معاني القرآن وإعرابه — الحج 22:1 – النمل 27:93
المحتويات
- الحج 22:1
- الحج 22:2
- الحج 22:3
- الحج 22:4
- الحج 22:5
- الحج 22:6
- الحج 22:9
- الحج 22:10
- الحج 22:11
- الحج 22:12
- الحج 22:13
- الحج 22:15
- الحج 22:17
- الحج 22:18
- الحج 22:19
- الحج 22:23
- الحج 22:25
- الحج 22:26
- الحج 22:27
- الحج 22:28
- الحج 22:29
- الحج 22:30
- الحج 22:31
- الحج 22:32
- الحج 22:33
- الحج 22:34
- الحج 22:35
- الحج 22:36
- الحج 22:37
- الحج 22:38
- الحج 22:39
- الحج 22:40
- الحج 22:41
- الحج 22:45
- الحج 22:46
- الحج 22:47
- الحج 22:51
- الحج 22:52
- الحج 22:55
- الحج 22:60
- الحج 22:63
- الحج 22:65
- الحج 22:67
- الحج 22:68
- الحج 22:72
- الحج 22:73
- الحج 22:74
- الحج 22:75
- الحج 22:77
- الحج 22:78
- المؤمنون 23:1
- المؤمنون 23:2
- المؤمنون 23:3
- المؤمنون 23:4
- المؤمنون 23:5
- المؤمنون 23:6
- المؤمنون 23:7
- المؤمنون 23:8
- المؤمنون 23:9
- المؤمنون 23:10
- المؤمنون 23:11
- المؤمنون 23:12
- المؤمنون 23:13
- المؤمنون 23:15
- المؤمنون 23:17
- المؤمنون 23:20
- المؤمنون 23:25
- المؤمنون 23:29
- المؤمنون 23:35
- المؤمنون 23:36
- المؤمنون 23:40
- المؤمنون 23:41
- المؤمنون 23:44
- المؤمنون 23:50
- المؤمنون 23:51
- المؤمنون 23:52
- المؤمنون 23:54
- المؤمنون 23:55
- المؤمنون 23:60
- المؤمنون 23:61
- المؤمنون 23:62
- المؤمنون 23:63
- المؤمنون 23:64
- المؤمنون 23:66
- المؤمنون 23:67
- المؤمنون 23:71
- المؤمنون 23:72
- المؤمنون 23:74
- المؤمنون 23:76
- المؤمنون 23:77
- المؤمنون 23:84
- المؤمنون 23:88
- المؤمنون 23:89
- المؤمنون 23:91
- المؤمنون 23:93
- المؤمنون 23:97
- المؤمنون 23:98
- المؤمنون 23:99
- المؤمنون 23:100
- المؤمنون 23:101
- المؤمنون 23:104
- المؤمنون 23:106
- المؤمنون 23:108
- المؤمنون 23:110
- المؤمنون 23:111
- المؤمنون 23:112
- المؤمنون 23:113
- المؤمنون 23:114
- المؤمنون 23:115
- المؤمنون 23:117
- النور 24:1
- النور 24:2
- النور 24:3
- النور 24:4
- النور 24:6
- النور 24:7
- النور 24:10
- النور 24:11
- النور 24:12
- النور 24:15
- النور 24:22
- النور 24:25
- النور 24:26
- النور 24:27
- النور 24:29
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:34
- النور 24:35
- النور 24:36
- النور 24:37
- النور 24:39
- النور 24:41
- النور 24:43
- النور 24:45
- النور 24:49
- النور 24:53
- النور 24:55
- النور 24:57
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
- النور 24:62
- النور 24:63
- الفرقان 25:1
- الفرقان 25:2
- الفرقان 25:4
- الفرقان 25:5
- الفرقان 25:7
- الفرقان 25:8
- الفرقان 25:12
- الفرقان 25:13
- الفرقان 25:14
- الفرقان 25:15
- الفرقان 25:16
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:21
- الفرقان 25:22
- الفرقان 25:23
- الفرقان 25:25
- الفرقان 25:26
- الفرقان 25:27
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:31
- الفرقان 25:32
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:37
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
- الفرقان 25:40
- الفرقان 25:41
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:49
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
- الفرقان 25:63
- الفرقان 25:64
- الفرقان 25:65
- الفرقان 25:66
- الفرقان 25:67
- الفرقان 25:68
- الفرقان 25:70
- الفرقان 25:72
- الفرقان 25:73
- الفرقان 25:74
- الفرقان 25:77
- الشعراء 26:1
- الشعراء 26:2
- الشعراء 26:3
- الشعراء 26:4
- الشعراء 26:6
- الشعراء 26:7
- الشعراء 26:8
- الشعراء 26:10
- الشعراء 26:13
- الشعراء 26:14
- الشعراء 26:15
- الشعراء 26:16
- الشعراء 26:17
- الشعراء 26:18
- الشعراء 26:19
- الشعراء 26:21
- الشعراء 26:22
- الشعراء 26:23
- الشعراء 26:29
- الشعراء 26:33
- الشعراء 26:35
- الشعراء 26:38
- الشعراء 26:42
- الشعراء 26:44
- الشعراء 26:47
- الشعراء 26:49
- الشعراء 26:50
- الشعراء 26:51
- الشعراء 26:52
- الشعراء 26:53
- الشعراء 26:55
- الشعراء 26:56
- الشعراء 26:60
- الشعراء 26:61
- الشعراء 26:62
- الشعراء 26:63
- الشعراء 26:64
- الشعراء 26:69
- الشعراء 26:71
- الشعراء 26:72
- الشعراء 26:77
- الشعراء 26:82
- الشعراء 26:84
- الشعراء 26:90
- الشعراء 26:91
- الشعراء 26:94
- الشعراء 26:97
- الشعراء 26:105
- الشعراء 26:106
- الشعراء 26:111
- الشعراء 26:116
- الشعراء 26:118
- الشعراء 26:119
- الشعراء 26:128
- الشعراء 26:129
- الشعراء 26:130
- الشعراء 26:137
- الشعراء 26:148
- الشعراء 26:149
- الشعراء 26:153
- الشعراء 26:166
- الشعراء 26:168
- الشعراء 26:176
- الشعراء 26:184
- الشعراء 26:187
- الشعراء 26:189
- الشعراء 26:193
- الشعراء 26:196
- الشعراء 26:197
- الشعراء 26:198
- الشعراء 26:200
- الشعراء 26:202
- الشعراء 26:208
- الشعراء 26:210
- الشعراء 26:212
- الشعراء 26:214
- الشعراء 26:215
- الشعراء 26:218
- الشعراء 26:221
- الشعراء 26:224
- الشعراء 26:225
- الشعراء 26:227
- النمل 27:1
- النمل 27:2
- النمل 27:4
- النمل 27:6
- النمل 27:7
- النمل 27:8
- النمل 27:10
- النمل 27:11
- النمل 27:12
- النمل 27:13
- النمل 27:14
- النمل 27:16
- النمل 27:17
- النمل 27:18
- النمل 27:19
- النمل 27:20
- النمل 27:21
- النمل 27:22
- النمل 27:23
- النمل 27:25
- النمل 27:28
- النمل 27:29
- النمل 27:30
- النمل 27:32
- النمل 27:33
- النمل 27:34
- النمل 27:35
- النمل 27:36
- النمل 27:38
- النمل 27:39
- النمل 27:40
- النمل 27:41
- النمل 27:42
- النمل 27:43
- النمل 27:44
- النمل 27:45
- النمل 27:47
- النمل 27:48
- النمل 27:49
- النمل 27:50
- النمل 27:51
- النمل 27:52
- النمل 27:54
- النمل 27:55
- النمل 27:56
- النمل 27:59
- النمل 27:60
- النمل 27:61
- النمل 27:65
- النمل 27:66
- النمل 27:70
- النمل 27:72
- النمل 27:81
- النمل 27:82
- النمل 27:88
- النمل 27:91
- النمل 27:93
الحج 22:1
(p-٤٠٩)سُورَةُ اَلْحَجِّ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، ”يا أيُّها“، نِداءٌ مُبْهَمٌ مُفْرَدٌ، و”ها“، لِلتَّنْبِيهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، و”اَلنّاسُ“، رَفْعٌ، تَبَعٌ لِـ ”يا أيُّها“، والنَّحْوِيُّونَ لا يُجِيزُونَ إلّا رَفْعَ ”اَلنّاسُ“، هَهُنا، والمازِنِيُّ أجازَ النَّصْبَ في ”يا أيُّها الرَّجُلَ أقْبِلْ“، كَما تَقُولُ: ”يا زَيْدَ الظَّرِيفَ، والظَّرِيفُ“، وهَذا غَلَطٌ مِنَ المازِنِيِّ، لِأنَّ ”زَيْدًا“، يَجُوزُ الوَقْفُ والِاقْتِصارُ عَلَيْهِ، دُونَ ”اَلظَّرِيفُ“، و”يا أيُّها“، لَيْسَ بِكَلامٍ، وإنَّما القَصْدُ ”اَلنّاسُ“، فَكَأنَّهُ بِمَنزِلَةِ: ”يا ناسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ جاءَ في كِتابِ اللَّهِ مِن ”يا أيُّها النّاسُ“، فَمَكِّيٌّ، وما كانَ فِيهِ مِن ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“، فَمَدَنِيٌّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الزَّلْزَلَةَ في الدُّنْيا، وأنْ يَكُونَ بَعْدَها طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وقِيلَ: إنَّها الزَّلْزَلَةُ الَّتِي تَكُونُ مَعَ السّاعَةِ.
الحج 22:2
﴿يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمّا أرْضَعَتْ﴾، ويَجُوزُ ”تُذْهِلُ كُلَّ مُرْضِعَةٍ“، ومَعْنى ”تُذْهِلُ“: تُحَيِّرُ، وتَتْرُكُ كُلَّ مِرْضَعَةٍ قَدْ ذَهَلَتْ عَمّا أرْضَعَتْ، و”مُرْضِعَةٍ“، جارٍ عَلى ”اَلْمُفْعِلُ“، عَلى ما أرْضَعَتْ، ويُقالُ: (p-٤١٠)”اِمْرَأةٌ مُرْضِعٌ“، أيْ: ذاتُ رَضاعٍ، أرْضَعَتْ ولَدَها، أوْ أرْضَعَتْ غَيْرَهُ، والقَصْدُ قَصْدُ ”مُلْبِنٌ“، أيْ: ذاتُ لَبُونٍ، ولَبَنٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى النّاسَ سُكارى﴾، وقُرِئَتْ: ”وَتَرى النّاسُ سَكْرى“، واسْمُ الفاعِلِ مُضْمَرٌ في ”تَرى“، اَلْمَعْنى: ”تَرى أنْتَ أيُّها الإنْسانُ النّاسَ“، ومَن قَرَأ: ”وَتَرى النّاسَ سَكْرى“، كانَ بِمَنزِلَةِ: ”وَتَرى أنْتَ النّاسَ سَكْرى“، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، ما قُرِئَ بِهِ، وهُوَ: ”وَيُرى النّاسُ سَكْرى“، فَيَكُونُ ”اَلنّاسُ“، اِسْمَ ”يُرى“، ووَجْهٌ آخَرُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ: ”وَيَرى النّاسَ سَكْرى“، اَلْمَعْنى: ”وَيَرى الإنْسانُ النّاسَ سَكْرى“، ويُقْرَأُ: ”وَتَرى النّاسَ سَكْرى“، وما هم بِسَكْرى”،“وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى”، ويَجُوزُ:“وَتَرى النّاسَ سَكارى وما هم بِسَكارى”، والقِراءَةُ الكَثِيرَةُ:“وَتَرى النّاسَ سَكْرى وما هم بِسُكْرى”،“وَتَرى النّاسَ سُكارى وما هم بِسُكارى"، أيْضًا، والتَّفْسِيرُ أنَّكَ تَراهم سُكارى مِنَ العَذابِ والخَوْفِ، وما هم بِسُكارى مِنَ الشَّرابِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾
الحج 22:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ويَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾، أيْ: يَتَّبِعُ ما يُسَوِّلُ لَهُ الشَّيْطانُ، و”مَرِيدٌ“، و”مارِدٌ“، مَعْناهُ أنَّهُ قَدْ مَرَدَ في الشَّرِّ.
(p-٤١١)وَتَأْوِيلُ ”اَلْمَرْوَدُ“، أنْ يُبْلَغَ الغايَةُ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِن جُمْلَةِ ما عَلَيْهِ ذَلِكَ الصِّنْفُ، وجائِزٌ أنْ يُسْتَعْمَلَ ذَلِكَ في غَيْرِ الشَّيْطانِ، فَتَقُولُ: ”قَدْ تَمَرَّدَ هَذا السَّيِّئُ“، أيْ: ”قَدْ جاوَزَ حَدَّ مِثْلِهِ“، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: اِمْلِساسُ الشَّيْءِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُكَ لِلْإنْسانِ: ”أمْرَدُ“، إذا لَمْ يَكُنْ في وجْهِهِ شَعْرٌ، ويُقالُ لِلصَّخْرَةِ: ”مَرْداءُ“، إذا كانَتْ مَلْساءَ.
الحج 22:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلاهُ﴾، ”أنَّهُ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾، عُطِفَ عَلَيْهِ، ومَوْضِعُهُ رَفْعٌ أيْضًا، والفاءُ الأجْوَدُ فِيها أنْ تَكُونَ في مَعْنى الجَزاءِ، وجائِزٌ كَسْرُ ”إنَّ“، مَعَ الفاءِ، ويَكُونُ جَزاءً لا غَيْرُ، والتَّأْوِيلُ: ”كُتِبَ عَلَيْهِ - أيْ: عَلى الشَّيْطانِ - إضْلالُ مُتَوَلِّيهِ، وهِدايَتُهم إلى عَذابِ السَّعِيرِ“، وحَقِيقَةُ ”أنَّ“، اَلثّانِيَةِ أنَّها مُكَرَّرَةٌ مَعَ الأُولى، عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، لِأنَّ المَعْنى: ”كُتِبَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَن تَوَلّاهُ أضَلَّهُ“.
الحج 22:5
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾، ويُقْرَأُ: ”مِنَ البَعَثِ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، و”اَلرَّيْبُ“: اَلشَّكُّ، فَأمّا ”اَلْبَعَثُ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، فَذَكَرَ جَمِيعُ الكُوفِيِّينَ أنَّ كُلَّ ما كانَ ثانِيهِ حَرْفًا مِن حُرُوفِ الحَلْقِ، وكانَ مُسَكَّنًا مَفْتُوحَ الأوَّلِ، جازَ فِيهِ فَتْحُ المُسَكَّنِ، نَحْوَ: ”نَعْلٌ“، و”نَعَلٌ“، و”شَعْرٌ“، و”شَعَرٌ“، و”نَهْرٌ“، و”نَهَرٌ“، و”نَخْلٌ“، و”نَخَلٌ“، فَأمّا البَصْرِيُّونَ فَيَزْعُمُونَ أنَّ ما جاءَ مِن هَذا فِيهِ اللُّغَتانِ، تُكُلِّمَ بِهِ عَلى ما جاءَ، وما كانَ لَمْ يُسْمَعْ، لَمْ يَجُزْ فِيهِ التَّحْرِيكُ، نَحْوَ: ”وَعْدٌ“، لِأنَّكَ لا تَقُولُ: ”لَكَ عَلَيَّ وعَدٌ“، أيْ: ”عَلَيَّ وِعْدَةٌ“، ولا ”فِي هَذا الأمْرِ وهَنٌ“، في (p-٤١٢)مَعْنى ”وَهْنٌ“، وهَذا في بابِهِ مِثْلُ ”رَكٌّ“، و”رَكَكٌ“، و”قِدْرٌ“، و”قَدَرٌ“، و”قَصُّ الشّاةِ“، و”قَصَصُها“، فَلا فَرْقَ في هَذا بَيْنَ حُرُوفِ الحَلْقِ وغَيْرِها.
وَقِيلَ لِلَّذِينِ جَحَدُوا البَعْثَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ: إنْ كُنْتُمْ في شَكٍّ مِن أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ المَوْتى، فَتَدَبَّرُوا أمْرَ خَلْقِكم وابْتِدائِكُمْ، فَإنَّكم لا تَجِدُونَ في القُدْرَةِ فَرْقًا بَيْنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ وإعادَتِهِ، وإحْياءِ المَوْتى، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمُ ابْتِداءَ خَلْقِهِمْ، فَأعْلَمَهم أنَّهم خُلِقُوا مِن تُرابٍ، وهو خَلْقُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ثُمَّ خَلْقُ ولَدِهِ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، وأعْلَمَهم أحْوالَ خَلْقِهِمْ، ويُرْوى أنَّ الإنْسانَ يَكُونُ في البَطْنِ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، ومَعْنى ﴿مُخَلَّقَةٍ وغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾، وصْفُ الخَلْقِ، أوْ مِنهم مَن يُتَمَّمُ مُضْغَتَهُ، فَتُخْلَقُ لَهُ الأعْضاءُ الَّتِي تُكْمِلُ آلاتِ الإنْسانِ، ومِنهم مَن لا يُتَمِّمُ اللَّهُ خَلْقَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، أيْ: ذِكْرَنا أحْوالَ خَلْقِ الإنْسانِ، ووَجْهٌ آخَرُ هُوَ: ”خَلَقْناكم هَذا الخَلْقَ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ“، ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾، لا يَجُوزُ فِيها إلّا الرَّفْعُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُقِرَّ في الأرْحامِ“، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَخْلُقِ الأنامَ لِما يُقَرُّ في الأرْحامِ، وإنَّما خَلَقَهم لِيَدُلَّهم عَلى رُشْدِهِمْ، وصَلاحِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلا﴾، في مَعْنى ”أطْفالًا“، ودَلَّ عَلَيْهِ ذِكْرُ الجَماعَةِ، وكَأنَّ ”طِفْلًا“، يَدُلُّ عَلى مَعْنى ”وَيُخْرَجُ كُلُّ واحِدٍ مِنكم طِفْلًا“.
(p-٤١٣)﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾، قَدْ فَسَّرْنا الأشُدَّ، وتَأْوِيلُهُ الكَمالَ في القُوَّةِ، والتَّمْيِيزِ، وهو ما بَيْنَ الثَّلاثِينَ إلى الأرْبَعِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾، ”أرْذَلُ العُمُرِ“، هو الَّذِي يُخَرِّفُ فِيهِ الإنْسانُ مِنَ الكِبَرِ، حَتى لا يَعْقِلُ، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾، ثُمَّ دَلَّهم عَلى إحْيائِهِ المَوْتى، بِإحْيائِهِ الأرْضَ، فَقالَ: ﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾، يَعْنِي: جافَّةً، ذاتَ تُرابٍ، ﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾، وتُقْرَأُ: ”وَرَبَأتْ“، فاهْتِزازُها تَحَرُّكُها عِنْدَ وُقُوعِ الماءِ بِها، وإنْباتِها، ومَن قَرَأ: ”وَرَبَتْ“، فَهو مِن ”رَبا، يَرْبُو“، إذا زادَ عَلى أيِّ الجِهاتِ، ومَن قَرَأ: ”وَرَبَأتْ“، بِالهَمْزِ، فَمَعْناهُ: اِرْتَفَعَتْ، ﴿وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾، أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ حَسَنٍ مِنَ النَّباتِ.
الحج 22:6
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، أيْ: ”اَلْأمْرُ ما وُصِفَ لَكُمْ، وبُيِّنَ لَكُمْ، بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى، وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ“، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”ذَلِكَ“، رَفْعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى ”فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ هو الحَقُّ، وأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى“.
الحج 22:9
(p-٤١٤)وَقَوْلُهُ: ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ”وَلِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ“، و”ثانِيَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، ومَعْناهُ التَّنْوِينٌ، ومَعْناهُ: ”ثانِيًا عِطْفَهُ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: ”لاوِيًا عُنُقَهُ“، وهَذا يُوصَفُ بِهِ، فالمَعْنى: ”وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مُتَكَبِّرًا“.
الحج 22:10
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، يُقالُ: ”هَذا العَذابُ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ“، ومَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ”بِما قَدَّمَتْ يَداكَ“، ومَوْضِعُ ”أنَّ“: خَفْضٌ، المَعْنى: ”ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وبِأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”إنَّ“، بِالكَسْرِ لَجازَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”ذَلِكَ“، رَفْعًا عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ“، ويَكُونَ مَوْضِعُ ”أنَّ“، اَلرَّفْعَ، عَلى مَعْنى: ”أنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ“.
الحج 22:11
قَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”عَلى شَكٍّ“، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفِ الطَّرِيقَةِ في الدِّينِ، لا يَدْخُلُ فِيهِ دُخُولَ مُتَمَكِّنٍ، ﴿فَإنْ أصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأنَّ بِهِ﴾، أيْ: إنْ أصابَهُ خِصْبٌ، وكَثُرَ مالُهُ، وماشِيَتُهُ، اطْمَأنَّ بِما أصابَهُ، ورَضِيَ بِدِينِهِ، ﴿وَإنْ أصابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾، اِخْتِبارٌ بِجَدْبٍ، وقِلَّةِ مالٍ، ﴿انْقَلَبَ عَلى وجْهِهِ﴾، رَجَعَ عَنْ دِينِهِ إلى الكُفْرِ، وعِبادَةِ الأوْثانِ.
الحج 22:12
وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾، يَعْنِي: ”يَدْعُو الوَثَنَ الَّذِي لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، ولا يَنْفَعُ، ولا يَضُرُّ“.
الحج 22:13
(p-٤١٥)وَقَوْلُهُ: ﴿يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ﴾، فَقالَ: ”وَلا يَضُرُّهُ“، وقالَ: ”ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ“، مَعْناهُ: ”اَلضَّرَرُ بِعِبادَتِهِ أقْرَبُ مِنَ النَّفْعِ“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُقالُ: ”أقَرَبُ مِن نَفْعِهُ“، ولا نَفْعَ مِن قِبَلِهِ البَتَّةَ؟ فالعَرَبُ تَقُولُ لِما لا يَكُونُ: ”هَذا بَعِيدٌ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]
وَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ اللّامِ، وفي ”يَدْعُو“، بِأيِّ شَيْءٍ هي مُعَلَّقَةٌ، ونَحْنُ نُفَسِّرُ جَمِيعَ ما قالُوهُ، وما أغْفَلُوهُ، مِمّا هو بَيِّنٌ مِن جَمِيعِ ما قالُوا، إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ البَصْرِيُّونَ، والكُوفِيُّونَ: اَللّامُ مَعْناها التَّأْخِيرُ، المَعْنى: ”يَدْعُو مَن لَضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ“، ولَمْ يُشْبِعُوا الشَّرْحَ، ولا قالُوا مِن أيْنَ جازَ أنْ تَكُونَ اللّامُ في غَيْرِ مَوْضِعِها، وشَرْحُ ذَلِكَ أنَّ اللّامَ لِلْيَمِينِ، والتَّوْكِيدِ، فَحَقُّها أنْ تَكُونَ في أوَّلِ الكَلامِ، فَقُدِّمَتْ لِتُجْعَلَ في حَقِّها، وإنْ كانَ أصْلُها أنْ تَكُونَ في ”لَضَرُّهُ“، كَما أنَّ لامَ ”إنَّ“، حَقُّها أنْ تَكُونَ في الِابْتِداءِ.
فَلَمّا لَمْ يَجُزْ أنْ تَلِيَ ”إنَّ“، جُعِلَتْ في الخَبَرِ، في مِثْلِ قَوْلِكَ: ”إنَّ زَيْدًا لَقائِمٌ“، ولا يَجُوزُ ”إنَّ لَزَيْدًا قائِمٌ“، فَإذا أمْكَنَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في الِاسْمِ، كانَ ذَلِكَ أجْوَدَ الكَلامِ، تَقُولُ: ”إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً“، فَهَذا قَوْلٌ، وقالُوا أيْضًا: إنَّ ”يَدْعُو“، مَعَها هاءٌ مُضْمَرَةٌ، وإنَّ ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و”يَدْعُو“، في مَوْضِعِ الحالِ، المَعْنى: ”ذَلِكَ هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدْعُوهُ“، اَلْمَعْنى: ”فِي (p-٤١٦)حالِ دُعائِهِ إيّاهُ“، ويَكُونُ ”لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ“، مُسْتَأْنِفًا، مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ: ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، ثالِثٌ، يَكُونُ ”يَدْعُو“، في مَعْنى ”يَقُولُ“، يَكُونُ ”مَن“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ المَعْنى: ”يَقُولُ: لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ، هو مَوْلايَ“، ومِثْلُهُ - ”يَدْعُو“، في مَعْنى ”يَقُولُ“ - في قَوْلِ عَنْتَرَةَ:
؎يَدْعُونَ عَنْتَرُ والرِّماحُ كَأنَّها أشْطانُ بِئْرٍ في لَبانِ الأدْهَمِ
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَدْعُو“، في مَعْنى ”يُسَمِّي“، كَما قالَ ابْنُ أحْمَرَ:
؎أهْوى لَها مِشْقَصًا حَشْرًا فَشَبْرَقَها ∗∗∗ وكُنْتُ أدْعُو قَذاها الإثْمِدَ القَرِدا
وَوَجْهُ هَذا القَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وفِيها وجْهٌ رابِعٌ، وهو الَّذِي أغْفَلَهُ النّاسُ، أنَّ ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِوُقُوعِ ”يَدْعُو“، عَلَيْهِ، ويَكُونُ ”ذَلِكَ“، في تَأْوِيلِ ”اَلَّذِي“، ويَكُونُ المَعْنى: ”اَلَّذِي هو الضَّلالُ البَعِيدُ يَدْعُو“، ويَكُونُ ”لَمَن ضَرُّهُ أقْرَبُ مِن نَفْعِهِ“، مُسْتَأْنِفًا، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ [طه: ١٧]، عَلى مَعْنى: ”وَما الَّتِي بِيَمِينِكَ يا مُوسى ؟“، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤١٧)
؎عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكَ إمارَةٌ ∗∗∗ نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ
الحج 22:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾، هَذِهِ الهاءُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: ”مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ حَتّى يُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ فَلْيَمُتْ غَيْظًا“، وهو تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾، ”اَلسَّبَبُ“: اَلْحَبْلُ، و”اَلسَّماءُ“: اَلسَّقْفُ، أيْ: فَلْيَشْدُدْ حَبْلًا في سَقْفِهِ، ثُمَّ لْيَقْطَعْ، أيْ: لِيَمُدَّ الحَبْلَ حَتّى يَنْقَطِعَ، فَيَمُوتَ مُخْتَنِقًا، ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾، أيْ: هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ غَيْظَهُ، وقُرِئَتْ: ”ثُمَّ لِيَقْطَعْ“، و”ثُمَّ لْيَقْطَعْ“، بِكَسْرِ اللّامِ، وجَزْمِها.
الحج 22:17
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾، يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ هَذِهِ الفِرَقِ الخَمْسِ، وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ [الحج: ١٩]، والمُؤْمِنُونَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [الحج: ٢٣]، وخَبَرُ ”إنَّ“، اَلْأُولى، جُمْلَةُ الكَلامِ، مَعَ ”إنَّ“، اَلثّانِيَةِ، وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّ قَوْلَكَ: ”إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ“، رَدِيءٌ، وأنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما صَلُحَتْ في ”اَلَّذِي“، ولا فَرْقَ بَيْنَ ”اَلَّذِي“، وغَيْرِهِ، في بابِ ”إنَّ“، إنْ قُلْتَ ”إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ“، كانَ جَيِّدًا، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤١٨)
؎إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ
وَلَيْسَ بَيْنَ البَصْرِيِّينَ خِلافٌ في أنَّ ”إنَّ“، تَدْخُلُ عَلى كُلِّ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، تَقُولُ: ”إنَّ زَيْدًا هو قائِمٌ“، و”إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ“.
الحج 22:18
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾، والسُّجُودُ هَهُنا: اَلْخُضُوعُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وهي طاعَةٌ مِمَّنْ خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الحَيَوانِ والمَواتِ.
والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ سُجُودُ طاعَةٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾، هَذا أجْوَدُ الوُجُوهِ، أنْ يَكُونَ تَسْجُدُ مُطِيعَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وكَما قالَ: ”وَإنَّ مِنها - يَعْنِي الحِجارَةَ - لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ“، فالخَشْيَةُ لا تَكُونُ إلّا لِما أعْطاهُ اللَّهُ، مِمّا يَخْتَبِرُ بِهِ خَشْيَتَهُ.
وَقالَ قَوْمٌ: اَلسُّجُودُ مِن هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي هي مَواتٌ، ومِنَ الحَيَوانِ، الَّذِي لا يَعْقِلُ، إنَّما هو أثَرُ الصَّنْعَةِ فِيها، والخُضُوعُ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ، واحْتَجُّوا في ذَلِكَ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎بِجَيْشٍ يَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِهِ تُرى الأُكْمُ فِيها سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ
أيْ: قَدْ خَشَعَتْ مِن وطْءِ الحَوافِرِ عَلَيْها، وذَلِكَ القَوْلُ، الَّذِي قالُوهُ، لِأنَّ السُّجُودَ الَّذِي هو طاعَةٌ عِنْدَهُمْ، إنَّما يَكُونُ مِمَّنْ يَعْقِلُ، والَّذِي يَكْسِرُ هَذا ما وصَفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن أنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، والخَشْيَةُ والخَوْفُ ما عَقَلْناهُ إلّا لِلْآدَمِيِّينَ، وقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مِنَ الحِجارَةِ (p-٤١٩)ما يَخْشاهُ، وأعْلَمَنا أنَّهُ سَخَّرَ مَعَ داوُدَ الجِبالَ، والطَّيْرَ، تُسَبِّحُ مَعَهُ، فَلَوْ كانَ تَسْبِيحُ الجِبالِ والطَّيْرِ أثَرَ الصَّنْعَةِ، ما قِيلَ: ”سَخَّرْنا“، ولا قِيلَ: ”مَعَ داوُدَ الجِبالَ“، لِأنَّ أثَرَ الصَّنْعَةِ يَتَبَيَّنُ مَعَ داوُدَ وغَيْرِهِ، فَهو سُجُودُ طاعَةٍ لا مَحالَةَ، وكَذَلِكَ التَّسْبِيحُ في الجِبالِ، والطَّيْرِ، ولَكِنّا لا نَعْلَمُ تَسْبِيحَها إلّا أنْ يَجِيئَنا في الحَدِيثِ كَيْفَ تَسْبِيحُ ذَلِكَ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]
الحج 22:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾، اَلْخَصْمانِ: اَلْمُؤْمِنُونَ، والكافِرُونَ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: دِينُنا أقْدَمُ مِن دِينِكُمْ، وكِتابُنا أقْدَمُ مِن كِتابِكُمْ، فَأجابَهُمُ المُسْلِمُونَ بِـ ”إنّا آمَنّا بِما أُنْزِلَ إلَيْنا وأُنْزِلَ إلَيْكُمْ، وآمَنّا بِاللَّهِ، ومَلائِكَتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ، وأنْتُمْ كَفَرْتُمْ بِبَعْضِ الرُّسُلِ“، فَظَهَرَتْ حُجَّةُ المُسْلِمِينَ عَلى الكافِرِينَ، وقِيلَ: ”اِخْتَصَمُوا“، وقَدْ قالَ: ”خَصْمانِ“، لِأنَّهُما جَمْعانِ، ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الثِّيابَ الَّتِي مِن نارٍ هي نُحاسٌ قَدْ أُذِيبَ، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠]، يَغْلِي بِهِ ما في بُطُونِهِمْ، حَتّى يَخْرُجَ مِن أدْبارِهِمْ، فَهَذا لِأحَدِ الخَصْمَيْنِ.
الحج 22:23
وَقالَ في الخَصْمِ الَّذِينَ هم مُؤْمِنُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا﴾، و”لُؤْلُؤٍ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”وَلُؤْلُؤًا“، فَعَلى مَعْنى: ”يُحَلَّوْنَ فِيها أساوِرَ مِن (p-٤٢٠)ذَهَبٍ، ويُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا“، ومَن قَرَأ: ”وَلُؤْلُؤٍ“، أرادَ: ”وَمِن لُؤْلُؤٍ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ: ”أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ“، فَيَكُونَ ذَلِكَ فِيها خَلْطًا مِنَ الصِّنْفَيْنِ، ويُقْرَأُ: ”يَحْلَوْنَ فِيها“، عَلى مَعْنى قَوْلِكَ: ”حَلِيَ، يَحْلى“، إذا صارَ ذا حَلْيٍ.
الحج 22:25
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ لَفْظُ ”يَصُدُّونَ“، لَفْظُ مُسْتَقْبَلٍ، عُطِفَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي، لِأنَّ مَعْنى ”اَلَّذِينَ كَفَرُوا“: اَلَّذِينَ هم كافِرُونَ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”إنَّ الكافِرِينَ والصّادِّينَ“، وخَبَرُ ”إنَّ“، فِيهِ قَوْلانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنَّ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم هَلَكُوا“.
وَجائِزٌ أنْ يَكُونَ - وهو الوَجْهُ - الخَبَرُ ”نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنَّ الكافِرِينَ والمُلْحِدِينَ في المَسْجِدِ الحَرامِ نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ في ”سَواءٌ“، ورَفْعُهُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ وقْفَ التَّمامِ هُوَ: ﴿الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ﴾، كَما قالَ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦]
وَيَكُونَ ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى ”جَعَلْناهُ سَواءٌ العاكِفُ فِيهِ“، فَيَرْتَفِعُ ”سَواءٌ“، عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ الخَبَرُ هَهُنا ”اَلْعاكِفُ فِيهِ“، أعْنِي خَبَرَ ”سَواءٌ“: ”اَلْعاكِفُ“، ويَكُونَ خَبَرُ ”جَعَلْناهُ“، اَلْجُمْلَةَ.
(p-٤٢١)وَتَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ﴾، أنَّهُ يَسْتَوِي في سُكْنى مَكَّةَ المُقِيمُ بِها، والنّازِحُ إلَيْها مِن أيِّ بَلَدٍ كانَ، وقِيلَ: ”سَواءٌ في تَفْضِيلِهِ وإقامَةِ المَناسِكِ العاكِفُ المُقِيمُ بِالحَرَمِ، والنّازِحُ إلَيْهِ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ﴾، قِيلَ: ”اَلْإلْحادُ فِيهِ“: اَلشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقِيلَ: كُلُّ ظالِمٍ فِيهِ مُلْحِدٌ، وجاءَ عَنْ عُمَرَ أنَّ احْتِكارَ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إنَّ مَعْنى الباءِ الطَّرْحُ، المَعْنى: ”وَمَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ“، وأنْشَدُوا قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أحْمِرَةٍ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ
اَلْمَعْنى عِنْدَهُمْ: ”لا يَقْرَأْنَ السُّوَرَ“، وأنْشَدُوا:
؎بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ البَثَّ فَرْعُهُ ∗∗∗ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبَهانِ
أيْ: ويُنْبِتُ أسْفَلُهُ المَرْخَ والشَّبَهانَ”، والَّذِي يَذْهَبُ إلَيْهِ أصْحابُنا أنَّ الباءَ لَيْسَتْ بِمُلْغاةٍ، المَعْنى عِنْدَهُمْ:“وَمَن إرادَتُهُ فِيهِ بِأنْ يُلْحِدَ بِظُلْمٍ"، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ:
؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ
اَلْمَعْنى: ”أُرِيدَ، وإرادَتِي لِهَذا، ومَعْنى“اَلْإلْحادُ"، في اللُّغَةِ: اَلْعُدُولُ عَنِ القَصْدِ.
الحج 22:26
(p-٤٢٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾، جَعَلْنا مَكانَ البَيْتِ مُبَوَّأً لِإبْراهِيمَ، و”اَلْمُبَوَّأُ“: اَلْمَنزِلُ، فالمَعْنى أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ إبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ، فَبَنى البَيْتَ عَلى أُسِّهِ القَدِيمِ، وكانَ البَيْتُ في أيّامِ الطُّوفانِ رُفِعَ إلى السَّماءِ، حِينَ غَرَّقَ اللَّهُ الأرْضَ وما عَلَيْها، فَشَرَّفَ بَيْتَهُ بِأنْ أخْرَجَهُ عَنْ جُمْلَةِ ما غَرِقَ، ويُرْوى أنَّ البَيْتَ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ﴾، قِيلَ: اَلْمَعْنى: ”طَهِّرْهُ مِنَ الشِّرْكِ“: و”اَلْقائِمُونَ“، هَهُنا: اَلْمُصَلُّونَ.
الحج 22:27
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ﴾، رُوِيَ أنَّ أذانَ إبْراهِيمَ بِالحَجِّ أنْ وقَفَ في المَقامِ، فَقالَ: ”أيُّها النّاسُ، أجِيبُوا يا عِبادَ اللَّهِ، أطِيعُوا اللَّهَ يا عِبادَ اللَّهِ، اتَّقُوا اللَّهَ“، فَوَقَرَتْ في قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وأسْمَعَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأجابَهُ مَن في الأصْلابِ مِمَّنْ كُتِبَ لَهُ الحَجُّ، فَكُلُّ مَن حَجَّ فَهو مِمَّنْ أجابَإبْراهِيمَ، ويُرْوى أنَّ أذانَهُ بِالحَجِّ كانَ: ”يا أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾، ”رِجالًا“، جَمْعُ ”راجِلٌ“، مِثْلَ: ”صاحِبٌ“، و”صِحابٌ“، و”قائِمٌ“، و”قِيامٌ“، ﴿وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ﴾، أيْ: يَأْتُوكَ رِجالًا، ورُكْبانًا، وقالَ: ”يَأْتِينَ“، عَلى مَعْنى الإبِلِ، المَعْنى: ”وَعَلى كُلِّ بَعِيدٍ ضامِرٍ يَأْتِي مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ“، و”عَمِيقٌ“: بَعِيدٌ، قالَ رُؤْبَةُ:
؎وَقاتِمِ الأعْماقِ خاوِي المُخْتَرَقْ
”اَلْأعْماقُ“: اَلْأقْعارُ، ومِن هَذا قِيلَ: هَذِهِ بِئْرٌ عَمِيقَةٌ، أيْ: بَعِيدَةُ القَرارِ.
الحج 22:28
(p-٤٢٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾، أيْ: لِيَشْهَدُوا ما نَدَبَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، مِمّا فِيهِ النَّفْعُ لَهم في آخِرَتِهِمْ، ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ في أيّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، يُعْنى بِهِ يَوْمُ النَّحْرِ، والأيّامُ الَّتِي بَعْدَهُ، يُنْحَرُ فِيها، لِأنَّ الذِّكْرَ هَهُنا يَدُلُّ عَلى التَّسْمِيَةِ عَلى ما يُنْحَرُ، لِقَوْلِهِ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا البائِسَ الفَقِيرَ﴾، ”اَلْبائِسُ“: اَلَّذِي قَدْ نالَهُ بُؤْسٌ، و”اَلْبُؤْسُ“: شِدَّةُ الفَقْرِ، يُقالُ: ”قَدْ بَؤُسَ، وبَأْسَ“، إذا صارَ ذا بُؤْسٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلُوا مِنها﴾، لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ، مَن شاءَ أكَلَ مِن أُضْحِيَتِهِ، ومَن شاءَ لَمْ يَأْكُلْ، وإنَّما هو إباحَةٌ، كَما قالَ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فَإنَّما قالَ: ”فاصْطادُوا“، لِأنَّهُ كانَ قَدْ حَظَرَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدَ وهم مُحْرِمُونَ، فَأباحَهُمُ الصَّيْدَ، وكَذَلِكَ هَذا الأمْرُ هَهُنا، إباحَةٌ بَعْدَ حَظْرِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ أكْلَ الأضاحِي، لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا نَحَرُوا لَمْ يَسْتَحِلُّوا أنْ يَأْكُلُوا مِن نِساكِهِمْ شَيْئًا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ.
الحج 22:29
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهم ولْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، قُرِئَتْ: ”ثُمَّ لِيَقْضُوا“، بِكَسْرِ اللّامِ، وكَذَلِكَ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، والقِراءَةُ بِالتَّسْكِينِ مَعَ ”ثُمَّ“، كَثِيرَةٌ، و”اَلتَّفَثُ“، في التَّفْسِيرِ جاءَ، وأهْلُ اللُّغَةِ لا يَعْرِفُونَ إلّا مِنَ التَّفْسِيرِ، قالُوا: (p-٤٢٤)”اَلتَّفَثُ“: اَلْأخْذُ مِنَ الشّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وحَلْقُ العانَةِ، والأخْذُ مِنَ الشَّعْرِ، كَأنَّهُ الخُرُوجُ مِنَ الإحْرامِ إلى الإحْلالِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾
قِيلَ في ”اَلْعَتِيقُ“، أقْوالٌ، قالَ الحَسَنُ: هو البَيْتُ القَدِيمُ، ودَلِيلُ الحَسَنِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]، وقِيلَ: إنَّ البَيْتَ العَتِيقَ: اَلَّذِي عُتِقَ مِنَ الغَرَقِ أيّامَ الطُّوفانِ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ: ﴿وَإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦]، فَهَذا دَلِيلٌ أنَّ البَيْتَ رُفِعَ، وبَقِيَ مَكانُهُ.
وَأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ أُعْتِقَ مِنَ الجَبابِرَةِ، فَلَمْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ جَبّارٌ، وقِيلَ: إنَّهُ سُمِّيَ ”اَلْعَتِيقَ“، لِأنَّهُ لَمْ يَدَعْهُ أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ ”اَلْعَتِيقَ“، لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ جَبّارٌ إلّا أهْلَكَهُ اللَّهُ، يُقالُ: ”أعْتَقْتُ المَمْلُوكَ، فَهو مُعْتَقٌ، وعَتِيقٌ“، وكُلُّ ما مَرَّ في تَفْسِيرِ ”اَلْعَتِيقُ“، فَجائِزٌ حَسَنٌ، - واللَّهُ أعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الطَّوافَ يَوْمَ النَّحْرِ فَرْضٌ.
الحج 22:30
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ﴾، وحُرُماتُ اللَّهِ الحَجُّ، والعُمْرَةُ، وسائِرُ المَناسِكِ، وكُلَّ ما فَرَضَ اللَّهُ فَهو مِن حُرُماتِ اللَّهِ، و”اَلْحُرْمَةُ“: ما وجَبَ القِيامُ بِهِ، وحُرِّمَ تَرْكُهُ، والتَّفْرِيطُ فِيهِ، ومَوْضِعُ ”ذَلِكَ“: رَفْعٌ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ: "إلّا ما يُتْلى عَلَيْكم مِنَ المَيْتَةِ، والدَّمِ، والمُنْخَنِقَةِ، والمَوْقُوذَةِ، وسائِرِ ما تُلِيَ تَحْرِيمُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾، (p-٤٢٥)”مِن“، هَهُنا، لِتَخْلِيصِ جِنْسٍ مِن أجْناسٍ، المَعْنى: ”فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو وثَنٌ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾، ”اَلزُّورُ“: اَلْكَذِبُ، وقِيلَ: إنَّهُ هَهُنا الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
وَقِيلَ أيْضًا: شَهادَةُ الزُّورِ، وهَذا كُلُّهُ جائِزٌ، والآيَةُ تَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّهم نُهُوا أنْ يُحَرِّمُوا ما حَرَّمَ أصْحابُ الأوْثانِ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: ﴿ما في بُطُونِ هَذِهِ الأنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا ومُحَرَّمٌ عَلى أزْواجِنا﴾ [الأنعام: ١٣٩]، ونَحْوَ نَحْرِهِمُ البَحِيرَةَ، والسّائِبَةَ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الأنْعامَ مُحَلَّلَةٌ إلّا ما حَرَّمَ اللَّهُ مِنها، ونَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَوْلِ الزُّورِ، أنْ يَقُولُوا: هَذا حَلالٌ، وهَذا حَرامٌ، لِيَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا.
الحج 22:31
وَقَوْلُهُ: ﴿حُنَفاءَ لِلَّهِ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وتَأْوِيلُهُ: ”مُسْلِمِينَ، لا يَمِيلُونَ إلى دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾، ويُقْرَأُ: ”فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ“، و”فَتَخَطِّفُهُ“، وقَرَأ الحَسَنُ: ”فَتِخِطِّفُهُ“، بِكَسْرِ التّاءِ، والخاءِ، والطّاءِ، فَمَن قَرَأ: ”فَتَخْطَفُهُ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَهو مِن ”خَطِفَ يَخْطَفُ“، و”اَلْخَطْفُ“: اَلْأخْذُ بِسُرْعَةٍ، ومَن قَرَأ: ”فَتَخَطِّفُهُ“، بِكَسْرِ الطّاءِ، والتَّشْدِيدِ، فالأصْلُ: ”فَتَخْتَطِفُهُ“، فَأدْغَمَ التّاءَ في الطّاءِ، وألْقى حَرَكَةَ التّاءِ عَلى الخاءِ، فَفَتَحَها، ومَن قالَ بِكَسْرِ الخاءِ، والطّاءِ، كَسَرَ الخاءَ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الطّاءِ، ومَن كَسَرَ التّاءَ، والخاءَ، والطّاءَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، فَهو عَلى أنَّ الأصْلَ ”تَخْتَطِفُهُ“، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ في بُعْدِهِ عَنِ الحَقِّ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بُعْدَ مَن أشْرَكَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، كَبُعْدِ مَن خَرَّ مِنَ السَّماءِ، فَذَهَبَتْ بِهِ الطَّيْرُ، أوْ هَوَتْ بِهِ الرِّيحُ في مَكانٍ سَحِيقٍ، أيْ، بَعِيدٍ.
الحج 22:32
(p-٤٢٦)قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾، ”شَعائِرُ اللَّهِ“: اَلْمَعالِمُ الَّتِي نَدَبَ إلَيْها، وأمَرَ بِالقِيامِ بِها، واحِدَتُها ”شَعِيرَةٌ“، فالصَّفا والمَرْوَةُ مِن شَعائِرِ اللَّهِ، والَّذِي يُعْنى بِهِ هُنا البُدْنُ.
الحج 22:33
وَقَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾، يَعْنِي أنَّ لَكم في البُدْنِ - قَبْلَ أنْ تُعَلِّمُوها، وتُسَمُّوها هَدْيًا، إلى بَيْتِي - مَنافِعَ، فَإذا أشْعَرْتُمُوها - والإشْعارُ أنْ يَشُقَّ في السَّنامِ حَتّى يَدْمى، ويُعَلِّقَ عَلَيْها نَعْلًا، لِيُعْلَمَ أنَّها بَدَنَةٌ.
فَأكْثَرُ النّاسِ لا يَرى الِانْتِفاعَ بِها إذا جُعِلَتْ بَدَنَةً، لا بِلَبَنِها، ولا بِوَبَرِها، ولا بِظَهْرِها، يَقُولُ: ”لا يُعْطِي لَبَنَها ووَبَرَها وظَهْرَها أحَدًا“، لِأنَّها بَدَنَةٌ، فَلا يَنْتَفِعُ بِها غَيْرُ أهْلِ اللَّهِ، إلّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ المَخُوفِ مَعَها المَوْتُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ لَهُ أنْ يَنْتَفِعَ بِها فَيَرْكَبَها المُعْيى، ويَنْتَفِعَ بِمَنافِعِها، إلى وقْتِ مَحِلِّها - مَكانِ نَحْرِها -.
والحُجَّةُ في ذَلِكَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِرَجُلٍ يَسُوقُ بَدَنَةً، فَأمَرَهُ ﷺ بِرُكُوبِها، فَقالَ: إنَّها بَدَنَةٌ، فَأمَرَهُ الثّانِيَةَ، وأمَرَهُ الثّالِثَةَ، وقالَ لَهُ في الثّالِثَةِ: ”اِرْكَبْها، ويْحَكَ“» .
فَهَذا يَجُوزُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَآهُ مُضْطَرًّا في رُكُوبِها مِن شِدَّةِ الإعْياءِ، وجائِزٌ عَلى ظاهِرِ الحَدِيثِ أنْ يَكُونَ رُكُوبُها جائِزًا، ومَن أجازَ رُكُوبَها، والِانْتِفاعَ بِها، يَقُولُ: لَيْسَ لَهُ أنْ يُهْزِلَها، ويَنْضِيَها، لِأنَّها بَدَنَةٌ.
الحج 22:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾، وتُقْرَأُ: ”مَنسِكًا“، و”اَلْمَنسَكُ“، في هَذا المَوْضِعِ، يَدُلُّ عَلى مَعْنى النَّحْرِ، فَكَأنَّهُ قالَ: جَعَلْنا لِكُلِّ أُمَّةٍ أنْ تَتَقَرَّبَ بِأنْ تَذْبَحَ الذَّبائِحَ لِلَّهِ، ويَدُلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾، اَلْمَعْنى: ”لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى نَحْرِ ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلْمَنسَكُ“: اَلْمَوْضِعُ الَّذِي يَجِبُ تَعَهُّدُهُ، وذَلِكَ جائِزٌ.
(p-٤٢٧)وَمَن قالَ: ”مَنسِكٌ“، فَمَعْناهُ: مَكانُ نُسُكٍ، مِثْلَ ”مَجْلِسٌ“، مَكانُ جُلُوسٍ، ومَن قالَ: ”مَنسَكٌ“، فَهو بِمَعْنى المَصْدَرِ، نَحْوَ: ”اَلنُّسُكُ“، و”اَلنُّسُوكُ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾، أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ تَذْكُرُوا عَلى ذَبائِحِكم إلّا اللَّهَ وحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ﴾، قِيلَ: ”اَلْمُخْبِتُونَ“: اَلْمُتَواضِعُونَ، وقِيلَ: ”اَلْمُخْبِتُونَ“: اَلْمُطَمْئِنُونَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وقِيلَ: ”اَلْمُخْبِتُونَ“: اَلَّذِينَ لا يَظْلِمُونَ، وإذا ظُلِمُوا لَمْ يَنْتَصِرُوا، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلْخَبْتُ مِنَ الأرْضِ“، وهي المَكانُ المُنْخَفِضُ مِنها، فَكُلُّ مُخْبِتٍ مُتَواضِعٌ.
الحج 22:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمُقِيمِي الصَّلاةِ﴾، اَلْقِراءَةُ الخَفْضُ، وإسْقاطُ التَّنْوِينِ، والخَفْضُ عَلى الإضافَةِ، ويَجُوزُ: ”والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ“، إلّا أنَّهُ بِخِلافِ المُصْحَفِ، ويَجُوزُ أيْضًا - عَلى بُعْدٍ -: ”والمُقِيمِي الصَّلاةَ“، عَلى حَذْفِ النُّونِ، ونَصْبِ ”اَلصَّلاةَ“، لِطُولِ الِاسْمِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ:
؎اَلْحافِظُو عَوْرَةَ العَشِيرَةِ لا يَأْتِيهِمْ مِن ورائِهِمْ نُطَفُ
وَزَعَمَ أنَّهُ شاذٌّ.
الحج 22:36
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والبُدْنَ جَعَلْناها لَكم مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، اَلنَّصْبُ أحْسَنُ، لِأنَّ قَبْلَهُ فِعْلًا، المَعْنى: ”وَجَعَلْنا البُدْنَ، فَنُصِبَ بِفِعْلٍ (p-٤٢٨)مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، و“اَلْبُدْنُ”، بِتَسْكِينِ الدّالِ، وضَمِّها،“بَدَنَةٌ”، و“بُدْنٌ”، و“بُدُنٌ”، مِثْلَ قَوْلِهِ:“ثَمَرَةٌ”، وثُمْرٌ“، و”ثُمُرٌ“، وإنَّما سُمِّيَتْ ”بَدَنَةً“، لِأنَّها تَبْدُنُ، أيْ: تَسْمَنُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها صَوافَّ﴾، ”صَوافَّ“، مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، ولَكِنَّها لا تُنَوَّنُ، لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ، أيْ: قَدْ صُفَّتْ قَوائِمُها، أيْ: فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها في حالِ نَحْرِها، والبَعِيرُ يُنْحَرُ قائِمًا، وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، وتُقْرَأُ: ”صَوافِنَ“، و”اَلصّافِنُ“: اَلَّذِي يَقُومُ عَلى ثَلاثٍ، فالبَعِيرُ إذا أرادُوا نَحَرَهُ تُعْقَلُ إحْدى يَدَيْهِ، فَهو صافِنٌ، والجَمْعُ ”صَوافِنُ يا هَذا“، وقُرِئَتْ: ”صَوافِيَ“، بِالياءِ، وبِالفَتْحِ، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وتَفْسِيرُهُ: ”خَوالِصَ“، أيْ: خالِصَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا تُشْرِكُوا في التَّسْمِيَةِ عَلى نَحْرِها أحَدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا وجَبَتْ جُنُوبُها﴾، أيْ: إذا سَقَطَتْ إلى الأرْضِ، ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ﴾، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، ويَجُوزُ ”والمُعْتَرِي“، بِالياءِ، ويُقالُ: ”وَجَبَ الحائِطُ، يَجِبُ، وجْبَةً“، إذا سَقَطَ، و”وَجَبَ القَلْبُ، يَجِبُ، وجْبًا، ووَجِيبًا“، إذا تَحَرَّكَ مِن فَزَعٍ، و”وَجَبَ البَيْعُ، يَجِبُ، وُجُوبًا، وجِبَةً“، والمُسْتَقْبَلُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ”يَجِبُ“، وقِيلَ في ”اَلْقانِعُ“: اَلَّذِي يَقْنَعُ بِما تُعْطِيهِ، وقِيلَ: اَلَّذِي يَقْنَعُ بِاليَسِيرِ، وقِيلَ - وهو مَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ -: اَلسّائِلُ، يُقالُ: ”قَنِعَ الرَّجُلُ، قُنُوعًا“، إذا سَألَ، فَهو قانِعٌ، وأنْشَدُوا لِلشَّمّاخِ:
؎لَمالُ المَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفاقِرَهُ أعَفُّ مِنَ القُنُوعِ
أيْ: أعَفُّ مِنَ السُّؤالِ، و”قَنِعَ، قَناعَةً“، إذا رَضِيَ، فَهو ”قَنِعٌ“، و”اَلْمُعْتَرُّ“: اَلَّذِي (p-٤٢٩)يَعْتَرِيكَ، فَيَطْلُبُ ما عِنْدَكَ، سَألَكَ إذْ سُئِلْتَ عَنِ السُّؤالِ، وكَذَلِكَ ”اَلْمُعْتَرِي“.
الحج 22:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها﴾، وقُرِئَتْ: ”لَنْ تَنالَ اللَّهَ لُحُومُها“، بِالتّاءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِجَمْعِ اللُّحُومِ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِجَماعَةِ اللُّحُومِ، وكانُوا إذا ذَبَحُوا لَطَّخُوا البَيْتَ بِالدَّمِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ تَقْواهُ، وطاعَتُهُ، فِيما يَأْمُرُ بِهِ، ﴿وَلَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾، و”تَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ“، بِالياءِ، والتّاءِ، فَمَن أنَّثَ فَلِلَفْظِ التَّقْوى، ومَن ذَكَّرَ فَلِأنَّ مَعْنى التَّقْوى والتُّقى واحِدٌ.
الحج 22:38
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، و”يَدْفَعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا“، هَذا يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ مِن عِنْدِهِ، أيْ: فَإذا دَفَعْتُمْ، أيْ: فَإذا فَعَلْتُمْ هَذا، وخالَفْتُمُ الجاهِلِيَّةَ فِيما تَفْعَلُونَهُ في نَحْرِهِمْ، وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ عَنْ حِزْبِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلَّ خَوّانٍ كَفُورٍ﴾، ”خَوّانٍ“، ”فَعّالٌ“، مِن ”اَلْخِيانَةُ“، أيْ: مَن ذَكَرَ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ، وتَقَرَّبَ إلى الأصْنامِ بِذَبِيحَتِهِ، فَهو خَوّانٌ كَفُورٌ، و”اَلْبُدْنُ“، قِيلَ: إنَّها الإبِلُ خاصَّةً، وقِيلَ: إنَّها الإبِلُ، والبَقَرُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ: إنَّ الشّاءَ داخِلَةٌ فِيها، فَأمّا مَن قالَ: إنَّها الإبِلُ والبَقَرُ، فَهم أكْبَرُ فُقَهاءِ الأمْصارِ، ولَكِنَّ الِاسْتِعْمالَ في السِّياقَةِ إلى البَيْتِ الإبِلُ، فَلِذَلِكَ قالَ مَن قالَ: إنَّها الإبِلُ.
الحج 22:39
(p-٤٣٠)وَقَوْلُهُ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتِلُونَ“، ويُقْرَأُ: ”أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتِلُونَ ويُقاتَلُونَ“، والمَعْنى: ”أُذِنَ لِلَّذِينِ يُقاتِلُونَ أنْ يُقاتِلُوا“، ويُرْوى أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، ”بِأنَّهم ظُلِمُوا“، أيْ: أُذِنَ لَهم أنْ يُقاتِلُوا بِسَبَبِ ما ظُلِمُوا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾، وعَدَهُمُ اللَّهُ النَّصْرَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ: و”أنَّ اللَّهَ“، بِفَتْحِ ”أنَّ“، ولا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ خِلافٌ في أنَّ هَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ ”أنَّ“، إذا كانَتْ مَعَها اللّامُ لَمْ تُفْتَحْ أبَدًا.
الحج 22:40
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلا أنْ يَقُولُوا﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: ”أُذِنَ لِلَّذِينِ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلّا أنْ يَقُولُوا رَبُّنا اللَّهُ“، ”أنْ“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، المَعْنى: ”أُخْرِجُوا بِلا حَقٍّ، إلّا بِقَوْلِهِمْ رَبُّنا اللَّهُ“، أيْ: لَمْ يُخْرَجُوا إلّا بِأنْ وحَّدُوا اللَّهَ، فَأخْرَجَتْهم عَبَدَةُ الأوْثانِ لِتَوْحِيدِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلَوْلا أنْ دَفَعَ اللَّهُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ“، وتُقْرَأُ: ”لَهُدِمَتْ“، وهي صَوامِعُ الرُّهْبانِ، ﴿وَبِيَعٌ وصَلَواتٌ ومَساجِدُ﴾، و”اَلْبِيَعُ“: بِيَعُ النَّصارى، و”اَلصَّلَواتُ“: كَنائِسُ اليَهُودِ، وهي بِالعِبْرانِيَّةِ ”صَلُوتا“، (p-٤٣١)وَقُرِئَتْ: ”صَلاةٌ ومَساجِدُ“، وقِيلَ: إنَّها مَوْضِعُ صَلَواتِ الصّابِئِينَ، وتَأْوِيلُ هَذا: "لَوْلا أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - دَفَعَ بَعْضَ النّاسِ بَبَعْضٍ لَهُدِّمَ في شَرِيعَةِ كُلِّ نَبِيٍّ المَكانُ الَّذِي كانَ يُصَلِّي فِيهِ، فَكانَ لَوْلا الدَّفْعُ لَهُدِّمَ في زَمَنِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الكَنائِسَ الَّتِي كانَ يُصَلِّي فِيها في شَرِيعَتِهِ، وفي زَمَنِ عِيسى الصَّوامِعُ والبِيَعُ، وفي زَمَنِ مُحَمَّدٍ ﷺ المَساجِدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ﴾، أيْ: مَن أقامَ شَرِيعَةً مِن شَرائِعِهِ، نُصِرَ عَلى إقامَةِ ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ لا يُقامُ في شَرِيعَةِ نَبِيٍّ إلّا ما أتى بِهِ ذَلِكَ النَّبِيُّ، ويُنْتَهى عَمّا نَهى عَنْهُ.
الحج 22:41
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى تَفْسِيرِ ”مَن“، اَلْمَعْنى: "وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ثُمَّ بَيَّنَ صِفَةَ ناصِرِيهِ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ إنْ مَكَّنّاهم في الأرْضِ أقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ﴾، فَصِفَةُ حِزْبِ اللَّهِ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَهُ، إقامَةُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، وهُما واجِبانِ كَوُجُوبِ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، أعْنِي الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ.
الحج 22:45
﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾، ويُقْرَأُ: ”أهْلَكْتُها“، اَلْمَعْنى: ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، أيْ: ثُمَّ أخَذْتُهم فَأبْلَغْتُ أبْلَغَ الإنْكارِ، فَأهْلَكْتُ قُرًى كَثِيرَةً، لِأنَّ مَعْنى ”فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ“، مَعْنى ”فَكَمْ مِن قَرْيَةٍ!“، ومَعْنى ”كَمْ مِن قَرْيَةٍ!“، عَدَدٌ كَثِيرٌ مِنَ القُرى.
(p-٤٣٢)وَيَجُوزُ ”كَأيِّنْ“، بِتَشْدِيدِ الياءِ، ويَجُوزُ ”كائِنٌ مِن قَرْيَةٍ“، وهو عِنْدَ البَصْرِيِّينَ في مَعْنى العَدَدِ الكَبِيرِ، تَقُولُ: ”وَكائِنٌ مِن رَجُلٍ جاءَنِي“، مَعْناهُ: ”اَلْعَدَدُ الكَثِيرُ مِنَ الرِّجالِ“، ﴿فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها﴾، و”اَلْعُرُوشُ“: اَلسُّقُوفُ، فالمَعْنى أنَّها قَدْ خَرِبَتْ وخَلَتْ، فَصارَتْ عَلى سُقُوفِها، كَما قالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ [الحجر: ٧٤]، يُقالُ: ”خَوَتِ الدّارُ“، و”اَلْمَدِينَةُ خَواءٌ -“مَمْدُودٌ”-، فَهي خاوِيَةٌ“، و”خَوِيَتِ المَرْأةُ“، وخَوِيَ الإنْسانُ - إذا خَلا مِنَ الطَّعامِ -، خَوًى - ”مَقْصُورٌ“ -، فَهو خَوٍ".
وَقَوْلُهُ: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾، أكْثَرُ ما جاءَ في ”مَشِيدٍ“، مِنَ التَّفْسِيرِ: مُجَصَّصٍ، و”اَلشِّيدُ“: اَلْجَصُّ، والكَلْسُ أيْضًا شِيدٌ، وقِيلَ: ”مَشِيدٍ“: مُحَصَّنٍ، مُرْتَفِعٍ، والمُشَيَّدُ إذا قِيلَ: ”مُجَصَّصٌ“، فَهو مُرْتَفِعٌ في قَدْرِهِ، وإنْ لَمْ يَرْتَفِعْ في سُمْكِهِ، وأصْلُ الشِّيدِ: اَلْجَصُّ، والنُّورَةُ، وكُلُّ ما بُنِيَ بِهِما، أوْ بِأحَدِهِما، فَهو ”مُشَيَّدٌ“.
الحج 22:46
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾، اَلْقَلْبُ لا يَكُونُ إلّا في الصَّدْرِ، ولَكِنْ جَرى عَلى التَّوْكِيدِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وكَما قالَ: ﴿وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وكَما قَرَأ بَعْضُهُمْ: ”لَهُ تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةٌ“، فالتَّوْكِيدُ جارٍ في الكَلامِ، مُبالِغٌ في الإفْهامِ.
الحج 22:47
(p-٤٣٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾، قِيلَ: إنَّ يَوْمًا مِن أيّامِ عَذابِهِمْ كَألْفِ سَنَةٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الحَدِيثُ الَّذِي يُرْوى أنَّ «الفُقَراءَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ الأغْنِياءِ بِنِصْفِ يَوْمٍ»، وجاءَ في حَدِيثٍ آخَرَ تَفْسِيرُ هَذا القَوْلِ بِخَمْسِمِائَةِ عامٍ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اليَوْمَ مِن أيّامِ القِيامَةِ ألْفُ سَنَةٍ.
والَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الآيَةُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُمُ اسْتَعْجَلُوا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَفُوتُهُ شَيْءٌ، وأنَّ يَوْمًا عِنْدَهُ وألْفُ سَنَةٍ في قُدْرَتِهِ واحِدٌ، وأنَّ الِاسْتِعْجالَ في مِيعادِهِمْ لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ وُقُوعِ ما يَسْتَعْجِلُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ، وتَأخُّرِهِ في القُدْرَةِ، إلّا أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - تَفَضَّلَ بِالإمْهالِ، وغَفَرَ بِالتَّوْبَةِ، فالتَّأْخِيرُ الفَرْقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْدِيمِ تَفَضُّلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِالنَّظِرَةِ.
ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ قَدْ أخَذَ قَوْمًا بَعْدَ الإمْلاءِ والتَّأْخِيرِ، عُقُوبَةً مِنهُ، لِيَزْدادُوا إثْمًا، فَقالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾، وبَعْدَ تَمامِ الآيَةِ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أمْلَيْتُ لَها وهي ظالِمَةٌ ثُمَّ أخَذْتُها وإلَيَّ المَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨]، اَلْمَعْنى: "ثُمَّ أخَذْتُها بِالعَذابِ، واسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِ العَذابِ، لِتَقَدُّمِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ﴾
الحج 22:51
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾، أيْ: ظانِّينَ أنَّهم يُعْجِزُونَنا، لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، وأنَّهُ لا جَنَّةَ، ولا نارَ، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”مُعاجِزِينَ“: مُعانِدِينَ، ولَيْسَ بِخارِجٍ مِنَ القَوْلِ الأوَّلِ، وقُرِئَتْ: ”مُعَجِّزِينَ“، وتَأْوِيلُها أنَّهم كانُوا يُعَجِّزُونَ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ ﷺ، ويُثَبِّطُونَهم عَنْهُ.
الحج 22:52
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ ولا نَبِيٍّ إلا إذا تَمَنّى ألْقى الشَّيْطانُ في أُمْنِيَّتِهِ﴾، مَعْنى ”إذا تَمَنّى“، إذا تَلا، ”ألْقى الشَّيْطانُ في تِلاوَتِهِ“، فَذَلِكَ (p-٤٣٤)مِحْنَةٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولَهُ أنْ يَمْتَحِنَ بِما شاءَ، فَألْقى الشَّيْطانُ عَلى لِسانِ النَّبِيِّ شَيْئا مِن صِفَةِ الأصْنامِ، فافْتُتِنَ بِذَلِكَ أهْلُ الشِّقاقِ والنِّفاقِ، ومَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣]، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم ظالِمُونَ، وأنَّهم في شِقاقٍ دائِمٍ، و”اَلشِّقاقُ“: غايَةُ العَداوَةِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج: ٥٣]
الحج 22:55
ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم لا يَتُوبُونَ، فَقالَ: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ﴾، أيْ: في شَكِّ مِنهُ، ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾، أيْ: مُفاجَأةً، ﴿أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾، أصْلُ ”اَلْعُقْمُ“، اَلْعُقْمُ في الوِلادَةِ، يُقالُ: ”هَذِهِ امْرَأةٌ عَقِيمٌ“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩]، وكَذَلِكَ: ”رَجُلٌ عَقِيمٌ“، إذا كانَ لا يَلِدُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎عَقِيمَ النِّساءِ فَلا يَلِدْنَ شَبِيهَهُ إنَّ النِّساءَ بِمِثْلِهِ لَعَقِيمُ
وَ”اَلرِّيحُ العَقِيمُ“: اَلَّتِي لا تَأْتِي بِسَحابٍ يُمْطِرُ، وإنَّما تَأْتِي بِالعَذابِ، و”اَلْيَوْمُ العَقِيمُ“: اَلَّذِي لا يَأْتِي فِيهِ خَيْرٌ، فَيَوْمُ القِيامَةِ عَقِيمٌ عَلى الكُفّارِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٤٣٥)﴿عَلى الكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]، ولَيْسَ هو عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ أُدْخِلُوا في رَحْمَةِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وأنْشَدَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ في قَوْلِهِ: ”تَمَنّى“، في مَعْنى ”تَلا“، قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎تَمَنّى كِتابَ اللَّهِ أوَّلَ لَيْلِهِ ∗∗∗ وآخِرَهُ لاقى حِمامَ المَقادِرِ
أيْ: ”تَلا كِتابَ اللَّهِ مُتَرَسِّلًا فِيهِ“، كَما تَلا داوُدُ الزَّبُورَ مُتَرَسِّلًا فِيهِ.
الحج 22:60
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ومَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾ ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، أيْ: اَلْأمْرُ ما قَصَصْنا عَلَيْكُمْ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَن عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ﴾، اَلْأوَّلُ لَمْ يَكُنْ عُقُوبَةً، وإنَّما العُقُوبَةُ الجَزاءُ، ولَكِنَّهُ سُمِّيَ عُقُوبَةً لِأنَّ الفِعْلَ الَّذِي هو عُقُوبَةٌ كانَ جَزاءً فَسُمِّي الأوَّلُ الَّذِي جُوزِيَ عَلَيْهِ عُقُوبَةً، لِاسْتِواءِ الفِعْلَيْنِ في جِنْسِ المَكْرُوهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، فالأوَّلُ ”سَيِّئَةٌ“، والمُجازاةُ عَلَيْها حَسَنَةٌ مِن حَسَناتِ المُجازِي عَلَيْها، إلّا أنَّها سُمِّيَتْ سَيِّئَةً بِأنَّها وقَعَتْ إساءَةً بِالمَفْعُولِ بِهِ، لِأنَّهُ فُعِلَ بِهِ ما يَسُوءُهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، جَعَلَ مُجازاتِهِمْ بِاسْتِهْزائِهِمْ مُسَمًّى بِلَفْظِ فِعْلِهِمْ، لِأنَّهُ جَزاءُ فِعْلِهِمْ.
الحج 22:63
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، وقُرِئَتْ: ”مَخْضَرَةً“، (p-٤٣٦)ذَكَرَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - - ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ مِن إيلاجِ اللَّيْلِ في النَّهارِ، والنَّهارِ في اللَّيْلِ، وذَكَرَ إنْزالَهُ الماءَ يُنْبِتُ، وذَكَرَ تَسْخِيرَ الفُلْكِ في البَحْرِ، وإمْساكَ السَّماءِ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلّا بِإذْنِهِ، فَدَلَّ أنَّهُ الواحِدُ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ، وأتى بِما لا يُمْكِنُ البَشَرَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ.
ثُمَّ ذَكَرَ جَهْلَ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَـزِّلْ بِهِ سُلْطانًا﴾ [الحج: ٧١]، أيْ: ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً، وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهم مَثَلَ ما يَعْبُدُونَ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ، وأمّا القِراءَةُ: ﴿فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، لا غَيْرُ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً﴾، فَقالَ: هَذا واجِبٌ، ومَعْناهُ التَّنْبِيهُ، كَأنَّهُ قالَ: ”أتَسْمَعُ؟ أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَكانَ كَذا وكَذا“، وقالَ غَيْرُهُ مِثْلَ قَوْلِهِ، قالَ: مَجازُ هَذا الكَلامِ مَجازُ الخَبَرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”اَللَّهُ يُنْزِلُ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَتُصْبِحُ الأرْضِ مُخْضَرَّةً“، وأنْشَدُوا:
؎ألَمْ تَسْألِ الرَّبْعَ القَواءَ فَيَنْطِقُ وهَلْ تُخْبِرَنْكَ اليَوْمَ بَيْداءُ سَمْلَقُ؟
قالَ الخَلِيلُ: اَلْمَعْنى: ”فَهُوَ مِمّا يَنْطِقُ“، وأمّا مَن قَرَأ: ”مَخْضَرَةً“، فَهو عَلى مَعْنى: ”ذاتَ مَخْضَرَةٍ“، مِثْلَ: ”مَبْقَلَةٌ“، ذاتُ بَقْلٍ، و”مَشْبَعَةٌ“، ذاتُ شِبَعٍ، ولا يَجُوزُ ”مَخَضَرَّةً“، بِفَتْحِ المِيمِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ، لِأنَّ ”مَفْعَلَّةٌ“، لَيْسَ في الكَلامِ، ولا مَعْنى لَهُ.
الحج 22:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في الأرْضِ والفُلْكَ تَجْرِي﴾، (p-٤٣٧)”اَلْفُلْكَ“، بِالنَّصْبِ، نَسَقٌ عَلى ”ما“، اَلْمَعْنى: ”وَسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ“، ويَكُونُ ”تَجْرِي“، حالًا، أيْ: وسَخَّرَ لَكُمُ الفُلْكَ في حالِ جَرْيِها، ويُقْرَأُ: ”والفُلْكُ تَجْرِي في البَحْرِ بِأمْرِهِ“، فَيَكُونُ ”اَلْفُلْكُ“، مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، و”تَجْرِي“، هو الخَبَرَ، والمَعْنى مَعْنى التَّسْخِيرِ، لِأنَّ جَرْيَها بِأمْرِهِ هو التَّسْخِيرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّماءَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ إلا بِإذْنِهِ﴾، عَلى مَعْنى: ”كَراهَةَ أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ“، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ بِـ ”يُمْسِكُ“، وهي مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”لِكَراهَةِ أنْ تَقَعَ“.
الحج 22:67
وَقَوْلُهُ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنا مَنسَكًا﴾، و”مَنسِكًا“، وقَدْ تَقَدَّمَ الشَّرْحُ في هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ﴾، أيْ: لا يُجادِلُنَّكَ فِيهِ، ومَعْناهُ: لا تُنازِعْهُمْ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المَعْنى: ”لا يُجادِلُنَّكَ ولا تُجادِلَنَّهُمْ“.
الحج 22:68
قَوْلُهُ: ﴿وَإنْ جادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾، هَذا قَبْلَ القِتالِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَهم قَدْ جادَلُوهُ فَلِمَ قِيلَ: ”فَلا يُنازِعُنَّكَ في الأمْرِ“، وهم قَدْ نازَعُوهُ؟ فالمَعْنى أنَّهُ نَهْيٌ لَهُ ﷺ عَنْ مُنازَعَتِهِمْ، كَما يَقُولُ: ”لا يُخاصِمَنَّكَ فُلانٌ في هَذا أبَدًا“، وهَذا جائِزٌ في الفِعْلِ الَّذِي لا يَكُونُ إلّا مِنَ اثْنَيْنِ، لِأنَّ المُجادَلَةَ والمُخاصَمَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِاثْنَيْنِ.
فَإذا قُلْتَ: ”لا يُجادِلَنَّكَ فُلانٌ“، فَهو بِمَنزِلَةِ ”لا تُجادِلَنَّهُ“، ولا يَجُوزُ هَذا في قَوْلِهِ: ”لا يَضْرِبَنَّكَ فُلانٌ“، وأنْتَ تُرِيدُ لا تَضْرِبْهُ، ولَكِنْ لَوْ قُلْتَ: ”لا يُضارِبَنَّكَ فُلانٌ“، لَكانَ كَقَوْلِكَ: ”لا تُضارِبَنَّ فُلانًا“، ويُقْرَأُ: ”فَلا يَنْزِعُنَّكَ في الأمْرِ“، مَعْناهُ: ”لا يَغْلِبُنَّكَ في المُنازَعَةِ فِيهِ“، يُقالُ: ”نازَعَنِي فُلانٌ فَنَزَعْتُهُ“، و”عازَّنِي فَعَزَزْتُهُ“، أنْزِعُهُ، وأغْلِبُهُ، المَعْنى: ”فَلا يَغْلِبُنَّكَ في الأمْرِ“.
الحج 22:72
وَقَوْلُهُ: ﴿يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾، (p-٤٣٨)أيْ: يَكادُونَ يَبْطِشُونَ بِسَطْوَةٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، والَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أفَأُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمُ النّارُ وعَدَها اللَّهُ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ، وهي أثْبَتُ في النَّحْوِ مِنَ الجَرِّ، والنَّصْبِ، والخَفْضُ والنَّصْبُ جائِزٌ، فَأمّا مَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى: ”هُوَ النّارُ“، و”هِيَ النّارُ“، كَأنَّهم قالُوا: ”ما هَذا الَّذِي هو شَرٌّ؟“، فَقِيلَ: ”اَلنّارُ“، ومَن قالَ: ”اَلنّارِ“، بِالجَرِّ، فَعَلى البَدَلِ مِن ”شَرٍّ“، ومَن قالَ: ”اَلنّارَ“، بِالنَّصْبِ، فَهو عَلى مَعْنى: ”أعْنِي النّارَ“، وعَلى مَعْنى ”أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكُمْ“، كَأنَّهُ قالَ: ”أُعَرِّفُكم شَرًّا مِن ذَلِكُمُ النّارَ“.
الحج 22:73
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، لِأنَّهم عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، وما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الجَوابَ فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مَثَلًا، وجَعَلُوهُ لَهُ نَظِيرًا، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، يَعْنِي الأصْنامَ، وكُلَّ مَن دُعِيَ مِن دُونِ اللَّهِ إلَهًا، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ الخالِقُ، ودَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقٍ واحِدٍ قَلِيلٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِهِ، ولا عَلى اسْتِنْقاذِ تافِهٍ حَقِيرٍ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بَعْدَ ذِكْرِهِ ضَعْفَ قُوَّةِ المَعْبُودِينَ، قُوَّتَهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
(p-٤٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾، يَجُوزُ ”ضَعُفَ“، و”ضُعِفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ“، أيْ: ”فَهم يَضْعُفُونَ عَنْ أنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا، وعَنْ أنْ يَسْتَنْقِذُوا مِنَ الذُّبابِ شَيْئًا، ضَعْفَ الذُّبابِ“.
الحج 22:74
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، لِأنَّهم عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَسْمَعُ، ولا يُبْصِرُ، وما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ حُجَّةً، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الجَوابَ فِيما جَعَلُوهُ لِلَّهِ مَثَلًا، وجَعَلُوهُ لَهُ نَظِيرًا، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، يَعْنِي الأصْنامَ، وكُلَّ مَن دُعِيَ مِن دُونِ اللَّهِ إلَهًا، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنهُ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أنَّهُ الخالِقُ، ودَلَّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقٍ واحِدٍ قَلِيلٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِهِ، ولا عَلى اسْتِنْقاذِ تافِهٍ حَقِيرٍ مِنهُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، أيْ: ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ، ثُمَّ أعْلَمَ بَعْدَ ذِكْرِهِ ضَعْفَ قُوَّةِ المَعْبُودِينَ، قُوَّتَهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
(p-٤٣٩)وَقَوْلُهُ: ﴿ضَعُفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ﴾، يَجُوزُ ”ضَعُفَ“، و”ضُعِفَ الطّالِبُ والمَطْلُوبُ“، أيْ: ”فَهم يَضْعُفُونَ عَنْ أنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا، وعَنْ أنْ يَسْتَنْقِذُوا مِنَ الذُّبابِ شَيْئًا، ضَعْفَ الذُّبابِ“.
الحج 22:75
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلا ومِنَ النّاسِ﴾، اِصْطَفى اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَلَكَ المَوْتِ، واصْطَفى مِنَ النّاسِ النَّبِيِّينَ، والمُرْسَلِينَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ - أحْمَعِينَ.
الحج 22:77
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا واسْجُدُوا واعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، أيْ: اِقْصِدُوا بِرُكُوعِكم وسُجُودِكُمُ اللَّهَ وحْدَهُ، ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾، و”اَلْخَيْرُ“: كُلُّ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾، هَذا لَيْسَ بِشَكٍّ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: ”لِتَرْجُوا أنْ تَكُونُوا عَلى فَلاحٍ“، كَما قالَ لِمُوسى وهارُونَ: ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٤٣] ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ [طه: ٤٤]، أيْ: اِذْهَبا عَلى رَجائِكُما كَما كَما يَرْجُو النَّبِيُّ مِمَّنْ يُبْعَثُ إلَيْهِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن وراءِ العِلْمِ بِما يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنَ، إلّا أنَّ الحُجَّةَ لا تَقُومُ إلّا بَعْدَ الإبانَةِ.
الحج 22:78
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ﴾، قِيلَ: إنَّهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وأنَّ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ اجْتَباكُمْ﴾، مَعْناهُ: اِخْتارَكم.
(p-٤٤٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، أيْ: مِن ضِيقٍ، جَعَلَ اللَّهُ عَلى مَن لَمْ يَسْتَطِعِ الشَّيْءَ الَّذِي يَثْقُلُ في وقْتٍ، ما هو أخَفُّ مِنهُ، فَجُعِلَ لِلصّائِمِ الإفْطارُ في السَّفَرِ، وبِقَصْرِ الصَّلاةِ لِلْمُصَلِّي إذا لَمْ يُطِقِ القِيامَ أنْ يُصَلِّيَ قاعِدًا، وإنْ لَمْ يُطِقِ القُعُودَ أنْ يُومِئَ إيماءً، وجَعَلَ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ أرْبَعًا، وجَعَلَ لَهُ جَمِيعَ ما مَلَكَتْهُ يَمِينُهُ، فَوَسَّعَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى خَلْقِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ﴾، مَعْناهُ: اِتَّبِعُوا مِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”اعْبُدُوا رَبَّكم وافْعَلُوا الخَيْرَ فِعْلَ أبِيكم إبْراهِيمَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿هُوَ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وفي هَذا﴾، ”هُوَ“، راجِعَةٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - المَعْنى: ”اَللَّهُ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلِ أنْ يُنَزِّلَ القُرْآنَ، وفي هَذا القُرْآنِ سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَمّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ، ”وَفِي هَذا“، أيْ: حَكَمَ إبْراهِيمُ أنَّ كُلَّ مَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ مُوَحِّدًا لِلَّهِ فَقَدْ سَمّاهُ إبْراهِيمُ ”مُسْلِمًا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، يُرْوى «أنَّ اللَّهَ - سُبْحانَهُ - أعْطى هَذِهِ الأُمَّةَ ثَلاثَةَ أشْياءَ لَمْ يُعْطَها إلّا الأنْبِياءُ، جُعِلَتْ شَهِيدَةً عَلى سائِرِ الأُمَمِ، والشَّهادَةُ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَلى أُمَّتِهِ، وأنْ يُقالَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: (اِذْهَبْ ولا حَرَجَ عَلَيْكَ)، وقالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾، وأنَّهُ قالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ: (سَلْ تُعْطَهُ)، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]» .
المؤمنون 23:1
(p-٥)سُورَةٌ ”اَلْمُؤْمِنُونَ“
مَكِّيَّةٌ
﷽
وَمِنَ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها المُؤْمِنُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾، أيْ: قَدْ نالُوا البَقاءَ الدّائِمَ في الخَيْرِ، ومَن قَرَأ: ”قَدْ أُفْلِحَ المُؤْمِنُونَ“، كانَ مَعْناهُ: ”قَدْ أُصِيرُوا إلى الفَلاحِ“، ويُرْوى عَنْ كَعْبٍ الحَبْرِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَخْلُقْ بِيَدِهِ إلّا ثَلاثَةَ أشْياءَ، خَلَقَ آدَمَ ﷺ بِيَدِهِ، وخَلَقَ جَنَّةَ عَدْنٍ بِيَدِهِ، وكَتَبَ التَّوْراةَ بِيَدِهِ، فَقالَ لِجَنَّةِ عَدْنٍ: (تَكَلَّمِي)، فَقالَتْ: ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾، لِما رَأتْ فِيها مِنَ الكَرامَةِ لِأهْلِها، (p-٦)و”اَلْمُؤْمِنُونَ“: اَلْمُصَدِّقُونَ بِما أتى مِن عِنْدِ اللَّهِ، وبِأنَّهُ واحِدٌ، لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا ﷺ نَبِيُّهُ.
المؤمنون 23:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾، أصْلُ ”اَلْخُشُوعُ“، في اللُّغَةِ: اَلْخُضُوعُ، والتَّواضُعُ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: ”خاشِعُونَ“: خائِفُونَ، ورُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ إذا وقَفَ في صَلاتِهِ رَفَعَ بَصَرَهُ نَحْوَ السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾»، جَعَلَ نَظَرَهُ مَوْضِعَ سُجُودِهِ.
المؤمنون 23:3
﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾، ”اَللَّغْوُ“: كُلُّ لَعِبٍ، وهَزْلٍ، وكُلُّ مَعْصِيَةٍ فَمُطَّرَحَةٌ مُلْغاةٌ، وهُمُ الَّذِينَ قَدْ شَغَلَهُمُ الجِدُّ فِيما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ اللَّغْوِ.
المؤمنون 23:4
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾، مَعْنى ”فاعِلُونَ“: مُؤْتُونَ.
المؤمنون 23:5
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾، أيْ يَحْفَظُونَ فُرُوجَهم عَنِ المَعاصِي.
المؤمنون 23:6
﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾، مَوْضِعُ ”ما“: خَفْضٌ، ودَخَلَتْ ”عَلى“، هَهُنا، لِأنَّ المَعْنى: ”إنَّهم يُلامُونَ في إطْلاقِ ما حُظِرَ عَلَيْهِمْ، إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، فَإنَّهم لا يُلامُونَ عَلى ما أُحِلَّ لَهم مِن تَزَوُّجِ أرْبَعٍ، ومِن مِلْكِ اليَمِينِ“، والمَعْنى: ”إنَّهم يُلامُونَ عَلى ما سِوى أزْواجِهِمْ ومِلْكِ أيْمانِهِمْ“ .
المؤمنون 23:7
(p-٧)﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾، أيْ: فَمَن طَلَبَ ما بَعْدَ ذَلِكَ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾، ومَعْنى ”اَلْعادُونَ“: اَلْجائِرُونَ، الظّالِمُونَ، الَّذِينَ قَدْ تَعَدَّوْا في الظُّلْمِ.
المؤمنون 23:8
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”لِأمانَتِهِمْ“، واحِدًا، وجَمْعًا، ﴿وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾، أيْ: يَقُومُونَ عَلى حِفْظِ أمانَتِهِمْ، وعَهْدِهِمْ، يَرْعَوْنَ ذَلِكَ، وأصْلُ ”اَلرَّعْيُ“، في اللُّغَةِ: اَلْقِيامُ عَلى إصْلاحِ ما يَتَوَلّاهُ الرّاعِي مِن كُلِّ شَيْءٍ، تَقُولُ: ”اَلْإمامُ يَرْعى رَعِيَّتَهُ“، و”اَلْقَيِّمُ بِالغَنَمِ يَرْعى غَنَمَهُ“، و”فُلانٌ يَرْعى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ فُلانٍ“، أيْ: يَقُومُ عَلى إصْلاحِ ما بَيْنَهُ وبَيْنَهُ.
المؤمنون 23:9
﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾، و”صَلاتِهِمْ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا، ﴿يُحافِظُونَ﴾، مَعْناهُ: يُصَلُّونَها لِوَقْتِها، والمُحافَظَةُ عَلى الصَّلَواتِ أنْ تُصَلّى في أوْقاتِها، فَأمّا التَّرْكُ فَداخِلٌ في بابِ الخُرُوجِ عَنِ الدِّينِ، والَّذِينَ وُصِفُوا بِالمُحافَظَةِ هُمُ الَّذِينَ يَرْعَوْنَ أوْقاتَها.
المؤمنون 23:10
﴿أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ﴾، أيْ: مَن وُصِفَ بِما جَرى مِنَ الإيمانِ، والعَمَلِ بِما يَلْزَمُ المُؤْمِنَ، أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ.
المؤمنون 23:11
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾، (p-٨)رَوِيَ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - جَعَلَ لِكُلِّ امْرِئٍ بَيْتًا في الجَنَّةِ، وبَيْتًا في النّارِ، فَمَن عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ النّارِ، ورِثَ بَيْتَهُ مِنَ الجَنَّةِ مَن عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ، ومَن عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ الجَنَّةِ، ورِثَ بَيْتَهُ مِنَ النّارِ مَن عَمِلَ عَمَلَ أهْلِ النّارِ، و”اَلْفِرْدَوْسُ“: أصْلُهُ رُومِيٌّ أُعْرِبَ، وهو ”اَلْبُسْتانُ“، كَذَلِكَ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الفِرْدَوْسَ يَعْرِفُهُ العَرَبُ، وسُمِّيَ المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ كَرْمٌ ”فِرْدَوْسًا“، قالَ أبُو إسْحاقَ: رَوَيْنا عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في كِتابِهِ ”كِتابُ التَّفْسِيرِ“، وهو ما أجازَهُ لِي عَبْدُ اللَّهِ، ابْنُهُ، عَنْهُ، أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، بَنى جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ، ولَبِنَةً مِن فِضَّةٍ، وجَعَلَ جِبالَها المِسْكَ الأذْفَرَ، ورَوَيْنا عَنْ غَيْرِهِ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - كَنَسَ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ، وبَناها لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ مُصَفًّى، ولَبِنَةً مِن مِسْكٍ مُذَرًّى، وغَرَسَ فِيها مِن جَيِّدِ الفاكِهَةِ، وجَيِّدِ الرَّيْحانِ.
المؤمنون 23:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾، ”سُلالَةٌ“: ”فُعالَةٌ“، فَخَلَقَ اللَّهُ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن طِينٍ.
المؤمنون 23:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾، عَلى هَذا القَوْلِ يَعْنِي ولَدَ آدَمَ، وقِيلَ: ”مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ“: مِن مَنِيِّ آدَمَ ﷺ و”سُلالَةٌ“: اَلْقَلِيلُ فِيما يَنْسَلُّ، وكُلُّ مَبْنِيٍّ عَلى ”فُعالَةٌ“، يُرادُ بِهِ القَلِيلُ، فَمِن ذَلِكَ: ”اَلْفُضالَةُ“، و”اَلنُّخالَةُ“، و”اَلْقُلامَةُ“، فَعَلى هَذا قِياسُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٤]، وتُقْرَأُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، أحَدُها ما ذَكَرْنا، وتُقْرَأُ: ”فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عَظْمًا فَكَسَوْنا العَظْمَ لَحْمًا“، ويُقْرَأُ: ”فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عِظامًا فَكَسَوْنا العَظْمَ لَحْمًا“، ويُقْرَأُ: ”فَخَلَقْنا المُضْغَةَ عَظْمًا فَكَسَوْنا العِظامَ لَحْمًا“، والتَّوْحِيدُ والجَمْعُ هَهُنا جائِزانِ، لِأنَّهُ يُعْلَمُ أنَّ الإنْسانَ ذُو عِظامٍ، فَإذا ذُكِرَ عَلى التَّوْحِيدِ فَلِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى (p-٩)الجَمْعِ، ولِأنَّهُ مَعَهُ اللَّحْمُ، ولَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ العَظْمَ يُرادُ بِهِ العِظامُ، وقَدْ يَجُوزُ مِنَ التَّوْحِيدِ إذا كانَ في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى الجَمْعِ ما هو أشَدُّ مِن هَذا، قالَ الشّاعِرُ:
؎فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شَجِينا
يُرِيدُ: في حُلُوقِكم عِظامٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ، قِيلَ: جُعِلَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، وقِيلَ: نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ، وقِيلَ: أُنْبِتَ عَلَيْهِ الشَّعْرُ، ويُرْوى «أنَّ عُمَرَ كانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ عُمَرُ: ”فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ“، فَقالَ ﷺ لِعُمَرَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ خَتَمَ بِها الآيَةَ».
المؤمنون 23:15
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾، ويَجُوزُ ”لَمائِتُونَ“، ويَجُوزُ ”لَمَيْتُونَ“، وأجْوَدُها ”لَمَيِّتُونَ“، وعَلَيْها القِراءَةُ، وجاءَتْ ”مائِتُونَ“، لِأنَّها لِما يُسْتَقْبَلُ.
المؤمنون 23:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾، يَعْنِي بِهِ سَبْعَ سَماواتٍ، فَكُلُّ واحِدَةٍ طَرِيقَةٌ، ﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ﴾، أيْ: لَمْ نَكُنْ لِنَغْفُلَ عَنْ حِفْظِهِنَّ، كَما قالَ: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢]، وجائِزُ أنْ يَكُونَ ”وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ غافِلِينَ“، أيْ: ”إنّا لِحِفْظِنا إيّاهم خَلَقْنا هَذا الخَلْقَ“ .
(p-١٠)﴿وَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ويُرْوى أنَّ أرْبَعَةَ أنْهارٍ مِنَ الجَنَّةِ، دِجْلَةَ والفُراتَ، وسِيحانَ وجِيحانَ، ومَعْنى ﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، جَعَلْناهُ ثابِتًا فِيها، لا يَزُولُ.
المؤمنون 23:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾، ”شَجَرَةً“، مَنصُوبٌ، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ جَنّاتٍ﴾ [المؤمنون: ١٩]، أيْ: ”وَأنْشَأْنا لَكم بِهِ شَجَرَةً“، ويُقْرَأُ: ”مِن طُورِ سِيناءَ“، بِفَتْحِ السِّينِ، وبِكَسْرِ السِّينِ، و”اَلطُّورُ“: اَلْجَبَلُ، وقِيلَ: إنَّ ”سَيْناءَ“: حِجارَةٌ، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - اسْمٌ لِمَكانٍ، فَمَن قالَ: ”سَيْناءَ“، فَهو عَلى وصْفِ صَحْراءَ، لا يَنْصَرِفُ، ومَن قالَ: ”سِيناءَ“، بِكَسْرِ السِّينِ، فَلَيْسَ في الكَلامِ عَلى وزْنِ ”فِعْلاءُ“، عَلى أنَّ الألِفَ لِلتَّأْنِيثِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ ما فِيهِ ألِفُ التَّأْنِيثِ عَلى وزْنِ ”فِعْلاءُ“، وفي الكَلامِ نَحْوَ: ”عِلْباءٌ“، مُنْصَرِفٌ، إلّا أنَّ ”سِيناءَ“، هَهُنا اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، فَلا يَنْصَرِفُ، قَوْلُهُ: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾، يُقالُ: ”نَبَتَ الشَّجَرُ“، و”أنْبَتَ“، في مَعْنًى واحِدٍ، قالَ زُهَيْرٌ:
؎رَأيْتُ ذَوِي الحاجاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ .. قَطِينًا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
وَمَعْنى ”تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ“: أيْ: تَنْبُتُ وفِيها دُهْنٌ، ومَعَها دُهْنٌ، كَما تَقُولُ: ”جاءَنِي زَيْدٌ بِالسَّيْفِ“، تُرِيدُ: ”جاءَنِي ومَعَهُ السَّيْفُ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾، (p-١١)يُعْنى بِها الزَّيْتُونُ.
المؤمنون 23:25
قَوْلُهُ: ﴿إنْ هو إلا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ﴾، ”جِنَّةٌ“، في مَعْنى ”جُنُونٌ“، و”اَلْجِنَّةُ“: اِسْمٌ لِلْجِنِّ.
المؤمنون 23:29
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أنْـزِلْنِي مُنْـزَلا مُبارَكًا﴾، تُقْرَأُ: ”مُنْزَلًا“، و”مَنزِلًا“، جَمِيعًا، فَـ ”اَلْمَنزِلُ“: اِسْمٌ لِكُلِّ ما نَزَلْتَ فِيهِ، و”اَلْمُنْزَلَ“: اَلْمَصْدَرُ، بِمَعْنى ”اَلْإنْزالُ“، يَقُولُ: ”أنْزَلْتُهُ إنْزالًا، ومُنْزَلًا“، ويَجُوزُ ”مَنزَلًا“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، عَلى مَعْنى: ”نَزَلَتْ نُزُولًا، ومَنزَلًا“ .
المؤمنون 23:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ﴾، و”مُتُّمْ“، ﴿وَكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، وهَذا جَوابُ المَلَإ مِن قَوْمِ ثَمُودَ، فَأمّا ”أنَّكم“، اَلْأُولى، فَمَوْضِعُها نَصْبٌ، عَلى مَعْنى: ”أيَعِدُكم بِأنَّكم إذا مِتُّمْ“، ومَوْضِعُ ”أنَّ“، اَلثّانِيَةِ، عِنْدَ قَوْمٍ، كَمَوْضِعِ الأُولى، وإنَّما ذُكِرَتْ تَوْكِيدًا، فالمَعْنى عَلى هَذا القَوْلِ: ”أيَعِدُكم أنَّكم تُخْرَجُونَ إذا مِتُّمْ“، فَلَمّا بَعُدَ ما بَيْنَ ”أنَّ“، اَلْأوْلى، والثّانِيَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا﴾، أُعِيدَ ذِكْرُ ”أنَّ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣]، اَلْمَعْنى: ”فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ“، هَذا عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، وفِيها قَوْلانِ آخَرانِ، أجْوَدُهُما أنْ تَكُونَ ”أنَّ“، اَلثّانِيَةَ، وما عَمِلَتْ فِيهِ، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، ويَكُونَ المَعْنى: ”أيَعِدُكم أنَّكم إخْراجُكم إذا مِتُّمْ“، فَيَكُونَ ”أنَّكم مُخْرَجُونَ“، في مَعْنى: ”إخْراجُكم“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”أيَعِدُكم أنَّكم إخْراجُكم وقْتَ مَوْتِكُمْ، وبَعْدَ مَوْتِكم“، ويَكُونَ العامِلُ في ”إذا“، ”إخْراجُكم“، عَلى أنَّ ”إذا“، ظَرْفٌ، والمَعْنى: ”أنَّكم يَكُونُ إخْراجُكم إذا مِتُّمْ“، اَلثّالِثُ أنْ يَكُونَ ”إذا“، اَلْعامِلُ فِيها ”مِتُّمْ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنَّكم (p-١٢)مَتى مِتُّمْ يَقَعُ إخْراجُكم“، فَيَكُونَ خَبَرُ ”إنَّ“، مُضْمَرًا، والقَوْلانِ الأوَّلانِ جَيِّدانِ، ويَجُوزُ: ”أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ أنَّكم مُخْرَجُونَ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، ويَكُونُ المَعْنى في ”يَعِدُكم“: ”يَقُولُ لَكم“، ولَكِنَّها لا تَجُوزُ في القِراءَةِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
المؤمنون 23:36
وَقَوْلُهُ: ﴿هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ﴾، يُقْرَأُ بِفَتْحِ التّاءِ، وبِكَسْرِ التّاءِ، ويَجُوزُ ”هَيْهاتٍ هَيْهاتٍ“، بِالتَّنْوِينِ، ويَجُوزُ ”هَيْهاتًا هَيْهاتًا“، فَأمّا الفَتْحُ والكَسْرُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ فَكَثِيرَتانِ في القِراءَةِ، وذَكَرَهُما القُرّاءُ والنَّحْوِيُّونَ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالكَسْرِ والتَّنْوِينِ، فَأمّا التَّنْوِينُ والفَتْحُ فَلا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِما، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، فَأمّا الفَتْحُ، فالوَقْفُ فِيهِ بِالهاءِ، تَقُولُ ”هَيْهاهْ هَيْهاهْ“، إذا فَتَحْتَ، ووَقَفْتَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَإذا فَتَحْتَ وقَفْتَ عَلى التّاءِ، سَواءٌ عَلَيْكَ كُنْتَ تُنَوِّنُ في الأصْلِ، أوْ كُنْتَ مِمَّنْ لا يُنَوِّنُ، فَمَن فَتَحَها - ومَوْضِعُها الرَّفْعُ، وتَأْوِيلُها: ”اَلْبُعْدُ لِما تُوعَدُونَ“ - فَلِأنَّها بِمَنزِلَةِ الأصْواتِ، ولَيْسَتْ مُشْتَقَّةً مِن فِعْلٍ، فَبُنِيَتْ ”هَيْهاهْ“، كَما بُنِيَتْ ”ذَيَّهْ“، و”ذِيَّهْ“، فَإذا كَسَرْتَ جَعْلَتَها جَمْعًا، وبَنَيْتَها عَلى الكَسْرِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: هي بِمَنزِلَةِ ”عَلْقاةٌ“، يَعْنِي في تَأْنِيثِها، ومَن جَعَلَها جَمْعًا فَهي بِمَنزِلَةِ قَوْلِ العَرَبِ: ”اِسْتَأْصَلَ اللَّهُ عَرْقاتِهِمْ، (p-١٣)وَعَرْقاتَهم“، فالَّذِي يَقُولُ: ”عَرْقاتِهِمْ“، بِالكَسْرِ، جَعَلَها جَمْعًا، وواحِدُها كَأنَّهُ ”عَرْقَةٌ“، و”عَرْقٌ“، وواحِدُ ”هَيْهاتَ“، عَلى هَذا اللَّفْظِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ حالُهُ واحِدًا -: ”هَيْهَةٌ“، فَإنَّ هَذا تَقْدِيرُهُ، وإنْ لَمْ نَنْطِقْ بِهِ، وأمّا ”عَرْقاتٌ“، فَقَدْ تُكَلِّمَ بِواحِدِها، يُقالُ: ”عِرْقٌ“، و”عَرْقاةٌ“، و”عَرْقَةٌ“، و”عَرْقانُ“، وإنَّما كُسِرَ في الجَمْعِ، لِأنَّ تاءَ الفَتْحِ في الجَمْعِ كُسِرَ، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِالهِنْداتِ“، وكَذَلِكَ ”رَأيْتُ الهِنْداتِ“، ويُقالُ: ”أيْهاتَ“، في مَعْنى ”هَيْهاتَ“، ويُقالُ: ”هَيْهاتَ ما قُلْتَ“، و”هَيْهاتَ لِما قُلْتَ“، فَمَن قالَ: ”هَيْهاتَ ما قُلْتَ“، فَمَعْناهُ: ”اَلْبُعْدُ ما قُلْتَ“، ومَن قالَ: ”هَيْهاتَ لِما قُلْتَ“، فَمَعْناهُ: ”اَلْبُعْدُ لِقَوْلِكَ“، وأنْشَدُوا:
؎فَأيْهاتَ أيْهاتَ العَقِيقُ ومَن بِهِ ∗∗∗ وأيْهاتَ خِلٌّ بِالعَقِيقِ نُواصِلُهْ
فَأمّا مَن نَوَّنَ ”هَيْهاتَ“، فَجَعَلَها نَكِرَةً، ويَكُونُ المَعْنى: ”بُعْدٌ لِما تُوعَدُونَ“ .
المؤمنون 23:40
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ عَمّا قَلِيلٍ﴾، مَعْناهُ: ”عَنْ قَلِيلٍ“، و”ما“، زائِدَةٌ، بِمَعْنى التَّوْكِيدِ، كَأنَّ مَعْناهُ: ”عَنْ قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ حَقًّا“ .
المؤمنون 23:41
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجَعَلْناهم غُثاءً﴾، ”اَلْغُثاءُ“: اَلْهالِكُ، والبالِي مِن ورَقِ الشَّجَرِ، الَّذِي إذا جَرى السَّيْلُ رَأيْتَهُ مُخالِطًا زَبَدَهُ.
المؤمنون 23:44
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى﴾، ويُقْرَأُ: ”تَتْرًى“، ويَجُوزُ ”تَتْرِي“، غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ بِالكَسْرِ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، فَلا تَقْرَأنَّ بِهِ، (p-١٤)مَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَمَعْناهُ: ”وَتْرًا“، فَأُبْدِلَ التّاءُ مِنَ الواوِ، كَما قالُوا: ”تَوْلَجُ“، وهو مِن ”وَلَجَ“، وأصْلُهُ ”وَوْلَجُ“، وكَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنْ يَكُنْ أمْسى البِلى تَيْقُورِي
أيْ: ”وَيْقُورِي“، وهو ”فَيْعُولٌ“، مِن ”اَلْوَقارُ“، وكَما قالُوا: ”تُجاهٌ“، وإنَّما هو ”وُجاهٌ“، مِن ”اَلْمُواجَهَةُ“، ومَن قالَ: ”تَتْرى“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَإنَّما جَعَلَها عَلى ”فَعْلى“، بِألِفِ التَّأْنِيثِ، فَلَمْ يُنَوِّنْ، ومَعْنى ”تَتْرى“، مِن ”اَلْمُواتَرَةُ“، وقالَ الأصْمَعِيُّ: مَعْنى ”واتَرْتُ الخَبَرَ“: أتْبَعْتُ بَعْضَهُ بَعْضًا، وبَيْنَ الخَبَرَيْنِ هُنَيَّةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: ”اَلْمُواتَرَةُ“: اَلْمُتابَعَةُ، وأصْلُ كُلِّ هَذا مِن ”اَلْوِتْرُ“، وهو ”اَلْفَرْدُ“، وهو أنْ جَعَلْتَ كُلَّ واحِدٍ بَعْدَ صاحِبِهِ فَرْدًا فَرْدًا.
المؤمنون 23:50
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ آيَةً﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”آيَتَيْنِ“، لِأنَّ المَعْنى فِيهِما آيَةٌ واحِدَةٌ، ولَوْ قِيلَ: ”آيَتَيْنِ“، لَجازَ، لِأنَّهُما قَدْ كانَ في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما ما لَمْ يَكُنْ في ذَكَرٍ ولا أُنْثى، مِن أنَّ مَرْيَمَ ولَدَتْ مِن غَيْرِ فَحْلٍ، ولِأنَّ عِيسى رُوحٌ مِنَ اللَّهِ ألْقاهُ إلى مَرْيَمَ، ولَمْ يَكُنْ هَذا في ولَدٍ قَطُّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ﴾، في ”رَبْوَةٍ“، ثَلاثُ لُغاتٍ: ”رَبْوَةٍ“، و”رِبْوَةٍ“، و”رُبْوَةٍ“، وفِيها وجْهانِ آخَرانِ: ”رَباوَةٍ“، و”رِباوَةٍ“، وهو عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اَلْمَكانُ المُرْتَفِعُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِـ ”رَبْوَةٍ“، هُنا، بَيْتَ المَقْدِسِ، وأنَّهُ كَبِدُ الأرْضِ، وأنَّهُ أقْرَبُ الأرْضِ إلى السَّماءِ، وقِيلَ: يَعْنِي بِهِ دِمَشْقَ، وقِيلَ: فِلَسْطِينَ، والرَّحْلَةَ، وكُلُّ ذَلِكَ قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾، (p-١٥)أيْ: ذاتِ مُسْتَقَرٍّ، و”مَعِينٍ“، ماءٍ جارٍ مِنَ العُيُونِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَعِيلٌ“، مِن ”اَلْمَعْنُ“، مُشْتَقًّا مِن ”اَلْماعُونُ“، وهَذا بَعِيدٌ، لِأنَّ ”اَلْمَعْنُ“، في اللُّغَةِ: اَلشَّيْءُ القَلِيلُ، و”اَلْماعُونُ“، هو الزَّكاةُ، وهو ”فاعُولٌ“، مِن ”اَلْمَعْنُ“، وإنَّما سُمِّيَتِ الزَّكاةُ بِالشَّيْءِ القَلِيلِ، لِأنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ المالِ رُبْعُ عُشْرِهِ، فَهو قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ، قالَ الرّاعِي:
؎قَوْمٌ عَلى التَّنْزِيلِ لَمّا يَمْنَعُوا ∗∗∗ ماعُونَهم ويُبَدِّلُوا التَّنْزِيلا
المؤمنون 23:51
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾، أيْ: ”كُلُوا مِنَ الحَلالِ“، وكُلُّ مَأْكُولٍ حَلالٍ مُسْتَطابٍ فَهو داخِلٌ في هَذا، وإنَّما خُوطِبَ بِهَذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ﴾، وتَضَمَّنَ هَذا الخِطابُ أنَّ الرُّسُلَ جَمِيعًا كَذا أُمِرُوا، ورُوِيَ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَأْكُلُ مِن غَزْلِ أُمِّهِ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الغَنائِمُ.
المؤمنون 23:52
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً وأنا رَبُّكم فاتَّقُونِ﴾، أيْ: ”فاتَّقُونِ لِهَذا“، وقَدْ فَسَّرْنا في سُورَةِ ”اَلْأنْبِياءِ“، كُلَّ ما يَجُوزُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وجُمْلَةُ تَأْوِيلِها أنَّ دِينَكم دِينٌ واحِدٌ، وهو الإسْلامُ، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ قَوْمًا جَعَلُوا دِينَهم أدْيانًا، فَقالَ: ﴿فَتَقَطَّعُوا أمْرَهم بَيْنَهم زُبُرًا﴾ [المؤمنون: ٥٣]، (p-١٦)وَيُقْرَأُ: ”زُبَرًا“، فَمَن قَرَأ: ”زُبُرًا“، فَتَأْوِيلُهُ: ”جَعَلُوا دِينَهم كُتُبًا مُخْتَلِفَةً“، جَمْعُ ”زَبُورٌ“، و”زُبُرٌ“، ومَن قَرَأ: ”زُبَرًا“، أرادَ: ”قِطَعًا“ .
المؤمنون 23:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَذَرْهم في غَمْرَتِهِمْ حَتّى حِينٍ﴾، ويَجُوزُ: ”في غَمَراتِهِمْ“، ومَعْناهُ: ”في عَمايَتِهِمْ وحَيْرَتِهِمْ“، ومَعْنى: ”حَتّى حِينٍ“، أيْ: ”إلى حِينِ يَأْتِيهِمْ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ“ .
المؤمنون 23:55
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٥٦]، بِالنُّونِ، و”يُسارِعُ“، بِالياءِ، و”يُسارَعُ“، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وتَأْوِيلُهُ: ”أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَ اللَّهِ لَهم بِالمالِ والبَنِينَ مُجازاةٌ لَهُمْ؟! وإنَّما هو اسْتِدْراجٌ مِنَ اللَّهِ لَهم“، و”ما“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، اَلْمَعْنى: ”أيَحْسَبُونَ أنَّ الَّذِي نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ“، والخَبَرُ مَعَهُ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: ”نُسارِعُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ“، أيْ: ”أيَحْسَبُونَ إمْدادَ ما نُسارِعُ لَهم بِهِ...“، فَأمّا مَن قَرَأ: ”يُسارِعُ“، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما لا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، المَعْنى: ”أيَحْسَبُونَ أنَّ إمْدادَنا لَهم يُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ؟!“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”يُسارِعُ اللَّهُ لَهم بِهِ في الخَيْراتِ“، فَيَكُونَ مِثْلَ ”نُسارِعُ“، ومَن قَرَأ: ”يُسارَعُ لَهم في الخَيْراتِ“، يَكُونُ عَلى مَعْنى: ”يُسارَعُ الإمْدادُ لَهم في الخَيْراتِ“، وعَلى مَعْنى: ”نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ“، فَيَكُونُ تَقُومُ مَقامَ ما لَمْ يُسَمَّ لَهُمْ، ويَكُونُ مُضْمَرًا مَعَهُ بِهِ، كَما قُلْنا.
المؤمنون 23:60
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”يَأْتُونَ ما أتَوْا“، بِالقَصْرِ، وكِلاهُما جَيِّدٌ، بالِغٌ، فَمَن قَرَأ: (p-١٧)”يُؤْتُونَ ما آتَوْا“، فَإنَّ مَعْناهُ: ”يُعْطُونَ ما أعْطَوْا وهم يَخافُونَ ألّا يُتَقَبَّلَ مِنهُمْ، قُلُوبُهم خائِفَةٌ لِأنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ“، أيْ: لِأنَّهم يُوقِنُونَ بِأنَّهم راجِعُونَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَن قَرَأ: ”يَأْتُونَ ما أتَوْا“، أيْ: ”يَعْمَلُونَ مِنَ الخَيْراتِ ما يَعْمَلُونَ وقُلُوبُهم خائِفَةٌ، يَخافُونَ أنْ يَكُونُوا مَعَ اجْتِهادِهِمْ مُقَصِّرِينَ“ .
المؤمنون 23:61
﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾، وجائِزٌ: ”يُسْرِعُونَ في الخَيْراتِ“، ومَعْناهُ مَعْنى ”يُسارِعُونَ“، يُقالُ: ”أسْرَعْتُ“، و”سارَعْتُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ ”سارَعْتُ“ أبْلَغُ مِن ”أسْرَعْتُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم لَها سابِقُونَ﴾، فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما مَعْناهُ: ”إلَيْها سابِقُونَ“، كَما قالَ: ﴿بِأنَّ رَبَّكَ أوْحى لَها﴾ [الزلزلة: ٥]، أيْ: ”أوْحى إلَيْها“، ويَجُوزُ: ”وَهم لَها سابِقُونَ“، أيْ: مِن أجْلِ اكْتِسابِها، كَما تَقُولُ: ”أنا أُكْرِمُ فُلانًا لَكَ“، أيْ: مِن أجْلِكَ.
المؤمنون 23:62
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَها﴾، ويَجُوزُ: ”وَلا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، ولَوْ قُرِئَ بِها لَكانَتِ النُّونُ أجْوَدَ، لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ﴾
المؤمنون 23:63
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِن هَذا﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هَذا“، إشارَةً إلى ما وُصِفَ مِن أعْمالِ البِرِّ، في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ [المؤمنون: ٦١]، أيْ: ”قُلُوبُ هَؤُلاءِ في عَمايَةٍ مِن هَذا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هَذا“، إشارَةً إلى (p-١٨)الكِتابِ، المَعْنى: ”بَلْ قُلُوبُهم في غَمْرَةٍ مِنَ الكِتابِ الَّذِي يَنْطِقُ بِالحَقِّ“، وأعْمالُهم مُحْصاةٌ فِيهِ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ﴾، أخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِما سَيَكُونُ فِيهِمْ، فَأعْلَمَ أنَّهم سَيَعْمَلُونَ أعْمالًا تُباعِدُ مِنَ اللَّهِ، غَيْرَ الأعْمالِ الَّتِي ذُكِرُوا بِها.
المؤمنون 23:64
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾، أيْ: يَضِجُّونَ، والعَذابُ الَّذِي أُخِذُوا بِهِ السَّيْفُ، يُقالُ: ”جَأرَ، يَجْأرُ، جُؤارًا“، إذا ضَجَّ.
المؤمنون 23:66
وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾، أيْ: تَرْجِعُونَ.
المؤمنون 23:67
وَقَوْلُهُ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ ”بِهِ“، أيْ: بِالبَيْتِ الحَرامِ، يَقُولُونَ: ”اَلْبَيْتُ لَنا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿سامِرًا﴾، بِمَعْنى: ”سُمَّرًا“، ويَجُوزُ: ”سُمّارًا“، و”اَلسّامِرُ“: اَلْجَماعَةُ الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ لَيْلًا، وإنَّما سُمُّوا ”سُمّارًا“، مِن ”اَلسَّمَرُ“، وهو ظِلُّ القَمَرِ، وكَذَلِكَ ”اَلسُّمْرَةُ“، مُشْتَقَّةٌ مِن هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾، أيْ: تَهْجُرُونَ القُرْآنَ، ويَجُوزُ: ”تَهْجِرُونَ“: تَهْذُونَ، وقُرِئَتْ: ”تُهْجِرُونَ“، أيْ: تَقُولُونَ: اَلْهُجْرَ، وقِيلَ: كانُوا يَسُبُّونَ النَّبِيَّ ﷺ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ لِلْكِتابِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”فَكُنْتُمْ عَلى أعْقابِكم تَنْكِصُونَ مُسْتَكْبِرِينَ بِالكِتابِ“، أيْ: يَحْدُثُ (p-١٩)لَكم بِتِلاوَتِهِ عَلَيْكُمُ اسْتِكْبارٌ، ويَجُوزُ ”تَنْكَصُونَ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
المؤمنون 23:71
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهُمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”اَلْحَقُّ“، هو اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْحَقِّ“، الأوَّلُ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، اَلتَّنْزِيلَ، أيْ: بِالتَّنْزِيلِ الَّذِي هو الحَقُّ، ويَكُونَ تَأْوِيلُ: ”وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أهْواءَهم“: أيْ: ”لَوْ كانَ التَّنْزِيلُ بِما يُحِبُّونَ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ أتَيْناهم بِذِكْرِهِمْ﴾، أيْ: بِما فِيهِ فَخْرُهُمْ، وشَرَفُهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”بِذِكْرِهِمْ“، أيْ: بِالذِّكْرِ الَّذِي فِيهِ حَظٌّ لَهُمْ، لَوِ اتَّبَعُوهُ.
المؤمنون 23:72
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَسْألُهم خَرْجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾، أيْ: ”أمْ تَسْألُهم عَلى ما أتَيْتَهم بِهِ أجْرًا“، ويُقْرَأُ: ”خِراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ“، ويَجُوزُ: ”خَراجًا فَخَراجُ رَبِّكَ خَيْرٌ“ .
المؤمنون 23:74
وَقَوْلُهُ: ﴿لَناكِبُونَ﴾، مَعْناهُ: لَعادِلُونَ عَنِ القَصْدِ.
المؤمنون 23:76
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أخَذْناهم بِالعَذابِ فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾، أيْ: ”ما تَواضَعُوا“، والَّذِي أُخِذُوا بِهِ الجُوعُ.
المؤمنون 23:77
﴿حَتّى إذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا ذا عَذابٍ شَدِيدٍ﴾، قِيلَ: اَلسَّيْفُ، والقَتْلُ، ﴿إذا هم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، (p-٢٠)”اَلْمُبْلِسُ“: اَلسّاكِنُ المُتَحَيِّرُ.
المؤمنون 23:84
﴿قُلْ لِمَنِ الأرْضُ ومَن فِيها إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٥]، هَذِهِ ”لِلَّهِ“، لا اخْتِلافَ بَيْنَ القُرّاءِ فِيها، ولَوْ قُرِئَتْ: ”اَللَّهُ“، لَكانَ جَيِّدًا، فَأمّا اللَّتانِ بَعْدَها فالقِراءَةُ فِيهِما: ”سَيَقُولُونَ اللَّهُ“، و”لِلَّهِ“، فَمَن قَرَأ: ”سَيَقُولُونَ اللَّهُ“، فَهو عَلى جَوابِ السُّؤالِ، إذا قالَ: ”مَن رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ“، فالجَوابُ: ”اَللَّهُ“، وهي قِراءَةُ أهْلِ البَصْرَةِ، ومَن قَرَأ: ”لِلَّهِ“، فَجَيِّدٌ أيْضًا، لَوْ قِيلَ: ”مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ؟“، فَأُجِيبَ: ”زَيْدٌ“، لَكانَ هَذا جَوابًا عَلى لَفْظِ السُّؤالِ، ولَوْ قُلْتَ في جَوابِ ”مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ؟“: ”لِزَيْدٍ“، جازَ، لِأنَّ مَعْنى ”مَن صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ؟“: ”لِمَن هَذِهِ الدّارُ؟“ .
المؤمنون 23:88
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾، أيْ: ”هو يُجِيرُ مِن عَذابِهِ، ولا يُجِيرُ عَلَيْهِ أحَدٌ مِن عَذابِهِ“، وكَذَلِكَ ”هو يُجِيرُ مِن خَلْقِهِ، ولا يُجِيرُ عَلَيْهِ أحَدٌ“ .
المؤمنون 23:89
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنّى تُسْحَرُونَ﴾، مَعْنى ”تُسْحَرُونَ“، و”تُؤْفَكُونَ“: تُصْرَفُونَ عَنِ القَصْدِ، والحَقِّ.
المؤمنون 23:91
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾، أيْ: طَلَبَ بَعْضُهم مُغالَبَةَ بَعْضٍ، ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: ”تَنْزِيهُ اللَّهِ، وتَبْرِئَتُهُ مِنَ السُّوءِ، ومِن أنْ يَكُونَ إلَهٌ غَيْرُهُ -تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا“ .
المؤمنون 23:93
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ رَبِّ إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ﴾ ﴿رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي في القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٩٤]، (p-٢١)اَلْفاءُ جَوابُ الشَّرْطِ، شَرْطِ الجَزاءِ، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ، والجَزاءِ، المَعْنى: ”إمّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ فَلا تَجْعَلْنِي يا رَبِّ في القَوْمِ الظّالِمِينَ“، أيْ: ”إنْ نَزَلَتْ بِهِمُ النِّقْمَةَ يا رَبِّ فاجْعَلْنِي خارِجًا عَنْهم“، ويَجُوزُ ”فَلا تَجْعَلَنِّي“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها.
المؤمنون 23:97
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أعُوذُ بِكَ مِن هَمَزاتِ الشَّياطِينِ﴾، واحِدُ الهَمَزاتِ ”هَمْزَةٌ“، وهو مَسُّ الشَّيْطانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”نَزَغاتِ الشَّيْطانِ“، ونَزْغُ الشَّيْطانِ: وسْوَسَتُهُ حَتّى يَشْغَلَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.
المؤمنون 23:98
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأعُوذُ بِكَ رَبِّ أنْ يَحْضُرُونِ﴾، ويَجُوزَ: ”وَأعُوذُ بِكَ رَبُّ أنْ يَحْضُرُونِ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، ويَجُوزُ: ”وَأعُوذُ بِكَ رَبِّي أنْ يَحْضُرُونِ“، ويَجُوزَ: ”رَبِّيَ“، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ إلّا بِواحِدٍ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ: ”رَبِّ“، بِكَسْرِ الباءِ، وحَذْفِ الياءِ، والياءُ حُذِفَتْ لِلنِّداءِ، والمَعْنى: ”وَأعُوذُ بِكَ يا رَبِّ“، مَن قالَ: ”رَبُّ بِالضَّمِّ، فَعَلى مَعْنى:“ يا أيُّها الرَّبُّ ”، ومَن قالَ:“ رَبِّي ”، فَعَلى الأصْلِ، كَما قالَ:“ يا عِبادِي فاتَّقُونِ " .
المؤمنون 23:99
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾، يَعْنِي بِهِ الَّذِينَ ذُكِرُوا قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ، ودَفَعُوا البَعْثَ، فَأعْلَمَ أنَّهُ إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ ﴿قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ﴿لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ”اِرْجِعُونِ“، وهو يُرِيدُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - وحْدَهُ، فَجاءَ الخِطابُ في المَسْألَةِ عَلى لَفْظِ الإخْبارِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي ونُمِيتُ﴾ [ق: ٤٣]، (p-٢٢)وَهُوَ وحْدَهُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وهَذا لَفْظٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ لِلْجَلِيلِ الشَّأْنِ، يُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ بِما يُخْبِرُ بِهِ الجَماعَةُ، فَكَذَلِكَ جاءَ الخِطابُ في ”اِرْجِعُونِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا﴾ [المؤمنون: ١٠٠]، رَدْعٌ، وتَنْبِيهٌ.
المؤمنون 23:100
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن ورائِهِمْ بَرْزَخٌ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، ”يَوْمِ“، مُضافٌ إلى ”يُبْعَثُونَ“، لِأنَّ أسْماءَ الزَّمانِ تُضافُ إلى الأفْعالِ، و”اَلْبَرْزَخُ“، في اللُّغَةِ: اَلْحاجِزُ، وهو هَهُنا ما بَيْنَ مَوْتِ المَيِّتِ، وبَعْثِهِ.
المؤمنون 23:101
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾، قِيلَ: هَذا في النَّفْخَةِ الأُولى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، و”اَلصُّورُ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ، فَيُبْعَثُ النّاسُ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ - كَثِيرٌ مِنهم -: ”اَلصُّورُ“: جَمْعُ ”صُورَةٌ“، والَّذِي جاءَ في اللُّغَةِ جَمْعُ ”صُورَةٌ“: ”صُوَرٌ“، وكَذَلِكَ جاءَ في القُرْآنِ: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ: ”فَأحْسَنَ صُورَكم“، ولَوْ كانَ أيْضًا جَمْعَ ”صُورَةٌ“، لَقالَ أيْضًا: ”ثُمَّ نُفِخَ فِيها أُخْرى“، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”هَذِهِ صُوَرٌ“، ولا تَقُولُ: ”هَذا صُوَرٌ“، إلّا عَلى ضَعْفٍ، فَهو عَلى ما جاءَ في التَّفْسِيرِ، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَلا يَتَساءَلُونَ﴾، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ [الصافات: ٢٧]، فَيَقُولُ القائِلُ: كَيْفَ جاءَ ”وَلا يَتَساءَلُونَ“، وجاءَ ”وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ“ ؟ فَإنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مِقْدارُهُ خَمْسُونَ (p-٢٣)ألْفَ سَنَةٍ، فَفِيهِ أزْمِنَةٌ، وأحْوالٌ، وإنَّما قِيلَ: ”يَوْمَئِذٍ“، كَما تَقُولُ: ”نَحْنُ اليَوْمَ نَفْعَلُ كَذا وكَذا“، ولَيْسَ تُرِيدُ بِهِ ”في يَوْمِكَ“، إنَّما تُرِيدُ: ”نَحْنُ في هَذا الزَّمانِ“، ”فَيَوْمَ“، تَقَعُ لِلْقِطْعَةِ مِنَ الزَّمانِ، وأمّا ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، فَلا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ لِيُسْتَفْهَمَ، قَدْ عَلِمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما سَلَفَ مِنهُمْ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَيُسْألُونَ سُؤالَ تَوْبِيخٍ، لا سُؤالَ اسْتِفْهامٍ، كَما قالَ: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩]، وإنَّما تُسْألُ لِتَوْبِيخِ مَن قَتَلَها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَما يُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ ما كانَ، وأحْصى كَبِيرَ ذَلِكَ وصَغِيرَهُ.
المؤمنون 23:104
وَقَوْلُهُ: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾، ”يَلْفَحُ“، و”يَنْفَحُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، إلّا أنَّ اللَّفْحَ أعْظَمُ تَأْثِيرًا، ﴿وَهم فِيها كالِحُونَ﴾، و”اَلْكالِحُ“، اَلَّذِي قَدْ تَشَمَّرَتْ شَفَتُهُ عَنْ أسْنانِهِ، نَحْوَ ما تَرى مِن رُؤُوسِ الغَنَمِ، إذا مَسَّتْها النّارُ، فَبَرَزَتِ الأسْنانُ، وتَشَمَّرَتِ الشِّفاهُ.
المؤمنون 23:106
﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾، وتُقْرَأُ: ”شَقاوَتُنا“، والمَعْنى واحِدٌ، ﴿وَكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾، أقَرُّوا بِذَلِكَ.
المؤمنون 23:108
(p-٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾، مَعْنى ”اِخْسَؤُوا“: تَباعَدُوا تَباعُدَ سُخْطٍ، يُقالُ: ”خَسَأْتُ الكَلْبَ، أخْسَؤُهُ“، إذا زَجَرْتُهُ لِيَتَباعَدَ.
المؤمنون 23:110
وَقَوْلُهُ: ﴿فاتَّخَذْتُمُوهم سِخْرِيًّا﴾، اَلْأجْوَدُ إدْغامُ الدّالِ في التّاءِ، لِقُرْبِ المَخْرَجَيْنِ، وإنْ شِئْتَ أظْهَرْتَ، لِأنَّ الدّالَ مِن كَلِمَةٍ، والتّاءَ مِن كَلِمَةٍ، والدّالُ بَيْنَها وبَيْنَ التّاءِ في المَخْرَجِ شَيْءٌ مِنَ التَّباعُدِ، ولَيْسَتِ الذّالُ مِنَ التّاءِ بِمَنزِلَةِ الدّالِ مِنَ التّاءِ، والتّاءُ والطّاءُ مِن مَكانٍ واحِدٍ، وهي مِن أُصُولِ الثَّنايا العُلا، وطَرَفِ اللِّسانِ، والذّالُ مِن أطْرافِ الثَّنايا العُلا، ودُوَيْنَ طَرَفِ اللِّسانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿سِخْرِيًّا﴾، يُقْرَأُ بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، وكِلاهُما جَيِّدٌ، إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ قالَ: ما كانَ مِنَ الِاسْتِهْزاءِ فَهو بِالكَسْرِ، وما كانَ مِن جِهَةِ التَّسْخِيرِ فَهو بِالضَّمِّ، وكِلاهُما عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ واحِدٌ، والكَسْرُ لِاتِّباعِ الكَسْرِ أحْسَنُ.
المؤمنون 23:111
وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي جَزَيْتُهُمُ اليَوْمَ بِما صَبَرُوا أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ﴾، اَلْكَسْرُ أجْوَدُ، لِأنَّ الكَسْرَ عَلى مَعْنى ”إنِّي جَزَيْتُهم بِما صَبَرُوا“، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: ”إنَّهم هُمُ الفائِزُونَ“، والفَتْحُ جَيِّدٌ بالِغٌ، عَلى مَعْنى: ”إنِّي جَزَيْتُهم لِأنَّهم هُمُ الفائِزُونَ“، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: يَكُونُ المَعْنى: ”جَزَيْتُهُمُ الفَوْزَ“، لِأنَّ مَعْنى ”أنَّهم هُمُ الفائِزُونَ“: فَوْزَهم ”، فَيَكُونُ المَعْنى:“ جَزَيْتُهم فَوْزَهم " .
المؤمنون 23:112
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾، (p-٢٥)”“ كَمْ ”، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِقَوْلِهِ:“ لَبِثْتُمْ ”، و“ عَدَدَ سِنِينَ ”، مَنصُوبٌ بِـ“ كَمْ ”، ويَجُوزُ“ كَمْ لَبِتُّمْ في الأرْضِ "، مُشَدَّدَ التّاءِ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ في الجَوابِ.
المؤمنون 23:113
﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، و”لُبِثْنا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْألِ العادِّينَ﴾، أيْ: فاسْألِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَدَدَ ما لَبِثْنا.
المؤمنون 23:114
﴿قالَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا لَوْ أنَّكم كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، مَعْناهُ: ”ما لَبِثْتُمْ إلّا قَلِيلًا“ .
المؤمنون 23:115
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾، و”تَرْجِعُونَ“ .
المؤمنون 23:117
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾، اَلتَّأْوِيلُ: حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ، فَإنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ، والمَعْنى: ”اَلَّذِي لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أنَّهُ لا يُفْلِحُ“، وجائِزٌ ”أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، بِفَتْحِ ”أنَّ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَأنَّما حِسابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ فَيُجازِيهِ عَلَيْهِ“، كَما قالَ: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٦] (p-٢٦)
النور 24:1
(p-٢٧)سُورَةُ اَلنُّورِ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سُورَةٌ أنْـزَلْناها﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: ”سُورَةً“، بِالنَّصْبِ، فَأمّا الرَّفْعُ فَعَلى إضْمارِ ”هَذِهِ سُورَةٌ أنْزَلْناها“، ورَفْعُها بِالِابْتِداءِ قَبِيحٌ، لِأنَّها نَكِرَةٌ، و”أنْزَلْناها“، صِفَةٌ لَها، والنَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”أنْزَلْنا سُورَةً“، كَما تَقُولُ: ”زَيْدًا ضَرَبْتُهُ“، وعَلى مَعْنى: ”اُتْلُ سُورَةً أنْزَلْناها“، ﴿وَفَرَضْناها﴾، بِتَخْفِيفِ الرّاءِ، ويُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ في الرّاءِ، فَمَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَمَعْناهُ: ”ألْزَمْناكُمُ العَمَلَ بِما فُرِضَ فِيها“، ومَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى التَّكْثِيرِ، عَلى مَعْنى: ”إنّا فَرَضْنا فِيها فُرُوضًا كَثِيرَةً“، وعَلى مَعْنى: " بَيَّنّا، وفَصَّلْنا ما فِيها مِنَ الحَلالِ، والحَرامِ.
النور 24:2
وَقَوْلُهُ: ﴿الزّانِيَةُ والزّانِي فاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ بِالنَّصْبِ: ”اَلزّانِيَةَ والزّانِيَ“، بِفَتْحِ التّاءِ، وزَعَمَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، أنَّ النَّصْبُ المُخْتارُ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ القِراءَةَ الرَّفْعُ، وزَعَمَ غَيْرُهم مِنَ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ، أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ، وكَذا هو عِنْدِي، لِأنَّ الرَّفْعَ كالإجْماعِ في القِراءَةِ، وهو أقْوى في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ مَعْناها مَعْنى: ”مَن زَنى (p-٢٨)فاجْلِدُوهُ“، فَتَأْوِيلُهُ الِابْتِداءُ، وقالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: إنَّ الرَّفْعَ عَلى مَعْنى: ”وَفِيما فَرَضْنا عَلَيْكُمُ الزّانِيَةُ والزّانِي“، بِالرَّفْعِ، أوْ: ”اَلزّانِيَةُ والزّانِي فِيما فُرِضَ عَلَيْكم“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ الِاخْتِيارَ الرَّفْعُ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما﴾ [النساء: ١٦]، وإنَّما اخْتارَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ النَّصْبَ لِأنَّهُ أمْرٌ، وأنَّ الأمْرَ بِالفِعْلِ أوْلى، والنَّصْبُ جائِزٌ عَلى مَعْنى: ”اِجْلِدُوا الزّانِيَةَ والزّانِيَ“، والإجْماعُ أنَّ الجَلْدَ عَلى غَيْرِ المُحْصَنَيْنِ، يُجْلَدُ غَيْرُ المُحْصَنِ، وغَيْرُ المُحْصَنَةِ، مِائَةَ جَلْدَةٍ، ويُنْفى مَعَ الجَلْدِ، في قَوْلِ كَثِيرٍ مِنَ الفُقَهاءِ: ”يُجْلَدُ مِائَةً، ويُغَرَّبُ عامًا“، فَأمّا أهْلُ العِراقِ فَيَجْلِدُونَهُ مِائَةً.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾، وتُقْرَأُ: ”رَآفَةٌ في دِينِ اللَّهِ“، عَلى وزْنِ ”رَعافَةٌ“، وتُقْرَأُ ”يَأْخُذْكم“، بِالياءِ، و”رَآفَةٌ“، مِثْلُ ”اَلسَّآمَةُ“، مِثْلَ قَوْلِكَ: ”سَئِمْتُ سَآمَةً“، ومِثْلُهُ ”كَآبَةٌ“، فَـ ”فَعالَةٌ“، مِن أسْماءِ المَصادِرِ، و”سَآمَةٌ“، عَلى قِياسِ ”كَلالَةٌ“، و”فَعالَةٌ“، في الخِصالِ، مِثْلَ ”اَلْقَباحَةُ“، و”اَلْمَلاحَةُ“، و”اَلْفَخامَةُ“، وهَذا يَكْثُرُ جِدًّا، ومَعْنى ﴿وَلا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ ”لا تَرْحَمُوهُما، فَتُسْقِطُوا عَنْهُما ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الحَدِّ، وقِيلَ:“ يُبالَغُ في جَلْدِهِما ”، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، اَلْقِراءَةُ إسْكانُ اللّامِ، ويَجُوزُ كَسْرُها، واخْتَلَفَ النّاسُ في الطّائِفَةِ، فَقالَ بِعَضُهُمْ: اَلْواحِدُ فَما فَوْقَهُ“ طائِفَةٌ ”، وقالَ آخَرُونَ: لا تَكُونُ الطّائِفَةُ أقَلَّ مِنَ اثْنَيْنِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ثَلاثَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: أرْبَعَةٌ، وقالَ بَعْضُهُمْ: عَشَرَةٌ، فَأمّا مَن قالَ: واحِدٌ، فَهو عَلى غَيْرِ ما عِنْدَ أهْلِ (p-٢٩)اللُّغَةِ، لِأنَّ“ اَلطّائِفَةُ ”، في مَعْنى:“ اَلْجَماعَةُ ”، وأقَلُّ الجَماعَةِ اثْنانِ، وأقَلُّ ما يَجِبُ في الطّائِفَةِ عِنْدِي اثْنانِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُتَحَرّى في شَهادَةِ عَذابِ الزّانِي، أنْ يَكُونُوا جَماعَةً، لِأنَّ الأغْلَبَ عَلى الطّائِفَةِ“ اَلْجَماعَةُ " .
النور 24:3
وَقَوْلُهُ: ﴿الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً أوْ مُشْرِكَةً والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾، ويَجُوزُ: ”اَلزّانِي لا يُنْكَحُ إلّا زانِيَةً“، و”اَلزّانِيَةُ لا يُنْكَحُها إلّا زانٍ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وتَأْوِيلُ ”اَلزّانِي لا يَنْكِحُ إلّا زانِيَةً“، عَلى مَعْنى: ”لا يَتَزَوَّجُ“، وكَذَلِكَ ”اَلزّانِيَةُ لا يَتَزَوَّجُها إلّا زانٍ“، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ مَعْنى النِّكاحِ هَهُنا: اَلْوَطْءُ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: ”اَلزّانِي لا يَطَأُ إلّا زانِيَةً، والزّانِيَةُ لا يَطَؤُها إلّا زانٍ“، وهَذا القَوْلُ يَبْعُدُ، لِأنَّهُ لا يُعْرَفُ شَيْءٌ مِن ذِكْرِ النِّكاحِ في كِتابِ اللَّهِ إلّا عَلى مَعْنى التَّزْوِيجِ، قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، فَهَذا تَزْوِيجٌ لا شَكَّ فِيهِ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ عَقْدَ التَّزْوِيجِ يُسَمّى ”اَلنِّكاحُ“، وأكْثَرُ التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقُرّاءَ، كانُوا بِالمَدِينَةِ، فَهَمُّوا بِأنْ يَتَزَوَّجُوا بِبَغايا كُنَّ بِالمَدِينَةِ، يَزْنِينَ، ويَأْخُذْنَ الأُجْرَةَ، فَأرادُوا التَّزْوِيجَ بِهِنَّ، لِيَعُلْنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَحْرِيمَ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم أرادُوا أنْ يُسامِحُوهُنَّ، فَأُعْلِمُوا أنَّ ذَلِكَ حَرامٌ.
(p-٣٠)وَيُرْوى أنَّ الحَسَنَ قالَ: إنَّ الزّانِيَ إذا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ لا يُزَوِّجُ إلّا بِامْرَأةٍ أُقِيمَ عَلَيْها الحَدُّ مِثْلَهُ، وكَذَلِكَ المَرْأةُ إذا أُقِيمَ عَلَيْها الحَدُّ، عِنْدَهُ، لا تُزَوَّجُ إلّا بِرَجُلٍ مِثْلِها، وقالَ بَعْضُهُمْ: اَلْآيَةُ مَنسُوخَةٌ، نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وأكْثَرُ القَوْلِ أنَّ المَعْنى هَهُنا عَلى التَّزْوِيجِ، ويَجُوزُ ”وَحَرَّمَ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ“، بِمَعْنى: ”وَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى المُؤْمِنِينَ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، وهَذا لَفْظُهُ لَفْظُ خَبَرٍ، ومَعْناهُ مَعْنى الأمْرِ، ولَوْ كانَ عَلى ما قالَ مَن قالَ: إنَّهُ الوَطْءُ، لَما كانَ في الكَلامِ فائِدَةٌ، لِأنَّ القائِلَ إذا قالَ: اَلزّانِيَةُ لا تَزْنِي إلّا بِزانٍ، والزّانِي لا يَزْنِي إلّا بِزانِيَةٍ، فَلَيْسَ فِيهِ فائِدَةٌ إلّا عَلى جِهَةِ التَّغْلِيظِ في الأمْرِ، كَما تَقُولُ لِلرَّجُلِ الَّذِي قَدْ عَرَفْتَهُ بِالكَذِبِ: ”هَذا كَذّابٌ“، تُرِيدُ تَغْلِيظَ أمْرِهِ، فَعَلى ما فِيهِ الفائِدَةُ، وما تُوجِبُهُ اللُّغَةُ، أنَّ المَعْنى مَعْنى التَّزْوِيجِ.
النور 24:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً﴾، مَعْنى ”يَرْمُونَ المُحْصَناتِ“، أيْ: بِالزِّنا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: ”بِالزِّنا“، لِأنَّ فِيما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الزّانِيَةِ والزّانِي دَلِيلًا عَلى أنَّ المَعْنى ذَلِكَ، ومَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وعَلى قِراءَةِ عِيسى بْنِ عُمَرَ، يَجِبُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ“، نَصْبًا، عَلى مَعْنى ”اِجْلِدُوا الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ“، وعَلى ذَلِكَ اخْتِيارُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، و”اَلْمُحْصَناتُ“، هَهُنا: اَللَّواتِي أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ بِالعِفَّةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا﴾ [النور: ٥]، (p-٣١)اِخْتَلَفَ النّاسُ في قَبُولِ شَهادَةِ القاذِفِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إذا تابَ مِن قَذْفِهِ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَبِلَ شَهادَةَ قاذِفَيْنِ، وقالَ لِأبِي بَكْرَةَ: ”إنْ تُبْتَ قَبِلْتُ شَهادَتَكَ“، وتَوْبَتُهُ أنْ يَرْجِعَ عَنِ القَذْفِ، وهَذا مَذْهَبُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ، وأمّا أهْلُ العِراقِ فَيَقُولُونَ: شَهادَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾، قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٥]، قالُوا: هَذا الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، فاسْتُثْنِيَ التّائِبُونَ مِنَ الفاسِقِينَ، وقالَ مَن زَعَمَ أنَّ شَهادَتَهُ مَقْبُولَةٌ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا﴾، ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥]، قالُوا وقَوْلُهُ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، صِفَةٌ لَهُمْ، وأجْمَعُوا أنَّ مَن قَذَفَ وهو كافِرٌ ثُمَّ أسْلَمَ وتابَ، وكانَ بَعْدَ إسْلامِهِ عَدْلًا، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وإنْ كانَ قاذِفًا، والقِياسُ قَبُولُ شَهادَةِ القاذِفِ إنْ تابَ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ في الشَّهاداتِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فَلَيْسَ القاذِفُ بِأشَدَّ جُرْمًا مِنَ الكافِرِ، فَحَقُّهُ أنَّهُ إذا تابَ وأصْلَحَ قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، كَما أنَّ الكافِرَ إذا أسْلَمَ، وأصْلَحَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَما الفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ”أبَدًا“ ؟ قِيلَ: اَلْفائِدَةُ أنَّ الأبَدَ لِكُلِّ إنْسانٍ: مِقْدارُ مُدَّتِهِ في حَياتِهِ، ومِقْدارُ مُدَّتِهِ فِيما يَتَّصِلُ بِقِصَّتِهِ، فَتَقُولُ: ”اَلْكافِرُ لا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ أبَدًا“، فَمَعْناهُ: ”ما دامَ كافِرًا فَلا يُقْبَلُ مِنهُ شَيْءٌ“، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ”اَلْقاذِفُ لا تُقْبَلُ مِنهُ شَهادَةٌ أبَدًا“، فَمَعْناهُ: ”ما دامَ قاذِفًا“، فَإذا زالَ عَنْهُ الكُفْرُ، فَقَدْ زالَ أبَدُهُ، وكَذَلِكَ القاذِفُ إذا زالَ عَنْهُ القَذْفُ، فَقَدْ زالَ عَنْهُ أبَدُهُ، ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا وذَلِكَ، وتُقْرَأُ: ”ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةٍ شُهَداءَ“، بِالتَّنْوِينِ، ﴿فاجْلِدُوهُمْ﴾، فَـ ”أرْبَعَةٍ“، (p-٣٢)مَخْفُوضَةٌ مُنَوَّنَةٌ، و”شُهَداءَ“، صِفَةٌ لِلْأرْبَعَةِ، في مَوْضِعِ جَرٍّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ مِن جِهَتَيْنِ:، إحْداهُما عَلى مَعْنى: ”ثُمَّ لَمْ يُحْضِرُوا أرْبَعَةً شُهَداءَ“، وعَلى نَصْبِ الحالِ مَعَ النَّكِرَةِ، ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا حالَ الشَّهادَةِ، فَأمّا ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥]، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَرٍّ عَلى البَدَلِ مِنَ الهاءِ والمِيمِ، عَلى مَعْنى: ”وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا إلّا الَّذِينَ تابُوا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾، ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [النور: ٥]، وإذا اسْتُثْنُوا مِنَ الفاسِقِينَ أيْضًا، فَقَدْ وجَبَ قَبُولُ شَهادَتِهِمْ، لِأنَّهم قَدْ زالَ عَنْهُمُ اسْمُ الفِسْقِ.
النور 24:6
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم بِالزِّنا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ“، بِالنَّصْبِ، فَمَن قَرَأ: ”أرْبَعُ“، بِالرَّفْعِ، فَعَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، المَعْنى: ”فَشَهادَةُ أحَدِهِمُ الَّتِي تَدْرَأُ حَدَّ القاذِفِ أرْبَعٌ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨]، ومَن نَصَبَ ”أرْبَعًا“، فالمَعْنى: ”فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْهَدَ أحَدُهم أرْبَعَ شَهاداتٍ“، (p-٣٣)وَعَلى مَعْنى ”فالَّذِي يَدْرَأُ عَنْها العَذابَ أنْ يَشْهَدَ أحَدُهم أرْبَعَ شَهاداتٍ“ .
النور 24:7
﴿والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾، ويَجُوزُ: ”والخامِسَةَ أنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ“، وكَذَلِكَ: ”والخامِسَةُ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها“، و”اَلْخامِسَةَ“، جَمِيعًا، فَمَن قالَ: ”والخامِسَةَ“، فَعَلى مَعْنى: ”وَيَشْهَدُ الخامِسَةَ“، فَإذا قَذَفَ القاذِفُ امْرَأتَهُ، فَشَهادَتُهُ أنْ يَقُولَ: ”أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما قَذَفْتُها بِهِ“، أوْ يَقُولَ: ”أحْلِفُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما قَذَفْتُها بِهِ“، أرْبَعَ مَرّاتٍ، ويَقُولَ في الخامِسَةِ: ”لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ“، وكَذَلِكَ تَقُولُ المَرْأةُ: ”أشْهَدُ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ فِيما قَذَفَنِي بِهِ“، أرْبَعَ مَرّاتٍ، وتَقُولُ في الخامِسَةِ: ”وَعَلَيَّ غَضَبُ اللَّهِ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ“، وهَذا هو اللِّعانُ، فَإذا تَلاعَنا فُرِّقَ بَيْنَهُما، واعْتَدَّتْ عِدَّةَ المُطَلَّقَةِ مِن وقْتِها ذَلِكَ، فَإذا فَعَلا ذَلِكَ لَمْ يَتَزَوَّجْها أبَدًا، في قَوْلِ أكْثَرِ الفُقَهاءِ مِن أهْلِ الحِجازِ، وبَعْضُ الكُوفِيِّينَ يُتابِعُهُمْ، وهو أبُو يُوسُفَ، والقِياسُ ما عَلَيْهِ أهْلُ الحِجازِ، لِأنَّ القاذِفَ قَذَفَها بِالزِّنا، فَهو لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِزانِيَةٍ، ولَيْسَ يَظْهَرُ لِهَذا تَوْبَةٌ، واللِّعانُ لا يَكُونُ إلّا بِحاكِمٍ مِن حُكّامِ المُسْلِمِينَ.
النور 24:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ﴾، هَهُنا جَوابُ ”لَوْلا“، مَتْرُوكٌ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم لَنالَ الكاذِبُ لِما ذَكَرْنا عَذابٌ عَظِيمٌ“، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٤]
النور 24:11
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾، مَعْنى ”اَلْإفْكُ“، هَهُنا: اَلْكَذِبُ، وقَدْ سُمِّيَ بَعْضُهم في الآثارِ، ولَمْ يُسَمَّوْا في (p-٣٤)القُرْآنِ، فَمِمَّنْ سُمِّيَ ”حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ“، و”مِسْطَحُ بْنُ أُثاثَةَ“، و”عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ“، ومِنَ النِّساءِ ”حِمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ“، ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقِيلَ: ”لَكم“، والَّتِي قُصِدَتْ ”عائِشَةُ“ - رَحِمَها اللَّهُ -، فَقِيلَ: ”لَكم“، يُعْنى بِهِ ”هي ومَن بِسَبَبِها، مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، وأبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”كُبْرَهُ مِنهم“، ﴿لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾، (p-٣٥)فَمَن قَرَأ: ”كِبْرَهُ“، فَمَعْناهُ: ”مَن تَوَلّى الإثْمَ في ذَلِكَ“، ومَن قَرَأ: ”كُبْرَهُ“، أرادَ: مُعْظَمَهُ، ويُرْوى أنَّ حَسّانَ بْنَ ثابِتٍ دَخَلَ عَلى عائِشَةَ، فَقِيلَ لَها: أتُدْخِلِينَ هَذا الَّذِي قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ؟ فَقالَتْ: ”أوَلَيْسَ قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ؟“، ويُرْوى أنَّهُ أنْشَدَها قَوْلَهُ في بَيْتِهِ:
؎حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ∗∗∗ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ
فَقالَتْ لَهُ: ”لَكِنَّكَ لَسْتَ كَذَلِكَ“، وقَوْلُهُ تَعالى: ”والخامِسَةُ أنْ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْها“، بِتَخْفِيفِ ”أنَّ“، ورَفْعِ ”غَضَبُ“، عَلى مَعْنى: ”أنَّهُ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْها“، ويَجُوزُ: ”أنْ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها“، وهَهُنا ”هاءٌ“، مُضْمَرَةٌ، و”أنْ“، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، المَعْنى: ”أنَّهُ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها“، و”أنَّهُ غَضَبُ اللَّهِ عَلَيْها“، قالَ الشّاعِرُ:
؎فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ
وَجاءَ في التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾، أنَّهُ يُعْنى بِهِ عائِشَةُ، وصَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ، ويَجُوزُ ”لَكم“، في مَعْنى: (p-٣٦)”لَكُما“، والَّذِي فَسَّرْناهُ أوَّلًا يَتَضَمَّنُ أمْرَ عائِشَةَ، وصَفْوانَ، والنَّبِيِّ ﷺ، وكُلِّ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَ عائِشَةَ سَبَبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ مَن رُمِيَ بِسَبَبٍ.
النور 24:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا إذْ سَمِعْتُمُوهُ؟“، لِأنَّ المَعْنى: ”ظَنَّ المُؤْمِنُونَ بِأنْفُسِهِمْ“، في مَوْضِعِ الكِنايَةِ عَنْهُمْ، وعَنْ بَعْضِهِمْ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا: ”إنَّهم يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم“، ﴿وَقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾، أيْ: كَذِبٌ بَيِّنٌ.
النور 24:15
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكُمْ﴾، مَعْناهُ: إذْ يُلْقِيهِ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ، وقَرَأتْ عائِشَةُ - رَحِمَها اللَّهُ -: ”إذْ تُلْيِقُونَهُ بِألْسِنَتِكم“، ومَعْناهُ: ”إذْ تُسْرِعُونَ بِالكَذِبِ“، يُقالُ: ”وَلَقَ، يَلِقُ“، إذا أسْرَعَ في الكَذِبِ وغَيْرِهِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎جاءَتْ بِهِ عَنْسٌ مِنَ الشّامِ تِلْقْ
أيْ: تُسْرِعُ.
النور 24:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾، وقُرِئَتْ: ”وَلا يَتَألَّ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ“، ومَعْنى ”تَأْتَلِي“: تَحْلِفُ، وكَذَلِكَ ”يَتَألّى“: يَحْلِفُ، ومَعْنى ﴿أنْ يُؤْتُوا﴾ ”ألّا يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى“، اَلْمَعْنى: ”وَلا يَحْلِفْ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ ألّا يُعْطُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ“، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وكانَ حَلَفَ ألّا يُفْضِلَ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ، وكانَ ابْنَ خالَتِهِ، بِسَبَبِ سَبِّهِ عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، قالَ أبُو بَكْرٍ: ”بَلى“، وأعادَ الإفْضالَ عَلى مِسْطَحٍ، وعَلى مَن حَلَفَ ألّا يُفْضِلَ عَلَيْهِ، وكَفَّرَ عَنْ يَمِينِهِ.
(p-٣٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [النور: ٢٣]، قِيلَ: إنَّهُ يُعْنى بِهِ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ، وقِيلَ: إنَّ الأصْلَ فِيهِ أمْرُ عائِشَةَ، ثُمَّ صارَ لِكُلِّ مَن رَمى المُؤْمِناتِ، ولَمْ يَقُلْ هَهُنا: ”والمُؤْمِنِينَ“، اِسْتِغْناءً بِأنَّهُ إذا رَمى المُؤْمِنَةَ فَلا بُدَّ أنْ يَرْمِيَ مَعَها مُؤْمِنًا، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ودَلَّ ذِكْرُهُ المُؤْمِناتِ عَلى المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولَمْ يَقُلْ: ”وَتَقِيكُمُ البَرْدَ“، لِأنَّ ما كانَ وقى الحَرَّ وقى البَرْدَ، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ أحَدِهِما بِالآخَرِ.
النور 24:25
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ﴾، ويُقْرَأُ: ”اَلْحَقُّ“، فَمَن قَرَأ: ”اَلْحَقُّ“، فَـ ”اَلْحَقُّ“، مِن صِفَةِ ”اَللَّهُ“ - عَزَّ وجَلَّ -، فالمَعْنى: ”يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ الحَقُّ دِينَهم“، ومَن قَرَأ: ”دِينَهُمُ الحَقَّ“، فَـ ”اَلْحَقَّ“، مِن صِفَةِ الدِّينِ، والدِّينُ هَهُنا: اَلْجَزاءُ، المَعْنى: ”يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ جَزاءَهُمُ الحَقَّ“، أيْ: ”جَزاءَهُمُ الواجِبَ“ .
النور 24:26
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ والخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ والطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ والطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ﴾، فِيها وجْهانِ، المَعْنى: ”اَلْكَلِماتُ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والرِّجالُ الخَبِيثُونَ لِلْكَلِماتِ الخَبِيثاتِ“، أيْ: لا يَتَكَلَّمُ بِالخَبِيثاتِ إلّا الخَبِيثُ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ، ولا يَتَكَلَّمُ بِالطَّيِّباتِ إلّا الطَّيِّبُ مِنَ الرِّجالِ، والنِّساءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى هَذِهِ الكَلِماتِ الخَبِيثاتِ إنَّما تُلْصَقُ بِالخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، والخَبِيثاتِ مِنَ النِّساءِ، فَأمّا الطّاهِراتُ الطَّيِّباتُ فَلا يُلْصَقُ بِهِنَ شَيْءٌ، وقِيلَ: اَلْخَبِيثاتُ مِنَ النِّساءِ لِلْخَبِيثِينَ مِنَ الرِّجالِ، وكَذَلِكَ الطَّيِّباتُ مِنَ النِّساءِ لِلطَّيِّبِينَ مِنَ الرِّجالِ.
(p-٣٨)وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمّا يَقُولُونَ﴾، أيْ: عائِشَةُ وصَفْوانُ بْنُ المُعَطِّلِ، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن قُذِفَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، مُبَرَّؤُونَ مِمّا يَقُولُ أهْلُ الخُبْثِ القاذِفُونَ، ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، أيْ: لِلَّذِينِ قُذِفُوا ورُمُوا مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ، ولِلْقاذِفِينَ اللَّعْنَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وعَذابٌ عَظِيمٌ.
النور 24:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾، يُقْرَأُ بِالضَّمِّ، والكَسْرِ، ولَكِنَّ الضَّمَّ أكْثَرُ، فَمَن ضَمَّ فَعَلى أصْلِ الجَمْعِ، يُجْمَعُ: ”بَيْتٌ“، و”بُيُوتٌ“، مِثْلَ ”قَلْبٌ“، و”قُلُوبٌ“، و”فَلْسٌ“، و”فُلُوسٌ“، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فَإنَّما كَسَرَ لِلْياءِ الَّتِي بَعْدَ الباءِ، وذَلِكَ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ رَدِيءٌ جِدًّا، لِأنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ ”فَعُولٌ“، بِكَسْرِ الفاءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾، (p-٣٩)مَعْنى ”تَسْتَأْنِسُوا“، في اللُّغَةِ: تَسْتَأْذِنُوا، وكَذَلِكَ هو في التَّفْسِيرِ، و”اَلِاسْتِئْذانُ“: اَلِاسْتِعْلامُ، تَقُولُ: ”آذَنْتُهُ بِكَذا“، أيْ: أعْلَمْتُهُ، وكَذَلِكَ ”آنَسْتُ مِنهُ كَذا وكَذا“، عَلِمْتُ مِنهُ، وكَذَلِكَ، ﴿فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، أيْ: عَلِمْتُمْ، فَمَعْنى ”حَتّى تَسْتَأْنِسُوا“: حَتّى تَسْتَعْلِمُوا، أيُرِيدُ أهْلُها أنْ يُدْخِلُوا أمْ لا، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ الإذْنُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٨]
النور 24:29
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾، أيْ: ”لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا هَذِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِها الخاناتُ، ويُقالُ لِلْخانِ: ”فُنْدُقٌ“، و”فُنْتُقٌ“، بِالدّالِ، والتّاءِ، وإنَّما قِيلَ: ”لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا هَذِهِ البُيُوتَ“، لِأنَّهُ حَظَرَ أنْ تُدْخَلَ البُيُوتُ الَّتِي لَيْسَتْ لَهم إلّا بِإذْنٍ، فَأُعْلِمُوا أنَّ دُخُولَ هَذِهِ المَواضِعِ المُباحَةِ - نَحْوَ الخاناتِ وحَوانِيتِ التِّجارَةِ، الَّتِي تُباعُ فِيها الأشْياءُ، ويُبِيحُ أهْلُها دُخُولَها - جائِزٌ، وقِيلَ: إنَّهُ يُعْنى بِها الخَرِباتُ الَّتِي يَدْخُلُها الرَّجُلُ لِبَوْلٍ، أوْ غائِطٍ، ويَكُونُ مَعْنى: ”فِيها مَتاعٌ لَكم“، بِمَعْنى ”إمْتاعٌ“، أيْ: مُتَفَرِّجُونَ فِيها مِمّا بِكم.
النور 24:31
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾، أيْ: لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ الباطِنَةَ، نَحْوَ المِخْنَقَةِ، والخَلْخالِ، والدُّمْلُجِ، والسِّوارِ، والَّتِي تُظْهَرُ هي الثِّيابُ والوَجْهُ.
(p-٤٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾، كانَتِ المَرْأةُ رُبَّما اجْتازَتْ وفي رِجْلِها الخَلْخالُ، ورُبَّما كانَ فِيها الخَلاخِلُ، فَإذا ضَرَبَتْ بِرِجْلِها عُلِمَ أنَّها ذاتُ خَلْخالٍ وزِينَةٍ، وهَذا يُحَرِّكُ مِنَ الشَّهْوَةِ، فَنُهِيَ عَنْهُ، كَما أُمِرْنَ ألّا يُبْدِينَ، لِأنَّ اسْتِماعَ صَوْتِهِ بِمَنزِلَةِ إبْدائِهِ.
النور 24:32
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ﴾، قُرِئَتْ: ”مِن عَبِيدِكم“، وكِلاهُما جائِزٌ، وهَذا لازِمٌ في الأيامى، والمَعْنى: ”وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكم إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا“ .
وَمَعْنى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] أيْ: ”لا تُكْرِهُوهُنَّ عَلى البِغاءِ البَتَّةَ“، ولَيْسَ المَعْنى: ”لا تُكْرِهُوهُنَّ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا، وإنْ لَمْ يُرِدْنَ فَلَيْسَ لَنا أنْ نُكْرِهَهُنَّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾، فَحَثَّ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى النِّكاحِ، وأعْلَمَ أنَّهُ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ، ويُرْوى عَنْ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”عَجَبٌ لِامْرِئٍ كَيْفَ لا يَرْغَبُ في الباءَةِ، واللَّهُ يَقُولُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾“ .
النور 24:33
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، مَعْنى ”﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، قِيلَ:“ إنْ عَلِمْتُمْ أداءَ ما يُفارَقُ عَلَيْهِ ”، أيْ:“ عَلِمْتُمْ أنَّهم يَكْتِبُونَ ما يُؤَدُّونَهُ ”، ومَعْنى المُكاتَبَةِ أنْ يُكاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ، أوْ أمَتَهُ، (p-٤١)عَلى أنْ يُفارِقَهُ، أنَّهُ إذا أدّى إلَيْهِ كَذا وكَذا مِنَ المالِ، في كَذا وكَذا مِنَ النُّجُومِ، فالعَبْدُ حُرٌّ، إذا أدّى جَمِيعَ ما عَلَيْهِ، ووَلاؤُهُ لِمَوْلاهُ الَّذِي كاتَبَهُ، لِأنَّ مَوْلاهُ جادَ عَلَيْهِ بِالكَسْبِ الَّذِي هو في الأصْلِ لِمَوْلاهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، هَذا - عِنْدَ أكْثَرِ الفُقَهاءِ - عَلى النَّدْبِ، لِلْمَوْلى أنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا مِمّا يُفارِقُهُ عَلَيْهِ، أوْ مِن مالِهِ، ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى قَضاءِ نُجُومِهِ، ولَهُ ألّا يَفْعَلَ، وكَذَلِكَ لَهُ أنْ يُكاتِبَهُ إذا طَلَبَ المُكاتَبَةَ، ولَهُ ألّا يُكاتِبَهُ، ومُخْرَجُ هَذا الأمْرِ مُخْرَجُ الإباحَةِ، كَما قالَ: ﴿وَإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]، لِأنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الصَّيْدَ ما دامُوا حُرُمًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]، هَذا بَعْدَ أنْ حَظَرَ عَلَيْهِمُ البَيْعَ في وقْتِ النِّداءِ إلى الصَّلاةِ، فَهَذا أباحَهُ فِيهِ لِأنَّ العَبْدَ المَمْلُوكَ لا مالَ لَهُ، ولا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، فَأباحَ اللَّهُ لَهم أنْ يُقْدِرُوهُ، ويُرْوى عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كاتَبَ عَبْدًا لَهُ يُكْنى“ أبا أُمَيَّةَ ”، وهو أوَّلُ عَبْدٍ كُوتِبَ في الإسْلامِ، فَأتاهُ بِأوَّلِ نَجْمٍ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ عُمَرُ، وقالَ لَهُ:“ اِسْتَعِنْ بِهِ عَلى مُكاتَبَتِكَ ”، فَقالَ:“ لَوْ أخَّرْتَهُ إلى آخِرِ نَجْمٍ ”، فَقالَ:“ أخافُ ألّا أُدْرِكَ ذَلِكَ " .
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ تَرى المُشْرِكاتُ ما يَحِلُّ أنْ تَراهُ المُؤْمِناتُ مِنَ (p-٤٢)المُومِناتِ، يُعْنى بِنِسائِهِنَّ نِساءُ المُؤْمِناتِ، والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ [النور: ٣١]، ”غَيْرِ“، صِفَةٌ لِـ ”اَلتّابِعِينَ“، دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، مَعْناهُ أيْضًا: ”غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ“، والمَعْنى: ”لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَمالِيكِهِنَّ، ولا لِتُبّاعِهِنَّ، إلّا أنْ يَكُونُوا غَيْرَ أُولِي إرْبَةٍ“، و”اَلْإرْبَةُ“: اَلْحاجَةُ، ومَعْناهُ هَهُنا: غَيْرُ ذَوِي الحاجاتِ إلى النِّساءِ، فَأمّا خَفْضُ ”غَيْرِ“، فَصِفَةٌ لِـ ”اَلتّابِعِينَ“، وإنْ كانَتْ ”غَيْرُ“، تُوصَفُ بِها النَّكِرَةُ، فَإنَّ التّابِعِينَ هَهُنا لَيْسَ بِمَقْصُودٍ إلى قَوْمٍ بِأعْيانِهِمْ، إنَّما مَعْناهُ: لِكُلِّ تابِعٍ غَيْرِ أُولِي إرْبَةٍ، ويَجُوزُ ”غَيْرَ“، بِنَصْبِ ”غَيْرَ“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما الِاسْتِثْناءُ، المَعْنى: ”لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلّا لِلتّابِعِينَ إلّا أُولِي الإرْبَةِ، فَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لَهم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”والتّابِعِينَ لا مُرِيدِينَ النِّساءَ“، أيْ: في هَذِهِ الحالِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ [النور: ٣١]، ويُقْرَأُ: ”عَوَراتِ“، بِفَتْحِ الواوِ، لِأنَّ ”فَعْلَةٌ“، يُجْمَعُ عَلى ”فَعَلاتٌ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”جَفْنَةٌ“، و”جَفَناتٌ“، و”صَحْفَةٌ“، و”صَحَفاتٌ“، فَإذا كانَ نَحْوَ قَوْلِكَ: ”لَوْزَةٌ“، و”جَوْزَةٌ“، و”عَوْرَةٌ“، فالأكْثَرُ أنْ تُسَكَّنَ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ”بَيْضاتٌ“، لِثِقَلِ الحَرَكَةِ مَعَ الواوِ والياءِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَلْزَمُ الأصْلَ والقِياسَ في هَذا، فَيَقُولُ: ”جَوَزاتٌ“، و”بَيَضاتٌ“، وعَلى هَذا قُرِئَ: ”عَوَراتِ“، ومَعْنى ”لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ“، لَمْ يَبْلُغُوا أنْ يُطِيقُوا النِّساءَ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ ظَهَرَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ“، إذا قَوِيَ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ“: ”لَمْ يَدْرُوا ما قَباحَةُ عَوْراتِ النِّساءِ مِن غَيْرِها“ .
النور 24:34
(p-٤٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أنْـزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾، يُقْرَأُ بِالفَتْحِ، والكَسْرِ، فَمَن قَرَأ: ”مُبَيَّناتٍ“، بِالفَتْحِ، فالمَعْنى أنَّهُ لَيْسَ فِيها لَبْسٌ، ومَن قَرَأ بِالكَسْرِ فالمَعْنى أنَّها تُبَيِّنُ لَكُمُ الحَلالَ مِنَ الحَرامِ.
النور 24:35
ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ جَمِيعَ أمْرِ السَّماءِ، وأمْرِ الأرْضِ، بَيانًا نَيِّرًا، لا غايَةَ بَعْدَ نُورِهِ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: ”مُدَبِّرُ أمْرِهِما بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ، وحُجَّةٍ نَيِّرَةٍ، ثُمَّ مَثَّلَ مَثَلَ نُورِهِ ذَلِكَ في القُلُوبِ، بِأبْيَنِ النُّورِ الَّذِي لَمْ يُدْرَكْ بِالأبْصارِ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾، فَنُورُهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ما ذَكَرْنا مِن تَدْبِيرِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ كِتابَهُ الَّذِي بَيَّنَ بِهِ، فَقالَ: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ هو النُّورَ الَّذِي قالَ:“ مَثَلُ نُورِهِ ”، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ هو المُرْشِدُ، والمُبَيِّنُ، والنّاقِلُ عَنِ اللَّهِ ما هو نَيِّرٌ، بَيِّنٌ، وقالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾، وهي الكُوَّةُ، وقِيلَ: إنَّها بِلُغَةِ الحَبَشِ، و“ اَلْمِشْكاةُ ”، مِن كَلامِ العَرَبِ، ومِثْلُها - وإنْ كانَتْ لِغَيْرِ الكُوَّةِ -:“ اَلشَّكْوَةُ ”، وهي مَعْرُوفَةٌ، وهي الدَّقِيقُ الصَّغِيرُ، أوْ ما يُعْمَلُ مِثْلُهُ، ﴿فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ﴾، و“ اَلْمِصْباحُ ”: اَلسِّراجُ، وقالَ:“ اَلْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ ”، لِأنَّ النُّورَ في الزُّجاجِ (p-٤٤)وَضَوْءِ النّارِ أبْيَنُ مِنهُ في كُلِّ شَيْءٍ، وضَوْؤُهُ يَزِيدُ في الزُّجاجِ، ثُمَّ وصَفَ الزُّجاجَةَ فَقالَ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾، و“ دُرِّيٌّ ”، مَنسُوبٌ إلى أنَّهُ كالدُّرِ في صَفائِهِ، وحُسْنِهِ، وقُرِئَتْ:“ دِرِّيٌّ ”، و“ دَرِّيٌّ ”، بِالكَسْرِ، والفَتْحِ، وقَدْ رُوِيَتْ بِالهَمْزِ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يَعْرِفُونَ الوَجْهَ فِيهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ شَيْءٌ عَلى“ فُعِّيلٌ ”، ولَكِنَّ الكَسْرَ جَيِّدٌ بِالهَمْزِ، يَكُونُ عَلى وزْنِ“ فِعِّيلٌ ”، ويَكُونُ مِنَ النُّجُومِ الدَّرارِيِّ الَّتِي تَدَرُ، أيْ: يَنْحَطُّ، ويَسِيرُ مُتَدافِعًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ دِرِّيٌّ ”، بِغَيْرِ هَمْزٍ، مُخَفَّفًا مِن هَذا، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولا يَجُوزُ أنْ يُضَمَّ الدّالُ ويُهْمَزَ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ“ فُعِّيلٌ ”، ومِثالُ“ دُرِّيٌّ ”،“ فُعْلِيٌّ ”، مَنسُوبٌ إلى“ اَلدُّرُّ ”، ومَن كَسَرَ الدّالَ قالَ:“ دِرِّيٌّ ”، فَكانَ لَهُ أنْ يَهْمِزَ، ولا يَهْمِزَ، فَمَن هَمَزَ أخَذَهُ مِن“ دَرَأ، يَدْرَأُ الكَوْكَبُ ”، إذا تَدافَعَ مُنْقَضًّا، فَتَضاعَفَ ضَوْؤُهُ، يُقالُ:“ تَدارَأ الرَّجُلانِ ”، إذا تَدافَعا، ويَكُونُ وزْنُهُ عَلى“ فِعِّيلٌ ”، ومَن كَسَرَها فَإنَّما أصْلُهُ الهَمْزُ، فَخُفِّفَ، وبَقِيَتْ كَسْرَةُ الدّالِ عَلى أصْلِها، ووَزْنُهُ أيْضًا“ فِعِّيلٌ ”، كَما كانَ وهو مَهْمُوزٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، ويُقْرَأُ:“ تُوقَدُ ”، بِالتّاءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ عَنى بِهِ المِصْباحَ، وهو مُذَكَّرٌ، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ عَنى بِهِ الزُّجاجَةَ، ويَجُوزُ:“ في زَجاحَةٍ ”، بِفَتْحِ الزّايِ، وفِيها وجْهانِ آخَرانِ قُرِئَ بِهِما:“ تَوَقَّدُ ”، بِفَتْحِ الدّالِ، وضَمِّها، وتَشْدِيدِ القافِ فِيهِما جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ:“ تَوَقَّدُ ”، فالمَعْنى:“ تَتَوَقَّدُ الزُّجاجَةُ ”، ومَن قَرَأ:“ تَوَقَّدَ ”، فَتَحَهُ لِأنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، ويَكُونُ المَعْنى:“ اَلْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ تَوَقَّدَ المِصْباحُ " .
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾، (p-٤٥)وَلَيْسَ شَيْءٌ في الشَّجَرِ - يُورِقُ غُصْنُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ - مِثْلُ الزَّيْتُونِ، والرُّمّانِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎بُورِكَ المَيْتُ الغَرِيبُ كَما ∗∗∗ بُورِكَ نَظْمُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾، أكْثَرُ التَّفْسِيرِ أنَّها لَيْسَتْ مِمّا تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ في وقْتِ شُرُوقِها فَقَطْ، أوْ عِنْدَ الغُرُوبِ، أيْ: لَيْسَ يَسْتُرُها في وقْتٍ مِنَ النَّهارِ شَيْءٌ، أيْ: فَهي شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ، أيْ: تُصِيبُها الشَّمْسُ بِالغَداةِ، والعَشِيِّ، فَهو أنْضَرُ لَها، وأجْوَدُ لِزَيْتِها، وزَيْتُونِها، وقالَ الحَسَنُ: إنَّ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ أنَّها لَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا، أيْ: هي مِن شَجَرِ الجَنَّةِ.
النور 24:36
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أنْ تُبْنى“، وقالَ الحَسَنُ: تَأْوِيلُ ”أنْ تُرْفَعَ“: ”أنْ تُعَظَّمَ“، و”في“، مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ”كَمِشْكاةٍ“، اَلْمَعْنى: ”كَمِشْكاةٍ في بُيُوتٍ“، أيْ: في مَساجِدَ، وقالَ الحَسَنُ: يُعْنى بِهِ بَيْتُ المَقْدِسِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”في“، مُتَّصِلَةً بِـ ”يُسَبِّحُ“، ويَكُونَ ”فِيها“، تَكْرِيرًا عَلى التَّوْكِيدِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”يُسَبِّحُ لِلَّهِ رِجالٌ في بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ لِأنْ تُرْفَعَ“، وتُقْرَأُ: ”يُسَبَّحُ لَهُ فِيها“، فَيَكُونُ رَفْعُ ”رِجالٌ“، هَهُنا، عَلى تَفْسِيرِ (p-٤٦)ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى عَلى أنَّهُ لَمّا قالَ: ”يُسَبَّحُ لَهُ فِيها“، كَأنَّهُ قِيلَ: ”مَن يُسَبِّحُ اللَّهَ؟“، فَقِيلَ: ”يُسَبِّحُ رِجالٌ“، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
و”اَلْآصالُ“: واحِدُها ”أُصُلٌ“، وهي العَشايا.
النور 24:37
وَمَعْنى ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾، أيْ: لا يَشْغَلُهم أمْرٌ عَنْ ذَلِكَ، ويُرْوى أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَأى قَوْمًا مِن أهْلِ السُّوقِ، وقَدْ نُودِيَ بِالصَّلاةِ، فَتَرَكُوا بِياعاتِهِمْ، ونَهَضُوا إلى الصَّلاةِ، فَقالَ: ”هَؤُلاءِ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِمْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ﴾، اَلْكَلامُ: ”أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامَةً“، وأصْلُها: ”أقَمْتُ إقْوامًا“، ولَكِنْ قُلِبَتِ الواوُ أيْضًا، فاجْتَمَعَتْ ألِفانِ، فَحُذِفَتْ إحْداهُما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَبَقِيَ ”أقَمْتُ الصَّلاةَ إقامَةً“، وأُدْخِلَتِ الهاءُ عِوَضًا مِنَ المَحْذُوفِ، وقامَتِ الإضافَةُ هَهُنا في التَّعْوِيضِ مَقامَ الهاءِ المَحْذُوفَةِ، وهَذا إجْماعٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾، ويَجُوزُ: ”تَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ“، في غَيْرِ القُرْآنِ، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ ”تَقَلَّبُ“، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ لا تُخالَفُ، وإنْ جازَ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ، (p-٤٧)وَمَعْنى ”تَتَقَلَّبُ“: أيْ: تَرْجُفُ، وتَجَفُ مِنَ الجَزَعِ، والخَوْفِ، ومَعْناهُ أنَّ مَن كانَ قَلْبُهُ مُوقِنًا بِالبَعْثِ، والقِيامَةِ، ازْدادَ بَصِيرَةً، ورَأى ما يُحِبُّهُ مِمّا وُعِدَ بِهِ، ومَن كانَ قَلْبُهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ رَأى ما يُوقِنُ مَعَهُ بِأمْرِ القِيامَةِ، والبَعْثِ، فَعَلِمَ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ، وشاهَدَهُ بِبَصَرِهِ، فَذَلِكَ تَقَلُّبُ القُلُوبِ والأبْصارِ.
النور 24:39
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾، و”اَلْقِيعَةُ“: جَمْعُ ”قاعٍ“، مِثْلَ: ”جارٍ“، و”جِيرَةٌ“، و”اَلْقِيعَةُ“، و”اَلْقاعُ“: ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ نَباتٌ، فالَّذِي يَسِيرُ فِيهِ يَرى كَأنَّ فِيهِ ماءً يَجْرِي، وذَلِكَ هو السَّرابُ، و”اَلْآلُ“، مِثْلُ السَّرابِ، إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ وقْتَ الضُّحى كالماءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً﴾، يَجُوزُ ”يَحْسِبُهُ“، و”يَحْسَبُهُ“، ويَجُوزُ ”اَلظَّمْآنُ“، و”اَلظَّمانُ“، عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ، يُقالُ: ”ظَمِئَ الرَّجُلُ، يَظْمَأُ، ظَمَأً، فَهو ظَمْآنُ“، مِثْلَ ”عَطِشَ، يَعْطَشُ، عَطَشًا، فَهو عَطْشانُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾، أيْ: حَتّى إذا جاءَ إلى السَّرابِ، وإلى مَوْضِعِهِ، رَأى أرْضًا لا ماءَ فِيها، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الكافِرَ يَظُنُّ عَمَلَهُ قَدْ نَفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ، ظَنُّهُ كَظَنِّ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ السَّرابَ ماءٌ، وأنَّ عَمَلَهُ قَدْ حَبِطَ، وذَهَبَ، وضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ لِلْكافِرِ، فَقالَ: إنَّ أعْمالَ الكُفّارِ كَهَذا السَّرابِ، ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]، اَلْآيَةَ، (p-٤٨)لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وصَفَ نُورَهُ الَّذِي هو لِلْمُؤْمِنِينَ، وأعْلَمُ أنَّ قُلُوبَ المُؤْمِنِينَ، وأعْمالَهُمْ، بِمَنزِلَةِ النُّورِ الَّذِي وصَفَهُ، وأنَّهم يَجِدُونَهُ عِنْدَ اللَّهِ، يُجازِيهِمْ عَلَيْهِ بِالجَنَّةِ، وأنَّ أعْمالَ الكافِرِينَ، وإنْ مُثِّلَتْ بِما يُوجَدُ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ السَّرابِ، وإنْ مُثِّلَتْ بِما يُرى، فَهي كَهَذِهِ الظُّلُماتِ الَّتِي وصَفَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠]، اَلْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠]، مَعْناهُ: لَمْ يَرَها، ولَمْ يَكَدْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: يَراها مِن بَعْدِ أنْ كانَ لا يَراها مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ بِهَذا المَعْنى، لِأنَّ في دُونِ هَذِهِ الظُّلُماتِ لا يُرى الكَفُّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]، أيْ: مَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ إلى الإسْلامِ، لَمْ يَهْتَدِ.
النور 24:41
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾، ويَجُوزُ: ”والطَّيْرَ“، عَلى مَعْنى: ”يُسَبِّحُ لَهُ الخَلْقُ مَعَ الطَّيْرِ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها.
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾، مَعْناهُ: ”كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ“، والصَّلاةُ لِلنّاسِ، والتَّسْبِيحُ لِغَيْرِ النّاسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ“، ”كُلُّ شَيْءٍ قَدْ عَلِمَ (p-٤٩)صَلاةَ نَفْسِهِ وتَسْبِيحَها“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كُلُّ إنْسانٍ قَدْ عَلِمَ صَلاةَ اللَّهِ، وكُلُّ شَيْءٍ قَدْ عَلِمَ تَسْبِيحَ اللَّهِ“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”كُلٌّ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾
النور 24:43
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾، مَعْنى: ”يُزْجِي“: يَسُوقُ، ﴿ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾، أيْ: يَجْعَلُ القِطَعَ المُتَفَرِّقَةَ مِنَ السَّحابِ قِطْعَةً واحِدَةً، ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكامًا﴾، أيْ: يَجْعَلُ بَعْضَ السَّحابِ يَرْكَبُ بَعْضًا، ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾، ”اَلْوَدْقُ“: اَلْمَطَرُ، ويُقْرَأُ: ”مِن خَلَلِهِ“، و”خِلالِهِ“، أعَمُّ وأجْوَدُ في القِراءَةِ، و”خِلالٌ“، جَمْعُ ”خَلَلٌ“، و”خِلالٌ“، مِثْلَ: ”جَبَلٌ“، و”جِبالٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلسَّحابُ“، جَمْعَ ”سَحابَةٌ“، ويَكُونَ ”بَيْنَهُ“، أيْ: ”بَيْنَ جَمِيعِهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلسَّحابُ“، واحِدًا، إلّا أنَّهُ قالَ: ”بَيْنَهُ“، لِكَثْرَتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”جَلَسْتُ بَيْنَ زَيْدٍ“، حَتّى تَقُولَ: ”وَعَمْرٍو“، وتَقُولُ: ”ما زِلْتُ أدُورُ بَيْنَ الكُوفَةِ“، لِأنَّ ”اَلْكُوفَةُ“، اِسْمٌ يَتَضَمَّنُ أمْكِنَةً كَثِيرَةً، فَكَأنَّكَ تَقُولُ: ”ما زِلْتُ أدُورُ بَيْنَ طُرُقِ الكُوفَةِ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُنَـزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾، ويَجُوزُ: ”وَيُنْزِلُ“، بِالتَّخْفِيفِ، ومَعْنى ”مِنَ السَّماءِ مِن جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ“: ”مِن جِبالِ بَرَدٍ فِيها“، كَما تَقُولُ: ”هَذا خاتَمٌ في يَدِي مِن حَدِيدٍ“، اَلْمَعْنى: ”هَذا خاتَمُ حَدِيدٍ في يَدِي“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَعْنى ”مِن جِبالٍ“، مِن مِقْدارِ جِبالٍ مِن بَرَدٍ، كَما تَقُولُ: ”عِنْدَ فُلانٍ جِبالُ مالٍ“، تُرِيدُ: ”مِقْدارَ جِبالٍ“، مِن كَثْرَتِهِ، قَوْلُهُ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾، (p-٥٠)وَقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ: ”يُذْهِبُ بِالأبْصارِ“، ولَمْ يَقْرَأْ بِها غَيْرُهُ، ووَجْهُها في العَرَبِيَّةِ ضَعِيفٌ، لِأنَّ كَلامَ العَرَبِ: ”ذَهَبْتُ بِهِ“، و”أذْهَبْتُهُ“، وتِلْكَ جائِزَةٌ أيْضًا، أعْنِي الضَّمَّ في الياءِ، في ”يُذْهِبُ“، ومَعْنى ”سَنا بَرْقِهِ“: ضَوْءُ بَرْقِهِ، وقُرِئَتْ: ”سَنا بُرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ“، عَلى جَمْعِ ”بُرْقَةٌ“، و”بُرْقٌ“، والفَرْقُ بَيْنَ ”بُرْقِهِ“، بِالضَّمِّ، و”بَرْقِهِ“، بِالفَتْحِ، أنَّ ”اَلْبَرْقُ“: اَلْمِقْدارُ مِنَ البَرْقِ، و”اَلْبُرْقَةُ“: أنْ يَبْرُقَ الشَّيْءُ مَرَّةً واحِدَةً، كَما تَقُولُ: ”غَرَفْتُ غَرْفَةً واحِدَةً“، تُرِيدُ ”مَرَّةً واحِدَةً“، و”اَلْغَرْفَةُ“: مِقْدارُ ما يُغْرَفُ، وكَذَلِكَ ”اَللَّقْمَةُ“، و”اَللُّقْمَةُ“ .
النور 24:45
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”واللَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ مِن ماءٍ“، فَـ ”دابَّةٌ“، اِسْمٌ لِكُلِّ حَيَوانٍ مُمَيِّزٍ، وغَيْرِهِ، فَلَمّا كانَ لِما يَعْقِلُ، ولِما لا يَعْقِلُ، قالَ: ﴿فَمِنهُمْ﴾، ولَوْ كانَ لِما لا يَعْقِلُ، لِقِيلَ: ”فَمِنها“، أوْ: ”مِنهُنَّ“، ثُمَّ قالَ: ﴿مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾، فَقالَ: ”مَن“، وأصْلُ ”مَن“، لِما يَعْقِلُ، لِأنَّهُ لَمّا خَلَطَ الجَماعَةَ فَقِيلَ: ”فَمِنهم“، جُعِلَتِ العِبارَةُ بِـ ”مَن“، وقِيلَ: ”يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ“، لِأنَّ كُلَّ سائِرٍ كانَ لَهُ رِجْلانِ، أوْ أرْبَعٌ، أوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قَوائِمُ، يُقالُ لَهُ: ”ماشٍ“، و”قَدْ مَشى“، ويُقالُ لِكُلِّ مُسْتَمِرٍّ: ”ماشٍ“، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الحَيَوانِ، حَتّى يُقالَ: ”قَدْ مَشى هَذا الأمْرُ“، ﴿مِن ماءٍ﴾، وإنَّما قِيلَ: ”مِن ماءٍ“، كَما قالَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
النور 24:49
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿وَإنْ يَكُنْ لَهُمُ الحَقُّ يَأْتُوا إلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ ”مُسْرِعِينَ“، و”اَلْإذْعانُ“، في اللُّغَةِ: اَلْإسْراعُ مَعَ الطّاعَةِ، تَقُولُ: ”قَدْ أذْعَنَ لِي بِحَقِّي“، مَعْناهُ: قَدْ طاوَعَنِي لِما كُنْتُ ألْتَمِسُهُ مِنهُ، وصارَ يُسْرِعُ إلَيْهِ.
النور 24:53
(p-٥١)وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ أمْثَلُ مِن قَسَمِكم لِما لا تَصْدُقُونَ فِيهِ“، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، وهو ”أمْثَلُ“، وحُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وراءَ ما في قُلُوبِهِمْ، فَقالَ: ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾، ويَجُوزُ: ”طاعَةً مَعْرُوفَةً“، عَلى مَعْنى: ”أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً“، لِأنَّهم أقْسَمُوا إنْ أُمِرُوا أنْ يُطِيعُوا، فَقِيلَ: أطِيعُوا طاعَةً مَعْرُوفَةً، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَإنْ لَمْ تُرْوَ، فَلا تَقْرَأْ بِها، وهَذا يُعْنى بِهِ المُنافِقُونَ.
النور 24:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، وإنَّما جاءَتِ اللّامُ لِأنَّ ”وَعَدْتُهُ بِكَذا أوْ كَذا“، و”وَعَدْتُهُ لَأُكْرِمَنَّهُ“، بِمَنزِلَةِ ”قُلْتُ“، لِأنَّ الوَعْدَ لا يَنْعَقِدُ إلّا بِقَوْلٍ، ومَعْنى ”لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ“: أيْ: لَيَجْعَلَنَّهم يَخْلُفُونَ مَن بَعْدَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، فاسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وقُرِئَتْ: ”كَما اسْتُخْلِفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ“، ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾، يَعْنِي بِهِ الإسْلامَ، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾، وقُرِئَتْ: ”وَلَيُبْدِلَنَّهم“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُسْتَأْنِفًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، عَلى مَعْنى ”وَعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ في حالِ عِبادَتِهِمْ وإخْلاصِهِمْ لِلَّهِ - عَزَّ جَلَّ - لَيَفْعَلَنَّ بِهِمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا عَلى طَرِيقِ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وتَثْبِيتًا، كَأنَّهُ قالَ: ”يَعْبُدُنِي المُؤْمِنُونَ لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا“ .
النور 24:57
(p-٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى: ”لا تَحْسَبَنَّ يا مُحَمَّدُ الكافِرِينَ مُعْجِزِينَ“، أيْ: ”قُدْرَةُ اللَّهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ“، وقُرِئَتْ: ”لا يُحْسَبَنَّ“، عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ الأوَّلِ مِن ”يَحْسَبَنَّ“، عَلى مَعْنى: ”لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إيّاهم مُعْجِزِينَ في الأرْضِ“، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ حَسِبَهُ“، فَإنَّما تُرِيدُ: ”حَسِبَ نَفْسَهُ قائِمًا“، وكَأنَّهُ ”لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْفُسَهم مُعْجِزِينَ“، وهَذا في بابِ ”ظَنَنْتُ“، تُطْرَحُ فِيهِ النَّفْسُ، يُقالُ: ”ظَنَنْتُنِي أفْعَلُ“، ولا يُقالُ: ”ظَنَنْتُ نَفْسِي أفْعَلُ“، ولا يَجُوزُ ”ضَرَبْتُنِي“، اِسْتُغْنِيَ عَنْها بِـ ”ضَرَبْتُ نَفْسِي“ .
النور 24:58
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ﴾، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ الَّتِي يُتَخَلّى فِيها، ويُتَكَشَّفُونَ، وبَيَّنَها فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾، يُعْنى بِهِ العَتَمَةُ، عِشاءُ الآخِرَةِ، فَأعْلَمَ أنَّها عَوْراتٌ، فَقالَ ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾، عَلى مَعْنى: ”هي ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم“، وقُرِئَتْ: ”ثَلاثَ عَوَراتٍ لَكم“، والإسْكانُ أكْثَرُ، لِثِقَلِ الحَرَكَةِ والواوِ، تَقُولُ: ”طَلْحَةٌ“، و”طَلَحاتٌ“، و”جَمْرَةٌ“، و”جَمَراتٌ“، ويَجُوزُ في ”لَوْزَةٌ“، ”لَوَزاتٌ“، بِحَرَكَةِ الواوِ، والأجْوَدُ: ”لَوْزاتٌ“، ويَجُوزُ: ”ثَلاثَ عَوَراتٍ“، بِالنَّصْبِ، عَلى مَعْنى: ”لِيَسْتَأْذِنُوكم ثَلاثَ عَوَراتٍ“، أيْ: ”في أوْقاتِ ثَلاثِ عَوَراتٍ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، أيْ: لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ولا عَلَيْهِمْ في ألّا يَسْتَأْذِنُوا بَعْدَ أنْ يَمْضِيَ كُلُّ وقْتٍ مِن هَذِهِ.
(p-٥٣)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، عَلى مَعْنى: ”هم طَوّافُونَ عَلَيْكم“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ﴾، عَلى مَعْنى: ”يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ“ .
النور 24:59
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾، فالبالِغُ يَسْتَأْذِنُ في كُلِّ الأوْقاتِ، والطِّفْلُ والمَمْلُوكُ يَسْتَأْذِنُ في الثَّلاثِ العَوْراتِ.
النور 24:60
وَقَوْلُهُ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾، ”اَلْقَواعِدُ“: جَمْعُ ”قاعِدَةٌ“، وهي الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الزَّواجِ، ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾، أيْ: لا يُرِدْنَهُ، ولا يَرْجُونَهُ، وقِيلَ أيْضًا: اَللّاتِي قَدْ قَعَدْنَ عَنِ الحَيْضِ، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يَضَعْنَ المِلْحَفَةَ والرِّداءَ، ﴿وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾، أيْ: ألّا يَضَعْنَ الرِّداءَ والمِلْحَفَةَ خَيْرٌ لَهُنَّ مِن أنْ يَضَعْنَهُ.
النور 24:61
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ﴾، ”اَلْحَرَجُ“، في اللُّغَةِ: اَلضِّيقُ، ومَعْناهُ في الدِّينِ: اَلْإثْمُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ كانُوا لا يُؤاكِلُونَ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ خَوْفًا مَن تَمَكُّنِ الأصِحّاءِ في الطَّعامِ، وقِلَّةِ تَمَكُّنِ هَؤُلاءِ، فَقِيلَ (p-٥٤)لَهُمْ: لَيْسَ في مُؤاكَلِتِهِمْ حَرَجٌ، وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ تَقَزُّزًا، وقِيلَ أيْضًا: إنَّهم كانُوا إذا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَلَّفُوا هَؤُلاءِ، فَكانُوا يَتَحَوَّبُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِمّا يَحْفَظُونَهُ، فَأُعْلِمُوا أنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّهُ كانَ قَوْمٌ يَدْعُونَهم إلى طَعامِهِمْ، فَرُبَّما صارُوا إلى مَنازِلِهِمْ، فَلَمْ يَجِدُوا فِيها طَعامًا، فَيَمْضُونَ بِهِمْ إلى آبائِهِمْ، وجَمِيعُ ما ذَكَرُوا جَيِّدٌ بالِغٌ، إلّا ما ذَكَرُوا مِن تَرْكِ المُؤاكَلَةِ تَقَزُّزًا، فَإنِّي لا أدْرِي كَيْفَ هُوَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾، مَعْنى ”أشْتاتًا“: مُتَفَرِّقِينَ، مُتَوَحِّدِينَ، ونُصِبَ ”جَمِيعًا“، عَلى الحالِ، ويُرْوى أنَّ حَيًّا مِنَ العَرَبِ كانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ وحْدَهُ، وهم حَيٌّ مِن كِنانَةَ، يَمْكُثُ الرَّجُلُ يَوْمَهُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا، ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحُفَّلُ، وهي الَّتِي مِلْءُ أخْلافِها اللَّبَنُ، فَلا يَشْرَبُ مِن ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الرَّجُلَ مِنهم إنْ أكَلَ وحْدَهُ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾، مَعْناهُ: ”فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ“، فالسَّلامُ قَدْ أمَرَ اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ أيْضًا: ”إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا وكانَتْ خالِيَةً فَلْيَقُلِ الدّاخِلُ: اَلسَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾، (p-٥٥)مَعْناهُ: اَلنَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”فَسَلِّمُوا“، مَعْناهُ: ”تَحَيَّوْا، ويُحَيِّي بَعْضُكم بَعْضًا، تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ السَّلامَ مُبارَكٌ طَيِّبٌ.
النور 24:62
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: كانَ ذَلِكَ في الجُمُعَةِ، فَهو - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا مَعَ نَبِيِّهِ ﷺ فِيما يُحْتاجُ فِيهِ إلى الجَماعَةِ، نَحْوَ الحَرْبِ لِلْعَدُوِّ، أوْ ما يَحْضُرُونَهُ مِمّا يُحْتاجُ إلى الجَمْعِ فِيهِ، لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ، وكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مَعَ أئِمَّتِهِمْ، لا يُخالِفُونَهُمْ، ولا يَرْجِعُونَ عَنْهم في جَمْعٍ مِن جُمُوعِهِمْ، إلّا بِإذْنِهِمْ، ولِلْإمامِ أنْ يَأْذَنَ، ولَهُ ألّا يَأْذَنَ، عَلى قَدْرِ ما يَرى مِنَ الحَظِّ في ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ﴾، فَجَعَلَ المَشِيئَةَ إلَيْهِ في الإذْنِ، ﴿واسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾، أيْ: اِسْتَغْفِرْ لَهم بِخُرُوجِهِمْ عَنِ الجَماعَةِ إذا رَأيْتَ أنَّ لَهم عُذْرًا.
النور 24:63
وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾، أيْ: ”لا تَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ، كَما يَقُولُ أحَدُكم لِصاحِبِهِ، ولَكِنْ قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ، بِتَبْجِيلٍ، وتَوْقِيرٍ، وخَفْضِ صَوْتٍ“، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَضْلَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، عَلى سائِرِ البَرِيَّةِ في المُخاطَبَةِ.
(p-٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾، أُظْهِرَتِ الواوُ في ”لِواذًا“، عَلى مَعْنى: ”لاوَذْتُ لِواذًا“، ومَعْنى ”لِواذًا“، هَهُنا: اَلْخِلافُ، أيْ: يُخالِفُونَ خِلافًا، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ﴾، فَأمّا مَصْدَرُ ”لُذْتُ“، فَقَوْلُكَ: ”لُذْتُ بِهِ، لِياذًا“ .
الفرقان 25:1
(p-٥٧)سُورَةُ اَلْفُرْقانِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿تَبارَكَ الَّذِي نَـزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾، ”تَبارَكَ“، مَعْناهُ: ”تَفاعَلَ“، مِن ”اَلْبَرَكَةُ“، كَذَلِكَ يَقُولُ أهْلُ اللُّغَةِ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومَعْنى ”اَلْبَرَكَةُ“، اَلْكَثْرَةُ في كُلِّ ذِي خَيْرٍ، و”اَلْفُرْقانُ“: اَلْقُرْآنُ، يُسَمّى ”فُرْقانًا“، لِأنَّهُ فُرِّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ، والباطِلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾، ”اَلنَّذِيرُ“: اَلْمُخَوِّفُ مِن عَذابِ اللَّهِ، وكُلُّ مَن خَوَّفَ فَقَدْ أنْذَرَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]
الفرقان 25:2
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾، خَلَقَ اللَّهُ الحَيَوانَ، وقَدَّرَ لَهُ ما يُصْلِحُهُ ويُقِيمُهُ، وقَدَّرَ جَمِيعَ ذَلِكَ لِخَلْقِهِ بِحِكْمَةٍ، وتَقْدِيرٍ.
الفرقان 25:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ افْتَراهُ﴾، ”اَلْإفْكُ“: اَلْكَذِبُ، ﴿وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يَعْنُونَ اليَهُودَ.
(p-٥٨)﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾، و”اَلزُّورُ“: اَلْكَذِبُ، ونُصِبَ ”ظُلْمًا وزُورًا“، عَلى: ”فَقَدْ جاؤُوا بِظُلْمٍ وزُورٍ“، فَلَمّا سَقَطَتِ الباءُ أفْضى الفِعْلُ فَنَصَبَ.
الفرقان 25:5
﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾، خَبَرُ ابْتِداءٍ مَحْذُوفٍ، المَعْنى: ”وَقالُوا: اَلَّذِي كِتابُهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ“، مَعْناهُ: ”مِمّا سَطَّرَهُ الأوَّلُونَ“، وواحِدُ ”اَلْأساطِيرُ“: ”أُسْطُورَةٌ“، كَما تَقُولُ: ”أُحْدُوثَةٌ“، و”أحادِيثُ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلا﴾، ”اَلْأصِيلُ“: اَلْعَشِيُّ.
الفرقان 25:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾، ”ما“، مُنْفَصِلَةٌ مِنَ اللّامِ، المَعْنى: ”أيُّ شَيْءٍ لِهَذا الرَّسُولِ في حالِ أكْلِهِ الطَّعامَ، ومَشْيِهِ في الأسْواقِ؟!“، اِلْتَمَسُوا أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلى غَيْرِ بِنْيَةِ الآدَمِيِّينَ، والواجِبُ أنْ يَكُونَ الرَّسُولُ إلى الآدَمِيِّينَ آدَمِيًّا، لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الفَهْمِ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾، طَلَبُوا أنْ يَكُونَ في النُّبُوَّةِ شَرِكَةٌ، وأنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ مَلَكًا، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَقُولُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا﴾ [الأنعام: ٩]، أيْ: لَمْ يَكُنْ لِيُفْهِمَهم حَتّى يَكُونَ رَجُلًا، ومَعْنى ”لَوْلا“: ”هَلّا“، وتَأْوِيلُ ”هَلّا“: اَلِاسْتِفْهامُ، وانْتَصَبَ، فَيَكُونُ عَلى الجَوابِ بِالفاءِ لِلِاسْتِفْهامِ.
الفرقان 25:8
(p-٥٩)﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾، وإنْ شِئْتَ ”أوْ يَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ“، ولا يَجُوزُ النَّصْبُ في ”يَكُونُ لَهُ“، لِأنَّ ”يَكُونُ“، عُطِفَ عَلى الِاسْتِفْهامِ، المَعْنى: ”لَوْلا أنْزِلُ إلَيْهِ مَلَكٌ أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ، أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ؟“، و”اَلْجَنَّةُ“: اَلْبُسْتانُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لَوْ شاءَ ذَلِكَ، وخَيْرًا مِنهُ، لَفَعَلَهُ، فَقالَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: ١٠]، أيْ: لَوْ شاءَ لَفَعَلَ أكْثَرَ مِمّا قالُوا، وقَدْ عَرَضَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى النَّبِيِّ ﷺ أمْرَ الدُّنْيا، فَزَهِدَ، وآثَرَ أمْرَ الآخِرَةِ، فَأمّا ”يَجْعَلْ“، فَبِالجَزْمِ، المَعْنى: ”إنْ يَشَأْ يَجْعَلْ لَكَ جَنّاتٍ، ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا“، ومَن رَفَعَ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ، المَعْنى: ”وَسَيَجْعَلُ لَكَ قُصُورًا“، أيْ: ”سَيُعْطِيكَ اللَّهُ في الآخِرَةِ أكْثَرَ مِمّا قالُوا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾، و”يَأْكُلْ مِنها“ .
الفرقان 25:12
وَقَوْلُهُ: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾، أيْ: سَمِعُوا لَها غَلَيانَ تَغَيُّظٍ.
الفرقان 25:13
وَقَوْلُهُ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾، في مَعْنى ”هَلاكًا“، ونَصْبُهُ عَلى المَصْدَرِ، كَأنَّهم قالُوا: ”ثُبِرْنا ثُبُورًا“ .
الفرقان 25:14
﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾، أيْ: هَلاكُكم أكْثَرُ مِن أنْ تَدْعُوا مَرَّةً واحِدَةً، وقِيلَ: ”ثُبُورًا كَثِيرًا“، لِأنَّ ”ثُبُورًا“، مَصْدَرٌ، فَهو لِلْقَلِيلِ، والكَثِيرِ، عَلى لَفْظِ الواحِدِ، كَما تَقُولُ: ”ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا (p-٦٠)كَثِيرًا“، و”ضَرَبْتُهُ واحِدًا“، تُرِيدُ: ”ضَرَبْتُهُ ضَرْبًا واحِدًا“ .
الفرقان 25:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُقالُ: ”اَلْجَنَّةُ خَيْرٌ مِنَ النّارِ“، ولَيْسَ في النّارِ خَيْرٌ البَتَّةَ، وإنَّما يَقَعُ التَّفْضِيلُ فِيما دَخَلَ في صِنْفٍ واحِدٍ؟ فالجَنَّةُ والنّارُ قَدْ دَخَلا في بابِ المَنازِلِ في صِنْفٍ واحِدٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ؟“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]
الفرقان 25:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾، ”مَسْؤُولًا“، ذَلِكَ قَوْلُ المَلائِكَةِ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ﴾ [غافر: ٨]
الفرقان 25:18
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾، لَمّا سُئِلَتِ المَلائِكَةُ، فَقِيلَ: ﴿أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي هَؤُلاءِ أمْ هم ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ [الفرقان: ١٧]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِعِيسى، والعُزَيْرِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ وحْدَهُ: ”قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُتَّخَذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ“، بِضَمِّ النُّونِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وهَذِهِ القِراءَةُ عِنْدَ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ خَطَأٌ، وإنَّما كانَتْ خَطَأً لِأنَّ ”مِن“، إنَّما يَدْخُلُ في هَذا البابِ في الأسْماءِ، إذا كانَتْ مَفْعُولَةً أوَّلًا، ولا تَدْخُلُ عَلى مَفْعُولِ الحالِ، تَقُولُ: ”ما اتَّخَذْتُ مِن أحَدٍ ولِيًّا“، ولا يَجُوزُ ”ما اتَّخَذْتُ أحَدًا مِن ولِيٍّ“، لِأنَّ ”مِن“، إنَّما دَخَلَتْ لِأنَّها تَنْفِي واحِدًا في مَعْنى (p-٦١)جَمِيعٍ، تَقُولُ: ”ما مِن أحَدٍ قائِمًا“، و”ما مِن رَجُلٍ مُحِبًّا لِما يَضُرُّهُ“، ولا يَجُوزُ ”ما رَجُلٌ مِن مُحِبٍّ ما يَضُرُّهُ“، ولا وجْهَ لِهَذِهِ القِراءَةِ، إلّا أنَّ الفَرّاءَ أجازَها عَلى ضَعْفٍ، وزَعَمَ أنَّهُ يَجْعَلُ ”مِن أوْلِياءَ“، هو الِاسْمَ، ويَجْعَلُ الخَبَرَ ما في ”نُتَّخَذَ“، كَأنَّهُ يُجْعَلُ عَلى القَلْبِ، ولا وجْهَ عِنْدَنا لِهَذا البَتَّةَ، لَوْ جازَ هَذا لَجازَ في ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧]، ”ما أحَدٌ عَنْهُ مِن حاجِزِينَ“، وهَذا خَطَأٌ، لا وجْهَ لَهُ، فاعْرِفْهُ، فَإنَّ مَعْرِفَةَ الخَطَإ فِيهِ أمْثَلُ مِنَ القِراءَةِ، والقُرّاءُ كُلُّهم يُخالِفُونَ هَذا مِنهُ، ومِنَ الغَلَطِ في قِراءَةِ الحَسَنِ: ”وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطُونَ“ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”هَلْكى“، و”اَلْبائِرُ“، في اللُّغَةِ: اَلْفاسِدُ، والَّذِي لا خَيْرَ فِيهِ، وكَذَلِكَ ”أرْضٌ بائِرَةٌ“، مَتْرُوكَةٌ مِن أنْ يُزْرَعَ فِيها.
الفرقان 25:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾، وتُقْرَأُ: ”بِما يَقُولُونَ“، بِالياءِ، والتّاءِ، فَمَن قَرَأ: ”بِما تَقُولُونَ“، بِالتّاءِ، فالمَعْنى: ”فَقَدَ كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: إنَّهم آلِهَةٌ“، ومَن قَرَأ بِالياءِ فالمَعْنى: " فَقَدْ كَذَّبُوكم بِقَوْلِهِمْ: ﴿سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا﴾، أيْ: ما تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَصْرِفُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ ما يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ، ولا أنْ يَنْصُرُوا أنْفُسَهم.
الفرقان 25:20
(p-٦٢)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾، هَذا احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧]، فَقِيلَ لَهُمْ: ”كَذَلِكَ كانَ مَن خَلا مِنَ الرُّسُلِ، يَأْكُلُ الطَّعامَ، ويَمْشِي في الأسْواقِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ؟“، فَأمّا دُخُولُ ”إنَّهم“، بَعْدَ ”إلّا“، فَهو عَلى تَأْوِيلِ: ”ما أرْسَلْنا رُسُلًا إلّا هم يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وإلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ“، وحُذِفَتْ رُسُلًا لِأنَّ ”مِن“، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، دَلِيلٌ عَلى ما حُذِفَ مِنهُ، فَأمّا مِثْلُ اللّامِ بَعْدَ ”إلّا“، فَقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما أنْطَيانِي ولا سَألْتُهُما ∗∗∗ إلّا وإنِّي لَحاجِزٌ كَرَمِي
يُرِيدُ: ”أعْطَيانِي“، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”مَن“، بَعْدَ ”إلّا“، مَحْذُوفَةٌ، كَأنَّ المَعْنى عِنْدَهُ: ”إلّا مَن لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ“، وهَذا خَطَأٌ بَيِّنٌ، لِأنَّ ”مَن“، صِلَتُها ”إنَّهم لَيَأْكُلُونَ“، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ المَوْصُولِ، وتَبْقِيَةُ الصِّلَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، فِيهِ قَوْلانِ، قِيلَ: كانَ الرَّجُلُ الشَّرِيفُ رُبَّما أرادَ الإسْلامَ، فَعَلِمَ أنَّ مَن دُونَهُ في الشَّرَفِ قَدْ أسْلَمَ قَبْلَهُ، فَيَمْتَنِعُ مِنَ الإسْلامِ، لِئَلّا يُقالُ أسْلَمَ قَبْلَهُ مَن هو دُونَهُ، وقِيلَ: كانَ الفَقِيرُ يَقُولُ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ بِمَنزِلَةِ الغَنِيِّ؟! ويَقُولُ ذُو البَلاءِ: لِمَ لَمْ أُجْعَلْ بِمَنزِلَةِ المُعافى؟! نَحْوَ الأعْمى، والزَّمِنِ، ومَن أشْبَهَ هَؤُلاءِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾، (p-٦٣)أيْ: أتَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ؟ فَقَدْ عُرِّفْتُمْ ما وُعِدَ الصّابِرُونَ.
الفرقان 25:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾، مَعْنى ”لَوْلا“: ”هَلّا“، ﴿أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بِالبَعْثِ، ولا يَرْجُونَ الثَّوابَ عَلى الأعْمالِ عِنْدَ لِقاءِ اللَّهِ طَلَبُوا مِنَ الآياتِ ما لَمْ يَأْتِ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم قَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا، ويَجُوزُ ”عُتُوًّا كَثِيرًا“، بِالثّاءِ، و”اَلْعُتُوُّ“، في اللُّغَةِ: اَلْمُجاوَزَةُ في القَدْرِ في الظُّلْمِ.
الفرقان 25:22
وَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَرَوْنَ فِيهِ المَلائِكَةَ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وأنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَمَهُمُ البُشْرى في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَقالَ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾، ”يَوْمَ يَرَوْنَ“، مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى: ”لا بُشْرى تَكُونُ لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ“، و”يَوْمَئِذٍ“، هو مُؤَكِّدٌ لِـ ”يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ“، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”لا بُشْرى“، لِأنَّ ما اتَّصَلَ بِـ ”لا“، لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، ولَكِنْ لَمّا قِيلَ: ”لا بُشْرى لِلْمُجْرِمِينَ“، بُيِّنَ في أيِّ يَوْمٍ ذَلِكَ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ”يُمْنَعُونَ البُشْرى يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ“، ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، وقُرِئَتْ: ”حُجْرًا“، بِضَمِّ الحاءِ، والمَعْنى: ”وَتَقُولُ المَلائِكَةُ: حِجْرًا مَحْجُورًا“، أيْ: ”حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْهِمُ البُشْرى“، وأصْلُ ”اَلْحِجْرُ“، في اللُّغَةِ: ما حَجَرْتَ عَلَيْهِ، أيْ: ما مَنَعْتَ مِن أنْ يُوَصَلَ إلَيْهِ، وكُلُّ ما مَنَعْتَ مِنهُ فَقَدْ حَجَرْتَ عَلَيْهِ، وكَذَلِكَ حَجْرُ القُضاةِ عَلى الأيْتامِ، إنَّما هو مَنعُهم إيّاهم عَنِ التَّصَرُّفِ في أمْوالِهِمْ، وكَذَلِكَ ”اَلْحُجْرَةُ“، اَلَّتِي يَنْزِلُها النّاسُ، هو ما حَوَّطُوا عَلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يَوْمَ“، (p-٦٤)مَنصُوبًا عَلى مَعْنى: ”اُذْكُرْ يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ“، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾، و”اَلْمُجْرِمُونَ“: اَلَّذِينَ اجْتَرَمُوا الذُّنُوبَ، وهم في هَذا المَوْضِعِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا الكُفْرَ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الفرقان 25:23
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾، مَعْنى ”قَدِمْنا“: ”عَمَدْنا“، و”قَصَدْنا“، كَما تَقُولُ: ”قامَ فُلانٌ يَشْتُمُ فُلانًا“، تُرِيدُ: ”قَصَدَ إلى شَتْمِ فُلانٍ“، ولا تُرِيدُ: ”قامَ“، مِن ”اَلْقِيامُ عَلى الرِّجْلَيْنِ“، ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾، ”اَلْهَباءُ“، ما يَخْرُجُ مِنَ الكُوَّةِ مَعَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، شَبِيهًا بِالغُبارِ، وتَأْوِيلُهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أحْبَطَ أعْمالَهم حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الهَباءِ المَنثُورِ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَضْلَ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى أهْلِ النّارِ، فَقالَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ [الفرقان: ٢٤]، و”اَلْمَقِيلَ“: اَلْمُقامُ وقْتَ القائِلَةِ، وقِيلَ: هو النَّوْمُ نِصْفَ النَّهارِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَصِيرُونَ إلى أهْلِيهِمْ في الجَنَّةِ وقْتَ نِصْفِ النَّهارِ.
الفرقان 25:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾، ويُقْرَأُ: ”تَشَّقَّقُ“، بِتَشْدِيدِ الشِّينِ، والمَعْنى: ”تَتَشَقَّقُ“، ﴿وَنُـزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْـزِيلا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ تَتَشَقَّقُ سَماءٌ سَماءٌ، وتَنْزِلُ المَلائِكَةُ إلى الأرْضِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
الفرقان 25:26
(p-٦٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾، ”اَلْحَقُّ“: صِفَةٌ لِـ ”اَلْمُلْكُ“، ومَعْناهُ أنَّ المُلْكَ الَّذِي هو المُلْكُ حَقًّا هو مُلْكُ الرَّحْمَنِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، لِأنَّ المُلْكَ الزّائِلَ كَأنَّهُ لَيْسَ بِمُلْكٍ، ويَجُوزُ: ”اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقَّ لِلرَّحْمَنِ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، ويَكُونُ النَّصْبُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى: اَلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلرَّحْمَنِ أحَقَّ ذَلِكَ الحَقِّ ”، وعَلى:“ أعْنِي الحَقَّ " .
الفرقان 25:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا﴾، يُرْوى أنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مَعِيطٍ هو الظّالِمُ هَهُنا، وأنَّهُ يَأْكُلُ يَدَهُ نَدَمًا، ثُمَّ يَعُودُ، وأنَّهُ كانَ عَزَمَ عَلى الإسْلامِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، فَقالَ لَهُ أُمَيَّةُ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ، إنْ كَلَّمْتُكَ أبَدًا، فامْتَنَعَ أُمَيَّةُ مِنَ الإسْلامِ لِقَوْلِ أُمَيَّةَ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أكَلَ يَدَهُ نَدَمًا، وتَمَنّى أنْ آمَنَ واتَّخَذَ مَعَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - طَرِيقًا إلى الجَنَّةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ [الفرقان: ٢٨] ﴿لَقَدْ أضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إذْ جاءَنِي﴾ [الفرقان: ٢٩]، وقَدْ قِيلَ أيْضًا - في ”لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا -: أيْ: لَمْ أتَّخِذِ الشَّيْطانَ خَلِيلًا، وتَصْدِيقُ هَذا القَوْلِ: ﴿وَكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان: ٢٩]، ولا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ قَبُولُهُ مِن أُمَيَّةَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ وأعْوانِهِ، ويَجُوزُ:“ اِتَّخَتُّ "، بِتَبْيِينِ الذّالِ، وبِإدْغامِها في التّاءِ، والإدْغامُ أكْثَرُ وأجْوَدُ.
الفرقان 25:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾، (p-٦٦)جَعَلُوهُ بِمَنزِلَةِ الهُجْرِ، و”اَلْهُجْرُ“: ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ القَوْلِ، وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَهْجُرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَهْجُورًا“: مَتْرُوكًا، أيْ: جَعَلُوهُ مَهْجُورًا لا يَسْتَمِعُونَهُ، ويَتَفَهَّمُونَهُ.
الفرقان 25:31
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾، ”عَدُوًّا“، لَفْظُهُ لَفْظُ واحِدٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى الجَماعَةِ، والواحِدِ، كَما قالَ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٧٧]، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَعْنى ”أعْداءٌ“، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ هادِيًا ونَصِيرًا﴾، و”هادِيًا ونَصِيرًا“، مَنصُوبانِ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما الحالُ، المَعْنى: ”وَكَفى رَبُّكَ في حالِ الهِدايَةِ والنَّصْرِ“، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّمْيِيزِ، عَلى مَعْنى ”كَفى رَبُّكَ مِنَ الهُداةِ والنُّصّارِ“ .
الفرقان 25:32
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾، مَعْناهُ: ”هَلّا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في وقْتٍ واحِدٍ؟ وكانَ بَيْنَ أوَّلِ نُزُولِ القُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، فَقالُوا: لِمَ لَمْ يَنْزِلْ جَمْلَةً واحِدَةً كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ؟ فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ إنْزالَهُ مُتَفَرِّقًا لِيَثْبُتَ في قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾، أيْ: أنْزَلْناهُ كَذَلِكَ مُتَفَرِّقًا، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾، يَدُلُّ عَلى مَعْنى:“ لِمَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ مُتَفَرِّقًا؟ فَأُعْلِمُوا لِمَ ذَلِكَ، أيْ: لِلتَّثْبِيتِ، ﴿وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾، أيْ: نَزَّلْناهُ عَلى التَّرْتِيلِ، وهو ضِدُّ العَجَلَةِ، وهو التَّمَكُّثُ.
الفرقان 25:33
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، (p-٦٧)مَعْناهُ: ”وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِالَّذِي هو الحَقُّ وأحْسَنُ تَفْسِيرًا مِن مَثَلِهِمْ“، إلّا أنَّ ”مِن“، حُذِفَتْ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْها، لَوْ قُلْتَ: ”رَأيْتُ زَيْدًا وعَمْرًا، فَكانَ عَمْرٌو أحْسَنَ وجْهًا“، كانَ الكَلامُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّكَ تُرِيدُ: ”مِن زَيْدٍ“ .
الفرقان 25:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا وأضَلُّ سَبِيلا﴾، ”اَلَّذِينَ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، و”أُولَئِكَ“، رَفْعٌ، ابْتِداءٌ ثانٍ، و”شَرٌّ“، خَبَرُ ”أُولَئِكَ“، و”أُولَئِكَ“، مَعَ ”شَرٌّ“، خَبَرُ ”اَلَّذِينَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النّاسَ يُحْشَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثَةِ أصْنافٍ، صِنْفٍ عَلى الدَّوابِّ، وصِنْفٍ عَلى أرْجُلِهِمْ، وصِنْفٍ عَلى وُجُوهِهِمْ، «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَمْشُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؟! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”اَلَّذِي أمْشاهم عَلى أقْدامِهِمْ قادِرٌ أنْ يُمْشِيَهم عَلى وُجُوهِهِمْ“» .
الفرقان 25:35
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾، ”اَلْوَزِيرُ“، في اللُّغَةِ: اَلَّذِي يُرْجَعُ إلَيْهِ، ويُتَحَصَّنُ بِرَأْيِهِ، و”اَلْوَزَرُ“: ما يُلْتَجَأُ إلَيْهِ، ويُعْتَصَمُ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كَلا لا وزَرَ﴾ [القيامة: ١١]، أيْ: لا مَلْجَأ يَوْمَ القِيامَةِ ولا مَنجى إلّا لِمَن رَحِمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
الفرقان 25:36
وَقَوْلُهُ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾، يَعْنِي بِهِ فِرْعَوْنَ وقَوْمُهُ، والَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ.
الفرقان 25:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾، يَدُلُّ هَذا اللَّفْظُ أنَّ قَوْمَ نُوحٍ قَدْ كَذَّبُوا غَيْرَ نُوحٍ أيْضًا، لِقَوْلِهِ: ”اَلرُّسُلَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلرُّسُلَ“، يُعْنى بِهِ نُوحٌ وحْدَهُ، لِأنَّ مَن كَذَّبَ بِنَبِيٍّ فَقَدْ كَذَّبَ (p-٦٨)بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ، لِأنَّةِ مُخالِفٌ لِلْأنْبِياءِ، لِأنَّ الأنْبِياءَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وبِجَمِيعِ رُسُلِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِهِ الواحِدُ، ويُذْكَرُ لَفْظُ الجِنْسِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ يُنْفِقُ الدِّرْهَمَ الواحِدَ: ”أنْتَ مِمَّنْ يُنْفِقُ الدَّراهِمَ“، أيْ: مِمَّنْ نَفَقَتُهُ مِن هَذا الجِنْسِ، و”فُلانٌ يَرْكَبُ الدَّوابَّ“، وإنْ لَمْ يَرْكَبْ إلّا واحِدَةً.
الفرقان 25:38
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، ”قَوْمَ نُوحٍ“، مَنصُوبُونَ عَلى مَعْنى: ”وَأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ“، و”عادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ“، نَصْبٌ، عَطْفٌ عَلى الهاءِ والمِيمِ، الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْناهم لِلنّاسِ آيَةً﴾ [الفرقان: ٣٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَعْنى ﴿وَأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧]، ويَكُونَ التَّأْوِيلُ: ”وَعَدْنا الظّالِمِينَ بِالعَذابِ، ووَعَدْنا عادًا وثَمُودَ وأصْحابَ الرَّسِّ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفرقان: ٣٧]، و”اَلرَّسُّ“: بِئْرٌ، يُرْوى أنَهم قَوْمٌ كَذَّبُوا بِنَبِيِّهِمْ، ورَمَوْهُ في بِئْرٍ، أيْ: دَسُّوهُ فِيها، ويُرْوى أنَّ ”اَلرَّسُّ“، قَرْيَةٌ بِاليَمامَةِ، يُقالُ لَها: ”مَلْحٌ“، ويُرْوى أنَّ ”اَلرَّسُّ“، دِيارٌ لِطائِفَةٍ مِن ثَمُودَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، يُرْوى أنَّ القَرْنَ مُدَّتُهُ سَبْعُونَ سَنَةً.
الفرقان 25:39
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾، ”كُلًّا“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، المَعْنى: ”وَأنْذَرْنا كُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ“، ﴿وَكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾، ”اَلتَّتْبِيرُ“: اَلتَّدْمِيرُ، والهَلاكُ، وكُلُّ شَيْءٍ كَسَّرْتَهُ وفَتَّتَّهُ فَقَدَ تَبَّرْتَهُ، ومِن هَذا (p-٦٩)قِيلَ لِمُكَسَّرِ الزُّجاجِ: ”اَلتِّبْرُ“، وكَذَلِكَ ”تِبْرُ الذَّهَبِ“ .
الفرقان 25:40
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، ”أتَوْا“، أيْ: ”مُشْرِكُو مَكَّةَ“، يُعْنى بِهِ قَرْيَةُ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ عَلَيْها الحِجارَةَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى التَّكْذِيبِ، وأنَّهم لَمْ يُبالُوا بِما شاهَدُوا مِنَ التَّعْذِيبِ في الدُّنْيا، أنَّهم كانُوا لا يُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ، فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، قِيلَ: لا يَخافُونَ ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ بَعْدَ البَعْثِ، والَّذِي عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الرَّجاءَ لَيْسَ عَلى مَعْنى الخَوْفِ، هَذا مَذْهَبُ مَن يَرْفَعُ الأضْدادَ، وهو عِنْدِي الحَقُّ، المَعْنى: " بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ ثَوابَ مَن عَمِلَ خَيْرًا بَعْدَ البَعْثِ، فَرَكِبُوا المَعاصِيَ.
الفرقان 25:41
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا﴾، اَلْمَعْنى: ”يَقُولُونَ: أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنا رَسُولًا“ .
الفرقان 25:43
وَقَوْلُهُ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾، يُرْوى أنَّ الواحِدَ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَعْبُدُ الحَجَرَ، فَإذا مَرَّ بِحَجَرٍ أحْسَنَ مِنهُ تَرَكَ الأوَّلَ وعَبَدَ الثّانِي، وقِيلَ أيْضًا: ”مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ“، أيْ: أطاعَ هَواهُ، ورَكِبَهُ، فَلَمْ يُبالِ عاقِبَةَ ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾، أيْ: حَفِيظًا.
الفرقان 25:44
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ هم إلا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾، مَعْناهُ: ما هم إلّا كالأنْعامِ في قِلَّةِ التَّمْيِيزِ فِيما جُعِلَ دَلِيلًا لَهم مِنَ الآياتِ والبُرْهانِ.
(p-٧٠)قالَ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾، لِأنَّ الأنْعامَ تُسَبِّحُ بِحَمْدِ اللَّهِ، وتَسْجُدُ لَهُ، وهم كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤]
الفرقان 25:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾، ”اَلظِّلُّ“: مِن وقْتِ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾، أيْ: ثابِتًا دائِمًا، لا يَزُولُ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾، فالشَّمْسُ دَلِيلٌ عَلى الظِّلِ، وهي تَنْسَخُ الظِّلَّ.
الفرقان 25:46
﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾، قِيلَ: خَفِيًّا، وقِيلَ: سَهْلًا، ومَعْنى ”ألَمْ تَرَ“: ألَمْ تَعْلَمْ؟ وهَذا مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَهُنا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، ويَكُونَ المَعْنى: ”ألَمْ تَرَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ رَبُّكَ؟!“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى ”ألَمْ تَعْلَمْ؟“ .
الفرقان 25:48
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، فِيها سِتَّةُ أوْجُهٍ: ”نَشْرًا“، بِفَتْحِ النُّونِ، و”نُشْرًا“، بِضَمِّها، و”نُشُرًا“، بِضَمِّ النُّونِ والشِّينِ، ويَجُوزُ ”بُشْرى“، ”مُؤَنَّثٌ“، بِالباءِ، عَلى وزْنِ ”فُعْلى“، و”بُشْرًا“، بِالتَّنْوِينِ والباءِ، و”بُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ“، فَهَذِهِ سِتَّةُ أوْجُهٍ، مِنها أرْبَعَةٌ يُقْرَأُ بِها، فَأمّا ”نَشْرًا“، فَمَعْناهُ: إحْياءٌ يَنْشُرُ السَّحابَ الَّذِي بِهِ المَطَرُ، الَّذِي فِيهِ حَياةُ كُلِّ شَيْءٍ، ومَن قَرَأ: ”نُشُرًا“، فَهو جَمْعُ ”نُشُورٌ“، و”نُشُرٌ“، مِثْلَ ”رَسُولٌ“، و”رُسُلٌ“، ومَن قَرَأ بِالإسْكانِ أسْكَنَ الشِّينَ اسْتِخْفافًا، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ في النُّونِ، فَأمّا الباءُ فَمَن نَوَّنَ بِالباءِ، وضَمَّها، وتَسْكِينُ الشِّينِ، فَإنَّما هو بِتَسْكِينِ العَيْنِ مِن قَوْلِكَ: ”بُشْرًا“، وإذا لَمْ يُنَوِّنْها فَألِفُها (p-٧١)لِلتَّأْنِيثِ، ومَن قَرَأ: ”بُشْرًا“، بِالتَّنْوِينِ، فَهو جَمْعٌ، يُقالُ: ”رِيحٌ بَشُورٌ“، كَما قالَ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ [الروم: ٤٦]، أيْ: تُبَشِّرُ بِالغَيْثِ، ومَن قَرَأ: ”بُشُرًا“، بِالضَّمِّ، فَهو عَلى أصْلِ الجَمْعِ، ومَن قَرَأ: ”بُشْرى“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَهو بِمَعْنى ”بِشارَةً“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْـزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾، كُلُّ ماءٍ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، أوْ خَرَجَ مِن بَحْرٍ، أوْ أُذِيبَ مِن ثَلْجٍ، أوْ بَرَدٍ، فَهو طَهُورٌ، «قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في البَحْرِ -: ”هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ“» .
الفرقان 25:49
وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾، ولَوْ كانَ ”مَيْتَةً“، لَجازَ، وقِيلَ: ”مَيْتًا“، ولَفْظُ البَلْدَةِ مُؤَنَّثٌ، لِأنَّ مَعْنى ”اَلْبَلَدُ“، و”اَلْبَلْدَةُ“، واحِدٌ، وقَوْلُهُ:﴿وَأناسِيَّ كَثِيرًا﴾، ”أناسِيُّ“، جَمْعُ ”إنْسِيٌّ“، مِثْلَ ”كُرْسِيٌّ“، و”كَراسِيُّ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ”إنْسانٌ“، وتَكُونَ الياءُ بَدَلًا مِنَ النُّونِ، الأصْلُ ”أناسِينُ“، بِالنُّونِ، مِثْلَ ”سَراحِينُ“ .
الفرقان 25:50
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾، أيْ: صَرَّفْنا المَطَرَ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا، أيْ: لِيَتَفَكَّرُوا في نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِيهِ، ويَحْمَدُوهُ عَلى ذَلِكَ، ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾، وهُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، أيْ: بِسُقُوطِ كَوْكَبِ كَذا، كَما يَقُولُ المُنَجِّمُونَ، فَجَعَلَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ كافِرِينَ.
الفرقان 25:52
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾، (p-٧٢)وَيَجُوزُ: ”كَثِيرًا“، والقِراءَةُ بِالباءِ، ومَعْنى ”بِهِ“، أيْ: بِالحَقِّ، أيْ: بِالقُرْآنِ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ، وهو الحَقُّ.
الفرقان 25:53
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾، مَعْنى ”مَرَجَ“، خَلّى بَيْنَهُما، تَقُولُ: ”مَرَجْتُ الدّابَّةَ“، و”أمْرَجْتُها“، إذا خَلَّيْتَها تَرْعى، و”اَلْمَرْجُ“، مِن هَذا سُمِّيَ، ويُقالُ: ”مَرِجَتْ عُهُودُهم وأماناتُهم“، إذا اخْتَلَطَتْ، يُرْوى ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾، فُراتٌ: صِفَةٌ لِـ ”عَذْبٌ“، و”اَلْفُراتُ“: أشَدُّ المِياهِ عُذُوبَةً، والمَعْنى: ”هَذا عَذْبٌ أشَدُّ الماءِ عُذُوبَةً“، ﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾، و”اَلْأُجاجُ“: صِفَةٌ لِلْمِلْحِ، المَعْنى: ”وَهَذا مِلْحٌ أشَدَّ المُلُوحَةِ“، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾، ”اَلْبَرْزَخُ“: اَلْحاجِزُ، فَهُما في مَرْأى العَيْنِ مُخْتَلِطانِ، وفي قُدْرَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - مُنْفَصِلانِ، لا يَخْتَلِطُ أحَدُهُما بِالآخَرِ.
الفرقان 25:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾، فالأصْهارُ مِنَ النَّسَبِ مَن يَجُوزُ لَهُمُ التَّزْوِيجُ، والنَّسَبُ الَّذِي لَيْسَ يُصْهِرُ مِن قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]، إلى: ﴿وَأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]
الفرقان 25:55
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾، (p-٧٣)مَعْنى ”اَلظَّهِيرُ“: اَلْمُعِينُ، لِأنَّهُ يُتابِعُ الشَّيْطانَ، ويُعاوِنُهُ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، لِأنَّ عِبادَتَهم لِلْأصْنامِ مُعاوَنَةٌ لِلشَّيْطانِ.
الفرقان 25:59
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾، ويَجُوزُ: ”اَلرَّحْمَنِ فاسْألْ“، فَمَن قالَ: ”اَلرَّحْمَنُ“، فَهو رَفْعٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى البَدَلِ مِمّا في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى﴾، ثُمَّ بَيَّنَ بِقَوْلِهِ: ”اَلرَّحْمَنُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءً، و”فاسْألْ بِهِ“، اَلْخَبَرَ، والمَعْنى: ”فاسْألْ عَنْهُ خَبِيرًا“، ومَن قالَ: ”اَلرَّحْمَنِ“، فَهو عَلى مَعْنى: ”وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ“ ”الرَّحْمَنِ“، صِفَةٌ لِـ ”اَلْحَيِّ“ .
الفرقان 25:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾، وتُقْرَأُ: ”يَأْمُرُنا“، و”اَلرَّحْمَنُ“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الأُوَلِ، ولَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: ”إنَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ“، ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ [الإسراء: ١١٠]، ومَعْناهُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: ذُو الرَّحْمَةِ الَّتِي لا غايَةَ بَعْدَها في الرَّحْمَةِ، لِأنَّ ”فَعْلانُ“، بِناءٌ مِن أبْنِيَةِ المُبالَغَةِ، تَقُولُ: ”رَجُلٌ عَطْشانُ“، و”رَيّانُ“، إذا كانَ في النِّهايَةِ في الرِّيِّ والعَطَشِ، وكَذَلِكَ ”فَرْحانُ“، و”جَذْلانُ“، و”خَزْيانُ“، إذا كانَ في غايَةِ الفَرَحِ، أوْ في نِهايَةِ الخِزْيِ.
الفرقان 25:61
وَقَوْلُهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾، ”اَلْبُرُوجُ“: قِيلَ: هي الكَواكِبُ العِظامُ، و”اَلْبَرَجُ“: تَباعُدٌ بَيْنَ الحاجِبَيْنِ، وكُلُّ ظاهِرٍ مُرْتَفِعٍ فَقَدْ بَرَجَ، وإنَّما قِيلَ لَها: ”بُرُوجٌ“، لِظُهُورِها، وتَبايُنِها، وارْتِفاعِها.
(p-٧٤)﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا﴾، ويُقْرَأُ: ”سُرُجًا“، ويَجُوزُ: ”سُرْجًا“، بِتَسْكِينِ الرّاءِ، مِثْلَ ”رُسُلٌ“، و”رُسْلٌ“، فَمَن قَرَأ: ”سِراجًا“، عَنى الشَّمْسَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]، ومَن قَرَأ: ”سُرُجًا“، أرادَ الشَّمْسَ والكَواكِبَ العِظامَ مَعَها.
الفرقان 25:62
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شُكُورًا﴾، ويُقْرَأُ: ”لِمَن أرادَ أنْ يَذْكُرَ“، قالَ الحَسَنُ: مَن فاتَهُ عَمَلُهُ مِنَ التَّذَكُّرِ والشُّكْرِ، كانَ لَهُ في اللَّيْلِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَن فاتَهُ بِاللَّيْلِ كانَ لَهُ في النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”خِلْفَةً“: يَجِيءُ هَذا في أثَرِ هَذا، وأنْشَدُوا قَوْلَ زُهَيْرٍ:
؎بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ
وَجاءَ أيْضًا في التَّفْسِيرِ: ”خِلْفَةً“: مُخْتَلِفانِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، اَلْآيَةَ.
الفرقان 25:63
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾، أيْ: يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ ووَقارٍ وحِلْمٍ، ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾، أيْ: ”نَتَسَلَّمُ مِنكم سَلامًا لا نُجاهِلُكم“، كَأنَّهم قالُوا: ”تَسَلُّمًا مِنكم“، و”عِبادُ“، (p-٧٥)مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ الِابْتِداءِ هَهُنا ما في آخِرِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ [الفرقان: ٧٥]، كَأنَّهُ قالَ: ”وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم كُلُّها...“، إلى قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ”وَعِبادُ الرَّحْمَنِ“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ”اَلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا“ .
الفرقان 25:64
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾، كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ ”باتَ، يَبِيتُ“، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ، ”باتَ فُلانٌ البارِحَةَ قَلِقًا“، إنَّما المَبِيتُ إدْراكُ اللَّيْلِ.
الفرقان 25:65
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾، ”اَلْغَرامُ“، في اللُّغَةِ: أشَدُّ العَذابِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَيَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفارِ ∗∗∗ كانا عَذابًا وكانا غَراما
الفرقان 25:66
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾، ”مُسْتَقَرًّا ومُقامًا“، مَنصُوبانِ عَلى التَّمْيِيزِ، المَعْنى: ”إنَّها ساءَتْ في المُسْتَقَرِّ والمُقامِ“ .
الفرقان 25:67
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾، ”يُقْتِرُوا“، بِضَمِّ الياءِ، وكَسْرِ التّاءِ، وبِفَتْحِ الياءِ، وضَمِّ التّاءِ، و”لَمْ يُقَتِّرُوا“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، أعْنِي بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الإسْرافَ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا إسْرافَ في الإنْفاقِ فِيما قَرَّبَ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وكُلُّ ما أُنْفِقَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإسْرافٌ، لِأنَّ الإسْرافَ مُجاوَزَةُ الحَدِّ (p-٧٦)والقَصْدِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ الإسْرافَ ما يَقُولُ النّاسُ فِيهِ: ”فُلانٌ مُسْرِفٌ“، والحَقُّ في هَذا ما أدَّبَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ نَبِيَّهُ ﷺ، فَقالَ: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩]
الفرقان 25:68
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾، ”يَلْقَ“، جَزْمٌ عَلى الجَزاءِ، وتَأْوِيلُ الأثامِ تَأْوِيلُ المُجازاةِ عَلى الشَّيْءِ، قالَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ: يُقالُ: ”قَدْ لَقِيَ أثامَ ذَلِكَ“، أيْ: جَزاءَ ذَلِكَ، وسِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ يَذْهَبانِ إلى أنَّ مَعْناهُ: ”يَلْقى جَزاءَ الأثامِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: جُزِمَتْ“ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ "، لِأنَّ مُضاعَفَةَ العَذابِ لَقْيُ الأثامِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَوَقَّدا
لِأنَّ الإتْيانَ هو الإلْمامُ، فَجَزَمَ ”تُلْمِمْ“، لِأنَّهُ بِمَعْنى ”تَأْتِي“، وقَرَأ الحَسَنُ وحْدَهُ: ”يُضَعَّفْ لَهُ العَذابُ“، وهو جَيِّدٌ، بالِغٌ، تَقُولُ: ”ضاعَفْتُ الشَّيْءَ“، و”ضَعَّفْتُهُ“، وقَرَأ عاصِمٌ: ”يُضاعَفُ لَهُ العَذابُ“، بِالرَّفْعِ، عَلى تَأْوِيلِ تَفْسِيرِ ”يَلْقَ أثامًا“، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ما لَقْيُ الأثامِ؟ فَقِيلَ: يُضاعَفُ لِلْآثِمِ العَذابُ.
الفرقان 25:70
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾، لَيْسَ أنَّ السَّيِّئَةَ بِعَيْنِها تَصِيرُ حَسَنَةً، ولَكِنَّ التَّأْوِيلَ أنَّ السَّيِّئَةَ تُمْحى بِالتَّوْبَةِ وتُكْتَبُ الحَسَنَةُ مَعَ التَّوْبَةِ، والكافِرُ يُحْبِطُ اللَّهُ عَمَلَهُ، ويُثْبِتُ اللَّهُ عَلَيْهِ السَّيِئاتِ.
الفرقان 25:72
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، (p-٧٧)قِيلَ: ”اَلزُّورُ“: اَلشِّرْكُ بِاللَّهِ، وجاءَ أيْضًا أنَّهم لا يَشْهَدُونَ أعْيادَ النَّصارى، والَّذِي جاءَ في ”اَلزُّورُ“، أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ، فَأمّا النَّهْيُ عَنْ شَهادَةِ الزُّورِ في كِتابِ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾، تَأْوِيلُهُ: أعْرَضُوا عَنْهُ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥]، وتَأْوِيلُ ”مَرُّوا بِاللَّغْوِ“، مَرُّوا بِجَمِيعِ ما يَنْبَغِي أنْ يُلْغى، ومَعْنى ”يُلْغى“، يُطْرَحُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم إذا أرادُوا ذِكْرَ النِّكاحِ كَنَّوْا عَنْهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: هو ذِكْرُ الرَّفَثِ، والمَعْنى واحِدٌ، وجاءَ أيْضًا أنَّهم لا يُجالِسُونَ أهْلَ اللَّغْوِ، وهم أهْلُ المَعاصِي، ولا يُمالِئُونَهم عَلَيْها، أيْ: يُعاوِنُونَهم عَلَيْها، وجاءَ أيْضًا في ”لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ“: مَجالِسَ الغِناءِ.
الفرقان 25:73
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾، تَأْوِيلُهُ: ”إذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا، سامِعِينَ، مُبْصِرِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ، ونُهُوا عَنْهُ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]، ومِثْلُ هَذا مِنَ الشِّعْرِ قَوْلُهُ:
؎بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سُلَّتِ
(p-٧٨)تَأْوِيلُهُ: بِأيْدِي رِجالٍ شامُوا سُيُوفَهُمْ، وقَدْ كَثُرَتِ القَتْلى، ومَعْنى ”يَشِيمُوا سُيُوفَهم“: يُغْمِدُوا سُيُوفَهُمْ، فالتَّأْوِيلُ: ”والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ خَرُّوا ساجِدِينَ مُطِيعِينَ“ .
الفرقان 25:74
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَذُرِّيَّتِنا“، سَألُوا أنْ يُلْحِقَ اللَّهُ بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم في الجَنَّةِ، وأنْ يَجْعَلَ أهْلَهم تَقَرُّ بِهِمْ أعْيُنُهُمْ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾، أيْ: واجْعَلْنا مِمَّنْ يَهْتَدِي بِهِ المُتَّقُونَ، ويَهْتَدِي بِالمُتَّقِينَ.
الفرقان 25:77
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾، أيْ: لَوْلا تَوْحِيدُكم إيّاهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”ما يَعْبَأُ بِكم“: ”ما يَفْعَلُ بِكُمْ؟“، وتَأْوِيلُ ”ما يَعْبَأُ بِكم“، أيْ: أيُّ وزْنٍ يَكُونُ لَكم عِنْدَهُ؟! كَما تَقُولُ: ”ما عَبَأْتُ بِفُلانٍ“، أيْ: ”ما كانَ لَهُ عِنْدِي وزْنٌ، ولا قَدْرٌ“، وأصْلُ ”اَلْعِبْءُ“، في اللُّغَةِ: اَلثِّقْلُ، ومِن ذَلِكَ ”عَبَّأْتُ المَتاعَ“، جَعَلْتُ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ الجَماعَةِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ يَوْمُ ”بَدْرٍ“، وجاءَ أنَّهُ لُوزِمَ بَيْنَ القَتْلى لِزامًا، وقُرِئَتْ: ”لَزامًا“، وتَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”فَسَوْفَ يَكُونُ تَكْذِيبُكم لِزامًا، يَلْزَمُكم فَلا تُعْطَوْنَ التَّوْبَةَ وتَلْزَمُكُمُ العُقُوبَةُ، فَيَدْخُلُ في هَذا يَوْمُ“ بَدْرٍ ”، وغَيْرُهُ مِمّا يَلْزَمُهم مِنَ العَذابِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ:“ لِزامًا ": فَيْصَلًا، وهو قَرِيبٌ مِمّا قُلْنا، إلّا أنَّ القَوْلَ أشْرَحُ، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِصَخْرٍ، أخِي الهُذَلِيِّ: (p-٧٩)
؎فَإمّا يَنْجُوا مِن حَتْفِ أرْضٍ ∗∗∗ فَقَدْ لَقِيا حُتُوفَهُما لِزامًا
وَتَأْوِيلُ هَذا أنَّ الحَتْفَ إذا كانَ مُقَدَّرًا فَهو لازِمٌ، وإنْ نَجا مِن حَتْفِ مَكانٍ لَحِقَهُ في مَكانٍ آخَرَ، لازِمًا لَهُ لِزامًا، ومَن قَرَأ: ”لَزامًا“، بِفَتْحِ اللّامِ، فَهو عَلى مَصْدَرِ ”لَزِمَ، لَزامًا“ .
(p-٨٠)
الشعراء 26:1
(p-٨١)سُورَةُ اَلشُّعَراءِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طسم﴾، قُرِئَتْ بِإدْغامِ النُّونِ في المِيمِ، ووَصْلِ بَعْضِ الحُرُوفِ بِبَعْضٍ، وقُرِئَتْ: ”طَسِينْ مِيمْ“، بِتَبْيِينِ النُّونِ، والوَقْفِ عَلى النُّونِ، ويَجُوزُ - ولا أعْلَمَ أحَدًا قَرَأهُ -: ”طَسِمِيمًا“، عَلى أنْ يُجْعَلَ ”طسم“، اِسْمًا لِلسُّورَةِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ”خَمْسَةَ عَشَرَ“، ولا تَجُوزُ القِراءَةُ بِهِ.
الشعراء 26:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾، فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى أنَّهم وُعِدُوا بِالقُرْآنِ عَلى لِسانِ مُوسى، فَكانَ المَعْنى: ”هَذِهِ آياتُ الكِتابِ الَّذِي وُعِدْتُمْ بِهِ عَلى لِسانِ مُوسى“، وعَلى مَعْنى: ”هَذِهِ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ“، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، في قَوْلِهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ﴾ [البقرة: ٢]
الشعراء 26:3
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: ”مُهْلِكٌ نَفْسَكَ“، وقِيلَ: ”قاتِلٌ نَفْسَكَ“، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]، (p-٨٢)وَمَوْضِعُ ”أنْ“، اَلنَّصْبُ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”فَلَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الإيمانَ“، فَأعْلَمَهُ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - أنَّهُ لَوْ أرادَ أنْ يُنَزِّلَ ما يَضْطَرُّهم إلى الطّاعَةِ لَقَدِرَ عَلى ذَلِكَ، إلّا أنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَعَبَّدَهم بِما يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ الثَّوابَ مَعَ الإيمانِ، وأنْزَلُ لَهم مِنَ الآياتِ ما يَتَبَيَّنُ بِهِ لِمَن قَصَدَهُ إلى الحَقِّ، فَأمّا لَوْ أُنْزِلَ عَلى كُلِّ مَن عَنَدَ عَنِ الحَقِّ عَذابٌ في وقْتِ عُنُودِهِ لَخَضَعَ مُضْطَرًّا، وآمَنَ إيمانَ مَن لا يَجِدُ مَذْهَبًا عَنِ الإيمانِ.
الشعراء 26:4
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾، مَعْناهُ: ”فَتَظَلُّ أعْناقُهم“، لِأنَّ الجَزاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الماضِي في مَعْنى المُسْتَقْبَلِ، تَقُولُ: ”إنْ تَأْتِنِي أكْرَمْتُكَ“، مَعْناهُ ”أُكْرِمْكَ“، و”إنْ أتَيْتَنِي وأحْسَنْتَ“، مَعْناهُ: ”وَتُحْسِنُ، وتُجْمِلُ“، وقالَ: ”خاضِعِينَ“، وذَكَرَ الأعْناقَ، لِأنَّ مَعْنى خُضُوعِ الأعْناقِ هو خُضُوعُ أصْحابِ الأعْناقِ، لَمّا لَمْ يَكُنِ الخُضُوعُ إلّا لِخُضُوعِ الأعْناقِ، جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎رَأتْ مَرَّ السِّنِينَ أخَذْنَ مِنِّي ∗∗∗ كَما أخَذَ السِّرارُ مِنَ الهِلالِ
لَمّا كانَتِ السُّنُونَ لا تَكُونُ إلّا بِمَرٍّ، أخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ، وإنْ كانَ أضافَ إلَيْها المُرُورَ، ومِثْلُ ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٨٣)
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
كَأنَّهُ قالَ: ”تَسَفَّهَتْها الرِّياحُ“، لَمّا كانَتِ الرِّياحُ لا تَكُونُ إلّا بِالمُرُورِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ ”أعْناقُهم“، يُعْنى بِهِ كُبَراؤُهُمْ، ورُؤَساؤُهُمْ، وجاءَ في اللُّغَةِ: ”أعْناقُهم“: جَماعاتُهُمْ، يُقالُ: ”جاءَ لِي عُنُقٌ مِنَ النّاسِ“، أيْ: جَماعَةٌ، وذَكَرَ بَعْضُهم وجْهًا آخَرَ، قالُوا: ”فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ هم“، وأضْمَرَهُمْ، وأنْشَدَ:
؎تَرى أرْباقَهم مُتَقَلِّدِيها كَما ∗∗∗ صَدِئَ الحَدِيدُ عَنِ الكُماةِ
وَهَذا لا يَجُوزُ في القُرْآنِ، وهو عَلى بَدَلِ الغَلَطِ يَجُوزُ في الشِّعْرِ، كَأنَّهُ قالَ: ”يَرى أرْباقَهم يَرى مُتَقَلِّدِيها“، كَأنَّهُ قالَ: ”يَرى قَوْمًا مُتَقَلِّدِينَ أرْباقَهُمْ، فَلَوْ كانَ عَلى حَذْفِ“ هم "، لَكانَ مِمّا يَجُوزُ في الشِّعْرِ أيْضًا.
الشعراء 26:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، ”أنْباءُ“: أخْبارُ، المَعْنى: ”فَسَيَعْلَمُونَ نَبَأ ذَلِكَ في القِيامَةِ“، وجائِزٌ أنْ يُعَجِّلَ لَهم بَعْضَ ذَلِكَ في الدُّنْيا، نَحْوَ ما نالَهم يَوْمَ ”بَدْرٍ“ .
الشعراء 26:7
وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى الأرْضِ كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، مَعْنى ”زَوْجٍ“: نَوْعٍ، ومَعْنى ”كَرِيمٍ“: مَحْمُودٍ فِيما يُحْتاجُ إلَيْهِ، كَمَعْنى: ”مِن كُلِّ زَوْجٍ نافِعٍ“، لا يَقْدِرُ عَلى إنْباتِهِ وإنْشائِهِ إلّا رَبُّ العالَمِينَ.
الشعراء 26:8
ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً﴾، (p-٨٤)دَلِيلًا عَلى أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - واحِدٌ، وأنَّ المَخْلُوقاتِ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الخالِقَ واحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾، مَعْناهُ: وما كانَ أكْثَرُهم يُؤْمِنُ، أيْ: عَلِمَ اللَّهُ أنَّ أكْثَرَهم لا يُؤْمِنُونَ أبَدًا، كَما قالَ: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]، أيْ: لَسْتُمْ تَعْبُدُونَ ما أعْبُدُ الآنَ، ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥]، فِيما يُسْتَقْبَلُ، وكَقَوْلِهِ - في قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلا مَن قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فَأعْلَمَهُ أنْ أكْثَرَهم لا يُؤْمِنُونَ.
الشعراء 26:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أنِ ائْتِ القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبٌ، عَلى مَعْنى: ”واتْلُ هَذِهِ القِصَّةَ فِيما تَتْلُو“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَطْفًا عَلى هَذِهِ القِصَّةِ -: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ [الشعراء: ٦٩]
الشعراء 26:13
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي ولا يَنْطَلِقُ لِسانِي﴾، بِالنَّصْبِ، والرَّفْعِ، فَمَن رَفَعَ فَعَطَفَ عَلى ”أخافَ“، عَلى مَعْنى: ”إنِّي أخافُ ويَضِيقُ صَدْرِي“، ومَن نَصَبَ فَعَطَفَ عَلى ”أنْ يُكَذِّبُونِ وأنْ يَضِيقَ صَدْرِي وألّا يَنْطَلِقَ لِسانِي“، والرَّفْعُ أكْثَرُ في القِراءَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ إلى هارُونَ﴾، أيْ: ”لِيُعِينَنِي، ويُؤازِرَنِي عَلى أمْرِي“، وحُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
الشعراء 26:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ﴾، (p-٨٥)يَعْنِي بِالذَّنْبِ الرَّجُلَ الَّذِي وكَزَهُ فَقَضى عَلَيْهِ، إنِّي أخافُ أنْ يَقْتُلُونِي بِقَتْلِي إيّاهُ.
الشعراء 26:15
﴿قالَ كَلا فاذْهَبا بِآياتِنا﴾، ”كَلّا“: رَدْعٌ، وزَجْرٌ عَنِ الإقامَةِ عَلى هَذا الظَّنِّ، كَأنَّهُ قالَ: اِرْتَدِعَ عَنْ هَذا الظَّنِّ، وثِقْ بِاللَّهِ.
الشعراء 26:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾، مَعْناهُ: ”إنّا رِسالَةُ رَبِّ العالَمِينَ“، أيْ: ”ذَوُو رِسالَةِ رَبِّ العالَمِينَ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎لَقَدْ كَذَّبَ الواشُونَ ما بُحْتُ عِنْدَهم ∗∗∗ بِسِرٍّ ولا أرْسَلْتُهم بِرَسُولِ
الشعراء 26:17
وَقَوْلُهُ - سُبْحانَهُ -: ﴿أنْ أرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”أُرْسِلْنا لِتُرْسِلَ“، أيْ: ”لِأنْ تُرْسِلَ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ“ .
الشعراء 26:18
﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾، أيْ: مَوْلُودًا، حِينَ وُلِدْتَ، ﴿وَلَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، ويَجُوزُ: ”مِن عُمْرِكَ“، بِإسْكانِ المِيمِ، ويَجُوزُ: ”مِن عَمْرِكَ“، بِفَتْحِ العَيْنِ، يُقالُ: (p-٨٦)”هو العُمْرُ“، و”اَلْعُمُرُ“، و”اَلْعَمْرُ“، في عُمْرِ الإنْسانِ، فَأمّا في القَسَمِ فَلا يَجُوزُ إلّا ”لَعَمْرُ اللَّهِ“، لا غَيْرُ، بِفَتْحِ العَيْنِ، ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ، وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ أنَّ القَسَمَ مَفْتُوحٌ لا غَيْرُ، فاعْتَدَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى بِأنَّهُ رَبّاهُ ولِيدًا مُنْذُ وُلِدَ، إلى أنْ كَبِرَ.
الشعراء 26:19
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ: ”فِعْلَتَكَ“، بِكَسْرِ الفاءِ، والفَتْحُ أجْوَدُ وأكْثَرُ، لِأنَّهُ يُرِيدُ: ”قَتَلْتَ النَّفْسَ قَتْلَتَكَ“، عَلى مَذْهَبِ المَرَّةِ الواحِدَةِ، وقَرَأ الشَّعْبِيُّ عَلى مَعْنى: ”وَقَتَلْتَ القِتْلَةَ الَّتِي عَرَفْتَها“، لِأنَّهُ قَتَلَهُ بِوَكْزَةٍ، يُقالُ: ”جَلَسْتُ جَلْسَةً“، تُرِيدُ: ”مَرَّةً واحِدَةً“، و”جَلَسْتُ جِلْسَةً“، بِالكَسْرِ، تُرِيدُ هَيْئَةَ الجُلُوسِ، ﴿وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: ”مِنَ الكافِرِينَ لِنِعْمَتِي“، والآخَرُ: ”وَأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ بِقَتْلِكَ الَّذِي قَتَلْتَ“، فَنَفى مُوسى ﷺ الكُفْرَ واعْتَرَفَ بِأنَّ فِعْلَهُ ذَلِكَ جَهْلٌ، فَقالَ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠]، أيْ: مِنَ الجاهِلِينَ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَأنا مِنَ الجاهِلِينَ“ .
الشعراء 26:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾، يُعْنى التَّوْراةُ الَّتِي فِيها حُكْمُ اللَّهِ.
الشعراء 26:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أخْرَجَهُ المُفَسِّرُونَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ أنْ تَكُونَ تِلْكَ نِعْمَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: ”فَأيَّةُ نِعْمَةٍ لَكَ عَلَيَّ في أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ؟!“، واللَّفْظُ لَفْظُ خَبَرٍ، والمَعْنى يُخْرَجُ (p-٨٧)عَلى ما قالُوا، عَلى أنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الخَبَرِ، وفِيهِ تَبْكِيتٌ لِلْمُخاطَبِ، كَأنَّهُ قالَ لَهُ: ”هَذِهِ نِعْمَةٌ أنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا“، عَلى جِهَةِ التَّبْكِيتِ لِفِرْعَوْنَ، واللَّفْظُ يُوجِبُ أنَّ مُوسى ﷺ قالَ: ”هَذِهِ نِعْمَةٌ لِأنَّكَ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا ولَمْ تَتَّخِذْنِي عَبْدًا“، ويُقالُ: ”عَبَّدْتُ الرَّجُلَ“، و ”أعْبَدْتُهُ“: اِتَّخَذْتُهُ عَبْدًا، ومَوْضِعُ ”أنْ“: رَفْعٌ، عَلى البَدَلِ مِن ”نِعْمَةٌ“، كَأنَّهُ قالَ: ”وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَعَبُّدُكَ بَنِي إسْرائِيلَ، وتَرْكُكَ إيّايَ غَيْرَ عَبْدٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”إنَّما صارَتْ نِعْمَةً عَلَيَّ لِأنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ“، أيْ: ”لَوْ لَمْ تَفْعَلْ ما فَعَلْتَ لَكَفَلَنِي أهْلِي ولَمْ يُلْقُونِي في اليَمِّ، فَإنَّما صارَتْ نِعْمَةً بِما فَعَلْتَ مِنَ البَلاءِ“، وقالَ الشّاعِرُ - في ”أعْبَدْتُ“: اِتَّخَذْتُ عَبْدًا -:
؎عَلامَ يُعْبِدُنِي قَوْمِي وقَدْ كَثُرَتْ ∗∗∗ فِيهِمْ أباعِرُ ما شاؤُوا وعِبْدانُ؟
الشعراء 26:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾، فَأجابَهُ مُوسى ﷺ بِما هو دَلِيلٌ عَلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ - بِما خَلَقَ، مِمّا يَعْجِزُ المَخْلُوقُونَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، فَقالَ: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢٤]، فَتَحَيَّرَ فِرْعَوْنُ، ولَمْ يَرْدُدْ جَوابًا يَنْقُضُ بِهِ هَذا القَوْلَ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ: ﴿ألا تَسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٥]، فَزادَهُ مُوسى في البَيانِ فَقالَ: ﴿رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٦]، (p-٨٨)فَلَمْ يَجِبْهُ أيْضًا، فَقالَ: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إلَيْكم لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: ٢٧]، فَقالَ مُوسى - زِيادَةً في الإبانَةِ: ﴿قالَ رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وما بَيْنَهُما إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨]، فَلَمْ يُجِبْهُ في هَذِهِ الأشْياءِ بِنَقْضٍ لِحُجَّتِهِ.
الشعراء 26:29
﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾، فَزادَهُ في البَيانِ، واحْتَجَّ بِما شاهَدَهُ هو والمَلَأُ مِن حَوْلِهِ: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٣٠] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]، والثُّعْبانُ الكَبِيرُ مِنَ الحَيّاتِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَكَيْفَ جاءَ: ﴿فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢]، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾ [النمل: ١٠]، والجانُّ: اَلصَّغِيرُ مِنَ الحَيّاتِ؟ فالجَوابُ: في هَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ خَلْقَها خَلْقُ الثُّعْبانِ، واهْتِزازَها وحَرَكَتَها وخِفَّتَها كاهْتِزازِ الجانِّ وخِفَّتِهِ.
الشعراء 26:33
﴿وَنَـزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، نَزَعَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَأخْرَجَها بَيْضاءَ بَياضًا نُورِيًّا، مِن غَيْرِ سُوءٍ، أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دَفْعٌ لِما شاهَدَهُ إلّا أنْ قالَ: إنَّ هَذا سِحْرٌ، ﴿قالَ لِلْمَلإ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤]، فَجَعَلَ الآيَةَ المُعْجِزَةَ سِحْرًا.
الشعراء 26:35
ثُمَّ اسْتَكانَ، وخَضَعَ لِلَّذِينِ هم مِن أتْباعِهِ، فَقالَ: (p-٨٩)﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ [الشعراء: ٣٦]، بِكَسْرِ الهاءِ، وضَمِّها، وبِالياءِ والواوِ: ”أرْجِهِي“، و”أرْجِهُو وأخاهُ“، ﴿وابْعَثْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦]، فَمَعْنى ”أرْجِهْ“: أخِّرْهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: اِحْبِسْهُ وأخاهُ، والمَعْنى واحِدٌ، وتَأْوِيلُهُ: أخِّرْهُ عَنْ وقْتِكَ هَذا، وأخِّرِ اسْتِتْمامَ مُناظَرَتِهِ إلى أنْ يَجْتَمِعَ لَكَ السَّحَرَةُ.
الشعراء 26:38
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾، فَغَنِيٌّ عَنْ أنْ يَقُولَ: ”فَبَعَثَ فَجَمَعَ السَّحَرَةَ“ .
الشعراء 26:42
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم إذًا لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: لَكم مَعَ أُجْرَتِكم وجَزائِكم عَلى غَلَبَتِكم مُوسى إنْ غَلَبْتُمُوهُ، مَعَ الفائِدَةِ، القُرْبى، والزُّلْفى عِنْدِي، ويُقْرَأُ: ”أئِنَّ لَنا لَأجْرًا“، عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، ويَجُوزُ: ”إنَّ لَنا لَأجْرًا“، عَلى غَيْرِ الِاسْتِفْهامِ، وعَلى جِهَةِ الثِّقَةِ مِنهم بِهِ، قالُوا: إنَّ لَنا لَأجْرًا، أيْ: إنَّكَ مِمَّنْ يَحْبُونا ويُجازِينا.
الشعراء 26:44
﴿فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ ﴿فَألْقى مُوسى عَصاهُ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: ٤٥]، أيْ: مِمّا جَمَعُوا مِن كَيْدِهِمْ، وعِصِيِّهِمْ، ورُوِيَ عَنْهم أنَّهم كانُوا (p-٩٠)اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ ساحِرٍ، فَنُصِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أكْثَرَ ما كانَ السِّحْرُ وأغْلَبَهُ عَلى أهْلِ ذَلِكَ الدَّهْرِ، وكانَتْ آيَتُهُ آيَةً باهِرَةً مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّهُ أتى بِما يَعْجِزُ عَنْهُ المَخْلُوقُونَ، والثّانِيَةُ أنَّ السَّحَرَةَ، وعَدَدُهم هَذا العَدَدُ، أُلْقُوا ساجِدِينَ.
الشعراء 26:47
﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾، فَسَلَّمُوا الأمْرَ لِلَّهِ، وتَبَيَّنَ لَهم ما لا يُدْفَعُ، وكَذَلِكَ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ أشْعَرَ ما كانَتِ العَرَبُ وأخْطَبَ ما كانَتْ، وأبْلَغَ ما كانَتْ، فَدَعاهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ مَعَ الآياتِ الَّتِي أتى بِها النَّبِيُّ ﷺ وبِالقُرْآنِ الَّذِي دَعاهم إلى أنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، فَعَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِسُورَةٍ مِثْلِهِ، ويُرْوى أيْضًا أنَّ السَّحَرَةَ كانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ ألْفًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الشعراء: ٤٩]، اَللّامُ دَخَلَتْ عَلى ”سَوْفَ“، بِمَعْنى التَّوْكِيدِ، ولَمْ يُجِزِ الكُوفِيُّونَ: ”إنَّ زَيْدًا لَسَوْفَ يَقُومُ“، وقَدْ جاءَ دُخُولُ اللّامِ عَلى سَوْفَ، وذَلِكَ أنَّ اللّامَ مُؤَكِّدَةٌ.
الشعراء 26:49
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾، ورُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أوَّلَ مَن قَطَّعَ وصَلَّبَ فِرْعَوْنُ.
الشعراء 26:50
﴿قالُوا لا ضَيْرَ إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾، أيْ: لا ضَرَرَ عَلَيْنا فِيما يَنالُنا في الدُّنْيا مَعَ أمَلِنا لِلْمَغْفِرَةِ.
الشعراء 26:51
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا نَطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾، (p-٩١)بِفَتْحِ ”أنْ“، أيْ: لِأنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهم كانُوا أوَّلَ مُؤْمِنِي أهْلِ دَهْرِهِمْ، ولا أحْسَبُهُ عَرَفَ الرِّوايَةَ في التَّفْسِيرِ، لِأنَّهُ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، وقِيلَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا، وإنَّما مَعْنى ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: أوَّلَ مَن آمَنَ في هَذِهِ الحالِ عِنْدَ ظُهُورِ آيَةِ مُوسى، حِينَ ألْقَوْا حِبالَهُمْ، وعِصِيَّهُمْ، واجْتَهَدُوا في سِحْرِهِمْ، ويُقالُ: ”لا ضَيْرَ“، و”لا ضَوْرَ“، في مَعْنى: ”لا ضُرَّ“، و”لا ضَرَرَ“ .
الشعراء 26:52
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾، يُقالُ: ”أسْرى، يُسْرِي“، إذا سارَ لَيْلًا، و”سَرى يَسْرِي“، قِيلَ: هو في مَعْنى ”أسْرى، يُسْرِي“، أيْضًا.
الشعراء 26:53
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾، أيْ: أرْسَلَ مَن جَمَعَ لَهُ الجَيْشَ، مَعْناهُ: ”فَجَمَعَ جَمْعَهُ“، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤]، و”اَلشِّرْذِمَةُ“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلْقَلِيلُ، يُرْوى أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمّاهم ”شِرْذِمَةً“، كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعِينَ ألْفًا، وكانَتْ مُقَدِّمَةُ فِرْعَوْنَ سَبْعَمِائَةِ ألْفٍ، كُلُّ رَجُلٍ مِنهم عَلى حِصانٍ، وعَلى رَأْسِهِ بَيْضَةٌ، فاسْتَقَلَّ مَن مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ كَثْرَةِ جَمْعِهِ، وقالَ: ”قَلِيلُونَ“، فَجَمَعَ ”قَلِيلًا“، كَما يُقالُ: ”هَؤُلاءِ واحِدُونَ“، فَيَجْمَعُ الواحِدَ، كَما قالَ الكُمَيْتُ:
؎فَقَدْ رَجَعُوا كَحَيٍّ واحِدِينا
الشعراء 26:55
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾، (p-٩٢)يُقالُ: ”قَدْ غاظَنِي فُلانٌ“، ومَن قالَ: ”أغاظَنِي“، فَقَدْ لَحَنَ.
الشعراء 26:56
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”حَذِرُونَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى ”حاذِرُونَ“: مُؤْدُونَ، أيْ: ذَوُو أداةٍ، أيْ: ذَوُو سِلاحٍ، والسِّلاحُ أداةُ الحَرْبِ، فَـ ”اَلْحاذِرُ“: اَلْمُسْتَعِدُّ، و”اَلْحَذِرُ“: اَلْمُتَيَقِّظُ.
الشعراء 26:60
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾، أيْ: في وقْتِ شُرُوقِ الشَّمْسِ، يُقالُ ”أشْرَقْنا“، أيْ: دَخَلْنا في وقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ويُقالُ: ”شَرِقَتِ الشَّمْسُ“، إذا طَلَعَتْ، و”أشْرَقَتْ“، إذا أضاءَتْ، وصَفَتْ، و”أشْرَقْنا نَحْنُ“، دَخَلْنا في الشُّرُوقِ.
الشعراء 26:61
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ﴾، أيْ: لَمّا واقَفَ جَمْعُ مُوسى جَمْعَ فِرْعَوْنَ، وكانَ أصْحابُ مُوسى قَدْ خَرَجُوا لَيْلًا، فَقالَ أصْحابُ مُوسى: ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾، أيْ: سَيُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ، هَذا الكَثِيرُ، ولا طاقَةَ لَنا بِهِمْ.
الشعراء 26:62
﴿قالَ كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، أيْ: قالَ مُوسى: ”كَلّا“، أيْ: اِرْتَدِعُوا وازْدَجِرُوا، فَلَيْسَ يُدْرِكُونَنا.
الشعراء 26:63
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ﴾، أيْ: كُلُّ جُزْءٍ تَفَرَّقَ مِنهُ، ﴿كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾، أيْ: كالجَبَلِ العَظِيمِ.
الشعراء 26:64
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾، (p-٩٣)أيْ: قَرَّبْنا ثَمَّ الآخَرِينَ مِنَ الغَرَقِ، وهم أصْحابُ فِرْعَوْنَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: أزْلَفْنا جَمْعَنا ثَمَّ الآخَرِينَ، قالَ: ومِن ذَلِكَ سُمِّيَتْ ”مُزْدَلِفَةُ“، ”جَمْعًا“، وكِلا القَوْلَيْنِ حَسَنٌ جَمِيلٌ، لِأنَّ جَمْعَهم تَقْرِيبُ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وأصْلُ ”اَلزُّلْفى“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلْقُرْبى.
الشعراء 26:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾، مَعْناهُ: خَبَرَ إبْراهِيمَ.
الشعراء 26:71
وَقَوْلُهُ: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾، مَعْناهُ: مُقِيمِينَ عَلى عِبادَتِها.
الشعراء 26:72
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾، إنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ الذّالَ، وإنْ شِئْتَ أدْغَمْتَها في التّاءِ، فَجَعَلْتَها تاءً، فَقُلْتَ: ”إتَّدْعُونَ“، وهو أجْوَدُ في العَرَبِيَّةِ، لِقُرْبِ الذّالِ مِنَ التّاءِ، ويَجُوزُ: ”إذَّدْعُونَ“، ولَمْ يُقْرَأْ بِها، كَما قالَ: ”مُدَّكِرْ“، وأصْلُهُ: ”مُذْتَكِرْ“ .
الشعراء 26:77
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّهم عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ العالَمِينَ﴾، قالَ النَّحْوِيُّونَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، أيْ: ”لَكِنَّ رَبَّ العالَمِينَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ الأصْنامَ وغَيْرَها، فَقالَ لَهُمْ: إنَّ جَمِيعَ مَن عَبَدْتُمْ عَدُوٌّ لِي إلّا رَبَّ العالَمِينَ، لِأنَّهم سَوَّوْا آلِهَتَهم بِاللَّهِ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ قَدْ تَبَرَّأ مِمّا يَعْبُدُونَ، إلّا اللَّهَ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَبَرَّأْ مِن عِبادَتِهِ.
الشعراء 26:82
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ خَطِيئَتَهُ قَوْلُهُ: ”إنَّ سارَةَ أُخْتِي“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، (p-٩٤)وَقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقَدْ بَيَّنّا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، ومَعْنى ”خَطِيئَتِي“: أنَّ الأنْبِياءَ بَشَرٌ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمُ الخَطِيئَةُ، إلّا أنَّهم - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا تَكُونُ مِنهُمُ الكَبِيرَةُ، لِأنَّهم مَعْصُومُونَ مُخْتارُونَ عَلى العالَمِينَ، كُلُّ نَبِيٍّ هو أفْضَلُ مِن عالَمِ أهْلِ دَهْرِهِ كُلِّهِمْ.
الشعراء 26:84
قَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾، مَعْناهُ: اِجْعَلْ لِي ثَناءً حَسَنًا باقِيًا إلى آخِرِ الدَّهْرِ.
الشعراء 26:90
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، مَعْناهُ: ”قُرِّبَتْ“، وتَأْوِيلُهُ أنَّهُ قُرْبُ دُخُولِهِمْ إيّاها، ونَظَرُهم إلَيْها.
الشعراء 26:91
قَوْلُهُ: ﴿وَبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾، أيْ: أُظْهِرَتْ لِلضّالِّينَ، و”اَلْغاوِي“: اَلضّالُّ.
الشعراء 26:94
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها﴾، أيْ: في الجَحِيمِ، ومَعْنى ”كُبْكِبُوا“: طُرِحَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْناهُ: دُهْوِرُوا، وحَقِيقَةُ ذَلِكَ في اللُّغَةِ تَكْرِيرُ الِانْكِبابِ، كَأنَّهُ إذا أُلْقِيَ يَنْكَبُّ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، حَتّى يَسْتَقِرَّ فِيها يَسْتَجِيرُ بِاللَّهِ مِنها.
الشعراء 26:97
وَقَوْلُهُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٨]، مَعْناهُ: واللَّهِ ما كُنّا إلّا في ضَلالٍ مُبِينٍ حَيْثُ سَوَّيْناكم بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَأعْظَمْناكم وعَبَدْناكم كَما يُعْبَدُ اللَّهُ.
الشعراء 26:105
(p-٩٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ المُرْسَلِينَ﴾، دَخَلَتِ التّاءُ وقَوْمُ نُوحٍ مُذَكَّرُونَ، لِأنَّ المَعْنى: ”كَذَّبَتْ جَماعَةُ قَوْمِ نُوحٍ“، وقالَ: ”اَلْمُرْسَلِينَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونُوا كَذَّبُوا نُوحًا وحْدَهُ، ومَن كَذَّبَ رَسُولًا واحِدًا مِن رُسُلِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَّبَ الجَماعَةَ وخالَفَها، لِأنَّ كُلَّ رَسُولٍ يَأْمُرُ بِتَصْدِيقِ جَمِيعِ الرُّسُلِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”كَذَّبَتْ جَمِيعَ الرُّسُلِ“ .
الشعراء 26:106
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهم أخُوهم نُوحٌ ألا تَتَّقُونَ﴾، وقِيلَ: ”أخُوهم“، لِأنَّهُ مِنهُمْ، وكُلُّ رَسُولٍ يَأْتِي بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُوَضِّحَ لَهُمُ الحُجَّةَ، ويَكُونَ أبْيَنَ لَهم.
الشعراء 26:111
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا أنُؤْمِنُ لَكَ واتَّبَعَكَ الأرْذَلُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَأتْباعُكَ الأرْذَلُونَ“، وهي في العَرَبِيَّةِ جَيِّدَةٌ قَوِيَّةٌ، لِأنَّ واوَ الحالِ تَصْحَبُ الأسْماءَ أكْثَرَ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّكَ تَقُولُ: ”جِئْتُكَ وأصْحابُكَ الزَّيْدُونَ“، ويَجُوزُ: ”وَصَحِبَكَ الزَّيْدُونَ“، والأكْثَرُ: ”جِئْتُكَ وقَدْ صَحِبَكَ الزَّيْدُونَ“، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿الأرْذَلُونَ﴾ نَسَبُوهم إلى الحِياكَةِ والحِجامَةِ، والصِّناعاتُ لا تَضُرُّ في بابِ الدِّياناتِ.
الشعراء 26:116
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المَرْجُومِينَ﴾، أيْ: بِالحِجارَةِ.
الشعراء 26:118
وَقَوْلُهُ: ﴿فافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهم فَتْحًا﴾، مَعْناهُ: ”اُحْكم بَيْنِي وبَيْنَهم حُكْمًا“، والقاضِي يُسَمّى ”اَلْفَتّاحُ“، مِن هَذا.
الشعراء 26:119
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، واحِدُها ”فَلَكٌ“، وجَمْعُها ”فُلْكٌ“، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ ”أسَدٌ“، و”أُسْدٌ“، وقِياسُ ”فُعْلٌ“، قِياسُ ”فَعَلٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ:“ قُفْلٌ ”، و“ أقْفالٌ ”، و“ جُمْلٌ ”، و“ أجْمالٌ ”، وكَذَلِكَ“ أسَدٌ ”، و“ أُسْدٌ ”، و“ آسادٌ ”، و“ فُلْكٌ ”، و“ فَلَكٌ ”، و“ أفْلاكٌ ”، في الجَمْعِ، و“ اَلْمَشْحُونُ ”: اَلْمَمْلُوءُ، يُقالُ:“ شَحَنْتُهُ "، أيْ: مَلَأْتُهُ.
الشعراء 26:128
(p-٩٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، يُقْرَأُ: ”رِيعٍ“، و”رَيْعٍ“، بِكَسْرِ الرّاءِ، وفَتْحِها، وهو في اللُّغَةِ: اَلْمَوْضِعُ المُرْتَفِعُ مِنَ الأرْضِ، ومِن ذَلِكَ ”كَمْ رَيْعُ أرْضِكَ؟“، أيْ: ”كَمِ ارْتِفاعُ أرْضِكَ؟“، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”بِكُلِّ رِيعٍ“: كُلِّ فَجٍّ، و”اَلْفَجُّ“: اَلطَّرِيقُ المُنْفَرِجُ في الجَبَلِ، وجاءَ أيْضًا: ”بِكُلِّ طَرِيقٍ“، وقَوْلُهُ: ”آيَةً“: عَلامَةً.
الشعراء 26:129
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ﴾، واحِدُ ”اَلْمَصانِعُ“: ”مَصْنَعَةٌ“، و”مَصْنَعٌ“، وهي الَّتِي تُتَّخَذُ لِلْماءِ، وقِيلَ: مَبانٍ، ومَعْنى ”لَعَلَّكم تَخْلُدُونَ“، أيْ: لِأنْ تَخْلُدُوا، أيْ: وتَتَّخِذُونَ مَبانِيَ لِلْخُلُودِ، لا تَتَفَكَّرُونَ في المَوْتِ.
الشعراء 26:130
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبّارِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ بَطْشَهم كانَ بِالسَّوْطِ، والسَّيْفِ، وإنَّما أنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ ظُلْمٌ، فَأمّا في الحَقِّ فالبَطْشُ بِالسَّوْطِ، والسَّيْفِ جائِزٌ.
الشعراء 26:137
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ هَذا إلا خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾، ويُقْرَأُ: ”خَلْقُ الأوَّلِينَ“، فَمَن قَرَأ: ”خُلُقُ الأوَّلِينَ“، بِضَمِّ الخاءِ، فَمَعْناهُ: عادَةُ الأوَّلِينَ، ومَن قَرَأ: ”خَلْقُ“، بِفَتْحِ الخاءِ، فَمَعْناهُ: اِخْتِلاقُهُمْ، وكَذِبُهُمْ، وفي ”خَلْقُ الأوَّلِينَ“، وجْهٌ آخَرُ، أيْ: ”خُلِقْنا كَما خُلِقَ مَن كانَ قَبْلَنا، نَحْيا كَما حَيَوْا، ونَمُوتُ كَما ماتُوا، ولا نُبْعَثُ“، لِأنَّهم أنْكَرُوا البَعْثَ.
الشعراء 26:148
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ﴾، ”اَلْهَضِيمُ“: اَلدّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وهو - فِيما قِيلَ - أنَّ رُطَبَهُ بِغَيْرِ نَوًى، وقِيلَ: ”اَلْهَضِيمُ“: اَلَّذِي يَتَهَشَّمُ تَهَشُّمًا، و”اَلْهَضِيمُ“، في اللُّغَةِ: اَلضّامِرُ، الدّاخِلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، ولا شَيْءَ في الطَّلْعِ أبْلَغُ مِن هَذا.
الشعراء 26:149
وَقَوْلُهُ: ”فَرِهِينَ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أشِرِينَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”فَرِحِينَ“، وقُرِئَتْ: ﴿فارِهِينَ﴾، ومَعْنى ”فارِهِينَ“: حاذِقِينَ، و”فَرِهِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ.
الشعراء 26:153
وَقَوْلُهُ: ﴿مِنَ المُسَحَّرِينَ﴾، (p-٩٧)أيْ: مِمَّنْ لَهُ سَحْرٌ، و”اَلسَّحْرُ“: اَلرِّئَةُ، أيْ: إنَّما أنْتَ بَشَرٌ مِثْلُنا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”مِنَ المُسَحَّرِينَ“، مِن ”اَلْمُفَعَّلِينَ“، مِن ”اَلسِّحْرُ“، أيْ: مِمَّنْ قَدْ سُحِرَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
الشعراء 26:166
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”ما أصْلَحَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكم“، يُعْنى بِهِ الفُرُوجُ، وعَلى ذَلِكَ التَّفْسِيرُ، وذَلِكَ أنَّ قَوْمَ لُوطٍ كانُوا يَعْدِلُونَ في النِّساءِ عَنِ الفُرُوجِ إلى الأدْبارِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم بِفِعْلِهِمْ هَذا عادُونَ، و”عادُونَ“: ظالِمُونَ غايَةَ الظُّلْمِ، ويُرْوى أنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ التَّحْمِيضِ، فَقالَ: ”أوَيَفْعَلُ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ؟!“، والتَّحْمِيضُ فِعْلُ قَوْمِ لُوطٍ بِالنِّساءِ، والرِّجالِ، ومَن أجازَ هَذا في النِّساءِ فَمُخْطِئٌ خَطَأً عَظِيمًا.
الشعراء 26:168
﴿قالَ إنِّي لِعَمَلِكم مِنَ القالِينَ﴾، و”اَلْقالِي“: اَلتّارِكُ لِلشَّيْءِ، الكارِهُ لَهُ غايَةَ الكَراهَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧١]، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”في الباقِينَ في العَذابِ“، و”اَلْغابِرُ“، في اللُّغَةِ: اَلْباقِي، وأنْشَدُوا لِلْعَجّاجِ:
؎فَما ونى مُحَمَّدٌ مُذْ أنْ غَفَرْ ∗∗∗ لَهُ الإلَهُ ما مَضى وما غَبَرْ
(p-١٠٠)وَأنْشَدُوا لِلْعَجّاجِ:
؎لا تَكْسَعِ الشَّوْلَ بِأغْبارِها ∗∗∗ إنَّكَ لا تَدْرِي مَنِ النّاتِجُ
”أغْبارُها“: ما بَقِيَ مِنَ اللَّبَنِ في أخْلافِ النّاقَةِ.
الشعراء 26:176
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَّبَ أصْحابُ الأيْكَةِ المُرْسَلِينَ﴾، ”اَلْأيْكَةُ“: اَلشَّجَرُ المُلْتَفُّ، ويُقالُ: ”أيْكَةٌ“، و”أيْكٌ“، مِثْلَ ”أجْمَةٌ“، و”أجْمٌ“، والفَصْلُ بَيْنَ واحِدِهِ وجَمْعِهِ الهاءُ، ويُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ هَؤُلاءِ كانُوا أصْحابَ شَجَرٍ مُلْتَفٍّ، ويُقالُ: إنَّ شَجَرَهم هو الدَّوْمُ، والدَّوْمُ هو شَجَرُ المُقْلِ، وأكْثَرُ القُرّاءِ عَلى إثْباتِ الألِفِ واللّامِ في ”اَلْأيْكَةِ“، وكَذَلِكَ يَقْرَأُ أبُو عَمْرٍو، وأكْثَرُ القُرّاءِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ: ”أصْحابُ لَيْكَةِ“، مَفْتُوحَةَ اللّامِ، فَإذا وقَفَ عَلى ”أصْحابُ“، قالَ: ”لَيْكَةِ المُرْسَلِينَ“، وكَذَلِكَ هي في هَذِهِ السُّورَةِ بِغَيْرِ ألِفٍ في المُصْحَفِ، وكَذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ ”ص“، بِغَيْرِ ألِفٍ، وفي سائِرِ القُرْآنِ بِألِفٍ، ويَجُوزُ - وهو حَسَنٌ جِدًّا -: ”كَذَّبَ أصْحابُ لايْكَةِ المُرْسَلِينَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ في الخَطِّ، عَلى الكَسْرِ، عَلى (p-٩٨)أنَّ الأصْلَ ”اَلْأيْكَةِ“، فَأُلْقِيَتِ الهَمْزَةُ، فَقِيلَ: ”لَيْكَةَ“، والعَرَبُ تَقُولُ: ”اَلْأحْمَرُ جاءَنِي“، وتَقُولُ إذا ألْقَتِ الهَمْزَةُ: ”اَلَحْمَرُ جاءَنِي“، بِفَتْحِ اللّامِ، وإثْباتِ ألِفِ الوَصْلِ، ويَقُولُونَ أيْضًا: ”لاحْمَرُ جاءَنِي“، يُرِيدُونَ: ”اَلْأحْمَرُ“، وإثْباتُ الألِفِ واللّامِ فِيهِما في سائِرِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ حَذْفَ الهَمْزَةِ مِنها الَّتِي هي ألِفُ الوَصْلِ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ ”لاحْمَرُ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: أعْنِي أنَّ القَرّاءَةَ بِجَرِّ ”لَيْكَةِ“، وأنْتَ تُرِيدُ ”اَلْأيْكَةِ“، واللّامُ أجْوَدُ مِن أنْ تَجْعَلَها ”لَيْكَةِ“، وأنْتَ لا تُقَدِّرُ الألِفَ واللّامَ، وتَفْتَحُها لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّ ”لَيْكَةَ“، لا تُعَرَّفُ، وإنَّما هي ”أيْكَةٌ“، لِلْواحِدِ، و”أيْكٌ“، لِلْجَمْعِ، فَأجْوَدُ القِراءَةِ فِيها الكَسْرُ، وإسْقاطُ الهَمْزَةِ لِمُوافَقَةِ المُصْحَفِ، وأهْلُ المَدِينَةِ يَفْتَحُونَ عَلى ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْمَ المَدِينَةِ الَّتِي كانَتْ لِلَّذِينِ أُرْسِلُ إلَيْهِمْ شُعَيْبٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”لَيْكَةُ“، وكانَ أبُو عُبَيْدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ يَخْتارُ قِراءَةَ أهْلِ المَدِينَةِ، والفَتْحَ، لِأنَّ ”لَيْكَةَ“، لا تَنْصَرِفُ، وذَكَرَ أنَّهُ اخْتارَ ذَلِكَ لِمُوافَقَتِها الكِتابَ، مَعَ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ، كَأنَّها تُسَمّى المَدِينَةُ ”اَلْأيْكَةَ“، وتُسَمّى الغَيْضَةُ الَّتِي تَضَمُّ هَذا الشَّجَرَ ”اَلْأيْكَةَ“، والكَسْرُ جَيِّدٌ عَلى ما وصَفْنا، ولا أعْلَمُهُ إلّا قَدْ قُرِئَ بِهِ.
الشعراء 26:184
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ﴾، (p-١٠١)عَطْفٌ عَلى الكافِ والمِيمِ، المَعْنى: ”اِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ الجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ“، ويُقْرَأُ: ”والجُبُلَّةَ“، بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ، ويَجُوزُ: ”والجِبْلَةَ الأوَّلِينَ“، ”والجُبْلَةَ الأوَّلِينَ“، فَأمّا الأُولَيانِ فالقِراءَةُ بِهِما، وهاتانِ جائِزَتانِ.
الشعراء 26:187
قَوْلُهُ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ﴾، و”كِسْفًا“، يُقْرَأُ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”كِسْفًا“، بِإسْكانِ السِّينِ، فَمَعْناهُ: ”جانِبًا“، ومَن قَرَأ: ”كِسَفًا“، فَتَأْوِيلُهُ: ”قِطَعًا مِنَ السَّماءِ“، جَمْعُ ”كِسْفَةٌ“، و”كِسَفٌ“، مِثْلَ: ”كِسْرَةٌ“، و”كِسَرٌ“ .
الشعراء 26:189
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾، ”اَلظُّلَّةُ“: سَحابَةٌ أظَلَّتْهُمْ، فاجْتَمَعُوا تَحْتَها مُسْتَجِيرِينَ بِها مِمّا نالَهم مِن حَرِّ ذَلِكَ اليَوْمِ، ثُمَّ أطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مِن أعْظَمِ يَوْمٍ في الدُّنْيا عَذابًا، ﴿إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، (p-٩٩)وَلَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ ”عَظِيمًا“، والجَرُّ أجْوَدُ، كَما جاءَ بِهِ القُرْآنُ.
الشعراء 26:193
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، ويُقْرَأ: ”نَزَّلَ بِهِ الرُّوحَ الأمِينَ“، اَلْمَعْنى: ”نَزَّلَ اللَّهُ بِهِ الرُّوحَ الأمِينَ“، و”اَلرُّوحُ الأمِينُ“: جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -.
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤]، مَعْناهُ: نَزَلَ عَلَيْكَ فَوَعاهُ قَلْبُكَ، وثَبَتَ، فَلا تَنْساهُ أبَدًا، ولا شَيْئًا مِنهُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦]
الشعراء 26:196
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾، تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذِكْرَ القُرْآنِ، في زُبُرِ الأوَّلِينَ، و”اَلزُّبُرُ“: اَلْكُتُبُ، ”زَبُورٌ“، و”زُبُرٌ“، مِثْلَ قَوْلِكَ: ”رَسُولٌ“، و”رُسُلٌ“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]
الشعراء 26:197
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَكُنْ لَهم آيَةً أنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، إذا قُلْتَ: ”يَكُنْ“، فالِاخْتِيارُ نَصْبُ ”آيَةً“، ويَكُونُ ”أنْ يَعْلَمَهُ“، اِسْمَ ”كانَ“، ويَكُونُ ”آيَةً“، خَبَرَ ”كانَ“، اَلْمَعْنى: ”أوَلَمْ يَكُنْ عِلْمُ عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَقٌّ وأنَّ نُبُوَّتَهُ حَقٌّ آيَةً؟!“، أيْ: عَلامَةً مُوَضَّحَةً، لِأنَّ العُلَماءَ الَّذِينَ آمَنُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وجَدُوا ذِكْرَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَن قَرَأ: ”أوَلَمْ تَكُنْ لَهم آيَةٌ“، بِالتّاءِ، جَعَلَ ”آيَةً“، هي الِاسْمَ، و”أنْ يَعْلَمَهُ“، خَبَرَ ”يَكُنْ“، ويَجُوزُ أيْضًا: ”أوَلَمْ تَكُنْ لَهم آيَةً“، بِالتّاءِ، ونَصْبِ ”آيَةً“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلا أنْ قالُوا﴾ [الأنعام: ٢٣]، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎فَمَضى وقَدَّمَها وكانَتْ عادَةً ∗∗∗ مِنهُ إذا هي عَرَّدَتْ إقْدامُها
(p-١٠٢)فَنَصَبَ ”عادَةً“، وقَدْ أنَّثَ ”كانَتْ“، وهي لِلْإقْدامِ، لِأنَّ الِاسْمَ والخَبَرَ في ”كانَ“، لِشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ جاوَرَ الفِعْلُ لَفْظَ التَّأْنِيثِ.
الشعراء 26:198
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَـزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الأعْجَمِينَ﴾، ”اَلْأعْجَمِينَ“: جَمْعُ ”أعْجَمٍ“، والأُنْثى: ”عَجْماءُ“، و”اَلْأعْجَمُ“: اَلَّذِي لا يُفْصِحُ، وكَذَلِكَ ”اَلْأعْجَمِيُّ“، فَأمّا ”اَلْعَجَمِيُّ“، فالَّذِي مِن جِنْسِ العَجَمِ، أفْصَحَ، أوْ لَمْ يُفْصِحْ.
الشعراء 26:200
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾، أيْ: ”سَلَكْنا تَكْذِيبَهم بِهِ في قُلُوبِهِمْ“، جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مُجازاتِهِمْ أنْ طَبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ، وسَلَكَ فِيها الشِّرْكَ،﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]، أخْبَرَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لَمّا سَلَكَ في قُلُوبِهِمُ الشِّرْكَ مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ.
الشعراء 26:202
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَيَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾، مَعْنى ”بَغْتَةً“: فُجاءَةً.
الشعراء 26:208
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾ ﴿ذِكْرى﴾ [الشعراء: ٢٠٩]، ”ذِكْرى“، يَكُونُ نَصْبًا، ويَكُونُ رَفْعًا، إلّا أنَّ الإعْرابَ لا يَظْهَرُ فِيها، لِأنَّ آخِرَها ألِفٌ مَقْصُورَةٌ، فَمَن نَصَبَ فَعَلى المَصْدَرِ، ودَلَّ عَلَيْهِ الإنْذارُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلا لَها مُنْذِرُونَ﴾، مَعْناهُ: إلّا لَها مُذَكِّرُونَ ذِكْرى ”، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (p-١٠٣)فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى مَعْنى:“ إنْذارُنا ذِكْرى ”، عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، ويَجُوزُ“ ذِكْرًا وما كُنّا ظالِمِينَ ”،“ مُنَوَّنٌ ”، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنْ تَثْبُتَ بِها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، يُقالُ:“ ذَكَّرْتُهُ ذِكْرى ”، بِألِفِ التَّأْنِيثِ، و“ ذَكَّرْتُهُ ذِكْرًا، وتَذْكِيرًا، وتَذْكِرَةً، وذِكْرًا ”، و“ هو مِنِّي عَلى ذُكْرٍ "، لا غَيْرُ.
الشعراء 26:210
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”اَلشَّياطُونَ“، وهو غَلَطٌ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، ومُخالَفَةٌ عِنْدَ القُرّاءِ لِلْمُصْحَفِ، فَلَيْسَ يَجُوزُ في قِراءَةٍ، ولا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ، ولَوْ كانَ يَجُوزُ في النَّحْوِ، والمُصْحَفُ عَلى خِلافِهِ، لَمْ تَجُزْ عِنْدِي القِراءَةُ بِهِ.
الشعراء 26:212
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾، لَمّا رُمُوا بِالنُّجُومِ، مُنِعُوا مِنَ السَّمْعِ.
الشعراء 26:214
وَقَوْلُهُ - عَزَّ جَلَّ -: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾، يُرْوى في التَّفْسِيرِ «أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ نادى النَّبِيُّ ﷺ: ”يا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يا بَنِي هاشِمٍ، يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، يا عَبّاسُ - عَمَّ النَّبِيِّ - يا صَفِيَّةُ - عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ -، إنِّي لا أمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، سَلُونِي مِن مالِي ما شِئْتُمْ“»، ويُرْوى أيْضًا أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ صَعَدَ الصَّفا، ونادى الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، فَخْذًا فَخْذًا.
الشعراء 26:215
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”ألِنْ جَناحَكَ“، أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِإلانَةِ الجانِبِ مَعَ ما وصَفَهُ اللَّهُ بِهِ مِن لِينِ الخُلُقِ، وتَعْظِيمِ خُلُقِهِ في اللِّينِ، وجَمِيلِ الأخْلاقِ، فَقالَ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ﷺ.
الشعراء 26:218
(p-١٠٤)وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ﴾ ﴿وَتَقَلُّبَكَ في السّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩]، أيْ: اَلْمُصَلِّينَ.
الشعراء 26:221
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَـزَّلُ الشَّياطِينُ﴾، ثُمَّ أنْبَأ، فَقالَ: ﴿تَنَـزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢٢]، لِأنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿وَإنَّهُ لَتَنْـزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢]، ثُمَّ قالَ: ﴿نَـزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣]، و﴿وَما تَنَـزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢١٠]، كالمُتَّصِلِ بِهَذا، ثُمَّ أعْلَمُ أنَّ الشَّياطِينَ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ، أيْ: عَلى كُلٍّ كَذّابٍ، لِأنَّها كانَتْ تَأْتِي مُسَيْلَمَةَ الكَذّابَ، وغَيْرَهُ مِنَ الكَهَنَةِ، فَيُلْقُونَ إلَيْهِمْ، ويَزِيدُونَ أُولَئِكَ كَذِبًا.
الشعراء 26:224
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾، ويَجُوزُ ”يَتْبَعُهم“، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، و”اَلْغاوُونَ“: اَلشَّياطِينُ - في التَّفْسِيرِ -، وقِيلَ أيْضًا: ”اَلْغاوُونَ مِنَ النّاسِ“، فَإذا هَجا الشّاعِرُ بِما لا يَجُوزُ، هَوِيَ ذَلِكَ قَوْمٌ وأحَبُّوهُ، وهُمُ الغاوُونَ، وكَذَلِكَ إنْ مَدَحَ مَمْدُوحًا بِما لَيْسَ فِيهِ، أحَبَّ ذَلِكَ قَوْمٌ وتابَعُوهُ، فَهُمُ الغاوُونَ.
الشعراء 26:225
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّهم في كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾، لَيْسَ يُعْنى بِهِ أوْدِيَةُ الأرْضِ، إنَّما هو مَثَلٌ لِقَوْلِهِمْ، وشِعْرِهِمْ، كَما تَقُولُ في الكَلامِ: ”أنا لَكَ في وادٍ، وأنْتَ لِي في وادٍ“، ولَيْسَ يُرِيدُ أنَّكَ في وادٍ مِنَ الأرْضِ، إنَّما يُرِيدُ: ”أنا لَكَ في وادٍ مِنَ النَّفْعِ كَبِيرٍ، وأنْتَ لِي في صِنْفٍ“، والمَعْنى أنَّهم يَغْلُونَ في الذَّمِّ، والمَدْحِ، ويَكْذِبُونَ، ويَمْدَحُ الشّاعِرُ الرَّجُلَ بِما لَيْسَ فِيهِ، وكَذَلِكَ الذَّمُّ، فَيَسُبُّونَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-١٠٥)﴿فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ﴾ ﴿وَأنَّهم يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]، وهَذا دَلِيلٌ عَلى تَكْذِيبِهِمْ في قَوْلِهِمْ.
الشعراء 26:227
ثُمَّ اسْتَثْنى - عَزَّ وجَلَّ - الشُّعَراءَ الَّذِينَ مَدَحُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، ورَدُّوا هِجاءَ مَن هَجاهُ وهَجا المُسْلِمِينَ، فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾، أيْ: لَمْ يَشْغَلْهُمُ الشِّعْرُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ولَمْ يَجْعَلُوهُ هِمَّتَهُمْ، إنَّما ناضَلُوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِأيْدِيهِمْ، وألْسِنَتِهِمْ، فَهَجَوْا مَن يَسْتَحِقُّ الهِجاءَ، وأحَقُّ الخَلْقِ بِالهِجاءِ مَن كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهَجاهُ، فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانْتَصَرُوا مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِـ ”اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ الأنْصارِيُّ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وحَسّانُ بْنُ ثابِتٍ الأنْصارِيُّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾، يَعْنِي أنَّهم يَنْقَلِبُونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ، يُخَلَّدُونَ فِيها، و”أيَّ“، مَنصُوبَةٌ بِقَوْلِهِ: ”يَنْقَلِبُونَ“، لا بِقَوْلِهِ: ”وَسَيَعْلَمُ“، لِأنَّ ”أيَّ“، وسائِرَ الِاسْتِفْهامِ، لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها.
(p-١٠٦)
النمل 27:1
(p-١٠٧)سُورَةُ اَلنَّمْلِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿طس﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ”طس“: اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، أقْسَمَ بِهِ ”، وقالَ قَتادَةُ:“ إنَّهُ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وكِتابٍ مُبِينٍ﴾، مَعْنى“ تِلْكَ ”، أنَّهم كانُوا وُعِدُوا بِالقُرْآنِ في كُتُبِهِمْ، فَقِيلَ لَهُمْ:“ هَذِهِ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِها ”، وقَدْ فَسَّرْنا ما في هَذا في أوَّلِ سُورَةِ“ اَلْبَقَرَةِ ”، و“ كِتابٍ ”، مَخْفُوضٌ عَلى مَعْنى:“ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ آياتُ كِتابٍ مُبِينٍ ”، ويَجُوزُ“ وكِتابٌ مُبِينٌ ”، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، ويَكُونُ المَعْنى:“ تِلْكَ آياتُ القُرْآنِ وذَلِكَ كِتابٌ مُبِينٌ " .
النمل 27:2
وَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هُدًى“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”تِلْكَ آياتُ الكِتابِ هادِيَةً ومُبَشِّرَةً“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى إضْمارِ ”هو هُدًى وبُشْرى“، وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ مِن ”آياتُ“، عَلى مَعْنى: ”تِلْكَ هُدًى وبُشْرى“، وإنْ شِئْتَ عَلى البَدَلِ مِن ”آياتُ“، عَلى مَعْنى: ”تِلْكَ هُدًى وبُشْرى“، وفي الرَّفْعِ وجْهٌ ثالِثٌ حَسَنٌ، عَلى أنْ (p-١٠٨)يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وهُما جَمِيعًا خَبَرٌ لِـ ”تِلْكَ“، عَلى مَعْنى قَوْلِهِمْ: ”هو حُلْوٌ حامِضٌ“، أيْ: قَدْ جَمَعَ الطَّعْمَيْنِ، فَيَكُونَ خَبَرُ ”تِلْكَ“، ”آياتُ“، وخَبَرُها ”هُدًى وبُشْرى“، فَتَجْمَعَ أنَّها ”آياتٌ“، وأنَّها ”هادِيَةٌ مُبَشِّرَةٌ“ .
النمل 27:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ جَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: جَعَلْنا جَزاءَهم عَلى كُفْرِهِمْ أنْ زَيَّنّا لَهم ما هم فِيهِ، ﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾، أيْ: يَتَحَيَّرُونَ، قالَ العَجّاجُ:
أعْمى الهُدى بِالجاهِلِينَ العُمَّهِ
النمل 27:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، أيْ: يُلْقى إلَيْكَ القُرْآنُ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ.
النمل 27:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”اُذْكُرْ إذْ قالَ مُوسى لِأهْلِهِ“، أيْ: اُذْكُرْ قِصَّةَ مُوسى، ومَعْنى ﴿آنَسْتُ نارًا﴾ رَأيْتُ نارًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾، يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ، وبِالإضافَةِ، فَمَن نَوَّنَ جَعَلَ ”قَبَسٍ“، مِن صِفَةِ ”شِهابٍ“، وكُلُّ أبْيَضَ ذِي نُورٍ فَهو شِهابٌ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كانُوا في شِتاءٍ، فَلِذَلِكَ احْتاجُوا إلى الِاصْطِلاءِ.
النمل 27:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا جاءَها﴾، (p-١٠٩)أيْ: فَلَمّا جاءَ مُوسى النّارَ، ﴿نُودِيَ أنْ بُورِكَ مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾، فَمَوْضِعُ ”أنْ“: إنْ شِئْتَ كانَ نَصْبًا، وإنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، فَمَن حَكَمَ عَلَيْها بِالنَّصْبِ، فالمَعْنى: ”نُودِيَ مُوسى بِأنَّهُ بُورِكَ مَن في النّارِ“، واسْمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ مُضْمَرٌ في ”نُودِيَ“، ومَن حَكَمَ عَلَيْها بِالرَّفْعِ، كانَتِ اسْمَ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ: ”نُودِيَ أنْ بُورِكَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”مَن في النّارِ“، هَهُنا: نُورُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، و”مَن حَوْلَها“، قِيلَ: اَلْمَلائِكَةُ، وقِيلَ: ”نُورُ اللَّهِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - عَنِ السُّوءِ، كَذَلِكَ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وكَذا فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ.
النمل 27:10
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ﴾، أيْ: تَتَحَرَّكُ، كَما يَتَحَرَّكُ الجانُّ حَرَكَةً خَفِيفَةً، وكانَتْ في صُورَةِ الثُّعْبانِ، وهو العَظِيمُ مِنَ الحَيّاتِ، ﴿وَلّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ ”لَمْ يُعَقِّبْ“: لَمْ يَلْتَفِتْ، وجاءَ أيْضًا: لَمْ يَرْجِعْ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: لَمْ يَرْجِعْ، يُقالُ: ”قَدْ عَقَّبَ فُلانٌ“، إذا رَجَعَ يُقاتِلُ بَعْدَ أنْ ولّى، قالَ لَبِيدٌ:
؎حَتّى تَهَجَّرَ في الرَّواحِ وهاجَهُ ∗∗∗ طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهُ المَظْلُومُ
(p-١١٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾، مَعْناهُ: ”لا يَخافُ عِنْدِي المُرْسَلُونَ“ .
النمل 27:11
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن ظَلَمَ﴾، ”إلّا“: اِسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لَكِنَّ مَن ظَلَمَ ثُمَّ تابَ مِنَ المُرْسَلِينَ وغَيْرِهِمْ“، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
النمل 27:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”أدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ وأخْرِجْها، تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”مِن غَيْرِ سُوءٍ“: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، وجاءَ أيْضًا أنَّهُ كانَتْ عَلَيْهِ مَدْرَعَةُ صُوفٍ بِغَيْرِ كُمَّيْنِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾، ”في“، مِن صِلَةِ قَوْلِهِ: ”وَألْقِ عَصاكَ، وأدْخِلْ يَدَكَ“، فالتَّأْوِيلُ: ”وَأظْهِرْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ في تِسْعِ آياتٍ“، وتَأْوِيلُهُ: ”مِن بَيْنِ آياتٍ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ التِّسْعَ: ”كَوْنُ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ، وكَوْنُ العَصا حَيَّةً، وما أصابَ آلَ فِرْعَوْنَ مِنَ الجَدْبِ في بَوادِيهِمْ، ونَقْصُ الثِّمارِ مِن مَزارِعِهِمْ، وإرْسالُ الجَرادِ عَلَيْهِمْ، والقُمَّلِ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ والطُّوفانُ“، فَهَذِهِ تِسْعُ آياتٍ، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾، ومَعْناهُ، ”مِن تِسْعٍ“، قَوْلُهُمْ: ”خُذْ لِي عَشْرًا مِنَ الإبِلِ فِيها فَحْلانِ“، اَلْمَعْنى: ”مِنها فَحْلانِ“ .
النمل 27:13
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا مُبْصِرَةً﴾، (p-١١١)أيْ: واضِحَةً، ويَجُوزُ ”مُبْصَرَةً“، ومَعْناها: ”مُبَيَّنَةً، تُبْصَرُ وتُرى“ .
النمل 27:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهم ظُلْمًا وعُلُوًّا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَجَحَدُوا بِها ظُلْمًا وعُلُوًّا“، أيْ: تَرَفُّعًا عَنْ أنْ يُؤْمِنُوا بِما جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَجَحَدُوا بِها وهم يَعْلَمُونَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.
النمل 27:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ جَلَّ -: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ ورِثَهُ نُبُوَّتَهُ ومُلْكَهُ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ لِداوُدَ تِسْعَةَ عَشَرَ ولَدًا، فَوَرِثَهُ سُلَيْمانُ مِن بَيْنِهِمُ النُّبُوَّةَ والمُلْكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ البُلْهُ مِنها، وأحْسَبُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - ما ألْهَمَ اللَّهُ الطَّيْرَ مِمّا يُسَبِّحُهُ بِهِ، كَما قالَ: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”أُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ يَجُوزُ أنْ يُؤْتاهُ الأنْبِياءُ، والنّاسُ“، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، أيْ: مِن كُلِّ شَيْءٍ يُؤْتاهُ مِثْلُها، وعَلى هَذا جَرى كَلامُ النّاسِ، يَقُولُ القائِلُ: ”قَدْ قَصَدَ فُلانًا كُلُّ أحَدٍ في حاجَتِهِ“، اَلْمَعْنى: ”قَصَدَهُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ“ .
النمل 27:17
(p-١١٢)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ فَهم يُوزَعُونَ﴾، في اللُّغَةِ ”يُوزَعُونَ“: يُكَفُّونَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”يُكَفُّ أوَّلُهُمْ، ويُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ“ .
النمل 27:18
﴿حَتّى إذا أتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ﴾، يُرْوى أنَّ وادِي النَّمْلِ هَذا كانَ بِالشّامِ، وأنَّ نَمْلَ سُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِثالَ الذُّبابِ، ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾، جاءَ لَفْظُ ”اُدْخُلُوا“، كَلَفْظِ ما يَعْقِلُ، يُقالُ لِلنّاسِ: ”اُدْخُلُوا“، وكَذَلِكَ لِلْمَلائِكَةِ، والجِنِّ، وكَذَلِكَ ”دَخَلُوا“، فَإذا ذَكَرْتَ النَّمْلَ قُلْتَ: ”قَدْ دَخَلْنَ“، و”دَخَلَتْ“، وكَذَلِكَ سائِرُ ما لا يَعْقِلُ، إلّا أنَّ النَّمْلَ هَهُنا أُجْرِيَ مُجْرى الآدَمِيِّينَ حِينَ نَطَقَ، كَما يَنْطِقُ الآدَمِيُّونَ، ﴿لا يَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ وجُنُودُهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”لا تَحْطِمَنَّكم سُلَيْمانُ“، و”لا تُحَطِّمَنَّكم سُلَيْمانُ“، و”لا يُحَطِّمَنَّكم“، جائِزَةٌ.
النمل 27:19
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَوْلِها﴾، لِأنَّ أكْثَرَ ضَحِكِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - التَّبَسُّمُ، و”ضاحِكًا“، مَنصُوبٌ، حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ ”تَبَسَّمَ“، بِمَعْنى ”ضَحِكَ“، ﴿وَقالَ رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ﴾، مَعْنى ”أوْزِعْنِي“: ألْهِمْنِي، وتَأْوِيلُهُ في اللُّغَةِ: كُفَّنِي عَنِ الأشْياءِ (p-١١٣)إلّا عَنْ شُكْرِ نِعْمَتِكَ، أيْ: ”كُفَّنِي عَمّا يُباعِدُ مِنكَ“، ﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾
النمل 27:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقالَ ما لِيَ لا أرى الهُدْهُدَ أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ﴾، بِفَتْحِ الياءِ، وإسْكانِها في ”ما لِيَ“، والفَتْحُ أجْوَدُ، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: ”أمْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ“، مَعْناهُ: ”بَلْ كانَ مِنَ الغائِبِينَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ سُلَيْمانَ ﷺ تَفَقَّدَ الهُدْهُدَ، لِأنَّهُ كانَ مُهَنْدِسَ الماءِ، وكانَ سُلَيْمانُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إذا نَزَلَ بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ عَرَفَ مِقْدارَ مَسافَةِ الماءِ مِنَ الهُدْهُدِ، وقِيلَ: إنَّ الهُدْهُدَ يَرى الماءَ في الأرْضِ كَما يُرى الماءُ في الزُّجاجَةِ.
النمل 27:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لأذْبَحَنَّهُ﴾، رُوِيَ أنَّ عَذابَ سُلَيْمانَ كانَ لِلطَّيْرِ أنْ يَنْتِفَ رِيشَ جَناحِ الطّائِرِ، ويُلْقى في الشَّمْسِ، ﴿أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: لَيَأْتِيَنِّي بِحُجَّةٍ في غَيْبَتِهِ.
النمل 27:22
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”فَمَكُثَ“، بِضَمِّ الكافِ، وفَتْحِها، أيْ: غَيْرَ وقْتٍ بَعِيدٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقالَ أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾، (p-١١٤)اَلْمَعْنى: ”فَجاءَ الهُدْهُدُ، فَسَألَهُ سُلَيْمانُ عَنْ غَيْبَتِهِ، فَقالَ: أحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِهِ“، وحُذِفَ هَذا لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومَعْنى ”أحَطْتُ“: عَلِمْتُ شَيْئًا مِن جَمِيعِ جِهاتِهِ، تَقُولُ: ”أحَطْتُ بِهَذا عِلْمًا“، أيْ: عَلِمْتُهُ كُلَّهُ، لَمْ يَبْقَ عَلَيَّ مِنهُ شَيْءٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، يُقْرَأُ بِالصَّرْفِ والتَّنْوِينِ، ويُقْرَأُ: ”مِن سَبَأ“، بِفَتْحِ ”سَبَأ“، وحَذْفِ التَّنْوِينِ، فَأمّا مَن لَمْ يَصْرِفْ فَيَجْعَلُهُ اسْمَ مَدِينَةٍ، وأمّا مَن صَرَفَ فَذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ اسْمُ رَجُلٍ واحِدٍ، وذَكَرَ آخَرُونَ أنَّ الِاسْمَ إذا لَمْ يُدْرَ ما هُوَ، لَمْ يُصْرَفْ، وأحَدُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ خَطَأٌ، لِأنَّ الأسْماءَ حَقُّها الصَّرْفُ، فَإذا لَمْ يُعْلَمْ الِاسْمُ لِلْمُذَكَّرِ هو أوْ لِلْمُؤَنَّثِ فَحَقُّهُ الصَّرْفُ، حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّ أصْلَ الأسْماءِ الصَّرْفُ، وكُلُّ ما لا يَنْصَرِفُ فَهو يُصْرَفُ في الشِّعْرِ، وأمّا الَّذِينَ قالُوا إنَّ ”سَبَأٌ“، اِسْمُ رَجُلٍ، فَغَلَطٌ أيْضًا، لِأنَّ ”سَبَأٌ“، هي مَدِينَةٌ تُعْرَفُ بِـ ”مَأْرِبٌ“، مِنَ اليَمَنِ، بَيْنَها وبَيْنَ صَنْعاءَ ثَلاثَةُ أيّامٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن سَبَأ الحاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ ∗∗∗ يَبْنُونَ مِن دُونِ سَيْلِها العَرِما
فَمَن لَمْ يَصْرِفْ فَلِأنَّهُ اسْمُ مَدِينَةٍ، ومَن صَرَفَهُ، والصَّرْفُ فِيهِ أكْثَرُ في القِراءَةِ، فَلِأنَّهُ يَكُونُ اسْمًا لِلْبَلَدِ، فَيَكُونُ مُذَكَّرًا سُمِّيَ بِهِ مُذَكَّرٌ، فَإنْ صَحَّتْ فِيهِ رِوايَةٌ، فَإنَّما هو أنَّ المَدِينَةَ سُمِّيَتْ بِاسْمِ رَجُلٍ.
النمل 27:23
(p-١١٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ ولَها عَرْشٌ﴾، مَعْناهُ: ”وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ تُعْطاهُ المُلُوكُ ويُؤْتاهُ النّاسُ“، و”اَلْعَرْشُ“: سَرِيرٌ عَظِيمٌ.
النمل 27:25
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، ويُقْرَأُ: ”ألا يَسْجُدُوا“، فَمَن قَرَأ بِالتَّشْدِيدِ، فالمَعْنى: ”وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أعْمالَهم فَصَدَّهم ألّا يَسْجُدُوا“، أيْ: ”فَصَدَّهم لِئَلّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ“، ومَوْضِعُ ”أنْ“، نَصْبٌ بِقَوْلِهِ: ”فَصَدَّهم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُها جَرًّا، وإنْ حُذِفَتِ اللّامُ، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَـ ”ألا“، لِابْتِداءِ الكَلامِ، والتَّنْبِيهِ، والوُقُوفُ عَلَيْهِ: ”ألا يا“، ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ فَيَقُولُ: ”اُسْجُدُوا لِلَّهِ“، ومَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِنَ القُرْآنِ، ومَن قَرَأ: ”ألّا يَسْجُدُوا“، بِالتَّشْدِيدِ، فَلَيْسَ بِمَوْضِعِ سَجْدَةٍ، ومِثْلُ قَوْلِهِ: ”ألا يا اسْجُدُوا“، بِالتَّخْفِيفِ، قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:
؎ألا يا اسْلَمِي يا دارَ مَيَّ عَلى البِلى ∗∗∗ ولا زالَ مُنْهَلًّا بِجَرْعائِكِ القَطْرُ
وَقالَ الأخْطَلُ:
؎ألا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بَنِي بَدْرِ ∗∗∗ تَحِيَّةَ مَن صَلّى فُؤادَكِ بِالجَمْرِ
وَقالَ العَجّاجُ (p-١١٦)
؎يا دارَ سَلْمى يا اسْلَمِي ثُمَّ اسْلَمِي ∗∗∗ بِسَمْسَمٍ أوْ عَنْ يَمِينِ سَمْسَمِ
وَإنَّما أكْثَرْنا الشّاهِدَ في هَذا الحَرْفِ كَما فَعَلَ مَن قَبْلَنا، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِقِلَّةِ اعْتِيادِ العامَّةِ لِدُخُولِ ”يا“، إلّا في النِّداءِ، لا تَكادُ العامَّةُ تَقُولُ: ”يا قَدْ قَدِمَ زَيْدٌ“، ولا ”يا اذْهَبْ بِسَلامٍ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، كُلُّ ما خَبَّأْتَهُ فَهو خَبْءٌ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الخَبْءَ هَهُنا القَطْرُ مِنَ السَّماءِ، والنَّباتُ مِنَ الأرْضِ، ويَجُوزُ - وهو الوَجْهُ - أنْ يَكُونَ الخَبْءُ كُلَّ ما غابَ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”يَعْلَمُ الغَيْبَ في السَّماواتِ والأرْضِ“، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وما تُعْلِنُونَ﴾
النمل 27:28
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْقِهْ إلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، خَمْسَةُ أوْجُهٍ: ”فَألْقِهِي إلَيْهِمْ“، بِإثْباتِ الياءِ، وهو أكْثَرُ القِراءَةِ، ويَجُوزُ: ”فَألْقِهِ إلَيْهِمْ“، بِحَذْفِ الياءِ، وإثْباتِ الكَسْرَةِ، لِأنَّ أصْلَهُ ”فَألْقِيهِ إلَيْهِمْ“، فَحُذِفَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ، أعْنِي ياءَ ”ألْقِيهِ“، ويَجُوزُ: ”فَألْقِهُو إلَيْهِمْ“، بِإثْباتِ الواوِ، ويَجُوزُ: ”فَألْقِهُ إلَيْهِمْ“، بِالضَّمِّ، وحُذِفَتِ الواوُ، وقَدْ قُرِئَ: ”فَألْقِهْ إلَيْهِمْ“، بِإسْكانِ الهاءِ، فَأمّا إثْباتُ الياءِ فَهو أجْوَدُها، ”فَألْقِهِي“، فَإنَّ الياءَ الَّتِي تَسْقُطُ لِلْجَزْمِ قَدْ سَقَطَتْ قَبْلَ الهاءِ، لِأنَّ الأصْلَ ”فَألْقِيهِ إلَيْهِمْ“، ومَن حَذَفَ الياءَ وتَرَكَ الكَسْرَةَ بَعْدَ الهاءِ، فَلِأنَّهُ كانَ إذا أثْبَتَ الياءَ في قَوْلِكَ: ”أنا أُلْقِيهِ إلَيْهِمْ“، كانَ الِاخْتِيارُ حَذْفَ الياءِ الَّتِي بَعْدَ الهاءِ، وقَدْ شَرَحْنا ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]، شَرْحًا كافِيًا، ومَن قَرَأ: ”فَألْقِهُو إلَيْهِمْ“، رَدَّهُ إلى أصْلِهِ، والأصْلُ إثْباتُ الواوِ مَعَ هاءِ الإضْمارِ، تَقُولُ: ”ألْقَيْتُهُو إلَيْكَ“، ومَعْنى قَوْلِنا: ”إثْباتُ الواوِ والياءِ“، أعْنِي في اللَّفْظِ، ووَصْلِ الكَلامِ، فَإذا وقَفْتَ وقَفْتَ بِهاءٍ، وإذا كَتَبْتَ كَتَبْتَ (p-١١٧)بَهاءٍ، ومَن قَرَأ بِحَذْفِ الواوِ، وإثْباتِ الضَّمَّةِ، فَذَلِكَ مِثْلُ حَذْفِ الياءِ، وإثْباتِ الكَسْرَةِ، ومَن أسْكَنَ الهاءَ فَغالِطٌ، لِأنَّ الهاءَ لَيْسَتْ بِمَجْزُومَةٍ، ولَها وجْهٌ مِنَ القِياسِ، وهو أنَّهُ يُجْرى الهاءُ في الوَصْلِ عَلى حالِها في الوَقْفِ، وأكْثَرُ ما يَقَعُ هَذا في الشِّعْرِ أنْ تُحْذَفَ هَذِهِ الهاءُ، وتَبْقى كَسْرَةٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنْ يَكُ غَثًّا أوْ سَمِينًا فَإنَّنِي ∗∗∗ سَأجْعَلُ عَيْنَيْهِ لِنَفْسِهْ مَقْنَعا
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ﴾، فِيهِ قَوْلانِ، قالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ التَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ، مَعْناهُ: ”اِذْهَبْ بِكِتابِي هَذا فَألْقِهِ إلَيْهِمْ فانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم“، وقالَ هَذا لِأنَّ رُجُوعَهُ مِن عِنْدِهِمْ، والتَّوَلِّيَ عَنْهم بَعْدَ أنْ يَنْظُرَ ما الجَوابُ، وهَذا حَسَنٌ، والتَّقْدِيمُ والتَّأْخِيرُ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وقالُوا: مَعْنى ”ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهم“: ”تَوَلَّ عَنْهم مُسْتَتِرًا مِن حَيْثُ لا يَرَوْنَكَ، فانْظُرْ ماذا يَرُدُّونَ مِنَ الجَوابِ“ .
النمل 27:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَتْ يا أيُّها المَلأُ إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾، فَمَضى الهُدْهُدُ فَألْقى الكِتابَ إلَيْهِمْ، فَسَمِعَها تَقُولُ: ”يا أيُّها المَلَأُ...“، فَحُذِفَ هَذا، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومَعْنى " ﴿كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ حَسَنٌ ما فِيهِ.
النمل 27:30
ثُمَّ بَيَّنَتْ ما فِيهِ، فَقالَتْ: ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وإنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ وأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٣١]، (p-١١٨)فَهَذا ما كانَ في الكِتابِ، وكُتُبُ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - جارِيَةٌ عَلى الإيجازِ، والِاخْتِصارِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الكِتابَ كانَ: ”مِن عَبْدِ اللَّهِ سُلَيْمانَ، إلى بَلْقِيسَ بِنْتِ سَراحِيلَ“، وإنَّما كَتَبَ النّاسُ: ”مِن عَبْدِ اللَّهِ“، اِحْتِذاءً بِسُلَيْمانَ، ومَعْنى ﴿ألا تَعْلُوا عَلَيَّ﴾ [النمل: ٣١] ”ألّا تَتَرَفَّعُوا عَلَيَّ، وإنْ كُنْتُمْ مُلُوكًا“ .
النمل 27:32
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها المَلأُ أفْتُونِي في أمْرِي﴾، أيْ: بَيِّنُوا لِي ما أعْمَلُ، و”اَلْمَلَأُ“: وُجُوهُ القَوْمِ، الَّذِينَ هم مُلاءٌ بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ.
النمل 27:33
﴿قالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، ويُرْوى أنَّهُ كانَ مَعَها ألْفُ قَيْلٍ، و”اَلْقَيْلُ“: اَلْمَلِكُ، ومَعَ كُلِّ قَيْلٍ ألْفُ رَجُلٍ، وقِيلَ: مِائَةُ ألْفِ رَجُلٍ، وأكْثَرُ الرِّوايَةِ مِائَةُ ألْفِ رَجُلٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَشْهَدُونِ﴾ [النمل: ٣٢]، بِكَسْرِ النُّونِ، ولا يَجُوزُ فَتْحُ النُّونِ، لِأنَّ أصْلَهُ: ”حَتّى تَشْهَدُونَنِي“، فَحُذِفَتِ النُّونُ الأُولى لِلنَّصْبِ، وبَقِيَتِ النُّونُ والياءُ لِلِاسْمِ، وحُذِفَتِ الياءُ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها، ولِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ، ومَن فَتَحَ النُّونَ فَلاحِنٌ، لِأنَّ النُّونَ إذا فُتِحَتْ فَهي نُونُ الرَّفْعِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ الَّتِي تَرْفَعُ فِيهِ ”حَتّى“، ويَجُوزُ: ”أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ وأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، بِفَتْحِ الألِفِ، فَيَكُونُ مَوْضِعُ ”أنَّ“، اَلرَّفْعَ، عَلى مَعْنى: ”أُلْقِيَ إلَيَّ أنَّهُ مِن سُلَيْمانَ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنَّ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى: ”كِتابٌ كَرِيمٌ لِأنَّهُ مِن سُلَيْمانَ، ولِأنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ“، فَأمّا ”ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ“، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ، فالنَّصْبُ عَلى مَعْنى ”كِتابٌ (p-١١٩)بِألّا تَعْلُوا عَلَيَّ“، أيْ: ”كُتِبَ بِتَرْكِ العُلُوِّ“، ويَجُوزُ عَلى مَعْنى: ”أُلْقِيَ إلَيَّ ألّا تَعْلُوا عَلَيَّ“، وفِيها وجْهٌ آخَرُ حَسَنٌ، عَلى مَعْنى: ”قالَ: لا تَعْلُوا عَلَيَّ“، وفَسَّرَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ ”أنْ“، في هَذا المَوْضِعِ في تَأْوِيلِ ”أيْ“، عَلى مَعْنى: ”أيْ: لا تَعْلُوا عَلَيَّ“، ومِثْلُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾ [ص: ٦]، وتَأْوِيلُ ”أيْ“، هَهُنا تَأْوِيلُ القَوْلِ والتَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: ”فَعَلَ فُلانٌ كَذا وكَذا، أيْ: إنِّي جَوادٌ“، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”يَقُولُ: إنِّي جَوادٌ“ .
النمل 27:34
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَتْ إنَّ المُلُوكَ إذا دَخَلُوا قَرْيَةً أفْسَدُوها وجَعَلُوا أعِزَّةَ أهْلِها أذِلَّةً﴾، مَعْناهُ: " إذا دَخَلُوها عَنْوَةً عَنْ قِتالٍ، وغَلَبَةٍ، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، هو مِن قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِأنَّها هي قَدْ ذَكَرَتْ أنَّهم يُفْسِدُونَ، فَلَيْسَ في تَكْرِيرِ هَذا مِنها فائِدَةٌ.
النمل 27:35
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها أهْدَتْ سُلَيْمانَ لَبِنَةَ ذَهَبٍ في حَرِيرٍ، وقِيلَ: لَبِنَ ذَهَبٍ في حَرِيرٍ، فَأمَرَ سُلَيْمانُ بِلَبِنَةِ ذَهَبٍ فَطُرِحَتْ تَحْتَ الدَّوابِّ، حَيْثُ تَبُولُ عَلَيْها الدَّوابُّ، وتَرُوثُ، فَصَغَرَ في أعْيُنِهِمْ ما جاؤُوا بِهِ إلى سُلَيْمانَ، وقَدْ ذُكِرَ أنَّ الهَدِيَّةَ قَدْ كانَتْ غَيْرَ هَذا، إلّا أنَّ قَوْلَ سُلَيْمانَ: ﴿أتُمِدُّونَنِ بِمالٍ﴾ [النمل: ٣٦]، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ الهَدِيَّةَ كانَتْ مالًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بِمَ يَرْجِعُ المُرْسَلُونَ﴾، (p-١٢٠)حُرُوفُ الجَرِّ مَعَ ”ما“، في الِاسْتِفْهامِ تُحْذَفُ مَعَها الألِفُ مِن ”ما“، لِأنَّهُما كالشَّيْءِ الواحِدِ، ولِيُفْصَلَ بَيْنَ الخَبَرِ والِاسْتِفْهامِ، تَقُولُ: ”قَدْ رَغِبْتُ فِيما عِنْدَكَ“، فَتُثْبِتُ الألِفَ، وتَقُولُ: ”فِيمَ نَظَرْتَ يا هَذا؟“، فَتَحْذِفُ الألِفَ.
النمل 27:36
﴿فَلَمّا جاءَ سُلَيْمانَ﴾، مَعْناهُ: ”فَلَمّا جاءَ رَسُولُها سُلَيْمانَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”فَلَمّا جاءَ بِرُّها سُلَيْمانَ“، إلّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهم بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهم بِها ولَنُخْرِجَنَّهم مِنها أذِلَّةً وهم صاغِرُونَ﴾ [النمل: ٣٧]، مُخاطَبَةٌ لِلرَّسُولِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا قِبَلَ لَهم بِها﴾ [النمل: ٣٧]، مَعْناهُ: لا يَقْدِرُونَ عَلى مُقاوَمَةِ جُنُودِها.
النمل 27:38
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ يا أيُّها المَلأُ أيُّكم يَأْتِينِي بِعَرْشِها﴾، أيْ: ”بِسَرِيرِها“، ﴿قَبْلَ أنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾، أحَبَّ سُلَيْمانُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ السَّرِيرَ مِن حَيْثُ يَجُوزُ أخْذُهُ، لِأنَّهم لَوْ أتَوْا مُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ أخْذُ ما في أيْدِيهِمْ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ أرادَ سُلَيْمانُ إظْهارَ آيَةٍ مُعْجِزَةٍ في تَصْيِيرِ العَرْشِ إلَيْهِ في تِلْكَ السّاعَةِ، لِأنَّها مِنَ الآياتِ المُعْجِزاتِ.
النمل 27:39
﴿قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الجِنِّ﴾، و”اَلْعِفْرِيتُ“: اَلنّافِذُ في الأمْرِ، المُبالِغُ فِيهِ، مَعَ خُبْثٍ ودَهاءٍ، يُقالُ: ”رَجُلٌ عِفْرٌ، وعِفْرِيتٌ، وعِفْرِيَةٌ، نِفْرِيَةٌ، ونُفارِيَّةٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَقامِكَ﴾، (p-١٢١)أيْ: مِقْدارَ جُلُوسِكَ الَّذِي تَجْلِسُهُ مَعَ أصْحابِكَ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِن مَجْلِسِكَ لِلْحُكْمِ.
النمل 27:40
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتابِ﴾، ويُقالُ: إنَّهُ آصَفُ بْنُ بَرْحِيا، ﴿أنا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ يَرْتَدَّ إلَيْكَ طَرْفُكَ﴾، أيْ: بِمِقْدارِ ما يَبْلُغُ البالِغُ إلى نِهايَةِ نَظَرِكَ، ثُمَّ يَعُودُ إلَيْكَ، وقِيلَ: في مِقْدارِ ما تَفْتَحُ عَيْنَكَ ثُمَّ تَطْرِفُ، وهَذا أشْبَهُ بِارْتِدادِ الطَّرْفِ، ومِثْلُهُ مِنَ الكَلامِ: ”فَعَلَ ذَلِكَ في لَحْظَةِ عَيْنٍ“، أيْ: في مِقْدارِ ما نَظَرَ نَظْرَةً واحِدَةً، ويُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ دَعا بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ، الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وقِيلَ: إنَّهُ: ”يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ“، وقِيلَ: إنَّهُ: ”يا إلَهَنا، وإلَهَ الخَلْقِ جَمِيعًا، إلَهًا واحِدًا، لا إلَهَ إلّا أنْتَ“، فَذَكَرَ هَذا الِاسْمَ، ثُمَّ قالَ: ”اِئْتِ بِعَرْشِها“، فَلَمّا اسْتَتَمَّ ذَلِكَ ظَهَرَ السَّرِيرُ بَيْنَ يَدَيْ سُلَيْمانَ.
النمل 27:41
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها نَنْظُرْ أتَهْتَدِي﴾، اَلْجَزْمُ في ”نَنْظُرْ“، اَلْوَجْهُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ، ويَجُوزُ: ”نَنْظُرُ“، بِالرَّفْعِ، فَمَن جَزَمَ فَلِجَوابِ الأمْرِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: ”فَسَنَنْظُرُ“، وقَوْلُهُ: ”أتَهْتَدِي“، مَعْناهُ: أتَهْتَدِي لِمَعْرِفَتِهِ أمْ لا.
النمل 27:42
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَتْ كَأنَّهُ هُوَ﴾، ولَمْ تَقُلْ: ”إنَّهُ عَرْشُها“، ولا قالَتْ: ”لَيْسَ هو بِعَرْشِها“، شَبَّهَتْهُ بِهِ، لِأنَّهُ مُنَكَّرٌ، يُرْوى أنَّهُ جُعِلَ أسْفَلُهُ أعْلاهُ.
النمل 27:43
(p-١٢٢)وَقَوْلُهُ: ﴿وَصَدَّها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، أيْ: صَدَّها عَنِ الإيمانِ العادَةُ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها، لِأنَّها نَشَأتْ ولَمْ تَعْرِفْ إلّا قَوْمًا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ، فَصَدَّتْها العادَةُ، وبَيَّنَ عادَتَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾، ويَجُوزُ: ”أنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”صَدَّها كَوْنُها مِن قَوْمٍ كافِرِينَ“، ويَكُونُ مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كانَتْ تَعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾
النمل 27:44
وَقَوْلُهُ: ﴿قِيلَ لَها ادْخُلِي الصَّرْحَ﴾، و”اَلصَّرْحُ“، في اللُّغَةِ: اَلْقَصْرُ، والصَّحْنُ، يُقالُ: ”هَذِهِ ساحَةُ الدّارِ“، و”صَحْنَةُ الدّارِ“، و”باحَةُ الدّارِ“، و”قاعَةُ الدّارِ“، و”قارِعَةُ الدّارِ“، هَذا كُلُّهُ في مَعْنى ”اَلصَّحْنُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً﴾، أيْ: حَسِبَتْهُ ماءً، وكانَ قَدْ عُمِلَ لِسُلَيْمانَ صَحْنٌ مِن قَوارِيرَ، وتَحْتَهُ الماءُ، والسَّمَكُ، فَظَنَّتْ أنَّهُ ماءٌ، فَكَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها، وذاكَ أنَّ الجِنَّ عابُوا عِنْدَهُ ساقَيْها ورِجْلَيْها، وذَكَرُوا أنَّ رِجْلَيْها كَحافِرِ الحِمارِ، فَتَبَيَّنَ أمْرُ رِجْلَيْها.
النمل 27:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا هم فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ﴾، (p-١٢٣)أيْ: فَإذا قَوْمُ صالِحٍ فَرِيقانِ، مُؤْمِنٌ، وكافِرٌ، يَخْتَصِمُونَ، فَيَقُولُ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهُمْ: اَلْحَقُّ مَعِي، وطَلَبَتِ الفِرْقَةُ الكافِرَةُ عَلى تَصْدِيقِ صالِحٍ العَذابَ، فَقالَ: ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]، أيْ: لِمَ قُلْتُمْ: إنْ كانَ ما أتَيْتَ بِهِ حَقًّا فَأْتِنا بِالعَذابِ، ﴿لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [النمل: ٤٦]، أيْ: ”هَلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ؟“ .
النمل 27:47
قَوْلُهُ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾، اَلْأصْلُ: تَطَيَّرْنا، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، واجْتُلِبَتِ الألِفُ لِسُكُونِ الطّاءِ، فَإذا ابْتَدَأْتَ قُلْتَ: ”اِطَّيَّرْنا بِكَ“، وإذا وصَلْتَ لَمْ تَذْكُرِ الألِفَ، وتَسْقُطُ لِأنَّها ألِفُ وصْلٍ، ﴿قالَ طائِرُكم عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ: ما أصابَكم مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ فَمِنَ اللَّهِ، ﴿بَلْ أنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾، أيْ: تُخْتَبَرُونَ، ويَجُوزُ: ”تُفْتَنُونَ“، مِن ”اَلْفِتْنَةُ“، أيْ: تَطَيُّرُكم فِتْنَةٌ.
النمل 27:48
﴿وَكانَ في المَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ولا يُصْلِحُونَ﴾، هَؤُلاءِ عُتاةُ قَوْمِ صالِحٍ.
النمل 27:49
﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾، وتَجُوزُ: ”لَتُبَيِّتُنَّهُ“، ويَجُوزُ: ”لَيُبَيِّتُنَّهُ وأهْلَهُ“، بِالياءِ، فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ، قَرَأ: ”ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ“، ومَن قَرَأ: ”لَتُبَيِّتُنَّهُ“، بِالتّاءِ، قَرَأ: ”ثُمَّ لَتَقُولُنَّ“، ومَن قَرَأ: ”لَيُبَيِّتُنَّهُ“، بِالياءِ، قَرَأ: ”ثُمَّ لَيَقُولُنَّ لِوَلِيِّهِ“ .
(p-١٢٤)فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فَكَأنَّهم قالُوا: ”اِحْلِفُوا لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ“، ومَن قَرَأ بِالتّاءِ، فَكَأنَّهم قالُوا: ”اِحْلِفُوا لَتُبَيِّتُنَهُ“، فَكَأنَّهُ أخْرَجَ نَفْسَهُ في اللَّفْظِ، والنُّونُ أجْوَدُ في القِراءَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ أدْخَلَ نَفْسَهُ في التّاءِ، لِأنَّهُ إذا قالَ: ”تَقاسَمُوا“، فَقَدْ قالَ: ”تَحالَفُوا“، ولا يُخْرِجُ نَفْسَهُ مِنَ التَّحالُفِ، ومَن قَرَأ: ”قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لِيُبَيِّتُنَّهُ“، فالمَعْنى: ”قالُوا لِيُبَيِّتُنَّهُ مُتَقاسِمِينَ“، فَكانَ هَؤُلاءِ النَّفَرُ تَحالَفُوا أنْ يُبَيِّتُوا صالِحًا، ويَقْتُلُوهُ وأهْلَهُ في بَياتِهِمْ، ثُمَّ يُنْكِرُوا عِنْدَ أوْلِياءِ صالِحٍ أنَّهم شَهِدُوا مَهْلِكَهُ ومَهْلِكَ أهْلِهِ، ويَحْلِفُوا أنَّهم لَصادِقُونَ، فَهَذا مَكْرٌ عَزَمُوا عَلَيْهِ.
النمل 27:50
قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾، فَمَضَوْا لِبُغْيَتِهِمْ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَخْرَةً، فَدَمَغَتْهُمْ، وأرْسَلَ عَلى باقِي قَوْمِهِمْ ما قَتَلَهم بِهِ.
النمل 27:51
وَقَوْلُهُ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أنّا دَمَّرْناهم وقَوْمَهم أجْمَعِينَ﴾، يُقْرَأُ: ”إنّا دَمَّرْناهم“، بِكَسْرِ ”إنَّ“، وبِفَتْحِها، فَمَن قَرَأ بِالكَسْرِ، رَفَعَ العاقِبَةَ لا غَيْرُ، المَعْنى: ”فانْظُرْ أيَّ شَيْءٍ كانَ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ“، ثُمَّ فَسَّرَها فَقالَ: ”إنّا دَمَّرْناهم“، فَدَلَّ عَلى أنَّ العاقِبَةَ الدَّمارُ، ومَن قَرَأ: ”أنّا دَمَّرْناهم“، بِالفَتْحِ، رَفَعَ العاقِبَةَ، وإنْ شاءَ نَصَبَها، والرَّفْعُ أجْوَدُ، عَلى مَعْنى: ”فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةَ أمْرِهِمْ“، وأضْمَرَ العاقِبَةَ، ”أنّا دَمَّرْناهم“، فَيَكُونُ ”أنّا“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنّا“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى: ”فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ لِأنّا دَمَّرْناهم“، ويَجُوزُ أنْ (p-١٢٥)تَكُونَ ”أنّا دَمَّرْناهم“، خَبَرَ ”كانَ“، اَلْمَعْنى: ”فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهُمُ الدَّمارَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ ”كانَ“، ”أنّا دَمَّرْناهم“، و”عاقِبَةُ أمْرِهِمْ“، مَنصُوبَةً، المَعْنى: ”فانْظُرْ كَيْفَ كانَ الدَّمارُ عاقِبَةَ مَكْرِهِمْ“، و”كَيْفَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ في جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ، ونَصْبُها، إذا جُعِلَتِ العاقِبَةُ اسْمَ ”كانَ“، و”كَيْفَ“، اَلْخَبَرُ، لِأنَّها في مَوْضِعِ خَبَرِ ”كانَ“، فَإذا جُعِلَتِ اسْمَ ”كانَ“، وخَبَرُها ما بَعْدَها، فَهي مَنصُوبَةٌ عَلى الظَّرْفِ، وعَمِلَ فِيها جُمْلَةُ الكَلامِ، كَما تَقُولُ: ”كَيْفَ كانَ زَيْدٌ؟“، و”كَيْفَ كانَ زَيْدٌ قائِمًا؟“ .
النمل 27:52
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهم خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾، أكْثَرُ القُرّاءِ نَصَبَ ”خاوِيَةً“، عَلى الحالِ، المَعْنى: ”فانْظُرْ إلى بُيُوتِهِمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا“، ورَفْعُها مِن أرْبَعَةِ أوْجُهٍ، قَدْ بَيَّناها فِيمَن قَرَأ: ”وَهَذا بَعْلِي شَيْخٌ“ .
النمل 27:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾، نَصْبُ ”لُوطًا“، مِن جِهَتَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”وَأرْسَلْنا لُوطًا“، وعَلى مَعْنى: ”واذْكُرْ لُوطًا“، إذْ قالَ لِقَوْمِهِ، لِأنَّهُ قَدْ جَرَتْ أقاصِيصُ رُسُلٍ، فَدَخَلَ مَعْنى إضْمارِ ”اُذْكُرْ“، هَهَنا، ﴿أتَأْتُونَ الفاحِشَةَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾، أيْ: وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّها فاحِشَةٌ، فَهو أعْظَمُ لِذُنُوبِكم.
النمل 27:55
﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾، (p-١٢٦)يَجُوزُ عَلى أوْجُهٍ: ”آئِنَّكم“، بِهَمْزَتَيْنِ بَيْنَهُما ألِفٌ، ويَجُوزُ: ”أئِنَّكم“، بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، والأجْوَدُ ”أيِنَّكم“، بِجَعْلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ بَيْنَ بَيْنَ، تَكُونُ بَيْنَ الياءِ والهَمْزَةِ.
النمل 27:56
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا﴾، جَوابُ خَبَرِ ”كانَ“، و”أنْ قالُوا“، اَلِاسْمُ، ويَجُوزُ: ”فَما كانَ جَوابُ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهم أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾، قالَ قَوْمُ لُوطٍ هَذا لِلُوطٍ، ولِمَن آمَنَ مَعَهُ، عَلى جِهَةِ الهُزُؤِ بِهِمْ، لِأنَّهم تَطَهَّرُوا عَنْ أدْبارِ الرِّجالِ، وأدْبارِ النِّساءِ، ويُرْوى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ سُئِلَ: ”هَلْ يَجُوزُ هَذا في النِّساءِ؟“، قِيلَ لَهُ: ”ما تَقُولُ في التَّحْمِيضِ؟“، فَقالَ: ”أوَيَفْعَلُ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ؟“، فَهَذا عَظِيمٌ جِدًّا، وهو الَّذِي سَمّاهُ اللَّهُ ”فاحِشَةً“ .
النمل 27:59
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أمّا يُشْرِكُونَ﴾، و”تُشْرِكُونَ“، بِالياءِ، والتّاءِ، ويُقْرَأُ: ”آللَّهُ“، و”اَللَّهُ“، بِالمَدِّ، وتَرْكِ المَدِّ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اِللَّهُ خَيْرٌ أمْ ما يُشْرِكُونَ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: إذا ضُمَّتِ التّاءُ والياءُ، فَمَعْناهُ أنَّهم جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ، وإذا فُتِحَتِ التّاءُ والرّاءُ، فَمَعْناهُ أنَّكم تَجْعَلُونَ أنْفُسَكم لِلَّهِ شُرَكاءَ، يُقالُ: ”شَرِكْتُ الرَّجُلَ، أشْرَكُهُ“، إذا صِرْتُ شَرِيكَهُ.
النمل 27:60
وَقَوْلُهُ: ﴿حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾، ”اَلْحَدائِقُ“، واحِدَتُها ”حَدِيقَةٌ“، و”اَلْحَدِيقَةُ“: اَلْبُسْتانُ، وكَذَلِكَ الحائِطُ، وقِيلَ: اَلْقِطْعَةُ مِنَ النَّخْلِ، وقَوْلُهُ: ”ذاتَ بَهْجَةٍ“، مَعْناهُ: ذاتَ حُسْنٍ ”، ويَجُوزُ في غَيْرِ القِراءَةِ:“ ذَواتَ بَهْجَةٍ ”، لِأنَّها جَماعَةٌ، كَما تَقُولُ:“ نِسْوَتُكَ ذَواتُ حُسْنٍ ”، وإنَّما جازَ“ ذاتَ بَهْجَةٍ ”، لِأنَّ المُؤَنَّثَ يُخْبَرُ عَنْهُ في الجَمْعِ بِلَفْظِ الواحِدَةِ، إذا أرَدْتَ جَماعَةً، كَأنَّكَ قُلْتَ:“ جَماعَةً ذاتَ بَهْجَةٍ " .
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾، مَعْناهُ: ”يَكْفُرُونَ“، أيْ: يَعْدِلُونَ عَنِ القَصْدِ، وطَرِيقِ الحَقِّ.
النمل 27:61
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ البَحْرَيْنِ حاجِزًا﴾، (p-١٢٧)حَجَزَ بَيْنَهُما بِقُدْرَتِهِ، فَلا يَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالمِلْحِ.
النمل 27:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلا اللَّهُ﴾، بِالرَّفْعِ القِراءَةُ، ويَجُوزُ النَّصْبُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ، فَلا تَقْرَأنَّ بِهِ، فَمَن رَفَعَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا اللَّهُ﴾، فَعَلى البَدَلِ، المَعْنى: ”لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ، أيْ: لا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ، ومَن نَصَبَ فَعَلى مَعْنى:“ لا يَعْلَمُ أحَدٌ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ ”، عَلى مَعْنى:“ أسْتَثْنِي اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَإنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ”.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾، و“ أيّانَ تُبْعَثُونَ ”، جَمِيعًا، أيْ:“ لا يَعْلَمُونَ مَتى البَعْثُ؟ " .
النمل 27:66
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ﴾، فِيها أوْجُهٌ، قَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”بَلْ أُدْرِكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، وقَرَأ أكْثَرُ النّاسِ: ”بَلِ ادّارَكَ“، بِتَشْدِيدِ الدّالِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ”بَلى أدْرَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، ويَجُوزُ: ”بَلى ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، فَمَن قَرَأ: ”بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، وهو الجَيِّدُ، فَعَلى مَعْنى: ”بَلْ تَدارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، عَلى مَعْنى: ”بَلْ يَتَكامَلُ عِلْمُهم يَوْمَ القِيامَةِ“، لِأنَّهم مَبْعُوثُونَ، وكُلُّ ما وُعِدُوا بِهِ حَقٌّ، ومَن قَرَأ: ”بَلْ أدْرَكَ عِلْمُهم“، فَعَلى مَعْنى التَّقْرِيرِ، والِاسْتِخْبارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”لَمْ يُدْرِكْ عِلْمُهم في الآخِرَةِ“، أيْ: ”لَيْسَ يَقِفُونَ في الدُّنْيا عَلى حَقِيقَتِها“، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِنها﴾، (p-١٢٨)وَقالُوا في تَفْسِيرِ ”بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم“: ”أمْ أدْرَكَ عِلْمُهم“، والقِراءَةُ الجَيِّدَةُ: ”اِدّارَكَ“، عَلى مَعْنى: ”تَدارَكَ“، بِإدْغامِ التّاءِ في الدّالِ، فَتَصِيرُ دالًا ساكِنَةً، فَلا يُبْتَدَأُ بِها، فَيَأْتِي بِألِفِ الوَصْلِ لِتَصِلَ إلى التَّكَلُّمِ بِها، وإذا وقَفْتَ عَلى ”بَلْ“، وابْتَدَأْتَ، قُلْتَ: ”اِدّارَكَ“، فَإذا وصَلْتَ كَسَرْتَ اللّامَ في ”بَلْ“، لِسُكُونِها، وسُكُونِ الدّالِ.
النمل 27:70
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَكُنْ في ضَيْقٍ مِمّا يَمْكُرُونَ﴾، يُقْرَأُ: ”في ضَيْقٍ“، و”ضِيقٍ“ .
النمل 27:72
وَقَوْلُهُ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: عُجِّلَ لَكُمْ، ومَعْناهُ في اللُّغَةِ: ”رَدِفَكم“: مِثْلُ ”رَكِبَكم“، و”جاءَ بَعْدَكم“ .
النمل 27:81
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْتَ بِهادِي العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، (p-١٢٩)وَتُقْرَأُ: ”وَما أنْتَ تَهْدِي العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ“، ويَجُوزُ: ”بِهادٍ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ“، فَأمّا الوَجْهانِ الأوَّلانِ فَجَيِّدانِ في القِراءَةِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، والوَجْهُ الثّالِثُ يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ، فَإنْ ثَبَتَتْ بِهِ رِوايَةٌ، وإلّا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾، مَعْناهُ: ما تُسْمِعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ، وتَأْوِيلُ ”ما تُسْمِعُ“: أيْ: ما يَسْمَعُ مِنكَ فَيَعِي ويَعْمَلُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا، فَأمّا مَن سَمِعَ ولَمْ يَقْبَلْ، فَبِمَنزِلَةِ الأصَمِّ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، قالَ الشّاعِرُ:
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
النمل 27:82
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا وقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: إذا وجَبَ، ﴿أخْرَجْنا لَهم دابَّةً مِنَ الأرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾، و”تَكْلِمُهم“، ويُرْوى أنَّ أوَّلَ أشْراطِ السّاعَةِ خُرُوجُ الدّابَّةِ، وطُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها تَخْرُجُ بِتُهامَةَ، تَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصَّفا والمَرْوَةِ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها تَخْرُجُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، في ثَلاثَةِ أمْكِنَةٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”تَنْكُتُ في وجْهِ الكافِرِ نُكْتَةً سَوْداءَ، وفي وجْهِ المُؤْمِنِ نُكْتَةً بَيْضاءَ، فَتَفْشُو نُكْتَةُ الكافِرِ حَتّى يَسْوَدَّ مِنها وجْهُهُ أجْمَعُ، وتَفْشُو نُكْتَةُ المُؤْمِنِ حَتّى يَبْيَضَّ مِنها وجْهُهُ، فَتَجْتَمِعُ الجَماعَةُ عَلى المائِدَةِ، فَيُعْرَفُ المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ“، فَمَن قَرَأ: ”تُكَلِّمُهم“، فَهو مِن ”اَلْكَلامُ“، ومَن قَرَأ: ”تَكْلِمُهم“، فَهو مِن ”اَلْكَلْمُ“، وهو الأثَرُ، والجُرْحُ.
النمل 27:88
(p-١٣٠)وَقَوْلُهُ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، اَلْقِراءَةُ النَّصْبُ، ويَجُوزُ الرَّفْعُ: ”صُنْعُ“، فَمَن نَصَبَ فَعَلى مَعْنى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾، دَلِيلٌ عَلى الصَّنْعَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”صَنَعَ اللَّهُ ذَلِكَ صُنْعًا“، ومَن قالَ: ”صُنْعُ اللَّهِ“، بِالرَّفْعِ، فالمَعْنى: ”ذَلِكَ صُنْعُ اللَّهِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، و”أتاهُ داخِرِينَ“، مَن وحَّدَ فَلِلَفْظِ ”كُلٌّ“، ومَن جَمَعَ، فَلِمَعْناها.
النمل 27:91
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها﴾، ”اَلَّذِي“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مِن صِفَةِ ”رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”اَلَّتِي حَرَّمَها“، وقَدْ قُرِئَ بِها، لَكِنَّها قَلِيلَةٌ، فالَّتِي في مَوْضِعِ خَفْضٍ مِن نَعْتِ البَلْدَةِ.
النمل 27:93
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَيُرِيكم آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها﴾، أيْ: سَيُرِيكُمُ اللَّهُ آياتِهِ في جَمِيعِ ما خَلَقَ، وفي أنْفُسِكم.