Lafzullah

معاني القرآن وإعرابه — الكهف 18:1 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: أبو إسحاق الزجاج (ت 311هـ) · المصدر الرقمي: tafsir.app (zajjaj)

المحتويات
  1. الكهف 18:1
  2. الكهف 18:2
  3. الكهف 18:3
  4. الكهف 18:5
  5. الكهف 18:6
  6. الكهف 18:7
  7. الكهف 18:8
  8. الكهف 18:9
  9. الكهف 18:10
  10. الكهف 18:11
  11. الكهف 18:12
  12. الكهف 18:14
  13. الكهف 18:15
  14. الكهف 18:16
  15. الكهف 18:17
  16. الكهف 18:18
  17. الكهف 18:19
  18. الكهف 18:20
  19. الكهف 18:21
  20. الكهف 18:22
  21. الكهف 18:23
  22. الكهف 18:25
  23. الكهف 18:26
  24. الكهف 18:27
  25. الكهف 18:28
  26. الكهف 18:29
  27. الكهف 18:30
  28. الكهف 18:31
  29. الكهف 18:32
  30. الكهف 18:33
  31. الكهف 18:34
  32. الكهف 18:35
  33. الكهف 18:38
  34. الكهف 18:39
  35. الكهف 18:40
  36. الكهف 18:41
  37. الكهف 18:42
  38. الكهف 18:43
  39. الكهف 18:44
  40. الكهف 18:45
  41. الكهف 18:46
  42. الكهف 18:47
  43. الكهف 18:48
  44. الكهف 18:49
  45. الكهف 18:50
  46. الكهف 18:51
  47. الكهف 18:52
  48. الكهف 18:53
  49. الكهف 18:54
  50. الكهف 18:55
  51. الكهف 18:57
  52. الكهف 18:58
  53. الكهف 18:59
  54. الكهف 18:60
  55. الكهف 18:61
  56. الكهف 18:63
  57. الكهف 18:64
  58. الكهف 18:65
  59. الكهف 18:66
  60. الكهف 18:67
  61. الكهف 18:69
  62. الكهف 18:70
  63. الكهف 18:71
  64. الكهف 18:72
  65. الكهف 18:76
  66. الكهف 18:77
  67. الكهف 18:78
  68. الكهف 18:79
  69. الكهف 18:80
  70. الكهف 18:81
  71. الكهف 18:82
  72. الكهف 18:83
  73. الكهف 18:84
  74. الكهف 18:86
  75. الكهف 18:87
  76. الكهف 18:89
  77. الكهف 18:90
  78. الكهف 18:92
  79. الكهف 18:93
  80. الكهف 18:94
  81. الكهف 18:95
  82. الكهف 18:96
  83. الكهف 18:97
  84. الكهف 18:98
  85. الكهف 18:99
  86. الكهف 18:100
  87. الكهف 18:101
  88. الكهف 18:102
  89. الكهف 18:103
  90. الكهف 18:107
  91. الكهف 18:108
  92. الكهف 18:109
  93. الكهف 18:110
  94. مريم 19:1
  95. مريم 19:2
  96. مريم 19:3
  97. مريم 19:4
  98. مريم 19:5
  99. مريم 19:6
  100. مريم 19:7
  101. مريم 19:8
  102. مريم 19:9
  103. مريم 19:10
  104. مريم 19:11
  105. مريم 19:12
  106. مريم 19:14
  107. مريم 19:16
  108. مريم 19:17
  109. مريم 19:18
  110. مريم 19:20
  111. مريم 19:21
  112. مريم 19:22
  113. مريم 19:23
  114. مريم 19:24
  115. مريم 19:25
  116. مريم 19:26
  117. مريم 19:28
  118. مريم 19:29
  119. مريم 19:32
  120. مريم 19:33
  121. مريم 19:34
  122. مريم 19:35
  123. مريم 19:37
  124. مريم 19:38
  125. مريم 19:39
  126. مريم 19:41
  127. مريم 19:42
  128. مريم 19:43
  129. مريم 19:44
  130. مريم 19:46
  131. مريم 19:47
  132. مريم 19:50
  133. مريم 19:51
  134. مريم 19:52
  135. مريم 19:53
  136. مريم 19:55
  137. مريم 19:57
  138. مريم 19:58
  139. مريم 19:59
  140. مريم 19:60
  141. مريم 19:61
  142. مريم 19:62
  143. مريم 19:64
  144. مريم 19:65
  145. مريم 19:66
  146. مريم 19:67
  147. مريم 19:68
  148. مريم 19:69
  149. مريم 19:70
  150. مريم 19:71
  151. مريم 19:72
  152. مريم 19:73
  153. مريم 19:74
  154. مريم 19:75
  155. مريم 19:76
  156. مريم 19:77
  157. مريم 19:79
  158. مريم 19:80
  159. مريم 19:81
  160. مريم 19:82
  161. مريم 19:83
  162. مريم 19:85
  163. مريم 19:87
  164. مريم 19:89
  165. مريم 19:96
  166. مريم 19:97
  167. مريم 19:98
  168. طه 20:1
  169. طه 20:2
  170. طه 20:4
  171. طه 20:5
  172. طه 20:7
  173. طه 20:8
  174. طه 20:10
  175. طه 20:11
  176. طه 20:13
  177. طه 20:14
  178. طه 20:15
  179. طه 20:16
  180. طه 20:17
  181. طه 20:18
  182. طه 20:21
  183. طه 20:22
  184. طه 20:27
  185. طه 20:29
  186. طه 20:31
  187. طه 20:37
  188. طه 20:40
  189. طه 20:41
  190. طه 20:42
  191. طه 20:45
  192. طه 20:47
  193. طه 20:50
  194. طه 20:51
  195. طه 20:54
  196. طه 20:55
  197. طه 20:59
  198. طه 20:61
  199. طه 20:62
  200. طه 20:63
  201. طه 20:64
  202. طه 20:66
  203. طه 20:67
  204. طه 20:69
  205. طه 20:70
  206. طه 20:71
  207. طه 20:72
  208. طه 20:77
  209. طه 20:78
  210. طه 20:81
  211. طه 20:82
  212. طه 20:84
  213. طه 20:85
  214. طه 20:86
  215. طه 20:87
  216. طه 20:88
  217. طه 20:89
  218. طه 20:94
  219. طه 20:95
  220. طه 20:96
  221. طه 20:97
  222. طه 20:101
  223. طه 20:102
  224. طه 20:103
  225. طه 20:104
  226. طه 20:105
  227. طه 20:107
  228. طه 20:108
  229. طه 20:110
  230. طه 20:111
  231. طه 20:112
  232. طه 20:113
  233. طه 20:114
  234. طه 20:115
  235. طه 20:119
  236. طه 20:124
  237. طه 20:126
  238. طه 20:128
  239. طه 20:129
  240. طه 20:130
  241. طه 20:131
  242. طه 20:133
  243. طه 20:134
  244. طه 20:135
  245. الأنبياء 21:1
  246. الأنبياء 21:2
  247. الأنبياء 21:3
  248. الأنبياء 21:4
  249. الأنبياء 21:5
  250. الأنبياء 21:7
  251. الأنبياء 21:8
  252. الأنبياء 21:10
  253. الأنبياء 21:11
  254. الأنبياء 21:12
  255. الأنبياء 21:13
  256. الأنبياء 21:14
  257. الأنبياء 21:15
  258. الأنبياء 21:17
  259. الأنبياء 21:18
  260. الأنبياء 21:19
  261. الأنبياء 21:20
  262. الأنبياء 21:21
  263. الأنبياء 21:22
  264. الأنبياء 21:23
  265. الأنبياء 21:24
  266. الأنبياء 21:26
  267. الأنبياء 21:30
  268. الأنبياء 21:31
  269. الأنبياء 21:32
  270. الأنبياء 21:33
  271. الأنبياء 21:34
  272. الأنبياء 21:36
  273. الأنبياء 21:37
  274. الأنبياء 21:39
  275. الأنبياء 21:40
  276. الأنبياء 21:42
  277. الأنبياء 21:44
  278. الأنبياء 21:45
  279. الأنبياء 21:46
  280. الأنبياء 21:47
  281. الأنبياء 21:48
  282. الأنبياء 21:50
  283. الأنبياء 21:51
  284. الأنبياء 21:52
  285. الأنبياء 21:57
  286. الأنبياء 21:58
  287. الأنبياء 21:60
  288. الأنبياء 21:61
  289. الأنبياء 21:63
  290. الأنبياء 21:65
  291. الأنبياء 21:67
  292. الأنبياء 21:71
  293. الأنبياء 21:72
  294. الأنبياء 21:73
  295. الأنبياء 21:74
  296. الأنبياء 21:76
  297. الأنبياء 21:78
  298. الأنبياء 21:79
  299. الأنبياء 21:80
  300. الأنبياء 21:81
  301. الأنبياء 21:82
  302. الأنبياء 21:83
  303. الأنبياء 21:84
  304. الأنبياء 21:85
  305. الأنبياء 21:87
  306. الأنبياء 21:88
  307. الأنبياء 21:90
  308. الأنبياء 21:91
  309. الأنبياء 21:92
  310. الأنبياء 21:94
  311. الأنبياء 21:95
  312. الأنبياء 21:96
  313. الأنبياء 21:97
  314. الأنبياء 21:98
  315. الأنبياء 21:104
  316. الأنبياء 21:105
  317. الأنبياء 21:108
  318. الأنبياء 21:109
  319. الأنبياء 21:111
  320. الأنبياء 21:112

الكهف 18:1

(p-٢٦٦)(p-٢٦٧)سُورَةُ اَلْكَهْفِ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْـزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ﴿قَيِّمًا﴾ [الكهف: ٢]، قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ، وأهْلُ اللُّغَةِ: إنَّ مَعْناهُ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ قَيِّمًا ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا“، ومَعْنى ”قَيِّمٌ“: مُسْتَقِيمٌ، و”اَلْعِوَجُ“، بِكَسْرِ العَيْنِ، فِيما لا يُرى لَهُ شَخْصٌ، وما كانَ لَهُ شَخْصٌ قِيلَ فِيهِ ”عَوَجٌ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، تَقُولُ: ”فِي دِينِهِ عِوَجٌ“، و”فِي العَصا عَوَجٌ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، وتَأْوِيلُهُ: ”اَلشُّكْرُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ الكِتابَ مُسْتَقِيمًا، ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا“، أيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلافًا كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]

الكهف 18:2

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾، أيْ: لِيُنْذِرَهم بِالعَذابِ البائِسِ، ﴿مِن لَدُنْهُ﴾، مِن قِبَلِهِ، ﴿وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ أنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا﴾، (p-٢٦٨)اَلْمَعْنى: ”بِأنَّ لَهم أجْرًا حَسَنًا“.

الكهف 18:3

وَقَوْلُهُ: ﴿ماكِثِينَ فِيهِ أبَدًا﴾، ”ماكِثِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، في مَعْنى ”خالِدِينَ“.

الكهف 18:5

وَقَوْلُهُ: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”كَلِمَةٌ“، بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ، فَمَن نَصَبَ، فالمَعْنى: ”كَبُرَتْ مَقالَتُهُمْ: اِتَّخَذَ اللَّهَ ولَدًا، كَلِمَةً“، فَـ ”كَلِمَةً“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَن قَرَأ: ”كَلِمَةٌ“، بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: ”عَظُمَتْ كَلِمَةٌ هي قَوْلُهُمْ: اِتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا“، ويَجُوزُ في ”كَبُرَتْ“: ”كَبْرَتْ كَلِمَةً“، بِتَسْكِينِ الباءِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.

الكهف 18:6

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾، تَأْوِيلُهُ: ”فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”قاتِلٌ نَفْسَكَ“، والمَعْنى واحِدٌ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ اَلْمَعْنى: ”ألا أيُّهَذا الَّذِي أهْلَكَ الوَجْدُ نَفْسَهُ“، ومَعْنى ”عَلى آثارِهِمْ“، أيْ: مِن بَعْدِهِمْ، ﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾، يُعْنى بِالحَدِيثِ القُرْآنُ، و”أسَفًا“، مَنصُوبٌ، لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ، (p-٢٦٩)وَ”اَلْأسَفُ“: اَلْمُبالَغَةُ في الحُزْنِ، أوِ الغَضَبِ، يُقالُ: ”قَدْ أسِفَ الرَّجُلُ، فَهو أسِيفٌ، وآسِفٌ“، قالَ الشّاعِرُ: ؎أرى رَجُلًا مِنهم أسِيفًا كَأنَّما ∗∗∗ يَضُمُّ إلى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبا

الكهف 18:7

وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾، أيْ: لِنَخْتَبِرَهُمْ، و”أيُّهُمْ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، إلّا أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، المَعْنى: ”لِيَخْبُرَ أهَذا أحْسَنُ عَمَلًا أمْ هَذا“، فالمَعْنى: ”إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، أيْ: اِخْتِبارًا ومِحْنَةً، فالحَسَنُ العَمَلِ مَن زَهِدَ فِيما زُيِّنَ لَهُ مِنَ الدُّنْيا“.

الكهف 18:8

ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّهُ مُبِيدٌ، ومُفْنٍ ذَلِكَ كُلَّهُ، فَقالَ: ﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾، و”اَلصَّعِيدُ“: اَلطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، و”اَلْجُرُزُ“: اَلْأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، كَأنَّها تَأْكُلُ النَّبْتَ أكْلًا، يُقالُ: ”أرْضٌ جُرُزٌ“، و”أرْضُونَ أجْرازٌ“.

الكهف 18:9

وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾، و”اَلرَّقِيمُ“، قِيلَ: إنَّهُ اسْمُ الجَبَلِ الَّذِي كانَ فِيهِ الكَهْفُ، و”اَلْكَهْفُ“: كَـ ”اَلْفَجُّ“، وكَـ ”اَلْغارُ“، في الجَبَلِ. وَقِيلَ: إنَّ ”اَلرَّقِيمُ“، اِسْمُ القَرْيَةِ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: إنَّ ”اَلرَّقِيمُ“: لَوْحٌ كانَ فِيهِ كِتابٌ في المَكانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ -، وقِيلَ: كانَ المُشْرِكُونَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وعَنْ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وذَلِكَ أنَّهم أعْياهم أمْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ، فَصارَتْ جَماعَةٌ مِنهم إلى يَثْرِبَ، فَأعْلَمَتْ جَماعَةً مِن رُؤَساءِ اليَهُودِ بِقِصَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ اسْمَهُ عِنْدَنا مَكْتُوبٌ، وأنْ يُبْعَثَ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، فاسْألُوهُ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ، فَإنْ أجابَ عَنْها فَهو نَبِيٌّ، فَصارَتِ الجَماعَةُ مِنَ المُشْرِكِينَ إلى مَكَّةَ، وجَمَعُوا (p-٢٧٠)جَمْعًا كَثِيرًا، وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ هَذِهِ الأشْياءِ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ لا يَعْلَمُها، وأنَّهُ إنْ نَزَلَ عَلَيْهِ وحْيٌ بِها أعْلَمَهم. فَرَوى بَعْضُهم أنَّهُ قالَ: ”سَأُخْبِرُكم بِها“، ولَمْ يَقُلْ: ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، فَأبْطَأ عَنْهُ الوَحْيُ أيّامًا، ونَزَلَتْ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤]، فَأخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، وأنْزَلَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ، مِمّا دَلَّ عَلى حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ قِصَّةَ أصْحابِ الكَهْفِ لَيْسَتْ بِعَجِيبَةٍ مِن آياتِ اللَّهِ، لِأنّا نُشاهِدُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِمّا يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ما هو أعْجَبُ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أمْ حَسِبْتَ أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا مِن آياتِنا عَجَبًا﴾، أيْ: حَتّى نُبَيِّنَ قِصَّتَهم.

الكهف 18:10

وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ إلى الكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً وهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾، ومَعْنى ”أوَوْا إلَيْهِ“: صارُوا إلَيْهِ، وجَعَلُوهُ مَأْواهُمْ، و”اَلْفِتْيَةُ“: جَمْعُ ”فَتًى“، مِثْلَ ”غُلامٌ“، و”غِلْمَةٌ“، و”صَبِيٌّ“، و”صِبْيَةٌ“، و”فِعْلَةٌ“، مِن أسْماءِ الجَمْعِ، ولَيْسَ بِبِناءٍ يُقاسُ عَلَيْهِ، لا يَجُوزُ ”غُرابٌ“، و”غِرْبَةٌ“، ولا ”غَنِيٌّ“، و”غِنْيَةٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾، أيْ: أعْطِنا مِن عِنْدِكَ رَحْمَةً، أيْ: مَغْفِرَةً، ورِزْقًا، ﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا رَشَدًا﴾، يَجُوزُ في ”رَشَدًا“، ”رُشْدًا“، إلّا أنَّهُ لا يُقْرَأُ بِها هَهُنا، لِأنَّ فَواصِلَ الآياتِ عَلى ”فَعَلٌ“، نَحْوَ: ”أمَدٌ“، و”عَدَدٌ“، فَـ ”رَشَدٌ“، أحْسَنُ في هَذا المَكانِ، أيْ: ”أرْشِدْنا إلى ما يُقَرِّبُ مِنكَ، ويُزَلِّفُ عِنْدَكَ“.

الكهف 18:11

(p-٢٧١)وَقَوْلُهُ: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾، مَعْنى ”ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ“: ”مَنَعْناهم أنْ يَسْمَعُوا“، لِأنَّ النّائِمَ إذا سَمِعَ انْتَبَهَ، فالمَعْنى: ”أنَمْناهُمْ، ومَنَعْناهُمُ السَّمْعَ“، و”عَدَدًا“، مَنصُوبٌ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”نَعُدُّ عَدَدًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِلسِّنِينِ، المَعْنى: ”سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ“، والفائِدَةُ في قَوْلِكَ: ”عَدَدٌ“، في الأشْياءِ المَعْدُوداتِ، أنَّكَ تُرِيدُ تَوْكِيدَ كَثْرَةِ الشَّيْءِ، لِأنَّهُ إذا قَلَّ فُهِمَ مِقْدارُهُ، ومِقْدارُ عَدَدِهِ، فَلَمْ يَحْتَجِ إلى أنْ يُعَدَّ، فَإذا كَثُرَ احْتاجَ إلى أنْ يُعَدَّ، فالعَدَدُ في قَوْلِكَ: ”أقَمْتُ أيّامًا عَدَدًا“، أنَّكَ تُرِيدُ بِها الكَثْرَةَ، وجائِزٌ أنْ تُؤَكِّدَ بِعَدَدٍ مَعْنى الجَماعَةِ في أنَّها قَدْ خَرَجَتْ مِن مَعْنى الواحِدِ.

الكهف 18:12

فَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ بَعَثْناهُمْ﴾، أيْ: بَعَثْناهم مِن نَوْمِهِمْ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن خَرَجَ مِنَ المَوْتِ إلى الحَياةِ، أوْ مِنَ النَّوْمِ إلى الِانْتِباهِ: ”مَبْعُوثٌ“، وتَأْوِيلُ ”مَبْعُوثٌ“، أنَّهُ قَدْ زالَ عَنْهُ ما كانَ يَحْبِسُهُ عَنِ التَّصَرُّفِ والِانْبِعاثِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾، ”اَلْأمَدُ“: اَلْغايَةُ، و”أمَدًا“، مَنصُوبٌ عَلى نَوْعَيْنِ، وهو عَلى التَّمْيِيزِ مَنصُوبٌ، وإنْ شِئْتَ كانَ مَنصُوبًا عَلى ”أحْصى أمَدًا“، فَيَكُونَ العامِلُ فِيهِ ”أحْصى“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”لِنَعْلَمَ أهَؤُلاءِ أحْصى لِلْأمَدِ أمْ هَؤُلاءِ“، ويَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ”لَبِثُوا“، ويَكُونَ ”أحْصى“، مُتَعَلِّقًا بِـ ”لِما“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِلُبْثِهِمْ في الأمَدِ“.

الكهف 18:14

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: ”قَدْ قُلْنا إذَنْ جَوْرًا“، و”شَطَطًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، المَعْنى: ”لَقَدْ قُلْنا (p-٢٧٢)إذَنْ قَوْلَ شَطَطٍ“، يُقالُ شَطَّ الرَّجُلُ، وأشَطَّ، إذا جارَ"، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألا يا لَقَوْمِي قَدْ أشَطَّتْ عَواذِلِي ويَزْعُمْنَ أنِّي أقْصَرُ اليَوْمِ باطِلِي

الكهف 18:15

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ﴾، أنْكَرَ الفِتْيَةُ عِبادَةَ قَوْمِهِمْ، وأنْ يَعْبُدُوا مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ، فَقالُوا: ”هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ“، و”لَوْلا“، في مَعْنى ”هَلّا“، اَلْمَعْنى: ”هَلّا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِحُجَّةٍ بَيِّنَةٍ؟“، ومَعْنى ”عَلَيْهِمْ“: أيْ: عَلى عِبادَةِ الآلِهَةِ.

الكهف 18:16

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ﴾، مَوْضِعُ ”ما“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”إذا اعْتَزَلْتُمُوهم واعْتَزَلْتُمْ ما يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ فَإنَّكم لَنْ تَتْرُكُوا عِبادَتَهُ“، ﴿فَأْوُوا إلى الكَهْفِ﴾، أيْ: اِجْعَلُوا الكَهْفَ مَأْواكُمْ، ﴿يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ﴾، أيْ: يَنْشُرْ لَكم مِن رِزْقٍ، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾، يُقالُ: ”هُوَ مِرْفَقُ اليَدِ“، بِكَسْرِ المِيمِ، وفَتْحِ الفاءِ، وكَذَلِكَ ”مِرْفَقُ الأمْرِ“، مِثْلُ مِرْفَقِ اليَدِ، سَواءٌ، قالَ الأصْمَعِيُّ: لا أعْرِفُ غَيْرَ هَذا، وقَرَأتِ القُرّاءُ ”مَرْفِقًا“، (p-٢٧٣)بِفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ الفاءِ، وذَكَرَ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ مِن أهْلِ اللُّغَةِ اللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا في ”مَرْفِقِ الأمْرِ“، و”مِرْفَقِ اليَدِ“، وقالُوا جَمِيعًا: ”اَلْمِرْفَقُ“، لِلْيَدِ، بِكَسْرِ المِيمِ، هو أكْثَرُ في اللُّغَةِ، وأجْوَدُ.

الكهف 18:17

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ تَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ﴾، في ”تَزاوَرُ“، ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”تَزاوَرُ“، و”تَزْوَرُّ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، عَلى مِثالِ ”تَحْمَرُّ“، و”تَزْوارُّ“، عَلى مِثالِ ”تَحْمارُّ“، ووَجْهٌ رابِعٌ: ”تَزّاوُرُ“، والأصْلُ فِيهِ: ”تَتَزاوَرُ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الزّايِ. ﴿وَإذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهم ذاتَ الشِّمالِ﴾، ”تَقْرِضُهُمْ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، و”تَقْرُضُهُمْ“، بِضَمِّ الرّاءِ، والكَسْرُ القِراءَةُ عَلَيْهِ، وتَأْوِيلُهُ: ”تَعْدِلُ عَنْهُمْ، وتَتْرُكُهُمْ“، قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْوازَ مُشْرِفٍ شِمالًا وعَنْ أيْمانِهِنَّ الفَوارِسُ ”يَقْرِضْنَ“: يَتْرُكْنَ، وأصْلُ ”اَلْقَرْضُ“: اَلْقَطْعُ، والتَّفْرِقَةُ بَيْنَ الأشْياءِ، ومِن هَذا قَوْلُكَ: ”أقْرِضْنِي دِرْهَمًا“، تَأْوِيلُهُ: ”اِقْطَعْ لِي مِن مالِكَ دِرْهَمًا“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم في فَجْوَةٍ مِنهُ﴾، أيْ: في مُتَّسَعٍ مِنهُ، ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ﴾، قِيلَ: إنَّ بابَ الكَهْفِ كانَ بِإزاءِ بَناتِ نَعْشٍ، فَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ (p-٢٧٤)تَطْلُعُ عَلَيْهِمْ، وهَذا التَّفْسِيرُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ، إنَّما جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ لِأنَّ الشَّمْسَ لا تَقْرَبُهم في مَطْلَعِها، ولا عِنْدَ غُرُوبِها. وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِ﴾، أكْثَرُ اللُّغَةِ: ”فَهُوَ المُهْتَدِي“، بِإثْباتِ الياءِ، وفي المُصْحَفِ في هَذا المَوْضِعِ بِغَيْرِ ياءٍ، وهَذا في هَذا المَوْضِعِ كالَّذِي في ”اَلْأعْرافِ“، فَهَذا هو الوَجْهُ، وهو في ”اَلْأعْرافِ“، بِالياءِ، وفي ”اَلْكَهْفِ“، بِغَيْرِ ياءٍ، وحَذْفُ الياءِ جائِزٌ في الأسْماءِ خاصَّةً، ولا يَجُوزُ في الأفْعالِ، لِأنَّ حَذْفَ الياءِ في الفِعْلِ دَلِيلُ الجَزْمِ، وحَذْفَ الياءِ في الأسْماءِ واقِعٌ إذا لَمْ يَكُنْ مَعَ الِاسْمِ الألِفُ واللّامُ، نَحْوَ: ”مُهْتَدٍ“، و”مُقْتَدٍ“، فَأُدْخِلَتِ الألِفُ واللّامُ، وتُرِكَ الحَذْفُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ، ودَلَّتِ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ المَحْذُوفَةِ.

الكهف 18:18

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَحْسَبُهم أيْقاظًا وهم رُقُودٌ﴾، ”اَلْأيْقاظُ“: اَلْمُنْتَبِهُونَ، و”اَلرُّقُودُ“: اَلنِّيامُ، وواحِدُ الأيْقاظِ ”يَقِظٌ“، و”يَقْظانُ“، والجَمْعُ ”أيْقاظٌ“، قالَ الرّاجِزُ: ؎وَوَجَدُوا إخْوَتَهم أيْقاظًا وَقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم كانُوا مُفَتَّحِي الأعْيُنِ، الَّذِي يَراهم يَتَوَهَّمُهم مُنْتَبِهِينَ، وقِيلَ: لِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ يَظُنُّ أنَّهم غَيْرُ نِيامٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿وَنُقَلِّبُهم ذاتَ اليَمِينِ وذاتَ الشِّمالِ﴾، ويَجُوزُ ”وَتَحْسِبُهُمْ“، ”وَتَحْسَبُهُمْ“، ﴿وَكَلْبُهم باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالوَصِيدِ﴾، و”اَلْوَصِيدُ“: فِناءُ البَيْتِ، وفِناءُ الدّارِ. (p-٢٧٥)وَقَوْلُهُ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، بِكَسْرِ الواوِ، وتُقْرَأُ: ”لَوُ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ“، بِضَمِّ الواوِ، والكَسْرُ أجْوَدُ، لِأنَّ الواوَ ساكِنَةٌ، والطّاءَ ساكِنَةٌ، فَكُسِرَتِ الواوُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهَذا هو الأصْلُ، وجازَ الضَّمُّ، لِأنَّ الضَّمَّ مِن جِنْسِ الواوِ، ولَكِنَّهُ إذا كانَ بَعْدَ السّاكِنِ مَضْمُومٌ فالضَّمُّ هُناكَ أحْسَنُ مِنهُ هَهُنا، نَحْوَ: ”أوُ انْقُصْ“، و”أوِ انْقُصْ“، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾، ”فِرارًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ”وَلَّيْتَ“: فَرَرْتَ مِنهُمْ، ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنهم رُعْبًا﴾، و”رَعْبًا“، و”رُعُبًا“، و”رُعْبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، تَقُولُ: ”اِمْتَلَأْتُ ماءً“، و”اِمْتَلَأْتُ فَرَقًا“، أيْ: ”اِمْتَلَأْتُ مِنَ الفَرَقِ، ومِنَ الماءِ“، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّهم طالَتْ شُعُورُهم جِدًّا، وأظْفارُهُمْ، فَلِذَلِكَ كانَ الرّائِي لَوْ رَآهم لَهَرَبَ مِنهم مَرْعُوبًا.

الكهف 18:19

وَقَوْلُهُ: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكُمْ﴾، فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: بِفَتْحِ الواوِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و”بِوَرْقِكُمْ“، بِتَسْكِينِ الرّاءِ، و”بِوِرْقِكُمْ“، بِكَسْرِ الواوِ، وتَسْكِينِ الرّاءِ، يُقالُ: ”وَرِقٌ“، و”وَرْقٌ“، و”وِرْقٌ“، كَما قِيلَ: ”كَبِدٌ“، و”كَبْدٌ“، و”كِبْدٌ“، وكَسْرُ الواوِ أرْدَؤُها، ويَجُوزُ: ”بِوَرِقْكُمْ“، تُدْغِمُ القافَ في الكافِ، وتَصِيرُ كافًا خالِصَةً. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾، ”أيُّها“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، ومَعْنى ”أيُّها أزْكى طَعامًا“: أيْ: أيُّ أهْلِها أزْكى طَعامًا، و”أزْكى“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، و”طَعامًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: إنَّ تَأْوِيلَ (p-٢٧٦)”أزْكى طَعامًا“: ”أحَلُّ طَعامًا“، وذَكَرُوا أنَّ القَوْمَ كانَ أكْثَرُهم مَجُوسًا، وكانُوا لا يَسْتَنْظِفُونَ ذَبائِحَهُمْ، وقِيلَ: ”أزْكى طَعامًا“: أيْ: ”طَعامًا لَمْ يُؤْخَذْ مِن غَصْبٍ، ولا هو مِن جِهَةٍ لا تَحِلُّ“. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَأْتِكم بِرِزْقٍ مِنهُ﴾، و”فَلِيَأْتِكُمْ“، بِإسْكانِ اللّامِ، وكَسْرِها، والقِراءَةُ بِإسْكانِ اللّامِ، والكَسْرُ جائِزٌ، قَوْلُهُ: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكم أحَدًا﴾، قِيلَ: لا يُعْلِمَنَّ بِكُمْ، أيْ: إنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ فَلا يُوقِعَنَّ إخْوانَهُ فِيما يَقَعُ فِيهِ.

الكهف 18:20

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم إنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم يَرْجُمُوكُمْ﴾، أيْ: يَقْتُلُوكم بِالرَّجْمِ، و”اَلرَّجْمُ“، مِن أخْبَثِ القَتْلِ، ﴿أوْ يُعِيدُوكم في مِلَّتِهِمْ ولَنْ تُفْلِحُوا إذًا أبَدًا﴾، ”إذًا“، تَدُلُّ عَلى الشَّرْطِ، أيْ: ”وَلَنْ تُفْلِحُوا إنْ رَجَعْتُمْ إلى مِلَّتِهِمْ“.

الكهف 18:21

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ، ﴿لِيَعْلَمُوا أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أيْ: لِيَعْلَمَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، ويَزْدادُ مَن يُؤْمِنُ بِهِ إيمانًا، ﴿وَأنَّ السّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهم أمْرَهُمْ﴾، أيْ: يَتَناظَرُونَ في أمْرِهِمْ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إذْ“، مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ ”أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ - أيْ: أطْلَعْنا عَلَيْهِمْ - إذْ وقَعَتِ المُنازَعَةُ في أمْرِهِمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾، أيْ: ”لِيَعْلَمُوا في وقْتِ مُنازَعَتِهِمْ“. (p-٢٧٧)وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾، هَذا يَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا ظَهَرَ أمْرُهم غَلَبَ المُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ، لِأنَّ المَساجِدَ لِلْمُؤْمِنِينَ.

الكهف 18:22

وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ﴾، ”ثَلاثَةٌ“، مَرْفُوعٌ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: "سَيَقُولُ الَّذِينَ يَتَنازَعُونَ في أمْرِهِمْ: هم ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهُمْ، ﴿رَجْمًا بِالغَيْبِ﴾، أيْ: يَقُولُونَ ذَلِكَ رَجْمًا، أيْ: ظَنًّا، وتَخَرُّصًا، قالَ زُهَيْرٌ: ؎وَما الحَرْبُ إلّا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هو عَنْها بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهم كَلْبُهم رَجْمًا بِالغَيْبِ ويَقُولُونَ سَبْعَةٌ وثامِنُهم كَلْبُهُمْ﴾، دُخُولُ الواوِ هَهُنا، وإخْراجُها مِنَ الأوَّلِ، واحِدٌ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الواوُ يَدْخُلُ لِيَدُلَّ عَلى انْقِطاعِ القِصَّةِ، وأنَّ الشَّيْءَ قَدْ تَمَّ. وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ رَبِّي أعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهم إلا قَلِيلٌ﴾، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانَ أصْحابُ الكَهْفِ سَبْعَةً، وأنا مِنَ القَلِيلِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَهم، وقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ إذا صَحَّ عَنْهُ، فَهو مِن أوْثَقِ التَّفْسِيرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُمارِ فِيهِمْ إلا مِراءً ظاهِرًا﴾، أيْ: لا تَأْتِ في أمْرِهِمْ بِغَيْرِ ما أُوحِيَ إلَيْكَ، أيْ: أفْتِ في قِصَّتِهِمْ بِالظّاهِرِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ. (p-٢٧٨)﴿وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنهُمْ﴾، أيْ: في أصْحابِ الكَهْفِ، ﴿مِنهم أحَدًا﴾، أيْ: مِن أهْلِ الكِتابِ.

الكهف 18:23

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤]، مَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”لا تَقُولَنَّ إنِّي أفْعَلُ أبَدًا إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ“، فَإذا قالَ القائِلُ: ”إنِّي أفْعَلُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”لا أفْعَلُ إلّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ“. وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، أيْ: ”أيَّ وقْتٍ ذَكَرْتَ أنَّكَ لَمْ تَسْتَثْنِ، فاسْتَثْنِ، وقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ“، ﴿وَقُلْ عَسى أنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لأقْرَبَ مِن هَذا رَشَدًا﴾ [الكهف: ٢٤]، أيْ: قُلْ عَسى أنْ يُعْطِيَنِي مِنَ الآياتِ، والدَّلالاتِ عَلى النُّبُوَّةِ، ما يَكُونُ أقْرَبَ في الرَّشَدِ وأدَلَّ مِن قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ.

الكهف 18:25

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وازْدادُوا تِسْعًا﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ ”سِنِينَ“، نَصْبًا، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ جَرًّا، فَأمّا النَّصْبُ، فَعَلى مَعْنى: ”فَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ سِنِينَ ثَلاثَمِائَةٍ“، ويَكُونَ عَلى تَقْدِيرٍ آخَرَ ”سِنِينَ“، مَعْطُوفًا عَلى ”ثَلاثَ“، عَطْفَ البَيانِ والتَّوْكِيدِ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ ”سِنِينَ“، مِن نَعْتِ المِائَةِ، وهو راجِعٌ في المَعْنى إلى ”ثَلاثَ“، كَما قالَ الشّاعِرُ:(p-٢٧٩) ؎فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخافِيَةِ الغُرابِ الأسْحَمِ فَجَعَلَ ”سُودًا“، نَعْتًا لِـ ”حَلُوبَةً“، وهو في المَعْنى نَعْتٌ لِجُمْلَةِ العَدَدِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونُ: ”وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ“، مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ”سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهم كَلْبُهم ويَقُولُونَ: لَبِثُوا في كَهْفِهِمْ“، وهَذا القَوْلُ دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ [الكهف: ٢٦]، ويَجُوزُ - وهو الأجْوَدُ عِنْدِي - أنَّهُ إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ، أخْبَرَهم بِطُولِ لُبْثِهِمْ، وأعْلَمَ أنَّهُ أعْلَمُ بِذَلِكَ، وكانَ هَذا أبْلَغَ في الآيَةِ فِيهِمْ، أنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ أنَّهم قَدْ لَبِثُوا هَذا العَدَدَ كُلَّهُ. فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾، فَلا يَكُونُ عَلى مَعْنى: ”وازْدادُوا تِسْعَ لَيالٍ“، ولا ”تِسْعَ ساعاتٍ“، لِأنَّ العَدَدَ يُعْرَفُ بِتَفْسِيرِهِ، وإذا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ اسْتُغْنِيَ بِما تَقَدَّمَ عَنْ إعادَةِ ذِكْرِ التَّفْسِيرِ، تَقُولُ: ”عِنْدِي مِائَةٌ دِرْهَمٍ وخَمْسَةٌ“، فَيَكُونُ الخَمْسَةُ قَدْ دَلَّ عَلَيْها ذِكْرُ الدِّرْهَمِ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، قالَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”وَعَشْرًا“، مَعْناهُ: ”وَعَشْرُ مُدَدٍ“، وتِلْكَ المُدَدُ كُلُّ مُدَّةٍ مِنها يَوْمٌ ولَيْلَةٌ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”ما رَأيْتُهُ مُنْذُ عَشْرٍ“، و”أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ“، فَيُغَلِّبُونَ اللَّيالِيَ عَلى ذِكْرِ الأيّامِ، والأيّامُ داخِلَةٌ في اللَّيالِي، واللَّيالِي مَعَ اليَوْمِ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ مِنَ الدَّهْرِ، فَتَأْنِيثٌ عَشْرٍ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يُرادُ بِهِ ”أشْهُرٌ“، فَهَذا أحْسَنُ ما فَسَّرَ في هَذِهِ الآيَةِ.

الكهف 18:26

وَقَوْلُهُ: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾، (p-٢٨٠)أجْمَعَتِ العُلَماءُ أنَّ مَعْناهُ: ”ما أسْمَعَهُ وأبْصَرَهُ!“، أيْ: هو عالِمٌ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وغَيْرِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾، قُرِئَتْ: ”وَلا تُشْرِكْ“، عَلى النَّهْيِ، والآيَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - تَدُلُّ عَلى أحَدِ مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما أنَّهُ أجْرى ذِكْرَ عِلْمِهِ، وقُدْرَتِهِ، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ مِمّا يُخْبِرُ بِهِ مِنَ الغَيْبِ أحَدًا، كَما قالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ [الجن: ٢٦]، وكَذَلِكَ إذا قُرِئَتْ: ”وَلا تُشْرِكْ - بِالتّاءِ - في حُكْمِهِ أحَدًا“، أيْ: لا تَنْسُبَنَّ أحَدًا إلى عِلْمِ الغَيْبِ، ويَكُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ - وهو جَيِّدٌ بالِغٌ - عَلى مَعْنى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ حاكِمٌ إلّا بِما حَكَمَ اللَّهُ، أوْ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللَّهِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَيَكُونَ شَرِيكًا لِلَّهِ في حُكْمِهِ، يَأْمُرُ بِحُكْمٍ كَما أمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.

الكهف 18:27

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾، أيْ: لَنْ تَجِدَ مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ، ونَهْيِهِ، ولا مَلْجَأً إلّا إلَيْهِ، وكَذَلِكَ: ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾، أيْ: ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ، وما أمَرَ بِهِ، فَلا مُبَدِّلَ لَهُ.

الكهف 18:28

وَقَوْلُهُ: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، وقُرِئَتْ: ”بِالغُدْوَةِ والعَشِيِّ“، و”بِالغَداةِ والعَشِيِّ“، أجْوَدُ في قَوْلِ جَمِيعِ العُلَماءِ، لِأنَّ ”غُدْوَةٌ“، مَعْرِفَةٌ لا تَدْخُلُها الألِفُ واللّامُ، والَّذِينَ أدْخَلُوا الألِفَ واللّامَ (p-٢٨١)جَعَلُوها نَكِرَةً، ومَعْنى ”يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ“، أيْ: يَدْعُونَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والإخْلاصِ لَهُ، ويَعْبُدُونَهُ، ﴿يُرِيدُونَ وجْهَهُ﴾، أيْ: ”لا يَقْصِدُونَ بِعِبادَتِهِمْ إلّا إيّاهُ“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾، أيْ: ”لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الهَيْئاتِ، والزِّينَةِ“، رَوِيَ «أنَّ جَماعَةً مِن عُظَماءِ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: باعِدْ عَنْكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ رائِحَتُهم كَرائِحَةِ الضَّأْنِ، وهم مَوالٍ، ولَيْسُوا بِأشْرافٍ، لِنُجالِسَكَ، ولِنَفْهَمَ عَنْكَ، يَعْنُونَ خَبّابًا، وصُهَيْبًا، وعَمّارًا، وبِلالًا، ومَن أشْبَهَهُمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِألّا يَفْعَلَ ذَلِكَ، وأنْ يَجْعَلَ إقْبالَهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وألّا يَلْتَفِتَ إلى غَيْرِهِمْ، فَقالَ: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهم تُرِيدُ زِينَةَ الحَياةِ الدُّنْيا ولا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا واتَّبَعَ هَواهُ وكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾»، أيْ: كانَ أمْرُهُ التَّفْرِيطَ، و”اَلتَّفْرِيطُ“: تَقْدِيمُ العَجْزِ.

الكهف 18:29

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكم فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَقُلْ: اَلَّذِي أتَيْتُكم بِهِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ“، ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾، هَذا الكَلامُ لَيْسَ بِأمْرٍ لَهُمْ، ما فَعَلُوهُ مِنهُ فَهم فِيهِ مُطِيعُونَ، ولَكِنْ كَلامُ وعِيدٍ، وإنْذارٍ، قَدْ بَيَّنَ بَعْدَهُ ما لِكُلِّ فَرِيقٍ مِن مُؤْمِنٍ، وكافِرٍ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾، مَعْنى ”أعْتَدْنا“: جَعَلْناها عِتادًا لَهُمْ، كَما تَقُولُ: ”جَعَلْتُ هَذا عُدَّةً لِهَذا“، و”اَلْعِتادُ“: اَلشَّيْءُ الثّابِتُ اللّازِمُ. وَقَوْلُهُ: ﴿أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾، (p-٢٨٢)أيْ: صارَ عَلَيْهِمْ سُرادِقٌ مِنَ العَذابِ، و”اَلسُّرادِقُ“: كُلُّ ما أحاطَ بِشَيْءٍ، نَحْوَ: ”اَلشَّقَّةُ“، في المَضْرِبِ، و”اَلْحائِطُ“، اَلْمُشْتَمِلُ عَلى الشَّيْءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كالمُهْلِ﴾، يَعْنِي أنَّهم يُغاثُونَ بِماءٍ كالرَّصاصِ المُذابِ، أيْ: اَلصُّفْرِ، والفِضَّةِ، وكُلُّ ما أذَبْتَهُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ فَهو ”مُهْلٌ“، وقِيلَ: ”اَلْمُهْلُ“: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ أيْضًا، وقِيلَ: ”اَلْمُهْلُ“: صَدِيدُ الجُرْحِ، ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾، أيْ: إذا قُدِّمَ لِيُشْرَبَ أشْوى الوَجْهَ مِن حَرارَتِهِ، ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾، ”مُرْتَفَقًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، و”مُرْتَفَقًا“: مَنزِلًا، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”مُرْتَفَقًا“: مُتَّكَأً، وأنْشَدُوا. ؎إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا كَأنَّ عَيْنِيَ فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ

الكهف 18:30

(p-٢٨٣)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾، خَبَرُ ”إنَّ“، هُنا، عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، فَأحَدُها أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ ”إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا مِنهُمْ“، ولَمْ يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ ”مِنهُمْ“، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَنا أنَّهُ يُحْبِطُ عَمَلَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“:

الكهف 18:31

﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ [الكهف: ٣٠]، قَدْ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ، وخَبَرِهِ، لِأنَّ فِيهِ ذِكْرَ ما في الأوَّلِ، لِأنَّ ”مَن أحْسَنَ عَمَلًا“، بِمَنزِلَةِ ”اَلَّذِينَ آمَنُوا“، ووَجْهٌ ثالِثٌ، أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا“، في مَعْنى: ”إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهُمْ“، لِأنَّ ذِكْرَ ”مَن“، كَذِكْرِ ”اَلَّذِي“، وذِكْرَ حُسْنِ العَمَلِ كَذِكْرِ الإيمانِ، فَيَكُونَ كَقَوْلِكَ: ”إنَّ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ مَن آمَنَ“، فَهو كَقَوْلِكَ: ”إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَهُمْ“، ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، ومَعْنى ”جَنّاتُ عَدْنٍ“: جَنّاتُ إقامَةٍ. وَقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”جَنّاتُ عَدْنٍ“: جَنّاتٌ مِنَ الأرْبَعِ الجِنانِ الَّتِي أعَدَّها اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾، ”أساوِرَ“: جَمْعُ ”أسْوِرَةٌ“، و”أسْوِرَةٌ“: جَمْعُ ”سِوارٌ“، يُقالُ: ”هُوَ سِوارٌ في اليَدِ“، بِالكَسْرِ، وقَدْ حُكِيَ: ”سَوارٌ“، وحَكى قُطْرُبٌ: ”إسْوارٌ“، وذَكَرَ أنَّ ”أساوِرَ“، جَمْعُ ”إسْوارٌ“، عَلى حَذْفِ الياءِ، لِأنَّ جَمْعَ ”إسْوارٌ“، ”أساوِيرُ“. (p-٢٨٤)﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيابًا خُضْرًا مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ﴾، و”اَلسُّنْدُسُ“، و”اَلْإسْتَبْرَقُ“: نَوْعانِ مِنَ الحَرِيرِ، ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، ”اَلْأرائِكُ“، واحِدَتُها: ”أرِيكَةٌ“، و”اَلْأرائِكُ“: اَلْفُرُشُ في الحِجالِ، و”مُرْتَفَقًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ فَسَّرْنا ”اَلْمُرْتَفَقُ“.

الكهف 18:32

وَقَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾، كانَ المُشْرِكُونَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ بِمَشُورَةِ اليَهُودِ عَلَيْهِمْ أنْ يَسْألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ، وعَنِ الرُّوحِ، وعَنْ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ الجَوابَ، وأنَّهُ مَثَلٌ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِلْكُفّارِ، ومَثَلٌ لِجَمِيعِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ، وجَمِيعِ مَن عَنَدَ عَنْهُ، وكَفَرَ بِهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنا لأحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِن أعْنابٍ وحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾، ”رَجُلَيْنِ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى المَفْعُولِ، عَلى مَعْنى: ”واضْرِبْ لَهم مَثَلًا، مَثَلَ رَجُلَيْنِ“، ”وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ“، أيْ: ”جَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِهِما“، يُقالُ: ”قَدْ حَفَّ القَوْمُ بِزَيْدٍ“، إذا كانُوا مُطِيفِينَ بِهِ، ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾

الكهف 18:33

فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ عِمارَتَهُما كامِلَةٌ، مُتَّصِلَةٌ لا يَفْصِلُ بَيْنَهُما إلّا عِمارَةٌ، وأعْلَمَنا أنَّهُما كامِلَتانِ في تَأْدِيَةِ حِمْلِهِما مِن نَخْلِهِما، وأعْنابِهِما، والزَّرْعِ الَّذِي بَيْنَهُما، فَقالَ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾، أيْ: لَمْ تَنْقُصْ مِنهُ شَيْئًا، وقالَ: ”آتَتْ“، ولَمْ يَقُلْ: ”آتَتا“، رَدَّهُ عَلى ”كِلْتا“، لِأنَّ لَفْظَ (p-٢٨٥)”كِلْتا“، لَفْظُ واحِدٍ، والمَعْنى: ”كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما آتَتْ أُكُلَها“، ولَوْ كانَ ”آتَتا“، لَكانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”اَلْجَنَّتانِ كِلْتاهُما آتَتا أُكُلَهُما“، ﴿وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾، ولَوْ قُرِئَتْ: ”نَهْرًا“، لَكانَ جائِزًا، يُقالُ: ”نَهَرٌ“، و”نَهْرٌ“، فَأعْلَمَنا أنَّ شُرْبَهُما، كانَ مِن ماءِ نَهْرٍ، وهو مِن أغْزَرِ الشُّرْبِ.

الكهف 18:34

﴿وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾، وقُرِئَتْ: ”ثُمُرٌ“، وقِيلَ: ”اَلثَّمَرُ“: ما أخْرَجَتْهُ الشَّجَرُ، و”اَلثُّمُرُ“: اَلْمالُ، يُقالُ: ”قَدْ ثَمَّرَ فُلانٌ مالًا“، و”اَلثَّمَرُ“، هَهُنا، أحْسَنُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ [الكهف: ٣٣]، قَدْ دَلَّ عَلى الثَّمَرِ، وتَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ثَمَرٌ“: جَمْعُ ”ثَمَرَةٌ“، و”ثِمارٌ“، و”ثُمُرٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ لِصاحِبِهِ وهو يُحاوِرُهُ أنا أكْثَرُ مِنكَ مالا وأعَزُّ نَفَرًا﴾، ”مالًا“، و”نَفَرًا“، مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ، وأخْبَرَهُ أنَّهُ أعَزُّ مِنهُ ناصِرًا، أيْ: يُخْبِرُ أنَّ نُصّارَهُ كَثِيرٌ.

الكهف 18:35

وَقَوْلُهُ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، وكُلُّ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ فَنَفْسَهُ ظَلَمَ، لِأنَّهُ يُولِجُها النّارَ، ذاتَ العَذابِ الدّائِمِ، فَأيُّ ظُلْمٍ لِلنَّفْسِ فَوْقَ هَذا؟! وَقَوْلُهُ: ﴿ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾ [الكهف: ٣٦]، فَأخْبَرَ بِكُفْرِهِ بِالسّاعَةِ، وبِكُفْرِهِ بِفَناءِ الدُّنْيا، ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]، فَدَلَّ عَلى أنَّ صاحِبَهُ المُؤْمِنَ قَدْ أعْلَمَهُ أنَّ السّاعَةَ تَقُومُ، وأنَّهُ يُبْعَثُ، (p-٢٨٦)فَأجابَهُ بِأنْ قالَ لَهُ: ولَئِنْ رُّدِدْتُ إلى رَبِّي كَما أعْلَمْتَنِي أنْ أُبْعَثَ، لَيُعْطِيَنِّي في الآخِرَةِ خَيْرًا مِمّا أعْطانِي في الدُّنْيا، لِأنَّهُ لَمْ يُعْطِنِي هَذا في الدُّنْيا إلّا وهو يَزِيدُنِي إنْ كانَ الأمْرُ عَلى هَذا في الآخِرَةِ، فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ مُنْكِرًا لَهُ بِهَذا القَوْلِ: ﴿أكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلا﴾ [الكهف: ٣٧]، أيْ: ثُمَّ أكْمَلَكَ، فَأنْكَرْتَ أمْرَ البَعْثِ، حَتّى شَكَكْتَ فِيهِ، وقَدْ أُعْلِمْنا أنَّ الشّاكَّ في أمْرِ اللَّهِ كافِرٌ، وأنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ، أيْ: باطِلٌ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]

الكهف 18:38

ثُمَّ أعْلَمَهُ صاحِبُهُ أنَّهُ مُوَحِّدٌ لِلَّهِ، وأنَّ كُلَّ ما قَدَرَ عَلَيْهِ الإنْسانُ مِن مِلْكٍ، ونِعْمَةٍ، فَلا قُوَّةَ لَهُ، ولا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، إلّا بِاللَّهِ، فَقالَ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي ولا أُشْرِكُ بِرَبِّي أحَدًا﴾، فَدَلَّ خِطابُهُ عَلى أنَّ صاحِبَ الجَنَّتَيْنِ مُشْرِكٌ عابِدٌ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ. وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي﴾، خَمْسَةُ أوْجُهٍ: ”لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي“، بِتَشْدِيدِ النُّونِ، وفَتْحِها، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالألِفِ، ويُوصَلُ بِغَيْرِ ألِفٍ، ويُقْرَأُ: ”لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي“، بِالألِفِ مَوْصُولَةً، ويُقْرَأُ: ”لَكِنْ هو اللَّهُ رَبِّي“، بِسُكُونِ النُّونِ، ويَجُوزُ - ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ -: ”لَكِنَنَ هو اللَّهُ رَبِّي“، بِنُونَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ. وَيَجُوزُ: ”لَكِنَنا هو اللَّهُ رَبِّي“، بِنُونَيْنِ وألِفٍ، فَمَن قَرَأ بِتَشْدِيدِ النُّونِ فالمَعْنى: ”لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي“، فَطُرِحَتِ الهَمْزَةُ عَلى النُّونِ، فَتَحَرَّكَتْ بِالفَتْحِ، واجْتَمَعَ حَرْفانِ مِن جِنْسٍ واحِدٍ، فَأُدْغِمَتِ النُّونُ الأُولى في الثّانِيَةِ، وحُذِفَتِ الألِفُ في الوَصْلِ، لِأنَّها تَثْبُتُ في الوَقْفِ، وتُحْذَفُ في الوَصْلِ، ومَن قَرَأ: ”لَكِنّا“، فَأثْبَتَ الألِفَ في الوَصْلِ، كَما كانَ تَثْبِيتُها في (p-٢٨٧)الوَقْفِ، فَهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: ”أنا قُمْتُ“، فَأثْبَتَ الألِفَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أنا سَيْفُ العَشِيرَةِ فاعْرِفُونِي حَمِيدًا قَدْ تَذَرَّيْتُ السَّناما قالَ أبُو إسْحاقَ: وألِفُ ”أنا“، في كُلِّ هَذا إثْباتُها شاذٌّ في الوَصْلِ، ولَكِنَّ مَن أثْبَتَ فَعَلى الوَقْفِ، كَما أثْبَتَ الهاءَ في قَوْلِهِ: ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ [القارعة: ١٠]، و﴿كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]، ومَن قَرَأ: ”لَكِنَّ هو اللَّهُ رَبِّي“، وهي ”لَكِنَّ“، وحْدَها، لَيْسَ مَعَها اسْمٌ، ومَن قَرَأ: ”لَكِنَنَ“، لَمْ يُدْغِمْ، لِأنَّ النُّونَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ، وكَذَلِكَ مَن قالَ: ”لَكِنَنا“، بِنُونَيْنِ، وألِفٍ، عَلى قِياسِ ”لَكِنَّ أنا“، لَمْ يُدْغِمْ، لِأنَّ النُّونَيْنِ مِن كَلِمَتَيْنِ. وَفِي ”أنا“، في الوَصْلِ، ثَلاثُ لُغاتٍ، أجْوَدُها: ”أنا قُمْتُ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿أنا رَبُّكُمُ﴾ [النازعات: ٢٤]، بِغَيْرِ ألِفٍ في اللَّفْظِ، ويَجُوزُ: ”أنا قُمْتُ“، بِإثْباتِ الألِفِ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا، وحَكَوْا: ”أنْ قُمْتُ“، بِإسْكانِ النُّونِ، وهو ضَعِيفٌ أيْضًا، فَأمّا ”لَكِنّا هو اللَّهُ رَبِّي“، فَهو الجَيِّدُ، بِإثْباتِ الألِفِ، لِأنَّ الهَمْزَةَ قَدْ حُذِفَتْ مِن ”أنا“، فَصارَ إثْباتُ الألِفِ عِوَضًا مِنَ الهَمْزَةِ، فَهَذا جَمِيعُ ما يَحْتَمِلُهُ هَذا الحَرْفُ. والجَيِّدُ البالِغُ ما في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ولَمْ نَذْكُرْهُ في هَذِهِ القِراءاتِ، لِمُخالَفَتِهِ المُصْحَفَ، وهو ”لَكِنَّ أنا هو اللَّهُ رَبِّي“، فَهَذا هو الأصْلُ، وجَمِيعُ ما قُرِئَ بِهِ جَيِّدٌ، بالِغٌ، ولا أُنْكِرُ القِراءَةَ بِهَذا، لِأنَّ الحَذْفَ قَدْ يَقَعُ في الكِتابِ كَثِيرًا في الياءاتِ والهَمَزاتِ، فَيُقْرَأُ بِالحَذْفِ، وبِالتَّمامِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: (p-٢٨٨)﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، مَن قَرَأ: ”اَلدّاعِي“، فَمُصِيبٌ، ومَن قَرَأ: ”اَلدّاعِ“، فَمُصِيبٌ”، وكَذَلِكَ مَن قَرَأ:“لَكِنّا”، و“لَكِنَّ أنا"، فَهو مُصِيبٌ، والأجْوَدُ اتِّباعُ القُرّاءِ، ولُزُومُ الرِّوايَةِ، فَإنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، وكُلَّما كَثُرَتِ الرِّوايَةُ في الحَرْفِ، وكَثُرَتْ بِهِ القِراءَةُ، فَهو المُتَّبَعُ، وما جازَ في العَرَبِيَّةِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ قارِئٌ، فَلا تَقْرَأنَّ بِهِ، فَإنَّ القِراءَةَ بِهِ بِدْعَةٌ، وكُلُّ ما قَلَّتْ فِيهِ الرِّوايَةُ، وضَعُفَ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، فَهو داخِلٌ في الشُّذُوذِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تَقْرَأ بِهِ.

الكهف 18:39

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾، و”اَلْجَنَّةُ“: اَلْبُسْتانُ، ومَعْنى: ”وَلَوْلا“: ”هَلّا“، وتَأْوِيلُ الكَلامِ التَّوْبِيخُ، ﴿قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ﴾، ”ما“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”قُلْتَ: اَلْأمْرُ ما شاءَ اللَّهُ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى الشَّرْطِ، والجَزاءِ، ويَكُونَ الجَوابُ مُضْمَرًا، ويَكُونَ التَّأْوِيلُ: ”أيُّ شَيْءٍ شاءَ اللَّهُ كانَ“، ويُضْمَرُ الجَوابُ كَما أُضْمِرَ جَوابُ ”لَوْ“، في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١]، اَلْمَعْنى: ”لَكانَ هَذا القُرْآنَ“. وَقَوْلُهُ: ﴿لا قُوَّةَ إلا بِاللَّهِ﴾، اَلِاخْتِيارُ النَّصْبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، عَلى النَّفْيِ، كَما قالَ: ”لا رَيْبَ فِيهِ“، ويَجُوزُ ”لا قُوَّةٌ إلّا بِاللَّهِ“، عَلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ”بِاللَّهِ“، اَلْمَعْنى أنَّهُ لا يَقْوى أحَدٌ في دَيْدَنِهِ، ولا في مِلْكِ يَمِينِهِ إلّا بِاللَّهِ، ولا يَكُونُ لَهُ إلّا ما شاءَ اللَّهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تَرَنِ أنا أقَلَّ مِنكَ﴾، ”أقَلَّ“، مَنصُوبٌ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ ”تَرَنِي“، و”أنا“، يَصْلُحُ لِشَيْئَيْنِ، إنْ شِئْتَ كانَتْ تَوْكِيدًا لِلنُّونِ، والياءِ، وإنْ شِئْتَ كانَتْ فَصْلًا، كَما تَقُولُ: ”كُنْتَ أنْتَ (p-٢٨٩)القائِمَ يا هَذا“، ويَجُوزُ رَفْعُ ”أقَلَّ“، وقَدْ قَرَأ بِها عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”إنْ تَرَنِ أنا أقَلُّ مِنكَ مالًا“، عَلى أنَّ ”أنا“، اِبْتِداءٌ، و”أقَلُّ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِـ ”تَرَنِي“.

الكهف 18:40

وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَسى رَبِّي أنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِن جَنَّتِكَ﴾، جائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ ”فِي الدُّنْيا“، أوْ ”فِي الآخِرَةِ“، ”وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانًا مِّنَ السَّماءِ“، وهَذا مَوْضِعٌ لَطِيفٌ، يَحْتاجُ أنْ يُشْرَحَ، وهو أنَّ الحُسْبانَ في اللُّغَةِ هو الحِسابُ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، اَلْمَعْنى: ”بِحِسابٍ“، فالمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: ”أنْ يُرْسِلَ عَلَيْها عَذابَ حُسْبانٍ“، وذَلِكَ الحُسْبانُ هو حِسابُ ما كَسَبَتْ يَداكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾، ”اَلصَّعِيدُ“: اَلطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ”اَلزَّلَقُ“.

الكهف 18:41

﴿أوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْرًا﴾، مَعْناهُ: ”غائِرًا“، يُقالُ: ”ماءٌ غَوْرٌ“، و”مِياهٌ غَوْرٌ“، و”غَوْرٌ“، مَصْدَرٌ، مِثْلَ ”عَدْلٌ“، و”رِضًى“. وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾، أيْ: ”يَغُورُ فَلا تَقْدِرُ عَلى أثَرٍ تَطْلُبُهُ مِن أجْلِهِ“.

الكهف 18:42

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾، أيْ: ”أحاطَ اللَّهُ العَذابَ بِثَمَرِهِ“، ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ (p-٢٩٠)وَتَقْلِيبُ الكَفَّيْنِ يَفْعَلُهُ النّاسُ كَثِيرًا، ﴿وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾، أيْ: حِيطانُها قائِمَةٌ لا سُقُوفَ عَلَيْها، وقَدْ تَهَدَّمَتْ سُقُوفُها، فَصارَتْ في قَرارِها، و”اَلْعُرُوشُ“: اَلسُّقُوفُ، فَصارَتِ الحِيطانُ كَأنَّها عَلى السُّقُوفِ.

الكهف 18:43

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، ”يَنْصُرُونَهُ“، مَحْمُولٌ عَلى مَعْنى ”فِئَةٌ“، اَلْمَعْنى: ”وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أقْوامٌ يَنْصُرُونَهُ“، ولَوْ كانَ ”تَنْصُرُهُ“، لَجازَ، كَما قالَ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٣] ﴿وَما كانَ مُنْتَصِرًا﴾، وما كانَ هو أيْضًا قادِرًا عَلى نَصْرِ نَفْسِهِ.

الكهف 18:44

وَقَوْلُهُ: ﴿هُنالِكَ الوَلايَةُ لِلَّهِ الحَقِّ﴾، وتُقْرَأُ: ”اَلْوِلايَةُ - بِكَسْرِ الواوِ، وفَتْحِها - لِلَّهِ الحَقِّ“، وتُقْرَأُ: ”اَلْحَقُّ“، اَلْمَعْنى: ”فِي مِثْلِ تِلْكَ الحالِ بَيانُ الوَلايَةِ لِلَّهِ“، أيْ: ”عِنْدَ ذَلِكَ يَتَبَيَّنُ نَصْرُهُ،“وَلِيُّ اللَّهِ يَتَوَلّى اللَّهُ إيّاهُ”، فَمَن قَرَأ:“اَلْحَقُّ”، بِالرَّفْعِ، فَهو نَعْتٌ لِلْوَلايَةِ، ومَن قَرَأ:“اَلْحَقِّ”، فَهو بِالجَرِّ، فَهو نَعْتٌ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ويَجُوزُ“اَلْحَقَّ”، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ في التَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ:“هُنالِكَ الحَقَّ”، أيْ:“أحُقُّ الحَقَّ". وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوابًا وخَيْرٌ عُقْبًا﴾، و”عُقُبًا“، ويَجُوزُ و”خَيْرٌ عُقْبى“، عَلى وزْنِ ”بُشْرى“، و”ثَوابًا“، و”عُقْبًا“، مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ.

الكهف 18:45

وَقَوْلُهُ: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلَ الحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أنْـزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الأرْضِ﴾، (p-٢٩١)تَأْوِيلُهُ أنَّهُ نَجَعَ في النَّباتِ حَتّى خالَطَهُ، فَأخَذَ النَّباتُ زُخْرُفَهُ، ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا﴾، و”اَلْهَشِيمُ“: اَلنَّباتُ الجافُّ، الَّذِي تُسَفِّيهِ الرِّيحُ، ﴿تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾، ويُقْرَأُ: ”اَلرِّيحُ“، وفي ”تَذْرُوهُ“، لُغَتانِ: لا يُقْرَأُ بِهِما: ”تُذْرِيهِ“، بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِ الرّاءِ، و”تَذْرِيهِ“، بِفَتْحِ التّاءِ، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الحَياةَ الدُّنْيا زائِلَةٌ، ودَلِيلُ ذَلِكَ أنَّ ما مَضى مِنها بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يَكُنْ، وأعْلَمَ أنَّ مَثَلَها هَذا المَثَلُ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، أيْ: عَلى الإنْشاءِ والإفْناءِ مُقْتَدِرًا. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالكَلامُ ”كانَ اللَّهُ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّ ما شاهَدْتُمْ مِن قُدْرَتِهِ لَيْسَ بِحادِثٍ عِنْدَهُ، وأنَّهُ كَذَلِكَ كانَ، ولَمْ يَزَلْ، هَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، وقالَ الحَسَنُ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾، أيْ: كانَ مُقْتَدِرًا عَلَيْهِ قَبْلَ كَوْنِهِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”كانَ“، مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ ”كائِنٌ“، و”يَكُونُ“، وقَوْلُ الحَسَنِ في هَذا حَسَنٌ، جَمِيلٌ. وَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، مَذْهَبُ النَّحْوِيِّينَ الحُذّاقِ، كَما وصَفْنا، لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّما خُوطِبَتِ العَرَبُ بِلُغَتِها، ونَزَلَ القُرْآنُ بِما يَعْقِلُونَهُ، ويَتَخاطَبُونَ بِهِ، والعَرَبُ لا تَعْرِفُ ”كانَ“، في مَعْنى ”يَكُونُ“، إلّا أنْ يَدْخُلَ عَلى الحَرْفِ آلَةٌ تَنْقُلُها إلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، وكَذَلِكَ لا تَعْرِفُ الماضِيَ في مَعْنى الحالِ، فَهَذا شَرْحُ ما في القُرْآنِ مِن هَذا البابِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ”وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا“، ”وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا“، وقَدْ فَسَّرْناهُ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ.

الكهف 18:46

(p-٢٩٢)وَقَوْلُهُ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ أمَلا﴾، ”اَلْباقِياتُ الصّالِحاتُ“، هي الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وقِيلَ: هي ”سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ“، و”اَلْباقِياتُ الصّالِحاتُ“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَبْقى ثَوابُهُ“، فالصَّلَواتُ الخَمْسُ، وتَوْحِيدُ اللَّهِ، وتَعْظِيمُهُ، داخِلٌ في الباقِياتِ الصّالِحاتِ، وكَذَلِكَ الصَّدَقاتُ، والصِّيامُ، والجِهادُ، وأعْمالُ الخَيْرِ والبَرِّ كُلُّها.

الكهف 18:47

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، ”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى التِّلاوَةِ والذِّكْرِ، المَعْنى: ”واذْكُرْ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى ”والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ يَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ“، أيْ: ”خَيْرٌ في القِيامَةِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي تَبْقى آثامُها“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، مَعْناهُ: ”ظاهِرَةً“، وقَدْ سُيِّرَتْ جِبالُها، واجْتُثَّتْ أشْجارُها، وذَهَبَتْ أبْنِيَتُها، فَبَقِيَتْ ظاهِرَةً، وقَدْ ألْقَتْ ما فِيها وتَخَلَّتْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾، أيْ: ”لَمْ نُخَلِّفْ أحَدًا مِنهُمْ“.

الكهف 18:48

﴿وَعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾، مَعْناهُ أنَّهم كُلَّهم ظاهِرُونَ لِلَّهِ، تُرى جَماعَتُهُمْ، كَما يُرى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمْ، لا يَحْجُبُ واحِدٌ واحِدًا. وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونا كَما خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾، أيْ: بَعَثْناكم كَما خَلَقْناكُمْ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم يُحْشَرُونَ عُراةً، غُرْلًا، حُفاةً، مَعْنى ”غُرْلًا“: جَمْعُ ”أغْرَلُ“، وهو الأقْلَفُ. (p-٢٩٣)وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ ألَّنْ نَجْعَلَ لَكم مَوْعِدًا﴾، أيْ: بَلْ زَعَمْتُمْ أنْ لَنْ تُبْعَثُوا، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - وعْدَهم بِالبَعْثِ.

الكهف 18:49

وَقَوْلُهُ: ﴿وَوُضِعَ الكِتابُ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وُضِعَ كِتابُ كُلِّ امْرِئٍ بِيَمِينِهِ، أوْ شِمالِهِ، ﴿فَتَرى المُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا فِيهِ ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾، كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ دَعا بِالوَيْلِ، ﴿مالِ هَذا الكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً إلا أحْصاها﴾، أيْ:“لا تارِكًا صَغِيرَةً"، ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أحَدًا﴾، أيْ: إنَّما يُعاقِبُهُمْ، فَيَضَعُ العُقُوبَةَ مَوْضِعَها في مُجازاةِ الذُّنُوبِ، وأجْمَعَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ الظُّلْمَ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

الكهف 18:50

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾، قَوْلُهُ: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ أُمِرَ بِالسُّجُودِ مَعَ المَلائِكَةِ، وأكْثَرُ ما في التَّفْسِيرِ أنَّ إبْلِيسَ مِن غَيْرِ المَلائِكَةِ، وقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ كانَ مِنَ الجِنِّ بِمَنزِلَةِ آدَمَ مِنَ الإنْسِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الجِنَّ ضَرْبٌ مِنَ المَلائِكَةِ، كانُوا خُزّانَ الأرْضِ، وقِيلَ: خُزّانَ الجِنانِ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ اسْتُثْنِيَ مَعَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ، فَقالَ: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾، فَكَيْفَ وقَعَ الِاسْتِثْناءُ ولَيْسَ هو مِنَ الأوَّلِ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّهُ أُمِرَ مَعَهم بِالسُّجُودِ، فاسْتُثْنِيَ مِن أنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّكَ تَقُولُ: ”أمَرْتُ عَبْدِي وإخْوَتِي، فَأطاعُونِي إلّا عَبْدِي“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، ورَبُّ العالَمِينَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وقَدْ جَرى ذِكْرُهُ في (p-٢٩٤)الِاسْتِثْناءِ، وهو اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَعْرِفَ مَعْنى الكَلامِ غَيْرَ هَذا، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ﴾، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”خَرَجَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ“، يُقالُ: ”فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ“، إذا خَرَجَتْ عَنْ قِشْرِها، وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”فَسَقَ عَنْ رَدِّ أمْرِ رَبِّهِ“، ومَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، وهو الحَقُّ عِنْدَنا، أنَّ مَعْنى ”فَسَقَ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ“: أتاهُ الفِسْقُ لَمّا أُمِرَ، فَعَصى، فَكانَ سَبَبَ فِسْقِهِ أمْرُ رَبِّهِ، كَما تَقُولُ: ”أطْعَمَهُ عَنْ جُوعٍ، وكَساهُ عَنْ عُرْيٍ“، اَلْمَعْنى: ”كانَ سَبَبَ فِسْقِهِ الأمْرُ بِالسُّجُودِ“، كَما كانَ سَبَبَ الإطْعامِ الجُوعُ، وسَبَبَ الكِسْوَةِ العُرْيُ. وَقَوْلُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلا﴾، مَعْناهُ أنَّهُ بِئْسَ ما اسْتَبْدَلَ بِهِ الظّالِمُونَ مِن رَبِّ العِزَّةِ - جَلَّ وعَزَّ -، إبْلِيسَ.

الكهف 18:51

وَقَوْلُهُ: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ ولا خَلْقَ أنْفُسِهِمْ﴾، أيْ: لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ إذْ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ، ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾، ويُقْرَأُ: ”وَما كُنْتَ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ“، بِفَتْحِ التّاءِ، المَعْنى في فَتْحِها: ”ما كُنْتَ يا مُحَمَّدُ لِتَتَّخِذَ المُضِلِّينَ أنْصارًا“، وضَمُّ التّاءِ هي القِراءَةُ، وعَلَيْها المَعْنى: يُخْبِرُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لا يَعْتَضِدُ فِيها، ولا في نُصْرَتِهِ بِالمُضِلِّينَ، و”اَلِاعْتِضادُ“: اَلتَّقَوِّي، وطَلَبُ المَعُونَةِ، يُقالُ: ”اِعْتَضَدْتُ بِفُلانٍ“، مَعْناهُ: اِسْتَعَنْتُ بِهِ، و”عَضُدًا“، فِيهِ خَمْسَةُ أوْجُهٍ، وجْهانِ مِنها كَثِيرانِ، جَيِّدانِ، وهُما (p-٢٩٥)”عَضُدًا“، بِفَتْحِ العَيْنِ، وضَمِّ الضّادِ، و”عُضُدًا“، بِضَمِّ العَيْنِ، والضّادِ، ويَجُوزُ ”عَضْدًا“، و”عُضْدًا“، بِتَسْكِينِ الضّادِ، وضَمِّ العَيْنِ، وفَتْحِها، وقَدْ رُوِيَتْ ”عَضِدًا“، بِكَسْرِ الضّادِ، ويَجُوزُ في ”عَضِدًا“، بِكَسْرِ الضّادِ: ”عَضْدًا“.

الكهف 18:52

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نادُوا شُرَكائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، أضافَهم إلَيْهِ عَلى قَوْلِهِمْ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾، جَعَلْنا بَيْنَهم مِنَ العَذابِ ما يُوبِقُهُمْ، أيْ: يُهْلِكُهُمْ، و”اَلْمَوْبِقُ“: اَلْمُهْلِكُ، يُقالُ: ”وَبِقَ، الرَّجُلُ، يَوْبَقُ، وبَقًا“، ويُقالُ: ”يَيْبَقُ“، و”بائِقٌ“، وفِيهِ لُغَةٌ أُخْرى: ”وَبَقَ، يَبِقُ، وبُوقًا“، و”هُوَ وابِقٌ“، والأوَّلُ هو ”وَبِقٌ“.

الكهف 18:53

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ﴾، اَلْقِراءَةُ: ”وَرَأى“، ويَجُوزُ ”وَراءَ المُجْرِمُونَ“، مِثْلَ: ”وَراعَ“، كَما قالَ كُثَيِّرٌ: ؎وَكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهْوَ قائِلٌ مِنَ اجْلِكَ هَذا هامَةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ قَوْلُهُ: ﴿فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾، مَعْناهُ: ”أيْقَنُوا“، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ، ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْها مَصْرِفًا﴾، أيْ: مَعْدِلًا، قالَ أبُو كَبِيرٍ: (p-٢٩٦) ؎أزُهَيْرُ هَلْ عَنْ شَيْبَةٍ مِن مَصْرِفٍ ∗∗∗ أمْ لا خُلُودَ لِباذِلٍ مُتَكَلِّفِ

الكهف 18:54

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِلنّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾، أيْ: مِن كُلِّ مَثَلٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، أيْ: بَيَّناهُ لَهم. وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا﴾، مَعْناهُ: كانَ الكافِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] . فَإنْ قالَ قائِلٌ: وهَلْ يُجادِلُ غَيْرُ الإنْسانِ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ أنَّ إبْلِيسَ قَدْ جادَلَ، وأنَّ كُلَّ ما يَعْقِلُ مِنَ المَلائِكَةِ، والجِنِّ، يُجادِلُ، ولَكِنَّ الإنْسانَ أكْثَرُ هَذِهِ الأشْياءِ جَدَلًا.

الكهف 18:55

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”وَما مَنَعَ النّاسَ مِنَ الإيمانِ“، ﴿إلا أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”إلّا طَلَبَ أنْ تَأْتِيَهم سُنَّةُ الأوَّلِينَ“، و”سُنَّةُ الأوَّلِينَ“، أنَّهم عايَنُوا العَذابَ، فَطَلَبَ المُشْرِكُونَ أنْ قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ قُبُلا﴾، ويُقْرَأُ: ”قِبَلًا“، بِكَسْرِ القافِ، وفَتْحِ الباءِ، ويَجُوزُ ”قُبْلًا“، بِتَسْكِينِ الباءِ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها أحَدٌ، ومَوْضِعُ ”أنْ“، في قَوْلِهِ: ”إلّا أنْ تَأْتِيَهُمْ“: رَفْعٌ، وتَأْوِيلُ ”قِبَلًا“: مُعايَنَةً، (p-٢٩٧)وَتَأْوِيلُ ”قُبُلًا“: جَمْعُ ”قَبِيلٌ“، اَلْمَعْنى: ”أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ أنْواعًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ ”قُبُلًا“، بِمَعْنى: مِن قُبُلٍ، أيْ: مِمّا يُقابِلُهم.

الكهف 18:57

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَدْعُهم إلى الهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إذًا أبَدًا﴾، هَؤُلاءِ قَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم أنَّهم مِن أهْلِ الطَّبْعِ، فَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾، ”أكِنَّةٌ“: جَمْعُ ”كِنانَةٌ“، وهو الغِطاءُ، وهو مِثْلُ ”عِنانٌ“، و”أعِنَّةٌ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَؤُلاءِ بِأعْيانِهِمْ لَنْ يَهْتَدُوا أبَدًا.

الكهف 18:58

وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا﴾، ”اَلْمَوْئِلُ“: اَلْمَنجا، يُقالُ: ”وَألَ، يَئِلُ“، إذا نَجا.

الكهف 18:59

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهم لَمّا ظَلَمُوا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَأهْلُ تِلْكَ القُرى أهْلَكْناهُمْ“، يُعْنى بِهِ مَن أهْلَكَ مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ، نَحْوَ ”عادٍ“، و”ثَمُودَ“، و”قَوْمِ لُوطٍ“، ومَن ذُكِرَ بِالهَلاكِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾، أيْ: أجَلًا، وفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: ”لِمُهْلَكِهِمْ“، وتَأْوِيلُ ”اَلْمُهْلَكُ“، عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى المَصْدَرِ، وعَلى الوَقْتِ، مَعْنى المَصْدَرِ: ”لِإهْلاكِهِمْ“، ومَعْنى الوَقْتِ: ”لِوَقْتِ هَلاكِهِمْ“، وكُلُّ فِعْلٍ ماضٍ عَلى ”أفْعَلَ“، فالمَصْدَرَ مِنهُ ”مُفْعَلٌ“، أوْ ”إفْعالٌ“، واسْمُ الزَّمانِ مِنهُ ”مُفْعَلٌ“، وكَذَلِكَ اسْمُ المَكانِ، تَقُولُ: ”أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا“، و”هَذا مُدْخَلُهُ“، أيْ: اَلْمَكانُ الَّذِي يَدْخُلُ زَيْدٌ مِنهُ، و”هَذا مُدْخَلُهُ“، أيْ: وقْتُ إدْخالِهِ. وَيَجُوزُ أنْ يُقْرَأ: ”لِمَهْلِكِهِمْ“، عَلى أنْ يَكُونَ ”مَهْلِكٌ“، اِسْمًا لِلزَّمانِ، عَلى مَعْنى ”هَلَكَ، يَهْلِكُ“، و”هَذا زَمَنُ مَهْلِكِهِ“، مِثْلَ: ”جَلَسَ، يَجْلِسُ“، إذا أرَدْتَ المَكانَ، أوِ الزَّمانَ، فَإذا أرَدْتَ المَصْدَرَ قُلْتَ: ”مَهْلَكٌ“، بِفَتْحِ اللّامِ، مِثْلَ: ”مَجْلَسٌ“، يُقالُ: ”أتَتِ النّاقَةُ عَلى مَضْرَبِها“، (p-٢٩٨)أيْ: عَلى زَمانِ ضِرابِها، وتَقُولُ: ”جَلَسَ، مَجْلَسًا“، بِفَتْحِ اللّامِ، ومِثْلُهُ: ”هَلَكَ مَهْلَكًا“، أيْ: ”هُلْكًا“، ومَوْضِعُ ”تِلْكَ القُرى“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و”اَلْقُرى“: صِفَةٌ لَها، مُبَيِّنَةٌ، و”أهْلَكْناهُمْ“، خَبَرُ الِابْتِداءِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”تِلْكَ القُرى“، نَصْبًا، ويَكُونَ ”أهْلَكْناهُمْ“، مُفَسِّرًا لِلنّاصِبِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”وَأهْلَكْنا تِلْكَ القُرى أهْلَكْناهُمْ“.

الكهف 18:60

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ بِالإمالَةِ، والكَسْرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وأهْلُ الحِجازِ يَفْتَحُونَ، ويُفَخِّمُونَ، ويُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ فَتاهُ ”يُوشَعُ بْنُ نُونٍ“، ﴿لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ﴾، مَعْنى ”لا أبْرَحُ“: ”لا أزالُ“، ولَوْ كانَ ”لا أزُولُ“، كانَ مُحالًا، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَزُلْ مِن مَكانِهِ، لَمْ يَقْطَعْ أرْضًا، ومَعْنى ”لا أبْرَحُ“، في مَعْنى: ”لا أزالُ“، مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَأبْرَحُ ما أدامَ اللَّهُ قَوْمِي عَلى الأعْداءِ مُنْتَطِقًا مُجِيدا أيْ: لا أزالُ. (p-٢٩٩)وَإنَّما سَمّى فَتاهُ لِأنَّهُ كانَ يَخْدِمُهُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُ مُوسى: ﴿آتِنا غَداءَنا﴾ [الكهف: ٦٢] وَقَوْلُهُ: ﴿حُقُبًا﴾، ”اَلْحُقُبُ“: ثَمانُونَ سَنَةً، وكانَ مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ المَوْضِعَ الَّذِي وُعِدَ فِيهِ مُوسى بِلِقاءِ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأحَبَّ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يُعْلِمَ مُوسى - وإنْ كانَ قَدْ أُوتِيَ التَّوْراةَ - أنَّهُ قَدْ أُوتِيَ غَيْرُهُ مِنَ العِلْمِ أيْضًا ما لَيْسَ عِنْدَهُ، فَوُعِدَ بِلِقاءِ الخَضِرِ.

الكهف 18:61

﴿فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما﴾، يُعْنى بِهِ مُوسى، ويُوشَعُ، ﴿نَسِيا حُوتَهُما﴾، وكانَتْ - فِيما رُوِيَ - سَمَكَةً مَمْلُوحَةً، وكانَتْ آيَةً لِمُوسى في المَوْضِعِ الَّذِي يَلْقى فِيهِ الخَضِرَ، ﴿فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ سَرَبًا﴾، أحْيا اللَّهُ السَّمَكَةَ حَتّى سَرَبَتْ في البَحْرِ، و”سَرَبًا“، مَنصُوبٌ عَلى جِهَتَيْنِ، عَلى المَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ: ”اِتَّخَذْتُ طَرِيقِي في السَّرَبِ“، و”اِتَّخَذْتُ طَرِيقِي مَكانَ كَذا وكَذا“، فَيَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا، كَقَوْلِكَ: ”اِتَّخَذْتُ زَيْدًا وكِيلًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”سَرَبًا“، مَصْدَرًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ”فاتَّخَذَ سَبِيلَهُ“، في البَحْرِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”نَسِيا حُوتَهُما فَجَعَلَ الحُوتُ طَرِيقَهُ في البَحْرِ“، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”سَرَبَ الحُوتُ سَرَبًا“، ومَعْنى ”نَسِيا حُوتَهُما“، كانَ النِّسْيانُ مِن يُوشَعَ أنَّ يُقَدِّمَهُ، وكانَ النِّسْيانُ مِن مُوسى أنْ يَأْمُرَهُ فِيهِ بِشَيْءٍ.

الكهف 18:63

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ أرَأيْتَ إذْ أوَيْنا إلى الصَّخْرَةِ﴾، والصَّخْرَةُ مَوْضِعُ المَوْعِدِ. (p-٣٠٠)﴿فَإنِّي نَسِيتُ الحُوتَ﴾، وهَذا قَوْلُ يُوشَعَ لِمُوسى، حِينَ قالَ مُوسى: ”آتِنا غَداءَنا“، وكانَتِ السَّمَكَةُ مِن عُدَّةِ غَدائِهِما، فَقالَ: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾، كَسْرُ الهاءِ، وضَمُّها، جائِزانِ في ”أنْسانِيهُ“، ﴿أنْ أذْكُرَهُ﴾، بَدَلٌ مِنَ الهاءِ، لِاشْتِمالِ الذِّكْرِ عَلى الهاءِ في المَعْنى، والمَعْنى: ”وَما أنْسانِي أنْ أذْكُرَهُ إلّا الشَّيْطانُ“، ﴿واتَّخَذَ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا﴾، ”عَجَبًا“، مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ، عَلى ”قَوْلُ يُوشَعَ: واتَّخَذَ الحُوتُ سَبِيلَهُ في البَحْرِ عَجَبًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”قالَ يُوشَعُ: اِتَّخَذَ الحُوتُ سَبِيلَهُ في البَحْرِ“، فَأجابَهُ مُوسى فَقالَ: ”عَجَبًا“، كَأنَّهُ قالَ: ”أعْجَبُ عَجَبًا“.

الكهف 18:64

ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾، اَلْأكْثَرُ في الوَقْفِ: ”نَبْغِ“، عَلى اتِّباعِ المُصْحَفِ، وبَعْدَ ”نَبْغِ“، آيَةٌ، ويَجُوزُ - وهو أحْسَنُ في العَرَبِيَّةِ -: ”ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِي“، في الوَقْفِ، أمّا الوَصْلُ فالأحْسَنُ فِيهِ ”نَبْغِي“، بِإثْباتِ الياءِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عَمْرٍو، وهو أقْوى في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى قَوْلِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”ذَلِكَ ما كُنّا نَبْغِ“، أيْ: ”ما كُنّا نُرِيدُ“، لِأنَّهُ وُعِدَ بِالخَضِرِ في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي تَتَسَرَّبُ فِيهِ السَّمَكَةُ، ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾، أيْ: رَجَعا في الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكاهُ، يَقُصّانِ الأثَرَ قَصَصًا، و”اَلْقَصَصُ“: اِتِّباعُ الأثَرِ.

الكهف 18:65

(p-٣٠١)﴿فَوَجَدا عَبْدًا مِن عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِن عِنْدِنا وعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾، يُعْنى بِهِ الخَضِرُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ ”اَلْخَضِرَ“، لِأنَّهُ كانَ إذا صَلّى في مَكانٍ اخْضَرَّ ما حَوْلَهُ، وفِيما فَعَلَهُ مُوسى - وهو مِن جُلَّةِ الأنْبِياءِ، وقَدْ أُوتِيَ التَّوْراةَ، مِن طَلَبِهِ العِلْمَ والرِّحْلَةَ - في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَتْرُكَ طَلَبَ العِلْمِ، وإنْ كانَ قَدْ بَلَغَ نِهايَتَهُ، وأحاطَ بِأكْثَرِ ما يُدْرِكُهُ أهْلُ زَمانِهِ، وأنْ يَتَواضَعَ لِمَن هو أعْلَمُ مِنهُ.

الكهف 18:66

﴿قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أتَّبِعُكَ عَلى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾، و”رَشَدًا“، و”اَلْفُعْلُ“، و”اَلفَعَلُ“، نَحْوَ: ”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، كَثِيرٌ في العَرَبِيَّةِ، نَحْوَ: ”اَلْبُخْلُ“، و”اَلْبَخَلُ“، و”اَلْعُجْمُ“، و”اَلْعَجَمُ“، و”اَلْعُرْبُ“، و”اَلْعَرَبُ“.

الكهف 18:67

﴿قالَ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، هَذا قَوْلُ الخَضِرِ لِمُوسى، ثُمَّ أعْلَمَهُ العِلَّةَ في تَرْكِ الصَّبْرِ، فَقالَ: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٦٨]، أيْ: وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما ظاهِرُهُ مُنْكَرٌ؟ والأنْبِياءُ، والصّالِحُونَ، لا يَصْبِرُونَ عَلى ما يَرَوْنَهُ مُنْكَرًا.

الكهف 18:69

﴿قالَ سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا﴾، هَذا قَوْلُ مُوسى لِلْخَضِرِ.

الكهف 18:70

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ فَإنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْألْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنهُ ذِكْرًا﴾، أيْ: إنْ أنْكَرْتَهُ فَلا تَعْجَلْ بِالمَسْألَةِ إلى أنْ أُبَيِّنَ لَكَ الوَجْهَ فِيهِ، ونَصْبُ (p-٣٠٢)”خُبْرًا“، عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ”لَمْ تَحِطْ بِهِ“: ”لَمْ تَخْبُرْهُ خُبْرًا“، ومِثْلُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎وَصِرْنا إلى الحُسْنى ورَقَّ حَدِيثُنا ورُضْتُ فَذَلَّتْ صَعْبَةٌ أيَّ إذْلالِ لِأنَّ مَعْنى ”رُضْتُ“: ”أذْلَلْتُ“، وكَذَلِكَ ”أحَطْتُ بِهِ“، في مَعْنى ”خَبُرْتُهُ“.

الكهف 18:71

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا رَكِبا في السَّفِينَةِ خَرَقَها﴾، أيْ: خَرَقَها الخَضِرُ، ﴿قالَ أخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أهْلَها﴾، و”لِيَغْرَقَ أهْلُها“، وكانَ خَرْقُها مِمّا يَلِي الماءَ، لِأنَّ التَّفْسِيرَ جاءَ بِأنَّهُ خَرَقَها بِأنْ قَلْعَ لَوْحَيْنِ مِمّا يَلِي الماءَ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إمْرًا﴾، ومَعْنى ”إمْرًا“: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ المُنْكَرِ.

الكهف 18:72

﴿قالَ ألَمْ أقُلْ إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾، فَلَمّا رَأى مُوسى أنَّ الخَرْقَ لَمْ يَدْخُلْ مِنهُ الماءُ، وأنَّهُ لَمْ يَضُرَّ مَن في السَّفِينَةِ، ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ ولا تُرْهِقْنِي مِن أمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: ٧٣]، ومَعْنى ”تُرْهِقُنِي“: ”تُغَشِّينِي“، أيْ: عامِلْنِي بِاليُسْرِ، لا بِالعُسْرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا لَقِيا غُلامًا فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]، مَعْناهُ: فَقَتَلَهُ الخَضِرُ، ﴿قالَ أقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف: ٧٤]، (p-٣٠٣)قالُوا في ”زَكِيَّةً“: بَرِيئَةً، أيْ: لَمْ يُرَ ما يُوجِبُ قَتْلَها، و”نُكْرًا“، أقَلُّ مِن قَوْلِهِ: ”إمْرًا“، لِأنَّ تَغْرِيقَ مَن في السَّفِينَةِ كانَ عِنْدَهُ أنْكَرَ مِن قَتْلِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ”نُكْرًا“، هَهُنا، مَعْناهُ: ”لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا أنْكَرَ مِنَ الأمْرِ الأوَّلِ“، و”نُكْرًا“، مَنصُوبٌ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما مَعْناهُ: ”أتَيْتَ شَيْئًا نُكْرًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”جِئْتَ بِشَيْءٍ نُكْرٍ“، فَلَمّا حُذِفَ الباءُ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ.

الكهف 18:76

﴿قالَ إنْ سَألْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها﴾، أيْ: بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، ﴿فَلا تُصاحِبْنِي﴾، ويُقْرأُ: ”فَلا تَصْحَبْنِي“، وقِراءَةٌ شاذَّةٌ: ”فَلا تُصْحِبْنِي“، فَمَن قَرَأ: ”فَلا تَصْحَبْنِي“، فَإنَّ مَعْناهُ: ”فَلا تَكُونَنَّ صاحِبِي“، ومَن قَرَأ: ”فَلا تُصاحِبْنِي“، فَمَعْناهُ: ”إنْ طَلَبْتُ صُحْبَتَكَ فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ“، ومَن قَرَأ: ”تُصْحِبْنِي“، فَفِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، فَأجْوَدُها: ”فَلا تُتابِعْنِي عَلى ذَلِكَ“، يُقالُ: ”قَدْ أصْحَبَ المُهْرُ“، إذا انْقادَ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: ”فَلا تُتابِعْنِي في شَيْءٍ ألْتَمِسُهُ مِنكَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”فَلا تُصْحِبْنِي أحَدًا“، ولا أعْرِفُ لِهَذا مَعْنًى، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَكُنْ سَألَ الخَضِرَ أنْ يُصْحِبَهُ أحَدًا. وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَدُنِّي عُذْرًا﴾، ويُقْرَأُ: ”مِن لَدُنِي“، بِتَخْفِيفِ النُّونِ، لِأنَّ أصْلَ ”لَدُنْ“، اَلْإسْكانُ، فَإذا أضَفْتَها إلى نَفْسِكَ زِدْتَ نُونًا، لِيُعْلَمَ سُكُونُ النُّونِ الأُولى، تَقُولُ: ”مِن لَدُنْ زَيْدٍ“، فَتُسَكِّنُ النُّونَ، ثُمَّ تُضِيفُ إلى نَفْسِكَ، فَتَقُولُ: ”مِن لَدُنِّي“، كَما تَقُولُ: ”عَنْ زَيْدٍ وعَنِّي“، ومَن قالَ: ”مِن لَدُنِي“، لَمْ يَجُزْ أنْ يَقُولَ: ”عَنِي“، و”مِنِي“، بِحَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ ”لَدُنْ“، اِسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، و”مِن“، و”عَنْ“، حَرْفانِ، جاءا لِمَعْنًى، و”لَدُنْ“، مَعَ ذَلِكَ، أثْقَلُ مِن ”مِن“، و”فِي“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الأسْماءَ يَجُوزُ فِيها حَذْفُ النُّونِ قَوْلُهُمْ: ”قَدْنِي“، في (p-٣٠٤)مَعْنى ”حَسْبِي“، ويَقُولُونَ: ”قَدْ زَيْدٌ“، فَيُدْخِلُونَ النُّونَ لِما ذَكَرْناهُ، إذا أُضِيفَتْ، ويَجُوزُ ”قَدِي“، بِحَذْفِ النُّونِ، لِأنَّ ”قَدْ“، اِسْمٌ غَيْرٌ مُتَمَكِّنٍ، قالَ الشّاعِرُ - فَجاءَ بِاللُّغَتَيْنِ -: ؎قَدْنِيَ مِن نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدِي فَأمّا إسْكانُهم دالَ ”لَدْنِ“، فَأسْكَنُوها كَما يَقُولُونَ في ”عَضُدٌ“: ”عَضْدٌ“، فَيَحْذِفُونَ الصِّفَةَ.

الكهف 18:77

وَقَوْلُهُ: ﴿فانْطَلَقا حَتّى إذا أتَيا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أهْلَها فَأبَوْا أنْ يُضَيِّفُوهُما﴾، وتُقْرَأُ: ”أنْ يُضِيفُوهُما“، يُقالُ: ”ضِفْتُ الرَّجُلَ“: نَزَلْتُ عَلَيْهِ، و”أضَفْتُهُ“، و”ضَيَّفْتُهُ“، إذا أنْزَلْتُهُ وقَرَّبْتُهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فَأقامَهُ﴾، أيْ: فَأقامَهُ الخَضِرُ، ومَعْنى ”جِدارًا يُرِيدُ“، والإرادَةُ إنَّما تَكُونُ في الحَيَوانِ المُبِينِ، والجِدارُ لا يُرِيدُ إرادَةً حَقِيقِيَّةً، إلّا أنَّ هَيْئَتَهُ في التَّهَيُّؤِ لِلسُّقُوطِ قَدْ ظَهَرَتْ، كَما تَظْهَرُ أفْعالُ المُرِيدِينَ القاصِدِينَ، فَوُصِفَ بِالإرادَةِ، إذِ الصُّورَتانِ واحِدَةٌ، وهَذا كَثِيرٌ في الشِّعْرِ، واللُّغَةِ، قالَ الرّاعِي - يَصِفُ الإبِلَ -: ؎فِي مَهْمَهٍ قَلِقَتْ بِهِ هاماتُها قَلَقَ الفُؤُوسِ إذا أرَدْنَ نُضُولا وَقالَ الآخَرُ: ؎يُرِيدُ الرُّمْحُ صَدْرَ أبِي بَراءٍ ∗∗∗ ويَعْدِلُ عَنْ دِماءِ بَنِي عَقِيلِ وَيُقْرَأُ: ”أنْ يَنْقَضَّ“، و”أنْ يَنْقاضَّ“، فَـ ”يَنْقَضَّ“: يَسْقُطُ بِسُرْعَةٍ، و”يَنْقاضَّ“: يَنْشَقُّ طُولًا، يُقالُ: ”اِنْقاضَّ سِنُّهُ“، إذا انْشَقَّتْ طُولًا". وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا﴾، ويُرْوى: ”لَتَخِذْتَ“، وذَلِكَ أنَّهُما لَمّا نَزَلا القَرْيَةَ لَمْ يُضَيِّفْهُما أهْلُها، ولا (p-٣٠٧)أنْزَلُوهُما، فَقالَ مُوسى: ”لَوْ شِئْتَ لَأخَذْتَ أُجْرَةَ إقامَتِكَ هَذا الحائِطَ“، ويُقْرَأُ: ”لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أجْرًا“، يُقالُ: ”تَخِذَ، يَتْخَذُ“، في ”اِتَّخَذَ، يَتَّخِذُ“، وأصْلُ ”تَخِذَ“، مِن ”أخَذْتُ“، وأصْلُ ”اِتَّخَذْتُ“: ”اِئْتَخَذْتُ“.

الكهف 18:78

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾، زَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْنى مِثْلِ هَذا التَّوْكِيدُ، والمَعْنى: ”هَذا فِراقُ بَيْنِنا“، أيْ: ”هَذا فِراقُ اتِّصالِنا“، قالَ: ومِثْلُ هَذا أمْرُ الكَلامِ: ”أخْزى اللَّهُ الكاذِبُ مِنِّي ومِنكَ“، فَذِكْرُ ”بَيْنِي وبَيْنَكَ“، ثانِيَةً، تَوْكِيدٌ، وهَذا لا يَكُونُ إلّا بِالواوِ، ولا يَجُوزُ: ”هَذا فِراقُ بَيْنِي فَبَيْنِكَ“، لِأنَّ مَعْنى الواوِ الِاجْتِماعُ، ومَعْنى الفاءِ أنْ يَأْتِيَ الثّانِي في أثَرِ الأوَّلِ.

الكهف 18:79

وَقَوْلُهُ: ﴿أمّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ في البَحْرِ﴾، ”مَساكِينُ“: لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ جَمْعٌ لا يَكُونُ عَلى مِثالِ الواحِدِ، وكَذَلِكَ كُلُّ جَمْعٍ نَحْوَ: ”مَساجِدُ“، و”مَفاتِيحُ“، و”طَوامِيرُ“، لا يَنْصَرِفُ كَما ذَكَرْنا، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ، في بابِ ما لا يَنْصَرِفُ. (p-٣٠٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ وراءَهم مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، كانَ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ لا عَيْبَ فِيها غَصْبًا، فَإنْ كانَتْ عائِبَةً لَمْ يَعْرِضْ لَها، و”وَراءَهُمْ“: خَلْفَهُمْ، هَذا أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كانَ رُجُوعُهم في طَرِيقِهِمْ عَلَيْهِ، ولَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ بِخَبَرِهِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ الخَضِرَ خَبَرَهُ، وقِيلَ: ”كانَ وراءَهُمْ“، مَعْناهُ: كانَ قُدّامَهُمْ، وهَذا جاءَ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ ما بَيْنَ يَدَيْكَ، وما قُدّامَكَ، إذا تَوارى عَنْكَ فَقَدْ صارَ وراءَكَ، قالَ الشّاعِرُ: ؎ألَيْسَ ورائِي إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي لُزُومُ العَصا تُثْنى عَلَيْها الأصابِعُ

الكهف 18:80

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الغُلامُ فَكانَ أبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أنْ يُرْهِقَهُما طُغْيانًا وكُفْرًا﴾، ”يُرْهِقَهُما“: يَحْمِلَهُما عَلى الرَّهَقِ، وهو الجَهْلُ. وَقَوْلُهُ: ”فَخَشِينا“، مِن كَلامِ الخَضِرِ، وقالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَخَشِينا“، عَنِ اللَّهِ، وقالُوا: ”دَلِيلُنا عَلى أنَّ“فَخَشِينا"، مِن كَلامِ الخَضِرِ.

الكهف 18:81

قَوْلُهُ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْرًا﴾، وهَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ”فَخَشِينا“، لِأنَّ الخَشْيَةَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مَعْناها: اَلْكَراهَةُ، ومَعْناها مِنَ الآدَمِيِّينَ: اَلْخَوْفُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأرَدْنا﴾، بِمَعْنى ”أرادَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ“، لِأنَّ لَفْظَ الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ كَذا، أكْثَرُ مِن أنْ يُحْصى، ومَعْنى: ﴿وَأقْرَبَ رُحْمًا﴾، أيْ: أقْرَبَ عَطْفًا، وأمَسَّ بِالقَرابَةِ، و”اَلرُّحْمُ“، و”اَلرَّحْمُ“، في اللُّغَةِ: اَلْعَطْفُ، والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ:(p-٣٠٦) ؎وَكَيْفَ بِظُلْمِ جارِيَةٍ ومِنها اللِّينُ والرُّحْمُ

الكهف 18:82

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْـزٌ لَهُما﴾، قِيلَ: كانَ الكَنْزُ عِلْمًا، وقِيلَ: كانَ الكَنْزُ مالًا، والمَعْرُوفُ في اللُّغَةِ أنَّ الكَنْزَ إذا أُفْرِدَ، فَمَعْناهُ المالُ المَدْفُونَ، والمُدَّخَرُ، فَإذا لَمْ يَكُنِ المالَ قِيلَ: ”عِنْدَهُ عِلْمٌ، ولَهُ كَنْزُ فَهْمٍ“، و”اَلْكَنْزُ“، هَهُنا، بِالمالِ أشْبَهُ، لِأنَّ العِلْمَ لا يَكادُ يُتَعَلَّمُ إلّا بِمُعَلِّمٍ، والمالُ لا يَحْتاجُ أنْ يُنْتَفَعَ فِيهِ بِغَيْرِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الكَنْزُ كانَ مالًا مَكْتُوبًا فِيهِ عِلْمٌ، لِأنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّهُ كانَ لَوْحًا مِن ذَهَبٍ، عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ“، فَهَذا مالٌ، وعِلْمٌ عَظِيمٌ، هو تَوْحِيدُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وإعْلامٌ أنَّ مُحَمَّدًا مَبْعُوثٌ. وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، ”رَحْمَةً“، مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما قَوْلُهُ: ”فَأرادَ رَبُّكَ، وأرَدْنا ما ذَكَرْنا، رَحْمَةً“، أيْ: لِلرَّحْمَةِ، أيْ: ”فَعَلْنا ذَلِكَ رَحْمَةً“، كَما تَقُولُ: ”أنْقَذْتُكَ مِنَ الهَلَكَةِ رَحْمَةً بِكَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”رَحْمَةً“، مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَبْلُغا أشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنْـزَهُما﴾ ”رَحِمَهُما اللَّهُ بِذَلِكَ“، وجَمِيعُ ما ذُكِرَ، مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْتُ أنْ أعِيبَها﴾ [الكهف: ٧٩]، ومِن قَوْلِهِ: ﴿فَأرَدْنا أنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما﴾ [الكهف: ٨١]، مَعْناهُ: ”رَحِمَهُما اللَّهُ رَحْمَةً“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فَعَلَهُ بِوَحْيِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.

الكهف 18:83

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ﴾، (p-٣٠٨)كانَتِ اليَهُودُ سَألَتْ عَنْ قِصَّةِ ذِي القَرْنَيْنِ، عَلى جِنْسِ الِامْتِحانِ، ﴿قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا﴾، يُقالُ: إنَّهُ سُمِّيَ ”ذا القَرْنَيْنِ“، لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ ضَفِيرَتانِ، ويُرْوى عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: سُمِّيَ ”ذا القَرْنَيْنِ“، لِأنَّهُ ضَرَبَ عَلى جانِبِ رَأْسِهِ الأيْمَنِ، وجانِبِ رَأْسِهِ الأيْسَرِ، أيْ: ضَرَبَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - عَلى مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ - أنْ يَكُونَ سُمِّيَ ”ذا القَرْنَيْنِ“، لِأنَّهُ بَلَغَ قُطْرَيِ الدُّنْيا، مَشْرِقَ الشَّمْسِ، ومَغْرِبَها.

الكهف 18:84

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ ﴿فَأتْبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]، ويُقْرَأُ: ”فاتَّبَعَ“، أيْ: ”آتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، ما يَبْلُغُ بِهِ في التَّمَكُّنِ أقْطارَ الأرْضِ، سَبَبًا“، أيْ: ”عِلْمًا يُوَصِّلُهُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ“، كَما سَخَّرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ، ومَعْنى ”فَأتْبَعَ سَبَبًا“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: أيْ: فاتَّبَعَ سَبَبًا مِنَ الأسْبابِ الَّتِي أُوتِيَ.

الكهف 18:86

﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”حَمِئَةٍ“، بِالهَمْزِ، فَمَن قَرَأ: ”حَمِئَةٍ“، أرادَ ”فِي عَيْنِ ذاتِ حَمْأةٍ“، ويُقالُ: ”حَمَأْتُ البِئْرَ“، إذا أخْرَجْتُ حَمْأتَها، و”أحْمَأْتُها“، إذا ألْقَيْتُ فِيها الحَمْأةَ، و”حَمِئَتْ هِيَ، تَحْمَأُ، فَهي حَمِئَةٌ“، إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ، ومَن قَرَأ: ”حامِيَةٍ“، بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: ”حارَّةٍ“، وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ، ﴿وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا﴾، أيْ: عِنْدِ العَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾، (p-٣٠٩)أباحَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - هَذَيْنِ الحُكْمَيْنِ، كَما أباحَ مُحَمَّدًا ﷺ الحُكْمَ بَيْنَ أهْلِ الكِتابِ، أوِ الإعْراضَ عَنْهم.

الكهف 18:87

﴿قالَ أمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا﴾، أيْ: فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ بِالقَتْلِ، وعَذابُ اللَّهِ إيّاهُ بِالنّارِ أنْكَرُ مِن عَذابِ القَتْلِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى﴾ [الكهف: ٨٨]، وتُقْرَأُ ”جَزاءُ الحُسْنى“، اَلْمَعْنى: ”فَلَهُ الحُسْنى جَزاءً“، و”جَزاءً“، مَصْدَرٌ مَوْضُوعٌ في مَوْضِعِ الحالِ، المَعْنى: ”فَلَهُ الحُسْنى مَجْزِيًّا بِها جَزاءً“، ومَن قَرَأ: ”جَزاءُ الحُسْنى“، أضافَ ”جَزاءُ“، إلى ”اَلْحُسْنى“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا﴾ [الكهف: ٨٨]، أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.

الكهف 18:89

﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾، أيْ: سَبَبًا آخَرَ مِمّا يُوَصِّلُهُ إلى قُطْرٍ مِن أقْطارِ الأرْضِ.

الكهف 18:90

﴿حَتّى إذا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهم مِن دُونِها سِتْرًا﴾، أيْ: لَمْ نَجْعَلْ لَهم شَيْئًا يُظِلُّهم مِن سَقْفٍ، ولا لِباسٍ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الكهف: ٩١]، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجَدَها تَطْلُعُ عَلى قَوْمٍ كَذَلِكَ القَبِيلِ الَّذِينَ كانُوا عِنْدَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وأنَّ حُكْمَهم حُكْمُ أُولَئِكَ.

الكهف 18:92

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا﴾، أيْ: سَبَبًا ثالِثًا مِمّا يُبَلِّغُهُ قُطْرًا مِن أقْطارِ الأرْضِ.

الكهف 18:93

(p-٣١٠)﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾، ويُقْرَأُ: ”بَيْنَ السُّدَّيْنِ“، وقِيلَ: ما كانَ مَسْدُودًا خِلْقَةً فَهو ”سُدٌّ“، وما كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ فَهو ”سَدٌّ“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلا﴾، ويُقْرَأُ: ”يُفْقَهُونَ“، فَمَعْناهُ: لا يَكادُونَ يُفْهِمُونَ.

الكهف 18:94

﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ﴾، وتُقْرَأُ بِالهَمْزِ، في ”يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ“، ويُقْرَأُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، لا يَنْصَرِفانِ، لِأنَّهُما مَعْرِفَةٌ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: مَن هَمَزَ كَأنَّهُ يَجْعَلُهُ مِن أُجَّةِ الحَرِّ، ومِن قَوْلِهِ: ”مِلْحٌ أُجاجٌ“، و”أُجَّةُ الحَرِّ“: شِدَّتُهُ، وتَوَقُّدُهُ، ومِن هَذا قَوْلُهُمْ: ”أجَّجْتُ النّارَ“، ويَكُونُ التَّقْدِيرُ في ”يَأْجُوجَ“، ”يَفْعُولَ“، وفي ”مَأْجُوجَ“، ”مَفْعُولَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَرْكُ الهَمْزِ عَلى هَذا المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ماجُوجَ“، ”فاعُولَ“، وكَذَلِكَ ”ياجُوجَ“، وهَذا لَوْ كانَ الِاسْمانِ عَرَبِيَّيْنِ، لَكانَ هَذا اشْتِقاقَهُما، فَأمّا الأعْجَمِيَّةُ فَلا تُشْتَقُّ مِنَ العَرَبِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾، وتُقْرَأُ: ”خَراجًا“، فَمَن قَرَأ: ”خَرْجًا“، فَـ ”اَلْخَرْجُ“: اَلْفَيْءُ، و”اَلْخَراجُ“: اَلضَّرِيبَةُ، وقِيلَ: اَلْجِزْيَةُ، و”اَلْخَراجُ“، عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: الِاسْمُ لِما يُخْرَجُ مِنَ الفَرائِضِ في الأمْوالِ، و”اَلْخَرْجُ“، اَلْمَصْدَرُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سَدًّا﴾، أيْ: ”تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ“.

الكهف 18:95

﴿قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾، ويَجُوزُ: ”ما مَكَّنَنِي“، بِنُونَيْنِ، أيْ: ”اَلَّذِي مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ لِي مِمّا (p-٣١١)يَجْعَلُونَ لِي مِنَ الخَراجِ“، فَمَن قَرَأ: ”مَكَّنِي“، أدْغَمَ النُّونَ في النُّونِ، لِاجْتِماعِ النُّونَيْنِ، ومَن قَرَأ: ”مَكَّنَنِي“، بِنُونَيْنِ، أظْهَرَ النُّونَيْنِ، لِأنَّهُما مِن كَلِمَتَيْنِ، الأُولى مِن فِعْلٍ، والثّانِيَةُ تَدْخُلُ مَعَ الِاسْمِ المُضْمَرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾، أيْ: بِعَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ مَعِي، لا بِمالٍ، ﴿أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾، و”اَلرَّدْمُ“، في اللُّغَةِ، أكْثَرُ مِنَ السَّدِّ، لِأنَّ الرَّدْمَ ما جُعِلَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، يُقالُ: ”ثَوْبٌ مُرَدَّمٌ“، إذا كانَ قَدْ رُقِّعَ رُقْعَةً فَوْقَ رُقْعَةٍ.

الكهف 18:96

وَقَوْلُهُ: ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾، أيْ: ”قِطَعَ الحَدِيدِ“، وواحِدُ الزُّبَرِ: ”زُبَرَةٌ“، وهي القِطْعَةُ العَظِيمَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾، وتُقْرَأُ: ”اَلصُّدُفَيْنِ“، و”اَلصُّدْفَيْنِ“، وهُما ناحِيَتا الجَبَلِ. وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ انْفُخُوا﴾، وهو أنْ أخَذَ قِطَعَ الحَدِيدِ العِظامِ، وجَعَلَ بَيْنَها الحَطَبَ، والفَحْمَ، ووَضَعَ عَلَيْها المَنافِيخَ، حَتّى إذا صارَتْ كالنّارِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا﴾، والحَدِيدُ إذا أُحْمِيَ بِالفَحْمِ والمِنفاخِ صارَ كالنّارِ. وَقَوْلُهُ: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾، اَلْمَعْنى: ”أعْطَوْنِي قِطْرًا“، وهو النُّحاسُ، فَصَبَّ النُّحاسَ المُذابَ عَلى (p-٣١٢)الحَدِيدِ الَّذِي قَدْ صارَ كالزَّيْتِ، فاخْتَلَطَ، ولَصِقَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، حَتّى صارَ جَبَلًا صَلْدًا، مِن حَدِيدٍ، ونُحاسٍ، ويُقالُ: إنَّهُ بِناحِيَةِ أرْمِينِيَّةَ.

الكهف 18:97

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾، أيْ: ما قَدَرُوا أنْ يَعْلُوا عَلَيْهِ، لِارْتِفاعِهِ، وامْلِساسِهِ، وما اسْتَطاعُوا أنْ يَنْقُبُوهُ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْطاعُوا﴾، بِغَيْرِ تاءٍ، أصْلُها ”اِسْتَطاعُوا“، بِالتّاءِ، ولَكِنَّ التّاءَ، والطّاءَ، مِن مَخْرَجٍ واحِدٍ، فَحُذِفَتِ التّاءُ لِاجْتِماعِهِما، ويَخِفَّ اللَّفْظُ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”فَما اسْتاعُوا“، بِغَيْرِ طاءٍ، ولا تَجُوزُ القِراءَةُ بِها، ومِنهم مَن يَقُولُ: ”فَما أسْطاعُوا“، بِقَطْعِ الألِفِ، المَعْنى: ”فَما أطاعُوا“، فَزادُوا السِّينَ، قالَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ: زادُوها عِوَضًا مِن ذَهابِ حَرَكَةِ الواوِ، لِأنَّ الأصْلَ في ”أطاعَ“: ”أطْوَعَ“، فَأمّا مَن قَرَأ: ”فَما اسْطاعُوا“، بِإدْغامِ السِّينِ في الطّاءِ، فَلاحِنٌ، مُخْطِئٌ، زَعَمَ ذَلِكَ النَّحْوِيُّونَ، الخَلِيلُ، ويُونُسُ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعُ مَن قالَ بِقَوْلِهِمْ، وحُجَّتُهم في ذَلِكَ أنَّ السِّينَ ساكِنَةٌ، فَإذا أُدْغِمَتِ التّاءُ صارَتْ طاءً ساكِنَةً، ولا يُجْمَعُ بَيْنَ ساكِنَيْنِ، ومَن قالَ: أُطْرَحُ حَرَكَةَ التّاءِ عَلى السِّينِ، فَأقُولُ: ”فَما اسَطاعُوا“، فَخَطَأٌ أيْضًا، لِأنَّ سِينَ ”اِسْتَفْعَلَ“، لَمْ تُحَرَّكْ قَطُّ.

الكهف 18:98

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾، أيْ: هَذا التَّمْكِينُ الَّذِي أدْرَكْتُ بِهِ السَّدَّ رَحْمَةٌ مِن رَبِّي، ”فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا“، وتُقْرَأُ: ”دَكّاءَ“، عَلى ”فَعْلاءَ يا هَذا“، و”اَلدَّكّاءُ“، و”اَلذَّكاءُ“: كُلُّ ما انْسَبَطَ مِنَ الأرْضِ مِن مُرْتَفَعٍ، يُعْنى أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، أوْ في وقْتِ خُرُوجِ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ صارَ هَذا الجَبَلُ دَكًّا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ هَذا الجَبَلَ يَصِيرُ دَكًّا، قَوْلُهُ: ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ [الحاقة: ١٤]

الكهف 18:99

(p-٣١٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾، ومَعْنى ”يَمُوجُونَ في الشَّيْءِ“: يَخُوضُونَ فِيهِ، ويُكْثِرُونَ القَوْلَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِـ ”يَوْمَئِذٍ“، يَوْمُ القِيامَةِ، ويَكُونُ الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ“، أيْ: يَوْمَ انْقِضاءِ أمْرِ السَّدِّ. وَقَوْلُهُ: ”يَمُوجُ“: ماجُوا مُتَعَجِّبِينَ مِنَ السَّدِّ، ومَعْنى ”نُفِخَ في الصُّورِ“، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”اَلصُّورُ“: جَمْعُ ”صُورَةٌ“، والَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الصُّورَ قَرْنٌ يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ - واللَّهُ أعْلَمُ -، إلّا إنْ حَمَلْتَهُ أنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ النَّفْخِ يَكُونُ بَعْثُ العِبادِ، ونَشْرُهم.

الكهف 18:100

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾، تَأْوِيلُ ”عَرَضْنا“: أظْهَرْنا لَهم جَهَنَّمَ، حَتّى شاهَدُوها ورَأوْها.

الكهف 18:101

وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾، جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةً بِكُفْرِهِمْ، ﴿وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾، كانُوا لِعَداوَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ لا يَقْدِرُونَ أنْ يَسْمَعُوا ما يُتْلى عَلَيْهِمْ، كَما تَقُولُ لِلْكارِهِ لِقَوْلِكَ: ”ما تَقْدِرُ أنْ تَسْمَعَ كَلامِي“.

الكهف 18:102

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِي أوْلِياءَ﴾، (p-٣١٤)تَأْوِيلُهُ: ”أفَحَسِبُوا أنْ يَنْفَعَهُمُ اتِّخاذُهم عِبادِي أوْلِياءَ؟!“، وقُرِئَتْ - وهي جَيِّدَةٌ -: ”أفَحَسْبُ الَّذِينَ كَفَرُوا“، تَأْوِيلُهُ: ”أفَيَكْفِيهِمْ أنْ يَتَّخِذُوا العِبادَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ؟!“، ثُمَّ بَيَّنَ - عَزَّ وجَلَّ - جَزاءَهُمْ، فَقالَ: ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُـزُلا﴾، يُقالُ لِكَلِّ ما اتُّخِذَ لِيُمْكَثَ فِيهِ: ”أعْتَدْتُ لِفُلانٍ كَذا وكَذا“، أيْ: اِتَّخَذْتُهُ عَتادًا لَهُ، و”نُزُلًا“، بِمَعْنى: ”مَنزِلًا“.

الكهف 18:103

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالا﴾، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّهُ إذْ قالَ: ”بِالأخْسَرِينَ“، دَلَّ عَلى أنَّهُ كانَ مِنهم ما خَسِرُوهُ، فَبَيَّنَ ذَلِكَ الخُسْرانَ في أيِّ نَوْعٍ وقَعَ، فَأعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ لا يَنْفَعُ عَمَلٌ - عُمِلَ مَعَ الكُفْرِ بِهِ - شَيْئًا، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤]، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، و”اَلَّذِينَ“، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَرًّا، ورَفْعًا، فالجَرُّ: نَعْتٌ لِـ ”اَلْأخْسَرِينَ“، والرَّفْعُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، والمَعْنى: ”هُمُ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا“، ﴿وَهم يَحْسَبُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤]، وتُقْرَأُ: ”يَحْسِبُونَ“، ﴿أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٤]، أيْ: يَظُنُّونَ أنَّهم بِصَدِّهِمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهم يُحْسِنُونَ صُنْعًا.

الكهف 18:107

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُـزُلا﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ ”اَلْفِرْدَوْسِ“، فَقالَ قَوْمٌ: ”اَلْفِرْدَوْسُ“: اَلْأوْدِيَةُ الَّتِي (p-٣١٥)تُنْبِتُ ضُرُوبًا مِنَ النَّبْتِ، وقالُوا: ”اَلْفِرْدَوْسُ“: اَلْبُسْتانُ، وقالُوا: هو - بِالرُّومِيَّةِ - مَنقُولٌ إلى لَفْظِ العَرَبِيَّةِ، و”اَلْفِرْدَوْسُ“، أيْضًا، بِالسُّرْيانِيَّةِ كَذا، لَفْظَةُ ”فِرْدَوْسُ“، ولَمْ نَجِدْ في أشْعارِ العَرَبِ إلّا في بَيْتٍ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: ؎وَإنَّ ثَوابَ اللَّهِ كُلَّ مُوَحِّدٍ جِنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ فِيها يُخَلَّدُ وَحَقِيقَتُهُ أنَّهُ البُسْتانُ الَّذِي يَجْمَعُ كُلَّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ، لِأنَّهُ عِنْدَ أهْلِ كُلِّ لُغَةٍ كَذَلِكَ، ولِهَذا قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ: ”جِنانٌ مِنَ الفِرْدَوْسِ“، وقَوْلُهُمْ: إنَّهُ البُسْتانُ، يُحَقِّقُ هَذا، و”اَلْجَنَّةُ“، أيْضًا، في اللُّغَةِ: اَلْبُسْتانُ، إلّا أنَّ الجَنَّةَ الَّتِي يَدْخُلُها المُؤْمِنُونَ فِيها ما يَكُونُ في البَساتِينِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١]

الكهف 18:108

وَقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلا﴾، أيْ: لا يُرِيدُونَ عَنْها تَحَوُّلًا، يُقالُ: ”قَدْ حالَ في مَكانِهِ حِوَلًا“، كَما قالُوا في المَصادِرِ: ”صَغُرَ، صِغَرًا“، و”عَظُمَ، عِظَمًا“، و”عادَنِي حُبُّها عِوَدًا“، وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّ ”اَلْحِوالُ“: اَلْحِيلَةُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا المَعْنى: "لا يَحْتالُونَ مَنزِلًا غَيْرَها.

الكهف 18:109

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾، (p-٣١٦)”مَدَدًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، تَقُولُ: ”لِي مِلْءُ هَذا عَسَلًا“، و”مِثْلُ هَذا ذَهَبًا“، أيْ: مِثْلُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وقَدْ فَسَّرْنا نَصْبَ التَّمْيِيزِ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.

الكهف 18:110

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾، فِيها قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: ”فَمَن كانَ يَخافُ لِقاءُ رَبِّهِ“، ومِثْلُهُ: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، قالُوا: مَعْناهُ: ”ما لَكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً؟!“، وقَدْ قِيلَ أيْضًا: ”فَمَن كانَ يَرْجُو صَلاحَ المُنْقَلَبِ عِنْدَ رَبِّهِ“، فَإذا رَجاهُ خافَ أيْضًا عَذابَ رَبِّهِ، ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا﴾، وتَجُوزُ ”فَلِيَعْمَلْ“، بِكَسْرِ اللّامِ، وهو الأصْلُ، ولَكِنَّهُ يَثْقُلُ في اللَّفْظِ، ولا يَكادُ يُقْرَأُ بِهِ، ولَوِ ابْتُدِئَ بِغَيْرِ الفاءِ، لَكانَتِ اللّامُ مَكْسُورَةً، تَقُولُ: ”لِيَعْمَلْ زَيْدٌ بِخَيْرٍ“، فَلَمّا خالَطَتْها الفاءُ، وكانَ بَعْدَ اللّامِ الياءُ، ثَقُلَتِ الكَسْرَةُ مَعَ الياءِ، وهي وحْدَها ثَقِيلَةٌ، ألا تَراهم يَقُولُونَ في ”فَخِذٌ“: ”فَخْذٌ“.

مريم 19:1

(p-٣١٧)سُورَةُ مَرْيَمَ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كهيعص﴾، فِيها في القِراءَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: فَتْحُ الهاءِ والياءِ، وكَسْرُهُما، وقَرَأ الحَسَنُ بِضَمِّ الهاءِ: ”كهُيعص“، وهي أقَلُّ اللُّغاتِ، فَأمّا الفَتْحُ فَهو الأصْلُ، تَقُولُ: ”ها با تا“، في حُرُوفِ الهِجاءِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”هِا يِا“، بِالكَسْرِ، ومِنهم مَن يَنْحُو نَحْوَ الضَّمِّ، فَيَقُولُ: ”هُا يُا“، يُشِمُّ الضَّمَّ. وَحَكى الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ في ”اَلصَّلاةُ“: ”اَلصَّلُوةُ“، فَيَنْحُو نَحْوَ الضَّمِّ، فَأمّا مَن رَوى ضَمَّ الهاءِ مَعَ الياءِ، فَشاذٌّ، لِأنَّ إجْماعَ الرُّواةِ عَنِ الحَسَنِ ضَمُّ الهاءِ وحْدَها، وفي الرِّوايَةِ ضَمُّ الياءِ قَلِيلٌ عَنْهُ. واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ ”كهيعص“، فَقالَ أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّها حُرُوفُ التَّهَجِّي، تَدُلُّ عَلى الِابْتِداءِ بِالسُّورَةِ، نَحْوَ: ”الـم“، و”الـر“، وقِيلَ: إنَّ تَأْوِيلَها أنَّها حُرُوفٌ يَدُلُّ كُلٌّ واحِدٍ مِنها عَلى صِفَةٍ مِن صِفاتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَـ ”كافْ“، يَدُلُّ عَلى ”كَرِيمٌ“، و”ها“، يَدُلُّ عَلى ”هادٍ“، و”يا“، مِن ”حَكِيمٌ“، و”عَيْنْ“، يَدُلُّ عَلى ”عالِمٌ“، و”صادْ“، يَدُلُّ عَلى ”صادِقٌ“، وهَذا أحْسَنُ ما جاءَ في هَذِهِ الحُرُوفِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“ . (p-٣١٨)وَ”اَلْعَيْنُ“، قالُوا يَدُلُّ عَلى ”عَلِيمٌ“، ورُوِيَ أنَّ ”كهيعص“، اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ورُوِيَّ أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أقْسَمَ بِـ ”كهيعص“، أوْ قالَ: ”يا كهيعص“، والدُّعاءُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْمُ واحِدٍ، لِأنَّ الدّاعِيَ إذا عَلِمَ أنَّ الدُّعاءَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ يَدُلُّ عَلى صِفاتِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - فَدَعا بِها، فَكَأنَّهُ قالَ: ”يا كافِي، يا هادِي، يا عالِمُ، يا صادِقُ“، فَكَأنَّهُ دَعا بِـ ”كهيعص“، لِذِكْرِها في القُرْآنِ، وهو يَدُلُّ عَلى هَذِهِ الصِّفاتِ، فَإذا أقْسَمَ فَقالَ: ”وَكهيعص“، فَكَأنَّهُ قالَ: ”والكافِي، والهادِي، والعالِمِ، والحَكِيمِ، والصّادِقِ“، وأُسْكِنَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ لِأنَّها حُرُوفُ تَهَجٍّ، النِّيَّةُ فِيها الوَقْفُ.

مريم 19:2

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾، ”ذِكْرُ“، مُرْتَفِعٌ بِالمُضْمَرِ، المَعْنى: ”هَذا الَّذِي نَتْلُوهُ عَلَيْكَ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِالرَّحْمَةِ“، لِأنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَنِ إيّاهُ لا يَكُونُ إلّا بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والمَعْنى: ”ذِكْرُ رَبِّكَ عَبْدَهُ بِالرَّحْمَةِ“، و”زَكَرِيّا“، يُقْرَأُ عَلى وجْهَيْنِ: بِالقَصْرِ، والمَدِّ. فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِيَّةَ زَكَرِيّا، ويَحْيى، لِيَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ أُوحِي إلَيْهِ، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ ذِكْرُ مَن مَضى مِنَ الأنْبِياءِ، وأنَّهم يَجِدُونَ ذَلِكَ في كُتُبِهِمْ عَلى ما ذَكَرَ ﷺ، وهو لَمْ يَتْلُ كِتابًا، ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ، وأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ إلّا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وكانَ إخْبارُهُ بِهَذا وما أشْبَهَهُ، عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، دَلِيلًا عَلى نُبُوَّتِهِ ﷺ. وَقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّا﴾، يَرْتَفِعُ بِـ ”كهيعص“، وهَذا مُحالٌ، لِأنَّ ”كهيعص“، لَيْسَ هو فِيما أنْبَأنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ عَنْ زَكَرِيّا، وقَدْ بَيَّنَ في السُّورَةِ ما فَعَلَهُ بِهِ، وبَشَّرَهُ بِهِ، ولَمْ يَجِئْ في شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ أنَّ ”كهيعص“، هو قِصَّةُ زَكَرِيّا، ولا يَحْيى، ولا شَيْءٌ مِنهُ، وقَدْ أجْمَعَ (p-٣١٩)القائِلُ لِهَذا القَوْلِ، وغَيْرُهُ أنَّ رَفْعَهُ بِالإضْمارِ هو الوَجْهُ.

مريم 19:3

﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾، دَعا اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ – سِرًّا.

مريم 19:4

وَبَيَّنَ ما الَّذِي سَألَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾، ومَعْنى ”وَهَنَ“: ضَعُفَ، ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، قِيلَ: إنَّهُ كانَ قَدْ أتَتْ لَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ خَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: سِتُّونَ سَنَةً، وقِيلَ: خَمْسٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، و”شَيْبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، المَعْنى: ”اِشْتَعَلَ الرَّأْسُ مِنَ الشَّيْبِ“، يُقالُ لِلشَّيْبِ إذا كَثُرَ جِدًّا: ”قَدِ اشْتَعَلَ رَأْسُ فُلانٍ“، ﴿وَلَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، أيْ: كُنْتُ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ: ”لَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا“، أيْ: ”مَن دَعاكَ مُخْلِصًا فَقَدْ وحَّدَكَ وعَبَدَكَ، فَلَمْ أكُنْ بِعِبادَتِكَ شَقِيًّا“.

مريم 19:5

وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾، بِإسْكانِ الياءِ ”مِن ورائِي“، مَعْناهُ: مِن بَعْدِي، و”اَلْمَوالِي“: واحِدُهم ”مَوْلًى“، وهم بَنُو العَمِّ، وعَصَبَةُ الرَّجُلِ، ومَعْناهُ: اَلَّذِينَ يَلُونَهُ في النَّسَبِ، كَما أنَّ مَعْنى ”اَلْقَرابَةُ“: اَلَّذِينَ يَقْرُبُونَ مِنهُ في النَّسَبِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾، أيْ: قَدْ بَلَغْتُ هَذِهِ السِّنَّ، ﴿وامْرَأتِي عاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، و”اَلْعاقِرُ“، مِنَ النِّساءِ: اَلَّتِي بِها عِلَّةٌ تَمْنَعُ الوَلَدَ، فَكَذَلِكَ ”اَلْعاقِرُ“، مِنَ الرِّجالِ، فَلَيْسَ يَكُونُ لِي ولَدٌ إلّا ”وَلِيًّا“، فَهَبْهُ لِي، فَإنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.

مريم 19:6

(p-٣٢٠)وَقَوْلُهُ: ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾، ويُقْرَأُ بِالجَزْمِ: ”يَرِثْنِي ويَرِثْ مِن آلِ يَعْقُوبَ“، عَلى جَوابِ الأمْرِ، ومَن قَرَأ: ”يَرِثُنِي ويَرِثُ“، فَعَلى صِفَةِ الوَلِيِّ، وقِيلَ: ”يَرِثُنِي مالِي، ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ“، وقالَ قَوْمٌ: لا يَجُوزُ أنْ يَقُولَ زَكَرِيّا إنَّهُ يَخافُ أنْ يُورَثَ المالُ، لِأنَّ أمْرَ الأنْبِياءِ، والصّالِحِينَ أنَّهم لا يَخافُونَ أنْ يَرِثَهم أقْرِباؤُهم ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ، وجاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”إنّا مَعاشِرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ فَهو صَدَقَةٌ“»، فَقالُوا: مَعْناهُ: ”يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ النُّبُوَّةَ“. وَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾، وقَوْلُهُ أيْضًا: ﴿وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَألَ ولَدًا دَيِّنًا، لِأنَّ غَيْرَ الدَّيِّنِ لا يَكُونُ ولِيًّا لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ.

مريم 19:7

وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ﴾، و”نَبْشُرُكَ“، ﴿بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾، أيْ: لَمْ يُسَمَّ أحَدٌ قَبْلَهُ بِـ ”يَحْيى“، كَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ”سُمِّيَ بِـ“يَحْيى”، لِأنَّهُ حَيِيَ بِالعِلْمِ، وبِالحِكْمَةِ الَّتِي أُوتِيَها، وقِيلَ:“لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا”، أيْ:“نَظِيرًا”، و“مِثْلًا"، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ.

مريم 19:8

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾، وتُقْرَأُ: ”عُتِيًّا“، وقَدْ رُوِيَتْ: ”عُسِيًّا“، بِالسِّينِ، ولَكِنْ لا يَجُوزُ في القِراءَةِ، لِأنَّهُ بِخِلافِ المُصْحَفِ، وكُلُّ شَيْءٍ انْتَهى، فَقَدْ ”عَتا، يَعْتُو، عِتِيًّا، وعُتُوًّا، وعُسُوًّا، وعُسِيًّا“ . (p-٣٢١)فَأحَبَّ أنْ يَعْلَمَ مِن أيِّ جِهَةٍ يَكُونُ لَهُ ولَدٌ، ومِثْلُ امْرَأتِهِ لا تَلِدُ، ومِثْلُهُ لا يُولَدُ لَهُ.

مريم 19:9

﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: اَلْأمْرُ كَما قِيلَ لَكَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾، مَعْناهُ: ”وَلَمْ تَكُ شَيْئًا مَوْجُودًا“، أيْ: ”أوْجَدْتُكَ بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ“، أيْ: فَخَلْقُ الوَلَدِ لَكَ كَخَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وخَلْقِكَ، مِن نُطْفَةٍ، وعَلَقَةٍ، ومُضْغَةٍ، ولَحْمٍ، وعَظْمٍ.

مريم 19:10

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أيْ: عَلامَةً أعْلَمُ بِها وُقُوعَ ما بُشِّرْتُ بِهِ، ﴿قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾، أيْ: تُمْنَعُ الكَلامَ، وأنْتَ سَوِيٌّ، فَتَعْلَمُ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - قَدْ وهَبَ لَكَ الوَلَدَ، و”سَوِيًّا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

مريم 19:11

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، قِيلَ: مَعْنى ”أوْحى إلَيْهِمْ“: أوْمَأ إلَيْهِمْ، ورَمَزَ، وقِيلَ: كَتَبَ لَهم في الأرْضِ بِيَدِهِ، و”بُكْرَةً وعَشِيًّا“، مَنصُوبانِ عَلى الوَقْتِ.

مريم 19:12

وَقَوْلُهُ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وقُلْنا لَهُ: ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾، أيْ: بِجِدٍّ، وعَوْنٍ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ﴿وَآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وَحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٣]، (p-٣٢٢)أيْ:“وَآتَيْناهُ حَنانًا”، و“اَلْحَنانُ": اَلْعَطْفُ، والرَّحْمَةُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎فَقالَتْ حَنانٌ ما أتى بِكَ هَهُنا أذُو نَسَبٍ أمْ أنْتَ بِالحَيِّ عارِفُ أيْ: ”أمْرُنا حَنانٌ، أوْ عَطْفٌ، ورَحْمَةٌ“، وقالَ أيْضًا: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ اَلْمَعْنى: ”وَآتَيْناهُ حَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً“، و”اَلزَّكاةُ“: اَلتَّطْهِيرُ.

مريم 19:14

﴿وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ﴾، أيْ: وجَعَلْناهُ بَرًّا بِوالِدَيْهِ.

مريم 19:16

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾، ”اِنْتَبَذَتْ“: تَنَحَّتْ، ويُقالُ: ”نَبَذْتُ الشَّيْءَ“، إذا رَمَيْتُ بِهِ، ”مَكانًا شَرْقِيًا“، أيْ: نَحْوَ المَشْرِقِ.

مريم 19:17

﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا﴾، قِيلَ: إنَّها قَصَدَتْ نَحْوَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ، لِأنَّها أرادَتِ الغُسْلَ مِنَ الحَيْضِ، ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾، يُعْنى بِهِ ”جِبْرِيلُ“ ﷺ، وقِيلَ: ”اَلرُّوحُ“: عِيسى، لِأنَّهُ رُوحٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١] (p-٣٢٣)وَقِيلَ: إنَّ الرُّوحَ دَخَلَ مِن فِيِّ مَرْيَمَ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو الرُّوحُ، قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ”قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِيَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا“، أكْثَرُ القِراءَةِ: ”لِأهَبَ“، ورُوِيَتْ: ”لِيَهَبَ لَكِ“، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”لِنَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا“.

مريم 19:18

﴿قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، تَأْوِيلُهُ: ”إنّى أعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ، فَإنْ كُنْتَ تَقِيًّا فَسَتَتَّعِظُ بِتَعَوُّذِي بِاللَّهِ مِنكَ“، أمّا مَن قَرَأ: ”لِيَهَبَ“، بِالياءِ، فالمَعْنى: ”أرْسَلَنِي لِيَهَبَ“، ومَن قَرَأ: ”لِأهَبَ“، فَهو عَلى الحِكايَةِ، وحَمْلِ الحِكايَةِ عَلى المَعْنى، عَلى تَأْوِيلِ قالَ: ”أُرْسِلْتُ إلَيْكِ لِأهَبَ لَكِ.“

مريم 19:20

وَقَوْلُهُ: ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾، أيْ: ”لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ عَلى جِهَةِ تَزْوِيجٍ“، ”وَلَمْ أكُ بَغِيًّا“، أيْ: ولا قُرِبْتُ عَلى غَيْرِ حَدِّ التَّزْوِيجِ.

مريم 19:21

﴿قالَ كَذَلِكِ﴾، أيْ: ”اَلْأمْرُ عَلى ما وصَفْتُ لَكِ“، ﴿قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾، أيْ: وكانَ أمْرًا سابِقًا في عِلْمِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَقَعَ.

مريم 19:22

وَقَوْلُهُ: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾، ”اِنْتَبَذَتْ بِهِ“: تَباعَدَتْ بِهِ، و”قَصِيًّا“، و”قاصِيًا“، في مَعْنًى واحِدٍ، مَعْناهُ البُعْدُ.

مريم 19:23

(p-٣٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، مَعْناهُ: ”ألْجَأها“، وهو مِن ”جِئْتُ“، و”أجاءَنِي غَيْرِي“، وفي مَعْناهُ ”أشاءَنِي غَيْرِي“، وفي أمْثالِ العَرَبِ: ”شَرٌّ أجاءَكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ“، وبَعْضُهم يَقُولُ: ”أشاءَكَ“، قالَ زُهَيْرٌ: ؎وَجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْكم أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ واخْتُلِفَ في حَمْلِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقِيلَ: إنَّها حَمَلَتْ بِهِ ووَلَدَتْهُ في وقْتِها، وقِيلَ: إنَّهُ وُلِدَ في ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ، وتِلْكَ آيَةٌ لَهُ، لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ أنَّهُ يَعِيشُ مَوْلُودٌ وُلِدَ لِثَمانِيَةِ أشْهُرٍ غَيْرُهُ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾، يَدُلُّ عَلى مُكْثِ الحَمْلِ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا﴾، مَعْناهُ: إنِّي لَوْ خُيِّرْتُ قَبْلَ هَذِهِ الحالِ بَيْنَ المَوْتِ، أوِ الدَّفْعِ إلى هَذِهِ الحالِ لاخْتَرْتُ المَوْتَ، وقَدْ عَلِمَتْ - رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْها - أنَّها لَمْ يَكُنْ يَنْفَعُها أنْ تَتَمَنّى المَوْتَ قَبْلَ تِلْكَ الحالِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنسِيًّا﴾، ويُقْرَأُ: ”نَسْيًا“، بِفَتْحِ النُّونِ، وقِيلَ: مَعْنى ”نَسْيًا“: حَيْضَةً مُلْقاةً، وقِيلَ: ”نِسْيًا“، بِالكَسْرِ، في مَعْنى: مَنسِيَّةً لا أُعْرَفُ، و”اَلنِّسْيُ“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلشَّيْءُ المَطْرُوحُ، لا يُؤْبَهُ لَهُ، قالَ الشَّنْفَرى: (p-٣٢٥) ؎كَأنَّ لَها في الأرْضِ نِسْيًا تَقُصُّهُ ∗∗∗ عَلى أُمِّها وإنْ تُحَدِّثْكَ تَبْلَتِ

مريم 19:24

وَقَوْلُهُ: ﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألا تَحْزَنِي﴾، وتُقْرَأُ: ”مَن تَحْتَها“، وهي أكْثَرُ بِالكَسْرِ في القِراءَةِ، ومَن قَرَأ: ”مَن تَحْتَها“، عَنى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويَكُونُ المَعْنى في مُناداةِ عِيسى لَها أنْ يُبَيِّنَ اللَّهُ لَها الآيَةَ في عِيسى، وأنَّهُ أعْلَمَها أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - سَيَجْعَلُ لَها في النَّخْلَةِ آيَةً، ومَن قَرَأ: ”مِن تَحْتِها“، عَنى بِهِ المَلَكَ، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: يَعْنِي عِيسى، وقالَ: ”كانَ واللَّهِ سَرِيًّا مِنَ الرِّجالِ“، فَعَرَفَ الحَسَنُ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يُسَمِّي النَّهْرَ سَرِيًّا، فَرَجَعَ إلى هَذا القَوْلِ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ ”اَلسَّرِيُّ“: اَلنَّهْرُ، بِمَنزِلَةِ الجَدْوَلِ، قالَ لَبِيدٌ: ؎فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”اَلسَّرِيُّ“: اَلنَّهْرُ، وأنْشَدَ: ؎سَلْمٌ تَرى الدّالِيَّ مِنهُ أزْوَرا ∗∗∗ إذا يَعُجُّ في السَّرِيِّ هَرْهَرا

مريم 19:25

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾، يُرْوى أنَّهُ كانَ جِذْعًا مِن نَخْلَةٍ لا رَأْسَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - لَهُ رَأْسًا، وأنْبَتَ فِيهِ رُطَبًا، وكانَ ذَلِكَ في الشِّتاءِ، فَأمّا نَصْبُ ”رُطَبًا“، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هو مَفْعُولٌ بِهِ، المَعْنى: ”وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ رُطَبًا تَسّاقَطْ عَلَيْكِ“ . (p-٣٢٦)وَيَجُوزُ ”تَساقَطْ عَلَيْكِ“، ويَجُوزُ ”يُساقِطْ عَلَيْكِ“، ويَجُوزُ ”نُساقِطْ عَلَيْكِ“، بِالنُّونِ، ويَجُوزُ ”يَسّاقَطْ“، بِالياءِ، ويَجُوزُ ”يَتَساقَطْ عَلَيْكِ“، ويَجُوزُ ”تُساقَطُ عَلَيْكِ“، و”نُساقِطُ“، و”يَسّاقَطُ“، بِالرَّفْعِ، ويُرْوى عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ، فَمَن قَرَأ: ”يَسّاقَطْ عَلَيْكِ“، فالمَعْنى: ”يَتَساقَطْ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في السِّينِ، ومَن قَرَأ: ”تَسّاقَطْ“، فالمَعْنى: ”تَتَساقَطْ“، أيْضًا، فَأُدْغِمَتِ الياءُ في السِّينِ، وأُنِّثَ، لِأنَّ لَفْظَ النَّخْلَةِ مُؤَنَثٌ، ومَن قَرَأ: ”تَساقَطْ“، بِالتّاءِ، والتَّخْفِيفِ، فَإنَّهُ حَذَفَ التّاءَ مِن ”تَتَساقَطْ“، لِاجْتِماعِ التّاءَيْنِ، ومَن قَرَأ: ”يُساقِطْ“، فَعَلى مَعْنى ”يُساقِطِ الجِذْعُ عَلَيْكِ“، ومَن قَرَأ: ”نُساقِطُ“، بِالنُّونِ، فالمَعْنى: ”إنّا نَحْنُ نُساقِطُ عَلَيْكِ، فَنَجْعَلُ لَكِ بِذَلِكَ آيَةً“، والنَّحْوِيُّونَ يَقُولُونَ: إنَّ ”رُطَبًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، إذا قُلْتَ: ”يَسّاقَطْ“، أوْ ”يَتَساقَطْ“، فالمَعْنى: ”يَتَساقَطِ الجِذْعُ رُطَبًا“، ومَن قَرَأ: ”تَساقَطُ“، فالمَعْنى: ”تَتَساقَطُ النَّخْلَةُ رُطَبًا“.

مريم 19:26

وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾، أيْ: ”فَكُلِي مِنَ الرُّطَبِ، واشْرَبِي مِنَ السَّرِيِّ، وقَرِّي عَيْنًا بِعِيسى“، يُقالُ: ”قَرِرْتُ بِهِ عَيْنًا، أقَرُّ“، بِفَتْحِ القافِ، في المُسْتَقْبَلِ، و”قَرَرْتُ في المَكانِ، أقِرُّ“، بِكَسْرِ القافِ، في المُسْتَقْبَلِ، و”عَيْنًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا﴾، بِغَيْرِ ألِفٍ في ”تَرَيِنَّ“، ويَجُوزُ ”تَرْأيِنَّ“، بِألِفٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِالألِفِ أحَدٌ، وهي جَيِّدَةٌ، بالِغَةٌ، لَكِنَّها لا تَجُوزُ في القِراءَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٦]، ويَجُوزُ ”وَأرْأى“، بِالألِفِ، ولا تَقْرَأُ بِها، لَفْظُها ”أرْأى“، لِأنَّ (p-٣٢٧)القِراءَةَ سُنَّةٌ لا تُخالَفُ، والأجْوَدُ ”أرى“، وكَذَلِكَ ”تَرَيِنَّ“، اَلْأجْوَدُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، والتّاءُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ، والأصْلُ ”تَرْآيِّنَّ“، والياءُ حُرِّكَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، النُّونِ الأُولى مِنَ النُّونِ الشَّدِيدَةِ، والياءِ، وكَذَلِكَ تَقُولُ لِلْمَرْأةِ: ”اِخْشَيِنَّ زَيْدًا“. ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾، مَعْنى ”صَوْمًا“: صَمْتًا، يُقالُ: ”نَذَرْتُ النَّذْرَ، أنْذِرُهُ، وأنْذُرُهُ“، و”نَذِرْتُ بِالقَوْمِ، أنْذَرُ“، إذا عَلِمْتُ بِهِمْ، فاسْتَعْدَدْتُ لَهم. وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، أيْ: ”شَيْئًا عَظِيمًا“، يُقالُ: ”فُلانٌ يَفْرِي الفَرِيَّ“، إذا كانَ يَعْمَلُ عَمَلًا يُبالِغُ فِيهِ.

مريم 19:28

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾، اِخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ ”أُخْتَ هارُونَ“، في هَذا المَوْضِعِ، رَوَيْنا في التَّفْسِيرِ «أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: كَيْفَ تَقُولُونَ أنْتُمْ: مَرَيَمُ أُخْتُ هارُونَ، وبَيْنَهُما سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”إنَّهم كانُوا يُسَمَّوْنَ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ“»، أيْ: فَكانَ أخُو مَرْيَمَ يُسَمّى ”هارُونَ“ . وَقِيلَ: إنَّهم عَنَوْا بِأُخْتِ هارُونَ في الصَّلاحِ والدِّينِ، ويُرْوى أنَّ هارُونَ هَذا الدَّيِّنَ كانَ رَجُلًا مِن قَوْمِها صالِحًا، وأنَّهُ حَضَرَ جِنازَتَهُ أرْبَعُونَ ألْفًا، يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم ”هارُونَ“، والَّذِي في هَذا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ – بَيِّنٌ.

مريم 19:29

(p-٣٢٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾، أيْ: لَمّا خاطَبُوها، أشارَتْ إلَيْهِ، بِأنْ: ”اِجْعَلُوا الكَلامَ مَعَهُ“، ودَلَّ عَلى أنَّها أشارَتْ إلَيْهِ في الكَلامِ قَوْلُهُمْ: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾، وفي هَذا ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ مَعْنى ”كانَ“، اَللَّغْوُ، المَعْنى: ”كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن في المَهْدِ صَبِيًّا؟!“، لِأنَّ كُلَّ رَجُلٍ قَدْ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا، ولَكِنَّ المَعْنى: ”كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن في المَهْدِ صَبِيًّا، لا يَفْهَمُ مِثْلُهُ، ولا يَنْطِقُ لِسانُهُ بِالكَلِمِ“. وَقالَ قَوْمٌ: إنَّ ”كانَ“، في مَعْنى ”وَقَعَ“، و”حَدَثَ“، اَلْمَعْنى عَلى قَوْلِ هَؤُلاءِ: ”كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا قَدْ خُلِقَ في المَهْدِ؟!“، وأجْوَدُ الأقْوالِ أنْ يَكُونَ ”مَن“، في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”مَن يَكُنْ في المَهْدِ صَبِيًّا - ويَكُونَ“صَبِيًّا”، حالًا - فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ؟!“، كَما تَقُولُ: ”مَن كانَ لا يَسْمَعُ ولا يَعْقِلُ فَكَيْفَ أُخاطِبُهُ؟!“. وَرُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا أوْمَأتْ إلَيْهِ اتَّكَأ عَلى يَسارِهِ وأشارَ بِسَبّابَتِهِ، فَقالَ: ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٣٠] ﴿وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، أيْ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]، ومَعْنى ”اَلزَّكاةِ“، هَهُنا: اَلطَّهارَةِ، ”ما دُمْتُ حَيًّا“، ”دُمْتُ“، و”دِمْتُ“، جَمِيعًا.

مريم 19:32

﴿وَبَرًّا بِوالِدَتِي﴾، (p-٣٢٩)”وَبَرًّا“، عَطْفٌ عَلى ”مُبارَكًا“، اَلْمَعْنى: ”وَجَعَلَنِي مُبارَكًا وبَرًّا بِوالِدَتِي“.

مريم 19:33

﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ﴾، ”اَلسَّلامُ عَلَيَّ“، فِيهِ أوْجُهٌ، فَـ ”اَلسَّلامُ“، مَصْدَرُ ”سَلَّمْتُ، سَلامًا“، ومَعْناهُ: عُمُومُ العافِيَةِ والسَّلامَةِ، و”اَلسَّلامُ“، جَمْعُ ”سَلامَةٌ“، و”اَلسَّلامُ“، اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، و”سَلامٌ“، مِمّا ابْتُدِئَ بِهِ في النَّكِرَةِ، لِأنَّهُ اسْمٌ يَكْثُرُ اسْتِعْمالُهُ، تَقُولُ: ”سَلامٌ عَلَيْكَ“، و”اَلسَّلامُ عَلَيْكَ“، وأسْماءُ الأجْناسِ يُبْتَدَأُ بِها، لِأنَّ فائِدَةَ نَكِرَتِها قَرِيبٌ مِن فائِدَةِ مَعْرِفَتِها، تَقُولُ: ”لَبَّيْكَ، وخَيْرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”والخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْكَ“، وتَقُولُ: ”اَلسَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ“، و”سَلامٌ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ“، إلّا أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ ”سَلامٌ“، قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، كانَ الأحْسَنُ أنْ يُرَدَّ ثانِيَةً بِالألِفِ واللّامِ، تَقُولُ: ”سَلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ، اَلسَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ“، هَذا قَسْمٌ حَسَنٌ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”سَلامٌ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ“.

مريم 19:34

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِي الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا، عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، لا ما يَقُولُ النَّصارى مِن أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ، وأنَّهُ إلَهٌ - جَلَّ اللَّهُ وعَزَّ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”قَوْلُ الحَقِّ“، بِالرَّفْعِ، ويَجُوزُ ”قَوْلَ الحَقِّ“، بِالنَّصْبِ، فَمَن رَفَعَ فالمَعْنى: ”هُوَ قَوْلُ الحَقِّ“، ومَن نَصَبَ فالمَعْنى: ”أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ“، ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾، أيْ: يَشُكُّونَ.

مريم 19:35

﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، ”مِن ولَدٍ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمَعْنى: ”أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا“، و”مِن مُؤَكِّدَةٌ“، تَدُلُّ عَلى الواحِدِ، والجَماعَةِ، لِأنَّ لِلْقائِلِ أنْ يَقُولَ: ”ما اتَّخَذْتُ فَرَسًا“، يُرِيدُ: (p-٣٣٠)”اِتَّخَذْتُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ“، ولَهُ أنْ يَقُولَ: ”ما اتَّخَذْتُ فَرَسَيْنِ، ولا أكْثَرَ“، يُرِيدُ: ”اِتَّخَذْتُ فَرَسًا واحِدًا“، فَإذا قالَ: ”ما اتَّخَذْتُ مِن فَرَسٍ“، فَقَدْ دَلَّ عَلى نَفْيِ الواحِدِ، والجَمِيعِ، ﴿سُبْحانَهُ﴾، مَعْناهُ: تَنْزِيهًا لَهُ مِنَ السُّوءِ.

مريم 19:37

وَقَوْلُهُ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، يُعْنى بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ.

مريم 19:38

﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾، اَلْمَعْنى: ”ما أسْمَعَهم وأبْصَرَهم يَوْمَ القِيامَةِ!“، لِأنَّهم شاهَدُوا مِنَ البَعْثِ وأمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ما يُسْمِعُ ويُبْصِرُ بِغَيْرِ إعْمالِ فِكْرٍ وتَرْوِيَةٍ، وما يُدْعَوْنَ إلَيْهِ مِن طاعَةِ اللَّهِ - جَلَّ جَلالُهُ - في الدُّنْيا يَحْتاجُونَ فِيهِ إلى فِكْرٍ، ونَظَرٍ، فَضَلُّوا عَنْ ذَلِكَ في الدُّنْيا، وآثَرُوا اللَّهْوَ، والهَوى، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾

مريم 19:39

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ﴾، ”يَوْمُ الحَسْرَةِ“: يَوْمُ القِيامَةِ، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ «أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، واسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، أُتِيَ بِالمَوْتِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فَيُعْرَضُ عَلى أهْلِ النّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ إلَيْهِ، فَيُقالُ: ”أتَعْرِفُونَ هَذا؟“، فَيَقُولُونَ: ”نَعَمْ“، فَيُقالُ: (p-٣٣١)”هَذا المَوْتُ“، فَيُذْبَحُ، ويُنادى: ”يا أهْلَ النّارِ، خُلُودٌ لا مَوْتَ بَعْدَهُ“، وكَذَلِكَ يُنادى: ”يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ لا مَوْتَ بَعْدَهُ“»، ﴿وَهم في غَفْلَةٍ﴾، أيْ: هم في الدُّنْيا في غَفْلَةٍ.

مريم 19:41

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾، أيْ: اُذْكُرْ في الكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ، وهو القُرْآنُ، قِصَّةَ إبْراهِيمَ، وخَبَرَهُ، ”اَلصِّدِّيقُ“: اِسْمٌ لِلْمُبالَغَةِ في الصِّدْقِ، ويُقالُ لِكُلِّ مَن صَدَّقَ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وأنْبِيائِهِ، وعَمِلَ بِما يُصَدِّقُ بِهِ: ”صِدِّيقٌ“، ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ.

مريم 19:42

وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ﴾، اَلْوَقْفُ عَلَيْهِ: ”يا أبَهْ“، بِالهاءِ، والعَرَبُ تَقُولُ في النِّداءِ: ”يا أبَةِ“، و”يا أُمَّةِ“، ولا تَقُولُ: ”قالَ أبَتِي كَذا“، ولا ”قالَتْ أُمَّتِي كَذا“، وزَعَمَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ”يا عَمَّةَ“، و”يا خالَةَ“، وأنَّ ”أبَةِ“، لِلْمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، كَأنَّكَ تَقُولُ لِلْمُذَكَّرِ: ”أبَةِ“، ولِلْمُؤَنَّثِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لِلْأُمِّ حَظًّا في الأُبُوَّةِ أنَّهُ يُقالُ: ”أبَوانِ“. قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَوَرِثَهُ أبَواهُ﴾ [النساء: ١١]، وزَعَمَ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ”رَجُلٌ رَبْعَةٌ“، و”غُلامٌ يَفَعَةٌ“، وأنَّ الهاءَ في ”أبَةِ“ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ مِن ”يا أبِي“، ومِن ”يا أُمِّي“، ولَمْ يَقُلْ: ”يا أبَتِي“، ولا ”يا أُمَّتِي“، ولِذَلِكَ لَمْ تَقَعِ الهاءُ في غَيْرِ النِّداءِ، لِأنَّ حَذْفَ الياءِ يَقَعُ في النِّداءِ كَثِيرًا، تَقُولُ: ”يا أبِ لا تَفْعَلْ“، ولا تَقُلْ: ”قالَ أبِ كَذا وكَذا“، تُرِيدُ ”قالَ أبِي“، والمُؤَنَّثُ قَدْ يُوصَفُ بِالمُذَكَّرِ، كَقَوْلِهِمْ: ”اِمْرَأةٌ طالِقٌ، وطاهِرٌ“، ويُقالُ: ”ثَلاثَةُ (p-٣٣٢)أنْفُسٍ“، و”اَلنَّفْسُ“، أُنْثى، سُمِّيَ بِها المُذَكَّرُ، وهَذا تَفْسِيرٌ مُسْتَقْصًى، وقَرِيبٌ.

مريم 19:43

وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ﴾، يَدُلُّ أنَّهُ كانَ قَدْ أتاهُ الوَحْيُ، ومَعْنى: ﴿صِراطًا سَوِيًّا﴾، أيْ: طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا. وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ [مريم: ٤٤]، مَعْنى عِبادَةِ الشَّيْطانِ - واللَّهُ أعْلَمُ -: طاعَتُهُ فِيما يُسَوِّلُ مِنَ الكُفْرِ، والمَعاصِي.

مريم 19:44

﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾، فَمَن فَتَحَ حَذَفَ الألِفَ الَّتِي أُبْدِلَتْ مِن ياءِ الإضافَةِ، أرادَ: ”يا أبَتا“، فالألِفُ بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ، إلّا أنَّ الواجِبَ حَذْفُها، إذْ كانَتْ بَدَلًا مِن ياءٍ تُحْذَفُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، يَعْنِي الصَّنَمَ.

مريم 19:46

وَقَوْلُهُ: ﴿لأرْجُمَنَّكَ﴾، مَعْناهُ: ”لَأشْتُمَنَّكَ“، يُقالُ: ”فُلانٌ يَرْمِي فُلانًا“، و”يَرْجُمُ فُلانًا“، مَعْناهُ: يَشْتُمُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ﴾ [النور: ٤]، مَعْناهُ: ”يَشْتُمُونَهُنَّ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”لَأرْجُمَنَّكَ“: لَأقْتُلَنَّكَ رَجْمًا، والَّذِي عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ أنَّ الرَّجْمَ هَهُنا: اَلشَّتْمُ.

مريم 19:47

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾، (p-٣٣٣)مَعْناهُ: لَطِيفًا، يُقالُ: ”قَدْ تَحَفّى فُلانٌ بِفُلانٍ“، و”حَفِيَ فُلانٌ بِفُلانٍ، حَفْوَةً“، إذا بَرَّهُ، وألْطَفَهُ.

مريم 19:50

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾، أيْ: أبْقَيْنا لَهم ثَناءً حَسَنًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]

مريم 19:51

وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا﴾، و”مُخْلِصًا“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، و”اَلْمُخْلَصُ“، بِفَتْحِ اللّامِ: اَلَّذِي أخْلَصَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ -، أيْ: جَعَلَهُ مُخْتارًا، خالِصًا مِنَ الدَّنَسِ، و”اَلْمُخْلِصُ“، بِكَسْرِ اللّامِ: اَلَّذِي وحَّدَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، وجَعَلَ نَفْسَهُ خالِصَةً في طاعَةِ اللَّهِ، غَيْرَ دَنِسَةٍ.

مريم 19:52

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾، مَعْناهُ: مُناجِيًا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَرَّبَهُ حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ الَّذِي كُتِبَتْ بِهِ التَّوْراةُ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مِثْلَ: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أيْ: قَرَّبَهُ في المَنزِلَةِ حَتّى سَمِعَ مُناجاةَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهي كَلامُ اللَّهِ.

مريم 19:53

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾، ”هارُونُ“، لا يَنْصَرِفُ في المَعْرِفَةِ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وهو مَعْرِفَةٌ.

مريم 19:55

وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾، أهْلُهُ: جَمِيعُ أُمَّتِهِ، مَن كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، أوْ مَن لَمْ تَكُنْ، وكَذَلِكَ أهْلُ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ. (p-٣٣٤)﴿وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾، أصْلُهُ: ”مَرْضُوًّا“، وهو جائِزٌ في اللُّغَةِ، غَيْرُ جائِزٍ في القُرْآنِ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْمُصْحَفِ، والخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ يَقُولُونَ: ”فُلانٌ مَرْضُوٌّ، ومَرْضِيٌّ“، و”أرْضٌ مَسْنُوَّةٌ، ومَسْنِيَّةٌ“، إذا سُقِيَتْ بِالسَّوانِي، أوْ بِالمَطَرِ، والأصْلُ الواوُ، إلّا أنَّها قُلِبَتْ - عِنْدَ الخَلِيلِ - لِأنَّها طَرَفٌ، قَبْلَها واوٌ ساكِنَةٌ، لَيْسَ بِحاجِزٍ حَصِينٍ، وكَأنَّها ”مَفْعُلٌ“، بِضَمِّ العَيْنِ، و”مَفْعُلٌ“، مِن أدَواتِ الواوِ يُقْلَبُ إلى ”مَفْعِلٌ“، لِأنَّ الواوَ لا تَكُونُ طَرَفًا وقَبْلَها مُتَحَرِّكٌ في الأسْماءِ، وأمّا غَيْرُ سِيبَوَيْهِ، والبَصْرِيِّينَ، فَلَهم فِيهِ قَوْلانِ: قالَ بَعْضُهُمْ: لَمّا كانَ الفِعْلُ مِنهُ ”رَضِيتُ“، فانْتَقَلَ مِنَ الواوِ إلى الياءِ، صارَ ”مَرْضِيًّا“، وقِيلَ: إنَّ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ في تَثْنِيَةِ ”رِضًى“: ”رِضَيانِ“، و”رِضَوانِ“، فَمَن قالَ: ”رِضَيانِ“، لَمْ يَكُنْ مِن قَوْلِهِ إلّا: ”مَرَضِيٌّ“، ومَن قالَ: ”رِضَوانِ“، في التَّثْنِيَةِ، جازَ أنْ يَقُولَ: ”فُلانٌ مَرْضُوٌّ“، و”مَرَضِيٌّ“.

مريم 19:57

وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّهُ سَألَ مَلَكَ المَوْتِ، حَتّى سَألَ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - أنْ رَفَعَهُ، فَأُدْخِلَ النّارَ، ثُمَّ أُخْرِجَ، فَأُدْخِلَ الجَنَّةَ، فَقِيلَ لَهُ في الخُرُوجِ، فَقالَ: "قَدْ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]، وقالَ في أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿وَما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، فَأقَرَّهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في الجَنَّةِ، وهَذا الحِجاجُ إنَّما هو في القُرْآنِ - واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٣٣٥)وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ قَدْ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - إدْرِيسَ وُرُودَ الخَلْقِ النّارَ، وأنَّهم مُخَلَّدُونَ في الجِنانِ، قَبْلَ إنْزالِهِ القُرْآنَ، وجاءَ القُرْآنُ مُوافِقًا ما عُلِّمَ إدْرِيسُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ رُفِعَ كَما رُفِعَ عِيسى، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ - قَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾، أيْ: في النُّبُوَّةِ والعِلْمِ.

مريم 19:58

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّ الأنْبِياءَ كانُوا إذا سَمِعُوا بِآياتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - سَجَدُوا، وبَكَوْا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، و”بُكِيًّا“، جَمْعُ ”باكٍ“، مِثْلَ ”شاهِدٌ“، و”شُهُودٌ“، و”قاعِدٌ“، و”قُعُودٌ“، و”سُجَّدًا“، حالٌ مُقَدَّرَةٌ، المَعْنى: ”خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ“، لِأنَّ الإنْسانَ في حالِ خُرُورِهِ لا يَكُونُ ساجِدًا، و”سُجَّدًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَن قالَ: ”بُكِيًّا“، هَهُنا، مَصْدَرٌ، فَقَدْ أخْطَأ، لِأنَّ ”سُجَّدًا“، جَمْعُ ”ساجِدٌ“، و”بُكِيًّا“، عُطِفَ عَلَيْهِ، ويُقالُ: ”بَكى، بُكاءً، وبُكِيًّا“.

مريم 19:59

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ﴾، يُقالُ في الرَّداءَةِ: ”خَلْفٌ“، بِإسْكانِ اللّامِ، تَقُولُ: ”خَلْفُ سُوءٍ“، وفي الصَّلاحِ: ”خَلَفُ صِدْقٍ“، بِفَتْحِ اللّامِ، وقَدْ يُقالُ في الرَّداءَةِ أيْضًا: ”خَلَفٌ“، بِفَتْحِ اللّامِ، وفي الصَّلاحِ بِإسْكانِ اللّامِ، والأجْوَدُ القَوْلُ الأوَّلُ، ﴿أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم صَلَّوْها في غَيْرِ وقْتِها، وقِيلَ: أضاعُوها، وتَرَكُوها البَتَّةَ، وهَذا هو الأشْبَهُ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُعْنى بِهِ الكُفّارُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ [مريم: ٦٠] وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، (p-٣٣٦)أيْ: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ مُجازاةَ الغَيِّ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، أيْ: مُجازاةَ الأثامِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”غَيًّا“، وادٍ في جَهَنَّمَ، وقِيلَ: نَهْرٌ في جَهَنَّمَ، وهَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ نَهْرًا أُعِدَّ لِلْغاوِينَ، فَسُمِّيَ ”غَيًّا“.

مريم 19:60

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾، ”مَن“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: ”فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ العَذابَ إلّا التّائِبِينَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، اسْتِثْناءً مِن غَيْرِ الأوَّلِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”لَكِنَّ مَن تابَ وآمَنَ“، ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾، ويُقْرَأُ: ”يُدْخَلُونَ الجَنَّةَ“.

مريم 19:61

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، يَجُوزُ الرَّفْعُ، والنَّصْبُ، الرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”هِيَ جَنّاتُ عَدْنٍ“، والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: ”يَدْخُلُونَ جَنّاتِ عَدْنٍ“، و”عَدْنٍ“، في مَعْنى: ”إقامَةٍ“، يُقالُ: ”عَدَنَ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ بِهِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾، ”مَأْتِيًّا“: مَفْعُولٌ مِن ”اَلْإتْيانُ“، لِأنَّ كُلَّ ما وصَلَ إلَيْكَ فَقَدْ وصَلْتَ إلَيْهِ، وكُلَّ ما أتاكَ فَقَدْ أتَيْتَهُ، يُقالُ: ”وَصَلْتُ إلى خَيْرٍ فُلانٍ، ووَصَلَ إلَيَّ خَيْرُ فُلانٍ“، و”أتَيْتُ خَيْرَ فُلانٍ، وأتانِي خَيْرُ فُلانٍ“، فَهَذا عَلى مَعْنى: ”أتَيْتُ خَيْرَ فُلانٍ“.

مريم 19:62

(p-٣٣٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾، ”اَللَّغْوُ“: ما يُلْغى مِنَ الكَلامِ، ويُؤَثَّمُ فِيهِ، و”سَلامًا“: اِسْمٌ جامِعٌ لِلْخَيْرِ، مُتَضَمِّنٌ لِلسَّلامَةِ، فالمَعْنى أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ لا يَسْمَعُونَ إلّا ما يُسَلِّمُهم. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾، قِيلَ: لَيْسَ ثَمَّ بُكْرَةٌ ولا عَشِيٌّ، ولَكِنَّهم خُوطِبُوا بِما يَعْقِلُونَ في الدُّنْيا، فالمَعْنى: ”لَهم رِزْقُهم في مِقْدارِ ما بَيْنَ الغَداةِ، والعَشِيِّ“، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ مَعْناهُ: ولَهم رِزْقُهم فِيها كُلَّ ساعَةٍ، وإذا قِيلَ في مِقْدارِ الغَداةِ والعَشِيِّ، فالَّذِي يُقَسَّمُ في ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ مِقْدارَ ما يُرِيدُونَ في كُلِّ ساعَةٍ، إلى أنْ يَأْتِيَ الوَقْتُ الَّذِي يَتْلُوهُ.

مريم 19:64

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾، يُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أبْطَأ عَنْهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الوَحْيِ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وقَدْ أتاهُ جِبْرِيلُ -: ”ما زُرْتَنا حَتّى اشْتَقْتُ إلَيْكَ“، فَقالَ: ﴿وَما نَتَنَـزَّلُ إلا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾» . وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾، ”ما بَيْنَ أيْدِينا“: أمْرُ الآخِرَةِ، والثَّوابِ، والعِقابِ، ”وَما خَلْفَنا“: جَمِيعُ ما مَضى مِن أمْرِ الدُّنْيا، ”وَما بَيْنَ ذَلِكَ“: ما يَكُونُ مِنّا مِن هَذا الوَقْتِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”وَما بَيْنَ ذَلِكَ“: قِيلَ: ما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، أيْ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - ما كانَ، وما يَكُونُ، وما هو كائِنٌ، حافِظٌ لِذَلِكَ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَنْسى مِنهُ شَيْئًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ما نَسِيَكَ رَبُّكَ، وإنْ تَأخَّرَ عَنْكَ الوَحْيُ.

مريم 19:65

(p-٣٣٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، أيْ: هو مالِكٌ لَهُما، وعالِمٌ بِهِما، وبِما فِيهِما. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ مِثْلًا، وجاءَ أيْضًا: لَمْ يُسَمَّ بِـ ”اَلرَّحْمَنُ“، إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وتَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ لَهُ: ”خالِقٌ“، و”قادِرٌ“، و”عالِمٌ بِما كانَ، وبِما يَكُونُ“، فَذَلِكَ لَيْسَ إلّا مِن صِفَةِ اللَّهِ تَعالى.

مريم 19:66

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾، يُعْنى بِهَذا الكافِرُ الَّذِي لا يُؤْمِنُ بِالغَيْبِ خاصَّةً، و”مُتُّ“، و”مِتُّ“.

مريم 19:67

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ﴾، ويُقْرَأُ: ”أوَلا يَذَّكَّرُ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّثْقِيلِ، ﴿أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ إعادَةَ الخَلْقِ مِثْلُ ابْتِداءِ خَلْقِهِمْ، وهَذا كَما قالَ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس: ٧٨]، اَلْآيَةَ، فَكانَ الجَوابُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]

مريم 19:68

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾، أيْ: ”فَوَرَبِّكَ لَنَبْعَثَنَّهُمْ، ولَنَحْشُرَنَّهم مَعَ الشَّياطِينِ الَّذِينَ أغْوَوْهُمْ“، ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾، و”جُثِيًّا“، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، جَمِيعًا، ومَعْنى ”جِثِيًّا“: عَلى رُكَبِهِمْ، لا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ مِمّا هم فِيهِ، و”جُثِيٌّ“، جَمْعُ ”جاثٍ“، و”جُثِيٌّ“، مِثْلَ: ”قاعِدٌ“، و”قُعُودٌ“، و”بارِكٌ“، و”بُرُوكٌ“ . (p-٣٣٩)والأصْلُ ضَمُّ الجِيمِ، وجائِزٌ كَسْرُها، إتْباعًا لِكَسْرَةِ الياءِ، و”جِثِيًّا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.

مريم 19:69

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾، و”عُتِيًّا“، بِالكَسْرِ، والضَّمِّ، ومَعْناهُ: ”لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ أُمَّةٍ، ومِن كُلِّ فِرْقَةٍ، الأعْتى، فالأعْتى مِنهُمْ“، كَأنَّهم يُبْدَأُ بِتَعْذِيبِ أشَدِّهِمْ عِتِيًّا، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَأمّا رَفْعُ ”أيُّهُمْ“، فَهو القِراءَةُ، ويَجُوزُ ”أيَّهُمْ“، بِالنَّصْبِ، حَكاها سِيبَوَيْهِ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هارُونَ الأعْوَرَ، القارِئَ، قَرَأ بِها، وفي رَفْعِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قالَ سِيبَوَيْهِ، عَنْ يُونُسَ: إنَّ قَوْلَهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ”لَنَنْزِعَنَّ“، مُعَلَّقَةٌ، لَمْ تَعْمَلْ شَيْئًا، فَكَأنَّ قَوْلَ يُونُسَ: ”ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ“، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقالَ: ”أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا؟!“، وأمّا الخَلِيلُ فَحَكى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ عَلى مَعْنى ”اَلَّذِينَ“: ”يُقالُ: أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا؟!“، ومِثْلُهُ عِنْدَهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وَلَقَدْ أبِيتُ مِنَ الفَتاةِ بِمَنزِلٍ فَأبِيتُ لا حَرِجٌ ولا مَحْرُومُ اَلْمَعْنى: ”فَأبِيتُ بِمَنزِلَةِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: لا هو حَرِجٌ، ولا هو مَحْرُومٌ“ . (p-٣٤٠)وَقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ ”أيُّهُمْ“، مَبْنِيَّةٌ عَلى الضَّمِّ، لِأنَّها خالَفَتْ أخَواتِها، واسْتُعْمِلَ مَعَها حَرْفُ الِابْتِداءِ، تَقُولُ: ”اِضْرِبْ لَأيُّهم أفْضَلُ“، يُرِيدُ: ”أيَّهم هو أفْضَلُ“، فَيَحْسُنُ الِاسْتِعْمالُ، كَذَلِكَ يُحْذَفُ ”هُوَ“، ولا يَحْسُنُ ”اِضْرِبْ مَن أفْضَلُ“، حَتّى تَقُولَ: ”مَن هو أفْضَلُ“، ولا يَحْسُنُ ”كُلْ ما أطْيَبُ“، حَتّى تَقُولَ: ”كُلْ ما هو أطْيَبُ“، فَلَمّا خالَفَتْ ”مَن“، و”ما“، و”اَلَّذِي“، لِأنَّكَ لا تَقُولُ أيْضًا: ”خُذِ الَّذِي أفْضَلُ“، حَتّى تَقُولَ: ”هُوَ أفْضَلُ“، قالَ: فَلَمّا خالَفَتْ هَذا الخِلافَ، بُنِيَتْ عَلى الضَّمِّ في الإضافَةِ، والنَّصْبُ حَسَنٌ، وإنْ كُنْتَ قَدْ حَذَفْتَ ”هُوَ“، لِأنَّ ”هُوَ“، قَدْ يَجُوزُ حَذْفُها، وقَدْ قُرِئَتْ: ”تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنُ وتَفْصِيلًا“، عَلى مَعْنى: ”اَلَّذِي هو أحْسَنُ“. قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي أعْتَقِدُهُ أنَّ القَوْلَ في هَذا قَوْلُ الخَلِيلِ، وهو مُوافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ، لِأنَّ الخَلِيلَ كانَ مَذْهَبُهُ، أوْ تَأْوِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ الَّذِي مِن أجْلِ عُتُوِّهِ يُقالُ: أيُّ هَؤُلاءِ أشَدُّ عِتِيًّا؟!“، فَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ في الأشَدِّ، فالأشَدِّ، واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:70

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى بِها صِلِيًّا﴾، و”صُلِيًّا“، بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، عَلى ما فَسَّرْنا، و”صِلِيًّا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: ”ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا، فَهم أوْلى بِها صِلِيًّا“.

مريم 19:71

﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾، هَذِهِ آيَةٌ كَثِيرٌ اخْتِلافُ التَّفْسِيرِ فِيها في التَّفْسِيرِ، فَقالَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ الخَلْقَ جَمِيعًا يَرِدُونَ النّارَ، فَيَنْجُو المُتَّقِي، ويُتْرَكُ الظّالِمُ، وكُلُّهم يَدْخُلُها، فَقالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ عَلِمْنا الوُرُودَ، ولَمْ نَعْلَمِ الصُّدُورَ، (p-٣٤١)وَحُجَّةُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ أنَّهُ جَرى ذِكْرُ الكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿ثُمَّ لَنَنْـزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ﴾ [مريم: ٦٩]، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿وَإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾، فَكَأنَّهُ عَلى نَظْمِ ذَلِكَ الكَلامِ عامٌّ، ودَلِيلُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ أيْضًا

مريم 19:72

قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”وَنُدْخِلُ الظّالِمِينَ“، وكَأنَّ ”نَذَرُ“، و”نَتْرُكُ“، لِلشَّيْءِ الَّذِي قَدْ حَصَلَ في مَكانِهِ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ هَذا إنَّما يُعْنى بِهِ المُشْرِكُونَ خاصَّةً، واحْتَجُّوا في هَذا بِأنَّ بَعْضَهم قَرَأ: ”وَإنْ مِنهم إلّا وارِدُها“، ويَكُونُ عَلى مَذْهَبِ هَؤُلاءِ ”ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“، أيْ: ”نُخْرِجُ المُتَّقِينَ مِن جُمْلَةِ مَن نُدْخِلُهُ النّارَ“. وَقالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَلْقَ يَرِدُونَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا، ثُمَّ يُخْرَجُ مِنها، فَيُدْخَلُ الجَنَّةَ، فَيَعْلَمُ فَضْلَ النِّعْمَةِ لِما يُشاهِدُ فِيهِ أهْلَ العَذابِ، وما رَأى فِيهِ أهْلَ النّارِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ: ”إنَّ وُرُودَها لَيْسَ دُخُولَها“، وحُجَّتُهم في ذَلِكَ جَيِّدَةٌ جِدًّا مِن جِهاتٍ، إحْداهُنَّ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ”وَرَدْتُ ماءَ كَذا“، ولَمْ تَدْخُلْهُ. وَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣]، وتَقُولُ إذا بَلَغْتَ البَلَدَ ولَمْ تَدْخُلْهُ: ”قَدْ ورَدْتُ بَلَدَ كَذا وكَذا“، قالَ أبُو إسْحاقَ: والحُجَّةُ القاطِعَةُ في هَذا القَوْلِ ما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى أُولَئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١] ﴿لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها﴾ [الأنبياء: ١٠٢] "، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - دَلِيلُ أنَّ أهْلَ الحُسْنى لا يَدْخُلُونَ النّارَ. (p-٣٤٢)وَفِي اللُّغَةِ: ”وَرَدْتُ بَلَدَ كَذا وكَذا“، إذا أشْرَفْتَ عَلَيْهِ، دَخَلْتَهُ أوْ لَمْ تَدْخُلْهُ، قالَ زُهَيْرٌ: ؎فَلَمّا ورَدْنَ الماءَ زُرْقًا جِمامُهُ وضَعْنَ عِصِيَّ الحاضِرِ المُتَخَيِّمِ اَلْمَعْنى: ”بَلَغْنَ إلى الماءِ“، أيْ: أقَمْنَ عَلَيْهِ، فالوُرُودُ هَهُنا بِالإجْماعِ لَيْسَ بِدُخُولٍ، فَهَذِهِ الرِّواياتُ في هَذِهِ الآيَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

مريم 19:73

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأحْسَنُ نَدِيًّا﴾، مَعْناهُ: مَجْلِسًا.

مريم 19:74

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾، فِيها أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ”رِئْيًا“، بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الياءِ، والرّاءُ غَيْرُ مُعْجَمَةٍ، ”وَرِيًّا“، بِتَشْدِيدٍ، بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ، ”وَزِيًّا“، بِالزّايِ مُعْجَمَةً، وقَدْ قُرِئَ بِهَذِهِ الثَّلاثَةِ الأوْجَهِ، ويَجُوزُ وجْهٌ رابِعٌ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ: بِياءٍ وبَعْدَها هَمْزَةٌ: ”وَرِيئًا“، فَأمّا ”رِئْيًا“، بِهَمْزَةٍ قَبْلَ الياءِ، فالمَعْنى فِيهِ: ”هم أحْسَنُ أثاثًا - أيْ: مَتاعًا - ورِئْيًا - مَنظَرًا“، مِن ”رَأيْتُ“، ومَن قَرَأ بِغَيْرِ هَمْزٍ فَلَهُ تَفْسِيرانِ، عَلى مَعْنى الأوَّلِ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ، وعَلى مَعْنى أنَّ مَنظَرَهم مُرْتَوٍ مِنَ النِّعْمَةِ، كَأنَّ النَّعِيمَ بَيِّنٌ فِيهِمْ، ومَن قَرَأ: ”زِيًّا“، فَمَعْناهُ أنَّ زِيَّهم حَسَنٌ، يَعْنِي هَيْئَتَهُمْ، قالَ الشّاعِرُ: ؎أشاقَتْكَ الظَّعائِنُ يَوْمَ بانُوا بِذِي الرِّئْيِ الجَمِيلِ مِنَ الأثاثِ وَنُصِبَ ”أحْسَنُ أثاثًا وزِيًّا“، عَلى نِيَّةِ التَّفْسِيرِ، المَعْنى: ”وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن (p-٣٤٣)قَرْنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا مِنهُمْ، وأحْسَنُ زِيًّا مِنهُمْ“، ومَن قَرَأ: ”رِيئًا“، فَهو بِمَعْنى ”رِئْيًا“، مَقْلُوبٌ، لِأنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”قَدْ راءَنِي زَيْدٌ“، وتَقُولُ: ”قَدْ رَآنِي“، في هَذا المَعْنى قالَ الشّاعِرُ - كُثَيِّرٌ -: ؎وَكُلُّ خَلِيلٍ راءَنِي فَهْوَ قائِلٌ ∗∗∗ مِنَ اجْلِكَ هَذا هامَةُ اليَوْمِ أوْ غَدِ

مريم 19:75

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، هَذا لَفْظُ أمْرٍ في مَعْنى الخَبَرِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها، ويَمُدَّهُ فِيها، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٦]، إلّا أنَّ لَفْظَ الأمْرِ يُؤَكِّدُ مَعْنى الخَبَرِ، كَأنَ لَفْظَ الأمْرِ يُرِيدُ بِهِ المُتَكَلِّمُ نَفْسَهُ إلْزامًا، كَأنَّهُ يَقُولُ: ”أفْعَلُ ذَلِكَ وآمُرُ نَفْسِي بِهِ“، فَإذا قالَ القائِلُ: ”مَن رَآنِي فَلْأُكْرِمْهُ“، فَهو ألْزَمُ مِن قَوْلِهِ: ”أُكْرِمُهُ“، كَأنَّهُ قالَ: "مَن زارَنِي فَأنا آمِرٌ نَفْسِي بِإكْرامِهِ، وأُلْزِمُها ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: ﴿إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ﴾، ”اَلْعَذابَ“، و”اَلسّاعَةَ“، مَنصُوبانِ عَلى البَدَلِ مِن ”ما يُوعَدُونَ“، اَلْمَعْنى: ”حَتّى إذا رَأوُا العَذابَ أوْ رَأوُا السّاعَةَ“، فالعَذابُ هَهُنا ما وُعِدُوا بِهِ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهم يُعَذِّبُونَهم قَتْلًا وأسْرًا، و”اَلسّاعَةُ“، يُعْنى بِها يَوْمُ القِيامَةِ، وبِما وُعِدُوا بِهِ فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾، أيْ: فَسَيَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ، والقَتْلِ، أنَّهم أضْعَفُ جُنْدًا مِن جُنْدِ النَّبِيِّ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ويَعْلَمُونَ بِمَكانِهِمْ مِن جَهَنَّمَ، ومَكانِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الجَنَّةِ، مَن هو شَرٌّ مَكانًا.

مريم 19:76

(p-٣٤٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، قِيلَ: بِالنّاسِخِ، والمَنسُوخِ، نَحْوَ ما كانَ مِن صَوْمِ رَمَضانَ مِن أنَّهُ كانَ يَجُوزُ لِمَن يَقْدِرُ عَلى الصَّوْمِ أنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا ويُفْطِرَ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِإلْزامِ الصَّوْمِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ -: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾، يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم في يَقِينِهِمْ هُدًى، كَما أضَلَّ اللَّهُ الفاسِقَ بِفِسْقِهِ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾، مَعْناهُ: اَلْأعْمالُ الصّالِحَةُ، وأوَّلُها تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

مريم 19:77

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾، ويُقْرَأُ: ”وَوُلْدًا“، فَمَن قَرَأ: ”وُلْدًا“، بِالضَّمِّ، فَهو عَلى وجْهَيْنِ، عَلى جَمْعِ ”وَلَدٌ“، يُقالُ: ”وَلَدٌ“، و”وُلْدٌ“، مِثْلَ: ”أسَدٌ“، و”أُسْدٌ،“ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”اَلْوُلْدُ“، في مَعْنى ”اَلْوَلَدُ“، و”الوَلَدُ“، يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والجَمْعِ، و”اَلْوُلْدُ“، و”اَلْوَلَدُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، مِثْلَ ”اَلْعُرْبِ“، و”اَلْعَرَبُ“، و”اَلْعُجْمُ“، و”اَلْعَجَمُ“. وَقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ العاصِ بْنُ وائِلٍ، ويُرْوى أنْ خَبّابًا قالَ: ”كُنْتُ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ“، و”اَلْقَيْنُ“، هو الَّذِي يُصْلِحُ الأسِنَّةَ، و”اَلْحَدّادُ“، يُقالُ لَهُ: ”قَيْنٌ“، قالَ: ”وَكانَ لِي عَلى العاصِ بِنِ وائِلٍ دَيْنٌ، فَدَفَعَنِي بِقَضائِهِ، وقالَ: لا أدْفَعُهُ إلَيْكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ“، فَقالَ خَبّابٌ: ”لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى تَمُوتَ، وتُبْعَثَ“، فَقالَ: إذا مِتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ أُعْطِيتُ مالًا ووَلَدًا، وقَضَيْتُكَ مِمّا أُعْطى، يَقُولُ ذَلِكَ مُسْتَهْزِئًا، فَقالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: (p-٣٤٥)﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]، أيْ: ”عَلِمَ ذَلِكَ غَيْبًا، أمْ أُعْطِيَ عَهْدًا؟!“، وهو مِثْلُ الَّذِي قالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦]

مريم 19:79

﴿كَلا﴾، رَدْعٌ، وتَنْبِيهٌ، أيْ: هَذا مِمّا يُرْتَدَعُ مِنهُ، ويُنَبَّهُ عَلى وجْهِ الضَّلالَةِ فِيهِ، ﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾، أيْ: سَنَحْفَظُ عَلَيْهِ.

مريم 19:80

﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾، أيْ: نَجْعَلُ المالَ، والوَلَدَ لِغَيْرِهِ، ونَسْلُبُهُ ذَلِكَ، ويَأْتِينا فَرْدًا.

مريم 19:81

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾، أيْ: أعْوانًا.

مريم 19:82

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾، أيْ: يَصِيرُونَ عَلَيْهِمْ أعْوانًا.

مريم 19:83

وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾، في قَوْلِهِ: ”أرْسَلْنا“، وجْهانِ، أحَدُهُما: ”إنّا خَلَّيْنا الشَّياطِينَ وإيّاهُمْ، فَلَمْ نَعْصِمْهم مِنَ القَبُولِ مِنهُمْ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: والوَجْهُ الثّانِي - وهو المُخْتارُ - أنَّهم أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ، وقُيِّضُوا لَهُمْ، بِكُفْرِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦]، ومَعْنى ”تَؤُزُّهم أزًّا“: تُزْعِجُهُمْ، حَتّى يَرْكَبُوا المَعاصِيَ إزْعاجًا، فَهو يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ الإرْسالِ، والتَّقْيِيضِ، ومَعْنى الإرْسالِ هَهُنا: اَلتَّسْلِيطُ، يُقالُ: ”قَدْ (p-٣٤٦)أرْسَلْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ“، إذا سَلَّطْتُهُ عَلَيْهِ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: أنَّ مَنِ اتَّبَعَهُ هو مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ.

مريم 19:85

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾، مَعْنى ”اَلْوَفْدُ“: اَلرُّكْبانُ المُكَرَّمُونَ، ﴿وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]، مُشاةً، عِطاشًا.

مريم 19:87

وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، ”مَن“، جائِزٌ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَأمّا الرَّفْعُ، فَعَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ والنُّونِ، والمَعْنى: ”لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا“، و”اَلْعَهْدُ“، هَهُنا: تَوْحِيدُ اللَّهِ - جَلَّ ثَناؤُهُ - والإيمانُ بِهِ، والنَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، عَلى: ”لا يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ المُجْرِمُونَ“، ثُمَّ قالَ: ”إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا“، عَلى مَعْنى ”لَكِنَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا فَإنَّهُ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ“.

مريم 19:89

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾، وتُقْرَأُ: ”أدًّا“، بِالفَتْحِ، ومَعْناهُ: ”شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ“، وفِيها لُغَةٌ أُخْرى، لا أعْلَمُ أنَّهُ قُرِئَ بِها، وهِيَ: ”شَيْئًا آدًّا“، عَلى وزْنٍ ”رادًّا“، و”مادًّا“، ومَعْناهُ كُلُّهُ: ”جِئْتُمْ شَيْئًا عَظِيمًا“.

مريم 19:96

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، أيْ: ”مَحَبَّةً في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ“.

مريم 19:97

(p-٣٤٧)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾، جَمْعُ ”ألَدُّ“، مِثْلَ ”أصَمُّ“، و”صُمٌّ“، و”اَلْألَدُّ“: اَلشَّدِيدُ الخُصُومَةِ.

مريم 19:98

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾، يُقالُ: ”هَلْ أحْسَسْتَ صاحِبَكَ؟“، أيْ: ”هَلْ رَأيْتَهُ؟“، وتَقُولُ: ”قَدْ حَسَّهُمْ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، إذا قَتَلَهم. وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾، ”اَلرِّكْزُ“: اَلصَّوْتُ الخَفِيُّ.

طه 20:1

(p-٣٤٨)(p-٣٤٩)سُورَةُ ”طـه“ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]، يُقْرَأُ: ”طَـهَ“، بِفَتْحِ الطّاءِ، والهاءِ، وتُقْرَأُ: ”طِـهِ“، بِكَسْرِهِما، ويُقْرَأُ: ”طَـهْ“، بِفَتْحِ الطّاءِ، وإسْكانِ الهاءِ، و”طَـهِ“، بِفَتْحِ الطّاءِ، وكَسْرِ الهاءِ، واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِها، فَقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: هي مِن فَواتِحِ السُّوَرِ، نَحْوَ: ”حـم“، و”الـم“، ويُرْوى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ رِجْلًا ووَضَعَ أُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”طاها“، أيْ: ”طَإ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ جَمِيعًا“.

طه 20:2

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾، أيْ: لِتُصَلِّيَ عَلى إحْدى رِجْلَيْكَ فَتَشْتَدَّ عَلَيْكَ، وقِيلَ: ”طَـهَ“، لُغَةٌ بِالعَجَمِيَّةِ، مَعْناها: ”يا رَجُلُ“، فَأمّا مَن فَتَحَ الطّاءَ والهاءَ، فَلِأنَّ ما قَبْلَ الألِفِ مَفْتُوحٌ، ومَن كَسَرَ الطّاءَ والهاءَ، أمالَ إلى الكَسْرِ، لِأنَّ الحَرْفَ مَقْصُورٌ، والمَقْصُورُ تَغْلِبُ عَلَيْهِ الإمالَةُ إلى الكَسْرِ، ومَن قَرَأ ”طَـهْ“، بِإسْكانِ الهاءِ، فَفِيها وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ”طَـأْ“، بِالهَمْزَةِ، فَأُبْدِلَتْ مِنها الهاءُ كَما قالُوا في ”إيّاكَ“: ”هِيّاكَ“، وكَما قالُوا في ”أرَقْتُ الماءَ“: ”هَرَقْتُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مِن ”وَطِيَ“، عَلى تَرْكِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونَ ”طَ يا رَجُلُ“، (p-٣٥٠)ثُمَّ أُثْبِتَ فِيها الهاءُ لِلْوَقْفِ، فَقِيلَ: ”طَـهْ“.

طه 20:4

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَنْـزِيلا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾، اَلْمَعْنى: ”أنْزَلْناهُ تَنْزِيلًا“، و”اَلْعُلى“، جَمْعُ ”اَلْعُلْيا“، يُقالُ: ”سَماءٌ عُلْيا“، و”سَمَواتٌ عُلى“، مِثْلَ: ”اَلْكُبْرى“، و”اَلْكُبَرُ“.

طه 20:5

وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾، اَلِاخْتِيارُ الرَّفْعُ، ويَجُوزُ الخَفْضُ عَلى البَدَلِ مِن ”مَن“، اَلْمَعْنى: ”تَنْزِيلًا مِن خالِقِ الأرْضِ والسَّماواتِ الرَّحْمَنِ“، ثُمَّ أخْبَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ”عَلى العَرْشِ اسْتَوى“، وقالُوا مَعْنى ”اِسْتَوى“: اِسْتَوْلى - واللَّهُ أعْلَمُ -، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ”اِسْتَوى“، في اللُّغَةِ، عَلى ما فَعَلَهُ مِن مَعْنى الِاسْتِواءِ، قَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ [طه: ٦]، ”اَلثَّرى“، في اللُّغَةِ: اَلنَّدى، وما تَحْتَ الأرْضِ نَدًى، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”وَما تَحْتَ الثَّرى“: ما تَحْتَ الأرْضِ.

طه 20:7

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾، فَـ ”اَلسِّرُّ“: ما أكْنَنْتَهُ في نَفْسِكَ، و”أخْفى“: ما يَكُونُ مِنَ الغَيْبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

طه 20:8

وَقَوْلُهُ: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾، يُرْوى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”لِلَّهِ تِسْعَةٌ وتِسْعُونَ اسْمًا، مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ“»، وتَأْوِيلُ «”مَن أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ“»: مَن وحَّدَ اللَّهَ، وذَكَرَ هَذِهِ الأسْماءَ الحُسْنى، يُرِيدُ بِها تَوْحِيدَ اللَّهِ، وإعْظامَهُ، دَخَلَ الجَنَّةَ، وقَدْ جاءَ أنَّهُ مَن قالَ: (p-٣٥١)”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ دَخَلَ الجَنَّةَ“، فَهَذا لِمَن ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ مُوَحِّدًا لَهُ بِهِ، فَكَيْفَ بِمَن ذَكَرَ أسْماءَهُ كُلَّها، يُرِيدُ بِها تَوْحِيدَهُ، والثَّناءَ عَلَيْهِ؟!

طه 20:10

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾، ”اَلْقَبَسُ“: ما أخَذْتَهُ في رَأْسِ عُودٍ مِنَ النّارِ، أوْ رَأْسِ فَتِيلَةٍ، ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ ﷺ ضَلَّ الطَّرِيقَ، وجاءَ أنَّهُ ضَلَّ عَنِ الماءِ، فَرَجا أنْ يَجِدَ عِنْدَ النّارِ مَن يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ، أوْ يَدُلُّهُ عَلى الماءِ.

طه 20:11

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ [طه: ١٢]، ويُقْرَأُ: ”أنِّي أنا“، بِالفَتْحِ، والكَسْرِ، فَمَن قَرَأ: ”أنِّي“، فالمَعْنى: ”نُودِيَ بِأنِّي أنا رَبُّكَ“، ومَوْضِعُ ”أنِّي“: نَصْبٌ، ومَن قَرَأ: ”إنِّي أنا رَبُّكَ“، بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: ”نُودِيَ يا مُوسى: إنِّي أنا رَبُّكَ“، ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢]، رَوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِأنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِخَلْعِهِما لِيَطَأ بِقَدَمَيْهِ الوادِي المُقَدَّسَ، ورُوِيَ أنَّهُ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ. وَقَوْلُهُ: ﴿طُوًى﴾ [طه: ١٢]، اِسْمُ الوادِي، ويَجُوزُ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: ”طُوى“، بِضَمِّ أوَّلِهِ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وتَنْوِينٍ، وبِكَسْرِ أوَّلِهِ، بِتَنْوِينٍ، وبِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَمَن نَوَّنَهُ فَهو اسْمُ الوادِي، وهو مُذَكَّرٌ، سُمِّيَ بِمُذَكَّرٍ، عَلى ”فُعَلٌ“، نَحْوَ: ”حُطَمٌ“، و”صُرَدٌ“، ومَن لَمْ يُنَوِّنْهُ تَرَكَ صَرْفَهُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ مَعْدُولًا عَنْ ”طاءٍ“، فَيَصِيرَ مِثْلَ ”عُمَرُ“، اَلْمَعْدُولِ عَنْ ”عامِرٌ“، والجِهَةُ الأُخْرى أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٣٥٢)﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، وإذا كُسِرَ ونُوِّنَ ”طِوًى“، فَهو مِثْلُ ”مِعًى“، و”ضِلَعٌ“، مَصْرُوفٌ، ومَن لَمْ يُنَوِّنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِلْبُقْعَةِ.

طه 20:13

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإنّا اخْتَرْناكَ“، فَمَن قَرَأ: ”وَإنّا اخْتَرْناكَ“، فالمَعْنى يُؤَدِّي بِـ ”وَأنّا اخْتَرْناكَ“، ويَجُوزُ ”وَإنّا اخْتَرْناكَ“، عَلى وجْهَيْنِ، عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى مَعْنى الحِكايَةِ، لِأنَّهُ مَعْنًى يُؤَدِّي: ”قِيلَ لَهُ: إنّا اخْتَرْناكَ“.

طه 20:14

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، هَذا عَلى مَعْنَيَيْنِ، أحَدُهُما: ”أقِمِ الصَّلاةَ لِأنْ تَذْكُرَنِي“، لِأنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ، والمَعْنى الثّانِي هو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ، ومَعْناهُ: ”أقِمِ الصَّلاةَ مَتى ذَكَرْتَ أنَّ عَلَيْكَ صَلاةً، كُنْتَ في وقْتِها، أوْ لَمْ تَكُنْ“، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُؤاخِذُنا إنْ نَسِينا ما لَمْ نَتَعَمَّدِ الأشْياءَ الَّتِي تَشْغَلُ وتُلْهِي عَنِ الصَّلاةِ، ولَوْ ذَكَرَ ذاكِرٌ أنَّ عَلَيْهِ صَلاةً في وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، أوْ عِنْدَ مَغِيبِها، وجَبَ أنْ يُصَلِّيَها، وقُرِئَتْ: ”لِلذِّكْرى“، مَعْناهُ: في وقْتِ ذِكْرِكَ.

طه 20:15

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾، بِضَمِّ الألِفِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي“، فاللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ هَذا التَّفْسِيرِ، وقُرِئَتْ: ”أكادُ أخْفِيها“، بِفَتْحِ الألِفِ، مَعْناهُ: أكادُ أُظْهِرُها، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (p-٣٥٣) ؎فَإنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نَخْفِهِ وإنْ تُوقِدُوا الحَرْبَ لا نَقْعُدِ أيْ: إنْ تَدْفِنُوا الدّاءَ لا نُظْهِرْهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ أبْيَنُ في المَعْنى، لِأنَّ مَعْنى ”أكادُ أُظْهِرُها“، أيْ: ”قَدْ أخْفَيْتُها، وكِدْتُ أُظْهِرُها“. وَقَوْلُهُ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾، مَعْنى ”بِما تَسْعى“، بِما تَعْمَلُ، و”لِتُجْزى“، مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ”أقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى“.

طه 20:16

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها مَن لا يُؤْمِنُ بِها، أيْ: مَن لا يُؤْمِنُ بِأنَّها تَكُونُ، وخِطابُ النَّبِيِّ ﷺ هو خِطابُ سائِرُ أُمَّتِهِ، ومَعْنى ”لا يَصُدَّنَّكَ عَنْها“: ”لا يَصُدَّنَّكُمْ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، فَنَبَّهَ النَّبِيَّ ﷺ بِالخِطابِ، وخُوطِبَ هو وأُمَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١] وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرْدى﴾، مَعْناهُ: ”فَتَهْلِكَ“، يُقالُ: ”رَدِيَ، يَرْدى، رَدًى“، إذا هَلَكَ، وكَذَلِكَ ”تَرَدّى“، إذا هَلَكَ، في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إذا تَرَدّى﴾ [الليل: ١١]

طه 20:17

قَوْلُهُ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾، ”تِلْكَ“، اِسْمٌ مُبْهَمٌ، يُجْرى مُجْرى ”اَلَّتِي“، ويُوصَلُ كَما تُوصَلُ ”اَلَّتِي“، اَلْمَعْنى: (p-٣٥٤)”ما الَّتِي بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟“، وهَذا الكَلامُ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومُجْراهُ في الكَلامِ مُجْرى ما يُسْألُ عَنْهُ، ويُجِيبُ المُخاطَبُ بِالإقْرارِ بِهِ، لِتَثْبُتَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ، بَعْدَما قَدِ اعْتَرَفَ، مُسْتَغْنًى بِإقْرارِهِ عَنْ أنْ يَجْحَدَ بَعْدَ وُقُوعِ الحُجَّةِ، ومِثْلُهُ مِنَ الكَلامِ أنْ تُرِيَ المُخاطَبَ ماءً، فَتَقُولَ لَهُ: ”ما هَذا؟“، فَيَقُولُ: ”ماءٌ“، ثُمَّ تُحِيلُهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّبْغِ، فَإنْ قالَ: ”إنَّهُ لَمْ يَزَلْ هَكَذا“، قُلْتَ لَهُ: ”ألَسْتَ قَدِ اعْتَرَفْتَ بِأنَّهُ ماءٌ؟“.

طه 20:18

وَقَوْلُهُ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾، وقُرِئَ: ”هِيَ عَصَيَّ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، وأجْوَدُهُما: ”عَصايَ“، و”عَصَيَّ“، لُغَةُ هُذَيْلٍ، والأصْلُ في ياءِ اَلْإضافَةِ أنْ يُكْسَرَ ما قَبْلَها، تَقُولُ: ”هَذا حَجَرِي“، فَتَكْسِرُ الرّاءَ، وهي في مَوْضِعِ ضَمٍّ، وكَذَلِكَ ”رَأيْتُ حَجَرِي“، فَإذا جاءَتْ بَعْدَ الألِفِ المَقْصُورَةِ، لَمْ تَكْسِرْها، لِأنَّ الألِفَ لا تُحَرَّكُ، وكَذَلِكَ إذا جاءَتْ بَعْدَ ألِفِ التَّثْنِيَةِ، في الرَّفْعِ، في قَوْلِكَ: ”هُما غُلامايَ“، وبَعْدَ ياءِ النَّصْبِ، في قَوْلِكَ: ”رَأيْتُ غُلامَيَّ“، وبَعْدَ كُلِّ ياءٍ قَبْلَها كَسْرَةٌ، نَحْوَ: ”هَذا قاضِيَّ“، و”رَأيْتُ مُسْلِمِيَّ“، فَجَعَلَتْ هُذَيْلٌ بَدَلًا مِن كَسْرَةِ الألِفِ تَغْيِيرَها إلى الياءِ، ولَيْسَ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ إلّا وقَدْ حَكى هَذِهِ اللُّغَةَ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: ؎سَبَقُوا هَوَيَّ وأعْنَقُوا لِهَواهُمُ فَتَخَرَّمُوا ولِكُلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ قَوْلُهُ: ﴿وَأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أخْبِطُ بِها الشَّجَرَ“، واشْتِقاقُهُ مِن أنِّي أُحِيلُ الشَّيْءَ إلى الهَشاشَةِ، والإمْكانِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”حاجاتٌ أُخَرُ“، وكَذَلِكَ هو في اللُّغَةِ، وواحِدُ المَآرِبِ: (p-٣٥٥)”مَأْرُبَةٌ“، و”مَأْرَبَةٌ“، وجاءَ ”أُخْرى“، عَلى لَفْظِ صِفَةِ الواحِدَةِ، لِأنَّ ”مَآرِبَ“، في مَعْنى جَماعَةٍ، فَكَأنَّها جَماعاتٌ مِنَ الحاجاتِ الأُخْرى، فَلَوْ جاءَتْ ”أُخَرُ“، كانَ صَوابًا.

طه 20:21

قَوْلُهُ: ﴿سِيرَتَها الأُولى﴾، مَعْنى ”سِيرَتَها“: طَرِيقَتَها، يَعْنِي ”هَيْئَتَها“، تَقُولُ إذا كانَ القَوْمُ مُشْتَبِهِينَ: ”هم عَلى سِيرَةٍ واحِدَةٍ، وطَرِيقَةٍ واحِدَةٍ“، تُرِيدُ أنَّ هَيْئَتَهم واحِدَةٌ، وشَبَهَهم واحِدٌ، وإنْ كانَ أصْلُ ”اَلسِّيرَةُ“، و”اَلطَّرِيقَةُ“، أكْثَرُ ما يَقَعُ بِالفِعْلِ، تَقُولُ: ”فُلانٌ عَلى طَرِيقَةِ فُلانٍ، وعَلى سِيرَتِهِ“، أيْ: أفْعالُهُ تُشْبِهُ أفْعالَ فُلانٍ، والمَعْنى: ”سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ“، و”سِيرَتَها“، مَنصُوبٌ عَلى إسْقاطِ الخافِضِ، وأفْضى الفِعْلُ إلَيْها، المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى“، فَلَمّا حُذِفَتْ ”إلى“، أفْضى الفِعْلُ - وهو ”سَنُعِيدُها“ - فَنَصَبَ.

طه 20:22

وَقَوْلُهُ: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾، جَناحُ الإنْسانِ: عَضُدُهُ، إلى أصْلِ إبِطِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾، ”آيَةً“، مَنصُوبَةٌ لِأنَّها في مَوْضِعِ الحالِ، وهي اسْمٌ في مَوْضِعِ الحالِ، المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”تَخْرُجُ بَيْضاءَ مُبَيِّنَةً آيَةً أُخْرى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”آيَةً أُخْرى“، مَنصُوبَةً عَلى مَعْنى ”آتَيْناكَ آيَةً أُخْرى“، أوْ: ”نُؤْتِيكَ آيَةً أُخْرى“، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾، كانَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ أنَّهُ يُعْطى آيَةً أُخْرى، فَلَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ”آتَيْناكَ“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ويَجُوزُ ”آيَةٌ أُخْرى“، بِالرَّفْعِ، عَلى إضْمارِ ”هَذِهِ آيَةٌ أُخْرى“.

طه 20:27

وَقَوْلُهُ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ في لِسانِهِ رُتَّةٌ، لِأنَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ جَعَلَتْ عَلى لِسانِهِ جَمْرَةً، لِأنَّهُ كانَ أخَذَ وهو صَبِيٌّ بِلِحْيَةِ فِرْعَوْنَ، فَهَمَّ بِهِ، وقالَ: هَذا عَدُوٌّ، (p-٣٥٦)فَأعْلَمَتْهُ أنَّهُ صَبِيٌّ لا يَعْقِلُ، وأنَّ دَلِيلَها عَلى ذَلِكَ أنَّهُ التَقَمَ جَمْرَةً، فَدَرَأتْ عَنْهُ ما هَمَّ بِهِ فِرْعَوْنُ فِيهِ.

طه 20:29

وَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ [طه: ٣٠]، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبُ ”هارُونَ“، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ ”اِجْعَلْ“، يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”اِجْعَلْ هارُونَ أخِي وزِيرِي“، فَتُنْصَبُ ”وَزِيرًا“، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هارُونَ“، بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ”وَزِيرًا“، ويَكُونَ المَعْنى: ”اِجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي“، ثُمَّ أبْدَلَ ”هارُونَ“، مِن ”وَزِيرًا“، والقَوْلُ الأوَّلُ أجْوَدُ، و”أخِي“، نَعْتٌ لِـ ”هارُونَ“ .

طه 20:31

وَقَوْلُهُ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وَأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ [طه: ٣٢]، يُقْرَأُ عَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى مَعْنى ”اِجْعَلْ أخِي وزِيرًا، فَإنَّكَ إنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ أشْدُدْ بِهِ أزْرِي“، ”أشْدُدْ“، عَلى الإخْبارِ عَنِ النَّفْسِ، وأظْهَرْتَ التَّضْعِيفَ، لِأنَّهُ جَوابُ الأمْرِ، ”وَأُشْرِكْهُ في أمْرِي“، فَيُقْرَأُ عَلى هَذا: ”هارُونَ أخِي أشْدُدْ بِهِ أزْرِي وأُشْرِكْهُ في أمْرِي“، بِقَطْعِ ألِفِ ”أشْدُدْ“، وضَمِّ الألِفِ مِن ”وَأُشْرِكْهُ“، ومَن قَرَأ: ”هارُونَ أخِي اشْدُدْ بِهِ أزْرِي وأشْرِكْهُ“، فَعَلى الدُّعاءِ، المَعْنى: ”اَللَّهُمَّ اشْدُدْ بِهِ أزْرِي وأشْرِكْهُ في أمْرِي“.

طه 20:37

﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾، قَدْ بَيَّنَ المَرَّةَ عَلى ما هِيَ، وهي قَوْلُهُ: ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ [طه: ٣٨] ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ﴾ [طه: ٣٩]، لِأنَّهُ نَجّاهُ بِهَذا مِنَ القَتْلِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ كانَ يُذَبِّحُ الأبْناءَ. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، قالُوا: مَعْناهُ: ولِتُغْذى، ومَعْنى ”أزْرِي“، يُقالُ: ”آزَرْتُ فُلانًا عَلى فُلانٍ“، إذا أعَنْتُهُ عَلَيْهِ وقَوَّيْتُهُ، ومِثْلُهُ: (p-٣٥٧)﴿فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩]، فَتَأْوِيلُهُ: ”أقْوى بِهِ، وأسْتُعِينَ بِهِ عَلى أمْرِي“، فَأمّا ”اَلْوَزِيرُ“، في اللُّغَةِ، فاشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْوَزَرُ“، و”اَلْوَزَرُ“: اَلْجَبَلُ الَّذِي يُعْتَصَمُ بِهِ لِيُنْجِيَ مِنَ الهَلَكَةِ، وكَذَلِكَ ”وَزِيرُ الخَلِيفَةِ“، مَعْناهُ: اَلَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ في أُمُورِهِ، ويَلْتَجِئُ إلى رَأْيِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، مَعْناهُ: لا شَيْءَ يُعْتَصَمُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.

طه 20:40

وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾، مَعْناهُ: ”اِخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا“. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”عَلى مَوْعِدٍ“، وقِيلَ: ”عَلى قَدَرٍ مِن تَكْلِيمِي إيّاكَ“.

طه 20:41

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾، تَأْوِيلُهُ: ”اِخْتَرْتُكَ لِإقامَةِ حُجَّتِي، وجَعَلْتُكَ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي، حَتّى صِرْتَ في الخِطابِ عَنِّي، والتَّبْلِيغِ عَنِّي، بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أكُونُ بِها لَوْ خاطَبْتُهُمْ، واحْتَجَجْتُ عَلَيْهِمْ“.

طه 20:42

﴿وَلا تَنِيا في ذِكْرِي﴾، مَعْناهُ: ”وَلا تَضْعُفا“، يُقالُ: ”وَنى، يَنِي، ونْيًا، ووُنِيًّا“، إذا ضَعُفَ، وقَوْلُكَ: ”قَدْ تَوانى فُلانٌ في هَذا الأمْرِ“، أيْ: قَدْ فَتَرَ فِيهِ، وضَعُفَ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، ”لَعَلَّ“، في اللُّغَةِ، تَرَجٍّ، وطَمَعٌ، تَقُولُ: ”لَعَلِّي أصِيرُ إلى خَيْرٍ“، فَمَعْناهُ: ”أرْجُو، وأطْمَعُ أنْ أصِيرَ إلى خَيْرِ“، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، والمَعْنى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيهِ: ”اِذْهَبا عَلى رَجائِكُما، وطَمَعِكُما“، والعِلْمُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أتى مِن وراءِ ما يَكُونُ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ، ولا يَخْشى، إلّا أنَّ الحُجَّةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ بِالإبانَةِ، وإقامَتِها عَلَيْهِ، والبُرْهانِ، (p-٣٥٨)وَإنَّما تُبْعَثُ الرُّسُلُ وهي لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَدْرِي أيُقْبَلُ مِنها، أمْ لا، وهم يَرْجُونَ، ويَطْمَعُونَ أنْ يُقْبَلَ مِنهُمْ، ومَعْنى ”لَعَلَّ“، مُتَصَوَّرٌ في أنْفُسِهِمْ، وعَلى تَصَوُّرِ ذَلِكَ تَقُومُ الحُجَّةُ، ولَيْسَ عِلْمُ اللَّهِ بِما سَيَكُونُ تَجِبُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الآدَمِيِّينَ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ في الرُّسُلِ فائِدَةٌ، فَمَعْنى: ”لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى“، هو الَّذِي عَلَيْهِ بُعِثَ جَمِيعُ الرُّسُلِ.

طه 20:45

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾، مَعْنى ”يَفْرُطَ عَلَيْنا“: يُبادِرَ بِعُقُوبَتِنا، يُقالُ: ”قَدْ فَرَطَ مِنهُ أمْرٌ“، أيْ: قَدْ بَدَرَ مِنهُ أمْرٌ، و”قَدْ أفْرَطَ في الشَّيْءِ“، إذا سَقَطَ فِيهِ، و”قَدْ فَرَطَ في الشَّيْءِ“، أيْ: قَصَّرَ، ومَعْناهُ كُلُّهُ: اَلتَّقَدُّمُ في الشَّيْءِ، لِأنَّ ”اَلْفَرَطُ“، في اللُّغَةِ: ”اَلْمُتَقَدِّمُ“، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «”أنا فَرَطُكم عَلى الحَوْضِ“» .

طه 20:47

وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾، لَيْسَ يُعْنى بِهِ التَّحِيَّةُ، وإنَّما مَعْناهُ أنَّ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى سَلِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ، وسُخْطِهِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِسَلامٍ أنَّهُ لَيْسَ ابْتِداءَ لِقاءٍ، وخِطابٍ، ومَعْنى ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”فَأتَياهُ فَقالا لَهُ: إنّا رَسُولا رَبِّكَ“، لِأنَّ الكَلامَ قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ، فاسْتُغْنِيَ عَنْ أنْ يُقالَ فِيهِ: ”فَأتَياهُ، فَقالا“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]، فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُما أتَياهُ، فَقالا لَهُ.

طه 20:50

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾، مَعْناهُ: ”خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى الهَيْئَةِ الَّتِي بِها يَنْتَفِعُ، والَّتِي هي أصْلَحُ الخَلْقِ لَهُ، ثُمَّ هَداهُ لِمَعِيشَتِهِ“، وقَدْ قِيلَ: ”ثُمَّ هَداهُ لِمَوْضِعِ ما يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ“، (p-٣٥٩)والأوَّلُ أبْيَنُ في التَّفْسِيرِ، وهَذا جائِزٌ، لِأنّا نَرى الذَّكَرَ مِنَ الحَيَوانِ يَأْتِي الأُنْثى، ولَمْ يَرَ ذَكَرًا قَدْ أتى أُنْثى قَبْلَهُ، فَألْهَمَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ذَلِكَ، وهَداهُ إلى المَأْتى، والقَوْلُ الأوَّلُ يَنْتَظِمُ هَذا المَعْنى، لِأنَّهُ إذا هَداهُ لِمَصْلَحَتِهِ، فَهَذا داخِلٌ في المَصْلَحَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:51

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾، قالَ لَهُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، مَعْناهُ: ”لا يَضِلُّها، ولا يَنْساها“، و”لا يَضِلُّهُ رَبِّي، ولا يَنْساهُ“، يُعْنى بِهِ الكِتابُ، ومَعْنى ”ضَلَلْتُ الشَّيْءَ“، و”ضَلِلْتُ“، بِكَسْرِ اللّامِ، وفَتْحِها، ”أضِلُّهُ“، و”أضَلُّهُ“، إذا جَعَلْتَهُ في مَكانٍ لَمْ تَدْرِ أيْنَ هُوَ، و”يُضِلُّ“، مِن ”أضْلَلْتُهُ“، ومَعْنى ”أضْلَلْتُهُ“: أضَعْتُهُ، قالَ أبُو إسْحاقَ: مَن قَرَأ بِالفَتْحِ، فَمَعْناهُ: ”لا يَضِلُّ“، أيْ: ”لا يَضِلُّ عَنْ رَبِّي“، وإذا ضَمَمْتَ الياءَ، فَمَعْناهُ: ”لا يُوجَدُ رَبِّي ضالًّا عَنْها“.

طه 20:54

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾، مَعْناهُ: ”لِذَوِي العُقُولِ“، واحِدُ ”اَلنُّهى“، ”نُهْيَةٌ“، يُقالُ: ”فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ“، ومَعْناهُ: ”ذُو عَقْلٍ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ، ويُدْخِلُ بِهِ في المَحاسِنِ“، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”ذُو النُّهْيَةِ“: اَلَّذِي يُنْتَهى إلى رَأْيِهِ، وعَقْلِهِ، وهَذا حَسَنٌ أيْضًا.

طه 20:55

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾، يُعْنى بِهِ الأرْضُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، وجَرى الإضْمارُ عَلى قَوْلِهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مَهْدًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلا﴾ [طه: ٥٣] وَقَوْلُهُ: ﴿تارَةً أُخْرى﴾، (p-٣٦٠)مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ”وَمِنها نُخْرِجُكُمْ“، لِأنَّ المَعْنى كَمَعْنى الأوَّلِ، لِأنَّ مَعْنى ”وَمِنها نُخْرِجُكُمْ“، بِمَنزِلَةِ ”مِنها خَلَقْناكُمْ“، فَكَأنَّهُ قالَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَمِنها نَخْلُقُكم تارَةً أُخْرى“، لِأنَّ إخْراجَهُمْ، وهم تُرابٌ، بِمَنزِلَةِ خَلْقِ آدَمَ مِن تُرابٍ. وَقَوْلُهُ: ”مَكانًا سِوًى“، وتُقْرَأُ: ”سُوًى“، بِالضَّمِّ، ومَعْناهُ: مَنصَفًا، أيْ: ”مَكانًا يَكُونُ النِّصْفَ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ“، وقَدْ جاءَ في اللُّغَةِ: ”سَواءٌ“، في هَذا المَعْنى، تَقُولُ: ”هَذا مَكانٌ سَواءٌ“، أيْ: مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ المَكانَيْنِ، ولَكِنْ لَمْ يُقْرَأْ إلّا بِالقَصْرِ: ”سِوًى“، و”سُوًى“.

طه 20:59

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ﴾، وتُقْرَأُ: ”يَوْمَ الزِّينَةِ“، فالرَّفْعُ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، والمَعْنى: ”وَقْتَ مَوْعِدِكم يَوْمُ الزِّينَةِ“، ومَن قَرَأ: ”يَوْمَ“، فَمَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، المَعْنى: ”يَقَعُ يَوْمَ الزِّينَةِ“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”مَوْعِدُكم حَشْرُ النّاسِ ضُحًى“، وتَأْوِيلُهُ: ”إذا رَأيْتُمُ النّاسَ قَدْ حُشِرُوا ضُحًى“، وقِيلَ: ”يَوْمُ الزِّينَةِ“، يَوْمُ عِيدٍ كانَ لَهُمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَوْمَ عاشُوراءَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، عَطْفًا عَلى ”اَلزِّينَةِ“، اَلْمَعْنى: ”مَوْعِدُكم يَوْمَ الزِّينَةِ ويَوْمَ حَشْرِ النّاسِ“.

طه 20:61

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾، ”وَيْلَكُمْ“، مَنصُوبٌ عَلى أنْ ألْزَمَهُمُ اللَّهُ ويْلًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى النِّداءِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، و﴿يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾ [يس: ٥٢] (p-٣٦١)وَقَوْلُهُ: ”فَيَسْحِتَكم بِعَذابٍ“، ويُقْرَأُ: ”فَيُسْحِتَكُمْ“، بِضَمِّ الياءِ، وكَسْرِ الحاءِ، يُقالُ: ”سَحَتَهُ“، و”أسْحَتَهُ“، إذا اسْتَأْصَلَهُ، وأهْلَكَهُ، قالَ الفَرَزْدَقُ: ؎وَعَضَّ زَمانٌ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ يَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتًا أوْ مُجَلَّفُ مَعْنى ”لَمْ يَدَعْ“: لَمْ يَسْتَقِرَّ - مِن ”اَلدَّعَةُ“ - مِنَ المالِ، وأكْثَرُ الرِّوايَةِ: ”إلّا مُسْحَتًا“، فَهَذا عَلى ”أُسْحِتَ، فَهو مُسْحَتٌ“.

طه 20:62

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾، يُعْنى بِهِ السَّحَرَةُ، قالُوا بَيْنَهُمْ: إنْ غَلَبَنا مُوسى آمَنّا بِهِ، وكانَ الأمْرُ لَهُ.

طه 20:63

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾، يَعْنُونَ مُوسى، وهارُونَ، وهَذا الحَرْفُ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُشْكِلٌ عَلى أهْلِ اللُّغَةِ، وقَدْ كَثُرَ اخْتِلافُهم في تَفْسِيرِهِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ جَمِيعَ ما قالَهُ النَّحْوِيُّونَ، ونُخْبِرُ بِما نَظُنُّ أنَّهُ الصَّوابُ، واللَّهُ أعْلَمُ. وَقَبْلَ شَرْحِ إعْرابِهِ نُخْبِرُ بِقِراءَةِ القُرّاءِ، أمّا قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ، والأكْمَهِ، في القِراءَةِ، فَبِتَشْدِيدِ ”إنَّ“، والرَّفْعِ في ”هَذانِ“، وكَذَلِكَ قَرَأ أهْلُ العِراقِ، حَمْزَةُ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ -، والمَدَنِيُّونَ. وَرُوِيَ عَنْ عاصِمٍ: ”إنْ هَذانِ“، بِتَخْفِيفِ ”إنْ“، ويُصَدِّقُ ما قَرَأهُ عاصِمٌ في هَذِهِ القِراءَةِ ما يُرْوى عَنْ أُبَيٍّ، فَإنَّهُ قَرَأ: ”ما هَذانِ إلّا ساحِرانِ“، ورُوِيَ أيْضًا عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ: ”إنْ هَذانِ إلّا ساحِرانِ“، ورُوِيَتْ عَنِ الخَلِيلِ أيْضًا: ”إنْ هَذانِ لَساحِرانِ“، بِالتَّخْفِيفِ، والإجْماعُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ بِالنَّحْوِ أعْلَمَ مِنَ الخَلِيلِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: ”إنَّ هَذَيْنِ لَساحِرانِ“، بِتَشْدِيدِ ”إنَّ“، ونَصْبِ ”هَذَيْنِ“. (p-٣٦٢)فَهَذِهِ الرِّوايَةُ فِيهِ، فَأمّا احْتِجاجُ النَّحْوِيِّينَ، فاحْتِجاجُ أبِي عَمْرٍو في مُخالَفَتِهِ المُصْحَفَ في هَذا أنَّهُ رُوِيَ أنَّهُ مِن غَلَطِ الكاتِبِ، وأنَّ في الكِتابِ غَلَطًا سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، وعَنْ عائِشَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ -، وأمّا الِاحْتِجاجُ في ”إنَّ هَذانِ“، بِتَشْدِيدِ ”إنَّ“، ورَفْعِ ”هَذانِ“، فَحَكى أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي الخَطّابِ - وهو رَأْسٌ مِن رُؤَساءِ الرُّواةِ -، أنَّها لُغَةٌ لِكِنانَةَ، يَجْعَلُونَ ألِفَ الِاثْنَيْنِ في الرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والخَفْضِ، عَلى لَفْظٍ واحِدٍ، يَقُولُونَ: ”أتانِي الزَّيْدانِ“، و”رَأيْتُ الزَّيْدانِ“، ومَرَرْتُ بِالزَّيْدانِ"، وهَؤُلاءِ يُنْشِدُونَ: ؎فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ رَأى مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وَهَؤُلاءِ أيْضًا يَقُولُونَ: ”ضَرَبْتُهُ بَيْنَ أُذُناهُ“، و”مَن يَشْتَرِي مِنِّي الخُفّانِ؟“، وكَذَلِكَ رَوى أهْلُ الكُوفَةِ أنَّها لُغَةٌ لِبَنِي الحَرْثِ بْنِ كَعْبٍ، قالَ النَّحْوِيُّونَ القُدَماءُ: هَهُنا هاءٌ مُضْمَرَةٌ، المَعْنى: ”إنَّهُ هَذانِ لَساحِرانِ“، (p-٣٦٣)وَقالُوا أيْضًا: إنَّ مَعْنى ”إنْ“، مَعْنى ”نَعَمْ“، اَلْمَعْنى: ”نَعَمُ هَذانِ لَساحِرانِ“، ويُنْشِدُونَ: ؎وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ وَيَحْتَجُّونَ بِأنَّ هَذِهِ اللّامَ أصْلُها أنْ تَقَعَ في الِابْتِداءِ، وأنَّ وُقُوعَها في الخَبَرِ جائِزٌ، ويُنْشِدُونَ في ذَلِكَ: ؎خالِي لَأنْتَ ومَن جَرِيرٌ خالُهُ ∗∗∗ يَنَلِ العَلاءَ ويُكْرِمِ الإخْوانا وَأنْشَدُوا أيْضًا: ؎أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَةْ ∗∗∗ تَرْضى مِنَ الشّاةِ بِعَظْمِ الرَّقَبَةْ قالُوا: اَلْمَعْنى: ”لَأنْتَ خالِي“، والمَعْنى: ”لَأُمُّ الحُلَيْسِ عَجُوزٌ“، وقالَ الفَرّاءُ في هَذا: إنَّهم زادُوا فِيها النُّونَ في التَّثْنِيَةِ، وتَرَكُوا الألِفَ عَلى حالِها في الرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والجَرِّ، كَما فَعَلُوا في ”اَلَّذِي“، فَقالُوا: ”اَلَّذِينَ“، في الرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والجَرِّ، فَهَذا جَمِيعُ ما احْتَجَّ بِهِ النَّحْوِيُّونَ، والَّذِي عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ -، وكُنْتُ عَرَضْتُهُ عَلى عالِمَيْنا، مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ، وعَلى إسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ القاضِي، فَقَبِلاهُ، وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعاهُ في هَذا، وهُوَ: ”إنْ“، قَدْ وقَعَتْ مَوْقِعَ ”نَعَمْ“، وأنَّ اللّامَ وقَعَتْ مَوْقِعَها، وأنَّ المَعْنى: ”هَذانِ لَهُما ساحِرانِ“ . (p-٣٦٤)والَّذِي يَلِي هَذِهِ في الجَوْدَةِ مَذْهَبُ بَنِي كِنانَةَ في تَرْكِ ألِفِ التَّثْنِيَةِ عَلى هَيْئَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ حَقَّ الألِفِ أنْ تَدُلَّ عَلى الِاثْنَيْنِ، وكانَ حَقُّها ألّا تَتَغَيَّرَ، كَما لَمْ تَتَغَيَّرْ ألِفُ ”رَحًى“، و”عَصًا“، ولَكِنْ كانَ نَقْلُها إلى الياءِ في النَّصْبِ، والخَفْضِ، أبْيَنَ وأفْضَلَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ المَرْفُوعِ، والمَنصُوبِ، والمَجْرُورِ. فَأمّا قِراءَةُ عِيسى بْنِ عُمَرَ، وأبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، فَلا أُجِيزُها، لِأنَّها خِلافُ المُصْحَفِ، وكُلُّ ما وجَدْتُهُ إلى مُوافَقَةِ المُصْحَفِ أقْرَبَ لَمْ أُجِزْ مُخالَفَتَهُ، لِأنَّ اتِّباعَهُ سُنَّةٌ، وما عَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ، ولَكِنِّي أسْتَحْسِنُ ”إنْ هَذانِ لَساحِرانِ“، بِتَخْفِيفِ ”إنْ“، وفِيهِ إمامانِ، عاصِمٌ، والخَلِيلُ، ومُوافَقَةُ أُبَيٍّ في المَعْنى، وإنْ خالَفَهُ اللَّفْظُ. وَيُسْتَحْسَنُ أيْضًا ”إنَّ هَذانِ“، بِالتَّشْدِيدِ، لِأنَّهُ مَذْهَبُ أكْثَرِ القُرّاءِ، وبِهِ يُقْرَأُ، وهو قَوِيٌّ في العَرَبِيَّةِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾، مَعْناهُ في قَوْلِ النَّحْوِيِّينَ: ”بِجَماعَتِكُمُ الأشْرافِ“، و”اَلْمُثْلى“، تَأْنِيثُ ”اَلْأمْثَلُ“، ومَعْنى ”اَلْأمْثَلُ“، و”اَلْمُثْلى“، مَعْنى ”ذُو الفَضْلِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أنْ يُقالَ فِيهِ: هَذا أمْثَلُ قَوْمِهِ“، وفي التَّفْسِيرِ: ”بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى“: بِأشْرافِكم. والعَرَبُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ الفاضِلِ: ”هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ“، و”نَظِيرَةُ قَوْمِهِ“، و”نَظُورَةُ قَوْمِهِ“، كُلُّ هَذا لِلرَّجُلِ الفاضِلِ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ: ”هَذا الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَهُ قَوْمُهُ قُدْوَةً، ويَسْلُكُوا طَرِيقَتَهُ“، والَّذِي قالَ أيْضًا: ”هَذا نَظُورَةُ قَوْمِهِ“، و”نَظِيرَةُ قَوْمِهِ“، مَعْناهُ: ”هَذا الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ قَوْمُهُ، وأنْ يَتَّبِعُوهُ“، والَّذِي عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَقِيَ، إنَّما المَعْنى: ”يَذْهَبا بِأهْلِ طَرِيقَتِكُمُ المُثْلى“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٣٦٥)﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]، مَعْناهُ: ”واسْألْ أهْلَ القَرْيَةِ“، وكَذَلِكَ قَوْلُ العَرَبِ: ”هَذا طَرِيقَةُ قَوْمِهِ“، مَعْناهُ: ”هَذا صاحِبُ طَرِيقَةِ قَوْمِهِ“.

طه 20:64

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”فاجْمَعُوا كَيْدَكُمْ“، فَمَن قَرَأ: ”فَأجْمِعُوا“، بِقَطْعِ الألِفِ، فَمَعْناهُ: ”لِيَكُنْ عَزْمُكم كُلِّكم عَلى الكَيْدِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ“، أيْ: ”لا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلُّوا“، ومَن قَرَأ: ”فاجْمَعُوا“، فَمَعْناهُ: ”جِيئُوا بِكُلِّ كَيْدٍ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ، ولا تُبْقُوا مِنهُ شَيْئًا“. وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾، مَعْناهُ: ”اِئْتُوا المَوْضِعَ الَّذِي تَجْتَمِعُونَ فِيهِ لِعِيدِكُمْ، وصَلاتِكُمْ“، يُقالُ: ”أتَيْتُ صَفًّا“، بِمَعْنى ”أتَيْتُ المُصَلّى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا“: ”ثُمَّ ائْتُوا مُصْطَفِّينَ، مُجْتَمِعِينِ، لِيَكُونَ أنْظَمَ لِأُمُورِكُمْ، وأشَدَّ لِهَيْئَتِكُمْ“، ﴿وَقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾، ومَعْنى ”مَنِ اسْتَعْلى“: مَن عَلا بِالغَلَبَةِ.

طه 20:66

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾، ولَمْ يَقُلْ - هَهُنا -: ”فَألْقَوْا فَإذا حِبالُهم“، لِأنَّهُ قَدْ جاءَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤]، ويَجُوزُ في ”عِصِيٌّ“: ”عُصِيٌّ“، والكَسْرُ أكْثَرُ، والأصْلُ (p-٣٦٦)الضَّمُّ، إلّا أنَّ الكَسْرَ يَثْقُلُ بَعْدَ الضَّمِّ، فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ كَسْرُ العَيْنِ. وَيُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ ألْفَ ساحِرٍ، مَعَهم سَبْعُونَ ألْفَ حَبْلٍ، وسَبْعُونَ ألْفَ عَصًا، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى، حِينَ خُيِّلَ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى، أنْ يُلْقِيَ عَصاهُ، فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ فاغِرٌ فاهُ، فابْتَلَعَ جَمِيعَ تِلْكَ الحِبالِ. وَقُرِئَتْ: ﴿فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾، ومَوْضِعُ ”أنَّ“، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: رَفْعٌ، المَعْنى: ”يُخَيَّلُ إلَيْهِ سَعْيُها“، ويُقْرَأُ: ”تُخَيَّلُ“، بِالتّاءِ، ومَوْضِعُ ”أنَّ“، عَلى هَذِهِ القِراءَةِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا. وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى مَعْنى ”تُخَيَّلُ إلَيْهِ أنَّها ذاتُ سَعْيٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ، عَلى مَعْنى ”تُخَيَّلُ إلَيْهِ سِعايَتُها“، وأبْدَلَ ”أنَّها تَسْعى“، مِنَ المُضْمَرِ في ”تُخَيَّلُ“، لِاشْتِمالِهِ عَلى المَعْنى، ويَكُونَ ”إلَيْهِ“، اَلْخَبَرَ، عَلى هَذا التَّقْدِيرِ، ومِثْلُ ذَلِكَ ما حَكاهُ سِيبَوَيْهِ، يُقالُ: ”ما لِي بِهِمْ عِلْمُ أمْرِهِمْ“، أيْ: ”ما لِي عِلْمٌ بِأمْرِهِمْ“، ومِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ: ؎وَذَكَرْتُ تَقْتَدَ بَرْدَ مائِها اَلْمَعْنى: ”وَذَكَرْتُ بَرْدَ ماءِ تَقْتَدَ“.

طه 20:67

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾، وأصْلُها: ”خِوْفَةً“، ولَكِنَّ الواوَ قُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، ﴿وَألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا﴾ [طه: ٦٩]، و”تَلْقَفْ“، اَلْقِراءَةُ بِالجَزْمِ، جَوابَ الأمْرِ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى مَعْنى الحالِ، كَأنَّهُ قالَ: ”ألْقِها مُتَلَقِّفَةً، عَلى حالٍ مُتَوقَّعَةٍ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِما لَمْ تَتَقَدَّمْ بِهِ قِراءَةٌ.

طه 20:69

(p-٣٦٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”كَيْدُ سِحْرٍ“، ويَجُوزُ ”أنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ“، ويَجُوزُ ”كَيْدَ ساحِرٍ“، بِنَصْبِ الدّالِ، فَمَن قَرَأ: ”أنَّما“، نَصَبَ ”أنَّما“، عَلى مَعْنى ”تَلْقَفْ ما صَنَعُوا لِأنَّ ما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأها هُنا: ”أنَّما“، والقِراءَةُ بِالكَسْرِ، وهو أبْلَغُ في المَعْنى: فَأمّا رَفْعُ ”كَيْدُ“، فَعَلى مَعْنى ”إنَّ الَّذِي صَنَعُوهُ كَيْدُ ساحِرٍ“، عَلى خَبَرِ ”إنَّ“، و”ما“، اِسْمٌ، ومَن قَرَأ: ”كَيْدَ ساحِرٍ“، جَعَلَ ”ما“، تَمْنَعُ ”إنَّ“، العَمَلَ، وتُسَوِّغُ لِلْفِعْلِ أنْ يَكُونَ بَعْدَها، ويَنْتَصِبُ ”كَيْدَ ساحِرٍ“، بِـ ”صَنَعُوا“، كَما تَقُولُ: ”إنَّما ضَرَبْتُ زَيْدًا“. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾، قالُوا: مَعْناهُ: ”حَيْثُ كانَ“، وقِيلَ: مَعْناهُ: ”حَيْثُ كانَ السّاحِرُ يَجِبُ أنْ يُقَتَلَ“، وكَذَلِكَ مَذْهَبُ أهْلِ الفِقْهِ في السَّحَرَةِ.

طه 20:70

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾، ”سُجَّدًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وهي أيْضًا حالٌ مُقَدَّرَةٌ، لِأنَّهم خَرُّوا ولَيْسُوا ساجِدِينَ، إنَّما خَرُّوا مُقَدِّرِينَ السُّجُودَ.

طه 20:71

(p-٣٦٨)وَقَوْلُهُ: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، مَعْناهُ: ”عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ“، ولَكِنَّهُ جازَ أنْ تَقَعَ ”فِي“، هَهُنا، لِأنَّهُ في الجِذْعِ عَلى جِهَةِ الطُّولِ، والجِذْعُ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، فَقَدْ صارَ فِيهِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَهم صَلَبُوا العَبْدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةٍ فَلا عَطَسَتْ شَيْبانُ إلّا بِأجْدَعا قَوْلُهُ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾، ”أيُّ“، رُفِعَتْ، لِأنَّها وُضِعَتْ مَوْضِعَ الِاسْتِفْهامِ، ولا يَعْمَلُ ما قَبْلَ ”أيُّ“، فِيها، لِأنَّ ما قَبْلَها خَبَرٌ، وهي اسْتِفْهامٌ، فَلَوْ عَمِلَ فِيها لَجازَ أنْ يَعْمَلَ فِيما بَعْدَ الألِفِ في قَوْلِكَ: ”قَدْ عَلِمْتُ أزَيْدٌ في الدّارِ أمْ عَمْرٌو“.

طه 20:72

وَقَوْلُهُ: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا﴾، مَوْضِعُ ”اَلَّذِي“: خَفْضٌ، المَعْنى: ”لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلَّذِي“، خَفْضًا عَلى القَسَمِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ واللَّهِ“، أيْ: ”نَحْلِفُ بِاللَّهِ“، قَوْلُهُ: ﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾، أيْ: ”اِصْنَعْ ما أنْتَ صانِعٌ“، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: (p-٣٦٩) ؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾، اَلْقِراءَةُ بِالنَّصْبِ: ”اَلْحَياةَ الدُّنْيا“، ويَجُوزُ ”إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا“، بِالرَّفْعِ، تَأْوِيلُهُ أنَّ الَّذِي تَقْضِيهِ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأها بِالرَّفْعِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ [طه: ٧٣]، مَوْضِعُ ”ما“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وإكْراهَكَ إيّانا عَلى السِّحْرِ“، ويُرْوى أنَّ فِرْعَوْنَ أكْرَهَهم عَلى تَعَلُّمِ السِّحْرِ، ومَعْنى: ﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣]، أيْ: ”اَللَّهُ خَيْرٌ لَنا مِنكَ وأبْقى عَذابًا“، لِأنَّهم قالُوا هَذا لَهُ جَوابَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١]

طه 20:77

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾، ويَجُوزُ ”يابِسًا“، و”يَبْسًا“، بِتَسْكِينِ الباءِ، فَمَن قالَ: ”يابِسًا“، جَعَلَهُ نَعْتًا لِلطَّرِيقِ، ومَن قالَ: ”يَبَسًا“، فَإنَّهُ نَعَتَهُ بِالمَصْدَرِ، المَعْنى: ”طَرِيقًا ذا يَبَسٍ“، يُقالُ: ”يَبِسَ الشَّيْءُ، يَيْبَسُ، ويَيْبِسُ، يَبَسًا، ويُبْسًا، ويَبْسًا“، ثَلاثُ لُغاتٍ في المَصْدَرِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾، ويَجُوزُ ”لا تَخَفْ دَرَكًا ولا تَخْشَ“، فَمَن قَرَأ: ”لا تَخافُ“، فالمَعْنى: ”لَسْتَ (p-٣٧٠)تَخافُ دَرَكًا“، ومَن قالَ: ”لا تَخَفْ دَرَكًا“، فَهو نَهْيٌ عَنْ أنْ يَخافَ، ومَعْناهُ: ”لا تَخَفْ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ، ولا تَخْشَ الغَرَقَ“.

طه 20:78

﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”فاتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ“، فَمَن قَرَأ: ”فَأتْبَعَهُمْ“، فَفِيهِ دَلِيلٌ أنَّهُ أتْبَعَهم ومَعَهُ الجُنُودُ، ومَن قَرَأ: ”فاتَّبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ“، فَمَعْناهُ: ”ألْحَقَ جُنُودَهُ بِهِمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعَهُمْ، عَلى ذا اللَّفْظِ، وجائِزٌ ألّا يَكُونَ، إلّا أنَّهُ قَدْ كانَ مَعَهُمْ، ﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾، ”اَلْيَمُّ“: اَلْبَحْرُ، والمَعْنى: ”فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَرَّقَهُمْ“.

طه 20:81

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾، ويُقْرَأُ: ”فَيَحُلَّ عَلَيْكم غَضَبِي، ومَن يَحْلُلْ عَلَيْهِ غَضَبِي“، فَمَن قَرَأ: ”فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ“، فَمَعْناهُ: ”فَيَجِبَ عَلَيْكُمْ“، ومَن قَرَأ: ”فَيَحُلَّ عَلَيْكُمْ“، فَمَعْناهُ: ”فَيَنْزِلَ عَلَيْكُمْ“، والقِراءَةُ: ”وَمَن يَحْلِلْ“، بِكَسْرِ اللّامِ أكْثَرُ، ﴿فَقَدْ هَوى﴾، أيْ: هَلَكَ، وصارَ إلى الهاوِيَةِ، وهي قَعْرُ نارِ جَهَنَّمَ.

طه 20:82

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾، أيْ: ”تابَ مِن ذَنْبِهِ، وآمَنَ بِرَبِّهِ، وعَمِلَ بِطاعَتِهِ“، ﴿ثُمَّ اهْتَدى﴾، أيْ: ”ثُمَّ أقامَ عَلى إيمانِهِ“.

طه 20:84

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾، ”أُولاءِ“، مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، ”عَلى أثَرِي“، مِن صِلَةِ ”أُولاءِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٣٧١)خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، كَأنَّهُ قالَ: ”هم عَلى أثَرِي هَؤُلاءِ“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ صِلَةً، ورُوِيَتْ ”أُولايَ عَلى أثَرِي“، ولا وجْهَ لَها، لِأنَّ الياءَ لا تَكُونُ بَعْدَ الألِفِ آخِرَةً، إلّا لِلْإضافَةِ، نَحْوَ: ”هُدايَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِنَ القُرّاءِ المَشْهُورِينَ قَرَأ بِها، وذَكَرَها الفَرّاءُ، ولا وجْهَ لَها.

طه 20:85

قَوْلُهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾، أيْ: ألْقَيْناهم في فِتْنَةٍ ومِحْنَةٍ، واخْتَبَرْناهُمْ، ﴿وَأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: ”اَلسّامِرِيُّ“، عِلْجٌ مِن أهْلِ كِرْمانَ، والأكْثَرُ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ عَظِيمًا مِن عُظَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ، مِن قَبِيلَةٍ تُعْرَفُ بِالسّامِرَةِ، وهم إلى هَذِهِ الغايَةِ في الشّامِ يُعْرَفُونَ بِالسّامِرِيِّينَ

طه 20:86

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غَضْبانَ أسِفًا﴾، ”أسِفٌ“: شَدِيدُ الحُزْنِ، مَعَ غَضَبِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾، اَلْقِراءَةُ فِيها بِالكَسْرِ في حاءِ ”يَحِلَّ“، عَلى مَعْنى أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكُمْ، فالضَّمُّ يَجُوزُ فِيها، عَلى مَعْنى ”أنْ يُنْزِلَ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ“.

طه 20:87

﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾، يَجُوزُ الضَّمُّ، والكَسْرُ، والفَتْحُ، في المِيمِ، ”بِمَلْكِنا“، و”بِمُلْكِنا“، و”بِمِلْكِنا“، فَأصْلُ ”اَلْمُلْكُ“: اَلسُّلْطانُ، والقُدْرَةُ، و”اَلْمِلْكُ“: ما حَوَتْهُ اليَدُ، و”اَلْمَلْكُ“، اَلْمَصْدَرُ، تَقُولُ: ”مَلَكْتُ الشَّيْءَ، أمْلِكُهُ، مَلْكًا“. وَقِيلَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ: ”ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِأنْ مَلَكْنا الصَّوابَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِسُلْطانٍ كانَ لَنا، ولا قُدْرَةٍ“، ثُمَّ أخْبَرُوا سَبَبَ تَأخُّرِهِمْ عَنْهُ، فَقالُوا: ”وَلَكِنّا حَمَلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ“، (p-٣٧٢)وَيُقْرَأُ: ”حُمِّلْنا أوْزارًا“، بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وكَسْرِها، يَعْنُونَ بِالأوْزارِ حُلِيًّا كانُوا أخَذُوها مِن آلِ فِرْعَوْنَ حِينَ قَذَفَهُمُ البَحْرُ، فَألْقاهم عَلى ساحِلِهِ، فَأخَذُوا الذَّهَبَ والفِضَّةَ، وسُمِّيَتْ ”أوْزارًا“، لِأنَّ مَعْناها ”اَلْأثامُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ سُمِّيَتْ ”أوْزارًا“، يَعْنُونَ بِها ”أثْقالًا“، لِأنَّ ”اَلْوِزْرُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحِمْلُ، وسُمِّيَ ”اَلْإثْمُ“، ”وِزْرًا“، لِأنَّ صاحِبَهُ قَدْ حُمِّلَ بِهِ ثِقْلًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ٢] ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ٣]، فَقالُوا: ”حَمَلْنا حُلِيًّا، فَقَذَفْناها في النّارِ، وكَذَلِكَ فَعَلَ السّامِرِيُّ“، أيْ: ألْقى حَلْيًا كانَ مَعَهُ".

طه 20:88

﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾، واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ خُوارِهِ، فَقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ مِنَ الحَيَوانِ، فَإذا خارَ سَجَدُوا لَهُ، وإذا عادَ الخُوارُ رَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما خارَ خَوْرَةً واحِدَةً، ودَلِيلُهُ: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾ [طه: ٨٩]، وقالَ مُجاهِدٌ: خُوارُهُ حَفِيفُ الرِّيحِ، إذا دَخَلَتْ جَوْفَهُ. وَيُرْوى أنَّ هارُونَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَرَّ بِالسّامِرِيِّ وهو يَصْنَعُ العِجْلَ، فَقالَ لَهُ: ”ما تَصْنَعُ؟“، قالَ: أصْنَعُ ما لا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ، وقالَ: اُدْعُ، فَقالَ هارُونُ: ”اَللَّهُمَّ أعْطِهِ ما يَسْألُ كَما يُحِبُّ“، فَسَألَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَجْعَلَ لِلْعِجْلِ خُوارًا. والَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ - مِن أنَّ خُوارَهُ حَفِيفُ الرِّيحِ فِيهِ - أسْرَعُ إلى القَبُولِ، لِأنَّهُ شَيْءٌ مُمْكِنٌ، والتَّفْسِيرُ الآخَرُ - وهو أنَّهُ خُوارٌ مُمْكِنٌ في مِحْنَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - أنِ امْتَحَنَ القَوْمَ بِذَلِكَ، ولَيْسَ في خُوارِ صُفْرٍ ما يُوجِبُ عِبادَتَهُ، لِأنَّهم قَدْ رَأوْهُ مَعْمُولًا، مَصْنُوعًا، فَعِبادَتُهم إيّاهُ، لَوْ خارَ، وتَكَلَّمَ، كَما يَتَكَلَّمُ الآدَمِيُّ، لَمْ تَجِبْ بِهِ عِبادَتُهُ، ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ قِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ نَسِيَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، لِأنَّهُ نافَقَ لَمّا عَبَرَ (p-٣٧٣)البَحْرَ، المَعْنى: ”فَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ“، وقِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهُمْ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أرادَ هَذا العِجْلَ، فَنَسِيَ، وتَرَكَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ.

طه 20:89

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا﴾، كَما قالَ: ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا﴾ [الأعراف: ١٤٨]، ويَجُوزُ ”ألّا يَرْجِعَ“، بِنَصْبٍ بِـ ”أنْ“، والِاخْتِيارُ مَعَ ”رَأيْتُ“، و”عَلِمْتُ“، و”ظَنَنْتُ“: ”أنْ لا يَفْعَلُ“، في مَعْنى ”قَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ لا يَفْعَلُ“.

طه 20:94

وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾، ”يا ابْنَ أُمَّ“، بِفَتْحِ المِيمِ، وإنْ شِئْتَ ”يا ابْنَ أُمِّ“، بِكَسْرِ المِيمِ، وفُتِحَتْ ”أُمَّ“، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ جَرٍّ، لِأنَّ ”اِبْنَ“، و”أُمَّ“، جُعِلا اسْمًا واحِدًا، فَبُنِيَ ”اِبْنَ أُمَّ“، عَلى الفَتْحِ، ومَن قالَ: ”يا ابْنَ أُمِّ“، أضافَهُ إلى نَفْسِهِ، وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ: ”يا ابْنَ أُمِّي لا تَأْخُذْ“، ولَكِنَّهُ لا يُقْرَأُ بِها، لَيْسَتْ ثابِتَةَ الياءِ في المُصْحَفِ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الشِّعْرِ: ؎يا ابْنَ أُمِّي ويا شُقَيِّقَ نَفْسِي أنْتَ خَلَّيْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ وَلَمْ يَجِئْ هَذا إلّا في ”اِبْنَ أُمِّ“، و”اِبْنَ عَمِّ“، وذَلِكَ أنَّهُ يُقالُ لِمَن لَيْسَ بِأخٍ لِأُمٍّ، ولا بِأخٍ البَتَّةَ: ”يا ابْنَ أُمَّ“، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْأجْنَبِيِّ: ”يا ابْنَ عَمِّ“، فَلَمّا أُزِيلَ عَنْ بابِهِ بُنِيَ عَلى الفَتْحِ، وإنْ كانَ قَدْ يَقُولُ القائِلُ لِأخِيهِ مِن أُمِّهِ أيْضًا: ”يا ابْنَ أُمَّ“، فَإنَّما أدْخَلَ أخاهُ في جُمْلَةِ مَن يَقُولُ لَهُ: ”يا ابْنَ أُمَّ“، وقَدْ قِيلَ في هارُونَ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ أخا مُوسى لِأُمِّهِ - واللَّهُ أعْلَمُ.

طه 20:95

(p-٣٧٤)قَوْلُهُ: ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾، مَعْنى ”ما خَطْبُكَ؟“: ”ما أمْرُكَ الَّذِي تُخاطِبُ بِهِ؟“.

طه 20:96

﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، يُقالُ: ”قَدْ بَصُرَ الرَّجُلُ، يَبْصُرُ“، إذا كانَ عَلِيمًا بِالشَّيْءِ، و”أبْصَرَ، يُبْصِرُ، إذا نَظَرَ“، والتَّأْوِيلُ: ”عَلِمْتُ بِما لَمْ يَعْلَمُوا بِهِ“، وكانَ رَأى فَرَسَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَقَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابِ حافِرِ الفَرَسِ، يُقالُ: ”قَبَضْتُ قَبْضَةً“، و”قَبَصْتُ قَبْصَةً“، بِالصّادِ، غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، فالقَبْضَةُ بِجُمْلَةِ الكَفِّ، والقَبْصَةُ بِأطْرافِ الأصابِعِ، ويُقْرَأُ بِالصّادِ، والضّادِ. وَفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، لَمْ يُقْرَأْ بِهِ فِيما عَلِمْتُ، يَجُوزُ ”فَقَبَصْتُ قَبْصَةً، وقُبْصَةً“ ولَكِنْ لا يَجُوزُ القِراءَةُ بِها، إنْ كانَ لَمْ يُقْرَأْ بِها، فالقَبْصَةُ: قَبْصُ الشَّيْءِ مَرَّةً واحِدَةً، والقُبْصَةُ: مِقْدارُ ما يُقْبَصُ، ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة: ٢٤٩]، و”غَرْفَةً بِيَدِهِ“، ﴿فَنَبَذْتُها﴾، ألْقَيْتُها في العِجْلِ، لِيَخُورَ، ﴿وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾، أيْ: زَيَّنَتْ لِي نَفْسِي، ومِثْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ٢٥]

طه 20:97

﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾، و”أنَّ لَكَ“، ويَجُوزُ ”لا مَساسِ وأنَّ لَكَ“، بِفَتْحِ المِيمِ، وكَسْرِ السِّينِ الآخِرَةِ، عَلى وزْنِ ”دَراكِ“، و”تَراكِ“، والتَّأْوِيلُ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَرَّمَ مُخالَطَةَ السّامِرِيِّ، فالمَعْنى: ”إنَّكَ في الدُّنْيا لا تُخالَطُ جَزاءً لِفِعْلِكَ“. (p-٣٧٥)فَمَن قَرَأ: ”لا مِساسَ“، بِفَتْحِ السِّينِ الأخِيرَةِ، فَهو مَنصُوبٌ عَلى البَدْءِ بِهِ، ومَن قالَ: ”لا مَساسِ“، فَهو مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، وهو نَفْيٌ، وقَوْلُكَ: ”مَساسِ“، أيْ: ”مَساسِ القَوْمِ تَأْمُرُ بِذَلِكَ“، فَإذا قُلْتَ: ”لا مَساسِ“، فَهو نَفْيُ ذَلِكَ، وبُنِيَتْ ”مَساسِ“، عَلى الكَسْرِ، وأصْلُها الفَتْحُ لِمَكانِ الألِفِ، ولَكِنَّ ”مَساسِ“، و”دَراكِ“، مُؤَنَّثٌ، فاخْتِيرَ الكَسْرُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِأنَّكَ تَقُولُ في المُؤَنَّثِ: ”فَعَلْتِ يا امْرَأةُ“، و”أعْطَيْتُكِ يا امْرَأةُ“، ﴿وَإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾، و”لَنْ تُخْلِفَهُ“، فَمَن قَرَأ: ”لَنْ تُخْلَفَهُ“، فالمَعْنى: ”يُكافِئُكَ اللَّهُ عَلى ما فَعَلْتَ في القِيامَةِ، واللَّهُ لا يُخْلِفُ المِيعادَ“، ومَن قَرَأ: ”لَنْ تُخْلِفَهُ“، فالمَعْنى: ”إنَّكَ تُبْعَثُ، وتُوافِي يَوْمَ القِيامَةِ، لا تَقْدِرُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، ولَنْ تُخْلِفَهُ“. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا﴾، و”ظِلْتَ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، وكَسْرِها، فَمَن فَتَحَ فالأصْلُ فِيها ”ظَلِلْتَ“، ولَكِنَّ اللّامَ حُذِفَتْ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ، والكَسْرِ، وبَقِيَتِ الظّاءُ عَلى فَتْحِها، ومَن قَرَأ: ”ظِلْتَ“، بِالكَسْرِ، حَوَّلَ كَسْرَةَ اللّامِ عَلى الظّاءِ، وقَدْ يَجُوزُ في غَيْرِ المَكْسُورِ، نَحْوَ: ”أحَسْتُ“، تُرِيدُ: ”أحْسَسْتُ“، وقَدْ حُكِيَتْ: ”هَمْتُ بِذَلِكَ“، تُرِيدُ: ”هَمَمْتُ“، ومَعْنى ”عاكِفٌ“: مُقِيمٌ، و”عاكِفًا“، مَنصُوبٌ، خَبَرُ ”ظَلْتَ“، لَيْسَ بِمَنصُوبٍ عَلى الحالِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”لَنُحْرِقَنَّهُ“، أيْ: لَنَحْرِقَنَّهُ بِالنّارِ، فَإذا شُدِّدَ فالمَعْنى: ”نَحْرِقُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ“، وقُرِئَتْ: ”لَنَحْرُقَنَّهُ“، وتَأْوِيلُهُ: لَنَبْرُدَنَّهُ بِالمِبْرَدِ، يُقالُ: ”حَرَقْتُ، أحْرُقُ، وأُحْرِقُ“، إذا بَرَدْتُ الشَّيْءَ، ولَمْ يُقْرَأْ: ”لَنُحْرِقَنَّهُ“، ولَوْ قُرِئَتْ كانَتْ جائِزَةً. (p-٣٧٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾، ”اَلْيَمُّ“: اَلْبَحْرُ، و”اَلنَّسْفُ“: اَلتَّذْرِيَةُ.

طه 20:101

وَقَوْلُهُ: ﴿وَساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلا﴾، اَلْمَعْنى: ”ساءَ الوِزْرُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ“، و”حِمْلًا“، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ.

طه 20:102

﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾، قَدْ جَرى تَفْسِيرُهُ فِيما مَضى، وأكْثَرُ ما يَذْهَبُ إلَيْهِ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ ”اَلصُّورُ“، جَمْعُ ”صُورَةٌ“. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، قِيلَ: عِطاشًا، وقِيلَ: عُمْيًا، يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ بُصَراءَ، كَما خُلِقُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ويَعْمَوْنَ في المَحْشَرِ، وإنَّما قِيلَ: ”زُرْقًا“، لِأنَّ السَّوادَ يَزْرَقُّ، إذا ذَهَبَتْ نَواظِرُهُمْ، ومَن قالَ: ”عِطاشًا“، فَجَيِّدٌ أيْضًا، لِأنَّهم مِن شِدَّةِ العَطَشِ يَتَغَيَّرُ سَوادُ أعْيُنِهِمْ حَتّى يَزْرَقَّ.

طه 20:103

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلا عَشْرًا﴾، أصْلُ ”اَلْخُفُوتُ“، في اللُّغَةِ: اَلسُّكُونُ، و”اَلتَّخافُتُ“، هَهُنا: اَلسِّرارُ، فالمَعْنى أنَّهم يَتَسارُّونَ بَيْنَهم.

طه 20:104

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْثَلُهم طَرِيقَةً﴾، أيْ: أعْلَمُهم عِنْدَ نَفْسِهِ بِما يَقُولُ، ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلا يَوْمًا﴾، مَعْناهُ: ”ما لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا“.

طه 20:105

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾، ”اَلنَّسْفُ“: اَلتَّذْرِيَةُ، تَصِيرُ الجِبالُ كالهَباءِ المَنثُورِ، تُذَرّى تَذْرِيَةً. (p-٣٧٧)﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ [طه: ١٠٦]، ”اَلْقاعُ مِنَ الأرْضِ“: اَلْمَكانُ الَّذِي يَعْلُوهُ الماءُ، ويُقالُ: اَلْمَكانُ الطَّيِّبُ، و”اَلصَّفْصَفُ“: اَلْمُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ.

طه 20:107

﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾، ”اَلْعِوَجُ“، في العَصا، والجَبَلِ، ألّا يَكُونَ مُسْتَوِيًا، و”اَلْأمْتُ“: أنْ يَغْلُظَ مَكانٌ، ويَدِقَّ مَكانٌ.

طه 20:108

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”لا عِوَجَ لَهم عَنْ دُعائِهِ“، لا يَقْدِرُونَ ألّا يَتَّبِعُوا. وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾، ”اَلْهَمْسُ“، في اللُّغَةِ: اَلشَّيْءُ الخَفِيُّ، و”اَلْهَمْسُ“، هَهُنا، في التَّفْسِيرِ: صَوْتُ وطْءِ الأقْدامِ.

طه 20:110

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾، ”ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ“، مِن أمْرِ القِيامَةِ، وجَمِيعِ ما يَكُونُ، و”ما خَلْفَهُمْ“: ما قَدْ وقَعَ مِن أعْمالِهِمْ.

طه 20:111

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾، مَعْنى ”عَنَتْ“، في اللُّغَةِ: خَضَعَتْ، يُقالُ: ”عَنا، يَعْنُو“، إذا خَضَعَ، ومِنهُ قِيلَ: ”أُخِذَتِ البِلادُ عَنْوَةً“، إذا أُخِذَتْ غَلَبَةً، وأُخِذَتْ بِخُضُوعٍ مِن أهْلِها.

طه 20:112

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾، ”اَلْهَضْمُ“: اَلنَّقْصُ، يُقالُ: ”فُلانٌ يَهْضِمُنِي حَقِّي“، أيْ: يَنْقُصُنِي، كَذَلِكَ ”هَذا شَيْءٌ يَهْضِمُ الطَّعامَ“، أيْ: يَنْقُصُ ثِقْلَتَهُ.

طه 20:113

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾، أيْ: لَعَلَّ الوَعِيدَ يُحْدِثُ لَهم تَذَكُّرَ العَذابِ، فَيَزْجُرَهم عَنِ المَعاصِي، وقِيلَ: ”أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا“، أيْ: شَرَفًا.

طه 20:114

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾، أيْ: مِن قَبْلِ أنْ يُبَيَّنَ لَكَ بَيانُهُ، ويُقْرَأ: ”مِن قَبْلِ أنْ نَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ“، بِالنُّونِ، ويَجُوزُ ”مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ إلَيْكَ وحْيَهُ“، أيْ: ”مِن قَبْلِ أنْ يَقْضِيَ اللَّهُ إلَيْكَ وحْيَهُ“، ولَمْ تُقْرَأْ: ”يَقْضِيَ“، وقُرِئَتْ: ”يُقْضى“، و”نَقْضِي“، بِالياءِ والنُّونِ.

طه 20:115

(p-٣٧٨)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، ”فَنَسِيَ“، هَهُنا، مَعْناهُ: فَتَرَكَ، لِأنَّ النّاسِيَ لا يُؤاخَذُ بِنِسْيانِهِ، وجاءَ في الحَدِيثِ: «”لَوْ وُزِنَ حِلْمُ بَنِي آدَمَ مُذْ كانَ آدَمُ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، ما وفى حِلْمَ جَمِيعُ مَن ولَدَهُ وحَزْمُهم بِحِلْمِ آدَمَ وحَزْمِهِ ﷺ“، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾» .

طه 20:119

وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾، يَجُوزُ ”وَإنَّكَ“، بِالكَسْرِ، ”وَأنَّكَ“، بِالفَتْحِ، فَإذا كَسَرْتَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ، وإذا فَتَحْتَ فَعَلى مَعْنى ”إنَّ لَكَ ألّا تَظْمَأُ فِيها“، فَتَنْسُقُ بِـ ”أنَّكَ“، عَلى ”ألّا تَجُوعَ“، ويَكُونُ ”أنَّكَ“، عَلى هَذا القَوْلِ، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعِ، والعَطْفُ عَلى اسْمِ ”إنَّ“، و”أنَّ“، لِأنَّ مَعْنى ”إنَّ زَيْدًا قائِمٌ“: ”زَيْدٌ قائِمٌ“، فالمَعْنى: ”ذَلِكَ أنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها“، ومَعْنى ”لا تَظْمَأُ“: لا تَعْطَشُ، يُقالُ: ”ظَمِئَ الرَّجُلُ، يَظْمَأُ، ظَمَأً، فَهو ظَمْآنُ“، بِمَعْنى: عَطْشانُ، ومَعْنى ”وَلا تَضْحى“: ولا تُصِيبُكَ الشَّمْسُ، ولا تَبْرُزُ، يُقالُ: ”ضَحى الرَّجُلُ، يَضْحى“، إذا بَرَزَ إلى الشَّمْسِ، قالَ الشّاعِرُ: ؎رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ وَمَعْنى ”يَخْصَرُ“: يُصِيبُهُ الخَصَرُ، وهو شِدَّةُ البَرْدِ، وبُلُوغُهُ الأطْرافَ.

طه 20:124

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، ”اَلضَّنْكُ“، أصْلُهُ في اللُّغَةِ: اَلضِّيقَ، والشِّدَّةُ، ومَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ هَذِهِ المَعِيشَةَ الضَّنْكَ في نارِ جَهَنَّمَ، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ عَذابُ القَبْرِ. (p-٣٧٩)وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، مِثْلُ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقِيلَ: أعْمى عَنْ حُجَّتِهِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ يَهْتَدِي إلَيْها، لا أنَّ لَهُ حُجَّةً وأنَّهُ يَعْمى عَنْها، ما لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، ولِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ، وقَدْ بَشَّرَ، وأنْذَرَ، ووَعَدَ، وأوْعَدَ.

طه 20:126

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾، أيْ: ”كَذَلِكَ تُتْرَكُ في النّارِ، كَما تَرَكْتَ آياتِنا“.

طه 20:128

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا﴾، قُرِئَتْ بِالنُّونِ، والياءِ، فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ، فَمَعْناهُ: ”أفَلَمْ نُبَيِّنْ لَهم بَيانًا يَهْتَدُونَ بِهِ؟“، ومَن قَرَأ: ”أفَلَمْ يَهْدِ“، بِالياءِ، فالمَعْنى: ”أفَلَمْ يُبَيَّنْ لَهُمُ الأمْرُ بِإهْلاكِ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ؟“، و”كَمْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”أهْلَكْنا“، وكانَتْ قُرَيْشٌ تَتَّجِرُ، وتَرى مَساكِنَ عادٍ، وثَمُودَ، وبِها عَلاماتُ الإهْلاكِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾، ويَجُوزُ ”فِي مَسْكَنِهِمْ“، أيْ: في مَوْضِعِ سُكْناهُمْ، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، ويُقْرَأُ: ”يُمَشَّوْنَ في مَساكِنِهِمْ“، بِالتَّشْدِيدِ. (p-٣٨٠)وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لأُولِي النُّهى﴾، أيْ: لِذَوِي العُقُولِ، والمَعْرِفَةِ، يُقالُ: ”فُلانٌ ذُو نُهْيَةٍ“، إذا كانَ لَهُ عَقْلٌ يَنْتَهِي بِهِ عَنِ المَقابِحِ.

طه 20:129

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا﴾، أيْ: لَكانَ القَتْلُ الَّذِي نالَهم لازِمًا أبَدًا، ولَكانَ العَذابُ لازِمًا لَهُمْ، ﴿وَأجَلٌ مُسَمًّى﴾، مَعْطُوفٌ عَلى ”كَلِمَةٌ“، اَلْمَعْنى: ”لَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ وأجَلٌ مُسَمًّى لَكانَ لِزامًا“، يُعْنى بِالأجَلِ المُسَمّى أنَّ اللَّهَ وعَدَهُمُ العَذابَ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]

طه 20:130

وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾، وذَلِكَ وقْتُ الغَداةِ، والعَشِيِّ، ﴿وَمِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ﴾، ”اَلْآناءُ“: اَلسّاعاتُ، وواحِدُ ”اَلْآناءُ“: ”إنْيٌ“، وقَدْ بَيَّنّاهُ فِيما مَضى، ”فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ“، و”أطْرافُ النَّهارِ“: اَلظُّهْرُ، والعَصْرُ، ﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾، ويُقْرَأُ: ”تُرْضى“.

طه 20:131

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾، أيْ: رِجالًا مِنهُمْ، ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، و”زَهَرَةَ“، جَمِيعًا، بِفَتْحِ الهاءِ، وتَسْكِينِها، و”زَهْرَةَ“، مَنصُوبٌ بِمَعْنى ”مَتَّعْنا“، لِأنَّ مَعْناهُ: ”جَعَلْنا لَهُمُ الحَياةَ الدُّنْيا زَهْرَةً“ . (p-٣٨١)﴿لِنَفْتِنَهم فِيهِ﴾، أيْ: لِنَجْعَلَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهم.

طه 20:133

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ؟“، وقَدْ أتَتْهُمُ البَيِّناتُ، والآياتُ، ولَكِنَّهم طَلَبُوا أنْ يَقْتَرِحُوا هم ما يُرِيدُونَ مِنَ الآياتِ.

طه 20:134

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾، يَجُوزُ فِيها: ”يُذَلُّ ويُخْزى“.

طه 20:135

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ﴾، ”مَن“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيها ”فَسَتَعْلَمُونَ“، لِأنَّ مَعْناهُ مَعْنى التَّسْوِيَةِ، المَعْنى: ”فَسَتَعْلَمُونَ أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ نَحْنُ أمْ هُمْ“، فَلَمْ يَعْمَلْ ”فَسَتَعْلَمُونَ“، لِأنَّ لَفْظَ الكَلامِ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْنى ”أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ“: أصْحابُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، ويَجُوزُ ”مَن أصْحابُ الصِّراطِ السُّوى ومَنِ اهْتَدى“، أيْ: ”فَسَيَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الطَّرِيقَةِ السُّوءى ومَنِ المُهْتَدِي“.

الأنبياء 21:1

(p-٣٨٢)(p-٣٨٣)سُورَةُ اَلْأنْبِياءِ مَكِّيَّةٌ ﷽ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”اِقْتَرَبَتِ القِيامَةُ، ومِثْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -:“اِقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتَ حِسابِهِمْ".

الأنبياء 21:2

وَقَوْلُهُ: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾، اَلْخَفْضُ القِراءَةُ، ويَجُوزُ في غَيْرِ القِراءَةِ: ”مُحْدَثًا“، و”مُحْدَثٌ“، اَلنَّصْبُ عَلى الحالِ، والرَّفْعُ بِإضْمارِ ”هُوَ“.

الأنبياء 21:3

﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾، مَعْطُوفٌ عَلى مَعْنى ”إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ“، مَعْناهُ: ”اِسْتَمَعُوهُ لاعِبِينَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ“، مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”يَلْعَبُونَ“، ﴿وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، في ”أسَرُّوا“، قَوْلانِ، أجْوَدُهُما أنْ يَكُونَ ”اَلَّذِينَ ظَلَمُوا“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، بَدَلًا مِنَ الواوِ، مِن ”أسَرُّوا“، ومُبَيِّنًا عَنْ مَعْنى الواوِ، والمَعْنى: ”إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ وأسَرُّوا النَّجْوى“، ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم هَؤُلاءِ، فَكانَ بَدَلًا مِنَ الواوِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (p-٣٨٤)رَفْعًا عَلى الذَّمِّ، عَلى مَعْنى ”هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى ”أعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا“. وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، بَيَّنَ ما أسَرُّوهُ، والمَعْنى: ”قالُوا سِرًّا: هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ؟“، يَعْنُونَ النَّبِيَّ ﷺ، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ، وأطْلَعَ النَّبِيَّ ﷺ عَلى قِيلِهِمْ، وسِرِّهِمْ.

الأنبياء 21:4

﴿قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ﴾، وقُرِئَتْ: ”قَلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ“، و”قالَ رَبِّي“.

الأنبياء 21:5

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾، أيْ: قالُوا: اَلَّذِي يَأْتِي بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أضْغاثُ أحْلامٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: أهاوِيلُ أحْلامٍ، و”اَلْأضْغاثُ“، في اللُّغَةِ: اَلْأشْياءُ المُخْتَلِطَةُ، ﴿بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾، أيْ: أخَذُوا يَنْقُضُونَ أقْوالَهم بَعْضَها بِبَعْضٍ، فَيَقُولُونَ مَرَّةً: ”هَذِهِ أحْلامٌ“، ومَرَّةً: ”هَذا شِعْرٌ“، ومَرَّةً: ”مُفْتَرًى“، ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾، فاقْتَرَحُوا الآياتِ الَّتِي لا يَقَعُ مَعَها إمْهالٌ إذا كُذِّبَ بِها، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦]، أيْ: ما آمَنَ أهْلُ قَرْيَةٍ أتَتْهم هَذِهِ الآياتُ حَتّى أوْجَبَ اللَّهُ اسْتِئْصالَهُمْ، وإهْلاكَهم بِالعَذابِ. واللَّهُ جَعَلَ مَوْعِدَ هَذِهِ الأُمَّةِ القِيامَةَ، فَقالَ: (p-٣٨٥)﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]، واللَّهُ قَدْ أعْطاهُمُ الآياتِ الَّتِي تَبَيَّنُوا بِها نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ، مِنَ القُرْآنِ، الَّذِي دُعُوا أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، ومِنَ انْشِقاقِ القَمَرِ، ومِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، فَظَهَرَ أهْلُ الإسْلامِ حَتّى صارُوا أكْثَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ، فَلَيْسَ أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ لَهم كَثْرَةُ أهْلِ الإسْلامِ، وأظْهَرَهُ اللَّهُ أيْضًا بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ.

الأنبياء 21:7

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾، أيْ: ”سَلُوا كُلَّ مَن يُقِرُّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن أهْلِ التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ“، ﴿إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: ”إنْ كُنْتُمْ لَمْ تَعْلَمُوا أنَّ الرُّسُلَ بَشَرٌ“، وهَذا السُّؤالُ - واللَّهُ أعْلَمُ - لِمَن كانَ مُؤْمِنًا مِن أهْلِ هَذِهِ الكُتُبِ، لِأنَّ القَبُولَ يَكُونُ مِن أهْلِ الصِّدْقِ، والثِّقَةِ.

الأنبياء 21:8

وَقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾، ”جَسَدًا“، هو واحِدٌ يُنْبِئُ عَنْ جَماعَةٍ، أيْ: ”وَما جَعَلْناهم ذَوِي أجْسادٍ، إلّا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ“، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]، فَأُعْلِمُوا أنَّ الرُّسُلَ أجْمَعِينَ يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وأنَّهم يَمُوتُونَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانُوا خالِدِينَ﴾

الأنبياء 21:10

وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾، أيْ: فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم بِما تَلْقَوْنَهُ مِن رَحْمَةٍ، أوْ عَذابٍ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَلا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]، وقَدْ قِيلَ: ”فِيهِ ذِكُرُكُمْ“: فِيهِ شَرَفُكم.

الأنبياء 21:11

وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً﴾، (p-٣٨٦)”“كَمْ”، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ“قَصَمْنا”، ومَعْنى“قَصَمْنا”: أهْلَكْنا، وأذْهَبْنا، يُقالُ:“قَصَمَ اللَّهُ عُمْرَ الكافِرِ"، أيْ: أذْهَبَهُ.

الأنبياء 21:12

وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾، أيْ: يَهْرُبُونَ مِنَ العَذابِ.

الأنبياء 21:13

﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ قِيلَ لَهم ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ، وقِيلَ: ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ شَيْئًا مِمّا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ“، ويَجُوزُ ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ فَتُجِيبُونَ عَمّا تُشاهِدُونَ إذا رَأيْتُمْ ما نَزَلَ بِمَساكِنِكُمْ، وما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ“.

الأنبياء 21:14

وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾، ”وَيْلٌ“، كَلِمَةٌ تُقالُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ، وكَذَلِكَ يَقُولُها كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.

الأنبياء 21:15

وَقَوْلُهُ: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾، أيْ: ما زالَتِ الكَلِمَةُ الَّتِي هي قَوْلُهُمْ: ”يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ“، دَعْواهُمْ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”تِلْكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، اسْمَ ”زالَتْ“، و”دَعْواهُمْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، خَبَرَ ”زالَتْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”دَعْواهُمْ“، اَلِاسْمَ، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و”تِلْكَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الخَبَرِ، لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في الوَجْهَيْنِ.

الأنبياء 21:17

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾، ”اَللَّهْوُ“، في لُغَةِ حَضَرَمَوْتَ: ”اَلْوَلَدُ“، وقِيلَ: ”اَللَّهْوُ“: اَلْمَرْأةُ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ الوَلَدَ لَهْوُ الدُّنْيا، فَلَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ ذا لَهْوٍ يُلْهى بِهِ، ومَعْنى ﴿لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾، أيْ: لاصْطَفَيْناهُ مِمّا نَخْلُقُ، ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ (p-٣٨٧)مَعْناهُ: ”ما كُنّا فاعِلِينَ“، وكَذَلِكَ جاءَ في التَّفْسِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلشَّرْطِ، أيْ: ”إنْ كُنّا مِمَّنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، ولَسْنا مِمَّنْ يَفْعَلُهُ“، والقَوْلُ الأوَّلُ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ، والقَوْلُ الثّانِي قَوْلُ النَّحْوِيِّينَ، وهم أجْمَعُونَ يَقُولُونَ القَوْلَ الأوَّلَ، ويَسْتَجِيدُونَهُ، لِأنَّ ”إنْ“، تَكُونُ في مَعْنى النَّفْيِ، إلّا أنَّ أكْثَرَ ما تَأْتِي مَعَ اللّامِ تَقُولُ: ”إنْ كُنْتَ لَصالِحًا“، مَعْناهُ: ”ما كُنْتَ إلّا صالِحًا“.

الأنبياء 21:18

وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾، يُعْنى بِالحَقِّ ”اَلْقُرْآنُ“، عَلى باطِلِهِمْ، ”فَيَدْمَغُهُ“: فَيُذْهِبُهُ ذَهابَ الصَّغارِ، والإذْلالِ، ﴿فَإذا هو زاهِقٌ﴾، أيْ: ذاهِبٌ، ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾، أيْ: مِمّا تَكْذِبُونَ، في وصْفِكم في قَوْلِكُمْ: إنَّ لِلَّهِ ولَدًا.

الأنبياء 21:19

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرْتُمْ أنَّهم أوْلادُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عِبادُ اللَّهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ. وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾، أيْ: لا يَعْيَوْنَ، يُقالُ: ”حَسِرَ، واسْتَحْسَرَ“، إذا تَعِبَ وأعْيا، فالمَلائِكَةُ لا يَعْيَوْنَ.

الأنبياء 21:20

﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾، أيْ: لا يَشْغَلُهم عَنِ التَّسْبِيحِ رِسالَةٌ، ومُجْرى التَّسْبِيحِ مِنهم كَمُجْرى (p-٣٨٨)النَّفَسِ مِنّا، لا يَشْغَلُنا عَنِ النَّفَسِ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ تَسْبِيحُهم دائِمٌ.

الأنبياء 21:21

وَقَوْلُهُ: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾، و”يَنْشُرُونَ“، فَمَن قَرَأ: ”يُنْشِرُونَ“، فَمَعْناهُ: ”أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً يُحْيُونَ المَوْتى“، يُقالُ: ”أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى“، و”نُشِرُوا هُمْ“، ومَن قَرَأ: ”يَنْشُرُونَ“، بِفَتْحِ الياءِ، فَمَعْناهُ: ”أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لا يَمُوتُونَ، يَحْيَوْنَ أبَدًا“.

الأنبياء 21:22

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾، ”فِيهِما“: في السَّماءِ والأرْضِ، و”إلّا“، في مَعْنى ”غَيْرُ“، اَلْمَعْنى: ”لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتا“، فَـ ”إلّا“، صِفَةٌ، في مَعْنى ”غَيْرُ“، فَلِذَلِكَ ارْتَفَعَ ما بَعْدَها عَلى لَفْظِ الَّذِي قَبْلَها، قالَ الشّاعِرُ: ؎وَكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ لَعَمْرُ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ اَلْمَعْنى: ”وَكُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ“. وَقَوْلُهُ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، ”سُبْحانَ اللَّهِ“، مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ، وهَذا تَفْسِيرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.

الأنبياء 21:23

وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾، أيْ: لا يُسْألُ في القِيامَةِ عَنْ حُكْمِهِ في عِبادِهِ، ويَسْألُ عِبادَهُ عَنْ أعْمالِهِمْ سُؤالَ مُوَبِّخٍ لِمَن يَسْتَحِقُّ التَّوْبِيخَ، ومُجازِيًا بِالمَغْفِرَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّ ذَلِكَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ أعْمالَ العِبادِ، ولَكِنْ يَسْألُهم إيجابًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهو (p-٣٨٩)قَوْلُهُ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، أيْ: سُؤالَ الحُجَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، فَهَذا مَعْناهُ: ”لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُسْتَعْلَمَ مِنهُ“، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ عَلِمَ أعْمالَهم قَبْلَ وُقُوعِها، وحِينَ وُقُوعِها، وبَعْدَ وُقُوعِها، ”عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ“ .

الأنبياء 21:24

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِيَ وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، قَدْ أبانَ اللَّهُ الحُجَّةَ عَلَيْهِمْ في تَثْبِيتِ تَوْحِيدِهِ، وأنَّ آلِهَتَهم لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: هاتُوا بُرْهانَكم بِأنَّ رَسُولًا مِنَ الرُّسُلِ أنْبَأ أُمَّتَهُ بِأنَّ لَهم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ، فَهَلْ في ذِكْرِ مَن مَعِي وذِكْرِ مَن قَبْلِي إلّا تَوْحِيدُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -؟! وقَدْ قُرِئَتْ: ”هَذا ذِكْرٌ مِن مَعِي وذِكْرٌ مِن قَبْلِي“، ووَجْهُها جَيِّدٌ، ومَعْناهُ: ”هَذا ذِكْرٌ مِمّا أُنْزِلَ عَلَيَّ، مِمّا هو مَعِي، وذِكْرٌ مِن قَبْلِي، قالَ أبُو إسْحاقَ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ“مَن مَعِيَ”، أيْ:“مِنَ الَّذِي عِنْدِي”، أوْ“مِنَ الَّذِي قَبْلِي”، ثُمَّ بَيَّنَ فَقالَ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، و“يُوحى إلَيْهِ”، ويَجُوزُ“يُوحِي إلَيْهِ"، ﴿أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]

الأنبياء 21:26

وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾، يُعْنى المَلائِكَةُ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والَّذِي في التَّفْسِيرِ أنَّهُمُ المَلائِكَةُ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”بَلْ عِبادًا مُكْرَمِينَ“، لَمْ يَجُزْ، لِمُخالَفَةِ المُصْحَفِ، وهي في العَرَبِيَّةِ جائِزَةٌ، ويَكُونُ المَعْنى: ”بَلِ اتَّخَذَ عِبادًا مُكْرَمِينَ“، والرَّفْعُ أجْوَدُ، وأحْسَنُ.

الأنبياء 21:30

قَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا﴾، (p-٣٩٠)قالَ: ”كانَتا“، لِأنَّ السَّماواتِ يُعَبَّرُ عَنْها بِلَفْظِ الواحِدِ، وأنَّ السَّماواتِ كانَتا سَماءً واحِدَةً، وكَذَلِكَ الأرْضُونَ، كانَتْ أرْضًا واحِدَةً، فالمَعْنى أنَّ السَّماواتِ كانَتا سَماءً واحِدَةً، مُرْتَتَقَةً، لَيْسَ فِيها ماءٌ، فَفَتَقَ اللَّهُ السَّماءَ، فَجَعَلَها سَبْعًا، وجَعَلَ الأرْضَ سَبْعَ أرْضِينَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ السَّماءَ فُتِقَتْ بِالمَطَرِ، والأرْضَ بِالنَّباتِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُرادُ بِفَتْقِها كَوْنُ المَطَرِ فِيها قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وقِيلَ: ”رَتْقًا“: ولَمْ يَقُلْ: ”رَتْقَيْنِ“، لِأنَّ ”اَلرَّتْقُ“، مَصْدَرٌ، المَعْنى: ”كانَتا ذَواتَيْ رَتْقٍ“، فَجُعِلَتا ذَواتَيْ فَتْقٍ، ودَلَّهم بِهَذا عَلى تَوْحِيدِهِ - جَلَّ وعَزَّ -، ثُمَّ بَكَّتَهُمْ، فَقالَ: ﴿أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾

الأنبياء 21:31

وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ“، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ”ألّا تَمِيدَ بِهِمْ“، والمَعْنى كَذَلِكَ، إلّا أنَّ ”لا“، لا تُضْمَرُ، والِاسْمَ المُضافَ يُحْذَفُ، و”كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ“، يُؤَدِّي عَنْ مَعْنى ”ألّا تَمِيدَ بِهِمْ“، ومَعْنى ”تَمِيدُ“، في اللُّغَةِ: تَدُورُ، ويُقالُ لِلَّذِي يُدارُ بِهِ إذا رَكِبَ البَحْرَ: ”مائِدٌ“، و”مَيْدى“، و”اَلرَّواسِي“، تَعْنِي: ”اَلْجِبالُ الثَّوابِتُ“، ﴿وَجَعَلْنا فِيها فِجاجًا سُبُلا﴾، ”فِجاجٌ“: جَمْعُ ”فَجٌّ“، وهو كُلُّ مُنْخَرِقٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، و”سُبُلًا“: طُرُقًا.

الأنبياء 21:32

﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾، حَفِظَهُ اللَّهُ مِنَ الوُقُوعِ عَلى الأرْضِ، إلّا بِإذْنِهِ، وقِيلَ: مَحْفُوظًا، أيْ: (p-٣٩١)مَحْفُوظًا بِالكَواكِبِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٧] ﴿وَهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾، مَعْناهُ: وهم عَنْ شَمْسِها، وقَمَرِها، ونُجُومِها، وقَدْ قُرِئَتْ: ”عَنْ آيَتِها“، وتَأْوِيلُهُ أنَّ الآيَةَ فِيها في نَفْسِها أعْظَمُ آيَةٍ، لِأنَّها مُمْسَكَةٌ بِقُدْرَتِهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقَدْ يُقالُ لِلَّذِي يَنْتَظِمُ عَلاماتٍ كَثِيرَةً: ”آيَةٌ“، يُرادُ بِهِ أنَّهُ بِجُمْلَتِهِ دَلِيلٌ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.

الأنبياء 21:33

وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، قِيلَ: ”يَسْبَحُونَ“، كَما يُقالُ لِما يَعْقِلُ، لِأنَّ هَذِهِ الأشْياءَ وُصِفَتْ بِالفِعْلِ، كَما يُوصَفُ مَن يَعْقِلُ، كَما قالَتِ العَرَبُ - في رِوايَةِ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ -: ”أكَلُونِي البَراغِيثُ“، لَمّا وُصِفَتْ بِالأكْلِ قِيلَ: ”أكَلُونِي“، قالَ الشّاعِرُ: ؎شَرِبَتْ بِها والدِّيكُ يَدْعُو صَباحَهُ إذا ما بَنُو نَعْشٍ دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا

الأنبياء 21:34

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾، يُقْرَأُ: ”مُتَّ“، بِضَمِّ المِيمِ، و”مِتَّ“، بِكَسْرِها، وأكْثَرُ القُرّاءِ بِالضَّمِّ، وقَدْ فَسَّرْنا ما في هَذا البابِ، (p-٣٩٢)والفاءُ دَخَلَتْ عَلى ”إنْ“، جَوابَ الجَزاءِ، كَما تَدْخُلُ في قَوْلِكَ: ”إنْ زُرْتَنِي فَأنا أخُوكَ“، ودَخَلَتِ الفاءُ عَلى ”هُمْ“، لِأنَّها جَوابُ ”إنْ“.

الأنبياء 21:36

وَقَوْلُهُ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾، وهَذا عَلى إضْمارِ الحِكايَةِ، المَعْنى: ”وَإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا يَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ؟!“، والمَعْنى: ”أهَذا الَّذِي يَعِيبُ آلِهَتَكُمْ؟!“، يُقالُ: ”فُلانٌ يَذْكُرُ النّاسَ“، أيْ: يَغْتابُهُمْ، ويَذْكُرُهم بِالعُيُوبِ، ويُقالُ: ”فُلانٌ يَذْكُرُ اللَّهَ“، أيْ: ”يَصِفُهُ بِالعَظَمَةِ“، ويُثْنِي عَلَيْهِ ويُوَحِّدُهُ، وإنَّما يُحْذَفُ مَعَ الذِّكْرِ ما عُقِلَ مَعْناهُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎لا تَذْكُرِي فَرَسِي وما أطْعَمْتُهُ فَيَكُونَ لَوْنُكِ مِثْلَ لَوْنِ الأجْرَبِ اَلْمَعْنى: ”لا تَذْكُرِي فَرَسِي وإحْسانِي إلَيْهِ فَتَعِيبِينِي بِإيثارِي إيّاهُ عَلَيْكِ“.

الأنبياء 21:37

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: اَلْمَعْنى: ”خُلِقَتِ العَجَلَةُ مِنَ الإنْسانِ“، وحَقِيقَتُهُ يَدُلُّ عَلَيْها: ﴿وَكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ [الإسراء: ١١]، وإنَّما خُوطِبَتِ العَرَبُ بِما تَعْقِلُ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلَّذِي يُكْثِرُ الشَّيْءَ: ”خُلِقْتَ مِنهُ“، كَما تَقُولُ: ”أنْتَ مِن لَعِبٍ“، و”خُلِقْتَ مِن لَعِبٍ“، تُرِيدُ المُبالَغَةَ بِوَصْفِهِ بِاللَّعِبِ.

الأنبياء 21:39

وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾، أيْ: حِينَ لا يَدْفَعُونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ، وجَوابُ ”لَوْ“، مَحْذُوفٌ، المَعْنى: (p-٣٩٣)”لَعَلِمُوا صِدْقَ الوَعْدِ“، لِأنَّهم قالُوا: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ وجَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - السّاعَةَ مَوْعِدَهم.

الأنبياء 21:40

ثُمَّ قالَ: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾، ”بَغْتَةً“: فُجاءَةً، وهم غافِلُونَ عَنْها، ”فَتَبْهَتُهُمْ“: فَتُحَيِّرُهم.

الأنبياء 21:42

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾، مَعْناهُ: - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”مَن يَحْفَظُكم مِن بَأْسِ الرَّحْمَنِ؟“، كَما قالَ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣]، أيْ: "مِن عَذابِ اللَّهِ.

الأنبياء 21:44

وَقَوْلُهُ: ﴿أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾، أيْ: قَدْ تَبَيَّنَ لَكم أنّا نَنْقُصُ الأرْضَ مِن أطْرافِها، ولِأنَّ الغَلَبَةَ لَنا، وقَدْ فَسَّرْنا ”نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها“، في سُورَةِ ”اَلرَّعْدِ“، أيْ: ”فاللَّهُ الغالِبُ، وهُمُ المَغْلُوبُونَ“، أعْنِي حِزْبَ الشَّيْطانِ.

الأنبياء 21:45

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾، ويَجُوزُ ”وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ“، و”اَلصُّمُّ“، هَهُنا: اَلْمُعْرِضُونَ عَمّا يُتْلى عَلَيْهِمْ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، فَهم بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْمَعُ، كَما قالَ الشّاعِرُ: ؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ

الأنبياء 21:46

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾، أيْ: إنْ مَسَّهم أدْنى شَيْءٍ مِنَ العَذابِ، ﴿لَيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾، (p-٣٩٤)وَ”اَلْوَيْلُ“، يُنادى بِهِ، ويُنادِي بِهِ كُلُّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.

الأنبياء 21:47

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، ”اَلْقِسْطَ“: اَلْعَدْلَ، المَعْنى: ”وَنَضَعُ المَوازِينَ ذَواتِ القِسْطِ“، و”قِسْطٌ“، مِثْلُ ”عَدْلٌ“، مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ، تَقُولُ: ”مِيزانٌ قِسْطٌ“، و”مِيزانانِ قِسْطٌ“، و”مَوازِينُ قِسْطٌ“، و”اَلْمِيزانُ“، في القِيامَةِ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ لَهُ لِسانًا، وكِفَّتَيْنِ، وتُمَثَّلُ الأعْمالُ بِما يُوزَنُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُوزَنُ خاتِمَةُ العَمَلِ، فَمَن كانَتْ خاتِمَةُ عَمَلِهِ خَيْرًا جُوزِيَ بِخَيْرٍ، ومَن كانَتْ خاتِمَةُ عَمَلِهِ شَرًّا فَجَزاؤُهُ الشَّرُّ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾، نُصِبَ ”مِثْقالَ“، عَلى مَعْنى ”وَإنْ كانَ العَمَلُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ“، ويُقْرَأُ: ”وَإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ“، بِالرَّفْعِ عَلى مَعْنى: ”وَإنْ حَصَلَ لِلْعَبْدِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها“، ”أتَيْنا بِها“، مَعْناهُ: جِئْنا بِها، وقَدْ قُرِئَتْ ”آتَيْنا بِها“، عَلى مَعْنى: ”جازَيْنا بِها، وأعْطَيْنا بِها“، و”أتَيْنا بِها“، أحْسَنُ في القِراءَةِ، وأقْرَبُ في أمَلِ العَفْوِ، ﴿وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾، مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ، عَلى التَّمْيِيزِ، وعَلى الحالِ، ودَخَلَتِ الباءُ في ”وَكَفى بِنا“، لِأنَّهُ خَبَرٌ في مَعْنى الأمْرِ، المَعْنى: ”اِكْتَفُوا بِاللَّهِ حَسِيبًا“.

الأنبياء 21:48

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾، جاءَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَرى حَذْفَ الواوِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: مَعْناهُ: ”وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفَرْقانِ ضِياءً“، وعِنْدَ البَصْرِيِّينَ أنَّ الواوَ لا تُزادُ، ولا تَأْتِي إلّا بِمَعْنى العَطْفِ، وتَفْسِيرُ ”اَلْفُرْقانَ“: اَلتَّوْراةَ الَّتِي فِيها الفَرْقُ بَيْنَ الحَلالِ (p-٣٩٥)والحَرامِ، و”ضِياءً“، هَهُنا، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦]، ويَجُوزُ ”وَذِكْرى لِلْمُتَّقِينَ“.

الأنبياء 21:50

وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْـزَلْناهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”هَذا القُرْآنُ ذِكْرٌ مُبارَكٌ.“

الأنبياء 21:51

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾، أيْ: آتَيْناهُ هُداهُ حَدَثًا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ [السجدة: ١٣]

الأنبياء 21:52

وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾، ”إذْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”آتَيْناهُ رُشْدَهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ“، ومَعْنى ”اَلتَّماثِيلُ“، هَهُنا: اَلْأصْنامُ، ومَعْنى العُكُوفِ: اَلْمُقامُ عَلى الشَّيْءِ.

الأنبياء 21:57

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتاللَّهِ لأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَواللَّهِ لَأكِيدَنَّ“، ولا تَصْلُحُ التّاءُ في القَسَمِ إلّا في ”اَللَّهِ“، تَقُولُ: ”وَحَقِّ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“، ولا يَجُوزُ ”تَحَقِّ اللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“، وتَقُولُ: ”وَحَقِّ زَيْدٍ لَأفْعَلَنَّ“، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ويَجُوزُ ”وَبِاللَّهِ لِأكِيدَنَّ أصْنامَكُمْ“، وقِراءَةُ أهْلِ الأمْصارِ: ”تاللَّهِ“، ولا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ الأمْصارِ قَرَأ بِالباءِ، ومَعْناها صَحِيحٌ جَيِّدٌ.

الأنبياء 21:58

وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾، و”جِذاذًا“، تُقْرَأُ بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، فَمَن قَرَأ: ”جُذاذًا“، فَإنَّ بِنْيَةَ كُلِّ ما كُسِّرَ (p-٣٩٦)وَقُطِّعَ عَلى ”فُعالٌ“، نَحْوَ ”اَلْجُذاذُ“، و”اَلْحُطامُ“، و”اَلرُّفاتُ“، ومَن قالَ: ”جِذاذًا“، فَهو جَمْعُ ”جَذِيذٌ“، و”جِذاذٌ“، نَحْوَ: ”ثَقِيلٌ“، و”ثِقالٌ“، و”خَفِيفٌ“، و”خِفافٌ“، ويَجُوزُ ”جَذاذًا“، عَلى مَعْنى ”اَلْقَطاعُ“، و”اَلْحَصادُ“، ويَجُوزُ ”جُذُذًا“، عَلى مَعْنى ”جَذِيدٌ“، و”جُذُذٌ“، مِثْلَ: ”جَدِيدٌ“، و”جُدُدٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿إلا كَبِيرًا لَهُمْ﴾، أيْ: كَسَّرَ هَذِهِ الأصْنامَ إلّا أكْبَرَها، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أكْبَرَها عِنْدَهم في تَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ، لا في الخِلْقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أعْظَمَها خِلْقَةً، ومَعْنى ”لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ“، أيْ: ”لَعَلَّهم بِاحْتِجاجِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمْ بِهِ يَرْجِعُونَ، فَيَعْلَمُونَ وُجُوبَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ“.

الأنبياء 21:60

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾، أيْ: يَذْكُرُهم بِالعَيْبِ، وقالُوا لِلْأصْنامِ: ”يَذْكُرُهُمْ“، لِأنَّهم جَعَلُوها في عِبادَتِهِمْ إيّاها بِمَنزِلَةِ ما يَعْقِلُ، و”إبْراهِيمُ“، يَرْتَفِعُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى ”يُقالُ لَهُ: هو إبْراهِيمُ“، و”اَلْمَعْرُوفُ بِهِ إبْراهِيمُ“، وعَلى النِّداءِ، عَلى مَعْنى: ”يُقالُ لَهُ: يا إبْراهِيمُ“ .

الأنبياء 21:61

﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾، أيْ: لَعَلَّهم يَعْرِفُونَهُ بِهَذا القَوْلِ، فَيَشْهَدُونَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ما نُنْزِلُهُ بِهِ بِحُجَّةٍ عَلَيْهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عُقُوبَتَنا إيّاهُ“.

الأنبياء 21:63

﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، يَعْنِي الصَّنَمَ العَظِيمَ، ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾، (p-٣٩٧)قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّما المَعْنى: ”بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ إبْراهِيمَ نَطَقَ بِثَلاثِ كَلِماتٍ عَلى غَيْرِ ما يُوجِبُهُ لَفْظُها، لِما في ذَلِكَ مِنَ الصَّلاحِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وَقَوْلُهُ: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ وَقَوْلُهُ: ”إنَّ سارَةَ أُخْتِي“، والثَّلاثُ لَهُنَّ وجْهٌ في الصِّدْقِ بَيِّنٌ، فَسارَةُ أُخْتُهُ في الدِّينِ. وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، فِيهِ غَيْرُ وجْهِ، أحَدُها: ”إنِّي مُغْتَمٌّ بِضَلالَتِكُمْ، حَتّى أنا كالسَّقِيمِ“، ووَجْهٌ آخَرُ: ”إنِّي سَقِيمٌ عِنْدَكُمْ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ نالَهُ في هَذا الوَقْتِ مَرَضٌ، ووَجْهُ الآيَةِ ما قُلْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾، واحْتَجَّ قَوْمٌ بِأنَّ قَوْلَ إبْراهِيمَ مِثْلُ قَوْلِ يُوسُفَ لِإخْوَتِهِ: ﴿أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠]، ولَمْ يَسْرِقُوا الصّاعَ، وهَذا تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”إنَّكم لَسارِقُونَ يُوسُفَ“ .

الأنبياء 21:65

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ أدْرَكَتِ القَوْمَ حَيْرَةٌ، ومَعْنى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ: ”ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ فَقالُوا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ“، فَقَدِ اعْتَرَفُوا بِعَجْزِ ما يَعْبُدُونَهُ عَنِ النُّطْقِ.

الأنبياء 21:67

(p-٣٩٨)وَقَوْلُهُ: ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، يُقْرَأُ: ”أُفِّ لَكُمْ“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، و”أُفٍّ“، بِتَنْوِينٍ، ويَجُوزُ: ”أُفٌّ لَكُمْ“، و”أُفُّ لَكُمْ“، بِالضَّمِّ والتَّنْوِينِ، وبِتَرْكِ التَّنْوِينِ، ويَجُوزُ: ”أُفَّ لَكُمْ“، بِالفَتْحِ، فَأمّا الكَسْرُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَلِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهُما الفاءانِ في قَوْلِهِ: ”أُفِّ“، وإنَّما أصْلُ الكَلِمَةِ السُّكُونُ، لِأنَّها بِمَنزِلَةِ الأصْواتِ، وحَذْفُ التَّنْوِينِ لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، لا يَجِبُ إعْرابُها، وتَفْسِيرُها: ”اَلنُّتْنُ لَكُمْ، ولِما تَعْبُدُونَ“، فَمَن نَوَّنَ جَعَلَهُ نَكِرَةً بِمَنزِلَةٍ ”نُتْنًا لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ“، وكُسِرَ لِأنَّ أصْلَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ الكَسْرُ، ولِأنَّ أكْثَرَ الأصْواتِ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ”غاقِ“، و”جَيْرِ“، و”أمْسِ“، و”إيهِ“، ويَجُوزُ الفَتْحُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ، ويَجُوزُ الضَّمُّ لِضَمَّةِ الألِفِ، كَما قالُوا: ”رُدَّ يا هَذا“، و”رُدُّ“، و”رُدِّ“، بِالكَسْرِ، ومَن نَوَّنَ مَعَ الضَّمِّ فَبِمَنزِلَةِ التَّنْوِينِ مَعَ الكَسْرِ.

الأنبياء 21:71

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها مِن أرْضِ الشّامِ إلى العِراقِ.

الأنبياء 21:72

قَوْلُهُ: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً﴾، ”اَلنّافِلَةُ“، هَهُنا: ولَدُ الوَلَدِ، يُعْنى بِهِ يَعْقُوبُ خاصَّةً.

الأنبياء 21:73

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإقامَ الصَّلاةِ﴾، ”إقامِ“، مُفْرَدٌ قَلِيلٌ في اللُّغَةِ، تَقُولُ: ”أقَمْتُ، إقامَةً“، فَأمّا ”إقامُ الصَّلاةِ“، فَجائِزٌ، لِأنَّ الإضافَةَ عِوَضٌ مِنَ الهاءِ.

الأنبياء 21:74

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾، ”لُوطًا“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا، فالمَعْنى: ”وَأوْحَيْنا إلَيْهِمْ، وآتَيْنا لُوطًا آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا“، والنَّصْبُ هَهُنا أحْسَنُ مِنَ الرَّفْعِ لِأنَّ قَبْلَ ”آتَيْنا“، فِعْلًا، وقَدْ (p-٣٩٩)ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى ”واذْكُرْ لُوطًا“، وهَذا جائِزٌ، لِأنَّ ذِكْرَ إبْراهِيمَ قَدْ جَرى، فَحُمِلَ ”لُوطًا“، عَلى مَعْنى ”واذْكُرْ“.

الأنبياء 21:76

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَنُوحًا إذْ نادى مِن قَبْلُ فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾، مَنصُوبٌ عَلى ”واذْكُرْ“ .

الأنبياء 21:78

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَداوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ﴾، عَلى مَعْنى ”واذْكُرْ داوُدَ وسُلَيْمانَ إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ“، ﴿إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ﴾، ”اَلنَّفْشُ“، بِاللَّيْلِ، و”اَلْهَمَلُ“، بِالنَّهارِ. وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ غَنَمًا عَلى عَهْدِ داوُدَ وسُلَيْمانَ مَرَّتْ بِحَرْثٍ لِقَوْمٍ فَأفْسَدَتْهُ، ورُوِيَ أنَّ الحَرْثَ كانَ حِنْطَةً، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ كَرْمًا، فَأفْسَدَتْ ذَلِكَ الحَرْثَ فَحَكَمَ داوُدُ بِدَفْعِ الغَنَمِ إلى أصْحابِ الكَرْمِ، وحَكَمَ سُلَيْمانُ بِأنْ يُدْفَعَ الغَنَمُ إلى أصْحابِ الكَرْمِ فَيَأْخُذُوا مَنافِعَها مِن ألْبانِها، وأصْوافِها، وعَوارِضِها، إلى أنْ يَعُودَ الكَرْمُ كَهَيْئَتِهِ وقْتَ أُفْسِدَ، فَإذا عادَ الكَرْمُ إلى هَيْئَتِهِ رُدَّتِ الغَنَمُ إلى أرْبابِها، ويُدْفَعَ الكَرْمُ إلى صاحِبِ الكَرْمِ. قالَ أبُو إسْحاقَ: يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَوارِضَها مِن أحَدِ وجْهَيْنِ، إمّا أنْ يَكُونَ جَمْعَ ”عَرِيضٌ“، و”عُرْضانٌ“، وهو اسْمٌ لِلْحَمَلِ، وأكْثَرُ ذَلِكَ في الجَدْيِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُ بِما يَعْرِضُ مِن مَنافِعِها، حَتّى يَعُودَ الكَرْمُ كَما كانَ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - يَدُلُّ عَلى أنَّ سُلَيْمانَ عَلِمَ أنَّ قِيمَةَ ما أفْسَدَتِ الغَنَمُ مِنَ الكَرْمِ بِمِقْدارِ نَفْعِ الغَنَمِ.

الأنبياء 21:79

قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ﴾، أيْ: فَهَّمْناهُ القَضِيَّةَ، والحُكُومَةَ، ﴿وَكُلا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا﴾ (p-٤٠٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾، ويَجُوزُ ”والطَّيْرُ“، عَلى العَطْفِ عَلى ما في ”يُسَبِّحْنَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ﴿وَكُنّا فاعِلِينَ﴾، أيْ: وكُنّا نَقْدِرُ عَلى ما نُرِيدُهُ، ونُصِبَ ”اَلطَّيْرَ“، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى مَعْنى: ”وَسَخَّرْنا الطَّيْرَ“، والأُخْرى عَلى مَعْنى: ”يُسَبِّحْنَ مَعَ الطَّيْرِ“.

الأنبياء 21:80

وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكم لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”لِنُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ“، بِالنُّونِ، ويَجُوزُ ”لِيُحْصِنَكُمْ“، بِالياءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ، أرادَ: لِيُحْصِنَكم هَذا اللَّبُوسُ، ويَجُوزَ عَلى مَعْنى: لِيُحْصِنَكُمُ اللَّهُ مِن بَأْسِكُمْ، وهي مِثْلُ ”لِنُحْصِنَكُمْ“، بِالنُّونِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، أرادَ ”لِتُحْصِنَكُمُ الصَّنْعَةُ“، فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ الأوْجُهُ قَدْ قُرِئَ بِهِنَّ، ويَجُوزُ فِيها ثَلاثٌ لَمْ يُقْرَأْ بِهِنَ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِهِنَ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، يَجُوزُ ”لِنُحَصِّنَكُمْ“، بِالنُّونِ، والتَّشْدِيدِ، و”لِتُحَصِّنَكُمْ“، بِالتّاءِ، والتَّشْدِيدِ، و”لِيُحَصِّنَكُمْ“، بِالياءِ مُشَدَّدَةَ الصّادِ في هَذِهِ الثَّلاثِ، وعَلَّمَ اللَّهُ داوُدَ صَنْعَةَ الدُّرُوعِ مِنَ الزَّرَدِ، ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَجَمَعَتِ الخِفَةَ، والتَّحْصِينَ، كَذا رُوِيَ.

الأنبياء 21:81

﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾، وقُرِئَتْ: ”اَلرِّياحَ عاصِفَةً“، وقُرِئَتْ: ”اَلرِّيحُ عاصِفَةً“، بِرَفْعِ ”اَلرِّيحَ“، فَمَن قَرَأ: ”اَلرِّيحَ عاصِفَةً“، بِالنَّصْبِ، فَهي عَطْفٌ عَلى ”اَلْجِبالَ“، والمَعْنى: ”وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ، وسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ“، و”عاصِفَةً“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَن قَرَأ: ”اَلرِّيحُ“، (p-٤٠١)رَفَعَ، كَما تَقُولُ: ”لِزَيْدٍ المالُ“، وهَذا داخِلٌ في مَعْنى التَّسْخِيرِ، لِأنَّهُ إذا قالَ: ”تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ“، فَفي الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - سَخَّرَها.

الأنبياء 21:82

وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”مَن“، نَصْبًا، عَطْفًا عَلى ”اَلرِّيحَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما العَطْفُ عَلى ”اَلرِّيحُ“، اَلْمَعْنى: ”وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحُ، ولَهُ مَن يَغُوصُونَ مِنَ الشَّياطِينِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ ”لَهُ“، اَلْخَبَرَ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ﴾، مَعْناهُ: ”سِوى ذَلِكَ“، أيْ: ”سِوى الغَوْصِ“، ﴿وَكُنّا لَهم حافِظِينَ﴾، كانَ اللَّهُ يَحْفَظُهم مِن أنْ يُفْسِدُوا ما عَمِلُوا.

الأنبياء 21:83

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾، ”أيُّوبَ“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى ”واذْكُرْ أيُّوبَ“.

الأنبياء 21:84

وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾، أكْثَرُ التَّفاسِيرِ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أحْيا مَن ماتَ مِن بَنِيهِ، وبَناتِهِ، ورَزَقَهُ مِثْلَهم مِنَ الوَلَدِ، وقِيلَ: ”آتَيْناهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ“: آتَيْناهُ في الآخِرَةِ.

الأنبياء 21:85

﴿وَإسْماعِيلَ وإدْرِيسَ وذا الكِفْلِ﴾، هَذا كُلُّهُ مَنصُوبٌ عَلى ”واذْكُرْ“، يُقالُ: إنْ ذا الكِفْلِ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّهُ تَكَفَّلَ بِأمْرِ نَبِيٍّ في أُمَّتِهِ، فَقامَ بِما يَجِبُ فِيهِمْ وفِيهِ، ويُقالُ: إنَّهُ تَكَفَّلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صالِحٍ، فَقامَ بِهِ، و”اَلْكِفْلُ“، في اللُّغَةِ: اَلْكِساءُ الَّذِي يُجْعَلُ وراءَ الرَّحْلِ عَلى (p-٤٠٢)عَجُزِ البَعِيرِ، وقِيلَ: ”اَلْكِفْلُ“، أيْضًا: اَلنَّصِيبُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]

الأنبياء 21:87

وَقَوْلُهُ: ﴿وَذا النُّونِ إذْ ذَهَبَ مُغاضِبًا﴾، ”ذا النُّونِ“: يُونُسُ، و”اَلنُّونُ“: اَلسَّمَكَةُ، والمَعْنى: ”واذْكُرْ ذا النُّونِ“، ويُرْوى أنَّهُ ذَهَبَ مُغاضِبًا قَوْمَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ ذَهَبَ مُغاضِبًا مَلِكًا مِنَ المُلُوكِ، ﴿فَظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾، أيْ: ظَنَّ أنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ما قَدَّرْناهُ مِن كَوْنِهِ في بَطْنِ الحُوتِ، و”يَقْدِرُ“، بِمَعْنى: ”يُقَدِّرُ“، وقَدْ جاءَ هَذا في التَّفْسِيرِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قالَ: عَبْدٌ أبَقَ مِن رَبِّهِ، وتَأْوِيلُ قَوْلِ الحَسَنِ أنَّهُ هَرَبَ مِن عَذابِ رَبِّهِ، لا أنَّ يُونُسَ ظَنَّ أنَّ الهَرَبَ يُنْجِيهِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ولا مِن قَدَرِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلا أنْتَ﴾، في ”اَلظُّلُماتِ“، وجْهانِ، أحَدُهُما يُعْنى بِهِ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وظُلْمَةُ البَحْرِ، وظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نادى في الظُّلُماتِ“، أنْ يَكُونَ أكْثَرُ دُعائِهِ ونِدائِهِ كانَ في ظُلُماتِ اللَّيْلِ، والأجْوَدُ التَّفْسِيرُ الأوَّلُ، لِأنَّهُ في بَطْنِ الحُوتِ لا أحْسَبُهُ كانَ يَفْصِلُ بَيْنَ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وظُلْمَةِ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ أوَّلُ ما صادَفَ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، ثُمَّ ظُلْمَةُ البَحْرِ، ثُمَّ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الظُّلُماتُ اتَّفَقَتْ في وقْتٍ واحِدٍ، فَتَكُونَ ظُلْمَةُ بَطْنِ الحُوتِ في اللَّيْلِ، والبَحْرِ، نِهايَةً في الشِّدَّةِ.

الأنبياء 21:88

(p-٤٠٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي المُؤْمِنِينَ﴾، اَلَّذِي في المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ كُتِبَتْ، لِأنَّ النُّونَ الثّانِيَةَ تُخْفى مَعَ الجِيمِ، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ عاصِمٍ بِنُونٍ واحِدَةٍ فَلَحْنٌ، لا وجْهَ لَهُ، لِأنَّ ما لا يُسَمّى فاعِلُهُ لا يَكُونُ بِغَيْرِ فاعِلٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُهُمْ: ”نُجِّيَ النَّجاءُ المُؤْمِنِينَ“، وهَذا خَطَأٌ بِإجْماعِ النَّحْوِيِّينَ كُلِّهِمْ، لا يَجُوزُ ”ضُرِبَ زَيْدًا“، تُرِيدُ ”ضُرِبَ الضَّرْبُ زَيْدًا“، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: ”ضُرِبَ زَيْدٌ“، فَقَدْ عُلِمَ أنَّهُ الَّذِي ضُرِبَهُ ضَرْبٌ، فَلا فائِدَةَ في إضْمارِهِ وإقامَتِهِ مَعَ الفاعِلِ، ورِوايَةُ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ في قَوْلِهِ: ”نُجِّيَ المُؤْمِنِينَ“، يُخالِفُ قِراءَةَ أبِي عَمْرٍو: ”نُنْجِي“، بِنُونَيْنِ.

الأنبياء 21:90

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ﴾، يُرْوى أنَّها كانَتْ عَقِيمًا، فَجَعَلَها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ولُودًا، ويُرْوى أنَّهُ كانَ في خُلُقِها سُوءٌ، فَأصْلَحَ اللَّهُ ذَلِكَ، وحَسَّنَ خُلُقَها. وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَدْعُونَنا رَغَبًا ورَهَبًا﴾، وقُرِئَتْ: ”رَغْبًا ورَهْبًا“، فَـ ”اَلرَّغْبُ“، و”اَلرَّهْبُ“، مَصْدَرانِ، ويَجُوزُ ”رُغْبًا ورُهْبًا“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِما - أعْنِي ”اَلرُّغْبُ“، و”اَلرُّهْبُ“ - في هَذا المَوْضِعِ، و”اَلرُّغْبُ“، و”اَلرَّغَبُ“، مِثْلُ: ”اَلْبُخْلُ“، و”اَلْبَخْلُ“، و”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“.

الأنبياء 21:91

وَقَوْلُهُ: ﴿والَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها﴾، ”اَلَّتِي“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”واذْكُرِ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها“، ويُرْوى في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي جَيْبَها. (p-٤٠٤)﴿وَجَعَلْناها وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾، لَوْ قِيلَ: ”آيَتَيْنِ“، لَصَلُحَ، ولَكِنْ لَمّا كانَ شَأْنُهُما واحِدًا، وكانَتِ الآيَةُ فِيهِما جَمِيعًا مَعْناها آيَةٌ واحِدَةٌ، وهي وِلادَةٌ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، جازَ أنْ يَقُولَ: ”آيَةً“.

الأنبياء 21:92

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾، ”أُمَّتُكُمْ“، رَفْعٌ، خَبَرُ ”هَذِهِ“، اَلْمَعْنى: ”إنَّ هَذِهِ أمَتُّكم في حالِ اجْتِماعِها عَلى الحَقِّ، فَإذا افْتَرَقَتْ فَلَيْسَ مَن خالَفَ الحَقَّ داخِلًا فِيها“، ويُقْرَأُ: ”أمَّةٌ واحِدَةٌ“، عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، ومَعْناهُ: ”إنَّ هَذِهِ أُمَّةٌ واحِدَةٌ، لَيْسَتْ أُمَمًا“، ويَجُوزُ نَصْبُ ”أُمَّتُكُمْ“، عَلى مَعْنى التَّوْكِيدِ: ”قِيلَ: إنَّ أُمَّتَكم كُلَّها أُمَّةٌ واحِدَةٌ“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنا رَبُّكم فاعْبُدُونِ﴾ ﴿وَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، اَلْمَعْنى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَهم أنَّ أمْرَ الحُجَّةِ واحِدٌ، وأنَّهم تَفَرَّقُوا، لِأنَّ تَقْطِيعَهم أمْرَهم بَيْنَهم تَفْرِقَةٌ.

الأنبياء 21:94

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾، ”كُفْرانَ“: مَصْدَرٌ، مِثْلَ: ”اَلْغُفْرانُ“، و”اَلشُّكْرانُ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”غُفْرانَكَ لا كُفْرانَكَ“.

الأنبياء 21:95

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنَّهم لا يَرْجِعُونَ﴾، قُرِئَتْ: ”حِرْمٌ“، و”حَرامٌ“، هاتانِ أكْثَرُ القِراءَةِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”حَرُمَ عَلى قَرْيَةٍ“، و”حَرِمَ عَلى قَرْيَةٍ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”حِرْمٌ“، في مَعْنى ”حَتْمٌ“، وجاءَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ”حَتْمٌ عَلَيْهِمْ ألّا يُرْجَعُوا إلى دُنْياهُمْ“، وجاءَ عَنْهُ. وَعَنْ قَتادَةَ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ إلى تَوْبَةٍ، وعِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: ”حِرْمٌ“، و”حَرامٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ، مِثْلَ: ”حِلٌّ“، و”حَلالٌ“، وظاهِرُ ”حَرامٌ عَلَيْهِمْ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ“، يَحْتاجُ إلى أنْ يُبَيَّنَ، ولا أعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ولا مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ بَيَّنَهُ، (p-٤٠٥)وَهُوَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وإنّا لَهُ كاتِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٤]، أعْلَمَنا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ حَرَّمَ قَبُولَ أعْمالِ الكافِرِينَ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، فالمَعْنى: ”حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أنْ نَتَقَبَّلَ مِنهم عَمَلًا، لِأنَّهم لا يَرْجِعُونَ“، أيْ: ”لا يَتُوبُونَ“، و”حَرِمَ“، و”حَرُمَ“، في مَعْنى ”حَرامٌ“، إلّا أنَّ ”حَرامٌ“، اِسْمٌ، و”حَرِمَ“، و”حَرُمَ“، فِعْلٌ.

الأنبياء 21:96

وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ﴾، بِهَمْزٍ، وغَيْرِ هَمْزٍ، وهُما قَبِيلَتانِ مِن خَلْقِ اللَّهِ، ويُرْوى أنَّ النّاسَ عَشَرَةُ أجْزاءٍ، تِسْعَةٌ مِنهم يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ، وهُما اسْمانِ أعْجَمِيّانِ، واشْتِقاقُ مِثْلِهِما مِن كَلامِ العَرَبِ يُخْرَجُ مِن ”أجَّجْتُ النّارَ“، ومِن ”اَلْماءُ الأُجاجُ“، وهو أشَدُّ، وهو الشَّدِيدُ المُلُوحَةِ، المُحْرِقُ مِن مُلُوحَتِهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ورُوِيَتْ أيْضًا: ”مِن كُلِّ جَدَثٍ يَنْسِلُونَ“، بِالجِيمِ والثّاءِ، والأجْوَدُ في هَذا الحَرْفِ: ”حَدَبٍ يَنْسِلُونَ“، بِالحاءِ، و”اَلْحَدَبُ“: كُلُّ أكَمَةٍ، و”يَنْسِلُونَ“: يُسْرِعُونَ.

الأنبياء 21:97

وَقَوْلُهُ: ﴿واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ فَإذا هي شاخِصَةٌ﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنى الواوِ الطَّرْحُ، والجَوابُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ قَوْلُهُ: ﴿يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا﴾، وهَهُنا قَوْلٌ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ”حَتّى إذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ واقْتَرَبَ الوَعْدُ الحَقُّ قالُوا: يا ويْلَنا قَدْ كُنّا في غَفْلَةٍ مِن هَذا بَلْ كُنّا ظالِمِينَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ خُرُوجَ يَأْجُوجَ ومَأْجُوجَ مِن أعْلامِ السّاعَةِ.

الأنبياء 21:98

(p-٤٠٦)قَوْلُهُ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، قُرِئَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“، و”حَطَبُ جَهَنَّمَ“، و”حَضَبُ جَهَنَّمَ“، بِالضّادِ مُعْجَمَةً، فَمَن قَرَأ: ”حَصَبُ“، فَمَعْناها: كُلُّ ما يُرْمى بِهِ في جَهَنَّمَ، ومَن قالَ: ”حَطَبُ“، فَمَعْناهُ: ما تُوقَدُ بِهِ جَهَنَّمُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ [التحريم: ٦]، ومَن قالَ: ”حَضَبُ“، بِالضّادِ مُعْجَمَةً، فَمَعْناهُ: ما تُهَيَّجُ بِهِ النّارُ وتُذْكى بِهِ، و”اَلْحَضْبُ“: اَلْحَيَّةُ.

الأنبياء 21:104

وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، و”لِلْكِتابِ“، ويُقْرَأُ: ”اَلسِّجْلُ“، بِتَخْفِيفِ اللّامِ، فَمَن خَفَّفَ أسْكَنَ الجِيمَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ السِّجِلَّ: اَلصَّحِيفَةُ الَّتِي فِيها الكِتابُ، وقِيلَ: إنَّ السِّجِلَّ مَلَكٌ، وقِيلَ: إنَّ السِّجِلَّ - بِلُغَةِ الجَيْشِ -: اَلرَّجُلُ، وعَنْ أبِي الجَوْزاءِ أنَّ السِّجِلَّ: كاتِبٌ كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وتَمامُ الكَلامِ ”لِلْكُتُبِ“. وَقَوْلُهُ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾، مُسْتَأْنِفٌ، المَعْنى: ”نَبْعَثُ الخَلْقَ كَما بَدَأْناهُمْ“، أيْ: ”قُدْرَتُنا عَلى الإعادَةِ كَقُدْرَتِنا عَلى الِابْتِداءِ“، ويَجُوزُ: ”يَوْمَ تُطْوى السَّماءُ كَطَيِّ السِّجِلِّ“، ويَجُوزُ: ”يَوْمَ يَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ“، ولَمْ يُقْرَأْ: ”يَطْوِي“، وقُرِئَتْ: ”نَطْوِي“، و”تُطْوى“، بِالنُّونِ، والتّاءِ. وَقَوْلُهُ: ﴿وَعْدًا عَلَيْنا﴾، ”وَعْدًا“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”نُعِيدُهُ“، بِمَعْنى: ”وَعَدْنا هَذا وعْدًا“ . (p-٤٠٧)وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾، أيْ: قادِرِينَ عَلى فِعْلِ ما نَشاءُ.

الأنبياء 21:105

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا في الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ﴾، ”اَلزَّبُورُ“: جَمِيعُ الكُتُبِ، التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والفُرْقانُ زَبُورٌ، لِأنَّ ”اَلزَّبُورُ“، و”اَلْكِتابُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، ويُقالُ: ”زَبَرْتُ“، و”كَتَبْتُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، والمَعْنى: ”وَلَقَدْ كَتَبْنا في الكُتُبِ مِن بَعْدِ ذِكْرِنا في السَّماءِ“، ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها أرْضُ الجَنَّةِ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠] ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ [المؤمنون: ١١] وَقِيلَ: إنَّ الأرْضَ هَهُنا يُعْنى بِها أرْضُ الدُّنْيا، وهَذا القَوْلُ أشْبَهُ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١]، و”اَلْأرْضُ“، إذا ذُكِرَتْ فَهي دَلِيلَةٌ عَلى الأرْضِ الَّتِي نَعْرِفُها، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ أيْضًا قَوْلُهُ: ﴿وَأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أجَلِّ شَواهِدِ الفُقَهاءِ أنَّ الأرْضَ لَيْسَ مُجْراها مُجْرى سائِرِ ما يُعْمَرُ.

الأنبياء 21:108

وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّما يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، اَلْأجْوَدُ: ”أنَّما إلَهُكُمْ“، بِفَتْحِ ”أنَّ“، وهي القِراءَةُ، ولَوْ قُرِئَتْ ”إنَّما“، لَجازَ، لِأنَّ مَعْنى (p-٤٠٨)”يُوحى إلَيَّ“: ”يُقالُ لِي“، ولَكِنَّ القِراءَةَ الفَتْحُ لا غَيْرُ.

الأنبياء 21:109

وَقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْ آذَنْتُكم عَلى سَواءٍ﴾، ”آذَنْتُكُمْ“: أعْلَمْتُكم بِما يُوحى إلَيَّ، لِتَسْتَوُوا في الإيمانِ بِهِ.

الأنبياء 21:111

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ أدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكم ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾، أيْ: ”وَما أدْرِي ما آذَنْتُكم بِهِ فِتْنَةٌ لَكُمْ“، أيْ: اِخْتِبارٌ لَكم.

الأنبياء 21:112

وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ﴾، ويُقْرَأُ: ”قُلْ رَبِّ احْكم بِالحَقِّ“، ويَجُوزُ - وقَدْ قُرِئَ بِهِ -: ”قالَ رَبِّيَ احْكم بِالحَقِّ“، وكانَ مَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ يَقُولُونَ: ”رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ“، ومَعْناهُ: ”اُحْكُمْ“، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ: ”رَبِّ احْكم بِالحَقِّ“. وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّنا الرَّحْمَنُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾، أيْ: عَلى ما تَكْذِبُونَ.