معاني القرآن وإعرابه — يس 36:1 – الزخرف 43:88
المحتويات
- يس 36:1
- يس 36:2
- يس 36:3
- يس 36:4
- يس 36:5
- يس 36:6
- يس 36:7
- يس 36:8
- يس 36:9
- يس 36:11
- يس 36:12
- يس 36:13
- يس 36:18
- يس 36:19
- يس 36:20
- يس 36:28
- يس 36:29
- يس 36:30
- يس 36:31
- يس 36:32
- يس 36:33
- يس 36:34
- يس 36:36
- يس 36:37
- يس 36:38
- يس 36:39
- يس 36:40
- يس 36:41
- يس 36:42
- يس 36:43
- يس 36:45
- يس 36:47
- يس 36:48
- يس 36:49
- يس 36:50
- يس 36:51
- يس 36:52
- يس 36:53
- يس 36:54
- يس 36:55
- يس 36:56
- يس 36:57
- يس 36:58
- يس 36:59
- يس 36:60
- يس 36:62
- يس 36:66
- يس 36:67
- يس 36:68
- يس 36:69
- يس 36:70
- يس 36:71
- يس 36:72
- يس 36:75
- يس 36:78
- يس 36:81
- يس 36:83
- الصافات 37:1
- الصافات 37:6
- الصافات 37:7
- الصافات 37:8
- الصافات 37:10
- الصافات 37:11
- الصافات 37:12
- الصافات 37:14
- الصافات 37:15
- الصافات 37:16
- الصافات 37:18
- الصافات 37:19
- الصافات 37:20
- الصافات 37:22
- الصافات 37:23
- الصافات 37:24
- الصافات 37:25
- الصافات 37:27
- الصافات 37:28
- الصافات 37:29
- الصافات 37:31
- الصافات 37:32
- الصافات 37:34
- الصافات 37:35
- الصافات 37:40
- الصافات 37:45
- الصافات 37:46
- الصافات 37:47
- الصافات 37:48
- الصافات 37:49
- الصافات 37:52
- الصافات 37:55
- الصافات 37:56
- الصافات 37:57
- الصافات 37:62
- الصافات 37:63
- الصافات 37:65
- الصافات 37:67
- الصافات 37:70
- الصافات 37:75
- الصافات 37:76
- الصافات 37:77
- الصافات 37:78
- الصافات 37:83
- الصافات 37:84
- الصافات 37:87
- الصافات 37:88
- الصافات 37:93
- الصافات 37:94
- الصافات 37:97
- الصافات 37:100
- الصافات 37:101
- الصافات 37:102
- الصافات 37:103
- الصافات 37:107
- الصافات 37:115
- الصافات 37:123
- الصافات 37:125
- الصافات 37:130
- الصافات 37:135
- الصافات 37:140
- الصافات 37:141
- الصافات 37:142
- الصافات 37:143
- الصافات 37:144
- الصافات 37:145
- الصافات 37:146
- الصافات 37:147
- الصافات 37:149
- الصافات 37:150
- الصافات 37:151
- الصافات 37:158
- الصافات 37:159
- الصافات 37:161
- الصافات 37:163
- الصافات 37:164
- الصافات 37:165
- الصافات 37:166
- الصافات 37:167
- الصافات 37:170
- الصافات 37:171
- الصافات 37:173
- الصافات 37:174
- الصافات 37:177
- الصافات 37:180
- ص 38:1
- ص 38:3
- ص 38:4
- ص 38:6
- ص 38:7
- ص 38:8
- ص 38:9
- ص 38:10
- ص 38:11
- ص 38:12
- ص 38:15
- ص 38:16
- ص 38:17
- ص 38:18
- ص 38:19
- ص 38:20
- ص 38:21
- ص 38:22
- ص 38:23
- ص 38:24
- ص 38:26
- ص 38:27
- ص 38:30
- ص 38:31
- ص 38:32
- ص 38:33
- ص 38:34
- ص 38:35
- ص 38:37
- ص 38:39
- ص 38:41
- ص 38:42
- ص 38:43
- ص 38:44
- ص 38:45
- ص 38:46
- ص 38:47
- ص 38:48
- ص 38:49
- ص 38:52
- ص 38:53
- ص 38:55
- ص 38:57
- ص 38:58
- ص 38:59
- ص 38:60
- ص 38:61
- ص 38:63
- ص 38:64
- ص 38:65
- ص 38:67
- ص 38:69
- ص 38:71
- ص 38:75
- ص 38:77
- ص 38:78
- ص 38:81
- ص 38:83
- ص 38:84
- ص 38:88
- الزمر 39:1
- الزمر 39:2
- الزمر 39:4
- الزمر 39:6
- الزمر 39:7
- الزمر 39:8
- الزمر 39:9
- الزمر 39:10
- الزمر 39:11
- الزمر 39:15
- الزمر 39:16
- الزمر 39:17
- الزمر 39:19
- الزمر 39:21
- الزمر 39:22
- الزمر 39:23
- الزمر 39:24
- الزمر 39:27
- الزمر 39:29
- الزمر 39:31
- الزمر 39:32
- الزمر 39:33
- الزمر 39:36
- الزمر 39:39
- الزمر 39:41
- الزمر 39:45
- الزمر 39:49
- الزمر 39:50
- الزمر 39:51
- الزمر 39:53
- الزمر 39:54
- الزمر 39:55
- الزمر 39:56
- الزمر 39:57
- الزمر 39:59
- الزمر 39:60
- الزمر 39:61
- الزمر 39:64
- الزمر 39:66
- الزمر 39:67
- الزمر 39:68
- الزمر 39:69
- الزمر 39:73
- الزمر 39:74
- الزمر 39:75
- غافر 40:1
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:15
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:32
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:45
- غافر 40:51
- غافر 40:56
- غافر 40:60
- غافر 40:71
- غافر 40:75
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:15
- فصلت 41:17
- فصلت 41:19
- فصلت 41:21
- فصلت 41:23
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:3
- الشورى 42:5
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:11
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:20
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:26
- الشورى 42:28
- الشورى 42:30
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:43
- الشورى 42:45
- الشورى 42:47
- الشورى 42:49
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:88
يس 36:1
(p-٢٧٧)سُورَةُ يـس
مَكِّيَّةٌ
﷽
جاءَ في التَّفْسِيرِ: ﴿يس﴾، مَعْناهُ: ”يا إنْسانُ“، وجاءَ: ”يا رَجُلُ“، وجاءَ: ”يا مُحَمَّدُ“، والَّذِي عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ ”الـم اِفْتِتاحُ السُّورَةِ“، وجاءَ أنَّ مَعْناهُ القَسَمُ، وبَعْضُهم - أعَنى بَعْضَ العَرَبِ - تَقُولُ: ”ياسِينَ والقُرْآنَ“، بِفَتْحِ النُّونِ، وهَذا جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، والتَّسْكِينُ أجْوَدُ، لِأنَّها حُرُوفُ هِجاءٍ، وقَدْ شَرَحْنا أشْباهَ ذَلِكَ، فَأمّا مَن فَتَحَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى أنْ ”يـس“، اِسْمٌ لِلسُّورَةِ، حِكايَةً، كَأنَّهُ قالَ: ”اُتْلُ يس“، وهو عَلى وزْنِ ”هابِيلَ“، و”قابِيلَ“، لا يَنْصَرِفُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَتَحَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.
يس 36:2
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾، مَعْناهُ أنَّ آياتِهِ أُحْكِمَتْ وبُيِّنَ فِيها الأمْرُ، والنَّهْيُ، والأمْثالُ، وأقاصِيصُ الأُمَمِ السّالِفَةِ.
يس 36:3
﴿إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، هَذا خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وهو جَوابُ القَسَمِ، جَوابُ ”والقُرْآنِ إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ“ .
يس 36:4
﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، أيْ: عَلى طَرِيقِ الأنْبِياءِ الَّذِينَ تَقَدَّمُوكَ، وأحْسَنُ ما في العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ ”لَمِنَ المُرْسَلِينَ“، خَبَرَ ”إنَّ“، ويَكُونَ ”عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“، (p-٢٧٨)خَبَرًا ثانِيًا، فالمَعْنى: ”إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا عَلى طَرِيقَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ“ .
يس 36:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَنْـزِيلَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾، تُقْرَأُ: ”تَنْزِيلُ“، بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ، فَمَن نَصَبَ فَعَلى المَصْدَرِ، عَلى مَعْنى: ”نَزَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَنْزِيلًا“، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: ”اَلَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ تَنْزِيلُ العَزِيزِ الرَّحِيمِ“ .
يس 36:6
﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”لِتُنْذِرَ قَوْمًا مِثْلَ ما أُنْذِرَ آباؤُهم“، وجاءَ: ”لِتُنْذِرَ قَوْمًا لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهم“، فَيَكُونُ ”ما“، جَحْدًا، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - الِاخْتِيارُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”فَهم غافِلُونَ“، دَلِيلٌ عَلى مَعْنى: ”لَمْ يُنْذَرْ آباؤُهُمْ، وإذا كانَ قَدْ أُنْذِرَ آباؤُهم فَهم غافِلُونَ“، فَفِيهِ بُعْدٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ، ودَلِيلُ النَّفْيِ قَوْلُهُ: ﴿وَما آتَيْناهم مِن كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أرْسَلْنا إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَذِيرٍ﴾ [سبإ: ٤٤]، ولَوْ كانَ آباؤُهم مُنْذَرِينَ لَكانُوا مُنْذَرِينَ دارِسِينَ لَكُتُبٍ - واللَّهُ أعْلَمُ.
يس 36:7
﴿لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ﴾، ”اَلْقَوْلُ“، هَهُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذابِ عَلى الكافِرِينَ﴾ [الزمر: ٧١]، اَلْمَعْنى: ”لَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى أكْثَرِهِمْ بِكُفْرِهِمْ وعِنادِهِمْ، أضَلَّهُمُ اللَّهُ ومَنَعَهم مِنَ الهُدى“ .
يس 36:8
(p-٢٧٩)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا﴾، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ - رَحِمَهُما اللَّهُ -: ”إنّا جَعَلْنا في أيْمانِهِمْ“، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”في أيْدِيهِمْ أغْلالًا“، وهاتانِ القِراءَتانِ لا يَجِبُ أنْ يُقْرَأ بِواحِدَةٍ مِنهُما، لِأنَّهُما بِخِلافِ المُصْحَفِ، فالمَعْنى في قَوْلِهِ: ”في أعْناقِهِمْ“، ومَن قَرَأ: ”في أيْمانِهِمْ“، ومَن قَرَأ: ”في أيْدِيهِمْ“، فَمَعْنًى واحِدٌ، وذَلِكَ أنَّهُ لا يَكُونُ الغُلُّ في العُنُقِ دُونَ اليَدِ، ولا في اليَدِ دُونَ العُنُقِ، فالمَعْنى: ”إنّا جَعَلَنا في أعْناقِهِمْ، وفي أيْمانِهِمْ، أغْلالًا“، ﴿فَهِيَ إلى الأذْقانِ﴾، كِنايَةٌ عَنِ الأيْدِي، لا عَنِ الأعْناقِ، لِأنَّ الغُلَّ يَجْعَلُ اليَدَ تَلِي الذَّقَنَ، والعُنُقُ هو مُقارِبٌ لِلذَّقَنِ، لا يَجْعَلُ الغُلُّ العُنَقَ إلى الذَّقَنِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهم مُقْمَحُونَ﴾، ”اَلْمُقْمَحُ“: اَلرّافِعُ رَأْسَهُ، الغاضُّ بَصَرَهُ، وقِيلَ لِلْكانُونَيْنَ: ”شَهْرا قِماحٍ“، لِأنَّ الإبِلَ إذا ورَدَتِ الماءَ تَرْفَعُ رُؤُوسَها لِشِدَّةِ بَرْدِهِ، ولِذا قِيلَ: ”شَهْرا قِماحٍ“، وإنَّما ذُكِرَتِ الأعْناقَ، ولَمْ تُذْكَرِ الأيْدِي، إيجازًا، واخْتِصارًا، لِأنَّ الغُلَّ يَتَضَمَّنُ العُنُقَ واليَدَ، ومَن قَرَأ: ”في أيْمانِهِمْ“، فَهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى العُنُقِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ المُثَقَّبِ:
؎فَما أدْرِي إذا يَمَّمْتُ أرْضًا ∗∗∗ أُرِيدُ الخَيْرَ أيُّهُما يَلِينِي؟
أألْخَيْرُ الَّذِي أنا أبْتَغِيهِ ... أمِ الشَّرُّ الَّذِي هو يَبْتَغِينِي
(p-٢٨٠)وَإنَّما ذُكِرَ الخَيْرُ وحْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ”أيُّهُما يَلِينِي“، لِأنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ الإنْسانَ الخَيْرُ والشَّرُّ مُعَرَّضانِ لَهُ، لا يَدْرِي إذا أمَّ أرْضًا أيَلْقاهُ هَذا أمْ هَذا، ومِثْلُهُ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، ولَمْ يَذْكُرِ البَرْدَ، لِأنَّ ما وقى هَذا، وقى هَذا.
يس 36:9
﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا﴾، و”سُدًّا“، بِالفَتْحِ والضَّمِ، ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَدْ قِيلَ: ”اَلسَّدُّ“، فِعْلُ الإنْسانِ، و”اَلسُّدُّ“، خِلْقَةُ المَسْدُودِ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما قَدْ جاءَ في التَّفْسِيرِ، وهو أنَّ قَوْمًا أرادُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ سُوءًا، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ ذَلِكَ، فَجُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن هَذِهِ حالُهُ، فَجُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن غُلَّتْ يَمِينُهُ، وسُدَّ طَرِيقُهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ومِن خَلْفِهِ، وجُعِلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةٌ، وهو مَعْنى: ﴿فَأغْشَيْناهُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”فَأعْشَيْناهم“، بِالعَيْنِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، فَحالَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِهِ، وكانَ في هَؤُلاءِ أبُو جَهْلٍ، فِيما يُرْوى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصَفَ إضْلالَهُمْ، فَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا في أعْناقِهِمْ أغْلالا فَهي إلى الأذْقانِ﴾ [يس: ٨]، أيْ: أضْلَلْناهُمْ، فَأمْسَكْنا أيْدِيَهم عَنِ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والسَّعْيِ فِيما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ، ﴿وَجَعَلْنا مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ سَدًّا ومِن خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾، كَما قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧]، اَلْآيَةَ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهم أمْ لَمْ تُنْذِرْهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠]، لِأنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ هَذا الإضْلالَ لَمْ يَنْفَعْهُ الإنْذارُ.
يس 36:11
﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾، (p-٢٨١)أيْ: مِنِ اسْتَمَعَ القُرْآنَ واتَّبَعَهُ، ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: خافَ اللَّهَ مِن حَيْثُ لا يَراهُ أحَدٌ، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ“، ”اَلْمَغْفِرَةُ“، هي العَفْوُ عَنْ ذُنُوبِهِ، و”أجْرٍ كَرِيمٍ“، بِالجَنَّةِ.
يس 36:12
﴿إنّا نَحْنُ نُحْيِي المَوْتى ونَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وآثارَهُمْ﴾، ما أسْلَفُوا مِن أعْمالِهِمْ، ونَكْتُبُ آثارَهُمْ، أيْ: مَن سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً كُتِبَ لَهُ ثَوابُها، ومَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً كُتِبَ عَلَيْهِ عِقابُها، وقَدْ قِيلَ: ”وَنَكْتُبُ آثارَهم“، أيْ: خُطاهُمْ، والأوَّلُ أكْثَرُ، وأبْيَنُ.
يس 36:13
﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا﴾، ”مَثَلًا“، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ بِهِ، مَعْنى قَوْلِ النّاسِ: ”اِضْرِبْ لَهُ مَثَلًا“: أيْ: ”اُذْكُرْ لَهُ مَثَلًا“، ويُقالُ: ”عِنْدِي مِن هَذا الضَّرْبِ شَيْءٌ كَثِيرٌ“، أيْ: مِن هَذا المِثالِ، وتَقُولُ: هَذِهِ الأشْياءُ عَلى ضَرْبٍ واحِدٍ، أيْ: عَلى مِثالٍ واحِدٍ، فَيَعْنِي ”اِضْرِبْ لَهم مَثَلًا“: ”مَثِّلْ لَهم مَثَلًا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أصْحابَ القَرْيَةِ﴾، أيْ: ”خَبَرَ أصْحابِ القَرْيَةِ“، ﴿إذْ جاءَها المُرْسَلُونَ﴾، (p-٢٨٢)جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم أهْلُ إنْطاكِيَّةَ، وجَّهَ إلَيْهِمْ عِيسى اثْنَيْنِ، فَكَذَّبُوهُما، قالَ: ﴿فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، ويُقْرَأُ: ”فَعَزَزْنا“، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، ومَعْنى ”فَعَزَّزْنا“: فَقَوَّيْنا، وشَدَّدْنا الرِّسالَةَ بِثالِثِ، أيْ: بِرَسُولٍ ثالِثٍ، ﴿فَقالُوا إنّا إلَيْكم مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٤]، إلى قَوْلِهِ: ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾ [يس: ١٧]، فَأعْلَمَهُمُ الرُّسُلُ أنَّ ما عَلَيْهِمُ البَلاغُ.
يس 36:18
﴿قالُوا إنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾، أيْ: تَشاءَمْنا، ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، أيْ: لَنَقْتُلَنَّكم رَجْمًا.
يس 36:19
﴿قالُوا طائِرُكم مَعَكُمْ﴾، ويَجُوزُ: ”طَيْرُكم مَعَكم“، لِأنَّهُ يُقالُ: ”طائِرٌ“، و”طَيْرٌ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ هَهُنا: ”طَيْرُكم“، بِغَيْرِ ألِفٍ، والمَعْنى: ”قالُوا شُؤْمُكم مَعَكم“، ﴿أإنْ ذُكِّرْتُمْ﴾، أيْ: ”أئِنْ ذُكِّرْتُمْ تَطَيَّرْتُمْ؟!“، ويُقْرَأُ: ”أأنْ ذُكِّرْتُمْ“، أيْ: ”لِأنْ ذُكِّرْتُمْ“ .
يس 36:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾، هَذا رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ في غارٍ في جَبَلٍ، فَلَمّا سَمِعَ بِالمُرْسَلِينَ جاءَ يَسْعى، أيْ: يَعْدُو إلَيْهِمْ، فَقالَ: ”أتُرِيدُونَ أجْرًا عَلى ما جِئْتُمْ بِهِ؟“، فَقالَ المُرْسَلُونَ: ”لا“، وكانَ يُقالُ لِهَذا الرَّجُلِ - فِيما رُوِيَ -: ”حَبِيبٌ النَّجّارُ“، (p-٢٨٣)فَأقْبَلَ عَلى قَوْمِهِ فَقالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿اتَّبِعُوا مَن لا يَسْألُكم أجْرًا وهم مُهْتَدُونَ﴾ [يس: ٢١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْمَعُونِ﴾ [يس: ٢٥]، فَأشْهَدَ الرُّسُلَ عَلى إيمانِهِ، قالَ قَتادَةُ: ”هَذا رَجُلٌ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ ومَحَّضَهُمُ النَّصِيحَةَ، فَقَتَلُوهُ عَلى ذَلِكَ، وأقْبَلُوا يَرْجُمُونَهُ، وهو يَقُولُ: اَللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي“، فَأدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ، فَهو حَيٌّ فِيها يُرْزَقُ، والمَعْنى: ”فَلَمّا عَذَّبَهُ قَوْمُهُ، قِيلَ:“ اُدْخُلِ الجَنَّةَ ”، فَلَمّا شاهَدَها قالَ: ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٢٦] ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ المُكْرَمِينَ﴾ [يس: ٢٧]، أيْ: بِمَغْفِرَةِ رَبِّي لِي،“ مِنَ المُكْرَمِينَ ”، أيْ: مِنَ المُدْخَلِينَ الجَنَّةَ، وقِيلَ أيْضًا:“ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ”، أيْ: لَيْتَهم يَعْلَمُونَ بِالعَمَلِ والإيمانِ الَّذِي غَفَرَ لِي بِهِ رَبِّي، ويَجُوزُ“ بِمَ غَفَرَ لِي رَبِّي ”، عَلى مَعْنى:“ بِأيِّ شَيْءٍ غَفَرَ لِي رَبِّي ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ بِما ”، في هَذا المَعْنى بِإثْباتِ الألِفِ، تَقُولُ:“ قَدْ عَلِمْتُ بِما صَنَعْتَ هَذا ”، وقَدْ عَلِمْتُ بِمَ صَنَعْتَ هَذا“، أيْ: ”قَدْ عَلِمْتُ بِأيِّ شَيْءٍ صَنَعْتَ هَذا“، وحَذْفُ الألِفِ في هَذا المَعْنى أجْوَدُ.
يس 36:28
﴿وَما أنْـزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ﴾، اَلْمَعْنى: ”لَمْ نُنْزِلْ عَلَيْهِمْ جُنْدًا، لَمْ نَنْتَصِرْ لِلرَّسُولِ الَّذِي كَذَّبُوهُ بِجُنْدٍ“ .
يس 36:29
وَمَعْنى ﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾: ”ما كانَتْ إلّا صَيْحَةً واحِدَةً، إلّا أنْ صِيحَ بِهِمْ صَيْحَةٌ واحِدَةٌ فَماتُوا (p-٢٨٤)مُعَذَّبِينَ بِها، ويُقْرَأُ:“ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ ”، قَرَأ بِها أبُو جَعْفَرٍ المَدَنِيُّ وحْدَهُ، وهي جَيِّدَةٌ في العَرَبِيَّةِ، فَمَن نَصَبَ فالمَعْنى:“ ما وقَعَتْ عَلَيْهِمْ عُقُوبَةٌ إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ "، ﴿فَإذا هم خامِدُونَ﴾، أيْ: ساكِنُونَ، قَدْ ماتُوا، وصارُوا بِمَنزِلَةِ الرَّمادِ الخامِدِ الهامِدِ.
يس 36:30
﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾، وقُرِئَتْ: ”يا حَسْرَةَ العِبادِ“، بِغَيْرِ ”عَلى“، ولَكِنِّي لا أُحِبُّ القِراءَةَ بِشَيْءٍ خالَفَ المُصْحَفَ البَتَّةَ، وهَذِهِ مِن أصْعَبِ مَسْألَةٍ في القُرْآنِ، إذا قالَ القائِلُ: ما الفائِدَةُ في مُناداةِ الحَسْرَةِ، والحَسْرَةُ مِمّا لا يُجِيبُ؟ فالفائِدَةُ في مُناداتِها كالفائِدَةِ في مُناداةِ ما لا يَعْقِلُ، لِأنَّ النِّداءَ بابُ تَنْبِيهٍ، إذا قُلْتَ: ”يا زَيْدُ“، فَإنْ لَمْ تَكُنْ دَعَوْتَهُ لِتُخاطِبَهُ لِغَيْرِ النِّداءِ، فَلا مَعْنى لِلْكَلامِ، إنَّما تَقُولُ: ”يا زَيْدُ“، فَتُنَبِّهُهُ بِالنِّداءِ، ثُمَّ تَقُولُ لَهُ: ”فَعَلْتَ كَذا، وافْعَلْ كَذا“، وما أحْبَبْتَ، مِمّا لَهُ فِيهِ فائِدَةٌ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ لِمَن هو مُقْبِلٌ عَلَيْكَ: ”يا زَيْدُ، ما أحْسَنَ ما صَنَعْتَ!“ ؟ ولَوْ قُلْتَ لَهُ: ”ما أحْسَنَ ما صَنَعْتَ!“، كُنْتَ قَدْ بَلَغْتَ في الفائِدَةِ ما أفْهَمْتَ بِهِ، غَيْرَ أنَّ قَوْلَكَ: ”يا زَيْدُ“، أوْكَدْ في الكَلامِ، وأبْلَغُ في الإفْهامِ، وكَذا إذا قُلْتَ لِلْمُخاطَبِ: ”أنا أعْجَبُ مِمّا فَعَلْتَ“، فَقَدْ أفَدْتَهُ أنَّكَ مُتَعَجِّبٌ، ولَوْ قُلْتَ: ”واعَجَباهُ مِمّا فَعَلْتَ!“، و”يا عَجَباهُ! أتَفْعَلُ كَذا وكَذا؟!“، كانَ دُعاؤُكَ العَجَبَ أبْلَغَ في الفائِدَةِ، والمَعْنى: ”يا عَجَبُ أقْبِلْ، فَإنَّهُ مِن أوْقاتِكَ“، وإنَّما نِداءُ العَجَبِ تَنْبِيهٌ لِتَمَكُّنِ عِلْمِ المُخاطَبِ بِالتَّعَجُّبِ مِن فِعْلِهِ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: ”وَيْلٌ لِزَيْدٍ“، أوْ ”وَيْلَ زَيْدٍ، لِمَ فَعَلَ (p-٢٨٥)كَذا وكَذا؟!“، كانَ أبْلَغَ، وكَذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]، وكَذَلِكَ: ﴿يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]، وكَذَلِكَ: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾، والمَعْنى في التَّفْسِيرِ أنَّ اسْتِهْزاءَهم بِالرُّسُلِ حَسْرَةٌ عَلَيْهِمْ، والحَسْرَةُ أنْ يَرْكَبَ الإنْسانُ مِن شِدَّةِ النَّدَمِ ما لا نِهايَةَ لَهُ بَعْدَهُ، حَتّى يَبْقى قَلْبُهُ حَسِيرًا.
يس 36:31
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾، أيْ: فَيَخافُونَ أنْ يُعَجَّلَ لَهم في الدُّنْيا، مِثْلُ الَّذِي عُجِّلَ لِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُهْلِكَ، وأنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَعُودُونَ إلى الدُّنْيا أبَدًا، ومَوْضِعُ ”كَمْ“، نَصْبٌ بِـ ”أهْلَكْنا“، لِأنَّ ”كَمْ“، لا يَعْمَلُ فِيها ما قَبْلَها، خَبَرًا كانَتْ أوِ اسْتِفْهامًا، تَقُولُ في الخَبَرِ: ”كَمْ سِرْتُ“، تُرِيدُ: ”سِرْتُ فَراسِخَ كَثِيرَةً“، ولا يَجُوزُ ”سِرْتُ كَمْ فَرْسَخًا“، وذَلِكَ أنَّ ”كَمْ“، في بابِها بِمَنزِلَةِ ”رُبَّ“، وأنَّ أصْلَها الِاسْتِفْهامُ والإبْهامُ، فَكَما أنَّكَ إذا اسْتَفْهَمْتَ فَقُلْتَ لِلْمُخاطَبِ: ”كَمْ فَرْسَخًا سِرْتَ؟“، لَمْ يَجُزْ ”سِرْتُ كَمْ فَرْسَخًا“، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ لا يَعْمَلُ فِيهِ ما قَبْلَهُ، فَكَذَلِكَ إذا جُعِلَتْ ”كَمْ“، خَبَرًا، فالإبْهامُ قائِمٌ فِيها، و”أنَّهم“، بَدَلٌ مِن مَعْنى ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا﴾، والمَعْنى: ”ألَمْ يَرَوْا أنَّ القُرُونَ الَّتِي أهْلَكْنا أنَّهم لا يَرْجِعُونَ“، ويَجُوزُ: ”إنَّهم لا يَرْجِعُونَ“، بِكَسْرِ ”إنَّ“، ومَعْنى ذَلِكَ الِاسْتِئْنافُ، المَعْنى: ”هم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ“ .
يس 36:32
(p-٢٨٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾، مَن قَرَأ بِالتَّخْفِيفِ: ”لَما“، فَـ ”ما“، زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: ”إنْ كُلٌّ لَجَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ“، ومَعْناهُ: ”وَما كُلٌّ إلّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ“، ويُقْرَأُ: ”لَمّا“، بِالتَّشْدِيدِ، ومَعْنى ”لَمّا“، هَهُنا: ”ألّا، تَقُولُ:“ سَألْتُكَ لَمّا فَعَلْتَ "، وتَفْسِيرُ الآيَةِ أنَّهم يُحْضَرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقِفُونَ عَلى ما عَمِلُوا.
يس 36:33
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيْتَةُ أحْيَيْناها﴾، ويُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ، وأصْلُ ”اَلْمَيْتَةُ“: ”اَلْمَيِّتَةُ“، والأصْلُ التَّشْدِيدُ، والتَّخْفِيفُ أكْثَرُ، وكِلاهُما جائِزٌ، و”آيَةٌ“، مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها ”لَهم“، أيْ: ”وَعَلامَةٌ تَدُلُّهم عَلى التَّوْحِيدِ، وأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ المَوْتى، إحْياءُ الأرْضِ المَيِّتَةِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”آيَةٌ“، مَرْفُوعَةً بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُها ”اَلْأرْضُ المَيْتَةُ“ .
يس 36:34
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ﴾ [يس: ٣٥]، ويَجُوزُ: ”ثُمْرِهِ“، بِإسْكانِ المِيمِ، وضَمِّ الثّاءِ، ﴿وَما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ﴾ [يس: ٣٥]، ويُقْرَأُ: ”عَمِلَتْ“، بِغَيْرِ هاءٍ، ومَوْضِعُ ”ما“: خَفْضٌ، المَعْنى: ”لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ ومِمّا عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“، نَفْيًا، عَلى مَعْنى: ”لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ، ولَمْ تَعْمَلْهُ أيْدِيهِمْ“، هَذا عَلى إثْباتِ الهاءِ، وإذا حُذِفَتِ الهاءُ فالِاخْتِيارُ أنْ يَكُونَ ”ما“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، ويَكُونَ ”ما“، في مَعْنى ”اَلَّذِي“، فَيَحْسُنُ حَذْفُ الهاءِ، ويَكُونُ هَذا عَلى قَوْلِهِ: (p-٢٨٧)﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣] ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [الواقعة: ٦٤]
يس 36:36
وَقَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾، ”سُبْحانَ“: تَبْرِئَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، وتَنْزِيهُهُ، ومَعْنى ”اَلْأزْواجُ“: اَلْأجْناسُ كُلُّها مِنَ النَّباتِ، والحَيَوانِ، وغَيْرِها، ﴿وَمِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾، مِمّا خَلَقَ اللَّهُ مِن جَمِيعِ الأنْواعِ والأشْباهِ.
يس 36:37
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾، ومَعْنى ”نَسْلَخُ“: نُخْرِجُ مِنهُ النَّهارَ إخْراجًا لا يَبْقى مَعَهُ شَيْءٌ مِن ضَوْءِ النَّهارِ، وذَلِكَ مِنَ العَلاماتِ الدّالَّةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ.
يس 36:38
﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾، اَلْمَعْنى: ”وَآيَةٌ لَهُمُ الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها“، أيْ: لِأجَلٍ قَدْ أُجِّلَ لَها، وقُدِّرَ لَها، ومَن قَرَأ: ”لا مُسْتَقَرَّ لَها“، فَمَعْناهُ أنَّها جارِيَةٌ أبَدًا، لا تَثْبُتُ في مَكانٍ.
يس 36:39
﴿والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾، يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ، فَمَن نَصَبَ فَعَلى ”وَقَدَّرْنا القَمَرَ مَنازِلَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ“، والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”وَآيَةٌ لَهُمُ القَمَرُ قَدَّرْناهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الِابْتِداءِ، و”قَدَّرْناهُ“، اَلْخَبَرَ، ﴿حَتّى عادَ كالعُرْجُونِ القَدِيمِ﴾، ”اَلْعُرْجُونُ“: عُودُ العِذْقِ الَّذِي يُسَمّى ”اَلْكِباسَةُ“، وحَقِيقَةُ العُرْجُونِ (p-٢٨٨)أنَّهُ العُودُ الَّذِي عَلَيْهِ العِذْقُ، و”اَلْعُرْجُونُ“: عُودُ العِذْقِ الَّذِي تَرْكَبُهُ الشَّمارِيخُ مِنَ العِذْقِ، فَإذا جَفَّ وقَدُمَ دَقٌّ وصَغُرَ، فَحِينَئِذٍ يُشْبِهُ الهِلالَ في آخِرِ الشَّهْرِ، وفي أوَّلِ مَطْلَعِهِ، وتَقْدِيرُ ”عُرْجُونٌ“: ”فُعْلُولٌ“، مِن ”اَلِانْعِراجُ“ .
يس 36:40
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾، اَلْآيَةَ، المَعْنى: ”لا يَذْهَبُ أحَدُهُما بِمَعْنى الآخَرِ، ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما فَلَكٌ، ومَعْنى“ يَسْبَحُونَ ": يَسِيرُونَ فِيهِ بِانْبِساطٍ، وكُلُّ مَنِ انْبَسَطَ في شَيْءٍ فَقَدْ سَبَحَ فِيهِ، ومِن ذَلِكَ السِّباحَةُ في الماءِ.
يس 36:41
﴿وَآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، خُوطِبَ بِهَذا أهْلُ مَكَّةَ، وقِيلَ: ”حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم“، لِأنَّ مَن حُمِلَ مَعَ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الفُلْكِ فَهم آباؤُهُمْ، وذُرِّيّاتُهُمْ، و”اَلْمَشْحُونُ“، في اللُّغَةِ: اَلْمَمْلُوءُ، ”شَحَنْتُ السَّفِينَةَ“، إذا مَلَأْتُها، و”شَحَنْتُ المَدِينَةَ“، و”أشْحَنْتُها“، إذا مَلَأْتُها.
يس 36:42
وَقَوْلُهُ: ﴿وَخَلَقْنا لَهم مِن مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾، اَلْأكْثَرُ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”مِن مِثْلِهِ“: مِن مِثْلِ سَفِينَةِ نُوحٍ، وقِيلَ: ”مِن مِثْلِهِ“، يَعْنِي بِهِ الإبِلَ، وأنَّ الإبِلَ في البَرِّيَّةِ بِمَنزِلَةِ السُّفُنِ في البَحْرِ.
يس 36:43
﴿وَإنْ نَشَأْ نُغْرِقْهم فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، أيْ: فَلا مُغِيثَ لَهم.
(p-٢٨٩)﴿إلا رَحْمَةً مِنّا﴾ [يس: ٤٤]، مَنصُوبَةٌ، مَفْعُولٌ لَها، المَعْنى: ”وَلا يُنْقَذُونَ إلّا لِرَحْمَةٍ مِنّا ولِمَتاعٍ إلى حِينٍ، إلى انْقِضاءِ الأجَلِ“ .
يس 36:45
﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكُمْ﴾، ما أسْلَفْتُمْ مِن ذُنُوبِكُمْ، وما تَعْمَلُونَهُ فِيما تَسْتَقْبِلُونَ، وقِيلَ: ”ما بَيْنَ أيْدِيكم وما خَلْفَكم“، عَلى مَعْنى: ”اِتَّقُوا أنْ يَنْزِلَ بِكم مِنَ العَذابِ مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِالأُمَمِ قَبْلَكم“، ”وَما خَلْفَكم“، أيْ: ”اِتَّقُوا عَذابَ الآخِرَةِ“، ومِثْلُهُ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]
يس 36:47
﴿وَإذا قِيلَ لَهم أنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾، أيْ: ”أطْعِمُوا، وتَصَدَّقُوا“، ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أنُطْعِمُ مَن لَوْ يَشاءُ اللَّهُ أطْعَمَهُ﴾، كَأنَّهم يَقُولُونَ هَذا عَلى حَدِّ الِاسْتِهْزاءِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ في الزَّنادِقَةِ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ اليَهُودِ.
يس 36:48
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ”مَتى إنْجازُ هَذا الوَعْدِ؟ أرُونا ذَلِكَ“ .
يس 36:49
﴿ما يَنْظُرُونَ إلا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهم وهم يَخِصِّمُونَ﴾، في ”يَخِصِّمُونَ“، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: سُكُونُ الخاءِ والصّادِ، مَعَ تَشْدِيدِ الصّادِ، عَلى جَمْعٍ بَيْنَ سّاكِنَيْنِ، وهو أشَدُّ الأرْبَعَةِ وأرْدَؤُها، وكانَ بَعْضُ مَن (p-٢٩٠)يَرْوِي قِراءَةَ أهْلِ المَدِينَةِ يَذْهَبُ إلى أنَّ هَذا لَمْ يُضْبَطْ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ كَما لَمْ يُضْبَطْ عَنْ أبِي عَمْرٍو ”إلى بارِئْكم“، وإنَّما زَعَمَ أنَّ هَذا تُخْتَلَسُ فِيهِ الحَرَكَةُ اخْتِلاسًا، وهي فَتْحَةُ الخاءِ، والقَوْلُ كَما قالَ، والقِراءَةُ الجَيِّدَةُ ”يَخَصِّمُونَ“، بِفَتْحِ الخاءِ، والأصْلُ: ”يَخْتَصِمُونَ“، فَطُرِحَتْ فَتْحَةُ التّاءِ عَلى الخاءِ، وأُدْغِمَتْ في الصّادِ، وكَسْرُ الخاءِ جَيِّدٌ أيْضًا، تُكْسَرُ الخاءُ لِسُكُونِها، وسُكُونِ الصّادِ، وقُرِئَتْ: ”يَخْتَصِمُونَ“، وهي جَيِّدَةٌ أيْضًا، ومَعْناها: ”يَأْخُذُهم وبَعْضُهم يَخْصِمُ بَعْضًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تَأْخُذُهم وهم عِنْدَ أنْفُسِهِمْ يَخْتَصِمُونَ في الحُجَّةِ في أنَّهم لا يُبْعَثُونَ، فَتَقُومُ السّاعَةُ وهم مُتَشاغِلُونَ في مُتَصَرَّفاتِهِمْ“ .
يس 36:50
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾، لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يُوصِيَ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِ، ﴿وَلا إلى أهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾، لا يَلْبَثُ إلى أنْ يَصِيرَ إلى أهْلِهِ ومَنزِلِهِ، يَمُوتُ في مَكانِهِ.
يس 36:51
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإذا هم مِنَ الأجْداثِ إلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾، ”اَلصُّورُ“، كَما جاءَ في التَّفْسِيرِ: اَلْقَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقَدْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ ”اَلصُّورُ“، جَمْعُ ”صُورَةٌ“، و”صُورَةٌ“، جَمْعُها ”صُوَرٌ“، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [التغابن: ٣]، وما قَرَأ أحَدٌ: ”أحْسَنَ صُورَكم“، ولا قَرَأ أحَدٌ: ”وَنُفِخَ في الصُّوَرِ“، مِن وجْهٍ يَثْبُتُ، و”اَلْأجْداثُ“: اَلْقُبُورُ، واحِدُها ”جَدَثٌ“، و”يَنْسِلُونَ“: يَخْرُجُونَ بِسُرْعَةٍ.
يس 36:52
وَقَوْلُهُ: ﴿قالُوا يا ويْلَنا مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا﴾، هَذا وقْفُ التَّمامِ، وهَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ.
(p-٢٩١)وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ﴾، ”هَذا“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ”ما وعَدَ الرَّحْمَنُ“، وهَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ، أعْنِي: ”هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هَذا“، مِن نَعْتِ ”مَرْقَدِنا“، عَلى مَعْنى: ”مَن بَعَثَنا مِن مَرْقَدِنا هَذا الَّذِي كُنّا راقِدِينَ فِيهِ؟“، ويَكُونُ ”ما وعَدَ الرَّحْمَنُ وصَدَقَ المُرْسَلُونَ“، عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما عَلى إضْمارِ ”هَذا“، والثّانِي عَلى إضْمارِ ”حَقٌّ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”حَقٌّ ما وعَدَ الرَّحْمَنُ“، والقَوْلُ الأوَّلُ - أعْنِي ابْتِداءَ ”هَذا“ - عَلَيْهِ التَّفْسِيرُ، وهو قَوْلُ أهْلِ اللُّغَةِ.
يس 36:53
﴿إنْ كانَتْ إلا صَيْحَةً واحِدَةً﴾، و”إلّا صَيْحَةٌ واحِدَةٌ“، وقَدْ مَضى إعْرابُهُما، ﴿فَإذا هم جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾، فالمَعْنى: ”إنَّ إهْلاكَهم كانَ بِصَيْحَةِ، وبَعْثَهم وإحْياءَهم بِصَيْحَةٍ“ .
يس 36:54
﴿فاليَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ولا تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”مَن جُوزِيَ فَإنَّما يُجازى بِعَمَلِهِ“ .
يس 36:55
﴿إنَّ أصْحابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾، و”فاكِهُونَ“، تَفْسِيرُهُ: ”فَرِحُونَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ شُغُلَهُمُ افْتِضاضُ الأبْكارِ، وقِيلَ: ”في شَغُلٍ عَمّا فِيهِ أهْلُ النّارِ“، ويُقْرَأُ: ”في شُغُلٍ“، و”شُغْلٍ“، و”شُغْلٌ“، و”شُغُلٌ“، يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ.
يس 36:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ﴾، و”ظُلَلٍ“، ويَجُوزُ: ”ظُلُلٍ“ .
(p-٢٩٢)﴿عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾، وهي الفُرُشُ في الحِجالِ، وقِيلَ: إنَّها الفَرْشُ، وقِيلَ: ”اَلْأسِرَّةُ“، وهي عَلى الحَقِيقَةِ ”اَلْفُرُشُ“، كانَتْ في حِجالٍ، أوْ غَيْرِ حِجالٍ.
يس 36:57
﴿لَهم فِيها فاكِهَةٌ ولَهم ما يَدَّعُونَ﴾، أيْ: ما يَتَمَنَّوْنَ، يُقالُ: ”فُلانٌ في خَيْرِ ما ادَّعى“، أيْ: ”ما تَمَنّى“، وهو مَأْخُوذٌ مِن ”اَلدُّعاءُ“، اَلْمَعْنى: ”كُلُّ ما يَدْعُو أهْلُ الجَنَّةِ يَأْتِيهِمْ“ .
يس 36:58
﴿سَلامٌ قَوْلا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾، ”سَلامٌ“، بَدَلٌ مِن ”ما“، اَلْمَعْنى: ”لَهم ما يَتَمَنَّوْنَ بِهِ سَلامٌ“، أيْ: ”وَهَذا مُنى أهْلِ الجَنَّةِ أنْ يُسَلِّمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ“، و”قَوْلًا“، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: ”لَهم سَلامٌ، يَقُولُهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَوْلًا“ .
يس 36:59
﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾، أيْ: اِنْفَرِدُوا عَنِ المُؤْمِنِينَ.
يس 36:60
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ﴾، وتُقْرَأُ: ”أعْهِدْ“، بِالكَسْرِ، والفَتْحُ أكْثَرُ، عَلى قَوْلِكَ: ”عَهِدَ، يَعْهَدُ“، والكَسْرُ يَجُوزُ عَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى ”عَهَدَ، يَعْهِدُ“، وعَلى ”عَهِدَ، يَعْهِدُ“، مِثْلَ ”حَسِبَ، يَحْسِبُ“، ومَعْناهُ: ”ألَمْ أتَقَدَّمْ إلَيْكم بِعَهْدِ الإيمانِ، وتَرْكِ عِبادَةِ الشَّيْطانِ؟“ .
يس 36:62
﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنكم جِبِلا﴾، ويُقْرَأُ: ”جِبِلًّا“، بِكَسْرِ الجِيمِ والباءِ، ويُقْرَأُ: ”جُبُلًا“، بِضَمِّ الجِيمِ والباءِ.
(p-٢٩٣)وَتُقْرَأُ: ”جُبْلًا“، عَلى إسْكانِ الباءِ وضَمِّ الجِيمِ، ويَجُوزُ: ”جَبْلًا“، بِفَتْحِ الجِيمِ، و”جِبْلًا“، بِكَسْرِ الجِيمِ، ويَجُوزُ أيْضًا: ”جِبَلًا“، بِكَسْرِ الجِيمِ وفَتْحِ الباءِ، بِغَيْرِ تَشْدِيدِ اللّامِ، عَلى جَمْعِ ”جِبْلَةٌ“، و”جِبَلٌ“، و”اَلْجِبْلَةُ“، في جَمِيعِ ذَلِكَ مَعْناهُ: خَلِيقَةٌ كَثِيرَةٌ، وخَلْقٌ كَثِيرٌ.
يس 36:66
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾، ”اَلْمَطْمُوسُ“: اَلْأعْمى الَّذِي لا يُتَبَيَّنُ لَهُ جَفْنٌ، لا يُرى شَفْرُ عَيْنِهِ، أيْ: " لَوْ نَشاءُ لَأعْمَيْناهُمْ، فَعَدَلُوا عَنِ الطَّرِيقِ، فَمِن أيْنَ يُبْصِرُونَ لَوْ فَعَلْنا ذَلِكَ بِهِمْ؟
يس 36:67
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهم عَلى مَكانَتِهِمْ﴾، ”وَمَكاناتِهِمْ“، و”اَلْمَكانَةُ“، و”اَلْمَكانُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿فَما اسْتَطاعُوا مُضِيًّا ولا يَرْجِعُونَ﴾، أيْ: لَمْ يَقْدِرُوا عَلى ذَهابٍ ولا مَجِيءٍ.
يس 36:68
﴿وَمَن نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾، و”نَنْكُسْهُ“، و”نَنْكِسْهُ“، يُقالُ: ”نَكَسْتُهُ، أنْكُسُهُ، وأنْكِسُهُ“، جَمِيعًا، ومَعْناهُ: ”مَن أطَلْنا عُمُرَهُ نَكَّسْنا خَلْقَهُ“، فَصارَ بَدَلَ القُوَّةِ ضَعْفًا، وبَدَلَ الشَّبابِ هَرَمًا.
يس 36:69
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾، أيْ: ما عَلَّمْنا مُحَمَّدًا ﷺ قَوْلَ الشِّعْرِ، وما يَنْبَغِي لَهُ، أيْ: ما يَتَسَهَّلُ لَهُ ذَلِكَ، ﴿إنْ هو إلا ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾، أيْ: اَلَّذِي أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وزَعَمَ الكُفّارُ أنَّهُ شِعْرٌ، ما هو بِشِعْرٍ، (p-٢٩٤)وَلَيْسَ يُوجِبُ هَذا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَتَمَثَّلْ بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ، إنَّما يُوجِبُ هَذا أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَيْسَ بِشاعِرٍ، وأنْ يَكُونَ القُرْآنُ الَّذِي أتى بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ مُبايِنٌ لِكَلامِ المَخْلُوقِينَ، وأوْزانِ أشْعارِ العَرَبِ، والقُرْآنُ آيَةٌ مُعْجِزَةٌ، تَدُلُّ عَلى أنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ ﷺ وآياتِهِ ثابِتَةٌ أبَدًا.
يس 36:70
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا﴾، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُضْمَرُ في قَوْلِهِ: ”لِيُنْذِرَ“، اَلنَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ القُرْآنَ، ومَعْنى: ”مَن كانَ حَيًّا“، أيْ: مَن كانَ يَعْقِلُ ما يُخاطَبُ بِهِ، فَإنَّ الكافِرَ كالمَيِّتِ في أنَّهُ لَمْ يَتَدَبَّرْ، فَيَعْلَمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وما جاءَ بِهِ حَقٌّ، ﴿وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلى الكافِرِينَ﴾، ويَجُوزُ: ”وَيَحُقَّ القَوْلُ“، أيْ: يُوجَبُ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ: ”لِتُنْذِرَ مَن كانَ حَيًّا“، بِالتّاءِ، ”خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ“، ويَجُوزُ: ”لِيَنْذَرَ“، أيْ: ”لِيَعْلَمَ“، يُقالُ: ”نَذِرْتُ بِكَذا وكَذا، أنْذَرُ“، مِثْلَ: ”عَلِمْتُ، أعْلَمُ“ .
يس 36:71
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهم لَها مالِكُونَ﴾، مَعْنى ”مالِكُونَ“: ضابِطُونَ، لِأنَّ القَصْدَ هَهُنا إلى أنَّها ذَلِيلَةٌ لَهُمْ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ”وَذَلَّلْناها لَهم“ ؟ ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ: (p-٢٩٥)
؎أصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِّلاحَ ولا ∗∗∗ أمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
أيْ: لا أضْبِطُ رَأْسَ البَعِيرِ.
يس 36:72
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمِنها رَكُوبُهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”ما يَرْكَبُونَ“، والدَّلِيلُ قِراءَةُ مَن قَرَأ: ”فَمِنها رَكُوبَتُهم“، ويَجُوزُ: ”رُكُوبُهم“، بِضَمِّ الرّاءِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، عَلى مَعْنى: ”فَمِنها رُكُوبُهُمْ، وأكْلُهُمْ، وشُرْبُهم“ .
يس 36:75
﴿وَهم لَهم جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾، أيْ: هم لِلْأصْنامِ يَنْتَصِرُونَ، والأصْنامُ لا تَسْتَطِيعُ نَصْرَهم.
يس 36:78
وَقَوْلُهُ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ﴾، اَلْآيَةَ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِعَظْمٍ بالٍ، فَفَرَكَهُ، ثُمَّ ذَرّاهُ، وقالَ: مَن يُحْيِي هَذا؟ فَكانَ جَوابُهُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]، فابْتِداءُ القُدْرَةِ فِيهِ أبْيَنُ مِنها في الإعادَةِ، ويُقالُ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَ صاحِبَ القِصَّةِ، ويُقالُ: اَلْعاصِ بْنُ وائِلٍ.
يس 36:81
وَأعْلَمَهم أنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أبْلَغُ في القُدْرَةِ، وعَلى إحْياءِ المَوْتى، فَقالَ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾، اَلْآيَةَ، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]
يس 36:83
(p-٢٩٦)وَقالَ: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، مَعْناهُ: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، ومِن أنْ يُوصَفَ بِغَيْرِ القُدْرَةِ، ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، أيْ: اَلْقُدْرَةُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ﴿وَإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، و”تَرْجِعُونَ“، أيْ: هو يَبْعَثُكم بَعْدَ مَوْتِكم.
الصافات 37:1
(p-٢٩٧)سُورَةُ اَلصّافّاتِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ تَبْيِينُ التّاءِ، وقَدْ قُرِئَتْ عَلى إدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وكَذَلِكَ ﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ٢]، فَإنْ شِئْتَ أدْغَمْتَ التّاءَ في الزّايِ، وإنْ شِئْتَ بَيَّنْتَ، وكَذَلِكَ ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣]
﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ [الصافات: ٤]، أقْسَمَ بِهَذِهِ الأشْياءِ - عَزَّ وجَلَّ -: إنَّهُ واحِدٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ”وَرَبِّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّهُ واحِدٌ“، وتَفْسِيرُ ”اَلصّافّاتِ“، أنَّها المَلائِكَةُ، أيْ: هم مُطِيعُونَ في السَّماءِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، ”فالزّاجِراتِ“: رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَزْجُرُ السَّحابَ، وقِيلَ: ”فالزّاجِراتِ زَجْرًا“: كُلِّ ما زَجَرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ٣]، قِيلَ: ”اَلْمَلائِكَةُ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَلائِكَةَ وغَيْرَهم أيْضًا، مِمَّنْ يَتْلُونَ ذِكْرَ اللَّهِ.
(p-٢٩٨)﴿وَرَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥]، والمَغارِبِ، قِيلَ: اَلْمَشارِقُ ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا، ومِثْلُها مِنَ المَغارِبِ.
الصافات 37:6
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾، عَلى إضافَةِ الزِّينَةِ إلى ”اَلْكَواكِبِ“، وعَلى هَذا أكْثَرُ القِراءَةِ، وقَدْ قُرِئَتْ بِالتَّنْوِينِ، وخَفْضِ الكَواكِبِ، والمَعْنى أنَّ ”اَلْكَواكِبِ“، بَدَلٌ مِنَ الزِّينَةِ، المَعْنى: ”إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِالكَواكِبِ“، ويَجُوزُ: ”بِزِينَةٍ الكَواكِبَ“، وهي أقَلُّ ما في القِراءَةِ، عَلى مَعْنى: ”بِأنْ زَيَّنّا الكَواكِبَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْكَواكِبِ“، في النَّصْبِ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ”بِزِينَةٍ“، لِأنَّ ”بِزِينَةٍ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَجُوزُ: ”بِزِينَةٍ الكَواكِبُ“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، إلّا إنْ ثَبَتَتْ بِها رِوايَةٌ، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، ورَفْعُ ”اَلْكَواكِبُ“، عَلى مَعْنى: ”إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِأنَّ زِينَتَها الكَواكِبُ“، و”بِأنْ زُيِّنَتِ الكَواكِبُ“ .
الصافات 37:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾، عَلى مَعْنى: ”وَحَفِظْناها حِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ“، يُقْذَفُونَ بِها إذا اسْتَرَقُوا السَّمْعَ.
الصافات 37:8
”لا يَسْمَعُونَ إلى المَلَإ الأعْلى“، ويُقْرَأُ بِالتَّشْدِيدِ: ”يَسَّمَّعُونَ“، عَلى مَعْنى: ”يَتَسَمَّعُونَ“ .
﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات: ٩]، أيْ: يُدْحَرُونَ، أيْ: يُباعَدُونَ، ﴿وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ [الصافات: ٩]، (p-٢٩٩)قِيلَ: ”دائِمٌ“، وقِيلَ: ”مُوجِعٌ“ .
الصافات 37:10
﴿إلا مَن خَطِفَ﴾، بِفَتْحِ الطّاءِ، وكَسْرِها، يُقالُ: ”خَطِفْتُ، أخْطَفُ“، و”خَطَفْتُ أخْطِفُ“، إذا أخَذْتُ الشَّيْءَ بِسُرْعَةٍ، ويَجُوزُ: ”إلّا مَن خَطَّفَ“، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، وفَتْحِ الخاءِ، ويَجُوزُ: ”خِطَّفَ“، بِكَسْرِ الخاءِ، وفَتْحِ الطّاءِ، والمَعْنى: ”اِخْتَطَفَ“، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وسَقَطَتِ الألِفُ لِحَرَكَةِ الخاءِ، فَمَن فَتَحَ الخاءَ ألْقى عَلَيْها فَتْحَةَ التّاءِ الَّتِي كانَتْ في ”اِخْتَطَفَ“، ومَن كَسَرَ فَلِسُكُونِها، وسُكُونِ الطّاءِ، فَأمّا مَن رَوى ”خِطِفَ الخَطْفَةَ“، بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ، فَلا وجْهَ لَهُ إلّا وجْهًا ضَعِيفًا جِدًّا، يَكُونُ عَلى إتْباعِ الطّاءِ كَسْرَ الخاءِ.
﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾، يُقالُ: ”تَبِعْتُهُ“، و”أتْبَعْتُهُ“، و”اِتَّبَعْتُهُ“، إذا مَضَيْتُ في أثَرِهِ، و”شِهابٌ ثاقِبٌ“: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ " .
الصافات 37:11
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، أيْ: " سَلْهم سُؤالَ تَقْرِيرٍ: ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا﴾، مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ قَبْلَهُمْ، وغَيْرِهِمْ، مِنَ السَّماواتِ والأرْضِينَ؟!
﴿مِن طِينٍ لازِبٍ﴾، و”لازِمٍ“، ومَعْناهُما واحِدٌ، أيْ: ”لازِقٍ“ .
الصافات 37:12
﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾، وتُقْرَأُ: ”عَجِبْتُ“، بِضَمِّ التّاءِ، ومَعْناهُ في الفَتْحِ: ”بَلْ عَجِبْتَ يا مُحَمَّدُ مِن نُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْكَ، ويَسْخَرُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ”بَلْ عَجِبْتَ (p-٣٠٠)مِن إنْكارِهِمُ البَعْثَ“، ومَن قَرَأ: ”عَجِبْتُ“، فَهو إخْبارٌ عَنِ اللَّهِ، وقَدْ أنْكَرَ قَوْمٌ هَذِهِ القِراءَةَ، وقالُوا: اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَعْجَبُ، وإنْكارُهم هَذا غَلَطٌ، لِأنَّ القِراءَةَ والرِّوايَةَ كَثِيرَةٌ، والعَجَبَ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - خِلافُهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ، كَما قالَ: ﴿وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠]، و﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩]، و﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢]، والمَكْرُ مِنَ اللَّهِ، والخِداعُ، خِلافُهُ مِنَ الآدَمِيِّينَ، وأصْلُ ”اَلْعَجَبُ“، في اللُّغَةِ: أنَّ الإنْسانَ إذا رَأى ما يُنْكِرُهُ ويَقِلُّ مِثْلُهُ، قالَ: ”عَجِبْتُ مِن كَذا وكَذا“، وكَذا إذا فَعَلَ الآدَمِيُّونَ ما يُنْكِرُهُ اللَّهُ، جازَ أنْ يَقُولَ فِيهِ: ”عَجِبْتُ“، واللَّهُ قَدْ عَلِمَ الشَّيْءَ قَبْلَ كَوْنِهِ، ولَكِنَّ الإنْكارَ إنَّما يَقَعُ والعَجَبُ الَّذِي يُلْزِمُ بِهِ الحُجَّةَ، عِنْدَ وُقُوعِ الشَّيْءِ.
الصافات 37:14
﴿وَإذا رَأوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾، أيْ: إذا رَأوْا آيَةً مُعْجِزَةً اسْتَسْخَرُوا واسْتَهْزَؤُوا.
الصافات 37:15
﴿وَقالُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، فَجَعَلُوا ما يَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ مِمّا يَعْجِزُونَ عَنْهُ سِحْرًا، نَحْوَ انْشِقاقِ القَمَرِ، وما أشْبَهَهُ.
الصافات 37:16
وَقَوْلُهُ: ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، ويَجُوزُ: ”إنّا“، فَمَن قَرَأ: ”إنّا“، اِجْتَزَأ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى في الوَجْهَيْنِ: ”أنُبْعَثُ إذا كُنّا تُرابًا وعِظامًا؟!“، وتَفْسِيرُهُ: ”لَمَبْعُوثُونَ“ .
الصافات 37:18
﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾، (p-٣٠١)اَلْمَعْنى: ”قُلْ نَعَمْ، تُبْعَثُونَ وأنْتُمْ صاغِرُونَ“ .
الصافات 37:19
ثُمَّ فَسَّرَ أنَّ بَعْثَهم يَقَعُ بِزَجْرَةٍ واحِدَةٍ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾، أيْ: يَحْيَوْنَ، ويُبْعَثُونَ بُصَراءَ يَنْظُرُونَ.
الصافات 37:20
﴿وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾، و”اَلْوَيْلُ“: كَلِمَةٌ يَقُولُها القائِلُ وقْتَ الهَلَكَةِ، ومَعْنى ”﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ يَوْمُ الجَزاءِ، أيْ: يَوْمٌ نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا، فَلَمّا قالُوا:“ هَذا يَوْمُ الدِّينِ "، قِيلَ لَهُمْ: نَعَمْ، ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢١]، أيْ: هَذا يَوْمٌ يُفْصَلُ فِيهِ بَيْنَ المُحْسِنِ، والمُسِيءِ، ويُجازى كُلٌّ بِعَمَلِهِ، وبِما يَتَفَضَّلُ اللَّهُ بِهِ عَلى المُسْلِمِ.
الصافات 37:22
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾، مَعْناهُ: ”وَنُظَراءَهُمْ، وضُرَباءَهم“، تَقُولُ: ”عِنْدِي مِن هَذا أزْواجٌ“، أيْ: أمْثالٌ، وكَذَلِكَ ”زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ“، أيْ: كُلُّ واحِدٍ نَظِيرُ صاحِبِهِ، وكَذَلِكَ ”اَلزَّوْجُ“: اَلْمَرْأةُ، و”اَلزَّوْجُ“: اَلرَّجُلُ، وقَدْ تَناسَبا بِعَقْدِ النِّكاحِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾ [ص: ٥٨]
الصافات 37:23
﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾، يُقالُ: ”هَدَيْتُ الرَّجُلَ“، إذا دَلَلْتُهُ، و”هَدَيْتُ العَرُوسَ إلى زَوْجِها“، و”أهْدَيْتُ الهَدِيَّةَ“، وكَذَلِكَ تَقُولُ في العَرُوسِ: ”أهْدَيْتُها“، إذا جَعَلْتَها كالهَدِيَّةِ.
الصافات 37:24
(p-٣٠٢)وَقَوْلُهُ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾، أيْ: اِحْبِسُوهم.
الصافات 37:25
﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، قَوْلُهُ: ﴿لا تَناصَرُونَ﴾، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”ما لَكم غَيْرَ مُتَناصِرِينَ؟!“ .
الصافات 37:27
﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾، أيْ: يُسائِلُ بَعْضُهم بَعْضًا.
الصافات 37:28
﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾، هَذا قَوْلُ الكُفّارِ لِلَّذِينِ أضَلُّوهُمْ: ”كُنْتُمْ تَخْدَعُونَنا بِأقْوى الأسْبابِ“، أيْ: كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِن قِبَلِ الدِّينِ، فَتُرُونَنا أنَّ الدِّينَ والحَقَّ ما تُضِلُّونَنا بِهِ.
الصافات 37:29
﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: إنَّما الكُفْرُ مِن قِبَلِكم.
الصافات 37:31
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾، حَقَّتْ عَلَيْنا كَلِمَةُ العَذابِ، ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾، أيْ: إنَّ الجَماعَةَ، المُضِلَّ والضّالَّ، في النّارِ.
الصافات 37:32
﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾، (p-٣٠٣)أيْ: أضْلَلْناكُمْ، إنّا كُنّا غاوِينَ ضالِّينَ.
الصافات 37:34
﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾، ”اَلْمُجْرِمُونَ“: اَلْمُشْرِكُونَ خاصَّةً.
الصافات 37:35
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾، يَعْنِي عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وألّا يَجْعَلُوا الأصْنامَ آلِهَةً.
الصافات 37:40
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾، ”اَلْمُخْلَصِينَ“: اَلَّذِينَ أخْلَصَهُمُ اللَّهُ واصْطَفاهم لِعِبادَتِهِ، ويُقْرَأُ: ”اَلْمُخْلِصِينَ“، أيْ: اَلْمُوَحِّدِينَ.
الصافات 37:45
﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ﴾، ”اَلْكَأْسُ“: اَلْإناءُ إذا كانَتْ فِيهِ خَمْرٌ، فَهو كَأْسٌ، ويَقَعُ الكَأْسُ لِكُلِّ إناءٍ مَعَ شَرابِهِ، ﴿مِن مَعِينٍ﴾، أيْ: مِن خَمْرٍ تَجْرِي كَما يَجْرِي الماءُ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ العُيُونِ.
الصافات 37:46
﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ﴾، أيْ: ذاتَ لَذَّةٍ.
الصافات 37:47
﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾، لا تَغْتالُ عُقُولَهُمْ، لا تَذْهَبُ بِها، ولا يُصِيبُهم مِنها وجَعٌ، ﴿وَلا هم عَنْها يُنْـزَفُونَ﴾، ”يُنْزِفُونَ“، بِفَتْحِ الزّايِ، وكَسْرِها، فَمَن قَرَأ: ”يُنْزَفُونَ“، فالمَعْنى: ”لا تَذْهَبُ عُقُولُهم بِشُرْبِها“، يُقالُ لِلسَّكْرانِ: ”نَزِيفٌ“، و”مَنزُوفٌ“، ومَن قَرَأ: ”يُنْزِفُونَ“، فَمَعْناهُ: ”لا يُنْفِدُونَ شَرابَهم“، أيْ: هو دائِمٌ أبَدًا لَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”يُنْزِفُونَ“: يَسْكَرُونَ، قالَ الشّاعِرُ: (p-٣٠٤)
؎لَعَمْرِي لَئِنْ أنْزَفْتُمُ أوْ صَحَوْتُمُ ∗∗∗ لَبِئْسَ النَّدامى كُنْتُمْ آلَ أبْجَرا
الصافات 37:48
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾، أيْ: عِنْدَهم حُورٌ قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ، أيْ: عُيُونَهُنَّ، عَلى أزْواجِهِنَّ، ”عِينٌ“: كِبارُ الأعْيُنِ، حِسانُها، الواحِدَةُ ”عَيْناءُ“ .
الصافات 37:49
﴿كَأنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾، أيْ: كَأنَّ ألْوانَهُنَّ ألْوانُ بَيْضِ النَّعامِ، ”مَكْنُونٌ“: اَلَّذِي يُكِنُّهُ رَأْسُ النَّعامِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَكْنُونٌ“: مَصُونٌ، يُقالُ: ”كَنَنْتُ الشَّيْءَ“، إذا سَتَرْتُهُ، وصُنْتُهُ، فَهو ”مَكْنُونٌ“، و”أكْنَنْتَهُ“، إذا أضْمَرْتَهُ في نَفْسِكَ.
الصافات 37:52
﴿أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾، مُخَفَّفَةً مِن ”صَدَّقَ، فَهو مُصَدِّقٌ“، ولا يَجُوزُ هَهُنا تَشْدِيدُ الصّادِ، لِأنَّ ”اَلْمُصَّدِّقِينَ“: اَلَّذِينَ يُعْطُونَ الصَّدَقَةَ، و”اَلْمُصَدِّقِينَ“: اَلَّذِينَ لا يُكَذِّبُونَ، فالمَعْنى: ”كانَ لِي قَرِينٌ يَقُولُ: أئِنَّكَ مِمَّنْ يُصَدِّقُ بِالبَعْثِ بَعْدَ أنْ تَصِيرَ تُرابًا وعِظامًا“، فَأحَبَّ قَرِينُهُ المُسْلِمُ أنْ يَراهُ بَعْدَ أنْ قِيلَ لَهُ: ﴿هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤]، أيْ: هَلْ تُحِبُّونَ أنْ تَطَّلِعُوا فَتَعْلَمُوا أيْنَ مَنزِلَتُكم مِن مَنزِلَةِ أهْلِ النّارِ؟
الصافات 37:55
﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾، فاطَّلَعَ المُسْلِمُ، فَرَأى قَرِينَهُ الَّذِي كانَ يُكَذِّبُ بِالبَعْثِ، في سَواءِ الجَحِيمِ، أيْ: في وسَطِ الجَحِيمِ، وسَواءُ كُلِّ شَيْءٍ: وسَطُهُ، ويُقْرَأُ: ”هَلْ أنْتُمْ مُطْلِعُونَ“، بِفَتْحِ النُّونِ، وكَسْرِها، وتَخْفِيفِ الطّاءِ، فَمَن فَتَحَ النُّونَ مَعَ التَّخْفِيفِ فَقالَ: ”مُطْلِعُونَ“، فَهو بِمَعْنى: ”طالِعُونَ“، و”مُطَّلِعُونَ“، يُقالُ: ”طَلَعْتُ عَلَيْهِمْ“، و”اِطْلَعْتُ“، و”اِطَّلَعْتُ“، بِمَعْنًى، ومَن قَرَأ: ”مُطْلِعُونِ“، بِكَسْرِ النُّونِ، قَرَأ ”فَأُطْلِعَ“، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ النُّونِ، ”مُطْلِعُونَ“، وجَبَ أنْ يَقْرَأ: ”فَأُطْلَعَ“، ويَجُوزُ: ”فَأُطْلِعَ“، عَلى مَعْنى: ”هَلْ أنْتُمْ مُطْلِعُونَ (p-٣٠٥)أحَدًا“، فَأمّا الكَسْرُ لِلنُّونِ فَهو شاذٌّ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ والكُوفِيِّينَ جَمِيعًا، ولَهُ عِنْدَ الجَماعَةِ وجْهٌ ضَعِيفٌ، وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في الشِّعْرِ:
؎هُمُ القائِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُونَهُ ∗∗∗ إذا ما خَشَوْا مِن مُحْدَثِ الأمْرِ مُعْظَما
وَأنْشَدُوا:
؎وَما أدْرِي وظَنِّي كُلُّ ظَنِّي ∗∗∗ أمُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي شَراحِ
والَّذِي أنْشَدَنِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ”أيُسْلِمُنِي إلى قَوْمِي“، وإنَّما الكَلامُ: ”أمُسْلِمِي“، و”أيُسْلِمُنِي“، وكَذَلِكَ ”هُمُ القائِلُونَ الخَيْرَ والآمِرُوهُ“، وكُلُّ أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا ذَكَرْتَ بَعْدَها المُضْمَرَ لَمْ تَذْكُرِ النُّونَ، ولا التَّنْوِينَ، تَقُولُ: ”زَيْدٌ ضارِبِي“، و”هُما ضارِباكَ“، ولا يَجُوزُ ”هو ضارِبُنِي“، ولا ”هم ضارِبُونَكَ“، ولا يَجُوزُ ”هم ضارِبُونَكَ“، عِنْدَهُمْ، إلّا في الشِّعْرِ، إلّا أنَّهُ قَدْ قُرِئَ بِالكَسْرِ: ”هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونِ“، عَلى مَعْنى ”مُطْلِعُونِي“، فَحُذِفَتِ الياءُ، كَما تُحْذَفُ في رُؤُوسِ الآيِ، وبَقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْها، وهو في النَّحْوِ - أعْنِي كَسْرَ النُّونِ - عَلى ما أخْبَرْتُكَ، والقِراءَةُ قَلِيلَةٌ بِها، وأجْوَدُ القِراءَةِ وأكْثَرُها: ”مُطَّلِعُونَ“، بِتَشْدِيدِ الطّاءِ، وفَتْحِ النُّونِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ: ”مُطْلِعُونِ“، بِتَخْفِيفِ الطّاءِ، وفَتْحِ النُّونِ.
الصافات 37:56
﴿قالَ تاللَّهِ إنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾، (p-٣٠٦)”تاللَّهِ“، مَعْناهُ: ”واللَّهِ“، والتّاءُ بَدَلٌ مِنَ الواوِ، ”لَتُرْدِينِ“، أيْ: لَتُهْلِكُنِي، يُقالُ: ”رَدِيَ الرَّجُلُ، يَرْدى، رَدًى“، إذا هَلَكَ، و”أرْدَيْتُهُ“: أهْلَكْتُهُ.
الصافات 37:57
﴿لَكُنْتُ مِنَ المُحْضَرِينَ﴾، أيْ: أُحْضَرُ العَذابَ كَما أُحُضِرْتَ.
الصافات 37:62
﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، اَلْمَعْنى: ”أنَعِيمُ الجَنَّةِ وطَعامُها خَيْرٌ نُزُلًا، أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ خَيْرٌ نُزُلًا؟“، و”اَلنُّزُلُ“، هَهُنا: اَلرَّيْعُ، والفَضْلُ، تَقُولُ: ”هَذا طَعامٌ لَهُ نُزُلٌ“، و”نُزْلٌ“، بِتَسْكِينِ الزّايِ، وضَمِّها، و”نَزَلٌ“، ويَكُونُ ”أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا“، أيْ: ”أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُتَقَوَّتُ، ويُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ، أمْ نُزُلُ أهْلِ النّارِ؟“، وإنَّما قِيلَ لَهم فِيما يُقامُ لِلنّاسِ مِنَ الأنْزالِ: ”أقَمْتُ لَهم نُزُلَهم“، أيْ: ”غِذاءَهُمْ، وما يَصْلُحُ مَعَهُ أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِ“ .
الصافات 37:63
وَمَعْنى: ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾: ”عِبْرَةً لِلظّالِمِينَ“، أيْ: خُبْرَةً افْتَتَنُوا بِها، وكَذَّبُوا بِها، فَصارَتْ فِتْنَةً لَهُمْ، وذَلِكَ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ، قالُوا: اَلشَّجَرُ يَحْتَرِقُ بِالنّارِ، فَكَيْفَ يَنْبُتُ الشَّجَرُ في النّارِ؟ فافْتُتِنُوا، وكَذَّبُوا بِذَلِكَ.
الصافات 37:65
﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾، فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: قِيلَ: ”اَلشَّياطِينُ“: حَيّاتٌ لَها رُؤُوسٌ، فَشُبِّهَ طَلْعُها بِرُؤُوسِ تِلْكَ الحَيّاتِ، وقِيلَ: ”رُؤُوسُ الشَّياطِينِ“: نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، وقِيلَ - وهو القَوْلُ المَعْرُوفُ -: إنَّ الشَّيْءَ إذا اسْتُقْبِحَ شُبِّهَ بِالشَّيْطانِ، فَقِيلَ: ”كَأنَّهُ وجْهُ شَيْطانٍ“، و”كَأنَّهُ رَأْسُ شَيْطانٍ“، والشَّيْطانُ لا يُرى، ولَكِنَّهُ يُسْتَشْعَرُ أنَّهُ أقْبَحُ ما يَكُونُ مِنَ الأشْياءِ، لَوْ رُئِيَ لَرُئِيَ في أقْبَحِ صُورَةٍ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: (p-٣٠٧)
؎أيَقْتُلُنِي والمَشْرَفِيُّ مُضاجِعِي ∗∗∗ ومَسْنُونَةٌ زُرْقٌ كَأنْيابِ أغْوالِ؟
وَلَمْ يُرَ الغُولُ قَطُّ، ولا أنْيابُها، ولَكِنَّ التَّمْثِيلَ بِما يُسْتَقْبَحُ أبْلَغُ في بابِ المُذَكَّرِ يُمَثَّلُ بِالشَّيْطانِ، وفي بابِ ما يُسْتَقْبَحُ في المُؤَنَّثِ يُشَبَّهُ بِالغُولِ.
الصافات 37:67
﴿ثُمَّ إنَّ لَهم عَلَيْها لَشَوْبًا مِن حَمِيمٍ﴾، أيْ: لَخَلْطًا ومِزاجًا، ويُقْرَأُ: ”لَشُوبًا مِن حَمِيمٍ“، ”اَلشَّوْبُ“، اَلْمَصْدَرُ، و”اَلشُّوبُ“، الِاسْمُ، و”اَلْخَلْطُ“: اَلْمَخْلُوطُ.
الصافات 37:70
﴿فَهم عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾، أيْ: هم يَتْبَعُونَ آثارَهُمُ اتِّباعًا في سُرْعَةٍ، ويُقالُ: ”يُهْرَعُونَ“، كَأنَّهم يُزْعَجُونَ مِنَ الإسْراعِ إلى اتِّباعِ آبائِهِمْ، يُقالُ: ”هُرِعَ“، و”أُهْرِعُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، إذا اسْتُحِثَّ وأسْرَعَ.
الصافات 37:75
﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ﴾، أيْ: دَعانا بِأنْ نُنْقِذَهُ مِنَ الغَرَقِ، والمَعْنى: ”فَلَنِعْمَ المُجِيبُونَ نَحْنُ“ .
الصافات 37:76
﴿وَنَجَّيْناهُ وأهْلَهُ مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، يَعْنِي كَرْبَ الغَرَقِ، الَّذِي هو عَذابٌ.
الصافات 37:77
﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقِينَ﴾، (p-٣٠٨)لَمّا جاءَ الطُّوفانُ لَمْ يَبْقَ إلّا نُوحٌ، وذُرِّيَّتُهُ، والخَلْقُ الباقُونَ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ.
الصافات 37:78
﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾، أيْ: تَرَكْنا عَلَيْهِ الذِّكْرَ الجَمِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَلِكَ الذِّكْرُ قَوْلُهُ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩]، اَلْمَعْنى: ”تَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ“، أنْ يُصَلّى عَلَيْهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
الصافات 37:83
﴿وَإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْراهِيمَ﴾، أيْ: مِن شِيعَةِ نُوحٍ، مِن أهْلِ مِلَّتِهِ، يَعْنِي نُوحًا.
الصافات 37:84
﴿إذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”سَلِيمٍ مِنَ الشِّرْكِ“، وهو سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ، ومِن كُلِّ دَنَسٍ.
الصافات 37:87
﴿فَما ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾، قالَ إبْراهِيمُ لِقَوْمِهِ - وهم يَعْبُدُونَ الأصْنامَ -: ”أيُّ شَيْءٍ ظَنُّكم بِرَبِّ العالَمِينَ وأنْتُمْ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ؟!“، ومَوْضِعُ ”ما“: رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ”ظَنُّكم“ .
الصافات 37:88
﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً في النُّجُومِ﴾ ﴿فَقالَ إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، قالَ لِقَوْمِهِ - وقَدْ رَأى نَجْمًا -: ”إنِّي سَقِيمٌ“، فَأوْهَمَهم أنَّ الطّاعُونَ بِهِ، فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ فِرارًا مِن أنْ يُعْدى إلَيْهِمُ الطّاعُونُ، وإنَّما قالَ: ”إنِّي سَقِيمٌ“، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ وإنْ كانَ مُعافًى فَلا بُدَّ مِن أنْ يَسْقَمَ، ويَمُوتَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، أيْ: إنَّكَ سَتَمُوتُ، فِيما يُسْتَقْبَلُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: (p-٣٠٩)﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، أيْ: سَأسْقَمُ لا مَحالَةَ، وقَدْ رُوِيَ في الحَدِيثِ: «”لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا في ثَلاثٍ“»، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ، وأنَّ هَذِهِ الثَّلاثَ وقَعَتْ فِيها مُعارَضَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، عَلى مَعْنى: ”إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فَقَدْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم“، وقَوْلُهُ: ”سارَةُ أُخْتِي“، أيْ: أُخْتِي في الإسْلامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، عَلى ما فَسَّرْنا.
الصافات 37:93
﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِاليَمِينِ﴾، مَعْنى ”راغَ عَلَيْهِمْ“: مالَ عَلَيْهِمْ، و”ضَرْبًا“، مَصْدَرٌ، المَعْنى: ”فَمالَ عَلى الأصْنامِ يَضْرِبُهم ضَرْبًا بِاليَمِينِ“، يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: بِيَمِينِهِ، وبِالقُوَّةِ والمَكانَةِ، وقالَ: ”عَلَيْهِمْ“، وهي الأصْنامُ، لِأنَّهم جَعَلُوها مَعْبُودَةً، بِمَنزِلَةِ ما يُمَيِّزُ، كَما قالَ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]
الصافات 37:94
﴿فَأقْبَلُوا إلَيْهِ﴾، يَعْنِي قَوْمَ إبْراهِيمَ، ﴿يَزِفُّونَ﴾، يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، ويُقْرَأُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: ”يَزِفُّونَ“، بِفَتْحِ الياءِ، و”يُزِفُّونَ“، بِضَمِّها، و”يَزِفُونَ“، بِتَخْفِيفِ الفاءِ، وأعْرَبُها كُلِّها ”يَزِفُّونَ“، بِفَتْحِ الياءِ، وتَشْدِيدِ الفاءِ، وأصْلُهُ مِن زَفِيفِ النَّعامِ، وهو ابْتِداءُ عَدْوِها، يُقالُ: ”زَفَّ النَّعامُ، يَزِفُّ“، ويُقْرَأُ: ”يُزِفُّونَ“، أيْ: يَصِيرُونَ إلى الزَّفِيفِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎تَمَنّى حُصَيْنٌ أنْ يَسُودَ جِذاعَهُ ∗∗∗ فَأمْسى حُصَيْنٌ قَدْ أُذِلَّ وأُقْهِرا
مَعْنى ”أُقْهِرَ“: صارَ إلى القَهْرِ، وكَذَلِكَ ”يُزِفُّونَ“، فَأمّا ”يَزِفُونَ“، بِالتَّخْفِيفِ، فَهو مِن ”وَزَفَ، يَزِفُ“، بِمَعْنى ”أسْرَعَ“، ولَمِ يَعْرِفْهُ الفَرّاءُ، ولا الكِسائِيُّ، وعَرَفَهُ غَيْرُهُما.
الصافات 37:97
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الجَحِيمِ﴾، (p-٣١٠)كُلُّ نارٍ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ، وهي جَحْمٌ.
الصافات 37:100
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾، يَقُولُ: ”هَبْ لِي ولَدًا صالِحًا مِنَ الصّالِحِينَ“ .
الصافات 37:101
﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾، وهَذِهِ البِشارَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ غُلامٌ، وأنَّهُ يَبْقى حَتّى يُوصَفَ بِالحِلْمِ.
الصافات 37:102
﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾، أيْ: أدْرَكَ مَعَهُ العَمَلَ، يُقالُ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً، ﴿قالَ يا بُنَيَّ إنِّي أرى في المَنامِ أنِّي أذْبَحُكَ فانْظُرْ ماذا تَرى﴾، تُقْرَأُ غَيْرَ مُمالَةٍ، و”تَرِى“، مُمالَةً، و”تُرِي“، بِلا إمالَةٍ، و”تُرِى“، بِالإمالَةِ، و”ماذا تُرى“، فَفِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ: ”تَرى“، بِالفَتْحِ، وبِالكَسْرِ، وكَذَلِكَ في ”تُرِي“، و”تُرى“، وفِيها خَمْسَةُ أوْجُهٍ أُخَرُ لَمْ يُقْرَأْ بِشَيْءٍ مِنها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، وهو أنْ تَأْتِيَ الخَمْسَةُ الَّتِي ذَكَرْناها مُمالَةً وغَيْرَ مُمالَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ، فَتَهْمِزُها كُلَّها، فَما كانَ مُمالًا هَمِزَ وأمالَ، وما لَمْ يَكُنْ مُمالًا، أمالَ ولَمْ يَهْمِزْ، ويَجُوزُ: ”ماذا تَرْأى“، ”مُمالٌ“، و”ماذا تُرْئِي“، و”ماذا تُرْأى“، و”ماذا تَرى“، و”ماذا تُرى“، فَمَعْنى ”ماذا تَرْأى“، و”تُرْئِي“، مِن ”اَلرَّأْيُ“، ومَعْنى ”ماذا تُرى“، ماذا تُشِيرُ؟ وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّ مَعْناهُ: ”ماذا تُرِينِي مِن صَبْرِكَ؟“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قالَ هَذا، وفي كُلِّ التَّفْسِيرِ: ”ما تُرِي“: ما تُشِيرُ؟
﴿قالَ يا أبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾، ورُؤْيَةُ الأنْبِياءِ في المَنامِ وحْيٌ بِمَنزِلَةِ الوَحْيِ إلَيْهِمْ في اليَقَظَةِ، وقَدْ فَسَّرْنا ”يا أبَهْ“، وإعْرابُهُ فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
(p-٣١١)﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾، يَقُولُ: عَلى أمْرِ اللَّهِ.
الصافات 37:103
﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾، ”أسْلَما“: اِسْتَسْلَما لِأمْرِ اللَّهِ، رَضِيَ إبْراهِيمُ بِأنْ يَذْبَحَ ابْنَهُ، ورَضِيَ ابْنُهُ بِأنْ يُذْبَحَ، تَصْدِيقًا لِلرُّؤْيا، وطاعَةً لِلَّهِ، واخْتَلَفَ النّاسُ في الَّذِي أُمِرَ بِذَبْحِهِ مَن كانَ، فَقالَ قَوْمٌ: إسْحاقُ، وقالَ قَوْمٌ: إسْماعِيلُ، فَأمّا مَن قالَ: إنَّهُ إسْحاقُ، فَعَلِيٌّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وابْنُ مَسْعُودٍ، وكَعْبُ الأحْبارِ، وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، وأمّا مَن قالَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، فابْنُ عُمَرَ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ، وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ إسْماعِيلُ، قَوْلُهُ: ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، وحُجَّةُ مَن قالَ: إنَّهُ إسْحاقُ، قالَ: كانَتْ في إسْحاقَ بِشارَتانِ، الأُولى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١]، فَلَمّا اسْتَسْلَمَ لِلذَّبْحِ، واسْتَسْلَمَ إبْراهِيمُ لِذَبْحِهِ، بُشِّرَ بِهِ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ، والقَوْلُ فِيهِما كَثِيرٌ، واللَّهُ أعْلَمُ أيَّهُما كانَ الذَّبِيحَ، فَأمّا جَوابُ ”فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ“، أيْ: صَرَعَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ، فَقالَ قَوْمٌ: جَوابُهُ: ونادَيْناهُ، والواوُ زائِدَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ بِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، المَعْنى: ”فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ سَعِدَ وآتاهُ اللَّهُ نُبُوَّةَ ولَدِهِ، وأجْزَلَ لَهُ الثَّوابَ في الآخِرَةِ“ .
الصافات 37:107
﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، ”اَلذِّبْحُ“، بِكَسْرِ الذّالِ: اَلشَّيْءُ الَّذِي يُذْبَحُ، و”اَلذَّبْحُ“، اَلْمَصْدَرُ، تَقُولُ: ”ذَبَحْتُهُ، أذْبَحُهُ، ذَبْحًا“، وقِيلَ: إنَّهُ الكَبْشُ الَّذِي تُقُبِّلَ مِنَ ابْنِ آدَمَ حِينَ قَرَّبَهُ، وقِيلَ: إنَّهُ رَعا (p-٣١٢)فِي الجَنَّةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ وعِلًا مِنَ الأوْعالِ، والأوْعالُ: اَلتُّيُوسُ الجَبَلِيَّةُ.
الصافات 37:115
﴿وَنَجَّيْناهُما وقَوْمَهُما مِنَ الكَرْبِ العَظِيمِ﴾، قِيلَ: مِنَ الغَرَقِ، كَما فُعِلَ بِفِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ.
الصافات 37:123
﴿وَإنَّ إلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ إدْرِيسُ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ”وَإنَّ إدْرِيسَ“، ورُوِيَتْ ”سَلامٌ عَلى إدْراسِينَ“ .
الصافات 37:125
﴿أتَدْعُونَ بَعْلا وتَذَرُونَ أحْسَنَ الخالِقِينَ﴾ ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الصافات: ١٢٦]، قِيلَ: إنَّ بَعْلًا كانُوا يَعْبُدُونَهُ، صَنَمًا مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ: إنَّ بَعْلًا تَعْنِي: ”رَبًّا“، وقُرِئَتْ: ”اَللَّهَ رَبَّكم“، عَلى صِفَةِ ”أحْسَنَ الخالِقِينَ اللَّهَ“، وقُرِئَتْ: ”اَللَّهُ رَبُّكم“، عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ.
الصافات 37:130
﴿سَلامٌ عَلى إلْ ياسِينَ﴾، وقُرِئَتْ: ”إلْياسَ“، فَمَن قَرَأ بِالوَصْلِ، فَمَوْضِعُ ”إلْ ياسِينَ“، جَمْعٌ، هو وأُمَّتُهُ المُؤْمِنُونَ، وكَذَلِكَ يُجْمَعُ ما يُنْسَبُ إلى الشَّيْءِ بِلَفْظِ الشَّيْءِ، تَقُولُ: ”رَأيْتُ المَسامِعَةَ، والمَهالِبَةَ“، تُرِيدُ بَنِي المُهَلَّبِ، وبَنِي مِسْمَعٍ، وكَذَلِكَ: ”رَأيْتُ المُهَلَّبِينَ، والمِسْمَعِينَ“، وفِيها وجْهٌ آخَرُ تَكُونُ فِيهِ لُغَتانِ: ”إلْياسُ“، و”إلْياسِينُ“، كَما قالَ: ”مِيكالُ“، ومِيكائِيلُ " .
الصافات 37:135
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا عَجُوزًا في الغابِرِينَ﴾، يَعْنِي: في الباقِينَ.
الصافات 37:140
وَقَوْلُهُ: ﴿إذْ أبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، ”أبَقَ“: هَرَبَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ، و”اَلْمَشْحُونُ“: اَلْمَمْلُوءُ.
الصافات 37:141
(p-٣١٣)﴿فَساهَمَ﴾، قارَعَ، و”اَلْمُدْحَضِينَ“: اَلْمَغْلُوبِينَ، لَمّا صارَ يُونُسُ في السَّفِينَةِ، فَلَمْ تَسِرْ، فَقارَعَهُ أهْلُ السَّفِينَةِ، ووَقَعَتْ عَلَيْهِ القُرْعَةُ فَخَرَجَ مِنها، وألْقى نَفْسَهُ في البَحْرِ.
الصافات 37:142
﴿فالتَقَمَهُ الحُوتُ﴾، وهو السَّمَكَةُ، ولَمّا خَرَجَ مِنَ السَّفِينَةِ سارَتْ، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، قَدْ أتى بِما يُلامُ عَلَيْهِ، يُقالُ: ”قَدْ ألامَ الرَّجُلُ“، فَهو مُلِيمٌ، إذا أتى ما يَجِبُ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ.
الصافات 37:143
﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾، مِنَ المُصَلِّينَ.
الصافات 37:144
﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَبِثَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا، وأُخْرِجَ مِن بَطْنِهِ، بُعَيْدَ الوَقْتِ الَّذِي التُقِمَ فِيهِ.
الصافات 37:145
﴿فَنَبَذْناهُ بِالعَراءِ وهو سَقِيمٌ﴾، يَعْنِي بِالمَكانِ الخالِي، و”اَلْعَراءُ“، عَلى وجْهَيْنِ، مَقْصُورٌ، ومَمْدُودٌ، فالمَقْصُورُ: اَلنّاحِيَةُ، و”اَلْعَراءُ“، ”مَمْدُودٌ“: اَلْمَكانُ الخالِي، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: إنَّما قِيلَ لَهُ: ”اَلْعَراءُ“، لِأنَّهُ لا شَجَرَ فِيهِ، ولا شَيْءَ يُغَطِّيهِ، وقِيلَ: إنَّ العَراءَ وجْهُ الأرْضِ، ومَعْناهُ: وجْهُ الأرْضِ الخالِي، وأنْشَدُوا:
؎وَرَفَعْتُ رِجْلًا لا أخافُ عِثارَها ∗∗∗ ونَبَذْتُ بِالبَلَدِ العَراءِ ثِيابِي
الصافات 37:146
(p-٣١٤)﴿وَأنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِن يَقْطِينٍ﴾، كُلُّ شَجَرَةٍ لا تَنْبُتُ عَلى ساقٍ، وإنَّما تَمْتَدُّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، نَحْوَ القَرْعِ، والبِطِّيخِ، والحَنْظَلِ، فَهو ”يَقْطِينٌ“، وأحْسَبُ اشْتِقاقَها مِن ”قَطَنَ بِالمَكانِ“، إذا أقامَ بِهِ، فَهَذا الشَّجَرُ كُلُّهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”يَقْطِينٍ“ .
الصافات 37:147
﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾، قالَ غَيْرُ واحِدٍ، مَعْناهُ: بَلْ يَزِيدُونَ، قالَ ذَلِكَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وقالَ غَيْرُهُما: مَعْناهُ: ”أوْ يَزِيدُونَ في تَقْدِيرِكم أنْتُمْ إذا رَآهُمُ الرّائِي قالَ هَؤُلاءِ مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ عَلى المِائَةِ“، وهَذا عَلى أصْلِ ”أوْ“، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناها مَعْنى الواوِ، و”أوْ“، لا تَكُونُ بِمَعْنى الواوِ، لِأنَّ الواوَ مَعْناها الِاجْتِماعُ، ولَيْسَ فِيها دَلِيلٌ أنَّ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ، و”أوْ“، مَعْناها إفْرادُ أحَدِ شَيْئَيْنِ، أوْ أشْياءَ.
الصافات 37:149
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾، أيْ: سَلْهم مَسْألَةَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيرٍ، لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ - تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.
الصافات 37:150
﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا﴾، مَعْناهُ: ”بَلْ أخَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا؟“، ﴿وَهم شاهِدُونَ﴾
الصافات 37:151
﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الصافات: ١٥٢] ﴿أصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣]، هَذِهِ الألِفُ مَفْتُوحَةٌ، هَذا الِاخْتِيارُ، لِأنَّ المَعْنى: ”سَلْهم هَلِ اصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ؟“، فالألِفُ ألِفُ اسْتِفْهامٍ، ويَجُوزُ: ”اِصْطَفى“، عَلى أنْ يَكُونَ (p-٣١٥)حِكايَةً عَنْ قَوْلِهِمْ: ”لَيَقُولُونَ اصْطَفى“، وفَتْحُ الألِفِ وقَطْعُها أجْوَدُ عَلى ”أاصْطَفى“، ثُمَّ تُحْذَفُ ألِفُ الوَصْلِ.
الصافات 37:158
﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا﴾، ”اَلْجِنَّةُ“، هَهُنا: اَلْمَلائِكَةُ.
﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إنَّهم لَمُحْضَرُونَ﴾، أيْ: ولَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ - وهُمُ المَلائِكَةُ - أنَّ الَّذِينَ قالُوا: ”وَلَدَ اللَّهُ“، لَمُحْضَرُونَ العَذابَ.
الصافات 37:159
﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾، تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ عَنْ وصْفِهِمْ.
الصافات 37:161
﴿فَإنَّكم وما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿ما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، أيْ: ما أنْتُمْ بِمُضِلِّينَ عَلَيْهِ إلّا مَن أضَلَّ اللَّهُ.
الصافات 37:163
﴿إلا مَن هو صالِ الجَحِيمِ﴾، أيْ: لَسْتُمْ تُضِلُّونَ إلّا أهْلَ النّارِ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”إلّا مَن هو صالُ الجَحِيمِ“، بِضَمِّ اللّامِ، والقِراءَةُ بِكَسْرِ اللّامِ، عَلى مَعْنى ”صالِي“، والوَقْفُ عَلَيْها يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِالياءِ، ولَكِنَّها مَحْذُوفَةٌ في المُصْحَفِ، ولِقِراءَةِ الحَسَنِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ أرادَ ”صالُونَ الجَحِيمَ“، فَحُذِفَتِ النُّونُ لِلْإضافَةِ، وحُذِفَتِ الواوَ لِسُكُونِها وسُكُونِ اللّامِ مِن ”اَلْجَحِيمِ“، ويَذْهَبُ بِـ ”مَن“، مَذْهَبَ الجِنْسِ، أيْ: بِالجِنْسِ الَّذِينَ هم صالُوا الجَحِيمَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”صالُ“، في مَعْنى ”صائِلُ“، مَفْعُولٍ مِن ”صالى“، مِثْلَ ”جُرُفٍ هارٍ“، أيْ: ”هائِرٍ“، والقِراءَةِ الَّتِي هي الإجْماعُ كَسْرُ اللّامِ.
الصافات 37:164
﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾، (p-٣١٦)هَذا قَوْلُ المَلائِكَةِ، وهَهُنا مُضْمَرٌ، المَعْنى: ”ما مِنّا مَلَكٌ إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ“ .
الصافات 37:165
﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾، أيْ: نَحْنُ المُصَلُّونَ.
الصافات 37:166
﴿وَإنّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ﴾، اَلْمُمَجِّدُونَ لِلَّهِ، الَّذِينَ يُنَزِّهُونَهُ عَنِ السُّوءِ.
الصافات 37:167
﴿وَإنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ ﴿لَوْ أنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا مِنَ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ١٦٨] ﴿لَكُنّا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٦٩]، كانَ كُفّارُ قُرَيْشٍ يَقُولُونَ: لَوْ جاءَنا ذِكْرٌ كَما جاءَ غَيْرَنا مِنَ الأوَّلِينَ، لَأخْلَصْنا العِبادَةَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَلَمّا جاءَهم كَفَرُوا بِهِ.
الصافات 37:170
﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: سَوْفَ يَعْلَمُونَ مَغَبَّةَ كُفْرِهِمْ، وما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والِانْتِقامِ مِنهم في الدُّنْيا، والآخِرَةِ.
الصافات 37:171
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾، أيْ: تَقَدَّمَ الوَعْدُ لَهم بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم بِالحُجَّةِ، وبِالظَّفَرِ بِعَدُوِّهِمْ في الدُّنْيا، والِانْتِقامِ مِن عَدُوِّهِمْ في الآخِرَةِ.
الصافات 37:173
﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾، حِزْبُ اللَّهِ لَهُمُ الغَلَبَةُ.
الصافات 37:174
﴿فَتَوَلَّ عَنْهم حَتّى حِينٍ﴾، حَتّى تَنْقَضِيَ المُدَّةُ الَّتِي أُمْهِلُوا إلَيْها.
الصافات 37:177
(p-٣١٧)﴿فَإذا نَـزَلَ بِساحَتِهِمْ﴾، نَزَلَ بِهِمُ العَذابُ، وكانَ عَذابُ هَؤُلاءِ في الدُّنْيا القَتْلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَساءَ صَباحُ المُنْذَرِينَ﴾، أيْ: فَبِئْسَ صَباحُ.
الصافات 37:180
﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾، فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، فَمَن نَصَبَ فَعَلى مَدْحِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَعَلى المَدْحِ أيْضًا، عَلى مَعْنى: ”هو رَبُّ العِزَّةِ“، ومَن خَفَضَ فَعَلى قَوْلِهِ: ”رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ“، وفي النَّصْبِ أيْضًا: ”أعْنِي رَبَّ العِزَّةِ“، و”أذْكُرُ رَبَّ العِزَّةِ“ .
(p-٣١٨)
ص 38:1
(p-٣١٩)سُورَةُ ص
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿ص﴾، قُرِئَتْ بِالفَتْحِ، وبِالكَسْرِ، وبِتَسْكِينِ الدّالِ، وهي أكْثَرُ القِراءَةِ، فَمَن أسْكَنَ: ”صادْ“، مِن حُرُوفِ الهِجاءِ، وتَقْدِيرُ الدّالِ الوَقْفُ عَلَيْها، وقَدْ فَسَّرْنا هَذا في قَوْلِهِ: ”الـم“: أعْنِي بابَ حُرُوفِ الهِجاءِ، ومَعْناهُ: ”اَلصّادِقُ اللَّهُ“، وقِيلَ: إنَّها قَسَمٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، عَطْفٌ عَلَيْها، المَعْنى: ”أُقْسِمُ بِصادِ، وبِالقُرْآنِ ذِي الذَّكَرِ“، ومَن فَتَحَها فَعَلى ضَرْبَيْنِ، يَكُونُ فَتْحًا لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَكُونُ عَلى مَعْنى: ”اُتْلُ صادَ“، ويَكُونُ ”صادَ“، اِسْمًا لِلسُّورَةِ، لا يَنْصَرِفُ، ومَن كَسَرَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وبِكَسْرِها عَلى مَعْنى: ”صادِ القُرْآنَ بِعَمَلِكَ“، مِن قَوْلِكَ: ”صادى، يُصادِي“، إذا قابَلَ وعادَلَ، يُقالُ: ”صادَيْتُهُ“، إذا قابَلْتُهُ، وجَوابُ قَوْلِهِ: ﴿ص والقُرْآنِ﴾ ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾ [ص: ٦٤]، وقالَ قَوْمٌ: اَلْجَوابُ: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [ص: ٣]، ومَعْناهُ: ”لَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ“، فَلَمّا طالَ الكَلامُ بَيْنَهُما حُذِفَتِ اللّامُ، ومَعْنى ”والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ“، أيْ: ”ذِي الذِّكْرِ والشَّرَفِ“، وقِيلَ: ”ذِي الذِّكْرِ“: قَدْ ذُكِرَتْ فِيهِ أقاصِيصُ الأوَّلِينَ، والآخِرِينَ، وما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الحَلالِ، والحَرامِ.
ص 38:3
﴿فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾، (p-٣٢٠)جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”وَلاتَ حِينَ نِداءٍ“، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”وَلاتَ حِينَ مَنجًى“، و”لا فَوْتَ“، يُقالُ: ”ناصَهُ، يَنُوصُهُ“، إذا فاتَهُ، وفي التَّفْسِيرِ: ”لاتَ حِينَ نِداءٍ“، مَعْناهُ: ”لاتَ حِينَ نِداءٍ يُنْجِي“، ويَجُوزُ: ”لاتَ حِينُ مَناصٍ“، والرَّفْعُ جَيِّدٌ، والوَقْفُ عَلَيْها ”لاتْ“، بِالتّاءِ، والكِسائِيُّ يَقِفُ بِالهاءِ: ”لاهْ“، لِأنَّهُ يَجْعَلُها هاءَ التَّأْنِيثِ، وحَقِيقَةُ الوَقْفِ عَلَيْها بِالتّاءِ، وهَذِهِ التّاءُ نَظِيرَةُ التّاءِ في الفِعْلِ في قَوْلِكَ: ”ذَهَبْتُ، وجَلَسْتُ“، وفي قَوْلِكَ: ”رَأيْتُ زَيْدًا ثُمَّتَ عَمْرًا“، فَتاءُ الحُرُوفِ بِمَنزِلَةِ تاءِ الأفْعالِ، لِأنَّ التّاءَ في المَوْضِعَيْنِ دَخَلَتْ عَلى ما لا يُعْرَبُ، ولا هو في طَرِيقِ الأسْماءِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: نَجْعَلُها بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ”كانَ مِنَ الأمْرِ ذَيْهْ“، و”ذَيْهْ“، فَهَذِهِ هاءٌ في الوَقْفِ، وهَذِهِ هاءٌ دَخَلَتْ عَلى اسْمٍ لا يُعْرَبُ، وقَدْ أجازُوا الخَفْضَ، فَقالُوا: ”لاتَ أوانٍ“، وأنْشَدُوا لِأبِي زُبَيْدٍ:
؎طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٍ ∗∗∗ فَأجَبْنا أنْ لَيْسَ حِينَ بَقاءِ
والَّذِي أنْشَدَنا أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ، ورَواهُ:
طَلَبُوا صُلْحَنا ولاتَ أوانٌ
وَذَكَرَ أنَّهُ قَدْ رُوِيَ الكَسْرُ، فَأمّا النَّصْبُ فَعَلى أنَّها عَمِلَتْ عَمَلَ ”لَيْسَ“، اَلْمَعْنى: ”وَلَيْسَ الوَقْتُ حِينَ مَناصٍ“، ومَن رَفَعَ بِها جَعَلَ ”حِينَ“، اِسْمَ ”لَيْسَ“، وأضْمَرَ الخَبَرَ عَلى مَعْنى: ”لَيْسَ حِينُ مَنجًى لَنا“، ومَن خَفَضَ جَعَلَها مَبْنِيَّةً مَكْسُورَةً لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، كَما قالُوا: ”قَدِ لَكَ“، فَبَنَوْهُ عَلى الكَسْرِ.
(p-٣٢١)والمَعْنى: ”لَيْسَ حِينُ مَناصِنا وحِينُ مَنجانا“، فَلَمّا قالَ: ”وَلاتَ أوانَ“، جَعَلَهُ عَلى مَعْنى: ”لَيْسَ حِينَ أوانِنا“، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ بُنِيَ عَلى الوَقْفِ، ثُمَّ كُسِرَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، والكَسْرُ شاذٌّ شَبِيهٌ بِالخَطَإ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ولَمْ يَرْوِ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ الكَسْرَ، والَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ النَّصْبُ، والرَّفْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ ”لاتَ حِينَ مَناصٍ“، نَصْبُها بِـ ”لا“، كَما تَقُولُ: ”لا رَجُلَ في الدّارِ“، ودَخَلَتِ التّاءُ لِلتَّأْنِيثِ.
ص 38:4
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ [ص: ٥]، في مَعْنى ”عَجِيبٌ“، ويَجُوزُ: ”عُجّابٌ“، في مَعْنى: ”عَجِيبٌ“، يُقالُ: ”رَجُلٌ كَرِيمٌ، وكُرّامٌ، وكُرامٌ“، وهَذِهِ حِكايَةٌ عَنْ مَلَإٍ مِن قُرَيْشٍ، «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ المَرْضَةَ الَّتِي ماتَ فِيها، أتاهُ أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، وجَماعَةٌ مِن قُرَيْشٍ، يَعُودُونَهُ، فَشَكَوْا إلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ، وقالُوا: يَشْتُمُ آلِهَتَنا، ويَفْعَلُ، فَعاتَبَهُ أبُو طالِبٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”إنِّي أدْعُوكم إلى كَلِمَةٍ يَدِينُ لَكُمُ العَرَبُ بِها“، وتُؤَدِّي بِها إلَيْكُمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ ”، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: نَعَمْ، وعَشْرًا، عَلى طَرِيقِ الِاسْتِهْزاءِ، أيْ: نَقُولُها، وعَشْرًا مَعَها، فَقالَ:“ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ "، فَقالُوا: أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا، ثُمَّ نَهَضُوا وانْطَلَقُوا مِن مَجْلِسِهِمْ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اِمْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم».
ص 38:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وانْطَلَقَ المَلأُ مِنهم أنِ امْشُوا﴾، مَعْناهُ: أيْ: اِمْشُوا، وتَأْوِيلُهُ: يَقُولُونَ: اِمْشُوا، ويَجُوزُ: ”وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم بِأنِ امْشُوا“، أيْ: بِهَذا القَوْلِ.
ص 38:7
وَقَوْلُهُ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾، (p-٣٢٢)حِكايَةٌ عَنْهم أيْضًا، أيْ: ما سَمِعْنا بِهَذا في النَّصْرانِيَّةِ، ولا اليَهُودِيَّةِ، ولا فِيما أدْرَكْنا عَلَيْهِ آباءَنا، ﴿إنْ هَذا إلا اخْتِلاقٌ﴾، أيْ: إلّا تَقَوُّلٌ.
ص 38:8
﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾، أيْ: كَيْفَ أُنْزِلَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنا، أيْ: كَيْفَ أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ القُرْآنُ مِن بَيْنِنا؟! ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾، أيْ: لَيْسَ يَقُولُونَ ما يَعْتَقِدُونَهُ إلّا شاكِّينَ.
ص 38:9
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: ما وجْهُ اتِّصالِ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ﴾، بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ [ص: ٨]، أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿أأُنْـزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨]، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى حَسَدِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ بِما آتاهُ اللَّهُ مِن فَضْلِ النُّبُوَّةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ المُلْكَ لَهُ، والرِّسالَةَ إلَيْهِ، يَصْطَفِي مَن يَشاءُ، ويُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشاءُ، ويُنَزِّلُ الغَيْثَ والرَّحْمَةَ عَلى مَن يَشاءُ، فَقالَ: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾، أيْ: لَيْسَ عِنْدَهم ذَلِكَ.
ص 38:10
﴿أمْ لَهم مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: لَيْسَ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، ﴿فَلْيَرْتَقُوا في الأسْبابِ﴾، أيْ: إنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا في الأسْبابِ الَّتِي تُوَصِّلُهم إلى السَّماءِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”فَلْيَرْتَقُوا في هَذِهِ الأسْبابِ الَّتِي ذُكِرَتْ، وهي الَّتِي (p-٣٢٣)لا يَمْلِكُها إلّا اللَّهُ“ .
ص 38:11
ثُمَّ وعَدَ اللَّهُ نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - النَّصْرَ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ﴾، ”ما“، لَغْوٌ، المَعْنى: ”جُنْدٌ هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأحْزابِ“ .
ص 38:12
﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الأوْتادِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَتْ لَهُ حِبالٌ، وأوْتادٌ، يُلْعَبُ لَهُ عَلَيْها.
ص 38:15
﴿ما لَها مِن فَواقٍ﴾، و”فُواقٍ“، بِضَمِّ الفاءِ، وفَتْحِها، أيْ: ”ما لَها مِن رُجُوعٍ“، و”اَلْفُواقُ“: ما بَيْنَ حَلْبَتَيِ النّاقَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرُّجُوعِ أيْضًا، لِأنَّهُ يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضَّرْعِ بَيْنَ الحَلْبَتَيْنِ، و”أفاقَ مِن مَرَضِهِ“، مِن هَذا، أيْ: رَجَعَ إلى الصِّحَّةِ، فالفَواقُ هو مِن هَذا أيْضًا.
ص 38:16
﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾، ”اَلْقِطُّ“: اَلنَّصِيبُ، وأصْلُهُ: اَلصَّحِيفَةُ يُكْتَبُ لِلْإنْسانِ فِيها شَيْءٌ يَصِلُ إلَيْهِ، قالَ الأعْشى:
؎وَلا المَلِكُ النُّعْمانُ يَوْمَ لَقِيتُهُ ∗∗∗ بِغِبْطَتِهِ يُعْطِي القُطُوطَ ويَأْفِقُ
”يَأْفِقُ“: يُفْضِلُ، وهَذا تَفْسِيرُ قَوْلِهِمْ: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا، وهو كَقَوْلِهِمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا﴾ [الأنفال: ٣٢]، اَلْآيَةَ، وقِيلَ: إنَّهم لَمّا سَمِعُوا أنَّ المُؤْمِنَ يُؤْتى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ، والكافِرَ يُؤْتى كِتابَهُ بِشِمالِهِ، فَيُسْعَدُ المُؤْمِنُ، ويُهْلَكُ الكافِرُ، قالُوا: رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا، واشْتِقاقُ ”اَلْقِطُّ“، مِن ”قَطَطْتُ“، أيْ: قَطَعْتُ، وكَذَلِكَ النَّصِيبُ، إنَّما هو القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ.
ص 38:17
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ﴾، ”ذا القُوَّةِ“، وكانَتْ قُوَّتُهُ عَلى العِبادَةِ أتَمَّ قُوَّةٍ، كانَ يَصُومُ يَوْمًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، وذَلِكَ أشَدُّ الصَّوْمِ، وكانَ يُصَلِّي نِصْفَ اللَّيْلِ.
(p-٣٢٤)﴿إنَّهُ أوّابٌ﴾، ”رَجّاعٌ إلى اللَّهِ كَثِيرًا“، ”اَلْآيِبُ“: اَلرّاجِعُ، و”اَلْأوّابُ“: اَلْكَثِيرُ الرُّجُوعِ.
ص 38:18
﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾، ”اَلْإشْراقُ“: طُلُوعُ الشَّمْسِ، وإضاءَتُها، يُقالُ: ”شَرِقَتِ الشَّمْسُ“، إذا طَلَعَتْ، و”“ أشْرَقَتْ ”، إذا أضاءَتْ، وقَدْ قِيلَ:“ شَرِقَتْ ”، و“ أشْرَقَتْ "، إذا طَلَعَتْ، في مَعْنًى واحِدٍ، والأوَّلُ أكْثَرُ.
ص 38:19
﴿والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أوّابٌ﴾، كانَتِ الجِبالُ تُرَجِّعُ التَّسْبِيحَ، وكانَتِ الطَّيْرُ كَذَلِكَ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الهاءُ لِلَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، أيْ: ”كُلٌّ لِلَّهِ مُسَبِّحٌ، الطَّيْرُ، والجِبالُ، وداوُدُ، يُسَبِّحُونَ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ويُرَجِّعُونَ التَّسْبِيحَ“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”كُلٌّ لَّهُ أوّابٌ“: كُلٌّ يُرَجِّعْنَ التَّسْبِيحَ مَعَ داوُدَ، يُجِبْنَهُ، كُلَّما سَبَّحَ سَبَحَتِ الجِبالُ والطَّيْرُ مَعَهُ.
ص 38:20
﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾، ويَجُوزُ ”وَشَدَّدْنا“، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، مَعْناهُ: ”قَوَّيْنا مُلْكَهُ“، فَكانَ مِن تَقْوِيَةِ مُلْكِهِ أنَّهُ كانَ يَحْرُسُ مِحْرابَهُ في كُلِّ لَيْلَةٍ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ ألْفًا مِنَ الرِّجالِ، وقِيلَ أيْضًا: إنَّ رَجُلًا اسْتَعْدى إلَيْهِ عَلى رَجُلٍ، فادَّعى عَلَيْهِ أنَّهُ أخَذَ مِنهُ بَقَرًا، فَأنْكَرَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَسَألَ داوُدُ المُدَّعِيَ البَيِّنَةَ، فَلَمْ يُقِمْها، فَرَأى داوُدُ في مَنامِهِ أنَّ اللَّهَ يَأْمُرُهُ أنْ يَقْتُلَ المُدَّعى عَلَيْهِ، فَتَثَبَّتَ داوُدُ، وقالَ: هو مَنامٌ، فَأتاهُ الوَحْيُ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقْتُلَهُ، فَأحْضَرَهُ ثُمَّ أعْلَمَهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِقَتْلِهِ، فَقالَ المُدَّعى عَلَيْهِ: إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - ما أخَذَنِي بِهَذا الذَّنْبِ، وإنِّي قَتَلْتُ أبا هَذا غِيلَةً، فَقَتَلَهُ داوُدُ، فَذَلِكَ مِمّا كانَ عَظَّمَ اللَّهُ، وشَدَّدَ مُلْكَهُ بِهِ.
(p-٣٢٥)﴿وَآتَيْناهُ الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ﴾، قِيلَ في ذَلِكَ: أنْ يَحْكُمَ بِالبَيِّنَةِ واليَمِينِ، وقِيلَ في ”فَصْلَ الخِطابِ“: أنْ يَفْصِلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وقِيلَ: ”أمّا بَعْدُ“، وهو أوَّلُ مَن قالَ: ”أمّا بَعْدُ“ .
ص 38:21
﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾، و”اَلْمِحْرابُ“، أرْفَعُ بَيْتٍ في الدّارِ، وكَذَلِكَ هو أرْفَعُ مَكانٍ في المَسْجِدِ، و”اَلْمِحْرابُ“، هَهُنا، كالغُرْفَةِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتُها ∗∗∗ لَمْ ألْقَها أوْ أرْتَقِي سُلَّما
و”تَسَوَّرُوا“، يَدُلُّ عَلى عُلُوٍّ، وقالَ: ”اَلْخَصْمِ“، ولَفْظُهُ لَفْظُ الواحِدِ، و”تَسَوَّرُوا“، لَفْظُ الجَماعَةِ، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”خَصْمٌ“، يَصْلُحُ لِلْواحِدِ، والِاثْنَيْنِ، والجَماعَةِ، والذَّكَرِ، والأُنْثى، يُقالُ: ”هَذا خَصْمٌ“، و”هي خَصْمٌ“، و”هُما خَصْمٌ“، و”هم خَصْمٌ“، وإنَّما صَلُحَ لِجَمِيعِ ذَلِكَ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ، تَقُولُ: ”خَصَمْتُهُ، أخْصِمُهُ، خَصْمًا“، اَلْمَعْنى: ”هُما ذَوا خَصْمٍ“، و”هم ذَوُو خَصْمٍ“، وإنْ قُلْتَ: ”خُصُومٌ“، جازَ، كَما تَقُولُ: ”هُما عَدْلٌ“، و”هُما ذَوا عَدْلٍ“، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، فَمَعْنى ”هُما عَدْلٌ“: ”هُما ذَوا عَدْلٍ“، فَما كانَ مِنَ المَصادِرِ قَدْ وصَفْتَ بِهِ الأسْماءَ، فَتَوْحِيدُهُ جائِزٌ، وإنْ وصَفْتَ بِهِ الجَماعَةَ، وتَذْكِيرُهُ جائِزٌ، وإنْ وصَفْتَ بِهِ الأُنْثى تَقُولُ: ”هو رِضًى“، و”هُما رِضًى“، وكَذَلِكَ ”هَذِهِ رِضًى“ .
ص 38:22
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنهُمْ﴾، لِأنَّهم أتَوْهُ مِن غَيْرِ مَأْتى الخُصُومِ، وفي غَيْرِ وقْتِهِمْ، وفي وقْتٍ لَمْ يَكُنْ (p-٣٢٦)داوُدُ يَأْذَنُ فِيهِ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أحَدٌ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ وفَزِعَ، وإنَّما بُعِثَ إلَيْهِ مَلَكانِ، فَتَصَوَّرا في صُورَةِ رَجُلَيْنِ مُتَخاصِمَيْنِ، ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾، اَلْقِراءَةُ الرَّفْعُ، والرّافِعُ لِـ ”خَصْمانِ“، ”نَحْنُ“، والمَعْنى: ”نَحْنُ خَصْمانِ“، ولَوْ كانَ في الكَلامِ ”لا تَخَفْ خَصْمَيْنِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ“، لَجازَ، عَلى مَعْنى: ”أتَيْناكَ خَصْمَيْنِ“، لِأنَّهُ أنْكَرَ إتْيانَهُمْ، وإتْيانُ الخُصُومِ قَدْ كانَ يَعْتادُهُ كَثِيرًا، ﴿فاحْكم بَيْنَنا بِالحَقِّ ولا تُشْطِطْ﴾، أيْ: ”لا تَجُرْ“، يُقالُ: ”أشَطَّ، يُشِطُّ“، إذا جارَ، ويُقْرَأُ: ”لا تَشْطُطْ“، بِمَعْنى: ”لا تَبْعُدْ عَنِ الحَقِّ“، وكَذَلِكَ ”لا تَشْطِطْ“، بِكَسْرِ الطّاءِ، وفَتْحِ التّاءِ، مَعْناهُ كَمَعْنى الأوَّلِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَشُطُّ غَدًا دارُ جِيرانِنا ∗∗∗ ولَلدّارُ بَعْدَ غَدٍ أبْعَدُ
﴿واهْدِنا إلى سَواءِ الصِّراطِ﴾، إلى قَصْدِ الطَّرِيقِ، أيْ: ”طَرِيقِ الحَقِّ“ .
ص 38:23
﴿تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ كَنّى بِالنَّعْجَةِ عَنِ المَرْأةِ، قالَ الأعْشى:
؎فَرَمَيْتُ غُفْلَةَ عَيْنِهِ عَنْ شاتِهِ ∗∗∗ فَأصَبْتُ حَبَّةَ قَلْبِها وطِحالَها
عَنى بِالشّاةِ هَهُنا المَرْأةَ.
(p-٣٢٧)﴿فَقالَ أكْفِلْنِيها﴾، أيْ: اِجْعَلْنِي أنا أكْفُلُها، وانْزِلْ أنْتَ عَنْها، ﴿وَعَزَّنِي في الخِطابِ﴾، غَلَبَنِي في الخُصُومَةِ، أيْ: كانَ أقْوى عَلى الِاحْتِجاجِ مِنِّي.
ص 38:24
﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”بِسُؤالِهِ نَعْجَتَكَ لِيَضُمَّها إلى نِعاجِهِ“، ﴿وَإنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطاءِ﴾، مِنَ الشُّرَكاءِ، تَقُولُ: ”فُلانٌ خَلِيطِي، وشَرِيكِي“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾، أيْ: قَلِيلٌ هُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أنَّما فَتَنّاهُ﴾، اَلْآيَةَ، ويُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ: ”فَتَناهُ“، يُعْنى بِهِ المَلَكانِ، ومَعْنى ”ظَنَّ“: أيْقَنَ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِيَقِينِ عِيانٍ، أمّا العِيانُ فَلا يُقالُ فِيهِ إلّا ”عَلِمَ“، ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأنابَ﴾، مَكَثَ أرْبَعِينَ يَوْمًا ساجِدًا، لا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِهِ، إلّا لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، وما لا بُدَّ لَهُ مِنهُ، ولا تَرْقَأُ دَمْعَتُهُ.
(p-٣٢٨)وَيُرْوى في التَّفْسِيرِ أنَّ قِصَّةَ داوُدَ والمَلَكَيْنِ سَبَبُها أنَّ إبْلِيسَ - غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ - تَمَثَّلَ لَهُ في صُورَةِ طَيْرٍ مِن ذَهَبٍ، فَسَقَطَ بِقُرْبِهِ، فَأوى إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَتَنَحّى، وطَلَبَهُ حَتّى إذا قارَبَ أنْ يَتَناوَلَهُ تَنَحّى، فَبَصُرَ داوُدُ في اتِّباعِ الطَّيْرِ بِامْرَأةٍ تَغْتَسِلُ، وبَصُرَتْ بِهِ، فَتَجَلَّلَتْ بِشَعْرِها، حَتّى سَتَرَها، ويُقالُ: إنَّها امْرَأةُ أُورِيّا بْنِ حَنّانَ، ويُرْوى أنَّهُ كَتَبَ إلى صاحِبِ جُنْدِهِ أنْ يُقَدِّمَ أُورِيّا في حَرْبٍ كانَتْ، فَقَدَّمَهُ، فَقُتِلَ، فَتَزَوَّجَها داوُدُ، ويُرْوى أنَّ عَلِيًّا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: ”مَن قالَ: إنَّ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قارَفَ مِن هَذِهِ المَرْأةِ رِيبَةً جَلَدْتُهُ مِائَةً وسِتِّينَ جَلْدَةً، لِأنَّ مَن قَذَفَ غَيْرَ النَّبِيِّ جُلِدَ ثَمانِينَ جَلْدَةً، ومَن قَذَفَ نَبْيًّا جُلِدَ مِائَةً وسِتِّينَ جَلْدَةً“، وكانَ في التَّفْسِيرِ أنَّ داوُدَ أحَبَّ أنْ يُتْلِفَ أُورِيّا حَتّى يَتَزَوَّجَ داوُدُ بِامْرَأتِهِ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - إنَّما كانَ مِن داوُدَ عَلى جِهَةِ مَحَبَّةِ أنْ يَتَّفِقَ لَهُ ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَعَمَّدَ، أوْ يَسْعى في دَمِ الرَّجُلِ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ ذَنْبًا لِما أحَبَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَتَبَ في أنْ يُقَدَّمَ أمامَ التّابُوتِ هَذا الرَّجُلُ لِبَأْسِهِ، ونَجْدَتِهِ في الحَرْبِ، ورَجا كِفايَتَهُ، فاتَّفَقَ مَعَ ذَلِكَ أنْ أُصِيبَ، وبِهِ حَلَتْ لَهُ امْرَأتُهُ، فَعُوتِبَ عَلى مَحَبَّةِ امْرَأةِ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ غَيْرُها، ولِداوُدَ تِسْعٌ وتِسْعُونَ امْرَأةً، فَكانَ ذَلِكَ مِن ذُنُوبِ الأنْبِياءِ، فَلَمّا بالَغَ في التَّوْبَةِ وجَهَدَ نَفْسَهُ في الرَّغْبَةِ إلى اللَّهِ في العَفْوِ، حَتّى كادَ أنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ تائِبًا، ومُتَنَصِّلًا إلى اللَّهِ مِن ذَنْبِهِ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ وصَفَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذا الأيْدِ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ١٧]، وقَوْلُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -: ”صَلّى اللَّهُ عَلى داوُدَ ورَحِمَهُ“، يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ هَذا التَّأْوِيلِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ص 38:26
﴿إنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً في الأرْضِ﴾، (p-٣٢٩)بِهَذا جازَ أنْ يُقالَ لِلْخُلَفاءِ: ”خُلَفاءُ اللَّهِ في الأرْضِ“، ﴿فاحْكم بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِحُكْمِ اللَّهِ، إذْ كُنْتَ خَلِيفَتَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾، أيْ: بِتَرْكِهِمُ العَمَلَ لِهَذا اليَوْمِ، صارُوا بِمَنزِلَةِ النّاسِينَ، وإنْ كانُوا يُنْذَرُونَ، ويُذَكَّرُونَ.
ص 38:27
﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلْآيَةَ، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّهُ يُعَذِّبُهم عَلى الظَّنِّ، وكَذَلِكَ: ﴿وَظَنُّوا أنَّهم إلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩]، وإنَّما قِيلَ لَهم هَذا لِأنَّهم جَحَدُوا البَعْثَ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، إذا لَمْ يَكُنْ رَجْعَةٌ لَمْ يَكُنْ فَصْلٌ بَيْنَ الفاجِرِ، والبَرِّ، وبَعْدَ هَذا: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ﴾ [ص: ٢٨]، اَلْآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ﴿كِتابٌ أنْـزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، اَلْمَعْنى: ”هَذا كِتابٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ“، لِيُفَكِّرُوا في آياتِهِ، وفي أدْبارِ أُمُورِهِمْ، أيْ: عَواقِبِها، ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩]، أيْ: ذَوُو العُقُولِ.
ص 38:30
﴿نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾، (p-٣٣٠)اَلْمَعْنى: ”نِعْمَ العَبْدُ سُلَيْمانُ، إنَّهُ أوّابٌ كَثِيرُ الرُّجُوعِ“ .
ص 38:31
﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ الصّافِناتُ الجِيادُ﴾، ”اَلصّافِناتُ“: اَلْخَيْلُ القائِمَةُ، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وأهْلُ التَّفْسِيرِ: ”اَلصّافِنُ“: اَلْقائِمُ الَّذِي يُثْنِي إحْدى يَدَيْهِ، أوْ إحْدى رِجْلَيْهِ، حَتّى يَقِفَ بِها عَلى سَنْبُكِهِ، وهو طَرَفُ الحافِرِ، فَثَلاثٌ مِن قَوائِمِهِ مُتَّصِلَةٌ بِالأرْضِ، وقائِمَةٌ مِنها تَتَّصِلُ بِالأرْضِ طَرَفُ حافِرِها فَقَطْ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ألِفَ الصُّفُونَ فَلا يَزالُ كَأنَّهُ ∗∗∗ مِمّا يَقُومُ عَلى الثَّلاثِ كَسِيرا
وَقالَ بَعْضُهُمْ: ”اَلصّافِنُ“: اَلْقائِمُ ثَنى إحْدى قَوائِمِهِ، ولَمْ يَثْنِها، والخَيْلُ أكْثَرُ ما تَقِفُ - إذا وقَفَتْ - صافِنَةً، لِأنَّها كَأنَّها تُراوِحُ بَيْنَ قَوائِمِها.
ص 38:32
﴿فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾، ”اَلْخَيْرُ“، هَهُنا: اَلْخَيْلُ، والنَّبِيُّ ﷺ سَمّى زَيْدَ الخَيْلِ: ”زَيْدَ الخَيْرِ“، وإنَّما سُمِّيَتِ الخَيْلُ ”اَلْخَيْرَ“، لِأنَّ «الخَيْرَ مَعْقُودٌ بِنَواصِي الخَيْلِ،» كَذا جاءَ في الحَدِيثِ، وكانَتْ هَذِهِ الخَيْلُ ورَدَتْ عَلى سُلَيْمانَ مِن غَنِيمَةِ جَيْشٍ كانَ لَهُ، فَتَشاغَلَ (p-٣٣١)بِاعْتِراضِها إلى أنْ غابَتِ الشَّمْسُ، وفاتَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ“، يُعْنى الشَّمْسُ، ولَمْ يَجْرِ لِلشَّمْسِ ذِكْرٌ، وهَذا لا أحْسَبُهم أعْطَوُا الفِكْرَ حَقَّهُ فِيهِ، لِأنَّ في الآيَةِ دَلِيلًا يَدُلُّ عَلى الشَّمْسِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالعَشِيِّ﴾ [ص: ٣١]، والعَشِيُّ في مَعْنى ”بَعْدَ زَوالِ الشَّمْسِ“، ”حَتّى تَوارَتِ الشَّمْسُ بِالحِجابِ“، ولَيْسَ يَجُوزُ الإضْمارُ، إلّا أنْ يَجْرِيَ ذِكْرٌ، أوْ دَلِيلُ ذِكْرٍ، بِمَنزِلَةِ الذِّكْرِ، وكانَ سُلَيْمانُ لِهَيْبَتِهِ لا يَجْسُرُ عَلَيْهِ أحَدٌ حَتّى يُنَبَّهَ لِوَقْتِ صَلاةٍ، ولَسْتُ أدْرِي هَلْ كانَتْ صَلاةُ العَصْرِ مَفْرُوضَةً في ذَلِكَ الوَقْتِ أمْ لا، إلّا أنَّ اعْتِراضَهُ الخَيْلَ قَدْ شَغَلَهُ حَتّى جازَ وقْتٌ يُذْكَرُ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - فِيهِ، ومَعْنى ”أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ“: آثَرْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.
ص 38:33
﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ والأعْناقِ﴾، ”اَلْمَسْحُ“، هَهُنا، عَلى ما جاءَ في التَّفْسِيرِ: اَلْقَطْعُ، ورُوِيَ أنَّهُ ضَرَبَ سُوقَها وأعْناقَها، و”سُوقٌ“، جَمْعُ ”ساقٌ“، مِثْلَ: ”دارٌ“، و”دُورٌ“، ولَمْ يَكُنْ سُلَيْمانُ لِيَضْرِبَ أعْناقَها إلّا وقَدْ أباحَ اللَّهُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يَجْعَلُ التَّوْبَةَ مِنَ الذَّنْبِ بِذَنْبٍ عَظِيمٍ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهُ مَسَحَ أعْناقَها وسُوقَها بِالماءِ، وبِيَدِهِ، وهَذا لَيْسَ يُوجِبُ شَغْلَها إيّاهُ، أعْنِي أنْ يَمْسَحَها بِالماءِ، وإنَّما قالَ ذَلِكَ قَوْمٌ لِأنَّ قَتْلَها كانَ عِنْدَهم مُنْكَرًا، ولَيْسَ ما يُبِيحُهُ اللَّهُ بِمُنْكَرٍ، وجائِزٌ أنْ يُباحَ ذَلِكَ لِسُلَيْمانَ في وقْتِهِ، ويُحْظَرَ في هَذا الوَقْتِ، ومالِكٌ يَذْهَبُ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي أنْ يُؤْكَلَ لَحْمُ الخَيْلِ، والبِغالِ، والحَمِيرِ، لِقَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والخَيْلَ والبِغالَ والحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وقالَ في الإبِلِ: ﴿لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [غافر: ٧٩] .
ص 38:34
(p-٣٣٢)﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾، ”فَتَنّا“: اِمْتَحَنّا، ﴿وَألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ لِسُلَيْمانَ ابْنٌ، فَخافَ عَلَيْهِ الشَّياطِينَ، لِأنَّ الشَّياطِينَ كانَتْ تُقَدِّرُ الرّاحَةَ مِمّا كانَتْ فِيهِ بِمَوْتِ سُلَيْمانَ، فَقالَتْ: إنْ بَقِيَ لَهُ ولَدٌ لَمْ نَنْفَكَّ مِمّا نَحْنُ فِيهِ، فَغَذّاهُ في السَّحابِ إشْفاقًا عَلَيْهِ، فَماتَ، فَأُلْقِيَ عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدٌ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ هَذا مُجازاتَهُ عَلى ذَنْبِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فَأثْكَلَهُ اللَّهُ ولَدَهُ، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”جَسَدًا“، هَهُنا: ”شَيْطانٌ“، وأنَّ سُلَيْمانَ أُمِرَ ألّا يَتَزَوَّجَ امْرَأةً إلّا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَتَزَوَّجَ مِن غَيْرِهِمُ امْرَأةً كانَتْ تَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ، فَعاقَبَهُ اللَّهُ بِأنْ سَلَبَهُ مُلْكَهُ، وكانَ مُلْكُهُ في خاتَمِهِ، فَدَفَعَهُ عِنْدَ دُخُولِهِ الحَمّامَ إلى شَيْطانٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُقالُ لَهُ: ”صَخْرٌ“، فَطَرَحَهُ في البَحْرِ، فَمَكَثَ أرْبَعِينَ يَوْمًا يَتِيهُ في الأرْضِ حَتّى وجَدَ الخاتَمَ في بَطْنِ سَمَكَةٍ، وكانَ شَيْطانٌ تَصَوَّرَ في صُورَتِهِ وجَلَسَ مَجْلِسَهُ، وكانَ أمْرُهُ يَنْفُذُ في جَمِيعِ ما كانَ يَنْفُذُ فِيهِ أمْرُ سُلَيْمانَ، خَلا نِساءَ سُلَيْمانَ، إلى أنْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ، قالَ: ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذَلِكَ﴾ [ص: ٢٥]، أيْ: ذَلِكَ الذَّنْبَ، ﴿وَإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: ٢٥]، حُسْنَ مَرْجِعٍ.
ص 38:35
﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِن بَعْدِي إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾، (p-٣٣٣)أيْ: ”هَبْ لِي مُلْكًا يَكُونُ فِيهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِي، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي مِنَ الآدَمِيِّينَ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ، يَكُونُ لَهُ آيَةً تَدُلُّ عَلى أنَّكَ غَفَرْتَ لِي ورَدَدْتَ إلَيَّ نُبُوَّتِي، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦]،“ رُخاءً ”: لَيِّنَةً، وقِيلَ: تَجْرِي بِأمْرِهِ لَيْسَتْ بِشَدِيدَةٍ، كَما يُحِبُّ، ﴿حَيْثُ أصابَ﴾ [ص: ٣٦]، إجْماعُ المُفَسِّرِينَ وأهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ حَيْثُ أرادَ، وحَقِيقَتُهُ“ قَصَدَ ”، وكَذَلِكَ قَوْلُكَ لِلْمُجِيبِ في المَسْألَةِ:“ أصَبْتَ ”، أيْ:“ قَصَدْتَ "، فَلَمْ تُخْطِئِ الجَوابَ.
ص 38:37
﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾، ”اَلشَّياطِينَ“، نَسَقٌ عَلى ”اَلرِّيحَ“، وقَوْلُهُ: ”كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ“، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِنَ الشَّياطِينِ، المَعْنى: ”وَسَخَّرْنا لَهُ كُلَّ بِنّاءٍ مِنَ الشَّياطِينِ، وكُلَّ غَوّاصٍ“، وكانَ مَن يَبْنِي ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ﴾ [سبإ: ١٣]، وكانَ مَن يَغُوصُ يُخْرِجُونَ لَهُ الحِلْيَةَ مِنَ البَحْرِ، ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ [ص: ٣٨]، مَرَدَةَ الجِنِّ، الشَّياطِينَ، سُخِّرُوا لَهُ حَتّى قَرَّنَهم في الأصْفادِ، و”اَلْأصْفادُ“: اَلسَّلاسِلُ مِنَ الحَدِيدِ، وكُلُّ ما شَدَدْتَهُ شَدًّا وثِيقًا بِالحَدِيدِ وغَيْرِهِ فَقَدْ صَفَدْتَهُ، وكُلُّ مَن أعْطَيْتَهُ عَطاءً جَزِيلًا فَقَدَ أصَفَدْتَهُ، كَأنَّكَ أعْطَيْتَهُ ما تَرْتَبِطُ بِهِ، كَما تَقُولُ لِلْمُتَّخِذِ مالًا أصْلًا يُبْقِي عَلَيْهِ: ”قَدِ اتَّخَذْتَ عُقْدَةً جَيِّدَةً“ .
ص 38:39
﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ﴾، أيْ: أطْلِقْ مَن شِئْتَ مِنهم.
(p-٣٣٤)﴿أوْ أمْسِكْ﴾، أوِ احْبِسْ مَن شِئْتَ، ولا حِسابَ عَلَيْكَ في حَبْسِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”عَطاؤُنا“، ما أعْطَيْناكَ مِنَ المالِ والكَثْرَةِ والمُلْكِ، ﴿فامْنُنْ﴾، أيْ: فَأعْطِ مِنهُ، ﴿أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، بِغَيْرِ مِنَّةٍ عَلَيْكَ، وإنْ شِئْتَ ”بِغَيْرِ حِسابٍ“: بِغَيْرِ جَزاءٍ.
ص 38:41
﴿واذْكُرْ عَبْدَنا أيُّوبَ إذْ نادى رَبَّهُ أنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وعَذابٍ﴾، ”عَبْدَنا“، مَنصُوبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، و”أيُّوبَ“، بَدَلٌ مِن ”عَبْدَنا“، لِأنَّ ”أيُّوبَ“، هو الِاسْمُ الخاصُّ، والِاسْمُ الخاصُّ لا يَكُونُ نَعْتًا، إنَّما يَكُونُ بَدَلًا مُبَيِّنًا، ”بِنُصْبٍ“، و”نَصَبٍ“، بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ، و”نُصْبٍ“، بِضَمِّ النُّونِ، بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”بِنُصْبٍ“، بِضَمِّ النُّونِ، وإسْكانِ الصّادِ، وقُرِئَتْ بِفَتْحِ النُّونِ وإسْكانِ الصّادِ، ”وَنَصَبٍ“، بِفَتْحِ النُّونِ والصّادِ، بِمَنزِلَةِ ”نُصْبٍ“، بِضَمِّ النُّونِ، و”اَلنُّصْبُ“، و”اَلنَّصَبُ“، بِمَنزِلَةِ ”اَلرُّشْدُ“، و”اَلرَّشَدُ“، و”اَلْبُخْلُ“، و”اَلْبَخَلُ“، و”اَلْعُرْبُ“، و”اَلْعَرَبُ“، و”اَلنَّصْبُ“، بِفَتْحِ النُّونِ، وإسْكانِ الصّادِ، عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، و”اَلنُّصْبُ“، و”اَلنَّصَبُ“، عَلى مَعْنى ”نَصَبْتُ، نَصْبًا، ونُصْبًا، ونَصْبًا“، عَلى أصْلِ المَصْدَرِ، ومَعْنى ”بِنُصْبٍ وعَذابٍ“: بِضُرٍّ في بَدَنِي، وعَذابٍ في مالِي، وأهْلِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِضُرٍّ في بَدَنِي، وعَذابٍ فِيهِ، ورُوِيَ أنَّهُ مَكَثَ أيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبْعَ سِنِينَ مُبْتَلًى، يَسْعى الدُّودُ مِن بَدَنِهِ، فَنادى رَبَّهُ ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]
ص 38:42
﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”قُلْنا لَهُ: اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ“، مَعْناهُ: ”دُسِ الأرْضَ بِرِجْلِكَ“، فَداسَ الأرْضَ دَوْسَةً خَفِيفَةً، فَنَبَعَتْ لَهُ عَيْنٌ، فاغْتَسَلَ مِنها، فَذَهَبَ الدّاءُ مِن ظاهِرِ بَدَنِهِ، ثُمَّ داسَ دَوْسَةً ثانِيَةً، فَنَبَعَ ماءٌ فَشَرِبَ مِنهُ، فَغَسَلَتِ الدّاءَ مِن باطِنِ بَدَنِهِ.
ص 38:43
(p-٣٣٥)﴿وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ ومِثْلَهم مَعَهُمْ﴾، قِيلَ: ”وَوَهَبْنا لَهُ أهْلَهُ“: أعْطَيْناهُ في الآخِرَةِ ثَوابَ فَقْدِهِمْ، ووَهَبْنا لَهُ في الدُّنْيا مِثْلَهُمْ، وقِيلَ: أُحْيِيَ لَهُ أهْلُهُ، ووُهِبَ لَهُ مِثْلَهُمْ، ﴿رَحْمَةً مِنّا﴾، ”رَحْمَةً“، مَنصُوبَةٌ، مَفْعُولٌ لَها، ﴿وَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾، لِذَوِي العُقُولِ، ومَعْنى ”وَذِكْرى لِأُولِي الألْبابِ“: إذا ابْتُلِيَ اللَّبِيبُ ذَكَرَ بَلاءَ أيُّوبَ فَصَبَرَ.
ص 38:44
﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾، اَلْمَعْنى: ”وَقُلْنا: خُذْ بِيَدِكَ“، و”اَلضِّغْثُ“: اَلْحُزْمَةُ مِنَ الحَشِيشِ، أوِ الرَّيْحانِ، أوْ ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ امْرَأةَ أيُّوبَ قالَتْ لَهُ: ”لَوْ تَقَرَّبْتَ إلى الشَّيْطانِ فَذَبَحْتَ لَهُ عَناقًا“، قالَ: ”وَلا كَفًّا مِن تُرابٍ“، وحَلَفَ أنْ يَجْلِدَها إذا عُوفِيَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وشَكَرَ اللَّهُ لَها خِدْمَتَها إيّاهُ، فَجَعَلَ تَحِلَّةَ يَمِينِهِ أنْ يَأْخُذَ حُزْمَةً فِيها مِائَةُ قَضِيبٍ فَيَضْرِبَها ضَرْبَةً واحِدَةً، فاخْتَلَفَ النّاسُ، فَقالَ قَوْمٌ: هَذا لِأيُّوبَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - خاصَّةً، وقالَ قَوْمٌ: هَذا لِسائِرِ النّاسِ، ﴿أوّابٌ﴾، كَثِيرُ الرُّجُوعِ إلى اللَّهِ.
ص 38:45
﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾، مَن قالَ: ”عِبادَنا“، جَعَلَ ”إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ“، بَدَلًا مِن ”عِبادَنا“، ومَن قَرَأ: (p-٣٣٦)”عَبَدْنا“، جَعَلَ ”إبْراهِيمَ“، وحْدَهُ البَدَلَ، وجَعَلَ ”إسْحاقَ ويَعْقُوبَ“، عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ”عَبْدَنا“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولِي الأيْدِي﴾، وقُرِئَتْ: ”اَلْأيْدِ“، بِغَيْرِ ياءٍ، ومَعْنى ”أُولِي الأيْدِي“: أُولِي القُوَّةِ في العِبادَةِ، ﴿والأبْصارِ﴾، أيْ: هم ذَوُو بَصِيرَةٍ فِيما يُقَرِّبُ إلى اللَّهِ، وقَدْ يَقُولُ لِلْقَوْمِ: ”لَهم (أيْدِي) بِهَؤُلاءِ“، أيْ: ”هم قادِرُونَ عَلَيْهِمْ“ قالَ الشّاعِرُ:
؎اِعْمَدْ لِما تَعْلُو فَما لَكَ بِالَّذِي ∗∗∗ لا تَسْتَطِيعُ مِنَ الأُمُورِ يَدانِ
أيْ: اِعْمَدْ لِما تَقْهَرُ، ولا تَعْمَدْ لِما تُقْهَرُ فِيهِ، أيْ: فَما لَكَ قَوَّةٌ، مَن قَرَأ: ”أُولِي الأيْدِ“، بِغَيْرِ ياءٍ، فَمَعْناهُ: مِن ”اَلتَّأْيِيدُ“، والتَّقْوِيَةِ عَلى الشَّيْءِ.
ص 38:46
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أخْلَصْناهم بِخالِصَةٍ ذِكْرى الدّارِ﴾، ويُقْرَأُ: ”بِخالِصَةِ ذِكْرى الدّارِ“، عَلى إضافَةِ ”خالِصَةِ“، إلى ”ذِكْرى“، ومَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ جَعَلَ ”ذِكْرى الدّارِ“، بَدَلًا مِن ”خالِصَةٍ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”إنّا أخْلَصْناهم بِذِكْرى الدّارِ“، ومَعْنى ”اَلدّارُ“، هَهُنا: اَلدّارُ الآخِرَةُ، وتَأْوِيلُهُ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: ”إنّا أخْلَصْناهم“، جَعَلْناهم لَنا خالِصِينَ، بِأنْ جَعَلْناهم يُذَكِّرُونَ بِالدّارِ الآخِرَةِ، ويُزَهِّدُونَ في الدُّنْيا، وكَذَلِكَ شَأْنُ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِأنَّهم يُكْثِرُونَ ذِكْرَ الآخِرَةِ والرُّجُوعَ إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.
ص 38:47
﴿وَإنَّهم عِنْدَنا لَمِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ اتَّخَذَهُمُ اللَّهُ صَفْوَةً، صَفّاهم مِنَ الأدْناسِ كُلِّها، وأخْلَصَهم مِنها.
ص 38:48
(p-٣٣٧)وَقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْلِ﴾، ويُقْرَأُ: ”واللَّيْسَعَ وذا الكِفْلِ“، وكانَ تَكَفَّلَ بِعَمَلِ رَجُلٍ صالِحٍ، يُقالُ: إنَّهُ كانَ يُصَلِّي ذَلِكَ الرَّجُلُ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ صَلاةٍ، فَتُوُفِّيَ الرَّجُلُ الصّالِحُ، فَتَكَفَّلَ ذُو الكِفْلِ بِعَمَلِهِ، فَكانَ يَعْمَلُ عَمَلَهُ، ويُقالُ: إنَّ ذا الكِفْلِ تَكَفَّلَ بِأمْرِ أنْبِياءَ، فَخَلَّصَهم مِنَ القَتْلِ، فَسُمِّيَ ”ذا الكِفْلِ“، ﴿وَكُلٌّ مِنَ الأخْيارِ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَكُلُّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ مِنَ الأخْيارِ، و“ اَلْأخْيارُ ”، جَمْعُ“ خَيِّرٌ ”، و“ أخْيارٌ ”، مِثْلَ:“ مَيِّتٌ ”، و“ أمْواتٌ " .
ص 38:49
﴿هَذا ذِكْرٌ وإنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: هَذا شَرَفٌ وذِكْرٌ جَمِيلٌ يُذْكَرُونَ بِهِ أبَدًا، وإنَّ لَهم مَعَ ذَلِكَ لَحُسْنَ مَآبٍ، أيْ: لَحُسْنَ مَرْجِعٍ، يُذْكَرُونَ في الدُّنْيا بِالجَمِيلِ، ويَرْجِعُونَ في الآخِرَةِ إلى مَغْفِرَةِ اللَّهِ، ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ حُسْنُ ذَلِكَ المَرْجِعِ، فَقالَ: ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ﴾ [ص: ٥٠]، ”جَنّاتِ“، بَدَلٌ مِن ”لَحُسْنَ مَآبٍ“، ومَعْنى ”مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأبْوابُ“: أيْ: مِنها، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”مُفَتَّحَةً لَهم أبْوابُها“، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ عَلى تَقْدِيرِ العَرَبِيَّةِ ”اَلْأبْوابُ مِنها“، أجْوَدُ مِن أنْ تَجْعَلَ الألِفَ واللّامَ بَدَلًا مِنَ الهاءِ والألِفِ، لِأنَّ مَعْنى الألِفِ واللّامِ لَيْسَ مَعْنى الهاءِ والألِفِ في شَيْءٍ، لِأنَّ الهاءَ والألِفَ اسْمٌ، والألِفَ واللّامَ دَخَلَتا لِلتَّعْرِيفِ، ولا يُبْدَلُ حَرْفٌ جاءَ لِمَعْنًى مِنَ اسْمٍ، ولا يَنُوبُ عَنْهُ، هَذا مُحالٌ.
ص 38:52
﴿وَعِنْدَهم قاصِراتُ الطَّرْفِ أتْرابٌ﴾، (p-٣٣٨)يَعْنِي حُورًا، قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، فَلا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ، ﴿أتْرابٌ﴾ أقْرانٌ، ﴿وَكَواعِبَ أتْرابًا﴾ [النبإ: ٣٣]، أيْ: أسْنانُهُنَّ واحِدَةٌ، وهُنَّ في غايَةِ الشَّبابِ والحُسْنِ.
ص 38:53
﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحِسابِ﴾، أيْ: لِيَوْمٍ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما عَمِلَتْ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ نَعِيمَ أهْلِ الجَنَّةِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، فَقالَ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، أيْ: ما لَهُ مِنَ انْقِطاعٍ.
ص 38:55
﴿هَذا وإنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، اَلْمَعْنى: اَلْأمْرُ هَذا، فَـ ”هَذا“، رَفْعٌ، خَبَرُ الِابْتِداءِ المَحْذُوفِ، وإنْ شِئْتَ كانَ ”هَذا“، رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، و”جَهَنَّمَ“، بَدَلٌ مِن ”شَرَّ مَآبٍ“، أيْ: شَرَّ مَرْجِعٍ.
ص 38:57
﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾، بِتَشْدِيدِ السِّينِ، وتَخْفِيفِها، و”حَمِيمٌ“، رَفْعٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى مَعْنى: ”هَذا حَمِيمٌ وغَسّاقٌ فَلْيَذُوقُوهُ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هَذا“، عَلى مَعْنى تَفْسِيرِ ”هَذا فَلْيَذُوقُوهُ“، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”هَذا“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى هَذا التَّفْسِيرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، فَإذا كانَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَعَلى ”فَلْيَذُوقُوا هَذا فَلْيَذُوقُوهُ“، كَما قالَ: ﴿وَإيّايَ فاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤١]، ومِثْلُ ذَلِكَ: ”زَيْدًا فاضْرِبْهُ“ .
(p-٣٣٩)وَمَن رَفَعَ فَبِالِابْتِداءِ، ويَجْعَلُ الأمْرَ في مَوْضِعِ خَبَرِ الِابْتِداءِ، مِثْلَ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨]، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ”غَسّاقٌ“: اَلشَّدِيدُ البَرْدِ، الَّذِي يَحْرِقُ مِن بَرْدِهِ، وقِيلَ: إنَّ ”اَلْغَسّاقُ“: ما يَغْسِقُ مِن جُلُودِ أهْلِ النّارِ، ولَوْ قُطِرَتْ مِنهُ قَطْرَةٌ في المَشْرِقِ لِأنْتَنَتْ أهْلَ المَغْرِبِ، وكَذَلِكَ لَوْ سَقَطَتْ في المَغْرِبِ.
ص 38:58
﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أزْواجٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَأُخَرُ“، و”آخَرُ“، عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧]، أيْ: وعَذابٌ آخَرُ مِن شَكْلِهِ، يَقُولُ: مِثْلَ ذَلِكَ الأوَّلِ، ومَن قَرَأ: ”وَأُخَرُ“، فالمَعْنى: ”وَأنْواعٌ أُخَرُ مِن شَكْلِهِ“، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أزْواجٌ﴾، مَعْناهُ: أنْواعٌ.
ص 38:59
﴿هَذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ﴾، ”اَلْفَوْجُ“: هم تُبّاعُ الرُّؤَساءِ، وأصْحابُهم في الضَّلالَةِ، وقِيلَ لَهُمْ: ”لا مَرْحَبًا“، مَنصُوبٌ، كَقَوْلِكَ: ”رَحُبَتْ بِلادُكَ مَرْحَبًا“، و”صادَفْتَ مَرْحَبًا“، فَأُدْخِلَتْ ”لا“، عَلى ذَلِكَ المَعْنى.
ص 38:60
﴿قالُوا بَلْ أنْتُمْ لا مَرْحَبًا بِكم أنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾، هَذا قَوْلُ الأتْباعِ لِلرُّؤَساءِ.
ص 38:61
﴿قالُوا رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا﴾، اَلْآيَةَ، أيْ: زِدْهُ عَلى عَذابِهِ عَذابًا آخَرَ، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنّا أطَعْنا سادَتَنا وكُبَراءَنا فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٦٨]، ومَعْنى ”ضِعْفَيْنِ“، مَعْنى: ”فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا“ .
ص 38:63
(p-٣٤٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾، يُقْرَأُ بِقَطْعِ الألِفِ، وفَتْحِها، عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ومَن وصَلَها كانَ عَلى مَعْنى: ”إنّا اتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا“، ويُقْرَأُ: ”سِخْرِيًّا“، و”سُخْرِيًّا“، بِالكَسْرِ، والضَّمِّ، والمَعْنى واحِدٌ، وقَدْ قالَ قَوْمٌ: إنَّ ما كانَ مِنَ التَّسْخِيرِ فَهو مَضْمُومُ الأوَّلِ، وما كانَ مِنَ الهُزُؤِ فَهو مَكْسُورُ الأوَّلِ.
ص 38:64
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ﴾، أيْ: إنَّ وصْفَنا الَّذِي وصَفْناهُ عَنْهم لَحَقَّ، ثُمَّ بَيَّنَ ما هُوَ، فَقالَ: هو تَخاصُمُ أهْلِ النّارِ، وهَذا كُلُّهُ عَلى مَعْنى: ”إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ أهْلُ النّارِ كَذا“، وكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِمّا يَحْكِي عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ.
ص 38:65
﴿قُلْ إنَّما أنا مُنْذِرٌ وما مِن إلَهٍ إلا اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾، أيْ: قُلْ إنَّكَ تُنْذِرُ، وإنَّكَ تَدْعُو إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”إلّا اللَّهَ الواحِدَ القَهّارَ“، بِالنَّصْبِ، لَجازَتْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، ومَن نَصَبَ فَعَلى الِاسْتِثْناءِ، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: ”ما إلَهٌ إلّا اللَّهُ“ .
ص 38:67
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨]، أيْ: قُلْ: اَلنَّبَأُ الَّذِي أنْبَأْتُكم بِهِ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - نَبَأٌ عَظِيمٌ، والَّذِي أنْبَأْتُكم بِهِ دَلِيلٌ عَلى نُبُوَّتِي، يَعْنِي: ما أنْبَأكم بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِن قِصَّةِ آدَمَ، وإبْلِيسَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُعْلَمُ إلّا بِقِراءَةِ الكُتُبِ، أوْ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ عَلِمَ الَّذِينَ خاطَبَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا، ولا خَطَّهُ بِيَمِينِهِ، ولا كانَ رَيْبٌ فِيما يُخْبِرُ بِهِ أنَّهُ وحْيٌ.
ص 38:69
ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿ما كانَ لِيَ مِن عِلْمٍ بِالمَلإ الأعْلى إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، (p-٣٤١)أيْ: ما عَلِمْتُ هَذِهِ الأقاصِيصَ إلّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ.
ص 38:71
﴿إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾، هُمُ المَلَأُ مِنَ المَلائِكَةِ، ومَلَأُ كُلِّ قَرْيَةٍ وُجُوهُهُمْ، وأفاضِلُهم.
ص 38:75
﴿قالَ يا إبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أسْتَكْبَرْتَ﴾، تُقْرَأُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: ”بِيَدَيَّ“، عَلى التَّثْنِيَةِ، و”بِيَدِيَ أسْتَكْبَرْتَ“، بِفَتْحِ الياءِ، وتَخْفِيفِها، وتَوْحِيدِ اليَدِ، وبِتَسْكِينِ اليَدِ والتَّوْحِيدِ: ”بِيَدِي أسْتَكْبَرْتَ“ .
ص 38:77
﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أيْ: فَإنَّكَ لَعِينٌ، مَعْناهُ: فَإنَّكَ مَرْجُومٌ بِاللَّعْنَةِ.
ص 38:78
﴿وَإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾، يَوْمَ تُدانُ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ، ومَعْنى ”يَوْمِ الدِّينِ“: يَوْمِ الجَزاءِ.
ص 38:81
﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾، اَلَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، و”يَوْمِ الوَقْتِ“: يَوْمِ القِيامَةِ.
ص 38:83
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾، بِفَتْحِ اللّامِ، أخْلَصَهُمُ اللَّهُ لِعِبادَتِهِ، ومَن كَسَرَ اللّامَ فَإنَّما أرادَ " اَلَّذِينَ أخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ.
ص 38:84
﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾، (p-٣٤٢)وَقُرِئَتْ: ”قالَ فالحَقَّ والحَقَّ أقُولُ“، بِنَصْبِهِما جَمِيعًا، فَمَن رَفَعَ فَعَلى ضَرْبَيْنِ، عَلى مَعْنى: ”فَأنا الحَقُّ والحَقَّ أقُولُ“، ويَجُوزُ رَفْعُهُ عَلى مَعْنى: ”فالحَقُّ مِنِّي“، ومَن نَصَبَ فَعَلى مَعْنى: ”فالحَقَّ أقُولُ والحَقَّ لِأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ حَقًّا“ .
ص 38:88
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، أيْ: بَعْدَ المَوْتِ.
الزمر 39:1
(p-٣٤٣)سُورَةُ اَلزُّمَرِ
مَكِّيَّةٌ، ما خَلا ثَلاثَ آياتٍ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]، إلى تَمامِ ثَلاثِ آياتٍ، يُقالُ: ”سُورَةُ الغُرَفِ“، ويُقالُ: ”سُورَةُ الزُّمَرِ“، رُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنْبِهٍ أنَّهُ قالَ: ”مَن أحَبَّ أنْ يَعْرِفَ قَضاءَ اللَّهِ في خَلْقِهِ فَلْيَقْرَأْ سُورَةَ“ اَلْغُرَفِ " .
﷽
قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ﴿إنّا أنْـزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [الزمر: ٢]، ”اَلْكِتابُ“، هَهُنا: اَلْقُرْآنُ، ورُفِعَ ”تَنْزِيلُ الكِتابِ“، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما الِابْتِداءُ، ويَكُونُ الخَبَرُ ”مِنَ اللَّهِ“، أيْ: ”نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى ”هَذا تَنْزِيلُ الكِتابِ“ .
الزمر 39:2
وَقَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ”اَلدِّينَ“، مَنصُوبٌ بِوُقُوعِ الفِعْلِ عَلَيْهِ، و”مُخْلِصًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ: فاعْبُدِ اللَّهَ مُوَحِّدًا لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وزَعَمَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّهُ يَجُوزُ ”مُخْلِصًا لَهُ الدِّينُ“، وقالَ: يُرْفَعُ ”اَلدِّينُ“، عَلى قَوْلِكَ: ”مُخْلِصًا لَهُ الدِّينُ“، ويَكُونُ ”مُخْلِصًا“، تَمامَ الكَلامِ، ويَكُونُ ”لَهُ الدِّينُ“، اِبْتِداءً، وهَذا لا يَجُوزُ، مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنَّهُ لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، (p-٣٤٤)والأُخْرى أنَّهُ يُفْسِدُهُ ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، فَيَكُونُ ”لَهُ الدِّينُ“، مُكَرَّرًا في الكَلامِ، لا يُحْتاجُ إلَيْهِ، وإنَّما الفائِدَةُ في ﴿ألا لِلَّهِ الدِّينُ الخالِصُ﴾ [الزمر: ٣]، تَحَسُنُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومَعْنى إخْلاصِ الدِّينِ هَهُنا: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، وهَذا جَرى تَثْبِيتًا لِلتَّوْحِيدِ، ونَفْيًا لِلشِّرْكِ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣]، أيْ: فَأخْلِصْ أنْتَ الدِّينَ، ولا تَتَّخِذْ مِن دُونِهِ أوْلِياءَ، فَهَذا كُلُّهُ يُؤَكِّدُهُ ”مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ“، ومَوْضِعُ ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: ٣]، ”اَلَّذِينَ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهم مَحْذُوفٌ، في الكَلامِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، المَعْنى: ”والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ يَقُولُونَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى“، والدَّلِيلُ عَلى هَذا أيْضًا قِراءَةُ أُبَيٍّ: ”ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ“، هَذا تَصْحِيحُ الحِكايَةِ، المَعْنى: ”يَقُولُونَ لِأوْلِيائِهِمْ: ما نَعْبُدُكم إلّا لِتُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى“، وعَلى هَذا المَعْنى يَقُولُونَ: ما نَعْبُدُهُمْ، أيْ: يَقُولُونَ لِمَن يَقُولُ لَهُمْ: ”لِمَ عَبَدْتُمُوهُمْ؟“: ”ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى“، أيْ: قُرْبى، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - - أنَّهُ لا يَهْدِي هَؤُلاءِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر: ٣] .
الزمر 39:4
ثُمَّ أعْلَمَ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ، فَقالَ: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ﴾، (p-٣٤٥)أيْ: ”تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ“، ﴿هُوَ اللَّهُ الواحِدُ القَهّارُ﴾، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَدْ دَخَلَ فِيهِمْ مَن قالَ: عِيسى ابْنُ اللَّهِ - جَلَّ اللَّهُ وعَزَّ عَنْ ذَلِكَ -، ومَن قالَ: اَلْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ.
الزمر 39:6
ثُمَّ بَيَّنَ - جَلَّ وعَزَّ - ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ بِما خَلَقَ، ويَعْجِزُ عَنْهُ المَخْلُوقُونَ، فَقالَ: ﴿خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها﴾، ”ثُمَّ“، لا تَكُونُ إلّا لِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ، و”اَلنَّفْسُ الواحِدَةُ“، يَعْنِي بِها آدَمَ ﷺ، و”زَوْجُها“، حَوّاءُ، وإنَّما قَوْلُهُ ”ثُمَّ“، لِمَعْنى ”خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ“، أيْ: خَلَقَها واحِدَةً ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها، أيْ: خَلَقَها ثُمَّ جَعَلَ مِنها زَوْجَها قَبْلَكُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأنْـزَلَ لَكم مِنَ الأنْعامِ ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾، يَعْنِي: مِنَ الإبِلِ ذَكَرًا وأُنْثى، ومِنَ البَقَرِ ذَكَرًا وأُنْثى، ومِنَ الضَّأْنِ كَذَلِكَ، ومِنَ المَعْزِ ذَكَرًا وأُنْثى، يُقالُ لِلذَّكَرِ والأُنْثى: ”زَوْجانِ“، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقالُ لَهُ: ”زَوْجٌ“، ﴿يَخْلُقُكم في بُطُونِ أُمَّهاتِكم خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾، نُطَفًا، ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظامًا، ثُمَّ تُكْسى العِظامُ لَحْمًا، ثُمَّ تُصَوَّرُ، وتُنْفَخُ فِيها الرُّوحُ، فَذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾، في البَطْنِ، والرَّحِمِ، والمَشِيمَةِ، وقَدْ قِيلَ: في الأصْلابِ، والرَّحِمِ، والبَطْنِ، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكم لَهُ المُلْكُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾، اَلْمَعْنى: ”اَلَّذِي دَبَّرَ الخَلْقَ هَذا التَّدْبِيرَ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ﴿فَأنّى تُصْرَفُونَ﴾، (p-٣٤٦)اَلْمَعْنى:“ فَمِن أيْنَ تُصْرَفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ؟! "، مِثْلَ: ﴿فَأنّى تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر: ٦٢]، أيْ: فَكَيْفَ تَعْدِلُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ؟!
الزمر 39:7
﴿وَإنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، مَعْناهُ: يَرْضى الشُّكْرَ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ”وَإنْ تَشْكُرُوا“، يَدُلُّ عَلى الشُّكْرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِذَنْبِ أحَدٍ.
الزمر 39:8
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مُنِيبًا إلَيْهِ﴾، أيْ: تائِبًا إلَيْهِ، ﴿ثُمَّ إذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنهُ﴾، أيْ: أذْهَبَ الضُّرَّ عَنْهُ، وأنْعَمَ عَلَيْهِ، ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُو إلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾، يَقُولُ: نَسِيَ الدُّعاءَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ بِهِ إلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: نَسِيَ اللَّهَ الَّذِي كانَ يَتَضَرَّعُ إلَيْهِ مِن قَبْلُ، ومِثْلُهُ: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ [الكافرون: ٤] ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٥]، فَكانَتْ ”ما“، تَدُلُّ عَلى اللَّهِ، و”مَن“، عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُمَيِّزٍ، و”ما“، يَكُونُ لِكُلِّ نَوْعٍ، تَقُولُ: ”ما عِنْدَكَ؟“، فَيَكُونُ الجَوابُ: ”رَجُلٌ“، أوْ ”فَرَسٌ“، أوْ ما شِئْتَ مِنَ الأجْناسِ، فَيَدْخُلُ المُمَيِّزُ في ”ما“، مِن جِهَةِ دُخُولِها عَلى الأجْناسِ، ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾، لَفْظُ هَذا لَفْظُ أمْرٍ، ومَعْناهُ التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، ومِثْلُهُ: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٤]، ومِثْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ (p-٣٤٧)لِمَن يَتَهَدَّدُهُ: ”عُدْ لِما أكْرَهُ وحَسْبُكَ“، فَأنْتَ لَسْتَ تَأْمُرُهُ في المَعْنى، وإنَّما تَتَوَعَّدُهُ، وتَتَهَدَّدُهُ.
الزمر 39:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾، وأكْثَرُ القِراءَةِ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، عَلى مَعْنى: ”بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ“، و”اَلْقانِتُ“: اَلْمُقِيمُ عَلى الطّاعَةِ، ودُعاءُ القُنُوتِ: اَلدُّعاءُ في القِيامِ، فالقانِتُ: اَلْقائِمُ بِما يَجِبُ عَلَيْهِ مِن أمْرِ اللَّهِ، ويُقْرَأُ: ”أمَن هو قانِتٌ“، بِتَخْفِيفِ المِيمِ، وتَأْوِيلُهُ: ”أمَن هو قانِتٌ كَهَذا الَّذِي ذَكَرْنا مِمَّنْ جَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا؟“، وكَذَلِكَ ”أمْ مَن“، مَعْناهُ: ”بَلْ أمْ مَن هو قانِتٌ كَغَيْرِهِ؟“، أيْ: ”أمْ مَن هو مُطِيعٌ كَمَنَ هو عاصٍ؟“، ﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ ويَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾، مَعْناهُ: يَحْذَرُ عَذابَ الآخِرَةِ، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾، أيْ: ”لا يَسْتَوِي العالِمُ، والجاهِلُ، وكَذَلِكَ لا يَسْتَوِي المُطِيعُ، والعاصِي، و“ أُولُو الألْبابِ ”: ذَوُو العُقُولِ، وواحِدُ الألْبابِ“ لُبٌّ "، وهي العُقُولُ.
الزمر 39:10
﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وأرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ﴾، ذَكَرَ سَعَةَ الأرْضِ هَهُنا لِمَن كانَ يَعْبُدُ الأصْنامَ، وأمَرَنا بِالمُهاجَرَةِ عَنِ البَلَدِ الَّذِي يُكَرَهُ فِيهِ عَلى عِبادَتِها، كَما قالَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ [النساء: ٩٧]، وقَدْ جَرى ذِكْرُ الأوْثانِ في قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أنْدادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر: ٨]، ﴿إنَّما يُوَفّى الصّابِرُونَ أجْرَهم بِغَيْرِ حِسابٍ﴾، (p-٣٤٨)أيْ: مَن صَبَرَ عَلى البَلاءِ في طاعَةِ اللَّهِ، أُعْطِيَ أجْرَهُ بِغَيْرِ حِسابٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ: بِغَيْرِ مِكْيالٍ، وغَيْرِ مِيزانٍ، يُغْرَفُ لَهُ غَرْفًا، وهَذا وإنْ كانَ الثَّوابُ لا يَقَعُ عَلى بَعْضِهِ كَيْلٌ ولا وزْنٌ، مِمّا يَتَنَعَّمُ بِهِ الإنْسانُ مِنَ اللَّذَّةِ والسُّرُورِ والرّاحَةِ، فَإنَّهُ يُمَثَّلُ ما يُعْلَمُ بِحاسَّةِ القَلْبِ بِما يُدْرَكُ بِالنَّظَرِ، فَيُعْرَفُ مِقْدارُ القِلَّةِ مِنَ الكَثْرَةِ.
الزمر 39:11
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ﴾، يَقُولُ: إنِّي أمِرْتُ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وأُمِرَ الخَلْقُ كُلُّهم بِذَلِكَ، وألّا يَتَّخِذَ مِن دُونِهِ ولِيًّا، ولا يَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا.
الزمر 39:15
وَقَوْلُهُ: ﴿فاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِن دُونِهِ﴾، هَذا عَلى ما قُلْنا مِنَ الوَعِيدِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨]، وهَذا يَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّهُ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ المُسْلِمُونَ بِالحَرْبِ، وهو مِثْلُ ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقَدْ بَيَّنَ حَظَّ المُؤْمِنِينَ مِن جَزِيلِ الثَّوابِ، وحَظَّ الكافِرِينَ مِن عَظِيمِ العِقابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وأهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، هَذا يَعْنِي بِهِ الكُفّارَ، فَإنَّهم خَسِرُوا أنْفُسَهم بِالتَّخْلِيدِ في النّارِ، وخَسِرُوا أهْلِيهِمْ، لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا مُدْخَلَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَهم أهْلٌ في الجَنَّةِ، ثُمَّ بَيَّنَ حالَهم فَقالَ: ﴿ألا ذَلِكَ هو الخُسْرانُ المُبِينُ﴾ .
الزمر 39:16
﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾، اَلْآيَةَ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ مِن فَوْقِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥٥]، (p-٣٤٩)﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ﴾، أيْ: ذَلِكَ الَّذِي وُصِفَ مِنَ العَذابِ، وما أعَدَّهُ لِأهْلِ الضَّلالِ، الَّذِي يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ، ﴿يا عِبادِ فاتَّقُونِ﴾، اَلْقِراءَةُ بِحَذْفِ الياءِ، وهو الِاخْتِيارُ عِنْدَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، ويَجُوزُ: ”يا عِبادِي“، و”يا عِبادِيَ“، والحَذْفُ أجْوَدُ، وعَلَيْهِ القِراءَةُ.
الزمر 39:17
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أنْ يَعْبُدُوها﴾، أيْ: اَلَّذِينَ اجْتَنَبُوا الشَّياطِينَ أنْ يَتْبَعُوهُمْ، ﴿وَأنابُوا إلى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، اَلْآيَةَ، وهَذا فِيهِ - واللَّهُ أعْلَمُ - وجْهانِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ وغَيْرَهُ، فَيَتَّبِعُونَ القُرْآنَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونُوا يَسْتَمِعُونَ جَمِيعَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَ ذَلِكَ، نَحْوَ القِصاصِ، والعَفْوِ، فَإنَّ مَن عَفا وتَرَكَ ما يَجِبُ لَهُ أعْظَمُ ثَوابًا مِمَّنِ اقْتَصَّ، ومِثْلُهُ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣]، ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١]
الزمر 39:19
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾، هَذا مِن لَطِيفِ العَرَبِيَّةِ، ومَعْناهُ مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، وألِفُ الِاسْتِفْهامِ هَهُنا مَعْناها مَعْنى التَّوْقِيفِ، والألِفُ الثّانِيَةُ في ”أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ“، جاءَتْ مُؤَكِّدَةً، مُعادَةً، لَمّا طالَ الكَلامُ، لِأنَّهُ لا يَصْلُحُ في العَرَبِيَّةِ أنْ تَأْتِيَ بِألِفِ الِاسْتِفْهامِ في الِاسْمِ، وألِفٍ أُخْرى في الخَبَرِ، والمَعْنى: ”أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟!“، ومِثْلُهُ: ﴿أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا أنَّكم مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥]، (p-٣٥٠)أعادَ ”أنَّكم“، ثانِيَةً، والمَعْنى: ”أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُمْ تُرابًا وعِظامًا مُخْرَجُونَ؟!“، ويَكُونُ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى وجْهٍ آخَرَ، عَلى أنَّهُ حُذِفَ، وفي الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى المَحْذُوفِ، عَلى مَعْنى: ”أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ يَتَخَلَّصُ مِنهُ، أوْ يِنْجُو مِنهُ، أفَأنْتَ تُنْقِذُهُ؟!“، أيْ: لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُنْقِذَ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ، وسَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ.
الزمر 39:21
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ كُلَّ ما في الأرْضِ فابْتِداؤُهُ مِنَ السَّماءِ، ومَعْنى ”يَنابِيعَ“: اَلْأمْكِنَةَ الَّتِي يَنْبُعُ مِنها الماءُ، وواحِدُ ”اَلْيَنابِيعُ“، ”يَنْبُوعٌ“، وتُقَدِّرُهُ ”يَفْعُولٌ“، مِن ”نَبَعَ، يَنْبُعُ“ .
﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهم لَهم غُرَفٌ مِن فَوْقِها غُرَفٌ﴾ [الزمر: ٢٠]، مَنازِلُ في الجَنَّةِ رَفِيعَةٌ، وفَوْقَها مَنازِلُ أرْفَعُ مِنها، ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٠]، اَلْقِراءَةُ النَّصْبُ، ويَجُوزُ: ”وَعْدُ اللَّهِ“، فَمَن نَصَبَ - وهي القِراءَةُ - فَبِمَعْنى: ”لَهم غُرَفٌ لِأنَّ المُرادَ وعَدَهُمُ اللَّهُ غُرَفًا وعْدًا“، فَـ ”وَعْدُ اللَّهِ“، مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ، ومَن رَفَعَ فالمَعْنى: ”ذَلِكَ وعْدُ اللَّهِ“ .
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ﴾، ”ألْوانُهُ“: خُضْرَةٌ، وصُفْرَةٌ، وحُمْرَةٌ، وبَياضٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾، قالَ الأصْمَعِيُّ: يُقالُ لِلنَّبْتِ إذا تَمَّ جَفافُهُ: ”قَدْ هاجَ، يَهِيجُ، هَيْجًا“ .
(p-٣٥١)﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطامًا﴾، ”اَلْحُطامُ“: ما تَفَتَّتَ وتَكَسَّرَ مِنَ النَّبْتِ وغَيْرِهِ، ومِثْلُ ”اَلْحُطامُ“: ”اَلرُّفاتُ“، و”اَلدَّرِينُ“، ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لأُولِي الألْبابِ﴾، أيْ: تَفَكُّرٌ لِذَوِي العُقُولِ، فَيَذْكُرُونَ ما لَهم في هَذا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ.
الزمر 39:22
﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾، فَهَذِهِ الفاءُ فاءُ المُجازاةِ، والمَعْنى: ”أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فاهْتَدى، كَمَن طَبَعَ عَلى قَلْبِهِ فَلَمْ يَهْتَدِ لِقَسْوَتِهِ؟!“، والجَوابُ مَتْرُوكٌ، لِأنَّ الكَلامَ دالٌّ عَلَيْهِ، ويُؤَكِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهم مِن ذِكْرِ اللَّهِ﴾، يُقالُ: ”قَسا قَلْبُهُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، ومِن ذِكْرِ اللَّهِ“، فَمَن قالَ: ”مِن ذِكْرِ اللَّهِ“، فالمَعْنى: ”كُلَّما تُلِيَ عَلَيْهِ ذِكْرُ اللَّهِ قَسا قَلْبُهُ“، كَما قالَ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهم رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، ومَن قالَ: ”عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ“، فالمَعْنى أنَّهُ غَلِظَ قَلْبُهُ وجَفا عَنْ قَبُولِ ذِكْرِ اللَّهِ، ﴿أُولَئِكَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾، يَعْنِي القاسِيَةَ قُلُوبُهُمُ، الآيَةَ.
الزمر 39:23
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾، يَعْنِي القُرْآنَ، ومَعْنى ”مُتَشابِهًا“، يُشابِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الفَضْلِ، والحِكْمَةِ، لا تَناقُضَ فِيهِ، و”كِتابًا“، مَنصُوبٌ عَلى البَدَلِ مِن ”أحْسَنَ الحَدِيثِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿مَثانِيَ﴾، مِن نَعْتِ قَوْلِهِ: ”كِتابًا“، مَنصُوبٌ عَلى النَّعْتِ، ولَمْ يَنْصَرِفْ ”مَثانِيَ“، لِما فَسَّرْناهُ مِن أنَّهُ جَمْعٌ لَيْسَ عَلى مِثالِ الواحِدِ.
(p-٣٥٢)﴿تَقْشَعِرُّ مِنهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾، يَقُولُ: إذا ذُكِرَتْ آياتُ العَذابِ اقْشَعَرَّتْ جُلُودُ الخاشِعِينَ لِلَّهِ، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهم وقُلُوبُهم إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، إذا ذُكِرَتْ آياتُ الرَّحْمَةِ لانَتْ جُلُودُهُمْ، وقُلُوبُهُمْ، ﴿ذَلِكَ هُدى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشاءُ﴾، يَقُولُ: ”اَلَّذِي وهَبَهُ اللَّهُ لَهم مِن خَشْيَتِهِ وخَوْفِ عَذابِهِ ورَجاءِ رَحْمَتِهِ هُدى اللَّهِ.“
الزمر 39:24
﴿أفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، هَذا مِمّا جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، المَعْنى: " كَمَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الكافِرَ يُلْقى في النّارِ مَغْلُولًا، لا يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَتَّقِيَ النّارَ إلّا بِوَجْهِهِ.
الزمر 39:27
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨]، ”عَرَبِيًّا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”ضَرَبْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ في حالِ عَرَبِيَّتِهِ وبَيانِهِ“، وذَكَرَ ”قُرْآنًا“، تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: ”جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا“، و”جاءَنِي عَمْرٌو إنْسانًا عاقِلًا“، فَتَذْكُرُ ”رَجُلًا“، و”إنْسانًا“، تَوْكِيدًا.
الزمر 39:29
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ ورَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”سالِمًا“، و”سِلْمًا“، فَـ ”سالِمًا“، عَلى مَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، ”سَلِمَ، فَهو سالِمٌ“ .
و”سَلَمٌ“، و”سِلْمٌ“، مَصْدَرانِ وُصِفَ بِهِما عَلى مَعْنى ”وَرَجُلًا ذا سَلَمٍ“، ومِثْلُهُ مِمّا جاءَ (p-٣٥٣)مِنَ المَصادِرِ ”فِعْلًا“، و”فَعَلًا“، قَوْلُهُمْ: ”رَبِحْتُ رِبْحًا، ورَبَحًا“، قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا الحَسْناءُ لَمْ تَرْحَضْ يَدَيْها ∗∗∗ ولَمْ يُقْصَرْ لَها بَصَرٌ بِسِتْرِ
؎قَرَوْا أضْيافَهم رَبَحًا بِبُحٍّ ∗∗∗ يَعِيشُ بِفَضْلِهِنَّ المَشُّ سُمْرِ
أيْ: قَرَوْا أضْيافَهم بِذَبْحِ القِداحِ الَّتِي يَضْرِبُونَ بِها في المَيْسِرِ، وتَفْسِيرُ هَذا المَثَلِ أنَّهُ ضُرِبَ لِمَن وحَّدَ اللَّهَ، ولِمَن جَعَلَ لَهُ شَرِيكًا، فالَّذِي وحَّدَ اللَّهَ مَثَلُهُ مَثَلُ السّالِمِ لِرَجُلٍ، لا يَشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، ومَثَلُ الَّذِي عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ مَثَلُ صاحِبِ الشُّرَكاءِ المُتَشاكِسِينَ، و”اَلشُّرَكاءُ المُتَشاكِسُونَ“: اَلْمُخْتَلِفُونَ العَسِيرُونَ، الَّذِينَ لا يَتَّفِقُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلا﴾، أيْ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلُ المُوَحِّدِ ومَثَلُ المُشْرِكِ.
الزمر 39:31
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾، يَخْتَصِمُ المُؤْمِنُ، والكافِرُ، ويُخاصِمُ المَظْلُومُ الظّالِمَ.
الزمر 39:32
﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ وكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جاءَهُ﴾، اَلْمَعْنى: " أيُّ أحَدٍ أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلى اللَّهِ، وكَذَّبَ نَبِيَّهُ ﷺ؟
الزمر 39:33
﴿والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ﴾، اَلْآيَةَ، (p-٣٥٤)رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”اَلَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ أبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ“، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ جِبْرِيلُ، والَّذِي صَدَّقَ بِهِ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما -، ورُوِيَ أنَّ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وصَدَّقَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، وجَمِيعُ هَذِهِ الوُجُوهِ صَحِيحٌ، والَّذِي جاءَ في حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”والَّذِينَ جاؤُوا بِالصِّدْقِ وصَدَّقُوا بِهِ“، و”اَلَّذِينَ“، هَهُنا، و”اَلَّذِي“، في مَعْنًى واحِدٍ، تَوْحِيدُهُ - لِأنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ - جائِزٌ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: ”مَن جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ“، ﴿أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾، و”اَلَّذِي“، هَهُنا، لِلْجِنْسِ، المَعْنى: ”والقَبِيلُ الَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ“، وقَوْلُهُ: ”أُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ“، يَدُلُّ عَلى مَعْنى الجَماعَةِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ:
؎إنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ
الزمر 39:36
﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”عِبادَهُ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”كافِي عَبْدِهِ“، و”كافِي عِبادِهِ“، لَجازَتْ، ولَكِنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، لا تُخالَفُ، ومَعْنى ”بِكافٍ عَبْدَهُ“، يَدُلُّ عَلى النَّصْرِ، وعَلى أنَّهُ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣] وهو مِثْلُ: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] (p-٣٥٥)﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾، أيْ: يُخَوِّفُونَ بِآلِهَتِهِمْ وأوْثانِهِمْ، ويُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى العُزّى لِيَكْسِرَها، فَلَمّا جاءَ خالِدٌ قالَ لَهُ سادِنُها: أُحَذِّرُكَها يا خالِدُ، إنَّ لَها شِدَّةً لا يَقُومُ لَها شَيْءٌ، فَعَمَدَ خالِدٌ إلى العُزّى فَهَشَّمَ أنْفَها،» فَهَذا مَعْنى ”وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ“، لِأنَّ تَخْوِيفَهم خالِدًا هو تَخْوِيفُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ، لِأنَّهُ وجَّهَهُ، ثُمَّ أعْلَمَ - مَعَ عِبادَتِهِمُ العُزّى والأوْثانَ - أنَّهم مُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهُمْ، فَقالَ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أفَرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر: ٣٨]، ويُقْرَأُ: ”كاشِفاتُ ضُرِّهِ“، بِتَرْكِ التَّنْوِينِ، والخَفْضِ في ”ضُرِّهِ“، و”رَحْمَتِهِ“، فَمَن قَرَأ بِالتَّنْوِينِ فَلِأنَّهُ غَيْرُ واقِعٍ في مَعْنى " هَلْ يَكْشِفْنَ ضُرَّهُ، أوْ يُمْسِكْنَ رَحْمَتَهُ؟! ومَن أضافَ وخَفَضَ، فَعَلى الِاسْتِخْفافِ، وحَذْفِ التَّنْوِينِ، وكِلا الوَجْهَيْنِ حَسَنٌ، قُرِئَ بِهِما.
الزمر 39:39
﴿قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾، و”عَلى مَكاناتِكم“، هَذا اللَّفْظُ أمْرٌ عَلى مَعْنى الوَعِيدِ، والتَّهَدُّدِ، بَعْدَ أنْ أُعْلِمُوا ما يَجِبُ أنْ يَعْمَلُوا بِهِ، ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وهَذا كَلامٌ يَسْتَعْمِلُهُ النّاسُ في التَّهَدُّدِ، والوَعِيدِ، تَقُولُ: ”مَتى أسَأْتَ إلى فُلانٍ انْتَقَمْتُ مِنكَ، ومَتى أحْسَنْتَ إلَيْهِ أحْسَنْتُ إلَيْكَ، فاعْمَلْ ما شِئْتَ، واخْتَرْ (p-٣٥٦)لِنَفْسِكَ“، فَخُوطِبَ العِبادُ عَلى قَدْرِ مُخاطَباتِهِمْ، وعِلْمِهِمْ، وقَوْلُهُ: ”عَلى مَكاناتِكم“، و”مَكانَتِكم“، مَعْناهُ: عَلى ناحِيَتِكُمُ الَّتِي اخْتَرْتُمُوها، وجِهَتِكُمُ الَّتِي تَمَكَّنْتُمْ - عِنْدَ أنْفُسِكم - في العِلْمِ بِها، ﴿إنِّي عامِلٌ﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”عَلى جِهَتِي“، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلى ذَلِكَ.
الزمر 39:41
﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، أيْ: ”ما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِحَفِيظٍ“، ثُمَّ أخْبَرَ بِأنَّهُ الحَفِيظُ عَلَيْهِمُ القَدِيرُ، فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ [الزمر: ٤٢]، أيْ: ويَتَوَفّى الأنْفُسَ الَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها، فالمَيِّتَةُ المُتَوَفّاةُ وفاةَ المَوْتِ الَّتِي قَدْ فارَقَتْها النَّفْسُ الَّتِي يَكُونُ بِها الحَياةُ، والحَرَكَةُ، والنَّفْسُ الَّتِي تُمَيَّزَ بِها، والَّتِي تُتَوَفّى في النَّوْمِ نَفْسُ التَّمْيِيزِ، لا نَفْسُ الحَياةِ، لِأنَّ نَفْسَ الحَياةِ إذا زالَتْ زالَ مَعَها النَّفَسُ، والنّائِمُ يَتَنَفَّسُ، فَهَذا الفَرْقُ بَيْنَ تَوَفِّي نَفْسِ النّائِمِ في النَّوْمِ، ونَفْسِ الحَيِّ.
الزمر 39:45
﴿وَإذا ذُكِرَ اللَّهُ وحْدَهُ اشْمَأزَّتْ﴾، اَلْآيَةَ، وكانُوا - أعْنِي المُشْرِكِينَ - إذا ذُكِرَ اللَّهُ، فَقِيلَ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، نَفَرُوا مِن هَذا، لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: اَللّاتُ والعُزّى، وهَذِهِ الأوْثانُ آلِهَةٌ.
الزمر 39:49
(p-٣٥٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا مَسَّ الإنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾، اَلْآيَةَ، ”ثُمَّ إذا خَوَّلْناهُ“: أعْطَيْناهُ ذَلِكَ تَفَضُّلًا، وكُلُّ مَن أعْطى عَلى غَيْرِ جَزاءٍ فَقَدْ خَوَّلَ، ﴿قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ﴾، أيْ: أُعْطِيتُهُ عَلى شَرَفٍ، وفَضْلٍ، يَجِبُ لَهُ بِهِ هَذا الَّذِي أُعْطِيتُ، فَقَدَ عَلِمْتُ أنِّي سَأُعْطى هُدًى، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ قَدْ يُعْطِي اخْتِبارًا، وابْتِلاءً، فَقالَ: ﴿بَلْ هي فِتْنَةٌ﴾، أيْ: تِلْكَ العَطِيَّةُ فِتْنَةٌ مِنَ اللَّهِ، وبَلْوى يُبْتَلى بِها العَبْدُ، لِيَشْكُرَ أوْ يَكْفُرَ.
الزمر 39:50
﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾، يَقُولُ: فَأُحْبِطَتْ أعْمالُهم.
الزمر 39:51
﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾، أيْ: إلى اللَّهِ مَرْجِعُهُمْ، فَيُجازِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ.
الزمر 39:53
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ﴾، ومَعْنى ”لا تَقْنَطُوا“: لا تَيْأسُوا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ قَوْمًا مِن أهْلِ مَكَّةَ قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: ”إنَّ مَن عَبَدَ الأوْثانَ واتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا وقَتَلَ النَّفْسَ، لا يُغْفَرُ لَهُ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ مَن تابَ وآمَنَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ كُلَّ ذَنْبٍ، فَقالَ: ﴿لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ .
الزمر 39:54
وَقالَ: ﴿وَأنِيبُوا إلى رَبِّكُمْ﴾، أيْ: ”تُوبُوا“، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ فُتِنُوا في دِينِهِمْ، وعُذِّبُوا بِمَكَّةَ، (p-٣٥٨)فَرَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ، فَقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ لا يُغْفَرُ لَهم بَعْدَ رُجُوعِهِمْ عَنِ الإسْلامِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهم إنْ تابُوا وأسْلَمُوا غَفَرَ لَهم.
الزمر 39:55
﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ، ودَلِيلُهُ: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾، ”بِغْتَةً“: فَجْأةً.
الزمر 39:56
﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾، أيْ: يا نَدَمًا، وحَرْفُ النِّداءِ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ القِصَّةِ مِن صاحِبِها، إذا قالَ القائِلُ: ”يا حَسْرَتاهُ“، و”يا ويْلاهُ“، فَتَأْوِيلُهُ: ”الحَسْرَةُ والوَيْلُ قَدْ حَلَّ بِهِ، وأنَّهُما لازِمانِ لَهُ غَيْرُ مُفارِقَيْنِ“، ويَجُوزُ: ”يا حَسْرَتِي“، وزَعَمَ الفَرّاءُ أنَّهُ يَجُوزُ: ”يا حَسْرَتاهُ عَلى كَذا وكَذا“، بِفَتْحِ الهاءِ، و”يا حَسْرَتاهُ“، بِالكَسْرِ والضَّمِّ، والنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يُجِيزُونَ أنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الهاءُ في الوَصْلِ، وزَعَمَ أنَّهُ أنْشَدَهُ مِن بَنِي فَقْعَسٍ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ:
؎يا رَبُّ يا رَبّاهُ إيّاكَ أسَلْ ∗∗∗ عَفْراءَ يا رَبّاهُ مِن قَبْلِ الأجَلْ
وَأنْشَدَهُ أيْضًا: (p-٣٥٩)
؎يا مَرْحَباهِ بِحَمّارِ ناجِيَةٍ
والَّذِي أعْرِفُ أنَّ الكُوفِيِّينَ يُنْشِدُونَ:
؎يا مَرْحَباهُ بِجَمّارِ ناجِيَةٍ
قالَ أبُو إسْحاقَ: ولا أدْرِي لِمَ اسْتَشْهَدَ بِهَذا، ولَمْ يُقْرَأْ بِهِ قَطُّ، ولا يَنْفَعُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ شَيْئًا، وهو خَطَأٌ، ومَعْنى ”أنْ تَقُولَ نَفْسٌ“: ”خَوْفَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ“، و”كَراهَةَ أنْ تَقُولَ نَفْسٌ“، اَلْمَعْنى: ”اِتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ خَوْفًا أنْ تَصِيرُوا إلى حالٍ يُقالُ فِيها هَذا القَوْلُ، وهي حالُ النَّدامَةِ“، ومَعْنى ”عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ“: ”في أمْرِ اللَّهِ“، أيْ: ”فَرَّطْتُ في الطَّرِيقِ الَّذِي هو طَرِيقُ اللَّهِ الَّذِي دَعانِي إلَيْهِ، وهو تَوْحِيدُهُ والإقْرارُ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“ .
﴿وَإنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾، أيْ: ”وَما كُنْتُ إلّا مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ“ .
الزمر 39:57
﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨]، أيْ: وكَراهَةَ أنْ تَقُولَ هَذا القَوْلَ الَّذِي يُؤَدِّي إلى مِثْلِ هَذِهِ الحالِ الَّتِي الإنْسانُ فِيها في الدُّنْيا، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ طُرُقَ الهُدى، والحَيُّ في نِيَّتِهِ بِمَنزِلَةِ مَن قَدْ بُعِثَ، لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ، وبَلَّغَهُ إلى أنْ مَيَّزَ، فالحُجَّةُ عَلَيْهِ.
الزمر 39:59
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلى﴾، جَوابُ النَّفْيِ، ولَيْسَ في الكَلامِ لَفْظُ النَّفْيِ، ومَعْنى ”لَوْ أنَّ اللَّهَ هَدانِي“، و﴿لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر: ٥٨]، كَأنَّهُ قِيلَ: ”ما هُدِيتُ“، فَقِيلَ: (p-٣٦٠)﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ﴾، وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، أيْ: حَيْثُ قالُوا: ﴿يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ [الأنعام: ٢٧]، اَلْآيَةَ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَسْرِ الكافِ: ”بَلى قَدْ جاءَتْكِ آياتِي“، جَوابٌ لِلَفْظِ النَّفْسِ، كَما قالَ: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ [الزمر: ٥٦]، وإذا قالَ: ”بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي“، بِالفَتْحِ، فَلِأنَّ النَّفْسَ تَقَعُ عَلى الذَّكَرِ، والأُنْثى، فَخُوطِبَ المُذَكَّرُونَ، ومِثْلُ ”قَدْ جاءَتْكِ آياتِي“، عَلى خِطابِهِ المُؤَنَّثَ: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] ﴿ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨]
الزمر 39:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، اَلْقِراءَةُ عَلى رَفْعِ ”وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ“، عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، ويَجُوزُ ”وُجُوهَهم مُسْوَدَّةً“، عَلى البَدَلِ مِن ”اَلَّذِينَ كَفَرُوا“، اَلْمَعْنى: ”وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى وُجُوهَ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ مُسْوَدَّةً“، والرَّفْعُ أكْثَرُ، وعَلَيْهِ القُرّاءُ، ومِثْلُ النَّصْبِ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎دَعِينِي إنَّ أمْرَكِ لَنْ يُطاعا ∗∗∗ وما ألْفَيْتِنِي حِلْمِي مُضاعا
الزمر 39:61
﴿بِمَفازَتِهِمْ﴾، و”بِمَفازاتِهِمْ“، يُقْرَآنِ جَمِيعًا.
(p-٣٦١)﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣]، أيْ: مَفاتِيحُ السَّماواتِ، المَعْنى: " ما كانَ مِن شَيْءٍ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ فاللَّهُ خالِقُهُ، وفاتِحُ بابِهِ، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ [الزمر: ٦٣]، أيْ: اَلَّذِينَ يَقُولُونَ إنَّ شَيْئًا لَيْسَ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ، أوْ رَزَقَهُ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ، فَلَيْسَ اللَّهُ خالِقَهُ، أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ.
الزمر 39:64
ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ إنَّما يَنْبَغِي أنْ يُعْبَدَ الخالِقُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، فَقالَ: قُلْ لَهم بَعْدَ هَذا البَيانِ: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾، ”أفَغَيْرَ“، مَنصُوبٌ بِـ ”أعْبُدُ“، لا بِقَوْلِهِ: ”تَأْمُرُونِّي“، اَلْمَعْنى: ”أفَغَيْرَ اللَّهِ أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ فِيما تَأْمُرُونَنِي؟!“ .
الزمر 39:66
﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ﴾، نُصِبَ لَفْظُ ”اَللَّهَ“ - جَلَّ وعَزَّ -، بِقَوْلِهِ: ”فاعْبُدْ“، وهو إجْماعٌ في قَوْلِ البَصْرِيِّينَ، والكُوفِيِّينَ، والفاءُ جاءَتْ عَلى مَعْنى المُجازاةِ، كَأنَّهُ قالَ: ”قَدْ تَبَيَّنْتَ فاعْبُدِ اللَّهَ“ .
الزمر 39:67
﴿وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”قَدَرِهِ“، بِفَتْحِ الدّالِ، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”ما عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ“، و”اَلْقَدْرُ“، و”اَلْقَدَرُ“، هَهُنا، بِمَعْنًى واحِدٍ، ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”والأرْضُ إذا كانَتْ مُجْتَمِعَةً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ“، (p-٣٦٢)أكْثَرُ القِراءَةِ رَفْعُ ”مَطْوِيّاتٌ“، عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٍ“، بِكَسْرِ التّاءِ، عَلى مَعْنى: ”والأرْضُ جَمِيعًا، والسَّماواتُ قَبْضَتَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ومَطْوِيّاتٍ“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَدْ أجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ ”قَبْضَتَهُ“، بِنَصْبِ التّاءِ، وهَذا لَمْ يُقْرَأْ بِهِ، ولا يُجِيزُهُ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ، لا يَقُولُونَ: ”زَيْدٌ قَبْضَتَكَ“، ولا ”اَلْمالُ قَبْضَتَكَ“، عَلى مَعْنى: ”في قَبْضَتِكَ“، ولَوْ جازَ هَذا لَجازَ ”زَيْدٌ دارَكَ“، يُرِيدُونَ: ”زَيْدٌ في دارِكَ“ .
الزمر 39:68
﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ﴾، وقَدْ فَسَّرْناهُ، ﴿فَصَعِقَ﴾، أيْ: ماتَ، ﴿مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ﴾، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: هو جَمْعُ ”صُورَةٌ“، ﴿إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا الِاسْتِثْناءَ وقَعَ عَلى جِبْرِيلَ، ومِيكائِيلَ، ومَلَكِ المَوْتِ، وجاءَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ.
الزمر 39:69
﴿وَأشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾، مَعْناها: لَمّا أرادَ اللَّهُ الحِسابَ، والمُجازاةَ، أشْرَقَتِ الأرْضُ، وفي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: «أنَرى رَبَّنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: ”أتُضارُونَ في رُؤْيَةِ الشَّمْسِ والقَمَرِ في غَيْرِ سَحابٍ؟“، قالُوا: لا، قالَ: ”فَإنَّكم لا تُضارُونَ في رُؤْيَتِهِ“» .
(p-٣٦٣)وَجاءَ في الحَدِيثِ: «”لا تُضامُونَ في رُؤْيَتِهِ“»، والَّذِي جاءَ في الحَدِيثِ مُخَفَّفُ ”تُضارُّونَ“، و”تُضامُّونَ“، ولَهُ وجْهٌ حَسَنٌ في العَرَبِيَّةِ، وهَذا مَوْضِعٌ يَحْتاجُ إلى أنْ يُسْتَقْصى تَفْسِيرُهُ، لِأنَّهُ أصْلٌ في السُّنَّةِ والجَماعَةِ، ومَعْناهُ: ”لا يَنالُكم ضَيْرٌ، ولا ضَيْمٌ في رُؤْيَتِهِ“، أيْ: ”تَرَوْنَهُ حَتّى تَسْتَوُوا في الرُّؤْيَةِ، فَلا يَضِيمَ بَعْضُكم بَعْضًا، ولا يَضِيرُ بَعْضُكم بَعْضًا“، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ قَوْلَيْنِ آخَرَيْنِ، قالُوا: ”لا تُضارُّونَ“، بِتَشْدِيدِ الرّاءِ، و”لا تُضامُّونَ“ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، مَعَ ضَمِّ التّاءِ في ”تُضامُّونَ“، و”تُضارُّونَ“، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ - بِفَتْحِ التّاءِ، وتَشْدِيدِ الرّاءِ -: ”تَضارُّونَ في رُؤْيَتِهِ“، و”لا تَضامُّونَ“، عَلى مَعْنى: ”تَتَضارُّونَ“، و”تَتَضامُّونَ“، وتَفْسِيرُ هَذا أنَّهُ لا يُضامُ بَعْضُكم بَعْضًا، ولا يُخالِفُ بَعْضُكم بَعْضًا في ذَلِكَ، يُقالُ: ”ضارَرْتُ الرَّجُلَ، أُضارُّهُ، مُضارَّةً، وضِرارًا“، إذا خالَفْتُهُ، قالَ نابِغَةُ بَنِي جَعْدَةَ:
؎وَخَصْمَيْ ضِرارٍ ذَوَيْ تُدْرَإٍ ∗∗∗ مَتى يَأْتِ سِلْمُها يَشْغَبِ
وَمَعْنى ”لا تُضامُّونَ في رُؤْيَتِهِ“: لا يَنْضَمُّ بَعْضُكم إلى بَعْضٍ، ويَقُولُ واحِدٌ لِلْآخَرِ: أرِنِيهِ، كَما تَفْعَلُونَ عِنْدَ النَّظَرِ إلى الهِلالِ، فَهَذا تَفْسِيرٌ بَيِّنٌ، وكُلُّ ما قِيلَ في هَذا ”وَأشْرَقَتِ الأرْضُ“: أُلْبِسَتِ الإشْراقَ بِنُورِ اللَّهِ.
الزمر 39:73
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في الجَوابِ لِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها﴾، فَقالَ قَوْمٌ: اَلْواوُ مُسْقَطَةٌ، المَعْنى: ”حَتّى إذا جاؤُوها فُتِحَتْ أبْوابُها“، قالَ أبُو إسْحاقَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ يَذْكُرُ أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ، وأنَّ (p-٣٦٤)المَعْنى: ”حَتّى إذا جاؤُوها... إلى آخِرِ الآيَةِ“: سُعِدُوا، قالَ: فالمَعْنى في الجَوابِ: ”حَتّى إذا كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ صارُوا إلى السَّعادَةِ“، وقالَ قَوْمٌ: ”حَتّى إذا جاؤُوها جاؤُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها“، فالمَعْنى عِنْدَهم أنَّ ”جاؤُوها“، مَحْذُوفٌ، وعَلى مَعْنى قَوْلِ هَؤُلاءِ أنَّهُ اجْتَمَعَ المَجِيءُ مَعَ الدُّخُولِ في حالٍ، المَعْنى: ”حَتّى إذا جاؤُوها وقَعَ مَجِيئُهم مَعَ فَتْحِ أبْوابِها، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي قُلْتُهُ أنا - وهو القَوْلُ إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ المَعْنى:“ حَتّى إذا جاؤُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها، وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ فادْخُلُوها خالِدِينَ دَخَلُوها ”، فالجَوابُ“ دَخَلُوها ”، وحُذِفَ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، ومَعْنى“ طِبْتُمْ ”، أيْ:“ كُنْتُمْ طَيِّبِينَ في الدُّنْيا "، لَمْ تَكُونُوا خَبِيثِينَ، أيْ: لَمْ تَكُونُوا أصْحابَ خَبائِثَ.
الزمر 39:74
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأوْرَثَنا الأرْضَ﴾، يَعْنِي أرْضَ الجَنَّةِ نَتَّخِذُ مِنها مِنَ المَنازِلِ ما شِئْنا، والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنِ اتَّخَذَ مَنزِلًا: ”تَبَوَّأ فُلانٌ مَنزِلًا“ .
الزمر 39:75
﴿وَتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾، مَعْنى ”حافِّينَ“: مُحْدِقِينَ، وكَذا جاءَ في التَّفْسِيرِ، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ وقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾، فابْتَدَأ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - خَلْقَ الأشْياءِ بِالحَمْدِ، وخَتَمَهُ بِالحَمْدِ، فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فَلَمّا أفْنى الخَلْقَ، وبَعَثَهُمْ، وحَكَمَ بَيْنَهُمْ، فاسْتَقَرَّ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، خَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾
غافر 40:1
(p-٣٦٥)سُورَةُ اَلْمُؤْمِنِ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [غافر: ٢]، اَلْحَوامِيمُ كُلُّها مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”مَثَلُ الحَوامِيمِ في القُرْآنِ كَمَثَلِ الحِبَراتِ في الثِّيابِ“»، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”اَلْحَوامِيمُ دِيباجُ القُرْآنُ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثَلاثَةُ أقْوالٍ في ”حـم“، قالَ: ”(حـم)، اِسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ، وقالَ:“ (حـم)، قَسَمٌ ”، وقالَ:“ (حـم)، حُرُوفُ الرَّحْمَنِ، مُقَطَّعَةً ”، والمَعْنى:“ الـر ”، و“ حـم ”، و“ نُونْ ”، بِمَنزِلَةِ“ اَلرَّحْمَنُ ”، وقَدْ فَسَّرْنا إعْرابَ حُرُوفِ الهِجاءِ في أوَّلِ“ اَلْبَقَرَةِ ”، والقِراءَةُ فِيها عَلى ضَرْبَيْنِ:“ حَـمْ ”، بِفَتْحِ الحاءِ، و“ حِـمْ ”، بِكَسْرِ الحاءِ، فَأمّا المِيمُ فَساكِنَةٌ في قِراءَةِ القُرّاءِ كُلِّهِمْ، إلّا عِيسى بْنَ عُمَرَ، فَإنَّهُ قَرَأ:“ حَـمَ والكِتابِ ”، بِفَتْحِ المِيمِ، وهو عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَجْعَلَ“ حَـمَ ”، اِسْمًا لِلسُّورَةِ، فَيَنْصِبَهُ، ولا يُنَوِّنَهُ، لِأنَّهُ عَلى لَفْظِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، نَحْوَ“ هابِيلَ ”، و“ قابِيلَ ”، ويَكُونَ المَعْنى:“ اُتْلُ حَـمَ "، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ فَتَحَ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، حَيْثُ جَعَلَهُ اسْمًا لِلسُّورَةِ، ويَكُونَ حِكايَةَ حُرُوفِ هِجاءٍ.
غافر 40:3
(p-٣٦٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ﴾، عَلى صِفاتِ اللَّهِ، فَأمّا خَفْضُ ﴿شَدِيدِ العِقابِ﴾، فَعَلى البَدَلِ، لِأنَّهُ مِمّا يُوصَفُ بِهِ النَّكِرَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾، مَعْناهُ: ”ذِي الغِنى، والفَضْلِ، والقُدْرَةِ“، تَقُولُ: ”لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ طَوْلٌ“، إذا كانَ لَهُ عَلَيْهِ فَضْلٌ.
غافر 40:4
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، اَلْمَعْنى: ”في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ بِالباطِلِ، لِيُدْحِضَ بِهِ الحَقَّ، ﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ومَعْنى ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾، أيْ:“ فَلا تَغْرُرْكَ سَلامَتُهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ، حَتّى إنَّهم يَتَصَرَّفُونَ كَيْفَ شاؤُوا، فَإنَّ عاقِبَةَ كُفْرِهِمُ العَذابُ، والهَلاكُ.
غافر 40:5
ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفَ ذَلِكَ، وأعْلَمَ أنَّ الأُمَمَ الَّتِي كَذَّبَتْ قَبْلَهم أنَّهم أُهْلِكُوا، بِقَوْلِهِ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾، يَعْنِي عادًا، وثَمُودَ، وقَوْمَ لُوطٍ، والأُمَمَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بَيْنَ ذَلِكَ، ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾، أيْ: لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ، فَيَقْتُلُوهُ، ﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾، أيْ: لِيَدْفَعُوا بِهِ الحَقَّ.
(p-٣٦٧)﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾، أيْ: جَعَلْتُ جَزاءَهم عَلى إرادَةِ أخْذِ الرُّسُلِ أنْ أخَذْتُهم فَعاقَبْتُهم.، ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾، أيْ: إنَّهم يَجْتازُونَ بِالأمْكِنَةِ الَّتِي أُهْلِكَ فِيها القَوْمُ، فَيَرَوْنَ آثارَ الهَلاكِ.
غافر 40:6
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ، يَعْنِي بِهِ قَوْلَهُ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود: ١١٩]
﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾، ويَجُوزُ: ”إنَّهُم ْ“ .
غافر 40:7
ثُمَّ أخْبَرَ - جَلَّ وعَزَّ - بِفَضْلِ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾، يَعْنِي المَلائِكَةَ، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾، فالمُؤْمِنُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، ويَعْنِي: ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، اَلْمَعْنى: ”يَقُولُونَ: رَبُّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ“، أيْ: تَقُولُ المَلائِكَةُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً وعِلْمًا﴾، مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾، (p-٣٦٨)أيْ: لَزِمُوا طَرِيقَ الهُدى الَّتِي دَعَوْتَ إلَيْها.
غافر 40:8
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾، ”مَن“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَطْفٌ عَلى الهاءِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ﴾، أيْ: ”وَأدْخِلْ مَن صَلَحَ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الهاءِ والمِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿وَعَدْتَهُمْ﴾، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَعَدْتَهم ووَعَدْتَ مَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ“ .
غافر 40:10
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾، مَعْناهُ: ”إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ، إذا كانُوا في حالِ العَذابِ، لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكم في الدُّنْيا إذْ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ، إذْ عُذِّبْتُمْ في النّارِ“ .
غافر 40:11
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾، أيْ: قَدْ أرَيْتَنا مِنَ الآياتِ ما أوْجَبَ أنَّ عَلَيْنا أنْ نَعْتَرِفَ، وقالُوا في ”أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ“: أيْ: خَلَقْتَنا أمْواتًا، ثُمَّ أحْيَيْتَنا، ثُمَّ أمَتَّنا بَعْدُ، ثُمَّ بَعَثْتَنا بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ التَّفاسِيرِ أنَّ إحْدى الحَياتَيْنِ، وإحْدى المَوْتَتَيْنِ أنْ يَحْيا في القَبْرِ، ثُمَّ يَمُوتَ، فَذَلِكَ أدَلُّ عَلى ”أحْيَيْتَنا“، و”أمَتَّنا“، والأوَّلُ أكْثَرُ في التَّفْسِيرِ.
غافر 40:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”اَلرُّوحَ“، اَلْوَحْيُ، وجاءَ أنَّ ”اَلرُّوحَ“، اَلْقُرْآنُ، وجاءَ أنَّ ”اَلرُّوحَ“، (p-٣٦٩)أمْرُ النُّبُوَّةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ”تُلْقِي الرُّوحَ أوْ أمْرَ النُّبُوَّةِ عَلى مَن تَشاءُ، عَلى مَن تَخْتَصُّهُ بِالرِّسالَةِ“، ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾، أيْ: لِيُنْذِرَ النَّبِيَّ ﷺ بِالَّذِي يُوحى إلَيْهِ يَوْمَ التَّلاقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لِيُنْذِرَ اللَّهُ يَوْمَ التَّلاقِ“، والأجْوَدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”لِيُنْذِرَ النَّبِيُّ ﷺ“، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ قُرِئَ: ”لِتُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ“، بِالتّاءِ، ويَجُوزُ ”يَوْمَ التَّلاقِي“، بِإثْباتِ الياءِ، والحَذْفُ جائِزٌ، حَسَنٌ، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ، ومَعْنى ”اَلتَّلاقِي“: يَوْمَ يَلْتَقِي أهْلُ الأرْضِ وأهْلُ السَّماءِ، وتَأْوِيلُ الرُّوحِ فِيما فَسَّرْنا أنَّهُ بِهِ حَياةُ النّاسِ، لِأنَّ كُلَّ مُهْتَدٍ حَيٌّ، وكُلَّ ضالٍّ كالمَيِّتِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١]، وقالَ: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وهَذا جائِزٌ في خِطابِ النّاسِ، يَقُولُ القائِلُ لِمَن لا يَفْقَهُ عَنْهُ ما فِيهِ صَلاحُهُ: ”أنْتَ مَيِّتٌ“ .
غافر 40:18
﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾، مَعْنى ”أنْذِرُهم“: خَوِّفْهُمْ، و”اَلْآزِفَةُ“: يَوْمُ القِيامَةِ، كَذا جاءَ في التَّفْسِيرِ، وإنَّما قِيلَ لَها: ”آزِفَةٌ“، لِأنَّها قَرِيبَةٌ، وإنِ اسْتَبْعَدَ النّاسُ مَداها، يُقالُ: ”قَدْ أزِفَ الأمْرُ“، إذا قَرُبَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾، نُصِبَ ”كاظِمِينَ“، عَلى الحالِ، والحالُ مَحْمُولَةٌ عَلى المَعْنى: ”لِأنَّ القُلُوبَ لا يُقالُ لَها:“ كاظِمَةٌ ”، وإنَّما الكاظِمُونَ أصْحابُ القُلُوبِ، والمَعْنى:“ إذْ قُلُوبُ النّاسِ لَدى الحَناجِرِ في حالِ كَظْمِهِمْ ”، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ القَلْبَ مِنَ الفَزَعِ يَرْتَفِعُ (p-٣٧٠)فَيَلْتَصِقُ بِالحَنْجَرَةِ، فَلا يَرْجِعُ إلى مَكانِهِ، ولا يَخْرُجْ فَيُسْتَراحُ مِن كَرْبِ غَمِّهِ، ﴿ما لِلظّالِمِينَ مِن حَمِيمٍ ولا شَفِيعٍ يُطاعُ﴾،“ يُطاعُ ”، مِن صِفَةِ“ شَفِيعٍ ”، أيْ:“ ولا مِن شَفِيعٍ مُطاعٍ " .
غافر 40:19
﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ﴾، إذا نَظَرَ النّاظِرُ نَظْرَةَ خِيانَةٍ، عَلِمَها اللَّهُ، فَإذا نَظَرَ أوَّلَ نَظْرَةٍ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ خِيانَةً، فَذَلِكَ غَيْرُ إثْمٍ، فَإنْ عادَ ونِيَّتُهُ الخِيانَةُ في النَّظَرِ، عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ، واللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ العِلْمَ هَهُنا لِيُعْلَمَ أنَّ المُجازاةَ لا مَحالَةَ واقِعَةٌ.
غافر 40:23
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾، أيْ: بِعَلاماتِنا الَّتِي تَدُلَّ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، مِنَ العَصا، وإخْراجِ يَدِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ، وأشْباهِ ذَلِكَ، ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: ”حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ“ .
غافر 40:24
﴿إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارُونَ﴾، هَذِهِ الأسْماءُ، في مَوْضِعِ خَفْضٍ، إلّا أنَّها فُتِحَتْ لِأنَّها لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّها مَعْرِفَةٌ، وهي أعْجَمِيَّةٌ، ﴿فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَقالُوا هو ساحِرٌ كَذّابٌ“، جَعَلُوا أمْرَ الآياتِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ سِحْرًا.
غافر 40:25
﴿فَلَمّا جاءَهم بِالحَقِّ مِن عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ واسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾، (p-٣٧١)وَإنَّهُ كانَ قِيلَ لِفِرْعَوْنَ إنَّ مُلْكَهُ يَزُولُ بِسَبَبِ غُلامٍ يُولَدُ، فَقِيلَ: اِفْعَلُوا هَذا حَتّى لا يَنْجُوَ المَوْلُودُ، ﴿وَما كَيْدُ الكافِرِينَ إلا في ضَلالٍ﴾، أيْ: يَذْهَبُ باطِلًا، ويُحِيقُ اللَّهُ بِهِ ما يُرِيدُ.
غافر 40:26
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ يُظْهِرَ في الأرْضِ الفَسادَ﴾، عَلى هَذا مَصاحِفُ أهْلِ العِراقِ، وفي مُصْحَفِ أهْلِ الحِجازِ: ”وَأنْ يُظْهِرَ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، ويَجُوزُ: ”وَأنْ يَظْهَرَ“، ومَعْنى ”أوْ“، وُقُوعُ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ، فالمَعْنى عَلى ”أوْ“، أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ: إنِّي أخافُ أنْ يُبَدِّلَ دِينَكم أوْ يُفْسِدَ ”، فَجَعَلَ طاعَةَ اللَّهِ تَعالى هي الفَسادَ، فَيَكُونُ المَعْنى:“ إنِّي أخافُ أنْ يُبْطِلَ دِينَكُمُ البَتَّةَ، فَإنْ لَمْ يُبْطِلْهُ أوْقَعَ فِيهِ الفَسادَ ”، ومَن قَرَأ:“ وأنْ ”، فَيَكُونُ المَعْنى:“ أخافُ إبْطالَ دِينِكُمْ، والفَسادَ مَعَهُ " .
غافر 40:28
﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إيمانَهُ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذا الرَّجُلَ - أعْنِي مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ - كانَ يُسَمّى ”سِمَعانَ“، وقِيلَ: كانَ اسْمُهُ ”حَبِيبًا“، ويَكُونُ ”مِن آلِ فِرْعَوْنَ“، صِفَةً لِلرَّجُلِ، ويَكُونُ ”يَكْتُمُ إيمانَهُ“، مَعَهُ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ المَعْنى: ”يَكْتُمُ إيمانَهُ مِنهم“، ويَكُونُ ”يَكْتُمُ“، مِن صِفَةِ ”رَجُلٌ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ يَكْتُمُ إيمانَهُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ“، ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، اَلْمَعْنى: ”لِأنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ“، ﴿وَقَدْ جاءَكم بِالبَيِّناتِ مِن رَبِّكُمْ﴾، أيْ: بِما يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ مِن آياتِ النُّبُوَّةِ، ﴿وَإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾، أيْ: فَلا يَضُرُّكم.
(p-٣٧٢)﴿وَإنْ يَكُ صادِقًا يُصِبْكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وهَذا مِن لَطِيفِ المَسائِلِ، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذا وعَدَ وعْدًا وقَعَ الوَعْدُ بِأسْرِهِ، لَمْ يَقَعْ بَعْضُهُ، فالسُّؤالُ في هَذا: مِن أيْنَ جازَ أنْ يَقُولَ: ”بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكم“، وحَقُّ اللَّفْظِ: ”كُلُّ الَّذِي يَعِدُكم“، فَهَذا بابٌ مِنَ النَّظَرِ يَذْهَبُ فِيهِ المُناظِرُ إلى إلْزامِ الحُجَّةِ بِأيْسَرِ ما في الأمْرِ، ولَيْسَ في هَذا نَفْيُ إصابَةِ الكُلِّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ ∗∗∗ وقَدْ يَكُونُ مَعَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ
إنَّما ذَكَرَ البَعْضَ لِيُوجِبَ لَهُ الكُلَّ، لا أنَّ البَعْضَ هو الكُلُّ، ولَكِنْ لِلْقائِلِ إذا قالَ: أقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُتَأنِّي إدْراكُ بَعْضِ الحاجَةِ، وأقَلُّ ما يَكُونُ لِلْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ، فَقَدْ أبانَ فَضْلَ المُتَأنِّي عَلى المُسْتَعْجِلِ بِما لا يَقْدِرُ الخَصْمُ أنْ يَدْفَعَهُ، وكَأنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ قالَ لَهُمْ: ”أقَلُّ ما يَكُونُ في صِدْقِهِ أنْ يُصِيبَكم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ، وفي بَعْضِ ذَلِكَ هَلاكُكم“، فَهَذا تَأْوِيلُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
غافر 40:29
﴿يا قَوْمِ لَكُمُ المُلْكُ اليَوْمَ ظاهِرِينَ في الأرْضِ﴾، هَذِهِ حِكايَةُ قَوْلِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ، أعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ لَهُمُ المُلْكَ في حالِ ظُهُورِهِمْ عَلى جَمِيعِ النّاسِ، ثُمَّ أعْلَمَهم أنَّ بَأْسَ اللَّهِ لا يَدْفَعُهُ دافِعٌ، ولا يَنْصُرُ مِنهُ ناصِرٌ، فَقالَ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾
غافر 40:30
﴿مِثْلَ يَوْمِ الأحْزابِ﴾، أيْ: مِثْلَ يَوْمِ حَزْبِ حِزْبٍ، و”اَلْأحْزابُ“، هَهُنا: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، ومَن أُهْلِكَ بَعْدَهُمْ، وقَبْلَهم.
(p-٣٧٣)وَمَعْنى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ﴾ [غافر: ٣١]، ”مِثْلَ عادَةِ...“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ”مِثْلَ حالِ قَوْمِ نُوحٍ“، أيْ: ”أخافُ عَلَيْكم أنْ تُقِيمُوا عَلى كُفْرِكُمُ فَيَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ المُكَذِّبَةِ رُسُلَهم“ .
غافر 40:32
﴿يَوْمَ التَّنادِ﴾، ”اَلتَّنادِ“، بِكَسْرِ الدّالِ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”يَوْمَ التَّنادِي“، بِإثْباتِ الياءِ، وأكْثَرُ القِراءَةِ: ”اَلتَّنادِ“، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ”يَوْمَ التَّنادِّ“، بِتَشْدِيدِ الدّالِ، والأصْلُ: ”اَلتَّنادِي“، وإثْباتُ الياءِ الوَجْهُ، وحَذْفُها حَسَنٌ جَمِيلٌ، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها الياءُ، وهو رَأْسُ آيَةٍ، وأواخِرُ هَذِهِ الآياتِ عَلى الدّالِ، ومَعْنى ”يَوْمَ التَّنادِي“: ”يَوْمَ يُنادِي أصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابَ النّارِ أنْ قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا، ويُنادِي أصْحابُ النّارِ أصْحابَ الجَنَّةِ أنْ أفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ“، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”يَوْمَ التَّنادِ“، يَوْمَ يُدْعى كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ، ومَن قَرَأ: ”يَوْمَ التَّنادِّ“، بِتَشْدِيدِ الدّالِ، فَهو مِن قَوْلِهِمْ: ”نَدَّ فُلانٌ“، و”نَدَّ البَعِيرُ“، إذا هَرَبَ عَلى وجْهِهِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: ٣٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ [عبس: ٣٤] ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥]، (p-٣٧٤)وَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم يُؤْمَرُ بِهِمْ إلى النّارِ، فَيَفِرُّونَ، ولا يَعْصِمُهم مِنَ النّارِ عاصِمٌ.
غافر 40:34
﴿وَلَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾، أيْ: اَلْآياتِ المُعْجِزاتِ، ﴿حَتّى إذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا﴾، أيْ: أقَمْتُمْ عَلى كُفْرِكُمْ، وظَنَنْتُمْ أنَّهُ لا يُجَدِّدُ عَلَيْكم إيجابَ الحُجَّةِ، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّلالِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، ”مُسْرِفٌ“، هَهُنا: كافِرٌ، و”مُرْتابٌ“: شاكٌّ في أمْرِ اللَّهِ، وأنْبِيائِهِ.
غافر 40:35
﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الرَّدِّ عَلى ”مَن“، أيْ: ”كَذَلِكَ اللَّهُ يُضِلُّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهم“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“، رَفْعًا عَلى مَعْنى: ”مَن هو مُسْرِفٌ مُرْتابٌ، هُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: ”كَبُرَ جِدالُهم مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ، وعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا“، ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”عَلى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ“، والأوَّلُ الوَجْهُ، لِأنَّ المُتَكَبِّرَ هو الإنْسانُ، وقَدْ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: ”قَلْبٌ مُتَكَبِّرٌ“، أيْ: صاحِبُهُ مُتَكَبِّرٌ.
غافر 40:36
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾، (p-٣٧٥)و”اَلصَّرْحُ“: اَلْقَصْرُ، وكُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ فَهو صَرْحٌ، ﴿لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”أبْوابَ السَّماءِ“، و”اَلْأسْبابُ“، في اللُّغَةِ: ما اتَّصَلَ بِالشَّيْءِ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلْحَبْلِ: ”سَبَبٌ“، لِأنَّهُ يُوصَلُ بِالأشْياءِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أيْضًا: ”طُرُقَ السَّماواتِ“، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لَعَلِّي أبْلُغُ إلى الَّذِي يُؤَدِّينِي إلى السَّماواتِ“، ويُقْرَأُ: ”فَأطَّلِعُ“، بِالرَّفْعِ، والنَّصْبِ.
غافر 40:37
﴿وَإنِّي لأظُنُّهُ كاذِبًا﴾، هَذا قَوْلُ فِرْعَوْنَ، يَقُولُ: وإنْ كُنْتُ زَعَمْتُ أنِّي أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى، فَأنا قُلْتُ هَذا عَلى دَعْوى مُوسى، لا عَلى أنِّي عَلى يَقِينٍ مِن ذَلِكَ، فَيُرْوى أنَّ هامانَ طَبَخَ الآجُرَ لِبِناءِ الصَّرْحِ، وأنَّ أوَّلَ مَن طَبَخَ الآجُرَ هامانُ، ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، مَوْضِعُ الكافِ نَصْبٌ، المَعْنى: ”زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ“، مِثْلَما وصَفْنا، ﴿وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾، أيْ: صُدَّ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، أيْ: اَلْمُسْتَقِيمَةِ، بِكُفْرِهِ، ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إلا في تَبابٍ﴾، إلّا في خُسْرانٍ، يُقالُ: ”تَبَّتْ يَداهُ“، أيْ: خَسِرَتا.
غافر 40:38
﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، يَعْنِي سَبِيلَ القَصْدِ إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وأُخْرِجْكم عَنْ سَبِيلِ فِرْعَوْنَ، فَـ ”أهْدِكم“، جَزْمٌ، جَوابٌ لِلْأمْرِ، المَعْنى: ”إنْ تَتَّبِعُونِي أهْدِكم“، ﴿لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ﴾ [غافر: ٤٣]، (p-٣٧٦)يَعْنِي أنَّهُ لَيْسَ لَهُ اسْتِجابَةُ دَعْوَةٍ في الدُّنْيا، ولا في الآخِرَةِ، قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ﴾ [غافر: ٤٣]، فَقالَ: ”لا جَرَمَ“، رَدٌّ لِكَلامٍ، والمَعْنى: ”وَجَبَ أنَّ لَهُمُ النّارَ، وحَقَّ أنَّ لَهُمُ النّارَ“، وأنْشَدَ:
؎وَلَقَدْ طَعَنْتُ أبا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ∗∗∗ جَرَمَتْ فَزارَةَ بَعْدَها أنْ يَغْضَبُوا
اَلْمَعْنى: ”كَسَبَتْهُمُ الغَضَبَ، وأحَقَّتْهم بِالغَضَبِ“، فَمَعْنى ”لا جَرَمَ أنَّما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ“: ”لَقَدْ وجَبَ أنَّ ما تَدْعُونَنِي إلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ“، أيْ: ”وَجَبَ بُطْلانُ دَعْوَتِهِ“، ﴿وَأنَّ مَرَدَّنا إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٣]، وجَبَ مَرَدُّنا إلى اللَّهِ، وكَذَلِكَ ﴿وَأنَّ المُسْرِفِينَ هم أصْحابُ النّارِ﴾ [غافر: ٤٣]
غافر 40:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سُوءُ العَذابِ﴾ ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦]، ”اَلنّارُ“، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ”سُوءُ العَذابِ“، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ مُرْتَفِعَةً عَلى إضْمارِ تَفْسِيرِ ”سُوءُ العَذابِ“، كَأنَّ قائِلًا قالَ: ”ما هُوَ؟“، فَكانَ الجَوابُ: ”هو النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها“ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يُعْرَضُونَ عَلَيْها وهم مِن أهْلِ النّارِ؟ فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ سُودٍ، تُعْرَضُ عَلى النّارِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ، إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّ بَعْدَهُ ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ؟ ويُقْرَأُ: ”اُدْخُلُوا“، عَلى مَعْنى الأمْرِ لَهم بِالدُّخُولِ، كَأنَّهُ: ”وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَقُولُ: اُدْخُلُوا يا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ“، وقُرِئَتْ: ”أدْخِلُوا“، عَلى جِهَةِ الأمْرِ لِلْمَلائِكَةِ بِإدْخالِهِمْ أشَدَّ العَذابِ.
غافر 40:51
﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ﴾، أيْ: اَلْمَلائِكَةُ، واحِدُهُمْ: ”شاهِدٌ“، مِثْلَ ”صاحِبٌ“، و”أصْحابٌ“ .
غافر 40:56
(p-٣٧٧)﴿إنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ﴾، أيْ: يُجادِلُونَ في دَفْعِ آياتِ اللَّهِ، بِغَيْرِ سُلْطانٍ أتاهُمْ، أيْ: بِغَيْرِ حُجَّةٍ أتَتْهُمْ، ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾، أيْ: ”ما هم بِبالِغِي إرادَتِهِمْ فِيهِ“، وإرادَتُهم دَفْعُ آياتِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ودَلَّ عَلى هَذا المَعْنى: ”يُجادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ“، لِأنَّ الكِبْرَ هم قَدْ أوْقَعُوهُ، فَلَيْسَ يَلْبِسُ هَذا بِبالِغِي الكِبْرِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ اليَهُودُ، وأنَّ الكِبْرَ الَّذِي لَيْسَ هم بِبالِغِيهِ تَوَقُّعُ أمْرِ الدَّجّالِ، فَتَكَبَّرُوا مُتَرَبِّصِينَ يَتَوَقَّعُونَ خُرُوجَ الدَّجّالِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَذِهِ الفِرْقَةَ الَّتِي تُجادِلُ لا تَبْلُغُ خُرُوجَ الدَّجّالِ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِ مَن قالَ هَذا قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِعَقِبِ هَذا: ﴿فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾
غافر 40:60
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾، مَعْناهُ: صاغِرِينَ.
غافر 40:71
وَقَوْلُهُ: ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ﴾، يَجُوزُ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: ”والسَّلاسِلَ“، بِالنَّصْبِ، ”والسَّلاسِلِ“، بِالخَفْضِ ”، فَمَن رَفَعَ، فَعَطَفَ عَلى“ اَلْأغْلالُ ”، ومَن جَرَّ فالمَعْنى:“ إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ وفي السَّلاسِلِ ”، ومَن نَصَبَ فَفَتَحَ اللّامَ، قَرَأ:“ والسَّلاسِلَ يَسْحَبُونَ " .
غافر 40:75
﴿ذَلِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾، اَلْآيَةَ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهم مِنَ العِلْمِ﴾ [غافر: ٨٣]، أيْ: ذَلِكَ العَذابُ الَّذِي نَزَلَ بِكم بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ بِالباطِلِ الَّذِي كُنْتُمْ فِيهِ، و”تَمْرَحُونَ“، أيْ: تَأْشِرُونَ، وتَبْطَرُونَ، وتَسْتَهْزِئُونَ.
غافر 40:78
﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلا مِن قَبْلِكَ مِنهم مَن قَصَصْنا عَلَيْكَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بَعَثَ ثَمانِيَةَ آلافِ نَبِيٍّ، مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ومِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن سائِرِ النّاسِ، وجاءَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ ”إنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيًّا أسْوَدَ، فَهو مِمَّنْ لَمْ تُذْكَرْ قِصَّتُهُ في القُرْآنِ“ .
غافر 40:79
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنها ومِنها تَأْكُلُونَ﴾، (p-٣٧٨)”اَلْأنْعامُ“، هَهُنا: اَلْإبِلُ.
غافر 40:85
﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾، يَقُولُ: ”حِينَ عايَنُوا العَذابَ“، ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾، عَلى مَعْنى: ”سَنَّ اللَّهُ هَذِهِ السُّنَّةَ في الأُمَمِ كُلِّها، لا يَنْفَعُهم إيمانُهم إذا رَأوُا العَذابَ“، ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ الكافِرُونَ﴾، وكَذَلِكَ: ﴿وَخَسِرَ هُنالِكَ المُبْطِلُونَ﴾ [غافر: ٧٨]، و”اَلْمُبْطِلُونَ“، و”اَلْكافِرُونَ“، خاسِرُونَ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وفي كُلِّ وقْتٍ خاسِرُونَ، ولَكِنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لَهم خُسْرانَهم إذا رَأوُا العَذابَ.
فصلت 41:1
(p-٣٧٩)سُورَةُ فُصِّلَتْ
﷽
﴿حم﴾ ﴿تَنْـزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ٢]، ”تَنْزِيلٌ“، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٣]، هَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”تَنْزِيلٌ“، مُرْتَفِعًا بِـ ”حـم“، ويَجُوزُ أنْ يَرْتَفِعَ بِإضْمارِ ”هَذا“، اَلْمَعْنى: ”هَذا تَنْزِيلٌ مِنَ العَزِيزِ الرَّحِيمِ“، أيْ: ”هو تَنْزِيلٌ“، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: ٣]، نُصِبَ ”قُرْآنًا“، عَلى الحالِ، المَعْنى: ”بُيِّنَتْ آياتُهُ قُرْآنًا“، أيْ: ”بُيِّنَتْ آياتُهُ في حالِ جَمْعِهِ عَرَبِيًّا“، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت: ٣]، أيْ: بَيَّنا لِمَن يَعْلَمُ.
﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فصلت: ٤]، مِن صِفَتِهِ.
فصلت 41:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ﴾، ”في غُلْفٍ“، أيْ: ”ما تَدْعُونا إلَيْهِ لا يَصِلُ إلى قُلُوبِنا، لِأنَّها في أغْطِيَةٍ، وواحِدُ“ اَلْأكِنَّةُ ”:“ كِنانٌ ”، ﴿وَفِي آذانِنا وقْرٌ﴾، (p-٣٨٠)أيْ: صَمَمٌ، وقُفْلٌ يَمْنَعُ مِنَ الِاسْتِماعِ لِقَوْلِكَ، أيْ: نَحْنُ في تَرْكِ القَبُولِ مِنكَ بِمَنزِلَةِ مَن لا يَسْتَمِعُ قَوْلَكَ، ﴿وَمِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ﴾، أيْ: حاجِزٌ في النِّحْلَةِ، والدِّينِ، وهو مِثْلُ“ قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ ”، إلّا أنَّ مَعْنى هَذا أنّا لا نُجامِعُكَ في مَذْهَبٍ، ﴿فاعْمَلْ إنَّنا عامِلُونَ﴾، أيْ: عَلى مَذْهَبِنا، وأنْتَ عامِلٌ عَلى مَذْهَبِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ فاعْمَلْ في إبْطالِ مَذْهَبِنا إنّا عامِلُونَ في إبْطالِ أمْرِكَ " .
فصلت 41:6
﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ [فصلت: ٧]، أيْ: لا يَرَوْنَها واجِبَةً عَلَيْهِمْ، ولا يُعْطُونَها.
فصلت 41:9
﴿قُلْ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾، لَوْ أرادَ - جَلَّ وعَلا - أنْ يَخْلُقَها في لَحْظَةٍ لَفَعَلَ، ولَكانَ ذَلِكَ سائِغًا في قُدْرَتِهِ، ولَكِنَّهُ أحَبَّ أنْ يُبْصِرَ الخَلْقُ وُجُوهَ الأناةِ، والقُدْرَةِ عَلى خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في أيّامٍ كَثِيرَةٍ، وفي لَحْظَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ المَخْلُوقِينَ كُلَّهُمْ، والمَلائِكَةَ المُقَرِّبِينَ، لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يَخْلُقُوا مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنها، ما خَلَقُوا، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ابْتِداءَ خَلْقِ الأرْضِ كانَ في يَوْمِ الأحَدِ، واسْتَقامَ خَلْقُها في يَوْمِ الِاثْنَيْنِ.
فصلت 41:10
﴿وَبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾، في الثُّلاثاءِ، والأرْبِعاءِ، فَصارَتِ الجُمْلَةُ أرْبَعَةَ أيّامٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾، (p-٣٨١)أيْ: في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ، ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾، و”سَواءٍ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ، فَمَن خَفَضَ جَعَلَهُ صِفَةً لِلْأيّامِ، المَعْنى: ”في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُسْتَوَياتٍ“، ومَن نَصَبَ فَعَلى المَصْدَرِ، عَلى مَعْنى: ”اِسْتَوَتْ سَواءً، واسْتِواءً“، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى: ”هي سَواءٌ“، ومَعْنى ”لِلسّائِلِينَ“، مُعَلَّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾، لِكُلِّ مُحْتاجٍ إلى القُوتِ، وإنَّما قِيلَ: ”لِلسّائِلِينَ“، لِأنَّ كُلًّا يَطْلُبُ القُوتَ، ويَسْألُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لِلسّائِلِينَ“: لِمَن سَألَ: ”في كَمْ خُلِقَتِ السَّماواتُ والأرْضُونَ؟“، فَقِيلَ: ”خُلِقَتِ الأرْضُ في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً، لا زِيادَةَ فِيها، ولا نُقْصانَ“، جَوابًا لِمَن سَألَ.
فصلت 41:11
﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ﴾، اَلْآيَةَ، مَعْنى ”اِسْتَوى“: عَمَدَ إلى السَّماءِ، وقَصَدَ، ﴿قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾، عَلى الحالِ مَنصُوبٌ، وإنَّما قِيلَ: ”طائِعِينَ“، دُونَ ”طائِعاتٍ“، لِأنَّهُنَّ جَرَيْنَ مُجْرى ما يَعْقِلُ ويُمَيِّزُ، كَما قِيلَ في النُّجُومِ: ﴿وَكُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]، وقَدْ قِيلَ: ”قالَتا أتَيْنا - أيْ: نَحْنُ ومَن فِينا - طائِعِينَ“، ومَعْنى ”طَوْعًا أوْ كَرْهًا“، عَلى مَعْنى: ”أطِيعا لِما أمَرْتُ طَوْعًا“، بِمَنزِلَةِ ”أطِيعا الطّاعَةَ، أوْ تُكْرَها إكْراهًا“ .
فصلت 41:12
﴿فَقَضاهُنَّ﴾، فَخَلَقَهُنَّ، وصَنَعَهُنَّ، قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ: (p-٣٨٢)
؎وَعَلَيْهِما مَسْرُودَتانِ قَضاهُما ∗∗∗ داوُدُ أوْ صَنَعَ السَّوابِغَ تُبَّعُ
مَعْناهُ: ”عَمِلَهُما، وصَنَعَهُما“، ﴿وَأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها﴾، قِيلَ: ”ما يُصْلِحُها“، وقِيلَ: ”مَلائِكَتَها“، ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾، مَعْناهُ: ”وَحَفِظْناها مِنَ اسْتِماعِ الشَّياطِينِ بِالكَواكِبِ حِفْظًا“، فَقالَ: قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِمَن هَذِهِ قُدْرَتُهُ، وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا، أيْ: أصْنامًا، تَنْحِتُونَها بِأيْدِيكُمْ، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾، أيْ: اَلَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، ولَهُ هَذِهِ القُدْرَةُ، رَبُّ العالَمِينَ.
فصلت 41:13
ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أعْرَضُوا﴾، أيْ: فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا رِسالَتَكَ بَعْدَ هَذِهِ الإبانَةِ، ويُوَحِّدُوا اللَّهَ، ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ﴾، أيْ: أنْذَرْتُكم بِأنْ يَنْزِلَ بِكم ما نَزَلَ بِمَن كَفَرَ مِنَ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ.
فصلت 41:15
ثُمَّ قَصَّ قِصَّةَ كُفْرِهِمْ، والسَّبَبَ في عُتُوِّهِمْ وإقامَتِهِمْ عَلى ضَلالَتِهِمْ، فَقالَ: ﴿فَأمّا عادٌ فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وقالُوا مَن أشَدُّ مِنّا قُوَّةً﴾، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا، فَقالَ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ [فصلت: ١٦]، ويُرْوى ”نَحْساتٍ“، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”اَلصَّرْصَرُ“: اَلشَّدِيدَةُ الصَّوْتِ، وجاءَ في (p-٣٨٣)التَّفْسِيرِ: اَلشَّدِيدَةُ البَرْدِ، و”نَحِساتٍ“: مَشْؤُوماتٍ، واحِدُها ”نَحِسٌ“، ومَن قَرَأ: ”نَحْساتٍ“، فَواحِدُها ”نَحْسٌ“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]
فصلت 41:17
﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾، اَلْجَيِّدُ إسْقاطُ التَّنْوِينِ، ويُقْرَأُ: ”ثَمُودٌ“، بِالتَّنْوِينِ، ويَجُوزُ: ”ثَمُودًا“، بِالنَّصْبِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، ومَعْنى ”هَدَيْناهم“، قالَ قَتادَةُ: ”بَيَّنّا لَهم طَرِيقَ الهُدى، وطَرِيقَ الضَّلالَةِ“، ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾، والِاخْتِيارُ رَفْعُ ”ثَمُودُ“، عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرِ، وهَذا مَذْهَبُ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ، اخْتِيارُ الرَّفْعِ، وكُلُّهم يُجِيزُ النَّصْبَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾، فالهُونُ والخِزْيُ الَّذِي يُهِينُهُمْ، ويُخْزِيهِمْ.
فصلت 41:19
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أعْداءُ اللَّهِ إلى النّارِ فَهم يُوزَعُونَ﴾، يُقْرَأُ: ”إلى النّارِ“، بِفَتْحِ النُّونِ، والتَّفْخِيمِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: ”إلى النِّارِ“، عَلى الإمالَةِ إلى الكَسْرِ، وإنَّما يَخْتارُ ذَلِكَ مَعَ الرّاءِ - يَعْنِي الكَسْرَ - لِأنَّها حَرْفٌ فِيهِ تَكْرِيرٌ، فَلِذَلِكَ آثَرَ أبُو عَمْرٍو الكَسْرَ، ﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”يُحْبَسُ أوَّلُهم عَلى آخِرِهِمْ“، وأصْلُهُ مِن ”وَزَعْتُهُ“، إذا كَفَفْتُهُ، وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ حِينَ ولِيَ القَضاءَ: ”لا بُدَّ لِلنّاسِ مِن وزَعَةٍ“، أيْ: لا بُدَّ لَهم مِن أعْوانٍ يَكُفُّونَ النّاسَ عَنِ التَّعَدِّي.
(p-٣٨٤)﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهم وأبْصارُهم وجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”جُلُودُهم“، كِنايَةٌ عَنِ الفَرْجِ، المَعْنى: " شَهِدَتْ فُرُوجُهم بِمَعاصِيهِمْ.
فصلت 41:21
﴿وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ﴾، أيْ: جَعَلَنا اللَّهُ شُهُودًا.
فصلت 41:23
﴿وَذَلِكم ظَنُّكُمُ﴾، مَرْفُوعٌ بِخَبَرِ الِابْتِداءِ، و”أرْداكم“، خَبَرٌ ثانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”ظَنُّكُمُ“، بَدَلًا مِن ”ذَلِكم“، ويَكُونَ المَعْنى: ”وَظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكم أرْداكم“، ومَعْنى ”أرْداكم“: أهْلَكَكم.
فصلت 41:25
﴿وَقَيَّضْنا﴾، ”وَسَبَّبْنا“، مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، ﴿لَهم قُرَناءَ﴾، اَلْآيَةَ، يَقُولُ: زَيَّنُوا لَهم أعْمالَهُمُ الَّتِي يَعْمَلُونَها، ويُشاهِدُونَها، وما خَلْفَهُمْ، وما يَعْزِمُونَ أنْ يَعْمَلُوهُ.
فصلت 41:26
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾، أيْ: عارِضُوهُ بِكَلامٍ لا يُفْهَمُ، يَكُونُ ذَلِكَ الكَلامُ لَغْوًا، يُقالُ: ”لَغا، يَلْغُو، لَغْوًا“، ويُقالُ: ”لَغِيَ، يَلْغى، لَغْوًا“، إذا تَكَلَّمَ بِاللَّغْوِ، وهو الكَلامُ الَّذِي لا يُحَصَّلُ، ولا تَفْهَمُ حَقِيقَتَهُ.
فصلت 41:28
﴿ذَلِكَ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ النّارُ﴾، هَذا يَدُلُّ عَلى رَفْعِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا﴾ [فصلت: ٢٧]، اَلْمَعْنى: ”ذَلِكَ العَذابُ الشَّدِيدُ جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ“، ”اَلنّارُ“، رَفْعٌ، بَدَلٌ مِن ”جَزاءُ أعْداءِ اللَّهِ“، (p-٣٨٥)وَإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ ”اَلنّارُ“، عَلى التَّفْسِيرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما هُوَ؟ فَقِيلَ: ”هي النّارُ“، ﴿لَهم فِيها دارُ الخُلْدِ﴾، أيْ: لَهم في النّارِ دارُ الخُلْدِ، والنّارُ هي الدّارُ، كَما تَقُولُ: ”لَكَ في هَذِهِ الدّارِ دارُ السُّرُورِ“، وأنْتَ تَعْنِي الدّارَ بِعَيْنِها، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎أخُو رَغائِبَ يُعْطِيها ويَسْألُها ∗∗∗ يَأْبى الظُّلامَةَ مِنهُ النَّوْفَلُ الزُّفَرُ
فصلت 41:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أرِنا﴾، بِكَسْرِ الرّاءِ، وبِإسْكانِها، لِثِقَلِ الكَسْرَةِ، كَما قالُوا في ”فَخِذٌ“: ”فَخْذٌ“، ومَن كَسَرَ فَعَلى الأصْلِ، والكَسْرُ أجْوَدُ، لِأنَّهُ في الأصْلِ: ”أرْئِنا“، فَحُذِفَتِ الهَمْزَةُ، وبَقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْها، والكَسْرُ أجْوَدُ، ومَعْنى الآيَةِ فِيما جاءَ مِنَ التَّفْسِيرِ أنَّهُ يَعْنِي بِهِما ابْنَ آدَمَ، قابِيلَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، وإبْلِيسَ، فَقابِيلُ مِنَ الإنْسِ وإبْلِيسُ مِنَ الجِنِّ، ومَعْنى: ﴿نَجْعَلْهُما تَحْتَ أقْدامِنا﴾، أيْ: يَكُونانِ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ.
فصلت 41:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾، أيْ: وحَّدُوا اللَّهَ، واسْتَقامُوا، عَمِلُوا بِطاعَتِهِ، ولَزِمُوا سُنَّةَ نَبِيِّهِ، ﴿تَتَنَـزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾، بُشَراءَ، يُبَشِّرُونَهم عِنْدَ المَوْتِ، وفي وقْتِ البَعْثِ، فَلا تَهُولُهم أهْوالُ القِيامَةِ.
فصلت 41:32
وَقَوْلُهُ: ﴿نُـزُلا مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾، (p-٣٨٦)مَعْناهُ: وأبْشِرُوا بِالجَنَّةِ، تَنْزِلُونَها نُزُلًا، قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: ”نُزُلًا“، مَنصُوبٌ مِن وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، عَلى مَعْنى ”لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم أنْزَلْناهُ نُزُلًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، عَلى مَعْنى: ”لَكم فِيها ما تَشْتَهِي أنْفُسُكم مَنزِلًا نُزُلًا“، كَما تَقُولُ: ”جاءَ زَيْدٌ مَشْيًا“، في مَعْنى: ”جاءَ زَيْدٌ ماشِيًا“ .
فصلت 41:33
﴿وَمَن أحْسَنُ قَوْلا﴾، مَنصُوبٌ عَلى التَّفْسِيرِ، كَما تَقُولُ: ”زَيْدٌ أحْسَنُ مِنكَ وجْهًا“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، لِأنَّهُ دَعا إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وجاءَ أيْضًا في التَّفْسِيرِ عَنْ عائِشَةَ، وغَيْرِها، أنَّها نَزَلَتْ في المُؤَذِّنِينَ.
فصلت 41:34
﴿وَلا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ﴾، و”لا“، زائِدَةٌ، مُؤَكِّدَةٌ، المَعْنى: ”لا تَسْتَوِي والسَّيِّئَةُ“، ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾، مَعْناهُ: ”اِدْفَعِ السَّيِّئَةَ بِالَّتِي هي أحْسَنُ“، ﴿كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾، ”اَلْحَمِيمُ“: اَلْقَرِيبُ.
فصلت 41:35
﴿وَما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾، أيْ: ما يُلَقّى مُجازاةَ هَذا، أيْ: وما يُلَقّى هَذِهِ الفِعْلَةَ إلّا الَّذِينَ صَبَرُوا، أيْ: إلّا الَّذِينَ يَكْظِمُونَ الغَيْظَ، ﴿وَما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾، ”اَلْحَظُّ“، هَهُنا: اَلْجَنَّةُ، أيْ: وما يُلَقّاها إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَعْنى ”ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ“: أيْ: ”حَظٍّ عَظِيمٍ في الخَيْرِ“ .
فصلت 41:36
(p-٣٨٧)﴿وَإمّا يَنْـزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَـزْغٌ﴾، يَقُولُ: إنْ نَزَغَكَ مِنَ الشَّيْطانِ ما يَصْرِفُكَ بِهِ عَنْ الِاحْتِمالِ، فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِن شَرِّهِ، وامْضِ عَلى حِلْمِكَ.
فصلت 41:37
﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيْلُ والنَّهارُ﴾، أيْ: مِن عَلاماتِهِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، وقَدْ قالَ: ”اَللَّيْلُ والنَّهارُ والقَمَرُ“، وهي مُذَكَّرَةٌ، وقالَ: ”خَلَقَهُنَّ“، والهاءُ والنُّونُ يَدُلّانِ عَلى التَّأْنِيثِ، فَفِيها وجْهانِ، أحَدُهُما أنَّ ضَمِيرَ غَيْرِ ما يَعْقِلُ عَلى لَفْظِ التَّأْنِيثِ، تَقُولُ: ”هَذِهِ كِباشُكَ فَسُقْها“، وإنْ شِئْتَ فَسُقْهُنَّ، وإنَّما يَكُونُ ”خَلَقَهم“، لِما يَعْقِلُ لا غَيْرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”خَلَقَهُنَّ“، راجِعًا عَلى مَعْنى الآياتِ، لِأنَّهُ قالَ: ”وَمِن آياتِهِ هَذِهِ الأشْياءُ“، ﴿واسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾
فصلت 41:38
﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾، هَذِهِ خِطابٌ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، و”اَلَّذِينَ“، هَهُنا، يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ، فالمَعْنى: ”فَإنِ اسْتَكْبَرُوا ولَمْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ ويَعْبُدُوهُ، ويُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ، فالمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ“، ﴿وَهم لا يَسْأمُونَ﴾، لا يَمَلُّونَ.
فصلت 41:39
ثُمَّ زادَهم في الدَّلالَةِ، فَقالَ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً﴾، أيْ: مُتَهَشِّمَةً مُتَغَيِّرَةً، وهو مِثْلُ ”هامِدَةً“ .
(p-٣٨٨)﴿فَإذا أنْـزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَرَبَأتْ“، بِالهَمْزِ، ومَعْنى ”رَبَتْ“: عَظُمَتْ، ومَعْنى ”رَبَأتْ“: اِرْتَفَعَتْ، لِأنَّ النَّبْتَ إذا هَمَّ أنْ يَظْهَرَ ارْتَفَعَتْ لَهُ الأرْضُ.
فصلت 41:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا﴾، و”يَلْحَدُونَ“، بِفَتْحِ الياءِ، والحاءِ، وتَفْسِيرُ ”يَلْحَدُونَ“: يَجْعَلُونَ الكَلامَ عَلى غَيْرِ جِهَتِهِ، ومِن هَذا ”اَللَّحْدُ“، لِأنَّهُ الحَفْرُ في جانِبِ القَبْرِ، يُقالُ: ”لَحَدَ“، و”ألْحَدَ“، في مَعْنًى واحِدٍ، ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾، لَفْطُ هَذا الكَلامِ لَفْظُ أمْرٍ، ومَعْناهُ الوَعِيدُ والتَّهَدُّدُ، وقَدْ بَيَّنَ لَهُمُ المُجازاةَ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ.
فصلت 41:41
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، فِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما أنَّ الكُتُبَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لا تُبْطِلُهُ، ولا يَأْتِي بَعْدَهُ كِتابٌ يُبْطِلُهُ، والوَجْهُ الثّانِي أنَّهُ مَحْفُوظٌ مِن أنْ يَنْقُصَ مِنهُ فَيَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، أوْ يُزادُ فِيهِ فَيَأْتِيهِ الباطِلُ مِن خَلْفِهِ، والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنّا نَحْنُ نَـزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]
فصلت 41:43
﴿ما يُقالُ لَكَ إلا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾، أيْ: تَكْذِيبُكَ كَما كُذِّبَ الرُّسُلُ مِن قَبْلِكَ، وقِيلَ لَهم كَما يَقُولُ الكُفّارُ لَكَ، ثُمَّ قالَ: (p-٣٨٩)﴿إنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾، اَلْمَعْنى لِمَن آمَنَ بِكَ، ﴿وَذُو عِقابٍ ألِيمٍ﴾، لِمَن كَذَّبَكَ.
فصلت 41:44
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾، أيْ: بُيِّنَتْ، ﴿أأعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ﴾، وتُقْرَأُ: ”أأعْجَمِيٌّ“، بِهَمْزَتَيْنِ، و”أعْجَمِيٌّ“، بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وبِهَمْزَةٍ بَعْدَها مُخَفَّفَةٍ، تُشْبِهُ الألِفَ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ألِفًا خالِصَةً، لِأنَّ بَعْدَها العَيْنَ، وهي ساكِنَةٌ، وتُقْرَأُ: ”أعَجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ“، بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ، وفَتْحِ العَيْنِ، وقَرَأ الحَسَنُ: ”أعْجَمِيٌّ“، بِهَمْزَةٍ وسَكُونِ العَيْنِ، والَّذِي جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَعْنى: ”وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا، لَقالُوا: لَوْلا - هَلّا - بُيِّنَتْ آياتُهُ، أقُرْآنٌ أعْجَمِيٌّ ونَبِيٌّ عَرَبِيٌّ؟!“، فَمَن قَرَأ: ”آعْجَمِيٌّ“، فَهَمْزَةٌ وألِفٌ، فَإنَّهُ مَنسُوبٌ إلى اللِّسانِ الأعْجَمِ، تَقُولُ: ”هَذا رَجُلٌ أعْجَمِيٌّ“، إذا كانَ لا يُفْصِحُ، إنْ كانَ مِنَ العَجَمِ، أوْ مِنَ العَرَبِ، وتَقُولُ: ”هَذا رَجُلٌ عَجَمِيٌّ“، إذا كانَ مِنَ الأعاجِمِ، فَصِيحًا كانَ أمْ غَيْرَ فَصِيحٍ، ومِثْلُ ذَلِكَ: ”هَذا رَجُلٌ أعْرابِيٌّ“، إذا كانَ مِن أهْلِ البادِيَةِ، وكانَ جِنْسُهُ مِنَ العَرَبِ، أوْ مِن غَيْرِ العَرَبِ، والأجْوَدُ في القُرْآنِ: ”آعْجَمِيٌّ“، بِهَمْزَةٍ وألِفٍ، عَلى جِهَةِ النِّسْبَةِ إلى الأعْجَمِ، ألا تَرى قَوْلَهُ: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أعْجَمِيًّا﴾، ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ: ”عَجَمِيًّا“، فَأمّا قِراءَةُ الحَسَنِ - أعْنِي: ”أعْجَمِيٌّ“، بِإسْكانِ العَيْنِ - لا عَلى مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، ولَكِنْ عَلى مَعْنى ”هَلّا بُيِّنَتْ آياتُهُ“، فَجَعَلَ بَعْضَهُ بَيانًا لِلْعَجَمِ، وبَعْضَهُ بَيانًا لِلْعَرَبِ، وكُلُّ هَذِهِ الأوْجُهِ الأرْبَعَةِ سائِغٌ في العَرَبِيَّةِ، وعَلى ذَلِكَ تَفْسِيرُهُ.
(p-٣٩٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ﴾، يَعْنِي القُرْآنَ، ﴿والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ﴾، أيْ: هم في تَرْكِ القَبُولِ بِمَنزِلَةِ مَن في أُذُنِهِ صَمَمٌ، ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾، ويُقْرَأُ: ”وَهو عَلَيْهِمْ عَمٍ“، بِكَسْرِ المِيمِ، والتَّنْوِينِ، ويَجُوزُ: ”وَهو عَلَيْهِمْ عَمِيَ“، بِإثْباتِ الياءِ وفَتْحِها، ولا يَجُوزُ إسْكانُ الياءِ، وتَرْكُ التَّنْوِينِ، ﴿أُولَئِكَ يُنادَوْنَ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾، يَعْنِي مِن قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ يُبْعَدُ عَنْهم ما يُتْلى عَلَيْهِمْ.
فصلت 41:45
﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾، اَلْكَلِمَةُ: وعْدُهُمُ السّاعَةَ، قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]
فصلت 41:46
﴿وَمَن أساءَ فَعَلَيْها﴾، أيْ: عَلى نَفْسِهِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلِمَةَ هَهُنا السّاعَةُ
فصلت 41:47
قَوْلُهُ: ﴿إلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما تَخْرُجُ مِن ثَمَراتٍ مِن أكْمامِها﴾، نَحْوَ خُرُوجِ الطَّلْعِ مِن قِشْرِهِ، ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أيْنَ شُرَكائِي﴾، (p-٣٩١)اَلْمَعْنى: ”أيْنَ قَوْلُكم إنَّ لِي شُرَكاءَ؟!“، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - واحِدٌ، لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿أيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِن شَهِيدٍ﴾، ”آذَنّاكَ“: أعْلَمْناكَ، ما مِنّا مِن شَهِيدٍ لَهم.
فصلت 41:48
﴿وَظَنُّوا ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾، أيْ: أيْقَنُوا.
فصلت 41:49
﴿لا يَسْأمُ الإنْسانُ مِن دُعاءِ الخَيْرِ﴾، لا يَمَلُّ الخَيْرَ الَّذِي يُصِيبُهُ، وإذا اخْتُبِرَ بِشَيْءٍ مِنَ الشَّرِّ يَئِسَ وقَنَطَ.
فصلت 41:50
﴿وَلَئِنْ أذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِن بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذا لِي﴾، أيْ: هَذا واجِبٌ لِي، بِعَمَلِي اسْتَحْقَقْتُهُ، وهَذا يُعْنى بِهِ الكافِرُونَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى﴾، يَقُولُ: إنِّي لَسْتُ أُوقِنُ بِالبَعْثِ وقِيامِ السّاعَةِ، فَإنْ كانَ الأمْرُ عَلى ذَلِكَ، فَإنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى.
فصلت 41:51
﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ أعْرَضَ ونَأى بِجانِبِهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”ناءَ“، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، يَقُولُ: إذا كانَ في نِعْمَةٍ، تَباعَدَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ودُعائِهِ، ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾، و”عَرِيضٍ“، هَهُنا: كَبِيرٍ، وكَذَلِكَ لَوْ كانَ ”ذُو دُعاءٍ طَوِيلٍ“، كانَ مَعْناهُ: ”كَبِيرٍ“ .
فصلت 41:53
وَقَوْلُهُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ﴾، أيْ: سَنُرِيهِمُ الأعْلامَ الَّتِي تَدُلُّ عَلى التَّوْحِيدِ، في الآفاقِ، وواحِدُها ”أُفُقٌ“، يَقُولُ: سَنُرِيهِمْ آثارَ مَن مَضى قَبْلَهم مِمَّنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ مِنَ الأُمَمِ، وآثارَ خَلْقِ اللَّهِ في كُلِّ البِلادِ، وفي أنْفُسِهِمْ، مِن أنَّهم كانُوا نُطَفًا، ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظامًا، (p-٣٩٢)كُسِيَتْ لَحْمًا، ثُمَّ نُقِلُوا إلى التَّمْيِيزِ والعَقْلِ، وذَلِكَ كُلُّهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي فَعَلَهُ واحِدٌ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ﴿أوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، ويَجُوزُ: ”إنَّهُ“، والقِراءَةُ: ”أنَّهُ“، بِالفَتْحِ، ومَوْضِعُ ”بِرَبِّكَ“، في المَعْنى رَفْعٌ، المَعْنى: ”أوَلَمْ يَكْفِ رَبُّكَ...؟!“، ومَوْضِعُ ”أنَّهُ“، نَصْبٌ، وإنْ شِئْتَ كانَ رَفْعًا، المَعْنى في النَّصْبِ: ”أوَلَمْ يَكْفِ رَبُّكَ بِأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ“، ومَن رَفَعَ، فَعَلى البَدَلِ، المَعْنى: ”أوَلَمْ يَكْفِ أنَ رَبَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ“، أيْ: ”أوَلَمْ يَكْفِهِمْ شَهادَةُ رَبِّكَ؟!“، ومَعْنى الكِفايَةِ هَهُنا أنَّهُ قَدْ بَيَّنَ لَهم ما فِيهِ كِفايَةٌ في الدَّلالَةِ عَلى تَوْحِيدِهِ، وبَيَّنَتْ رُسُلُهُ.
فصلت 41:54
﴿ألا إنَّهم في مِرْيَةٍ مِن لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾، في شَكٍّ، ”ألا“، كَلِمَةٌ يُبْتَدَأُ بِها، يُنَبَّهُ بِها المُخاطَبُ تَوْكِيدًا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ما بَعْدَها، ﴿ألا إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾، أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، عِلْمًا يُحِيطُ بِما ظَهَرَ، وخَفِيَ.
الشورى 42:1
(p-٣٩٣)سُورَةُ ”اَلشُّورى“ ”حـم عـسـق“، مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ٢]، قَدْ بَيَّنّا حُرُوفَ الهِجاءِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الحُرُوفَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ، ورُوِيَتْ ”حـم سـق“، بِغَيْرِ عَيْنٍ، والمَصاحِفُ فِيها العَيْنُ بائِنَةٌ.
الشورى 42:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾، وقُرِئَتْ: ”يُوحى“، وقُرِئَتْ: ”نُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ“، بِالنُّونِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ ”حـم عـسـق“ قَدْ أُوحِيَتْ إلى كُلِّ نَبِيٍّ قَبْلَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ -، ومَوْضِعُ الكافِ مِن ”كَذَلِكَ“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ...“، فَمَن قَرَأ: ”يُوحِي“، بِالياءِ، فاسْمُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - رُفِعَ بِفِعْلِهِ، وهو ”يُوحِي“، ومَن قَرَأ: ”يُوحى إلَيْكَ“، فاسْمُ اللَّهِ مُبَيِّنٌ عَمّا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومِثْلُ هَذا مِنَ الشِّعْرِ:
؎لِيُبْكَ يَزِيدٌ ضارِعٌ لِخُصُومَةٍ ∗∗∗ ومُخْتَبِطٌ مِمّا تُطِيحُ الطَّوائِحُ
فَبَيَّنَ مَن يَنْبَغِي أنْ يَبْكِيَهُ، ومَن قَرَأ: ”نُوحِي إلَيْكَ“، بِالنُّونِ، جَعَلَ ”نُوحِي“، إخْبارًا عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ورَفَعَ ”اَللَّهُ“، بِالِابْتِداءِ، وجَعَلَ ”اَلْعَزِيزُ الحَكِيمُ“، خَبَرًا عَنْ ”اَللَّهُ“، وإنْ شاءَ كانَ (p-٣٩٤)”اَلْعَزِيزُ الحَكِيمُ“، صِفَةً لِـ ”اَللَّهُ“ - عَزَّ وجَلَّ - يَرْتَفِعُ كَما يَرْتَفِعُ اسْمُ اللَّهِ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٤]
الشورى 42:5
قَوْلُهُ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾، وقُرِئَتْ: ”مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ“، وقُرِئَتْ: ”يَنْفَطِرْنَ“، ومَعْنى ”يَنْفَطِرنَ“، و”يَتَفَطَّرْنَ“: يَنْشَقِقْنَ، ويَتَشَقَّقْنَ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: أيْ: تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ لِعَظَمَةِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، قالَ: تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ لِعَظَمَتِهِ، وكَذَلِكَ ”يَنْفَطِرْنَ مِمَّنْ فَوْقَهُنَّ“، أيْ: مِن عَظَمَةِ مَن فَوْقَهُنَّ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾، مَعْنى ”يُسَبِّحُونَ“: يُعَظِّمُونَ اللَّهَ ويُنَزِّهُونَهُ عَنِ السُّوءِ، ”وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ مِنَ المُؤْمِنِينَ“، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِكُلِّ مَن في الأرْضِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الكُفّارِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]، فَفي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَلائِكَةَ إنَّما يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في سُورَةِ ”اَلْمُؤْمِنِ“: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧]
الشورى 42:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾، ”أُمُّ القُرى“: مَكَّةُ، ومَوْضِعُ ”وَمَن حَوْلَها“: نَصْبٌ، المَعْنى: " لِتُنْذِرَ أهْلَ أُمِّ القُرى، ومَن حَوْلَها، لِأنَّ البَلَدَ لا يَعْقِلُ، ومِثْلُ هَذا: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، أيْ: يَوْمَ يُبْعَثُ النّاسُ جَمِيعًا، ثُمَّ أعْلَمُ ما حالُهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾
الشورى 42:8
(p-٣٩٥)وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهم أُمَّةً واحِدَةً ولَكِنْ يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمُونَ ما لَهم مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾، ارْتَفَعَ ”اَلظّالِمُونَ“، بِالِابْتِداءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُدْخِلُ مَن يَشاءُ في رَحْمَتِهِ والظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الإنسان: ٣١]، اَلْفَصْلُ بَيْنَ هَذا والأوَّلِ أنَّ ”أعَدَّ لَهم“، فِعْلٌ، فَنُصِبَ ”اَلظّالِمِينَ“، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ما ظَهَرَ، المَعْنى: ”وَأوْعَدَ الظّالِمِينَ أعَدَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا“ .
الشورى 42:11
وَقَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا﴾، أيْ: خَلَقَ الذَّكَرَ، والأُنْثى، مِنَ الحَيَوانِ كُلِّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَذْرَؤُكم فِيهِ﴾، أيْ: يُكَثِّرُكم بِجَعْلِهِ مِنكم ومِنَ الأنْعامِ أزْواجًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، هَذِهِ الكافُ مُؤَكِّدَةٌ، والمَعْنى: ”لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: اَلْمَعْنى:“ مِثْلَ مِثْلِهِ شَيْءٌ "، لِأنَّ مَن قالَ هَذا فَقَدْ أثْبَتَ المِثْلَ لِلَّهِ - تَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
الشورى 42:13
قَوْلُهُ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، رُوِيَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أوَّلَ مَن أتى بِتَحْرِيمِ البَناتِ، والأخَواتِ، والأُمَّهاتِ، نُوحٌ، ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾، أيْ: ”وَشَرَعَ لَكم ما وصّى بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾، (p-٣٩٦)تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، ومَوْضِعُ ”أنْ“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، ورَفْعًا، وجَرًّا، فالنَّصْبُ عَلى مَعْنى: ”شَرَعَ لَكم أنْ أقِيمُوا الدِّينَ“، والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”هو أنْ أقِيمُوا الدِّينَ“، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِنَ الباءِ، والجَرُّ أبْعَدُ هَذِهِ الوُجُوهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”أنْ أقِيمُوا الدِّينَ“، تَفْسِيرًا لِما وصّى بِهِ نُوحًا، ولِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾، ولِقَوْلِهِ: ﴿وَما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ﴾، فَيَكُونَ المَعْنى: ”شَرَعَ لَكم ولِمَن قَبْلَكم إقامَةَ الدِّينِ، وتَرْكَ الفُرْقَةِ، وشَرَعَ الِاجْتِماعَ عَلى اتِّباعِ الرُّسُلِ“ .
الشورى 42:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: " وما تَفَرَّقَ أهْلُ الكِتابِ إلّا عَنْ عِلْمٍ بِأنَّ الفُرْقَةَ ضَلالَةٌ، ولَكِنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ بَغْيًا، أيْ: لِلْبَغْيِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: لَجُوزُوا بِأعْمالِهِمْ، والكَلِمَةُ هي تَأْجِيلُهُ السّاعَةَ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: ٤٦]
الشورى 42:15
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلِذَلِكَ فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾، مَعْناهُ: فَإلى ذَلِكَ فادْعُ، واسْتَقِمْ، أيْ: إلى إقامَةِ الدِّينِ، فادْعُ واسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ، ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ، ﴿وَقُلْ آمَنتُ بِما أنْـزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ﴾، أيْ: آمَنتُ بِكُتُبِ اللَّهِ كُلِّها، لِأنَّ الَّذِينَ تَفَرَّقُوا آمَنُوا بِبَعْضِ الكُتُبِ، وكَفَرُوا بِبَعْضٍ.
الشورى 42:17
وَقَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْـزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ﴾، ”اَلْمِيزانُ“: اَلْعَدْلُ، ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾، إنَّما جازَ ”قَرِيبٌ“، لِأنَّ تَأْنِيثَ السّاعَةِ غَيْرُ تَأْنِيثٍ حَقِيقِيٍّ، وهو بِمَعْنى ”لَعَلَّ (p-٣٩٧)البَعْثَ قَرِيبٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”لَعَلَّ مَجِيءَ السّاعَةِ قَرِيبٌ“ .
الشورى 42:18
﴿يَسْتَعْجِلُ بِها الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها﴾، أيْ: يَسْتَعْجِلُ بِها مَن يَظُنُّ أنَّهُ غَيْرُ مَبْعُوثٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنها﴾، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ، مُحاسَبُونَ، ﴿ألا إنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ في السّاعَةِ لَفي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾، أيْ: اَلَّذِينَ تَدْخُلُهُمُ المِرْيَةُ والشَّكُّ في السّاعَةِ، فَيُمارُونَ فِيها، ويَجْحَدُونَ كَوْنَها ﴿لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾، لِأنَّهم لَوْ فَكَّرُوا، لَعَلِمُوا أنَّ الَّذِي أنْشَأهم وخَلَقَهم مِن تُرابٍ، ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ، ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ، إلى أنْ بَلَغُوا مَبالِغَهُمْ، قادِرٌ عَلى إنْشائِهِمْ، وبَعْثِهِمْ.
الشورى 42:20
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن نَصِيبٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْناهُ: ”مَن كانَ يُرِيدُ عَمَلَ الآخِرَةِ...“، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ مَن كانَ يُرِيدُ جَزاءَ عَمَلِ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ، أيْ: نُوَفِّقْهُ، ونُضاعِفْ لَهُ الحَسَناتِ، ومَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا - أيْ: مَن كانَ إنَّما يَقْصِدُ إلى الحَظِّ مِنَ الدُّنْيا - وهو غَيْرُ مُؤْمِنٍ بِالآخِرَةِ، نُؤْتِهِ مِنَ الدُّنْيا "، أيْ: نَرْزُقْهُ مِنَ الدُّنْيا، لا أنَّهُ يُعْطى كُلَّ ما يُرِيدُهُ، وإذا لَمْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ، فَلا نَصِيبَ لَهُ في الخَيْرِ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ مِن عَمَلِ الآخِرَةِ.
الشورى 42:22
وَقَوْلُهُ: ﴿تَرى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وهو واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: تَراهم مُشْفِقِينَ مِن ثَوابِ ما كَسَبُوا، وثَوابُ ما كَسَبُوا النّارُ، ﴿وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ﴾، أيْ: وثَوابُ كَسْبِهِمْ واقِعٌ بِهِمْ.
(p-٣٩٨)﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ في رَوْضاتِ الجَنّاتِ لَهم ما يَشاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، أيْ: ”والظّالِمُونَ لَهُمُ النّارُ، والمُؤْمِنُونَ لَهُمُ الجَنَّةُ“ .
الشورى 42:23
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، يُقْرَأُ: ”يُبَشِّرُ“، و”يَبْشُرُ“، و”يُبْشِرُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، أيْ: إلّا أنْ تَوَدُّونِي في قَرابَتِي، وجاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّهُ قالَ: ”لَيْسَ حَيٌّ مِن قُرَيْشٍ إلّا ولِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ قَرابَةٌ“، ورُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِقُرَيْشٍ: ”أنْتُمْ قَرابَتِي، وأوَّلُ مَن أجابَنِي، وأطاعَنِي“»، ورُوِيَ «أنَّ الأنْصارَ أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: ”قَدْ هَدانا اللَّهُ بِكَ، وأنْتَ ابْنُ أُخْتِنا“»، وأتَوْهُ بِنَفَقَةٍ يَسْتَعِينُ بِها عَلى ما يَنُوبُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إلا المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾، قالَ أبُو إسْحاقَ: ونَصْبُ ”اَلْمَوَدَّةَ“، بِأنْ يَكُونَ بِمَعْنى اسْتِثْناءٍ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، لا عَلى مَعْنى: ”أسَألُكم عَلَيْهِ أجْرًا المَوَدَّةَ في القُرْبى“، لِأنَّ الأنْبِياءَ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - لا يَسْألُونَ أجْرًا عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَلَكِنَّنِي أُذَكِّرُكُمُ المَوَدَّةَ في القُرْبى“، قَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَـزِدْ لَهُ فِيها حُسْنًا﴾، أيْ: مَن يَعْمَلُ حَسَنَةً نُضاعِفْها لَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ، قَبُولٌ لِلتَّوْبَةِ، مُثِيبٌ عَلَيْها.
الشورى 42:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَإنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ﴾، (p-٣٩٩)مَعْناهُ: ”فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يُنْسِكَ ما أتاكَ“، كَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، ويَجُوزُ ”فَإنْ يَشَإ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ“: يَرْبِطْ عَلى قَلْبِكَ بِالصَّبْرِ عَلى أذاهُمْ، وعَلى قَوْلِهِمْ: اِفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، ”وَيَمْحُ اللَّهُ الباطِلَ“، اَلْوُقُوفُ عَلَيْها ”وَيَمْحُوا“، بِواوٍ، وألِفٍ، لِأنَّ المَعْنى: ”واللَّهُ يَمْحُو الباطِلَ عَلى كُلِّ حالٍ“، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِغَيْرِ واوٍ، لِأنَّ الواوَ تَسْقُطُ في اللَّفْظِ، لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، فَكُتِبَتْ عَلى الوَصْلِ، ولَفْظُ الواوِ ثابِتٌ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿وَيُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾، أيْ: ”وَيَمْحُو اللَّهُ الشِّرْكَ، ويُحِقُّ الحَقَّ بِما أنْزَلَهُ مِن كِتابِهِ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ“ .
الشورى 42:26
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَيُجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“ .
الشورى 42:28
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَـزِّلُ الغَيْثَ مِن بَعْدِ ما قَنَطُوا ويَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”قَنِطُوا“، بِكَسْرِ النُّونِ، يُقالُ: ”قَنَطَ، يَقْنِطُ“، و”قَنِطَ، يَقْنَطُ“، إذا يَئِسَ، ويُرْوى أنَّ عُمَرَ قِيلَ لَهُ: ”قَدْ أجْدَبَتِ الأرْضُ، وقَنِطَ النّاسُ“، فَقالَ: ”مُطِرُوا إذَنْ“، لِهَذِهِ الآيَةِ.
الشورى 42:30
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ في آياتِنا﴾ [الشورى: ٣٥]، وهي في مُصْحَفِ أهْلِ المَدِينَةِ: ”بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم“، بِغَيْرِ فاءٍ، وكَذَلِكَ يَقْرَؤُونَها، خَلا أبا جَعْفَرٍ، فَإنَّهُ يُثْبِتُ الفاءَ، وهي في مَصاحِفِ أهْلِ العِراقِ بِالفاءِ، وكَذَلِكَ قِراءَتُهُمْ، وهو في العَرَبِيَّةِ أجْوَدُ، لِأنَّ الفاءَ مُجازاةُ جَوابِ الشَّرْطِ، المَعْنى: ”ما تُصِبْكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم“، وقُرِئَتْ ”:“ ويَعْلَمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ ”، والنَّصْبُ عَلى إضْمارِ“ أنْ ”، لِأنَّ قَبْلَها جَزاءً، تَقُولُ:“ ما تَصْنَعْ أصْنَعْ مِثْلَهُ وأُكْرِمَكَ ”، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ:“ وأُكْرِمُكَ ”، عَلى:“ وأنا أُكْرِمُكَ ”، وإنْ شِئْتَ:“ وأُكْرِمْكَ ”، جَزْمًا.
(p-٤٠٠)وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“ إنَّ اللَّهَ أكْرَمُ مِن أنْ يُثَنِّيَ عَلى عَبْدِهِ العُقُوبَةَ ”»، أيْ: إذا أصابَتْهُ في الدُّنْيا مُصِيبَةٌ بِما كَسَبَتْ يَداهُ، لَمْ يُثَنِّ عَلَيْهِ العُقُوبَةَ في الآخِرَةِ، وأمّا مَن قَرَأ:“ وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ بِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ”، أيْ: لا يُجازِي عَلى كَثِيرٍ مِمّا كَسَبَتْ أيْدِيكم في الدُّنْيا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، فَلا يُجازِي عَلَيْهِ في الدُّنْيا، ولا في الآخِرَةِ، ومَعْنى: ﴿ما لَهم مِن مَحِيصٍ﴾ [الشورى: ٣٥]“ ما لَهم مِن مَعْدِلٍ، ولا مِن مَنجًى ”، يُقالُ:“ حاصَ عَنْهُ ”، إذا تَنَحّى، ويُقالُ:“ حاضَ عَنْهُ ”، في مَعْنى“ حاصَ ”، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْرَأ:“ ما لَهم مِن مَحِيضٍ ”، وإنْ كانَ المَعْنى واحِدًا، فَأمّا مَوْضِعُ“ اَلَّذِينَ ”، في قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ [الشورى: ٢٦]، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا، فَمَن نَصَبَ، فَعَلى مَعْنى:“ ويُجِيبُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ”، ومَن رَفَعَ، فَعَلى مَعْنى:“ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ "، أيْ: لِما يَدْعُوهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ.
الشورى 42:37
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾، مَوْضِعُ ”اَلَّذِينَ“، خَفْضٌ، صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: ٣٦]، و”كَبائِرَ الإثْمِ“، قالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ فَهو كَبِيرَةٌ، وقِيلَ: اَلْكَبائِرُ مِن أوَّلِ سُورَةِ ”اَلنِّساءِ“، مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢]، إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وقَدْ قِيلَ: اَلْكَبائِرُ: اَلشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والفِرارُ مِنَ الزَّحْفِ، واسْتِحْلالُ الحَرامِ.
الشورى 42:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ﴾، (p-٤٠١)”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ خَفْضٍ أيْضًا، عَلى مَعْنى: ”وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينِ آمَنُوا ولِلَّذِينِ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وأقامُوا الصَّلاةَ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمْرُهم شُورى بَيْنَهُمْ﴾، أيْ: لا يَنْفَرِدُونَ بِرَأْيٍ حَتّى يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّهُ ما تَشاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأحْسَنِ ما يَحْضُرُهم.
الشورى 42:39
﴿والَّذِينَ إذا أصابَهُمُ البَغْيُ هم يَنْتَصِرُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهم كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يُذِلُّوا أنْفُسَهُمْ، فَيَجْتَرِئُ عَلَيْهِمُ الفُسّاقُ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: أهم مَحْمُودُونَ عَلى انْتِصارِهِمْ، أمْ لا؟ قِيلَ: هم مَحْمُودُونَ، لِأنَّ مَنِ انْتَصَرَ، فَأخَذَ بِحَقِّهِ، ولَمْ يُجاوِزْ في ذَلِكَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَلَمْ يُسْرِفْ في القَتْلِ، إنْ كانَ ولِيَّ دَمٍ، ولا في قِصاصٍ، فَهو مُطِيعٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، وكُلُّ مُطِيعٍ مَحْمُودٌ، وكَذَلِكَ مَنِ اجْتَنَبَ المَعاصِيَ فَهو مَحْمُودٌ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]
الشورى 42:40
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾، فالأُولى سَيِّئَةٌ في اللَّفْظِ والمَعْنى، والثّانِيَةُ سَيِّئَةٌ في اللَّفْظِ، عامِلُها لَيْسَ بِمُسِيءٍ، ولَكِنَّها سُمِّيَتْ سَيِّئَةً لِأنَّها مُجازاةٌ لِسُوءٍ، فَإنَّما يُجازى السُّوءُ بِمِثْلِهِ، والمُجازاةُ بِهِ غَيْرُ سَيِّئَةٍ تُوجِبُ ذَنْبًا، وإنَّما قِيلَ لَها: ”سَيِّئَةٌ“، لِيُعْلَمَ أنَّ الجارِحَ والجانِيَ يُقْتَصُّ مِنهُ بِمِقْدارِ جِنايَتِهِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، تَأْوِيلُهُ: كافِئُوهُ بِمِثْلِهِ، وعَلى هَذا كَلامُ العَرَبِ.
الشورى 42:43
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وغَفَرَ إنَّ ذَلِكَ لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾، (p-٤٠٢)أيْ: اَلصّابِرُ يُؤْتى بِصَبْرِهِ ثَوابًا، فَكُلُّ مَن زادَتْ رَغْبَتُهُ في الثَّوابِ فَهو أتَمُّ عَزْمٍ، وقَدْ قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْـزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٥]، أنَّ مِنهُ القِصاصَ، والعَفْوَ، فالعَفْوُ أحْسَنُهُ.
الشورى 42:45
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، يَعْنِي: ”يَنْظُرُونَ إلى النّارِ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ“، قالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهم يُحْشَرُونَ عُمْيًا، فَيَرَوْنَ النّارَ بِقُلُوبِهِمْ إذا عُرِضُوا عَلَيْها، وقِيلَ: يَنْظُرُونَ إلَيْها مُسارَقَةً.
الشورى 42:47
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما لَكم مِن مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وما لَكم مِن نَكِيرٍ﴾، أيْ: لَيْسَ لَكم مُخَلِّصٌ مِنَ العَذابِ، ولا تَقْدِرُونَ أنْ تُنْكِرُوا ما تَقِفُونَ عَلَيْهِ مِن ذُنُوبِكُمْ، ولا ما يَنْزِلُ بِكم مِنَ العَذابِ.
الشورى 42:49
وَقَوْلُهُ: ﴿يَهَبُ لِمَن يَشاءُ إناثًا ويَهَبُ لِمَن يَشاءُ الذُّكُورَ﴾ ﴿أوْ يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا﴾ [الشورى: ٥٠]، أيْ: ويَجْعَلُ ما يَهَبُهُ مِنَ الوَلَدِ ذُكْرانًا، وإناثًا، فَمَعْنى ”يُزَوِّجُهم ذُكْرانًا وإناثًا“: أيْ: يُقْرِنُهُمْ، وكُلُّ اثْنَيْنِ يَقْتَرِنُ أحَدُهُما بِالآخَرِ فَهُما زَوْجانِ، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُقالُ لَهُ: ”زَوْجٌ“، تَقُولُ: ”عِنْدِي زَوْجانِ مِنَ الخِفافِ“، يَعْنِي أنَّ عِنْدَكَ مِنَ العَدَدِ اثْنَيْنِ، أيْ: ”خُفَّيْنِ“، وكَذَلِكَ المَرْأةُ وزَوْجُها زَوْجانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَجْعَلُ مَن يَشاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى: ٥٠]، أيْ: يَجْعَلُ المَرْأةَ عَقِيمًا، وهي الَّتِي لا تَلِدُ، وكَذَلِكَ ”رَجُلٌ عَقِيمٌ“، أيْضًا، لا يُولَدُ لَهُ، وكَذَلِكَ ”اَلرِّيحُ العَقِيمُ“: اَلَّتِي لا يَكُونُ عَنْها مَطَرٌ ولا خَيْرٌ.
الشورى 42:51
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلا وحْيًا أوْ مِن وراءِ حِجابٍ أوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإذْنِهِ ما يَشاءُ﴾، (p-٤٠٣)يُقْرَأُ: ”أوْ يُرْسِلُ“، بِرَفْعِ ”يُرْسِلُ“، و”فَيُوحِي“، بِإسْكانِ الياءِ، والتَّفْسِيرُ أنَّ كَلامَ اللَّهِ لِلْبَشَرِ إمّا أنْ يَكُونَ بِرِسالَةِ مَلَكٍ إلَيْهِمْ، كَما أرْسَلَ إلى أنْبِيائِهِ، أوْ مِن وراءِ حِجابٍ، كَما كَلَّمَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، أوْ بِإلْهامٍ يُلْهِمُهُمْ، قالَ سِيبَوَيْهِ: سَألْتُ الخَلِيلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾، بِالنَّصْبِ، فَقالَ: ”يُرْسِلَ“، مَحْمُولٌ عَلى ”أنْ يُوحِيَ“، هَذِهِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ”أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ“، قالَ: لِأنَّ ذَلِكَ غَيْرُ وجْهِ الكَلامِ، لِأنَّهُ يَصْرِفُ المَعْنى: ”ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ رَسُولًا“، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، وإنَّما ”يُرْسِلَ“، مَحْمُولٌ عَلى ”يُوحِيَ“، اَلْمَعْنى: ”ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا بِأنْ يُوحِيَ، أوْ أنْ يُرْسِلَ“، ويَجُوزُ الرَّفْعُ في ”يُرْسِلُ“، عَلى مَعْنى الحالِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلّا مُوحِيًا، أوْ مُرْسِلًا رَسُولًا كَذَلِكَ كَلامُهُ إيّاهم“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَها بِخَيْلٍ ∗∗∗ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
وَمِثْلُ قَوْلِهِ: ”أوْ يُرْسِلَ“، بِالنَّصْبِ، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَلَوْلا رِجالٌ مِن رِزامٍ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلُ سُبَيْعٍ أوْ أسُوءَكَ عَلْقَما
والمَعْنى: ”أوْ أنْ أسُوءَكَ“، وقالَ: ويَجُوزُ أنْ يُرْفَعَ ”أوْ يُرْسِلُ“، عَلى مَعْنى: ”أوْ هو يُرْسِلُ“، وهَذا قَوْلُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وجَمِيعِ مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ.
الشورى 42:52
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾، (p-٤٠٤)أيْ: فَعَلْنا في الوَحْيِ إلَيْكَ كَما فَعَلْنا بِالرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ، ومَوْضِعُ ”كَذَلِكَ“: نَصْبٌ، بِقَوْلِهِ: ”أوْحَيْنا“، ومَعْنى ”رُوحًا مِن أمْرِنا“: ما نُحْيِي بِهِ الخَلْقَ مِن أمْرِنا، أيْ: ما يُهْتَدى بِهِ، فَيَكُونُ حَيًّا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾، ولَمْ يَقُلْ: ”جَعَلْناهُما“، لِأنَّ المَعْنى: ”وَلَكِنْ جَعَلْنا الكِتابَ نُورًا“، وهو دَلِيلٌ عَلى الإيمانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَإنَّكَ لَتُهْدى“، فَمَن قَرَأ: ”لَتَهْدِي“، فالمَعْنى: ”تَهْدِي بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”لَتُهْدى“، مُخاطَبَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتِهِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”وَإنَّكَ وأُمَّتَكَ لَتُهْدَوْنَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“، كَما قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، فَهو بِمَنزِلَةِ: ”يا أيُّها النّاسُ المُؤْمِنُونَ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ“ .
الشورى 42:53
وَقَوْلُهُ: ﴿صِراطِ اللَّهِ﴾، خَفْضٌ، بَدَلٌ مِن ”صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ“، اَلْمَعْنى: ”وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطِ اللَّهِ“، ويَجُوزُ ”صِراطُ اللَّهِ“، بِالرَّفْعِ، و”صِراطَ اللَّهِ“، بِالنَّصْبِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِهِما، ولا بِواحِدَةٍ مِنهُما، فَلا تَقْرَأنَّ بِواحِدَةٍ مِنهُما، لِأنَّ القِراءَةَ سُنَّةٌ، لا تُخالَفُ، وإنْ كانَ ما يُقْرَأُ بِهِ جائِزًا في النَّحْوِ.
الزخرف 43:1
(p-٤٠٥)سُورَةُ اَلزُّخْرُفِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ٢]، قَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ”حـم“، ومَعْنى ”اَلْكِتابِ المُبِينِ“: اَلَّذِي أبانَ طُرُقَ الهُدى مِن طُرُقِ الضَّلالَةِ، وأبانَ كُلَّ ما تَحْتاجُ إلَيْهِ الأُمَّةُ.
الزخرف 43:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾، مَعْناهُ: ”إنّا بَيَّنّاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا“ .
الزخرف 43:4
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، ”أُمُّ الكِتابِ“: أصْلُ الكِتابِ، وأصْلُ كُلِّ شَيْءٍ أُمُّهُ، والقُرْآنُ مُثْبَتٌ عِنْدَ اللَّهِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: ٢٢]
الزخرف 43:5
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾، ويُقْرَأُ: ”إنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ“، فَمَن فَتَحَها فالمَعْنى: ”أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا لِأنْ كُنْتُمْ...“، ومَن كَسَرَها فَعَلى مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، عَلى مَعْنى: ”إنْ تَكُونُوا مُسْرِفِينَ نَضْرِبْ عَنْكُمُ الذِّكْرَ“، ويُقالُ: ”ضَرَبْتُ عَنْهُ الذِّكْرَ“، و”أضْرَبْتُ عَنْهُ الذِّكْرَ، والمَعْنى:“ أفَنَضْرِبُ عَنْكم ذِكْرَ العَذابِ والعَذابَ بِأنْ أسْرَفْتُمْ؟! ”، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ (p-٤٠٦)المَعْنى:“ هَذا وأنَّهُ ذِكْرُ العَذابِ ”، قَوْلُهُ: ﴿فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]، أيْ: مَضَتْ سُنَّتُهُمْ، ويَكُونُ“ أفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ ”، أيْ:“ نُهْمِلُكم فَلا نُعَرِّفُكم ما يَجِبُ عَلَيْكم لِأنْ أسْرَفْتُمْ "، ومِثْلُهُ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]
الزخرف 43:10
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ لَكم فِيها سُبُلا﴾، طُرُقًا.
الزخرف 43:12
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾، مَعْناهُ: خَلَقَ الأصْنافَ كُلَّها، تَقُولُ: ”عِنْدِي مِن كُلِّ زَوْجٍ“، أيْ: مِن كُلِّ صِنْفٍ، ﴿وَجَعَلَ لَكم مِنَ الفُلْكِ والأنْعامِ ما تَرْكَبُونَ﴾، أيْ: خَلَقَ لَكُمْ، وسَخَّرَها لَكُمْ، ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا﴾ [الزخرف: ١٣]، أيْ: تَحْمَدُونَ اللَّهَ، وتُعَظِّمُونَهُ، فَيَقُولُ القائِلُ إذا رَكِبَ السَّفِينَةَ: ”بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها“، ويَقُولُ إذا رَكِبَ الدّابَّةَ: ”اَلْحَمْدُ لِلَّهِ، سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هَذا وما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ“، أيْ: ”مُطِيقِينَ“، واشْتِقاقُهُ مِن قَوْلِكَ: ”أنا لِفُلانٍ مُقْرِنٌ“، أيْ: مُطِيقٌ، أيْ: قَدْ صِرْتُ قِرْنًا لَهُ.
الزخرف 43:14
﴿وَإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾، أيْ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالبَعْثِ.
الزخرف 43:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا إنَّ الإنْسانَ لَكَفُورٌ﴾، يُعْنى بِهِ الَّذِينَ جَعَلُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ، وقَدْ أنْشَدَنِي بَعْضُ أهْلِ (p-٤٠٧)اللُّغَةِ بَيْتًا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”جُزْءًا“، مَعْنى الإناثِ، ولا أدْرِي البَيْتَ قَدِيمٌ أمْ مَصْنُوعٌ، أنْشَدَنِي:
؎إنْ أجْزَأتْ حُرَّةٌ يَوْمًا فَلا عَجَبٌ ∗∗∗ قَدْ تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكارَ أحْيانا
أيْ: إنْ ”أنَّثَتْ“، ولَدَتْ أُنْثى.
الزخرف 43:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَمَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ﴾، ويُقْرَأُ: ”يُنْشَأُ“، ومَوْضِعُ ”مَن“: نَصْبٌ، المَعْنى: ”أجَعَلُوا مَن يُنَشَّأُ في الحِلْيَةِ - يَعْنِي البَناتِ - لِلَّهِ؟!“، ﴿وَهُوَ في الخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾، يُعْنى البَناتُ، أيْ: اَلْأُنْثى لا تَكادُ تَسْتَوْفِي الحُجَّةَ، ولا تُبَيِّنُ، وقَدْ قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”إنَّ المَرْأةَ لا تَكادُ تَحْتَجُّ بِحُجَّةٍ إلّا عَلَيْها“، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأصْنامَ، والأجْوَدُ أنْ يَكُونَ يَعْنِي بِهِ المُؤَنَّثَ.
الزخرف 43:19
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾، اَلْجَعْلُ هَهُنا في مَعْنى القَوْلِ، والحُكْمِ عَلى الشَّيْءِ، تَقُولُ: ”قَدْ جَعَلْتُ زَيْدًا أعْلَمَ النّاسِ“، أيْ: ”قَدْ وصَفْتَهُ بِذَلِكَ، وحَكَمْتَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ﴾، وتُقْرَأُ:“ سَنَكْتُبُ ”، ويَجُوزُ:“ سَيَكْتُبُ ”، اَلْمَعْنى:“ سَيَكْتُبُ اللَّهُ شَهادَتُهم "، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، والقِراءَةُ بِالتّاءِ والنُّونِ.
الزخرف 43:20
(p-٤٠٨)وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”ما لَهم بِقَوْلِهِمْ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن عِلْمٍ، ولا بِجَمِيعِ ما تَخَرُّصُوا بِهِ“ .
الزخرف 43:21
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ﴾، أيْ: ”أمْ هَلْ قالُوا عَنْ كِتابٍ...؟!“، اَلْمَعْنى: ”أشَهِدُوا خَلْقَهم أمْ أتَيْناهم بِكِتابٍ بِما قالُوهُ مِن عِبادَتِهِمْ ما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ؟!“، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ فِعْلَهُمُ اتِّباعُ ضَلالَةِ آبائِهِمْ، فَقالَ: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، ويُقْرَأُ: ”عَلى إمَّةٍ“، بِالكَسْرِ، فالمَعْنى: ”عَلى طَرِيقَةٍ“ .
الزخرف 43:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾، أيْ: قَدْ قالَ لَكَ هَؤُلاءِ كَما قالَ أمْثالُهم لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، مَعْناهُ: ”نَقْتَدِي بِهِمْ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا لِـ ”إنّا مُهْتَدُونَ“، و”عَلى“، مِن صِلَةِ ”مُهْتَدِينَ“، وكَذَلِكَ ”مُقْتَدُونَ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”وَإنَّهم مُهْتَدُونَ عَلى آثارِهِمْ“، وكَذَلِكَ يَكُونُ المَعْنى: ”مُقْتَدُونَ عَلى آثارِهِمْ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، فَيَكُونَ ”وَإنّا عَلى آثارِهِمْ“، اَلْخَبَرَ، ويَكُونَ ”مُهْتَدُونَ“، خَبَرًا ثانِيًا، وكَذَلِكَ ”مُقْتَدُونَ“ .
الزخرف 43:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾، اَلْمَعْنى فِيهِ: ”قُلْ أتَتَّبِعُونَ ما وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم وإنْ جِئْتُكم بِأهْدى مِنهُ؟!“ .
الزخرف 43:26
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] (p-٤٠٩)”بَراءٌ“: بِمَعْنى ”بَرِيءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ“، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْواحِدِ مِنها: ”أنا البَراءُ مِنكَ“، وكَذَلِكَ الِاثْنانِ، والجَماعَةُ، والذَّكَرُ، والأُنْثى، يَقُولُونَ: ”نَحْنُ البَراءُ مِنكَ، والخَلاءُ مِنكَ“، ولا يَقُولُونَ: ”نَحْنُ البَراءانِ مِنكَ“، ولا ”اَلْبَراؤُونَ“، وإنَّما المَعْنى: ”إنّا ذَوُو البَراءِ مِنكَ“، و”نَحْنُ ذَوُو البَراءِ مِنكَ“، كَما تَقُولُ: ”رَجُلٌ عَدْلٌ“، و”اِمْرَأةٌ عَدْلٌ“، و”قَوْمٌ عَدْلٌ“، والمَعْنى: ”ذَوُو عَدْلٍ“، و”ذَواتُ عَدْلٍ“ .
الزخرف 43:27
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، اَلْمَعْنى: ”إنّا نَتَبَرَّأُ مِمّا تَعْبُدُونَ إلّا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”إلّا“، بِمَعْنى ”لَكِنْ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”لَكِنِ الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ“ .
الزخرف 43:28
﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾، يَعْنِي بِها كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، وهي ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، باقِيَةً في عَقِبِ إبْراهِيمَ، لا يَزالُ مِن ولَدِهِ مَن يُوَحِّدُ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ.
الزخرف 43:31
﴿وَقالُوا لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”عَلى رَجُلٍ مِن رَجُلَيِ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ“، والرَّجُلانِ أحَدُهُما الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، مِن أهْلِ مَكَّةَ، والآخَرُ حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ مِن أهْلِ الطّائِفِ، والقَرْيَتانِ هَهُنا: ”مَكَّةُ“، و”اَلطّائِفُ“، ويَجُوزُ: ”لَوْلا نَزَّلَ“، أيْ: ”لَوْلا نَزَّلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ“، ويَجُوزُ: ”لَوْلا نَزَلَ هَذا القُرْآنُ“، ومَعْنى ”لَوْلا“: ”هَلّا“، ولَمْ يُقْرَأْ بِهاتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، إنَّما القِراءَةُ: ”نُزِّلَ“، و”هَذا“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، و”اَلْقُرْآنُ“، هَهُنا مُبَيِّنٌ عَنْ ”هَذا“، ويُسَمِّيهِ سِيبَوَيْهِ ”عَطْفَ البَيانِ“، لِأنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ الصِّفَةِ، ومِمّا يُبَيِّنُ أنَّهُ عَطْفُ البَيانِ قَوْلُكَ: ”مَرَرْتُ بِهَذا الرَّجُلِ“، و”بِهَذِهِ الدّارِ“، و”هَذا القُرْآنُ“، إنَّما يَذْكُرُ بَعْدَ ”هَذا“، اِسْمًا يُبَيِّنُ بِها اسْمَ الإشارَةِ.
الزخرف 43:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، (p-٤١٠)أيْ: ”قَوْلُهُمْ: لِمَ لَمْ يُنَزَّلْ هَذا القُرْآنُ عَلى غَيْرِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - اعْتِراضٌ مِنهُمْ، ولَيْسَ تَفَضُّلُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، يَقْسِمُهُ غَيْرُهُ، ولَمّا أتى النَّبِيُّ ﷺ بِالرِّسالَةِ، قالَتِ العَرَبُ - أوْ أكْثَرُها -: كَيْفَ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ مَلَكًا؟! وكَيْفَ أرْسَلَ اللَّهُ بَشَرًا؟! فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ مِن أهْلِ القُرى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقالَ: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنا إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ [يونس: ٢]، فَلَمّا سَمِعُوا أنَّ الرِّسالَةَ كانَتْ في رِجالٍ مِن أهْلِ القُرى قالُوا:“ لَوْلا نُزِّلَ عَلى أحَدِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ ”، وقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهم يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهم مَعِيشَتَهم في الحَياةِ الدُّنْيا ورَفَعْنا بَعْضَهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾، فَكَما فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ في الرِّزْقِ، وفي المَنزِلَةِ، كَذَلِكَ اصْطَفَيْنا لِلرِّسالَةِ مَن نَشاءُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهم بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، و“ سِخْرِيًّا ”، أيْ: لِيَسْتَعْمِلَ بَعْضُهم بَعْضًا، ويَسْتَخْدِمَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقِيلَ:“ سِخْرِيًّا ": أيْ، يَتَّخِذُ بَعْضُهم بَعْضًا عَبِيدًا، ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الآخِرَةَ أحَظُّ مِنَ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ .
الزخرف 43:33
وَأعْلَمَ قِلَّةَ الدُّنْيا عِنْدَهُ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقالَ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”سَقْفًا مِن فِضَّةٍ“، ويَجُوزُ: ”سُقْفًا“، بِسُكُونِ القافِ، وضَمِّ السِّينِ، فَمَن قالَ: ”سُقُفًا“، و”سُقْفًا“، فَهو جَمْعُ ”سَقْفٌ“، كَما قِيلَ: ”رَهْنٌ“، و”رُهُنٌ“، و”رُهْنٌ“، ومَن قالَ: ”سَقْفًا“، فَهو واحِدٌ يَدُلُّ عَلى الجَمْعِ، المَعْنى: ”جَعَلْنا لِبَيْتِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم سَقْفًا مِن فِضَّةٍ“ .
(p-٤١١)وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ﴾، ”مَعارِجُ“: دَرَجٌ، واحِدُها ”مَعْرَجٌ“، اَلْمَعْنى: ”وَجَعَلْنا مَعارِجَ مِن فِضَّةٍ، وكَذَلِكَ: ﴿أبْوابًا وسُرُرًا عَلَيْها يَتَّكِئُونَ﴾ [الزخرف: ٣٤]، أيْ: أبْوابًا مِن فِضَّةٍ، وسُرُرًا مِن فِضَّةٍ، ﴿وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف: ٣٥]،“ اَلزُّخْرُفُ ”، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ هَهُنا الذَّهَبُ، إلّا زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ، فَإنَّهُ قالَ: هو مَتاعُ البَيْتِ، و“ اَلزُّخْرُفُ ”، في اللُّغَةِ: اَلزِّينَةُ، وكَمالُ الشَّيْءِ فِيها، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا أخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَها﴾ [يونس: ٢٤]، أيْ: كَمالَها، وتَمامَها، ﴿وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف: ٣٥]، مَعْناهُ: وما كُلُّ ذَلِكَ إلّا مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا، ويُقْرَأُ:“ لَما مَتاعُ ”، و“ ما ”، هَهُنا، لَغْوٌ، المَعْنى:“ لَمَتاعُ " .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَوْلا أنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾، أيْ: لَوْلا أنْ تَمِيلَ بِهِمُ الدُّنْيا، فَيَصِيرَ الخَلْقُ كُفّارًا، لَأعْطى اللَّهُ الكافِرَ في الدُّنْيا غايَةَ ما يَتَمَنّى فِيها، لِقِلَّتِها عِنْدَهُ، ولَكِنَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ الغالِبَ عَلى الخَلْقِ حُبُّ العاجِلَةِ.
الزخرف 43:36
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَمَن يَعْشَ“، بِفَتْحِ الشِّينِ، مِن ”عَشِيَ، يَعْشى“، أيْ: ”مَن يَعْمَ عَنْ ذِكْرِ الرِّحْمَنِ“ .
(p-٤١٢)﴿نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾، نُسَبِّبْ لَهُ شَيْطانًا، يَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ جَزاءَهُ.
الزخرف 43:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾، أيْ: اَلشَّياطِينُ تَصُدُّهم عَنِ السَّبِيلِ، ويَحْسَبُ الكُفّارُ أنَّهم مُهْتَدُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣]، يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٣] ”، ويَكُونَ المَعْنى:“ لَجَعَلْنا لِبُيُوتِ مَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ”لِبُيُوتِهِمْ“، عَلى مَعْنى ”لَجَعَلْنا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ عَلى بُيُوتِهِمْ“ .
الزخرف 43:38
وَقَوْلُهُ: ﴿يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾، ويُقْرَأُ: ”جاءانا“، فَمَن قَرَأ: ”جاءانا“، فالمَعْنى: ”حَتّى إذا جاءَ الكافِرُ وشَيْطانُهُ“، ومَن قَرَأ: ”حَتّى إذا جاءَنا“، فَعَلى الكافِرِ وحْدَهُ، ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ القَرِينُ﴾، مَعْنى ”اَلْمَشْرِقَيْنِ“، هَهُنا: بُعْدَ المَشْرِقِ، والمَغْرِبِ، فَلَمّا جُعِلا اثْنَيْنِ غَلَبَ لَفْظُ المَشْرِقِ، كَما قالَ:
لَنا قَمَراها والنُّجُومُ الطَّوالِعُ
يُرِيدُ الشَّمْسَ والقَمَرَ، وكَما قالُوا: سُنَّةُ العُمَرَيْنِ، يُرادُ سُنَّةُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما.
الزخرف 43:39
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”لَنْ تَنْفَعَكُمُ الشَّرِكَةُ في العَذابِ“، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ - في جَوابِ (p-٤١٣)هَذِهِ الآيَةِ -: إنَّهم مُنِعُوا رُوحَ التَّأسِّي، لِأنَّ التَّأسِّيَ يُسَهِّلُ المُصِيبَةَ، فَأُعْلِمُوا أنْ لَنْ يَنْفَعَهُمُ الِاشْتِراكُ في العَذابِ، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - لا يَجْعَلُ فِيهِ أُسْوَةً، قالَ: وأنْشَدَنِي في المَعْنى، لِلْخَنْساءِ:
؎وَلَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي ∗∗∗ عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
؎وَما يَبْكُونَ مِثْلَ أخِي ولَكِنْ ∗∗∗ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالتَّأسِّي
الزخرف 43:41
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٢]، دَخَلَ ”ما“، تَوْكِيدًا لِلشَّرْطِ، والنُّونُ الثَّقِيلَةُ في قَوْلِهِ: ﴿نَذْهَبَنَّ﴾، دَخَلَتْ أيْضًا تَوْكِيدًا، وإذا دَخَلَتْ ”ما“، دَخَلَتْ مَعَها النُّونُ، كَما تَدْخُلُ مَعَ لامِ القَسَمِ، والمَعْنى: ”إنّا نَنْتَقِمُ مِنهم إنْ تُوُفِّيتَ، أوْ نُرِيكَ ما وعَدْناهُمْ، ووَعَدْناكَ فِيهِمْ، مِنَ النَّصْرِ“، فَقَدْ أراهُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما وعَدَهُ فِيهِمْ، ووَعَدَهُمْ، مِن إهْلاكِهِمْ إنْ كَذَّبُوا، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كانَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أشْياءُ لَمْ يُحْبِبِ اللَّهُ أنْ يُرِيَهُ إيّاها.
الزخرف 43:44
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾، يُرِيدُ أنَّ القُرْآنَ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَسَوْفَ تُسْألُونَ﴾، مَعْناهُ: سَوْفَ تُسْألُونَ عَنْ شُكْرِ ما جَعَلَهُ اللَّهُ لَكم مِنَ الشَّرَفِ.
الزخرف 43:45
وَقَوْلُهُ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، في هَذِهِ المَسْألَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، جُمِعَ لَهُ الأنْبِياءُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأمَّهم وصَلّى بِهِمْ، وقِيلَ لَهُ: سَلْهُمْ، فَلَمْ يُشَكِّكْ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَمْ يَسَلْ».
(p-٤١٤)وَوَجْهٌ ثانٍ، وهو الَّذِي أخْتارُهُ، وهو أنَّ المَعْنى: ”سَلْ أُمَمَ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ؟“، ويَكُونُ مَعْنى السُّؤالِ هَهُنا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ، كَما قالَ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، فَلَيْسَ يَسْألُهم هَهُنا عَمَّنْ خَلَقَهم إلّا عَلى جِهَةِ التَّقْرِيرِ، وكَذَلِكَ إذا سَألَ جَمِيعَ أُمَمِ الأنْبِياءِ، لَمْ يَأْتُوا بِأنَّ في كُتُبِهِمْ أنِ اعْبُدُوا غَيْرِي، ووَجْهٌ ثالِثٌ، يَكُونُ المَعْنى في خِطابِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْناهُ مُخاطَبَةُ الأُمَّةِ، كَأنَّهُ قالَ: ”واسْألُوا“، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ مُخاطَبَةَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ يَدْخُلُ فِيها خِطابُ الأُمَّةِ، قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]
الزخرف 43:49
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا يا أيُّهَ السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ يَقُولُونَ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: يا أيُّها السّاحِرُ، وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ؟ فالجَوابُ أنَّهم خاطَبُوهُ بِما تَقَدَّمَ لَهُ عِنْدَهم مِنَ التَّسْمِيَةِ بِالسِّحْرِ، ومَعْنى ”بِما عَهِدَ عِنْدَكَ“: أيْ: ”بِما عَهِدَ عِنْدَكَ فِيمَن آمَنَ بِهِ مِن كَشْفِ العَذابِ عَنْهُ“، اَلدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الزخرف: ٥٠]، أيْ: إذا هم يَنْقُضُونَ عَهْدَهم.
الزخرف 43:51
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ ألَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهَذِهِ الأنْهارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي﴾، ”مِصْرَ“، هَهُنا، يُعْنى بِها مَدِينَةُ مِصْرَ المَعْرُوفَةُ، فَمِصْرُ مُذَكَّرٌ سُمِّيَ بِهِ مُؤَنَّثٌ، لِأنَّ المَدِينَةَ الغالِبُ عَلَيْها التَّأْنِيثُ، وقَدْ يَجُوزُ ”مُلْكُ مِصْرٍ“، يَذْهَبُ بِهِ إلى أنَّ مِصْرَ اسْمٌ لِبَلَدٍ، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ مِن قِبَلِ أنَّ أكْثَرَ ما يُسْتَعْمَلُ البَلَدُ لِما يَضُمُّ مُدُنًا (p-٤١٥)كَبِيرَةً، نَحْوَ بِلادِ الرُّومِ، وبِلادِ الشّامِ، وبَلَدِ خُراسانَ، ويَجُوزُ أنْ تَصْرِفَ مِصْرًا إذا جَعَلْتَهُ اسْمًا لِبَلَدٍ، عِنْدَ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ مِنَ البَصْرِيِّينَ.
الزخرف 43:52
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾، قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: عُطِفَ ”أنا“، بِـ ”أمْ“، عَلى قَوْلِهِ: ”أفَلا تُبْصِرُونَ“، لِأنَّ مَعْنى ”أمْ أنا خَيْرٌ“، مَعْناهُ: ”أمْ تُبْصِرُونَ“، كَأنَّهُ قالَ: ”أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ تُبْصِرُونَ؟!“، قالَ: لِأنَّهم إذا قالُوا: أنْتَ خَيْرٌ مِنهُ، فَقَدْ صارُوا عِنْدَهُ بُصَراءَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أفَلا تُبْصِرُونَ أمْ أنْتُمْ بُصَراءُ؟! ومَعْنى ”مَهِينٌ“: قَلِيلٌ، يُقالُ: ”شَيْءٌ مَهِينٌ“، أيْ: قَلِيلٌ، وهو ”فَعِيلٌ“، مِن ”اَلْمَهانَةِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾، قالَ ذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ في لِسانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لُثْغَةٌ، والأنْبِياءُ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعُونَ - مُبَيِّنُونَ، بُلَغاءُ.
الزخرف 43:53
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أسْوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ أوْ جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾، كَأنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ بِالمُلْكِ، والرِّياسَةِ، قالَ: هَلّا جاءَ مُوسى بِشَيْءٍ يُلْقى عَلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أسْوِرَةً مِن ذَهَبٍ، تَدُلُّ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ إلَهِهِ الَّذِي يَدْعُوكم إلى تَوْحِيدِهِ، أوْ هَلّا جاءَ مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ، أيْ: يَمْشُونَ مَعَهُ فَيَدُلُّونَ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وقَدْ أتى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ الآياتِ بِما فِيهِ دَلالَةٌ عَلى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ، ولَيْسَ لِلَّذِينِ يُرْسَلُ إلَيْهِمُ الأنْبِياءُ أنْ يَقْتَرِحُوا مِنَ الآياتِ ما يُرِيدُونَ هُمْ، وتُقْرَأُ: ”أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ“، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ الجَمْعِ، تَقُولُ: ”أسْوِرَةٌ“، و”أساوِرَةٌ“، كَما تَقُولُ: ”أقْوالٌ“، وأقاوِيلُ ”، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمَعَ“ إسْوارٌ ”، و“ أساوِرَةٌ ”.
(p-٤١٦)وَإنَّما صُرِفَتْ“ أساوِرَةٌ ”، لِأنَّكَ ضَمَمْتَ الهاءَ إلى“ أساوِرَ ”، فَصارَ اسْمًا واحِدًا، وصارَ الِاسْمُ لَهُ مِثالٌ في الواحِدِ، مِثْلَ“ عَلانِيَةٌ ”، و“ عَباقِيَةٌ " .
الزخرف 43:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾، مَعْنى ”آسَفُونا“: أغْضَبُونا.
الزخرف 43:56
﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلا لِلآخِرِينَ﴾، جَعَلْناهم سَلَفًا مُتَقَدِّمِينَ، لِيَتَّعِظَ بِهِمُ الآخَرُونَ، ويُقْرَأُ: ”سُلُفًا“، بِضَمِّ السِّينِ واللّامِ، ويُقْرَأُ: ”سُلَفًا“، بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ اللّامِ، فَمَن قالَ: ”سُلُفًا“، بِضَمَّتَيْنِ، فَهو جَمْعُ ”سَلِيفٌ“، أيْ: جَمِيعٌ قَدْ مَضى، ومَن قَرَأ: ”سُلَفًا“، فَهو جَمْعُ ”سُلْفَةٌ“، أيْ: فِرْقَةٌ قَدْ مَضَتْ.
الزخرف 43:57
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”يَصُدُّونَ“، بِضَمِّ الصّادِ، والكَسْرُ أكْثَرُ، ومَعْناهُما جَمِيعًا: ”يَضِجُّونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى المَضْمُومَةِ ”يُعْرِضُونَ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ كُفّارَ قُرَيْشٍ خاصَمَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمّا قِيلَ لَهُمْ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قالُوا: قَدْ رَضِينا أنْ تَكُونَ آلِهَتُنا بِمَنزِلَةِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، والمَلائِكَةِ، الَّذِينَ عُبِدُوا مِن دُونِ اللَّهِ، فَهَذا مَعْنى ضَرْبِ عِيسى المَثَلَ.
الزخرف 43:58
وَقَوْلُهُ: ﴿ما ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلا﴾، أيْ: طَلَبًا لِلْمُجادَلَةِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّ المَعْنى في ”حَصَبُ جَهَنَّمَ“، هَهُنا، أنَّهُ يَعْنِي بِهِ الأصْنامَ، وهم.
الزخرف 43:59
(p-٤١٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ هو إلا عَبْدٌ أنْعَمْنا عَلَيْهِ وجَعَلْناهُ مَثَلا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾، يَعْنِي بِهِ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، ومَعْنى ”وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إسْرائِيلَ“، أنَّهُ يَدُلُّهم عَلى نُبُوَّتِهِ.
الزخرف 43:60
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنكم مَلائِكَةً في الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾، مَعْنى ”يَخْلُفُونَ“: يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، والمَعْنى: ”لَجَعَلْنا مِنهم بَدَلًا مِنكم“ .
الزخرف 43:61
﴿وَإنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ﴾، ويُقْرَأُ: ”لَعَلَمٌ لِلسّاعَةِ“، اَلْمَعْنى أنَّ ظُهُورَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلَمٌ لِلسّاعَةِ، أيْ: إذا ظَهَرَ دَلَّ عَلى مَجِيءِ السّاعَةِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِهِ أنَّ القُرْآنَ العَلَمُ لِلسّاعَةِ، يَدُلُّ عَلى قُرْبِ مَجِيئِها، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، والأوَّلُ أكْثَرُ في التَّفْسِيرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾، أيْ: لا تَشُكُّنَّ فِيها.
الزخرف 43:63
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ ولأُبَيِّنَ لَكم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾، قَوْلُهُ: ”جاءَ بِالحِكْمَةِ“، أيْ: بِالإنْجِيلِ، وبِالبَيِّناتِ، أيْ: اَلْآياتِ الَّتِي يَعْجِزُ عَنْها المَخْلُوقُونَ، وقالُوا في مَعْنى ”بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ“: أيْ: كُلَّ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِ لَبِيدٍ: (p-٤١٨)
؎أوْ تَخْتَرِمْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
يُرِيدُ كُلَّ النُّفُوسِ، واسْتَشْهَدُوا أيْضًا بِقَوْلِ القَطامِيِّ:
؎قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ
قالُوا: مَعْناهُ: كُلَّ حاجَتِهِ، وهَذا مَذْهَبُ أبِي عُبَيْدَةَ، والصَّحِيحُ أنَّ البَعْضَ لا يَكُونُ في مَعْنى الكُلِّ، وهَذا لَيْسَ في الكَلامِ، والَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى في الإنْجِيلِ إنَّما هو بَعْضُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، وبَيَّنَ اللَّهُ - سُبْحانَهُ - لَهم مِن غَيْرِ الإنْجِيلِ ما احْتاجُوا إلَيْهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ:
أوْ تَخْتَرِمْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها
إنَّما يَعْنِي نَفْسَهُ، ونَفْسُهُ بَعْضُ النُّفُوسِ.
الزخرف 43:65
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ﴾، ”اَلْأحْزابُ“: قِيلَ: إنَّهُمُ الأرْبَعَةُ الَّذِينَ كانُوا بَعْدَ عِيسى، يَعْنِي بِهِ اليَهُودَ والنَّصارى.
وَقَوْلُهُ: ﴿الأخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]، جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”اَلْأخِلّاءُ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ، وكافِرانِ، فَماتَ أحَدُ المُؤْمِنَيْنِ، فَسُئِلَ عَنْ خَلِيلِهِ، فَقالَ: ما عَلِمْتُهُ إلّا أمّارًا بِالمَعْرُوفِ، نَهّاءً عَنِ المُنْكَرِ، اللَّهُمَّ اهْدِهِ كَما هَدَيْتَنِي، وأمِتْهُ عَلى ما أمَتَّنِي عَلَيْهِ، وسُئِلَ الكافِرُ عَنْ خَلِيلِهِ، فَقالَ: ما عَلِمْتُهُ إلّا أمّارًا بِالمُنْكَرِ، نَهّاءً عَنِ المَعْرُوفِ، اللَّهُمَّ أضْلِلْهُ كَما أضْلَلْتَنِي، وأمِتْهُ عَلى ما أمَتَّنِي عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أثْنى كُلُّ واحِدٍ عَلى صاحِبِهِ شَرًّا“» .
الزخرف 43:68
(p-٤١٩)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾، وتُقْرَأُ: ”يا عِبادِي“، بِإثْباتِ الياءِ، وقَدْ فَسَّرْنا حَذْفَ الياءِ، وإثْباتَها في مِثْلِ هَذا فِيما سَلَفَ مِنَ الكِتابِ.
الزخرف 43:69
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وكانُوا مُسْلِمِينَ﴾، ”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِـ ”عِبادِي“، لِأنَّ ”عِبادِي“، مُنادًى مُضافٌ، وإنَّما قِيلَ: ”لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ“، لِلْمُؤْمِنِينَ، لا لِغَيْرِهِمْ، وكَذَلِكَ ﴿ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ٤٩]، يَعْنِي: ”يا عِبادِيَ المُؤْمِنِينَ ادْخُلُوا الجَنَّةَ“ .
الزخرف 43:70
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْتُمْ وأزْواجُكم تُحْبَرُونَ﴾، ”تُحْبَرُونَ“: تُكْرَمُونَ إكْرامًا يُبالَغُ فِيهِ، و”اَلْحَبْرَةُ“: اَلْمُبالَغَةُ فِيما وُصِفَ بِجَمِيلٍ.
الزخرف 43:71
وَقَوْلُهُ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ﴾، ”اَلصِّحافُ“: واحِدُها ”صَحْفَةٌ“، وهي القَصْعَةُ، والأكْوابُ واحِدُها ”كُوبٌ“، وهو إناءٌ مُسْتَدِيرٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ﴾، وقُرِئَتْ: ”تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ“، بِإثْباتِ الهاءِ، وأكْثَرُ المَصاحِفِ بِغَيْرِها، وفي بَعْضِها الهاءُ.
الزخرف 43:75
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾، ”اَلْمُبْلِسُ“: اَلسّاكِتُ المُمْسِكُ إمْساكَ يائِسٍ مِن فَرَجٍ.
الزخرف 43:76
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾، ”هم“، هَهُنا، فَصْلٌ، كَذا يُسَمِّيها البَصْرِيُّونَ، وهي تَأْتِي دَلِيلًا عَلى أنَّ ما (p-٤٢٠)بَعْدَها لَيْسَ بِصِفَةٍ لِما قَبْلَها، وأنَّ المُتَكَلِّمَ يَأْتِي بِخَبَرِ الأوَّلِ، ويُسَمِّيها الكُوفِيُّونَ ”اَلْعِمادَ“، وهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ لا مَوْضِعَ لَها في رَفْعٍ، ولا نَصْبٍ، ولا جَرٍّ، ويَزْعُمُونَ أنَّها بِمَنزِلَةِ ”ما“، في قَوْلِهِ - سُبْحانَهُ -: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقَدْ فُسِّرَتْ ”ما“، في هَذا فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكِتابِ، ويَجُوزُ ”وَلَكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمُونَ“، في غَيْرِ القُرْآنِ، ولَكِنْ لا تَقْرَأنَّ بِها، لِأنَّها تُخالِفُ المُصْحَفَ.
الزخرف 43:77
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ﴾، وقَدْ رُوِيَتْ: ”يا مالِ“، بِغَيْرِ كافٍ، وبِكَسْرِ اللّامِ، وهَذا يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ ”اَلتَّرْخِيمَ“، وهو كَثِيرٌ في الشِّعْرِ في ”مالِكٌ“، و”عامِرٌ“، ولَكِنَّنِي أكْرَهُهُما، لِمُخالَفَتِهِما المُصْحَفَ.
الزخرف 43:79
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ أبْرَمُوا أمْرًا فَإنّا مُبْرِمُونَ﴾، أيْ: أمْ أحْكَمُوا عِنْدَ أنْفُسِهِمْ أمْرًا مِن كَيْدٍ، أوْ شَرٍّ، فَإنّا مُبْرِمُونَ، مُحْكِمُونَ مُجازاتِهِمْ كَيْدًا بِكَيْدِهِمْ، وشَرًّا بِشَرِّهِمْ.
الزخرف 43:81
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾، مَعْناهُ: ”إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ لِلرَّحْمَنِ ولَدًا، فَأنا أوَّلُ المُوَحِّدِينَ“، لِأنَّ مَن عَبَدَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ -، واعْتَرَفَ بِأنَّهُ إلَهُهُ، فَقَدْ دَفَعَ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ، والمَعْنى: ”إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في قَوْلِكم“، كَما قالَ: ﴿أيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧]، أيْ: ”في قَوْلِكم“، واللَّهُ واحِدٌ، لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ”إنْ“، في هَذا المَوْضِعِ في مَوْضِعِ ”ما“، اَلْمَعْنى: ”ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ“، وقَدْ قِيلَ: إنَّ ”اَلْعابِدِينَ“، في مَعْنى ”اَلْآنِفِينَ“: ”فَأنا أوَّلُ مَن يَأْنَفُ مِن هَذا القَوْلِ“ .
الزخرف 43:84
(p-٤٢١)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”هو المُوَحَّدُ في السَّماءِ، وفي الأرْضِ“، وقُرِئَتْ: ”في السَّماءِ اللَّهُ وفي الأرْضِ اللَّهُ“، ويَدُلُّ ما خَلَقَ بَيْنَهُما، وفِيهِما، أنَّهُ واحِدٌ، حَكِيمٌ، عَلِيمٌ، لِأنَّ خَلْقَهُما يَدُلُّ عَلى الحِكْمَةِ، والعِلْمِ.
الزخرف 43:88
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَقِيلَهُ“، و”قِيلُهُ يا رَبِّ“، فِيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: اَلْخَفْضُ عَلى مَعْنى: ”وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وعِلْمُ قِيلِهِ يا رَبِّ“، والنَّصْبُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، قالَ أبُو الحَسَنِ الأخْفَشُ: إنَّهُ مَنصُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: ”أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهم وقِيلَهُ“، أيْ: ”وَنَسْمَعُ قِيلَهُ“، ويَكُونُ عَلى ”وَقالَ قِيلَهُ“، قالَ أبُو إسْحاقَ: والَّذِي أخْتارُهُ أنا أنْ يَكُونَ ”قِيلَهُ“، نَصْبًا عَلى مَعْنى: ”وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ ويَعْلَمُ قِيلَهُ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”إنَّهُ يَعْلَمُ الغَيْبَ ويَعْلَمُ قِيلَهُ“، لِأنَّ مَعْنى ”عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ“: ”يَعْلَمُ السّاعَةَ، ويَعْلَمُ قِيلَهُ“، ومَعْنى ”اَلسّاعَةُ“، في كُلِّ القُرْآنِ: اَلْوَقْتُ الَّذِي تَقُومُ فِيهِ القِيامَةُ، والرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”وَقِيلُهُ هَذا القَوْلُ“، أيْ: " وقِيلُهُ قَوْلُهُ: يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ.
(p-٤٢٢)