجَرِّ، إلّا أنَّها لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّها اسْمُ المَدِينَةِ بِعَيْنِها، وهي مَعْرِفَةٌ، ﴿لامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا﴾، ”مَثْواهُ“: مُقامَهُ، المَعْنى: ”أحْسِنِي إلَيْهِ في طُولِ مُقامِهِ عِنْدَنا“، ويُرْوى أنَّ أفْرَسَ النّاسِ ثَلاثَةٌ، وأنَّ أجْوَدَهم فِراسَةً العَزِيزُ، في فِراسَتِهِ في (p-٩٩)يُوسُفَ، وابْنَةُ شُعَيْبٍ في فِراسَتِها في مُوسى، حِينَ قالَتْ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦]، وأبُو بَكْرٍ في تَوْلِيَتِهِ عُمْرَ الخِلافَةَ بَعْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾، أيْ: ”وَمِثْلَ الَّذِي وصَفْنا مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرْضِ“، ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”تَأْوِيلِ الرُّؤْيا“، وأنْ يَكُونَ ”تَأْوِيلِ أحادِيثِ الأنْبِياءِ“.
يوسف 12:22
﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾، ”اَلْأشُدُّ“: مِن نَحْوِ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ، ”آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا“: أيْ: جَعَلْناهُ حَكِيمًا عالِمًا، ولَيْسَ كُلُّ عالِمٍ حَكِيمًا، ”اَلْحَكِيمُ“: اَلْعالِمُ المُسْتَعْمِلُ عِلْمَهُ، المُمْتَنِعُ مِنَ اسْتِعْمالِ ما يُجَهَّلُ فِيهِ، وأصْلُ ”أحْكَمْتُ“، في اللُّغَةِ: مَنَعْتُ، ومِن هَذا ”حَكَمَةُ الدّابَّةِ“، لِأنَّ الفارِسَ يَمْنَعُ بِها الدّابَّةَ مِن إرادَتِها، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، أيْ: ”وَمِثْلَ ما وصَفْنا مِن تَعْلِيمِ يُوسُفَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ“.
يوسف 12:23
﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّها راوَدَتْهُ عَمّا أرادَتْهُ مِمّا يُرِيدُ النِّساءُ مِنَ الرِّجالِ، فَعُلِمَ بِتَرْكِهِ ذِكْرُ الفاحِشَةِ نَفْسِها، ما راوَدَتْهُ عَلَيْهِ، ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”هَلُمَّ لَكَ“، أيْ: ”أقْبِلْ إلى ما أدْعُوكَ إلَيْهِ“ .
(p-١٠٠)وَفِي ”هَيْتَ لَكَ“، لُغاتٌ: يَجُوزُ ”هَيْتُ لَكَ“، و”هَيْتِ“، وأجْوَدُها، وأكْثَرُها: ”هَيْتَ“، بِفَتْحِ التّاءِ، ورُوِيَتْ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ”هِيتِ لَكَ“، فَأمّا الفَتْحُ مَعَ فَتْحِ التّاءِ، والهاءِ، فَهو أكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبْلِغْ أمِيرَ المُؤْمِنِيـ ـنَ أخا العِراقِ إذا أتَيْتا
؎أنَّ العِراقَ وأهْلَهُ ∗∗∗ عُنُقٌ إلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتا
أيْ: ”فَأقْبِلْ وتَعالَ“، وحَكى قُطْرُبٌ أنَّهُ أنْشَدَهُ بَعْضُ أهْلِ الحِجازِ لِطَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ:
؎لَيْسَ قَوْمِي بِالأبْعَدِينَ إذا ما ∗∗∗ قالَ داعٍ مِنَ العَشِيرَةِ هَيْتُ
؎هم يُجِيبُونَ ذا هَلُمَّ سِراعًا ∗∗∗ كالأبابِيلِ لا يُغادَرُ بَيْتُ
رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”هِئْتُ لَكَ“، مَهْمُوزَةً، مَكْسُورَةَ الهاءِ، مِن ”اَلْهَيْئَةُ“، كَأنَّها قالَتْ: ”تَهَيَّأْتُ لَكَ“، فَأمّا الفَتْحُ في ”هَيْتَ“، فَلِأنَّها بِمَنزِلَةِ الأصْواتِ، لَيْسَ مِنها فِعْلٌ يَتَصَرَّفُ، فَفُتِحَتِ التّاءُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الياءِ، واخْتِيرَ الفَتْحُ، لِأنَّ قَبْلَ التّاءِ ياءً، كَما قالُوا: ”كَيْفَ“، و”أيْنَ“، ومَن قالَ: ”هَيْتِ لَكَ“، بِكَسْرِ التّاءِ، فَلِأنَّ أصْلَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ حَرَكَةُ الكَسْرِ، ومَن قالَ: ”هَيْتُ“، ضَمَّها لِأنَّها في مَعْنى الغاياتِ، كَأنَّها قالَتْ: ”دُعائِي لَكَ“، ولَمّا حُذِفَتِ الإضافَةُ، وتَضَمَّنَتْ مَعْناها، بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ، كَما بُنِيَتْ ”حَيْثُ“، و”مُنْذُ يا هَذا“، وقِراءَةُ عَلِيٍّ: ”هِئْتُ لَكَ“، بِمَنزِلَةِ ”هَيْتَ“، والحُجَّةُ فِيها كالحُجَّةِ فِيها مَفْتُوحَةً.
(p-١٠١)ثُمَّ قالَ: ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾، مَصْدَرٌ، المَعْنى: ”أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أفْعَلَ هَذا“، تَقُولُ: ”عُذْتُ، عِياذًا، ومَعاذًا“، ﴿إنَّهُ رَبِّي﴾، أيْ: إنَّ العَزِيزَ صاحِبِي، ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾، أيْ: تَوَلّانِي في طُولِ مُقامِي، ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾
يوسف 12:24
﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾، أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ هَمَّ بِها، حَتّى رَأى صُورَةَ يَعْقُوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وهو يَقُولُ لَهُ: ”يا يُوسُفُ، أتَهُمُّ بِفِعْلِ السُّفَهاءِ، وأنْتَ مَكْتُوبٌ في دِيوانِ الأنْبِياءِ؟“.
وَقِيلَ: إنَّهُ رَأى في البَيْتِ مَكْتُوبًا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً وساءَ سَبِيلا﴾ [الإسراء: ٣٢]، وهَذا مَذْهَبُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، ولَسْنا نَشُكُّ أنَّهُ قَدْ رَأى بُرْهانًا قَطَعَهُ عَمّا هَمَّ بِهِ.
وَقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: ”وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ“، وذَهَبُوا إلى أنَّ المَعْنى: ”لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِها“، والَّذِي عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ هَمَّ بِها، وأنَّهُ جَلَسَ مِنها مَجْلِسَ الرَّجُلِ مِنَ المَرْأةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ بِأنْ أراهُ البُرْهانَ، ألا تَراهُ قالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] ؟ والمَعْنى: ”لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَأمْضى ما هَمَّ بِهِ“.
وَلَيْسَ في الكَلامِ بِكَثِيرٍ أنْ تَقُولَ: ”ضَرَبْتُكَ لَوْلا زَيْدٌ“، و”لا هَمَمْتُ بِكَ لَوْلا زَيْدٌ“، إنَّما الكَلامُ: ”لَوْلا زَيْدٌ لَهَمَمْتُ بِكَ“، و”لَوْلا“، تُجابُ بِاللّامِ، فَلَوْ (p-١٠٢)كانَ:
؎”وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ولَهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى“، أيْ: بُرْهانَ رَبِّهِ، لَكانَ يَجُوزُ عَلى بُعْدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾، أيْ: كَذَلِكَ أرَيْناهُ البُرْهانَ، لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ، والفَحْشاءَ، فَـ ”اَلسُّوءُ“: خِيانَةُ صاحِبِهِ، و”اَلْفَحْشاءُ“: رُكُوبُ الفاحِشَةِ، ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا، أخْلَصَهُمُ اللَّهُ مِنَ الأسْواءِ، والفَواحِشِ، مِثْلَ المُصْطَفَيْنَ، وقُرِئَتْ: ”مِنَ المُخْلِصِينَ“، بِكَسْرِ اللّامِ، أيْ: اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
يوسف 12:25
وَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾، أيْ: اِسْتَبَقا إلى البابِ، يَعْنِي بِهِ يُوسُفَ، وامْرَأةَ العَزِيزِ، ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ﴾، و”اَلْقَدُّ“: اَلْقَطْعُ، أيْ: خَرَقَتْهُ خَرْقًا انْقَدَّ مِنهُ، ﴿وَألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾، أيْ: صادَفا سَيِّدَها لَدى البابِ، فَحَضَرَها في ذَلِكَ الوَقْتِ كَيْدٌ، لَمّا فاجَأتْ سَيِّدَها، ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلا أنْ يُسْجَنَ﴾، أيْ: ما جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنُ؟ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾، أيْ: عَذابٌ مُوجِعٌ.
يوسف 12:26
قالَ يُوسُفُ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾، (p-١٠٣)أيْ: هي الَّتِي أرادَتِ السُّوءَ، ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾، قِيلَ: إنَّهُ رَجُلٌ حَكِيمٌ، وقِيلَ: إنَّهُ طِفْلٌ، ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٧]
أيْ: إنْ كانَ هو المُقْبِلَ عَلَيْها، وهي الدّافِعَةَ لَهُ عَنْ نَفْسِها، فَيَجِبُ أنْ تَكُونَ خَرَقَتْ قَمِيصَهُ مِن قُبُلٍ، وإنْ كانَ هو المُتَباعِدَ مِنها، وهي التّابِعَةَ لَهُ في اسْتِباقِهِما، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ قَدُّ القَمِيصِ مِن دُبُرٍ، والقِراءَةُ ”مِن قُبُلٍ“، و”مِن دُبُرٍ“، و”مِن قُبْلٍ“، و”مِن دُبْرٍ“.
وَيَجُوزُ ”مِن قُبُلُ“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و”مِن دُبُرُ“، عَلى الغايَةِ، أيْ: ”مِن قُبُلِهِ“، أمّا الفَتْحُ فَبَعِيدٌ في قَوْلِهِ: ”مِن قُبُلٍ ومِن دُبُرٍ“، لِأنَّ الَّذِي يَفْتَحُ يَجْعَلُهُ مَبْنِيًّا عَلى الفَتْحِ، فَيُشَبِّهُهُ بِما لا يَنْصَرِفُ، فَيَجْعَلُهُ مُمْتَنِعًا مِنَ الصَّرْفِ، لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ، ومُزالٌ عَنْ بابِهِ، وهَذا الوَجْهُ يُجِيزُهُ البَصْرِيُّونَ، فَأمّا ”قُبْلُ“، و”قُبُلٌ“، فالتَّسْكِينُ في الباءِ جائِزٌ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ الفَتْحُ، والضَّمُّ، جَمِيعًا، والفَتْحُ أكْثَرُ في الرِّوايَةِ عَنْهُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ البَصْرِيِّينَ ذَكَرَ الفَتْحَ غَيْرَهُ.
يوسف 12:28
﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ﴾، أيْ: إنَّ قَوْلَكِ: ”ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا؟! مِن كَيْدِكُنَّ“، (p-١٠٤)فَأمّا دُخُولُ ”كانَ“، مَعَ ”إنْ“، اَلْجَزاءِ، وكَوْنُ الفِعْلِ بَعْدَها لِما مَضى، فَفِيهِ قَوْلانِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”كانَ“، لِقُوَّتِها، وأنَّها عِبارَةٌ عَنِ الأفْعالِ، لَمْ تُغَيِّرْها ”إنْ“، اَلْجَزاءُ، الخَفِيفَةُ، والقَوْلُ الثّانِي أنَّ ”كانَ“، عِبارَةٌ عَنِ الأفْعالِ، وأنَّ ”كانَ“، في مَعْنى الِاسْتِقْبالِ هَهُنا، عَبَّرَتْ عَنْ فِعْلٍ ماضٍ، المَعْنى: ”إنْ يَكُنْ قَمِيصُهُ قُدَّ“، أيْ: ”إنْ يُعْلَمْ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبَلٍ“، فالعِلْمُ ما وقَعَ بَعْدُ، فَكَذَلِكَ الكَوْنُ لا يَكُونُ، لِأنَّهُ مُؤَدٍّ عَنِ العِلْمِ.
يوسف 12:29
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾، مَعْناهُ: ”يا يُوسُفُ، اكْتُمْ هَذا الأمْرَ، ولا تَذْكُرْهُ“، ﴿واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ﴾، ويُرْوى أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ.
يوسف 12:30
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ﴾، يُقالُ: ”نِسْوَةٌ“، و”نُسْوَةٌ“، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، وقِيلَ: ﴿تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾، (p-١٠٥)أيْ: عَبْدَها، وغُلامَها، لِأنَّ اسْتِعْمالَهم كانَ لِلْغُلامِ المَمْلُوكِ أنْ يُسَمّى ”فَتًى“، ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾، أيْ: ”بَلَغَ حُبُّهُ إلى شَغافِ قَلْبِها“، وفي الشَّغافِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلشَّغافُ“: غِلافُ القَلْبِ، وقِيلَ: هو داءٌ يَكُونُ في الجَوْفِ، في الشَّراسِيفِ، وأنْشَدُوا:
؎وَقَدْ حالَ هَمٌّ دُونَ ذَلِكَ داخِلٌ دُخُولَ الشَّغافِ تَبْتَغِيهِ الأصابِعُ
وَقَدْ قُرِئَتْ: ”شَعَفَها“، بِالعَيْنِ، ومَعْنى ”شَعَفَها“: ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، مُشْتَقٌّ مِن ”شَعَفاتُ الجِبالِ“، أيْ: ”رُؤُوسُ الجِبالِ“، فَإذا قُلْتَ: ”فُلانٌ مَشْعُوفٌ بِكَذا“، فَمَعْناهُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ الحُبُّ أقْصى المَذاهِبِ.
يوسف 12:31
﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: ”لِمَ سُمِّيَ قَوْلُهُنَّ“مَكْرًا”؟ فالجَوابُ فِيهِ أنَّها قَدْ أطْلَعَتْهُنَّ، فاسْتَكْتَمَتْهُنَّ، فَمَكَرْنَ بِها، وأفْشَيْنَ سِرَّها، فَلَمّا سَمِعَتْ بِما فَعَلْنَ، أرادَتْ أنْ يُوقَعْنَ فِيما وقَعَتْ فِيهِ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ، ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ وأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾،“أعْتَدَتْ”:“أفْعَلَتْ”، مِن“اَلْعَتادُ”، وكُلُّ ما اتَّخَذْتَهُ عُدَّةً لِلشَّيْءِ، فَهو عَتادٌ، ومَعْنى“مُتَّكَأً": ما يُتَّكَأُ عَلَيْهِ لِطَعامٍ، أوْ شَرابٍ، أوْ حَدِيثٍ.
(p-١٠٦)﴿وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ سِكِّينًا وقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾، يُعالِجْنَ بِالسِّكِّينِ ما يَأْكُلْنَ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مُتْكًا“، وقالُوا: واحِدَتُهُ ”مُتْكَةٌ“، وهِيَ: اَلْأُتْرُجُّ، والقِراءَةُ الجَيِّدَةُ: ”مُتَّكَأً“، بِالهَمْزِ، يُقالُ: ”تَكِئَ الرَّجُلُ، يَتْكَأُ، تُكَأً“، و”اَلتُّكَأُ“: أصْلُهُ مِن ”وَكَأْتُ“، وإنَّما ”مُتَّكَأٌ“، ”مُفْتَعَلٌ“، وأصْلُهُ: ”مُوْتَكَأٌ“، مِثْلَ ”مُوْتَزَنٌ“، مِن ”اَلْوَزْنُ“.
﴿وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾، إنْ شِئْتَ ضَمَمْتَ التّاءَ، وإنْ شِئْتَ كَسَرْتَ، والكَسْرَ الأصْلُ، لِسُكُونِ التّاءِ، والخاءِ، ومَن ضَمَّ التّاءَ، فَلِثِقَلِ الضَّمَّةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ، وأعْتَدَتْ لَهُنَّ الطَّعامَ، وجَعَلَتْ في أيْدِيهِنَّ السَّكاكِينَ، وأمَرَتْهُ بِالخُرُوجِ عَلَيْهِنَّ في هَيْئَتِهِ، ولَمْ يَكُنْ يَتَهَيَّأُ لَهُ ألّا يَخْرُجَ، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ العَبْدِ لَها.
﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾، أرَدْنَ أنْ يُقَطِّعْنَ الطَّعامَ الَّذِي في أيْدِيهِنَّ، فَدَهِشْنَ لَمّا رَأيْنَهُ، فَخَدَشْنَ أيْدِيَهُنَّ، ولَمْ يُقَطِّعْنَ الأيْدِيَ حَتّى تَبِينَ مِنهُنَّ، وهَذا مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: ”قَدْ قَطَعْتَ يَدِي“، يَعْنِي أنَّكَ قَدْ خَدَشْتَها، ومَعْنى ”أكْبَرْنَهُ“: أعْظَمْنَهُ، ويُقالُ: ”أكْبَرْنَهُ“: حِضْنَ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ مُجاهِدٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْرُوفٍ في اللُّغَةِ، وقَدْ أنْشَدُوا بَيْتًا في هَذا، وهو قَوْلُهُ:
؎يَأْتِي النِّساءَ عَلى أطْهارِهِنَّ ولا يَأْتِي النِّساءَ إذا أكْبَرْنَ إكْبارًا
(p-١٠٧)وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ لَيْسَتْ بِمَعْرُوفَةٍ في اللُّغَةِ، والهاءُ في ”أكْبَرْنَهُ“، تَنْفِي هَذا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ: ”اَلنِّساءُ قَدْ حِضْنَهُ يا هَذا“، لِأنَّ ”حِضْنَ“، لا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ، ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ﴾
وَ”حاشا لِلَّهِ“، يُقْرَآنِ، بِحَذْفِ الألِفِ، وإثْباتِها، ومَعْناهُ الِاسْتِثْناءُ، المَعْنى فِيما فَسَّرَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ: ”وَقُلْنَ: مَعاذَ اللَّهِ، ما هَذا بَشَرًا“، وأمّا عَلى مَذْهَبِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، فَـ ”حاشا“، مُشْتَقَّةٌ مِن قَوْلِكَ: ”كُنْتُ في حَشا فُلانٍ“، أيْ: في ناحِيَةِ فُلانٍ، فالمَعْنى في ”حاشَ لِلَّهِ“: ”بَرَّأهُ اللَّهُ مِن هَذا“، مِنَ التَّنَحِّي، المَعْنى: ”قَدْ نَحّى اللَّهُ هَذا مِن هَذا“، إذا قُلْتَ: ”حاشا لِزَيْدٍ مِن هَذا“، فَمَعْناهُ: ”قَدْ تَنَحّى زَيْدٌ مِن هَذا، وتَباعَدَ مِنهُ“، كَما أنَّكَ تَقُولُ: ”قَدْ تَنَحّى مِنَ النّاحِيَةِ“، وكَذَلِكَ ”قَدْ تَحاشى“، مِن هَذا الفِعْلِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾، هَذِهِ القِراءَةُ المَعْرُوفَةُ، وقَدْ رُوِيَتْ: ”ما هَذا بِشِرًى“، أيْ: ”ما هَذا يُعَدُّ مُشْتَرًى“، وهَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، لِأنَّ مِثْلَ ”بِشِرًى“، يُكْتَبُ في المُصْحَفِ بِالياءِ، وقَوْلُهُنَّ: ﴿إنْ هَذا إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾، ”مَلَكٌ“، مُطابِقٌ في اللَّفْظِ لِـ ﴿بَشَرًا﴾، وسِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ القُدَماءِ يَزْعُمُونَ أنَّ ”بَشَرًا“، مَنصُوبٌ (p-١٠٨)خَبَرُ ”ما“، ويَجْعَلُونَهُ بِمَنزِلَةِ ”لَيْسَ“، و”ما“، مَعْناها مَعْنى ”لَيْسَ“، في النَّفْيِ، وهَذِهِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وهي اللُّغَةُ القُدْمى الجَيِّدَةُ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الرَّفْعَ في قَوْلِكَ: ”ما هَذا بَشَرٌ“، أقْوى الوَجْهَيْنِ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ كِتابَ اللَّهِ، ولُغَةَ رَسُولِ اللَّهِ أقْوى الأشْياءِ، وأقْوى اللُّغاتِ، ولُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ: ”ما هَذا بَشَرٌ“، ولا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إلّا بِرِوايَةٍ صَحِيحَةٍ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ إجْماعُهم عَلى: ”ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ“، وما قَرَأ أحَدٌ: ”ما هُنَّ أُمَّهاتُهُمْ“.
يوسف 12:32
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيُسْجَنَنَّ ولَيَكُونًا مِنَ الصّاغِرِينَ﴾، اَلْقِراءَةُ الجَيِّدَةُ تَخْفِيفُ ”لَيَكُونًا“، والوُقُوفُ عَلَيْها بِالألِفِ، لِأنَّ النُّونَ الخَفِيفَةَ تُبْدَلُ مِنها في الوَقْفِ الألِفُ، تَقُولُ: ”اِضْرِبًا زَيْدًا“، فَإذا وقَفْتَ قُلْتَ: ”اِضْرِبا“، كَما أبْدَلْتَ فِي: ”رَأيْتُ زَيْدًا“، اَلْألِفَ مِنَ التَّنْوِينِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَلَتَكُونَنَّ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وأكْرَهُها لِخِلافِ المُصْحَفِ، لِأنَّ الشَّدِيدَةَ لا يُبْدَلُ مِنها شَيْءٌ، ﴿مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ مِنَ المُذَلِّيِنَ.
يوسف 12:33
﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ﴾، و”اَلسَّجْنُ“، جَمِيعًا، بِكَسْرِ السِّينِ، وفَتْحِها، فَمَن فَتَحَ فَعَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أنْ أُسْجَنَ أحَبُّ إلَيَّ“، ومَن كَسَرَ، فَعَلى اسْمِ المَكانِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”نُزُولُ السِّجْنِ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إلَيْهِ“، أيْ: مِن رُكُوبِ المَعْصِيَةِ، ﴿وَإلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ﴾، أيْ: ”إلّا تَعْصِمْنِي أصْبُ إلَيْهِنَّ“، أيْ: ”أمِلْ إلَيْهِنَّ“، يُقالُ: ”صَبا إلى اللَّهْوِ، يَصْبُو، صُبُوًّا، وصِبِيًّا، وصَبًّا“، إذا مالَ إلَيْهِ، (p-١٠٩)وَقالَ: ”وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَعْنِي امْرَأةَ العَزِيزِ وحْدَها، إلّا أنَّهُ أرادَ كَيْدَها وكَيْدَ جَمِيعِ النِّساءِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”كَيْدَها وكَيْدَ النِّسْوَةِ اللّاتِي رَأيْنَ يُوسُفَ حِينَ أرَتْهُنَّ إيّاهُ“.
يوسف 12:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾، ”بَدا“، فِعْلٌ اسْتَغْنى عَنْ فاعِلٍ، العَرَبُ تَقُولُ: ”قَدْ بَدا لِي بَداءً“، أيْ: ”تَغَيَّرَ رَأْيِي عَمّا كانَ عَلَيْهِ“، وأكْثَرُ العَرَبِ تَقُولُ: ”قَدْ بَدا لِي“، ولَمْ يَذْكُرْ ”بَداءً“، لِكَثْرَتِهِ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى تَغَيُّرِ رَأْيِهِ، فَتُرِكَ الفاعِلُ وهو مُرادٌ، ثُمَّ بَيَّنَ ما البَداءُ، فَقالَ: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾، كَأنَّهم قالُوا: ”لَيَسْجُنَنَّهُ“، والرَّأْيُ الَّذِي كادَ لَهم قَبْلُ: قِيلَ: إنَّ العَزِيزَ أمَرَهُ بِالإعْراضِ فَقَطْ، ثُمَّ تَغَيَّرَ رَأْيُهُ عَنْ ذَلِكَ.
يوسف 12:36
﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”فَحُبِسَ“، لِأنَّ في قَوْلِهِ: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ﴾، دَلِيلًا أنَّهُ حُبِسَ، و﴿فَتَيانِ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونا حَدَثَيْنِ، أوْ شَيْخَيْنِ، لِأنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ المَمْلُوكَ ”فَتًى“، ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”إنِّي أرانِي في النَّوْمِ أعْصِرُ خَمْرًا“، لِأنَّ الحالَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ يَرى نَفْسَهُ في اليَقَظَةِ يَعْصِرُ خَمْرًا.
وَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”اَلْخَمْرُ“، في لُغَةِ عُمانَ: اِسْمٌ لِلْعِنَبِ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”أرانِي أعْصِرُ عِنَبًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَنى الخَمْرَ بِعَيْنِها، لِأنَّهُ يُقالُ لِلَّذِي يَصْنَعُ مِنَ التَّمْرِ الدِّبْسَ: ”هَذا يَعْمَلُ دِبْسًا“، وإنَّما يَعْمَلُ التَّمْرَ حَتى يَصِيرَ دِبْسًا، وكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ نُقِلَ مِن شَيْءٍ.
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”أعْصِرُ خَمْرًا“، أيْ: أعْصِرُ عِنَبَ الخَمْرِ، أيْ: اَلْعِنَبَ الَّذِي يَكُونُ عَصِيرُهُ خَمْرًا، ﴿وَقالَ الآخَرُ إنِّي أرانِي أحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾، أيْ: تَأْوِيلِ ما رَأيْنا، وقَوْلُهُما: ”نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُما رَأيا ذَلِكَ في النَّوْمِ، لِأنَّهُ لا تَأْوِيلَ لِرُؤْيَةِ اليَقَظَةِ غَيْرُ ما يَراهُ الإنْسانُ، ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾
(p-١١٠)جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ يُعِينُ المَظْلُومَ، ويَنْصُرُ الضَّعِيفَ، ويَعُودُ العَلِيلَ، وقِيلَ: ”مِنَ المُحْسِنِينَ“، أيْ: مِمَّنْ يُحْسِنُ التَّأْوِيلَ، وهَذا دَلِيلٌ أنَّ أمْرَ الرُّؤْيا صَحِيحٌ، وأنَّها لَمْ تَزَلْ في الأُمَمِ الخالِيَةِ، ومَن دَفَعَ أمْرَ الرُّؤْيا، وأنَّهُ مِنها ما يَصِحُّ، فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ، لِأنَّهُ يَدْفَعُ القُرْآنَ، والأثَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، لِأنَّهُ رُوِيَ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ أنَّ الرُّؤْيا جُزْءٌ مِن أرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ»، وتَأْوِيلُهُ أنَّ الأنْبِياءَ يُخْبَرُونَ بِما سَيَكُونُ، والرُّؤْيا الصّادِقَةُ تَدُلُّ عَلى ما سَيَكُونُ.
يوسف 12:37
﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إلا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَكُما﴾، ولَيْسَ هَذا جَوابَ ما سَألا عَنْهُ، إنَّما سَألا أنْ يُخْبِرَهُما بِتَأْوِيلِ ما رَأياهُ، فَأحَبَّ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَدْعُوَهُما إلى الإيمانِ، وأنْ يُعْلِمَهُما أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنْ يَدُلَّهُما عَلى نُبُوَّتِهِ بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ، فَأعْلَمَهُما أنَّهُ يُخْبِرُهُما بِكُلِّ طَعامٍ يُؤْتَيانِ بِهِ، قَبْلَ أنْ يَرَياهُ.
ثُمَّ أعْلَمَهُما أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِمّا عَرَّفَهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَقالَ: ﴿ذَلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾، أيْ: لَسْتُ أُخْبِرُكُما عَلى جِهَةِ التَّكَهُّنِ، والتَّنَجُّمِ، إنَّما أُخْبِرُكُما بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وعِلْمٍ، ثُمَّ أعْلَمَهُما أنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا لِمُؤْمِنٍ بِنَبِيٍّ، فَقالَ: ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وعَلى النّاسِ﴾ [يوسف: ٣٨]، أيْ: اِتِّباعُنا الإيمانَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ لَنا، وبِفَضْلِهِ عَلَيْنا، وعَلى النّاسِ، بِأنْ دَلَّهم عَلى دِينِهِ المُؤَدِّي إلى صَلاحِهِمْ، (p-١١١)﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [يوسف: ٣٨]
يوسف 12:39
ثُمَّ قالَ لَهُما: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أمِ اللَّهُ﴾، فَدَعاهم إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُما أنَّهُ يُخْبِرُهُما بِالغَيْبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠]، أيْ: أنْتُمْ جَعَلْتُمْ هَذِهِ الأسْماءَ آلِهَةً، ثُمَّ أخْبَرَهم بِتَأْوِيلِ الرُّؤْيا، بَعْدَ أنْ دَعاهم إلى الإيمانِ، فَأمّا تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ”هُمْ“، فَعَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ.
يوسف 12:41
وَقَوْلُهُ: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أمّا أحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾، فَكانَ هَذا صاحِبَ شَرابِ المَلِكِ، فَأعْلَمَهُ أنَّ تَأْوِيلَ ما رَأى هو هَذا، ويَجُوزُ ”فَيُسْقِي“، والأجْوَدُ ”فَيَسْقِي“، تَقُولُ: ”سَقَيْتُهُ“، بِمَنزِلَةِ ”ناوَلْتُهُ فَشَرِبَ“، و”أسْقَيْتُهُ“، ”جَعَلْتُ لَهُ سَقْيًا“، تَقُولُ: ”أسْقَيْتُهُ مِن كَذا وكَذا“، أيْ: ”جَعَلْتُ لَهُ سَقْيًا“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾، لَمّا تَأوَّلَ لَهُما الرُّؤْيا قالَ الَّذِي أنْبَأهُ بِأنَّهُ يُصْلَبُ أنَّهُ لَمْ يَرَ شَيْئًا، فَأعْلَمَهُ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِهِ، وإنْ لَمْ يَرَ، كَما أعْلَمَهُما بِخَبَرِ ما يَأْتِيهِما مِنَ الطَّعامِ.
يوسف 12:42
﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أنَّهُ ناجٍ مِنهُما اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾، أيْ: عِنْدَ المَلِكِ، صاحِبِكَ، ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، (p-١١٢)أنْسى يُوسُفَ الشَّيْطانُ أنْ يَذْكُرَ اللَّهَ، ﴿فَلَبِثَ في السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾، اِخْتَلَفُوا في البِضْعِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلْبِضْعُ“: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى الخَمْسِ، وقالَ قُطْرُبٌ: إلى السَّبْعِ، وقالَ الأصْمَعِيُّ - وهو القَوْلُ الصَّحِيحُ -: ”اَلْبِضْعُ“: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، واشْتِقاقُ ”اَلْبِضْعُ“، و”اَلْبَضْعَةُ“، مِن ”قَطَعْتَ الشَّيْءَ“، فَمَعْناهُ: اَلْقِطْعَةُ مِنَ العَدَدِ، فَجُعِلَ لِما دُونَ العَشَرَةِ مِنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ.
يوسف 12:43
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَبْعٌ عِجافٌ﴾، ”اَلْعِجافُ“: اَلَّتِي قَدْ بَلَغَتْ في الهُزالِ الغايَةَ، والنِّهايَةَ، ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في رُؤْيايَ﴾، ”اَلْمَلَأُ“: اَلَّذِينَ يُرْجَعُ إلَيْهِمْ في الأُمُورِ، ويُقْتَدى بِآرائِهِمْ، ﴿إنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾، هَذِهِ اللّامُ أُدْخِلَتْ عَلى المَفْعُولِ لِتُبَيِّنَ المَعْنى، ”إنْ كُنْتُمْ تَعْبُرُونَ، وعابِرِينَ“، ثُمَّ بَيَّنَ بِاللّامِ، فَقالَ: ”لِلرُّؤْيا“، ومَعْنى ”عَبَّرْتُ الرُّؤْيا، وعَبَرْتُها“، خَبَّرْتُ بِآخِرِ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُها، واشْتَقَقْتُهُ مِن ”عَبْرِ النَّهْرِ“، وهو شاطِئُ النَّهْرِ، فَتَأْوِيلُ ”عَبَرْتُ النَّهْرَ“، أيْ: ”بَلَغْتُ إلى عَبْرِهِ“، أيْ: شاطِئِهِ، وهو آخِرُ عَرْضِهِ.
يوسف 12:44
﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾، و”اَلضِّغْثُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحُزْمَةُ، والباقَةُ مِنَ الشَّيْءِ، كالبَقْلِ، وما أشْبَهَهُ، فَقالُوا لَهُ: ”رُؤْياكَ أضْغاثُ أحْلامٍ“، أيْ: حُزَمُ أخْلاطٍ، لَيْسَتْ بِرُؤْيا بَيِّنَةٍ.
(p-١١٣)﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعالِمِينَ﴾، أيْ: لَيْسَ لِلرُّؤْيَةِ المُخْتَلِطَةِ عِنْدَنا تَأْوِيلٌ.
يوسف 12:45
﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنهُما وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، أيْ: بَعْدَ حِينٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”واذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ“، و”اَلْأمَهُ“: اَلنِّسْيانُ، يُقالُ: ”أمِهَ، يَأْمَهُ، أمَهًا“، هَذا الصَّحِيحُ، بِفَتْحِ المِيمِ، ورَوى بَعْضُهم عَنْ أبِي عُبَيْدَةً: ”أمْهٌ“، بِسُكُونِ المِيمِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ، لِأنَّ المَصْدَرَ أنَّهُ ”يَأْمَهُ، أمَهًا“، لا غَيْرُ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”أنا آتِيكم بِتَأْوِيلِهِ“، وأكْرَهُها، لِخِلافِ المُصْحَفِ، و”اِدَّكَرَ“، أصْلُهُ: ”واِذْتَكَرَ“، ولَكِنَّ التّاءَ أُبْدِلَ مِنها الذّالُ، وأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ، ويَجُوزُ ”واذَّكَرَ“، بِالذّالِ، والأجْوَدُ الدّالُ.
يوسف 12:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾، أرادَ ”يا يُوسُفُ“، والنِّداءُ يَجُوزُ في المَعْرِفَةِ حَذْفُ ”يا“، مِنهُ، فَتَقُولُ: ”يا زَيْدُ أقْبِلْ“، و”زَيْدُ أقْبِلْ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذا ما خِفْتَ مِن أمْرٍ تَبالا
أرادَ ”يا مُحَمَّدُ“، و”اَلصِّدِّيقُ“: اَلْمُبالِغُ في الصِّدْقِ، والتَّصْدِيقِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أرْجِعُ إلى النّاسِ لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ رُؤْيا المَلِكِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: لَعَلَّهم يَعْلَمُونَ (p-١١٤)مَكانَكَ فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبَ خَلاصِكَ مِنَ الحَبْسِ.
يوسف 12:47
﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأبًا﴾، أيْ: تَدْأبُونَ دَأبًا، ودَلَّ عَلى ”تَدْأبُونَ“، تَزْرَعُونَ، و”اَلدَّأبُ“: اَلْمُلازَمَةُ لِلشَّيْءِ، والعادَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ [يوسف: ٤٩]، وقُرِئَتْ: ”وَفِيهِ يُعْصَرُونَ“، فَمَن قالَ: ”وَفِيهِ يَعْصِرُونَ“ بِالياءِ، أيْ: ”يَأْتِي العامُ بَعْدَ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً الَّذِي فِيهِ يُغاثُ النّاسُ فَيَعْصِرُونَ فِيهِ الزَّيْتَ، والعِنَبَ“، ومَن قَرَأ: ”يُعْصَرُونَ“، أرادَ ”يُمْطَرُونَ“، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأنْـزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجًا﴾ [النبإ: ١٤]، ومَن قَرَأ: ”وَفِيهِ تَعْصِرُونَ“، فَإنْ شاءَ كانَ عَلى تَأْوِيلِ ”يَعْصِرُونَ“، وإنْ شاءَ كانَ عَلى تَأْوِيلِ: ”وَفِيهِ تَنْجَوْنَ مِنَ البَلاءِ، وتَعْتَصِمُونَ بِالخِصْبِ“، قالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
؎لَوْ بِغَيْرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ كُنْتُ كالغِصّانِ بِالماءِ اعْتِصارِي
وَيُقالُ: ”فُلانٌ في عَصَرٍ“، و”فِي عُصْرَةٍ“، إذا كانَ في حِصْنٍ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ.
يوسف 12:50
وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَقالَ المَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾، لَمّا أُعْلِمَ بِمَكانِهِ مِنَ العِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ، طَلَبَهُ، ﴿قالَ ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ﴾، أيْ: إلى صاحِبِكَ، و”رَبُّ الشَّيْءِ“: صاحِبُهُ.
(p-١١٥)﴿فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾، ويَجُوزُ ”اَللّائِي قَطَّعْنَ“، أيْ: ”اِسْألْهُ أنْ يَسْتَعْمِلَ صِحَّةَ بَراءَتِي مِمّا قُرِفْتُ بِهِ“، ويُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”لَوْ كُنْتُ في مَكانِ يُوسُفَ، ثُمَّ جاءَنِي الرَّسُولُ، لَبادَرْتُ إلَيْهِ“»، إنَّهُ ﷺ اسْتَحْسَنَ حَزْمَ يُوسُفَ، وصَبْرَهُ، حِينَ دَعاهُ المَلِكُ، فَلَمْ يُبادِرْ إلَيْهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عِنْدَ المَلِكِ صِحَّةُ بَراءَتِهِ.
يوسف 12:51
﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ﴾، لَمْ يُفْرِدْ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - امْرَأةَ العَزِيزِ بِالذِّكْرِ، حُسْنَ عِشْرَةٍ مِنهُ، وأدَبًا، فَخَلَطَها بِالنِّسْوَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾، قُرِئَتْ: ”حاشَ لِلَّهِ“، و”حاشا لِلَّهِ“، وقَرَأ الحَسَنُ: ”حاشْ لِلَّهِ“، بِتَسْكِينِ الشِّينِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ الإسْكانَ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ الجَمْعَ بَيْنَ ساكِنَيْنِ لا يَجُوزُ، ولا هو مِن كَلامِ العَرَبِ، ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ﴾، فَأعْلَمَ النِّسْوَةُ المَلِكَ بِبَراءَةِ يُوسُفَ، و﴿قالَتِ امْرَأتُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الحَقُّ﴾، أيْ: بَرَزَ، وتَبَيَّنَ، واشْتِقاقُهُ في اللُّغَةِ مِن ”اَلْحِصَّةُ“، أيْ: بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ، وجِهَتُهُ مِن جِهَةِ الباطِلِ.
يوسف 12:52
﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾، هَذا قَوْلُ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، المَعْنى: ”إنِّي أرَدْتُ التَّبْيِينَ لِلْمَلِكِ أمْرَ امْرَأتِهِ والنِّسْوَةِ، لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ“، و”ذَلِكَ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، وإنْ شِئْتَ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، كَأنَّهُ قالَ: ”أمْرِي ذَلِكَ، (p-١١٦)وَيُرْوى أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ:“وَلا حِينَ حَلَلْتَ التِّكَّةَ؟”، وقِيلَ:“وَلا حِينَ هَمَمْتَ؟”، فَقالَ: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لأمّارَةٌ بِالسُّوءِ إلا ما رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣]، مَوْضِعُ“ما"، نَصْبٌ عَلى الِاسْتِثْناءِ.
يوسف 12:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾،، جَزْمٌ، جَوابُ الأمْرِ، ومَعْنى ”أسْتَخْلِصْهُ“: أيْ: أجْعَلْهُ خالِصًا لِي، لا يَشْرِكُنِي فِيهِ أحَدٌ، ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إنَّكَ اليَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أمِينٌ﴾، أيْ: عَرَفْنا أمانَتَكَ، وبَراءَتَكَ مِمّا قُرِفْتَ بِهِ.
يوسف 12:55
﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾، أيْ: عَلى أمْوالِها، ﴿إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: أحْفَظُها، وأعْلَمُ وُجُوهَ مُتَصَرَّفاتِها، وإنَّما سَألَهُ أنْ يَجْعَلَهُ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ لِأنَّ الأنْبِياءَ بُعِثُوا لِإقامَةِ الحَقِّ، والعَدْلِ، ووَضْعِ الأشْياءِ مَواضِعَها، فَعَلِمَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ لا أحَدَ أقْوَمُ بِذَلِكَ مِنهُ، ولا أوْضَعُ لَهُ في مَواضِعِها، فَسَألَ ذَلِكَ إرادَةً لِلصَّلاحِ.
يوسف 12:59
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ قالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ﴾، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - قَدْ كانَ قَبْلَهُ كَلامٌ جَرَّ إلَيْهِ ما يُوجِبُ طَلَبَ أخِيهِمْ مِنهُمْ، لِأنَّهُ لا يَقُولُ: ”اِئْتُونِي بِأخٍ لَكم مِن أبِيكُمْ“، مِن غَيْرِ أنْ يَجْرِيَ ما يُوجِبُ هَذا القَوْلَ، فَكَأنَّهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - سَألَهم عَنْ أخْبارِهِمْ، وأمْرِهِمْ، وعَدَدِهِمْ، فاجْتَرَأ لِقَوْلِ هَذِهِ المَسْألَةِ.
(p-١١٧)﴿ألا تَرَوْنَ أنِّي أُوفِي الكَيْلَ وأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾، لِأنَّهُ حِينَ أنْزَلَهُمْ، أحْسَنَ ضِيافَتَهم.
يوسف 12:60
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكم عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِكَسْرِ النُّونِ، ويَجُوزُ الفَتْحُ، بِفَتْحِ النُّونِ، لِأنَّها نُونُ جَماعَةٍ، كَما قالَ: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤]، بِفَتْحِ النُّونِ، وتَكُونُ ”وَلا تَقْرَبُونَ“، لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، ومَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ.
يوسف 12:61
﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أباهُ وإنّا لَفاعِلُونَ﴾، ”وَإنّا لَفاعِلُونَ“، تَوْكِيدٌ.
يوسف 12:62
﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ﴾، و”لِفِتْيَتِهِ“، قُرِئَتا جَمِيعًا، و”اَلْفِتْيانُ“، و”اَلْفِتْيَةُ“: اَلْمَمالِيكُ، في هَذا المَوْضِعِ، ﴿اجْعَلُوا بِضاعَتَهم في رِحالِهِمْ لَعَلَّهم يَعْرِفُونَها إذا انْقَلَبُوا إلى أهْلِهِمْ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾، وفي هَذا وجْهانِ، أيْ: إذا رَأوْا بِضاعَتَهم مَرْدُودَةً عَلَيْهِمْ، عَلِمُوا أنَّ ما كِيلَ لَهم مِنَ الطَّعامِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنهم ثَمَنُهُ، وأنَّ وضْعَ البِضاعَةِ في الرِّحالِ لَمْ يَكُنْ إلّا عَنْ أمْرِ يُوسُفَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ“: يَرُدُّونَ البِضاعَةَ، لِأنَّها ثَمَنُ ما اكْتالُوهُ، ولِأنَّهم لا يَأْخُذُونَ شَيْئًا إلّا بِثَمَنِهِ.
يوسف 12:63
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أيْ: إنْ أرْسَلْتَهُ مَعَنا اكْتَلْنا، وإلّا فَقَدْ مُنِعْنا الكَيْلَ.
يوسف 12:64
﴿قالَ هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ إلا كَما أمِنتُكم عَلى أخِيهِ مِن قَبْلُ﴾، (p-١١٨)أيْ: كَذَلِكَ قُلْتُمْ لِي في يُوسُفَ: أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ، فَقَدْ ضَمِنتُمْ لِي حِفْظَ يُوسُفَ، وكَذَلِكم ضَمانُكم هَذا عِنْدِي، ”فاللَّهُ خَيْرٌ حِفْظًا“، وتُقْرَأُ: ﴿حافِظًا﴾، و”حِفْظًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و”حافِظًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”حافِظًا“، عَلى التَّمْيِيزِ أيْضًا.
يوسف 12:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَدُوا بِضاعَتَهم رُدَّتْ إلَيْهِمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”رِدَّتْ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، والأصْلُ: ”رُدِدَتْ“، فَأُدْغِمَتِ الدّالُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وبَقِيَتِ الرّاءُ مَضْمُومَةً، ومَن كَسَرَ الرّاءَ جَعَلَ كَسْرَتَها مَنقُولَةً مِنَ الدّالِ، كَما فُعِلَ ذَلِكَ في ”قِيلَ“، و”بِيعَ“، لِتَدُلَّ أنَّ أصْلَ الدّالِ الكَسْرُ، وقَدْ حَكى قُطْرُبٌ أنَّهُ يُقالُ في ”ضُرِبَ زَيْدٌ“: ”ضُرْبَ زَيْدٌ“، و”ضِرْبَ زَيْدٌ“، بِكَسْرِ الضّادِ، أسْكَنَ الرّاءَ، ونَقَلَ كَسْرَتَها إلى الضّادِ.
وَعَلى هَذِهِ اللُّغَةِ يَجُوزُ في ”كَبِدٌ“، ”كِبْدٌ“.
﴿قالُوا يا أبانا ما نَبْغِي﴾، أيْ: ما نُرِيدُ، و”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: أيُّ شَيْءٍ نُرِيدُ، وقَدْ رُدَّتْ عَلَيْنا بِضاعَتُنا؟ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، نَفْيًا، كَأنَّهم قالُوا: ”ما نَبْغِي شَيْئًا“، ﴿هَذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إلَيْنا ونَمِيرُ أهْلَنا﴾، يُقالُ: ”مِرْتُهُمْ، أمِيرُهُمْ، مَيْرًا“، إذا أتَيْتُهم بِالمَيْرِ، ﴿وَنَـزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾، لِأنَّهُ كانَ يُكالُ لِكُلِّ رَجُلٍ وقْرُ بَعِيرٍ، ﴿ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾، (p-١١٩)أيْ: ”ذَلِكَ كَيْلٌ سَهْلٌ“، أيْ: سَهْلٌ عَلى الَّذِي يَمْضِي إلَيْهِ.
يوسف 12:66
﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾، فَمَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، والمَعْنى: لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا لِإحاطَةٍ بِكُمْ، أيْ: لا لِتَمْتَنِعُوا مِنَ الإتْيانِ بِهِ إلّا لِهَذا، وهَذا يُسَمّى مَفْعُولًا لَهُ، و”إلّا“، هَهُنا تَأْتِي بِمَعْنى تَحْقِيقِ الجَزاءِ، تَقُولُ: ”ما تَأْتِي إلّا لِأخْذِ الدَّراهِمِ“، و”إلّا أنْ تَأْخُذَ الدَّراهِمَ“، ومَعْنى الإحاطَةِ بِهِمْ أنْ يُحالُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، فَلا يَقْدِرُوا عَلى الإتْيانِ بِهِ.
يوسف 12:67
﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِن بابٍ واحِدٍ وادْخُلُوا مِن أبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾، قَدْ خافَ عَلَيْهِمُ العَيْنَ، وأمْرُ العَيْنِ صَحِيحٌ - واللَّهُ أعْلَمُ -، وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ عَوَّذَ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَقالَ في دَعْوَتِهِ: ”وَأُعِيذُكُما مِن كُلِّ عَيْنٍ لامَّةٍ“» .
يوسف 12:68
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِن حَيْثُ أمَرَهم أبُوهم ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إلا حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾، أيْ: إلّا خَوْفَ العَيْنِ، وتَأْوِيلُ ”ما كانَ يُغْنِي عَنْهم مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ“: لَوْ قُدِّرَ أنْ تُصِيبَهم لَأصابَتْهم وهم مُتَفَرِّقُونَ، كَما تُصِيبُهم مُجْتَمِعِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: لا يُغْنِي مَعَ قَضاءِ اللَّهِ شَيْءٌ، ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾، أيْ: لَذُو عِلْمٍ لِتَعْلِيمِنا إيّاهُ، ونُصِبَ ”حاجَةً“، اِسْتِثْناءً لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: ”لَكِنَّ حاجَةً في نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها“.
يوسف 12:69
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾، أيْ: ضَمَّ إلَيْهِ أخاهُ، ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾، أيْ: لا تَحْزَنْ، ولا تَسْتَكِنْ.
يوسف 12:70
(p-١٢٠)﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾، أيْ: أعْلَمَ مُعْلِمٌ، يُقالُ: ”آذَنْتُهُ بِالشَّيْءِ، فَهو مُؤْذَنٌ بِهِ“، أيْ: أعْلَمْتُهُ، و”أذَنْتُ“، أكْثَرْتُ الإعْلامَ بِالشَّيْءِ، ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”يا أيُّها الأصْحابُ لِلْعِيرِ“، ولَكِنْ قالَ: ”أيَّتُها العِيرُ“، وهو يُرِيدُ ”أهْلَ العِيرِ“، كَما قالَ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، يُرِيدُ أهْلَ القَرْيَةِ، وأنَّثَ ”أيُّ“، لِأنَّهُ جَعَلَها لِلْعِيرِ.
يوسف 12:72
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ﴾، وقُرِئَتْ: ”صَواعَ المَلِكِ“، وقُرِئَتْ: ”صاعَ المَلِكِ“، قَرَأ أبُو هُرَيْرَةَ: ”صاغَ المَلِكِ“، وقُرِئَتْ: ”صَوْغَ المَلِكِ“، بِالغَيْنِ مُعْجَمَةً، ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾، أيْ: حِمْلُ بَعِيرٍ مِنَ الطَّعامِ، ﴿وَأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾، أيْ: كَفِيلٌ، ”اَلصُّواعُ“، هو الصّاعُ بِعَيْنِهِ، وهو يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وكَذَلِكَ ”اَلصّاعُ“، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ إناءٌ مُسْتَطِيلٌ يُشْبِهُ المَكُّوكَ، كانَ يَشْرَبُ بِهِ المَلِكُ، وهو السِّقايَةُ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مَصْنُوعًا مِن فِضَّةٍ، مُمُوَّهًا بِذَهَبٍ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ مِن مَسٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يُشْبِهُ الطّاسَ.
يوسف 12:73
﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ﴾، مَعْنى ”تاللَّهِ“: ”واللَّهِ“، إلّا أنَّ التّاءَ لا يُقْسَمُ بِها إلّا في ”اَللَّهِ“، لا يَجُوزُ ”تالرَّحْمَنِ“، ولا ”تَرَبِّي لَأفْعَلَنَّ“، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، كَما قالُوا في ”وُراثٍ“، ”تُراثٌ“، (p-١٢١)وَكَما قالُوا: ”يَتَّزِنُ“، وأصْلُهُ: ”يَوْتَزِنُ“، مِن ”اَلْوَزْنُ“، وإنَّما قالُوا: ”لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ“، لِأنَّهم كانُوا لا يُنْزِلُونَ عَلى قَوْمٍ ظُلْمًا، ولا يَرْعَوْنَ زَرْعَ أحَدٍ، وجَعَلُوا عَلى أفْواهِ إبِلِهِمُ الأكِمَّةَ، لِئَلّا تَعْبَثَ في زَرْعٍ، وقالُوا: ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾، لِأنَّهم قَدْ كانُوا فِيما رُوِيَ رَدُّوا البِضاعَةَ الَّتِي وجَدُوها في رِحالِهِمْ، أيْ: فَمَن رَدَّ ما وجَدَهُ كَيْفَ يَكُونُ سارِقًا.
يوسف 12:74
﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥]، أيْ: مِثْلَ هَذا الجَزاءِ نَجْزِي الظّالِمِينَ، وكانَ جَزاءُ السّارِقِ عِنْدَهم أنْ يُسْتَعْبَدَ بِسَرِقَتِهِ، يَصِيرُ عَبْدًا، لِأنَّهُ سَرَقَ.
فَأمّا رَفْعُ ”قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ“، فَمِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّ ”هُوَ جَزاؤُهُ“، اِبْتِداءٌ، ويَكُونُ ”مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ“، اَلْخَبَرَ، ويَكُونُ المَعْنى: ”جَزاءُ السَّرَقِ الإنْسانُ المَوْجُودُ في رَحْلِهِ السَّرَقُ“، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ”فَهُوَ جَزاؤُهُ“، زِيادَةٌ في الإبانَةِ، كَما تَقُولُ: ”جَزاءُ السّارِقِ القَطْعُ، فَهو جَزاؤُهُ، فَهَذا جَزاؤُهُ“، زِيادَةً في الإبانَةِ.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ ”مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ“، هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرُ الجَزاءِ، والعائِدُ عَلَيْهِ مِنَ الجُمْلَةِ ”جَزاؤُهُ“، اَلَّذِي بَعْدَ قَوْلِهِ: ”فَهُوَ“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”قالُوا: جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هُوَ“، أيْ: ”فَهُوَ الجَزاءُ“، ولَكِنَّ الإظْهارَ كانَ أحْسَنَ هَهُنا، لِئَلّا يَقَعَ في الكَلامِ لَبْسٌ، ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ”هُوَ“، إذا عادَتْ ثانِيَةً فَلَيْسَتْ بِراجِعَةٍ عَلى الجَزاءِ، والعَرَبُ إذا أقْحَمَتْ أمْرَ الشَّيْءِ جَعَلَتِ العائِدَ عَلَيْهِ إعادَةَ لَفْظِهِ بِعَيْنِهِ، أنْشَدَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ: (p-١٢٢)
؎لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
وَلَمْ يَقُلْ: ”لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُهُ شَيْءٌ“.
يوسف 12:76
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ﴾، رَجَعَ بِالتَّأْنِيثِ عَلى السِّقايَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أنَّثَ الصُّواعَ، ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾، أيْ: في سِيرَةِ المَلِكِ، وما يَدِينُ بِهِ المَلِكُ، لِأنَّ السّارِقَ في دِينِ المَلِكِ كانَ يُغَرَّمُ مِثْلَيْ ما سَرَقَ.
وَكانَ عِنْدَ آلِ يَعْقُوبَ وفي مَذْهَبِهِمْ أنْ يَصِيرَ السّارِقُ عَبْدًا، يَسْتَرِقَّهُ صاحِبُ الشَّيْءِ المَسْرُوقِ، ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، لَمّا سَقَطَتِ الباءُ أفْضى الفِعْلُ، فَنَصَبَ، المَعْنى: ”ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ“، ”نَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن نَشاءُ“، عَلى إضافَةِ الدَّرَجاتِ إلى ”مَن“، ويَجُوزُ ”دَرَجاتٍ“، بِالتَّنْوِينِ، عَلى أنْ يَكُونَ ”مَن“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”نَرْفَعُ مَن نَشاءُ دَرَجاتٍ“.
وَيَجُوزُ رَفْعُ ”دَرَجاتٌ مَن نَشاءُ“، وهي حَسَنَةٌ، ولا أعْلَمُها رُوِيَتْ، فَلا تَقْرَأنَّ بِها إنْ لَمْ تَصِحَّ فِيها رِوايَةٌ، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ“، حَتّى يَنْتَهِيَ العِلْمُ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
يوسف 12:77
﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾، (p-١٢٣)يَعْنُونَ يُوسُفَ، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في صِغَرِهِ أخَذَ صُورَةً مِمّا كانَ يَتَعَبَّدُ بِهِ بَعْضُ مَن يُخالِفُ أهْلَ مِلَّةِ الإسْلامِ، مِن ذَهَبٍ، وهَذا الَّذِي أخَذَهُ كانَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ، لِئَلّا يُعَظِّمَ مِثْلَ ذَلِكَ، ﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾، أيْ: لَمْ يُظْهِرْها لَهُمْ، ﴿قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾
وَهَذا إضْمارٌ عَلى شَرِيطَةِ التَّفْسِيرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا“، بَدَلٌ مِن ”ها“، في قَوْلِهِ: ﴿فَأسَرَّها﴾، اَلْمَعْنى: ”فَأسَرَّ يُوسُفُ في نَفْسِهِ قَوْلَهُ: ﴿أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا في السَّرَقِ بِالصِّحَّةِ، لِأنَّكم سَرَقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكُمْ، ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾، أيْ:“اَللَّهُ أعْلَمُ أسَرَقَ أخٌ لَهُ أمْ لا".
يوسف 12:78
﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾، و”اَلْعَزِيزُ“: اَلْمَلِكُ، ﴿إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾، ”شَيْخًا“، مِن نَعْتِ ”أبًا“، و”أبًا“، مَنصُوبٌ بِـ ”إنَّ“، و”كَبِيرًا“، مِن نَعْتِ ”شَيْخًا“، ﴿فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، أيْ: مِمَّنْ يُحْسِنُ، ولا يُعامِلُ بِالتَّحْدِيدِ في واجِبٍ، لِأنَّهُ كانَ أعْطاهُمُ الطَّعامَ، وأعْطاهم ثَمَنَهُ في رَدِّهِ البِضاعَةَ لَهُمْ، فَطالَبُوهُ بِأنْ يُحْسِنَ.
يوسف 12:79
(p-١٢٤)﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾، ”مَعاذَ اللَّهِ“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أعُوذُ بِاللَّهِ مَعاذًا“، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: أعُوذُ بِاللَّهِ مِن أخْذِ أحَدٍ إلّا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ، فَلَمّا سَقَطَتْ ”مِن“، أفْضى الفِعْلُ، فَنَصَبَ، ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾، أيْ: إنْ أخَذْنا غَيْرَهُ، فَنَحْنُ ظالِمُونَ.
يوسف 12:80
﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾، اَلْمَعْنى: خَلَصُوا يَتَناجَوْنَ، أيْ: خَلَصُوا مُتَناجِينَ، فِيما يَعْمَلُونَ في ذَهابِهِمْ إلى أبِيهِمْ، ولَيْسَ مَعَهم أخُوهُمْ، و”نَجِيٌّ“، لَفْظُ واحِدٍ في مَعْنى جَمْعٍ، وكَذَلِكَ ﴿وَإذْ هم نَجْوى﴾ [الإسراء: ٤٧]، ويَجُوزُ ”قَوْمٌ نَجِيٌّ“، و”قَوْمٌ نَجْوى“، و”قَوْمٌ أنْجِيَةٌ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنِّي إذا ما القَوْمُ صارُوا أنْجِيَةْ
؎واخْتَلَفَ القَوْلُ اخْتِلافَ الأرْشِيَةْ
؎هُناكَ أوْصِينِي ولا تُوصِي بِيَهْ
وَمَعْنى ”خَلَصُوا“: اِنْفَرَدُوا، ولَيْسَ مَعَهم أخُوهم.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾، أجْوَدُ الأوْجُهِ أنْ يَكُونَ ”ما“، لَغْوًا، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَمِن قَبْلُ فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَمِن قَبْلُ (p-١٢٥)تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ“، أيْ: ”وَقَعَ تَفْرِيطُكم في يُوسُفَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، نَسَقًا عَلى ”أنَّ“، اَلْمَعْنى: ”ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكُمْ، وتَعْلَمُوا تَفْرِيطَكم في يُوسُفَ ؟“، ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾، أيْ: لَنْ أبْرَحَ أرْضَ مِصْرَ، وإلّا فالنّاسُ كُلُّهم عَلى الأرْضِ، ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾، نَسَقٌ عَلى ”حَتّى يَأْذَنَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أوْ“، عَلى جَوابِ ”لَنْ“، اَلْمَعْنى: ”لَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ لِي“.
يوسف 12:81
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾، ويَجُوزُ ”سُرِّقَ“، إلّا أنَّ ”سَرَقَ“، آكَدُ في القِراءَةِ، و”سُرِّقَ“، يَكُونُ عَلى ضَرْبَيْنِ: ”سُرِّقَ“: عُلِمَ أنَّهُ سَرَقَ، و”سُرِّقَ“: اِتُّهِمَ بِالسَّرَقِ.
يوسف 12:83
﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ﴾، أيْ: زَيَّنَتْ لَكم أنْفُسُكُمْ، وحَبَّبَتْ إلَيْكم أنْفُسُكُمْ، ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ“، أوْ: ”فَصَبْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ“، وقَدْ فَسَّرْنا هَذا فِيما سَبَقَ مِنَ السُّورَةِ.
يوسف 12:84
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾، مَعْناهُ: ”يا حُزْناهُ“، والأصْلُ: ”يا أسَفِي“، إلّا أنَّ ”ياءَ“، اَلْإضافَةِ يَجُوزُ أنْ تُبْدَلَ ألِفًا لِخِفَّةِ الألِفِ والفَتْحَةِ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾، أيْ: مَحْزُونٌ.
يوسف 12:85
﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾، (p-١٢٦)مَعْنى ”تاللَّهِ“: ”واللَّهِ“، و”لا“، مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: ”واللَّهِ لا تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، أيْ: ”لا تَزالُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، ﴿حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾، و”اَلْحَرَضُ“: اَلْفاسِدُ في جِسْمِهِ، أيْ: ”حَتّى تَكُونَ مُدْنَفًا مَرِيضًا“، و”اَلْحَرَضُ“: اَلْفاسِدُ في أخْلاقِهِ، وقَوْلُهُمْ: ”حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ“، تَأْوِيلُهُ: أفْسَدْتُهُ عَلَيْهِ.
وَإنَّما جازَ إضْمارُ ”لا“، في قَوْلِهِ: ”تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ“، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ في القَسَمِ ”تاللَّهِ تَفْعَلُ“، حَتّى تَقُولَ ”لَتَفْعَلَنَّ“، أوْ ”لا تَفْعَلْ“، والقَسَمُ لا يَجُوزُ لِلنّاسِ إلّا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَجُوزُ أنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ بِأبِيهِ، ولا يَنْبَغِي أنْ يَحْلِفَ بِالأنْبِياءِ، ولا يَحْلِفْ إلّا بِاللَّهِ، ويُرْوى «عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ: ”لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، ومَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ“» .
فَإنْ قالَ القائِلُ: فَما مَجازُ القَسَمِ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في قَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشى﴾ [الليل: ١]، ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، وما أشْبَهَ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - جَلَّ جَلالُهُ - في كِتابِهِ؟ فَفِيها أوْجُهٌ، كُلُّها قَدْ ذَكَرَها البَصْرِيُّونَ، فَقالُوا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أقْسَمَ بِها لِأنَّ فِيها كُلَّها دَلِيلًا عَلَيْهِ، وآياتٍ بَيِّناتٍ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [البقرة: ١٦٤]، إلَخْ، اَلْآيَةَ.
وَقالَ: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ﴾ [الجاثية: ٤]، فَكانَ القَسَمُ بِهَذا يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ اللَّهِ، وقالَ قُطْرُبٌ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناها: ”وَرَبِّ الشَّمْسِ وضُحاها“، ”وَرَبِّ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، كَما قالَ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، وقالَ: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ [الشمس: ٦]
(p-١٢٧)وَقالَ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]، وقالُوا أيْضًا: جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”وَخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ“، ”وَخَلْقِ التِّينِ والزَّيْتُونِ“، وقالُوا: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِما كانَ مَعْنى القَسَمِ مَعْنى التَّحْقِيقِ، وأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها حَقٌّ كُلُّها، وكَذَلِكَ ما أقْسَمَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فالمَعْنى: ”كَما أنَّ التِّينَ والزَّيْتُونَ حَقٌّ، لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ“، وأجْوَدُ هَذِهِ الأقْوالِ ما بَدَأْنا بِهِ في أوَّلِها.
يوسف 12:88
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾، قالُوا: ”مُزْجاةٍ“: قَلِيلَةٍ، وقالُوا: كانُوا جاؤُوا بِمَتاعِ الأعْرابِ كالصُّوفِ، والسَّمْنِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، مِمّا يَبِيعُهُ الأعْرابُ، وقِيلَ: إنَّ البِضاعَةَ كانَتْ مِمّا لا يُنْفَقُ مِثْلُهُ في الطَّعامِ، لِأنَّ مَتاعَ الأعْرابِ كَذَلِكَ كانَ تَحْتَهُ رَدِيءُ المالِ، وتَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ أنَّ ”اَلتَّزْجِيَةُ“: اَلشَّيْءُ القَلِيلُ الَّذِي يُدافَعُ بِهِ، تَقُولُ: ”فُلانٌ يُزَجِّي العَيْشَ“، أيْ: يَدْفَعُ بِالقَلِيلِ، ويَكْتَفِي بِهِ، فالمَعْنى عَلى هَذا: ”إنّا جِئْنا بِبِضاعَةٍ إنَّما يُدافَعُ بِها“، أيْ: يُتَقَوَّتُ”، لَيْسَ مِمّا يُتَّسَعُ بِهِ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎اَلْواهِبُ المِائَةَ الهِجانَ وعَبْدَها عُوذُوا تُزَجِّي خَلْفَها أطْفالَها
(p-١٢٨)أيْ: تَدْفَعُ أطْفالَها.
يوسف 12:90
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا أإنَّكَ لأنْتَ يُوسُفُ﴾، فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: بِجَمْعِ الهَمْزَتَيْنِ: ”قالُوا أئِنَّكَ“، عَلى تَحْقِيقِهِما، ويَجُوزُ: ”أيِنَّكَ“، عَلى أنْ يَجْعَلَ الثّانِيَةَ بَيْنَ الياءِ والهَمْزَةِ، وقُرِئَتْ: ”آئِنَّكَ“، عَلى ”إنَّكَ“، بِفَصْلٍ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ بِألِفٍ لِاجْتِماعِ الهَمْزَتَيْنِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أيا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جَلاجِلٍ وبَيْنَ النَّقا آأنْتِ أمْ أُمُّ سالِمِ
وَيَجُوزُ ”قالُوا إنَّكَ لَأنْتَ“، عَلى لَفْظِ الخَبَرِ.
يوسف 12:92
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ﴾، أيْ: لا إفْسادَ عَلَيْكم.
يوسف 12:94
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَوْلا أنْ تُفَنِّدُونِ﴾، مَعْناهُ: لَوْلا أنْ تُجَهِّلُونِي، ويُرْوى ”تُسَفِّهُونِ“.
يوسف 12:97
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾، يُقالُ: ”قَدْ خَطِئَ، يَخْطَأُ، خَطَأً، وخَطْأً“، و”أخْطَأ، يُخْطِئُ، إخْطاءً“، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (p-١٢٩)
؎يا لَهْفَ هِنْدٍ إذْ خَطِئْنَ كاهِلًا اَلْقاتِلِينَ المَلِكَ الحُلاحِلا
يوسف 12:98
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَوْفَ أسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾، قالَ ذَلِكَ يَعْقُوبُ، إرادَةَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهم في وقْتِ وجْهِ السَّحَرِ، في الوَقْتِ الَّذِي هو لِإجابَةِ الدُّعاءِ، لا أنَّهُ ضَنَّ بِالِاسْتِغْفارِ، وذَلِكَ أشْبَهُ بِأخْلاقِ الأنْبِياءِ، أعْنِي المُبالَغَةَ في الِاسْتِغْفارِ، وتَعَمُّدَ وقْتِ الإجابَةِ.
يوسف 12:99
﴿آوى إلَيْهِ أبَوَيْهِ﴾، أيْ: ضَمَّ إلَيْهِ أبَوَيْهِ.
يوسف 12:100
﴿وَرَفَعَ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ﴾، ”اَلْعَرْشُ“: اَلسَّرِيرُ، ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾، كانَ مِن سُنَّةِ التَّعْظِيمِ في ذَلِكَ الوَقْتِ أنْ يُسْجَدَ لِلْمُعَظَّمِ، وقِيلَ: ”وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا“: ”وَخَرُّوا لِلَّهِ“.
يوسف 12:101
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾، فِيها قَوْلانِ، أعْنِي في دُخُولِ ”مِن“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ عَلَّمْتَنِي بَعْضَ التَّأْوِيلِ، وآتَيْتَنِي بَعْضَ المُلْكِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ دُخُولُ ”مِن“، لِتُبَيِّنَ هَذا الجِنْسَ مِن سائِرِ الأجْناسِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي المُلْكَ وعَلَّمْتَنِي تَأْوِيلَ الأحادِيثِ“، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْـزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ [آل عمران: ٢٦]، يَدُلُّ عَلى أنَّ ”مِن“، هَهُنا، إنَّما هي لِتَبْيِينِ الجِنْسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِاجْتِنابِ بَعْضِ الأوْثانِ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”واجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ“ .
(p-١٣٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، يَنْتَصِبُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى الصِّفَةِ، لِقَوْلِهِ: ”رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ“، والمَعْنى: ”يا رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي“، وهَذا نِداءٌ مُضافٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَكُونُ ”فاطِرَ السَّمَواتِ والأرْضِ“، صِفَةً لِلْأوَّلِ، وجائِزٌ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى نِداءٍ ثانٍ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”يا فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ“، ﴿أنْتَ ولِيِّي﴾
﴿وَألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾، أيْ: ألْحِقْنِي بِمَراتِبِهِمْ مِن رَحْمَتِكَ، وغُفْرانِكَ.
يوسف 12:102
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، اَلْمَعْنى: ”اَلَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ مِن أمْرِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ مِنَ الأخْبارِ الَّتِي كانَتْ غائِبَةً عَنْكَ“، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ دَلالَةً عَلى إثْباتِ نُبُوَّتِهِ، وإنْذارًا، وتَيْسِيرًا بِتَفْصِيلِ قِصَصِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، ومَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، ويَكُونُ خَبَرُهُ ”مِن أنْباءِ الغَيْبِ“، ويَكُونُ ”نُوحِيهِ إلَيْكَ“، خَبَرًا ثانِيًا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ ”نُوحِيهِ“، هو الخَبَرَ، وجَعَلْتَ ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ ”اَلَّذِي“، اَلْمَعْنى: ”اَلَّذِي مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ ذَلِكَ“.
يوسف 12:103
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، مَعْناهُ: ”وَما أكْثَرُ النّاسِ بِمُؤْمِنِينَ ولَوْ حَرَصْتَ عَلى أنْ تَهْدِيَهُمْ، لِأنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ، ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ“.
يوسف 12:104
﴿وَما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾، أيْ: ”وَما تَسْألُهم عَلى القُرْآنِ وتِلاوَتِهِ وهِدايَتِكَ إيّاهم مِن أجْرٍ“، ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾، أيْ: ”ما هو إلّا تَذْكِرَةٌ لَهُمْ، بِما هو صَلاحُهُمْ، ونَجاتُهم مِنَ النّارِ، ودُخُولُهُمُ (p-١٣١)الجَنَّةَ، وإنْذارُهُمْ، وتَبْشِيرُهُمْ، فَكُلُّ الصَّلاحِ فِيهِ“.
يوسف 12:105
﴿وَكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: مِن عَلامَةٍ، ودَلالَةٍ، تَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، مِن أمْرِ السَّماءِ، وأنَّها بِغَيْرِ عَمَدٍ، لا تَقَعُ عَلى الأرْضِ، وفِيها مِن مَجْرى الشَّمْسِ، والقَمَرِ، ما فِيها، وفِيها أعْظَمُ البُرْهانِ والدَّلِيلِ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَها واحِدٌ، وأنَّ لَها خالِقًا، وكَذَلِكَ فِيما يُشاهَدُ في الأرْضِ، مِن نَباتِها، وبِحارِها، وجِبالِها، ﴿وَهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: لا يُفَكِّرُونَ فِيما يَدُلُّهم عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم لا يُفَكِّرُونَ فِيما يَسْتَدِلُّونَ بِهِ
يوسف 12:106
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾، أيْ: إنِ اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُمْ، وخالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، أشْرَكُوا في عِبادَتِهِ الأصْنامَ، وأشْرَكُوا غَيْرَ الأصْنامِ.
يوسف 12:107
﴿أفَأمِنُوا أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ مِن عَذابِ اللَّهِ﴾، أيْ: أنْ يَأْتِيَهم ما يُعْجِزُهم مِنَ العَذابِ، ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾، أيْ: فَجْأةً، و”بَغْتَةً“، مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، تَقُولُ: ”لَقِيتُهُ بَغْتَةً، وفَجْأةً“، ومَعْناهُ: مِن حَيْثُ لَمْ أتَوَقَّعْ أنْ ألْقاهُ.
يوسف 12:109
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، وفي غَيْرِ مَوْضِعٍ: ﴿وَلَلدّارُ الآخِرَةُ﴾ [الأنعام: ٣٢]، فَمَن قالَ: ”اَلدّارُ الآخِرَةُ“، فَـ ”اَلْآخِرَةُ“، نَعْتٌ لِلدّارِ، لِأنَّ لِجَمِيعِ الخَلْقِ دارَيْنِ، الدّارَ الَّتِي خُلِقُوا فِيها، وهي الدُّنْيا، والدّارَ الآخِرَةَ، الَّتِي يُعادُونَ فِيها خَلْقًا جَدِيدًا، ومَن قالَ: ”دارُ الآخِرَةِ“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”وَدارُ (p-١٣٢)الحَياةِ الآخِرَةِ“، لِأنَّ لِلنّاسِ حَياتَيْنِ، حَياةَ الدُّنْيا، وحَياةَ الآخِرَةِ، ومِثْلُ هَذا في الكَلامِ: ”اَلصَّلاةُ الأُولى“، و”صَلاةُ الأُولى“، فَمَن قالَ: ”اَلصَّلاةُ الأُولى“، جَعَلَ ”اَلْأُولى“، نَعْتًا لِلصَّلاةِ، ومَن قالَ: ”صَلاةُ الأُولى“: أرادَ: ”صَلاةُ الفَرِيضَةِ الأُولى“، و”اَلسّاعَةُ الأُولى“.
يوسف 12:110
﴿حَتّى إذا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِبُوا﴾، قُرِئَتْ: ”كُذِبُوا“، و”كُذِّبُوا“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّشْدِيدِ، وقُرِئَتْ: ”وَكَذَبُوا“، فَأمّا مَن قَرَأ: ”وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ كُذِّبُوا“، بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: ”حَتّى إذا اسْتَيْأسَ الرُّسُلُ مِن أنْ يُصَدِّقَهم قَوْمُهُمْ، جاءَهم نَصْرُنا“، ومَن قَرَأ: ”قَدْ كُذِبُوا“، بِالتَّخْفِيفِ، فالمَعْنى: ”وَظَنَّ قَوْمُهم أنَّهم قَدْ كُذِبُوا فِيما وُعِدُوا“، لِأنَّ الرُّسُلَ لا يَظُنُّونَ ذَلِكَ".
وَقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: ”وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ أُخْلِفُوا“، أيْ: ظَنَّ الرُّسُلُ، وذَلِكَ بَعِيدٌ في صِفَةِ الرُّسُلِ، يُرْوى عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوعَدْ شَيْئًا أُخْلِفَ فِيهِ، وفي الخَبَرِ: ”وَمَعاذَ اللَّهِ أنْ يَظُنَّ الرُّسُلُ هَذا بِرَبِّها“، ومَعْنى: ”وَظَنُّوا أنَّهم قَدْ [“كَذَبُوا”]:“ظَنَّ قَوْمُهم أيْضًا أنَّهم قَدْ كَذَبُوا".
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ﴾، قُرِئَتْ: ”فَنُنَجِّي“، و”فَنُنْجِيَ“، وقُرِئَتْ: ”فَنَجا مَن نَشاءُ“، وقَرَأ عاصِمٌ: ”فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ“، بِفَتْحِ الياءِ، فَأمّا مَن قَرَأ: ”فَنُنْجِيَ“، فَعَلى الِاسْتِقْبالِ، والنُّونُ نُونُ الِاسْتِقْبالِ، أعْنِي النُّونَ الأُولى، ومَن قَرَأ: ”فَنُجِّي“، بِإسْكانِ الياءِ، فَحَذَفَ النُّونَ الثّانِيَةَ لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ، كَما تَقُولُ: ”أنْتَ تَبَيَّنُ هَذا الأمْرَ“، تُرِيدُ: ”تَتَبَيَّنُ“، فَحَذَفَ لِاجْتِماع تاءَيْنِ.
وَمَن قَرَأ: ”فَنَجا مَن نَشاءُ“، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”جاءَهم نَصْرُنا فَنَجا (p-١٣٣)مَن نَشاءُ“، عَلى لَفْظِ الفِعْلِ الماضِي، ومَن قَرَأ: ”فَنُجِّيَ مَن نَشاءُ“، فَبِمَعْنى الماضِي، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويَكُونُ مَوْضِعُ ”مَن“، رَفْعًا، ويُعْلَمُ بِالمَعْنى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - نَجّاهم.
يوسف 12:111
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أيْ: اَلَّذِي تَقَدَّمَهُ مِنَ الكُتُبِ، ونُصِبَ ”تَصْدِيقًا“، عَلى مَعْنى ”كانَ“، اَلْمَعْنى: ”ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى، ولَكِنْ كانَ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ“، ويَجُوزُ: ”ما كانَ حَدِيثًا يُفْتَرى ولَكِنْ تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ“، فَمَن قَرَأ هَكَذا، رَفَعَ الباقِيَ المَعْطُوفَ عَلى ”تَصْدِيقُ“، ويَكُونُ مُرْتَفِعًا عَلى مَعْنى ”وَلَكِنْ هو تَصْدِيقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ“، ويَكُونُ [”وَتَفْصِيلُ] كُلِّ شَيْءٍ وهُدًى [وَرَحْمَةٌ] لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ“، نَسَقًا عَلَيْهِ، وهَذا لَمْ تَثْبُتْ بِقِراءَتِهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، وإنْ كانَ جائِزًا في العَرَبِيَّةِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أنَّهُ جَيِّدٌ بالِغٌ، فَلا تَقْرَأنَّ بِهِ، ولا تُخالِفِ الإجْماعَ بِمَذاهِبِ النَّحْوِيِّينَ.
الرعد 13:1
(p-١٣٤)(p-١٣٥)سُورَةُ اَلرَّعْدِ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
﴿المر﴾، قَدْ فَسَّرْنا في سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، ما قِيلَ في هَذا وأشْباهِهِ، ورُوِيَ أنَّ مَعْناهُ: ”أنا اللَّهُ أرى“، ورُوِيَ: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ وأرى“، ورُوِيَ أنَّ ”الـمـر“، حُرُوفٌ تَدُلُّ عَلى اسْمِ الرَّبِّ - جَلَّ جَلالُهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِي أُنْزِلَ قَبْلَ القُرْآنِ آياتُ الكِتابِ، ﴿والَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ﴾، أيْ: والقُرْآنُ المُنَزَّلُ عَلَيْكَ الحَقُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِي“، رَفْعًا، عَلى الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى العَطْفِ عَلى ”آياتُ“، ويَكُونَ ”اَلْحَقُّ“، مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ ”هُوَ“.
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِي“، خَفْضًا، عَطْفًا عَلى ”اَلْكِتابِ“، اَلْمَعْنى: ”تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وآياتُ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ“، ويَكُونَ ”اَلَّذِي أُنْزِلُ“، مِن نَعْتِ ”اَلْكِتابِ“، وإنْ جاءَتِ الواوُ، ويَكُونَ ”اَلْحَقُّ“، مَرْفُوعًا عَلى الإضْمارِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْحَقُّ“، صِفَةً لِـ ”اَلَّذِي“، (p-١٣٦)اَلْمَعْنى: ”تِلْكَ آياتُ الكِتابِ والَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
الرعد 13:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾، لَمّا ذَكَرَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، عَرَّفَ الدَّلِيلَ الَّذِي يُوجِبُ التَّصْدِيقَ بِالخالِقِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾، وفي ذَلِكَ مِنَ القُدْرَةِ والدَّلالَةِ ما لا شَيْءَ أوْضَحُ مِنهُ، أنَّ السَّماءَ مُحِيطَةٌ بِالأرْضِ، مُتَبَرِّيَةٌ مِنها، بِغَيْرِ عَمَدٍ، والمَعْنى ”بِغَيْرِ عَمَدٍ وأنْتُمْ تَرَوْنَها كَذَلِكَ“.
وَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”تَرَوْنَها“، مِن نَعْتِ العَمَدِ، المَعْنى: ”بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةٍ“، وعَلى هَذا تَعْمَدُها قُدْرَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأجَلٍ مُسَمًّى﴾، كُلُّ مَقْهُورٍ مُدَبَّرٌ، لا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ ما يُخَلِّصُهُ مِنَ القَهْرِ، فَذَلِكَ مَعْنى السُّخْرَةِ، فالشَّمْسُ والقَمَرُ مُسَخَّرانِ، يَجْرِيانِ مَجارِيهِما الَّتِي سُخِّرا جارِيَيْنِ عَلَيْها.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾، يُحْكِمُهُ، ﴿يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكم بِلِقاءِ رَبِّكم تُوقِنُونَ﴾، أيْ: يُبَيِّنُ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِكُمْ، لَعَلَّكم تُوقِنُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَجْحَدُونَ البَعْثَ، فَأُعْلِمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، وأنْشَأ الإنْسانَ، ولَمْ يَكُنْ شَيْئًا، قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ.
الرعد 13:3
﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾، (p-١٣٧)دَلَّهم - بَعْدَ أنْ بَيَّنَ آياتِ السَّماءِ - بِآياتِ الأرْضِ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأرْضَ﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّها كانَتْ مُدَوَّرَةً فَمُدَّتْ، ومَعْناهُ: ”بَسَطَ الأرْضَ“، وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ، أيْ: جِبالًا ثَوابِتَ، يُقالُ: ”قَدْ رَسا الشَّيْءُ، يَرْسُو، رُسُوًّا، فَهو راسٍ“، إذا ثَبَتَ، ﴿وَأنْهارًا ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، جَعَلَ فِيها نَوْعَيْنِ، و”اَلزَّوْجُ“: اَلْواحِدُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ قَرِينٌ، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾، وتُقْرَأُ: ”يَغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ“، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ ما ذُكِرَ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فِيهِ بُرْهانٌ، وعَلاماتٌ بَيِّناتٌ، فَقالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
الرعد 13:4
ثُمَّ زادَهم مِنَ البُرْهانِ، فَقالَ: ﴿وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّها تَتَجاوَرُ، بَعْضُها عامِرٌ، وبَعْضُها غَيْرُ عامِرٍ، وكَذا في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ مَعْناهُ: ”قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ“، ﴿وَجَنّاتٌ مِن أعْنابٍ﴾، اَلْأجْوَدُ رَفْعُ ”جَنّاتٌ“، اَلْمَعْنى: ”وَفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ، وبَيْنَها جَنّاتٌ“.
وَيَجُوزُ النَّصْبُ في ”جَنّاتٍ“، ويُقْرَأُ ”وَجَنّاتٍ مِن أعْنابٍ“، اَلْمَعْنى: ”جَعَلَ فِيها رَواسِيَ، وجَعَلَ فِيها جَنّاتٍ مِن أعْنابٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَجَنّاتٍ“، خَفْضًا، ويَكُونَ نَسَقًا عَلى ”كُلِّ“، اَلْمَعْنى: ”وَمِن كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، (p-١٣٨)وَمِن جَنّاتٍ مِن أعْنابٍ“، ﴿وَزَرْعٌ﴾، فَأمّا ”وَزَرْعٌ“، فَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ، والخَفْضُ، وكَذَلِكَ ﴿صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾، و”اَلصِّنْوانُ“: جَمْعُ ”صِنْوٌ“، و”صُنْوٌ“، ومَعْنى ”اَلصِّنْوانُ“: أنْ يَكُونَ الأصْلُ واحِدًا، وفِيهِ النَّخْلَتانِ، والثَّلاثُ، والأكْثَرُ.
وَيَجُوزُ في جَمْعِ ”صِنْوٌ“، ”أصْناءٌ“، مِثْلَ ”عِدْلٌ“، و”أعْدالٌ“، وكَذَلِكَ ”صُنْوٌ“، فَإذا كَثُرَتْ فَهي ”اَلصُّنِيُّ“، و”اَلصِّنِيُّ“، ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾، ويَجُوزُ ”تُسْقى“، بِالتّاءِ، ﴿بِماءٍ واحِدٍ ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ في الأُكُلِ﴾، و”اَلْأُكُلُ“: اَلثَّمَرُ الَّذِي يُؤْكَلُ.
وَيَجُوزُ، ”وَيُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ“، لِأنَّهُ جَرى ذِكْرُ اللَّهِ، فالمَعْنى: ”يُفَضِّلُ اللَّهُ“، وكَذَلِكَ إذا قالَ: ”وَنُفَضِّلُ“، بِالنُّونِ، لِأنَّ الإخْبارَ عَنِ اللَّهِ بِلَفْظِ الجَماعَةِ، كَما قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣]، وهَذا خُوطِبَ بِهِ العَرَبُ، لِأنَّهم يَسْتَعْمِلُونَ فِيمَن يُبَجِّلُونَهُ لَفْظَ الجَماعَةِ.
الرعد 13:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾، هَذا خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿أإذا كُنّا تُرابًا أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: هَذا مَوْضِعُ عَجَبٍ، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ، وقَدْ بَيَّنَ لَهم مِن عِظَمِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ البَعْثَ أسْهَلُ في القُدْرَةِ مِمّا قَدْ تَبَيَّنُوا، فَأمّا مَوْضِعُ ”أئِذا كُنّا تُرابًا أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، فَمَوْضِعُ ”إذا“، نَصْبٌ، فَمَن قَرَأ: ”أئِذا كُنّا تُرابًا“، عَلى لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ثُمَّ قَرَأ: ”أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، فَـ ”إذا“، مَنصُوبَةٌ بِمَعْنى: ”نُبْعَثُ، ويُجَدَّدُ خَلْقُنا“، اَلْمَعْنى: ”إذا كُنّا تُرابًا نُبْعَثُ؟“، ودَلَّ عَلى إرادَتِهِمْ: ”أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟“ .
(p-١٣٩)وَمَن قَرَأ: ”أئِذا كُنّا تُرابًا إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، أدْخَلَ ألِفَ الِاسْتِفْهامِ عَلى جُمْلَةِ الكَلامِ، وكانَتْ ”إذا“، نَصْبًا بِـ ”كُنّا“، لَكِنَّ الكَلامَ يَكُونُ في مَعْنى الشَّرْطِ، والجَزاءِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَعْمَلَ ”جَدِيدٍ“، في ”إذا“، لِأنَّ ما بَعْدَ ”إذا“، لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ما بَعْدَ ”إنْ“، و”إذا“، لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَهُما.
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُسْتَفْهِمَ بَعْدَ البَيانِ والبُرْهانِ عَنْ هَذا عَلى جِهَةِ الإنْكارِ كافِرٌ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وأُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”اَلْأغْلالَ“: اَلْأعْمالَ، في أعْناقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ، في القُرْآنِ، قَوْلُهُ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر: ٧١] ﴿فِي الحَمِيمِ﴾ [غافر: ٧٢]، وقِيلَ: ”أُولَئِكَ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ“، أيْ: اَلْأغْلالُ الَّتِي هي الأعْمالُ، وهي أيْضًا مُؤَدِّيَةٌ إلى كَوْنِ الأغْلالِ في أعْناقِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، لِأنَّ قَوْلَكَ لِلرَّجُلِ: ”هَذا غُلٌّ في عُنُقِكَ“، لِلْعَمَلِ السَّيِّئِ، مَعْناهُ أنَّهُ لازِمٌ لَكَ، وأنَّكَ مُجازًى عَلَيْهِ بِالعَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ.
الرعد 13:6
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾، أيْ: يَطْلُبُونَ العَذابَ، بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾، و”اَلْمُثُلاتُ“، بِضَمِّ المِيمِ، وفَتْحِها، فَمَن قَرَأ: ”اَلْمُثُلاتُ“، فَهي جَمْعُ ”مُثْلَةٌ“، ومَن قَرَأ: ”اَلْمَثُلاتُ“، فَهي جَمْعُ ”مَثُلَةٌ“، ويَجُوزُ في ”اَلْمَثُلاتُ“، ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، يَجُوزُ: (p-١٤٠)”وَقَدْ خَلَتْ اَلْمُثْلاتُ“، بِإسْكانِ الثّاءِ، ويَجُوزُ فَتْحُ الثّاءِ: ”اَلْمُثَلاتُ“، ومَن قَرَأ: ”اَلْمُثُلاتُ“، تُضَمُّ الثّاءُ والمِيمُ، وهي في الواحِدَةِ ساكِنَةٌ، مَضْمُومَةٌ في الجَمْعِ، فَهَذِهِ الضَّمَّةُ عِوَضٌ مِن حَذْفِ تاءِ التَّأْنِيثِ، ومَن فَتَحَ فَلِأنَّ الفَتْحَةَ أخَفُّ الحَرَكاتِ، رَوَتِ الرُّواةُ:
؎وَلَمّا رَأوْنا بادِيًا رُكُباتُنا عَلى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجِدَّ بِالهَزْلِ
وَمَن قَرَأ: ”اَلْمُثْلاتُ“، بِإسْكانِ الثّاءِ، فَلِأنَّ كُلَّ ما كانَ مَضْمُومًا، أوْ مَكْسُورًا، نَحْوَ ”رُسُلٌ“، و”عَضُدٌ“، و”فَخِذٌ“، فَإسْكانُهُ جائِزٌ، لِنَقْلِ الضَّمَّةِ والكَسْرَةِ، والمَعْنى أنَّهم يَسْتَعْجِلُونَ بِالعَذابِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مِنَ العَذابِ ما هو مُثْلَةٌ، وما فِيهِ نَكالٌ لَهُمْ، لَوِ اتَّعَظُوا.
الرعد 13:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ؟“، وإنَّما طَلَبُوا غَيْرَ الآياتِ الَّتِي أتى بِها النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ انْشِقاقِ القَمَرِ، والقُرْآنِ، الَّذِي دُعُوا أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ، وما أشْبَهَ هَذا النَّحْوَ، فالتَمَسُوا مِثْلَ آياتِ عِيسى، ومُوسى، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ هادِيًا، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾، أيْ: نَبِيٌّ، وداعٍ إلى اللَّهِ يَدْعُوهم بِما يُعْطى مِنَ الآياتِ، لا بِما يُرِيدُونَ ويَتَحَكَّمُونَ فِيهِ.
الرعد 13:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾، مَعْنى ”غاضَ“، في اللُّغَةِ: نَقُصَ، وفي التَّفْسِيرِ: ما نَقَصَ الحَمْلُ مِن تِسْعَةِ أشْهُرٍ، وما زادَ عَنْها عَلى التِّسْعَةِ، وقِيلَ: ما نَقَصَ عَنْ أنْ يَتِمَّ حَتى يَمُوتَ، وما زادَ حَتّى يَتِمَّ الحَمْلُ.
الرعد 13:10
(p-١٤١)وَقَوْلُهُ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: رَفْعٌ بِـ ”سَواءٌ“، وكَذَلِكَ ”مَن“، اَلثّانِيَةُ، يَرْتَفِعانِ جَمِيعًا بِـ ”سَواءٌ“، لِأنَّ ”سَواءٌ“، يَطْلُبُ اثْنَيْنِ، تَقُولُ: ”سَواءٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو“، في مَعْنى: ”ذَوا سَواءٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو“، لِأنَّ ”سَواءٌ“، مَصْدَرٌ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ ما بَعْدَهُ إلّا عَلى الحَذْفِ، تَقُولُ: ”عَدْلٌ زَيْدٌ وعَمْرٌو“، والمَعْنى: ”ذَوا عَدْلٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو“، لِأنَّ المَصادِرَ لَيْسَتْ بِأسْماءِ الفاعِلِينَ، وإنَّما تَرْفَعُ الأسْماءُ أوْصافَها، فَإذا رَفَعَتْها المَصادِرُ فَهي عَلى الحَذْفِ، كَما قالَتِ الخَنْساءُ:
؎تَرْتَعُ ما غَفَلَتْ حَتّى إذا ادَّكَرَتْ فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارُ
اَلْمَعْنى فَإنَّما هي ذاتُ إقْبالٍ وذاتُ إدْبارٍ، وكَذَلِكَ ”زَيْدٌ إقْبالٌ وإدْبارٌ“، وهَذا مِمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ، أعْنِي ”سَواءٌ“، فَجَرى مُجْرى أسْماءِ الفاعِلِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ ”مُسْتَوٍ“.
إلّا أنَّ سِيبَوَيْهِ يَسْتَقْبِحُ ذَلِكَ، لا يُجِيزُ ”مُسْتَوٍ زَيْدٌ وعَمْرٌو“، لِأنَّ أسْماءَ الفاعِلِينَ عِنْدَهُ إذا كانَتْ نَكِرَةً، لا يُبْتَدَأُ بِها، لِضَعْفِها عَنِ الفِعْلِ، فَلا يُبْتَدَأُ بِها، ويُجْرِيها مُجْرى الفِعْلِ، ومَعْنى الآيَةِ إعْلامُهم أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَعْلَمُ ما غابَ عَنْهُمْ، وما شُهِدَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾، أيْ: مَن هو مُسْتَتِرٌ بِاللَّيْلِ، واللَّيْلُ أسْتَرُ مِنَ النَّهارِ، ﴿وَسارِبٌ بِالنَّهارِ﴾، أيْ: مَن هو ظاهِرٌ بِالنَّهارِ في سَرَبِهِ، يُقالُ: ”خَلِّ لَهُ سَرَبَهُ“، أيْ: طَرِيقَهُ.
(p-١٤٢)فالمَعْنى: ”اَلظّاهِرُ في الطُّرُقاتِ، والمُسْتَخْفِي في الظُّلُماتِ، والجاهِرُ بِنُطْقِهِ، والمُضْمِرُ في نَفْسِهِ، عِلْمُ اللَّهِ فِيهِمْ جَمِيعًا سَواءٌ“، وذَكَرَ قُطْرُبٌ وجْهًا آخَرَ، ذَكَرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ“: ”ظاهِرٌ بِاللَّيْلِ“، وهَذا في اللُّغَةِ جائِزٌ، ويَكُونُ - مَعَ هَذا - ”وَسارِبٌ بِالنَّهارِ“، أيْ: ”مُسْتَتِرٌ“، يُقالُ: ”اِنْسَرَبَ الوَحْشِيُّ“، إذا دَخَلَ في كِناسِهِ، والأوَّلُ بَيِّنٌ، وهو أبْلَغُ في وصْفِ عِلْمِ الغَيْبِ.
الرعد 13:11
﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ﴾، أيْ: لِلْإنْسانِ مَلائِكَةٌ يَعْتَقِبُونَ، يَأْتِي بَعْضُهم بِعَقِبِ بَعْضٍ، ﴿يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: حِفْظُهم إيّاهُ مِن أمْرِ اللَّهِ، أيْ: مِمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِهِ، لا أنَّهم يَقْدِرُونَ أنْ يَدْفَعُوا أمْرَ اللَّهِ، كَما تَقُولُ: ”يَحْفَظُونَهُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾، أيْ: لا يَلِي أمْرَهم أحَدٌ مِن دُونِ اللَّهِ.
الرعد 13:12
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾، خَوْفًا لِلْمُسافِرِ، لِأنَّ في المَطَرِ خَوْفًا عَلى المُسافِرِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]، وطَمَعًا لِلْحاضِرِ، لِانْتِفاعِهِ بِالمَطَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”خَوْفًا وطَمَعًا“: خَوْفًا لِمَن يَخافُ ضُرُّ المَطَرِ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ بَلَدٍ يُنْتَفَعُ فِيهِ بِالمَطَرِ، نَحْوَ مِصْرَ، وما أشْبَهَها، وطَمَعًا لِمَن يَرْجُو الِانْتِفاعَ بِهِ.
(p-١٤٣)﴿وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ﴾، أيْ: اَلَّتِي قَدْ ثَقُلَتْ بِالماءِ.
الرعد 13:13
﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ مَلَكٌ يَزْجُرُ السَّحابَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ صَوْتُ الرَّعْدِ تَسْبِيحَهُ، لِأنَّ صَوْتَ الرَّعْدِ مِن أعْظَمِ الأشْياءِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وخُصَّ ذِكْرُ الرَّعْدِ لِعِظَمِ صَوْتِهِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، ﴿وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ وهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”فَيُصِيبُ بِها مَن يَشاءُ في حالِ جِدالِهِ في اللَّهِ“، وذَلِكَ أنَّهُ أتى في التَّفْسِيرِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الجاهِلِيَّةِ، يُقالُ لَهُ: ”أرْبَدُ“، سَألَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَبِّنا، أمِن نُحاسٍ، أمْ حَدِيدٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ صاعِقَةً فَقَتَلَتْهُ» .
فَعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ واوَ حالٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَمّا تَمَّمَ اللَّهُ أوْصافَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ، قالَ - بَعْدَ ذَلِكَ -: ﴿وَهم يُجادِلُونَ في اللَّهِ وهو شَدِيدُ المِحالِ﴾، أيْ: شَدِيدُ القُدْرَةِ، والعَذابِ، ويُقالُ في اللُّغَةِ: ”ماحَلْتُهُ مِحالًا“، إذا قاوَيْتُهُ، حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ أيُّكُما أشَدُّ، و”اَلْمَحْلُ“، في اللُّغَةِ: اَلشِّدَّةُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
الرعد 13:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”دَعْوَةُ الحَقِّ“: ”شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ تَكُونَ ”دَعْوَةُ الحَقِّ“، أنَّهُ مَن دَعا اللَّهَ مُوَحِّدًا، اسْتُجِيبَ لَهُ دُعاؤُهُ.
(p-١٤٤)﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهم بِشَيْءٍ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَيْفَ اسْتِجابَةُ الأصْنامِ، لِأنَّهم دَعَوُا الأصْنامَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ﴾، إلّا كَما يُسْتَجابُ الَّذِي يَبْسُطُ كَفَّيْهِ إلى الماءِ، يَدْعُو الماءَ إلى فِيهِ، والماءُ لا يَسْتَجِيبُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ دُعاءَهُمُ الأصْنامَ كَدُعاءِ العَطْشانِ الماءَ إلى بُلُوغِ فِيهِ، ﴿وَما هو بِبالِغِهِ﴾، وقالَ بَعْضُهُمْ: ﴿إلا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إلى الماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ﴾، كَإنْسانٍ عَلى شَفِيرِ بِئْرٍ يَدْعُو الماءَ مِن قَرارِ البِئْرِ، لِيَبْلُغَ فاهُ، والتَّفْسِيرانِ واحِدٌ.
الرعد 13:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المُؤْمِنَ يَسْجُدُ طَوْعًا، والكافِرَ يَسْجُدُ كَرْهًا، وجاءَ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن دَخَلَ في الإسْلامِ طَوْعًا، ومِنهم مَن لَمْ يَدْخُلْ حَتّى فُحِصَ عَنْ رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ، أيْ: فَسَجَدَ ودَخَلَ في الإسْلامِ في أوَّلِ أمْرِهِ كَرْهًا.
وَجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”طَوْعًا وكَرْهًا“، أنْ يَكُونَ السُّجُودُ الخُضُوعَ لِلَّهِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَخْضَعُ ويَقْبَلُ أمْرَ اللَّهِ فِيما سَهَّلَ عَلَيْهِ، ومِنهم مَن تَقَبَّلَهُ وإنْ كانَ عَلَيْهِ فِيهِ كَرْهٌ، ﴿وَظِلالُهم بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾، أيْ: ”وَتَسْجُدُ ظِلالُهُمْ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وظِلَّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، وقِيلَ: ”وَظِلالُهُمْ“: أشْخاصُهُمْ، وهَذا مُخالِفٌ لِلتَّفْسِيرِ.
الرعد 13:16
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: هَلْ، أوْ أغَيْرُ اللَّهِ خَلَقَ شَيْئًا فاشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ خَلْقُ اللَّهِ مِن خَلْقِ غَيْرِهِ؟
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - -: ﴿قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾، (p-١٤٥)أيْ: قُلْ ذَلِكَ، وبَيِّنْهُ بِما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ.
الرعد 13:17
ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ضارِبًا مَثَلًا لِلْكافِرِينَ، والمُؤْمِنِينَ -: ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها﴾، أيْ: بِما قَدَّرَ لَها مِن مَلْئِها، ويَجُوزُ ”بِقَدَرِها“، أيْ: بِقَدْرِ مَلْئِها، ﴿فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾، أيْ: طافِيًا، عالِيًا فَوْقَ الماءِ، ﴿وَمِمّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ﴾، أيْ: اِبْتِغاءَ مَتاعٍ، ﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾، والَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ: اَلذَّهَبُ، والفِضَّةُ، والَّذِي يُوقَدُ عَلَيْهِ ابْتِغاءَ أمْتِعَةٍ: اَلْحَدِيدُ، والصُّفْرُ، والنُّحاسُ، والرَّصاصُ.
وَ”زَبَدٌ مِثْلُهُ“: أيْ: مِثْلُ زَبَدِ الماءِ، ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ﴾، أيْ: مِن زَبَدِ الماءِ، والزَّبَدُ مِن خَبَثِ الحَدِيدِ، والصُّفْرِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، ﴿فَيَذْهَبُ جُفاءً﴾، أيْ: فَيَذْهَبُ ذَلِكَ، لا يُنْتَفَعُ بِهِ، و”اَلْجُفاءُ“: ما جَفا الوادِي، أيْ: رَمى بِهِ، ﴿وَأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾، وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ مِنَ الماءِ، والفِضَّةِ، والذَّهَبِ، والحَدِيدِ، وسائِرِ ما ذَكَرْنا، فَيَمْكُثُ في الأرْضِ.
فَمَثَلُ المُؤْمِنِ، واعْتِقادِهِ، ونَفْعِ الإيمانِ، كَمَثَلِ هَذا الماءِ (p-١٤٦)المُنْتَفَعِ بِهِ في نَباتِ الأرْضِ، وحَياةِ كُلِّ شَيْءٍ، وكَمَثَلِ نَفْعِ الفِضَّةِ، والذَّهَبِ، وسائِرِ الآلاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ، لِأنَّها كُلَّها تَبْقى مُنْتَفَعًا بِها، ومَثَلُ الكافِرِ، وكُفْرِهِ، كَمَثَلِ هَذا الزَّبَدِ، الَّذِي يَذْهَبُ جُفاءً، وكَمَثَلِ خَبَثِ الحَدِيدِ، وما تُخْرِجُهُ النّارُ مِن وسَخِ الفِضَّةِ، والذَّهَبِ، الَّذِي لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ومَوْضِعُ ”كَذَلِكَ“، نَصْبٌ.
قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: ”جَفَأْتُ الرَّجُلَ“، إذا صَرَعْتُهُ، و”أجْفَأتِ القِدْرُ بِزَبَدِها“، إذا ألْقَتْ زَبَدَها فِيهِ، فَيَذْهَبُ جُفاءً، مِن هَذا اشْتِقاقُهُ، ومَوْضِعُ ”جُفاءً“: نَصْبٌ، عَلى الحالِ، وهو مَمْدُودٌ، وزَعَمَ البَصْرِيُّونَ، والكُوفِيُّونَ جَمِيعًا أنَّ ما كانَ مِثْلَ ”اَلْقُماشُ“، و”اَلْقُمامُ“ و”اَلْجُفاءُ“، فَهَذِهِ الأشْياءُ تَجِيءُ عَلى مِثالِ ”فُعالٌ“.
الرعد 13:18
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الحُسْنى﴾، أيْ: لَهُمُ الجَنَّةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”لَهم جَزاءُ المُحْسِنِينَ“، وهو راجِعٌ إلى الجَنَّةِ أيْضًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]
﴿أُولَئِكَ لَهم سُوءُ الحِسابِ﴾، و”سُوءُ الحِسابِ“: ألّا تُقْبَلَ مِنهم حَسَنَةٌ، ولا يُتَجاوَزَ لَهم عَنْ سَيِّئَةٍ، وأنَّ كُفْرَهم أحْبَطَ أعْمالَهُمْ، كَما قالَ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وقِيلَ: ”سُوءُ الحِسابِ“: أنْ يُسْتَقْصى عَلَيْهِ حِسابُهُ، ولا يُتَجاوَزَ لَهُ عَنْ شَيْءٍ مِن سَيِّئاتِهِ، وكِلاهُما فِيهِ عَطَبٌ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ الثّانِي: «”مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ“»، وتَكُونُ ”سُوءُ الحِسابِ“: اَلْمُناقَشَةُ.
الرعد 13:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، (p-١٤٧)أيْ: يَدْفَعُونَ، يُقالُ: ”دَرَأْتُهُ“، إذا دَفَعْتُهُ، ﴿أُولَئِكَ لَهم عُقْبى الدّارِ﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [الرعد: ٢٣]، ”جَنّاتُ“، بَدَلٌ مِن ”عُقْبى“، و”عَدْنٍ“: إقامَةٍ، يُقالُ: ”عَدَنَ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ فِيهِ، ﴿يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [الرعد: ٢٣]، مَوْضِعُ ”مَن“: رَفْعٌ، عُطِفَ عَلى الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿يَدْخُلُونَها﴾ [الرعد: ٢٣]
وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، كَما تَقُولُ: ”قَدْ دَخَلُوا وزَيْدًا“، أيْ: ”مَعَ زَيْدٍ“، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الأنْسابَ لا تَنْفَعُ بِغَيْرِ أعْمالٍ صالِحَةٍ، فَقالَ: ”يَدْخُلُونَها ومَن صَلَحَ“، مِمَّنْ جَرى ذِكْرُهُ، ﴿والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] ﴿سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ﴾ [الرعد: ٢٤]، أيْ: ”يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكم بِما صَبَرْتُمْ“، هَذِهِ مَكْرُمَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِأهْلِ الجَنَّةِ، والمَعْنى ”يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، فَأضْمَرَ القَوْلَ هَهُنا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
الرعد 13:27
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾، يَعْنِي مَن رَجَعَ إلى الحَقِّ.
الرعد 13:28
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، رَدًّا عَلى ”مَن“، اَلْمَعْنى: ”يَهْدِي إلَيْهِ الَّذِينَ آمَنُوا“، ﴿وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾، أيْ: إذا ذُكِرَ اللَّهُ بِوَحْدانِيَّتِهِ، آمَنُوا بِهِ، غَيْرَ شاكِّينَ، ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾، (p-١٤٨)”ألا“، حَرْفُ تَنْبِيهٍ وابْتِداءٍ، ومَعْنى ”ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ“: أيْ: اَلَّتِي هي قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّ الكافِرَ غَيْرُ مُطْمَئِنِّ القَلْبِ.
الرعد 13:29
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ طُوبى لَهم وحُسْنُ مَآبٍ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ في ”وَحُسْنُ مَآبٍ“، عُطِفَ عَلى طُوبى، كَما تَقُولُ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، والكَرامَةُ“، وإنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا عَلى ”طُوبى لَهم وحُسْنَ مَآبٍ“، أيْ: ”جَعَلَ اللَّهُ لَهم طُوبى وحُسْنَ مَآبٍ“، ”طُوبى“، عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: ”فُعْلى“، مِن ”اَلطِّيبُ“، اَلْمَعْنى: ”اَلْعَيْشُ الطَّيِّبُ لَهُمْ“.
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ «”طُوبى“، شَجَرَةٌ في الجَنَّةِ»، وقِيلَ: ”طُوبى لَهُمْ“: ”حُسْنى لَهُمْ“، وقِيلَ: ”طُوبى لَهُمْ“: ”خَيْرٌ لَهُمْ“، وقِيلَ: ”طُوبى لَهُمْ“: اِسْمُ الجَنَّةِ بِالهِنْدِيَّةِ، وقِيلَ: ”طُوبى لَهُمْ“: ”خِيرَةٌ لَهُمْ“، وهَذا التَّفْسِيرُ كُلُّهُ يُشْبِهُهُ قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّها ”فُعْلى“، مِن ”اَلطِّيبُ“.
الرعد 13:31
وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾، تُرِكَ جَوابُ ”لَوْ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، وكانَ المُشْرِكُونَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أنْ يُفْسِحَ لَهم في مَكَّةَ، ويُباعِدَ بَيْنَ جِبالِها، حَتّى يَتَّخِذُوا فِيها قَطائِعَ، وبَساتِينَ، وأنْ يُحْيِيَ لَهم قَوْمًا سَمَّوْهم لَهُ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِقُرْآنٍ، لَكانَ يَفْعَلُ بِهَذا القُرْآنِ.
والَّذِي أتَوَهَّمُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وقَدْ قالَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ - أنَّ المَعْنى: ”لَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى لَما آمَنُوا بِهِ“، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَـزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]
(p-١٤٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا أنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ﴾، قِيلَ: إنَّها لُغَةٌ لِلنَّخْعِ، ”يَيْأسِ“، في مَعْنى ”يَعْلَمِ“، وأنْشَدُوا:
؎أقُولُ لَهم بِالشِّعْبِ إذْ يَيْسِرُونَنِي ألَمْ تَيْأسُوا أنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمِ
وَقُرِئَتْ: ”أفَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا“، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: أفَلَمْ يَعْلَمِ الَّذِينَ آمَنُوا عِلْمًا يَيْأسُوا مَعَهُ مِن أنْ يَكُونَ غَيْرَ ما عَلِمُوهُ”، والقَوْلُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ مَعْناهُ:“أفَلَمْ يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن إيمانِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ”، لِأنَّهُ قالَ: ﴿لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدى النّاسَ جَمِيعًا﴾،“جَمِيعًا"، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾، قِيلَ: ”سَرِيَّةٌ“، ومَعْنى ”قارِعَةٌ“، في اللُّغَةِ: نازِلَةٌ شَدِيدَةٌ، تَنْزِلُ بِأمْرٍ عَظِيمٍ.
الرعد 13:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾، قالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْمَعْنى: ”فِيما يُقَصُّ عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ“، أوْ: ”مَثَلُ الجَنَّةِ فِيما يُقَصُّ عَلَيْكُمْ“، فَرَفْعُهُ عِنْدَهُ عَلى الِابْتِداءِ، وقالَ غَيْرُهُ: ”مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ“، مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾، كَما تَقُولُ: (p-١٥٠)”صِفَةُ فُلانٍ أسْمَرُ“، كَقَوْلِكَ: ”فُلانٌ أسْمَرُ“، وقالُوا: مَعْناها: ”صِفَةُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ“، وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ، جَمِيلٌ، والَّذِي عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَرَّفَنا أُمُورَ الجَنَّةِ الَّتِي لَمْ نَرَها، ولَمْ نُشاهِدْها، بِما شاهَدْناهُ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، وعايَنّاهُ، فالمَعْنى: ”مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ جَنَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها“.
الرعد 13:39
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: ”يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ مِمّا يَكْتُبُهُ الحَفَظَةُ عَلى العِبادِ، ويُثْبِتُ“، قالَ بَعْضُهُمْ: ”يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ“، أيْ: مَن أتى أجَلُهُ مُحِيَ، ومَن لَمْ يَأْتِ أجَلُهُ أُثْبِتَ، وقِيلَ: ”يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ“، أيْ: ”يَنْسَخُ مِمّا أمَرَ بِهِ ما يَشاءُ، ويُثْبِتُ“، أيْ: ”وَيُبْقِي مِن أمْرِهِ ما يَشاءُ“، ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الكِتابِ﴾، أيْ: ”أصْلُ الكِتابِ“، وقِيلَ: ”يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ“، أيْ: ”مَن قَدَّرَ لَهُ رِزْقًا وأجَلًا مَحا ما يَشاءُ مِن ذَلِكَ، وأثْبَتَ ما يَشاءُ“.
الرعد 13:40
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾، ”إنْ“، أُدْخِلَتْ عَلَيْها ”ما“، لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، ”دَخَلَتِ النُّونُ مُؤَكِّدَةً لِلْفِعْلِ، ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾، عَطْفٌ عَلى“نُرِيَنَّكَ”، وجَوابُ الجَزاءِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾، أيْ: عَلَيْنا الحِسابُ، لِنَجْزِيَ كُلَّ نَفْسٍ بِما عَمِلَتْ، والمَعْنى:“إمّا أرَيْناكَ بَعْضَ الَّذِي وعَدْناهم مِن إظْهارِ دِينِ الإسْلامِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، أوْ تَوَفَّيْناكَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ، كَفَرُوا هم بِهِ (p-١٥١)أوْ آمَنُوا".
الرعد 13:41
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَيانَ ما وُعِدُوا بِهِ قَدْ ظَهَرَ، وتَبَيَّنَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾، أيْ: أوَلَمْ يَرَوْا أنّا قَدْ فَتَحْنا عَلى المُسْلِمِينَ مِنَ الأرْضِ ما قَدْ تَبَيَّنَ لَهُمْ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، وقِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما وصَفْنا، وقِيلَ غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: نَقْصُها مِن أطْرافِها مَوْتُ أهْلِها، ونَقْصُ ثِمارِها، وقِيلَ: ”نَنْقُصُها مِن أطْرافِها بِمَوْتِ العُلَماءِ“، والقَوْلُ الأوَّلُ بَيِّنٌ.
الرعد 13:42
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَيَعْلَمُ الكُفّارُ لِمَن عُقْبى الدّارِ﴾، وقُرِئَتْ: ”وَسَيَعْلَمُ الكافِرُ“، ومَعْنى ”اَلْكُفّارُ“، و”اَلْكافِرُ“، هَهُنا، واحِدٌ، ”اَلْكافِرُ“: اِسْمٌ لِلْجِنْسِ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ كَثُرَتِ الدَّراهِمُ في أيْدِي النّاسِ“، و”قَدْ كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ“، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”وَسَيَعْلَمُ الكافِرُونَ“، وبَعْضُهُمْ: ”وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا“، وهاتانِ القِراءَتانِ لا تَجُوزانِ، لِمُخالَفَتِهِما المُصْحَفَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
الرعد 13:43
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، اَلْباءُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، مَعَ الِاسْمِ، المَعْنى: ”كَفى اللَّهُ شَهِيدًا“، و”شَهِيدًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾، ”وَمَن“ يَعُودُ عَلى ”اَللَّهِ“ - عَزَّ وجَلَّ -، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: يُعْنى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، (p-١٥٢)وَقِيلَ: اِبْنُ يامِينَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”وَمِن عِنْدِهِ عِلْمُ الكِتابُ“، ”وَمَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ“، لِأنَّ الأشْبَهَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ لا يَسْتَشْهِدُ عَلى خَلْقِهِ بِغَيْرِهِ، وذَلِكَ التَّفْسِيرُ جائِزٌ، لِأنَّ البَراهِينَ إذا قامَتْ مَعَ اعْتِرافِ مَن قَرَأ الكُتُبَ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ القُرْآنِ، فَهو أمْرٌ مُؤَكَّدٌ.
إبراهيم 14:1
(p-١٥٣)سُورَةُ إبْراهِيمَ
مَكِّيَّةٌ إلّا اثْنَتَيْنِ مِنها، نَزَلَتا بِالمَدِينَةِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٢٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَبِئْسَ القَرارُ﴾ [إبراهيم: ٢٩]
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الر كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ﴾، ”كِتابٌ“، مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”هَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”كِتابٌ“، مُرْتَفِعٌ بِقَوْلِهِ ”الـر“، و”الـر“، لَيْسَتْ هي الكِتابَ، إنَّما هي شَيْءٌ مِنَ الكِتابِ، ألا تَرى قَوْلَهُ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]، فَإنَّما الكِتابُ جُمْلَةُ الآياتِ، وجُمْلَةُ القُرْآنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِتُخْرِجَ النّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِ رَبِّهِمْ﴾، ”اَلظُّلُماتُ“: ما كانُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، لِأنَّ الكُفْرَ غَيْرُ بَيِّنٍ، فَمُثِّلَ بِالظُّلُماتِ، والإيمانَ بَيِّنٌ نَيِّرٌ، فَمُثِّلَ بِالنُّورِ، والباءُ مُتَّصِلَةٌ بِـ ”تُخْرِجَ“، اَلْمَعْنى ”لِتُخْرِجَ النّاسَ بِإذْنِ رَبِّهِمْ“، أيْ: بِما أذِنَ اللَّهُ لَكَ مِن تَعْلِيمِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”بِإذْنِ رَبِّهِمْ“، أنَّهُ لا يَهْتَدِي مُهْتَدٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، ومَشِيئَتِهِ، ثُمَّ بَيَّنَ ما النُّورُ، فَقالَ: ﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾، (p-١٥٤)”اَلْحَمِيدِ“، خَفْضٌ، مِن صِفَةِ ”اَلْعَزِيزِ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى ”اَلْحَمِيدُ اللَّهُ“، ويَرْتَفِعُ ”اَلْحَمِيدُ“، بِالِابْتِداءِ، وقَوْلُكَ ”اَللَّهُ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ أنْ يُرْفَعَ ”اَللَّهُ“، ويُخْفَضَ ”اَلْحَمِيدِ“، عَلى ما وصَفْنا، ويَكُونَ اسْمُ ”اَللَّهِ“، يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ.
إبراهيم 14:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجًا﴾، أيْ: يَطْلُبُونَ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ، وصِراطِ اللَّهِ، وهو القَصْدُ، والعِوَجُ في الدِّينِ مَبْنِيٌّ عَلى ”فِعَلٌ“، و”فِي العَصا عَوَجٌ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، ونَصْبُ ”عِوَجًا“، عَلى الحالِ، مَصْدَرٌ مَوْضُوعٌ في مَوْضِعِ الحالِ.
إبراهيم 14:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أيْ: بِلُغَةِ قَوْمِهِ، لِيَعْقِلَ عَنْهُ قَوْمُهُ، ﴿فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾، اَلرَّفْعُ هو الوَجْهُ، وهو الكَلامُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ، والمَعْنى: إنَّما وقَعَ الإرْسالُ لِلْبَيانِ، لا لِلْإضْلالِ، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى وجْهٍ بَعِيدٍ، فَيَكُونُ ”لِيُبَيِّنَ لَهم فَيُضِلَّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي“، ويَكُونُ سَبَبُ الإضْلالِ الصَّيْرُورَةَ إلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، أيْ: اِلْتَقَطُوهُ، فَآلَ ذَلِكَ إلى أنْ صارَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، ولَمْ يَلْتَقِطُوهُ هم لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، وكَذَلِكَ يَكُونُ: ”فَيُضِلَّ اللَّهُ مَن يَشاءُ“، أيْ: ”فَيَؤُولَ الأمْرُ إلى أنْ يَضِلُوا فَيُضِلَّهُمُ اللَّهُ“، والقَوْلُ الأوَّلُ هو القَوْلُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ.
إبراهيم 14:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾، أيْ: اَلْبُرْهانِ الَّذِي دَلَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، نَحْوَ إخْراجِ يَدِهِ بَيْضاءَ، وكَوْنِ العَصا حَيَّةً.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ﴾، (p-١٥٥)أيْ: ”بِأنْ أخْرِجْ قَوْمَكَ“، اَلْمَعْنى: ”أرْسَلْناهُ بِأنْ يُخْرِجَ قَوْمَهُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ“، أيْ: مِن ظُلُماتِ الكُفْرِ إلى نُورِ الإسْلامِ، و”أنْ“، هَهُنا، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ”أنْ“، اَلْمُخَفَّفَةِ، وتَكُونَ مُفَسِّرَةً، ويَكُونَ المَعْنى: ”وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أيْ أخْرِجْ قَوْمَكَ“، كَأنَّ المَعْنى: ”قُلْنا لَهُ: أخْرِجْ قَوْمَكَ“.
وَمِثْلُ هَذا: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]، ”أيِ امْشُوا“، والتَّأْوِيلُ: ”قالُوا لَهُمْ: اِمْشُوا“، قالَ سِيبَوَيْهِ: تَقُولُ: ”كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ قُمْ، وأمَرْتُهُ أنْ قُمْ“، إنْ شِئْتَ كانَتْ ”أنْ“، وُصِلَتْ بِالأمْرِ، والتَّأْوِيلُ تَأْوِيلُ الخَبَرِ، المَعْنى: ”كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ يَقُومَ، وأمَرْتُهُ أنْ يَقُومَ“، إلّا أنَّها وُصِلَتْ بِلَفْظِ الأمْرِ لِلْمُخاطَبِ، والمَعْنى مَعْنى الخَبَرِ، كَما تَقُولُ: ”أنْتَ الَّذِي فَعَلْتَ“، والمَعْنى: ”أنْتَ الَّذِي فَعَلَ“، قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ”أيْ“، ومِثْلُهُ: ”أرْسَلْتُ إلَيْهِ أنْ ما أنْتَ وذا؟“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾، ”وَذَكِّرْهُمْ“، عَطْفٌ عَلى ”أخْرِجْ“، وتَذْكِيرُهم بِأيّامِ اللَّهِ، أيْ: تَذْكِيرُهم بِنِعَمِ أيّامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبِنِقَمِ اللَّهِ الَّتِي انْتَقَمَ فِيها مِن قَوْمِ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، أيْ: ذَكِّرْهم بِالأيّامِ الَّتِي سَلَفَتْ لِمَن كَفَرَ، وما نَزَلْ بِهِمْ فِيها، وذَكِّرْهم بِنِعَمِ اللَّهِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّ التَّذْكِيرَ مُشْتَمِلٌ عَلى الإنْذارِ والتَّحْذِيرِ مِمّا نَزَلَ بِمَن قَبْلَهم قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ -: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، أيْ: ألَمْ يَأْتِهِمْ أخْبارُ أُولَئِكَ والنَّوازِلِ بِهِمْ؟ ﴿لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ﴾ [إبراهيم: ٩]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بَعْدَ هَؤُلاءِ أُمَمًا قَدْ مَضى مَن كانَ يَعْلَمُ أنْباءَها، ومِن هَذا (p-١٥٦)قِيلَ: ”كَذَبَ النَّسّابُونَ“، لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ مَن كانَ بَعْدَ هَؤُلاءِ، وهَذا يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]
يُرْوى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم عَضُّوا أنامِلَهم غَيْظًا مِمّا أتَتْهم بِهِ الرُّسُلُ، وقِيلَ: ”رَدُّوا أيْدِيَهم في أفْواهِهِمْ“، أوْمَؤُوا إلى الرُّسُلِ أنِ اسْكُتُوا، وقِيلَ: ”رَدُّوا أيْدِيَهُمْ“، اَلْهاءُ والمِيمُ يَرْجِعانِ عَلى الرُّسُلِ، المَعْنى: رَدُّوا أيْدِيَ الرُّسُلِ، أيْ: نِعَمَ الرُّسُلِ، لِأنَّ مَجِيئَهم بِالبَيِّناتِ نِعَمٌ، تَقُولُ: ”لِفُلانٍ عِنْدِي يَدٌ“، أيْ: نِعْمَةٌ، ومَعْنى ”فِي أفْواهِهِمْ“، بِأفْواهِهِمْ، أيْ: ”رَدُّوا تِلْكَ النِّعَمَ بِالنُّطْقِ بِالتَّكْذِيبِ لِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ“، والمَعْنى أنَّ الرَّدَّ جاءَ في هَذِهِ الجِهَةِ، وفي مَعْناها، كَما تَقُولُ: ”جَلَسْتُ في البَيْتِ“، وجَلَسْتُ بِالبَيْتِ"، ﴿وَقالُوا إنّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ [إبراهيم: ٩]، هَذا هو الرَّدُّ.
إبراهيم 14:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، ”اِسْتَفْتَحُوا“، يُعْنى بِهِ الرُّسُلُ، سَألُوا اللَّهَ أنْ يَفْتَحَ عَلَيْهِمْ، أيْ: يَنْصُرَهُمْ، وكُلُّ نَصْرٍ فَهو فَتْحٌ، و”اَلْجَبّارُ“: اَلَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا، و”اَلْعَنِيدُ“: اَلَّذِي يَعْدِلُ عَنِ القَصْدِ، يُقالُ: ”جَبّارٌ بَيِّنُ الجَبْرِيَّةِ، والجِبْرِيَّةِ - بِكَسْرِ الجِيمِ -، والجِبِرِيَّةُ - بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ -، والجَبَرُوَّةِ، والجَبَرَوَّةِ، والتَّجْبارِ، والجِبْرِياءِ، والجَبُّورَةِ، والجَبَرُوتِ“.
إبراهيم 14:16
﴿مِن ورائِهِ جَهَنَّمُ﴾، أيْ: ”جَهَنَّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ“، و”وَراءَ“، يَكُونُ لِخَلْفٍ، وقُدّامٍ، وإنَّما مَعْناهُ: ”ما تَوارى (p-١٥٧)عَنْكَ“، أيْ: ”ما اسْتَتَرَ عَنْكَ“، ولَيْسَ مِنَ الأضْدادِ كَما يَقُولُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ النّابِغَةُ:
؎حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبُ
أيْ: لَيْسَ بَعْدَ مَذاهِبِ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَذْهَبٌ، ﴿وَيُسْقى مِن ماءٍ صَدِيدٍ﴾، أيْ: مِمّا يَسِيلُ مِن أهْلِ النّارِ مِنَ الدَّمِ، والقَيْحِ.
إبراهيم 14:17
﴿يَتَجَرَّعُهُ ولا يَكادُ يُسِيغُهُ﴾، أيْ: لا يَقْدِرُ عَلى ابْتِلاعِهِ، يُقالُ: ”ساغَ لِيَ الشَّرابُ، وأسَغْتُهُ“، ﴿وَمِن ورائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ.
إبراهيم 14:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾، فَهو مَرْفُوعٌ عَلى مَعْنى: ”وَفِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ“، أوْ: ”مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ فِيما يُتْلى عَلَيْكُمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ“: ”صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهُمْ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”اَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أعْمالُهُمْ“، كَما تَقُولُ: ”صِفَةُ زَيْدٍ أسْمَرُ“، اَلْمَعْنى ”زَيْدٌ أسْمَرُ“، وتَأْوِيلُهُ أنَّ كُلَّ ما يَتَقَرَّبُ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى اللَّهِ فَمُحْبَطٌ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ“، ومِثْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]
إبراهيم 14:21
(p-١٥٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، أيْ: جَمَعَهُمُ اللَّهُ في حَشْرِهِمْ، فاجْتَمَعَ التّابِعُ والمَتْبُوعُ، ﴿فَقالَ الضُّعَفاءُ﴾، وهُمُ الأتْباعُ، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾، وهُمُ المَتْبُوعُونَ، ﴿إنّا كُنّا لَكم تَبَعًا﴾، أيْ: اِتَّبَعْناكم فِيما دَعَوْتُمُونا إلَيْهِ، و”تَبَعًا“، جَمْعُ ”تابِعٌ“، يُقالُ: ”تابِعٌ“، و”تَبَعُ“، مِثْلَ: ”غائِبٌ“، و”غَيَبٌ“.
وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”تَبَعٌ“، مَصْدَرًا، سُمِّيَ بِهِ، أيْ: ”كُنّا ذَوِي تَبَعٍ“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا﴾، ”سَواءٌ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”أجَزِعْنا“، في مَوْضِعِ الخَبَرِ، ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾، أيْ: ما لَنا مِن مَهْرَبٍ، ولا مَعْدِلٍ عَنِ العَذابِ، يُقالُ: ”حاصَ عَنِ الشَّيْءِ، يَحِيصُ“، و”جاصَ عَنْهُ، يَجِيصُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، وهَذِهِ اللُّغَةُ لا تَجُوزُ في القُرْآنِ، ويُقالُ: ”وَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ“، و”حاصَ باصَ“، و”حاصٍ باصٍ“، إذا وقَعَ فِيما لا يَقْدِرُ أنْ يَتَخَلَّصَ مِنهُ.
إبراهيم 14:22
﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾، رَوِيَ أنَّهُ إذا اسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، قامَ إبْلِيسُ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ - أيْ: وعَدَ مَن أطاعَهُ الجَنَّةَ، ووَعَدَ مَن عَصاهُ النّارَ -، ووَعَدْتُكم خِلافَ ذَلِكَ، ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾، أيْ: ما أظْهَرْتُ لَكم مِن حُجَّةٍ، ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾، أيْ: أغْوَيْتُكُمْ، وأضْلَلْتُكُمْ، فاتَّبَعْتُمُونِي.
ذَكَرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أمْرَ إبْلِيسَ، (p-١٥٩)وَما يَقُولُهُ في القِيامَةِ، تَحْذِيرًا مِن إضْلالِهِ وإغْوائِهِ.
﴿ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾، أيْ: ما أنا بِمُغِيثِكُمْ، ولا أنْتُمْ بِمُغِيثِيَّ، قُرِئَتْ: ”بِمُصْرَخِيَّ“، بِفَتْحِ الياءِ، كَذا قَرَأهُ النّاسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْشى: ”بِمُصْرِخِيِّ“، بِكَسْرِ الياءِ، وهَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ رَدِيئَةٌ، مَرْذُولَةٌ، ولا وجْهَ لَها إلّا وجْهٌ ضَعِيفٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ.
وَذَلِكَ أنَّ ياءَ الإضافَةِ، إذا لَمْ يَكُنْ قَبْلَها ساكِنٌ، حُرِّكَتْ إلى الفَتْحِ، تَقُولُ: ”هَذا غُلامِيَ قَدْ جاءَ“، وذَلِكَ أنَّ الِاسْمَ المُضْمَرَ لَمّا كانَ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، وقَدْ مُنِعَ الإعْرابُ حُرِّكَ بِأخَفِّ الحَرَكاتِ، كَما تَقُولُ: ”هُوَ قائِمٌ“، فَتَفْتَحُ الواوَ، وتَقُولُ: ”أنا قُمْتُ“، فَتَفْتَحُ النُّونَ، ويَجُوزُ إسْكانُ الياءِ، لِثِقَلِ الياءِ الَّتِي قَبْلَها كَسْرَةٌ، فَإذا كانَ قَبْلَ الياءِ ساكِنٌ حُرِّكَتْ إلى الفَتْحِ لا غَيْرُ، لِأنَّ أصْلَها أنَّ تُحَرَّكَ ولا ساكِنَ قَبْلَها، وإذا كانَ قَبْلَها ساكِنٌ، صارَتْ حَرَكَتُها لازِمَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ومَن أجازَ ”بِمُصْرِخِيِّ“، بِالكَسْرِ، لَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: ”هَذِهِ عَصايِ أتَوَكَّأُ عَلَيْها“، وأجازَ الفَرّاءُ - عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ - الكَسْرَ، لِأنَّ أصْلَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ الكَسْرُ، وأنْشَدَ:
؎قالَ لَها هَلْ لَكِ يا ثافِيِّ قالَتْ لَهُ ما أنْتَ بِالمَرْضِيِّ
(p-١٦٠)وَهَذا الشِّعْرُ مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وعَمَلُ مِثْلِ هَذا سَهْلٌ، ولَيْسَ يُعْرَفُ قائِلُ هَذا الشِّعْرِ مِنَ العَرَبِ، ولا هو مِمّا يُحْتَجُّ بِهِ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾، "إنِّي كَفَرْتُ بِشِرْكِكم أيُّها التُّباعُ إيّايَ بِاللَّهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾، مَعْناهُ: وجِيعٌ، مُؤْلِمٌ.
إبراهيم 14:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ﴾، ضَرَبَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْإيمانِ بِهِ مَثَلًا، ولِلْكُفْرِ بِهِ مَثَلًا، فَجَعَلَ مَثَلَ المُؤْمِنِ في نُطْقِهِ بِتَوْحِيدِهِ، والإيمانِ بِنَبِيِّهِ، واتِّباعِ شَرِيعَتِهِ، كالشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ، فَجَعَلَ نَفْعَ الإقامَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، كَنَفْعِ الشَّجَرَةِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لا يَنْقَطِعَ نَفْعُها، وثَمَرُها، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ: اَلنَّخْلَةُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا المَثَلَ يُرادُ بِهِ تَوْحِيدُ اللَّهِ، والإيمانُ بِنَبِيِّهِ، وشَرِيعَتِهِ، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
إبراهيم 14:25
وَقَوْلُهُ: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ بِتَفْسِيرِ الحِينِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: ”كُلَّ سَنَةٍ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”كَلَّ (p-١٦١)سِتَّةِ أشْهُرٍ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”غُدْوَةً وعَشِيَّةً“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلْحِينُ“: شَهْرانِ، وجَمِيعُ مَن شاهَدْنا مِن أهْلِ اللُّغَةِ يَذْهَبُ إلى أنَّ الحِينَ اسْمٌ كالوَقْتِ، يَصْلُحُ لِجَمِيعِ الأزْمانِ كُلِّها، طالَتْ أوْ قَصَرَتْ، فالمَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ”تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ“، أنَّها يُنْتَفَعُ بِها في كُلِّ وقْتٍ، لا يَنْقَطِعُ نَفْعُها البَتَّةَ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الحِينَ بِمَنزِلَةِ الوَقْتِ قَوْلُ النّابِغَةِ - أنْشَدَهُ الأصْمَعِيُّ في صِفَةِ الحَيَّةِ والمَلْدُوغِ -:
؎تَناذَرَها الرّاقُونَ مِن سُوءِ سُمِّها تُطْلِقُهُ حِينًا وحِينًا تَراجُعُ
فالمَعْنى أنَّ السُّمَّ يَخِفُّ ألَمُهُ في وقْتٍ، ويَعُودُ وقْتًا.
إبراهيم 14:26
﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾، قِيلَ: إنَّ الشَّجَرَةَ الخَبِيثَةَ: اَلْحَنْظَلُ، وقِيلَ: اَلْكُوثُ”، ﴿اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ﴾، مَعْنى“اِجْتُثَّتْ”: اِسْتُؤْصِلَتْ مِن فَوْقِ الأرْضِ، ومَعْنى“اِجْتُثَّ"، في اللُّغَةِ: أُخِذَتْ جُثَّتُهُ بِكامِلِها، ﴿ما لَها مِن قَرارٍ﴾، فالمَعْنى أنَّ ذِكْرَ اللَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، يَبْقى أبَدًا، ويَبْقى نَفْعُهُ أبَدًا، وأنَّ الكُفْرَ، والضَّلالَ، لا ثُبُوتَ لَهُ.
إبراهيم 14:27
(p-١٦٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾، رَوِيَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عَذابِ القَبْرِ، فَإذا ماتَ المَيِّتُ قِيلَ لَهُ: ”مَن رَبُّكَ؟ وما دِينُكَ؟ ومَن نَبِيُّكَ؟“، فَإذا قالَ: ”اَللَّهُ رَبِّي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، والإسْلامُ دِينِي“، فَقَدْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ بِالقَوْلِ الثّابِتِ في الآخِرَةِ، لِأنَّ هَذا بَعْدَ وفاتِهِ، وتَثْبِيتِهِ في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لا يُلَقَّنُهُ في الآخِرَةِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَقَدَهُ في الدُّنْيا.
إبراهيم 14:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وأحَلُّوا قَوْمَهم دارَ البَوارِ﴾، و”اَلْبَوارُ“: اَلْهَلاكُ، والِاسْتِئْصالُ.
إبراهيم 14:29
﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها﴾، ”جَهَنَّمَ“، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ”دارَ البَوارِ“، ومُفَسِّرَةٌ، و”جَهَنَّمَ“، لَمْ تُصْرَفْ، لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ.
إبراهيم 14:30
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أنْدادًا﴾، ”اَلنِّدُّ“: اَلْمِثْلُ، بَيَّنَ وجْهَ كُفْرِهِمْ، ﴿لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾، و”لِيَضِلُّوا“، قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا.
إبراهيم 14:31
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، إنْ شِئْتَ حَرَّكْتَ الياءَ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَها،: و”يُقِيمُوا“، جُزِمَ عَلى جَوابِ الأمْرِ، وفِيهِ غَيْرُ وجْهٍ، أجْوَدُها أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا، لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الأمْرِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا، بِمَعْنى اللّامِ، إلّا أنَّها أُسْقِطَتْ، لِأنَّ الأمْرَ قَدْ دَلَّ عَلى الغائِبِ بِـ ”قُلْ“، تَقُولُ: ”قُلْ لِزَيْدٍ: لِيَضْرِبْ عَمْرًا“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”قُلْ لِزَيْدٍ (p-١٦٣)يَضْرِبْ عَمْرًا“، ولا يَجُوزُ ”قُلْ يَضْرِبْ زَيْدٌ عَمْرًا“، هَهُنا بِالجَزْمِ، حَتّى تَقُولَ: ”لِيَضْرِبْ“، لِأنَّ لامَ الغائِبِ لَيْسَ هَهُنا مِنها عِوَضٌ إذا حَذَفْتَها.
وَفِيها وجْهٌ ثالِثٌ، عَلى جَوابِ الأمْرِ، عَلى مَعْنى: ”قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا: أقِيمُوا الصَّلاةَ، يُقِيمُوا الصَّلاةَ“، لِأنَّهم إذا آمَنُوا وصَدَّقُوا، فَإنَّ تَصْدِيقَهم بِقَبُولِهِمْ أمْرَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ ولا خِلالٌ﴾، إنْ شِئْتَ رَفَعْتَ البَيْعَ، والخِلالَ، جَمِيعًا، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَهُما جَمِيعًا، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وإنْ شِئْتَ نَصَبْتَ أحَدَهُما، ورَفَعْتَ الآخَرَ، فالنَّصْبُ عَلى النَّفْيِ بِـ ”لا“، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ، و”اَلْخِلالُ“، و”اَلْخُلَّةُ“، في مَعْنى: ”اَلصَّداقَةُ“.
إبراهيم 14:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ والقَمَرَ دائِبَيْنِ﴾، مَعْناهُ: "دائِبَيْنِ في إصْلاحِ ما يُصْلِحانِهِ مِنَ النّاسِ، والنَّباتِ، لا يَفْتُرانِ.
إبراهيم 14:34
﴿وَآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾، وتُقْرَأُ: ”مِن كُلٍّ ما سَألْتُمُوهُ“، بِتَنْوِينِ ”كُلٍّ“، فَمَوْضِعُ ”ما“، خَفْضٌ بِالإضافَةِ، والمَعْنى: ”مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ“، ومَن قَرَأ: ”مِن كُلٍّ ما سَألْتُمُوهُ“، فَمَوْضِعُ ”ما“، نَصْبٌ، والمَعْنى: ”وَآتاكم مِن كُلٍّ الأشْياءَ الَّتِي سَألْتُمُوهُ“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَقَدْ أعْطى العِبادَ ما لَمْ يَسْألُوا، قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ غَيْرُ ناقِضٍ هَذِهِ الآيَةَ، إذا قالَ: ”وَآتاكم مِن كُلِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ“، لَمْ يُوجِبْ هَذا أنْ يَكُونَ لَمْ يُعْطِهِمْ غَيْرَ ما سَألُوهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، نَفْيًا، ويَكُونَ المَعْنى: ”وَآتاكم مِن كُلِّ ما لَمْ تَسْألُوهُ“، أيْ: ”آتاكم كُلَّ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ تَسْألُوهُ“ .
(p-١٦٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾، هَذا اسْمٌ لِلْجِنْسِ، يُقْصَدُ بِهِ الكافِرُ خاصَّةً، كَما قالَ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [العصر: ٣]، والإنْسانُ غَيْرُ المُؤْمِنِ ظَلُومٌ كَفّارٌ.
إبراهيم 14:35
﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾، يَعْنِي مَكَّةَ، ﴿واجْنُبْنِي وبَنِيَّ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ﴾، وتُقْرَأُ: ”وَأجْنِبْنِي وبَنِيَّ“، عَلى ”أجْنَبْتُهُ كَذا وكَذا“، إذا جَعَلْتُهُ ناحِيَةً مِنهُ، وكَذَلِكَ ”جَنَّبْتُهُ كَذا وكَذا“، ومَعْنى الدُّعاءِ مِن إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يُجَنَّبَ عِبادَةَ الأصْنامِ، وهو غَيْرُ عابِدٍ لَها، عَلى مَعْنى: ”ثَبِّتْنِي عَلى اجْتِنابِ عِبادَتِها“، كَما قالَ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨]، أيْ: ”ثَبِّتْنا عَلى الإسْلامِ“.
إبراهيم 14:36
﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾، أيْ: ضُلِّلُوا بِسَبَبِها، لِأنَّ الأصْنامَ لا تَعْقِلُ، ولا تَفْعَلُ شَيْئًا، كَما تَقُولُ: ”قَدْ فَتَنَتْنِي هَذِهِ الدّارُ“، أيْ: أنا أحْبَبْتُها واسْتَحْسَنْتُها، وافْتَتَنْتُ بِها، ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي ومَن عَصانِي فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: فَإنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ إنْ تابَ، وإنْ آمَنَ، لا أنَّهُ يَقُولُ: إنَّ مَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فَإنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهُ، ألا تَرى قَوْلَهُ في أبِيهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ؟
إبراهيم 14:37
(p-١٦٥)﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾، أيْ: اِجْعَلْ أفْئِدَةَ جَماعَةٍ مِنَ النّاسِ تَنْزِعُ إلَيْهِمْ، ويَجُوزُ ”تَهْوى إلَيْهِمْ“، فَمَن قَرَأ: ”تَهْوِي إلَيْهِمْ“، فَهو عَلى ”هَوى يَهْوِي“، إذا وقَعَ، ومَن قَرَأ: ”تَهَوى إلَيْهِمْ“، فَعَلى ”هَوِيَ، يَهْوى“، إذا أحَبَّ، والقِراءَةُ الأُولى هي المُخْتارَةُ.
إبراهيم 14:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾، أيْ: ”واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي مَن يُقِيمُ الصَّلاةَ“، ﴿رَبَّنا وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِغَيْرِ ”ياءٍ“، في ”دُعائِي“، إذا وقَفْتَ، فَإذا وصَلْتَ فَأنْتِ بِالخِيارِ، إنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”دُعاءِ“، بِغَيْرِ ياءٍ، وكانَتِ الكَسْرَةُ في الهَمْزَةِ تَنُوبُ عَنِ الياءِ، والأجْوَدُ إثْباتُ الياءِ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَها، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَها.
إبراهيم 14:41
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لِي ولِوالِدَيَّ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾، هَذا قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لِإبْراهِيمَ أنَّ أباهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ ذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِوالِدَيْهِ هُنا آدَمَ وحَوّاءَ، وقِيلَ أيْضًا: ”وَلِوَلَدَيَّ“، يَعْنِي بِهِ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ، وهَذِهِ القِراءَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، لِأنَّها خِلافُ ما عَلَيْهِ أهْلُ الأمْصارِ مِن أهْلِ القِراءاتِ، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، و”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِـ ”اِغْفِرْ لِي“.
إبراهيم 14:43
وَقَوْلُهُ: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾، ”مُهْطِعِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ (p-١٦٦)أبْصارُهم مُهْطِعِينَ“، أيْ: مُسْرِعِينَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بِدِجْلَةَ أهْلُها ولَقَدْ أراهم بِدِجْلَةَ مُهْطِعِينَ إلى السَّماعِ
أيْ: مُسْرِعِينَ، و”مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ“: رافِعِيها، مُلْتَصِقَةً بِأعْناقِهِمْ، و”اَلْمُقْنِعُ“: اَلرّافِعُ، و”اَلْمُقْنَعُ“: اَلْمُرْتَفِعُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يُبادِرْنَ العِضاةَ بِمُقْنَعاتٍ ∗∗∗ نَواجِذُهُنَّ كالحِدَإ الوَقِيعِ
يَصِفُ إبِلًا تَرْعى الشَّجَرَ، وأنَّ أسْنانَها مُرْتَفِعَةٌ كالفُؤُوسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾، أيْ: مُنْحَرِفَةٌ، لا تَعِي شَيْئًا مِنَ الخَوْفِ، وقِيلَ: ”نُزِعَتْ أفْئِدَتُهم مِن أجْوافِهِمْ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ الرَّحْلَ مِنها فَوْقَ صَعْلٍ ∗∗∗ مِنَ الظَّلْماءِ جُؤْجُؤُها هَواءُ
إبراهيم 14:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ﴾، اَلْقِراءَةُ بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى مِن ”لِتَزُولَ“، وفَتْحُ اللّامِ الأخِيرَةِ، هي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ جَيِّدَةٌ، والمَعْنى: وما كانَ مَكْرُهم لِتَزُولَ مِنهُ الجِبالُ، أيْ: ما كانَ (p-١٦٧)مَكْرُهم لِيَزُولَ بِهِ أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ، وأمْرُ دِينِ الإسْلامِ، وثُبُوتُهُ كَثُبُوتِ الجِبالِ الرّاسِيَةِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وعَدَ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إظْهارَ دِينِهِ عَلى كُلِّ الأدْيانِ، فَقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧]، أيْ: لا يُخْلِفُهم ما وعَدَهم مِن نَصْرِهِمْ، وإظْهارِ نُبُوَّتِهِمْ، وكَلِمَتِهِمْ.
وَيُقْرَأُ: ”وَإنْ كانَ مَكْرُهم لَتَزُولُ مِنهُ الجِبالُ“، عَلى الرَّفْعِ، وفَتْحِ اللّامِ الأُولى، ومَعْناهُ مَعْنًى حَسَنٌ، صَحِيحٌ، والمَعْنى: ”وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهم وإنْ كانَ مَكْرُهم يَبْلُغُ في الكَيْدِ إلى إزالَةِ الجِبالِ“، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ دِينَهُ، ومَكْرُهم عِنْدَهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلْ زالَتِ الجِبالُ لِمَكْرِهِمْ؟ فَقَدْ رُوِيَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ قِصَّةُ التّابُوتِ والنُّسُورِ، وأنَّ الجِبالَ ظَنَّتْ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ عَظِيمٌ، فَزالَتْ.
وَقِيلَ: هَذا في قِصَّةِ النَّمْرُودِ بْنِ كَنْعانَ، ولا أرى لِنَمْرُودَ هَهُنا ذِكْرًا، ولَكِنَّهُ إذا صَحَّتِ الأحادِيثُ بِهِ، فَمَعْناهُ أنَّ مَكْرَ هَؤُلاءِ لَوْ بَلَغَ مَكْرَ ذاكَ، لَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، وأمّا ما تُوحِيهِ اللُّغَةُ، وخِطابُ العَرَبِ، فَأنْ يَكُونَ المَعْنى: وإنْ لَمْ يَكُنْ جَبَلٌ قَطُّ، زالَ لِمَكْرِ المُبالَغَةِ في وصْفِ الشَّيْءِ أنْ يُقالَ: لَوْ بَلَغَ ما لا يُظَنُّ أنَّهُ يَبْلُغُ ما انْتَفَعَ بِهِ، قالَ الأعْشى:(p-١٦٨)
؎لَئِنْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
؎لَيَسْتَدْرِجَنْكَ الأمْرُ حَتّى تَهُزَّهُ ∗∗∗ وتَعْلَمَ أنِّي عَنْكَ لَسْتُ بِمُلْجَمِ
فَإنَّما بالَغَ في الوَصْفِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ لا يُرَقّى أسْبابَ السَّماءِ، ولا يَكُونُ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً، فَيَسْتَدْرِجُهُ القَوْلُ، فالمَعْنى عَلى هَذا: لَوْ أزالَ مَكْرُهُمُ الجِبالَ، لَما زالَ أمْرُ الإسْلامِ، وما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ .
إبراهيم 14:47
﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾، وقُرِئَتْ: ”مُخْلِفٌ وعْدَهُ رُسُلَهُ“، وهَذِهِ القِراءَةُ الَّتِي بَنَصْبِ الوَعْدِ، وخَفْضِ الرُّسُلِ، شاذَّةٌ، رَدِيئَةٌ، لا يَجُوزُ أنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ المُضافِ، والمُضافِ إلَيْهِ، وأنْشَدُوا في مِثْلِ هَذا: (p-١٦٩)
؎فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ زَجَّ القَلُوصَ أبِي مَزادَةْ
اَلْمَعْنى: ”فَزَجَّجْتُها بِمِزَجَّةٍ زَجَّ أبِي مَزادَةَ القَلُوصُ“، والقِراءَةُ: ”مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ“، كَما تَقُولُ: ”هَذا مُعْطِي دِرْهَمٍ زَيْدًا“.
إبراهيم 14:48
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ﴾، إنْ شِئْتَ نَصَبْتَ اليَوْمَ، عَلى النَّعْتِ، لِقَوْلِهِ: ”يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ“، وإنْ شِئْتَ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”ذُو انْتِقامٍ“، اَلْمَعْنى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ذُو انْتِقامٍ، أيْ: بَيْنَهم يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ.
وَ”اَلْأرْضُ“، مَرْفُوعَةٌ عَلى اسْمِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وغَيْرُ مَنصُوبَةٍ عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، تَقُولُ: ”بُدِّلَ الخاتَمُ خاتَمًا آخَرَ“، إذا كُسِرَ، وصِيغَ صِيغَةً أُخْرى، وقَدْ تَقُولُ: ”بُدِّلَ زَيْدٌ“، إذا تَغَيَّرَتْ حالُهُ، فَمَعْنى ”تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ“: تَسْيِيرُ جِبالِها، وتَفْجِيرُ بِحارِها، وكَوْنُها مُسْتَوِيَةً لا يُرى فِيها عِوَجٌ ولا أمْتٌ، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - تَبْدِيلُها.
﴿والسَّماواتُ﴾، أيْ: وتُبَدَّلُ السَّماواتُ غَيْرَ السَّماواتِ، وتَبْدِيلُ السَّماواتِ انْتِثارُ كَواكِبِها، وانْفِطارُها، وانْشِقاقُها، وتَكْوِيرُ شَمْسِها، وخُسُوفُ قَمَرِها، ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾، أيْ: خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ بارِزِينَ.
إبراهيم 14:49
﴿وَتَرى المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾، (p-١٧٠)وَ”اَلْأصْفادُ“: اَلْأغْلالُ، واحِدُها ”صَفَدٌ“، يُقالُ: ”صَفَدْتُهُ بِالحَدِيدِ“، و”أصْفَدْتُهُ“، و”صَفَدْتُ“، في الحَدِيدِ أكْثَرُ، و”أصْفَدْتُهُ“، إذا أعْطَيْتُهُ، و”صَفَدْتُهُ“، إذا أعْطَيْتُهُ أيْضًا، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ في العَطِيَّةِ ”أصْفَدْتُهُ“، وفي الحَدِيدِ ”صَفَدْتُهُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَإنْ جِئْتُهُ يَوْمًا فَقَرَّبَ مَجْلِسِي وأصْفَدَنِي عَلى الزَّمانَةِ قائِدا
مَعْناهُ: أعْطانِي قائِدًا.
إبراهيم 14:50
﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾، ”اَلسِّرْبالُ“: كُلُّ ما لُبِسَ، وجُعِلَتْ سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِأنَّ القَطِرانَ يُبالِغُ في اشْتِعالِ النّارِ في الجُلُودِ، ولَوْ أرادَ اللَّهُ المُبالَغَةَ في إحْراقِهِمْ بِغَيْرِ نارٍ، وغَيْرِ قَطِرانٍ، لَقَدِرَ عَلى ذَلِكَ، لَكِنْ عَذَّبَ بِما يَعْقِلُ العِبادُ العَذابَ مِن جِهَتِهِ، وحَذَّرَهم ما يَعْرِفُونَ حَقِيقَتَهُ، وقُرِئَتْ: ”مِن قِطْرٍ آنٍ“، قَرَأ بِها جَماعَةٌ، و”اَلْقِطْرُ“: اَلنُّحاسُ، و”آنٍ“: قَدِ انْتَهى مَرُّهُ.
الحجر 15:2
(p-١٧١)سُورَةُ اَلْحِجْرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قُرِئَتْ: ”رُبَّما يَوَدُّ“، بِتَشْدِيدِ الباءِ، وتَخْفِيفِها، والعَرَبُ تَقُولُ: ”رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي“، ويُخَفِّفُونَ فَيَقُولُونَ: ”رُبَ رَجُلٍ“، قالَ الحادِرَةُ:
؎فَسُمَيَّ ما يُدْرِيكِ أنْ رُبَ فِتْيَةٍ باكَرْتُ لَذَّتَهم بِأدْكَنَ مُتْرَعِ
يُرِيدُ ”سُمَيَّةَ“، فَرَخَّمَ.
(p-١٧٢)وَيُسَكِّنُونَ في التَّخْفِيفِ، فَيَقُولُونَ: ”رُبْ رَجُلٍ قَدْ جاءَنِي“، وأنْشَدُوا بَيْتَ الهُذَلِيِّ:
؎أزُهَيْرُ إنْ يَشِبِ القَذالُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رُبْ هَيْضَلٍ لَجِبٍ لَفَفْتَ بِهَيْضَلِ
وَيَقُولُونَ: ”رُبَّتا رَجُلٍ“، و”رُبَّتْ رَجُلٍ“، ويَقُولُونَ: ”رَبَّ رَجُلٍ“، فَيَفْتَحُونَ الرّاءَ، و”رَبَما رَجُلٍ جاءَنِي“، بِفَتْحِ الرّاءِ، و”رَبَّتَما رَجُلٍ“، فَيَفْتَحُونَ، حَكى ذَلِكَ قُطْرُبٌ.
فَأمّا تَفْسِيرُ الآيَةِ فَفِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: إنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، وعايَنَ الكافِرُ القِيامَةَ، ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا، وقِيلَ: إنَّهُ إذا عايَنَ المَوْتَ، ودَّ لَوْ أنَّهُ مُسْلِمٌ، وقِيلَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُخْرِجَ المُسْلِمُونَ مِنَ النّارِ، فَوَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
وَقِيلَ: يُعَيِّرُ أهْلُ النّارِ الكَفَرَةُ المُسْلِمِينَ، قائِلِينَ: ما نَفَعَكم إيمانُكُمْ، فَيَغْضَبُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِذَلِكَ، فَيُخْرِجُهم مِنَ النّارِ، فَيَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
والَّذِي أراهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ الكافِرَ كُلَّما رَأى حالًا مِن أحْوالِ العَذابِ، ورَأى حالًا عَلَيْها أحْوالَ المُسْلِمِ، ودَّ لَوْ كانَ مُسْلِمًا، فَهَذِهِ الأحْوالُ كُلُّها تَحْتَمِلُها الآيَةُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَلِمَ كانَتْ ”رُبَّ“، هَهُنا، ورُبَّ لِلتَّقْلِيلِ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّ العَرَبَ خُوطِبَتْ بِما تَعْقِلُهُ في التَّهَدُّدِ.
والرَّجُلُ يَتَهَدَّدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: ”لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى فِعْلِكَ“، وهو لا يَشُكُّ في أنَّهُ يَنْدَمُ، وتَقُولُ لَهُ: ”رُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ مِن مِثْلِ ما صَنَعْتَ“، وهو يَعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ يَنْدَمُ كَثِيرًا، ولَكِنَّ مَجازَهُ أنَّ (p-١٧٣)هَذا لَوْ كانَ مِمّا يُوَدُّ في حالٍ واحِدَةٍ مِن أحْوالِ العَذابِ، أوْ كانَ الإنْسانُ يَخافُ أنْ يَنْدَمَ عَلى الشَّيْءِ، لَوَجَبَ عَلَيْهِ اجْتِنابُهُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ عَلى مَعْنى التَّهَدُّدِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٣]
وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ أهْوالَ يَوْمِ القِيامَةِ تُسْكِرُهُمْ، وتَشْغَلُهم عَنِ التَّمَنِّي، فَإذا أفاقُوا مِن سَكْرَةٍ مِن سَكَراتِ العَذابِ ودُّوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ.
فَأمّا مَن قالَ: إنَّ ”رُبَّ“، يُعْنى بِها الكَثِيرُ، فَهَذا ضِدُّ ما يَعْرِفُهُ أهْلُ اللُّغَةِ، لِأنَّ الحُرُوفَ الَّتِي جاءَتْ لِمَعْنًى تَكُونُ عَلى ما وضَعَتِ العَرَبُ، فَـ ”رُبَّ“، مَوْضُوعَةٌ لِلتَّقْلِيلِ، و”كَمْ“، مَوْضُوعَةٌ لِلتَّكْثِيرِ، وإنَّما خُوطِبُوا بِما يَعْقِلُونَ، ويَسْتَفِيدُونَ، وإنَّما زِيدَتْ ”ما“، مَعَ ”رُبَّ“، لِيَلِيَها الفِعْلُ، تَقُولُ: ”رُبَّ رَجُلٍ جاءَنِي“، و”رُبَّما جاءَنِي رَجُلٌ“.
الحجر 15:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾، أيْ: إلّا ولَها أجْلٌ لا تَتَقَدَّمُهُ، ولا تَتَأخَّرُ عَنْهُ.
الحجر 15:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ؟“، رُوِيَ ذَلِكَ، قالُوا لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ.
الحجر 15:8
فَقالَ: ﴿ما نُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ إلا بِالحَقِّ﴾، أيْ: إنَّما تَنْزِلُ بِآجالٍ، أوْ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، ﴿وَما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾، أيْ: لَوْ نَزَلَتِ المَلائِكَةُ لَمْ يُنْظَرُوا، وانْقَطَعَتِ التَّوْباتُ، كَما قالَ: (p-١٧٤)﴿وَلَوْ أنْـزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ [الأنعام: ٨]، وتُقْرَأُ: ”ما تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ إلّا بِالحَقِّ“، و”ما تُنَزِّلُ المَلائِكَةُ“، و”ما تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ“، و”ما تَنْزِلُ المَلائِكَةُ“.
الحجر 15:9
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾، أيْ: نَحْفَظُهُ مِن أنْ يَقَعَ فِيهِ زِيادَةٌ، أوْ نُقْصانٌ، كَما قالَ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْـزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]
الحجر 15:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾، أيْ: في فِرَقِ الأوَّلِينَ.
الحجر 15:11
﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ سُفَهاءَ كُلِّ أُمَّةٍ يَسْتَهْزِئُونَ بِرُسُلِها.
الحجر 15:12
﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾، وتُقْرَأُ: ”نُسْلِكُهُ“، أيْ: ”كَذَلِكَ نَسَلُكُ الضَّلالَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ“، أيْ: ”كَما فُعِلَ بِالمُجْرِمِينَ الَّذِينَ اسْتَهْزَؤُوا بِمَن تَقَدَّمَ مِنَ الرُّسُلِ، كَذَلِكَ نَسْلُكُ الإضْلالَ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ“.
الحجر 15:13
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ وقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، أيْ: وقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ بِمِثْلِ ما فَعَلَهُ هَؤُلاءِ، فَهم يَقْتَفُونَ آثارَهم في الكُفْرِ.
الحجر 15:14
ثُمَّ أعْلَمَهم تَعالى أنَّهم إذا ورَدَتْ عَلَيْهِمُ الآيَةُ المُعْجِزَةُ قالُوا: سِحْرٌ، وقالُوا: سُكِّرَتْ أبْصارُنا، كَما قالُوا حِينَ انْشَقَّ القَمَرُ: هَذا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”يَعْرِجُونَ“، أيْ: يَصْعَدُونَ، ويَذْهَبُونَ، ويَجِيئُونَ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ (p-١٧٥)”يَعْرُجُونَ“، لِلْمَلائِكَةِ، والنّاسِ، وقَدْ جاءَ بِهِما التَّفْسِيرُ، ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا﴾ [الحجر: ١٥]، و”سُكِرَتْ“، ويَجُوزُ ”سَكَرَتْ“، بِفَتْحِ السِّينِ، ولا تَقْرَأنَّ بِها، إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، وفَسَّرُوا ”سُكِّرَتْ“: أُغْشِيَتْ، و”سَكِرَتْ“: تَحَيَّرَتْ، وسَكَنَتْ عَنْ أنْ تَنْظُرَ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”سَكِرَتِ الرِّيحُ، تَسْكَرُ“، إذا سَكَنَتْ، وكَذَلِكَ ”سَكِرَ الحَرُّ، يَسْكَرُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎جاءَ الشِّتاءُ واجْثَألَّ القُبَّرُ وجَعَلَتْ عَيْنُ الحَرُورِ تَسْكَرُ
الحجر 15:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”نُجُومًا، وكَواكِبَ“، وقِيلَ: ”مَنازِلَ الشَّمْسِ والقَمَرِ“، وهَذِهِ البُرُوجُ الَّتِي يُسَمِّيها الحُسّابُ ”اَلْجَمَلُ“، و”اَلثَّوْرُ“، وما أشْبَهَها، هي كَواكِبُ أيْضًا، صُوَرُها عَلى صُوَرِ أسْماءِ أصْحابِها، فالبُرُوجُ نُجُومٌ، كَما جاءَ في التَّفْسِيرِ، ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، (p-١٧٦)مَعْنى ”رَجِيمٌ“، قِيلَ: ”مَلْعُونٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”رُجِمَ مَرْجُومًا بِالكَواكِبِ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك: ٥]
الحجر 15:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: نَصْبٌ، بِمَعْنى ”لَكِنَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، عَلى مَعْنى ”إلّا مِمَّنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ“، ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾، و”اَلشُّهُبُ“: اَلْكَواكِبُ المُنْقَضَّةُ، مِن آياتِ اللَّهِ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدَّلِيلُ عَلى أنَّها كانَتِ انْقَضَّتْ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ شُعَراءَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا يُمَثِّلُونَ في السُّرْعَةِ بِالبَرْقِ، وبِالسَّيْلِ، وبِالأشْياءِ المُسْرِعَةِ، لَمْ يُوجَدْ في أشْعارِها بَيْتٌ واحِدٌ فِيهِ ذِكْرُ الكَواكِبِ المُنْقَضَّةِ، فَلَمّا حَدَثَتْ بَعْدَ مَوْلِدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اسْتَعْمَلَتِ الشُّعَراءُ ذِكْرَها، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎كَأنَّهُ كَوْكَبٌ في إثْرِ عِفْرِيَةٍ مُسَوَّمٌ في سَوادِ اللَّيْلِ مُنْقَضِبُ
الحجر 15:19
﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾، كانَتِ الأرْضُ طِينَةً، فَمُدَّتْ، وقِيلَ: ”مُدَّتْ مِن تَحْتِ البَيْتِ الحَرامِ“، و”اَلرَّواسِي“: اَلْجِبالُ الثَّوابِتُ، ومَعْنى ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ مَقْدُورٍ جَرى عَلى وزْنٍ مِن قَدَرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُجاوِزُ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، لا يَسْتَطِيعُ خَلْقَ زِيادَةٍ فِيهِ، ولا نُقْصانًا، وقِيلَ: ”مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ“، أيْ: ”مِن كُلِّ شَيْءٍ يُوزَنُ“، نَحْوَ الحَدِيدِ، والرَّصاصِ، والنُّحاسِ، والزَّرْنِيخِ.
(p-١٧٧)﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠]، مَوْضِعُ ”مَن“: نَصْبٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما العَطْفُ عَلى ”مَعايِشَ“، اَلْمَعْنى: ”وَجَعَلْنا لَكم مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى تَأْوِيلِ ”لَكُمْ“، اَلْمَعْنى: ”فِي جَعْلِنا لَكم فِيها مَعايِشَ أعَشْناكم ومَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ“، وفي التَّفْسِيرِ أنَّ ”مَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ“: اَلدَّوابُّ، والأنْعامُ.
وَقِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: اَلْوُحُوشُ، والنَّحْوِيُّونَ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ ”مَن“، لا يَكادُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ ما يَعْقِلُ، وقَدْ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ ومِنهم مَن يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] ”، فَجاءَتْ“مَن"، لِغَيْرِ النّاسِ، إذْ وُصِفَ غَيْرُ النّاسِ بِصِفاتِهِمْ، كَما جاءَتِ الواوُ لِغَيْرِ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]
والأجْوَدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”مَن“، هَهُنا - أعْنِي ”وَمَن لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ“ -، يُرادُ بِها العَبِيدُ، والأنْعامُ، والدَّوابُّ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”جَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ وجَعَلْنا لَكُمُ العَبِيدَ، والدَّوابَّ، والأنْعامَ، وكُفِيتُمْ مَؤُونَةَ أرْزاقِها“.
الحجر 15:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾، ”لَواقِحَ“، تَأْتِي بِالسَّحابِ، و”لَواقِحَ“، تُلَقِّحُ السَّحابَ، وتُلَقِّحُ الشَّجَرَ، وجازَ أنْ يُقالُ لِلرِّيحِ: ”لَقَّحَتْ“، إذا أتَتْ بِالخَيْرِ، كَما قِيلَ لَها: ”عَقِيمٌ“، إذا لَمْ تَأْتِ بِخَيْرٍ، وأتَتْ بِعَذابٍ، كَما - قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ لَها: ”لَواقِحُ“، وإنْ لَقَّحَتْ غَيْرَها، لِأنَّ مَعْناها النَّسَبُ.
الحجر 15:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم ولَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَأْخِرِينَ﴾، (p-١٧٨)قِيلَ فِيها غَيْرُ قَوْلٍ، قِيلَ: اَلْمُسْتَقْدِمِينَ مِمَّنْ خَلَقَ، والمُسْتَأْخِرِينَ مِمَّنْ يَحْدُثُ مِنَ الخَلْقِ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الحجر 15:25
ثُمَّ قالَ: ﴿وَإنَّ رَبَّكَ هو يَحْشُرُهُمْ﴾، أيْ: اَلَّذِي أنْشَأهُمْ، وعَلِمَهُمْ، هو يَحْشُرُهم مَبْعُوثِينَ، كَما بَدَأهم أوَّلَ خَلْقٍ، ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾، أيْ: تَدْبِيرُهُ يَجْرِي بِحِكْمَةٍ وعِلْمٍ، وقِيلَ: ”وَلَقَدْ عَلِمْنا المُسْتَقْدِمِينَ مِنكم في طاعَةِ اللَّهِ، والمُسْتَأْخِرِينَ فِيها“، وقِيلَ: إنَّهُ كانَتِ امْرَأةٌ حَسْناءُ تُصَلِّي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَن يُصَلِّي مِنَ النِّساءِ، وكانَ بَعْضُ مَن يُصَلِّي يَتَأخَّرُ في آخِرِ الصُّفُوفِ، فَإذا سَجَدَ اطَّلَعَ إلَيْها مِن تَحْتِ إبِطِهِ، والَّذِينَ لا يَقْصِدُونَ هَذا المَقْصِدَ إنَّما يَطْلُبُونَ التَّقَدُّمَ في الصُّفُوفِ، لِما فِيهِ مِنَ الفَضْلِ.
﴿قالَ هَذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ [الحجر: ٤١]، فَمَن قَرَأ: ”صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ“، فالمَعْنى: ”هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ عَلَيَّ“، أيْ: عَلى إرادَتِي، وأمْرِي، ومَن قَرَأ: ”عَلِيٌّ“، أرادَ: طَرِيقٌ رَفِيعٌ في الدِّينِ، والحَقِّ.
الحجر 15:26
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾، ”اَلصَّلَصالُ“: اَلطِّينُ اليابِسُ، الَّذِي يَصِلُّ لِيُبْسِهِ، ومَعْنى ”يَصِلُّ“: يُصَوِّتُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَجَعْتُ إلى صَدْرٍ كَجَرَّةِ حَنْتِمٍ إذا قُرِعَتْ صِفْرًا مِنَ الماءِ صَلَّتِ
(p-١٧٩)وَ”مَسْنُونٍ“، قِيلَ فِيهِ: مُتَغَيِّرٍ، وإنَّما أُخِذَ مِن أنَّهُ عَلى سُنَّةِ الطَّرِيقِ، لِأنَّهُ إنَّما يَتَغَيَّرُ إذا قامَ بِغَيْرِ ماءٍ جارٍ.
الحجر 15:27
﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾، ”اَلْجانَّ“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، المَعْنى: ”وَخَلَقْنا الجانَّ خَلَقْناهُ“، و"خَلَقَ اللَّهُ المَلائِكَةَ مِن نُورِ العِزَّةِ، وخَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، وخَلَقَ الجانَّ مِن نارِ السَّمُومِ.
الحجر 15:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾، قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: ”أجْمَعُونَ“، تَوْكِيدٌ بَعْدَ تَوْكِيدٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”أجْمَعُونَ“، يَدُلُّ عَلى اجْتِماعِهِمْ في السُّجُودِ، المَعْنى: ”فَسَجَدُوا كَلُّهم في حالٍ واحِدَةٍ“، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ أجْوَدُ، لِأنَّ ”أجْمَعِينَ“، مَعْرِفَةٌ، فَلا يَكُونُ حالًا.
الحجر 15:31
﴿إلا إبْلِيسَ﴾، ”إبْلِيسَ“، مُسْتَثْنى، ولَيْسَ مِنَ المَلائِكَةِ، إنَّما هو مِنَ الجِنِّ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، وهو مَنصُوبٌ، اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، اَلْمَعْنى: لَكِنَّ إبْلِيسَ أبى أنْ يَكُونَ.
الحجر 15:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما لَكَ ألا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، بِإسْقاطِ ”فِي“، وإفْضاءِ النّاصِبِ إلى ”أنْ“، اَلْمَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ يَقَعُ لَكَ في ألّا تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ“.
الحجر 15:34
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾، (p-١٨٠)مَعْناهُ: ”مَرْجُومٌ مَلْعُونٌ“.
الحجر 15:44
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَها سَبْعَةُ أبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنهم جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾، لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ مُنازِلَ، لِكُلِّ مَنزِلَةٍ صِنْفٌ مِمَّنْ يُعَذَّبُ عَلى قَدْرِ مَنزِلَتِهِ في الذَّنْبِ.
الحجر 15:47
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾، ”اَلْغِلُّ“: اَلْحِقْدُ، ويُرْوى أنَّهُ يُخَلَّصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ، والنّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى الجَنَّةِ، وقَدْ نُقُّوا، وهُذِّبُوا، فَخَلَصَتْ نِيّاتُهم مِنَ الأحْقادِ، ﴿إخْوانًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾، في التَّفْسِيرِ: لا يَنْظُرُ بَعْضُهم في قَفا بَعْضٍ.
الحجر 15:48
﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ﴾، أيْ: لا يَنالُهم تَعَبٌ.
الحجر 15:49
﴿أنِّي أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿وَأنَّ عَذابِي هو العَذابُ الألِيمُ﴾ [الحجر: ٥٠]، يُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ العَبْدَ لَوْ عَلِمَ قَدْرَ عَفْوِ اللَّهِ لَما أمْسَكَ عَنْ ذَنْبٍ، ولَوْ عَلِمَ مِقْدارَ عُقُوبَتِهِ، لَبَخَعَ نَفْسَهُ في العِبادَةِ، ولَما قَدِمَ عَلى ذَنْبٍ.
الحجر 15:52
﴿فَقالُوا سَلامًا﴾، قالَ: سَلامٌ، ”سَلامًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: ”سَلَّمْنا سَلامًا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنّا مِنكم وجِلُونَ﴾، أيْ: خائِفُونَ، فَإنَّما وجِلَ لَمّا قَدَّمَ إلَيْهِمُ العِجْلَ فَرَآهم لا يَأْكُلُونَ مِنهُ، وجِلَ.
الحجر 15:53
(p-١٨١)﴿قالُوا لا تَوْجَلْ﴾، يُقالُ: ”وَجِلَ، يَوْجَلُ، وياجَلُ، يَيْجَلُ، ويِيْجَلُ“، إذا خافَ.
الحجر 15:54
﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾، بِفَتْحِ النُّونِ، وهو أجْوَدُ في القِراءَةِ، وقُرِئَتْ: ”فَبِمَ تُبَشِّرُونِ“، بِكَسْرِ النُّونِ، قَرَأ بِها نافِعٌ، والأصْلُ: ”فَبِمَ تُبَشِّرُونَنِ“، فاسْتُثْقِلَ النُّونانِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما، وقِيلَ: اَلْحَذْفُ مِنَ الإدْغامِ، كَأنَّها ”فَبِمَ تُبَشِّرُنَّ“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، فَحُذِفَتْ إحْدى النُّونَيْنِ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ، كَما قالُوا: ”رُبَّما“، و”رُبَما“، قالَ الشّاعِرُ - في حَذْفِ النُّونِ -:
؎رَأتْهُ كالنَّعامِ يُعَلُّ مِسْكًا يَسُوءُ الغالِياتِ إذا فَلَيْنِي
يُرِيدُ فَلَيْنَنِي.
الحجر 15:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾، يُقالُ: ”قَنَطَ، يَقْنِطُ“، و”قَنِطَ، يَقْنَطُ“، وهُما جَمِيعًا جائِزَتانِ، و”اَلْقُنُوطُ“: بِمَعْنى ”اَلْيَأْسُ“.
الحجر 15:57
﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ﴾، أيْ: فَما أمْرُكُمْ؟
الحجر 15:59
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا آلَ لُوطٍ﴾، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: ﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ [الحجر: ٥٨] ﴿إلا آلَ لُوطٍ إنّا لَمُنَجُّوهم أجْمَعِينَ﴾، اَلْمَعْنى: إنّا أُرْسِلْنا بِالعَذابِ إلى قَوْمِ لُوطٍ.
الحجر 15:60
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”عَلِمْنا أنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ“، وقِيلَ: ”دَبَّرْنا إنَّها لَمِنَ الغابِرِينَ“، و”قَدَّرْنا“، هَهُنا، لا يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، المَعْنى: ”إلّا امْرَأتَهُ قَدَّرْنا أنَّها لَمِنَ الباقِينَ في (p-١٨٢)العَذابِ“، و”اَلْغابِرُ“: اَلْباقِي، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ
اَلْمَعْنى: وما بَقِيَ.
الحجر 15:63
وَقَوْلُهُ: ﴿بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، أيْ: جِئْناكَ بِالعَذابِ الَّذِي كانُوا يَشُكُّونَ في نُزُولِهِ.
الحجر 15:65
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾، وتَقُولُ: ”فَأسْرِ بِأهْلِكَ“، بِقَطْعِ الألِفِ، ووَصْلِها، وسَيْرُ اللَّيْلِ يُقالُ فِيهِ: ”أسْرى“، و”سَرى“، ومَعْنى ”بِقَطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ“: أيْ: بَعْدَما يَمْضِي شَيْءٌ صالِحٌ مِنَ اللَّيْلِ، ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾، أُمِرَ ﷺ بِتَرْكِ الِالتِفاتِ، لِئَلّا يَرى عَظِيمَ ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
الحجر 15:66
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾، مَوْضِعُ ”أنَّ“: نَصْبٌ، وهو بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾، ثُمَّ فَسَّرَ ما الأمْرُ، فالمَعْنى ”وَقَضَيْنا إلَيْهِ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ“، ”مُصْبِحِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
الحجر 15:68
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ ضَيْفِي﴾، ”اَلضَّيْفُ“، يُوَحَّدُ، وإنْ وُصِفَتْ بِهِ الجَماعَةُ، تَقُولُ: ”هَذا ضَيْفٌ“، و”هَذانِ ضَيْفٌ“، و”هَؤُلاءِ ضَيْفٌ“، كَما تَقُولُ: ”هَؤُلاءِ عَدْلٌ“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”أضْيافٌ“، و”ضِيفانٌ“، فَمَن وحَّدَ فَلِأنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ الِاسْمُ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، وإنَّما وُحِّدَ المَصْدَرُ في قَوْلِكَ: ”ضَرَبْتُ القَوْمَ ضَرْبًا“، لِأنَّ الضَّرْبَ صِنْفٌ واحِدٌ، وإذا كانَ (p-١٨٣)أصْنافًا، وجَمَعْتَ، فَقُلْتَ: ”ضَرْبَتُهم ضَرْبَيْنِ“، و”ضَرَبْتُهم ضُرُوبًا“، أيْ: أجْناسًا مِنَ الضَّرْبِ، و”اَلضَّيْفُ“: مَصْدَرُ ”ضِفْتُ الرَّجُلَ، أضِيفُهُ، ضَيْفًا، فَأنا ضائِفٌ، والرَّجُلُ مَضِيفٌ“، إذا كانَ مَفْعُولًا، و”أضَفْتُهُ“، إذا أنْزَلْتُهُ.
الحجر 15:70
﴿قالُوا أوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالَمِينَ﴾، مَعْناهُ: ”ألَمْ نَنْهَكَ عَنْ ضِيافَةِ العالَمِينَ؟“.
الحجر 15:71
﴿قالَ هَؤُلاءِ بَناتِي إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾، فالجَوابُ مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّهم أرادُوا الضِّيفانَ لِلْفَسادِ، فَقالَ لَهم لُوطٌ: ”هَؤُلاءِ بَناتِي“، لِأنَّ نِساءَ أُمَّةِ كُلِّ نَبِيٍّ بِمَنزِلَةِ بَناتِهِ، وأزْواجُهُ بِمَنزِلَةِ أُمَّهاتِهِمْ، المَعْنى: ”اَلنِّساءُ عَلى جِهَةِ التَّزْوِيجِ أطْهَرُ لَكُمْ“، ومَعْنى ”إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ“: أيْ: ”إنْ كُنْتُمْ مُرِيدِينَ لِهَذا الشَّأْنِ، فَعَلَيْكم بِالتَّزْوِيجِ بِبَناتِي“.
الحجر 15:72
﴿لَعَمْرُكَ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، هَذِهِ الآيَةُ آيَةٌ عَظِيمَةٌ في تَفْضِيلِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أعْنِي قَوْلَهُ - سُبْحانَهُ -: ”لَعَمْرُكَ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ قَسَمٌ بِحَياةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَذَلِكَ أكْثَرُ التَّفْسِيرِ.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: ”لَعَمْرُكَ“، كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ، ولَسْتُ أُحِبُّ هَذا التَّفْسِيرَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”كَلِمَةٌ مِن كَلامِ العَرَبِ“، لا فائِدَةَ فِيهِ، لِأنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، وكَلِمُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يُقالَ: ما مَعْناها؟ وقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”اَلْعَمْرُ“، و”اَلْعُمْرُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإذا اسْتُعْمِلَ في القَسَمِ فُتِحَ أوَّلُهُ لا غَيْرُ، لا تَقُولُ العَرَبُ إلّا: ”لَعَمْرُكَ“، وإنَّما آثَرُوا الفَتْحَ في القَسَمِ، لِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ عَلَيْهِمْ، وهم يُكْثِرُونَ القَسَمَ بِـ ”لَعَمْرِي“، و”لَعَمْرُكَ“، فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم إيّاهُ لَزِمُوا الأخَفَّ عَلَيْهِمْ.
(p-١٨٤)وَقالَ النَّحْوِيُّونَ: اِرْتَفَعَ ”لَعَمْرُكَ“، بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ”لَعَمْرُكَ قَسَمِي“، و”لَعَمْرُكَ ما أُقْسِمُ بِهِ“، وحُذِفَ الخَبَرُ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، المَعْنى: ”أُقْسِمُ إنَّهم لَفي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ“، ومَعْنى ”يَعْمَهُونَ“: يَتَحَيَّرُونَ، وبابُ القَسَمِ قَدْ يُحْذَفُ مَعَهُ الفِعْلُ، تَقُولُ: ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“، و”تاللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“، والمَعْنى: أحْلِفُ بِاللَّهِ، و”أحْلِفُ واللَّهِ“، فَيُحْذَفُ ”أحْلِفُ“، لِعِلْمِ المُخاطَبِ بِأنَّكَ حالِفٌ، وكَذَلِكَ يُحْذَفُ خَبَرُ الِابْتِداءِ، كَما ذَكَرْنا.
الحجر 15:73
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ أيْ: أخَذَتْ قَوْمَ لُوطٍ الصَّيْحَةُ بِالعَذابِ مُشْرِقِينَ، يُقالُ: ”أشْرَقْنا، فَنَحْنُ مُشْرِقُونَ“، إذا صادَفُوا شُرُوقَ الشَّمْسِ، وهو طُلُوعُها، كَما تَقُولُ: ”أصْبَحْنا“، إذا صادَفُوا الصُّبْحَ، يُقالُ: ”شَرَقَتِ الشَّمْسُ“، إذا طَلَعَتْ، و”أشْرَقَتْ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ مَعْنى ”مُشْرِقِينَ“، في مَعْنى ”مُصادِفِينَ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ“.
الحجر 15:74
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾، مَعْنى ”مِن سِجِّيلٍ“: مِن طِينٍ عَلَيْهِ كِتابٌ، واشْتِقاقُ ذَلِكَ مِن ”اَلسِّجِلُّ“، ودَلِيلُ هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الذاريات: ٣٤]، فَأعْلَمَ أنَّها مِن طِينٍ، وأنَّها مُسَوَّمَةٌ أيْ: مُعَلَّمَةٌ، لِعَلاماتِ الكِتابِ.
الحجر 15:75
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾، قِيلَ: ”اَلْمُتَوَسِّمُونَ“: اَلْمُتَفَرِّسُونَ، وقِيلَ: ”اَلْمُتَفَكِّرُونَ“، وحَقِيقَتُهُ في اللُّغَةِ: ”اَلْمُتَوَسِّمُونَ“: اَلنُّظّارُ المُتَثَبِّتُونَ في نَظَرِهِمْ، حَتّى يَعْرِفُوا حَقِيقَةَ سِمَةِ الشَّيْءِ، تَقُولُ: ”تَوَسَّمْتُ في فُلانٍ كَذا وكَذا“، أيْ: عَرَفْتُ وسْمَ ذَلِكَ فِيهِ.
الحجر 15:76
(p-١٨٥)﴿وَإنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾، أيْ: لَبِطَرِيقٍ واضِحٍ بَيِّنٍ.
الحجر 15:77
﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: لَعَلامَةً بَيِّنَةً لِلْمُصَدِّقِينَ.
الحجر 15:78
﴿وَإنْ كانَ أصْحابُ الأيْكَةِ لَظالِمِينَ﴾، أيْ: أصْحابُ الشَّجَرِ، و”اَلْأيْكُ“: اَلشَّجَرُ، وهَؤُلاءِ أهْلُ مَوْضِعٍ كانَ ذا شَجَرٍ، فانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهم بِكُفْرِهِمْ، قِيلَ: إنَّهُ أخَذَهُمُ الحَرُّ أيّامًا، ثُمَّ اضْطَرَمَ عَلَيْهِمُ المَكانُ نارًا، فَهَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ، ومَعْنى ”إنَّ“، واللّامِ التَّوْكِيدُ.
الحجر 15:79
﴿وَإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: لَبِطَرِيقٍ يُؤْتَمُّ، أيْ: يُقْصَدُ، فَيُبَيِّنُ، و”أصْحابُ الحِجْرِ“: أصْحابُ وادٍ يُقالُ لَهُ: ”اَلْحِجْرُ“.
الحجر 15:87
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾، قِيلَ: اَلسَّبْعُ مِنَ المَثانِي هي فاتِحَةُ الكِتابِ، وهي سَبْعُ آياتٍ، وإنَّما قِيلَ لَها: ”اَلْمَثانِي“، لِأنَّها يُثَنّى بِها في كُلِّ رَكْعَةٍ مِن رَكْعاتِ الصَّلاةِ، ويُثَنّى بِها مَعَ ما يُقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”مِنَ المَثانِي“، أيْ: مِمّا أُثْنِيَ بِهِ عَلى اللَّهِ، لِأنَّ فِيها حَمْدَ اللَّهِ، وتَوْحِيدَهُ، وذِكْرَ مَلائِكَتِهِ، ومِلْكِهِ يَوْمَ الدِّينِ.
وَرُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ ما أُعْطِيَتْ أُمَّةٌ كَما أُعْطِيَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن سُورَةِ ”اَلْحَمْدِ“، فَأمّا دُخُولُ ”مِن“، فَهي هَهُنا تَكُونُ عَلى ضَرْبَيْنِ، تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ: ”مِنَ القُرْآنِ“، أيْ: ”وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعَ آياتٍ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الَّتِي يُثْنى بِها عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وآتَيْناكَ القُرْآنَ العَظِيمَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّبْعُ هي المَثانِيَ، وتَكُونَ ”مِن“ اَلصِّفَةَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، اَلْمَعْنى: ”اِجْتَنِبُوا الأوْثانَ“، لا أنَّ بَعْضَها رِجْسٌ.
(p-١٨٦)وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”سَبْعًا مَثانِيَ“، عَلى هَذا القِياسِ، ويَدُلُّ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، وقِيلَ: ”سَبْعًا مِنَ المَثانِي“: اَلسَّبْعَ الطِّوالَ، مِن ”اَلْبَقَرَةِ“، إلى ”اَلْأعْرافِ“، سِتٌّ، واخْتَلَفُوا في السّابِعَةِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: سُورَةُ ”يُونُسَ“، وقِيلَ: ”اَلْأنْفالُ“، و”بَراءَةٌ“، وإنَّما سُمِّيَتْ ”مَثانِيَ“، لِذِكْرِ الأقاصِيصِ فِيها مُثَنّاةً، ويَجُوزُ: ”والقُرْآنِ العَظِيمِ“، بِالخَفْضِ، ولَكِنْ لا تَقْرَأنَّ بِهِ، إلّا أنْ تَثْبُتَ بِهِ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ.
الحجر 15:88
﴿أزْواجًا مِنهُمْ﴾، أيْ: أمْثالًا في النِّعَمِ، ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: ”ألِنْ جانِبَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ“، أيْ: لِمَن آمَنَ بِكَ، وبِما أتَيْتَ بِهِ.
الحجر 15:90
﴿كَما أنْـزَلْنا عَلى المُقْتَسِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، يُرْوى أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وقالُوا: سِحْرٌ، وقالُوا: شاعِرٌ، وقالُوا: كاهِنٌ، فَقَسَّمُوهُ هَذِهِ الأقْسامَ، وعَضَوْهُ أعْضاءً، ويُرْوى أنَّ أهْلَ الكِتابِ هُمُ المُقْتَسِمُونَ، آمَنُوا بِبَعْضِهِ وكَفَرُوا بِبَعْضِهِ، وقالُوا نَحْوًا مِمّا رُوِيَ عَنِ المُشْرِكِينَ.
الحجر 15:94
﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: اِجْهَرْ بِالقُرْآنِ، ويَكُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ - ”فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ“، أيْ: أبِنْ ما تُؤْمَرُ بِهِ، وأظْهِرْهُ، وأُخِذَ ذَلِكَ مِن ”اَلصَّدِيعُ“، وهو ”اَلصُّبْحُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ بَياضَ غُرَّتِهِ الصَّدِيعُ
(p-١٨٧)وَتَأْوِيلُ ”اَلصَّدْعُ“، في الزُّجاجِ، أوْ في الحائِطِ: أنْ يَبِينَ بَعْضُ الشَّيْءِ عَنْ بَعْضٍ.
الحجر 15:95
﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾، قِيلَ: هَؤُلاءِ جَماعَةٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، خَمْسَةُ نَفَرٍ، كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ بِهِمْ آفاتٌ، ماتَ أكْثَرُهم مِنها، وعَمِيَ واحِدٌ مِنهُمْ، والخَمْسَةُ سُمُّوا في التَّفْسِيرِ، مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ، والعاصِ بْنُ وائِلٍ، وعَدِيُّ بْنُ قَيْسٍ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم مِنَ المُشْرِكِينَ، بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الحجر: ٩٦]
الحجر 15:99
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾، أيْ: حَتّى يَأْتِيَكَ المَوْتُ، كَما قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ تَكُونُ عِبادَةٌ لِغَيْرِ الحَيِّ؟ أيْ: كَيْفَ يَعْبُدُ الإنْسانُ وهو مَيِّتٌ؟ فَإنَّ مَجازَ هَذا الكَلامِ مَجازُ ”أبَدًا“، اَلْمَعْنى: اُعْبُدْ رَبَّكَ أبَدًا، واعْبُدْهُ إلى المَماتِ، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ: اُعْبُدْ رَبَّكَ، بِغَيْرِ التَّوْقِيتِ، لَجازَ إذا عَبَدَ الإنْسانُ مَرَّةً أنْ يَكُونَ مُطِيعًا، فَإذا قالَ: ”حَتّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ“، أيْ: أبَدًا، وما دُمْتَ حَيًّا، فَقَدْ أُمِرْتَ بِالإقامَةِ عَلى العِبادَةِ.
النحل 16:1
(p-١٨٨)(p-١٨٩)سُورَةُ اَلنَّحْلِ
مَكِّيَّةٌ سِوى ثَلاثِ آياتٍ مِن آخِرِها، فَإنَّهُنَّ نَزَلْنَ بَيْنَ مَكَّةَ، والمَدِينَةِ.
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، ”أمْرُ اللَّهِ“: ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ المُجازاةِ عَلى كُفْرِهِمْ مِن أصْنافِ العَذابِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ﴾ [هود: ٤٠]، أيْ: جاءَ ما وعَدْناهم بِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أتاها أمْرُنا لَيْلا أوْ نَهارًا فَجَعَلْناها حَصِيدًا﴾ [يونس: ٢٤]، وذَلِكَ أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا العَذابَ، واسْتَبْطَؤُوا أمْرَ السّاعَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ في قُرْبِهِ بِمَنزِلَةِ ما قَدْ أتى، كَما قالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وكَما قالَ: ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾ [النحل: ٧٧]
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، مَعْناهُ: تَنْزِيهُهُ مِنَ السُّوءِ، كَذَلِكَ جاءَ في الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وكَذَلِكَ (p-١٩٠)فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ، قالُوا: مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وبَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أقُولُ لِما جاءَ في فَخْرِهِ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ
أيْ: بَراءَةٌ مِنهُ.
النحل 16:2
وَقَوْلُهُ: ﴿يُنَـزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”تُنَزَّلُ المَلائِكَةُ“، ويَجُوزُ فِيها أوْجُهٌ لا أعْلَمُها قُرِئَ بِها: ”يَنْزِلُ المَلائِكَةُ“، و”يُنْزِلُ المَلائِكَةَ“، و”تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ“، ”بِالرُّوحِ“، والرُّوحُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ما كانَ فِيهِ مِن أمْرِ اللَّهِ حَياةٌ لِلنُّفُوسِ، والإرْشادُ إلى أمْرِ اللَّهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أنْ أنْذِرُوا أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاتَّقُونِ﴾، اَلْمَعْنى: أنْذِرُوا أهْلَ الكُفْرِ، والمَعاصِي، بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، أيْ: مُرُوهم بِتَوْحِيدِي، وألّا يُشْرِكُوا بِي شَيْئًا.
النحل 16:3
ثُمَّ أعْلَمَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِمّا خَلَقَ، فَقالَ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، اِرْتَفَعَ عَنِ الَّذِينَ أشْرَكُوهم بِهِ، لِأنَّهم لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمَ يُخْلَقُونَ.
النحل 16:4
وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ فَإذا هو خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾، اِخْتَصَرَ هَهُنا، وذَكَرَ تَقَلُّبَ أحْوالِ الإنْسانِ في غَيْرِ مَكانٍ مِنَ القُرْآنِ.
النحل 16:5
وَقَوْلُهُ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، نُصِبَ ”اَلْأنْعامَ“، عَلى فِعْلٍ مُضْمَرٍ، المَعْنى: ”خَلَقَ الأنْعامَ خَلَقَها“، مُفَسِّرٌ لِلْمُضْمَرِ، و”اَلدِّفْءُ“: ما يُدْفِئُهم مِن أوْبارِها، وأصْوافِها، وأكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ ”اَلْأنْعامُ“، في الإبِلِ خاصَّةً، وتَكُونُ لِلْإبِلِ، والغَنَمِ، والبَقَرِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ في الأنْعامِ ما يُدْفِئُنا، ولَمْ يَقُلْ: ”لَكم فِيها ما يُكِنُّكم ويُدْفِئُكم مِنَ البَرْدِ“، لِأنَّ ما سَتَرَ (p-١٩١)مِنَ الحَرِّ، سَتَرَ مِنَ البَرْدِ، وما سَتَرَ مِنَ البَرْدِ سَتَرَ مِنَ الحَرِّ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، فَعُلِمَ أنَّها تَقِي البَرْدَ أيْضًا، وكَذَلِكَ إذا قِيلَ: ﴿لَكم فِيها دِفْءٌ﴾، عُلِمَ أنَّها تَسْتُرُ مِنَ البَرْدِ، وتَسْتُرُ مِنَ الحَرِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَنافِعُ﴾، أيْ: ومَنافِعُها: ألْبانُها، وأبْوالُها، وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ ﴿وَلَكم فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، ”اَلْإراحَةُ“: أنْ تَرُوحَ الإبِلُ مِن مَراعِيها إلى المَوْضِعِ الَّذِي تُقِيمُ فِيهِ، ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، أيْ: حِينَ تُخَلُّونَها لِلرَّعْيِ، وفِيما مَلَكَهُ الإنْسانُ جَمالٌ وزِينَةٌ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، والمالُ لَيْسَ يَخُصُّ الوَرِقَ، والعَيْنَ، دُونَ الأمْلاكِ، وأكْثَرُ مالِ العَرَبِ الإبِلُ، كَما أنَّ أكْثَرَ أمْوالِ أهْلِ البَصْرَةِ النَّخْلُ، إنَّما يَقُولُونَ: ”مالُ فُلانٍ بِمَوْضِعِ كَذا وكَذا“، يَعْنُونَ النَّخْلَ.
النحل 16:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَحْمِلُ أثْقالَكم إلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إلا بِشِقِّ الأنْفُسِ﴾، تُقْرَأُ بِالفَتْحِ، والكَسْرِ، أيْ: ”لَوْ تَكَلَّفْتُمْ بُلُوغَهُ عَلى غَيْرِ الإبِلِ لَشَقَّ عَلَيْكم ذَلِكَ“.
النحل 16:8
وَقَوْلُهُ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها﴾، أيْ: وخَلَقَ الخَيْلَ، والبِغالَ، والحَمِيرَ، لِلرُّكُوبِ "، وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يَقُولُونَ: إنَّ لُحُومَ الخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ أنَّها حَرامٌ، لِأنَّهُ قالَ في الإبِلِ: ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]، ﴿وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً في صُدُورِكُمْ﴾ [غافر: ٨٠]
وَقالَ في الخَيْلِ: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾، ولَمْ يَذْكُرْ فِيها الأكْلَ، وقالَ قَوْمٌ: لَوْ (p-١٩٢)كانَتْ حُرِّمَتْ بِهَذِهِ الآيَةِ لَمْ يُحَرِّمِ النَّبِيُّ ﷺ لُحُومَ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، ولَكَفاهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ القُرْآنَ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ الخَمْرَ حَرامٌ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها“»، فَذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ ما حُرِّمَ في الكِتابِ بِأنَّهُ حَرامٌ، تَوْكِيدًا لَهُ، وزِيادَةً في البَيانِ، ونَصْبُ ”وَزِينَةً“، مَفْعُولٌ لَها، المَعْنى: ”وَخَلَقَها زِينَةً“.
النحل 16:9
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ومِنها جائِرٌ﴾، أيْ: عَلى اللَّهِ تَبْيِينُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ إلَيْهِ بِالحُجَجِ والبَراهِينِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنها جائِرٌ﴾، ”جائِرٌ“، أيْ: مِنَ السُّبُلِ طُرُقٌ غَيْرُ قاصِدَةٍ لِلْحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾، أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأنْزَلَ آيَةً تَضْطَرُّ الخَلْقَ إلى الإيمانِ بِهِ، ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: يَهْدِي مَن يَشاءُ، ويَدْعُو إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
النحل 16:10
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهُ يُنْبِتُ الشَّجَرَ، الَّتِي تَرْعاها الإبِلُ، وكُلُّ ما أُنْبِتَ عَلى الأرْضِ فَهو شَجَرٌ، قالَ الشّاعِرُ - يَصِفُ الخَيْلَ -:
؎نَعْلُفُها اللَّحْمَ إذا عَزَّ الشَّجَرْ والخَيْلُ في إطْعامِها اللَّحْمَ ضَرَرْ
يَعْنِي أنَّهم يَسْقُونَ الخَيْلَ اللَّبَنَ إذا أجْدَبَتِ الأرْضُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، أيْ: تَرْعَوْنَ، يُقالُ: ”أسَمْتُ الإبِلَ“، إذا رَعَيْتُها، و”قَدْ سامَتْ، تَسُومُ، وهي سائِمَةٌ“، إذا رَعَتْ، وإنَّما أُخِذَ ذَلِكَ مِن ”اَلسُّومَةُ“، وهي العَلامَةُ، وتَأْوِيلُها أنَّها تُؤَثِّرُ في الأرْضِ بِرَعْيِها عَلاماتٍ.
النحل 16:14
(p-١٩٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى الفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ﴾، مَعْنى ”مَواخِرَ فِيهِ“: جَوارِيَ تَجْرِي جَرْيًا، وتَشُقُّ الماءَ شَقًّا.
النحل 16:15
﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، ”رَواسِيَ“: جِبالًا رَواسِيَ، ثَوابِتَ، ”أنْ تَمِيدَ“، مَعْناهُ: كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ، ومَعْنى ”تَمِيدُ“: لا تَسْتَقِرُّ، يُقالُ: ”مادَ الرَّجُلُ، يَمِيدُ، مَيْدًا“، إذا دِيرَ بِهِ، و”اَلْمَيْدى“: اَلَّذِينَ يُدارُ بِهِمْ إذا رَكِبُوا في البَحْرِ، و”أنْ تَمِيدَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَفْعُولٌ لَها، ﴿وَأنْهارًا وسُبُلا﴾، اَلْمَعْنى: وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وأنْهارًا وسُبُلًا، لِأنَّ مَعْنى ”ألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ“: جَعَلَ فِيها رَواسِيَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٧]
النحل 16:16
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِالنَّجْمِ هم يَهْتَدُونَ﴾، ”اَلنَّجْمُ“، و”اَلنُّجُومُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، كَما تَقُولُ: ”كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ“، و”كَثُرَتِ الدَّراهِمُ“، خَلَقَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - النُّجُومَ لَأشْياءَ، مِنها أنَّها جُعِلَتْ زِينَةً لِلسَّماءِ الدُّنْيا، ومِنها أنَّها جُعِلَتْ رُجُومًا لِلشَّياطِينِ، ومِنها أنَّها يُهْتَدى بِها، ومِنها أنَّها يُعْلَمُ بِها عَدَدُ السِّنِينَ والحِسابِ.
النحل 16:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ“، بِالتّاءِ، والياءِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾، يُعْنى بِهِ الأوْثانُ، الَّتِي كانَتْ تَعْبُدُها العَرَبُ.
النحل 16:21
﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾، أيْ: وهم أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، أيْ: ما يَشْعُرُونَ مَتى يُبْعَثُونَ، و”أيّانَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِقَوْلِهِ: ”يُبْعَثُونَ“، ولَكِنَّهُ (p-١٩٤)مَبْنِيٌّ، غَيْرُ مُنَوَّنٍ، لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَلا يُعْرَبُ كَما لا تُعْرَبُ ”كَمْ“، و”مَتى“، و”كَيْفَ“، و”أيْنَ“، إلّا أنَّ النُّونَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهَلّا كُسِرَتْ؟ قِيلَ: اَلِاخْتِيارُ إذا كانَ قَبْلَ السّاكِنِ الأخِيرِ ألِفٌ أنْ يُفْتَحَ، لِأنَّ الفَتْحَ أشْبَهُ بِالألِفِ، وأخَفُّ مَعَها، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّكَ إذا رَخَّمْتَ رَجُلًا اسْمُهُ ”أسْحارٌّ“، قُلْتَ: ”يا أسْحارَّ - بِتَشْدِيدِ الرّاءِ - أقْبِلْ“، فَفَتَحْتَ الرّاءَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكَذَلِكَ تَخْتارُ مَعَ المَفْتُوحِ الفَتْحَ، تَقُولُ إذا أمَرْتَ مِن غَضٍّ: ”غُضَّ يا هَذا“.
النحل 16:23
وَقَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾، مَعْنى ”لا جَرَمَ“: حَقٌّ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ، ووَجَبَ.
وَقَوْلُهُ: ”لا“، رَدٌّ لِفِعْلِهِمْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
اَلْمَعْنى: أحَقَّتْ فَزارَةَ بِالغَضَبِ.
النحل 16:24
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْـزَلَ رَبُّكم قالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، ”ما“، مُبْتَدَأٌ، و”ذا“، في مَوْضِعِ ”اَلَّذِي“، اَلْمَعْنى: ”ما الَّذِي أنْزَلَ رَبُّكُمْ؟“، و”أساطِيرُ“، مَرْفُوعَةٌ عَلى الجَوابِ، كَأنَّهم قالُوا: ”اَلَّذِي أنْزَلَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ“، أيْ: أكاذِيبُ الأوَّلِينَ، واحِدُها ”أُسْطُورَةٌ“.
النحل 16:25
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، (p-١٩٥)هَؤُلاءِ كانُوا يَصُدُّونَ مَن أرادَ اتِّباعَ النَّبِيِّ ﷺ، وإذا سُئِلُوا عَمّا أتى بِهِ قالُوا: اَلَّذِي جاءَ بِهِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم يَحْمِلُونَ بِذَلِكَ آثامَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِقَوْلِهِمْ، ولا يُنْقِصُ ذَلِكَ مِن إثْمِ التّابِعِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾، ”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما تَرْفَعُ بِـ ”نِعْمَ“، و”بِئْسَ“، اَلْمَعْنى: ”ساءَ الشَّيْءُ وِزْرُهُمْ“، هَذا كَما تَقُولُ: ”بِئْسَ الشَّيْءُ“.
النحل 16:26
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾، أيْ: مِن أساطِينِ البِناءِ الَّتِي تُعْمِدُهُ، ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾، يُرْوى أنَّ ذَلِكَ في قِصَّةِ نَمْرُودَ بْنِ كَنْعانَ، بَنى صَرْحًا يَمْكُرُ بِهِ، فَخَرَّ سَقْفُهُ عَلَيْهِ وعَلى أصْحابِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا مَثَلٌ، جُعِلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي عَمِلُوها بِمَنزِلَةِ البانِي بِناءً يَسْقُطُ عَلَيْهِ، فَمَضَرَّةُ عَمَلِهِمْ عَلَيْهِمْ كَمَضَرَّةِ البانِي إذا سَقَطَ عَلَيْهِ بِناؤُهُ.
النحل 16:27
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾، و”تُشاقُّونِ فِيهِمْ“، بِكَسْرِ النُّونِ، وقَدْ فَسَّرْنا مِثْلَ هَذا، وإنَّما ”شُرَكائِي“، حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ، واللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - لا شَرِيكَ لَهُ، المَعْنى: أيْنَ الَّذِينَ في دَعْواكم أنَّهم شُرَكائِي؟
النحل 16:28
﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، أيْ: ألْقَوْا الِاسْتِسْلامَ، وذَكَرَ السَّلَمَ، و”اَلسَّلَمُ“: اَلصُّلْحُ، لِذِكْرِهِ المُشاقَّةَ، وبِإزاءِ المُشاقَّةِ، والمُعاداةِ، الصُّلْحُ.
(p-١٩٦)﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، أيْ: قالُوا: ”ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ“.
النحل 16:30
﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ماذا أنْـزَلَ رَبُّكُمْ﴾، ”ما“، و”ذا“، كالشَّيْءِ الواحِدِ، والمَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ أنْزَلَ رَبُّكُمْ؟“، ﴿قالُوا خَيْرًا﴾، عَلى جَوابِ ”ماذا“، اَلْمَعْنى: أنْزَلَ خَيْرًا، ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ ذُكِرَ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الَّذِي قالُوهُ اكْتَسَبُوا بِهِ حَسَنَةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِهِمْ: ”خَيْرًا“، و”حَسَنَةٌ“، بِالرَّفْعِ، القِراءَةُ، ويَجُوزُ ”لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً“، ولا تَقْرَأنَّ بِها، وجَوازُها أنَّ مَعْناها أنَّ ”أنْزَلَ خَيْرًا“، جُعِلَ لِلَّذِينِ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً، أيْ: جُعِلَ لَهم مُكافَأةً في الدُّنْيا، قَبْلَ الآخِرَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَدارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ ولَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ دارُ الآخِرَةِ“، ولَكِنَّ المُبَيِّنَ لِقَوْلِهِ: ”دارُ المُتَّقِينَ“، هو قَوْلُهُ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [النحل: ٣١]، وهي مَرْفُوعَةٌ بِإضْمارِ ”هِيَ“، كَأنَّكَ لَمّا قُلْتَ: ”وَلَنِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“، عَلى جَوابِ السّائِلِ، أيْ: دارٌ هي هَذِهِ المَمْدُوحَةُ، فَقُلْتَ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها“، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”جَنّاتُ عَدْنٍ نِعْمَ دارُ المُتَّقِينَ“.
النحل 16:33
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ﴾، أيْ: لِقَبْضِ أرْواحِهِمْ، أوْ يَأْتِيَ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِن عَذابِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾، (p-١٩٧)أيْ: كَذَلِكَ فَعَلُوا فَأتاهم أمْرُ اللَّهِ بِالعَذابِ، ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا﴾ [النحل: ٣٤]
النحل 16:35
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، هَذِهِ الآيَةُ وأشْباهُها فِيها تَنازُعٌ، ويَنْبَغِي أنْ يَقِفَ أهْلُ القُرْآنِ والسُّنَّةِ عَلى حَقِيقَةِ تَفْسِيرِها، لِأنَّ قَوْمًا زَعَمُوا أنَّ مَن قالَ هَذا فَقَدَ كَفَرَ، وأنَّ مَن قالَ مِنَ العِبادِ أنْ لا يَفْعَلُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ، فَقَدْ كَفَرَ، وهَذا تَأْوِيلٌ رَدِيءٌ، وإنَّما كَفَرَ أُولَئِكَ وكَذَبُوا، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ”لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ“، عَلى جِهَةِ الهُزُؤِ.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَوْمَ شُعَيْبٍ قالُوا لِشُعَيْبٍ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧]، فَلَوْ قالُوا لَهُ هَذا مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا مُؤْمِنِينَ، وإنَّما قالُوهُ مُسْتَهْزِئِينَ.
وَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ لَوْ شاءَ ألّا يُعْبَدَ غَيْرُهُ مَشِيئَةَ اضْطِرارٍ إلى ذَلِكَ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - تَعَبَّدَ العِبادَ، ووَفَّقَ مَن أحَبَّ تَوْفِيقَهُ، وأضَلَّ مَن أحَبَّ إضْلالَهُ، وهَؤُلاءِ قالُوا هَذِهِ مُحَقِّقِينَ ما قِيلَ لَهُمْ: إنَّهم مُكَذِّبُونَ، إذْ كانَ الإجْماعُ عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَقْدِرُ عَلى أنْ يُجْبِرَ العِبادَ عَلى طاعَتِهِ، وأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم مُكَذِّبُونَ، كَما كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَهَلْ عَلى الرُّسُلِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ: اَلْإبْلاغُ الَّذِي يُبَيِّنُونَ مَعَهَ أنَّهم أنْبِياءُ.
النحل 16:36
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ بِالأمْرِ بِالعِبادَةِ، وهو مِن وراءِ الإضْلالِ، والهِدايَةِ، فَقالَ: (p-١٩٨)﴿فَمِنهم مَن هَدى اللَّهُ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَوْ قالُوا ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَكانُوا صادِقِينَ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، وقُرِئَتْ: ”فَإنَّ اللَّهَ لا يُهْدى مَن يُضِلُّ“، كَما قالَ: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ في القِراءَةِ: ”لا يَهْدِي مَن يَضِلُّ“، وهو أقَلُّ الثَّلاثَةِ.
النحل 16:38
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾، ”وَعْدًا“، مَنصُوبٌ، مُؤَكِّدٌ، المَعْنى: ”بَلى، يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا“، ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ [النحل: ٣٩]، فَهَذا عَلى ضَرْبَيْنِ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِالبَعْثِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”بَلى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ“، ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّهم كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ“، مُعَلَّقًا بِقَوْلِهِ: ”وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا لِيُبَيِّنَ لَهُمُ اخْتِلافَهُمْ، وأنَّهم كانُوا مِن قَبْلِهِ عَلى ضَلالَةٍ“.
النحل 16:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالنَّصْبِ، فالرَّفْعُ عَلى ”فَهُوَ“، ويَكُونُ عَلى مَعْنى: ”ما أرادَ اللَّهُ فَهو يَكُونُ“، والنَّصْبُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”فَيَكُونَ“، عَطْفًا عَلى ”أنْ نَقُولَ فَيَكُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، عَلى جَوابِ ”كُنْ“، فَـ ”قَوْلُنا“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”أنْ نَقُولَ“، اَلْمَعْنى: ”إنَّما قَوْلُنا لِكُلِّ مُرادٍ قَوْلُنا كُنْ“، وهَذا خُوطِبَ العِبادُ فِيهِ بِما يَعْقِلُونَ، وما أرادَ اللَّهُ، فَهو كائِنٌ عَلى كُلِّ حالٍ.
(p-١٩٩)وَعَلى ما أرادَهُ مِنَ الإسْراعِ، ولَوْ أرادَ خَلْقَ الدُّنْيا - السَّماواتِ والأرْضِ - في قَدْرِ لَمْحِ البَصَرِ، لَقَدِرَ عَلى ذَلِكَ، ولَكِنَّ العِبادَ خُوطِبُوا بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ سُهُولَةَ خَلْقِ الأشْياءِ عَلَيْهِ، قَبْلَ أنْ تَكُونَ، فَأعْلَمَ أنَّهُ مَتى أرادَ الشَّيْءَ كانَ، وأنَّهُ إذا قالَ: ”كُنْ“، كانَ، لَيْسَ أنَّ الشَّيْءَ قَبْلَ أنْ يُخْلَقَ كانَ مَوْجُودًا، إنَّما المَعْنى: إذا أرَدْنا الشَّيْءَ نَقُولُ مِن أجْلِهِ ”كُنْ أيُّها المُرادُ، فَيَكُونُ“، عَلى قَدْرِ إرادَةِ اللَّهِ، لِأنَّ القَوْمَ - أعْنِي المُشْرِكِينَ - أنْكَرُوا البَعْثَ، وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ، وهو مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٤٦]، أيْ: كانُوا يَحْلِفُونَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ.
وَلَقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الحِنْثَ: اَلشِّرْكُ، لِأنَّ مَنِ اعْتَقَدَ هَذا، فَضْلًا عَلى أنْ يَحْلِفَ عَلَيْهِ، فَهو مُشْرِكٌ، فَقالَ - جَلَّ وعَلا - ﴿بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، أيْ: بَلى، يَبْعَثُهم وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا، و”حَقًّا“، مَنصُوبٌ، مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِأنَّهُ إذا قالَ: ”يَبْعَثُهُمْ“، دَلَّ عَلى ”وَعَدَ بِالبَعْثِ وعْدًا“.
النحل 16:41
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، هَؤُلاءِ قَوْمٌ كانَ المُشْرِكُونَ يُعَذِّبُونَهم عَلى اعْتِقادِهِمُ الإيمانَ، مِنهم صُهَيْبٌ، وبِلالٌ، وذَلِكَ أنْ صُهَيْبًا قالَ لِأهْلِ مَكَّةَ: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ، إنْ كُنْتُ مَعَكم لَمْ أنْفَعْكُمْ، وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكُمْ، خُذُوا مالِي ودَعُونِي، فَأعْطاهم مالَهُ وهاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: ”رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ“ .
وَقالَ عُمَرُ: ”نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ“، تَأْوِيلُهُ: لَوْ أنَّهُ أمِنَ (p-٢٠٠)عَذابَهُ وعِقابَهُ لَما تَرَكَ الطّاعَةَ، ولا جَنَحَ إلى المَعْصِيَةِ لِأمْنِهِ العَذابَ.
وَمَعْنى ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾، أيْ: لِأنَّهم صارُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ودَخَلُوا في الإسْلامِ، وسَمِعُوا ثَناءَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
النحل 16:43
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي﴾، و”يُوحِى إلَيْهِمْ“، و”يُوحِي إلَيْهِمْ“، أمّا القِراءَتانِ الأُولَيانِ فَجَيِّدَتانِ، والثّالِثَةُ ضَعِيفَةٌ، لِذِكْرِهِ ”أرْسَلْنا“، فَأنْ يَكُونَ اللَّفْظُ عَلى ”نُوحِي“، و”يُوحى“، أحْسَنُ، لِأنَّ ”نُوحِي“، يُوافِقُ اللَّفْظَ والمَعْنى، و”يُوحى“، إنَّما هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى، لِأنَّ المَعْنى: ”وَما أرْسَلَ اللَّهُ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ“، وإنَّما قِيلَ لَهم لِأنَّهم قالُوا: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ أوْ جاءَ مَعَهُ نَذِيرٌ.
النحل 16:44
فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ الرُّسُلَ بَشَرٌ، إلّا أنَّهم يُوحى إلَيْهِمْ، ثُمَّ أعْلَمَ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِمْ، فَقالَ: ﴿بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ﴾، أيْ: بِالآياتِ والحُجَجِ، و”اَلزُّبُرُ“: اَلْكُتُبُ، واحِدُها ”زَبُورٌ“، يُقالُ: ”زَبَرْتُ الكِتابَ“، و”ذَبَرْتُهُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎عَرَفْتُ الدِّيارَ كَرَقْمِ الدَّوا ةِ يَذْبُرُها الكاتِبُ الحِمْيَرِيُّ
وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فِيها قَوْلانِ، قِيلَ: "فاسْألُوا أهْلَ الكُتُبِ، أهْلَ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ، وأهْلُ جَمِيعِ (p-٢٠١)الكُتُبِ يَعْتَرِفُونَ أنَّ الأنْبِياءَ كُلَّهم بَشَرٌ، وقِيلَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: ٤٣]، أيْ: فاسْألُوا مَن آمَنَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ قِيلَ لَهُمْ: اِسْألُوا كُلَّ مَن يُذْكَرُ بِعِلْمٍ وافَقَ أهْلَ هَذِهِ المِلَّةِ، أوْ خالَفَهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ أهْلَ الذِّكْرِ أهْلُ الكُتُبِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْـزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُـزِّلَ إلَيْهِمْ﴾
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْـزَلْناهُ﴾ [الأنبياء: ٥٠]
النحل 16:45
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ﴾، أيْ: أفَأمِنُوا أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ ما فَعَلَ بِقَوْمِ لُوطٍ، والَّذِينَ أُهْلِكُوا مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، بِتَعْجِيلِ العَذابِ في الدُّنْيا، ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾، عَطْفٌ عَلى ”أنْ يَخْسِفَ“.
النحل 16:46
﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ﴾، أيْ: في تَصَرُّفِهِمْ في أسْفارِهِمْ، وسائِرِ ما يَنْقَلِبُونَ فِيهِ.
النحل 16:47
﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾، أيْ: أوْ يَأْخُذَهم بَعْدَ أنْ يُخِيفَهُمْ، بِأنْ يُهْلِكَ فِرْقَةً فَتَخافَ الَّتِي تَلِيها، وقِيلَ: ”عَلى تَخَوُّفٍ“: عَلى تَنَقُّصٍ، ومَعْنى التَّنَقُّصِ أنْ يَنْتَقِصَهم في أمْوالِهِمْ، وثِمارِهِمْ، حَتّى يُهْلِكَهُمْ، ويُرْوى عَنْ عُمَرَ قالَ: "ما كُنْتُ أدْرِي ما مَعْنى ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ﴾، حَتّى سَمِعْتُ قَوْلَ الشّاعِرِ: (p-٢٠٢)
؎تَخَوَّفَ السَّيْرُ مِنها تامِكًا قَرِدًا كَما تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفِنُ
يَصِفُ ناقَةً، وأنَّ السَّيْرَ يَنْقُصُ سَنامَها بَعْدَ تَمَكُّنِهِ واكْتِنازِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: مِن رَحْمَتِهِ أنْ أمْهَلَ، فَجَعَلَ فُسْحَةً لِلتَّوْبَةِ.
النحل 16:48
وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ﴾، وتُقْرَأُ: ”تَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ“، ﴿سُجَّدًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿وَهم داخِرُونَ﴾، ومَعْنى ”داخِرُونَ“: صاغِرُونَ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها نَظَرٌ، وتَأْوِيلُها - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ كُلَّ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن جِسْمٍ، وعَظْمٍ، ولَحْمٍ، ونَجْمٍ، وشَجَرٍ، خاضِعٌ لِلَّهِ، ساجِدٌ، والكافِرُ إنْ كَفَرَ بِقَلْبِهِ، ولِسانِهِ، وقَصْدِهِ، فَنَفْسُ جِسْمِهِ، وعَظْمِهِ، ولَحْمِهِ، وجَمِيعُ الشَّجَرِ، والحَيَوانِ، خاضِعَةٌ لِلَّهِ، ساجِدَةً.
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨]، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: اَلْكافِرُ يَسْجُدُ لِغَيْرِ اللَّهِ، وظِلُّهُ يَسْجُدُ لِلَّهِ، وتَأْوِيلُ الظِّلِّ تَأْوِيلُ الجِسْمِ الَّذِي عَنْهُ الظِّلُّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم داخِرُونَ﴾، أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ مَجْبُولَةٌ عَلى الطّاعَةِ.
النحل 16:49
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ﴾، اَلْمَعْنى: ولِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ مِنَ المَلائِكَةِ، وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ، (p-٢٠٣)والمَلائِكَةُ، أيْ: وتَسْجُدُ مَلائِكَةُ الأرْضِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ في الأرْضِ أيْضًا قَوْلُهُ (تَعالِي): ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]
وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّباتٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ١٠] ﴿كِرامًا﴾ [الإنفطار: ١١]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]، أيْ: يَخافُونَ رَبَّهم خَوْفَ مُخْلِدِينَ، مُعَظِّمِينَ، ﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]، وصَفَهم بِالطّاعَةِ، وأنَّهم لا يُجاوِزُونَ أمْرًا لَهُ ولا يَتَقَدَّمُونَهُ.
النحل 16:52
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾، قِيلَ: مَعْناهُ: ”دائِمًا“، أيْ: ”طاعَةً واجِبَةً أبَدًا“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”وَلَهُ الدِّينُ واصِبًا“، أيْ: ”لَهُ الدِّينُ والطّاعَةُ، رَضِيَ العَبْدُ بِما يُؤْمَرُ بِهِ، أوْ لَمْ يَرْضَ، وسَهُلَ عَلَيْهِ أوْ لَمْ يَسْهُلْ“، فَلَهُ الدِّينُ وإنْ كانَ فِيهِ الوَصَبُ، والوَصَبُ شِدَّةُ التَّعَبِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾، أيْ: أفَغَيْرَ اللَّهِ الَّذِي قَدْ بانَ لَكم أنَّهُ وحْدَهُ، وأنَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّ ما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِن عِنْدِهِ، وأنَّهُ لَوْ أرادَ إهْلاكَكم حِينَ كَفَرْتُمْ، وألّا يُنْظِرَكم إلى يَوْمِ التَّوْبَةِ لَقَدِرَ؟! وأعْلَمَ أنَّهُ مَعَ إقامَتِهِ الحُجَجَ في أنَّهُ واحِدٌ، وأنَّهُ أمَرَ ألّا يُتَّخَذَ مَعَهُ إلَهٌ، عَبَدُوا غَيْرَهُ، لِأنَّهم قالُوا عَنِ الأصْنامِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]
(p-٢٠٤)فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْبُدَ غَيْرَهُ، وإنْ قَصَدَ التَّقَرُّبَ بِالعِبادَةِ لِلَّهِ وحْدَهُ، فَقالَ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١]، فَذَكَرَ اثْنَيْنِ تَوْكِيدًا لِقَوْلِهِ: ”إلَهَيْنِ“، كَما ذَكَرَ الواحِدَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١]
النحل 16:53
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، دَخَلَتِ الفاءُ، ولا فِعْلَ هَهُنا، لِأنَّ الباءَ مُتَّصِلَةٌ بِالفِعْلِ، المَعْنى: ”ما حَلَّ بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ“، أيْ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ مِن صِحَّةِ جِسْمٍ أوْ سَعَةٍ في رِزْقٍ، أوْ مَتاعٍ بِمالٍ، أوْ ولَدٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإلَيْهِ تَجْأرُونَ﴾، أيْ: إلَيْهِ تَرْفَعُونَ أصْواتَكم بِالِاسْتِغاثَةِ، يُقالُ: ”جَأرَ الرَّجُلُ، يَجْأرُ، جُؤارًا“، والأصْواتُ مَبْنِيَّةٌ عَلى ”فُعالٌ“، و”فَعِيلٌ“، فَأمّا فُعالٌ”، فَنَحْوَ:“اَلصُّراخُ”، و“اَلْجُؤارُ”، و“اَلْبُكاءُ”، وأمّا“اَلْفَعِيلُ”، فَنَحْوَ:“اَلْعَوِيلُ”، و“اَلزَّئِيرُ”، و“اَلفُعالُ"، أكْثَرُ.
النحل 16:54
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنكم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، هَذا خاصٌّ فِيمَن كَفَرَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ [النحل: ٥٥]، أيْ: لِيَكْفُرُوا بِأنّا أنْعَمْنا عَلَيْهِمْ، أيْ: جَعَلُوا ما رَزَقْناهم وأنْعَمْنا بِهِ عَلَيْهِمْ (p-٢٠٥)سَبَبًا إلى الكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلأهُ زِينَةً وأمْوالا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: ٨٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ“، أيْ: لِيَجْحَدُوا نِعْمَةَ اللَّهِ في ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١]
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥]، لَمْ يَأْمُرْهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أنْ يَتَمَتَّعُوا أمْرَ تَعَبُّدٍ، إنَّما هو لَفْظُ أمْرٍ لِيُهَدِّدَ، كَما قالَ: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، أيْ: فَقَدْ وعَدَ اللَّهُ، وأوْعَدَ، وأنْذَرَ، وبَلَّغَتِ الرُّسُلُ، فَمَنِ اخْتارَ بَعْدَ ذَلِكَ الكُفْرَ والتَّمَتُّعَ بِما يُباعِدُ مِنَ اللَّهِ، فَسَوْفَ يَعْلَمُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ عاقِبَةَ الكُفْرِ، والمَعْصِيَةِ بِالحُجَجِ البالِغَةِ، والآياتِ البَيِّناتِ.
النحل 16:56
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، فَجَعَلُوا نَصِيبًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، ونَصِيبًا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ إلى الأصْنامِ، والحِجارَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَمّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾، أيْ: ”تاللَّهِ لَتُسْألُنَّ عَنْهُ سُؤالَ تَوْبِيخٍ، حَتّى تَعْتَرِفُوا بِهِ عَلى أنْفُسِكُمْ، وتُلْزِمُوا أنْفُسَكُمُ الحُجَّةَ“.
النحل 16:57
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ”سُبْحانَهُ“، مَعْناهُ: تَنْزِيهٌ لَهُ مِنَ السُّوءِ، ﴿وَلَهم ما يَشْتَهُونَ﴾
(p-٢٠٦)”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، لا غَيْرُ، المَعْنى: ”سُبْحانَهُ ولَهُمُ الشَّيْءُ الَّذِي يَشْتَهُونَ“، كَما قالَ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩] .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لِمَ لا يَكُونُ المَعْنى: ”وَيَجْعَلُونَ لَهم ما يَشْتَهُونَ؟“، قِيلَ: اَلْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ في هَذا المَوْضِعِ: ”جَعَلَ لِنَفْسِهِ ما يَشْتَهِي“، ولا يَقُولُونَ: ”جَعَلَ زَيْدٌ لَهُ ما يَشْتَهِي“، وهو يَعْنِي نَفْسَهُ.
النحل 16:58
ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ، فَقالَ: ﴿وَإذا بُشِّرَ أحَدُهم بِالأُنْثى ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا وهو كَظِيمٌ﴾، فَيَجْعَلُونَ لِمَن يَعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ خالِقُهُمُ البَناتِ اللّاتِي مَحَلُّهُنَّ مِنهم هَذا المَحَلُّ، ومَعْنى ”ظَلَّ وجْهُهُ مُسْوَدًّا“: مُتَغَيِّرًا تَغَيُّرَ مَغْمُومٍ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن لَقِيَ مَكْرُوهًا: ”قَدِ اسْوَدَّ وجْهُهُ غَمًّا، وحُزْنًا“، ومِن ذَلِكَ قَوْلُكَ: ”سَوَّدْتُ وجْهَ فُلانٍ“.
النحل 16:59
وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ﴾، قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا حَزَبَ امْرَأتَهُ المَخاضُ تَوارى لِكَيْ يَعْلَمَ ما يُوَلَدُ لَهُ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا سُرَّ بِهِ وابْتَهَجَ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اكْتَأبَ بِها وحَزِنَ، فَمِنهم مَن يَئِدُ ولَدَهُ، يَدْفِنُها حَيَّةً، أوْ يُمْسِكُها عَلى كَراهَةٍ، وهَوانٍ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَتَوارى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ ألا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، أيْ: ألا ساءَ حُكْمُهم في ذَلِكَ الفِعْلِ، وفي جَعْلِهِمْ لِلَّهِ البَناتِ، وجَعْلِهِمْ لِأنْفُسِهِمُ البَنِينَ، ونَسْبِهِمْ لِلَّهِ اتِّخاذَ الوَلَدِ.
النحل 16:61
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلَيْها مِن دابَّةٍ﴾، مَعْنى ”عَلَيْها“: عَلى الأرْضِ، ودَلَّ الإضْمارُ عَلى الأرْضِ، لِأنَّ الدَّوابَّ إنَّما هي عَلى الأرْضِ.
(p-٢٠٧)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ قَوْلُهُ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وتَأْوِيلُهُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - لَهُ التَّوْحِيدُ، ونَفْيُ كُلِّ إلَهٍ سِواهُ.
النحل 16:62
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ﴾، أيْ: يَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ اللّاتِي يَكْرَهُونَهُنَّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَصِفُ ألْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾، ”أنَّ“، بَدَلٌ مِن ”اَلْكَذِبَ“، اَلْمَعْنى: وتَصِفُ ألْسِنَتُهم أنَّ لَهُمُ الحُسْنى، أيْ: يَصِفُونَ أنَّ لَهم - مَعَ فِعْلِهِمْ هَذا القَبِيحِ - مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - الجَزاءَ الحَسَنَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾، ”لا“، رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ، المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: لَيْسَ ذَلِكَ كَما وصَفُوا، ”جَرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ“، اَلْمَعْنى: ”جَرَمَ فِعْلُهم هَذا أنَّ لَهُمُ النّارَ“، أيْ: ”كَسَبَ فِعْلُهم أنَّ لَهُمُ النّارَ“، وقِيلَ: إنَّ ”أنَّ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ قُطْرُبٌ، وقالَ: اَلْمَعْنى أنَّ لَهُمُ النّارَ.
﴿وَأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾، فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ”مُفْرَطُونَ“، بِإسْكانِ الفاءِ، وفَتْحِ الرّاءِ، و”مُفَرَّطُونَ“، بِفَتْحِ الفاءِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ، وبِفَتْحِها، و”مُفْرِطُونَ“، بِإسْكانِ الفاءِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و”مُفَرِّطُونَ“، بِفَتْحِ الفاءِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ، وكَسْرِها، فَأمّا تَفْسِيرُ ”مُفْرَطُونَ“، و”مُفَرَّطُونَ“، فَجاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”مَتْرُوكُونَ“، وقِيلَ عَنْهُ: ”مُعْجَلُونَ“.
وَمَعْنى ”اَلْفَرْطُ“، في اللُّغَةِ: اَلتَّقَدُّمُ، و”قَدْ فَرَطَ إلَيَّ مِنهُ قَوْلٌ“، أيْ: (p-٢٠٨)تَقَدَّمَ، فَمَعْنى ”مُفْرَطُونَ“: مُقَدَّمُونَ إلى النّارِ، وكَذَلِكَ ”مُفَرَّطُونَ“، ومَن فَسَّرَ: ”مَتْرُوكُونَ“، فَهو كَذَلِكَ، أيْ: قَدْ جُعِلُوا مُقَدَّمِينَ في العَذابِ أبَدًا، مَتْرُوكِينَ فِيهِ، ومَن قَرَأ: ”مُفَرِّطُونَ“، فالمَعْنى أنَّهُ وصْفٌ لَهم بِأنَّهم فَرَّطُوا في الدُّنْيا، فَلَمْ يَعْمَلُوا فِيها لِلْآخِرَةِ، وتَصْدِيقُ هَذِهِ القِراءَةِ قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، ومَن قَرَأ: ”مُفْرِطُونَ“، فالمَعْنى عَلى أنَّهم أفْرَطُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ أفْرَطَ فُلانٌ في مَكْرُوهِي“، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ آثَرَ العَجْزَ، وقَدَّمَهُ.
النحل 16:64
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، بِنَصْبِ ”رَحْمَةً“، اَلْمَعْنى: ”وَما أنْزَلَنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا هُدًى ورَحْمَةً“، أيْ: ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ إلّا لِلْهِدايَةِ والرَّحْمَةِ، فَهو مَفْعُولٌ لَهُ، ويَجُوزُ: ”وَهُدًى ورَحَمْةٌ“، في هَذا المَوْضِعِ، المَعْنى: ”وَما أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلّا لِلْبَيانِ، وهو - مَعَ ذَلِكَ - هُدًى ورَحْمَةٌ.“
النحل 16:66
﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ﴾، وتُقْرَأُ: ”نَسْقِيكُمْ“، ويُقالُ: ”سَقَيْتُهُ“، و”أسْقَيْتُهُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: ”سَقَيْتُهُ“، كَما تَقُولُ: ”ناوَلْتُهُ فَشَرِبَ“، و”أسْقَيْتُهُ“: ”جَعَلْتُ لَهُ سَقْيًا“، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ - يَحْتَمِلُ المَذْهَبَيْنِ -: (p-٢٠٩)
؎سَقى قَوْمِي بَنِي مَجْدٍ وأسْقى نُمَيْرًا والقَبائِلَ مِن هِلالِ
وَهَذا البَيْتُ وضَعَهُ النَّحْوِيُّونَ عَلى أنَّهُ ”سَقى“، و”أسْقى“، بِمَعْنًى واحِدٍ، وهو يَحْتَمِلُ التَّفْسِيرَ الثّانِيَ، و”اَلْأنْعامُ“، لَفْظُهُ لَفْظُ جَمْعٍ، وهو اسْمٌ لِلْجِنْسِ، يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، يُقالُ: ”هُوَ الأنْعامُ“، و”هِيَ الأنْعامُ“، ”نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِهِ“، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ”مِمّا في بُطُونِها“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ في إخْراجِهِ اللَّبَنَ مِن بَيْنِ فَرْثٍ ودَمٍ دَلِيلًا عَلى قُدْرَةٍ لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
النحل 16:67
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أيْ: فِيما بَيَّنّا عَلامَةٌ تَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وقالُوا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ إنَّهُ الخَمْرُ، مِن قَبْلِ أنْ تُحَرَّمَ، و”اَلرِّزْقُ الحَسَنُ“: يُؤْكَلُ مِنَ الأعْنابِ، والتُّمُورِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ”اَلسَّكَرُ“: اَلطُّعْمُ، وأنْشَدُوا:
؎جَعَلَتْ أعْراضَ الكِرامِ سَكَرا
أيْ: جَعَلَتْ دَمَهم طُعْمًا لَكَ، وهَذا بِالتَّفْسِيرِ الأوَّلِ أشْبَهُ، المَعْنى: جَعَلَتْ تَتَخَمَّرُ بِأعْراضِ الكِرامِ، وهو أبْيَنُ، فِيما يُقالُ: ”اَلَّذِي يَتَبَرَّكُ في أعْراضِ النّاسِ“.
النحل 16:68
(p-٢١٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾، و”بِيُوتًا“، فَمَن قَرَأ: ”بُيُوتًا“، بِالضَّمِّ فَهو القِياسُ، مِثْلَ ”كَعْبٌ“، و”كُعُوبٌ“، و”قَلْبٌ“، و”قُلُوبُ“، ومَن قَرَأ: ”بِيُوتًا“، بِالكَسْرِ، فَهَذا لَمْ يَذْكُرْ مَثَلَهُ أحَدٌ مِنَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّهم لا يُجِيزُونَ مِثْلَهُ، لَيْسَ في الكَلامِ مِثْلُ ”فِعُلٌ“، ولا ”فِعُولٌ“، والَّذِينَ قَرَؤُوا بِهِ قَلَبُوا الضَّمَّةَ إلى الكَسْرَةِ مِن أجْلِ الياءِ الَّتِي بَعْدَها.
وَمَعْنى ”اَلْوَحْيُ“، في اللُّغَةِ، عَلى وجْهَيْنِ، يَرْجِعانِ إلى مَعْنى الإعْلامِ، والإفْهامِ، فَمِنَ الوَحْيِ وحْيُ اللَّهِ إلى أنْبِيائِهِ، بِما سَمِعَتِ المَلائِكَةُ مِن كَلامِهِ، ومِنهُ الإلْهامُ، كَما قالَ اللَّهُ: ﴿وَأخْرَجَتِ الأرْضُ أثْقالَها﴾ [الزلزلة: ٢]، إلى: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥]، مَعْناهُ: ألْهَمَها، فاللَّهُ أوْحى إلى كُلِّ دابَّةٍ، وذِي رُوحٍ، في التِماسِ مَنافِعِها، واجْتِنابِ مَضارِّها، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ أمْرَ النِّحَلِ، وواحِدُ النَّحْلِ ”نَحْلَةٌ“، مِثْلَ: ”نَخْلٌ“، و”نَخْلَةٌ“، لِأنَّ فِيها مِن لَطِيفِ الصَّنْعَةِ، وبَدِيعِ الخَلْقِ ما فِيهِ أعْظَمُ مُعْتَبَرٍ، بِأنْ ألْهَمَها اتِّخاذَ المَنازِلِ، والمَساكِنِ، وأنْ تَأْكُلَ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، عَلى اخْتِلافِ طَعُومِها.
النحل 16:69
ثُمَّ سَهَّلَ عَلَيْها سَبِيلَ ذَلِكَ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ فاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا﴾، أيْ: قَدْ ذَلَّلَها اللَّهُ لَكِ، وسَهَّلَ عَلَيْكِ مَسالِكَها، ثُمَّ قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾، فَهي تَأْكُلُ الحامِضَ، والمُرَّ، وما لا يُوصَفُ طَعْمُهُ، فَيُحِيلُ اللَّهُ ذَلِكَ عَسَلًا، يَخْرُجُ مِن بُطُونِها، إلّا أنَّها تُلْقِيهِ مِن أفْواهِها، ولَكِنَّهُ قالَ: ﴿مِن بُطُونِها﴾، لِأنَّ اسْتِحالَةَ الأطْعِمَةِ لا تَكُونُ إلّا في البُطُونِ، فَيَخْرُجُ بَعْضُها مِنَ الفَمِ، كالرِّيقِ الدّائِمِ (p-٢١١)الَّذِي يَخْرُجُ مِن فَمِ ابْنِ آدَمَ، فالنَّحْلُ تُخْرِجُ العَسَلَ مِن بُطُونِها إلى أفْواهِها.
﴿فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾، في هَذا قَوْلانِ، قِيلَ: إنَّ الهاءَ يَرْجِعُ عَلى العَسَلِ، المَعْنى: ”فِي العَسَلِ شِفاءٌ لِلنّاسِ“، وقِيلَ: إنَّ الهاءَ لِلْقُرْآنِ، المَعْنى: ”فِي القُرْآنِ شِفاءٌ لِلنّاسِ“، وهَذا القَوْلُ إذا فُسِّرَ عُلِمَ أنَّهُ حَسَنٌ، المَعْنى: ”فِيما قَصَصْنا عَلَيْكم مِن قِصَّةِ النَّحْلِ في القُرْآنِ، وسائِرِ القِصَصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، شِفاءٌ لِلنّاسِ“، والتَّفْسِيرُ في العَسَلِ حَسَنٌ جِدًّا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ رَأيْنا مَن يَنْفَعُهُ العَسَلُ، ومَن يَضُرُّهُ العَسَلُ، فَكَيْفَ يَكُونُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنّاسِ؟ فَجَوابُ هَذا أنْ يُقالَ لَهُ: اَلْماءُ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدْ رَأيْنا مَن يَقْتُلُهُ الماءُ إذا أخَذَهُ عَلى ما يُصادِفُ مِن عِلَّةٍ في البَدَنِ، وقَدْ رَأيْنا شِفاءَ العَسَلِ في أكْثَرِ هَذِهِ الأشْرِبَةِ، لِأنَّ الجَلّابَ، والسَّكَنْجَبِينَ، إنَّما أصْلُهُما العَسَلُ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَعْجُوناتِ، وهَذا الِاعْتِراضُ في أمْرِ العَسَلِ إنَّما هو اعْتِراضُ جَهَلَةٍ، لا يَعْرِفُونَ قَدْرَهُ في النَّفْعِ، فَأمّا مَن عَرَفَ مِقْدارَ النَّفْعِ فَهو وإنْ كانَ مِن غَيْرِ أهْلِ هَذِهِ المِلَّةِ، فَهو غَيْرُ رافِعٍ أنَّ في العَسَلِ شِفاءً.
النحل 16:70
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم ثُمَّ يَتَوَفّاكم ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، أيْ: مِنكم مَن يَكْبُرُ، ويُسِنُّ حَتّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ خَرَفًا، فَيَصِيرَ بَعْدَ أنْ كانَ عالِمًا جاهِلًا، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لِكَيْلا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا“، أيْ: لِيُرِيَكم مِن قُدْرَتِهِ أنَّهُ كَما قَدَرَ عَلى إماتَتِهِ وإحْيائِهِ أنَّهُ قادِرٌ عَلى نَقْلِهِ مِنَ العِلْمِ إلى الجَهْلِ، وأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المَوْتَ والحَياةَ بِيَدِهِ، وأنَّ الإنْسانَ قَدْ (p-٢١٢)يَتَغَذّى بِالأغْذِيَةِ الَّتِي يَتَعَمَّدُ فِيها الغايَةَ في الصَّلاحِ، والبَقاءِ، فَلا يَقْدِرُ أنْ يَزِيدَ في مِقْدارِ مُدَّتِهِ شَيْئًا.
النحل 16:71
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ فَما الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَهم فِيهِ سَواءٌ﴾، أيْ: قَدْ فَضَّلَ اللَّهُ المُلّاكَ عَلى مَمالِيكِهِمْ، فَجَعَلَ المَمْلُوكَ لا يَقْدِرُ عَلى مِلْكٍ مَعَ مَوْلاهُ، وأعْلَمَ أنَّ المالِكَ لَيْسَ يَرُدُّ عَلى مَمْلُوكِهِ مِن فَضْلِ ما في يَدِهِ حَتّى يَسْتَوِيَ حالُهُما في المِلْكِ، وقِيلَ لَهُمْ: ”إنَّكم كُلُّكم مِن بَنِي آدَمَ، وأنْتُمْ لا تُسَوُّونَ بَيْنَكم فِيما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ، وأنْتُمْ كُلُّكم بَشَرٌ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَ بَعْضَ الرِّزْقِ الَّذِي رَزَقَكُمُ اللَّهُ لَهُ، وبَعْضَهُ لِأصْنامِكُمْ، فَتُشْرِكُونَ بَيْنَ اللَّهِ، وبَيْنَ الأصْنامِ، وأنْتُمْ لا تَرْضَوْنَ لِأنْفُسِكم فَيَمَن هو مِثْلُكم بِالشَّرِكَةِ؟“.
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾، فِيها وجْهانِ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أفَبِأنْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اتَّخَذْتُمُ النِّعَمَ لِتَجْحَدُوا، وتُشْرِكُوا بِهِ الأصْنامَ؟!“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”أفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ“: ”أفَبِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ بَيَّنَ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ تَجْحَدُونَ؟!“.
النحل 16:72
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، فَهو مَعْنى ”جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا“، أيْ: مِن جِنْسِكم.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن أزْواجِكم بَنِينَ وحَفَدَةً﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ الحَفَدَةِ، فَقِيلَ: اَلْأوْلادُ، وقِيلَ: اَلْبَناتُ، وقِيلَ: اَلْأخْتانُ، وقِيلَ: اَلْأصْهارُ، وقِيلَ: اَلْأعْوانُ، وحَقِيقَةُ هَذا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ (p-٢١٣)مِنَ الأزْواجِ بَنِينَ، ومَن يُعاوِنُ عَلى ما يُحْتاجُ إلَيْهِ بِسُرْعَةٍ، وطاعَةٍ، يُقالُ: ”حَفَدَ، يَحْفِدُ، حَفْدًا، وحَفَدًا، وحَفَدانًا“، إذا أسْرَعَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎حَفَدَ الوَلائِدُ حَوْلَهُنَّ وأسْلَمَتْ بِأكُفِّهِنَّ أزِمَّةَ الأجْمالِ
مَعْناهُ: أسْرَعُوا في الخِدْمَةِ.
النحل 16:74
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ﴾، أيْ: لا تَجْعَلُوا لِلَّهِ مِثْلًا، لِأنَّهُ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ - جَلَّ وعَزَّ -، ولا إلَهَ إلّا هو - عَزَّ وجَلَّ -.
النحل 16:75
ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمُ المَثَلَ، فَقالَ: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ ومَن رَزَقْناهُ مِنّا رِزْقًا حَسَنًا فَهو يُنْفِقُ مِنهُ سِرًّا وجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ الِاثْنَيْنِ المُتَساوِيَيْنِ في الخَلْقِ إذا كانَ أحَدُهُما مُقْتَدِرًا عَلى الإنْفاقِ، مالِكًا، والآخَرُ عاجِزًا، لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يُنْفِقَ، لا يَسْتَوِيانِ، فَكَيْفَ بَيْنَ الحِجارَةِ الَّتِي لا تَتَحَرَّكُ، ولا تَعْقِلُ، وبَيْنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، الَّذِي هو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وهو رازِقُ جَمِيعِ خَلْقِهِ، فَبَيَّنَ لَهم أمْرَ ضَلالَتِهِمْ، وبُعْدِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ في عِبادَتِهِمُ الأوْثانَ.
النحل 16:76
ثُمَّ زادَ في البَيانِ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ﴾، و”اَلْأبْكَمُ“: اَلْمُطْبِقُ، الَّذِي لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يَعْقِلُ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ﴾، أيْ: عَلى ولِيِّهِ، ﴿أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
(p-٢١٤)أيْ: هَلْ يَسْتَوِي القادِرُ التّامُّ التَّمْيِيزِ، والعاجِزُ الَّذِي لا يُحِسُّ، ولا يَأْتِي بِخَيْرٍ؟! فَكَيْفَ يُسَوُّونَ بَيْنَ اللَّهِ، وبَيْنَ الأحْجارِ؟!
النحل 16:77
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ومَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ولِلَّهِ عِلْمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿وَما أمْرُ السّاعَةِ إلا كَلَمْحِ البَصَرِ﴾، و”اَلسّاعَةُ“: اِسْمٌ لِإماتَةِ الخَلْقِ، وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ البَعْثَ، والإحْياءَ، في قُدْرَتِهِ، ومَشِيئَتِهِ، كَلَمْحِ البَصَرِ، أوْ هو أقْرَبُ، لَيْسَ يُرِيدُ أنَّ السّاعَةَ تَأْتِي في أقْرَبَ مِن لَمْحِ البَصَرِ، ولَكِنَّهُ يَصِفُ سُرْعَةَ القُدْرَةِ عَلى الإتْيانِ بِها.
النحل 16:78
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾، و”إمَّهاتِكُمْ“، بِالكَسْرِ، والأصْلُ في الأُمَّهاتِ: ”أُمّاتٌ“، ولَكِنَّ الهاءَ زِيدَتْ مُؤَكِّدَةً، كَما زادُوا هاءً في قَوْلِهِمْ: ”أهْرَقْتُ الماءَ“، وإنَّما أصْلُهُ: ”أرَقْتُ الماءَ“، و”اَلْأفْئِدَةُ“: جَمْعُ ”فُؤادٌ“، مِثْلَ: ”غُرابٌ“، و”أغْرِبَةٌ“، ولَمْ يُجْمَعْ ”فُؤادٌ“، عَلى أكْثَرِ العَدَدِ، لَمْ يُقَلْ: ”فِئْدانٌ“، مِثْلَ: ”غُرابٌ“، و”غِرْبانٌ“، ثُمَّ دَلَّهم - سُبْحانَهُ - عَلى قُدْرَتِهِ عَلى أمْرِ السّاعَةِ بِما شاهَدُوا مِن تَدْبِيرِهِ، فَقالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا إلى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ في جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إلا اللَّهُ﴾ [النحل: ٧٩]، ”جَوُّ السَّماءِ“: اَلْهَواءُ البَعِيدُ مِنَ الأرْضِ، وأبْعَدُ مِنهُ مِنَ الأرْضِ السُّكاكُ، ومِثْلُ السُّكاكِ اللَّوْحُ، وواحِدُ السُّكاكِ: ”سُكاكَةٌ“.
النحل 16:80
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِن بُيُوتِكم سَكَنًا﴾، (p-٢١٥)أيْ: مَوْضِعًا تَسْكُنُونَ فِيهِ، ﴿وَجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾، و”اَلْأنْعامُ“: اِسْمٌ لِلْإبِلِ، والبَقَرِ، والغَنَمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَسْتَخِفُّونَها يَوْمَ ظَعْنِكم ويَوْمَ إقامَتِكُمْ﴾، مَعْنى ”تَسْتَخِفُّونَها“: أيْ: يَخِفُّ عَلَيْكم حَمْلُها في أسْفارِكُمْ، وإقامَتِكُمْ، ويُقْرَأُ: ”يَوْمَ ظَعْنِكُمْ“، و”ظَعَنِكُمْ“، ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها وأشْعارِها أثاثًا ومَتاعًا إلى حِينٍ﴾، ”اَلْأوْبارُ“، لِلْإبِلِ، و”اَلْأصْوافُ“، لِلضَّأْنِ، و”اَلْأشْعارُ، لِلْمَعْزِ، و“اَلْأثاثُ”: مَتاعُ البَيْتِ، ويُقالُ لِمَتاعِ البَيْتِ أيْضًا:“اَلْأُهَرَةُ”، ويُقالُ:“قَدْ أثَّ، يَئِيثُ، أثًّا"، إذا صارَ ذا أثاثٍ.
النحل 16:81
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكم مِمّا خَلَقَ ظِلالا﴾، أيْ: جَعَلَ لَكم مِنَ الشَّجَرِ ما تَسْتَظِلُّونَ بِهِ، وجَعَلَ لَكم مِنَ الجِبالِ أكْنانًا، واحِدُ الأكْنانِ: ”كِنٌّ“، عَلى وزْنِ ”حِمْلٌ“، و”أحْمالٌ“، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُها ”كِنانٌ“، لِأنَّ جَمْعَ ”اَلْكِنانُ“: ”أكِنَّةٌ“، أيْ: جَعَلَ لَكم ما يُكِنُّكُمْ، ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، كُلُّ ما لَبِسْتَهُ فَهو سِرْبالٌ، مِن قَمِيصٍ، أوْ دِرْعٍ، أوْ جَوْشَنٍ، أوْ غَيْرِهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠]، وقالَ: ﴿تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”تَقِيكُمُ البَرْدَ“، لِأنَّ ما وقى مِنَ الحَرِّ، وقى مِنَ البَرْدِ.
(p-٢١٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَرابِيلَ تَقِيكم بَأْسَكُمْ﴾، أيْ: جَعَلَ لَكم دُرُوعًا تَتَّقُونَ بِها في الحُرُوبِ مِن بَأْسِ الحَدِيدِ وغَيْرِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ: ”تُسْلِمُونَ“، ويُقْرَأُ: ”لَعَلَّكم تَسْلَمُونَ“، أيْ: "لَعَلَّكم إذا لَبِسْتُمُ الدُّرُوعَ في الحَرْبِ سَلِمْتُمْ مِنَ الجِراحِ.
النحل 16:82
ثُمَّ قالَ - بَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهُمُ الآياتِ -: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾، أيْ: عَلَيْكَ أنْ تُبَلِّغَ الرِّسالَةَ، وتَأْتِيَ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى النُّبُوَّةِ.
النحل 16:83
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها﴾، أيْ: يَعْرِفُونَ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، ثُمَّ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ.
النحل 16:86
وَقَوْلُهُ: ﴿فَألْقَوْا إلَيْهِمُ القَوْلَ إنَّكم لَكاذِبُونَ﴾، أيْ: لَمّا رَأى الَّذِينَ أشْرَكُوا ما كانُوا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَ نافِعِهِمْ، وجَحَدَتْهم آلِهَتُهُمْ، كَما قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -:﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]
النحل 16:88
وَقَوْلُهُ: ﴿زِدْناهم عَذابًا فَوْقَ العَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِي زِيدُوا: عَقارِبُ لَها أنْيابٌ كالنَّخْلِ الطِّوالِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّهم يَخْرُجُونَ مِن حَرِّ النّارِ إلى الزَّمْهَرِيرِ، فَيُبادِرُونَ مِن شِدَّةِ بَرْدِهِ إلى النّارِ.
النحل 16:89
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ﴾، كُلُّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ، وهو أعْدَلُ شاهِدٍ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَـزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
(p-٢١٧)”تِبْيانًا“: اِسْمٌ في مَعْنى البَيانِ، ومِثْلُ ”اَلتِّبْيانُ“، ”اَلتِّلْقاءُ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”تَبْيانًا“، عَلى وزْنِ ”تَفْعالًا“، لَكانَ وجْهًا، لِأنَّ ”اَلتَّبْيانُ“، في مَعْنى ”اَلتَّبْيِينُ“، ولا تَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ أحَدٌ مِنَ القُرّاءِ.
النحل 16:91
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها﴾، يُقالُ: ”وَكَّدْتُ الأمْرَ“، و”أكَّدْتُ الأمْرَ“، لُغَتانِ جَيِّدَتانِ، والأصْلُ الواوُ، والهَمْزَةُ بَدَلٌ مِنها.
النحل 16:92
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾، ”أنْكاثًا“، مَنصُوبٌ لِأنَّهُ في مَعْنى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ”نَكَثْتُ“: ”نَقَضْتُ“، ومَعْنى ”نَقَضْتُ“: ”نَكَثْتُ“، وواحِدُ الأنْقاضِ: ”نِكْثٌ“، وهو ما نُقِضَ بَعْدَ أنْ غُزِلَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَرْعِيَّةٌ تَعْرِفُ الأرْباعَ ضَجْعَتُهُ لَهُ نِكاثٌ مِنَ الأنْجادِ والفُضَلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم دَخَلا بَيْنَكُمْ﴾، أيْ: غِشًّا بَيْنَكُمْ، وغَلًّا، و”دَخَلًا“، مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”تَتَّخِذُونَ أيْمانَكم لِلْغِشِّ والدَّخَلِ، وكُلُّ ما دَخَلَهُ عَيْبٌ قِيلَ:“هُوَ مَدْخُولٌ”، و“فِيهِ دَخَلٌ".
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أرْبى مِن أُمَّةٍ﴾، لِتَغْتَرَّ إحْداهُما بِالأُخْرى، و”أرْبى“، مَأْخُوذٌ مِن ”رَبا الشَّيْءُ، يَرْبُو“، إذا كَثُرَ.
النحل 16:96
وَقَوْلُهُ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾، يُقالُ: ”نَفِدَ الشَّيْءُ، يَنْفَدُ، نَفادًا، ونَفَدًا“، إذا فَنِيَ.
(p-٢١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧]، قِيلَ: ”لَنَرْزُقَنَّهُ حَلالًا“، وقِيلَ: ”حَياةً طَيِّبَةً“: اَلْجَنَّةُ، ومَوْضِعُ: ”أرْبى“، رَفْعٌ، المَعْنى: ”أنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هي أكْثَرُ مِن أُمَّةٍ“، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَوْضِعَ ”أرْبى“: نَصْبٌ، و”هِيَ“، عِمادٌ، وهَذا خَطَأٌ، ”هِيَ“، لا تَدْخُلُ عِمادًا، ولا فَصْلًا، مَعَ النَّكِراتِ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هو خَيْرًا وأعْظَمَ أجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]، و”تَجِدُوهُ“، اَلْهاءُ فِيهِ مَعْرِفَةٌ، و”أُمَّةٌ“، نَكِرَةٌ.
النحل 16:98
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾، مَعْناهُ: إذا أرَدْتَ أنْ تَقْرَأ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، لَيْسَ مَعْناهُ ”اِسْتَعِذْ بِاللَّهِ بَعْدَ أنْ تَقْرَأ“، لِأنَّ الِاسْتِعاذَةَ أُمِرَ بِها قَبْلَ الِابْتِداءِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الكَلامِ، مِثْلُهُ: ”إذا أكَلْتَ فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ“، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فالهَيْئَةُ قَبْلَ الصَّلاةِ، والمَعْنى: ”إذا أرَدْتُمْ ذَلِكَ فافْعَلُوا ...“.
النحل 16:101
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ واللَّهُ أعْلَمُ بِما يُنَـزِّلُ﴾، أيْ: إذا نُسِخَتْ آيَةٌ بِآيَةٍ أُخْرى عَلَيْهِمْ فِيها مَشَقَّةٌ، ﴿قالُوا إنَّما أنْتَ مُفْتَرٍ﴾، أيْ: قالُوا: قَدْ كَذَبْتَنا.
النحل 16:103
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ ﷺ ما يَقُولُونَهُ بَيْنَهم.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ﴾، ويُقْرَأُ: ”يَلْحِدُونَ“، أيْ: ”لِسانُ الَّذِي يُمِيلُونَ القَوْلَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ“، وقِيلَ: هَذا غُلامٌ كانَ لِحُوَيْطِبٍ، اسْمُهُ ”عايِشٌ“، أسْلَمَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
(p-٢٢٠)﴿وَهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، يُقالُ: ”عَرَبَ الإنْسانُ، يَعْرُبُ، عُرُوبِيَّةً، وعَرابَةً، وعُرُوبَةً“.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُبِينٌ﴾، وصَفَهُ بِالبَيانِ، كَما وصَفَهُ بِأنَّهُ عَرَبِيٌّ، ومَعْنى ”عَرَبِيٌّ“: أنَّ صاحِبَهُ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ، ومَعْناهُ: مُعْرِبٌ، مُبِينٌ.
النحل 16:105
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾، (p-٢١٩)أيْ: إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ إذا رَأوُا الآياتِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها إلّا اللَّهُ، كَذَّبُوا بِها، فَهَؤُلاءِ أكْذَبُ الكَذَبَةِ.
النحل 16:106
قَوْلُهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾، ”مَن“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى البَدَلِ مِن ”اَلْكاذِبِينَ“، ومُفَسِّرٌ عَنْ ”اَلْكاذِبِينَ“، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، لِأنَّهُ لا خَبَرَ هَهُنا لِلِابْتِداءِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ﴾، لَيْسَ بِكَلامٍ تامٍّ، وبَعْدَهُ: ﴿وَلَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾، فَقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾، خَبَرُ ”مَن“، اَلَّتِي بَعْدَ ”لَكِنْ“.
النحل 16:109
وَقَوْلُهُ: ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، ”أنَّ“، يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى أنَّ ”لا“، رَدٌّ لِلْكَلامِ، والمَعْنى: ”وَجَبَ أنَّهم ...“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنَّ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى أنَّ المَعْنى: ”جَرَمَ فِعْلُهم هَذا أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ“، ومَعْنى ”جَرَمَ“: ”كَسَبَ“، و”اَلْمُجْرِمُ“: اَلْكاسِبُ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ لِلذُّنُوبِ.
النحل 16:110
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: مِن بَعْدِ الفَعْلَةِ الَّتِي فَعَلُوها، وهَذِهِ الآيَةُ في قِصَّةِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وأصْحابِهِ، حِينَ عَذَّبَهم أهْلُ مَكَّةَ، فَأكْرَهُوهم عَلى أنْ تَرَكُوا الإيمانَ، وكَفَرُوا بِألْسِنَتِهِمْ، وفي قُلُوبِهِمْ ونِيّاتِهِمُ الإيمانُ، ثُمَّ هَرَبُوا مِنهم وهاجَرُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَحِقَهم جَمْعٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَقاتَلُوهم حَتّى نَجّاهُمُ اللَّهُ مِنهُمْ، وصَبَرُوا عَلى جِهادِهِمْ.
النحل 16:111
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾، (p-٢٢١)”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ عَلى أحَدِ شَيْئَيْنِ، عَلى مَعْنى ”إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ تَأْتِي“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ”اُذْكُرْ“، لِأنَّ مَعْنى القُرْآنِ العِظَةُ والإنْذارُ، والتَّذْكِيرُ، أيْ: ”اُذْكُرْ يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ“، أيْ: كُلُّ إنْسانٍ يُجادِلُ عَنْ نَفْسِهِ، ويُرْوى أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ زَفَرَتْ جَهَنَّمُ زَفْرَةً، فَلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا جَثا عَلى رُكْبَتَيْهِ، وقالَ: ”يا رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي“، وتَصْدِيقُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥]، اَلْآيَةَ.
النحل 16:112
وَقَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا مَثَلَ قَرْيَةٍ كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً“، ﴿يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدًا مِن كُلِّ مَكانٍ﴾، أيْ: واسِعًا مِن كُلِّ مَكانٍ، الَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِها مَكَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ أمِنُوا الجُوعَ، والخَوْفَ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - جَعَلَ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، فَأرْزاقُهم تَأْتِيهِمْ في بَلَدِهِمْ، وكانَ حَرَمًا آمِنًا، ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ، ﴿فَكَفَرَتْ بِأنْعُمِ اللَّهِ فَأذاقَها اللَّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾، وقَدْ جاعُوا حَتّى بَلَغُوا إلى أنْ أكَلُوا الوَبَرَ بِالدَّمِ، وبَلَغَ مِنهُمُ الجُوعُ الحالَ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها، و”أنْعُمٌ“، جَمْعُ ”نِعْمَةٌ“، وقالُوا: ”شِدَّةٌ“، و”أشُدٌّ“، وقالَ قُطْرُبٌ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ”نُعْمٌ“، و”أنْعُمٌ“، مِثْلَ ”بُؤْسٌ“، و”أبْؤُسٌ“.
النحل 16:113
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم رَسُولٌ مِنهم فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهُمُ العَذابُ وهم ظالِمُونَ﴾، عَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِالسَّيْفِ، والقَتْلِ.
(p-٢٢٢)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، في الكَذِبِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، قُرِئَتْ: ”اَلْكَذِبَ“، وقُرِئَتْ: ”اَلْكُذُبُ“، وقُرِئَتْ: ”اَلْكَذِبِ“، فَمَن قَرَأ - وهو أكْثَرُ القِراءَةِ -: ”اَلْكَذِبَ“، فالمَعْنى: ”وَلا تَقُولُوا لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبَ: ﴿هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ﴾ [النحل: ١١٦]، ومَن قَرَأ:“اَلْكَذِبِ”، كانَ رَدًّا عَلى“ما”، اَلْمَعْنى:“وَلا تَقُولُوا لِوَصْفِ ألْسِنَتِكُمُ الكَذِبِ”، ومَن قَرَأ:“اَلْكُذُبُ”، فَهو نَعْتٌ لِلْألْسِنَةِ، يُقالُ:“لِسانٌ كَذُوبٌ”، وألْسِنَةٌ كُذُوبٌ“، وهَذا إنَّما قِيلَ لَهم لِما كانُوا حَرَّمُوهُ، وأحَلُّوهُ، فَقالُوا: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في مَوْضِعِهِ.
النحل 16:117
وَقَوْلُهُ: ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”مَتاعُهم هَذا الَّذِي فَعَلُوهُ مَتاعٌ قَلِيلٌ“، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ فِيهِ النَّصْبُ: ”مَتاعًا قَلِيلًا“، عَلى أنَّ المَعْنى: ”يَتَمَتَّعُونَ كَذَلِكَ مَتاعًا قَلِيلًا“.
النحل 16:120
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ آمَنَ وحْدَهُ، وفي أكْثَرِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، وإمامًا حَنِيفًا، قِيلَ: أخَذَ بِالخِتانَةِ، وحَقِيقَتُهُ في اللُّغَةِ أنَّ ”اَلْحَنِيفُ“: اَلْمائِلُ إلى الشَّيْءِ لا يَزُولُ عَنْهُ أبَدًا، فَكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مائِلًا إلى الإسْلامِ غَيْرَ زائِلٍ عَنْهُ، وقالُوا في ”اَلْقانِتُ“: هو المُطِيعُ، و”اَلْقانِتُ“: اَلْقائِمُ بِجَمِيعِ أمْرِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾، ”لَمْ يَكُ“، أصْلُها: ”لَمْ يَكُنْ“، وإنَّما حُذِفَتِ النُّونُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِ هَذا الحَرْفِ، وذَكَرَ الجُلَّةُ مِنَ البَصْرِيِّينَ أنَّهُ اجْتَمَعَ فِيها كَثْرَةُ الِاسْتِعْمالِ، وأنَّها عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ ما يَمْضِي مِنَ الأفْعالِ، وما يُسْتَأْنَفُ، وأنَّها مَعَ ذَلِكَ قَدْ أشْبَهَتْ (p-٢٢٣)حُرُوفَ اللِّينِ، لِأنَّها تَكُونُ عَلامَةً، كَما تَكُونُ حُرُوفُ اللِّينِ عَلامَةً، وأنَّها غُنَّةٌ تَخْرُجُ مِنَ الأنْفِ، فَلِذَلِكَ احْتَمَلَتِ الحَذْفَ.
النحل 16:124
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، اَلْكَلامُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُلْزِمُوا آيَةَ نُبُوَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ حَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ، وأحَلَّهُ بَعْضُهُمْ، وهَذا أدَلُّ ما جاءَ مِنَ الِاخْتِلافِ في السَّبْتِ، وقَدْ جاءَ كَثِيرًا في التَّفْسِيرِ أنَّهم أُمِرُوا بِأنْ يَتَّخِذُوا عِيدًا، فَخالَفُوا، وقالُوا: نُرِيدُ يَوْمَ السَّبْتِ، لِأنَّهُ آخِرُ يَوْمٍ فُرِغَ فِيهِ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّ عِيسى أمَرَ النَّصارى أنْ يَتَّخِذُوا الجُمُعَةَ عِيدًا، فَقالُوا: لا يَكُونُ عِيدُنا إلّا بَعْدَ عِيدِ اليَهُودِ، فَجَعَلُوهُ الأحَدَ، واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
النحل 16:125
وَقَوْلُهُ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلْحِكْمَةُ“: اَلنُّبُوَّةُ، و”اَلْمَوْعِظَةُ“: اَلْقُرْآنُ، ﴿وَجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، أيْ: جادِلْهم غَيْرَ فَظٍّ، ولا غَلِيظَ القَلْبِ في ذَلِكَ، ألِنْ لَهم جانِبَكَ.
النحل 16:126
﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، سُمِّيَ الأوَّلُ ”عُقُوبَةً“، وإنَّما العُقُوبَةُ الثّانِي، لِازْدِواجِ الكَلامِ، لِأنَّ الجِنْسَيْنِ في الفِعْلِ مَعْنًى واحِدٌ، ومِثْلُهُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فالثّانِي لَيْسَ بِسَيِّئَةٍ، ولَكِنَّهُ سُمِّيَ بِهِ لِيَتَّفِقَ اللَّفْظُ، لِأنَّ مَعْنى القَتْلِ واحِدٌ، وقَدْ بَيَّنّا نَظِيرَ هَذا في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“، في قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٥٤]، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المُسْلِمِينَ هَمُّوا بِأنْ يُمَثِّلُوا بِالمُشْرِكِينَ، لِأنَّهم كانُوا (p-٢٢٤)قَدْ مَثَّلُوا بِهِمْ، فَهَمَّ المُسْلِمُونَ بِأنْ يَزِيدُوا في المُثْلَةِ، فَأُمِرُوا بِألّا يَزِيدُوا، وجائِزٌ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَعْنى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، أيْ: مَن فُعِلَ بِهِ ما يَجِبُ فِيهِ القِصاصُ، فَلا يُجاوِزِ القِصاصَ إلّا بِمِثْلٍ.
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهو خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾، هو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عَفا وأصْلَحَ فَأجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٤٠]
النحل 16:127
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾، ”ضَيْقٌ“، في مَعْنى ”ضَيِّقٌ“، مُخَفَّفٌ، مِثْلَ ”مَيْتٌ“، و”مَيِّتٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”اَلضِّيقُ“، فَيَكُونَ مَصْدَرًا لِقَوْلِكَ: ”ضاقَ الشَّيْءُ، يَضِيقُ، ضَيْقًا“.
النحل 16:128
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾، أيْ: ”إنَّ اللَّهَ ناصِرُهُمْ“، كَما قالَ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠] فَقَدْ وعَدَ في هَذِهِ الآيَةِ بِالنَّصْرِ.
الإسراء 17:1
(p-٢٢٥)سُورَةُ اَلْإسْراءِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾، ”سُبْحانَ“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”أُسَبِّحُ اللَّهَ تَسْبِيحًا“، ومَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“، في اللُّغَةِ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ السُّوءِ، وكَذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾، مَعْناهُ: سَيَّرَ عَبْدَهُ، يُقالُ: ”أسْرَيْتُ، وسَرَيْتُ“، إذا سِرْتُ لَيْلًا، وقَدْ جاءَتِ اللُّغَتانِ في القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿واللَّيْلِ إذا يَسْرِ﴾ [الفجر: ٤]، هَذا مِن ”سَرَيْتُ“، ومَعْنى ”يَسْرِي“: يَمْضِي، أسْرى اللَّهُ - سُبْحانَهُ - بِالنَّبِيِّ ﷺ – مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وهو مَكَّةُ، والحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ، فَأسْرى اللَّهُ بِهِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن مَكَّةَ، إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾، أجْرى اللَّهُ حَوْلَ بَيْتِ المَقْدِسِ الأنْهارَ، وأنْبَتَ الثِّمارَ، فَذَلِكَ مَعْنى ”بارَكْنا حَوْلَهُ“ .
(p-٢٢٦)﴿لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا﴾، أيْ: لِنُرِيَ مُحَمَّدًا، فَأراهُ اللَّهُ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الأنْبِياءِ، وآياتِهِمْ، ما أخْبَرَ بِهِ في غَدِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ أهْلَ مَكَّةَ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ لَنا في طَرِيقِ الشّامِ إبِلًا، فَأخْبِرْنا خَبَرَها، فَخَبَّرَهم بِخَبَرِها، فَقالُوا: فَمَتى تَقْدُمُ الإبِلُ عَلَيْنا، فَأخْبَرَهم أنَّها تَقْدُمُ في يَوْمٍ سَمّاهُ لَهم مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ، وأنَّهُ تَقَدَّمَها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ قائِلٌ: هَذِهِ الشَّمْسُ قَدْ أشْرَقَتْ، وقالَ آخَرُ: فَهَذِهِ الإبِلُ قَدْ أقْبَلَتْ، يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، كَما قالَ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَلَمْ يُؤْمِنُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
الإسراء 17:2
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: دَلَلْناهم بِهِ عَلى الهُدى، ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾، أيْ: لا تَتَوَكَّلُوا عَلى غَيْرِي، ولا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي رَبًّا.
الإسراء 17:3
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾، اَلْقِراءَةُ بِنَصْبِ ”ذُرِّيَّةَ“، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”ذِرِّيَّةَ“، بِكَسْرِ الذّالِ، والضَّمُّ أكْثَرُ، و”ذُرِّيَّةٌ“: ”فُعْلِيَّةٌ“، مِن ”اَلذَّرُّ“، وهي مَنصُوبَةٌ عَلى النِّداءِ، كَذا أكْثَرُ الأقْوالِ، المَعْنى: ”يا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ“، وإنَّما ذُكِّرُوا بِنِعَمِ اللَّهِ عِنْدَهم أنَّهُ أنْجى أبْناءَهم مِنَ الغَرَقِ، بِأنَّهم حُمِلُوا مَعَ نُوحٍ.
وَيَجُوزُ النَّصْبُ عَلى مَعْنى ”ألّا تَتَّخِذُوا ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ مِن دُونِي وكِيلًا“، فَيَكُونُ الفِعْلُ تَعَدّى إلى الذُّرِّيَّةِ، وإلى الوَكِيلِ، تَقُولُ: ”اِتَّخَذْتُ زَيْدًا وكِيلًا“، ويَجُوزُ ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ [الإسراء: ٢]، عَلى مَعْنى: ﴿وَجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ [الإسراء: ٢] ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾
وَيَجُوزُ الرَّفْعُ في ”ذُرِّيَّةَ“، عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ، والمَعْنى: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ [الإسراء: ٢]، أيْ: لا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلًا ذُرِّيَّةُ"، ولا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها (p-٢٢٧)رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، لا يَجُوزُ أنْ تُخالَفَ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ.
الإسراء 17:4
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾، مَعْناهُ: أعْلَمْناهم في الكِتابِ، وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ أنَّ دابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦]، ومَعْناهُ: ”وَأوْحَيْنا إلَيْهِ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢]، مَعْناهُ: ”خَلَقَهُنَّ وفَرَغَ مِنهُنَّ“، ومِثْلُ هَذا في الشِّعْرِ قَوْلُهُ:
؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
مَعْناهُ: ”عَمِلَهُما“، وجُمْلَةُ هَذا البابِ أنَّ كُلَّ ما عُمِلَ عَمَلًا مُحْكَمًا فَقَدْ قُضِيَ، وإنَّما قِيلَ لِلْحاكِمِ: ”قاضٍ“، لِأنَّهُ إذا أمَرَ أمْرًا لَمْ يُرَدَّ أمْرُهُ، فالقَضاءُ قَطْعُ الأشْياءِ عَنْ إحْكامٍ، والمَعْنى: ”إنّا أوْحَيْنا إلَيْهِمْ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا“، مَعْناهُ: لَتَعْظُمُنَ ولَتَبْغُنَّ، لِأنَّهُ يُقالَ: لِكُلِّ مُتَجَبِّرٍ: ”قَدْ عَلا وتَعَظَّمَ“.
الإسراء 17:5
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾، اَلْمَعْنى: ”فَإذا جاءَ وعْدُ أُولى المَرَّتَيْنِ“، ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، يُرْوى أنَّهُ بَعَثَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾، أيْ: فَطافُوا في خِلالِ الدِّيارِ يَنْظُرُونَ هَلْ بَقِيَ أحَدٌ لَمْ يَقْتُلُوهُ، و”اَلْجَوْسُ“: طَلَبُ الشَّيْءِ بِاسْتِقْصاءٍ.
الإسراء 17:6
(p-٢٢٨)وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: رَدَدْنا لَكُمُ الدَّوْلَةَ، ﴿وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾، أيْ: جَعَلْناكم أكْثَرَ مِنهم نُصّارًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَفِيرًا“، جَمْعَ ”نَفْرٍ“، كَما يُقالُ: ”اَلْعَبِيدُ“، و”اَلْكَلِيبُ“، و”اَلضَّئِينُ“، و”اَلْمَعِيزُ“، و”نَفِيرًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
الإسراء 17:7
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”لِيَسُوءَ وُجُوهَكُمْ“، اَلْمَعْنى: ”فَإنْ جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءَ الوَعْدُ وُجُوهَكُمْ“، ومَن قَرَأ: ”لِيَسُوؤُوا“، فالمَعْنى: ”لِيَسُوءَ هَؤُلاءِ القَوْمُ وُجُوهَكُمْ“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”لَيَسُوءَنْ وُجُوهَكُمْ“، بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ، ومَعْناهُ: ”لَيَسُوءَنِ الوَعْدُ وُجُوهَكُمْ“، والوَقْفَ عَلَيْها: ”لَيَسُوءَنْ“، والأجْوَدُ: ”لِيَسُوءَ“، بِغَيْرِ نُونٍ، و”لِيَسُوؤُوا“، ويَجُوزُ: ”لِيَسُؤْ وُجُوهَكُمْ“، ويَكُونُ الفِعْلُ لِلْوَعْدِ عَلى الأمْرِ، ولا تَقْرَأْ بِهِ، ويَجُوزُ: ”لِنَسُوءَ“، بِالنُّونِ في مَوْضِعِ الياءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، مَعْناهُ: لِيُدَمِّرُوا، ويُقالُ لِكُلِّ شَيْءٍ مُنْكَسِرٍ مِنَ الزُّجاجِ، والحَدِيدِ، والذَّهَبِ: ”تِبْرٌ“، ومَعْنى ”ما عَلَوْا“، أيْ: ”لِيُدَمِّرُوا في حالِ عُلُوِّهِمْ عَلَيْكُمْ“.
الإسراء 17:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾، مَعْناهُ: ”حَبْسًا“، أُخِذَ مِن قَوْلِهِ: ”حَصَرْتُ الرَّجُلَ“، إذا حَبَسْتُهُ، فَهو مَحْصُورٌ، و”هَذا حَصِيرُهُ“، أيْ: مَحْبِسُهُ، و”اَلْحَصِيرُ“: اَلْمَنسُوجُ، إنَّما سُمِّيَ حَصِيرًا لِأنَّهُ حُصِرَتْ (p-٢٢٩)طاقاتُهُ بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ، و”اَلْجَنْبُ“، يُقالُ لَهُ: ”اَلْحَصِيرُ“، لِأنَّ بَعْضَ الأضْلاعِ مَحْصُورٌ مَعَ بَعْضٍ.
الإسراء 17:9
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾، أيْ: لِلْحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ، وهي تَوْحِيدُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، أيْ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإيمانُ بِرُسُلِهِ، والعَمَلُ بِطاعَتِهِ، وهَذِهِ صِفَةُ الحالِ الَّتِي هي أقْوَمُ الحالاتِ.
الإسراء 17:11
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّ الإنْسانَ رُبَّما دَعا عَلى نَفْسِهِ ووَلَدِهِ وأهْلِهِ بِالشَّرِّ غَضَبًا، كَما يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِالخَيْرِ، وهَذا لَمْ يُعَرَّ مِنهُ بَشَرٌ.
وَيُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ إلى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ أسِيرًا، فَأقْبَلَ يَئِنُّ بِاللَّيْلِ، فَقالَتْ لَهُ: ”ما بالُكَ تَئِنُّ؟“، فَشَكا ألَمَ القَيْدِ والأسْرِ، فَأرْخَتْ مِن كِتافِهِ، فَلَمّا نامَتْ أخْرَجَ يَدَهُ وهَرَبَ، فَلَمّا أصْبَحَ النَّبِيُّ ﷺ دَعا بِهِ فَأُعْلِمَ شَأْنَهُ، فَقالَ: ”اَللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَيْها“، فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَيْها تَتَوَقَّعُ الِاسْتِجابَةَ، وأنْ يَقْطَعَ اللَّهُ يَدَيْها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”وَإنِّي سَألْتُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ دُعائِي ولَعْنَتِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ مِن أهْلِي رَحْمَةً، فَقُولُوا لَها: إنِّي بَشَرٌ أغْضَبَ كَما يَغْضَبُ البَشَرُ، لِتَرْدُدْ سَوْدَةُ يَدَيْها“» .
فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الإنْسانَ خُلِقَ عَجُولًا، فَهَذا خُلِقَ عَلَيْهِ جُمْلَةُ البَشَرِ مِن آدَمَ إلى آخِرِ ولَدِهِ، والإنْسانُ هَهُنا في مَعْنى ”اَلنّاسُ“.
الإسراء 17:12
(p-٢٣٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾، أيْ: عَلامَتَيْنِ، يَدُلّانِ عَلى أنَّ خالِقَهُما واحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وتَدُلّانِ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ والحِسابِ، ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، أيْ: جَعَلْنا آيَةَ اللَّيْلِ دَلِيلَةً عَلَيْهِ بِظُلْمَتِهِ، ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: جَعَلْناها تُضِيءُ لَكم لِتُبْصِرُوا كَيْفَ تَصَرَّفُونَ في أعْمالِكُمْ، ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾، ويُرْوى أنَّ القَمَرَ كانَ في ضِياءِ الشَّمْسِ، فَمَحا اللَّهُ ضِياءَهُ بِالسَّوادِ الَّذِي جُعِلَ فِيهِ.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾، أيْ: بَيَّناهُ تَبْيِينًا لا يَلْتَبِسُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ، والِاخْتِيارُ النَّصْبُ في ”كُلَّ“، اَلْمَعْنى في النَّصْبِ: ”لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكم ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ، وفَصَّلْنا كُلَّ شَيْءٍ تَفْصِيلًا“، و”كُلَّ“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، وهو ”فَصَّلْناهُ“، ويَجُوزُ ”وَكُلُّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا“، وكَذَلِكَ النَّصْبُ والرَّفْعُ في قَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، إلّا أنِّي لا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالرَّفْعِ.
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”طائِرُهُ“، أيْ: ”خَيْرُهُ، وشَرُّهُ“، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - ما يُتَطَيَّرُ مِن مِثْلِهِ مِن شَيْءٍ عَمِلَهُ، كَما قالَ: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [النحل: ٢٥]، وكَما يُقالُ لِلْإنْسانِ: ”إثْمِي في عُنُقِكَ“، وإنَّما يُقالُ لِلشَّيْءِ اللّازِمِ لَهُ: ”هَذا في عُنُقِ الإنْسانِ“، أيْ: لُزُومُهُ لَهُ كَلُزُومِ القِلادَةِ لَهُ مِن بَيْنِ ما يُلْبَسُ في العُنُقِ، ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، (p-٢٣١)وَفِي هَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ”وَتُخْرَجُ لَهُ“، ”وَيُخْرِجُ لَهُ“، أيْ: ”وَيُخْرِجُ اللَّهُ لَهُ“، ”وَيَخْرُجُ لَهُ“، أيْ: ”وَيَخْرُجُ عَمَلُهُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا“، وكَذَلِكَ ”يُخْرَجُ لَهُ عَمَلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ“، ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
الإسراء 17:14
وَقَوْلُهُ: ﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، ”بِنَفْسِكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وإنْ كانَ مَجْرُورًا بِالباءِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ جازَ ”كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ حَسِيبَةً“، والمَعْنى: ”كَفَتْ نَفْسُكَ حَسِيبَةً“، أيْ: ”إذا كُنْتَ تَشْهَدُ عَلى نَفْسِكَ فَكَفاكَ بِهَذا“، و”حَسِيبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
الإسراء 17:15
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، يُقالُ: ”وَزَرَ، يَزِرُ، فَهو وازِرٌ، وزْرًا، ووِزْرًا، وزِرَةً“، ومَعْناهُ: ”أثِمَ، يَأْثَمُ، إثْمًا“، وفي تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ الآثِمَ والمُذْنِبَ لا يُؤْخَذُ بِذَنْبِهِ غَيْرُهُ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْإنْسانِ أنْ يَعْمَلَ بِالإثْمِ، لِأنَّ غَيْرَهُ عَمِلَهُ، كَما قالَتِ الكُفّارُ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾، أيْ: حَتّى نُبَيِّنَ ما بِهِ نُعَذِّبُ، وما مِن أجْلِهِ نُدْخِلُ الجَنَّةَ.
الإسراء 17:16
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾، تُقْرَأُ: ”أمَرْنا“، مُخَفَّفَةً، عَلى تَقْدِيرِ: ”فَعَلْنا“، وتُقْرَأُ: ”آمَرْنا مُتْرَفِيها“، عَلى تَقْدِيرِ: ”أفْعَلْنا“، ويُقْرَأُ: ”أمَّرْنا“، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، فَأمّا مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مِنَ الأمْرِ، المَعْنى: ”أمَرْناهم بِالطّاعَةِ فَفَسَقُوا“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: ألَسْتَ تَقُولُ: ”أمَرْتُ زَيْدًا فَضَرَبَ عَمْرًا“، فالمَعْنى أنَّكَ أمَرْتَهُ أنْ يَضْرِبَ عَمْرًا فَضَرَبَهُ، فَهَذا اللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى (p-٢٣٢)غَيْرِ الضَّرْبِ، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها﴾، مِنَ الكَلامِ: ”أمَرْتُكَ فَعَصَيْتَنِي“، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ المَعْصِيَةَ مُخالِفَةٌ الأمْرَ، وكَذَلِكَ الفِسْقُ مُخالَفَةٌ أمْرَ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ -، وقَدْ قِيلَ: إنَّما مَعْنى ”أمَرْنا مُتْرَفِيها“: ”كَثَّرْنا مُتْرَفِيها“، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «”خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ“»، أيْ: مُكَثَّرَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”قَدْ أمِرَ بَنُو فُلانٍ“، إذا كَثُرُوا، قالَ الشّاعِرُ:
؎إنْ يُغْبَطُوا يَهْبِطُوا وإنْ أمِرُوا يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهَلْكِ والنَّفَدِ
وَيُرْوى ”بِالنَّقْدِ“، بِالقافِ، ومَن قَرَأ: ”آمَرْنا“، فَتَأْوِيلُهُ ”أكْثَرْنا“، والكَثْرَةُ هَهُنا يَصْلُحُ أنْ تَكُونَ شَيْئَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكْثُرَ عَدَدُ المُتْرَفِينَ، والآخَرُ أنْ تَكْثُرَ جِدَتُهم ويَسارُهُمْ، ومَن قَرَأ: ”أمَّرْنا“، بِالتَّشْدِيدِ، فَمَعْناهُ: ”سَلَّطْنا مُتْرَفِيها“، أيْ: جَعَلْنا لَهم إمْرَةً وسُلْطانًا.
الإسراء 17:17
(p-٢٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِنَ القُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾، أيْ: أهْلَكْنا عَدَدًا كَبِيرًا مِنَ القُرُونِ، بِأنْواعِ العَذابِ، نَحْوَ قَوْمِ لُوطٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، ومَن ذُكِرَ اسْمُهُ، ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨]، ومَوْضِعُ ”كَمْ“: اَلنَّصْبُ، بِقَوْلِهِ: ”أهْلَكْنا“.
الإسراء 17:18
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾، أيْ: مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ بِعَمَلِهِ، أيْ: اَلدُّنْيا، عَجَّلَ اللَّهُ لِمَن أرادَ أنْ يُعَجِّلَ لَهُ ما يَشاءُ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ما يَشاءُ هُوَ، و”ما يَشاءُ“، بِمَعْنى ”ما نَشاءُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ في ”نَشاءُ“، ”مَن“، اَلْمَعْنى: ”عَجَّلْنا لِلْعَبْدِ ما يَشْتَهِيهِ“، إذا أرادَ اللَّهُ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ﴾، لِأنَّهُ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِعَمَلِهِ، ﴿يَصْلاها مَذْمُومًا﴾، و”مَذْؤُومًا“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿مَدْحُورًا﴾، أيْ: مُباعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، يُقالُ: ”دَحَرْتُهُ، أدْحَرُهُ، دَحْرًا، ودُحُورًا“، إذا باعَدْتَهُ عَنْكَ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْطِيَ المُسْلِمَ، والكافِرَ، وأنْ يَرْزُقُهُما جَمِيعًا، فَقالَ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء: ٢٠]، أيْ: نُمِدُّ المُؤْمِنِينَ، والكافِرِينَ، مِن عَطاءِ رَبِّكَ.
الإسراء 17:23
وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾، مَعْناهُ: ”أمَرَ رَبُّكَ“ .
(p-٢٣٤)﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾، أيْ: أمَرَ أنْ يُحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ، ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾، تُرْفَعُ ”أحَدُهُما“، بِـ ”يَبْلُغَنَّ“، و”كِلاهُما“، عَطْفٌ عَلَيْهِ، ويُقْرَأُ: ”يَبْلُغانِّ عِنْدَكَ الكِبَرَ“، ويَكُونُ ”أحَدُهُما أوْ كِلاهُما“، بَدَلًا مِنَ الألِفِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾، في قَوْلِهِ: ”أُفٍّ“، سَبْعُ لُغاتٍ: اَلْكَسْرُ بِغَيْرِ تَنْوِينِ، والكَسْرُ بِتَنْوِينٍ، والضَّمُّ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وبِتَنْوِينٍ، وكَذَلِكَ الفَتْحُ بِتَنْوِينٍ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وفِيها لُغَةٌ أُخْرى سابِعَةٌ لا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ بِها، وهِيَ: ”أُفِّي“، بِالياءِ، فَأمّا الكَسْرُ فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، و”أُفٍّ“، غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، بِمَنزِلَةِ الأصْواتِ، فَإذا لَمْ تُنَوَّنْ فَهي مَعْرِفَةٌ، وإذا نُوِّنَ فَهو نَكِرَةٌ، بِمَنزِلَةِ ”غاقٍ“، و”غاقِ“، في الأصْواتِ، والفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ أيْضًا، والفَتْحُ مَعَ التَّضْعِيفِ حَسَنٌ، لِخِفَّةِ الفَتْحَةِ وثِقَلِ التَّضْعِيفِ، والضَّمُّ لِأنَّ قَبْلَهُ مَضْمُومًا حَسَنٌ أيْضًا، والتَّنْوِينُ فِيهِ كُلُّهُ عَلى جِهَةِ النَّكِرَةِ.
والمَعْنى: ”لا تَقُلْ لَهُما كَلامًا تَتَبَرَّمُ فِيهِ بِهِما“، ومَعْنى ”أُفِّ“: اَلنُّتْنُ، وقِيلَ: إنَّ ”أُفَ“: وسَخُ الأظْفارِ، و”اَلتُّفُّ“: اَلشَّيْءُ الحَقِيرُ، نَحْوَ وسَخِ الآذانِ، أوِ الشَّظِيَّةِ تُؤْخَذُ مِنَ الأرْضِ، ومَعْنى الآيَةِ: ”لا تَقُلْ لَهُما ما فِيهِ أذًى بِتَبَرُّمٍ“، أيْ: إذا كَبِرا، أوْ أسَنّا، فَيَنْبَغِي أنْ تَتَوَلّى مِن خِدْمَتِهِما مِثْلَ الَّذِي تَوَلَّيا مِنَ القِيامِ بِشَأْنِكَ وبِخِدْمَتِكَ، ﴿وَلا تَنْهَرْهُما﴾، بِمَعْنى: ”لا تَنْتَهِرْهُما“، أيْ: لا تُكَلِّمْهُما ضَجِرًا صائِحًا في أوْجُهِهِما، يُقالُ: ”نَهَرْتُهُ، أنْهَرُهُ، نَهْرًا“، و”اِنْتَهَرْتُهُ، أنْتَهِرُهُ، انْتِهارًا“، بِمَعْنًى واحِدٍ.
الإسراء 17:24
وَقَوْلُهُ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، (p-٢٣٥)وَتُقْرَأُ: ”اَلذِّلِّ“، بِكَسْرِ الذّالِ، ومَعْنى: ”اِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ“: أيْ: ألِنْ لَهُما جانِبَكَ، مُتَذَلِّلًا لَهُما، مِن مُبالَغَتِكَ في الرَّحْمَةِ لَهُما، ويُقالُ: ”رَجُلٌ ذَلِيلٌ“: بَيِّنُ الذُّلِّ، و”قَدْ ذَلَّ، يَذِلُّ، ذُلًّا“، و”دابَّةٌ ذَلُولٌ“: بَيِّنَةُ الذِّلِّ، ويَجُوزانِ جَمِيعًا في الإنْسانِ.
الإسراء 17:25
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾، ”اَلْأوّابُ“، بِمَعْنى: ”اَلتَّوّابُ“، و”اَلرّاجِعُ إلى اللَّهِ في كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، المُقْلِعُ عِنْ جَمِيعِ ما نَهى عَنْهُ“، يُقالُ: ”قَدْ آبَ، يَؤُوبُ، أوْبًا“، إذا رَجَعَ.
الإسراء 17:26
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾، مَعْناهُ: لا تُسْرِفْ، وقِيلَ: اَلتَّبْذِيرُ: اَلنَّفَقَةُ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ تَنْحَرُ الإبِلَ وتُبَذِّرُ الأمْوالَ، تَطْلُبُ بِذَلِكَ الفَخْرَ والسُّمْعَةَ، وتَذْكُرُ ذَلِكَ في أشْعارِها، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالنَّفَقَةِ في وُجُوهِها فِيما يُقَرِّبُ مِنهُ، ويُزْلِفُ عِنْدَهُ.
الإسراء 17:27
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾، أيْ: يَفْعَلُونَ ما يُسَوِّلُ لَهُمُ الشَّيْطانُ.
الإسراء 17:28
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾، ”عَنْهُمْ“، هَذِهِ الهاءُ والمِيمُ، يَرْجِعانِ عَلى ذِي القُرْبى، والمِسْكِينِ، وابْنِ السَّبِيلِ، ”وَإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ“، أيْ: ”وَإنْ أعْرَضْتَ عَنْهُمْ“، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾، أيْ: لِطَلَبِ رِزْقٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوهُ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾، ”اِبْتِغاءَ“، مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”وَإنْ أعْرَضْتَ عَنْهم لِابْتِغاءِ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ“، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا سُئِلَ ولَيْسَ عِنْدَهُ ما يُعْطِي، أمْسَكَ انْتِظارَ الرِّزْقِ يَأْتِي مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، كَأنَّهُ يَكْرَهُ الرَّدَّ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾، كانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا سُئِلَ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُعْطِي، قالَ: ”يَرْزُقُنا (p-٢٣٦)اللَّهُ وإيّاكم مِن فَضْلِهِ“»، فَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿مَيْسُورًا﴾ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ يَكْسِرُ عَلَيْهِمْ فَقْرَهم بِدُعائِهِ لَهم.
الإسراء 17:29
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾، مَعْناهُ: لا تَبْخَلْ، ولا تُسْرِفْ، ”فَتَقْعُدَ“، مَنصُوبٌ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، و”مَحْسُورًا“، أيْ: ”قَدْ بالَغْتَ في الحَمْلِ عَلى نَفْسِكَ، وحالِكَ، حَتّى تَصِيرَ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ حَسِرَ“، و”اَلْحَسِيرُ“، و”اَلْمَحْسُورُ“: اَلَّذِي قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في التَّعَبِ، والإعْياءِ.
الإسراء 17:31
قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾، ”خَشْيَةَ إمْلاقٍ“، مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، و”اَلْإمْلاقُ“: اَلْفَقْرُ، يُقالُ: ”أمْلَقَ، يَمْلُقُ، إمْلاقًا“، وكانُوا يَدْفِنُونَ البَناتِ إذا وُلِدْنَ لَهُمْ، خَوْفًا مِنَ الفَقْرِ، فَضَمِنَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَهم رِزْقَهُمْ، فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكُمْ﴾، وهي المَوْؤُودَةُ، كانُوا يَدْفِنُونَ الِابْنَةَ، إذا وُلِدَتْ، حَيَّةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾، وتُقْرَأُ: ”خَطَأً كَبِيرًا“، فَمَن قالَ: ”خِطْئًا“، بِالكَسْرِ، فَمَعْناهُ: إثْمًا كَثِيرًا، يُقالُ: ”قَدْ خَطِئَ الرَّجُلُ، يَخْطَأُ، خِطْئًا“: ”أثِمَ، يَأْثَمُ، إثْمًا“، و”خَطَأً كَبِيرًا“، لَهُ تَأْوِيلانِ، أحَدُهُما مَعْناهُ: ”إنَّ قَتْلَهم كانَ غَيْرَ صَوابٍ“، يُقالُ: ”قَدْ أخْطَأ، يُخْطِئُ، إخْطاءً، وخَطَأً“، و”اَلْخَطَأُ“، اَلِاسْمُ مِن هَذا، لا المَصْدَرُ، ويَكُونُ ”اَلْخَطَأُ“، مِن ”خَطِئَ يَخْطَأُ، خَطَأً“، إذا لَمْ يُصِبْ، مِثْلَ: ”لَجَجَ، يَلْجَجُ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ يَلْحَوْنَ الأمِيرَ إذا هُمُ خَطِئُوا الصَّوابَ ولا يُلامُ المُرْشِدُ
الإسراء 17:32
(p-٢٣٧)وَقَوْلُهُ: ﴿وَساءَ سَبِيلا﴾، أيْ: ”وَساءَ الزِّنا سَبِيلًا“، و”سَبِيلًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.
الإسراء 17:33
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾، حَرَّمَ اللَّهُ قَتْلَ المُؤْمِنِ، إلّا أنْ يَرْتَدَّ بَعْدَ إيمانِهِ، أوْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، أوْ يَزْنِيَ بَعْدَ إحْصانٍ، كَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا﴾، أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يَأْتِيَ بِواحِدَةٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ، ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾، اَلْأجْوَدُ إدْغامُ الدّالِ في الجِيمِ، والإظْهارُ جَيِّدٌ، بالِغٌ، لِأنَّ الجِيمَ مِن وسَطِ اللِّسانِ، والدّالَ مِن طَرَفِ اللِّسانِ، والإدْغامُ جائِزٌ، لِأنَّ حُرُوفَ وسَطِ اللِّسانِ قَدْ تَقْرُبُ مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ، ووَلِيُّهُ: اَلَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ تُوجِبُ المُطالَبَةَ بِدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ فالسُّلْطانُ ولِيُّهُ، و”سُلْطانًا“، أيْ: ”حُجَّةً“.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾، اَلْقِراءَةُ الجَزْمُ، عَلى النَّهْيِ، ويُقْرَأُ بِالياءِ، والتّاءِ، جَمِيعًا، وتُقْرَأُ: ”فَلا يُسْرِفُ“، بِالرَّفْعِ، والإسْرافُ في القَتْلِ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَ أكْثَرُ النّاسِ: ”اَلْإسْرافُ“: أنْ يَقْتُلَ الوَلِيُّ غَيْرَ قاتِلِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: ”اَلْإسْرافُ“: أنْ يَقْتُلَ هو القاتِلَ دُونَ السُّلْطانِ، وكانَتِ العَرَبُ إذا قُتِلَ مِنها السَّيِّدُ، وكانَ قاتِلُهُ خَسِيسًا، لَمْ يَرْضَوْا بِأنْ يُقْتَلَ قاتِلُهُ، ورُبَّما لَمْ يَرْضَوْا أنْ يُقْتَلَ واحِدٌ بِواحِدٍ، حَتى تُقْتَلَ جَماعَةٌ بِواحِدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾، (p-٢٣٨)أيْ: إنَّ القَتِيلَ إذا قُتِلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَهو مَنصُورٌ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ، فَأمّا نُصْرَتُهُ في الدُّنْيا فَقَتْلُ قاتِلِهِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَإجْزالُ الثَّوابِ لَهُ، ويُخَلَّدُ قاتِلُهُ في النّارِ، ومَن قَرَأ: ”فَلا يُسْرِفُ في القَتْلِ“، بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى أنَّ ولِيَّهُ لَيْسَ بِمُسْرِفٍ في القَتْلِ إذا قَتَلَ قاتِلَهُ، ولَمْ يَقْبَلِ الدِّيَةَ.
الإسراء 17:34
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، أيْ: لا تَدَّخِرُوا مِن مالِهِ، ولا تَأْكُلُوا، إذا أُقِمْتُمْ عَلَيْهِ، إلّا ما يُسَكِّنُ الجَوْعَةَ، ولا تَكْتَسُوا إلّا ما سَتَرَ العَوْرَةَ، ولا تَقْرَبُوهُ إلّا بِالإصْلاحِ لِلْمالِ، ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾، وأشُدُّهُ أنْ يَبْلُغَ النِّكاحَ، وقِيلَ: أشُدُّهُ أنْ يَأْتِيَ لَهُ ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً، وبُلُوغُ أشُدِّهِ هو الِاحْتِلامُ، وأنْ يَكُونَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَ ذِي عاهَةٍ في عَقْلٍ، وأنْ يَكُونَ حازِمًا في مالِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: لا أدْرِي ما العَهْدُ، و”اَلْعَهْدُ“: كُلُّ ما عُوهِدَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكُلُّ ما بَيْنَ العِبادِ مِنَ المَواثِيقِ فَهي عُهُودٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١]
الإسراء 17:35
وَقَوْلُهُ: ﴿وَزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾، و”اَلْقُسْطاسُ“، جَمِيعًا، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، قِيلَ: ”اَلْقِسْطاسُ“: هو ”اَلْقُرُسْطُونُ“، وقِيلَ: ”اَلْقَفّانُ“، و”اَلْقِسْطاسُ“: مِيزانُ العَدْلِ، أيُّ مِيزانٍ كانَ مِن مَوازِينِ الدَّراهِمِ، أوْ غَيْرِها.
(p-٢٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾، مَعْنى ”وَأحْسَنُ تَأْوِيلًا“، أنَّ الوَفاءَ أحْسَنُ مِنَ النُّقْصانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”أحْسَنُ ما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ صاحِبِ الوَفاءِ“.
الإسراء 17:36
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، أيْ: ”لا تَقُولَنَّ في شَيْءٍ بِما لا تَعْلَمُ“، فَإذا نُهِيَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ حِكْمَتِهِ، وعِلْمِهِ، وتَوْفِيقِ اللَّهِ إيّاهُ - أنْ يَقُولَ بِما لا يَعْلَمُ، فَكَيْفَ سائِرُ أُمَّتِهِ، والمُسْرِفِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ؟! يُقالُ: ”قَفَوْتُ الشَّيْءَ، أقْفُوهُ، قَفْوًا“، إذا اتَّبَعْتُ أثَرَهُ، فالتَّأْوِيلُ: ”لا تُتْبِعَنَّ لِسانَكَ مِنَ القَوْلِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ“، وكَذَلِكَ مِن جَمِيعِ العَقْلِ، ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ﴾، شَواهِدُ عَلَيْكَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]، فالجَوارِحُ شَواهِدُ عَلى ابْنِ آدَمَ بِعَمَلِهِ، ويُقْرَأُ: ”وَلا تَقُفْ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ“، بِإسْكانِ الفاءِ، وضَمِّ القافِ، مِن ”قافَ، يَقُوفُ“، وكَأنَّهُ مَقْلُوبٌ مِن ”قَفا، يَقْفُو“، لِأنَّ المَعْنى واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾، فَقالَ: ”مَسْؤُولًا“، وقالَ: ”كانَ“، لِأنَّ ”كُلُّ“، في لَفْظِ الواحِدِ، فَقالَ: ”أُولَئِكَ“، لِغَيْرِ النّاسِ، لِأنَّ كُلَّ جَمْعٍ أشَرْتَ إلَيْهِ مِنَ النّاسِ وغَيْرِهِمْ، ومِنَ المَواتِ، فَلَفْظُهُ ”أُولَئِكَ“، قالَ جَرِيرٌ: (p-٢٤٠)
؎ذُمَّ المَنازِلَ بَعْدَ مَنزِلَةِ اللِّوى والعَيْشَ بَعْدَ أُولَئِكَ الأيّامِ
الإسراء 17:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾، ويُقْرَأُ: ”مَرِحًا“، بِكَسْرِ الرّاءِ، وزَعَمَ الأخْفَشُ أنَّ ”مَرَحًا“، أجْوَدُ مِن ”مَرِحًا“، لِأنَّ ”مَرِحًا“، اِسْمُ الفاعِلِ، وهَذا - أعْنِي المَصْدَرَ - جَيِّدٌ بالِغٌ، وكِلاهُما في الجَوْدَةِ سَواءٌ، غَيْرَ أنَّ المَصْدَرَ أوْكَدُ في الِاسْتِعْمالِ، تَقُولُ: ”جاءَ زَيْدٌ رَكْضًا“، و”جاءَ زَيْدٌ راكِضًا“، فَـ ”رَكْضًا“، أوْكَدُ في الِاسْتِعْمالِ، لِأنَّ ”رَكْضًا“، يَدُلُّ عَلى تَوْكِيدِ الفِعْلِ، و”مَرَحًا“، بِفَتْحِ الرّاءِ، أكْثَرُ في القِراءَةِ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ: ”وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مُخْتالًا، ولا فَخُورًا“، ﴿إنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأرْضَ ولَنْ تَبْلُغَ الجِبالَ طُولا﴾، قالُوا: مَعْنى ”تَخْرِقَ الأرْضَ“: تَقْطَعَ الأرْضَ، وقِيلَ: ”تَثْقُبَ الأرْضَ“، والتَّأْوِيلُ أنَّ قُدْرَتَكَ لا تَبْلُغُ هَذا المَبْلَغَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ وصْلَةً إلى الِاخْتِيالِ.
الإسراء 17:38
﴿كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾، ”سَيِّئُهُ“، في مَعْنى ”خَطِيئَةً“، وكانَ أبُو عَمْرٍو لا يَقْرَأُ: ”سَيِّئُهُ“، ويَقْرَأُ: ”سَيِّئَةً“، وهَذا غَلَطٌ، لِأنَّ في الأقاصِيصِ سَيِّئًا، وغَيْرَ سَيِّئٍ، وذَلِكَ أنَّ فِيها: ﴿وَقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣] ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، وفِيها: ﴿وَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٦]، و﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، أيْ: اِقْرَبُوهُ بِالَّتِي هي أحْسَنُ، فَفِيما جَرى مِنَ الآياتِ سَيِّئٌ، وحَسَنٌ، فَـ ”سَيِّئُهُ“، بِلا تَنْوِينٍ أحْسَنُ مِن ”سَيِّئَةً“، (p-٢٤١)هَهُنا، ومَن قَرَأ: ”سَيِّئَةً“، جَعَلَ ”كُلُّ“، إحاطَةً بِالمَنهِيِّ عَنْهُ فَقَطْ، المَعْنى: ”كُلُّ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ كانَ سَيِّئَةً“.
الإسراء 17:39
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُلْقى في جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾، أيْ: مُباعَدًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ.
الإسراء 17:40
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾، كانَتِ الكَفَرَةُ مِنَ العَرَبِ تَزْعُمُ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، فَوُبِّخُوا، وقِيلَ لَهُمْ: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾، أيْ: ”أخْتارَ لَكم رَبُّكم صَفْوَةَ الشَّيْءِ، وأخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ غَيْرَ الصَّفْوَةِ؟!“.
الإسراء 17:41
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾، أيْ: بَيَّنّا، ﴿وَما يَزِيدُهم إلا نُفُورًا﴾، أيْ: ما يَزِيدُهُمُ التَّبْيِينُ إلّا نُفُورًا، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنُنَـزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ولا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلا خَسارًا﴾ [الإسراء: ٨٢]
الإسراء 17:42
﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾، فَمَن قَرَأ: ”كَما تَقُولُونَ“، فَعَلى مُخاطَبَةِ القائِلِينَ، ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾، أيْ: لَتَقَرَّبُوا إلى ذِي العَرْشِ، كَما قالَ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧]، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا“، أيْ: لَكانُوا مُضادِّينَ لَهُ، يَطْلُبُونَ الِانْفِرادَ بِالرُّبُوبِيَّةِ، (p-٢٤٢)والقَوْلُ الأوَّلُ عَلَيْهِ المُفَسِّرُونَ.
الإسراء 17:44
وَقَوْلُهُ: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، قِيلَ: إنَّ كُلَّ ما خَلَقَ اللَّهُ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ، وإنَّ صَرِيرَ السَّقْفِ، وصَرِيرَ البابِ، مِنَ التَّسْبِيحِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ويَكُونُ - عَلى هَذا - الخِطابُ لِلْمُشْرِكِينَ وحْدَهُمْ، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَسْبِيحُ هَذِهِ الأشْياءِ مِمّا عَلِمَ اللَّهُ بِهِ، لا يُفْقَهُ مِنهُ إلّا ما عَلَّمَنا، وقالَ قَوْمٌ: ”وَإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ“، أيْ: ”ما مِن شَيْءٍ إلّا وفِيهِ دَلِيلٌ أنَّ اللَّهَ خالِقُهُ، وأنَّ خالِقَهُ حَكِيمٌ، مُبَرَّأٌ مِنَ الأسْواءِ، ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم - أيْ: ولَكِنَّكم أيُّها الكُفّارُ لا تَفْقَهُونَ أثَرَ الصَّنْعَةِ في هَذِهِ المَخْلُوقاتِ“، وهَذا لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِهَذا كانُوا مُقِرِّينَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُمْ، وخالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، فَكَيْفَ يَجْهَلُونَ الخِلْقَةَ وهم عارِفُونَ بِها؟!
الإسراء 17:45
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى ”مَسْتُورًا“، هَهُنا: في مَوْضِعِ ”ساتِرًا“، تَأْوِيلُ الحِجابِ - واللَّهُ أعْلَمُ -: اَلطَّبْعُ الَّذِي عَلى قُلُوبِهِمْ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الإسراء: ٤٦]، و”اَلْأكِنَّةُ“: جَمْعُ ”كِنانٌ“، وهو ما سَتَرَ، (p-٢٤٣)وَمَعْنى ”أنْ يَفْقَهُوهُ“، كَراهَةَ أنْ يَفْقَهُوهُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ألّا يَفْقَهُوهُ، والمَعْنَيانِ واحِدٌ، غَيْرَ أنَّ ”كَراهَةَ“، أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، وقِيلَ: ﴿جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾، ”اَلْحِجابُ“: مَنعُ اللَّهِ إيّاهم مِنَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَسْتُورًا“، عَلى غَيْرِ مَعْنى ”ساتِرًا“، فَيَكُونَ الحِجابُ ما لا يَرَوْنَهُ، ولا يَعْلَمُونَهُ، مِنَ الطَّبْعِ عَلى قُلُوبِهِمْ.
﴿وَفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، ”اَلْوَقْرُ“: ثِقْلُ السَّمْعِ، و”اَلْوَقْرُ“: أنْ يَحْمِلَ الإنْسانُ وقْرَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦]، ”نُفُورًا“، يَحْتَمِلُ مَذْهَبَيْنِ، أحَدُهُما المَصْدَرُ، المَعْنى: ”وَلَّوْا نافِرِينَ نُفُورًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نُفُورًا“، جَمْعَ ”نافِرٌ“، فَيَكُونَ ”نافِرٌ“، و”نُفُورٌ“، مِثْلَ: ”شاهِدٌ“، و”شُهُودٌ“.
الإسراء 17:47
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وإذْ هم نَجْوى﴾، ”نَجْوى“، في مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ: ”وَإذْ هم ذَوُو نَجْوى“، و”اَلنَّجْوى“: اِسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وكانُوا يَسْتَمِعُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، ويَقُولُونَ بَيْنَهُمْ: ”هُوَ ساحِرٌ“، و”هُوَ مَسْحُورٌ“، وما أشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ القَوْلِ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ:﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾، قَوْلَيْنِ، أحَدُهُما أنَّ ”مَسْحُورًا“: ذُو سَحْرٍ، و”اَلسَّحْرُ“: اَلرَّنَّةُ، وقالُوا: ”إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا مَن لَهُ سَحْرٌ، بِشَرٌ مِثْلُكُمْ، يَأْكُلُ الطَّعامَ“، قالَ لَبِيدٌ:
؎فَإنْ تَسْألِينا فِيمَ نَحْنُ فَإنَّنا عَصافِيرُ مِن هَذا الأنامِ المُسَحَّرِ
(p-٢٤٤)وَقالُوا: ”مَسْحُورًا“: أيْ: قَدْ سُحِرَ، وأُزِيلَ عَنْ حَدِّ الِاسْتِواءِ.
الإسراء 17:49
﴿وَقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، ”اَلرُّفاتُ“: اَلتُّرابُ، و”اَلرُّفاتُ“، أيْضًا: كُلُّ شَيْءٍ حُطِّمَ وكُسِّرَ، وكُلُّ ما كانَ مِن هَذا النَّحْوِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى ”فُعالٌ“، نَحْوَ: ”اَلْفُتاتُ“، و”اَلْحُطامُ“، و”اَلرُّفاتُ“، و”اَلتُّرابُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾، في مَعْنى: ”مُجَدَّدًا“.
الإسراء 17:50
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١]، أكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١]، أنَّ هَذا الخَلْقَ هو المَوْتُ، وقِيلَ: ”خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ“، نَحْوَ: اَلسَّماواتِ، والأرْضِ، والجِبالِ، ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ فِيهِ لُطْفٌ، وغُمُوضٌ، لِأنَّ القائِلَ يَقُولُ: كَيْفَ يُقالُ لَهُمْ: كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا، وهم لا يَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ؟! .
فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - خالِقُهُمْ، ويُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ يُعِيدُهم خَلْقًا آخَرَ، فَقِيلَ لَهُمْ: اِسْتَشْعِرُوا أنَّكم لَوْ خُلِقْتُمْ مِن حِجارَةٍ، أوْ حَدِيدٍ، لَأماتَكُمُ اللَّهُ، ثُمَّ أحْياكُمْ، لَأنَّ القُدْرَةَ الَّتِي بِها أنْشَأكم - وأنْتُمْ مُقِرُّونَ أنَّهُ أنْشَأكم بِتِلْكَ القُدْرَةِ - بِها يُعِيدُكُمْ، ولَوْ كُنْتُمْ حِجارَةً، أوْ حَدِيدًا، أوْ كُنْتُمُ المَوْتَ الَّذِي هو أكْبَرُ الأشْياءِ في صُدُورِكم.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١]، أيْ: فَسَيُحَرِّكُونَ رُؤُوسَهم تَحْرِيكَ مَن يُبْطِلُ الشَّيْءَ ويَسْتَبْطِئُهُ، ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١]، (p-٢٤٥)يُقالُ: ”أنْغَضْتُ رَأْسِي - إذا حَرَّكْتُهُ -، أُنْغِضُهُ، إنْغاضًا“، و”نَغَضَتِ السِّنُّ، تَنْغَضُ نَغْضًا“، و”نَغَضَ بِرَأْسِهِ، يُنْغِضُ، نَغْضًا“، إذا حَرَّكَهُ، قالَ العَجّاجُ:
؎أسَكَّ نَغْضًا لا يَنِي مُسْتَهْدَجا
الإسراء 17:52
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾، أيْ: يُعِيدُكم يَوْمَ القِيامَةِ، ومَعْنى ”تَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ“: ”تَسْتَجِيبُونَ مُقِرِّينَ بِأنَّهُ خالِقُكُمْ“.
الإسراء 17:55
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾، مَعْنى ذِكْرِ داوُدَ هَهُنا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أعْلَمَ أنَّهُ قَدْ فَضَّلَ بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، أيْ: فَلا يُنْكِرُوا تَفْضِيلَ مُحَمَّدٍ ﷺ وإعْطاءَهُ القُرْآنَ، فَقَدْ أعْطى اللَّهُ داوُدَ الزَّبُورَ.
الإسراء 17:56
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾، أيْ: اِدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آلِهَتُكُمْ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أشْياءُ في هَذِهِ الآيَةِ، مِنها أنَّهُ قِيلَ: ”قُلِ ادْعُوا العُزَيْرَ، وعِيسى“، لِأنَّ النَّصارى واليَهُودَ زَعَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ آلِهَتُهُمْ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لا يَمْلِكُونَ كَشْفَ ضُرٍّ عَنْهُمْ، ولا تَحْوِيلًا مِن واحِدٍ إلى آخَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ، لِأنَّ مِنهم مَن كانَ يَعْبُدُ المَلائِكَةَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ (p-٢٤٦)العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، ولَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ مَن كانَ يَعْبُدُهُمْ، فَقِيلَ: ”فادْعُوا هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لا يَمْلِكُونَ ضَرًّا ولا نَفْعًا“.
الإسراء 17:57
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾، بِالياءِ، والتّاءِ، ”أُولَئِكَ“، رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و”اَلَّذِينَ“، رُفِعَ صِفَةً لَهُمْ، و”يَبْتَغُونَ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”اَلْجَماعَةُ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ“، و”اَلْوَسِيلَةُ“، و”اَلسُّؤالُ“، و”اَلسُّؤْلُ“، و”اَلطِّلْبَةُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾، إنْ شِئْتَ: ”أيُّهُمْ“، كانَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ”أقْرَبُ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”يَطْلُبُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ يَنْظُرُونَ أيُّهم أقْرَبُ إلَيْهِ، فَيَتَوَسَّلُونَ بِهِ“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالَّذِي أُنْكِرَ عَلَيْهِمْ هو التَّوَسُّلُ بِغَيْرِ عِبادَةِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، لِأنَّهم قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، فالفَرْقُ بَيْنَ المُتَوَسِّلِينَ إلى اللَّهِ بِمَحَبَّةِ أنْبِيائِهِ، ومَلائِكَتِهِ، وصالِحِي عِبادِهِ، أنَّهم يَتَوَسَّلُونَ بِهِمْ مُوَحِّدِينَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَجْعَلُونَ لَهُ شَرِيكًا في العِبادَةِ، والكُفّارُ يَتَوَسَّلُونَ بِعِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، فَجَعَلُوا الكُفْرَ وسِيلَتَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أيُّهم أقْرَبُ“، بَدَلًا مِنَ الواوِ في ”يَبْتَغُونَ“، فالمَعْنى: ”يَبْتَغِي أيُّهم هو أقْرَبُ الوَسِيلَةَ إلى اللَّهِ“، أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ، ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾، أيْ: ”اَلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آلِهَةٌ يَرْجُونَ، ويَخافُونَ“.
الإسراء 17:58
(p-٢٤٧)قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾، أيْ: "ما مِن أهْلِ قَرْيَةٍ إلّا سَيَهْلَكُونَ، إمّا بِمَوْتٍ، وإمّا بِعَذابٍ يَسْتَأْصِلُهُمْ، ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾، أيْ: مَكْتُوبًا.
الإسراء 17:59
﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾، ”أنْ“، اَلْأُولى، نَصْبٌ، و”أنْ“، اَلثّانِيَةُ، رَفْعٌ، المَعْنى: ”ما مَنَعَنا الإرْسالَ إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ“، والتَّأْوِيلُ أنَّهم سَألُوا الآياتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِها الأوَّلُونَ العَذابَ، لَمّا كَذَّبُوا بِها، فَنَزَلَ عَلَيْهِمُ العَذابُ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم سَألُوا تِلْكَ الآياتِ قَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ مَوْعِدَ كُفّارِ هَذِهِ الأُمَّةِ السّاعَةُ، فَقالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، فَأخَّرَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، رَحْمَةً مِنهُ وتَفَضُّلًا، ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾، ويُقْرَأُ: ”مُبْصَرَةً“، فَمَن قَرَأ: ”مُبْصِرَةً“، فالمَعْنى: تُبَصِّرُهُمْ، أيْ: تُبَيِّنُ لَهُمْ، ومَن قَرَأ: ”مُبْصَرَةً“، فالمَعْنى: مُبَيَّنَةً، ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾، أيْ: فَظَلَمُوا بِتَكْذِيبِها.
الإسراء 17:60
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أحاطَ بِهِمْ“: أيْ: كُلُّهم في قَبْضَتِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: ”أحاطَ بِالنّاسِ“: أيْ: حالَ بَيْنَهم وبَيْنَ أنْ يَقْتُلُوكَ، أوْ يَغْلِبُوكَ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
(p-٢٤٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها رُؤْيا بَيْتِ المَقْدِسِ، حِينَ أُسْرِيَ بِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ ارْتَدَّ بَعْضُهم حِينَ أعْلَمَهم قِصَّةَ الإسْراءِ بِهِ، وازْدادَ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ إيمانًا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّهُ ﷺ رَأى في مَنامِهِ قَوْمًا يَرْقَوْنَ المَنابِرَ، فَساءَهُ ذَلِكَ، فَأُعْلِمَ ﷺ أنَّهُ عَطاءٌ في الدُّنْيا» .
﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلْمَلْعُونَ أكْلُها“، وهي شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ في القُرْآنِ، فَقالَ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤]، وقالَ: ﴿فَإنَّهم لآكِلُونَ مِنها فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ [الصافات: ٦٦]، وقالَ: ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤]، فافْتُتِنَ بِها المُشْرِكُونَ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ما نَعْرِفُ الزَّقُّومَ إلّا أكْلَ التَّمْرِ بِالزُّبْدِ، فَتَزَقَّمُوا.
وَقالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: اَلنّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ فِيها الشَّجَرُ؟! فَلِذَلِكَ قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَيْسَ في القُرْآنِ ذِكْرُ لَعْنِها، فالجَوابُ في ذَلِكَ: لُعِنَ الكُفّارُ وهم آكِلُوها، وجَوابٌ آخَرُ أيْضًا، أنَّ العَرَبَ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ وضارٍّ: ”مَلْعُونٌ“.
الإسراء 17:61
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾، (p-٢٤٩)اَلْمَعْنى: لِمَن خَلَقْتَهُ طِينًا، و”طِينًا“، مَنصُوبٌ عَلى جِهَتَيْنِ، إحْداهُما التَّمْيِيزُ، المَعْنى: ”لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”طِينًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”إنَّكَ أنْشَأْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ مِن طِينٍ.“
الإسراء 17:62
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾، جاءَتْ ”قالَ“، هَهُنا، بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، لِأنَّهُ عَلى مَعْنى: ”قالَ: اُسْجُدْ لِمَن خَلَقْتُ طِينًا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَكَ﴾، في مَعْنى: ”أخْبِرْنِي“، فالكافُ لا مَوْضِعَ لَها، لِأنَّها ذُكِرَتْ في الخِطابِ تَوْكِيدًا، ومَوْضِعُ ”هَذا“، نَصْبٌ بِـ ”أرَأيْتَكَ“، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ”أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ، وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ؟!“، فَحَذَفَ هَذا لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومَعْنى: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ ”لَأسْتَأْصِلَنَّهم بِالإغْواءِ لَهُمْ“، وقِيلَ: ”لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ“، والَّذِي تَقُولُ العَرَبَ: ”قَدِ احْتَنَكَتِ السَّنَةُ أمْوالَنا“، إذا اسْتَأْصَلَتْها، قالَ الشّاعِرُ:
؎نَشْكُو إلَيْكَ سَنَةً قَدْ أجْحَفَتْ جَهْدًا عَلى جَهْدٍ بِنا وأضْعَفَتْ
؎واحْتَنَكَتْ أمْوالَنا وجَلَّفَتْ
الإسراء 17:63
وَقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً مَوْفُورًا﴾، أيْ: مُوَفِّرًا، يُقالُ مِنهُ: ”وَفَرْتُهُ، أفِرُهُ، فَهو مَوْفُورٌ“، قالَ زُهَيْرٌ:
؎وَمَن يَجْعَلِ المَعْرُوفَ مِن دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَن لا يَتَّقِي الشَّتْمَ يُشْتَمِ
الإسراء 17:64
(p-٢٥٠)وَقَوْلُهُ: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ﴾، مَعْناهُ: ”اِسْتَدْعِهِمُ اسْتِدْعاءً تَسْتَخِفُّهم بِهِ إلى إجابَتِكَ“، و”بِصَوْتِكَ“، تَفْسِيرُهُ: بِدُعائِكِ، وقِيلَ: ”بِصَوْتِكَ“: بِأصْواتِ الغِناءِ، والمَزامِيرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾، أيْ: ”اِجْمَعَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ“، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”خَيْلُهُ ورَجِلُهُ“: كُلُّ خَيْلٍ يَسْعى في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَهي مِن خَيْلِ إبْلِيسَ، وكُلُّ ماشٍ في مَعْصِيَةٍ فَهو مِن رِجالِ إبْلِيسَ، و”رَجِلٌ“، جَمْعُ ”راجِلٌ“، ويَجُوزُ: ”وَرِجالِكَ“، فَيَكُونُ جَمْعَ ”راجِلٌ“، و”رِجالٌ“، مِثْلَ: ”صاحِبٌ“، و”صِحابٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ لِإبْلِيسَ خَيْلٌ ورِجالٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ﴾، أيْ: مُرْهم أنْ يَجْعَلُوا مِن أمْوالِهِمْ شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ، كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَقالُوا هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهَذا لِشُرَكائِنا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، وما قالُوهُ في السّائِبَةِ والبَحِيرَةِ، والشَّرِكَةُ في الأوْلادِ قَوْلُهُمْ: ”عَبْدُ العُزّى“، وعَبْدُ الحارِثِ"، وقِيلَ: شَرِكَتُهُ في الأوْلادِ يُعْنى بِها أوْلادُ الزِّنا، وهو كَثِيرٌ في التَّفْسِيرِ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ في ولَدٍ، أوْ مالٍ، فَإبْلِيسُ اللَّعِينُ شَرِيكُهم فِيها.
قَوْلُهُ: ﴿وَعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُؤْمَرَ إبْلِيسُ أنْ يُقالَ لَهُ: شارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وعِدْهم بِأنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَهو مُطِيعٌ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ الأمْرَ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما مُتَّبَعٌ (p-٢٥١)لا غَيْرُ، والثّانِي: إذا تَقَدَّمَهُ نَهْيٌ عَمّا يُؤْمَرُ بِهِ فالمَعْنى في الأمْرِ الوَعِيدُ، والتَّهْدِيدُ، لِأنَّكَ قَدْ تَقُولُ: ”لا تَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدّارَ“، فَإذا حاوَلَ أنْ يَدْخُلَها قُلْتَ: ”اُدْخُلْها وأنْتَ رَجُلٌ“، فَلَسْتَ تَأْمُرُهُ بِدُخُولِها، ولَكِنَّكَ تُوعِدُهُ، وتُهَدِّدُهُ، وهَذا في اللُّغَةِ والِاسْتِعْمالِ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ، ومِثْلُهُ في القُرْآنِ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وقَدْ نُهُوا أنْ يَتَّبِعُوا أهْواءَهُمْ، وأنْ يَعْمَلُوا بِالمَعاصِي.
الإسراء 17:65
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾، أيْ: مَن أخْلَصَ فَلا حُجَّةَ لَكَ عَلَيْهِ، ولا سُلْطانَ، ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾، أيْ: ”كَفى بِاللَّهِ وكِيلًا لِأوْلِيائِهِ، يَعْصِمُهم مِنَ القَبُولِ مِن إبْلِيسَ“.
الإسراء 17:66
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾، تَفْسِيرُ ”يُزْجِي“: يُسَيِّرُ، و”قَدْ زَجَّيْتُ“، قَدَّمْتُ الشَّيْءَ، وهَذا الكَلامُ ذُكِرَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]، فالمَعْنى أنَّهُ يَبْعَثُكُمُ الَّذِي بَدَأ خَلْقَكُمْ، والِابْتِداءُ والإنْشاءُ أشَدُّ مِنَ الإعادَةِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ الَّذِي قَدَرَ عَلى تَسْخِيرِ الفُلْكِ في البَحْرِ - والفُلْكُ كالجِبالِ - قادِرٌ عَلى إعادَتِهِمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الرحمن: ٢٤]، أيْ: كالجِبالِ، ﴿وَكانَ الإنْسانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، ”اَلْإنْسانُ“، هَهُنا، يُعْنى بِهِ الكُفّارُ خاصَّةً.
الإسراء 17:68
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾، ”اَلْحاصِبُ“: اَلتُّرابُ الَّذِي فِيهِ الحَصْباءُ، و”اَلْحَصْباءُ“: حَصًى صِغارٌ.
(p-٢٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩]، أيْ: لا تَجِدُوا مَن يَتَّبِعُنا بِإنْكارِ ما نَزَلَ بِكُمْ، ولا مَن يَتَّبِعُنا بِأنْ يَصْرِفَهُ عَنْكم.
الإسراء 17:70
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - فَضَّلَهم بِالتَّمْيِيزِ، وبِأنْ سَخَّرَ لَهم ما في السَّماواتِ والأرْضِ، وبِحَمْلِهِمْ في البَرِّ والبَحْرِ، ﴿وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾، قالَ: ”عَلى كَثِيرٍ“، ولَمْ يَقُلْ: ”عَلى كُلِّ مَن خَلَقْنا“، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - فَضَّلَ المَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿وَلا المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢]، ولَكِنَّ ابْنَ آدَمَ مُفَضَّلٌ عَلى سائِرِ الحَيَوانِ، الَّذِي لا يَعْقِلُ، ولا يُمَيِّزُ.
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ فَضِيلَةَ ابْنِ آدَمَ أنَّهُ يَمْشِي قائِمًا، وأنَّ الدَّوابَّ، والإبِلَ، والحَمِيرَ، وما أشْبَهَها تَمْشِي مُنْكَبَّةً، وأنَّ ابْنَ آدَمَ يَتَناوَلُ الطَّعامَ بِيَدَيْهِ، ويَرْفَعُهُ إلى فِيهِ، وأنَّ سائِرَ الحَيَوانِ يَتَناوَلُ ذَلِكَ بِفِيهِ، وهَذا الَّذِي في التَّفْسِيرِ هو بَعْضُ ما فُضِّلَ بِهِ ابْنُ آدَمَ، وفَضَّلَهُ فِيما أُعْطِيَ مِنَ التَّمْيِيزِ، ورُزِقَ مِنَ الطَّيِّباتِ، وبُصِّرَ مِنَ الهُدى، مَعَ ما لا يُحْصى مِنَ النِّعَمِ عَلَيْهِ، كَثِيرٍ جِدًّا.
الإسراء 17:71
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”يَوْمَ يَدْعُو“، بِالياءِ، ”كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ“، يُعْنى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى ”اُذْكُرْ يَوْمَ يَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِمَعْنى ”يُعِيدُكُمُ الَّذِي فَطَرَكم يَوْمَ يَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ“، ومَعْنى ”بِإمامِهِمْ“: (p-٢٥٣)بِدِينِهِمُ الَّذِي ائْتَمُّوا بِهِ، وقِيلَ: ”بِكِتابِهِمْ“، والمَعْنى واحِدٌ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿فَمَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ ”، أيْ: مَن كانَ عَلى حَقٍّ أُعْطِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا، المَعْنى:“وَلا يُظْلَمُونَ مِقْدارَ فَتِيلٍ”، و“اَلْفَتِيلُ": اَلْقِشْرَةُ الَّتِي في شِقِّ النَّواةِ.
الإسراء 17:72
﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾، أيْ: في هَذِهِ الدُّنْيا، ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾، وهَذا مِن عَمى القَلْبِ، أيْ: هو في الآخِرَةِ أشَدُّ عَمًى، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ إذا عَمِيَ في الدُّنْيا، وقَدْ عَرَّفَهُ - جَلَّ وعَلا -، وجَعَلَ لَهُ إلى التَّوْبَةِ وُصْلَةً، وفَسَّحَ لَهُ في ذَلِكَ إلى وقْتِ مَماتِهِ، فَعَمِيَ عَنْ رُشْدِهِ ولَمْ يَتُبْ، فَفي الآخِرَةِ لا يَجِدُ مَتابًا، ولا مُتَخَلَّصًا مِمّا هو فِيهِ، فَهو في الآخِرَةِ أشَدُّ عَمًى ﴿وَأضَلُّ سَبِيلا﴾، أيْ: وأضَلُّ طَرِيقًا، لِأنَّهُ لا يَجِدُ طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ، فَقَدْ حَصَلَ عَلى عَمَلِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣]، مَعْنى الكَلامِ: ”كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ“إنْ”، واللّامُ لِلتَّوْكِيدِ، وتَأْوِيلُهُ «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ:“لا نَتْرُكُكَ تَسْتَلِمُ الحَجَرَ حَتّى تُلِمَّ بِآلِهَتِنا”، فَقالَ ﷺ في نَفْسِهِ:“وَما عَلَيَّ أنْ أفْعَلَ ذَلِكَ، واللَّهُ يَعْلَمُ ما في نَفْسِي، وأتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِلامِ الحَجَرِ ؟!"»، هَذا مِمّا جاءَ في التَّفْسِيرِ.
(p-٢٥٤)وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: اُطْرُدْ عَنْكَ سِقاطَ النّاسِ ومَوالِيَهُمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ رائِحَتُهم رائِحَةُ الضَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، فَقالُوا: اُطْرُدْ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتَ أُرْسِلْتَ إلَيْنا، حَتّى تَجْلِسَ إلَيْنا ونَسْمَعَ مِنكَ، فَهَمَّ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَفْعَلَ في ذَلِكَ ما يَسْتَدْعِي بِهِ إسْلامَهُمْ، فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِ أشَدَّ الوَعِيدِ، وعَصَمَهُ اللَّهُ مِن أنْ يُمْضِيَ ما عَزَمَ عَلَيْهِ»، فَقالَ: ﴿وَإذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾ [الإسراء: ٧٣]، أيْ: إنْ فَعَلْتَ ما أرادُوا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا.
الإسراء 17:74
﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا﴾، وحُكِيَتْ ”تَرْكُنُ“، بِضَمِّ الكافِ، يُقالُ: ”رَكَنَ، يَرْكَنُ“، و”رَكَنَ، يَرْكُنُ“، فَتَوَعَّدَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ أشَدَّ التَّوَعُّدِ، فَقالَ: ﴿إذًا لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ﴾ [الإسراء: ٧٥]، والمَعْنى: ”لَوْ رَكَنْتَ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ الشَّيْءِ القَلِيلِ إذًا لَأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ وضِعْفَ المَماتِ“، أيْ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ، وضِعْفَ عَذابِ المَماتِ، لِأنَّكَ أنْتَ نَبِيٌّ، ويُضاعَفُ لَكَ العَذابُ عَلى عَذابِ غَيْرِكِ، لَوْ جَنى هَذِهِ الجِنايَةَ، كَما قالَ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، لِأنَّ دَرَجَةَ النَّبِيِّ، ودَرَجَةَ آلِهِ، الَّذِينَ وصَفَهُمُ اللَّهُ، فَوْقَ دَرَجَةِ غَيْرِهِمْ.
الإسراء 17:76
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنها﴾، كانُوا قَدْ كادُوا أنْ يُخْرِجُوا النَّبِيَّ ﷺ مِن مَكَّةَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهم لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدَهُ إلّا قَلِيلًا، وقِيلَ: ”لَيَسْتَفِزُّونَكَ“، أيْ: ”لَيَقْتُلُونَكَ“ .
(p-٢٥٥)وَقَوْلُهُ: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧]، ”سُنَّةَ“، مَنصُوبٌ بِمَعْنى: "إنّا سَنَنّا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا، أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ، أوْ قَتَلُوهُ، لَمْ يَلْبَثْهُمُ العَذابُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ، وكانَ خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا بِأمْرِ اللَّهِ.
الإسراء 17:78
وَقَوْلُهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ”دُلُوكُ الشَّمْسِ“: زَوالُها، ومَيْلُها في وقْتِ الظَّهِيرَةِ، وكَذَلِكَ مَيْلُها إلى الغُرُوبِ هو دُلُوكُها أيْضًا، يُقالُ: ”قَدْ دَلَكَتْ بَراحِ، وبِراحِ“، أيْ: ”قَدْ مالَتْ لِلزَّوالِ، حَتّى صارَ النّاظِرُ يَحْتاجُ إذا تَبَصَّرَها أنْ يَكْسِرَ الشُّعاعَ عَنْ بَصَرِهِ بِراحَتِهِ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ لِلشَّمْسِ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ
وَقَوْلُهُ: ﴿إلى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، أيْ: ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وقُرْآنَ الفَجْرِ، أيْ: ”فَأقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ“، وفي هَذا المَوْضِعِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”أقِمِ الصَّلاةَ“، و”أقِمْ قُرْآنَ الفَجْرِ“، قَدْ أمَرَ أنْ (p-٢٥٦)نُقِيمَ الصَّلاةَ بِالقِراءَةِ، حَتّى سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآنًا، فَلا تَكُونُ صَلاةٌ إلّا بِقِراءَةٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَلائِكَةَ اللَّيْلِ يَحْضُرُونَ قِراءَةَ الفَجْرِ، ومَلائِكَةَ النَّهارِ يَحْضُرُونَها أيْضًا.
الإسراء 17:79
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾، يُقالُ: ”تَهَجَّدَ الرَّجُلُ“، إذا سَهِرَ، و”هَجَدَ“، إذا نامَ، و”قَدْ هَجَّدْتُهُ“، إذا نَوَّمْتُهُ، قالَ لَبِيدٌ:
؎قُلْتُ هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى وقَدَرْنا إنْ خَنا الدَّهْرُ غَفَلْ
وَهَذِهِ نافِلَةٌ لَكَ، زِيادَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، لَيْسَتْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَهُ بِأنْ يَزْدادَ في عِبادَتِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، لِأنَّهُ فَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وعَدَهُ أنْ يَبْعَثَهُ مَقامًا مَحْمُودًا، والَّذِي صَحَّتْ بِهِ الرِّوايَةُ والأخْبارُ في المَقامِ المَحْمُودِ أنَّهُ الشَّفاعَةُ.
الإسراء 17:80
وَقَوْلُهُ: ﴿أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾، و”مَدْخَلَ صِدْقٍ“، ﴿وَأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ“: اَلْجَنَّةَ، و”أخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ“: أيْ: وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وجاءَ أيْضًا: مُدْخَلَ ومُخْرَجَ صِدْقٍ: دُخُولَهُ (p-٢٥٧)المَدِينَةَ، وخُرُوجَهُ مِن مَكَّةَ، وجاءَ: ”مُدْخَلَ صِدْقٍ ومُخْرَجَ صِدْقٍ“: اَلْإدْخالَ في الدِّينِ، والخُرُوجَ مِنَ الدُّنْيا، وهو عَلى الحَقِّ، وجاءَ أيْضًا - وهو حَسَنٌ -: دُخُولَهُ في الرِّسالَةِ وخُرُوجَهُ مِمّا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيها ﷺ، وكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، فَمَن قالَ: ”مُدْخَلَ“، بِضَمِّ المِيمِ، فَهو مَصْدَرُ ”أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا“، ومَن قالَ: ”مَدْخَلَ صِدْقٍ“، فَهو عَلى ”أدْخَلْتُهُ فَدَخَلَ مَدْخَلَ صِدْقٍ“، وكَذَلِكَ شَرْحُ ”مُخْرَجَ“، مِثْلُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ سُلْطانًا نَصِيرًا﴾، أيْ: اِجْعَلْ نُصْرَتِي مِن عِنْدِكَ بِتَسْلِيطِي بِالقُدْرَةِ، والحُجَّةِ، وقَدْ أجابَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - دُعاءَهُ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ يَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ، فَقالَ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وقالَ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٦]، وقالَ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]
الإسراء 17:84
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾، مَعْناهُ: عَلى طَرِيقَتِهِ، وعَلى مَذْهَبِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿فَرَبُّكم أعْلَمُ بِمَن هو أهْدى سَبِيلا﴾، أيْ: أهْدى طَرِيقًا، ويُقالُ: ”هَذا طَرِيقٌ ذُو شَواكِلُ“، أيْ: يَتَشَعَّبُ مِنهُ طُرُقٌ جَماعَةٌ.
الإسراء 17:85
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾، «سَألَتِ اليَهُودُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وهم مُقَدِّرُونَ أنْ يُجِيبَهم بِغَيْرِ ما عَلِمَ مِن تَفْسِيرِها، فَأعْلَمَهم أنَّ الرُّوحَ مِن أمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ:
(p-٢٥٨)﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ قَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، وفِيها الحِكْمَةُ، وقَدْ تَلَوْتَ: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ عِلْمَ التَّوْراةِ قَلِيلٌ في عِلْمِ اللَّهِ، فَقالَ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]» .
أيْ: ما نَفِدَتِ الحِكْمَةُ الَّتِي يَأْتِي بِها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، فالتَّوْراةُ قَلِيلَةٌ، بِالإضافَةِ إلى كَلِماتِ اللَّهِ، و”قَلِيلٌ“، و”كَثِيرٌ“، لا يَصِحُّ إلّا بِالإضافَةِ، فَإنَّما يَقِلُّ الشَّيْءُ عِنْدَما يُعْلَمُ أكْثَرُ مِنهُ، وكَذَلِكَ يَكْثُرُ عِنْدَ مَعْلُومٍ هو أقَلُّ مِنهُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ الرُّوحِ، فَقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ ”جِبْرِيلُ“، ومَن تَأوَّلَ ذَلِكَ فَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]
وَقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ خَلْقٌ لِخَلْقِ بَنِي آدَمَ في السَّماءِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ الرُّوحَ إنَّما يُعْنى بِهِ القُرْآنُ، قالَ: ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وكَذَلِكَ قِيلَ: ﴿الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾، وتَأْوِيلُ تَسْمِيَةِ القُرْآنِ بِالرُّوحِ أنَّ القُرْآنَ حَياةُ القُلُوبِ، وحَياةُ النَّفْسِ فِيما تَصِيرُ إلَيْهِ مِنَ الخَيْرِ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الإسراء 17:86
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، أيْ: لَوْ شِئْنا لَمَحَوْناهُ مِنَ القُلُوبِ، ومِنَ الكُتُبِ، حَتّى لا يُوجَدَ لَهُ أثَرٌ، ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلًا.
(p-٢٥٩)أيْ: لا تَجِدُ مَن يَتَوَكَّلُ في رَدِّ شَيْءٍ مِنهُ.
الإسراء 17:87
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: ولَكِنَّ اللَّهَ رَحِمَكَ، فَأثْبَتَ ذَلِكَ في قَلْبِكَ، وقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ احْتَجَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ احْتِجاجِهِ، بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠]، بِالقُرْآنِ، فَأعْلَمَهم - وهُمُ العَرَبُ العارِبَةُ أهْلُ البَيانِ، ولَهم تَأْلِيفُ الكَلامِ - فَقالَ لَهُمْ: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ ولَوْ كانَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، والظَّهِيرُ: اَلْمُعِينُ.
الإسراء 17:90
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾، هَذا قَوْلُهم بَعْدَ أنِ انْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ، ولَمْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ، ولا دَفَعُوا أنْ يَكُونَ مُعْجِزَةً، فاقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ ما لَيْسَ لَهُمْ، لِأنَّ الَّذِي أتاهم بِهِ مِنَ القُرْآنِ، وانْشِقاقِ القَمَرِ، وما دَلَّهم بِهِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، أبْلَغُ، وأعْجَزُ في القُدْرَةِ مِمّا اقْتَرَحُوا، فَقالُوا: ﴿حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾، و”اَلْيَنْبُوعُ“، تَقْدِيرُهُ تَقْدِيرُ ”يَفْعُولٌ“، مِن ”نَبَعَ الشَّيْءُ“.
الإسراء 17:91
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا﴾ ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، و”كِسْفًا“، فَمَن قَرَأ: ”كِسَفًا“، جَعَلَها جَمْعَ ”كِسْفَةٌ“، وهي القِطْعَةُ، ومَن قَرَأ: ”كِسْفًا“، فَكَأنَّهُ قالَ: أوْ تُسْقِطَها طَبَقًا عَلَيْنا، واشْتِقاقُهُ مِن ”كَسَفْتُ الشَّيْءَ“، إذا غَطَّيْتُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ [الإسراء: ٩٢]، في ”قَبِيلًا“، قَوْلانِ، جائِزٌ أنْ يَكُونَ تَأْمُرُ بِهِمْ حَتّى نَراهم مُقابَلَةً، وأنْ يَكُونَ ”قَبِيلًا“: كَفِيلًا، يُقالُ: ”قَبُلْتُ بِهِ، أقْبُلُ، قَبالَةً“، كَقَوْلِكَ: ”كَفَلْتُ بِهِ، أكْفُلُ، كَفالَةً“، (p-٢٦٠)وَكَذَلِكَ قَوْلُ النّاسِ: ”قَدْ تَقَبَّلَ فُلانٌ بِهَذا“، أيْ: تَكَفَّلَ بِهِ.
الإسراء 17:93
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِن زُخْرُفٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: ”بَيْتٌ مِن ذَهَبٍ“، وأصْلُ ”اَلزُّخْرُفُ“، في اللُّغَةِ، و”اَلزَّخْرَفَةُ“: اَلزِّينَةُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ [يونس: ٢٤]، أيْ: أخَذَتْ كَمالَ زِينَتِها، و”زَخْرَفْتُ الشَّيْءَ“، إذا أكْمَلْتُ زِينَتَهُ، ولا شَيْءَ في تَزْيِينِ بَيْتٍ وتَحْسِينِهِ وزَخْرَفَتِهِ كالذَّهَبِ، فَلَيْسَ يَخْرُجُ ما فَسَّرُوهُ عَنِ الحَقِّ في هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَرْقى في السَّماءِ ولَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾، يُقالُ - في الصُّعُودِ -: ”رَقَيْتُ، أرْقى، رَقْيًا“، ويُقالُ - فِيما تُداوِيهِ بِالعُوذَةِ -: ”رَقَيْتُ، أرْقِي، رُقْيَةً، ورَقْيًا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تُنَـزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾، أيْ: حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا يَشْهَدُ بِنُبُوَّتِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّ ذَلِكَ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُؤْمِنُوا، فَقالَ: ﴿وَلَوْ نَـزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٧]، فَإذا كانُوا يَدَّعُونَ فِيما يَعْجِزُ عَنْهُ أنَّهُ سِحْرٌ، فَكَيْفَ يُوصَلُ إلى تَبْصِيرِهِمْ والتَّبْيِينِ لَهم بِأكْثَرَ مِمّا أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الآيَةِ الباقِيَةِ، وهي القُرْآنُ، ومِنَ الأنْباءِ ما يَدَّبَّرُونَهُ بَيْنَهُمْ، وبِما يُخْبِرُهم بِهِ مِن أخْبارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وهو لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ، وقَدْ أنْبَأ ﷺ ودَلَّ عَلى نُبُوَّتِهِ كُلُّ ما يَخْطُرُ بِالبالِ.
الإسراء 17:94
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾، (p-٢٦١)مَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ قالُوا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ قالُوا“: رَفْعٌ، المَعْنى: ما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ إلّا قَوْلُهُمْ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الأعْدَلَ عَلَيْهِمْ، والأبْلَغَ في الأداءِ إلَيْهِمْ، بَشَرٌ مِثْلُهُمْ، وأعْلَمَهم أنْ ﴿لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾ [الإسراء: ٩٥]، أيْ: يَمْشُونَ مُسْتَوْطِنِينَ الأرْضَ، ﴿لَنَـزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، لِأنَّهُ لا يُرْسَلُ إلى خَلْقٍ إلّا ما كانَ مِن جِنْسِهِ.
الإسراء 17:96
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَن يَشْهَدُ لَكَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقالَ: ”اَللَّهُ يَشْهَدُ لِي“، و”كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”كَفى اللَّهُ شَهِيدًا“، و”شَهِيدًا“، مَنصُوبٌ عَلى نَوْعَيْنِ: إنْ شِئْتَ عَلى التَّمْيِيزِ: ”كَفى اللَّهُ مِنَ الشُّهَداءِ“، وإنْ شِئْتَ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”كَفى اللَّهُ في حالِ الشَّهادَةِ“.
الإسراء 17:97
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾، أيْ: كُلَّما خَمَدَتْ، ونَضِجَتْ جُلُودُهُمْ، ولُحُومُهُمْ، بَدَّلَهُمُ اللَّهُ غَيْرَها، لِيَذُوقُوا العَذابَ.
الإسراء 17:100
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾، هَذا جَوابٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أنَّهم لَوْ مَلَكُوا خَزائِنَ الأرْزاقِ لَأمْسَكُوا شُحًّا، وبُخْلًا، فَقالَ: ﴿إذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفاقِ وكانَ الإنْسانُ قَتُورًا﴾، يُعْنى بِالإنْسانِ هَهُنا الكافِرُ خاصَّةً، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]، (p-٢٦٢)أيْ: لَكَفُورٌ، ﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]، أيْ: مِن أجْلِ حُبِّ الخَيْرِ، وهو المالُ، لَبَخِيلٌ، فَأمّا ”أنْتُمْ“، فَمَرْفُوعٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، المَعْنى: ”قُلْ لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ“، لِأنَّ ”لَوْ“، يَقَعُ بِها الشَّيْءُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ، فَلا يَلِيها إلّا الفِعْلُ، وإذا ولِيَها الِاسْمُ، عَمِلَ فِيها الفِعْلُ المُضْمَرُ، ومِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
؎فَلَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي جَعَلْتُ لَهم فَوْقَ العَرانِينِ مِيسَمًا
اَلْمَعْنى: لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي، و”اَلْقَتُورٌ“: اَلْبَخِيلُ.
الإسراء 17:101
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها: ”أخْذُ آلِ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ، وهي الجَدْبُ، حَتّى ذَهَبَتْ ثِمارُهُمْ، وذَهَبَتْ مِن أهْلِ البَوادِي مَواشِيهِمْ، ومِنها إخْراجُ مُوسى يَدَهُ بَيْضاءَ لِلنّاظِرِينَ، ومِنها إلْقاؤُهُ عَصاهُ، فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، وأنَّها تَلَقَّفَتْ إفْكَ السَّحَرَةِ، ومِنها إرْسالُ اللَّهِ عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ - نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنهُ -، والجَرادَ، والقُمَّلَ، والضَّفادِعَ، والدَّمَ“، فَذَلِكَ تِسْعُ آياتٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ البَحْرَ مِنها، ومِن آياتِهِ انْفِجارُ الحَجَرِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُرْوَ في التَّفْسِيرِ.
(p-٢٦٣)وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي لأظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُورًا﴾
لَمْ يَجِدْ فِرْعَوْنُ ما يَدْفَعُ بِهِ الآياتِ إلّا إقْرارَهُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ ظانٌّ أنَّ مُوسى مَسْحُورٌ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ تَبَيَّنَ أنَّها آياتٌ، فَقالَ: ﴿قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، يَعْنِي الآياتِ، ﴿إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”لَقَدْ عَلِمْتُ“، بِضَمِّ التّاءِ”، والأجْوَدُ في القِراءَةِ:“لَقَدْ عَلِمْتَ"، بِفَتْحِ التّاءِ، لِأنَّ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِأنَّها آياتٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ أوْكَدُ في الحُجَّةِ عَلَيْهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، أيْ: ”لَأظُنُّكَ مُهْلَكًا“، يُقالُ: ”ثُبِرَ الرَّجُلُ، فَهو مَثْبُورٌ“، إذا أُهْلِكَ.
الإسراء 17:103
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾، أيْ: فَأرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يَسْتَفِزَّ مُوسى، وقَوْمَهُ، مِنَ الأرْضِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهم إخْراجُهم مِنها بِالقَتْلِ، أوْ بِالتَّنْحِيَةِ، ﴿فَأغْرَقْناهُ ومَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾
الإسراء 17:104
وَقَوْلُهُ: ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾، أيْ: أتَيْنا بِكم مِن كُلِّ قَبِيلَةٍ، و”اَللَّفِيفُ“: اَلْجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.
الإسراء 17:106
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ﴾، وتُقْرَأُ: ”فَرَّقْناهُ“، بِالتَّشْدِيدِ، و”قُرْآنًا“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، (p-٢٦٤)المَعْنى: ”وَما أرْسَلْناكَ إلّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا، تُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ، وتُنْذِرُ مَن عَصى اللَّهَ بِالنّارِ، وقُرْآنًا فَرَقْناهُ“، أنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ أُنْزِلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في عِشْرِينَ سَنَةً، فَرَّقَهُ اللَّهُ في التَّنْزِيلِ لِيَفْهَمَهُ النّاسُ، فَقالَ: ﴿لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ﴾، و”مَكْثٍ“، جَمِيعًا، والقِراءَةُ بِضَمِّ المِيمِ.
الإسراء 17:107
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخِرُّونَ لِلأذْقانِ سُجَّدًا﴾، لِأنَّ الَّذِي يَخِرُّ وهو قائِمٌ، يَخِرُّ لِوَجْهِهِ، و”اَلذَّقَنُ“: مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ، وهو عُضْوٌ مِن أعْضاءِ الوَجْهِ، وكَما يَبْتَدِئُ المُبْتَدِئُ يَخِرُّ، فَأقْرَبُ الأشْياءِ مِن وجْهِهِ إلى الأرْضِ الذَّقَنُ، و”سُجَّدًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
الإسراء 17:108
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولا﴾، مَعْناهُ: ما كانَ وعْدُ رَبِّنا إلّا مَفْعُولًا، و”إنْ“، واللّامُ، دَخَلَتا لِلتَّوْكِيدِ.
الإسراء 17:110
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا﴾، لَمّا سَمِعَتِ العَرَبُ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ قالَتْ: أتَدْعُونا إلى اثْنَيْنِ، إلى اللَّهِ وإلى الرَّحْمَنِ؟! واسْمُ الرَّحْمَنِ في الكُتُبِ الأُوَلِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ دُعاءَهُمُ الرَّحْمَنَ، ودُعاءَهُمُ اللَّهَ يَرْجِعانِ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَقالَ: ﴿أيًّا ما تَدْعُوا﴾، اَلْمَعْنى: أيَّ أسْماءِ اللَّهِ تَدْعُوا، ﴿فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾، ”اَلْمُخافَتَةُ“: اَلْإخْفاءُ، و”اَلْجَهْرُ“: رَفْعُ الصَّوْتِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا جَهَرَ (p-٢٦٥)بِالقُرْآنِ، سَبَّ المُشْرِكُونَ القُرْآنَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - ألّا يُعَرِّضَ القُرْآنَ لِسَبِّهِمْ، وألّا يُخافِتَ بِها مُخافَتَةً لا يَسْمَعُها مَن يُصَلِّي خَلْفَهُ مِن أصْحابِهِ، ﴿وابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا﴾، أيْ: اُسْلُكْ طَرِيقًا بَيْنَ الجَهْرِ والمُخافَتَةِ.
الإسراء 17:111
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ﴾، يُعاوِنُهُ عَلى ما أرادَ، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾، أيْ: لَمْ يَحْتَجْ إلى أنْ يَنْتَصِرَ بِغَيْرِهِ، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، أيْ: عَظِّمْهُ عَظَمَةً تامَّةً.