معاني القرآن وإعرابه — القصص 28:1 – فاطر 35:45
المحتويات
- القصص 28:1
- القصص 28:3
- القصص 28:4
- القصص 28:5
- القصص 28:6
- القصص 28:7
- القصص 28:8
- القصص 28:9
- القصص 28:10
- القصص 28:11
- القصص 28:12
- القصص 28:13
- القصص 28:14
- القصص 28:15
- القصص 28:18
- القصص 28:19
- القصص 28:20
- القصص 28:21
- القصص 28:22
- القصص 28:23
- القصص 28:24
- القصص 28:25
- القصص 28:26
- القصص 28:27
- القصص 28:28
- القصص 28:29
- القصص 28:30
- القصص 28:31
- القصص 28:32
- القصص 28:34
- القصص 28:35
- القصص 28:36
- القصص 28:38
- القصص 28:40
- القصص 28:41
- القصص 28:43
- القصص 28:44
- القصص 28:45
- القصص 28:46
- القصص 28:47
- القصص 28:48
- القصص 28:49
- القصص 28:50
- القصص 28:51
- القصص 28:52
- القصص 28:54
- القصص 28:55
- القصص 28:56
- القصص 28:57
- القصص 28:58
- القصص 28:59
- القصص 28:61
- القصص 28:62
- القصص 28:63
- القصص 28:64
- القصص 28:68
- القصص 28:71
- القصص 28:75
- القصص 28:76
- القصص 28:78
- القصص 28:79
- القصص 28:80
- القصص 28:82
- القصص 28:85
- القصص 28:86
- القصص 28:88
- العنكبوت 29:1
- العنكبوت 29:2
- العنكبوت 29:3
- العنكبوت 29:4
- العنكبوت 29:5
- العنكبوت 29:8
- العنكبوت 29:10
- العنكبوت 29:12
- العنكبوت 29:14
- العنكبوت 29:15
- العنكبوت 29:16
- العنكبوت 29:17
- العنكبوت 29:19
- العنكبوت 29:22
- العنكبوت 29:23
- العنكبوت 29:24
- العنكبوت 29:25
- العنكبوت 29:26
- العنكبوت 29:28
- العنكبوت 29:29
- العنكبوت 29:38
- العنكبوت 29:40
- العنكبوت 29:41
- العنكبوت 29:45
- العنكبوت 29:46
- العنكبوت 29:48
- العنكبوت 29:49
- العنكبوت 29:51
- العنكبوت 29:53
- العنكبوت 29:56
- العنكبوت 29:58
- العنكبوت 29:60
- العنكبوت 29:64
- العنكبوت 29:65
- العنكبوت 29:66
- العنكبوت 29:69
- الروم 30:1
- الروم 30:3
- الروم 30:6
- الروم 30:7
- الروم 30:8
- الروم 30:9
- الروم 30:10
- الروم 30:12
- الروم 30:14
- الروم 30:15
- الروم 30:16
- الروم 30:17
- الروم 30:19
- الروم 30:20
- الروم 30:21
- الروم 30:24
- الروم 30:25
- الروم 30:26
- الروم 30:27
- الروم 30:28
- الروم 30:30
- الروم 30:31
- الروم 30:32
- الروم 30:33
- الروم 30:34
- الروم 30:38
- الروم 30:39
- الروم 30:41
- الروم 30:43
- الروم 30:44
- الروم 30:48
- الروم 30:49
- الروم 30:50
- الروم 30:52
- الروم 30:53
- الروم 30:54
- الروم 30:55
- الروم 30:56
- الروم 30:60
- لقمان 31:1
- لقمان 31:2
- لقمان 31:3
- لقمان 31:6
- لقمان 31:10
- لقمان 31:12
- لقمان 31:13
- لقمان 31:14
- لقمان 31:15
- لقمان 31:16
- لقمان 31:18
- لقمان 31:19
- لقمان 31:20
- لقمان 31:22
- لقمان 31:27
- لقمان 31:28
- لقمان 31:29
- لقمان 31:31
- لقمان 31:32
- لقمان 31:33
- لقمان 31:34
- السجدة 32:1
- السجدة 32:3
- السجدة 32:5
- السجدة 32:7
- السجدة 32:8
- السجدة 32:10
- السجدة 32:11
- السجدة 32:12
- السجدة 32:13
- السجدة 32:14
- السجدة 32:16
- السجدة 32:17
- السجدة 32:18
- السجدة 32:21
- السجدة 32:23
- السجدة 32:24
- السجدة 32:26
- السجدة 32:27
- السجدة 32:28
- السجدة 32:30
- الأحزاب 33:1
- الأحزاب 33:2
- الأحزاب 33:3
- الأحزاب 33:4
- الأحزاب 33:5
- الأحزاب 33:6
- الأحزاب 33:7
- الأحزاب 33:8
- الأحزاب 33:9
- الأحزاب 33:10
- الأحزاب 33:11
- الأحزاب 33:12
- الأحزاب 33:13
- الأحزاب 33:14
- الأحزاب 33:18
- الأحزاب 33:19
- الأحزاب 33:20
- الأحزاب 33:22
- الأحزاب 33:23
- الأحزاب 33:24
- الأحزاب 33:25
- الأحزاب 33:26
- الأحزاب 33:27
- الأحزاب 33:28
- الأحزاب 33:29
- الأحزاب 33:30
- الأحزاب 33:31
- الأحزاب 33:32
- الأحزاب 33:33
- الأحزاب 33:35
- الأحزاب 33:36
- الأحزاب 33:37
- الأحزاب 33:38
- الأحزاب 33:40
- الأحزاب 33:43
- الأحزاب 33:44
- الأحزاب 33:45
- الأحزاب 33:46
- الأحزاب 33:48
- الأحزاب 33:49
- الأحزاب 33:50
- الأحزاب 33:51
- الأحزاب 33:52
- الأحزاب 33:53
- الأحزاب 33:55
- الأحزاب 33:60
- الأحزاب 33:62
- الأحزاب 33:67
- الأحزاب 33:68
- الأحزاب 33:69
- الأحزاب 33:72
- سبأ 34:1
- سبأ 34:2
- سبأ 34:3
- سبأ 34:4
- سبأ 34:5
- سبأ 34:6
- سبأ 34:7
- سبأ 34:9
- سبأ 34:10
- سبأ 34:11
- سبأ 34:12
- سبأ 34:13
- سبأ 34:14
- سبأ 34:15
- سبأ 34:16
- سبأ 34:17
- سبأ 34:18
- سبأ 34:19
- سبأ 34:20
- سبأ 34:21
- سبأ 34:23
- سبأ 34:24
- سبأ 34:26
- سبأ 34:27
- سبأ 34:28
- سبأ 34:31
- سبأ 34:33
- سبأ 34:37
- سبأ 34:44
- سبأ 34:45
- سبأ 34:46
- سبأ 34:47
- سبأ 34:48
- سبأ 34:49
- سبأ 34:51
- سبأ 34:52
- سبأ 34:53
- سبأ 34:54
- فاطر 35:1
- فاطر 35:2
- فاطر 35:3
- فاطر 35:4
- فاطر 35:5
- فاطر 35:8
- فاطر 35:9
- فاطر 35:10
- فاطر 35:11
- فاطر 35:12
- فاطر 35:13
- فاطر 35:18
- فاطر 35:19
- فاطر 35:22
- فاطر 35:27
- فاطر 35:28
- فاطر 35:29
- فاطر 35:30
- فاطر 35:32
- فاطر 35:33
- فاطر 35:34
- فاطر 35:35
- فاطر 35:36
- فاطر 35:37
- فاطر 35:38
- فاطر 35:39
- فاطر 35:40
- فاطر 35:41
- فاطر 35:42
- فاطر 35:43
- فاطر 35:44
- فاطر 35:45
القصص 28:1
(p-١٣١)سُورَةُ اَلْقَصَصِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿طسم﴾، قَدْ تَقَدَّمَ ما ذُكِرَ في هَذا، ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ [القصص: ٢]، يُقالُ: ”بِانَ الشَّيْءُ“، و”أبانَ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ويُقالُ: ”بانَ الشَّيْءُ“، و”أبَنْتُهُ أنا“، فَمَعْنى ”مُبِينٌ“: مُبَيِّنُ خَبْرِهِ، وبَرَكَتِهِ، ومُبَيِّنُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ، والحَلالِ مِنَ الحَرامِ، ومُبَيِّنُ أنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ بِمِثْلِهِ، ومُبَيِّنُ قِصَصِ الأنْبِياءِ.
القصص 28:3
وَقَوْلُهُ: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ بِالحَقِّ﴾، أيْ: مِن خَبَرِ مُوسى وخَبَرِ فِرْعَوْنَ، قَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، مَعْناهُ: ”يُصَدِّقُونَ“ .
القصص 28:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾، مَعْناهُ: ”طَغى“، ﴿وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾، مَعْنى ”شِيَعٌ“: فِرَقٌ، أيْ: جَعَلَ كُلَّ فِرْقَةٍ يُشَيِّعُ بَعْضُها بَعْضًا في فِعْلِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهم يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾، (p-١٣٢)مَعْنى ”نِساءَهم“، هَهُنا، أنَّهُ كانَ يَسْتَحْيِي بَناتِهِمْ، وإنَّما كانَ يَعْمَلُ ذَلِكَ لِأنَّهُ قالَ لَهُ بَعْضُ الكَهَنَةِ: إنَّ مَوْلُودًا يُولَدَ في ذَلِكَ الحِينِ، يَكُونُ سَبَبَ ذَهابِ مُلْكِكَ، فالعَجَبُ مِن حُمْقِ فِرْعَوْنَ، إنْ كانَ الكاهِنُ عِنْدَهُ صادِقًا فَما يَنْفَعُ القَتْلُ، وإنْ كانَ كاذِبًا فَما مَعْنى القَتْلِ.
القصص 28:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، الَّذِينَ اسْتَضْعَفَهم فِرْعَوْنُ، ﴿وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾، أيْ: نَجْعَلَهم وُلاةً يُؤْتَمُّ بِهِمْ، ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾، أيْ: يَرِثُونَ فِرْعَوْنَ ومُلْكَهُ.
القصص 28:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ﴾، اَلْقِراءَةُ النَّصْبُ، ”نُمَكِّنَ“، و”نُرِيَ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ: ”وَنُمَكِّنُ لَهم في الأرْضِ ونُرِي“، بِإسْكانِ الياءِ، فَمَن نَصَبَ عَطَفَ عَلى ”نَمُنَّ“، فَكانَ المَعْنى: ”وَأنْ نُمَكِّنَ وأنْ نُرِيَ“، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى ”وَنَحْنُ نُمَكِّنُ“، وقُرِئَتْ: ”وَيُرى فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما“، فَـ ”يُرى“، يَكُونُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى العَطْفِ عَلى ”نُمَكِّنَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى ”وَسَيُرى فِرْعَوْنُ وهامانُ وجُنُودُهُما“ .
القصص 28:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى أنْ أرْضِعِيهِ﴾، قِيلَ إنَّ الوَحْيَ هَهُنا ألْقاءُ اللَّهُ في قَلْبِها، وما بَعْدَ هَذا يَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - (p-١٣٣)أنَّهُ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى جِهَةِ الإعْلامِ، لِلضَّمانِ لَها، ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، ويَدُلُّ عَلَيْهِ: ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [القصص: ١٣]، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الوَحْيَ هَهُنا الإلْهامُ، وجائِزٌ أنْ يُلْقِيَ اللَّهُ في قَلْبِها أنَّهُ مَرْدُودٌ إلَيْها، وأنَّهُ يَكُونُ مُرْسَلًا، ولَكِنَّ الإعْلامَ أبْيَنُ في هَذا، أعْنِي أنْ يَكُونَ الوَحْيُ هَهُنا إعْلامًا، وأصْلُ الوَحْيِ في اللُّغَةِ كُلِّها: إعْلامٌ في خِفْيٍ، فَلِذَلِكَ صارَ الإلْهامُ يُسَمّى وحْيًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾، ”اَلْيَمُّ“: اَلْبَحْرُ.
القصص 28:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾، ويَجُوزُ ”وَحُزْنًا“، ومَعْنى ”لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا“، أيْ: لِيَصِيرَ الأمْرُ إلى ذَلِكَ، لا أنَّهم طَلَبُوهُ، وأخَذُوهُ لِهَذا، كَما تَقُولُ لِلَّذِي كَسَبَ مالًا، فَأدّى ذَلِكَ إلى الهَلاكِ: ”إنَّما كَسَبَ فُلانٌ لِحَتْفِهِ“، وهو لَمْ يَطْلُبِ المالَ لِلْحَتْفِ، ومِثْلُهُ: ”فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةُ“، أيْ: فَهي لَمْ تَلِدْهُ طَلَبًا أنْ يَمُوتَ ولَدُها، ولَكِنَّ المَصِيرَ إلى ذَلِكَ.
القصص 28:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾، رُفِعَ ”قُرَّةُ عَيْنٍ“، عَلى إضْمارِ ”هو قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ“، وهَذا وقْفُ التَّمامِ، ويَقْبُحُ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، وأنْ يَكُونَ الخَبَرُ ”لا تَقْتُلُوهُ“، فَيَكُونُ كَأنَّهُ قَدْ عَرَفَ أنَّهُ قُرَّةُ عَيْنٍ لَهُ، ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ عَلى بُعْدٍ، عَلى مَعْنى ”إذا كانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولَكَ فَلا تَقْتُلْهُ“، ويَجُوزُ النَّصْبُ (p-١٣٤)وَلَكِنْ لا تَقْرَأْ بِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِيهِ رِوايَةُ قِراءَةٍ، والنَّصْبُ عَلى مَعْنى ”لا تَقْتُلُوا قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ“، كَما تَقُولُ: ”زَيْدًا لا تَضْرِبْهُ“ .
القصص 28:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾، اَلْمَعْنى: ”أصْبَحَ فارِغًا مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى، وقِيلَ: إلّا مِنَ الهَمِّ بِمُوسى، والمَعْنى واحِدٌ، ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾، اَلْمَعْنى:“ إنْ كادَتْ لَتُظْهِرُ أنَّهُ ابْنُها ”، وقَدْ قُرِئَتْ:“ فَرِغًا ”، والأكْثَرُ:“ فارِغًا ”، ﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾، مَعْناهْ:“ لَوْلا رَبْطُنا عَلى قَلْبِها ”، و“ اَلرَّبْطُ عَلى القَلْبِ ": إلْهامُ الصَّبْرِ، وتَشْدِيدُهُ، وتَقْوِيَتُهُ.
القصص 28:11
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾، بِمَعْنى: ”اِتْبَعِي أثَرَهُ“ .
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾، مَعْناهُ: ”فاتَّبَعَتْهُ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ“، أيْ: عَنْ بُعْدٍ، تُبْصِرُ، ولا تُوهِمُ أنَّها تَراهُ، يُقالُ: ”بَصُرْتُ بِهِ عَنْ جُنُبٍ“، و”عَنْ جَنابَةٍ“، إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ عَنْ بُعْدٍ، قالَ الشّاعِرُ:
؎فَلا تَحْرِمَنِّي نائِلًا عَنْ جَنابَةٍ ∗∗∗ فَإنِّي امْرُؤٌ وسْطَ القِبابِ غَرِيبُ
أيْ: لا تَحْرِمْنِي نائِلًا عَنْ بُعْدٍ، وإنْ كُنْتُ بَعِيدًا مِنكَ.
القصص 28:12
(p-١٣٥)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾، مَعْناهُ: ”مِن قَبْلِ أنْ نَرُدَّهُ عَلى أُمِّهِ“، وكانَ مُوسى لَمْ يَأْخُذْ مِن ثَدْيٍ، أيْ: لَمْ يَرْضَعْ مِن ثَدْيٍ، إلى أنْ رُدَّ إلى أُمِّهِ، فَرَضَعَ مِنها، وهَذا مَعْنى ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ مِن قَبْلُ﴾، ﴿فَقالَتْ هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾، أيْ: فَقالَتْ أُخْتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ رَضاعُهُ: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ﴾، فَلَمّا سَمِعُوا قَوْلَها: ”وَهم لَهُ ناصِحُونَ“، قالُوا: قَدْ عَرَفْتِ أهْلَ هَذا الغُلامِ بِقَوْلِكِ: وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَقالَتْ: عَنَيْتُ ”هم لَهُ“، هم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ، فَدَلَّتْهم عَلى أُمِّ مُوسى، فَدُفِعَ إلَيْها تُرَبِّيهِ لَهم في حِسابِهِمْ.
القصص 28:13
وَقَوْلُهُ: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، يَعْنِي ما وُعِدَتْ بِهِ مِمّا أُوحِيَ إلَيْها، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، واسْتَقَرَّ عِنْدَها أنَّهُ سَيَكُونُ نَبِيًّا.
القصص 28:14
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾، قِيلَ: ”اَلْأشُدُّ“: بِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، وهو ما بَيْنَ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، إلى تِسْعٍ وثَلاثِينَ، وتَأْوِيلُ ”بَلَغَ أشُدَّهُ“: اِسْتَكْمَلَ نِهايَةَ قُوَّةِ الرَّجُلِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ”واسْتَوى“: بَلَغَ الأرْبَعِينَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”اِسْتَوى“، وصَلَ حَقِيقَةَ بُلُوغِ الأشُدِّ.
(p-١٣٦)وَقَوْلُهُ: ﴿آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾، فَعَلِمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحَكَمَ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾، فَجَعَلَ اللَّهُ إتْيانَ العِلْمِ والحِكْمَةِ مُجازاةً عَلى الإحْسانِ، لِأنَّهُما يُؤَدِّيانِ إلى الجَنَّةِ، الَّتِي هي جَزاءُ المُحْسِنِينَ، والعالِمُ الحَكِيمُ مَنِ اسْتَعْمَلَ عِلْمَهُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢]، فَجَعَلَهم إذْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالعِلْمِ جُهّالًا.
القصص 28:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ دَخَلَها وقْتَ القائِلَةِ، وهو انْتِصافُ النَّهارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا مِن شِيعَتِهِ وهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾، هَذا مَوْضِعٌ فِيهِ لُطْفٌ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ في الغائِبِ ”هَذا“، والمَعْنى: ”وَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ، أحَدُهُما مِن شِيعَتِهِ، وأحَدُهُما مِن عَدُوِّهِ“، وقِيلَ فِيهِما: ”هَذا“، و”هَذا“، عَلى جِهَةِ الحِكايَةِ لِلْحَضْرَةِ، أيْ: ”فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ إذا نَظَرَ إلَيْهِما النّاظِرُ قالَ: هَذا مِن شِيعَتِهِ، وهَذا مِن عَدُوِّهِ“، ﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾، أيْ: اِسْتَنْصَرَهُ، والَّذِي مِن شِيعَتِهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والَّذِي مِن عَدُوِّهِ مِن أصْحابِ فِرْعَوْنَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ رَجُلًا مِن أهْلِ ”إصْطَخْرَ“، ويُقالُ: إنَّ الرَّجُلَ الَّذِي هو مِن عَدُوِّهِ رَجُلٌ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ أيْضًا: مِن أهْلِ ”إصْطَخْرَ“ .
(p-١٣٧)﴿فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾، أيْ: فَقَتَلَهُ، و”اَلْوَكْزُ“: أنْ تَضْرِبَ بِجُمَعِ كَفِّكَ، وقَدْ قِيلَ: وكَزَهُ بِالعَصا.
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾، يَدُلُّ أنَّ قَتْلَهُ إيّاهُ كانَ خَطَأً، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ أُمِرَ ”مُوسى“، بِقَتْلٍ، ولا قِتالٍ، ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦]
القصص 28:18
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾، أيْ: يَسْتَغِيثُ بِهِ، و”اَلِاسْتِصْراخُ“: اَلْإغاثَةُ، والِاسْتِنْصارُ، ﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾
القصص 28:19
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا أنْ أرادَ أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾، وتُقْرَأُ: ”يَبْطُشُ“، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”فَلَمّا أرادَ المُسْتَصْرِخُ أنْ يَبْطِشَ مُوسى بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما، ولَمْ يَفْعَلْ مُوسى، قالَ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ“، ﴿قالَ يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ إنْ تُرِيدُ إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ وما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾، فَأفْشى عَلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ويُقالُ: إنَّ مَن قَتَلَ اثْنَيْنِ فَهو جَبّارٌ، و”اَلْجَبّارُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ، فالقاتِلُ مُؤْمِنًا جَبّارٌ، وكُلُّ قاتِلٍ فَهو جَبّارٌ، قَتَلَ واحِدًا أوْ جَماعَةً ظُلْمًا.
القصص 28:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى﴾، (p-١٣٨)يُقالُ: إنَّهُ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، وإنَّهُ كانَ نَجّارًا، ومَعْنى ”يَسْعى“: يَعْدُو، ﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾، ”اَلْمَلَأُ“: أشْرافُ القَوْمِ، والمَنظُورُ إلَيْهِمْ، ومَعْنى ”يَأْتَمِرُونَ بِكَ“: يَأْمُرُ بَعْضُهم بَعْضًا بِقَتْلِكَ، ﴿فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾، أيْ: فاخْرُجْ مِنَ المَدِينَةِ، وقَوْلُهُ: ”لَكَ“، لَيْسَتْ مِن صِلَةِ ”اَلنّاصِحِينَ“، لِأنَّ الصِّلَةَ لا تُقَدَّمُ عَلى المَوْصُولِ، والمَعْنى في قَوْلِهِ: ”إنِّي لَكَ“، أنَّها مُبِيِّنَةٌ، كَأنَّهُ قالَ: ”إنِّي مِنَ النّاصِحِينَ يَنْصَحُونَ لَكَ“، والكَلامُ: ”نَصَحْتُ لَكَ“، وهو أكْثَرُ مِن ”نَصَحْتُكَ“ .
القصص 28:21
وَقَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، أيْ: يَرْقُبُ أنْ يَلْحَقَهُ مَن يَقْتُلُهُ، ويَنْظُرُ الآثارَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، يَعْنِي: ”مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ“ .
القصص 28:22
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ”مَدْيَنُ“: ماءٌ كانَ لِقَوْمِ شُعَيْبٍ، يُقالُ: إنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةَ ثَمانِيَةِ أيّامٍ، كَما بَيْنَ البَصْرَةِ والكُوفَةِ، وكانَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - خَرَجَ مِن مِصْرَ، ومَعْنى ﴿تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾، أيْ: سَلَكَ في الطَّرِيقِ الَّتِي تِلْقاءُ مَدْيَنَ فِيها، ﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾، ”اَلسَّبِيلُ“: اَلطَّرِيقُ، و”سَواءَ السَّبِيلِ“: قَصْدَ الطَّرِيقِ في الِاسْتِواءِ.
القصص 28:23
(p-١٣٩)قَوْلُهُ: ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾، ”مَدْيَنَ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ولَكِنَّهُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْبُقْعَةِ، ﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾، ”أُمَّةً“: جَماعَةً، ﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾، أيْ: تَذُودانِ غَنَمَهُما عَنْ أنْ تَقْرُبَ مَوْضِعَ الماءِ، لِأنَّها يَطْرُدُها عَنِ الماءِ مَن هو عَلى السَّقْيِ أقْوى مِنهُما، ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾، أيْ: ”ما أمْرُكُما؟“، مَعْناهُ: ”ما تَخْطُبانِ؟“، أيْ: ”ما تُرِيدانِ بِذَوْدِكُما غَنَمَكُما عَنِ الماءِ؟“، ”قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يَصْدُرَ الرِّعاءُ“، وقُرِئَتْ: ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾، بِضَمِّ الياءِ، وكَسْرِ الدّالِ، أيْ: لا نَقْدِرُ أنْ نَسْقِيَ حَتّى تَرُدَّ الرُّعاةُ غَنَمَهُمْ، وقَدْ شَرِبَتْ، فَيَخْلُوَ المَوْضِعُ، فَنَسْقِيَ، فَمَن قَرَأ: ”يَصْدُرَ“، بِضَمِّ الدّالِ، فَمَعْناهُ: حَتّى يَرْجِعَ الرِّعاءُ، و”اَلرِّعاءُ“: جَمْعُ ”راعٍ“، كَما يُقالُ: ”صاحِبٌ“، و”صِحابٌ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، اَلْفائِدَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾، أيْ: لا يُمْكِنُهُ أنْ يَرِدَ، ويَسْقِيَ، فَلِذَلِكَ احْتَجْنا، ونَحْنُ نِساءٌ، أنْ نَسْقِيَ.
القصص 28:24
﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إلى الظِّلِّ﴾، اَلْآيَةَ، (p-١٤٠)أيْ: فَسَقى لَهُما مِن قَبْلِ الوَقْتِ الَّذِي كانَتا تَسْقِيانِ فِيهِ، ويُقالُ: إنَّهُ رَفَعَ حَجَرًا عَنِ البِئْرِ كانَ لا يَرْفَعُهُ إلّا عَشَرَةُ أنْفُسٍ، وقِيلَ: إنَّ مُوسى كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ مِنَ الفَقْرِ لا يَقْدِرُ عَلى شَقِّ تَمْرَةٍ.
القصص 28:25
وَقَوْلُهُ: ﴿فَجاءَتْهُ إحْداهُما﴾، اَلْمَعْنى: ”فَلَمّا شَرِبَتْ غَنَمُهُما رَجَعَتا إلى أبِيهِما، فَأخْبَرَتاهُ خَبَرَ مُوسى، وسَقْيَهُ غَنَمَهُما، وجاءَتاهُ قَبْلَ وقْتِهِما شارِبَةً غَنَمُهُما، فَوَجَّهَ بِإحْداهُما تَدْعُو مُوسى، فَجاءَتْهُ تَمْشِي عَلى اسْتِحْياءٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها لَيْسَتْ بِخَرّاجَةٍ مِنَ النِّساءِ، ولا ولّاجَةٍ، أيْ: تَمْشِي مَشْيَ مَن لَمْ تَعْتَدِ الدُّخُولَ والخُرُوجَ، مُتَخَفِّرَةً مُسْتَحْيِيَةً، ﴿قالَتْ إنَّ أبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾، اَلْمَعْنى:“ فَأجابَها فَمَضى مَعَها إلى أبِيها، ﴿فَلَمّا جاءَهُ وقَصَّ عَلَيْهِ القَصَصَ﴾، أيْ: قَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ في قَتْلِهِ الرَّجُلَ، وأنَّهم يَطْلُبُونَهُ لِيَقْتُلُوهُ، ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾، وذَلِكَ أنَّ القَوْمَ لَمْ يَكُونُوا في مَمْلَكَةِ فِرْعَوْنَ، فَأعْلَمَ شُعَيْبٌ مُوسى أنَّهُ قَدْ تَخَلَّصَ مِنَ الخَوْفِ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ - أعْنِي بِالقَوْمِ قَوْمَ مَدْيَنَ الَّذِينَ كانَ فِيهِمْ أبُو المَرْأتَيْنِ -، ويُقالُ في التَّفْسِيرِ: إنَّهُ كانَ ابْنَ أخِي شُعَيْبٍ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
القصص 28:26
﴿قالَتْ إحْداهُما يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، أيْ: اِتَّخِذْهُ أجِيرًا.
(p-١٤١)﴿إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾، أيْ: إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَعْمَلْتَ مَن قَوِيَ عَلى عَمَلِكَ وأدّى الأمانَةَ فِيهِ، وإنَّما قالَتْ: ”اَلْقَوِيُّ الأمِينُ“، فَوَصَفَتْهُ بِالقُوَّةِ لِسَقْيِهِ غَنَمَها بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ، وقِيلَ: لِقُوَّتِهِ عَلى رَفْعِ الحَجَرِ الَّذِي كانَ لا يُقِلُّهُ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ أنْفُسٍ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يُقِلُّهُ أقَلُّ مِن أرْبَعِينَ نَفْسًا، فَأمّا وصْفُها لَهُ بِالأمانَةِ، فَقِيلَ: إنَّ مُوسى لَما صارَ مَعَها إلى أبِيها، تَقَدَّمَ أمامَها، وأمَرَها أنْ تَكُونَ خَلْفَهُ، وتَدُلَّهُ عَلى الطَّرِيقِ، وخافَ إذا كانَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ أنْ تُصِيبَ مَلْحَفَتَها الرِّيحُ، فَيَتَبَيَّنَ وصْفُها، فَذَلِكَ ما عَرَفَتْهُ مِن أمانَتِهِ.
القصص 28:27
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ﴾، مَعْنى ”أُنْكِحَكَ“: أُزَوِّجَكَ، ﴿عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾، أيْ: تَكُونُ أجِيرًا لِي ثَمانِيَ سِنِينَ، ﴿فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ﴾، أيْ: فَذَلِكَ بِفَضْلٍ مِنكَ، لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ.
القصص 28:28
﴿قالَ ذَلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ﴾، أيْ: ”ذَلِكَ الَّذِي وصَفْتَ لِي بَيْنِي وبَيْنَكَ“، ومَعْناهُ: ”ما شَرَطْتَ عَلَيَّ فَلَكَ، وما شَرَطْتَ لِي فَلِي، كَذَلِكَ الأمَرُ بَيْنَنا“، ثُمَّ قالَ: ﴿أيَّما الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾، و”اَلْعُدْوانُ“: اَلْمُجاوَزَةُ في الظُّلْمِ، و”عُدْوانَ“، مَنصُوبٌ بِـ ”لا“، (p-١٤٢)وَلَوْ قُرِئَتْ: ”فَلا عُدْوانٌ عَلَيَّ“، لَجازَ، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ تَكُونَ ”لا“، رافِعَةً، كَـ ”لَيْسَ“، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَن صَدَّ عَنْ نِيرانِها ∗∗∗ فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
وَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”عُدْوانٌ“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، و”عَلَيَّ“، اَلْخَبَرَ، و”لا“، نافِيَةً غَيْرَ عامِلَةٍ، كَما تَقُولُ: ”لا زَيْدٌ أخُوكَ، ولا عَمْرٌو“، و”أيَّ“، هي في مَوْضِعِ الجَزاءِ، مَنصُوبَةٌ بِـ ”قَضَيْتُ“، وجَوابُ الجَزاءِ ”فَلا عُدْوانَ“، و”ما“، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: ”أيَّ الأجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وكِيلٌ﴾، أيْ: ”واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - شاهِدُنا عَلى ما عَقَدَ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ“ .
القصص 28:29
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ وسارَ بِأهْلِهِ﴾، يُرْوى أنَّهُ قَضى أتَمَّ الأجَلَيْنِ، وهو عَشْرُ سِنِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿آنَسَ مِن جانِبِ الطُّورِ نارًا﴾، ”آنَسَ“: عَلِمَ، وأبْصَرَ، يُقالُ: ”قَدْ آنَسْتُ ذَلِكَ الشَّخْصَ“، أيْ: أبْصَرْتُهُ، ﴿قالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّي آنَسْتُ نارًا لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾، أيْ: لَعَلِّي أعْلَمُ لِمَ أُوقِدَتْ، ”أوْ جِذْوَةٍ مِنَ النّارِ“، ”اَلْجِذْوَةُ“: اَلْقِطْعَةُ الغَلِيظَةُ مِنَ الحَطَبِ، ويُقْرَأُ: ”أوْ جُذْوَةٍ“، بِالضَّمِّ، ويُقالُ: ”جَذْوَةٌ“، بِالفَتْحِ، فِيها ثَلاثُ لُغاتٍ.
القصص 28:30
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾، (p-١٤٣)سُمِّيَتْ ”مُبارَكَةً“، لِأنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسى فِيها، وبَعَثَهُ نَبِيًّا، ويُقالُ: ”بُقْعَةٌ“، و”بَقْعَةٌ“، بِالضَّمِّ، والفَتْحِ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن جَمَعَ ”بِقاعًا“، فَهي جَمْعُ ”بَقْعَةٌ“، بِالفَتْحِ، مِثْلَ: ”قَصْعَةٌ“، و”قِصاعٌ“، ومَن قالَ: ”بُقْعَةٌ“، بِالضَّمِّ، فَأجْوَدُ الجَمْعِ ”بُقَعٌ“، مِثْلَ: ”غُرْفَةٌ“، و”غُرَفٌ“، وقَدْ يَجُوزُ في ”بُقْعَةٌ“، ”بِقاعٌ“، مِثْلَ: ”حُفْرَةٌ“، و”حِفارٌ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يا مُوسى﴾، ”أنْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”نُودِيَ بِأنَّهُ يا مُوسى“، وكَذَلِكَ ﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ [القصص: ٣١]، عَطْفٌ عَلَيْها.
القصص 28:31
﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأنَّها جانٌّ ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ﴾، مَعْناهُ: لَمْ يَلْتَفِتْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أقْبِلْ ولا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ﴾، أيْ: قَدْ أمِنتَ مِن أنْ يَنالَكَ مِنها مَكْرُوهٌ، وهي حَيَّةٌ.
القصص 28:32
﴿اسْلُكْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾، أيْ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ، ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾، و”اَلرُّهْبِ“، جَمِيعًا، ومَعْناهُما واحِدٌ، مِثْلَ ”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، والمَعْنى في جَناحِكَ هَهُنا هو العَضُدُ، ويُقالُ: اَلْيَدُ كُلُّها جَناحٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ﴾، تُقْرَأُ بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وتَشْدِيدِها: ”فَذانِّكَ“، فَكَأنَّ ”فَذانِّكَ“، تَثْنِيَةُ ”ذَلِكَ“، و”ذانِكَ“، تَثْنِيَةُ ”ذاكَ“، جُعِلَ بَدَلَ اللّامِ في ذَلِكَ تَشْدِيدُ النُّونِ في ”ذانِكَ“، و”بُرْهانانِ“: آيَتانِ بَيِّنَتانِ.
(p-١٤٤)﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، أيْ: أرْسَلْناكَ إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ.
القصص 28:34
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾، و”يُصَدِّقْنِي“، بِالرَّفْعِ، والجَزْمِ، قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”يُصَدِّقُنِي“، بِضَمِّ القافِ، فَهو صِفَةُ قَوْلِهِ: ”رِدْءًا“، و”اَلرَّدْءُ“: اَلْعَوْنُ، تَقُولُ: ”رَدَأْتُهُ، أرْدَؤُهُ، رَدْءًا“، إذا أعَنْتُهُ، و”اَلرِّدْءُ“: اَلْمُعِينُ، ومَن جَزْمَ ”يُصَدِّقْنِي“، فَعَلى جَوابِ المَسْألَةِ، ”أرْسِلْهُ يُصَدِّقْنِي“، ومَن رَفَعَ ”يُصَدِّقُنِي“، فالمَعْنى: ”رِدْءًا مُصَدِّقًا لِي“ .
القصص 28:35
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأخِيكَ﴾، أيْ: سَنُعِينُكَ بِأخِيكَ، ولَفْظُ العَضُدِ عَلى جِهَةِ المَثَلِ، لِأنَّ اليَدَ قِوامُها عَضُدُها، فَكُلُّ مُعِينٍ عَضُدٌ، وتَقُولُ: ”قَدْ عاضَدَنِي فُلانٌ عَلى الأمْرِ“، أيْ: عاوَنَنِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا﴾، أيْ: حُجَّةً نَيِّرَةً، بَيِّنَةً، وإنَّما قِيلَ لِلزَّيْتِ: ”اَلسَّلِيطُ“، لِأنَّهُ يُسْتَضاءُ بِهِ، فَـ ”اَلسُّلْطانُ“: أبْيَنُ الحُجَجِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَصِلُونَ إلَيْكُما بِآياتِنا﴾، أيْ: بِسُلْطانِنا، وحُجَّتِنا، فَـ ”بِآياتِنا“، مِن صِلَةِ ”يَصِلُونَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”لا يَصِلُونَ إلَيْكُما، تَمْتَنِعانِ مِنهم بِآياتِنا“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”بِآياتِنا“، مُتَّصِلًا بِـ ”نَجْعَلُ لَكُما سُلْطانًا بِآياتِنا“، أيْ: حُجَّةً تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ بِآياتِنا، أيْ: بِالعَصا، واليَدِ، وسائِرِ الآياتِ الَّتِي أُعْطِيَ مُوسى ﷺ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”بِآياتِنا“، مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْتُما ومَنِ اتَّبَعَكُما الغالِبُونَ﴾، (p-١٤٥)أيْ: ”تَغْلِبُونَ بِآياتِنا“ .
القصص 28:36
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا جاءَهم مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ﴾، لَمْ يَأْتُوا بِحُجَّةٍ يَدْفَعُونَ بِها ما ظَهَرَ مِنَ الآياتِ، إلّا أنْ قالُوا: إنَّها سِحْرٌ، فَلَمّا جُمِعَ السَّحَرَةُ بَيَّنُوا أنَّ آياتِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَتْ بِسِحْرٍ، فَغَلَبَ مُوسى بِآياتِ اللَّهِ، وبِحُجَّتِهِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ - بِهِ.
القصص 28:38
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلى الطِّينِ﴾، أيْ: اِعْمَلْ آجُرًّا، ويُقالُ: إنَّ فِرْعَوْنَ أوَّلُ مَن عَمِلَ الآجُرَّ، ﴿فاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾، و”اَلصَّرْحُ“: كُلُّ بِناءٍ مُتَّسِعٍ، مُرْتَفِعٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾، وظَنَّ فِرْعَوْنُ أنَّهُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَبْلُغَ بِصَرْحِهِ نَحْوَ السَّماءِ، فَيَرى السَّماءَ وما فِيها، ﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ”اَلظَّنُّ“، في اللُّغَةِ: ضَرْبٌ يَكُونُ شَكًّا، ويَقِينًا، وقَوْلُ فِرْعَوْنَ: ”وَإنِّي لَأظُنُّهُ“، اِعْتِرافٌ بِأنَّهُ شاكٌّ، وأنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ أنَّ مُوسى كاذِبٌ، فَفي هَذا بَيانٌ أنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِمُوسى عَلى غَيْرِ يَقِينٍ أنَهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وقَدْ وقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهُ نَبِيٌّ، لِأنَّ الآياتِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ لا يَجْهَلُها ذُو فِطْرَةٍ.
وَقَوْلُهُ - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ -: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما أنْـزَلَ هَؤُلاءِ إلا رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ بَصائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ قَدْ ألْزَمَ فِرْعَوْنَ الحُجَّةَ القاطِعَةَ.
القصص 28:40
(p-١٤٦)وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾، ”اَلْيَمُّ“: اَلْبَحْرُ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ: ”إيسافُ“، وهو الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ بِناحِيَةِ مِصْرَ.
القصص 28:41
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾، أيْ: مَنِ اتَّبَعَهم فَهو في النّارِ، ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾، أيْ: لا ناصِرَ لَهُمْ، ولا عاصِمَ مِن عَذابِ اللَّهِ.
القصص 28:43
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ مِن بَعْدِ ما أهْلَكْنا القُرُونَ الأُولى﴾، فَكانَ خاتِمَةَ إهْلاكِ القُرُونِ بِالعَذابِ في الدُّنْيا أنْ جَعَلَ المُكَذِّبِينَ بِمُوسى، الَّذِينَ عَدَوْا في السَّبْتِ، قِرَدَةً خاسِئِينَ عِنْدَ تَكْذِيبِهِمْ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -.
وَقَوْلُهُ: ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾، أيْ: مُبَيِّنًا لِلنّاسِ، المَعْنى: ”وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ بَصائِرَ لِلنّاسِ“، أيْ: هَذِهِ حالُ إيتائِنا إيّاهُ الكِتابَ مُبَيِّنًا، نُبَيِّنُهُ لِلنّاسِ، ﴿وَهُدًى ورَحْمَةً﴾، عَطْفٌ عَلى ”بَصائِرَ“، ولَوْ قُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، عَلى مَعْنى: ”فَهو هُدًى ورَحْمَةٌ“، جازَ، والنَّصْبُ أجْوَدُ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالرَّفْعِ، فَلا تَقْرَأنَّ بِها.
القصص 28:44
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾، أيْ: ”وَما كُنْتَ بِجانِبِ الجَبَلِ الغَرْبِيِّ“ .
القصص 28:45
﴿وَما كُنْتَ ثاوِيًا في أهْلِ مَدْيَنَ﴾، (p-١٤٧)أيْ: ”ما كُنْتَ مُقِيمًا في أهْلِ مَدْيَنَ“ .
القصص 28:46
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إذْ نادَيْنا﴾، يَعْنِي: ”نادَيْنا مُوسى“، ﴿وَلَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”إنَّك لَمْ تُشاهِدْ قَصَصَ الأنْبِياءِ، ولا تُلِيَتْ عَلَيْكَ، ولَكِنْ أوْحَيْناها إلَيْكَ، وقَصَصْناها عَلَيْكَ رَحْمَةً مِن رَبِّكِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾، أيْ: لِتُعَرِّفَهم قَصَصَ مَن أُهْلِكَ بِالعَذابِ، ومَن فازَ بِالثَّوابِ، ولَوْ قُرِئَتْ:“ ولَكِنْ رَحْمَةٌ ”، لَكانَ جائِزًا، عَلى مَعْنى:“ ولَكِنْ فِعْلُ ذَلِكَ رَحْمَةٌ مِن رَبِّكَ، والنَّصْبُ عَلى مَعْنى: ”فَعَلْنا ذَلِكَ لِلرَّحْمَةِ“، كَما تَقُولُ: ”فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغاءَ الخَيْرِ“، أيْ: ”فَعَلْتُهُ لِابْتِغاءِ الخَيْرِ“، فَهو مَفْعُولٌ لَهُ.
القصص 28:47
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: لَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَحْتَجْ إلى إرْسالِ الرُّسُلِ، ومُواتَرَةِ الِاحْتِجاجِ.
القصص 28:48
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الحَقُّ مِن عِنْدِنا﴾، أيْ: فَلَمّا جاءَتْهُمُ الحُجَّةُ القاطِعَةُ الَّتِي كانَ يَجُوزُ أنْ يَعْتَلُّوا بِتَأخُّرِها عَنْهُمْ، ﴿قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾، اَلْمَعْنى: ”هَلّا أُوتِيَ مُحَمَّدٌ مِثْلَما أُوتِيَ مُوسى - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما - مِن أمْرِ العَصا، والحَيَّةِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ، وسائِرِ الآياتِ الَّتِي أتى بِها مُوسى، فَقَدْ كَفَرُوا بِآياتِ مُوسى، كَما كَفَرُوا بِآياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -،“ قالُوا ساحْرانِ تَظاهَرا "، (p-١٤٨)أيْ: تَعاوُنا، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم عَنَوْا مُوسى وهارُونَ، وقالُوا: عَنَوْا مُوسى وعِيسى، وقِيلَ: عَنَوْا مُوسى ومُحَمَّدًا - عَلَيْهِما السَّلامُ -، وقُرِئَ: ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾، يَعْنُونَ: كِتابَيْنِ، فَقالُوا: اَلْإنْجِيلُ والقُرْآنُ، ودَلِيلُ مَن قَرَأ: ﴿سِحْرانِ﴾ .
القصص 28:49
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما﴾، وهَذا لا يَمْنَعُ ”ساحِرانِ“، لِأنَّ المَعْنى يَصِيرُ: ”قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِن كِتابَيْهِما“ .
القصص 28:50
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَمْ أنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهُمْ﴾، فاعْلَمْ أنَّ ما رَكِبُوهُ مِنَ الكُفْرِ لا حُجَّةَ لَهم فِيهِ، وإنَّما آثَرُوا فِيهِ الهَوى، وقَدْ عَلِمُوا أنَّهُ هو الحَقُّ.
القصص 28:51
﴿وَلَقَدْ وصَّلْنا لَهُمُ القَوْلَ﴾، أيْ: فَصَّلْناهُ بِأنْ فَصَّلْنا ذِكْرَ الأنْبِياءِ، وأقاصِيصِهِمْ، وأقاصِيصِ مَن مَضى، بَعْضُها بِبَعْضٍ، ﴿لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: لَعَلَّهم يَعْتَبِرُونَ.
القصص 28:52
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَؤُلاءِ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا يَأْخُذُونَ بِهِ، ويَنْتَهُونَ إلَيْهِ، ويَقِفُونَ عِنْدَهُ، كانُوا يَحْكُمُونَ بِحُكْمِ اللَّهِ، بِالكِتابِ الَّذِي أُنْزِلَ قَبْلَ القُرْآنِ، فَلَمّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ وتَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ قالُوا: آمَنا بِهِ، إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّنا، وذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانَ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَلَمْ يُعانِدْهُ هَؤُلاءِ، وآمَنُوا، وصَدَّقُوا، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ خَيْرًا.
القصص 28:54
وَقالَ: (p-١٤٩)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾، أيْ: يُؤْتَوْنَ أجْرَهم بِإيمانِهِمْ بِالكِتابِ الَّذِي مِن قَبْلِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِالإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والقُرْآنِ، ﴿وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾، مَعْنى ”وَيَدْرَؤُونَ“، يَدْفَعُونَ بِما يَعْلَمُونَ مِنَ الحَسَناتِ ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ السَّيِّئاتِ، ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾، أيْ: يَتَصَدَّقُونَ.
القصص 28:55
﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ﴾، أيْ: إذا سَمِعُوا ما لا يَجُوزُ، ويَنْبَغِي أنْ يُلْغى، لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَيْهِ، ﴿وَقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾، لَيْسَ يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ هَهُنا: ”سَلامٌ عَلَيْكم“، اَلتَّحِيَّةَ، المَعْنى فِيهِ: ”أعْرَضُوا عَنْهُ، وقالُوا: سَلامٌ عَلَيْكم“، أيْ: بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ المُتارَكَةُ، والتَّسَلُّمُ، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالقِتالِ.
القصص 28:56
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي طالِبٍ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ نُزُولِها في أبِي طالِبٍ، وهي عامَّةٌ، لِأنَّهُ لا يَهْدِي إلّا اللَّهُ، ولا يُرْشِدُ ولا يُوَفِّقُ إلّا هُوَ، وكَذَلِكَ هو يُضِلُّ مَن يَشاءُ.
القصص 28:57
﴿وَقالُوا إنْ نَتَّبِعِ الهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أرْضِنا﴾، كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا نَعْلَمُ أنَّ ما أتَيْتَ بِهِ حَقٌّ، ولَكِنّا نَكْرَهُ إنْ آمَنّا بِكَ (p-١٥٠)أنْ نُقْصَدَ، ونُتَخَطَّفَ مِن أرْضِنا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ قَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِأنْ آمَنَهم بِمَكَّةَ، فَأعْلَمَهم أنْ قَدْ آمَنَهم بِحُرْمَةِ البَيْتِ، ومَنَعَ مِنهُمُ العَدُوَّ، أيْ: فَلَوْ آمَنُوا لَكانَ أوْلى بِالتَّمَكُّنِ، والأمْنِ، والسَّلامَةِ.
القصص 28:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾، ”مَعِيشَتَها“، مَنصُوبَةٌ بِإسْقاطِ ”في“، وعَمَلِ الفِعْلِ، وتَأْوِيلُهُ: ”بَطِرَتْ في مَعِيشَتِها“، و”اَلْبَطَرُ“: اَلطُّغْيانُ بِالنِّعْمَةِ.
القصص 28:59
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولا﴾، يَعْنِي بِأُمِّها ”مَكَّةَ“، ولَمْ يَكُنْ لِيُهْلِكَها إلّا بِظُلْمِ أهْلِها.
القصص 28:61
﴿أفَمَن وعَدْناهُ وعْدًا حَسَنًا فَهو لاقِيهِ كَمَن مَتَّعْناهُ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، يَعْنِي المُؤْمِنَ، والكافِرَ، فالمُؤْمِنُ مَن آمَنَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وأطاعَهُ، ووَقَفَ عِنْدَ أمْرِهِ، فَلُقِّيَهُ جَزاءَ ذَلِكَ، وهو الجَنَّةُ، والَّذِي مُتِّعَ مَتاعَ الحَياةِ الدُّنْيا كافِرُ، لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ، ثُمَّ أُحْضِرَ يَوْمَ القِيامَةِ العَذابَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ هو يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في مُحَمَّدٍ ﷺ وأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، فالنَّبِيُّ ﷺ وُعِدَ وعْدًا حَسَنًا، فَهو لاقِيهِ في الدُّنْيا، بِأنَّهُ نُصِرَ عَلى عَدُوِّهِ في الدُّنْيا، وهو في الآخِرَةِ في أعْلى المَراتِبِ مِنَ الجَنَّةِ، وأبُو جَهْلٍ مِنَ المُحْضَرِينَ.
القصص 28:62
(p-١٥١)وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، أيْ: يَوْمَ يُنادِي الإنْسَ، وسَمّاهم ”شُرَكائِي“، عَلى حِكايَةِ قَوْلِهِمْ، المَعْنى: ”أيْنَ شُرَكائِيَ في قَوْلِكم“، واللَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.
القصص 28:63
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾، اَلْجِنُّ، والشَّياطِينُ، ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾، يَعْنُونَ الإنْسَ، أيْ: سَوَّلْنا لَهُمُ الغَيَّ والضَّلالَ، ﴿أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾، أيْ: أضْلَلْناهم كَما ضَلَلْنا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَبَرَّأْنا إلَيْكَ﴾، بَرِئَ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ، وصارُوا أعْداءً، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]
القصص 28:64
وَقَوْلُهُ: ﴿فَدَعَوْهم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾، أيْ: لَمْ يُجِيبُوهم بِحُجَّةٍ، ﴿وَرَأوُا العَذابَ لَوْ أنَّهم كانُوا يَهْتَدُونَ﴾، جَوابُ ”لَوْ“، مَحْذُوفٌ - واللَّهُ أعْلَمُ -، المَعْنى: ”لَوْ كانُوا يَهْتَدُونَ لَما اتَّبَعُوهُمْ، ولا رَأوُا العَذابَ“ .
القصص 28:68
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ ويَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الخِيَرَةُ﴾، أجْوَدُ الوُقُوفِ عَلى ”وَيَخْتارُ“، وتَكُونُ ”ما“، نَفْيًا، المَعْنى: ”وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ، ورَبُّكَ يَخْتارُ، لَيْسَ لَهُمُ الخِيرَةُ“، و”ما كانَتْ لَهُمُ الخِيَرَةُ“، أيْ: (p-١٥٢)لَيْسَ لَهم أنْ يَخْتارُوا عَلى اللَّهِ، هَذا وجْهٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَيَخْتارُ الَّذِي كانَ لَهم فِيهِ الخِيَرَةُ“، ويَكُونَ مَعْنى الِاخْتِيارِ هَهُنا: ما يَتَعَبَّدُهم بِهِ، أيْ: ويَخْتارُ لَهم فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ ما لَهم فِيهِ الخِيَرَةُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أجْوَدُ، أيْ: أنْ تَكُونَ ”ما“، نَفْيًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، مَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“، تَنْزِيهٌ لَهُ مِنَ السُّوءِ، كَذا هو في اللُّغَةِ، وكَذا جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
القصص 28:71
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾، ”اَلسَّرْمَدُ“، في اللُّغَةِ: اَلدّائِمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكم بِضِياءٍ﴾، أيْ: بِنَهارٍ تُبْصِرُونَ فِيهِ، وتَتَصَرَّفُونَ في مَعايِشِكُمْ، وتُصْلَحُ فِيهِ ثِمارُكم ومَنابِتُكُمْ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ الصَّلاحَ لِلْخَلْقِ بِاللَّيْلِ مَعَ النَّهارِ، فَلَوْ كانَ واحِدٌ مِنهُما دُونَ الآخَرِ لَهَلَكَ الخَلْقُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - في النَّهارِ -: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القصص: ٧٢]، أعْلَمَهم أنَّ اللَّيْلَ والنَّهارَ رَحْمَةٌ، فَقالَ: ﴿وَمِن رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ [القصص: ٧٣]، (p-١٥٣)اَلْمَعْنى: ”جَعَلَ لَكُمُ الزَّمانَ لَيْلا ونَهارًا، لِتَسْكُنُوا بِاللَّيْلِ، وتَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ بِالنَّهارِ، وجائِزٌ أنْ تَسْكُنُوا فِيهِما، وأنْ تَبْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ فِيهِما، فَيَكُونَ المَعْنى:“ جَعَلَ لَكُمُ الزَّمانَ لَيْلًا ونَهارًا لِتَسْكُنُوا فِيهِ، ولِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ " .
القصص 28:75
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَـزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، أيْ: نَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ نَبِيًّا، أيْ: اِخْتَرْنا مِنها نَبِيًّا، وكُلُّ نَبِيٍّ شاهِدٌ عَلى أُمَّتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾، أيْ: هاتُوا فِيما اعْتَقَدْتُمْ بُرْهانًا، أيْ: بَيانًا أنَّكم كُنْتُمْ عَلى حَقٍّ، ﴿فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾، أيْ: فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ تَوْحِيدُ اللَّهِ، وما جاءَ بِهِ أنْبِياؤُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾، أيْ: لَمْ يَنْتَفِعُوا بِكُلِّ ما عَبَدُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ، بَلْ ضَرَّهم أعْظَمَ الضَّرَرِ.
القصص 28:76
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قارُونَ كانَ مِن قَوْمِ مُوسى﴾، ”قارُونُ“، اِسْمٌ أعْجَمِيٌّ لا يَنْصَرِفُ، ولَوْ كانَ ”فاعُولًا“، مِنَ العَرَبِيَّةِ، مِن ”قَرَنْتُ الشَّيْءَ“، لا يُصْرَفُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُنَوَّنْ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قارُونَ كانَ ابْنَ عَمِّ مُوسى، وكانَ مِنَ (p-١٥٤)العُلَماءِ بِالتَّوْراةِ، فَبَغى عَلى مُوسى، وقَصَدَ إلى الإفْسادِ عَلَيْهِ، وتَكْذِيبِهِ، وكانَ مِن طَلَبِهِ لِلْإفْسادِ عَلَيْهِ أنَّ بَغِيًّا كانَتْ مَشْهُورَةً في بَنِي إسْرائِيلَ، فَوَجَّهَ إلَيْها قارُونُ - وكانَ أيْسَرَ أهْلِ زَمانِهِ -، يَأْمُرُها أنْ تَصِيرَ إلَيْهِ، وهو في مَلَإٍ مِن أصْحابِهِ، لِتَتَكَذَّبَ عَلى مُوسى، وتَقُولَ: إنَّهُ طَلَبَنِي لِلْفَسادِ، والرِّيبَةِ، وضَمِنَ لَها قارُونُ إنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ أنْ يَخْلِطَها بِنِسائِهِ، وأنْ يُعْطِيها عَلى ذَلِكَ عَطاءً كَبِيرًا، فَجاءَتِ المَرْأةُ وقارُونُ جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ، ورَزَقَها اللَّهُ التَّوْبَةَ، فَقالَتْ في نَفْسِها: ما لِي مَقامُ تَوْبَةٍ مِثْلُ هَذا، فَأقْبَلَتْ عَلى أهْلِ المَجْلِسِوَقارُونُ حاضِرٌ، فَقالَتْ لَهُمْ: إنَّ قارُونَ هَذا وجَّهَ إلَيَّ يَأْمُرُنِي ويَسْألُنِي أنْ أتَكَذَّبَ عَلى مُوسى، وأنْ أقُولَ: إنَّهُ أرادَنِي لِلْفَسادِ، وإنَّ قارُونَ كاذِبٌ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ قارُونُ كَلامَها تَحَيَّرَ، وأُبْلِسَ، واتَّصَلَ الخَبَرُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَجَعَلَ اللَّهُ أمْرَ قارُونَ إلى مُوسى، وأمَرَ الأرْضَ أنْ تُطِيعَهُ فِيهِ، فَوَرَدَ مُوسى عَلى قارُونَ، فَأحَسَّ قارُونُ بِالبَلاءِ، فَقالَ: يا مُوسى ارْحَمْنِي، فَقالَ: ”يا أرْضُ خُذِيهِ“، فَخُسِفَ بِهِ وبِدارِهِ إلى رُكْبَتَيْهِ، فَقالَ: يا مُوسى ارْحَمْنِي، فَقالَ: ”يا أرْضُ خُذِيهِ“، فَخُسِفَ بِهِ إلى سُرَّتِهِ، ثُمَّ قالَ: ”يا أرْضُ خُذِيهِ“، فَخُسِفَ بِهِ إلى عُنُقِهِ، واسْتَرْحَمَ مُوسى، فَقالَ: ”يا أرْضُ خُذِيهِ“، فَخُسِفَ بِهِ حَتّى ساخَتِ الأرْضُ بِهِ وبِدارِهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وبِدارِهِ الأرْضَ فَما كانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص: ٨١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ أُولِي القُوَّةِ﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَفاتِحَهُ كانَتْ مِن جُلُودٍ عَلى مَقادِرِ الإصْبَعِ، وكانَتْ تُحْمَلُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا، أوْ سِتِّينَ بَغْلًا، وجاءَ أيْضًا أنَّ ”مَفاتِحَهُ“: (p-١٥٥)”خَزائِنَهُ“، وقِيلَ: إنَّ العُصْبَةَ هَهُنا سَبْعُونَ رَجُلًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الخَمْسَةَ عَشَرَ، إلى الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الثَّلاثِ، إلى العَشَرَةِ، و”اَلْعُصْبَةُ“، في اللُّغَةِ: اَلْجَماعَةُ الَّذِينَ أمْرُهم واحِدٌ، يُتابِعُ بَعْضُهم بَعْضًا في الفِعْلِ، ويَتَعَصَّبُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، والأشْبَهُ فِيما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”مَفاتِحَهُ“: ”خَزائِنَهُ“، وأنَّها خَزائِنُ المالِ الَّذِي يُحْمَلُ عَلى سَبْعِينَ، أوْ عَلى أرْبَعِينَ بَغْلًا - واللَّهُ أعْلَمُ -، لِأنَّ مَفاتِحَ جُلُودٍ عَلى مِقْدارِ الإصْبَعِ، تُحْمَلُ عَلى سَبْعِينَ بَغْلًا لِلْخَزائِنِ أمْرٌ عَظِيمٌ - واللَّهُ أعْلَمُ -، ومَعْنى ”لَتَنُوءُ بِالعُصْبَةِ“: لَتُثْقِلُ العُصْبَةَ، قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: ”نُؤْتُ بِالحِمْلِ، أنُوءُ بِهِ، نُوءًا“، إذا نَهَضْتُ بِهِ ”، و“ ناءَ بِيَ الحِمْلُ ”، إذا أثْقَلَنِي.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: لا تَأْشَرْ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الأشِرِينَ، و“ لا تَفْرَحْ ”، هَهُنا - واللَّهُ أعْلَمُ -، أيْ: لا تَفْرَحْ لِكَثْرَةِ المالِ في الدُّنْيا، لِأنَّ الَّذِي يَفْرَحُ بِالمالِ ويَصْرِفُهُ في غَيْرِ أمْرِ الآخِرَةِ مَذْمُومٌ فِيهِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، والدَّلِيلُ عَلى أنَّهم أرادُوا“ لا تَفْرَحْ بِالمالِ في الدُّنْيا ”، قَوْلُهُمْ: ﴿وابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدّارَ الآخِرَةَ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وأحْسِنْ كَما أحْسَنَ اللَّهُ إلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]،“ ولا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا ”، أيْ:“ لا تَنْسَ أنْ تَعْمَلَ بِهِ لِآخِرَتِكَ، لِأنَّ حَقِيقَةَ نَصِيبِ الإنْسانِ مِنَ الدُّنْيا الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ لِآخِرَتِهِ.
القصص 28:78
(p-١٥٦): ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾، اِدَّعى أنَّ المالَ أُعْطِيَهُ لِعِلْمِهِ بِالتَّوْراةِ، والَّذِي رُوِيَ أنَّهُ كانَ يَعْمَلُ الكِيمْياءَ، وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ الكِيمْياءَ باطِلٌ، لا حَقِيقَةَ لَهُ.
القصص 28:79
وَقَوْلُهُ: ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ خَرَجَ هو وأصْحابُهُ عَلى خَيْلِهِمْ، وعَلَيْهِمْ وعَلى الخَيْلِ الأُرْجُوانُ، و”اَلْأُرْجُوانُ“، في اللُّغَةِ: صَبْغٌ أحْمَرُ، وقِيلَ: كانَ عَلَيْهِمْ وعَلى خَيْلِهِمُ الدِّيباجُ الأحْمَرُ.
القصص 28:80
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُلَقّاها إلا الصّابِرُونَ﴾، أيْ: لا يُلَقّى هَذِهِ الفَعْلَةَ، وهَذِهِ الكَلِمَةَ، يَعْنِي قَوْلَهُمْ: ﴿وَيْلَكم ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾
القصص 28:82
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالأمْسِ﴾، يَعْنِي الَّذِينَ قالُوا: ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ [القصص: ٧٩]، ﴿يَقُولُونَ ويْكَأنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ ويَقْدِرُ لَوْلا أنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا ويْكَأنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ﴾، هَذِهِ اللَّفْظَةُ لَفْظَةُ ”وَيْكَ“، قَدْ أشْكَلَتْ عَلى جَماعَةٍ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناها: ”ألَمْ تَرَ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناها: ”أما تَرى أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ - وهَذا غَلَطٌ عَظِيمٌ -: إنَّ مَعْناها: ”وَيْلَكَ اعْلَمْ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، فَحَذَفَ اللّامَ، فَبَقِيَتْ ”وَيْكَ“، وحَذَفَ ”اِعْلَمْ أنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، وهَذا خَطَأٌ مِن غَيْرِ جِهَةٍ، لَوْ كانَ كَما قالَ لَكانَتْ ”أنَّ“، مَكْسُورَةً، كَما تَقُولُ: ”وَيْلَكَ إنَّهُ قَدْ كانَ كَذا وكَذا“، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنْ يُقالَ لِمَن خاطَبَ القَوْمَ بِهَذا (p-١٥٧)فَقالُوا: ”وَيْلَكَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الكافِرُونَ“، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ حَذَفَ اللّامَ مِن ”وَيْلَ“، والقَوْلُ الصَّحِيحُ في هَذا ما ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ عَنِ الخَلِيلِ، ويُونُسَ، قالَ: سَألْتُ عَنْها الخَلِيلَ، فَزَعَمَ أنَّها ”وَيْ“، مَفْصُولَةٌ مِن ”كَأنَّ“، وأنَّ القَوْمَ تَنَبَّهُوا فَقالُوا: ”وَيْ“، مُتَنَدِّمِينَ عَلى ما سَلَفَ مِنهُمْ، وكُلُّ مَن تَنَدَّمَ أوْ نَدِمَ، فَإظْهارُ تَنَدُّمِهِ ونَدامَتِهِ أنْ يَقُولَ: ”وَيْ“، كَما تُعاتِبُ الرَّجُلَ عَلى ما سَلَفَ مِنهُ، فَقَوْلُ: ”وَيْ“، كَأنَّكَ قَصَدْتَ: مَكْرُوهِي، فَحَقِيقَةُ الوَقْفِ عَلَيْها ”وَيْ“، وهو أجْوَدُ في الكَلامِ، ومَعْناهُ التَّنْبِيهُ والتَّنَدُّمُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَألَتانِي الطَّلاقَ إذْ رَأتانِي ∗∗∗ قَلَّ مالِي قَدْ جِئْتُما فِيَّ بِنُكْرِ
؎وَيْ كَأنْ مَن يَكُنْ لَهُ نَشَبٌ يُحْـ ∗∗∗ ـبَبْ ومَن يَفْتَقِرْ يَعِشْ عَيْشَ ضُرِّ؟!
فَهَذا تَفْسِيرُ الخَلِيلِ، وهو مُشاكِلٌ لِما جاءَ في التَّفْسِيرِ، لِأنَّ قَوْلَ المُفَسِّرِينَ: هو تَنْبِيهٌ.
القصص 28:85
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾، مَعْنى ”فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ“: أنْزَلَهُ عَلَيْكَ وألْزَمَكَ، وفَرَضَ عَلَيْكَ العَمَلَ بِما يُوجِبُهُ القُرْآنُ.
(p-١٥٨)﴿لَرادُّكَ إلى مَعادٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: لَرادُّكَ إلى مَكانِكَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: ”إلى مَعادٍ“: إلى مَكانِكَ في الجَنَّةِ، وأكْثَرُ التَّفْسِيرِ: لَباعِثُكَ، وعَلى هَذا كَلامُ النّاسِ: ”اُذْكُرِ المَعادَ“، أيْ: اُذْكُرْ مَبْعَثَكَ في الآخِرَةِ.
القصص 28:86
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ﴾، أيْ: مُعِينًا لِلْكافِرِينَ، ويَجُوزُ ”فَلا تَكُونَنْ ظَهِيرًا“، ولَكِنِّي أكْرَهُها، لِأنَّها تُخالِفُ المُصْحَفَ، ويَجِبُ أنْ تُكْتَبَ بِالتَّخْفِيفِ بِالألِفِ.
القصص 28:88
وَقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾، ”وَجْهَهُ“، مَنصُوبٌ بِالِاسْتِثْناءِ، ومَعْنى ”إلّا وجْهَهُ“: إلّا إيّاهُ، ويَجُوزُ ”إلّا وجْهُهُ“، بِالرَّفْعِ، ولَكِنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها، ويَكُونُ المَعْنى: ”كُلُّ شَيْءٍ غَيْرُ وجْهِهِ هالِكٌ“، وهو مِثْلُ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وَكُلُّ أخٍ مُفارِقُهُ أخُوهُ ∗∗∗ لَعَمْرَ أبِيكَ إلّا الفَرْقَدانِ
اَلْمَعْنى: ”وَكُلُّ أخٍ غَيْرُ الفَرْقَدَيْنِ مُفارِقُهُ أخُوهُ“ .
العنكبوت 29:1
(p-١٥٩)سُورَةُ اَلْعَنْكَبُوتِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ [العنكبوت: ٢]، ”الـم“، تَفْسِيرُها: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، وقَدْ فَسَّرْنا كُلَّ شَيْءٍ قِيلَ في هَذا في أوَّلِ سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“ .
العنكبوت 29:2
وَقَوْلُهُ: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾، اَللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِخْبارٍ، والمَعْنى مَعْنى تَقْرِيرٍ وتَوْبِيخٍ، ومَعْناهُ: ”أحَسِبُوا أنْ نَقْنَعَ مِنهم أنْ يَقُولُوا إنّا مُؤْمِنُونَ، فَقَطْ، ولا يُمْتَحَنُونَ بِما يَتَبَيَّنُ بِهِ حَقِيقَةُ إيمانِهِمْ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ - في قَوْلِهِ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَهم لا يُفْتَنُونَ﴾ -: ”لا يُخْتَبَرُونَ بِما يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُ إيمانِهِمْ مِن كَذِبِهِ“، وقِيلَ: ”لا يُفْتَنُونَ“: لا يُبْتَلَوْنَ في أنْفُسِهِمْ، وأمْوالِهِمْ، فَيُعْلَمُ بِالصَّبْرِ عَلى البَلاءِ الصّادِقُ الإيمانِ مِن غَيْرِهِ، ومَوْضِعُ ”أنْ“، اَلْأُولى: نَصْبٌ، اسْمُ ”حَسِبَ“، وخَبَرُهُ، ومَوْضِعُ ”أنْ“، اَلثّانِيَةِ: نَصْبٌ، مِن جِهَتَيْنِ، أجْوَدُهُما أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِـ ”يُتْرَكُوا“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا لِأنْ يَقُولُوا“، و”بِأنْ يَقُولُوا“، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الخَفْضِ، وُصِلَ بِـ ”يُتْرَكُوا“، إلى ”أنْ“، فَنَصَبَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ (p-١٦٠)العامِلُ فِيها ”أحَسِبَ“، كَأنَّ المَعْنى عَلى هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”أحَسِبَ النّاسُ أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ؟“، والأُولى أجْوَدُ.
العنكبوت 29:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، أيْ: اِخْتَبَرْنا، وابْتَلَيْنا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَلَيَعْلَمَنَّ صِدْقَ الصّادِقِ، بِوُقُوعِ صِدْقِهِ مِنهُ، وكَذِبَ الكاذِبِ، بِوُقُوعِ كَذِبِهِ مِنهُ، وهو الَّذِي يُجازى عَلَيْهِ“، واللَّهُ قَدْ عَلِمَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُما، ولَكِنَّ القَصْدَ قَصْدُ وُقُوعِ العِلْمِ بِما يُجازى عَلَيْهِ.
العنكبوت 29:4
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾، أيْ: يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفُوتُونَنا، أيْ: لَيْسَ يُعْجِزُونَنا، ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾، عَلى مَعْنى: ”ساءَ حُكْمًا يَحْكُمُونَ“، كَما تَقُولُ: ”نِعْمَ رَجُلًا زَيْدٌ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ رَفْعًا، عَلى مَعْنى: ”ساءَ الحُكْمُ حُكْمُهم“ .
العنكبوت 29:5
وَقَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”مَن كانَ يَرْجُو ثَوابَ لِقاءِ اللَّهِ“، فَأمّا مَن قالَ: إنْ مَعْناهُ الخَوْفُ، فالخَوْفُ ضِدُّ الرَّجاءِ، ولَيْسَ في الكَلامِ ضِدٌّ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في كِتابِ الأضْدادِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾، (p-١٦١)”مَن“، في مَعْنى الشَّرْطِ، يَرْتَفِعُ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها ”كانَ“، وجَوابُ الجَزاءِ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لآتٍ﴾
العنكبوت 29:8
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، اَلْقِراءَةُ ”حُسْنًا“، وقَدْ رُوِيَتْ: ”إحْسانًا“، و”حُسْنًا“، أجْوَدُ لِمُوافَقَةِ المُصْحَفِ، فَمَن قالَ: ”حُسْنًا“، فَهو مِثْلُ ”وَصَّيْنا“، إلّا أنْ يَفْعَلَ بِوالِدَيْهِ ما يَحْسُنُ، ومَن قَرَأ: ”إحْسانًا“، فَمَعْناهُ: ”وَوَصَّيْنا الإنْسانَ أنْ يُحْسِنَ إلى والِدَيْهِ إحْسانًا“، وكَأنَّ ”حُسْنًا“، أعَمُّ في البِرِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾، مَعْناهُ: ”وَإنْ جاهَداكَ أيُّها الإنْسانُ والِداكَ لِتُشْرِكَ بِي“، وكَذَلِكَ ”عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي“، ويُرْوى أنَّ رَجُلًا خَرَجَ مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا يُظِلَّها بَيْتٌ حَتّى يَرْجِعَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ واجِبٌ، ونَهى أنْ يُتابَعا عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ والشِّرْكِ بِهِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ عِنْدَ الوالِدَيْنِ بِرًّا.
العنكبوت 29:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾، أيْ: فَإذا نالَهُ أذًى، أوْ عَذابٌ، بِسَبَبِ إيمانِهِ، جَزِعَ مِن ذَلِكَ ما يَجْزَعُ مِن عَذابِ اللَّهِ، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَصْبِرَ عَلى الأذِيَّةِ في اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
العنكبوت 29:12
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾، يُقْرَأُ: ”وَلِنَحْمِلْ“، بِسُكُونِ اللّامِ، وبِكَسْرِها، في قَوْلِهِ: ”وَلْنَحْمِلْ“، وهو أمْرٌ في تَأْوِيلِ الشَّرْطِ، والجَزاءِ، والمَعْنى: ”إنْ تَتَّبِعُوا سَبِيلَنا حَمَلْنا خَطاياكم.
(p-١٦٢)والمَعْنى:“ إنْ كانَ فِيهِ إثْمٌ فَنَحْنُ نَحْتَمِلُهُ ”، ومَعْنى“ سَبِيلَنا ”: اَلطَّرِيقَ في دِينِنا، الَّذِي نَسْلُكُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لا يَحْمِلُونَ شَيْئًا مِن خَطاياهُمْ، فَقالَ: ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾، مَعْناهُ:“ مِن شَيْءٍ يُخَفِّفُ عَنِ المَحْمُولِ عَنْهُ العَذابَ ”، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهم يَحْمِلُونَ أثْقالَهُمْ، وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، فَقالَ في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، وجاءَ في الحَدِيثِ تَفْسِيرُ هَذا «أنَّهُ مَن سَنَّ سُنَّةَ ظُلْمٍ، أوْ مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً، فَعَلَيْهِ إثْمُها وإثْمُ مَن عَمِلَ بِها، ولا يُنْتَقَصُ مِن أوْزارِ الَّذِينَ عَمِلُوا بِها شَيْءٌ، ومَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً، كانَ لَهُ أجْرُها وأجْرُ مَن عَمِلَ بِها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا يُنْتَقَصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْءٌ،» وعَلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]، أيْ: عَلِمَتْ ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ، وما سَنَّتْ مِن سُنَّةِ خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ، فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا أخَّرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ ": ما قَدَّمَتْ مِن عَمَلٍ، وما أخَّرَتْ مِمّا كانَ يَجِبُ أنْ تُقَدِّمَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُوَبِّخُهُمْ، فَقالَ: ﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فَذَلِكَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ، كَما قالَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَأمّا سُؤالُ اسْتِعْلامٍ، فَقَدْ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَسْألُ سُؤالَ اسْتِعْلامٍ، في (p-١٦٣)قَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]
العنكبوت 29:14
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾، فالِاسْتِثْناءُ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ العَرَبِ، وتَأْوِيلُهُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ تَوْكِيدُ العَدَدِ، وتَحْصِيلُهُ، وكَمالُهُ، لِأنَّكَ قَدْ تَذْكُرُ الجُمْلَةَ ويَكُونُ الحاصِلُ أكْثَرَها، فَإذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ في تَمامِها قُلْتَ: ”كُلُّها“، وإذا أرَدْتَ التَّوْكِيدَ في نُقْصانِها أدْخَلْتَ فِيها الِاسْتِثْناءَ، تَقُولُ: ”جاءَنِي إخْوَتُكَ“، يَعْنِي أنَّ جَمِيعَهم جاءَكَ، وجائِزٌ أنْ تَعْنِيَ أنَّ أكْثَرَهم جاءَكَ، فَإذا قُلْتَ: ”جاءَنِي إخْوَتُكَ كُلُّهم“، أكَّدْتَ مَعْنى الجَماعَةِ، وأعْلَمْتَ أنَّهُ لَمْ يَتَخَلَّفْ مِنهم أحَدٌ، وتَقُولُ أيْضًا: ”جاءَنِي إخْوَتُكَ إلّا زَيْدًا“، فَتُؤَكِّدُ أنَّ الجَماعَةَ تَنْقُصُ زَيْدًا، وكَذَلِكَ رُؤُوسُ الأعْدادِ مُشَبَّهَةٌ بِالجَماعاتِ، تَقُولُ: ”عِنْدِي عَشَرَةٌ“، فَتَكُونُ ناقِصَةً، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ تامَّةً، فَإذا قُلْتَ: ”عَشَرَةٌ إلّا نِصْفًا“، أوْ ”عَشَرَةٌ كامِلَةٌ“، حَقَّقْتَ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ”ألْفٌ إلّا خَمْسِينَ“، فَهو كَقَوْلِكَ: ”عَشَرَةٌ إلّا نِصْفًا“، لِأنَّكَ إنَّما اسْتَعْمَلْتَ الِاسْتِثْناءَ فِيما كانَ أمْلَكَ بِالعَشَرَةِ مِنَ التِّسْعَةِ، لِأنَّ النِّصْفَ قَدْ دَخَلَ في بابِ العَشَرَةِ، ولَوْ قُلْتَ: ”عَشَرَةٌ إلّا واحِدًا“، أوْ ”إلّا اثْنَيْنِ“، كانَ جائِزًا، وفِيهِ قُبْحٌ، لِأنَّ تِسْعَةً، وثَمانِيَةً، يُؤَدِّي عَنْ ذَلِكَ العَدَدِ، ولَكِنَّهُ جائِزٌ مِن جِهَةِ التَّوْكِيدِ أنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ لا تَزِيدُ، ولا تَنْقُصُ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”عَشَرَةٌ إلّا واحِدًا“، قَدْ أخْبَرْتَ فِيهِ بِحَقِيقَةِ العَدَدِ، واسْتَثْنَيْتَ ما يَكُونُ نُقْصانًا مِن رَأْسِ العَدَدِ، والِاخْتِيارُ في الِاسْتِثْناءِ في الأعْدادِ الَّتِي هي عُقُودٌ الكُسُورُ، والصِّحاحُ جائِزٌ أنْ يُسْتَثْنى، فَأمّا اسْتِثْناءُ نِصْفِ الشَّيْءِ، فَقَبِيحٌ (p-١٦٤)جِدًّا، لا يَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ، فَإذا قُلْتَ: ”عَشَرَةٌ إلّا خَمْسَةً“، فَلَيْسَ تَطُورُ العَشَرَةُ بِالخَمْسَةِ، لِأنَّها لَيْسَتْ تَقْرُبُ مِنها، وإنَّما تَتَكَلَّمُ بِالِاسْتِثْناءِ كَما تَتَكَلَّمُ بِالنُّقْصانِ، فَتَقُولُ: ”عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ قِيراطًا“، ولَوْ قُلْتَ: ”عِنْدِي دِرْهَمٌ يَنْقُصُ خَمْسَةَ دَوانِيقَ“، أوْ ”تَنْقُصُ نِصْفَهُ“، كانَ الأوْلى بِذَلِكَ: ”عِنْدِي نَصِفُ دِرْهَمٍ“، ولَمْ يَأْتِ الِاسْتِثْناءُ في كَلامِ العَرَبِ إلّا ”قَلِيلٌ مِن كَثِيرٍ“، فَهَذِهِ جُمْلَةٌ كافِيَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾، ”اَلطُّوفانُ مِن كُلِّ شَيْءٍ“: ما كانَ كَثِيرًا مُطِيفًا بِالجَماعَةِ كُلِّها، كالغَرَقِ الَّذِي يَشْتَمِلُ عَلى المُدُنِ الكَبِيرَةِ، يُقالُ فِيهِ: ”طُوفانٌ“، وكَذَلِكَ القَتْلُ الذَّرِيعُ، والمَوْتُ الجارِفُ، طُوفانٌ.
العنكبوت 29:15
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنْجَيْناهُ وأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾، قَدْ بَيَّنَ في غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ مَن أصْحابُ السَّفِينَةِ، في قَوْلِهِ: ﴿قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠]
العنكبوت 29:16
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإبْراهِيمَ إذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَأرْسَلْنا إبْراهِيمَ“، عَطْفًا عَلى ”نُوحًا“ .
العنكبوت 29:17
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾، (p-١٦٥)وَقُرِئَتْ: ”وَتُخَلِّقُونَ إفْكًا“، ”أوْثانًا“: أصْنامًا، ”وَتَخْلُقُونَ إفْكًا“، فِيهِ قَوْلانِ: ”تَخْلُقُونَ كَذِبًا“، وقِيلَ: تَعْمَلُونَ الأصْنامَ، ويَكُونُ التَّأْوِيلُ عَلى هَذا القَوْلِ: ”إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا وأنْتُمْ تَصْنَعُونَها“ .
العنكبوت 29:19
وَقَوْلُهُ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، وتُقْرَأُ: ”تَرَوْا“، بِالتّاءِ.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، أيْ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُهم ثانِيَةً، بِنَشْئِهِمْ نَشْأةً أُخْرى، كَما قالَ: ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٧]، وأكْثَرُ القِراءَةِ: ”اَلنَّشْأةَ“، بِتَسْكِينِ الشِّينِ، وتَرْكٍ لِمَدِّهِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”والنَّشاءَةَ الأُخْرى“، بِالمَدِّ.
العنكبوت 29:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾، أيْ: لَيْسَ يَعْجِزُ اللَّهَ خَلْقٌ في السَّماءِ، ولا في الأرْضِ، وفي هَذا قَوْلانِ، أحَدُهُما: مَعْناهُ: ”ما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا أهْلُ السَّماءِ مُعْجِزِينَ في السَّماءِ“، أيْ: ”مَن في السَّماواتِ، ومَن في الأرْضِ، غَيْرُ مُعْجِزِينَ“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ في الأرْضِ، ولا لَوْ كُنْتُمْ في السَّماءِ“، أيْ: لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ.
العنكبوت 29:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ولِقائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾، رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ قالَ: " إنَّ اللَّهَ ذَمَّ قَوْمًا هانُوا عَلَيْهِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِن رَحْمَتِي﴾، وقالَ: ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]، ويَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ ألّا يَيْأسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، ولا مِن رَحْمَتِهِ، ولا يَأْمَنَ مِن عَذابِهِ، وعِقابِهِ، وصِفَةُ المُؤْمِنِ أنْ يَكُونَ راجِيًا لِلَّهِ، خائِفًا.
العنكبوت 29:24
(p-١٦٦)﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلا أنْ قالُوا اقْتُلُوهُ﴾، وقَرَأ الحَسَنُ: ”فَما كانَ جَوابُ قَوْمِهِ“، بِالرَّفْعِ، فَمَن نَصَبَ جَعَلَ ”أنْ قالُوا“، اِسْمَ ”كانَ“، ومَن رَفَعَ الجَوابَ جَعَلَهُ اسْمَ ”كانَ“، وجَعَلَ الخَبَرَ ”أنْ قالُوا“، وما عَمِلَتْ فِيهِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”ما كانَ الجَوابُ إلّا مَقالَتَهُمْ: اُقْتُلُوهُ“، لَمّا أنْ دَعاهم إبْراهِيمُ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، واحْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم يَعْبُدُونَ ما لا يَضُرُّهُمْ، ولا يَنْفَعُهُمْ، جَعَلُوا الجَوابَ: ﴿اقْتُلُوهُ أوْ حَرِّقُوهُ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَحَرَّقُوهُ، فَأنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النّارِ“، ويُرْوى «أنَّ إبْراهِيمَ ﷺ لَمْ تَعْمَلِ النّارُ في شَيْءٍ مِنهُ إلّا في وثاقِهِ الَّذِي شُدَّ بِهِ "»، ويُرْوى أنَّ جَمِيعَ الدَّوابِّ والهَوامِّ كانَتْ تُطْفِئُ عَنْ إبْراهِيمَ إلّا الوَزَغَ، فَإنَّها كانَتْ تَنْفُخُ النّارَ، فَأُمِرَ بِقَتْلِها، ويَرِدُ أنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِالنّارِ، أعْنِي يَوْمَ أخَذُوا إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وجَمِيعُ ما ذَكَرْناهُ في هَذِهِ القِصَّةِ مِمّا رَواهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أبِيهِ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ ما رَوَيْتُ في هَذا الكِتابِ مِنَ التَّفْسِيرِ، فَهو مِن كِتابِ التَّفْسِيرِ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
العنكبوت 29:25
وَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾، أيْ: قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ: إنَّما اتَّخَذْتُمْ هَذِهِ الأوْثانَ لِتَتَوادُّوا بِها في الحَياةِ الدُّنْيا، ﴿ثُمَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، (p-١٦٧)وَهَذا كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلا المُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]، وفِيها في القِراءَةِ أرْبَعَةُ أوْجُهُ، مِنها: ”مَوَدَّةَ بَيْنِكم“، بِفَتْحِ ”مَوَدَّةَ“، وبِالإضافَةِ إلى ”بَيْنِ“، وبِنَصْبِ ”مَوَدَّةً“، والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ ”بَيْنَ“: ”مَوَدَّةً بَيْنَكم“، ويَجُوزُ: ”مَوَدَّةُ بَيْنِكم“، بِالرَّفْعِ والإضافَةِ إلى ”بَيْنِ“، ويَجُوزُ: ”مَوَدَّةٌ بَيْنَكم“، بِالرَّفْعِ، والتَّنْوِينِ، ونَصْبِ ”بَيْنَ“، فالنَّصْبُ في ”مَوَدَّةَ“، مِن أجْلِ أنَّها مَفْعُولٌ لَها، أيْ: ”اِتَّخَذْتُمْ هَذا لِلْمَوَدَّةِ بَيْنَكم“، ومَن رَفَعَ فَمِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، ويَكُونَ المَعْنى: ”إنَّ ما اتَّخَذْتُمُوهُ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا مَوَدَّةُ بَيْنِكم“، فَيَكُونَ ”مَوَدَّةُ“، خَبَرَ ”إنَّ“، ويَكُونَ بِرَفْعِ ”مَوَدَّةُ“، عَلى إضْمارِ ”هي“، كَأنَّهُ قالَ: ”تِلْكَ مَوَدَّةٌ بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا“، أيْ: ”أُلْفَتُكم واجْتِماعُكم عَلى الأصْنامِ مَوَدَّةٌ بَيْنَكم في الحَياةِ الدُّنْيا“ .
العنكبوت 29:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾، صَدَّقَ لُوطٌ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿وَقالَ إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي﴾، إبْراهِيمُ هاجَرَ مِن كُوثى إلى الشّامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا﴾ [العنكبوت: ٢٧]، قِيلَ: اَلذِّكْرَ الحَسَنَ، وكَذَلِكَ ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٨]، وقِيلَ: ”وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا“، أنَّهُ لَيْسَ مِن أُمَّةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والمَجُوسِ والنَّصارى إلّا وهم يُعَظِّمُونَ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: ”وَآتَيْناهُ أجْرَهُ في الدُّنْيا“، (p-١٦٨)أنَّ الأنْبِياءَ مِن ولَدِهِ، وقِيلَ: اَلْوَلَدُ الصّالِحُ.
العنكبوت 29:28
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ إنَّكم لَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ ما سَبَقَكم بِها مِن أحَدٍ مِنَ العالَمِينَ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَنْزُ ذَكَرٌ عَلى ذَكَرٍ قَبْلَ قَوْمِ لُوطٍ.
العنكبوت 29:29
وَقَوْلُهُ: ﴿أإنَّكم لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾، اَللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهامٍ، والمَعْنى مَعْنى التَّقْرِيرِ، والتَّوْبِيخِ، ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ويَقْطَعُونَ سَبِيلَ الوَلَدِ، وقِيلَ: يَعْتَرِضُونَ النّاسَ في الطُّرُقِ لِطَلَبِ الفاحِشَةِ، ﴿وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ﴾، أيْ: تَأْتُونَ في مَجالِسِكُمُ المُنْكَرَ، قِيلَ: إنَّهم كانُوا يَخْذِفُونَ النّاسَ في مَجالِسِهِمْ، ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّ هَذا مِنَ المُنْكَرِ، وأنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ تَتَعاشَرَ النّاسُ عَلَيْهِ، ولا يَجْتَمِعُوا إلّا فِيما قَرَّبَ إلى اللَّهِ، وباعَدَ مِن سَخَطِهِ، وألّا يَجْتَمِعُوا عَلى الهَزْءِ، والتَّلَهِّي، وقِيلَ: ”وَتَأْتُونَ في نادِيكُمُ المُنْكَرَ“، أنَّهم كانُوا يَفْسُقُونَ في مَجالِسِهِمْ.
العنكبوت 29:38
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعادًا وثَمُودَ وقَدْ تَبَيَّنَ لَكم مِن مَساكِنِهِمْ﴾، اَلْمَعْنى: " وأهْلَكْنا عادًا، وثَمُودَ، لِأنَّ قَبْلَ هَذا قارُونَ وأصْحابَهُ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ.
العنكبوت 29:40
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكُلا أخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنهم مَن أرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا﴾، (p-١٦٩)وَهم قَوْمُ لُوطٍ، ﴿وَمِنهم مَن أخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾، وهم قَوْمُ ثَمُودَ، ومَدْيَنَ، ﴿وَمِنهم مَن خَسَفْنا بِهِ الأرْضَ﴾، وهم قارُونُ وأصْحابُهُ، ﴿وَمِنهم مَن أغْرَقْنا﴾، وهم قَوْمُ نُوحٍ، وفِرْعَوْنُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الَّذِي فُعِلَ بِهِمْ عَدْلٌ، وأنَّهُ لَمْ يَظْلِمْهُمْ، وأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨]، أتَوْا ما أتَوْهُ وقَدْ بَيَّنَ لَهم أنَّ عاقِبَتَهُ عَذابُهم.
العنكبوت 29:41
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾، اَلْآيَةَ، ”لَوْ“، مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ”اِتَّخَذُوا“، أيْ: ”لَوْ عَلِمُوا أنَّ اتِّخاذَهُمُ الأوْلِياءَ كاتِّخاذِ العَنْكَبُوتِ“، لَيْسَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ ضَعِيفٌ، وذَلِكَ أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ لا بَيْتَ أضْعَفُ مِنهُ، فِيما يَتَّخِذُهُ الهَوامُّ في البُيُوتِ، ولا أقَلَّ وِقايَةً مِنهُ مِن حَرٍّ أوْ بَرْدٍ، والمَعْنى أنَّ أوْلِياءَهم لا يَنْقُصُونَهُمْ، ولا يَرْزُقُونَهُمْ، ولا يَدْفَعُونَ عَنْهم ضَرَرًا، كَما أنَّ بَيْتَ العَنْكَبُوتِ غَيْرُ مُوَقٍّ لِلْعَنْكَبُوتِ.
العنكبوت 29:45
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقِمِ الصَّلاةَ إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾، قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: ”مَن لَمْ تَنْهَهُ صَلاتُهُ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ فَلَيْسَتْ صَلاتُهُ بِصَلاةٍ، وهي وبالٌ عَلَيْهِ“ .
(p-١٧٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ﴾، فِيها أوْجُهٌ، فَمِنها أنَّ ”أكْبَرُ“، في مَعْنى ”كَبِيرٌ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”وَلَذِكْرُ اللَّهِ إيّاكم إذا ذَكَرْتُمُوهُ أكْبَرُ مِن ذِكْرِكم“، ووَجْهٌ آخَرُ، مَعْناهُ: ”وَلَذِكْرُ اللَّهِ أكْبَرُ“، هو النَّهْيُ عَنِ الفَحْشاءِ، والمُنْكَرِ، أكْبَرُ مِنَ الِانْتِهاءِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ نَهى عَنْهُما.
العنكبوت 29:46
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، أيْ: أهْلَ الحَرْبِ، فالمَعْنى: ”لا تُجادِلُوا أهْلَ الجِزْيَةِ إلّا بِالَّتِي هي أحَسَنُ، وقاتِلُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا، وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فَكانَ الصَّغارُ خارِجًا مِنَ“ اَلَّتِي هي أحْسَنُ ”، فالأشْبَهُ أنْ تَكُونَ مَنسُوخَةً، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الصَّغارُ أخْذَ الجِزْيَةِ مِنهُمْ، وإنْ كَرِهُوا، فالَّذِينَ تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ - بِنَصِّ الكِتابِ - اليَهُودُ والنَّصارى، لِأنَّهم أصْحابُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَأمّا المَجُوسُ فَأُخِذَتْ مِنهُمُ الجِزْيَةُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «“ سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ "»، واخْتَلَفَ النّاسُ فِيمَن سِوى هَؤُلاءِ مِنَ الكُفّارِ، مِثْلَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، ومَن أشْبَهَهُمْ، فَهم عِنْدَ مالِكِ بْنِ أنَسٍ يُجْرَوْنَ هَذا المُجْرى، تُؤْخَذُ مِنهُمُ الجِزْيَةُ، كانُوا عَجَمًا أوْ عَرَبًا، وأمّا أهْلُ العِراقِ فَقالُوا: نَقْبَلُ الجِزْيَةَ مِنَ العَجَمِ غَيْرِ العَرَبِ، إذا كانُوا كُفّارًا، وإنْ خَرَجُوا مِن هَذِهِ الأصْنافِ، أعْنِي اليَهُودَ (p-١٧١)والنَّصارى والمَجُوسَ، نَحْوَ الهِنْدِ، والتُّرْكِ والدَّيْلَمِ، فَأمّا العَرَبُ عِنْدَهم فَإذا خَرَجُوا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأصْنافِ لَمْ تُقْبَلْ مِنهم جِزْيَةٌ، وكانَ القَتْلُ في أمْرِهِمْ إنْ أقامُوا عَلى مِلَّةٍ غَيْرِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، وبَعْضُ الفُقَهاءِ لا يَرى إلّا القَتْلَ في عَبَدَةِ الأوْثانِ، والأصْنامِ، ومَن أشَبَهَهم.
العنكبوت 29:48
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾، أيْ: ما كُنْتَ قَرَأْتَ الكُتُبَ، ولا كُنْتَ كاتِبًا، وكَذَلِكَ صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ﴾، قِيلَ: إنَّهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.
العنكبوت 29:49
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾، قِيلَ: فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، مِنها: ”بَلِ القُرْآنُ آياتٌ بَيِّناتٌ“، ومِنها: ”بَلِ النَّبِيُّ ﷺ وأُمُورُهُ آياتٌ بَيِّناتٌ“، ومِنها: ”بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ“، أيْ: بَلْ إنَّهُ لا يَقْرَأُ ولا يَكْتُبُ، آياتٌ بَيِّناتٌ، لِأنَّهُ إذا لَمْ يَكُنْ قَرَأ كِتابًا، ولا هو كاتِبٌ، ثُمَّ أخْبَرَ بِأقاصِيصِ الأوَّلِينَ، والأنْبِياءِ، فَذَلِكَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ.
العنكبوت 29:51
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾، «كانَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كَتَبُوا شَيْئًا عَنِ اليَهُودِ، فَأتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”كَفى بِها حَماقَةَ قَوْمٍ - أوْ ضَلالَةَ قَوْمٍ - أنْ رَغِبُوا عَمّا أتى بِهِ نَبِيُّهم إلى ما أتى بِهِ غَيْرُ نَبِيِّهِمْ إلى غَيْرِ قَوْمِهِمْ“» .
العنكبوت 29:53
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالعَذابِ ولَوْلا أجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ العَذابُ﴾، هَذِهِ نَزَلَتْ في قَوْمٍ جَهَلَةٍ، قالُوا: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ (p-١٧٢)لِعَذابِهِمْ أجَلًا، فَقالَ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦] .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهم بَغْتَةً﴾، مَعْناهُ: فُجاءَةً، و”بَغْتَةً، اِسْمٌ مَنصُوبٌ في مَوْضِعِ الحالِ، ومَعْناهُ:“ ولَيَأْتِيَنَّهم مُفاجَأةً " .
العنكبوت 29:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾، تَفْسِيرُها: قِيلَ: إنَّهم أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ مِنَ المَوْضِعِ الَّذِي لا تُمْكِنُهم فِيهِ عِبادَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - وأداءُ فَرائِضِهِ، وأصْلُ هَذا فِيمَن كانَ يُمْكِنُهُ مِمَّنْ آمَنُ وكانَ لا يُمْكِنُهُ إظْهارُ إيمانِهِ، وكَذَلِكَ يَجِبُ عَلى كُلِّ مَن كانَ في بَلَدٍ يُعْمَلُ فِيهِ بِالمَعاصِي، ولا يُمْكِنُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ أنْ يُهاجِرَ ويَنْتَقِلَ إلى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللَّهَ حَقَّ عِبادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإيّايَ فاعْبُدُونِ﴾، ”إيّايَ“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، المَعْنى: ”فاعْبُدُوا إيّايَ فاعْبُدُونِي“، فاسْتَغْنى بِأحَدِ الفِعْلَيْنِ، أعْنِي الثّانِيَ عَنْ إظْهارِ الأوَّلِ، فَإذا قُلْتَ: ”فَإيّايَ فاعْبُدُوا“، فَـ ”إيّايَ“، مَنصُوبٌ بِما بَعْدَ الفاءِ، (p-١٧٣)وَلا تَنْصِبْهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”بِزَيْدٍ فامْرُرْ“، فالباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”اُمْرُرْ“، والمَعْنى: ”إنَّ أرْضِي واسِعَةٌ فاعْبُدُونِ“، فالفاءُ إذا قُلْتَ: ”زَيْدًا فاضْرِبْ“، لا يَصْلُحُ إلّا أنْ تَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ”أنا لا أضْرِبُ عَمْرًا“، ولَكِنِّي أضْرِبُ زَيْدًا، فَقُلْتَ أنْتَ مُجِيبًا لَهُ: ”فاضْرِبْ زَيْدًا“، ثُمَّ قُلْتَ: ”زَيْدًا فاضْرِبْ“، فَجَعَلْتَ تَقْدِيمَ الِاسْمِ بَدَلًا مِنَ الشَّرْطِ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”إنْ كانَ الأمْرُ عَلى ما تَصِفُ فاضْرِبْ زَيْدًا“، وهَذا مَذْهَبُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ البَصْرِيِّينَ.
العنكبوت 29:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم مِنَ الجَنَّةِ غُرَفًا﴾، وقُرِئَتْ: لَنُثَوِّيَنَّهم ”، بِالثّاءِ، يُقالُ:“ ثَوى الرَّجُلُ ”، إذا أقامَ بِالمَكانِ، و“ أثْوَيْتُهُ "، أنْزَلْتُهُ مُنْزَلًا يُقِيمُ فِيهِ.
العنكبوت 29:60
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَأيِّنْ مِن دابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾، كُلُّ حَيَوانٍ عَلى الأرْضِ مِمّا يَعْقِلُ، وما لا يَعْقِلُ، فَهو دابَّةٌ، وإنَّما هو مِن ”دَبَّتْ عَلى الأرْضِ، فَهي دابَّةٌ“، والمَعْنى: ”نَفْسٌ دابَّةٌ“، ومَعْنى ”وَكَأيِّنْ“: ”وَكَمْ مِن دابَّةٍ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿لا تَحْمِلُ رِزْقَها﴾، أيْ: لا تَدَّخِرُ رِزْقَها، إنَّما تُصْبِحُ فَيَرْزُقُها اللَّهُ، وعَلى هَذا أكْثَرُ الحَيَوانِ والدَّبِيبِ، ولَيْسَ في الحَيَوانِ الَّذِي هو دَبِيبٌ ما يَدَّخِرُ فِيما تَبَيَّنَ غَيْرُ النَّمْلِ، فَإنَّ ادِّخارَهُ بَيِّنٌ.
العنكبوت 29:64
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهي الحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾، مَعْناهُ: هي دارُ الحَياةِ الدّائِمَةِ.
العنكبوت 29:65
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإذا رَكِبُوا في الفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، أيْ: لَمْ يَدْعُوا أنْ تُنْجِيَهم أصْنامُهُمْ، وما يَعْبُدُونَهُ مَعَ اللَّهِ، ﴿فَلَمّا نَجّاهم إلى البَرِّ إذا هم يُشْرِكُونَ﴾، أيْ: يَعْبُدُونَ مَعَ اللَّهِ غَيْرَهُ.
العنكبوت 29:66
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾، (p-١٧٤)قُرِئَ بِكَسْرِ اللّامِ، وتَسْكِينِها، والكَسْرُ أجْوَدُ، عَلى مَعْنى: ”لِكَيْ يَكْفُرُوا، وكَيْ يَتَمَتَّعُوا“ .
العنكبوت 29:69
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهم سُبُلَنا﴾، أعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ يَزِيدُ المُجاهِدِينَ هِدايَةً، كَما أنَّهُ يُضِلُّ الفاسِقِينَ، ويَزِيدُ الكافِرِينَ بِكُفْرِهِمْ ضَلالَةً، كَذَلِكَ يَزِيدُ المُجاهِدِينَ هِدايَةً، كَذا قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، فالمَعْنى أنَّهُ آتاهم ثَوابَ تَقْواهُمْ، وزادَهم هُدًى عَلى هِدايَتِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ اللَّهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ﴾، تَأْوِيلُهُ: إنَّ اللَّهَ ناصِرُهُمْ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾، اَللَّهُ مَعَهُمْ، يَدُلُّ عَلى نَصْرِهِمْ، والنُّصْرَةُ تَكُونُ في عُلُوِّهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ بِالغَلَبَةِ بِالحُجَّةِ، والغَلَبَةِ بِالقَهْرِ، والقُدْرَةِ.
الروم 30:1
(p-١٧٥)سُورَةُ اَلرُّومِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الم﴾ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]، قَدْ شَرَحْنا ما جاءَ في ”الـم“، وقُرِئَتْ: ”غُلِبَتْ“، بِضَمِّ الغَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”غَلَبَتْ“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، والمَعْنى عَلى ”غُلِبَتْ“، وهي إجْماعُ القُرّاءِ، وذَلِكَ أنَّ فارِسَ كانَتْ قَدْ غَلَبَتِ الرُّومَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، والرُّومُ مَغْلُوبَةٌ، فالقِراءَةُ ”غُلِبَتْ“ .
الروم 30:3
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي أدْنى الأرْضِ﴾، قِيلَ: في أطْرافِ الشّامِ، وتَأْوِيلُهُ: ”أدْنى الأرْضِ مِن أرْضِ العَرَبِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، هَذِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ أنْبَأ بِما سَيَكُونُ، وهَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، وكانَ المُشْرِكُونَ سُرُّوا بِأنْ غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: إنَّكم أيُّها المُسْلِمُونَ تَزْعُمُونَ بِأنَّكم تُنْصَرُونَ بِأنَّكم أهْلُ كِتابٍ، فَقَدْ غَلَبَتْ فارِسُ الرُّومَ، وفارِسُ لَيْسَتْ أهْلَ كِتابٍ، والرُّومُ أهْلُ كِتابٍ، فَكَذَلِكَ سَنَغْلِبُكم نَحْنُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الرُّومَ سَيَغْلِبُونَ في بِضْعِ سِنِينَ، وسَيُسَرُّ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَراهَنَ المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ وبايَعُوهم عَلى صِحَّةِ هَذا الخَبَرِ، و”اَلْبِضْعُ“: ما بَيْنَ الثَّلاثِ إلى التِّسْعِ، فَلَمّا مَضى بَعْضُ البِضْعِ (p-١٧٦)طالَبَ المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ وقالُوا: قَدْ غَلَبْناكُمْ، لِأنَّهُ قَدْ مَضَتْ بِضْعُ سِنِينَ، ولَمْ تَغْلِبِ الرُّومُ فارِسَ، واحْتَجَّ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِأنَّ البِضْعَ لَمْ يَكْمُلْ، وزادُوهُمْ، وأخَّرُوهم إلى تَمامِ البِضْعِ، فَغَلَبَتِ الرُّومُ فارِسَ، وقَمَرَ المُسْلِمُونَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ القِمارُ، وفَرِحَ المُسْلِمُونَ، وخَزِيَ الكافِرُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]، اَلْقِراءَةُ الضَّمُّ، وعَلَيْهِ أهْلُ العَرَبِيَّةِ، والقُرّاءُ كُلُّهم مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ، فَأمّا النَّحْوِيُّونَ فَيُجِيزُونَ ”مِن قَبْلٍ ومِن بَعْدٍ“، بِالتَّنْوِينِ، وبَعْضُهم يُجِيزُ: ”مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ“، بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، وهَذا خَطَأٌ، لِأنَّ ”قَبْلُ“، و”بَعْدُ“، هَهُنا، أصْلُهُما الخَفْضُ، ولَكِنْ بُنِيَتا عَلى الضَّمِّ لِأنَّهُما غايَتانِ، ومَعْنى ”غايَةٌ“، أنَّ الكَلِمَةَ حُذِفَتْ مِنها الإضافَةُ، وجُعِلَتْ غايَةُ الكَلِمَةِ ما بَقِيَ بَعْدَ الحَذْفِ، وإنَّما بُنِيَتا عَلى الضَّمِّ لِأنَّ إعْرابَهُما في الإضافَةِ النَّصْبُ، والخَفْضُ، تَقُولُ: ”رَأيْتُهُ قَبْلَكَ، ومِن قَبْلِكَ“، ولا يُرْفَعانِ، لِأنَّهُما لا يُحَدَّثُ عَنْهُما، لِأنَّهُما اسْتُعْمِلَتا ظَرْفَيْنِ، فَلَمّا عُدِلا عَنْ بابِهِما حُرِّكا بِغَيْرِ الحَرَكَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كانَتا تَدْخُلانِ عَلَيْهِما بِحَقِّ الإعْرابِ، فَأمّا وُجُوبُ ذَهابِ إعْرابِهِما، وبِناؤُهُما، فَلِأنَّهُما عُرِّفا مِن غَيْرِ جِهَةِ التَّعْرِيفِ، لِأنَّهُ حُذِفَ مِنهُما ما أُضِيفَتا إلَيْهِ، والمَعْنى: ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلِ أنْ يُغْلَبَ الرُّومُ، ومِن بَعْدِ ما غُلِبَتْ“، وأمّا الخَفْضُ والتَّنْوِينُ فَعَلى مَن جَعَلَهُما نَكِرَتَيْنِ، المَعْنى: ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن تَقَدُّمٍ وتَأخُّرٍ“، والَضَّمُّ أجْوَدُ، فَأمّا الكَسْرُ بِلا تَنْوِينٍ، فَذَكَرَ الفَرّاءَ أنَّهُ تَرَكَهُ عَلى ما كانَ يَكُونُ عَلَيْهِ في الإضافَةِ، ولَمْ يُنَوِّنْ، واحْتَجَّ بِقَوْلِ الأوَّلِ: (p-١٧٧)بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ
وَبِقَوْلِهِ:
إلّا غُلالَةَ أوْ بَداهَةَ قارِحٍ نَهْدٍ الجُرارَةْ
وَلَيْسَ هَذا كَذَلِكَ، لِأنَّ مَعْنى ”بَيْنَ ذِراعَيْ وجَبْهَةِ الأسَدِ“، بَيْنَ ذِراعَيْهِ، وجَبْهَتِهِ، فَقَدْ ذُكِرَ أحَدُ المُضافَيْنِ إلَيْهِما، وذَلِكَ لَوْ كانَ ”لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلِ ومِن بَعْدِ كَذا“، لَجازَ وكانَ المَعْنى: ”مِن قَبْلِ كَذا ومِن بَعْدِ كَذا“، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مِمّا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ، ولا قالَهُ أحَدٌ مِنَ النَّحْوِيِّينَ المُتَقَدِّمِينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾، ”اَلْغَلَبُ“، و”اَلطَّلَبُ“، مَصْدَرانِ، تَقُولُ: ”غَلَبْتُ غَلَبًا“، و”طَلَبْتُ طَلَبًا“، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ في الأصْلِ: ”مِن بَعْدِ غَلَبَتِهِمْ“، وذَكَرَ أنَّ الإضافَةَ لَمّا وقَعَتْ حُذِفَتْ هاءُ الغَلَبَةِ، وهَذا خَطَأٌ، ”اَلْغَلَبَةُ“، و”اَلْغَلَبُ“، مَصْدَرُ ”غَلَبْتُ“، مِثْلَ ”اَلْجَلَبُ“، و”اَلْجَلَبَةُ“ .
الروم 30:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾، اَلْقِراءَةُ النَّصْبُ في ”وَعْدَ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، ويَجُوزُ ”اَلنَّصْبُ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالرَّفْعِ، فالنَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَهم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ٣]، هو وعْدٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ”وَعْدَ اللَّهِ“، بِمَنزِلَةِ: ”وَعَدَ اللَّهُ وعْدًا“، (p-١٧٨)وَمَن قالَ: ”وَعْدُ اللَّهِ“، كانَ عَلى مَعْنى: ”ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ“، كَما قالَ: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
الروم 30:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾، هَذا في مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ، المَعْنى: ”يَعْلَمُونَ مِن مَعايِشِ الحَياةِ الدُّنْيا“، لِأنَّهم كانُوا يُعالِجُونَ التِّجاراتِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمّا نَفى، أنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما الَّذِي يَجْهَلُونَ، ومِقْدارَ ما يَعْلَمُونَ، فَقالَ: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ﴾، ”هم“، اَلْأُولى مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، و”هم“، اَلثّانِيَةُ ابْتِداءٌ ثانٍ، و”غافِلُونَ“، خَبَرُ ”هم“، اَلثّانِيَةِ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ خَبَرُ ”هم“، اَلْأُولى، والفائِدَةُ في الكَلامِ، أوْ ذِكْرِ ”هم“، ثانِيَةً، وإنْ كانَتِ ابْتِداءً، تُجْرى مُجْرى التَّوْكِيدِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ هو عالِمٌ“، فَهو أوْكَدُ مِن قَوْلِكَ: ”زَيْدٌ عالِمٌ“، ويَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ”هم“، بَدَلًا مِن ”هم“، اَلْأُولى، مُؤَكِّدَةً أيْضًا، كَما تَقُولُ: ”رَأيْتُهُ إيّاهُ“ .
الروم 30:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ﴾، مَعْناهُ: ”أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فَيَعْلَمُوا؟!“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومَعْنى ”بِالحَقِّ“، هَهُنا: ”إلّا لِلْحَقِّ“، أيْ: لِإقامَةِ الحَقِّ، ﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾، أيْ: ”لِإقامَةِ الحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى“، وهو الوَقْتُ الَّذِي تُوَفّى فِيهِ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾، (p-١٧٩)أيْ: ”لَكافِرُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ“، تَقَدَّمَتِ الباءُ لِأنَّها مُتَّصِلَةٌ بِـ ”كافِرُونَ“، وما اتَّصَلَ بِخَبَرِ ”إنَّ“، جازَ أنْ يُقَدَّمَ قَبْلَ اللّامِ، ولا يَجُوزُ أنْ تَدْخُلَ اللّامُ بَعْدَ مُضِيِّ الخَبَرِ، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”إنَّ زَيْدًا كافِرٌ لَبِاللَّهِ“، لِأنَّ اللّامَ حَقُّها أنْ تَدْخُلَ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرِ، أوْ بَيْنَ الِابْتِداءِ، والخَبَرِ، لِأنَّها تُؤَكِّدُ الجُمْلَةَ، فَلا تَأْتِي تَوْكِيدًا، وقَدْ مَضَتِ الجُمْلَةُ، ولا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في أنَّ اللّامَ لا تَدْخُلُ بِغَيْرِ الخَبَرِ.
الروم 30:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأثارُوا الأرْضَ وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ أُهْلِكُوا مِنَ الأُمَمِ الخالِيَةِ كانُوا أكْثَرَ حَرْثًا، وعِمارَةً، مِن أهْلِ مَكَّةَ، لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ لَمْ يَكُونُوا أصْحابَ حَرْثٍ.
الروم 30:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوأى أنْ كَذَّبُوا﴾، اَلْقِراءَةُ بِنَصْبِ ”عاقِبَةَ“، ورَفْعِها، فَمَن نَصَبَ جَعَلَ ”اَلسُّوءى“، اِسْمَ ”كانَ“، ومَن رَفَعَ ”عاقِبَةُ“، جَعَلَ ”اَلسُّوءى“، خَبَرًا لِـ ”كانَ“، والتَّفْسِيرُ في قَوْلِهِ: ”أساؤُوا“، هَهُنا، أنَّهم أشْرَكُوا، و”اَلسُّوءى“: اَلنّارُ، وإنَّما كانَ ”أساؤُوا“، هَهُنا يَدُلُّ عَلى الشِّرْكِ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨]، فَإساءَتُهم هَهُنا كُفْرُهُمْ، وجَزاءُ الكُفْرِ النّارُ، ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ ”أساؤُوا“، هَهُنا: اَلْكُفْرُ: ﴿أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وكانُوا بِها يَسْتَهْزِئُونَ﴾، فالمَعْنى: ”ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الكافِرِينَ النّارُ لِتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ، واسْتِهْزائِهِمْ“ .
الروم 30:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُبْلِسُ المُجْرِمُونَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم في القِيامَةِ يَنْقَطِعُونَ في الحُجَّةِ انْقِطاعَ يَئِسِينَ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ، و”اَلْمُبْلِسُ“: اَلسّاكِتُ المُنْقَطِعُ في حُجَّتِهِ، اليائِسُ مِن أنْ يَهْتَدِيَ إلَيْها، تَقُولُ: ”ناظَرْتُ فُلانًا فَأبْلَسَ“، أيْ: اِنْقَطَعَ، وأمْسَكَ، ويَئِسَ مِن أنْ يَحْتَجَّ.
الروم 30:14
(p-١٨٠)وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ افْتِراقٌ لا اجْتِماعَ بَعْدَهُ، وفِيما بَعْدَهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ التَّفَرُّقَ هو لِلْمُسْلِمِينَ، والكافِرِينَ، فَقالَ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ .
الروم 30:15
ثُمَّ بَيَّنَ عَلى أيِّ حالٍ يَتَفَرَّقُونَ، فَقالَ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهم في رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”يُحْبَرُونَ“: سَماعُ الغِناءِ في الجَنَّةِ، و”اَلْحَبْرَةُ“، في اللُّغَةِ: كُلُّ نِعْمَةٍ حَسَنَةٍ، فَهي ”حَبْرَةٌ“، و”اَلتَّحْبِيرُ“: اَلتَّحْسِينُ، و”اَلْحَبْرُ“: اَلْعالِمُ أيْضًا، هو مِن هَذا، المَعْنى أنَّهُ مُتَخَلِّقٌ بِأحْسَنِ أخْلاقِ المُؤْمِنِينَ، و”اَلْحِبْرُ“: اَلْمِدادُ، إنَّما سُمِّيَ لِأنَّهُ يُحَسَّنُ بِهِ.
الروم 30:16
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ فَأُولَئِكَ في العَذابِ مُحْضَرُونَ﴾، أيْ: ”حالُ المُؤْمِنِينَ السَّماعُ في الجَنَّةِ، والشُّغُلُ بِغايَةِ النِّعْمَةِ، وحالُ الكافِرِينَ العَذابُ الألِيمُ، هم حاضِرُوهُ أبَدًا، غَيْرَ مُخَفَّفٍ عَنْهم“ .
الروم 30:17
ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ هَذا ما تُدْرَكُ بِهِ الجَنَّةُ، ويُتَباعَدُ بِهِ عَنِ النّارِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨]، جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ الصَّلَواتِ خَمْسٌ هَذِهِ الآيَةُ، ”فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ“، فَـ ”حِينَ تُمْسُونَ“: صَلاةُ المَغْرِبِ وعِشاءُ الآخِرَةِ، و”حِينَ تُصْبِحُونَ“: صَلاةُ الغَداةِ، و”عَشِيًّا“: صَلاةُ العَصْرِ، و”حِينَ تُظْهِرُونَ“: صَلاةُ الظُّهْرِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: (p-١٨١)﴿وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]، إنَّها الصَّلاةُ الخامِسَةُ، فَيَكُونُ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ”حِينَ تُمْسُونَ“، لِصَلاةٍ واحِدَةٍ، ومَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، هَذا لا اخْتِلافَ فِيهِ.
الروم 30:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُخْرِجُ النُّطْفَةَ - وهي المَيِّتُ - مِنَ الحَيِّ، مِنَ الإنْسانِ، ”وَيُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ“: يُخْرِجُ الإنْسانَ مِنَ النُّطْفَةِ، ﴿وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾، أيْ: يَجْعَلُها تُنْبِتُ، وإحْياءُ الأرْضِ إخْراجُ النَّباتِ مِنها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أيْ: وكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ مِن قُبُورِكم مَبْعُوثِينَ، ومَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ بِـ ”تُخْرَجُونَ“، والمَعْنى أنَّ بَعَثَكم عَلَيْهِ كَخَلْقِكُمْ، أيْ: هُما في قُدْرَتِهِ مُتَساوِيانِ.
الروم 30:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ﴾، أيْ: مِنَ العَلاماتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ، لا مَثِيلَ لَهُ، ظُهُورُ القُدْرَةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ، ومَعْنى ”خَلَقَكم مِن تُرابٍ“، أيْ: ”خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ“، ﴿ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، أيْ: آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ.
الروم 30:21
(p-١٨٢)﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْها﴾، خَلَقَ حَوّاءَ مِن ضِلْعٍ مِن أضْلاعِ آدَمَ، وجُعِلَ بَيْنَ المَرْأةِ والزَّوْجِ المَوَدَّةُ والرَّحْمَةُ مِن قِبَلِ اللَّهِ، وأنَّ الفَرْكَ، وهو البُغْضُ، مِن قِبَلِ الشَّيْطانِ، يُقالُ: ”فَرِكَتِ المَرْأةُ زَوْجَها، تَفْرِكُهُ، فِرْكًا“، إذا أبْغَضَتْهُ.
الروم 30:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن آياتِهِ يُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا﴾، ”خَوْفًا وطَمَعًا“، مَنصُوبانِ عَلى المَفْعُولِ لَهُ، المَعْنى: ”يُرِيكُمُ البَرْقَ لِلْخَوْفِ، والطَّمَعِ“، وهو خَوْفٌ لِلْمُسافِرِ، وطَمَعٌ لِلْحاضِرِ، المَعْنى: ”وَمِن آياتِهِ آيَةٌ يُرِيكم بِها البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا“، هَذا أجْوَدُ في العَطْفِ، لِأنَّهُ قالَ: ﴿وَمِن آياتِهِ خَلْقُ﴾ [الروم: ٢٢]، فَنَسَقَ بِاسْمٍ عَلى اسْمٍ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ:
؎وَما الدَّهْرُ إلّا تارَتانِ فَمِنهُما ∗∗∗ أمُوتُ وأُخْرى أبْتَغِي العَيْشَ أكْدَحُ
اَلْمَعْنى: ”فَمِنهُما تارَةٌ أُمُوتُها“، أيْ: ”أمُوتُ فِيها“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”وَيُرِيكُمُ البَرْقَ خَوْفًا وطَمَعًا مِن آياتِهِ“، فَيَكُونَ عَطْفًا بِجُمْلَةٍ عَلى جُمْلَةٍ.
الروم 30:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ تَقُومَ السَّماءُ والأرْضُ بِأمْرِهِ﴾، أيْ: تَقُومُ السَّماءُ بِغَيْرِ عَمَدٍ، وكَذَلِكَ الأرْضُ قائِمَةٌ بِأمْرِهِ، والسَّماءُ مُحِيطَةٌ بِها.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ إذا دَعاكم دَعْوَةً مِنَ الأرْضِ﴾، أيْ: لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ.
الروم 30:26
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾، (p-١٨٣)مَعْناهُ: مُطِيعُونَ، والمَعْنى: ”وَهَذا مِن آياتِهِ“، ولَمْ يَذْكُرْ ”وَمِن آياتِهِ“، لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ مَرّاتٍ، ومَعْنى ”قانِتُونَ“: مُطِيعُونَ طاعَةً لا يَجُوزُ أنْ تَقَعَ مَعَها مَعْصِيَةٌ، لِأنَّ ”اَلْقُنُوتُ“: اَلْقِيامُ بِالطّاعَةِ، ومَعْنى الطّاعَةِ، هَهُنا، أنَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ في خَلْقِهِمْ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم مَخْلُوقُونَ بِإرادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى تَغْيِيرِ الخِلْقَةِ، ولا يَقْدِرُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، فَآثارُ الصَّنْعَةِ والخِلْقَةِ تَدُلُّ عَلى الطّاعَةِ، لَيْسَ يَعْنِي طاعَةَ العِبادِ، إنَّما هي طاعَةُ الإرادَةِ والمَشِيئَةِ.
الروم 30:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، فِيهِ غَيْرُ قَوْلٍ، فَمِنها أنَّ الهاءَ تَعُودُ عَلى الخَلْقِ، فالمَعْنى: ”اَلْإعادَةُ والبَعْثُ أهْوَنُ عَلى الإنْسانِ مِن إنْشائِهِ“، لِأنَّهُ يُقاسِي في النَّشْءِ ما لا يُقاسِيهِ في الإعادَةِ والبَعْثِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ مَعْناهُ: ”وَهو هَيِّنٌ عَلَيْهِ“، وإنَّ ”أهْوَنُ“، هَهُنا، لَيْسَ مَعْناهُ أنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ عَلَيْهِ مِنَ الِابْتِداءِ، لِأنَّ الإعادَةَ والِابْتِداءَ كُلٌّ سَهْلٌ عَلَيْهِ، ومِن ذَلِكَ مِنَ الشِّعْرِ:
؎لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وإنِّي لِأوْجَلُ ∗∗∗ عَلى أيِّنا تَغْدُو المَنِيَّةُ أوَّلُ
فَمَعْنى ”لَأوْجَلُ“: ”لَوَجِلٌ“، وقالُوا: ”اَللَّهُ أكْبَرُ“، أيْ: ”اَللَّهُ كَبِيرٌ“، وهو غَيْرُ مُنْكَرٍ، وأحْسَنُ مِن هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ خاطَبَ العِبادَ بِما يَعْقِلُونَ، فَأعْلَمَهم أنَّهُ يَجِبُ عِنْدَهم أنْ يَكُونَ البَعْثُ أسْهَلَ وأهْوَنَ مِنَ الِابْتِداءِ (p-١٨٤)والإنْشاءِ، وجَعَلَهُ مَثَلًا لَهُمْ، فَقالَ: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، قَدْ ضَرَبَهُ لَكم مَثَلًا فِيما يَصْعُبُ ويَسْهُلُ.
الروم 30:28
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾، هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِمَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا مِن خَلْقِهِ، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ مَمْلُوكَ الإنْسانِ لَيْسَ بِشَرِيكِهِ في مالِهِ، وزَوْجَتِهِ، وأنَّهُ لا يَخافُ مِن مَمْلُوكِهِ أنْ يَرِثَهُ، فَقالَ: " ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم أنْ جَعَلْتُمْ ما هو مِلْكٌ لِلَّهِ مِن خَلْقِهِ مِثْلَ اللَّهِ، وأنْتُمْ كُلُّكم بَشَرٌ، لَيْسَ مَمالِيكُكم بِمَنزِلَتِكم في أمْوالِكُمْ، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أجْدَرُ ألّا يَكُونَ يُعْدَلُ بِهِ خَلْقُهُ، ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ.
الروم 30:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾، ”اَلْحَنِيفُ“: اَلَّذِي يَمِيلُ إلى الشَّيْءِ، فَلا يَرْجِعُ عَنْهُ، كالحَنَفِ في الرِّجْلِ، وهو مَيْلُها إلى خارِجِها خِلْقَةً، لا يَمْلِكُ الأحْنَفُ أنْ يَرُدَّ حَنَفَهُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾، ”فِطْرَةَ اللَّهِ“، مَنصُوبٌ بِمَعْنى: ”اِتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ“، لِأنَّ مَعْنى ”فَأقِمْ وجْهَكَ“: ”اِتَّبِعِ الدِّينَ القَيِّمَ اتَّبِعْ فِطْرَةَ اللَّهِ“، ومَعْنى ”فِطْرَةَ اللَّهِ“: ”خِلْقَةَ اللَّهِ الَّتِي خَلَقَ عَلَيْها البَشَرَ“، وقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «”كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ (p-١٨٥)حَتّى يَكُونَ أبَواهُ يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانِهِ ويُمَجِّسانِهِ“»، مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَطَرَ الخَلْقَ عَلى الإيمانِ، عَلى ما جاءَ في الحَدِيثِ أنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَناؤُهُ - أخْرَجَ مِن صُلْبِآدَمَ ذُرِّيَّتَهُ كالذَّرِّ، وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهُ خالِقُهُمْ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فَكُلُّ مَوْلُودٍ فَهو مِن تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ الَّتِي شَهِدَتْ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُها، فَمَعْنى ”فِطْرَةَ اللَّهِ“: ”دِينَ اللَّهِ الَّذِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، أكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: ”لا تَبْدِيلَ لِدِينِ اللَّهِ“، وما بَعْدَهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: لا يَعْلَمُونَ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ.
الروم 30:31
وَقَوْلُهُ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾، ”مُنِيبِينَ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾ [الروم: ٣٠]، زَعَمَ جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ مَعْنى هَذا: ”فَأقِيمُوا وُجُوهَكم مُنِيبِينَ إلَيْهِ“، لِأنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ يَدْخُلُ مَعَهُ فِيها الأُمَّةُ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، وقَوْلُهُ: ”مُنِيبِينَ“، مَعْناهُ: راجِعِينَ إلَيْهِ، إلى كُلِّ ما أمَرَ بِهِ، ولا يَخْرُجُونَ عَنْ شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الطَّرِيقَةَ المُسْتَقِيمَةَ في دِينِ الإسْلامِ هو اتِّباعُ الفِطْرَةِ، والتَّقْوى مَعَ الإسْلامِ، وأداءُ الفَرائِضِ، وأنَّهُ لا يَنْفَعُ ذَلِكَ إلّا بِالإخْلاصِ في التَّوْحِيدِ، فَقالَ: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الروم: ٣٢]، (p-١٨٦)وَقُرِئَتْ: ”فارَقُوا دِينَهم“، ﴿وَكانُوا شِيَعًا﴾ [الروم: ٣٢]، فِرَقًا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالِاجْتِماعِ، والأُلْفَةِ، ولُزُومِ الجَماعَةِ، والسُّنَّةِ في الهِدايَةِ، والضَّلالَةُ هي الفُرْقَةُ.
الروم 30:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، أيْ: كُلُّ حِزْبٍ مِن هَذِهِ الجَماعَةِ، الَّذِينَ فارَقُوا دِينَهُمْ، فَرِحٌ، يَظُنُّ أنَّهُ هو المُهْتَدِي.
الروم 30:33
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم إذا مَسَّهم ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهم مُنِيبِينَ إلَيْهِ، أيْ: لا يَلْجَؤُونَ في شَدائِدِهِمْ إلى مَن عَبَدُوهُ مَعَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، إنَّما يَرْجِعُونَ في دُعائِهِمْ إلَيْهِ وحْدَهُ، ﴿ثُمَّ إذا أذاقَهم مِنهُ رَحْمَةً إذا فَرِيقٌ مِنهم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾، أيْ: إذا أذاقَهم رَحْمَةً بِأنْ يُخَلِّصَهم مِن تِلْكَ الشِّدَّةِ الَّتِي دَعَوْا فِيها اللَّهَ وحْدَهُ، مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى شِرْكِهِمْ.
الروم 30:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهم فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، مَعْنى ”فَتَمَتَّعُوا“: خِطابٌ بَعْدَ الإخْبارِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ”لِيَكْفُرُوا“، كانَ خَبَرًا عَنْ غائِبٍ، فَكانَ المَعْنى: ”فَتَمَتَّعُوا أيُّها الفاعِلُونَ لِهَذا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ“، ولَيْسَ هَذا بِأمْرٍ لازِمٍ، أمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ، وهو أمْرٌ عَلى جِهَةِ الوَعِيدِ والتَّهَدُّدِ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في كَلامِ النّاسِ، تَقُولُ: ”إنْ أسْمَعْتَنِي مَكْرُوهًا فَعَلْتُ بِكَ وصَنَعْتُ“، ثُمَّ تَقُولُ: ”اِفْعَلْ بِي كَذا وكَذا فَإنَّكَ سَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ“، فَلَيْسَ إذا لَمْ يُسْمِعْكَ كانَ عاصِيًا لَكَ، فَهَذا دَلِيلٌ أنَّهُ لَيْسَ بِأمْرٍ لازِمٍ، وكَذَلِكَ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، (p-١٨٧)وَكَذَلِكَ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، لَمْ يُخَيَّرُوا بَيْنَ الإيمانِ، والكُفْرِ، ولَكِنَّهُ جَرى عَلى خِطابِ العِبادِ، وحِوارِ العَرَبِ، الَّذِي تَسْتَعْمِلُهُ في المُبالَغَةِ في الوَعِيدِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩] ؟ فَهَذا مِمّا يُؤَكِّدُ أمْرَ الوَعِيدِ.
الروم 30:38
وَقَوْلُهُ: ﴿فَآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾، جَعَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لِذِي القُرْبى حَقًّا، وكَذَلِكَ لِلْمَساكِينِ، و”اِبْنُ السَّبِيلِ“: اَلضَّيْفُ، فَجَعَلَ الضِّيافَةَ لازِمَةً، فَأمّا القَراباتُ فالمَوارِيثُ قَدْ بَيَّنَتْ ما يَجِبُ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهُمْ، وفَرائِضُ المَوارِيثِ كَأنَّها قَدْ نَسَخَتْ هَذا، أعْنِي أمْرَ حَقِّ القَرابَةِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ لِلْقَرابَةِ حَقٌّ لازِمٌ في البِرِّ.
الروم 30:39
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، يَعْنِي بِهِ دَفْعَ الإنْسانِ الشَّيْءَ لِيُعَوِّضَ ما هو أكْثَرُ مِنهُ، فَذَلِكَ في أكْثَرِ التَّفْسِيرِ لَيْسَ بِحَرامٍ، ولَكِنَّهُ لا ثَوابَ لِمَن زادَ عَلى ما أخَذَ، والرِّبا رِبَوانِ، والحَرامُ كُلُّ قَرْضٍ يُؤْخَذُ بِهِ أكْثَرُ مِنهُ، أوْ يَجُرُّ مَنفَعَةً، فَهَذا حَرامٌ، والَّذِي لَيْسَ بِحَرامٍ هو الَّذِي يَهَبُهُ الإنْسانُ، يَسْتَدْعِي بِهِ ما هو أكْثَرُ مِنهُ، أوْ يُهْدِي الهَدِيَّةَ يَسْتَدْعِي بِها ما هو أكْثَرُ مِنها.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْتُمْ مِن زَكاةٍ تُرِيدُونَ وجْهَ اللَّهِ﴾، (p-١٨٨)أيْ: وما أعْطَيْتُمْ مِن صَدَقَةٍ لا تَطْلُبُونَ بِها المُكافَأةَ، وإنَّما يَقْصِدُونَ بِها ما عِنْدَ اللَّهِ، ”فَأُولَئِكَ هُمُ المُضْعَفُونَ“، أيْ: فَأهْلُها هُمُ المُضْعَفُونَ، أيْ: هُمُ الَّذِينَ يُضاعَفُ لَهُمُ الثَّوابُ، يُعْطَوْنَ بِالحَسَنَةِ عَشَرَةَ أمْثالِها، ويُضاعِفُ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ، وقِيلَ: ﴿المُضْعِفُونَ﴾، كَما يُقالُ: ”رَجُلٌ مَقْوٍ“، أيْ: صاحِبُ قُوَّةٍ، و”مُوسِرٌ“، أيْ: صاحِبُ يَسارٍ، وكَذَلِكَ ”مُضْعِفٌ“، أيْ: ذُو أضْعافٍ مِنَ الحَسَناتِ.
الروم 30:41
وَقَوْلُهُ تَعالى: ”ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا“، ويُقْرَأُ بِالياءِ أيْضًا: ﴿لِيُذِيقَهُمْ﴾، أيْ: لِيُذِيقَهم ثَوابَ بَعْضِ أعْمالِهِمْ، ومَعْناهُ: ظَهَرَ الجَدْبُ في البَرِّ، والقَحْطُ في البَحْرِ، أيْ: في مُدُنِ البَحْرِ، أيْ: في المُدُنِ الَّتِي عَلى الأنْهارِ، وكُلُّ ذِي ماءٍ فَهو بَحْرٌ.
الروم 30:43
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ القَيِّمِ مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾، مَعْنى ”فَأقِمْ وجْهَكَ“: أقِمْ قَصْدَكَ، واجْعَلْ جِهَتَكَ اتِّباعَ الدِّينِ القَيِّمِ، مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَ السّاعَةُ وتَقُومَ القِيامَةُ، فَلا يَنْفَعَ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا، ومَعْنى: ”يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ“: يَتَفَرَّقُونَ، فَيَصِيرُونَ فَرِيقًا في الجَنَّةِ، وفَرِيقًا في السَّعِيرِ.
الروم 30:44
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، أيْ: لِأنْفُسِهِمْ يُوَطِّئُونَ.
(p-١٨٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ [الروم: ٥١]، أيْ: فَرَأوُا النَّبْتَ قَدِ اصْفَرَّ وجَفَّ، ﴿لَظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم: ٥١]، ومَعْناهُ: ”لِيَظَلُّنَّ“، لِأنَّ مَعْنى الكَلامِ الشَّرْطُ والجَزاءُ، فَهم يَسْتَبْشِرُونَ بِالغَيْثِ، ويَكْفُرُونَ إذا انْقَطَعَ عَنْهُمُ الغَيْثُ وجَفَّ النَّباتُ.
الروم 30:48
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾، أيْ: قِطَعًا مِنَ السَّحابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِن خِلالِهِ﴾، أيْ: فَتَرى المَطَرَ يَخْرُجُ مِن خَلَلِ السَّحابِ، فَأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُنْشِئُ السَّحابَ، ويُحْيِي الأرْضَ، ويُرْسِلُ الرِّياحَ، وذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلى القُدْرَةِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ، وأنَّهُ قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى.
الروم 30:49
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ أنْ يُنَـزَّلَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمُ المَطَرُ“، ويُقْرَأُ: ”أنْ يَنْزِلَ“، ومَعْنى ”مُبْلِسِينَ“: مُنْقَطِعِينَ انْقِطاعَ آيِسِينَ، فَأمّا تَكْرِيرُ قَوْلِهِ: ”مِن قَبْلِ“، فَفِيهِ وجْهانِ، قالَ قُطْرُبٌ: إنَّ ”قَبْلِ“، اَلْأُولى لِلتَّنْزِيلِ، و”قَبْلِ“، اَلثّانِيَةَ لِلْمَطَرِ، وقالَ الأخْفَشُ، وغَيْرُهُ مِنَ البَصْرِيِّينَ: تَكْرِيرُ ”قَبْلِ“، عَلى جِهَةِ التَّوْكِيدِ، والمَعْنى: ”وَإنْ كانُوا مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ المَطَرِ لَمُبْلِسِينَ“، والقَوْلُ كَما قالُوا، لِأنَّ تَنْزِيلَ المَطَرِ بِمَعْنى المَطَرِ، لِأنَّ المَطَرَ لا يَكُونُ إلّا بِتَنْزِيلٍ، كَما أنَّ الرِّياحَ لا تُعْرَفُ إلّا بِمُرُورِها، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٩٠)
؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ
فَمَعْنى ”مَرُّ الرِّياحِ“، كَقَوْلِكَ ”تَسَفَّهَتْ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ“ .
الروم 30:50
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”أثَرِ رَحْمَةِ اللَّهِ“، يَعْنِي آثارَ المَطَرِ الَّذِي هو رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها، وإحْياؤُها أنْ جَعَلَها تُنْبِتُ، فَكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى، فَقالَ: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى﴾، ”ذَلِكَ“، إشارَةٌ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -.
الروم 30:52
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتى ولا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إذا ولَّوْا مُدْبِرِينَ﴾، هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكُفّارِ، كَما قالَ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، فَجَعَلَهم في تَرْكِهِمُ العَمَلَ بِما يَسْمَعُونَ، ووَعْيِ ما يُبْصِرُونَ، بِمَنزِلَةِ المَوْتى، لِأنَّ ما بَيَّنَ مِن قُدْرَتِهِ، وصَنْعَتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِها المَخْلُوقُونَ، دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ.
الروم 30:53
وَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُسْمِعُ إلا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾، أيْ: ما يَسْمَعُ إلّا مَن يُؤْمِنُ بِآياتِنا، وجَعَلَ الإسْماعَ هَهُنا إسْماعًا إذا قُبِلَ، وعُمِلَ بِما سُمِعَ، وإذا لَمْ يُقْبَلْ بِمَنزِلَةِ ما لَمْ يُسْمَعْ ولَمْ يُبْصَرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْتَ بِهادِ العُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، (p-١٩١)اَلْقِراءَةُ بِالجَرِّ في ”اَلْعُمْيِ“، والنَّصْبُ جائِزٌ، ”بِهادٍ العُمْيَ عَنْ ضَلالَتِهِمْ“، فالقِراءَةُ بِالجَرِّ، فَأمّا النَّصْبُ فَإنْ كانَتْ فِيها رِوايَةٌ، وإلّا فَلَيْسَتِ القِراءَةُ بِها جائِزَةً، لِأنَّ كُلَّ ما يُقْرَأُ بِهِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ رِوايَةٌ لِقُرّاءِ الأمْصارِ المُتَقَدِّمِينَ، فالقِراءَةُ بِهِ بِدْعَةٌ، وإنْ جازَ في العَرَبِيَّةِ، والعَمَلُ في القِراءَةِ كُلِّها عَلى اتِّباعِ السُّنَّةِ.
الروم 30:54
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ خَلَقَكم مِنَ النُّطَفِ في حالِ ضَعْفٍ، ثُمَّ قَوّاكم في حالِ الشَّبِيبَةِ، ثُمَّ جَعَلَ بَعْدَ الشَّبِيبَةِ ضَعْفًا وشَيْبَةً، ورُوِيَ في الحَدِيثِ «أنَّ ابْنَ عُمَرَ قالَ: قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِن ضَعْفٍ﴾، قالَ: فَأقْرَأنِي: ”مِن ضُعْفٍ“، وقَرَأ عَطِيَّةُ عَلى ابْنِ عُمَرَ: ”مِن ضَعْفٍ“، فَأقْرَأهُ: ”مِن ضُعْفٍ“، وقالَ لَهُ: ”قَرَأْتُها عَلى النَّبِيِّ ﷺ:“ مِن ضَعْفٍ ”»، فَأقْرَأنِي:“ مِن ضُعْفٍ ”، فالَّذِي رَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ:“ مِن ضُعْفٍ "، بِالضَّمِّ، وقَدْ قُرِئَتْ بِفَتْحِ الضّادِ، والِاخْتِيارُ الضَّمُّ، لِلرِّوايَةِ.
الروم 30:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾، يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، و”اَلسّاعَةُ“، في القُرْآنِ، عَلى مَعْنى السّاعَةِ الَّتِي تَقُومُ فِيها القِيامَةُ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ ذِكْرَ أنْ يُعَرِّفَ أيُّ ساعَةٍ هِيَ، ﴿يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾، يَحْلِفُ المُجْرِمُونَ، ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾، أيْ: ما لَبِثُوا في قُبُورِهِمْ إلّا ساعَةً واحِدَةً، ﴿كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾، (p-١٩٢)أيْ: مِثْلَ هَذا الكَذِبِ كَذِبُهُمْ، لِأنَّهم أقْسَمُوا عَلى غَيْرِ تَحْقِيقٍ.
الروم 30:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ﴾، أيْ: في عِلْمِ اللَّهِ المُثْبَتِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الروم 30:60
وَقَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أيْ: إنَّ ما وعَدَكَ اللَّهُ مِنَ النَّصْرِ عَلى عَدُوِّكَ حَقٌّ، وإظْهارَ دِينِ الإسْلامِ حَقٌّ، ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾، أيْ: ”لا يَسْتَفِزَّنَّكَ عَنْ دِينَكِ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ“، أيْ: هم ضُلّالٌ شاكُّونَ.
لقمان 31:1
(p-١٩٣)سُورَةُ لُقْمانَ
مَكِّيَّةٌ ما خَلا ثَلاثَ آياتٍ مِنها مَدَنِيَّةٌ: قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ﴾ [لقمان: ٢٧]، إلى تَمامِ الثَّلاثِ الآياتِ
﷽
﴿الم﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى ”الـم“: ”أنا اللَّهُ أعْلَمُ“، وقَدْ فَسَّرْنا في سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، جَمِيعَ ما قِيلَ في ”الـم“، وما أشْبَهَها.
لقمان 31:2
وَقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾، مَعْناهُ: ”هَذِهِ الآياتُ تِلْكَ الآياتُ الَّتِي وُعِدْتُمْ بِها في التَّوْراةِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: ”هَذِهِ آياتُ الكِتابِ“، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ هَذا مِن سُورَةِ ”اَلْبَقَرَةِ“، أيْضًا.
لقمان 31:3
وَقَوْلُهُ: ﴿هُدًى ورَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”تِلْكَ آياتُ الكِتابِ في حالِ الهِدايَةِ والرَّحْمَةِ“ .
لقمان 31:6
(p-١٩٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”لِيَضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ“، فَأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”لَهْوُ الحَدِيثِ“، هَهُنا: اَلْغِناءُ، لِأنَّهُ يُلْهِي عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ حَرَّمَ بَيْعَ المُغَنِّيَةِ، وقَدْ قِيلَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ إنَّ ”لَهْوُ الحَدِيثِ“، هَهُنا: اَلشِّرْكُ، فَمَن قَرَأ: ”لِيُضِلَّ“، بِضَمِّ الياءِ، فَمَعْناهُ: لِيُضِلَّ غَيْرَهُ، فَإذا أضَلَّ غَيْرَهُ فَقَدْ ضَلَّ هو أيْضًا، ومَن قَرَأ: ”لِيَضِلَّ“، فَمَعْناهُ: لِيَصِيرَ أمْرُهُ إلى الضَّلالِ، فَكَأنَّهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَقْدِرُ أنَّهُ يُضِلُّ، فَسَيَصِيرُ أمْرُهُ إلى أنْ يَضِلَّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾، أيْ: يَتَّخِذَ آياتِ اللَّهِ هُزُوًا، وقَدْ جَرى ذِكْرُ الآياتِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [لقمان: ٢]، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُوًا﴾ يَتَّخِذَ سَبِيلَ اللَّهِ هُزُوًا.
لقمان 31:10
وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾، وصَفَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خَلْقَهُ الَّذِي يَعْجِزُ المَخْلُوقُونَ عَنْ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ، أوْ يَقْدِرُوا عَلى نَوْعٍ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] .
وَقَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: إنَّها بِعَمَدٍ لا تَرَوْنَها، أيْ: لا تَرَوْنَ تِلْكَ العَمَدِ، وقِيلَ: خَلَقَها بِغَيْرِ عَمَدٍ، وكَذَلِكَ تَرَوْنَها.
(p-١٩٥)والمَعْنى في التَّفْسِيرِ يَؤُولُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ويَكُونُ تَأْوِيلُ ”بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها“، اَلَّذِي فُسِّرَ: بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها، يَكُونُ مَعْنى العَمَدِ قُدْرَتَهُ - عَزَّ وجَلَّ - الَّتِي يُمْسِكُ بِها السَّماواتِ والأرْضَ، ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾، ”رَواسِي“: جِبالٌ ثَوابِتُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ [النبإ: ٧]، فَمَعْنى ”أنْ تَمِيدَ بِكم“: ”كَراهَةَ أنْ تَمِيدَ بِكم“، ومَعْنى ”تَمِيدَ“: تَتَحَرَّكَ حَرَكَةً شَدِيدَةً.
لقمان 31:12
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾، مَعْناهُ: ”لِأنْ تَشْكُرَ لِلَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“، مُفَسِّرَةً، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أيْ: اُشْكُرْ لِلَّهِ - تَبارَكَ وتَعالى -، وتَأْوِيلُ“ أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ”:“ قُلْنا لَهُ: اُشْكُرْ لِلَّهِ عَلى ما آتاكَ ”، وقَدِ اخْتُلِفَ في التَّفْسِيرِ في“ لُقْمانَ ”، فَقِيلَ: كانَ نَبِيًّا، وقِيلَ: كانَ حَكِيمًا، وقِيلَ: كانَ رَجُلًا صالِحًا، وقِيلَ: كانَ حَبَشِيًّا غَلِيظَ المَشافِرِ، مُشَقَّقَ الرِّجْلَيْنِ، ولَكِنَّ اللَّهَ آتاهُ الحِكْمَةَ، فَلَسْنا نَشُكُّ أنَّهُ كانَ حَكِيمًا، لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾، وقِيلَ: كانَ نَجّارًا، وقِيلَ: كانَ خَيّاطًا، وقِيلَ: كانَ راعِيًا، ورُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ إنْسانًا وقَفَ عَلَيْهِ، وهو في مَجْلِسِهِ، فَقالَ لَهُ: ألَسْتَ الَّذِي كُنْتَ تَرْعى مَعِي في مَوْضِعِ كَذا وكَذا؟ قالَ:“ بَلى ”، قالَ: فَما بَلَغَ بِكَ ما أرى؟ فَقالَ:“ صِدْقُ الحَدِيثِ، والصَّمْتُ عَمّا لا يَعْنِينِي " .
لقمان 31:13
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وهو يَعِظُهُ﴾، (p-١٩٦)مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢]، أيْ: ”وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ إذْ قالَ...“، لِأنَّ هَذِهِ المَوْعِظَةَ حِكْمَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، يَعْنِي أنَّ اللَّهَ هو المُحْيِي المُمِيتُ، الرّازِقُ المُنْعِمُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، فَإذا أُشْرِكَ بِهِ أحَدٌ غَيْرُهُ، فَذَلِكَ أعْظَمُ الظُّلْمِ، لِأنَّهُ جَعَلَ النِعْمَةَ لِغَيْرِ رَبِّها، وأصْلُ ”اَلظُّلْمُ“، في اللُّغَةِ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
لقمان 31:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ وفِصالُهُ في عامَيْنِ أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”وَهْنًا عَلى وهْنٍ“: ”ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ“، أيْ: لَزِمَها لِحَمْلِها إيّاهُ أنْ ضَعُفَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ بِـ ”وَصَّيْنا“، اَلْمَعْنى: ”وَصَّيْنا الإنْسانَ أنِ اشْكُرْهُ لِي ولِوالِدَيْكَ“، أيْ: ”وَصَّيْناهُ بِشُكْرِنا وبِشُكْرِ والِدَيْهِ“ .
لقمان 31:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾، يُرْوى أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ ذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ أسْلَمَ، فَحَلَفَتْ أُمُّهُ ألّا تَأْكُلَ طَعامًا، ولا تَشْرَبَ شَرابًا حَتّى يَرْتَدَّ إلى الكُفْرِ، فَمَكَثَتْ ثَلاثًا لا تَطْعَمُ، ولا تَشْرَبُ، حَتّى شَجَرُوا فاها - أيْ: فَتَحُوهُ - بِعُودٍ، حَتّى أكَلَتْ وشَرِبَتْ، ويُرْوى أنَّهُ قالَ: ”لَوْ كانَتْ لَها سَبْعُونَ نَفْسًا فَخَرَجَتْ لَما ارْتَدَدْتُ عَنِ الإسْلامِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾، (p-١٩٧)يُقالُ: ”صاحَبْتُهُ، مُصاحَبًا، ومُصاحَبَةً“، ومَعْنى ”اَلْمَعْرُوفُ“: ما يُسْتَحْسَنُ مِنَ الأفْعالِ، ﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾، أيْ: اِتَّبِعْ سَبِيلَ مَن رَجَعَ إلَيَّ.
لقمان 31:16
وَقَوْلُهُ: ﴿يا بُنَيَّ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾، وتُقْرَأُ: ”مِثْقالُ حَبَّةٍ“، اَلْآيَةُ، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾، أيْ: ”لَطِيفٌ في اسْتِخْراجِها، خَبِيرٌ بِمَكانِها“، ويُقالُ: ”في صَخْرَةٍ“، أيْ: في الصَّخْرَةِ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ، ويُرْوى أنَّ ابْنَ لُقْمانَ سَألَ لُقْمانَ، فَقالَ: أرَأيْتَ الحَبَّةَ تَكُونَ في مَقْلِ البَحْرِ - أيْ: في مَغاصِ البَحْرِ - أيَعْلَمُها اللَّهُ؟! يُقالُ: ”مَقَلَ، يَمْقُلُ“، إذا غاصَ، فَأعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَعْلَمُ الحَبَّةَ حَيْثُ كانَتْ، وفي أخْفى المَواضِعِ، لِأنَّ الحَبَّةَ في الصَّخْرَةِ أخْفى مِنَ الماءِ، ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّها حَيْثُ كانَتْ يَعْلَمُها بِلُطْفِهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وخِبْرَتِهِ، وهَذا مَثَلٌ لِأعْمالِ العِبادِ، أنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِأعْمالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨]، فَأمّا رَفْعُ ”مِثْقالُ“، مَعَ تَأْنِيثِ ”تَكُ“، فَلِأنَّ ”مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ“، راجِعٌ إلى مَعْنى ”خَرْدَلَةٌ“، فَهو بِمَنزِلَةِ ”إنْ تَكُ حَبَّةً مِن خَرْدَلٍ“، ومَن قَرَأ: ”إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ“، بِالنَّصْبِ، فَعَلى مَعْنى: ”إنَّ الَّتِي سَألْتَنِي عَنْها إنْ تَكُ (p-١٩٨)مِثْقالَ حَبَّةٍ“، وعَلى مَعْنى: ”إنَّ فَعْلَةَ الإنْسانِ وإنْ صَغُرَتْ يَأْتِ اللَّهُ بِها، ويَجُوزُ:“ إنَّها إنْ تَكْ - بِالتّاءِ - مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ”، عَلى مَعْنى:“ إنَّ القِصَّةَ كَما تَقُولُ: إنَّها هِنْدٌ قائِمَةٌ ”، ولَوْ قُلْتَ:“ إنَّها زَيْدٌ قائِمٌ ”، لَجازَ، إلّا أنَّ النَّحْوِيِّينَ يَخْتارُونَ ذَلِكَ مَعَ المُذَكِّرِ، ويُجِيزُونَ مَعَ المُؤَنَّثِ التَّأْنِيثَ، والتَّذْكِيرَ، يَقُولُونَ:“ إنَّهُ هِنْدٌ قائِمَةٌ ”، و“ إنَّها أمَةُ اللَّهِ قائِمَةٌ ”، فَيُجِيزُونَ الوَجْهَيْنِ، فَأمّا“ إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ ”، عِنْدَ مَن لا يُجِيزُ“ إنَّها زَيْدٌ قائِمٌ ”، فَيَجُوزُ عِنْدَهُ هَذا، لِأنَّ مَعْناهُ التَّأْنِيثُ بِرَدِّ“ ما "، إلى الحَبَّةِ مِنَ الخَرْدَلِ.
لقمان 31:18
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾، ويَقْرَأُ: ”تُصاعِرْ“، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ: ”وَلا تُصْعِرْ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَإذا لَمْ تُرْوَ فَلا تَقْرَأُ بِها، ومَعْناهُ: ”لا تُعْرِضْ عَنِ النّاسِ تَكَبُّرًا“، يُقالُ: ”أصابَ البَعِيرَ صَعَرٌ وصَيَدٌ“، إذا أصابَهُ داءٌ فَلَوى مِنهُ عُنُقَهُ، فَيُقالُ لِلْمُتَكَبِّرِ: ”فِيهِ صَعَرٌ“، و”فِيهِ صَيَدٌ“، فَأمّا ”تُصَعِّرْ“، فَعَلى وجْهِ المُبالَغَةِ، و”تُصاعِرْ“، جاءَ عَلى مَعْنى ”تُفاعِلْ“، كَأنَّكَ تُعارِضُهم بِوَجْهِكَ، ومَعْنى ”تُصْعِرْ“: ”تُلْزِمْ خَدَّكَ الصَّعَرَ“، لِأنَّهُ لا داءَ بِالإنْسانِ أدْوَأُ مِنَ الكِبْرِ، والمَعْنى في الثَّلاثَةِ هَذا المَعْنى، إلّا أنَّ ”تُصَعِّرْ“، و”تُصاعِرْ“، أبْلَغُ مِن ”تُصْعِرْ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾، أيْ: لا تَمْشِ مُتَبَخْتِرًا مُخْتالًا.
لقمان 31:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾، (p-١٩٩)مَعْنى ”اُغْضُضْ“: اُنْقُصْ، ومِن ذَلِكَ ”غَضَضْتُ بَصَرِي“، و”فُلانٌ يَغُضُّ بَصَرَهُ مِن فُلانٍ“، أيْ: يَتَنَقَّصُهُ، ومَعْنى: ”أنْكَرَ الأصْواتِ“: أقْبَحَ الأصْواتِ، يُقالُ: ”أتانا فُلانٌ بِوَجْهٍ مُنْكَرِ الخِلْقَةِ“، أيْ: قَبِيحٍ.
لقمان 31:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، تَسْخِيرُ ما في السَّماواتِ: اَلشَّمْسُ والقَمَرُ، والنُّجُومُ، ومَعْنى تَسْخِيرِها لِلْآدَمِيِّينَ الِانْتِفاعُ بِها في بُلُوغِ مَنابِتِهِمْ، والِاهْتِداءُ بِالنُّجُومِ في مَسالِكِهِمْ، وتَسْخِيرُ ما في الأرْضِ تَسْخِيرُ بِحارِها، وأنْهارِها، ودَوابِّها، وجَمِيعِ مَنافِعِها، ”وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعْمَةً ظاهِرَةً وباطِنَةً“، ويُقْرَأُ: ”نِعَمَهُ“، عَلى الجَمْعِ، فَمَن قَرَأ: ”نِعْمَةً“، فَعَلى مَعْنى ما أعْطاهم مِن تَوْحِيدِهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَن قَرَأ: ”نِعَمَهُ“، فَعَلى جَمِيعِ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ.
لقمان 31:22
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾، أيْ: مَن أسْلَمَ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِقَوْلِ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وهي العُرْوَةُ الوُثْقى.
لقمان 31:27
وَقَوْلُهُ تَعالى: ”وَلَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرَ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ“، ويُقْرَأُ: ”والبَحْرُ“، بِالرَّفْعِ.
(p-٢٠٠)فَأمّا النُّصْبُ فَعَطْفٌ عَلى ”ما“، والمَعْنى: ”وَلَوْ أنَّ ما في الأرْضِ، ولَوْ أنَّ البَحْرَ“، والرَّفْعُ حَسَنٌ، عَلى وجْهَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”والبَحْرُ هَذِهِ حالُهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى مَوْضِعِ ”أنَّ“، مَعَ ما بَعْدَها، لِأنَّ مَعْنى ”لَوْ أنَّ ما في الأرْضِ“: ”لَوْ وقَعَ ما في الأرْضِ“، لِأنَّ ”لَوْ“، تَطْلُبُ الأفْعالَ، فَإذا جاءَتْ مَعَها ”أنَّ“، لَمْ تُذْكَرْ مَعَها الأفْعالُ، لِأنَّهُ تُذْكَرُ مَعَها الأسْماءُ، والأفْعالُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾، مَعْناهُ: ”ما انْقَطَعَتْ“، ويُرْوى أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا في القُرْآنِ: إنَّ هَذا كَلامٌ سَيَنْفَدُ، وسَيُقْطَعُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ كَلِماتِهِ وحِكْمَتَهُ لا تَنْفَدُ.
لقمان 31:28
وَقَوْلُهُ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾، تَأْوِيلُهُ: ”إلّا كَخَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وكَبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ“، أيْ: قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى بَعْثِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، وعَلى خَلْقِ الخَلْقِ أجْمَعِينَ، كَقُدْرَتِهِ عَلى خَلْقِ نَفْسٍ واحِدَةٍ، وبَعْثِ نَفْسٍ واحِدَةٍ.
لقمان 31:29
وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾، مَعْناهُ: يُدْخِلُ اللَّيْلَ في النَّهارِ، لَيْلَ الصَّيْفِ في نَهارِهِ، ﴿وَيُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾، يُدْخِلُ نَهارَ الشِّتاءِ في لَيْلِهِ.
لقمان 31:31
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ الفُلْكَ تَجْرِي في البَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”بِنِعِماتِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ: ”بِنَعْماتِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ: ”بِنِعَماتِ اللَّهِ“، (p-٢٠١)بِفَتْحِ العَيْنِ، فَفِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، إذا جُمِعَتْ، وأكْثَرُ القِراءَةِ: ”بِنِعْمَةِ اللَّهِ“، عَلى الواحِدَةِ، وأمّا الكَسْرُ فَعَلى مَذْهَبِ مَن جَمَعَ ”كِسْرَةٌ“، عَلى ”كِسِراتٍ“، ومَن أسْكَنَ - وهو أجْوَدُ أوْجُهِهِ - فَعَلى مَن جَمَعَ ”كِسْراتٌ“، لِأنَّ ”كِسْراتٌ“، يَقِلُّ مِثْلُهُ في كَلامِ العَرَبِ، إنَّما جاءَ في أُصُولِ الأبْنِيَةِ ما تَوالَتْ فِيهِ كَسْرَتانِ، نَحْوَ ”إبِلٌ“، و”إطِلٌ“، فَقَطْ، ومَن قَرَأ: ”بِنِعَماتِ اللَّهِ“، فَلِأنَّ الفَتْحَ أخَفُّ الحَرَكاتِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَمّا رَأوْنا بادِيًا رُكَباتُنا ∗∗∗ عَلى مَوْطِنٍ لا نَخْلِطُ الجِدَّ بِالهَزْلِ
والأكْثَرُ: ”رُكَباتٌ“، و”رُكْباتٌ“، أجْوَدُ، لِثِقَلِ الضَّمَّةِ، ولَكِنَّهُ أكْثَرُ في الكَلامِ مِن ”نِعِماتٌ“، و”كِسِراتٌ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾، رَوى قَتادَةُ أنَّ أحَبَّ العِبادِ إلى اللَّهِ مَن إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا ابْتُلِيَ صَبَرَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ المُعْتَبِرَ المُتَفَكِّرَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ هو الصَّبّارُ الشَّكُورُ.
لقمان 31:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا غَشِيَهم مَوْجٌ كالظُّلَلِ﴾، قالَ في المَوْجِ: ”كالظُّلَلِ“، لِأنَّ مَوْجَ البَحْرِ يَعْظُمُ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ ظُلَلٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿خَتّارٍ كَفُورٍ﴾، ”اَلْخَتْرُ“: أقْبَحُ الغَدْرِ.
لقمان 31:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا﴾، (p-٢٠٢)جازَ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ ياءٍ، والأصْلُ ”جازِيٌ“، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ أنَّ الِاخْتِيارَ في الوَقْفِ هو ”جازٍ“، بِغَيْرِ ياءِ، والأصْلُ ”جازِيٌ“، بِضَمَّةٍ وتَنْوِينٍ، فَثَقُلَتِ الضَّمَّةُ في الياءِ، فَحُذِفَتْ وسُكِّنَتِ الياءُ، والتَّنْوِينُ، فَحُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ في الوَقْفِ بِياءٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ قَدْ سَقَطَ، ولَكِنَّ الفُصَحاءَ مِنَ العَرَبِ وقَفُوا بِغَيْرِ ياءٍ، لِيُعْلِمُوا أنَّ هَذِهِ الياءَ تَسْقُطُ في الوَصْلِ، وزَعَمَ يُونُسُ أنَّ بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يَقِفُ بِياءٍ، ولَكِنَّ الِاخْتِيارَ اتِّباعُ المُصْحَفِ، والوَقْفُ بِغَيْرِ ياءٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾، ”اَلْغَرُورُ“: اَلشَّيْطانُ.
لقمان 31:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويُنَـزِّلُ الغَيْثَ ويَعْلَمُ ما في الأرْحامِ وما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الخَمْسَ مَفاتِحُ الغَيْبِ الَّتِي قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيها: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فَمَنِ ادَّعى أنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِن هَذِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ، لِأنَّهُ قَدْ خالَفَهُ.
السجدة 32:1
(p-٢٠٣)سُورَةُ اَلسَّجْدَةِ
مَكِّيَّةٌ
إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها مَدَنِيَّةٌ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨]، إلى تَمامِ الثَّلاثِ الآياتِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [السجدة: ٢]، رَوى أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، بِإسْنادٍ لَهُ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ في كُلِّ لَيْلَةٍ سُورَةَ ”اَلسَّجْدَةِ“، ”الـم تَنْزِيلُ“، وسُورَةَ ”تَبارَكَ“، ”اَلْمُلْكِ“»، ورَوى كَعْبُ الأحْبارِ أنَّهُ قالَ: «”مَن قَرَأ سُورَةَ“ اَلسَّجْدَةِ ”، كُتِبَتْ لَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً، وحُطَّتْ عَنْهُ سَبْعُونَ سَيِّئَةً، ورُفِعَتْ لَهُ سَبْعُونَ دَرَجَةً“».
وَقَوْلُهُ: ﴿الم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ﴾ [السجدة: ٢]، قَدْ شَرَحْنا ما قِيلَ في ”الـم“، ورُفِعَ ”تَنْزِيلُ“، عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، عَلى إضْمارِ ”اَلَّذِي نَتْلُو تَنْزِيلُ الكِتابِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في المَعْنى خَبَرًا عَنْ ”الـم“، أيْ: ”الـم مِن تَنْزِيلِ الكِتابِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُ الِابْتِداءِ ”لا رَيْبَ فِيهِ“ .
السجدة 32:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾، مَعْناهُ: ”بَلْ أيَقُولُونَ افْتَراهُ؟“ .
(p-٢٠٤)وَقَوْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾، ومِثْلُهُ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، و”ما“، في جَمِيعِ المَوْضِعَيْنِ نَفْيٌ، أيْ: لَمْ يُشاهِدُوا هم ولا آباؤُهم نَبِيًّا، فَأمّا الإنْذارُ بِما تَقَدَّمَ مِن رُسُلِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ - فَعَلى آبائِهِمْ بِهِ الحُجَّةُ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يُعَذِّبُ إلّا مَن كَفَرَ بِالرُّسُلِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥]
السجدة 32:5
قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾، أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الأمْرُ إلَيْهِ في يَوْمٍ، وذَلِكَ اليَوْمُ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، ومَعْنى ”يَعْرُجُ“: يَنْزِلُ، ويَصْعَدُ، يُقالُ: ”عَرَجْتُ في السُّلَّمِ، أعْرُجُ“، ويُقالُ: ”عَرِجَ، يَعْرُجُ، إذا صارَ أعْرَجَ“ .
السجدة 32:7
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، وقَدْ قُرِئَ: ”خَلْقَهُ“، بِتَحْرِيكِ اللّامِ، وتَسْكِينِها، جَمِيعًا، ويَجُوزُ: ”خَلْقُهُ“، بِالرَّفْعِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَأمّا ”خَلَقَهُ“، فَعَلى الفِعْلِ الماضِي، وتَأْوِيلُ الإحْسانِ في هَذا أنَّهُ خَلَقَهُ عَلى إرادَتِهِ، فَخَلَقَ الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وخَلَقَ القِرْدَ عَلى ما أحَبَّ - عَزَّ وجَلَّ -، وخَلْقُهُ إيّاهُ عَلى ذَلِكَ مِن أبْلَغِ الحِكْمَةِ، ومَن قَرَأ: ”خَلْقَهُ“، بِتَسْكِينِ اللّامِ، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما المَصْدَرُ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ”أحْسَنَ“، والمَعْنى: ”اَلَّذِي خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى البَدَلِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”اَلَّذِي أحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ خَلْقَهُ“، والرَّفْعُ عَلى إضْمارِ: ”ذَلِكَ خَلْقُهُ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾، (p-٢٠٥)يَعْنِي آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ، فَآدَمُ خُلِقَ مِن طِينٍ.
السجدة 32:8
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾، ومَعْنى ”مَهِينٍ“: ضَعِيفٍ، ومَعْنى ”اَلسُّلالَةُ“، في اللُّغَةِ: ما يَنْسَلُّ مِنَ الشَّيْءِ القَلِيلِ، وكَذَلِكَ ”اَلْفُعالَةُ“، نَحْوَ: ”اَلْفُضالَةُ“، و”اَلنُّخامَةُ“، و”اَلْقُوارَةُ“ .
السجدة 32:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”أنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، ويُقْرَأُ: ”إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، ومَوْضِعُ ”إذا“، نَصْبٌ، فَمَن قَرَأ: ”أئِنّا“، فَعَلى مَعْنى: ”أنُبْعَثُ إذا ضَلَلْنا في الأرْضِ؟!“، ويَكُونُ يَدُلُّ عَلَيْهِ: ”إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، ومَن قَرَأ: ”إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، فَـ ”إذا“، مَنصُوبَةٌ بِـ ”ضَلَلْنا“، ويَكُونُ بِمَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، ولا يَضُرُّ، ألّا يَذْكُرَ الفاءَ، لِأنَّ ”إذا“، قَدْ ولِيَها الفِعْلُ الماضِي، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ ”إذا“، بِما بَعْدَ ”إنَّ“، لا خِلافَ بَيْنِ النَّحْوِيِّينَ في ذَلِكَ، ومَعْنى ”إذا ضَلَلْنا“: ”إذا مِتْنا فَصِرْنا تُرابًا وعِظامًا، فَضَلَلْنا في الأرْضِ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ شَيْءٌ مِن خَلْقِنا“، ويُقْرَأُ: ”صَلَلْنا“، بِالصّادِ، ومَعْناهُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ”أنْتَنّا، وتَغَيَّرْنا، وتَغَيَّرَتْ صُوَرُنا“، يُقالُ: ”صَلَّ اللَّحْمُ“، و”أصَلَّ“، إذا أنْتَنَ، وتَغَيَّرَ، والضَّرْبُ الثّانِي: ”صَلَلْنا“: صِرْنا مِن جِنْسِ الصَّلَّةِ، وهي الأرْضُ اليابِسَةُ.
السجدة 32:11
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾، مِن تَوْفِيَةِ العَدَدِ، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَقْبِضُ أرْواحَكم أجْمَعِينَ، فَلا يَنْقُصُ واحِدٌ مِنكُمْ، كَما تَقُولُ: ”قَدِ اسْتَوْفَيْتُ مِن فُلانٍ“، و”تَوَفَّيْتُ مِن فُلانٍ مالِي عِنْدَهُ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ.
السجدة 32:12
(p-٢٠٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، هَذا مَتْرُوكُ الجَوابِ، وخِطابُ النَّبِيِّ ﷺ خِطابُ الخَلْقِ، الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، فَهو بِمَنزِلَةِ ”وَلَوْ تَرَوْنَ“، فالجَوابُ: ”لَرَأيْتُمْ ما يُعْتَبَرُ بِهِ غايَةَ الِاعْتِبارِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾، فِيهِ إضْمارٌ ”يَقُولُونَ رَبَّنا أبْصَرْنا“ .
السجدة 32:13
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾، تَأْوِيلُهُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى﴾ [الأنعام: ٣٥]، ومِثْلُهُ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾، قالَ قَتادَةُ بِذُنُوبِهِمْ، وهَذا حَسَنٌ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قالَ: ﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور: ١٦]
السجدة 32:14
وَقَوْلُهُ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكُمْ﴾، تَأْوِيلُ النِّسْيانِ هَهُنا: اَلتَّرْكُ، المَعْنى: " فَذُوقُوا بِما تَرَكْتُمْ عَمَلَ لِقاءِ يَوْمِكم هَذا، فَتَرَكْناكم مِنَ الرَّحْمَةِ.
السجدة 32:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا﴾، (p-٢٠٧)مَعْنى ”تَتَجافى“: تَرْتَفِعُ وتُفارِقُ المَضاجِعَ، ومَعْنى ”خَوْفًا وطَمَعًا“: خَوْفًا مِن عَذابِ اللَّهِ، وطَمَعًا في رَحْمَةِ اللَّهِ، وانْتِصابُ ”خَوْفًا وطَمَعًا“، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، كَما تَقُولُ: ”فَعَلْتُ ذَلِكَ حِذارَ الشَّرِّ“، أيْ: لِحِذارِ الشَّرِّ، وحَقِيقَتُهُ أنَّهُ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، لِأنَّ ”يَدْعُونَ رَبَّهم“، في هَذا المَوْضِعِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يَخافُونَ عَذابَهُ، ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ، فَهو في تَأْوِيلِ ”يَخافُونَ خَوْفًا ويَطْمَعُونَ طَمَعًا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾، أيْ: يُنْفِقُونَ في طاعَةِ اللَّهِ، وقَدِ اخْتَلَفَ في تَفْسِيرِها، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كانُوا يُصَلُّونَ في اللَّيْلِ وقْتَ صَلاةِ العَتَمَةِ المَكْتُوبَةِ، لا يَنامُونَ عَنْها، وقِيلَ: اَلتَّطَوُّعُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ - صَلاةِ المَغْرِبِ والعِشاءِ الآخِرَةِ.
السجدة 32:17
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾، دَلِيلٌ عَلى أنَّها الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ، لِأنَّهُ عَمَلٌ يَسْتَسِرُّ الإنْسانُ بِهِ، فَجَعَلَ لَفْظَ ما يُجازى بِهِ ”أُخْفِيَ“، ويُقْرَأُ: ”بِإسْكانِ الياءِ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”ما أُخْفِي أنا لَهم“ - ”إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ“ -، وإذا قُرِئَتْ: ”أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةٍ أعْيُنٍ - بِفَتْحِ الياءِ - فَعَلى تَأْوِيلِ الفِعْلِ الماضِي، ويَكُونُ اسْمُ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ ما في“ أُخْفِيَ ”، مِن ذِكْرِ“ ما ”، وقَرَأ النّاسُ كُلُّهُمْ:“ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ ”، إلّا أبا هُرَيْرَةَ، فَإنَّهُ قَرَأ:“ مِن قُرّاتِ أعْيُنٍ ”، ورَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، (p-٢٠٨)“ ”جَزاءً“، أيْضًا، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، وقُرِئَتْ: ”فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفى لَهم“، أيْ: ”ما أخْفى اللَّهُ لَهم“ .
السجدة 32:18
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مَعِيطٍ، فالمُؤْمِنُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، والفاسِقُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مَعِيطٍ، فَشَهِدَ اللَّهُ لِعَلِيٍّ بِالإيمانِ، وأنَّهُ في الجَنَّةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى﴾ [السجدة: ١٩]، وقالَ: ”لا يَسْتَوُونَ“، ولَوْ كانَ قالَ: ”لا يَسْتَوِيانِ“، لَكانَ جائِزًا، ولَكِنَّ ”مَن“، لَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، وهي تَدُلُّ عَلى الواحِدِ، وعَلى الجَماعَةِ، فَجاءَ ”لا يَسْتَوُونَ“، عَلى مَعْنى ”لا يَسْتَوِي المُؤْمِنُونَ والكافِرُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لا يَسْتَوُونَ“، لِلِاثْنَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى الِاثْنَيْنِ جَماعَةٌ.
السجدة 32:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ﴾، ”اَلْأدْنى“، ما يُصِيبُهم في الدُّنْيا، وقَدِ اخْتُلِفَ في تَفْسِيرِها، فَقِيلَ: ما يُصِيبُهم مِنَ الجَدَبِ والخَوْفِ، ويَكُونُ دَلِيلُ هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، وقِيلَ: ”اَلْعَذابُ الأدْنى“، هَهُنا: اَلسِّباءُ والقَتْلُ، وجُمْلَتُهُ أنَّ كُلَّ ما يُعَذَّبُ بِهِ في الدُّنْيا فَهو العَذابُ الأدْنى، والعَذابُ الأكْبَرُ عَذابُ الآخِرَةِ.
السجدة 32:23
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ﴾، (p-٢٠٩)جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”لا تَكُنْ في شَكٍّ مِن لِقاءِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ في التَّفْسِيرِ قَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، فالمَعْنى:“ لا تَكُنْ يا مُحَمَّدُ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ”، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِمَنزِلَةِ الخِطابِ لَهُ ولِأُمَّتِهِ في هَذا المَوْضِعِ، أيْ: فَلا تَكُونُوا في شَكٍّ مِن لِقاءِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِمُوسى، وقِيلَ:“ فَلا تَكُنْ في مِرْيَةٍ مِن لِقائِهِ ”، أيْ:“ مِن لِقاءِ مُوسى الكِتابَ "، ويَكُونُ الهاءُ لِلْكِتابِ، ويَكُونُ في لِقائِهِ ذِكْرُ مُوسى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الهاءُ لِمُوسىَ، والكِتابُ مَحْذُوفٌ، لِأنَّ ذِكْرَ الكِتابِ قَدْ جَرى كَما جَرى ذِكْرُ مُوسى، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أشْبَهُ بِالتَّفْسِيرِ.
السجدة 32:24
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾، أكْثَرُ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ ”أئِمَّةً“، بِهَمْزَتَيْنِ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ وحْدَهُ يُجِيزُ اجْتِماعَ هَمْزَتَيْنِ، وسِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ - إلّا ابْنَ إسْحاقَ - يَقُولُونَ: ”أيِمَّةً“، بِهَمْزَةٍ وياءٍ، وإذا كانَ الهَمْزَتانِ في كَلِمَةٍ واحِدَةٍ لَمْ يُجِيزُوا إلّا إبْدالَ الثّانِيَةِ، في نَحْوِ ”أيِمَّةً“، و”آدَمَ“، ومَن قَرَأ: ”أئِمَّةً“، لَزِمَهُ أنْ يَقُولُ في ”آدَمَ“: ”أأْدَمَ“، لِأنَّهُ ”أفْعَلُ“، مِن ”اَلْأُدْمَةُ“، و”أئِمَّةً“، ”أفْعِلَةً“، ولا يَنْبَغِي أنْ تُقْرَأ إلّا ”أيِمَّةً“، لِأنَّ مَن حَقَّقَ الهَمْزَةَ فِيما يَجُوزُ فِيهِ تَخْفِيفُ الهَمْزِ، أجازَ التَّخْفِيفَ، فَكَذَلِكَ هو يُجِيزُ التَّخْفِيفَ في ”أيِمَّةً“، فَتَصِيرُ قِراءَةُ: ”أيِمَّةً“، إجْماعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾، و”لِما صَبَرُوا“، والقِراءَةُ بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، في ”لَمّا“، فالتَّخْفِيفُ مَعْناهُ: ”جَعَلْناهم أئِمَّةً لِصَبْرِهِمْ“، ومَن قَرَأ: ”لَمّا صَبَرُوا“، فالمَعْنى مَعْنى (p-٢١٠)حِكايَةِ المُجازاةِ، ”لَمّا صَبَرُوا جَعَلْناهم أئِمَّةً“، وأصْلُ الجَزاءِ في هَذا كَأنَّهُ قِيلَ: ”إنْ صَبَرْتُمْ جَعَلْناكم أئِمَّةً، فَلَمّا صَبَرُوا جُعِلُوا أئِمَّةً“ .
السجدة 32:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمْ أهْلَكْنا﴾، وقُرِئَتْ بِالنُّونِ: ”أوَلَمْ نَهْدِ لَهم“، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”كَمْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِـ ”يَهْدِ“، والمَعْنى عِنْدَهُ: ”أوَلَمْ نُبَيِّنْ لَهُمُ القُرُونَ الَّتِي أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ؟!“، وهَذا عِنْدَنا - أعْنِي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ -، لا يَجُوزُ، لِأنَّهُ يَعْمَلُ ما قَبْلَ ”كَمْ“، في ”كَمْ“، لا يَجُوزُ في قَوْلِكَ: ”كَمْ رَجُلٍ جاءَنِي“، وأنْتَ مُخْبِرٌ، أنْ تَقُولَ: ”جاءَنِي كَمْ رَجُلٍ“، لِأنَّ كَمْ لا تُزالُ عَنْ الِابْتِداءِ، ولِذَلِكَ جازَ أنْ يُفْصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ فِيهِ إذا نُصِبَتْ بِما في الخَبَرِ، والِاسْتِفْهامِ، تَقُولُ في الخَبَرِ: ”كَمْ بِجُودٍ مُقْرِفًا نالَ الغِنى“ .
(p-٢١١)فَفَصَلْتَ بَيْنَ ”كَمْ“، وبَيْنَ قَوْلِكَ: ”مُقْرِفًا“، بِقَوْلِكَ ”بِجُودٍ“، فَيَكُونُ الفَصْلُ فِيها بَيْنَ ”كَمْ“، وما عَمِلَتْ فِيهِ، عِوَضًا مِن تَصَرُّفِها، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ ”عِشْرُونَ عِنْدِي دِرْهَمًا“ ؟ ويَجُوزُ في الخَبَرِ ”كَمْ عِنْدِي دِرْهَمًا جَيِّدًا“، وحَقِيقَةُ هَذا أنَّ ”كَمْ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ ”أهْلَكْنا“، وفاعِلُ ”يَهْدِ“، ما دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى مِمّا سَلَفَ مِنَ الكَلامِ، ويَكُونُ ”كَمْ“، أيْضًا دَلِيلًا عَلى الفاعِلِ في ”يَهْدِي“، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”أوَلَمْ نَهْدِ“، بِالنُّونِ، أيْ: ”ألَمْ نُبَيِّنْ لَهُمْ؟!“، ويَجُوزُ أيْضًا عَلى ”يَهْدِ“، بِالياءِ، أنْ يَكُونَ الفِعْلُ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”أوَلَمْ نَهْدِ“ .
السجدة 32:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهُمْ﴾، يُقْرَأُ: ”اَلْجُرُزِ“، ويَجُوزُ: ”اَلْجَرَزِ“، و”اَلْجُرْزِ“، و”اَلْجَرْزِ“، كُلُّ ذَلِكَ قَدْ حُكِيَ في ”اَلْجُرُزِ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها أرْضُ اليَمَنِ، و”اَلْجُرُزُ“، عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ: اَلْأرْضُ الَّتِي لا تُنْبِتُ، وكانَ أصْلُها أنَّها تَأْكُلُ نَباتَها، يُقالُ: ”اِمْرَأةٌ جَرُوزٌ“، إذا كانَتْ أكُولًا، ويُقالُ: ”سَيْفٌ جُرازٌ“، إذا كانَ مُسْتَأْصِلًا، فَمَن قالَ: ”جُرْزٌ“، فَهو تَخْفِيفُ ”جُرُزٌ“، ومَن قالَ: ”جَرَزٌ وجَرْزٌ“، فَهُما لُغَتانِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”جَرْزٌ“، مَصْدَرًا وُصِفَ بِهِ، كَأنَّهُ أرْضٌ ذاتُ جَرْزٍ، أعْنِي بِإسْكانِ الرّاءِ، أيْ: ذاتُ أكْلٍ لِلنَّباتِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ [السجدة: ٢٦]، ويَجُوزُ في ”يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ“: ”تَمْشُونَ“ .
السجدة 32:28
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، (p-٢١٢)جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَكُونُ لَنا يَوْمٌ نَسْتَرِيحُ فِيهِ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: مَتى هَذا الفَتْحُ إنْ كُنْتُمْ صادَقِينَ؟! فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الرّاحَةَ في الجَنَّةِ، في الآخِرَةِ، وجاءَ أيْضًا في الفَتْحِ: ”مَتى هَذا الحُكْمُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟!“، و”مَتى هَذا الفَصْلُ؟!“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ يَوْمَ الفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إيمانُهُمْ، ولا هم يُنْظَرُونَ، أيْ أنَّهم ما دامُوا في الدُّنْيا فالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ لَهُمْ، ولا تَوْبَةَ في الآخِرَةِ.
السجدة 32:30
﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾، وقُرِئَتْ: ”فانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ“، و”مُنْتَظَرُونَ“ .
الأحزاب 33:1
(p-٢١٣)سُورَةُ اَلْأحْزابِ
مَدَنِيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، مَعْناهُ: اُثْبُتْ عَلى تَقْوى اللَّهِ، ودُمْ عَلَيْها.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، أيْ: ”كانَ عَلِيمًا بِما يَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ، حَكِيمًا فِيما يَخْلُقُهُ قَبْلَ خَلْقِهِ إيّاهُ“ .
الأحزاب 33:2
﴿واتَّبِعْ ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾، يَعْنِي بِهِ القُرْآنَ.
الأحزاب 33:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾، مَعْناهُ: ”وَكَفى اللَّهُ وكِيلًا“، دَخَلَتِ الباءُ بِمَعْنى الأمْرِ، وإنْ كانَ لَفْظُهُ لَفْظَ الخَبَرِ، المَعْنى: ”اِكْتَفِ بِاللَّهِ وكِيلًا“ .
الأحزاب 33:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾، «قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى، فَسَها كَما يَسْهُو الرِّجالُ في صَلاتِهِ، وخَطَرَتْ عَلى بالِهِ كَلِمَةٌ، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَ أصْحابِهِ،» وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَطَلٍ (p-٢١٤)كانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّيهِ ”ذا القَلْبَيْنِ“، ورُوِيَ أنَّهُ قالَ: إنَّ لِي قَلْبَيْنِ، أفْهَمُ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما أكْثَرَ مِمّا يَفْهَمُ مُحَمَّدٌ، فَأكْذَبَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾، ثُمَّ قَرَنَ بِهَذا الكَلامِ ما يَقُولُهُ المُشْرِكُونَ غَيْرُهُمْ، مِمّا لا حَقِيقَةَ لَهُ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”تَظّاهَرُونَ مِنهُنَّ“، فَمَن قَرَأ: ”تُظاهِرُونَ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَعَلى قَوْلِكَ: ”ظاهَرَ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ“، ومَن قَرَأ: ”تَظّاهَرُونَ“، بِالتَّشْدِيدِ، فَعَلى ”تَظاهَرَ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ“، ومَعْناهُ أنَّهُ قالَ لَها: ”أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الزَّوْجَةَ لا تَكُونُ أُمًّا، وكانَتِ الجاهِلِيَّةُ تُطَلِّقُ بِهَذا الكَلامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ كَفّارَةَ الظِّهارِ في سُورَةِ ”اَلْمُجادَلَةِ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾، أيْ: ما جَعَلَ مَن تَدْعُونَهُ ابْنًا، ولَيْسَ بِوَلَدٍ في الحَقِيقَةِ، ابْنًا، وكانُوا يَتَوارَثُونَ عَلى الهِجْرَةِ، ولا يَرِثُ الأعْرابِيُّ مِنَ المُهاجِرِ، وإنْ كانَ النَّسَبُ يُوجِبُ لَهُ الإرْثَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ أُولِي الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ، وأبْطَلَ الإرْثَ بِالهِجْرَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكم قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾، أيْ: اِدِّعاؤُكم نَسَبَ مَن لا حَقِيقَةَ لِنَسَبِهِ، قَوْلٌ بِالفَمِ، لا حَقِيقَةَ مَعْنًى تَحْتَهُ، ﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، أيْ: اَللَّهُ لا يَجْعَلُ الِابْنَ غَيْرَ الِابْنِ، وهو يَهْدِي السَّبِيلَ، أيْ: يَهْدِي (p-٢١٥)السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَةَ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ”فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ“ .
الأحزاب 33:5
وَقَوْلُهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ: هو أعْدَلُ، ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾، أيْ: فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا أنَّ المَدْعُوَّ ابْنُ فُلانٍ، فَهو أخُوكَ في الدِّينِ، إذا كانَ مُؤْمِنًا، أيْ: فَقُلْ: يا أخِي، ﴿وَمَوالِيكُمْ﴾، أيْ: بَنُو عَمِّكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”وَمَوالِيكم“، أيْ: أوْلِياؤُكم في الدِّينِ، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، في هَذا وجْهانِ، أحَدُهُما: ”وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ مِمّا قَدْ فَعَلْتُمُوهُ قَبْلَ أنْ تُنْهَوْا عَنْ هَذا، ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم“، أيْ: ولَكِنَّ الإثْمَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، و”ما“، في مَوْضِعِ جَرٍّ، عَطْفٌ عَلى ”ما“، اَلْأُولى، اَلْمَعْنى: ”وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ في الَّذِي أخْطَأْتُمْ بِهِ، ولَكِنْ في الَّذِي تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ:“ ولا جُناحَ عَلَيْكم في أنْ تَقُولُوا لَهُ: يا بُنَيَّ، عَلى غَيْرِ أنْ تَتَعَمَّدَ أنْ تُجْرِيَهُ مُجْرى الوَلَدِ في الإرْثِ.
الأحزاب 33:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، وفي بَعْضِ القِراءَةِ: ”اَلنَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم“، (p-٢١٦)وَلا يَجُوزُ أنْ تَقْرَأ بِها، لِأنَّها لَيْسَتْ في المُصْحَفِ المُجْمَعِ عَلَيْهِ، والنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبُو الأُمَّةِ في الحَقِيقَةِ، ومَعْنى ”﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾“: أيْ: لا تَحِلُّ زَوْجَةُ النَّبِيِّ ﷺ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، إذْ هي بِمَنزِلَةِ الأُمِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾، أيْ: ذُو الرَّحِمِ بِذِي رَحِمِهِ، أوْلى مِنَ المُهاجِرِ، إذا لَمْ يَكُنْ مِن ذَوِي رَحِمِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾، ”إلّا أنْ“، اِسْتِثْناءٌ لَيْسَتْ مِنَ الأوَّلِ، المَعْنى: ”لَكِنْ فِعْلُكم إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا جائِزٌ“، وهو أنْ يُوصِيَ الرَّجُلُ لِمَن يَتَوَلّاهُ بِما أحَبَّ مِن ثُلُثِهِ، إذا لَمْ يَكُنْ وارِثًا، لِأنَّهُ لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ الَّذِي فُرِضَ فِيهِ الفَرْضُ مَسْطُورًا، أيْ: مَكْتُوبًا.
الأحزاب 33:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”اُذْكُرْ إذْ أخَذْنا“، فَذَكَرَهُ ﷺ اللَّهُ في أخْذِ المِيثاقِ قَبْلَ نُوحٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”إنِّي خُلِقْتُ قَبْلَ الأنْبِياءِ، وبُعِثْتُ بَعْدَهم“، فَعَلى هَذا القَوْلِ لا تَقْدِيمَ في هَذا الكَلامِ، ولا تَأْخِيرَ، هو عَلى نَسَقِهِ، وأُخِذَ المِيثاقُ حَيْثُ أُخْرِجُوا مِن صُلْبِ آدَمَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ - كالذَّرِّ، ومَذْهَبُ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ الواوَ مَعْناها الِاجْتِماعُ، ولَيْسَ فِيها دَلِيلٌ (p-٢١٧)أنَّ المَذْكُورَ أوَّلًا لا يَسْتَقِيمُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ التَّأْخِيرُ، فالمَعْنى عَلى مَذْهَبِ أهْلِ اللُّغَةِ: ”وَمِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ومِنكَ“، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]
الأحزاب 33:8
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾، مَعْناهُ: ”لِيَسْألَ المُبَلِّغِينَ مِنَ الرُّسُلِ عَنْ صِدْقِهِمْ في تَبْلِيغِهِمْ“، وتَأْوِيلُ مَسْألَةِ الرُّسُلِ - واللَّهُ يَعْلَمُ أنَّهم صادِقُونَ - التَّبْكِيتُ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]، فَأجابَ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، ثُمَّ قالَ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧]، فَتَأْوِيلُهُ التَّبْكِيتُ لِلْمُكَذِّبِينَ، فَعَلى هَذا ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾، أيْ: لِلْكافِرِينَ بِالرُّسُلِ.
الأحزاب 33:9
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾، هَؤُلاءِ الجُنُودُ هُمُ الأحْزابُ، والجُنُودُ الَّذِينَ كانُوا، هم قُرَيْشٌ - مَعَ أبِي سُفْيانَ -، وغَطَفانُ، وبَنُو قُرَيْظَةَ، تَحَزَّبُوا، وتَظاهَرُوا عَلى حَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا كَفَأتْ قُدُورَهُمْ، أيْ: قَلَبَتْها، وقَلَعَتْ فَساطِيطَهُمْ، وأظْعَنَتْهم مِن مَكانِهِمْ، والجُنُودُ الَّتِي لَمْ يَرَوْها: اَلْمَلائِكَةُ.
الأحزاب 33:10
(p-٢١٨)وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾، جاءَتْ قُرَيْظَةُ مِن فَوْقِهِمْ، وجاءَتْ قُرَيْشٌ وغَطَفانُ مِن ناحِيَةِ مَكَّةَ، مِن أسْفَلَ مِنهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾، اخْتَلَفَ القُرّاءُ فِيها، فَقَرَأ بَعْضُهم بِإثْباتِ الألِفِ في الوَقْفِ والوَصْلِ، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”اَلظُّنُونَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ في الوَصْلِ، وبِألِفٍ في الوَقْفِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ”اَلظُّنُونَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ في الوَصْلِ، والوَقْفِ، والَّذِي عَلَيْهِ حُذّاقُ النَّحْوِيِّينَ، والمُتَّبِعُونَ السُّنَّةَ مِن حُذّاقِهِمْ، أنْ يَقْرَؤُوا: ”اَلظُّنُونا“، ويَقِفُونَ عَلى الألِفِ، ولا يَصِلُونَ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ أواخِرَ الآياتِ عِنْدَهم فَواصِلُ، ويُثْبِتُونَ في آخِرِها في الوَقْفِ ما قَدْ يُحْذَفُ مِثْلُهُ في الوَصْلِ، وهَؤُلاءِ يَتَّبِعُونَ المُصْحَفَ، ويَكْرَهُونَ أنْ يَصِلُوا، ويُثْبِتُوا الألِفَ، لِأنَّ الآخِرَ لَمْ يَقِفُوا عَلَيْهِ، فَيُجْرُوهُ مُجْرى الفَواصِلِ، ومِثْلُ هَذا مِن كَلامِ العَرَبِ في القَوافِي:
أقِلِّي اللَّوْمَ عاذِلَ والعِتابا
فَأثْبَتَ الألِفَ، لِأنَّها في مَوْضِعِ فاصِلَةٍ، وهي القافِيَةُ.
الأحزاب 33:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾، ويَجُوزُ: ”زَلْزالًا“، بِفَتْحِ الزّايِ، والمَصْدَرُ مِنَ المُضاعَفِ يَجِيءُ عَلى ضَرْبَيْنِ: ”فَعْلالٌ“، و”فِعْلالٌ“، نَحْوَ ”قَلْقَلَهُ، قَلْقالًا، وقِلْقالًا“، و”زَلْزَلْتُهُ، زَلْزالًا، وزِلْزالًا“، والكَسْرُ أكْثَرُ، وأجْوَدُ، لِأنَّ غَيْرَ المُضاعَفِ مِن هَذا البابِ مَكْسُورُ (p-٢١٩)الأوَّلِ، نَحْوَ ”دَحْرَجْتُهُ دِحْراجًا“، لا يَجُوزُ فِيهِ غَيْرُ الكَسْرِ، ومَعْنى ”هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ“، أيْ: ”في تِلْكَ الحالِ اخْتُبِرَ المُؤْمِنُونَ“، ومَعْنى ”زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا“: ”أُزْعِجُوا إزْعاجًا شَدِيدًا، وحُرِّكُوا“ .
الأحزاب 33:12
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾، مَوْضِعُ ”إذْ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”اُذْكُرْ إذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ“، ومَعْنى الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا: وعَدَنا مُحَمَّدٌ ﷺ أنَّ فارِسَ والرُّومَ تُفْتَحانِ عَلَيْنا، ونَحْنُ بِمَكانِنا هَذا ما يَقْدِرُ أحَدُنا أنْ يَبْرُزَ لِحاجَتِهِ، فَهَذا وعْدُ غُرُورٍ.
الأحزاب 33:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾، ويُقْرَأُ: ”لا مَقامَ لَكم“، بِفَتْحِ المِيمِ، فَمَن ضَمَّ المِيمَ فالمَعْنى: ”لا إقامَةَ لَكم“، تَقُولُ: ”أقَمْتُ في البَلَدِ إقامَةً ومُقامًا“، ومَن قَرَأ: ”لا مَقامَ لَكم“، بِفَتْحِ المِيمِ، فالمَعْنى: ”لا مَكانَ لَكم تُقِيمُونَ فِيهِ“، وهَؤُلاءِ كانُوا يُثَبِّطُونَ المُؤْمِنِينَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾، أيْ: ”مُعَوَّرَةٌ“، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا: إنَّ بُيُوتَنا مِمّا يَلِي العَدُوَّ، ونَحْنُ نُسْرَقَ مِنها، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى، وأعْلَمَ أنَّ قَصْدَهُمُ الهَرَبُ والفِرارُ، فَقالَ: ﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَما هي بِعَوِرَةٍ“، يُقالُ: ”عَوِرَ المَكانُ، يَعْوَرُ، عَوَرًا، وهو عَوِرٌ“، (p-٢٢٠)و”بُيُوتٌ عَوِرَةٌ“، و”بُيُوتٌ عَوْرَةٌ“، عَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى تَسْكِينِ ”عَوْرَةٌ“، وعَلى مَعْنى ”ذاتُ عَوْرَةٍ“، ﴿إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾، أيْ: ما يُرِيدُونَ تَحَرُّزًا مِن سَرَقٍ، ولَكِنَّ المُنافِقِينَ يُرِيدُونَ الفِرارَ عَنْ نُصْرَةِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
الأحزاب 33:14
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾، أيْ: ولَوْ دُخِلَتِ البُيُوتُ مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾، ويُقْرَأُ بِالقَصْرِ: ”لَأتَوْها“، فَمَن قَرَأ: ”لَآتَوْها“، بِالمَدِّ، فالمَعْنى: ”لَأعْطَوْها“، أيْ: ”لَوْ قِيلَ لَهُمْ: كُونُوا عَلى المُسْلِمِينَ مُظْهِرِينَ الفِتْنَةَ، لَفَعَلُوا ذَلِكَ“، ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾، ومَن قَرَأ: لَأتَوْها بِالقَصْرِ، فالمَعْنى: ”لَقَصَدُوها“ .
الأحزاب 33:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾، أيْ: اَلَّذِينَ يُعَوِّقُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نُصّارَهُ، وذَلِكَ أنَّهم قالُوا لِنُصّارِ النَّبِيِّ ﷺ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكْلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، فَخَلُّوهم وتَعالَوْا إلَيْنا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾، أيْ: لا يَأْتُونَ الحَرْبَ مَعَ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا تَعْذِيرًا، يُوهِمُونَهم أنَّهم مَعَهم.
الأحزاب 33:19
﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ”أشِحَّةً“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”يَأْتُونَ الحَرْبَ بُخَلاءَ عَلَيْكم (p-٢٢١)بِالظَّفَرِ، والغَنِيمَةِ، فَإذا جاءَ الخَوْفُ فَهم أجْبَنُ قَوْمٍ، فَإذا جاءَتِ الغَنِيمَةُ فَأشَحُّ قَوْمٍ، وأخْصَمُهُمْ، ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ تَدُورُ أعْيُنُهم كالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾، لِأنَّهم يَحْضُرُونَ عَلى غَيْرِ نِيَّةِ خَيْرٍ، إلّا نِيَّةَ شَرٍّ، ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾، مَعْنى“ سَلَقُوكم ”، خاطَبُوكم أشَدَّ مُخاطَبَةٍ، وأبْلَغَها في الغَنِيمَةِ، يُقالُ:“ خَطِيبٌ مِسْلاقٌ، وسَلّاقٌ "، إذا كانَ بَلِيغًا في خُطْبَتِهِ، ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾، أيْ: خاطَبُوكم وهم أشِحَّةٌ عَلى المالِ والغَنِيمَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهُمْ﴾، أيْ: هم وإنْ أظْهَرُوا الإيمانَ، ونافَقُوا، فَلَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.
الأحزاب 33:20
وَقَوْلُهُ: ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾، أيْ: يَحْسَبُونَ الأحْزابَ بَعْدَ انْهِزامِهِمْ وذَهابِهِمْ لَمْ يَذْهَبُوا لِجُبْنِهِمْ وخَوْفِهِمْ مِنهُمْ، ﴿وَإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ﴾، أيْ: إذا جاءَتِ الجُنُودُ والأحْزابُ ودُّوا أنَّهم في البادِيَةِ.
الأحزاب 33:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾، (p-٢٢٢)فَوَصَفَ اللَّهُ حالَ المُنافِقِينَ في حَرْبِ الكافِرِينَ، وحالَ المُؤْمِنِينَ في حَرْبِ الكافِرِينَ، فَوَصَفَ المُنافِقِينَ بِالفَشَلِ، والجُبْنِ، والرَّوَغانِ، والمُسارَعَةِ إلى الفِتْنَةِ، والزِّيادَةِ في الكُفْرِ، ووَصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالثُّبُوتِ - عِنْدَ الخَوْفِ - في الإيمانِ، فَقالَ: ﴿وَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾، اَلْآيَةَ، والوَعْدَ أنَّ اللَّهَ قالَ لَهُمْ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ ألا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤]، فَكَذَلِكَ لَمّا ابْتُلِيَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا، عَلِمُوا أنَّ الجَنَّةَ والنَّصْرَ قَدْ وجَبا لَهم.
الأحزاب 33:23
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، اَلْمَعْنى أنَّهم عاهَدُوا في الإسْلامِ، فَأقامُوا عَلى عَهْدِهِمْ، ومَوْضِعُ ”ما“، نَصْبٌ بِـ ”صَدَقُوا“، ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾، أيْ: أجَلَهُ، ولَمْ يُبَدِّلْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾، فالمَعْنى أنَّهُ ماتَ عَلى دِينِهِ غَيْرَ مُبَدِّلٍ.
الأحزاب 33:24
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾، (p-٢٢٣)أيْ: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ صَدَقُوا في عَهْدِهِمْ، والمُنافِقُونَ كَذَبُوا في عَهْدِهِمْ، لِأنَّهم أظْهَرُوا الإسْلامَ، وأبْطَنُوا الكُفْرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: أوْ يَنْقُلَهم مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ.
الأحزاب 33:25
وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾، يَعْنِي بِهِ هَهُنا أبا سُفْيانَ، وأصْحابَهُ، الأحْزابَ، ”﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾“، أيْ: لَمْ يَظْفَرُوا بِالمُسْلِمِينَ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم خَيْرًا، فَخُوطِبُوا عَلى اسْتِعْمالِهِمْ.
الأحزاب 33:26
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْـزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ﴾، يُعْنى بِهِ بَنُو قُرَيْظَةَ، ومَعْنى ظاهَرُوهُمْ، عاوَنُوهم عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وأنْزَلَهم عَلى حُكْمِ سَعْدٍ، وكانَ سَعْدٌ حَكَمَ فِيهِمْ بِأنْ يُقْتَلَ مُقاتِلُهُمْ، وتُسْبى ذَرارِيهِمْ.
الأحزاب 33:27
﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾، جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهم لِلْمُهاجِرِينَ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا ذَوِي عَقارٍ، ومَعْنى ”اَلصَّياصِي“: كُلُّ ما يُمْتَنَعُ بِهِ، و”اَلصَّياصِي“، هَهُنا: اَلْحُصُونُ، وقِيلَ: اَلْقُصُورُ، والقُصُورُ قَدْ يُتَحَصَّنُ فِيها، و”اَلصَّياصِي“: قُرُونُ البَقَرِ، والظِّباءِ، وكُلُّ قَرْنٍ ”صَيْصَيَةٌ“، لِأنَّ ذَواتِ القُرُونِ يَتَحَصَّنَّ بِقُرُونِها وتَمْتَنِعُ بِها، و”صِيصَةُ الدِّيكِ“: شَوْكَتُهُ، لِأنَّهُ يَتَحَصَّنُ بِها أيْضًا.
الأحزاب 33:28
(p-٢٢٤)وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾، وكُنَّ أرَدْنَ شَيْئًا مِن أمْرِ الدُّنْيا، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُخَيِّرَ نِساءَهُ بَيْنَ الإقامَةِ مَعَهُ عَلى طَلَبِ ما عِنْدَ اللَّهِ، أوِ التَّسْرِيحِ، إنْ أرَدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها، فاخْتَرْنَ الآخِرَةَ عَلى الدُّنْيا، والجَنَّةَ عَلى الزِّينَةِ.
الأحزاب 33:29
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾، أيْ: مَن آثَرَ مِنكُنَّ الآخِرَةَ فَأجْرُهُ أجْرٌ عَظِيمٌ.
الأحزاب 33:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، (p-٢٢٦)وَتُقْرَأُ: ”مُبَيَّنَةٍ“، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾، اَلْقِراءَةُ: ”يُضاعَفْ“، بِألِفٍ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”يُضَعِّفْ“، وكِلاهُما جَيِّدٌ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُعَذِّبْ ثَلاثَةَ أعْذِبَةٍ، قالَ: كانَ عَلَيْها أنْ يُعَذَّبَ مَرَّةً واحِدَةً، فَإذا ضُوعِفَتِ المَرَّةُ ضِعْفَيْنِ، صارَ العَذابُ ثَلاثَةَ أعْذِبَةٍ، وهَذا القَوْلُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ مَعْنى ”يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ“: ”يُجْعَلْ عَذابُ جُرْمِها كَعَذابَيْ جُرْمَيْنِ“، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١]، فَلا يَكُونُ أنْ تُعْطى عَلى الطّاعَةِ أجْرَيْنِ، وعَلى المَعْصِيَةِ ثَلاثَةَ أعْذِبَةٍ، ومَعْنى ”ضِعْفُ الشَّيْءِ“: مِثْلُهُ، لِأنَّ ضِعْفَ الشَّيْءِ الَّذِي يُضْعِفُهُ بِمَنزِلَةِ مِثْقالِ الشَّيْءِ، ومَعْنى ”يَقْنُتْ“: يُقِيمُ عَلى الطّاعَةِ، ﴿وَأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣١]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الجَنَّةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، ”أهْلَ البَيْتِ“، مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”أهْلِ البَيْتِ“، بِالخَفْضِ، أوْ قُرِئَتْ: ”أهْلُ البَيْتِ“، بِالرَّفْعِ، لَجازَ ذَلِكَ، ولَكِنَّ القِراءَةَ النَّصْبُ، وهو عَلى وجْهَيْنِ: عَلى مَعْنى ”أعْنِي أهْلَ البَيْتِ“، وعَلى النِّداءِ، عَلى مَعْنى: ”يا أهْلَ البَيْتِ“، و”اَلرِّجْسُ“، في اللُّغَةِ: كُلُّ مُسْتَنْكَرٍ مُسْتَقْذَرٍ، مِن مَأْكُولٍ، أوْ عَمَلٍ، أوْ فاحِشَةٍ، وقِيلَ: إنَّ ”أهْلَ البَيْتِ“، هَهُنا، يُعْنى بِهِ ”نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ“، وقِيلَ: نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ، والرِّجالُ الَّذِينَ هم آلُهُ، واللُّغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لِلنِّساءِ، والرِّجالِ، (p-٢٢٧)جَمِيعًا، لِقَوْلِهِ: ”عَنْكم“، بِالمِيمِ، ”وَيُطَهِّرَكم“، ولَوْ كانَ لِلنِّساءِ لَمْ يَجُزْ إلّا ”عَنْكُنَّ“، ”وَيُطَهِّرَكُنَّ“، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، حَيْثُ أفْرَدَ النِّساءَ بِالخِطابِ.
الأحزاب 33:31
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾، بِالياءِ، ﴿وَتَعْمَلْ﴾، بِالتّاءِ، (p-٢٢٨)الأوَّلُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، و”تَعْمَلْ“، عَلى المَعْنى، ومَن قَرَأهُما جَمِيعًا بِالتّاءِ حَمَلَ عَلى المَعْنى، أرادَ: ”والَّتِي تَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ“، ومَن قَرَأ الأوَّلَ بِالتّاءِ، قَبُحَ أنْ يَقْرَأ: ”وَيَعْمَلْ“، لِأنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَلى المَعْنى، وأوْضَحَ المَوْصُولُ بِأنَّهُ مُؤَنَّثٌ، فَيَقْبُحُ الحَمْلُ عَلى اللَّفْظِ.
الأحزاب 33:32
وَقَوْلُهُ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”كَواحِدَةٍ مِنَ النِّساءِ“، لِأنَّ ”أحَدٌ“، نَفْيٌ عامٌّ لِلْمُذَكَّرِ، والمُؤَنَّثِ، والواحِدِ، والجَماعَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾، أيْ: لا تَقُلْنَ قَوْلًا يَجِدُ بِهِ مُنافِقٌ سَبِيلًا إلى أنْ يَطْمَعَ في مُوافَقَتِكُنَّ لَهُ، ﴿وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾، أيْ: قُلْنَ ما يُوجِبُهُ الدِّينُ والإسْلامُ بِغَيْرِ خُضُوعٍ فِيهِ، بَلْ بِتَصْرِيحٍ، وبَيانٍ، ”فَيَطْمَعَ“، بِالنَّصْبِ، وهي القِراءَةُ، وجَوابُ ”فَلا تَخْضَعْنَ“: ”فَيَطْمَعَ“، ويُقْرَأُ: ”فَيَطْمَعِ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ“، بِتَسْكِينِ العَيْنِ، نَسَقٌ عَلى ”فَلا تَخْضَعْنَ فَيَطْمَعْ“ .
الأحزاب 33:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾، (p-٢٢٥)وَيُقْرَأُ: ”وَقِرْنَ“، بِكَسْرِ القافِ، فَمَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَهو مِن ”قَرِرْتُ بِالمَكانِ، أقَرُّ“، فالمَعْنى: ”واقْرَرْنَ“، فَإذا خُفِّفَتْ صارَتْ: ”وَقَرْنَ“، حُذِفَتِ الألِفُ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ في الرّاءِ، وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى القافِ، والأجْوَدُ: ”وَقِرْنَ في بُيُوتِكُنَّ“، بِكَسْرِ القافِ، وهو مِن ”اَلْوَقارُ“، تَقُولُ: ”وَقَرَ، يَقِرُّ في المَكانِ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ مِن ”قَرَرْتُ في المَكانِ، أقِرُّهُ“، فَيُحْذَفُ عَلى أنَّهُ مِن ”واقْرِرْنَ“، بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، والكَسْرُ مِن جِهَتَيْنِ، مِن أنَّهُ مِن ”اَلْوَقارُ“، ومِن أنَّهُ مِن ”اَلْقَرارُ“، جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾، ”اَلتَّبَرُّجُ“: إظْهارُ الزِّينَةِ، وما تُسْتَدْعى بِهِ شَهْوَةُ الرَّجُلِ، وقِيلَ: إنَّهُنَّ كُنَّ يَتَكَسَّرْنَ في مِشْيَتِهِنَّ، ويَتَبَخْتَرْنَ، وقِيلَ: إنَّ الجاهِلِيَّةَ الأُولى مَن كانَ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى زَمَنِ نُوحٍ، وقِيلَ: مِن زَمَنِ نُوحٍ إلى زَمَنِ إدْرِيسَ، وقِيلَ: مُنْذُ زَمَنِ عِيسى إلى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والأشْبَهُ أنْ تَكُونَ مُنْذُ زَمَنِ عِيسى إلى زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ لِأنَّهم هُمُ الجاهِلِيَّةُ المَعْرُوفُونَ، لِأنَّهُ رُوِيَ أنَّهم كانُوا يَتَّخِذُونَ البَغايا - وهُنَّ الفَواجِرُ - يُغْلِلْنَ لَهُمْ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ قِيلَ ”اَلْأُولى“ ؟ قِيلَ: يُقالُ لِكُلِّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَقَدِّمَةٍ: ”أُولى“، و”أوَّلٌ“، فَتَأْوِيلُهُ أنَّهم تَقَدَّمُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَهم ”أُولى“، وهم ”أوَّلٌ“، مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
الأحزاب 33:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأجْرًا عَظِيمًا﴾، لَما نَزَلَ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ ما نَزَلَ، قالَ النِّساءُ مِنَ المُسْلِماتِ: فَما نَزَلَ فِينا نَحْنُ شَيْءٌ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ النِّساءَ والرِّجالَ يُجازَوْنَ بِأعْمالِهِمُ المَغْفِرَةَ، والأجْرَ العَظِيمَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾، اَلْمَعْنى: ”والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِها، والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِهِ“، اِسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ الهاءِ بِما تَقَدَّمَ، ودَلَّ عَلى المَحْذُوفِ، ومِثْلُهُ: ”وَنَخْلَعُ ونَتْرُكُ مَن يَفْجُرُكَ“، اَلْمَعْنى: ”وَنَخْلَعُ مَن يَفْجُرُكَ ونَتْرُكُهُ“، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ:
؎وَكُمْتًا مُدَمّاةً كَأنَّ مُتُونَها ∗∗∗ جَرى فَوْقَها واسْتَشْعَرَتْ لَوْنُ مُذْهَبِ
عَلى رَفْعِ ”لَوْنُ“، اَلْمَعْنى: " جَرى فَوْقَها لَوْنُ مُذْهَبِ، واسْتَشْعَرَتْهُ.
الأحزاب 33:36
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾، ”اَلْخِيَرَةُ“: اَلتَّخْيِيرُ، «وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِسَبَبِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ بِنْتَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، وكانَ زَيْدٌ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَتْ مَنزِلَتُهُ مِنهُ في مَحَبَّتِهِ إيّاهُ كَمَنزِلَةِ الوَلَدِ، فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ لِيُزَوِّجَها مِن زَيْدٍ، فَظَنَّتْ أنَّهُ خَطَبَها لِنَفْسِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّهُ يُرِيدُها لِزَيْدٍ كَرِهَتْ ذَلِكَ، وأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - أنَّهُ لا اخْتِيارَ عَلى ما قَضاهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، وزَوَّجَها مِن زَيْدٍ».
الأحزاب 33:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾، (p-٢٢٩)مَعْنى ”أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ“: هَداهُ لِلْإسْلامِ، و”أنْعَمْتَ عَلَيْهِ“: أعْتَقْتَهُ مِنَ الرِّقِّ، وكانَ زَيْدٌ شَكا إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أمْرَ زَيْنَبَ، فَأمَرَهُ بِالتَّمَسُّكِ بِها، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يُحِبُّ التَّزَوُّجَ بِها، إلّا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - آثَرَ ما يُحِبُّ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، فَقالَ: ”أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ“، ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾، أيْ: تَكْرَهُ مَقالَةَ النّاسِ، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾، أيْ: فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ، و”اَلْوَطَرُ“، في اللُّغَةِ، و”اَلْأرَبُ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَ الخَلِيلُ: مَعْنى ”اَلْوَطَرُ“: كُلُّ حاجَةٍ يَكُونُ لَكَ فِيها هِمَّةٌ، فَإذا بَلَغَها البالِغُ قِيلَ: ”قَدْ قَضى وطَرَهُ، وأرَبَهُ“، أيْ: ”بَلَغَ مُرادَهُ مِنها“ .
وَقَوْلُهُ - - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾، أيْ: زَوَّجْناكَ زَيْنَبَ، وهي امْرَأةُ زَيْدٍ، الَّذِي قَدْ تَبَنَّيْتَ بِهِ، لِئَلّا يُظَنَّ أنَّهُ مَن تَبَنّى بِرَجُلٍ لَمْ تَحِلَّ امْرَأتُهُ لِلْمُتَبَنِّي.
الأحزاب 33:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾، ”سُنَّةَ“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْناهُ: ”ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ، سَنَّ اللَّهُ سُنَّةً حَسَنَةً واسِعَةً، لا حَرَجَ فِيها“، أيْ: لا ضِيقَ فِيها، و”اَلسُّنَّةُ“: اَلطَّرِيقَةُ، و”اَلسَّنَنُ“، مِن ذا كُلِّهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾، مَعْناهُ: في النَّبِيِّينَ الَّذِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وسَلَّمَ -، أيْ: سُنَّةَ اللَّهِ في التَّوْسِعَةِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ، كَسُنَّتِهِ في الأنْبِياءِ الماضِينَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٩]، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: ”في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلى المَدْحِ، عَلى ”هَمُ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: ”أعْنِي الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ“ .
الأحزاب 33:40
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾، أيْ: لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ ابْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ، لَمْ يَلِدْهُ، وقَدْ وُلِدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-٢٣٠)ذُكُورٌ إبْراهِيمُ، والطَّيِّبُ، والقاسِمُ، والمُطَهَّرُ، وإنَّما تَأْوِيلُهُ: ”ما كانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَبَنّى بِهِ ما يَحْرُمُ عَلى الوالِدِ، والنَّبِيُّ ﷺ أبُو المُؤْمِنِينَ في التَّبْجِيلِ، والتَّعْظِيمِ، وقُرِئَتْ:“ وخاتِمَ النَّبِيِّينَ ”،“ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ”، فَمَن كَسَرَ التّاءَ فَمَعْناهُ:“ خَتْمَ النَّبِيِّينَ ”، ومَن قَرَأ:“ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ ”، بِفَتْحِ التّاءِ، فَمَعْناهُ:“ آخِرَ النَّبِيِّينَ ”، لا نَبِيَّ بَعْدَهُ ﷺ، ويَجُوزُ:“ ولَكِنْ رَسُولُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ ”، فَمَن نَصَبَ فالمَعْنى:“ ولَكِنْ كانَ رَسُولَ اللَّهِ وكانَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ ”، ومَن رَفَعَ فالمَعْنى:“ ولَكِنْ هو خاتَمُ النَّبِيِّينَ " .
الأحزاب 33:43
(p-٢٣١)وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾، صَلاةُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ: رَحْمَتُهُ، وهِدايَتُهُ إيّاهم.
الأحزاب 33:44
وَقَوْلُهُ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾، تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ ”سَلامٌ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾
الأحزاب 33:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾، أيْ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ بِالإبْلاغِ، إبْلاغِ الرِّسالَةِ، ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ومُنْذِرًا مِنَ النّارِ، وهَذا كُلُّهُ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: " أرْسَلْناكَ في حالِ الشَّهادَةِ، والبِشارَةِ، والإنْذارِ.
الأحزاب 33:46
﴿وَداعِيًا إلى اللَّهِ بِإذْنِهِ﴾، أيْ: داعِيًا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وما يُقَرِّبُ مِنهُ، وبِإذْنِهِ، أيْ: بِأمْرِهِ، ﴿وَسِراجًا مُنِيرًا﴾، أيْ: وكِتابًا بَيِّنًا، المَعْنى: ”أرْسَلْناكَ شاهِدًا، وذا سِراجٍ مُنِيرٍ، وذا كِتابٍ بَيِّنٍ، وإنْ شِئْتَ كانَ“ وسِراجًا ”، مَنصُوبًا عَلى مَعْنى:“ داعِيًا إلى اللَّهِ، وتالِيًا كِتابًا بَيِّنًا " .
الأحزاب 33:48
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَدَعْ أذاهُمْ﴾، مَعْناهُ: دَعْ أذى المُنافِقِينَ، وتَأْوِيلُ ”وَدَعْ أذاهم“: دَعْهُمْ، لا تُجازِهِمْ عَلَيْهِ، إلى أنْ تُؤْمَرَ فِيهِمْ بِأمْرٍ.
الأحزاب 33:49
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، (p-٢٣٢)مَعْنى ”تَمَسُّوهُنَّ“: تَقْرَبُوهُنَّ، ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾، قالَ بَعْضُهُمْ: ”فَمَتِّعُوهُنَّ“، نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والنِّصْفُ يَنُوبُ عَنِ التَّمْتِيعِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَمْ يُسَمِّ لَها مَهْرًا، فَلَها نِصْفُ مَهْرِ مِثْلِها، وأسْقَطَ اللَّهُ العِدَّةَ عَنِ الَّتِي لَمْ يُدْخَلُ بِها، لِأنَّ العِدَّةَ في الأصْلِ اسْتِبْراءٌ.
الأحزاب 33:50
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، ”أُجُورَهُنَّ“: مُهُورَهُنَّ، ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾، وأصْلُ الإمْلاكِ في الإماءِ، والعَبِيدِ: ما يَجُوزُ سَبْيُهُ، وفَيْؤُهُ، فَأمّا سَبْيُ الخَبِيثَةِ فَلا يَجُوزُ وطْؤُهُ ولا مِلْكُهُ، يُقالُ: ”هَذا سَبْيُ طَيِّبَةٍ، وسَبْيُ خِبْثَةٍ، فَسَبْيُ الطَّيِّبَةِ سَبْيُ مَن يَجُوزُ حَرْبُهُ مِن أهْلِ الكُفْرِ، فَأمّا مَن كانَ لَهُ عَهْدٌ فَلا يَجُوزُ سَبْيُهُ، ولا مِلْكُ عَبْدٍ مِنهُ، ولا أمَةٍ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، وتُقْرَأُ:“ أنْ وهَبَتْ ”، بِالفَتْحِ، أيْ:“ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ حَلَّتْ لَهُ ”، ومَن (p-٢٣٣)قَرَأ:“ أنْ وهَبَتْ ”، بِالفَتْحِ، فالمَعْنى:“ أحَلَلْناها لِأنْ وهَبَتْ نَفْسَها ”، و“ خالِصَةً ”، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى:“ إنّا أحْلَلْنا لَكَ هَؤُلاءِ، وأحْلَلْنا لَكَ مَن وهَبَتْ نَفْسَها لَكَ ”، وإنَّما قِيلَ:“ لِلنَّبِيِّ ”، هَهُنا، لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ:“ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لَكَ "، كانَ يَجُوزُ أنْ يُتَوَهَّمَ أنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما جازَ في قَوْلِهِ: ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وبَناتِ عَمّاتِكَ﴾، لِأنَّ بَناتِ العَمِّ، وبَناتِ الخالِ، يَحْلِلْنَ لِلنّاسِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ وما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾، أيْ: إنَّ التَّزْوِيجَ لا يَنْعَقِدُ إلّا بِوَلِيٍّ، وشاهِدَيْنِ، ومِلْكُ اليَمِينِ لا يَكُونَ إلّا مِمَن يَجُوزُ سَبْيُهُ.
الأحزاب 33:51
وَقَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾، ”تُرْجِي“، بِالهَمْزِ، وغَيْرِ الهَمْزِ، والهَمْزُ أكْثَرُ، وأجْوَدُ، ومَعْنى ”تُرْجِي“: تُؤَخِّرُ، بِالهَمْزِ، وغَيْرِ الهَمْزِ، المَعْنى واحِدٌ، وهَذا مِمّا خَصَّ اللَّهُ بِهِ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَكانَ لَهُ أنْ يُؤَخِّرَ مَن أحَبَّ مِن نِسائِهِ، ويُؤْوِي إلَيْهِ مَن أحَبَّ مِن نِسائِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، ولَهُ أنْ يَرُدَّ مَن أخَّرَ إلى فِراشِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾، أيْ: إنْ أرَدْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ أنْ تُؤْوِيَ إلَيْكَ، فَلا جُناحَ عَلَيْكَ، ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، أيْ: ويَرْضَيْنَ كُلُّهُنَّ بِما آتَيْتَهُنَّ، مِن تَقْرِيبٍ، وإرْجاءٍ، ويَجُوزُ النَّصْبُ في ”كُلُّهُنَّ“، تَوْكِيدًا لِلْهاءِ والنُّونِ.
الأحزاب 33:52
(p-٢٣٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾، ويُقْرَأُ: ”لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ“، بِالتّاءِ، فَمَن قَرَأ بِالياءِ فَلِأنَّ الياءَ في مَعْنى جَمْعِ النِّساءِ، و”اَلنِّساءُ“، يَدُلُّ عَلى التَّأْنِيثِ، فَيُسْتَغْنى عَنْ تَأْنِيثِ ”يَحِلُّ“، ويَجُوزُ: ”لا تَحِلُّ“، بِالتّاءِ، عَلى مَعْنى ”لا تَحِلُّ لَكَ جَماعَةُ النِّساءِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، مَوْضِعُ ”ما“، رَفْعٌ، المَعْنى: ”لا يَحِلُّ لَكَ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ“، جَعَلَ ”ما“، بَدَلًا مِن ”اَلنَّساءُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”ما“، نَصْبًا، عَلى مَعْنى: ”لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ، أسْتَثْنِي ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ“ .
الأحزاب 33:53
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾، بِضَمِّ الباءِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ ”بِيُوتَ“، بِكَسْرِ الباءِ، وعَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ الكُوفَةِ، ولَيْسَ يَرْوِي البَصْرِيُّونَ ”بِيُوتَ“، بِكَسْرِ الباءِ، بَلْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّمَّ بَعْدَ الكَسْرِ لَيْسَ مَوْجُودًا في كَلامِ العَرَبِ، ولا في أشْعارِها، والَّذِينَ كَسَرُوا فَكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى إتْباعِ الياءِ، والِاخْتِيارُ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ الضَّمُّ في ”بُيُوتَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”إلّا بِأنْ يُؤْذَنَ لَكم“، أوْ ”لِأنْ يُؤْذَنَ لَكم“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾، ”إناهُ“: نَضْجَهُ، وبُلُوغَهُ، يُقالُ: ”أنى، يَأْنِي، إناءً“، إذا نَضِجَ، وبَلَغَ، و”غَيْرَ“، مَنصُوبَةٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”إلّا أنْ يُؤْذَنَ لَكم غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ“، ولا يَجُوزُ الخَفْضُ في ”غَيْرَ“، لِأنَّها إذا كانَتْ نَعْتًا لِلطَّعامِ، لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إظْهارِ (p-٢٣٥)الفاعِلِ، لا يَجُوزُ إلّا: ”غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ أنْتُمْ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إنَّ ذَلِكم كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ﴾، ويَجُوزُ: ”فَيَسْتَحِي مِنكم“، بِياءٍ واحِدَةٍ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ﴾، و”يَسْتَحِي“، بِالتَّخْفِيفِ، عَلى ”اِسْتَحْيَيْتُ“، و”اِسْتَحَيْتُ“، والحَذْفُ لِثِقْلِ الياءَيْنِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْتَمِلُ إطالَتَهم كَرَمًا مِنهُ، فَيَصْبِرُ عَلى الأذى في ذَلِكَ، فَعَلَّمَ اللَّهُ مَن يَحْضُرُهُ الأدَبَ، فَصارَ أدَبًا لَهم ولِمَن بَعْدَهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، أيْ: إذا أرَدْتُمْ أنْ تُخاطِبُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ في أمْرٍ، فَخاطِبُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ، فَنَزَلَ الأمْرُ بِالِاسْتِتارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، أيْ: ما كانَ لَكم أذاهُ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، ﴿وَلا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا﴾، مَوْضِعُ ”أنْ“، رَفْعٌ، المَعْنى: ”وَما كانَ لَكم أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ“، وذَلِكَ أنَّهُ ذُكِرَ أنَّ رَجُلًا قالَ: إذا تُوُفِّيَ مُحَمَّدٌ تَزَوَّجْتُ امْرَأتَهُ فُلانَةً، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، أيْ: كانَ ذَنْبًا عَظِيمًا.
الأحزاب 33:55
وَقَوْلُهُ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ ولا أبْنائِهِنَّ﴾، (p-٢٣٦)وَلَمْ يَرِدْ في هَذِهِ القِصَّةِ أعْمامُهُنَّ، ولا أخْوالُهُنَّ، فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ، والخالَ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحِلُّ لِابْنَةِ المَرْأةِ، فَتَحِلُّ لِابْنِ عَمِّها، وابْنِ خالِها، فَقِيلَ: كُرِهَ ذَلِكَ، لِأنَّهُما يَصِفانِها لِأبْنائِهِما، وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في الحِجابِ، فِيمَن يَحِلُّ لِلْمَرْأةِ البُرُوزُ لَهُ، فَذُكِرَ الأبُ، والِابْنُ، إلى آخِرِ الآيَةِ، المَعْنى: ”لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في رُؤْيَةِ آبائِهِنَّ لَهُنَّ“، ولَمْ يَذْكُرِ العَمَّ، والخالَ، لِأنَّهُما يُجْرَيانِ مُجْرى الوالِدَيْنِ في الرُّؤْيَةِ، وقَدْ جاءَ في القُرْآنِ تَسْمِيَةُ العَمِّ أبًا في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ إلَهًا واحِدًا﴾ [البقرة: ١٣٣]، فَجَعَلَ العَمَّ أبًا.
الأحزاب 33:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”لَنُسَلِّطَنَّكَ عَلَيْهِمْ“، ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلا قَلِيلا﴾ ﴿مَلْعُونِينَ﴾ [الأحزاب: ٦١]، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”لا يُجاوِرُونَكَ إلّا وهم مَلْعُونُونَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا﴾ [الأحزاب: ٦١]، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَلْعُونِينَ“، مَنصُوبًا بِما بَعْدَ ”أيْنَما“، لا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”مَلْعُونًا أيْنَما ثُقِفَ أُخِذَ زَيْدٌ يُضْرَبُ“، لِأنَّ ما بَعْدَ حُرُوفِ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها.
الأحزاب 33:62
وَقَوْلُهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾، ”سُنَّةَ اللَّهِ“، مَنصُوبٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ”أُخِذُوا وقُتِّلُوا“، فالمَعْنى: ”سَنَّ اللَّهُ (p-٢٣٧)فِي الَّذِينَ يُنافِقُونَ الأنْبِياءَ، ويُرْجِفُونَ بِهِمْ، أنْ يُقَتَّلُوا حَيْثُما ثُقِفُوا“ .
الأحزاب 33:67
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾، اَلِاخْتِيارُ ”اَلسَّبِيلا“، بِألِفٍ، وأنْ يُوقَفَ عَلَيْها، لِأنَّ أواخِرَ الآيِ وفَواصِلَها يُجْرى فِيها ما يُجْرى في أواخِرِ الأبْياتِ مِنَ الشِّعْرِ، والفَواصِلِ، لِأنَّهُ خُوطِبَ العَرَبُ بِما يَعْقِلُونَ في الكَلامِ المُؤَلَّفِ، فَيُدَلُّ بِالوَقْفِ في هَذِهِ الأشْياءِ وزِيادَةِ الحُرُوفِ فِيها، نَحْوَ: ”اَلظَّنُونا“، و”اَلسَّبِيلا“، و”اَلرَّسُولا“، أنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ، وانْقَطَعَ، وأنَّ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنِفٌ.
الأحزاب 33:68
وَقَوْلُهُ: ﴿والعَنْهم لَعْنًا كَبِيرًا﴾، ويُقْرَأُ: ”كَثِيرًا“، ومَعْناهُما قَرِيبٌ.
الأحزاب 33:69
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾، أيْ: لا تُؤْذُوا النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، كَما آذى أصْحابُ مُوسى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَيَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِهِمْ، وكانَ أذاهم لِمُوسى - فِيما جاءَ في التَّفْسِيرِ - أنَّهم عابُوهُ بِشَيْءٍ في بَدَنِهِ، فاغْتَسَلَ يَوْمًا، ووَضَعَ ثَوْبَهُ عَلى حَجَرٍ، فَذَهَبَ الحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فاتَّبَعَهُ مُوسى، فَرَآهُ بَنُو إسْرائِيلَ، ولَمْ يَرَوْا ذَلِكَ العَيْبَ الَّذِي آذَوْهُ بِذِكْرِهِ، ﴿وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾، كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وبَرَّأهُ مِنَ العَيْبِ الَّذِي رَمَوْهُ بِهِ بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ.
الأحزاب 33:72
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها وحَمَلَها الإنْسانُ إنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولا﴾، (p-٢٣٨)رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُما قالا: ”اَلْأمانَةُ“، هَهُنا: اَلْفَرائِضُ الَّتِي افْتَرَضَها اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: ”عُرِضَتْ عَلى آدَمَ الطّاعَةُ، والمَعْصِيَةُ، وعَرَفَ ثَوابَ الطّاعَةِ، وعِقابَ المَعْصِيَةِ“، وحَقِيقَةُ هَذِهِ الآيَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ - وهو مُوافِقٌ لِلتَّفْسِيرِ - أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - ائْتَمَنَ بَنِي آدَمَ عَلى ما افْتَرَضَهُ عَلَيْهِمْ مِن طاعَتِهِ، وائْتَمَنَ السَّماواتِ والأرْضَ والجِبالَ عَلى طاعَتِهِ، والخُضُوعِ لَهُ، فَأعْلَمَنا اللَّهُ أنَّهُ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأعْلَمَنا أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، وأنَّ الشَّمْسَ، والقَمَرَ، والنُّجُومَ، والمَلائِكَةَ، وكَثِيرًا مِنَ النّاسِ يَسْجُدُونَ لِلَّهِ، فَأعْلَمَنا اللَّهُ أنَّ السَّماواتِ، والأرْضَ، والجِبالَ، لَمْ تَحْتَمِلِ الأمانَةَ، أيْ: أدَّتْها، وكُلُّ مَن خانَ الأمانَةَ فَقَدِ احْتَمَلَها، وكَذَلِكَ كُلُّ مَن أثِمَ فَقَدِ احْتَمَلَ الإثْمَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ جَلَّ -: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ مَن باءَ بِالإثْمِ يُسَمّى حامِلًا لِلْإثْمِ، فالسَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ أبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَ الأمانَةَ، وأدَّيْنَها، وأداؤُها: طاعَةُ اللَّهِ فِيما أمَرَ بِهِ، والعَمَلُ بِهِ، وتَرْكُ المَعْصِيَةِ، وحَمَلَها الإنْسانُ، قالَ الحَسَنُ: اَلْكافِرُ، والمُنافِقُ حَمَلا الأمانَةَ، ولَمْ يُطِيعا، فَهَذا المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -، ومَن أطاعَ مِنَ الأنْبِياءِ، والصَّدِيقِينَ، والمُؤْمِنِينَ، فَلا يُقالُ: ”كانَ ظَلُومًا جَهُولًا“، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ ما يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ ويَتُوبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٣]
سبأ 34:1
(p-٢٣٩)سُورَةُ سَبَإٍ
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾، واللَّهُ المَحْمُودُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وحَمْدُهُ في الآخِرَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ أهْلِ الجَنَّةِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤]، أيْ: أوْرَثَنا أرْضَ الجَنَّةِ.
سبأ 34:2
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها﴾، أيْ: ما يَدْخُلُ في الأرْضِ، وما يَخْرُجُ مِنها، ما يَدْخُلُ في الأرْضِ مِن قَطْرٍ وغَيْرِهِ، وما يَخْرُجُ مِنها مِن زَرْعٍ وغَيْرِهِ، ﴿وَما يَنْـزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾، ما يَصْعَدُ فِيها، يُقالُ: ”عَرِجَ، يَعْرُجُ“، إذا صَعَدَ، و”اَلْمَعارِجُ“: اَلدَّرَجُ، مِن هَذا، ويُقالُ: ”عَرِجَ، يَعْرِجُ“، إذا صارَ ذا عَرَجٍ، و”عَرَجَ، يَعْرُجُ“، إذا غَمَزَ مِن شَيْءٍ أصابَهُ.
سبأ 34:3
(p-٢٤٠)﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾، اَلسّاعَةُ الَّتِي يُبْعَثُ فِيها الخَلْقُ، المَعْنى أنَّهم قالُوا: لا نُبْعَثُ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكم عالِمِ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾، بِالخَفْضِ في ”عالِمِ“، صِفَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ويُقْرَأُ بِالرَّفْعِ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما الِابْتِداءُ، ويَكُونُ المَعْنى: ”عالِمُ الغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ“، ويَكُونُ ”لا يَعْزُبُ عَنْهُ“، هو خَبَرُ ”عالِمُ الغَيْبِ“، ويُرْفَعُ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، المَعْنى: ”هو عالِمُ الغَيْبِ“، ويَجُوزُ النَّصْبُ، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ، عَلى مَعْنى: ”اُذْكُرْ عالِمَ الغَيْبِ“، ويُقْرَأُ: ”عَلّامُ الغُيُوبِ“، و”عَلّامَ الغَيْبِ“، جائِزٌ، ويُقْرَأُ: ”لا يَعْزِبُ عَنْهُ“، بِكَسْرِ الزّايِ، يُقالُ: ”عَزَبَ عَنِّي، يَعْزُبُ، ويَعْزِبُ“، إذا غابَ.
سبأ 34:4
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، اَللّامُ دَخَلَتْ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]، لِلْمُجازاةِ، أيْ: مِن أجْلِ المُجازاةِ بِالثَّوابِ، والعِقابِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم مَغْفِرَةٌ ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، بَيَّنَ اللَّهُ أنَّ جَزاءَهُمُ المَغْفِرَةُ، وهي التَّغْطِيَةُ عَلى الذُّنُوبِ.
سبأ 34:5
وَقَوْلُهُ: - جَلَّ وعَلا -: ﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾، ويُقْرَأُ: ”مُعَجِّزِينَ“، و”مُعاجِزِينَ“، في مَعْنى ”مُسابِقِينَ“، ومَن قَرَأ: ”مُعَجِّزِينَ“، فَمَعْناهُ أنَّهم يُعَجِّزُونَ مَن آمَنَ بِها، ويَكُونُ في مَعْنى ”مُثَبِّطِينَ“، وهو مَعْنى تَعْجِيزِهِمْ مَن آمَنَ بِها.
(p-٢٤١)وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ ألِيمٌ﴾، ”ألِيمٍ“، بِالخَفْضِ، نَعْتٌ لِلزَّجْزِ، ”ألِيمٌ“، نَعْتٌ لِلْعَذابِ.
سبأ 34:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾، هَهُنا: عُلَماءُ اليَهُودِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، مِنهم كَعْبُ الأحْبارِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، أيْ: ”وَلِيَرى“، ومَوْضِعُ ”يَرى“، عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”لِيَجْزِيَ“، و”اَلْحَقَّ“، مَنصُوبٌ، خَبَرٌ لِـ ”يَرى الَّذِينَ“، و”هو“، هَهُنا، فَصْلٌ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي بَعْدَها لَيْسَ بِنَعْتٍ، ويُسَمِّيهِ الكُوفِيُّونَ العِمادَ، لا تَدْخُلُ ”هو“، عِمادًا إلّا في المَعْرِفَةِ، وما أشْبَهَها، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ فِيما مَضى، والرَّفْعُ جائِزٌ في قَوْلِهِ ”هو الحَقُّ“ .
سبأ 34:7
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾، اَلْآيَةَ، هَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ، يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: هَلْ نَدُلُّكم عَلى مُحَمَّدٍ الَّذِي يَزْعُمُ أنَّكم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ أنْ تَكُونُوا عِظامًا وتُرابًا ورُفاتًا؟ وفي هَذِهِ الآيَةِ نَظَرٌ في العَرَبِيَّةِ لَطِيفٌ، ونَحْنُ نَشْرَحُهُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، ”إذا“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، بِـ ”مُزِّقْتُمْ“، ولا يُمْكِنُ أنْ يَعْمَلَ فِيها ”جَدِيدٍ“، لِأنَّ ما بَعْدَ ”أنْ“، لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، والتَّأْوِيلُ: ”هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يَقُولُ لَكم إنَّكم إذا مُزِّقْتُمْ تُبْعَثُونَ؟“، ويَكُونُ ”إذا“، بِمَنزِلَةِ ”إنْ“، اَلْجَزاءِ، يَعْمَلُ فِيها الَّذِي يَلِيها، قالَ قَيْسُ بْنُ الخَطِيمِ: (p-٢٤٢)
؎إذا قَصُرَتْ أسْيافُنا كانَ وصْلُها ∗∗∗ خُطانا إلى أعْدائِنا فَنُضارِبْ
اَلْمَعْنى: ”يَكُونُ وصْلُها“، اَلدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ جَزْمُ ”فَنُضارِبْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في ”إذا“، مُضْمَرًا، يَدُلُّ عَلَيْهِ ”إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، ويَكُونَ المَعْنى: ”هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم يَقُولُ لَكم إذا مُزِّقْتُمْ بُعِثْتُمْ، إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ؟“، كَما قالُوا: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات: ١٦]، فَـ ”إذا“، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَنصُوبَةً بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”إنّا لَمَبْعُوثُونَ“، ولا يَجُوزُ ”أنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ“، بِالفَتْحِ، لِأنَّ اللّامَ إذا جاءَتْ لَمْ يَجُزْ إلّا كَسْرُ ”إنَّ“ .
سبأ 34:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾، أيْ: ”ألَمْ يَتَأمَّلُوا ويَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماءَ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَهُمْ، وقادِرٌ أنْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ، أوْ يُسْقِطَ السَّماءَ عَلَيْهِمْ كِسَفًا؟“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾، أيْ: إنَّ في ذَلِكَ عَلامَةً تَدُلَّ مَن أنابَ إلى اللَّهِ، ورَجَعَ إلَيْهِ، وتَأمَّلَ ما خَلَقَ عَلى أنَّهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى.
سبأ 34:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ﴾، (p-٢٤٣)اَلْمَعْنى: ”فَقُلْنا يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ، وتُقْرَأُ:“ أُوبِي مَعَهُ ”، عَلى مَعْنى“ عُودِي في التَّسْبِيحِ مَعَهُ كُلَّما عادَ فِيهِ ”، ومَن قَرَأ:“ أوِّبِي مَعَهُ ”، فَمَعْناهُ: رَجِّعِي مَعَهُ، يُقالُ:“ آبَ، يَؤُوبُ ”، إذا رَجَعَ، ومَعْنى“ رَجِّعِي مَعَهُ ”: سَبِّحِي مَعَهُ، ورَجِّعِي التَّسْبِيحَ مَعَهُ،“ والطَّيْرَ ”، و“ والطَّيْرُ ”، فالرَّفْعُ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ نَسَقًا عَلى ما في“ أوِّبِي ”، اَلْمَعْنى:“ يا جِبالُ رَجِّعِي التَّسْبِيحَ أنْتِ والطَّيْرُ ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلى البَدَلِ، المَعْنى:“ يا جِبالُ، ويا أيُّها الطَّيْرُ، أوِّبِي مَعَهُ ”،، والنَّصْبُ مِن ثَلاثِ جِهاتٍ: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ ﴿والطَّيْرَ﴾، أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ، حَكى ذَلِكَ أبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى النِّداءِ، المَعْنى:“ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ والطَّيْرَ ”، كَأنَّهُ قالَ:“ دَعَوْنا الجِبالَ والطَّيْرَ ”، فَـ“ اَلطَّيْرَ ”، مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ“ اَلْجِبالَ ”، في الأصْلِ، وكُلُّ مُنادًى - عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كُلِّهِمْ - في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وقَدْ شَرَحْنا حالَ المَضْمُومِ في النِّداءِ، وأنَّ المَعْرِفَةَ مَبْنِيٌّ عَلى الضَّمِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ والطَّيْرَ ”، نُصِبَ عَلى مَعْنى“ مَعَ ”، كَما تَقُولُ:“ قُمْتُ وزَيْدًا ”، أيْ:“ قُمْتُ مَعَ زَيْدٍ ”، فالمَعْنى:“ أوِّبِي مَعَهُ ومَعَ الطَّيْرِ " .
سبأ 34:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ [سبإ: ١٠] ﴿أنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ﴾، أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا، وأوَّلُ مَن عَمِلَ الدُّرُوعَ داوُدُ، وكانَ ما يُسْتَجَنُّ بِهِ مِنَ الحَدِيدِ إنَّما كانَ قِطَعَ حَدِيدٍ نَحْوَ هَذِهِ الجَواشِنِ.
(p-٢٤٤)و”أنْ“، هَهُنا، في تَأْوِيلِ التَّفْسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ”وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ أيِ اعْمَلَ سابِغاتٍ“، بِمَعْنى ”قُلْنا لَهُ: اِعْمَلْ سابِغاتٍ“، ويَكُونُ في مَعْنى: ”لِأنْ يَعْمَلَ سابِغاتٍ“، وتَصِلُ ”أنْ“، بِلَفْظِ الأمْرِ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الكَلامِ ”أرْسَلَ إلَيْهِ أنْ قُمْ إلَيَّ“، أيْ: قالَ: ”قُمْ إلى فُلانٍ“، ويَكُونُ بِمَعْنى: ”أرْسِلْ إلَيْهِ بِأنْ يَقُومَ إلى فُلانٍ“، ومَعْنى ”سابِغاتٍ“: دُرُوعٌ سابِغاتٌ، فَذَكَرَ الصِّفَةَ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى المَوْصُوفِ، ومَعْنى ”اَلسّابِغُ“: اَلَّذِي يُغَطِّي كُلَّ شَيْءٍ يَكُونُ عَلَيْهِ، حَتّى يَفْضُلَ، ﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾، ”اَلسَّرْدُ“، في اللُّغَةِ: تَقْدِمَةُ شَيْءٍ إلى شَيْءٍ تَأْتِي بِهِ مُنَسَّقًا بَعْضُهُ في أثَرِ بَعْضٍ مُتَتابِعًا، فَمِنهُ ”سَرَدَ فُلانٌ الحَدِيثَ“، وقِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلسَّرْدُ“: اَلسَّمْرُ، والسَّتْرُ، والخَلْقُ، وقِيلَ: هو ألّا يَجْعَلَ المِسْمارَ غَلِيظًا، والثُّقْبَ دَقِيقًا، ولا يَجْعَلَ المِسْمارَ دَقِيقًا، والثُّقْبَ واسِعًا، فَيَتَقَلْقَلَ، ويَنْخَلِعَ، ويَنْقَصِفَ، ”قَدِّرْ في ذَلِكَ“، أيْ: اِجْعَلْهُ عَلى القَصْدِ، وقَدْرَ الحاجَةِ، والَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ غَيْرُ خارِجٍ عَنِ اللُّغَةِ، لِأنَّ السَّمْرَ تَقْدِيمُكَ طَرَفَ الحَلْقَةِ إلى طَرَفِها الآخَرِ، وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ قَوْلَ العَرَبِ: ”رَجُلٌ سَرَنْدِيٌّ“، مُشْتَقٌّ مِن ”اَلسَّرْدُ“، وذَلِكَ أنَّ مَعْناهُ: ”اَلْجَرِيءُ“، قالَ: و”اَلْجَرِيءُ“: اَلَّذِي يَمْضِي قُدُمًا.
(p-٢٤٥)وَتَفْسِيرُ ﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ [سبإ: ١٠]، جَعَلْناهُ لَيِّنًا، كالخُيُوطِ، يُطاوِعُهُ، حَتّى عَمِلَ الدُّرُوعَ.
سبأ 34:12
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ﴾، اَلنَّصْبُ في ”اَلرِّيحَ“، هو الوَجْهُ، وقِراءَةُ أكْثَرِ القُرّاءِ عَلى مَعْنى ”وَسَخَّرْنا لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ: ”وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحُ غُدُوُّها شَهْرٌ“، والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”ثَبَتَتْ لَهُ الرِّيحُ“، وهو يَؤُولُ في المَعْنى إلى مَعْنى: ”سَخَّرْنا الرِّيحَ“، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”لِلَّهِ الحَمْدُ“، فَتَأْوِيلُهُ: ”اِسْتَقَرَّ لِلَّهِ الحَمْدُ“، وهو يَرْجِعُ إلى مَعْنى: ”أحْمَدُ اللَّهَ الحَمْدَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾، أيْ: غُدُوُّها مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وكَذَلِكَ رَواحُها، وكانَ سُلَيْمانُ يَجْلِسُ عَلى سَرِيرِهِ هو وأصْحابُهُ فَتَسِيرُ بِهِمُ الرِّيحُ بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وتَسِيرُ بِالعَشِيِّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾، ”اَلْقِطْرُ“: اَلنُّحاسُ، وهو الصُّفْرُ، فَأُذِيبَ مُذْ ذاكَ، وكانَ قَبْلَ سُلَيْمانَ لا يَذُوبُ، ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، مَوْضِعُ ”مَن“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”سَخَّرْنا لَهُ مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”مَن“، رَفْعًا، ويَكُونَ المَعْنى: ”فِيما أعْطَيْناهُ مِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإذْنِ رَبِّهِ“، أيْ: بِأمْرِ رَبِّهِ، ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾، (p-٢٤٦)أيْ: ”مَن يَعْدِلْ“ .
سبأ 34:13
ثُمَّ بَيَّنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾، ”اَلْمِحْرابُ“: اَلَّذِي يُصَلّى فِيهِ، وأشْرَفُ مَوْضِعٍ في الدّارِ، وفي البَيْتِ، يُقالُ لَهُ: ”اَلْمِحْرابُ“، ﴿وَجِفانٍ كالجَوابِ﴾، أكْثَرُ القُرّاءِ عَلى الوَقْفِ بِغَيْرِ ياءٍ، وكانَ الأصْلُ الوَقْفَ بِالياءِ، إلّا أنَّ الكَسْرَةَ تَنُوبُ عَنْها، وكانَتْ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، الوَقْفُ عَلَيْها بِغَيْرِ ياءٍ، تَقُولُ: ”هَذِهِ جَوابٍ“، فَأُدْخِلَتِ الألِفُ واللّامُ، وتُرِكَ الكَلامُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِهِما، و”اَلْجَوابِي“: جَمْعُ ”جابِيَةٌ“، و”اَلْجابِيَةُ“: اَلْحَوْضُ الكَبِيرُ، قالَ الأعْشى:
؎كَجابِيَةِ السِّيجِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ
أيْ: يَعْمَلُونَ لَهُ جِفانَهُ كالحِياضِ العِظامِ الَّتِي يُجْمَعُ فِيها الماءُ، ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾، ثابِتاتٍ، ﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾، ”شُكْرًا“، مُنْتَصِبٌ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: اِعْمَلُوا لِلشُّكْرِ، أيْ: اُشْكُرُوا (p-٢٤٧)اللَّهَ عَلى ما آتاكُمْ، ويَكُونُ ”اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا“، عَلى مَعْنى: اُشْكُرُوا شُكْرًا.
سبأ 34:14
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما دَلَّهم عَلى مَوْتِهِ إلا دابَّةُ الأرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأتَهُ﴾، ”اَلْمِنسَأةُ“: اَلْعَصا، وإنَّما سُمِّيَتْ ”مِنسَأةً“، لِأنَّها يُنْسَأُ بِها، ومَعْنى ”يُنْسَأُ بِها“: يُطْرَدُ بِها، ويُؤَخَّرُ بِها، فَلَمّا تُوُفِّيَ سُلَيْمانُ تُوُفِّيَ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها - عَلى عَصاهُ - فَلَمْ يَعْلَمِ الجِنُّ بِمَوْتِهِ حَتّى أكَلَتِ الأرَضَةُ العَصا، حَتّى خَرَّ، ﴿فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾، مَوْتَهُ، ﴿أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ ما لَبِثُوا في العَذابِ المُهِينِ﴾، اَلْمَعْنى: ”لِأنَّهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ما غابَ عَنْهُمْ، ما عَمِلُوا مُسَخَّرِينَ“، إنَّما عَمِلُوا وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ حَيٌّ يَقِفُ عَلى عَمَلِهِمْ، وقالَ بَعْضُهُمْ: تَبَيَّنَتِ الإنْسُ الجِنَّ، أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تَبَيَّنَتِ الجِنُّ أنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ“، والجِنَّ تَتَبَيَّنُ أنَّها لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَكانَتْ تُوهِمُ أنَّها تَعْلَمُ الغَيْبَ، فَتَبَيَّنَتْ أنَّهُ قَدْ بانَ لِلنّاسِ أنَّها لا تَعْلَمُ، كَما تَقُولُ لِلَّذِي يَدَّعِي عِنْدَكَ الباطِلَ إذا تَبَيَّنْتَ لَهُ: ”قَدْ بَيَّنْتُ أنَّ الَّذِي يَقُولُ باطِلٌ“، وهو لَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ولَكِنَّكَ أرَدْتَ أنْ تُوَبِّخَهُ، وأنْ تُعْلِمَهُ أنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ بُطْلانَ قَوْلِهِ.
سبأ 34:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”مَسْكِنِهِمْ“، ”بِفَتْحِ الكافِ، وكَسْرِها، ويُقْرَأُ:“ مَساكِنِهِمْ ”، ويُقْرَأُ:“ لِسَبَأ ”، (p-٢٤٨)بِالفَتْحِ، وتَرْكِ الصَّرْفِ، و“ لِسَبَإٍ ”، فَمَن فَتَحَ وتَرَكَ الصَّرْفَ، فَلِأنَّهُ جَعَلَ“ سَبَأ ”، اِسْمَ قَبِيلَةٍ، ومَن صَرَفَ وكَسَرَ ونَوَّنَ، جَعَلَ“ سَبَإٍ ”، اِسْمًا لِلرَّجُلِ، واسْمًا لِلْحَيِّ، وكُلٌّ جائِزٌ حَسَنٌ، ﴿آيَةٌ جَنَّتانِ﴾،“ آيَةٌ ”، رَفْعٌ، اسْمُ“ كانَ ”، و“ جَنَّتانِ ”، رَفْعٌ عَلى نَوْعَيْنِ: عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن“ آيَةٌ ”، وعَلى إضْمارٍ، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ:“ آيَةٌ ”، قِيلَ:“ اَلْآيَةُ جَنَّتانِ ”، و“ اَلْجَنَّتانِ ”: اَلْبُسْتانانِ، فَكانَ لَهم بُسْتانانِ، بُسْتانٌ يُمْنَةً، وبُسْتانٌ يُسْرَةً، ﴿كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ﴾، اَلْمَعْنى:“ قِيلَ لَهُمْ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم واشْكُرُوا لَهُ ”.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾، عَلى مَعْنى:“ هَذِهِ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ”، ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، عَلى مَعْنى:“ واللَّهُ رَبٌّ غَفُورٌ " .
سبأ 34:16
﴿فَأعْرَضُوا﴾، اَلْمَعْنى: أعْرَضُوا عَنْ أمْرِ اللَّهِ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ﴾، و”اَلْعَرِمُ“، فِيهِ أقْوالٌ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”جَمْعُ“ عَرِمَةٌ ”، وهي السَّكْرُ، والمُسَنّاةُ، وقِيلَ:“ اَلْعَرِمُ ”: اِسْمُ الوادِي، وقِيلَ:“ اَلْعَرِمُ ”، هَهُنا: اِسْمُ الجُرَذِ الَّذِي ثَقَبَ السَّكْرَ عَلَيْهِمْ، وهو الَّذِي يُقالُ لَهُ:“ اَلْخُلْدُ ”، وقِيلَ:“ اَلْعَرِمُ ”: اَلْمَطَرُ الشَّدِيدُ، وكانُوا في نِعْمَةٍ، وكانَتْ لَهم جِنانٌ يُمْنَةً ويُسْرَةً، وكانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ عَلى رَأْسِها الزَّبِيلُ، فَتَعْمَلُ بِيَدَيْها، وتَسِيرُ بَيْنَ ذَلِكَ الشَّجَرِ (p-٢٤٩)فَيَسْقُطُ في زَبِيلِها ما تَحْتاجُ إلَيْهِ مِن ثِمارِ ذَلِكَ الشَّجَرِ، فَلَمْ يَشْكُرُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جُرَذًا، وكانَ لَهم سَكْرٌ فِيهِ أبْوابٌ، يَفْتَحُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الماءِ، فَثَقَبَ ذَلِكَ الجُرَذُ حَتّى نُقِبَ عَلَيْهِمْ، فَغَرَّقَ تَيْنِكَ الجَنَّتَيْنِ، ﴿وَبَدَّلْناهم بِجَنَّتَيْهِمْ﴾، أيْ: بِهاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ المَوْصُوفَتَيْنِ، ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾، و“ أُكْلٍ خَمْطٍ ”، اَلضَّمُّ والإسْكانُ في الكافِ جائِزانِ، ويُقْرَأُ:“ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ”، و“ ذَواتَيْ أُكْلٍ خَمْطٍ ”، ومَعْنى“ خَمْطٍ ”: يُقالُ لِكُلِّ نَبْتٍ قَدْ أخَذَ طَعْمًا مِن مَرارَةٍ حَتّى لا يُمْكِنَ أكْلُهُ:“ خَمْطٌ ”، وفي كِتابِ الخَلِيلِ:“ اَلْخَمْطُ ”: شَجَرُ الأراكِ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ“ اَلْخَمْطُ ”: اَلْأراكُ، و“ أُكُلُهُ ": ثَمَرُهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٥]
سبأ 34:17
﴿ذَلِكَ جَزَيْناهم بِما كَفَرُوا﴾، ”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، المَعْنى: ”جَزَيْناهم ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ“، ﴿وَهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾، وتُقْرَأُ: ”وَهَلْ يُجازى“، ويَجُوزُ: ”وَهَلْ يُجازِي إلّا الكَفُورَ“، وهَذا مِمّا يُسْألُ عَنْهُ، يُقالُ: " اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يُجازِي الكَفُورَ، وغَيْرَ الكَفُورِ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُؤْمِنَ تُكَفَّرُ عَنْهُ السَّيِّئاتُ، والكافِرَ يُحْبَطُ عَمَلُهُ، فَيُجازى بِكُلِّ سُوءٍ يَعْمَلُهُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، (p-٢٥٠)وَقالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، فَأعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ يُحْبِطُ عَمَلَ الكافِرِ، وأعْلَمَنا أنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيْئاتِ، وأنَّ المُؤْمِنَ تُكَفِّرُ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ حَسَناتُهُ.
سبأ 34:18
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً﴾، هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ في مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ﴾ [سبإ: ١٥]، ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرًى ظاهِرَةً﴾، فَكانُوا لا يَحْتاجُونَ مِن وادِي سَبَإٍ إلى الشّامِ إلى زادٍ، وقِيلَ: اَلْقُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها بَيْتُ المَقْدِسِ، وقِيلَ أيْضًا: اَلشّامُ، فَكانَتِ القُرى إلى كُلِّ هَذِهِ المَواضِعِ مِن وادِي سَبَإٍ مُتَّصِلَةً.
﴿وَقَدَّرْنا فِيها السَّيْرَ﴾، جَعَلْنا مَسِيرَهم بِمِقْدارٍ، حَيْثُ أرادُوا أنْ يُقِيمُوا، حَلُّوا بِقَرْيَةٍ آمِنِينَ.
سبأ 34:19
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أسْفارِنا﴾، ويُقْرَأُ: ”رَبَّنا بَعِّدْ بَيْنَ أسْفارِنا“، ويُقْرَأُ: ”رَبُّنا بَعَّدَ بَيْنَ أسْفارِنا“، ويُقْرَأُ: ”رَبَّنا“، بِالنَّصْبِ، ”بَعُدَ بَيْنُ أسْفارِنا“، بِرَفْعِ ”بَيْنَ“، ويُقْرَأُ: ”بَيْنَ أسْفارِنا“، ويُقْرَأُ: ”رَبُّنا باعَدَ بَيْنَ أسْفارِنا“، ﴿وَظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾، فَمَن قَرَأ: ”بَعُدَ بَيْنُ أسْفارِنا“، بِرَفْعِ ”بَيْنَ“، فالمَعْنى: ”بَعُدَ ما يَتَّصِلُ (p-٢٥١)بِسَفَرِنا“، ومَن قَرَأ: ”بَعُدَ بَيْنَ أسْفارِنا“، فالمَعْنى: ”بَعُدَ ما بَيْنَ أسْفارِنا“، و”بَعُدَ سَيْرُنا بَيْنَ أسْفارِنا“، ومَن قَرَأ: ”باعِدْ“، فَعَلى وجْهِ المَسْألَةِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهم سَئِمُوا الرّاحَةَ، وبَطِرُوا النِّعْمَةَ، كَما قالَ قَوْمُ مُوسى: ﴿فادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ﴾ [البقرة: ٦١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١]، ﴿وَمَزَّقْناهم كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾، أيْ: ”فَرَّقْناهم في البِلادِ“، لِأنَّهم لَمّا أذْهَبَ اللَّهُ جَنَّتَيْهِمْ، وغَرَّقَ مَكانَهُمْ، تَبَدَّدُوا في البِلادِ، فَصارَتِ العَرَبُ تَتَمَثَّلُ بِهِمْ في الفُرْقَةِ، فَتَقُولُ: ”تَفَرَّقُوا أيْدِيَ سَبَإٍ“، و”أيادِي سَبَإٍ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎مِن صادِرٍ أوْ وارِدٍ أيْدِي سَبا
وَقالَ كُثَيِّرٌ:
؎أيادِي سَبا يا عَزُّ ما كُنْتُ بَعْدَكم ∗∗∗ فَلَمْ يَحْلُ لِلْعَيْنَيْنِ بِعْدَكِ مَنظَرُ
سبأ 34:20
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ“، بِرَفْعِ ”إبْلِيسُ“، ونَصْبِ الظَّنِّ، وصِدْقُهُ في ظَنِّهِ أنَّهُ ظَنَّ بِهِمْ إذا أغْواهُمُ اتَّبَعُوهُ، فَوَجَدَهم كَذَلِكَ، فَقالَ: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣]، فَمَن قالَ: ”صَدَّقَ“، نَصَبَ الظَّنَّ، لِأنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ، ومَن خَفَّفَ فَقالَ ”صَدَقَ“، نَصَبَ الظَّنَّ مَصْدَرًا، (p-٢٥٢)عَلى مَعْنى: ”صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنًّا ظَنَّهُ“، و”صَدَقَ في ظَنِّهِ“، وفِيها وجْهانِ آخَرانِ، أحَدُهُما: ”وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنُّهُ“، ”ظَنُّهُ“، بَدَلٌ مِن ”إبْلِيسُ“، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]، ويَجُوزُ: ”وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنُّهُ“، عَلى مَعْنى: ”صَدَقَ ظَنُّ إبْلِيسَ بِاتِّباعِهِمْ إيّاهُ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما.
سبأ 34:21
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن سُلْطانٍ﴾، أيْ: ما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِن حُجَّةٍ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥]، ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هو مِنها في شَكٍّ﴾، أيْ: إلّا لِنَعْلَمَ ذَلِكَ عِلْمَ وُقُوعِهِ مِنهُمْ، وهو الَّذِي يُجازَوْنَ عَلَيْهِ، واللَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ، ويَعْلَمُ مَن يُؤْمِنُ مِمَّنْ يَكْفُرُ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنَ المُؤْمِنُ، ويَكْفُرَ الكافِرُ، ولَكِنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ ثَوابًا، ولا عِقابًا، إنَّما يُثابُونَ ويُعاقَبُونَ بِما كانُوا عامِلِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما لَهُ مِنهم مِن ظَهِيرٍ﴾ [سبإ: ٢٢]، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم شُرَكاءُ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِهِمْ، لا شِرْكَ لَهُمْ، ولا مُعِينَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - فِيما خَلَقَ.
سبأ 34:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَن أذِنَ لَهُ﴾، بِضَمِّ الهَمْزَةِ، وفَتْحِها، ويَكُونُ المَعْنى: ”لِمَن أذِنَ لَهُ“، أيْ، ”لِمَن أذِنَ اللَّهُ لَهُ أنْ يَشْفَعَ“، ويَجُوزَ: ”إلّا لِمَن أذِنَ أنْ يُشْفَعَ لَهُ“، فَيَكُونُ ”مَن“، (p-٢٥٣)لِلشّافِعِينَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَلْمَشْفُوعِ لَهُمْ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ لِلشّافِعِينَ، لِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، لِأنَّ الَّذِينَ فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ هَهُنا المَلائِكَةُ، وتُقْرَأُ: ”حَتّى إذا فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ“، بِفَتْحِ الفاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”حَتّى إذا فُرِّغَ عَنْ قُلُوبِهِمْ“، بِالرّاءِ غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وبِالغَيْنِ المُعْجَمَةِ، ومَعْنى ”فُزِّعَ“، كُشِفَ الفَزَعُ عَنْ قُلُوبِهِمْ، و”فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ“: كَشْفَ اللَّهُ الفَزَعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، وقِراءَةُ الحَسَنِ: ”فُرِّغَ“، تَرْجِعُ إلى هَذا المَعْنى، لِأنَّها فَرَغَتْ مِنَ الفَزَعِ، وتَفْسِيرُ هَذا أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ لَمّا نَزَلَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِالوَحْيِ، ظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّهُ نَزَلَ لِشَيْءٍ مِن أمْرِ السّاعَةِ، فَتَفَزَّعَتْ لِذَلِكَ، فَلَمّا انْكَشَفَ عَنْها الفَزَعُ ﴿قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾، فَسَألَتْ: لَأيِّ شَيْءٍ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ؟ ﴿قالُوا الحَقَّ﴾، أيْ: قالُوا: قالَ الحَقَّ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”قالُوا الحَقُّ“، لَكانَ وجْهًا، يَكُونُ المَعْنى: ”قالُوا هو الحَقُّ“ .
سبأ 34:24
﴿وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى: ”وَإنّا لَعَلى هَدًى، وإنَّكم لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ“، وهَذا في اللُّغَةِ غَيْرُ جائِزٍ، ولَكِنَّهُ في التَّفْسِيرِ يَؤُولُ إلى هَذا المَعْنى: ”إنّا لَعَلى هَدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ أوْ إنَّكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ“، فَهَذا كَما يَقُولُ القائِلُ: إذا كانَتِ الحالُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ صادِقٌ، أحَدُنا صادِقٌ، وأحَدُنا كاذِبٌ، والمَعْنى: ”أحَدُنا صادِقٌ أوْ كاذِبٌ“، ويَؤُولُ مَعْنى الآيَةِ إلى ”إنّا لِما أقَمْنا مِنَ البُرْهانِ لَعَلى هُدًى، وإنَّكم لَفي ضَلالٍ مُّبِينٍ“ .
سبأ 34:26
(p-٢٥٤)وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالحَقِّ﴾، مَعْنى ”يَفْتَحُ“: يَحْكُمُ، وكَذَلِكَ ”اَلْفَتّاحُ“: اَلْحاكِمُ.
سبأ 34:27
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾، اَلْمَعْنى: ”ألْحَقْتُمُوهم بِهِ“، ولَكِنَّهُ حُذِفَ، لِأنَّهُ في صِلَةِ ”اَلَّذِينَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، مَعْنى ”كَلّا“، رَدْعٌ، وتَنْبِيهٌ، المَعْنى: ”اِرْتَدِعُوا عَنْ هَذا القَوْلِ، وتَنَبَّهُوا عَنْ ضَلالَتِكُمْ، بَلْ هو اللَّهُ الواحِدُ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ“ .
سبأ 34:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾، مَعْنى ”كافَّةً“: اَلْإحاطَةُ، في اللُّغَةِ، والمَعْنى: ”أرْسَلْناكَ جامِعًا لِلنّاسِ في الإنْذارِ، والإبْلاغِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ إلى العَرَبِ، والعَجَمِ، وقالَ: «“ أنا سابِقُ العَرَبِ إلى الإسْلامِ، وصُهَيْبٌ سابِقُ الرُّومِ، وبِلالٌ سابِقُ الحَبَشَةِ، وسَلْمانُ سابِقُ الفُرْسِ "»، أيْ: اَلرِّسالَةُ عامَّةٌ، والسّابِقُونَ مِنَ العَجَمِ هَؤُلاءِ.
سبأ 34:31
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، يَعْنُونَ: ”لا نُؤْمِنُ بِما أتى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، ولا بِالكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ“ .
سبأ 34:33
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، مَعْناهُ: ”بَلْ مَكْرُكم في اللَّيْلِ والنَّهارِ“، ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾، أشْباهًا، ﴿وَأسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾، (p-٢٥٥)”أسَرُّوها بَيْنَهُمْ، أقْبَلَ بَعْضُهم يَلُومُ بَعْضًا، ويُعَرِّفُ بَعْضُهم بَعْضًا النَّدامَةَ، ﴿إلا قالَ مُتْرَفُوها﴾ [سبإ: ٣٤]،“ مُتْرَفُوها ": أُولُو التُّرْفَةِ، وهم رُؤَساؤُها، وقادَةُ الشَّرِّ، ويَتْبَعُهُمُ السِّفْلَةُ.
سبأ 34:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”بِاللَّتَيْنِ“، ولا ”بِاللَّذَيْنِ“، ولا ”بِاللّاتِي“، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ، ولَكِنَّ الَّذِي في المُصْحَفِ ”اَلَّتِي“، والمَعْنى: ”وَما أمْوالُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ، ولا أوْلادُكم بِالَّذِينِ يُقَرِّبُونَكم“، ولَكِنَّهُ حُذِفَ اخْتِصارًا، وإيجازًا، وقَدْ شَرَحْنا مِثْلَ هَذا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا﴾، مَوْضِعُ ”مَن“: نَصْبٌ بِالِاسْتِثْناءِ، عَلى البَدَلِ مِنَ الكافِ والمِيمِ، عَلى مَعْنى: ”ما يُقَرِّبُ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ صالِحًا، أيْ:“ ما تُقَرِّبُ الأمْوالُ إلّا مَن آمَنَ وعَمِلَ بِها في طاعَةِ اللَّهِ ”، ﴿فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا﴾،“ اَلضِّعْفُ ”، هَهُنا، يَحْتاجُ إلى تَفْسِيرٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا فَسَّرَهُ تَفْسِيرًا بَيِّنًا، و“ جَزاءُ الضِّعْفِ ”، هَهُنا: عَشْرُ حَسَناتٍ، تَأْوِيلُهُ:“ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءُ الضِّعْفِ الَّذِي أعْلَمْناكم مِقْدارَهُ ”، وهو قَوْلُهُ: ﴿مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فِيهِ أوْجُهٌ في العَرَبِيَّةِ، فالَّذِي قُرِئَ بِهِ خَفْضُ“ اَلضِّعْفِ ”، بِإضافَةِ الجَزاءِ إلَيْهِ، ويَجُوزُ:“ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءٌ الضِّعْفُ ”، عَلى مَعْنى:“ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الضِّعْفُ (p-٢٥٦)جَزاءً ”، اَلْمَعْنى:“ في حالِ المُجازاةِ ”، ويَجُوزُ:“ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءً الضِّعْفَ ”، عَلى نَصْبِ“ اَلضِّعْفَ ”، اَلْمَعْنى:“ فَأُولَئِكَ لَهم أنْ نُجازِيَهُمُ الضِّعْفَ ”، ويَجُوزُ رَفْعُ“ اَلضِّعْفُ ”، مِن جِهَتَيْنِ: عَلى مَعْنى:“ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الضِّعْفُ ”، عَلى أنَّ“ اَلضِّعْفُ ”، بَدَلٌ مِنَ الجَزاءِ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا عَلى إضْمارِ“ هو ”،“ فَأُولَئِكَ لَهم جَزاءٌ ”، كَأنَّهُ قالَ: ما هُوَ؟ فَقالَ:“ اَلضِّعْفُ ”، ويَجُوزُ النَّصْبُ في“ اَلضِّعْفِ ”، عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، عَلى مَعْنى:“ فَأُولَئِكَ لَهم أنْ يُجازَوُا الضِّعْفَ ”، والقِراءَةُ مِن هَذِهِ الأوْجُهِ كُلِّها خَفْضُ“ اَلضِّعْفِ ”، ورَفْعُ“ جَزاءٌ " .
سبأ 34:44
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾، يُعْنى بِهِ مُشْرِكُو العَرَبِ بِمَكَّةَ، لَمْ يَكُونُوا أصْحابَ كُتُبٍ، ولا بُعِثَ بِنَبِيٍّ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ.
سبأ 34:45
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾، أيْ: عُشْرَ الَّذِي آتَيْنا مَن قَبْلَهم مِنَ القُوَّةِ، والقُدْرَةِ، ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾، حُذِفَتِ الياءُ، المَعْنى: ”فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِي؟“، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ.
سبأ 34:46
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّما أعِظُكم بِواحِدَةٍ﴾، أيْ: أعِظُكم بِأنْ تُوَحِّدُوا اللَّهَ، وأنْ تَقُولُوا: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، مُخْلِصًا، وقَدْ قِيلَ: ”واحِدَةٍ“، في الطّاعَةِ، والطّاعَةُ تَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ والإخْلاصَ، (p-٢٥٧)المَعْنى: ”فَأنا أعِظُكم بِهَذِهِ الخَصْلَةِ الواحِدَةِ“، ﴿أنْ تَقُومُوا﴾، أيْ: ”لِأنْ تَقُومُوا“، ﴿أنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنى وفُرادى﴾، أيْ: أعِظُكم بِطاعَةِ اللَّهِ، لِأنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مُنْفَرِدِينَ، ومُجْتَمِعِينَ، ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكم مِن جِنَّةٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، فَتَعْلَمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ما هو بِمَجْنُونٍ، كَما تَقُولُونَ“، و”اَلْجِنَّةُ“: اَلْجُنُونُ، ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾، أيْ: يُنْذِرُكم أنَّكم إنْ عَصَيْتُمْ لَقِيتُمْ عَذابًا شَدِيدًا.
سبأ 34:47
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ فَهو لَكُمْ﴾، مَعْناهُ: ”ما سَألْتُكم مِن أجْرٍ عَلى الرِّسالَةِ أُؤَدِّيها إلَيْكُمْ، والقُرْآنِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو لَكم“، وتَأْوِيلُهُ أنِّي إنَّما أُنْذِرُكُمْ، وأُبَلِّغُكُمُ الرِّسالَةَ، ولَسْتُ أجُرُّ إلى نَفْسِي عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، ﴿إنْ أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾، أيْ: إنَّما أطْلُبُ ثَوابَ اللَّهِ، بِتَأْدِيَةِ الرِّسالَةِ، والياءُ في ”أجْرِي“، مُسَكَّنَةٌ، ومَفْتُوحَةٌ، والأجْوَدُ الفَتْحُ، لِأنَّها اسْمٌ، فَيُبْنى عَلى الفَتْحِ.
سبأ 34:48
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلامُ الغُيُوبِ﴾، وبِكَسْرِ الغَيْنِ، ويَجُوزُ: ”عَلّامَ الغُيُوبِ“، بِالنَّصْبِ، فَمَن نَصَبَ فَـ ”عَلّامَ الغُيُوبِ“، صِفَةٌ لِـ ”رَبِّي“، اَلْمَعْنى: ”قُلْ إنَّ رَبِّي عَلّامَ الغُيُوبِ يَقْذِفُ بِالحَقِّ“، ومَن رَفَعَ ”عَلّامُ الغُيُوبِ“، فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ صِفَةً، عَلى مَوْضِعِ ”إنَّ رَبِّي“، لِأنَّ تَأْوِيلَهُ: ”قُلْ رَبِّي عَلّامُ الغُيُوبِ يَقْذِفُ بِالحَقِّ“، و”إنَّ“، مُؤَكِّدَةٌ.
(p-٢٥٨)وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلى البَدَلِ مِمّا في ”يَقْذِفُ“، اَلْمَعْنى: ”قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ هو بِالحَقِّ عَلّامُ الغُيُوبِ“، ومَعْنى ”يَقْذِفُ بِالحَقِّ“: أيْ: ”يَأْتِي بِالحَقِّ“، و”يَرْمِي بِالحَقِّ“، كَما قالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨]
سبأ 34:49
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ جاءَ الحَقُّ وما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ﴾، أيْ: ”قُلْ جاءَ أمْرُ اللَّهِ الَّذِي هو الحَقُّ، وما يُبْدِئُ الباطِلُ“، ”ما“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى: ”وَأيُّ شَيْءٍ يُبْدِئُ الباطِلُ؟ وأيُّ شَيْءٍ يُعِيدُ؟“، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”ما“، نَفْيًا، عَلى مَعْنى: ”ما يُبْدِئُ الباطِلُ وما يُعِيدُ“، و”اَلْباطِلُ“، هَهُنا: إبْلِيسُ، المَعْنى: ”وَما يُعِيدُ إبْلِيسُ وما يُفِيدُ“، أيْ: ”لا يَخْلُقُ ولا يَبْعَثُ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - الخالِقُ والباعِثُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْباطِلُ“، صاحِبَ الباطِلِ، وهو إبْلِيسُ.
سبأ 34:51
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا فَوْتَ﴾، أيْ: فَلا فَوْتَ لَهُمْ، لا يُمْكِنُهم أنْ يَفُوتُوا، ﴿وَأُخِذُوا مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾، في التَّفْسِيرِ: مِن تَحْتِ أقْدامِهِمْ، ويَجُوزُ: ”فَلا فَوْتٌ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَإنْ لَمْ تَثْبُتْ بِها رِوايَةٌ فَلا تَقْرَأنَّ بِها، فَإنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
سبأ 34:52
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وأنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، قالُوا: آمَنّا، في الوَقْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - فِيهِ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، و”اَلتَّناوُشُ“: اَلتَّناوُلُ، أيْ: فَكَيْفَ (p-٢٥٩)لَهم أنْ يَتَناوَلُوا ما كانَ مَبْذُولًا لَهُمْ، وكانَ قَرِيبًا مِنهُمْ؟! فَكَيْفَ يَتَناوَلُونَهُ حِينَ بَعُدَ عَنْهُمْ؟! ومَن هَمَزَ فَقالَ: ”اَلتَّناؤُشُ“، فَلِأنَّ واوَ ”اَلتَّناؤُشُ“، مَضْمُومَةٌ، وكُلُّ واوٍ مَضْمُومَةٍ ضَمَّتُها لازِمَةٌ، إنْ شِئْتَ أبْدَلْتَ مِنها هَمْزَةً، وإنْ شِئْتَ لَمْ تُبْدِلْ، نَحْوَ قَوْلِكَ: ”أدْوُرٌ“، و”تَقاوُمٌ“، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: ”أدْؤُرٌ“، و”تَقاؤُمٌ“، فَهَمَزْتَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلتَّناؤُشُ“، مِن ”اَلنَّئِيشُ“، وهي الحَرَكَةُ في إبْطاءٍ، فالمَعْنى: ”مِن أيْنَ لَهم أنْ يَتَحَرَّكُوا فِيما لا حِيلَةَ لَهم فِيهِ؟!“ .
سبأ 34:53
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ ويَقْذِفُونَ بِالغَيْبِ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، أيْ: كانُوا يَرْجُمُونَ، ويَرْمُونَ بِالغَيْبِ، وتَرْجِيمُهم أنَّهم كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهم لا يُبْعَثُونَ.
سبأ 34:54
﴿وَحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”مِنَ الرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، والإيمانِ“، ﴿كَما فُعِلَ بِأشْياعِهِمْ مِن قَبْلُ﴾، أيْ: بِمَن كانَ مَذْهَبُهُ مَذْهَبَهُمْ، ﴿إنَّهم كانُوا في شَكٍّ مُرِيبٍ﴾، فَقَدْ أعْلَمَنا اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ يُعَذِّبُ عَلى الشَّكِّ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ مِنَ الضُّلّالِ: إنَّ الشّاكِّينَ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وهَذا كُفْرٌ، ونَقْضٌ لِلْقُرْآنِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قالَ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] (p-٢٦٠)
فاطر 35:1
(p-٢٦١)سُورَةُ اَلْمَلائِكَةِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿الحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: ”ما كُنْتُ أدْرِي ما“ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ ”، حَتّى اخْتَصَمَ إلَيَّ أعْرابِيّانِ في بِئْرٍ، فَقالَ أحَدُهُما:“ أنا فَطَرْتُها ”، أيْ: اِبْتَدَأْتُها، وقِيلَ: ﴿فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ ”، ويَجُوزُ:“ فاطِرُ ”، و“ فاطِرَ ”، بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ، والقِراءَةُ عَلى خَفْضِ“ فاطِرِ ”، وكَذَلِكَ ﴿جاعِلِ المَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أجْنِحَةٍ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾، مَعْنى“ أُولِي ”: أصْحابِ أجْنِحَةٍ، و“ ثُلاثَ ورُباعَ ”، في مَوْضِعِ“ خَفْضٍ ”، وكَذَلِكَ“ مَثْنى ”، إلّا أنَّهُ فُتِحَ“ ثُلاثَ ورُباعَ ”، لِأنَّهُ لا يَنْصَرِفُ لِعِلَّتَيْنِ، إحْداهُما أنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ“ ثَلاثَةً ثَلاثَةً ”، و“ أرْبَعَةً أرْبَعَةً ”، و“ اِثْنَيْنِ اثْنَيْنِ "، فَهَذِهِ عِلَّةٌ، والعِلَّةُ الثّانِيَةُ أنَّ عُدُولَهُ وقَعَ في حالِ النَّكِرَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَكِنَّما أهْلِي بِوادٍ أنِيسُهُ ∗∗∗ ذِئابٌ تَبَغّى النّاسَ مَثْنى ومَوْحَدا
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾، يَعْنِي في خَلْقِ المَلائِكَةِ، والرُّسُلِ مِنَ المَلائِكَةِ، جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، وإسْرافِيلَ، ومَلَكَ المَوْتِ.
فاطر 35:2
(p-٢٦٢)﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾، ”يَفْتَحِ“، في مَوْضِعِ جَزْمٍ، عَلى مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وجَوابُ الجَزاءِ: ”فَلا مُمْسِكَ لَها“، ولَوْ كانَ ”فَلا مُمْسِكَ لَهُ“، لَجازَ، لِأنَّ ”ما“، في لَفْظِ تَذْكِيرٍ، ولَكِنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ الرَّحْمَةِ كانَ ”فَلا مُمْسِكَ لَها“، أحْسَنَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ ؟! ومَعْنى ”ما يَفْتَحِ اللَّهُ“، أيْ: ”ما يَأْتِهِمْ بِهِ مِن مَطَرٍ ورِزْقٍ فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُمْسِكَهُ، وما يُمْسِكِ اللَّهُ مِن ذَلِكَ فَلا يَقْدِرُ قادِرٌ أنْ يُرْسِلَهُ“، ويَجُوزُ - ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِ -: ”ما يَفْتَحُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ“، و”ما يُمْسِكُ“، بِرَفْعِهِما، عَلى مَعْنى ”اَلَّذِي يَفْتَحُهُ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهُ، والَّذِي يُمْسِكُ فَلا مُرْسِلَ لَهُ“، ويَجُوزُ: ”فَلا مُمْسِكٌ لَها“، بِالتَّنْوِينِ، و”ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلٌ لَهُ مِن بَعْدِهِ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِما لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ رِوايَةٌ، وإنْ جاءَ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ.
فاطر 35:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ﴾، هَذا ذُكِرَ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢]، فَأكَّدَ ذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ السُّؤالَ لَهُمْ: ”هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ“، وقُرِئَتْ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾، بِالرَّفْعِ، عَلى رَفْعِ ”غَيْرُ“، اَلْمَعْنى: ”هَلْ خالِقٌ غَيْرُ اللَّهِ؟“، لِأنَّ ”مِن“، مُؤَكِّدَةٌ، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، ”غَيْرُ“، و”غَيْرِ“، وفِيها وجْهٌ آخَرُ، يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ نَصْبُ ”غَيْرُ“: ”هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرَ اللَّهِ يَرْزُقُكم“، ويَكُونُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ: ”هَلْ مِن خالِقٍ إلّا اللَّهُ يَرْزُقُكُمْ؟!“ .
(p-٢٦٣)﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾، أيْ: ”مِن أيْنَ يَقَعُ لَكُمُ الإفْكُ، والتَّكْذِيبُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وإنْكارِ البَعْثِ؟!“ .
فاطر 35:4
﴿وَإنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾، هَذا تَأسٍّ لِلنَّبِيِّ ﷺ أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ قَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِهِ، وأعْلَمَهُ أنَّهُ نَصَرَهُمْ، فَقالَ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤]، ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، و”تَرْجِعُ الأُمُورُ“، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ راجِعٌ إلى اللَّهِ في مُجازاةِ مَن كَذَّبَ، ونُصْرَةِ مَن كُذِّبَ مِن رُسُلِهِ“ .
فاطر 35:5
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، أيْ: ”ما وعَدَكُمُ اللَّهُ مِن مُجازاةٍ فَحَقٌّ“، ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾، أيْ: وإنْ كانَ لَكم حَظٌّ في الدُّنْيا يَغُضُّ مِن دِينِكُمْ، فَلا تُؤْثِرُوا ذَلِكَ الحَظَّ، ﴿وَلا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ﴾، و”اَلْغَرُورُ“: اَلشَّيْطانُ، ويُقْرَأُ: ”اَلْغُرُورُ“، بِضَمِّ الغَيْنِ، وهي الأباطِيلُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْغُرُورُ“: جَمْعُ ”غارٌّ“، و”غُرُورٌ“، مِثْلَ: ”قاعِدٌ“، و”قُعُودٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ”غَرٌّ“، مَصْدَرُ ”غَرَرْتُهُ، غَرًّا“، فَأمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرَ ”غَرَرْتُهُ، غُرُورًا“، (p-٢٦٤)فَبَعِيدٌ، لِأنَّ المُتَعَدِّيَةَ لا تَكادُ تَقَعُ مَصادِرُها عَلى ”فُعُولٌ“، وقَدْ جاءَ بَعْضُها عَلى ”فُعُولٌ“، نَحْوَ ”لَزِمْتُهُ، لُزُومًا“، و”نَهِكَهُ المَرَضُ، نُهُوكًا“، فَيَجُوزُ: ”غَرَرْتُهُ، غُرُورًا“، عَلى ذَلِكَ.
فاطر 35:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾، اَلْجَوابُ هَهُنا عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما يَدُلُّ عَلَيْهِ ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، فَأضَلَّهُ اللَّهُ، ذَهَبَتْ نَفْسُكَ عَلَيْهِ حَسْرَةً“، ويَكُونُ ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ“، يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”فَلا تُذْهِبْ نَفْسَكَ“، بِضَمِّ التّاءِ، وجَزْمِ الباءِ، ونَصْبِ النَّفْسِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ مَحْذُوفًا، ويَكُونَ المَعْنى: ”أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ كَمَنَ هَداهُ اللَّهُ“، ويَكُونُ دَلِيلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾
فاطر 35:9
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾، و”مَيْتٍ“، ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾، أيْ: نُنْشِئُ، المَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ“، أيْ: مِثْلَ إحْياءِ الأرْضِ، وكَذَلِكَ بَعْثُكم.
فاطر 35:10
﴿مَن كانَ يُرِيدُ العِزَّةَ فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا﴾، أيْ: ”مَن كانَ يُرِيدُ بِعِبادَتِهِ غَيْرَ اللَّهِ العِزَّةَ، فَلِلَّهِ العِزَّةُ جَمِيعًا“، أيْ: في حالِ اجْتِماعِها، أيْ: يَجْتَمِعُ لَهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ يُعَزُّ بِاللَّهِ، فَقالَ: (p-٢٦٥)﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، أيْ: إلَيْهِ يَصِلُ الكَلِمُ الَّذِي هو تَوْحِيدُ اللَّهِ، وهو قَوْلُ ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، ﴿والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”إذا وحَّدَ اللَّهَ وعَجَّلَ بِطاعَتِهِ، ارْتَفَعَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، واللَّهُ - عَزَّ - وجَلَّ - يَرْتَفِعُ إلَيْهِ كُلُّ شَيْءٍ، ويَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ“، ولَكِنَّ المَعْنى فِيهِ، هَهُنا: اَلْعَمَلُ الصّالِحُ هو الَّذِي يَرْفَعُ ذِكْرَ التَّوْحِيدِ، حَتّى يَكُونُ مُثَبِّتًا لِلْمُوَحِّدِ حَقِيقَةَ التَّوْحِيدِ، والضَّمِيرُ في ”يَرْفَعُهُ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أحَدَ ثَلاثَةِ أشْياءَ، وذَلِكَ قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ جَمِيعًا، فَيَكُونَ: ”والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُ الكَلِمَ الطَّيِّبَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ“، أيْ: ”لا يُقْبَلُ العَمَلُ الصّالِحُ إلّا مِن مُوَحِّدٍ“، والقَوْلُ الثّالِثُ أنْ يَرْفَعَهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
﴿والَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”مَكْرُ الَّذِينَ يَمْكُرُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، ﴿هُوَ يَبُورُ﴾، أيْ: يَفْسُدُ، وقَدْ بَيَّنَ ما مَكْرُهم في سُورَةِ“ اَلْأنْفالِ "، في قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، فَفَسَدَ جَمِيعُ مَكْرِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ كَلِمَةَ نَبِيِّهِ وأوْلِيائِهِ العُلْيا، وأيْدِيَهُمُ العالِيَةَ، بِالنَّصْرِ، والحُجَّةِ.
فاطر 35:11
﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ﴾، وقُرِئَتْ: ”يَنْقُصُ“، ويَجُوزُ: ”وَما نُعَمِّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا نَنْقُصُ“، بِالنُّونِ جَمِيعًا، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِها فِيما بَلَغَنِي، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، وتَأْوِيلُ الآيَةِ أنَّ (p-٢٦٦)اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - قَدْ كَتَبَ عُمُرَ كُلِّ مُعَمَّرٍ، وكَتَبَ ”يُعَمَّرُ كَذا وكَذا سَنَةً، وكَذا وكَذا شَهْرًا، وكَذا وكَذا يَوْمًا، وكَذا وكَذا ساعَةً“، فَكُلُّ ما نَقَصَ مِن عُمُرِهِ مِن سَنَةٍ، أوْ شَهْرٍ، أوْ يَوْمٍ، أوْ ساعَةٍ، كُتِبَ ذَلِكَ حَتّى يَبْلُغَ أجَلَهُ.
فاطر 35:12
﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾، ”اَلْفُراتُ“: اَلْمُبالِغُ في العُذُوبَةِ، ﴿وَهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾، ”اَلْأُجاجُ“: اَلشَّدِيدُ المَرارَةِ، و”اَلْأُجاجُ“، أيْضًا: اَلشَّدِيدُ الحَرارَةِ، ﴿وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾، وإنَّما تُسْتَخْرَجُ الحِلْيَةُ مِنَ المِلْحِ، دُونَ العَذْبِ، إلّا أنَّهُما لَمّا كانا مُخْتَلِطَيْنِ، العَذْبُ والمِلْحُ، جازَ أنْ يُقالَ: ”تَسْتَخْرِجُونَ الحِلْيَةَ - وهي اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ - مِنهُما، كَما قالَ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]، ﴿وَتَرى الفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾، اَلْمَعْنى في“ مَواخِرَ ”: تَشُقُّ الماءَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها تَصاعَدُ، وتَنْحَدِرُ في البَحْرِ، بِرِيحٍ واحِدَةٍ، و“ اَلْفُلْكُ ”: جَمْعُ“ فُلْكٌ ”، لَفْظُ الواحِدِ كَلَفْظِ الجَمْعِ، لِأنَّ“ فُعْلًا ”، جَمْعُ“ فَعَلٌ ”، نَحْوَ:“ أسَدٌ ”، و“ أُسْدٌ ”، و“ وثَنٌ ”، و“ وُثْنٌ ”، فَكَذَلِكَ جَمْعُ“ فُعْلٌ ”، لِأنَّهُما أُخْتانِ في الجَمْعِ، تَقُولُ:“ جَبَلٌ ”، و“ أجْبالٌ ”، و“ قُفْلٌ ”، و“ أقْفالٌ ”، وكَذَلِكَ“ أسَدٌ ”، و“ آسادٌ ”، و“ فُلْكٌ ”، لِلْواحِدِ، و“ فُلْكٌ "، لِلْجَماعَةِ.
فاطر 35:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾، وهي لُفافَةُ النَّواةِ، و”اَلنَّقِيرُ“: اَلنَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، و”اَلْفَتِيلُ“: اَلَّذِي في وسَطِ النَّواةِ.
(p-٢٦٧)﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، اَلْمَعْنى: ”يَقُولُونَ: ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ“، فَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِكم إيّاهُمْ، ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، وهو اللَّهُ، لِأنَّ ما أنْبَأ اللَّهُ بِهِ مِمّا يَكُونُ، فَهو وحْدَهُ يَخْبُرُهُ، لا يَشْرُكُهُ فِيهِ أحَدٌ.
فاطر 35:18
﴿وَإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها﴾، اَلْمَعْنى: ”إنْ تَدَعْ نَفْسٌ مُثْقَلَةٌ بِالذُّنُوبِ إلى حِمْلِها، إلى ذُنُوبِها، لا يُحْمَلْ مِن ذُنُوبِها شَيْءٌ، ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾، أيْ: ولَوْ كانَ الَّذِي تَدْعُوهُ ذا قُرْبى، مِثْلَ الأبِ، والِابْنِ، ومَن أشْبَهَ هَؤُلاءِ.
﴿إنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾، فَتَأْوِيلُ“ تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم ”، وهو النَّبِيُّ ﷺ:“ تُنْذِرُ الخَلْقَ أجْمَعِينَ، والمَعْنى هَهُنا أنَّ إنْذارَكَ يَنْفَعُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم.
فاطر 35:19
﴿وَما يَسْتَوِي الأعْمى والبَصِيرُ﴾ ﴿وَلا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ﴾ [فاطر: ٢٠] ﴿وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١]، هَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، والكافِرِينَ، المَعْنى: ”لا يَسْتَوِي الأعْمى عَنِ الحَقِّ، وهو الكافِرُ، والبَصِيرُ بِالحَقِّ، وهو المُؤْمِنُ الَّذِي يُبْصِرُ رُشْدَهُ، ولا الظُّلُماتُ ولا النُّورُ“، اَلظُّلُماتُ: اَلضَّلالاتُ، والنُّورُ: اَلْهُدى، ”وَلا الظِّلُّ ولا الحَرُورُ“، اَلْمَعْنى: ”لا يَسْتَوِي أصْحابُ الحَقِّ الَّذِينَ هم في (p-٢٦٨)ظِلٍّ مِنَ الحَقِّ، ولا أصْحابُ الباطِلِ الَّذِينَ هم في حَرُورٍ، أيْ: في حَرٍّ دائِمٍ، لَيْلًا ونَهارًا، و“ اَلْحَرُورُ ": اِسْتِيقادُ الحَرِّ، ولَفَحُهُ بِالنَّهارِ، وبِاللَّيْلِ، والسَّمُومُ لا يَكُونُ إلّا بِالنَّهارِ.
فاطر 35:22
﴿وَما يَسْتَوِي الأحْياءُ ولا الأمْواتُ﴾، اَلْأحْياءُ هُمُ المُؤْمِنُونَ، والأمْواتُ: الكافِرُونَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]
فاطر 35:27
﴿وَمِنَ الجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ ألْوانُها﴾، (p-٢٦٩)”جُدَدٌ“: جَمْعُ ”جُدَّةٌ“، وهي الخُطَّةُ، والطَّرِيقَةُ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ
؎كَأنَّ سَراتَهُ وجُدَّةَ مَتْنِهِ ∗∗∗ كَنائِنُ يَجْرِي فَوْقَهُنَّ دَلِيصُ
”جُدَّةَ مَتْنِهِ“: اَلْخُطَّةُ السَّوْداءُ الَّتِي تَراها في ظَهْرِ حِمارِ الوَحْشِ، وكُلُّ طَرِيقَةٍ جادَّةٍ، وجُدَّةٍ، ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾، أيْ: ومِنَ الجِبالِ غَرابِيبُ، وهي الحِرارُ، الجِبالُ الَّتِي هي ذاتُ صُخُورٍ سُودٍ، و”اَلْغِرْبِيبُ“: اَلشَّدِيدُ السَّوادِ.
فاطر 35:28
﴿وَمِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ كَذَلِكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَفِيما خَلَقْنا مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ، ومِنَ النّاسِ والدَّوابِّ والأنْعامِ كَذَلِكَ، أيْ: كاخْتِلافِ الثَّمَراتِ والجِبالِ، ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾، أيْ: مَن كانَ عالِمًا بِاللَّهِ اشْتَدَّتْ خَشْيَتُهُ لَهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ:“ كَفى بِخَشْيَةِ اللَّهِ عِلْمًا، وبِالِاغْتِرارِ بِاللَّهِ جَهْلًا " .
فاطر 35:29
﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾، أيْ: لَنْ تَفْسُدَ، ولَنْ تَكْسَدَ.
فاطر 35:30
﴿لِيُوَفِّيَهم أُجُورَهم ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ إنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، غَفُورٌ لِذُنُوبِهِمْ، شَكُورٌ لِحَسَناتِهِمْ.
فاطر 35:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها﴾ [فاطر: ٣٣]، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، يَرْفَعُهُ: «”سابِقُنا سابِقٌ، ومُقْتَصِدُنا ناجٍ، وظالِمُنا مَغْفُورٌ لَهُ“»، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ مَغْفُورٌ لَهُمْ، لِمُقْتَصِدِهِمُ الظّالِمِ لِنَفْسِهِ مِنهُمْ، بَعْدَ صِحَّةِ العَقَدِ، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ﴾ اَلْكافِرُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ المُنافِقُ، واللَّفْظُ يَدُلُّ عَلى ما قالَهُ عُمَرُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أوْرَثْنا الكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِن عِبادِنا فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ جُمْلَةَ المُصْطَفَيْنَ هَؤُلاءِ، وقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى﴾ [النمل: ٥٩]
فاطر 35:33
(p-٢٧٠)﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾، فِيها وجْهانِ، أحَدُهُما: ”يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ومِن لُؤْلُؤٍ“، ويَجُوزُ: ”وَلُؤْلُؤًا“، عَلى مَعْنى ”يُحَلَّوْنَ أساوِرَ“، لِأنَّ مَعْنى ”مِن أساوِرَ“، كَمَعْنى ”أساوِرَ“، والتَّفْسِيرُ عَلى الخَفْضِ أكْثَرُ، عَلى مَعْنى: ”يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ذَلِكَ الذَّهَبَ في صَفاءِ اللُّؤْلُؤِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قَوارِيرا﴾ [الإنسان: ١٥] ﴿قَوارِيرا مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦]، أيْ: هي قَوارِيرُ، ولَكِنَّ بَياضَها كَبَياضِ الفِضَّةِ، والفِضَّةُ أصْلُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُحَلَّوْنَ مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ“، و”يُحَلَّوْنَ مِن لُؤْلُؤٍ“، ويَجُوزُ عَلى مَعْنى: ”وَيُحَلَّوْنَ لُؤْلُؤًا“، و”أساوِرُ“: جَمْعُ ”إسْوِرَةٌ“، و”أساوِرُ“، وواحِدُها سِوارٌ، و”اَلْأُسْوارُ“، مِن أساوِرَةِ الفُرْسِ، وهو الجَيِّدُ الرَّمْيِ بِالسِّهامِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَوَتَّرَ الأساوِرُ القِياسا ∗∗∗ سَعْدِيَّةٌ تَنْتَزِعُ الأنْفاسا
فاطر 35:34
﴿وَقالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ﴾، ويَجُوزُ: ”اَلْحُزْنُ“، مِثْلَ: ”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، و”اَلْعُرْبُ“، و”اَلْعَرَبُ“، ومَعْنى ”أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ“: أذْهَبَ عَنّا كُلَّ ما يُحْزِنُ، مِن حُزْنٍ في مَقاسٍ، أوْ حُزْنٍ لِعَذابٍ، أوْ حُزْنٍ لِلْمَوْتِ، وقَدْ أذْهَبَ اللَّهُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ كُلَّ حُزْنٍ.
فاطر 35:35
﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾، (p-٢٧١)مِثْلَ الإقامَةِ، تَقُولُ: ”أقَمْتُ بِالمَكانِ، إقامَةً، ومَقامَةً، ومُقامًا“، أيْ: أحَلَّنا دارَ الخُلُودِ مِن فَضْلِهِ، أيْ: ذَلِكَ بِتَفَضُّلِهِ لا بِأعْمالِنا، ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾، أيْ: تَعَبٌ، ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾، و”اَللُّغُوبُ“: اَلْإعْياءُ مِنَ التَّعَبِ، وقَدْ قَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَّمِيُّ: ”لَغُوبٌ“، بِفَتْحِ اللّامِ، والضَّمُّ أكْثَرُ، ومَعْنى ”لَغُوبٌ“: شَيْءٌ يُلْغَبُ مِنهُ، أيْ: لا نَتَكَلَّفُ شَيْئًا نَعْيا مِنهُ.
فاطر 35:36
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، ”فَيَمُوتُوا“، نَصْبٌ، وعَلامَةُ النَّصْبِ سُقُوطُ النُّونِ، وهو جَوابُ النَّفْيِ، والمَعْنى: ”لا يُقْضى عَلَيْهِمُ المَوْتُ فَيَمُوتُوا“، ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾، أيْ: مِن عَذابِ نارِ جَهَنَّمَ، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾، و”يُجْزى كُلُّ كَفُورٍ“، وفِيها وجْهٌ ثالِثٌ: ”كَذَلِكَ يَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ“، أيْ: ”كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ...“، اَلْمَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ الَّذِي ذَكَرْنا“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، أعْنِي ”يَجْزِي“، بِالياءِ، وفَتْحِها.
فاطر 35:37
﴿وَهم يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾، يَسْتَغِيثُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا، المَعْنى: ”يَقُولُونَ: رَبَّنا أخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ“، اَلْمَعْنى: ”إنْ تُخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحًا“، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ فَقالَ: ﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾، (p-٢٧٢)مَعْناهُ: ”أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمُ العُمُرَ الَّذِي يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ؟!“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”لَقَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلى عَبْدٍ عَمُرُهُ سِتِّينَ سَنَةً“، ويُقالُ: ”مِنَ السِّتِّينَ إلى السَّبْعِينَ“، وقَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَدْخُلُ فِيها ابْنُ سَبْعَ عَشَرَةَ سَنَةً، وقَدْ قِيلَ: ”أرْبَعِينَ“، ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، وقِيلَ: اَلشَّيْبُ، والقَوْلُ الأوَّلُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ النَّذِيرُ، أكْثَرُ التَّفْسِيرِ عَلَيْهِ، وقَدْ قِيلَ: ”اَلْأرْبَعِينَ“ .
فاطر 35:38
﴿إنَّ اللَّهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، اَلْقِراءَةُ الكَثِيرَةُ بِالخَفْضِ، ويَجُوزُ: ”عالِمٌ غَيْبَ السَّماواتِ“، عَلى مَعْنى: ”يَعْلَمُ“، و”عالِمٌ غَيْبَ“، عَلى مَعْنى: ”قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ“ .
فاطر 35:39
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكم خَلائِفَ في الأرْضِ﴾، ”خَلائِفَ“: جَمْعُ ”خَلِيفَةً“، اَلْمَعْنى: ”جَعَلَكم أُمَّةً خَلَفَتْ مَن قَبْلَها، ورَأتْ وشاهَدَتْ فِيمَن سَلَفَ ما يَنْبَغِي أنْ يَعْتَبِرَ بِهِ، ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾، اَلْمَعْنى:“ فَعَلَيْهِ جَزاءُ كُفْرِهِ ”، ﴿وَلا يَزِيدُ الكافِرِينَ كُفْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ إلا مَقْتًا﴾،“ اَلْمَقْتُ أشَدُّ الإبْغاضِ " .
فاطر 35:40
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ﴾، مَعْناهُ: ”قُلْ أخْبِرُونِي عَنْ شُرَكائِكم“ .
(p-٢٧٣)﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾، اَلْمَعْنى: ”بِأيِّ شَيْءٍ أوْجَبْتُمْ لَهم شَرِكَةَ اللَّهِ؟ أبِخَلْقٍ خَلَقُوهُ مِنَ الأرْضِ، ﴿أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ أمْ آتَيْناهم كِتابًا﴾، أيْ: أمْ أعْطَيْناهم كِتابًا بِما يَدْعُونَهُ مِنَ الشَّرِكَةِ، ﴿فَهم عَلى بَيِّنَتٍ مِنهُ﴾، ويُقْرَأُ:“ بَيِّناتٍ ”، ﴿بَلْ إنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهم بَعْضًا إلا غُرُورًا﴾، و“ اَلْغُرُورُ ”: اَلْأباطِيلُ الَّتِي تَغُرُّ، ومَعْنى“ إنْ يَعِدُ ”:“ ما يَعِدُ ”، و“ بَعْضُهم ”، بَدَلٌ مِن“ اَلظّالِمِينَ " .
فاطر 35:41
﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا﴾، مَعْنى ”يُمْسِكُ“: يَمْنَعُ السَّماواتِ والأرْضِ مِن أنْ تَزُولا، ولَمّا قالَتِ النَّصارى: اَلْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ اليَهُودُ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، كادَتِ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ، وكادَتِ الجِبالُ تَزُولُ، وكادَتِ الأرْضُ تَنْشَقُّ، قالَ اللَّهُ: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ [مريم: ٨٩]، اَلثَّلاثَ الآياتِ، فَأمْسَكَها اللَّهُ، وقالَ: ”اَلسَّماواتِ والأرْضَ“، لِأنَّ الأرْضَ تَدُلُّ عَلى الأرْضِينَ، ﴿وَلَئِنْ زالَتا إنْ أمْسَكَهُما مِن أحَدٍ مِن بَعْدِهِ﴾، يَحْتَمِلُ هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - وجْهَيْنِ مِنَ الجَوابِ، أحَدُهُما: ”زَوالُهُما (p-٢٧٤)فِي القِيامَةِ“، قالَ اللَّهُ: ﴿وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١]، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّ ”زالَتا“، وهُما لا يَزُولانِ، وقَوْلُهُ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾، فَإنَّ قَوْمًا سَألُوا، فَقالُوا: لِمَ كانَ في هَذا المَوْضِعِ ذِكْرُ الحِلْمِ والمَغْفِرَةِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَدُلُّ عَلى القُدْرَةِ؟ فالجَوابُ في هَذا أنَّهُ لَمّا أمْسَكَ السَّماواتِ والأرْضَ عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ”اِتَخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا“، حِلْمٌ، فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهم بِالعُقُوبَةِ، وأمْسَكَ السَّماواتِ والأرْضَ أنْ تَزُولا مِن عِظَمِ فِرْيَتِهِمْ.
فاطر 35:42
﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾، يَعْنِي المُشْرِكِينَ، وكانُوا حَلَفُوا، واجْتَهَدُوا: ﴿لَئِنْ جاءَهم نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أهْدى مِن إحْدى الأُمَمِ﴾، أيْ: مِنَ اليَهُودِ، والنَّصارى، وغَيْرِهِمْ، ﴿فَلَمّا جاءَهم نَذِيرٌ﴾، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿ما زادَهم إلا نُفُورًا﴾، إلّا أنْ نَفَرُوا عَنِ الحَقِّ.
فاطر 35:43
﴿اسْتِكْبارًا في الأرْضِ﴾، ”اِسْتِكْبارًا“، نَصْبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”ما زادَهم إلّا أنْ نَفَرُوا لِلِاسْتِكْبارِ“ .
(p-٢٧٥)﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾، أيْ: ومَكْرَ الشِّرْكِ، ﴿وَلا يَحِيقُ﴾، يُحِيطُ، وقَرَأ حَمْزَةُ: ”وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئْ“، عَلى الوَقْفِ، وهَذا عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ الحُذّاقِ لَحْنٌ، ولا يَجُوزُ، وإنَّما يَجُوزُ مِثْلُهُ في الشِّعْرِ، في الِاضْطِرارِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحِبْ قَوِّمِ
والأصْلُ: ”يا صاحِبُ قَوِّمِ“، ولَكِنَّهُ حَذَفَ مُضْطَرًّا، وكانَ الضَّمُّ بَعْدَ الكَسْرِ، والكَسْرُ بَعْدَ الكَسْرِ يُسْتَثْقَلُ، وأنْشَدُوا أيْضًا:
؎فاليَوْمَ أشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ ∗∗∗ إثْمًا مِنَ اللَّهِ ولا واغِلِ
وَهَذانِ البَيْتانِ قَدْ أنْشَدَهُما جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ المَذْكُورِينَ، وزَعَمُوا كُلُّهم أنَّ هَذا مِنَ الِاضْطِرارِ في الشِّعْرِ، ولا يَجُوزُ مِثْلُهُ في كِتابِ اللَّهِ، وأنْشَدَناهُما أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
؎إذا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ صاحٍ قَوِّمِ
وَهَذا جَيِّدٌ بالِغٌ، وأنْشَدَنا:
؎فاليَوْمَ فاشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ
وَأمّا ما يُرْوى عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ في قِراءَتِهِ: ”إلى بارِئْكم“، فَإنَّما هو أنْ يَخْتَلِسَ الكَسْرَ اخْتِلاسًا، ولا يَجْزِمُ ”بارِئِكم“، وهَذا - أعْنِي (p-٢٧٦)جَزْمَ بارِئِكم - إنَّما رَواهُ عَنْ أبِي عَمْرٍو مَن لا يَضْبِطُ النَّحْوَ كَضَبْطِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، ورَواهُ سِيبَوَيْهِ بِاخْتِلاسِ الكَسْرِ، كَأنَّهُ تَقَلَّلَ صَوْتَهُ عِنْدَ الكَسْرَةِ.
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الأوَّلِينَ﴾، مَعْناهُ: ”فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا مِثْلَ أيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ؟!“، والمَعْنى: ”فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إلّا أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِمَن قَبْلَهُمْ؟!“ .
فاطر 35:44
﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”لِيَفُوتَهُ مِن شَيْءٍ مِن أمْرِ السَّماواتِ ولا مِن أمْرِ الأرْضِ“ .
فاطر 35:45
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾، قالُوا: قالَ: ”عَلى ظَهْرِها“، لِأنَّ المَعْنى يُعْلَمُ أنَّهُ عَلى ظَهْرِ الأرْضِ، وهَذا حَقِيقَتُهُ أنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُ الأرْضِ، بِقَوْلِهِ فِيما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، يَلِيها قَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٤]، فَلِذَلِكَ جاءَ ”عَلى ظَهْرِها“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾، فِيهِ قَوْلانِ: فَقِيلَ: ”مِن دابَّةٍ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، وكُلِّ ما يَعْقِلُ“، وجاءَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”كادَ الجُعَلُ يَهْلِكُ في جُحْرِهِ لِذَنْبِ ابْنِ آدَمَ“، فَهَذا يَدُلُّ عَلى العُمُومِ، والَّذِي جاءَ أنَّهُ يُعْنى بِهِ الإنْسُ والجِنُّ، كَأنَّهُ أشْبَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ.
آخِرُ سُورَةِ ”اَلْمَلائِكَةِ“ .