معاني القرآن وإعرابه — الدخان 44:2 – الواقعة 56:96
المحتويات
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:10
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:22
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:34
- الدخان 44:37
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:43
- الدخان 44:47
- الدخان 44:49
- الدخان 44:51
- الدخان 44:53
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:3
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:12
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:30
- محمد 47:31
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:38
- الفتح 48:1
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:18
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:17
- ق 50:1
- ق 50:5
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:27
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:4
- الطور 52:7
- الطور 52:9
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:19
- الطور 52:21
- الطور 52:23
- الطور 52:25
- الطور 52:27
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:40
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:15
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:22
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:30
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:38
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:53
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:62
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:17
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:31
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:40
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
الدخان 44:2
(p-٤٢٣)سُورَةُ اَلدُّخانِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
جاءَ في التَّفْسِيرِ: مَن قَرَأ سُورَةَ ”اَلدُّخانِ“، في لَيْلَةِ الجُمُعَةِ، تَصْدِيقًا وإيمانًا، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ”حـم“، فِيما سَلَفَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾: قَسَمٌ.
الدخان 44:3
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها لَيْلَةُ القَدْرِ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أنْـزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقالَ المُفَسِّرُونَ: ”في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ“: هي لَيْلَةُ القَدْرِ، نَزَلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا في لَيْلَةِ القَدْرِ، ثُمَّ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
الدخان 44:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أمْرٍ حَكِيمٍ﴾، يَفْرُقُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في لَيْلَةِ القَدْرِ كُلَّ أمْرٍ فِيهِ حِكْمَةٌ، مِن أرْزاقِ العِبادِ، وآجالِهِمْ، وجَمِيعِ أمْرِهِمُ، الَّذِي يَكُونُ مُؤَجَّلًا إلى لَيْلَةِ القَدْرِ، الَّتِي تَكُونُ في السَّنَةِ المُقْبِلَةِ.
الدخان 44:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْرًا مِن عِنْدِنا﴾ .
وَقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [الدخان: ٦]، (p-٤٢٤)مَنصُوبانِ، قالَ الأخْفَشُ: عَلى الحالِ، المَعْنى: ”إنّا أنْزَلْناهُ آمِرِينَ أمْرًا وراحِمِينَ رَحْمَةً“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِـ ”يُفْرَقُ“، بِمَنزِلَةِ ”يَفْرُقُ فَرْقًا“، لِأنَّ ”أمْرًا“، بِمَعْنى: ”فَرْقًا“، لِأنَّ المَعْنى: ”يُؤْتَمَرُ فِيها أمْرًا“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”رَحْمَةً مِن رَبِّكَ“، مَفْعُولًا لَهُ، أيْ: ”إنّا أنْزَلْناهُ رَحْمَةً“، أيْ: ”لِلرَّحْمَةِ“ .
الدخان 44:7
وَقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾، بِالخَفْضِ، والرَّفْعِ، فالرَّفْعُ عَلى الصِّفَةِ، والخَفْضُ عَلى قَوْلِهِ: ”مِن رَبِّكَ رَبِّ السَّماواتِ“، ومَن رَفَعَ فَعَلى قَوْلِهِ: ”إنَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ رَبُّ السَّماواتِ“، وإنْ شِئْتَ عَلى الِاسْتِئْنافِ، عَلى مَعْنى: ”هو رَبُّ السَّماواتِ“ .
الدخان 44:8
وَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هو يُحْيِي ويُمِيتُ رَبُّكم ورَبُّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ﴾، ويُقْرَأُ: ”رَبِّكم ورَبِّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ“، فالخَفْضُ عَلى مَعْنى ”رَحْمَةً مِن رَبِّكَ رَبِّكم ورَبِّ آبائِكُمُ الأوَّلِينَ“ .
الدخان 44:10
وَقَوْلُهُ: ﴿فارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿يَغْشى النّاسَ﴾ [الدخان: ١١]، ”فارْتَقِبْ“: فانْتَظِرْ، وفي أكْثَرِ التَّفْسِيرِ أنَّ الدُّخانَ قَدْ مَضى، وذَلِكَ حِينَ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مُضَرٍ، فَقالَ: «”اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرٍ، واجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ“»، أيْ: اِجْعَلْهم سِنُوُّهم في الجَدَبِ كَسِنِيِّ يُوسُفَ، والعَرَبُ أيْضًا تُسَمِّي الجَدْبَ ”اَلسَّنَةَ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”اِجْعَلْها عَلَيْهِمْ جَدُوبًا“، فارْتَفَعَ القَطْرُ، وأجْدَبَتِ الأرْضُ، وصارَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كالدُّخانِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الدخان: ١١]، (p-٤٢٥)اَلْمَعْنى: " يَقُولُ النّاسُ الَّذِينَ يَحِلُّ بِهِمُ الجَدْبُ: هَذا عَذابٌ ألِيمٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ﴾ [الدخان: ١٢] .
الدخان 44:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا كاشِفُو العَذابِ قَلِيلا إنَّكم عائِدُونَ﴾، ويَجُوزُ: ”أنَّكم عائِدُونَ“، فَمَن قَرَأ: ”أنَّكم عائِدُونَ“، فَهو الوَجْهُ، والمَعْنى أنَّهُ يُعْلِمُهم أنَّهم لا يَتَّعِظُونَ، وأنَّهم إذا زالَ عَنْهُمُ المَكْرُوهُ عادُوا في طُغْيانِهِمْ.
الدخان 44:16
وَقَوْلُهُ - - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾، ”يَوْمَ نَبْطِشُ“، و”نَبْطُشُ“، ”إنّا مُنْتَقِمُونَ“، هَذا مِثْلُ ”عَكَفَ، يَعْكُفُ، ويَعْكِفُ“، و”عَرَشَ، يَعْرِشُ، ويَعْرُشُ“، وهَذا في اللُّغَةِ كَثِيرٌ، وقِيلَ إنَّ البَطْشَةَ الكُبْرى يَوْمُ ”بَدْرٍ“، و”يَوْمَ“، لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ”مُنْتَقِمُونَ“، لِأنَّ ما بَعْدَ ”إنّا“، لا يَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيما قَبْلَها، ولَكِنَّهُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”واذْكُرْ يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى“ .
الدخان 44:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهم قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ﴾ [الدخان: ١٨]، ومَعْنى ”أنْ أدُّوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ“: أنْ أسْلِمُوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، يَعْنِي بَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: ٤٧]، أيْ: أطْلِقْهم مِن عَذابِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”عِبادَ اللَّهِ“، مَنصُوبًا عَلى النِّداءِ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”أنْ أدُّوا إلَيَّ ما أمَرَكُمُ اللَّهُ بِهِ يا عِبادَ اللَّهِ“ .
الدخان 44:19
﴿وَأنْ لا تَعْلُوا عَلى اللَّهِ إنِّي آتِيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ بَيِّنَةٍ، تَدُلُّ عَلى أنِّي نَبِيٌّ.
الدخان 44:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم أنْ تَرْجُمُونِ﴾، أيْ: أنْ تَقْتُلُونِ.
(p-٤٢٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فاعْتَزِلُونِ﴾ [الدخان: ٢١]، أيْ: إنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَلا تَكُونُوا عَلَيَّ، ولا مَعِي.
الدخان 44:22
﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾، مَن كَسَرَ ”إنَّ“، فالمَعْنى: ”قالَ إنَّ هَؤُلاءِ“، و”إنَّ“، بَعْدَ القَوْلِ مَكْسُورَةٌ، ويَجُوزُ الفَتْحُ عَلى مَعْنى ”فَدَعا رَبَّهُ بِأنَّ هَؤُلاءِ“ .
الدخان 44:24
وَقَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”يَبَسًا“، كَما قالَ: ﴿فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا﴾ [طه: ٧٧]، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: ”رَهْوًا“: ساكِنًا.
الدخان 44:25
وَقَوْلُهُ: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وَزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ المَقامَ الكَرِيمَ يُعْنى بِهِ المَنابِرُ، هَهُنا، وجاءَ في ”مَقامٍ كَرِيمٍ“، أيْ: في مَنازِلَ حَسَنَةٍ.
الدخان 44:28
قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ وأوْرَثْناها قَوْمًا آخَرِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ كَذَلِكَ“، مَوْضِعُ ”كَذَلِكَ“: رَفْعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ المُضْمَرِ.
الدخان 44:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ﴾، لِأنَّهم ماتُوا كُفّارًا، والمُؤْمِنُونَ إذا ماتُوا تَبْكِي عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأرْضُ، فَيَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ مِنَ الأرْضِ مُصَلّاهُ، أيْ: مَكانُ مُصَلّاهُ، ومِنَ السَّماءِ مَكانُ مِصْعَدِ عَمَلِهِ، ومِنزَلُ رِزْقِهِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الأرْضَ تَبْكِي عَلى المُؤْمِنِ أرْبَعِينَ صَباحًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾، (p-٤٢٧)أيْ: ما كانُوا مُؤَخَّرِينَ بِالعَذابِ، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، أيْ: عَلى عالَمِي دَهْرِهِمْ.
الدخان 44:34
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَيَقُولُونَ﴾ ﴿إنْ هي إلا مَوْتَتُنا الأُولى وما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان: ٣٥]، هَذا قالَهُ الكُفّارُ مِن قُرَيْشٍ، مَعْنى ”إنْ هي“: ما هِيَ، ومَعْنى ”بِمُنْشَرِينَ“: بِمَبْعُوثِينَ، يُقالُ: ”أنْشَرَ اللَّهُ المَوْتى“، و”نُشِرُوا هم“ .
الدخان 44:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ تُبَّعًا كانَ مُؤْمِنًا، وأنَّ قَوْمَهُ كانُوا كافِرِينَ، وجاءَ أنَّهُ نَظَرَ إلى كِتابٍ عَلى قَبْرَيْنِ بِناحِيَةِ حِمْيَرَ، عَلى قَبْرِ أحَدِهِما: ”هَذا قَبْرُ رَضْوى“، وعَلى الآخَرِ: ”هَذا قَبْرُ حُبّى“، اِبْنَتَيْ تُبَّعٍ، لا يُشْرِكانِ بِاللَّهِ شَيْئًا.
الدخان 44:39
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما خَلَقْناهُما إلا بِالحَقِّ﴾، يُعْنى بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ، أيْ: إلّا لِإقامَةِ الحَقِّ.
الدخان 44:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾، ويَجُوزُ: ”مِيقاتَهم“، بِنَصْبِ التّاءِ، ولا أعْلَمُ أنَّهُ قُرِئَ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، فَمَن قَرَأ: ”مِيقاتُهم“، بِالرَّفْعِ، جَعَلَ ”يَوْمَ الفَصْلِ“، اِسْمَ ”إنَّ“، وجَعَلَ ”مِيقاتُهم“، اَلْخَبَرَ، ومَن نَصَبَ ”مِيقاتَهم“، جَعَلَهُ اسْمَ ”إنَّ“، ونَصَبَ ”يَوْمَ الفَصْلِ“، عَلى الظَّرْفِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”مِيقاتُهم في يَوْمِ الفَصْلِ“ .
الدخان 44:41
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا﴾، لا يُغْنِي ولِيٌّ عَنْ ولِيِّهِ شَيْئًا، ولا والِدٌ عَنْ ولَدِهِ، ولا مَوْلُودٌ عَنْ والِدِهِ.
الدخان 44:43
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤]، (p-٤٢٨)يُعْنى بِهِ هَهُنا أبُو جَهْلِ بْنُ هِشامٍ، و”اَلْمُهْلُ“: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ، ويُقالُ: ”اَلْمُهْلُ“: ما كانَ ذائِبًا مِنَ الفِضَّةِ، والنُّحاسِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ.
الدخان 44:47
وَقَوْلُهُ: ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”فاعْتُلُوهُ“، بِضَمِّ التّاءِ، وكَسْرِها، المَعْنى: ”يا أيُّها المَلائِكَةُ خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ“، و”اَلْعَتْلُ“: أنْ يُؤْخَذَ فَيُمْضى بِهِ بِعَسْفٍ، وشِدَّةٍ، ﴿إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾، إلى وسَطِ الجَحِيمِ.
الدخان 44:49
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾، اَلنّاسُ كُلُّهم عَلى كَسْرِ ”إنَّكَ“، إلّا الكِسائِيُّ وحْدَهُ، فَإنَّهُ قَرَأ: ”ذُقْ أنَّكَ أنْتَ“، أيْ: لِأنَّكَ قُلْتَ: إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ، وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا أعَزُّ أهْلِ هَذا الوادِي، وأمْنَعُهُمْ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ”ذُقْ هَذا العَذابَ إنَّكَ أنْتَ القائِلُ: أنا العَزِيزُ الكَرِيمُ“ .
الدخان 44:51
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾، أيْ: قَدْ أمِنُوا فِيهِ الغِيَرَ.
الدخان 44:53
وَقَوْلُهُ: ﴿يَلْبَسُونَ مِن سُنْدُسٍ وإسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ﴾، قِيلَ: ”اَلْإسْتَبْرَقُ“: اَلدِّيباجُ الصَّفِيقُ، و”اَلسُّنْدُسُ“: اَلْحَرِيرُ، وإنَّما قِيلَ لَهُ: ”إسْتَبْرَقٌ“ - واللَّهُ أعْلَمُ - لِشِدَّةِ بَرِيقِهِ.
الدخان 44:56
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ إلا المَوْتَةَ الأُولى﴾، اَلْمَعْنى: " لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ البَتَّةَ، سِوى المَوْتَةَ الأُولى الَّتِي ذاقُوها في الدُّنْيا، وهُما كَما قالَ: ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] .
الدخان 44:57
(p-٤٢٩)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَضْلا مِن رَبِّكَ﴾، ويَجُوزُ: ”فَضْلٌ مِن رَبِّكَ“، ولا يُقْرَأنَّ بِها، لِخِلافِ المُصْحَفِ، والنَّصْبُ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ﴾ [الدخان: ٥٥]، وعَلى مَعْنى: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في مَقامٍ أمِينٍ﴾ [الدخان: ٥١]، وذَلِكَ بِفَضْلٍ مِنَ اللَّهِ، فالمَعْنى: " فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ فَضْلًا مِنهُ، وتَفَضُّلًا مِنهُ.
الدخان 44:59
وَقَوْلُهُ: ﴿فارْتَقِبْ إنَّهم مُرْتَقِبُونَ﴾، مَعْناهُ: ”فانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ“ .
(p-٤٣٠)
الجاثية 45:3
(p-٤٣١)سُورَةُ اَلْجاثِيَةِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ لِآياتٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ [الجاثية: ٤]، يُقْرَأُ: ”آياتٍ“، و”آياتٌ“، بِخَفْضِ التّاءِ، ورَفْعِها، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّسَقِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”إنِّ في خَلْقِكم لَآياتٍ“، ومَن قَرَأ: ”لَآياتٌ“، فَعَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الِاسْتِئْنافِ، عَلى مَعْنى: ”وَفي خَلْقِكم آياتٌ“، وعَلى مَوْضِعِ ”إنَّ“، مَعَ ما عَمِلَتْ فِيهِ، تَقُولُ: ”إنَّ زَيْدًا قائِمٌ وعَمْرًا، وعَمْرٌو“، فَتَعْطِفٌ بِـ ”عَمْرًا“، عَلى ”زَيْدٍ“، إذا نَصَبْتَ، وإذا رَفَعْتَ فَعَلى مَوْضِعِ ”إنَّ“، مَعَ ”زَيْدٌ“، فَإنَّ مَعْنى ”إنَّ زَيْدًا قائِمٌ“: ”زَيْدٌ قائِمٌ“ .
الجاثية 45:5
وَقَوْلُهُ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وما أنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِن رِزْقٍ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، يُقْرَأُ بِالرَّفْعِ، وبِكَسْرِ التّاءِ، والتَّنْوِينِ، والمَوْضِعُ مَوْضِعُ نَصْبٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ [الجاثية: ٤]، وعَلى قَوْلِهِ: (p-٤٣٢)﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الجاثية: ٣]، ”وَإنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آياتٍ“، وهَذا عَطْفٌ عَلى عامِلَيْنِ، ومِثْلُهُ مِنَ الشِّعْرِ:
؎أكُلَّ امْرِئٍ تَحْسَبِينَ امْرَأً ∗∗∗ ونارٍ تَوَقَّدُ بِاللَّيْلِ نارا
عَطَفَ عَلى ما عَمِلَتْ فِيهِ ”كُلُّ“، وما عَمِلَتْ فِيهِ ”أتَحْسَبِينَ“، وقَدْ أباهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ، وقالُوا: لا يَجُوزُ إلّا الرَّفْعُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ﴾، وجَعْلُهُ عَطْفًا عَلى عامِلٍ واحِدٍ، عَلى مَعْنى: ”واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ وتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ“، وهَذا أيْضًا عَطْفٌ عَلى عامِلَيْنِ، لِأنَّهُ يَرْفَعُ ”آياتٌ“، عَلى العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها، كَما خَفَضَ ”واخْتِلافِ“، عَلى العَطْفِ عَلى ما قَبْلَها، ويَكُونُ مَعْطُوفًا إنْ شِئْتَ عَلى مَوْضِعِ ”إنَّ“، وما عَمِلَتْ فِيهِ، وإنْ شِئْتَ عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ: ”وَفي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ“ .
الجاثية 45:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾، و”تُؤْمِنُونَ“، جَمِيعًا، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ كِتابِ اللَّهِ وآياتِهِ يُؤْمِنُونَ؟!“، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اللَّهُ نَـزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣]، فَجَعَلَ القُرْآنَ أحْسَنَ الحَدِيثِ.
الجاثية 45:7
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾، ”أفّاكٍ“: كَذّابٍ.
الجاثية 45:13
وقَوْلُهُ: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”مِنَّةً“، ”جَمِيعًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ”كُلُّ ذَلِكَ مِنهُ تَفَضُّلٌ وإحْسانٌ“، و”مِنَّةً“، عَلى مَعْنى المَفْعُولِ لَهُ، والمَعْنى: ”فَعَلَ ذَلِكَ مِنَّةً“، أيْ: ”مَنَّ مِنَّةً“، لِأنَّ تَسْخِيرَهُ بِمَعْنى: ”مَنَّ عَلَيْكم“ .
الجاثية 45:20
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا بَصائِرُ لِلنّاسِ وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾، (p-٤٣٣)هَذا إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، المَعْنى: ”هَذا القُرْآنُ بَصائِرُ لِلنّاسِ“ .
الجاثية 45:21
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَهم كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”سَواءٌ مَحْياهم ومَماتُهم“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”سَواءٌ مَحْياهم ومَماتَهم“، بِنَصْبِ المَماتِ، وحَكى بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ذَلِكَ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومَعْنى ”اِجْتَرَحُوا“: اِكْتَسَبُوا، ويُقالُ: ”فُلانٌ جارِحَةُ أهْلِهِ“، أيْ: كاسِبُهُمْ، والِاخْتِيارُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلِ، وجَمِيعِ البَصْرِيِّينَ: ”سَواءٌ“، بِرَفْعِ ”سَواءٌ“، وعَلَيْهِ أكْثَرُ القُرّاءِ، ويُجِيزُونَ النَّصْبَ، وتَقُولُ: ”ظَنَنْتُ زَيْدًا سَواءٌ أبُوهُ وأُمُّهُ“، و”سَواءً أبُوهُ وأُمُّهُ“، والرَّفْعُ أجْوَدُ، لِأنَّ ”سَواءٌ“، في مَذْهَبِ المَصْدَرِ، كَما تَقُولُ: ”ظَنَنْتُ زَيْدًا ذُو اسْتِواءٍ أبُوهُ وأُمُّهُ“، ومَن قَرَأ: ”سَواءً“، بِالنَّصْبِ، جَعَلَهُ في مَوْضِعِ ”مُسْتَوِيًا مَحْياهم ومَماتُهم“، ومَن نَصَبَ ”مَحْياهم ومَماتَهم“، فَهو عِنْدَ قَوْمٍ مِنَ النَّحْوِيِّينَ ”سَواءٌ في مَحْياهم وفي مَماتِهِمْ“، ويَذْهَبُ بِهِ مَذْهَبَ الأوْقاتِ، وهو يَجُوزُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ، عَلى أنْ يَجْعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الهاءِ والمِيمِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أنْ نَجْعَلَ مَحْياهم ومَماتَهم سَواءً كالَّذِينِ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ“، أيْ: كَمَحْيا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ومَماتِهِمْ.
الجاثية 45:23
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ وأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾، وقَدْ رُوِيَتْ ”آلِهَتَهُ هَواهُ“، ولَها وجْهٌ في التَّفْسِيرِ، ورُوِيَ أنَّ قُرَيْشًا كانَتْ تَعْبُدُ العُزّى، وهي حَجَرٌ أبْيَضُ، فَإذا رَأتْ حَجَرًا أشَدَّ بَياضًا مِنهُ وأحْسَنَ اتَّخَذَتْ ذَلِكَ الأحْسَنَ، واطَّرَحَتِ الأوَّلَ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى ”آلِهَتَهُ“، وكَذَلِكَ أيْضًا ”إلَهَهُ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ﴾، أيْ: عَلى ما سَبَقَ في عِلْمِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ أنَّهُ ضالٌّ.
(p-٤٣٤)﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾، ويُقْرَأُ: ”غَشْوَةً“، بِفَتْحِ الغَيْنِ، بِغَيْرِ ألِفٍ، ويُقْرَأُ: ”غُشاوَةً“، بِضَمِّ الغَيْنِ والألِفِ.
الجاثية 45:24
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالُوا ما هي إلا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ .
فَإنْ قالَ قائِلٌ: كَيْفَ قالُوا: نَمُوتُ ونَحْيا، وهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ، فالدَّلِيلُ عَلى أنَّهم لا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ قَوْلُهُمْ: ما هي إلّا حَياتُنا؟ وفي ”نَمُوتُ ونَحْيا“، ثَلاثَةُ أقْوالٍ، يَكُونُ المَعْنى: ”نَمُوتُ ونَحْيا“: يَحْيا أوْلادُنا، فَيَمُوتُ قَوْمٌ، ويَحْيا قَوْمٌ، ويَكُونُ مَعْنى ”نَمُوتُ ونَحْيا“: ”نَحْيا ونَمُوتُ“، لِأنَّ الواوَ لِلِاجْتِماعِ، ولَيْسَ فِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَدَ الشَّيْئَيْنِ قَبْلَ الآخَرِ، ويَكُونُ ”نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ“، أيْ: اِبْتِداؤُنا مَواتٌ في أصْلِ الخِلْقَةِ، ثُمَّ نَحْيا ثُمَّ يُهْلِكُنا الدَّهْرُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ ضُلّالًا، شاكِّينَ، فَقالَ: ﴿وَما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾، المَعْنى: ”ما هم إلّا يَظُنُّونَ“ .
الجاثية 45:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما كانَ حُجَّتَهم إلا أنْ قالُوا﴾، يَجُوزُ في ”حُجَّتَهم“، اَلرَّفْعُ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ ”حُجَّتَهم“، اِسْمَ ”كانَ“، و”أنْ قالُوا“، خَبَرَ ”كانَ“، ومَن نَصَبَ ”حُجَّتَهم“، جَعَلَ اسْمَ ”كانَ“، ”أنْ“، مَعَ صِلَتِها، ويَكُونُ المَعْنى: " ما كانَ حُجَّتَهم إلّا مَقالَتُهُمْ: اِئْتُوا بِآبائِنا.
الجاثية 45:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾، أيْ: كُلُّ أحَدٍ يُجْزى بِما تَضَمَّنَهُ كِتابُهُ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٤٣٥)﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ [الإسراء: ١٤]، فَهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾، رُفِعَ ”كُلُّ“، بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ ”تُدْعى إلى كِتابِها“، ومَن نَصَبَ جَعَلَهُ بَدَلًا مِن ”كُلَّ“، اَلْأوَّلِ، والمَعْنى: ”وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها“، ومَعْنى ”جاثِيَةً“: ”جالِسَةً عَلى الرُّكَبِ“، يُقالُ: ”قَدْ جَثا فُلانٌ، يَجْثُو“، إذا جَلَسَ عَلى رُكْبَتِهِ، ومِثْلُهُ ”جَذا، يَجْذُو“، و”اَلْجُذُوُّ“، أشَدُّ اسْتِيفازًا مِنَ الجَثْوِ، لِأنَّ الجَذْوَ أنْ يَجْلِسَ صاحِبُهُ عَلى أطْرافِ أصابِعِهِ.
الجاثية 45:29
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، اَلِاسْتِنْساخُ ”، لا يَكُونُ إلّا مِن أصْلٍ، وهو أنْ يَسْتَنْسِخَ كِتابًا مِن كِتابٍ، فَـ“ نَسْتَنْسِخُ ما يَكْتُبُ الحَفَظَةُ، ويَثْبُتُ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الجاثية 45:31
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا أفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ﴾، جَوابُ ”أمّا“، مَحْذُوفٌ، لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ، المَعْنى: ”وَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيُقالُ لَهُمْ: ألَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ؟!“، ودَلَّتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ”أفَلَمْ“، عَلى الفاءِ المَحْذُوفَةِ في قَوْلِكَ: ”فَيُقالُ لَهم“ .
الجاثية 45:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها﴾، و”اَلسّاعَةَ“، فَمَن نَصَبَ فَعَطَفَ عَلى الوَعْدِ، المَعْنى: ”وَإذا قِيلَ: إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وإنَّ السّاعَةَ“، ومَن رَفَعَ فَعَلى مَعْنى ”وَقِيلَ: اَلسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها“ .
الجاثية 45:34
(p-٤٣٦)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَقِيلَ اليَوْمَ نَنْساكم كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا ومَأْواكُمُ النّارُ﴾، أيْ: اَلْيَوْمَ نَتْرُكُكم في العَذابِ، كَما تَرَكْتُمُ الإيمانَ والعَمَلَ لِيَوْمِكُمْ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فاليَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنها ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥]، لا يُرَدُّونَ، ولا يُلْتَمَسُ مِنهم عَمَلٌ ولا طاعَةٌ.
الجاثية 45:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾، أيْ: لَهُ العَظَمَةُ في السَّماواتِ والأرْضِ.
الأحقاف 46:3
(p-٤٣٧)سُورَةُ اَلْأحْقافِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: ”ما خَلَقْناهُما إلّا لِلْحَقِّ“، أيْ: لِإقامَةِ الحَقِّ، وتَكُونُ عَلى مَعْنى: ”ما قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا بِالحَقِّ“، وقَوْلُهُ بِعَقِبِ هَذا: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾، أيْ: أعْرَضُوا بَعْدَ أنْ قامَ لَهُمُ الدَّلِيلُ بِخَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ، وما بَيْنَهُما.
الأحقاف 46:4
ثُمَّ دَعاهم إلى الدَّلِيلِ لَهم عَلى بُطْلانِ عِبادَةِ ما يَعْبُدُونَ مِنَ الأوْثانِ، فَقالَ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾، ويُقْرَأُ: ”أرَيْتُمْ“، بِغَيْرِ ألِفٍ، ”ما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ“: ”ما تَدْعُونَهُ إلَهًا مِن دُونِ اللَّهِ“، ﴿أرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ أمْ لَهم شِرْكٌ في السَّماواتِ﴾، أيْ: في خَلْقِ السَّماواتِ، أيْ: فَلِذَلِكَ أشْرَكْتُمُوهم في عِبادَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
(p-٤٣٨)﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِن قَبْلِ هَذا﴾، أيْ: ”اِئْتُونِي بِكِتابٍ أُنْزِلَ فِيهِ بُرْهانُ ما تَدَّعُونَ“، ﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”أوْ أثَرَةٍ مِن عِلْمٍ“، وقُرِئَتْ: ”أوْ أثْرَةٍ مِن عِلْمٍ“، بِإسْكانِ الثّاءِ، ومَعْناها - إذا قالَ: ”أثارَةٍ“ -: عَلى مَعْنى ”عَلامَةٍ مِن عِلْمٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”ما يُؤْثَرُ مِنَ العِلْمِ“ .
الأحقاف 46:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وهم عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾، أيْ: مَن أضَلُّ مِمَّنْ عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ؟! وجَمِيعُ ما خَلَقَ اللَّهُ دَلِيلٌ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، فَمَن أضَلُّ مِمَّنْ عَبَدَ حَجَرًا لا يَسْتَجِيبُ لَهُ، وقالَ: ”وَمَن“، وقالَ: ”وَهم“، وهو لِغَيْرِ ما يَعْقِلُ، لِأنَّ الَّذِينَ عَبَدُوها أجْرَوْها مُجْرى ما يُمَيِّزُ، فَخُوطِبُوا عَلى مُخاطَباتِهِمْ، كَما قالُوا: ﴿ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، ولَوْ كانَتْ ”ما“، لَكانَ جَيِّدًا، كَما قالَ: ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ [مريم: ٤٢]
الأحقاف 46:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾، أيْ: كانَتِ الأصْنامُ كافِرَةً بِعِبادَتِهِمْ إيّاها، تَقُولُ: ”ما دَعَوْناهم إلى عِبادَتِنا“ .
الأحقاف 46:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هو أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾، (p-٤٣٩)أيْ: فَلَسْتُمْ تَمْلِكُونَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، أيْ: اَللَّهُ أمْلَكُ بِعِبادِهِ، ﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾، أيْ: كَفى هو شَهِيدًا، و”بِهِ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، وقَوْلُهُ في هَذا المَوْضِعِ: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، مَعْناهُ أنَّهُ مَن أتى مِنَ الكَبائِرِ العِظامِ ما أتَيْتُمْ بِهِ، مِنَ الِافْتِراءِ عَلى اللَّهِ - جَلَّ وعَزَّ وعَلا - ثُمَّ تابَ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُ.
الأحقاف 46:9
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾، أيْ: ما كُنْتُ أوَّلَ مَن أُرْسِلَ، قَدْ أُرْسِلَ قَبْلِي رُسُلٌ كَثِيرُونَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾، كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ سَيَصِيرُ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وشَجَرٍ، وقَدْ شَكا أصْحابُهُ الشِّدَّةَ الَّتِي نالَتْهُمْ، فَلَمّا أعْلَمَهم أنَّهُ سَيَصِيرُ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخْلٍ وشَجَرٍ، وتَأخَّرَ ذَلِكَ اسْتَبْطَؤُوا ما قالَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأعْلَمَهم أنَّ الَّذِي يَتَّبِعُهُ ما يُوحى إلَيْهِ، إنْ أُمِرَ بِقِتالٍ، أوِ انْتِقالٍ، وكانَ ذَلِكَ الأمْرُ وحْيًا، فَهو مُتَّبِعُهُ، ورُؤْيا الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - وحْيٌ.
الأحقاف 46:10
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ صارَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَآمَنَ بِهِ، وقالَ لَهُ: سَلِ اليَهُودَ عَنِّي، فَإنَّهم سَيُزَكُّونَنِي عِنْدَكَ، ويُخْبِرُونَكَ بِمَكانِي مِنَ العِلْمِ، فَسَألَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْهُ مِن قَبْلِ أنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ قَدْ آمَنَ، فَأخْبَرُوا عَنْهُ بِأنَّهُ أعْلَمُهم بِالتَّوْراةِ، وبِمَذْهَبِهِمْ، وأنَّهُ عالِمٌ، ابْنُ عالِمٍ، ابْنِ عالِمٍ، فَآمَنَ بِحَضْرَتِهِمْ، وشَهِدَ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقالُوا - بَعْدَ إيمانِهِ -: أنْتَ شَرُّنا، وابْنُ شَرِّنا.
(p-٤٤٠)قالَ: ألَمْ يَأْتِكم في التَّوْراةِ عَنْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: إذا رَأيْتُمْ مُحَمَّدًا فَأقْرِئُوهُ السَّلامَ مِنِّي، وآمِنُوا بِهِ؟! وأقْبَلَ يَقِفُهم مِنَ التَّوْراةِ عَلى أمْكِنَةٍ فِيها ذِكْرُ النَّبِيِّ ﷺ وصِفَتُهُ، وهم يَسْتَكْبِرُونَ، ويَجْحَدُونَ، ويَتَعَمَّدُونَ سَتْرَ ذَلِكَ بِأيْدِيهِمْ، وجَوابُ: ”إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ“»: ”أتُؤْمِنُونَ؟“، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ هَؤُلاءِ المُعانِدِينَ خاصَّةً لا يُؤْمِنُونَ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾، أيْ: قَدْ جَعَلَ جَزاءَهم عَلى كُفْرِهِمْ بَعْدَما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وقِيلَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾، عَلى مِثْلِ شَهادَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، والأجْوَدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ ”عَلى مِثْلِهِ“: ”عَلى مِثْلِ شَهادَةِ النَّبِيِّ ﷺ“ .
الأحقاف 46:11
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَمّا أسْلَمَتْ جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، قالَتْ بَنُو عامِرٍ، وغَطَفانُ، وأسَدٌ، وأشْجَعُ: لَوْ كانَ ما دَخَلَ فِيهِ هَؤُلاءِ مِنَ الدِّينِ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، ونَحْنُ أعَزُّ مِنهُمْ، وإنَّما هَؤُلاءِ رُعاةُ البَهْمِ.
الأحقاف 46:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾، ”إمامًا“، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، وقَوْلُهُ: ”وَرَحْمَةً“، عَطْفٌ عَلَيْهِ، ﴿وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾، (p-٤٤١)اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَهو مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ لِسانًا عَرَبِيًّا“، لِما جاءَ بَعْدَ هَذا المَوْضِعِ، ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [الأحقاف: ٣٠]، وحُذِفَ ”لَهُ“، هَهُنا، أعْنِي مِن قَوْلِهِ: ”وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ“، لِأنَّ قَبْلَهُ: ”وَمِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى“، فالمَعْنى: ”وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لَهُ“، أيْ: ”مُصَدِّقٌ التَّوْراةَ“، و”لِسانًا عَرَبِيًّا“، مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”مُصَدِّقٌ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ عَرَبِيًّا“، وذَكَرَ ”لِسانًا“، تَوْكِيدًا، كَما تَقُولُ: ”جاءَنِي زَيْدٌ رَجُلًا صالِحًا“، تُرِيدُ: ”جاءَنِي زَيْدٌ صالِحًا“، وتَذْكُرُ ”رَجُلًا“، تَوْكِيدًا، وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ، عَلى مَعْنى: ”وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا“، اَلْمَعْنى: ”مُصَدِّقٌ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”مُصَدِّقٌ ذا لِسانٍ عَرَبِيٍّ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، ويُقْرَأُ: ”لِتُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا“، ﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾، اَلْأجْوَدُ أنْ يَكُونَ ”بُشْرى“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”وَهو بُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”بُشْرى“، في مَوْضِعِ نَصْبٍ، عَلى مَعْنى: ”لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ويُبَشِّرَ المُحْسِنِينَ بُشْرى“ .
الأحقاف 46:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، (p-٤٤٢)مَعْنى ”ثُمَّ اسْتَقامُوا“: أيْ: أقامُوا عَلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وشَرِيعَةِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
الأحقاف 46:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾، وتُقْرَأُ: ”حُسْنًا“، وكِلْتاهُما جَيِّدٌ، ونُصِبَ ”إحْسانًا“، عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ مَعْنى ”وَصَّيْناهُ بِوالِدَيْهِ“: أمَرْناهُ بِأنْ يُحْسِنَ إلَيْهِما إحْسانًا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾، و”كَرْهًا“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، المَعْنى: ”حَمَلَتْهُ أُمُّهُ عَلى مَشَقَّةٍ، ووَضَعَتْهُ عَلى مَشَقَّةٍ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَفَصْلُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا“، ومَعْنى ”فِصالُهُ“: فِطامُهُ، وأقَلُّ ما يَكُونُ الحَمْلُ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، والِاخْتِيارُ ”وَفِصالُهُ“، لِأنَّ الَّذِي جاءَ في الحَدِيثِ: «”لا رِضاعَ بَعْدَ الفِصالِ“»، يَعْنِي: بَعْدَ الفِطامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الأشُدَّ ثَلاثٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، وقِيلَ: اَلْأشُدُّ: ثَمانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: اَلْأشُدُّ: بُلُوغُ الحُلُمِ، والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، لِأنَّ الوَقْتَ الَّذِي يَكْمُلُ فِيهِ الإنْسانُ في بَدَنِهِ، وقُوَّتِهِ، واسْتِحْكامِ شَبابِهِ، أنْ يَبْلُغَ بِضْعًا وثَلاثِينَ سَنَةً، وكَذَلِكَ في تَمْيِيزِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾، مَعْناهُ: اِجْعَلْ ذُرِّيَّتِي صالِحِينَ.
الأحقاف 46:16
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾، ويَجُوزُ: ”أُولَئِكَ الَّذِينَ يُتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنُ ما عَمِلُوا“، فالقِراءَةُ: ”يُتَقَبَّلُ“، و”نَتَقَبَّلُ“، وكَذَلِكَ ”يُتَجاوَزُ“، و”نَتَجاوَزُ“، و”يَتَقَبَّلُ“، جائِزٌ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها.
(p-٤٤٣)وَقَوْلُهُ: ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾، هَذا مَنصُوبٌ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾، بِمَعْنى الوَعْدِ، لِأنَّهُ قَدْ وعَدَهُمُ اللَّهُ القَبُولَ، فَـ ”وَعْدَ الصِّدْقِ“، تَوْكِيدٌ لِذَلِكَ.
الأحقاف 46:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، وقَدْ قُرِئَتْ: ”أُفِّ لَكُما“، و”أُفَّ لَكُما“، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾، ويُقْرَأُ: ”أنْ أخْرُجَ“، ويَجُوزُ: ”أتَعِدانِّي“، بِالإدْغامِ، وإنْ شِئْتَ أظْهَرْتَ النُّونَيْنِ، وإنْ شِئْتَ أسْكَنْتَ الياءَ، وإنْ شِئْتَ فَتَحَتْها، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ بَعْضِهِمْ: ”أتَعِدانَنِي“، بِالفَتْحِ، وذَلِكَ لَحْنٌ لا وجْهَ لَهُ، فَلا تَقْرَأنَّ بِهِ، لِأنَّ فَتْحَ نُونِ الِاثْنَيْنِ خَطَأٌ، وإنْ حُكِيَ ذَلِكَ في شُذُوذٍ، فَلا تُحْمَلُ القِراءَةُ عَلى الشُّذُوذِ، ويُرْوى أنَّ قَوْلَهُ في الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ﴾ [الأحقاف: ١٦]، نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما﴾، فَقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَبْلَ إسْلامِهِ، وهَذا يُبْطِلُهُ
الأحقاف 46:18
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ إنَّهم كانُوا خاسِرِينَ﴾، (p-٤٤٤)فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ، وإذا أعْلَمَ بِذَلِكَ فَقَدْ أعْلَمَ أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُؤْمِنٌ، ومِن أفاضِلِ المُؤْمِنِينَ، وسَرَواتِهِمْ، والتَّفْسِيرُ الصَّحِيحُ أنَّها نَزَلَتْ في الكافِرِ العاقِّ.
الأحقاف 46:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا ولِيُوَفِّيَهم أعْمالَهُمْ﴾، ”وَلِنُوَفِّيَهم“، جَمِيعًا، بِالنُّونِ، والياءِ.
الأحقاف 46:20
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ﴾، أكْثَرُ القِراءَةِ الفَتْحُ في النُّونِ، والتَّفْخِيمُ في ”اَلنّارِ“، وأكْثَرُ كَلامِ العَرَبِ عَلى إمالَةِ الألِفِ إلى الكَسْرِ، وبِها يَقْرَأُ أبُو عَمْرٍو: ”عَلى النِّارِ“، يَخْتارُ الكَسْرَ في الرّاءِ، لِأنَّ الرّاءَ عِنْدَهم حَرْفٌ مُكَرَّرٌ، فَكَأنَّ كَسْرَتَهُ كَسْرَتانِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ﴾، بِغَيْرِ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، ويُقْرَأُ: ”أأذْهَبْتُمْ“، بِهَمْزَتَيْنِ مُحَقَّقَتَيْنِ، وبِهَمْزَتَيْنِ، الثّانِيَةُ مِنهُما مُخَفَّفَةٌ، وهَذِهِ الألِفُ لِلتَّوْبِيخِ، التَّوْبِيخُ إنْ شِئْتَ أثْبَتَّ فِيهِ الألِفَ، وإنْ شِئْتَ حَذَفْتَها، كَما تَقُولُ: ”يا فُلانُ أحْدَثْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ؟ جَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ“، إذا وبَّخْتَةُ، وإنْ شِئْتَ: ”أأخَذْتَ ما لا يَحِلُّ لَكَ؟ أجَنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ؟“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾، مَعْناهُ: اَلْهَوانِ.
الأحقاف 46:21
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ﴾، ”اَلْأحْقافُ“: رِمالٌ مُسْتَطِيلَةٌ مُرْتَفِعَةٌ كالدَّكّاواتِ، وكانَتْ هَذِهِ الأحْقافُ مَنازِلَ عادٍ.
(p-٤٤٥)وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾، أيْ: قَدْ أُنْذِرُوا بِالعَذابِ إنْ عَبَدُوا غَيْرَ اللَّهِ فِيما تَقَدَّمَ قَبْلَ إنْذارِ هُودٍ، وعَلى لِسانِ هُودٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، أيْ: لِتَصْرِفنا عَنْها بِالإفْكِ والكَذِبِ، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ [الأحقاف: ٢٢]، أيْ: اِئْتِنا بِالعَذابِ الَّذِي تَعِدُنا، ﴿إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٢]
الأحقاف 46:23
﴿قالَ إنَّما العِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أيْ: هو يَعْلَمُ مَتى يَأْتِيكُمُ العَذابُ، ﴿وَأُبَلِّغُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ﴾، ويُقْرَأُ بِالتَّخْفِيفِ: ”وَأُبْلِغُكُمِ“، ﴿وَلَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، أيْ: أدُلُّكم عَلى الرَّشادِ، وأنْتُمْ تَصُدُّونَ وتَعْبُدُونَ آلِهَةً لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ.
الأحقاف 46:24
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ﴾، أيْ: فَلَمّا رَأوُا السَّحابَ الَّذِي نَشَأتْ مِنهُ الرِّيحُ الَّتِي عُذِّبُوا بِها قَدْ عَرَضَتْ في السَّماءِ، قالُوا: اَلَّذِي وعَدْتَنا بِهِ سَحابٌ فِيهِ الغَيْثُ، والحَياةُ، والمَطَرُ، فَقالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾، وقَرَأ بَعْضُهُمْ: ”قُلْ بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ“، وكانَتِ الرِّيحُ مِن شِدَّتِها تَرْفَعُ الرّاعِيَ مَعَ غَنَمِهِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ عادٍ بِتِلْكَ الرِّيحِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُمْطِرُنا﴾، لَفْظُهُ لَفْظُ مَعْرِفَةٍ، وهو صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ، المَعْنى: ”عارِضٌ مُمْطِرٌ إيّانا“، إلّا أنَّ ”إيّانا“، لا يُفْصَلُ هَهُنا.
الأحقاف 46:25
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأصْبَحُوا لا يُرى إلا مَساكِنُهُمْ﴾، (p-٤٤٦)فِي هَذا خَمْسَةُ أوْجُهٍ: أجْوَدُها في العَرَبِيَّةِ والقِراءَةِ: ”لا يُرى إلّا مَساكِنُهم“، وتَأْوِيلُهُ: ”لا يُرى شَيْءٌ إلّا مَساكِنُهم“، لِأنَّهم قَدْ أُهْلِكُوا، ويَجُوزُ: ”فَأصْبَحُوا لا تُرى إلّا مَساكِنُهم“، فَيَكُونُ المَعْنى: ”لا تُرى أشْخاصٌ إلّا مَساكِنُهم“، ويُقْرَأُ: ”فَأصْبَحُوا تَرى مَساكِنَهم“، أيْ: ”لا تَرى شَيْئًا إلّا مَساكِنَهم“، وفِيها وجْهانِ: بِحَذْفِ الألِفِ: ”فَأصْبَحُوا لا يُرى إلّا مَسْكَنُهم“، و”مَسْكَنَهم“، ويَجُوزُ: ”فَأصْبَحُوا لا تَرى إلّا مَسْكَنَهم“، يُقالُ: ”سَكَنَ، يَسْكُنُ، مَسْكَنًا، ومَسْكِنًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ﴾، اَلْمَعْنى: ”مِثْلَ ذَلِكَ نَجْزِي القَوْمَ المُجْرِمِينَ“، أيْ: بِالعَذابِ.
الأحقاف 46:26
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهم فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ﴾، ”إنْ“، هَهُنا، في مَعْنى: ”ما“، و”إنْ“، في النَّفْيِ مَعَ ”ما“، اَلَّتِي في مَعْنى ”اَلَّذِي“، أحْسَنُ في اللَّفْظِ مِن ”ما“، ألا تَرى أنَّكَ لَوْ قُلْتَ: ”رَغِبْتُ فِيما ما رَغِبْتَ فِيهِ“، لَكانَ الأحْسَنُ أنْ تَقُولَ: ”قَدْ رَغِبْتُ فِيما إنْ رَغِبْتَ فِيهِ“، تُرِيدُ: ”في الَّذِي ما رَغِبْتَ فِيهِ“، لِاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ.
الأحقاف 46:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ ضَلُّوا عَنْهم وذَلِكَ إفْكُهُمْ﴾، أيْ: ”دُعاؤُهم آلِهَتَهم هو إفْكُهم“، ويُقْرَأُ: ”أفَكَهم“، بِمَعْنى: ”وَذَلِكَ كَذِبُهُمْ، وكُفْرُهم“، و”اَلْأفْكُ“، و”اَلْأفَكُ“، مِثْلُ ”اَلنَّجْسُ“، و”اَلنَّجَسُ“، ويَقْرَأُ: ”أفَكَهم“، أيْ: ”ذَلِكَ جَعَلَهم ضُلّالًا كافِرِينَ“، أيْ: صَرَفَهم عَنِ الحَقِّ، ويُقْرَأُ: ”آفَكَهم“، أيْ: ”جَعَلَهم يَأْفِكُونَ“، كَما تَقُولُ: " ذَلِكَ أكْفَرَهم وأضَلَّهم.
الأحقاف 46:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإذْ صَرَفْنا إلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أنْصِتُوا﴾، (p-٤٤٧)أيْ: قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ”صَهْ“، ومَعْنى ”صَهْ“: اُسْكُتْ، ويُقالُ: إنَّهم كانُوا تِسْعَةَ نَفَرٍ، أوْ سَبْعَةَ نَفَرٍ، وكانَ فِيهِمْ زَوْبَعَةٌ، ﴿فَلَمّا قُضِيَ ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾، أيْ: فَلَمّا تُلِيَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ حَتّى فُرِغَ مِنهُ، ولَّوْا إلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، ويُقْرَأُ: ”فَلَمّا قَضاهُ“ .
الأحقاف 46:30
﴿قالُوا يا قَوْمَنا إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْـزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾، أيْ: يُصَدِّقُ جَمِيعَ الكُتُبِ الَّتِي تَقَدَّمَتْهُ، والأنْبِياءِ الَّذِينَ أتَوْا بِها، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بُعِثَ إلى الإنْسِ، والجِنِّ.
الأحقاف 46:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ ولَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، دَخَلَتِ الباءُ في خَبَرِ ”إنَّ“، بِدُخُولِ ”أوَلَمْ“، في أوَّلِ الكَلامِ، ولَوْ قُلْتَ: ”ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا بِقائِمٍ“، لَمْ يَجُزْ، ولَوْ قُلْتَ: ”ما ظَنَنْتُ أنَّ زَيْدًا بِقائِمٍ“، جازَ، بِدُخُولِ ”ما“، ودُخُولِ ”أنَّ“، إنَّما هو تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ، فَكَأنَّهُ في تَقْدِيرِ: ”ألَيْسَ اللَّهُ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى فِيما تَرَوْنَ وفِيما تَعْلَمُونَهُ؟!“، وقَدْ قُرِئَتْ: ”يَقْدِرُ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى“، والأُولى هي القِراءَةُ الَّتِي عَلَيْها أكْثَرُ القُرّاءِ، وهَذِهِ جائِزَةٌ أيْضًا.
الأحقاف 46:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ أُولِي العَزْمِ: ”نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ“، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
(p-٤٤٨)قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إلا ساعَةً مِن نَهارٍ بَلاغٌ﴾، اَلرَّفْعُ عَلى مَعْنى: ”ذَلِكَ بَلاغٌ“، والنَّصْبُ في العَرَبِيَّةِ جَيِّدٌ بالِغٌ، إلا أنَّهُ يُخالِفُ المُصْحَفَ، و”بَلاغًا“، عَلى مَعْنى: ”يُبَلِّغُونَ بَلاغًا“، كَما قالَ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: ”حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم“، تَأْوِيلُهُ: ”كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ كِتابًا“ .
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ لا يَهْلِكُ - مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وتَفَضُّلِهِ - إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ، ولَوْ قُرِئَتْ: ”فَهَلْ يَهْلِكُ إلّا القَوْمُ الفاسِقُونَ“، كانَ وجْهًا، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، وما في الرَّجاءِ لِرَحْمَةِ اللَّهِ شَيْءٌ أقْوى مِن هَذِهِ الآيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إلا القَوْمُ الفاسِقُونَ﴾
محمد 47:1
(p-٥)سُورَةُ ”مُحَمَّدٍ“ ﷺ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أحْبَطَها، فَلا يَرَوْنَ في الآخِرَةِ لَها جَزاءً، والمَعْنى: أنْ حَبِطَ ما كانَ مِن صَدَقاتِهِمْ وصِلَتِهِمُ الرَّحِمَ، وأبْوابِ البِرِّ، بِكُفْرِهِمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وقَوْلِهِ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩]، وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ صَدُّوا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وآمَنُوا بِما نُـزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وهو الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢]، أيْ: كَفَّرَ عَنْهم ما اقْتَرَفُوهُ وهم كافِرُونَ، لَمّا آمَنُوا بِاللَّهِ، وبِالنَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وسائِرِ الأنْبِياءِ أجْمَعِينَ.
محمد 47:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾، أيْ: أصْلَحَ أمْرَهُمْ، وحالَهم.
محمد 47:3
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ﴾، أيْ: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الإضْلالُ لِاتِّباعِهِمُ الباطِلَ، وتِلْكَ الهِدايَةُ والكَفّاراتُ بِاتِّباعِ المُؤْمِنِينَ الحَقَّ، ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٦)﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾، أيْ: كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلنّاسِ أمْثالَ حَسَناتِ المُؤْمِنِينَ، وسَيِّئاتِ الكافِرِينَ، أيْ: كالبَيانِ الَّذِي ذُكِرَ، ومَعْنى قَوْلِ القائِلِ: ”ضَرَبْتُ لَكَ مَثَلًا“، أيْ: بَيَّنْتُ لَكَ ضَرْبًا مِنَ الأمْثالِ، أيْ: صِنْفًا مِنها.
محمد 47:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾، مَعْناهُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا، مَنصُوبٌ عَلى الأمْرِ، وتَأْوِيلُهُ: فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فاقْتُلُوهُمْ، ولَكِنَّ أكْثَرَ مَواقِعِ القَتْلِ ضَرْبُ العُنُقِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - كَيْفَ القَصْدُ، وكَيْفَ قالَ: ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، أيْ: فَلَيْسَ يُتَوَهَّمُ بِهَذا أنَّ الضَّرْبَ مَحْظُورٌ إلّا عَلى الرَّقَبَةِ فَقَطْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهم فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾، ”أثْخَنْتُمُوهُمْ“: أكْثَرْتُمْ فِيهِمُ القَتْلَ، كَما قالَ: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَكُونَ لَهُ أسْرى حَتّى يُثْخِنَ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، فالأسْرُ بَعْدَ المُبالَغَةِ في القَتْلِ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾، أيْ: بَعْدَ أنْ تَأْسِرُوهُمْ، إمّا مَنَنْتُمْ عَلَيْهِمْ مَنًّا، وإمّا أطَلَّقْتُمُوهم بِفِداءٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾، ”حَتّى“، مَوْصُولَةٌ بِالقَتْلِ والأسْرِ، المَعْنى فاقْتُلُوهم وأْسِرُوهُمْ، حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها، والتَّفْسِيرُ: حَتّى يُؤْمِنُوا ويُسْلِمُوا، فَلا يَجِبُ أنْ تُحارِبُوهُمْ، فَما دامَ الكُفْرُ فالجِهادُ والحَرْبُ قائِمَةٌ أبَدًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ ولَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾، (p-٧)”ذَلِكَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، المَعْنى: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى مَعْنى ”اِفْعَلُوا ذَلِكَ“، ﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾، أيْ: لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَعَذَّبَهُمْ، وأهْلَكَهُمْ، لِأنَّهُ قادِرٌ عَلى ذَلِكَ، ﴿وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾، اَلْمَعْنى ولَكِنْ أمَرَكم بِالحَرْبِ لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ، أيْ: لِيُمَحِّصَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ، ويَمْحَقَ الكافِرِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾، ذَكَرَ في أوَّلِ السُّورَةِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ [محمد: ١]، وأعْلَمَ أنَّ الَّذِينَ قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ، ويُقْرَأُ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: ”قاتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ“، و”قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ“، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ويُقْرَأْ: ”قُتِّلُوا“، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ويُقْرَأْ: ”قَتَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ“، بِفَتْحِ القافِ.
محمد 47:5
وَقَوْلُهُ: ﴿سَيَهْدِيهِمْ ويُصْلِحُ بالَهُمْ﴾، يُصْلِحُ لَهم أمْرَ مَعاشِهِمْ في الدُّنْيا، مَعَ ما يُجازِيهِمْ بِهِ في الآخِرَةِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْـزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: ٦٦]، أيْ: لَوْ أنَّهم قَبِلُوا ما فِيها وما في الكُتُبِ، وعَمِلُوا بِهِ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ، وكَما قالَ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح: ١٠] ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ [نوح: ١١] ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١٢]، فَوَعَدَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - المُؤْمِنِينَ إصْلاحَ شَأْنِهِمْ وبالِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
محمد 47:8
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾، (p-٨)”اَلَّذِينَ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى الِابْتِداءِ، ويَكُونُ ﴿فَتَعْسًا لَهُمْ﴾، اَلْخَبَرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلى مَعْنى: ”أتْعَسَهُمُ اللَّهُ“، و”اَلتَّعْسُ“، في اللُّغَةِ: الِانْحِطاطُ، والعُثُورُ.
محمد 47:9
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَرِهُوا ما أنْـزَلَ اللَّهُ فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾، كَرِهُوا القُرْآنَ ونُبُوَّةَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَأحْبَطَ اللَّهُ أعْمالَهم.
محمد 47:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾، اَلْمَعْنى: فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الكافِرِينَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ: أهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾، أيْ: أمْثالُ تِلْكَ العاقِبَةِ، فَأهْلَكَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالسَّيْفِ مَن أهْلَكَ مِمَّنْ صَدَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
محمد 47:11
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أيْ: بِأنَّ اللَّهَ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا، يَتَوَلّاهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، في هِدايَتِهِمْ، والنَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِمْ، ﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾، أيْ: لا ولِيَّ لَهم يَنْصُرُهم مِنَ اللَّهِ، في هِدايَةٍ، ولا عُلُوٍّ عَلى المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ النَّصْرِ والتَّمْكِينِ، وما أعَدَّ لِلْكافِرِينَ، مَعَ الخِذْلانِ والإضْلالِ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢] .
محمد 47:12
ثُمَّ بَيَّنَ صِفاتِ تِلْكَ الجَنّاتِ، وقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ ويَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾، و”اَلْمَثْوى“: اَلْمُنْزَلُ.
محمد 47:13
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهُمْ﴾، (p-٩)اَلْمَعْنى: ”وَكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ“، أيْ: اَلَّذِينَ أخْرَجُوكَ أهْلَكْناهم بِتَكْذِيبِهِمْ لِلرُّسُلِ، ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ .
محمد 47:14
ثُمَّ أعْلَمَ فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾، وهَذِهِ ألِفُ تَوْقِيفٍ، وتَقْرِيرٍ، لِأنَّ الجَوابَ مَعْلُومٌ، كَما أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”مَن يَفْعَلِ السَّيِّئاتِ يَشْقَ، ومَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ يَسْعَدْ“، ثُمَّ قُلْتَ: ”آلشَّقاءُ أحَبُّ إلَيْكَ أمِ السَّعادَةُ؟“، فَقَدْ عُلِمَ أنَّ الجَوابَ: ”اَلسَّعادَةُ“، فَهَذا مُجْرى ألِفِ التَّوْقِيفِ والتَّقْرِيرِ.
محمد 47:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢]، فَفَسَّرَ تِلْكَ الأنْهارَ، فَقالَ: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾، أيْ: مِمّا عَرَفْتُمُوهُ مِنَ الدُّنْيا مِن جَنّاتِها، وأنْهارِها، جَنَّةٌ: ﴿فِيها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”مِن ماءٍ غَيْرِ أسِنٍ“، ويَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ”“أسْنٍ”، يُقالُ:“أسَنَ الماءُ، يَأْسِنُ، فَهو آسِنٌ”، ويُقالُ:“أسَنَ الماءُ، فَهو أسِنٌ”، إذا تَغَيَّرَتْ رائِحَتُهُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أنْهارَ الجَنَّةِ لا تَتَغَيَّرُ رائِحَةُ مائِها، ولا يَأْسَنُ، ﴿وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾، أيْ: لا يَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ ألْبانَ الدُّنْيا مِنَ التَّغَيُّرِ، ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾، لَيْسَ فِيها غَوْلٌ، أيْ: لا تُسْكِرُ، ولا تَفْنى، ﴿وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾، مَعْناهُ: مُصَفًّى، لَمْ يُخْرَجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ فَيُخالِطَهُ الشَّمْعُ، ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾، (p-١٠)كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [محمد: ١٢]، وصَفَ تِلْكَ الجَنّاتِ فَقالَ:“مَثَلُ الجَنَّةِ جَنَّةٌ...”، كَما وصَفَ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى:“صِفَةُ الجَنَّةِ”، وهو نَحْوٌ مِمّا فَسَّرْنا، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ﴾، أيْ: لَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ، ولَهم مَغْفِرَةٌ مِن رَبِّهِمْ، يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ، ولا يُجازَوْنَ بِالسَّيِّئاتِ، ولا يُوَبَّخُونَ في الجَنَّةِ، فَيَكُونُ الفَوْزَ العَظِيمَ، والعَطاءَ الجَزِيلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ وسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، وأُعْطِيَ هَذِهِ الأشْياءَ، كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمِلِهِ، وهو خالِدٌ في النّارِ؟! ﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾، واحِدُ الأمْعاءِ“مِعًى”، مِثْلُ“ضِلَعٌ”، و“أضْلاعٌ".
محمد 47:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾، يَعْنِي المُنافِقِينَ، ﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ ماذا قالَ آنِفًا﴾، كانُوا يَسْمَعُونَ خُطْبَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا خَرَجُوا سَألُوا أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ اسْتِهْزاءً وإعْلامًا أنَّهم لَمْ يَلْتَفِتُوا إلى ما قالَ، فَقالُوا: ماذا قالَ آنِفًا؟ أيْ: ماذا قالَ السّاعَةَ، ومَعْنى ”آنِفًا“، مِن قَوْلِكَ: ”اسْتَأْنَفْتُ الشَّيْءَ“، إذا ابْتَدَأْتَهُ، و”رَوْضَةٌ أُنُفٌ“، إذا لَمْ تُرْعَ بَعْدُ، أيْ: لَها أوَّلٌ يُرْعى، فالمَعْنى: ماذا قالَ مِن أوَّلِ وقْتٍ يَقْرُبُ مِنّا؟
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، اَلضَّمِيرُ الَّذِي في ”زادَهم“، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِيهِ أحَدُ ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، فَأجْوَدُها - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ، فَيَكُونَ المَعْنى مَرْدُودًا عَلى (p-١١)قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [محمد: ١٧]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في ”زادَهم“، قَوْلَ الرَّسُولِ ﷺ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ هُدًى“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ زادَهم إعْراضُ المُنافِقِينَ واسْتِهْزاؤُهم هُدًى.
قَوْلُهُ: ﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”وَألْهَمَهم تَقْواهُمْ“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى وكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾ [الفتح: ٢٦]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَآتاهم ثَوابَ تَقْواهُمْ“.
محمد 47:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾، ويُقْرَأُ: ”إلّا السّاعَةَ إنْ تَأْتِهِمْ“، بِغَيْرِ ياءٍ، والأُولى أجْوَدُ، لِمُوافَقَةِ المُصْحَفِ، ومَوْضِعُ ”أنْ“: نَصْبٌ، عَلى البَدَلِ مِنَ السّاعَةِ، المَعْنى: ”فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً؟“، وهَذا البَدَلُ المُشْتَمِلُ عَلى الأوَّلِ في المَعْنى، وهو نَحْوُ قَوْلِهِ ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥]، اَلْمَعْنى: لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ، ومَعْنى ”هَلْ يَنظُرُونَ“، و”هَلْ يَنْتَظِرُونَ“، واحِدٌ، ومَن قَرَأ: ”إنْ تَأْتِهِمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أشْراطُها“، فَعَلى الشَّرْطِ والجَزاءِ، و”أشْراطُها“: أعْلامُها، ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَمِن أيْنَ لَهم ذِكْراهم إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ؟!“، و”ذِكْراهُمْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ ”فَأنّى“ .
محمد 47:19
(p-١٢)وَقَوْلُهُ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾، هَذِهِ الفاءُ جاءَتْ لِلْجَزاءِ، المَعْنى: ”قَدْ بَيَّنا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ واحِدٌ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والنَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ خِطابٌ يَدْخُلُ النّاسُ فِيهِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، كَما قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ [الطلاق: ١]، والمَعْنى: ”مَن عَلِمَ فَلْيَقُمْ عَلى ذَلِكَ العِلْمِ“، كَما قالَ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، أيْ: ثَبِّتْنا عَلى الهِدايَةِ، ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكم ومَثْواكُمْ﴾، أيْ: يَعْلَمُ مُتَصَرَّفاتِكُمْ، ويَعْلَمُ مَثْواكُمْ، أيْ: يَعْلَمُ أيْنَ مُقامُكم في الدُّنْيا، والآخِرَةِ.
محمد 47:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾، كانَ المُؤْمِنُونَ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَأْنَسُونَ بِالوَحْيِ، ويَسْتَوْحِشُونَ لِإبْطائِهِ، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿لَوْلا نُـزِّلَتْ سُورَةٌ﴾
﴿فَإذا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾، ومَعْنى ”مُحْكَمَةٌ“: غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، فَإذا ذُكِرَ فِيها فَرْضُ القِتالِ، ﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، يَعْنِي المُنافِقِينَ، ﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾، لِأنَّهم مُنافِقُونَ، يَكْرَهُونَ القِتالَ، لِأنَّهم إذا قَعَدُوا عَنْهُ ظَهَرَ نِفاقُهُمْ، فَخافُوا عَلى أنْفُسِهِمُ القَتْلَ، ﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾، ”أوْلى لَهُمْ“: وعِيدٌ، وتَهَدُدٌ، المَعْنى: ولِيُّهُمُ المَكْرُوهُ.
محمد 47:21
وَقَوْلُهُ: ﴿طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾، (p-١٣)قالَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ: اَلْمَعْنى: ”طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ أمْثَلُ“، وقِيلَ: إنَّهم كانَ قَوْلُهم أوَّلًا: طاعَةٌ وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ، ويَجُوزُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ذاتُ طاعَةٍ - أيْ: يُؤْمَرُ فِيها بِالطّاعَةِ -، وقَوْلٌ مَعْرُوفٌ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ ذاتُ طاعَةٍ وقَوْلٍ مَعْرُوفٍ“.
﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾، اَلْمَعْنى: فَإذا جَدَّ الأمْرُ ولَزِمَ فَرْضُ القِتالِ، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ فَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، وعَمِلُوا بِما نَزَلَ عَلَيْهِ، وما أُمِرُوا بِهِ مِن فَرْضِ القِتالِ، لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ، المَعْنى: لَكانَ صِدْقُهُمُ اللَّهَ بِإيمانِهِمْ خَيْرًا لَهم.
محمد 47:22
وَقَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾، وقَرَأ نافِعٌ: ”فَهَلْ عَسِيتُمْ“، واللُّغَةُ الجَيِّدَةُ البالِغَةُ: ”عَسَيْتُمْ“، بِفَتْحِ السِّينِ، ولَوْ جازَ ”عَسِيتُمْ“، لَجازَ أنْ تَقُولَ: ”عَسِيَ رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ“، ويُقْرَأُ: ”أنْ تَوَلَّيْتُمْ“، و”إنْ تُوُلِّيتُمْ“، بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِها، ﴿أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾، فَمَن قَرَأ: ”تَوَلَّيْتُمْ“، بِالفَتْحِ، فَفِيها وجْهانِ، أحَدَهُما أنْ يَكُونَ المَعْنى: ”لَعَلَّكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ عَمّا جاءَكم بِهِ النَّبِيُّ أنْ تَعُودُوا إلى أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فَتُفْسِدُوا، ويَقْتُلَ بَعْضُكم بَعْضًا“، ﴿وَتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾، أيْ: تَئِدُوا البَناتِ، أيْ: تَدْفِنُوهُنَّ أحْياءً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ: ”فَلَعَلَّكم إنْ تَوَلَّيْتُمُ الأمْرَ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ، ويَقْتُلَ قُرَيْشٌ بَنِي هاشِمٍ، وبَنُو هاشِمٍ قُرَيْشًا، وكَذَلِكَ إنْ تَوَلَّيْتُمْ“.
محمد 47:25
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدى﴾، اَلْمَعْنى: رَجَعُوا - بَعْدَ سَماعِ الهُدى وتَبَيُّنِهِ - إلى الكُفْرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأمْلى لَهُمْ﴾، (p-١٤)مَعْنى ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ زَيَّنَ لَهُمْ، ﴿وَأمْلى لَهُمْ﴾ أمْلى اللَّهُ لَهُمْ، كَما قالَ: ﴿إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨]، مَعْناهُ: إنَّما نُؤَخِّرُهُمْ، وقَدْ قُرِئَتْ: ”اَلشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهم وأُمْلِي لَهُمْ“، عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، المَعْنى: ”وَأنا أُمْلِي“، وقُرِئَتْ: ”وَأُمْلِيَ لَهُمْ“، بِفَتْحِ الياءِ، عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
محمد 47:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَـزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اَلْأمْرُ ذَلِكَ“، أيْ: ”ذَلِكَ الإضْلالُ بِقَوْلِهِمْ لِلَّذِينِ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالُوا: سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ، أيْ: سَنُطِيعُكم في التَّظاهُرِ عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إسْرارَهُمْ﴾، و”أسْرارَهُمْ“، قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”أسْرارَهُمْ“، بِالفَتْحِ، فَهو جَمْعُ ”سِرٌّ“، و”أسْرارٌ“، مِثْلَ: ”حِمْلٌ“، و”أحْمالٌ“، ومَن قَرَأ: ﴿إسْرارَهُمْ﴾، فَهو مَصْدَرُ ”أسْرَرْتُ، إسْرارًا“.
محمد 47:27
وَقَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهُمْ﴾، يَفْعَلُونَ بِهِمْ ذَلِكَ في نارِ جَهَنَّمَ - واللَّهُ أعْلَمُ -، ويَكُونُ المَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا تَوَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وهم يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم.
محمد 47:28
قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”ذَلِكَ جَزاؤُهم بِأنَّهُمُ اتَّبَعُوا الشَّيْءَ الَّذِي أسْخَطَ اللَّهَ وكَرِهُوا رِضْوانَهُ“، أيْ: اِتَّبَعُوا مَن خالَفَ النَّبِيَّ ﷺ، ومَن خالَفَ الشَّرِيعَةَ، وكَرِهُوا الإيمانَ بِالنَّبِيِّ ﷺ، واتِّباعَ شَرِيعَتِهِ، ﴿فَأحْبَطَ أعْمالَهُمْ﴾، (p-١٥)أيْ: ما كانَ مِن عَمَلِ خَيْرٍ، نَحْوَ صِلَةِ رَحِمٍ، أوْ بِرٍّ، أوْ صَدَقَةٍ، أحْبَطَ اللَّهُ ذَلِكَ بِكُفْرِهِمْ، بِما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ.
محمد 47:29
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أضْغانَهُمْ﴾ ”اَلَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ“: اَلْمُنافِقُونَ، أيْ: ”أنْ لَنْ يُبْدِيَ اللَّهُ عَداوَتَهم لِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويُظْهِرَهُ عَلى نِفاقِهِمْ“.
محمد 47:30
﴿وَلَوْ نَشاءُ لأرَيْناكَهُمْ﴾، مَعْنى ﴿لأرَيْناكَهُمْ﴾ لَعَرَّفْناكَهُمْ، تَقُولُ: ”قَدْ أرَيْتُكَ هَذا الأمْرَ“، أيْ: قَدْ عَرَّفْتُكَ إيّاهُ، المَعْنى ”لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا عَلى المُنافِقِينَ عَلامَةً“، وهي السِّيمِياءُ، ﴿فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾، أيْ: بِتِلْكَ العَلامَةِ، ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهم في لَحْنِ القَوْلِ﴾، أيْ: في فَحْوى القَوْلِ، فَدَلَّ بِهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ، وفِعْلَهُ، يَدُلُّ عَلى نِيَّتِهِ، وقَوْلُ النّاسِ: ”قَدْ لَحَنَ فُلانٌ“، تَأْوِيلُهُ: قَدْ أخَذَ في ناحِيَةٍ عَنِ الصَّوابِ، وعَدَلَ عَنِ الصَّوابِ إلَيْها، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَنطِقٌ صائِبٌ وتَلْحَنُ أحْيا ∗∗∗ نًا وخَيْرُ الحَدِيثِ ما كانَ لَحْنا
تَأْوِيلُهُ: ”خَيْرُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذِهِ، ما كانَ لا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ، إنَّما يُعْرَفُ قَوْلُها في أنْحاءِ قَوْلِها“.
محمد 47:31
(p-١٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكُمْ﴾، مَعْنى ”لَنَبْلُوَنَّكم“، لَنَخْتَبِرَنَّكم بِالحَرْبِ، ﴿حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ﴾، وهو - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ قَبْلَ خَلْقِهِمُ المُجاهِدِينَ مِنهُمْ، والصّابِرِينَ، ولَكِنَّهُ أرادَ العِلْمَ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الجَزاءُ، لِأنَّهُ إنَّما يُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، فَتَأْوِيلُهُ: ”حَتّى يَعْلَمَ المُجاهِدِينَ عِلْمَ شَهادَةٍ“، وقَدْ عَلِمَ - عَزَّ وجَلَّ - الغَيْبَ، ولَكِنَّ الجَزاءَ بِالثَّوابِ والعِقابِ يَقَعُ عَلى عِلْمِ شَهادَةٍ.
محمد 47:34
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ثُمَّ ماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾، أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ لا يَغْفِرُ لِمَن ماتَ عَلى الكُفْرِ.
محمد 47:35
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَهِنُوا وتَدْعُوا إلى السَّلْمِ﴾، و”اَلسَّلَمِ“، ومَعْناهُ: اَلصُّلْحُ، يُقالُ لِلصُّلِحَ: هو السِّلْمُ، والسَّلْمُ، والسَّلَمُ، ومَعْنى ”لا تَهِنُوا“: لا تَضْعُفُوا، يُقالُ: ”وَهَنَ، يَهِنُ“، إذا ضَعُفَ، فَمَنَعَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَدْعُوا الكافِرِينَ إلى الصُّلْحِ وأمَرَهم بِحَرْبِهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ واللَّهُ مَعَكُمْ﴾، تَأْوِيلُهُ: أنْتُمُ الأعْلَوْنَ في الحُجَّةِ، ومَعَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ، وما أتى بِهِ مِنَ الآياتِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، ﴿واللَّهُ مَعَكُمْ﴾، أيْ: ناصِرُكُمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَنْ يَتِرَكم أعْمالَكُمْ﴾، أيْ: لَنْ يُنْقِصَكم شَيْئًا مِن ثَوابِكم.
محمد 47:36
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تُؤْمِنُوا وتَتَّقُوا يُؤْتِكم أُجُورَكُمْ﴾، وقَدْ عَرَّفَهم أنَّ أُجُورَهُمُ الجَنَّةُ، ﴿وَلا يَسْألْكم أمْوالَكُمْ﴾ ﴿إنْ يَسْألْكُمُوها فَيُحْفِكم تَبْخَلُوا﴾ [محمد: ٣٧]، (p-١٧)أيْ: إنْ يُجْهِدْكم بِالمَسْألَةِ تَبْخَلُوا ويُخْرِجْ أضْغانَكُمْ، و”نُخْرِجْ أضْغانَكُمْ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا.
محمد 47:38
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ: إنْ تَوَلّى العِبادُ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمُ المَلائِكَةَ، وجاءَ أيْضًا: إنْ تَوَلّى أهْلُ مَكَّةَ اسْتَبْدَلَ اللَّهُ بِهِمْ أهْلَ المَدِينَةِ، وجاءَ أيْضًا: يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم مِن أهْلِ فارِسَ، فَأمّا ما جاءَ أنَّهُ يَسْتَبْدِلُ بِهِمُ المَلائِكَةَ فَهو في اللُّغَةِ - عَلى ما أتَوَهَّمُ - فِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّهُ لا يُقالُ لِلْمَلائِكَةِ: ”قَوْمٌ“، إنَّما يُقالُ: ”قَوْمٌ“، لِلْآدَمِيِّينَ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا أطْوَعَ مِنكُمْ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، إلى آخِرِ القِصَّةِ، فَلَمْ يَتَوَلَّ جَمِيعُ النّاسِ - واللَّهُ أعْلَمُ.
(p-١٨)
الفتح 48:1
(p-١٩)سُورَةُ اَلْفَتْحِ
مَدَنِيَّةٌ كُلُّها بِإجْماعٍ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ هَذا الفَتْحُ عَنْ غَيْرِ قِتالٍ، قِيلَ: إنَّهُ كانَ عَنْ تَراضٍ بَيْنَ القَوْمِ، و”اَلْحُدَيْبِيَةُ“: بِئْرٌ، فَسُمِّيَ المَكانُ بِاسْمِ البِئْرِ، والفَتْحُ إنَّما هو الظَّفَرُ بِالمَكانِ، والمَدِينَةِ، والقَرْيَةِ، كانَ بِحَرْبٍ أوْ بِغَيْرِ حَرْبٍ، أوْ كانَ دُخُولَ عَنْوَةٍ، أوْ صُلْحٍ، فَهو فَتْحٌ، لِأنَّ المَوْضِعَ إنَّما يَكُونُ مُنْغَلِقًا، فَإذا صارَ في اليَدِ فَهو فَتْحٌ، ومَعْنى ”فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا“ - واللَّهُ أعْلَمُ -: هو الهِدايَةُ إلى الإسْلامِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: قَضَيْنا لَكَ قَضاءً مُبِينًا، أيْ: حَكَمْنا لَكَ بِإظْهارِ دِينِ الإسْلامِ، والنُّصْرَةِ عَلى عَدُوِّكَ، وأكْثَرُ ما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ فَتْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ في فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ مِن آياتِ النَّبِيِّ ﷺ، وذَلِكَ أنَّها بِئْرٌ، فاسْتُقِيَ جَمِيعُ ما فِيها مِنَ الماءِ، حَتّى نَزَحَتْ، ولَمْ يَبْقَ فِيها ماءٌ، فَتَمَضْمَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَجَّهُ فِيها، فَدَرَّتِ البِئْرُ بِالماءِ، حَتّى شَرِبَ جَمِيعُ مَن كانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، ولَيْسَ يَخْرُجُ هَذا مِن مَعْنى ”فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا“، أنَّهُ يُعْنى بِهِ الهِدايَةُ إلى الإسْلامِ، ودَلِيلُ (p-٢٠)ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، فالمَعْنى: ”فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا في الدِّينِ لِتَهْتَدِيَ بِهِ أنْتَ والمُسْلِمُونَ“.
الفتح 48:3
وَمَعْنى ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، نَصْرًا ذا عِزٍّ، لا يَقَعُ مَعَهُ ذُلٌّ، ثُمَّ أعْلَمَ عَنْ أسْبابِ فَتْحِ الدِّينِ عَلى نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ السَّكِينَةَ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، أيْ: أسْكَنَ قُلُوبَهُمُ التَّعْظِيمُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ، والوَقارُ.
الفتح 48:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، تَأْوِيلُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ جَمِيعَ ما خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ جُنُودٌ لَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِ شَيْءٍ واحِدٍ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ في السَّماواتِ والأرْضِ، ومِنَ الدَّلِيلِ أيْضًا عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ﴾ [الفتح: ١]، أيْ: إنّا أرْشَدْناكَ إلى الإسْلامِ، وفَتَحْنا لَكَ أمْرَ الدِّينِ.
الفتح 48:6
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾، كانُوا يَظُنُّونَ أنْ لَنْ يَعُودَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا، وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ دائِرَةَ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ، ومَن قَرَأ: ”ظَنَّ السُّوءِ“، فَهو كَما تَرى أيْضًا، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، وقَدْ قِيلَ أيْضًا: إنَّهُ قُرِئَ بِهِ، وزَعَمَ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ أنَّ مَعْنى ”اَلسَّوْءُ“، هَهُنا: اَلْفَسادُ، والمَعْنى: ”اَلظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ الفَسادِ“، وهو ما ظَنُّوا أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن مَعَهُ لا يَرْجِعُونَ.
(p-٢١)قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾، أيْ: اَلْفَسادُ والهَلاكُ يَقَعُ بِهِمْ، ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾
الفتح 48:7
﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، تَفْسِيرُهُ مِثْلُ الأوَّلِ، ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، عالِيًا، حَكِيمًا فِيما دَبَّرَهُ.
الفتح 48:8
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾، أيْ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذِهِ حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: "مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ مَن عَمِلَ خَيْرًا، ومُنْذِرًا مَن عَمِلَ شَرّا بِالنّارِ.
الفتح 48:9
﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، اَلْخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وخِطابٌ لِلنّاسِ، ولِأُمَّتِهِ، والمَعْنى يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ويَجُوزُ: ”لِيُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ“، وقَدْ قُرِئَ بِهِما جَمِيعًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ“، خِطابًا لِلْمُؤْمِنِينَ، ولِلنَّبِيِّ جَمِيعًا، لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ آمَنَ بِاللَّهِ، وبِآياتِهِ، وكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ.
وَقَوْلُهُ ﴿شاهِدًا﴾ [الفتح: ٨]، حالٌ مُقَدَّرَةٌ، أيْ: يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، والبِشارَةُ والإنْذارُ حالٌ يَكُونُ النَّبِيُّ ﷺ مُلابِسًا لَها في الدُّنْيا، لِمَن شاهَدَهُ فِيها مِن أُمَّتِهِ، وحالٌ مُقَدَّرَةٌ لِمَن يَأْتِي بَعْدَهُ مِن أُمَّتِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، مِمَّنْ لَمْ يُشاهِدْهُ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ”مُقَدَّرَةً“، أنَّ الحالَ عِنْدَهُ في وقْتِ الإخْبارِ عَلى ضَرَبَيْنِ، حالٌ مُلابِسَةٌ، يَكُونُ المُخْبِرُ مُلابِسًا لَها في حِينِ إخْبارِهِ، وحالٌ مُقَدَّرَةٌ لِأنْ تُلابَسَ فى ثانٍ مِنَ الزَمانِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وتُوَقِّرُوهُ﴾، مَعْنى ”تُعَزِّرُوهُ“: تَنْصُرُوهُ، يُقالُ: ”عَزَّرْتُهُ، أُعَزِّرُهُ،، أيْ: نَصَرْتُهُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ:“لِتَنْصُرُوهُ بِالسَّيْفِ”، ويَجُوزُ:“وَتَعْزُرُوهُ”، يُقالُ:“عَزَرْتُهُ، أعْزُرُهُ، عَزْرًا”، و“عَزَّرْتُهُ، أُعَزِّرُهُ، عَزْرًا، وتَعْزِيرًا”، ونُصْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ هي نُصْرَةُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾، (p-٢٢)فَهَذِهِ الهاءُ تَرْجِعُ عَلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَعْنى“يُسَبِّحُونَ اللَّهَ”، أيْ: يُصَلُّونَ لَهُ، و“اَلتَّسْبِيحُ"، في اللُّغَةِ: تَعْظِيمُ اللَّهِ وتَنْزِيهُهُ عَنِ السُّوءِ.
الفتح 48:10
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، أيْ: أخْذُكَ عَلَيْهِمُ البَيْعَةَ عَقْدٌ لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلَيْهِمْ، ومَعْنى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ﴾، يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ، مِنها وجْهانِ جاءا في التَّفْسِيرِ، أحَدُهُما: ”يَدُ اللَّهِ في الوَفاءِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ“، وجاءَ أيْضًا: ”يَدُ اللَّهِ في الثَّوابِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ“، والتَّفْسِيرُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: يَدُ اللَّهِ في المِنَّةِ عَلَيْهِمْ في الهِدايَةِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ في الطّاعَةِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ﴾، و”اَلنَّكْثُ“، في اللُّغَةِ: نَقْضُ ما تَعْقِدُهُ، وما تُصْلِحُهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ: ثَلاثَةُ أشْياءَ تَرْجِعُ عَلى أهْلِها، أحَدُها النَّكْثُ، والبَغْيُ، والمَكْرُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إنَّما بَغْيُكم عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣]، والمَكْرُ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلا يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣] .
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن نَكَثَ فَإنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ ومَن أوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾، ويُقْرَأُ: ”فَسَنُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا“، ويُقْرَأُ: ”عَلَيْهِ اللَّهَ“، و”عَلَيْهُ اللَّهَ“، وقَدْ فَسَّرْنا مِثْلَ هَذا فِيما سَلَفَ.
الفتح 48:11
﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾، بِإظْهارِ الرّاءِ عِنْدَ اللّامِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنْ أبِي عَمْرٍو: ”فاسْتَغْفِلَّنا“، بِالإدْغامِ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ”يَغْفِلَّكُمْ“، ولا يُجِيزُ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، ولا يَحْكُونَ هَذِهِ اللُّغَةَ عَنْ أحَدٍ مِنَ العَرَبِ، ويَذْكُرُونَ أنَّ إدْغامَ الرّاءِ (p-٢٣)فِي اللّامِ غَيْرُ جائِزٍ، لِأنَّ الرّاءَ عِنْدَهم حَرْفٌ مُكَرَّرٌ، فَإذا أُدْغِمَ في اللّامِ بَطَلَ هَذا الإشْباعُ الَّذِي فِيهِ، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَؤُلاءِ مُنافِقُونَ، فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم تَخَلَّفُوا عَنِ الخُرُوجِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِظَنِّهِمْ ظَنَّ السَّوْءِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢]، أيْ: ظَنَّ الفَسادِ، ﴿وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ [الفتح: ١٢]، أيْ: هالِكِينَ عِنْدَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فاسِدِينَ في عِلْمِهِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا﴾، أيْ: لَيْسَ لَنا مَن يَقُومُ بِها، ﴿وَأهْلُونا﴾، أيْ: وشَغَلَتْنا أهْلُونا، لَيْسَ لَنا مَن يَخْلُفُنا فِيهِمْ، ويَجُوزُ: ”وَأهْلُنا“، ولَكِنَّ القِراءَةَ المَشْهُورَةَ بِالواوِ، فَمَن قالَ: ”وَأهْلُونا“، فَهو جَمْعُ ”أهْلٌ“، و”أهْلُونَ“، ومَن قالَ: ”وَأهْلُنا“، فَهو يَتَضَمَّنُ الجَماعَةَ كُلَّها.
الفتح 48:15
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، يُعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾، - قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: (p-٢٤)﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، فَأرادُوا أنْ يَأْتُوا بِما يَنْقُضُ هَذا، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهم لا يَعْقِلُونَ، ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ﴾، ولَوْ كانَ الكَلامُ نَهْيًا لَقالَ: ”قُلْ لا تَتَّبِعُونا“، وقُرِئَتْ: ”يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلِمَ اللَّهِ“، فالكَلِمُ جَمْعُ ”كَلِمَةٌ“، والكَلامُ في مَوْضِعِ التَّكْلِيمِ.
الفتح 48:16
وَقَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، وقَدْ قُرِئَتْ: ”أوْ يُسْلِمُوا“، فالمَعْنى: ”تُقاتِلُونَهم حَتّى يُسْلِمُوا“، و"إلّا أنْ يُسْلِمُوا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: قَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ: ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣]، فَكَيْفَ جازَ أنْ يَقُولَ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾، فَإنَّما قالَ ﷺ ذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُهُ أنَّهم مُنافِقُونَ، وأعْلَمُهُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهم لا يُقاتِلُونَ مَعَهُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ﴾، بَنُو حَنِيفَةَ، وأبُو بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قاتَلَهم في أيّامِ مُسَيْلِمَةَ، وجاءَ أيْضًا: هَوازِنُ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن ظاهِرُهُ الإسْلامُ فَعَلى أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَدْعُوهم إلى الجِهادِ، والصَّحابَةُ لَمْ يَطَّلِعُوا في وقْتِ الجِهادِ عَلى مَن يُقاتِلُ ومَن لا يُقاتِلُ، ولا عَلى مَن يُنافِقُ ومَن لا يُنافِقُ، لِأنَّ الإظْهارَ عَلى ذَلِكَ مِن آياتِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ -، وقَدْ قِيلَ: ﴿إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، أيْ: إلى فارِسَ، والرُّومِ، وذَلِكَ في أيّامِ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِما - ومَن بَعْدَهُما.
(p-٢٥)﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾، أيْ: إنْ تُبْتُمْ وتَرَكْتُمُ النِّفاقَ وجاهَدْتُمْ، يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا، ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِن قَبْلُ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾، أيْ: إنْ أقَمْتُمْ عَلى نِفاقِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنِ الإيمانِ والجِهادِ، كَما تَوَلَّيْتُمْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا.
الفتح 48:18
ثُمَّ أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - بِخَبَرِ مَن أخْلَصَ نِيَّتَهُ، فَقالَ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما في قُلُوبِهِمْ﴾، أيْ: عَلِمَ أنَّهم مُخْلِصُونَ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ (كانُوا ألْفًا وأرْبَعَمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفًا وخَمْسَمِائَةٍ، وقِيلَ: ألْفًا وثَلاثَمِائَةٍ، وكانُوا بايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألّا يُوَلُّوا في القِتالِ، ولا يَهْرَبُوا، وسُمِّيَتْ ”بَيْعَةَ الرِّضْوانِ“، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾، وكانَتِ الشَّجَرَةُ سَمُرَةً، ﴿فَأنْـزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وأثابَهم فَتْحًا قَرِيبًا﴾، قِيلَ: إنَّهُ فَتْحُ خَيْبَرَ، ﴿وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: ١٩]
الفتح 48:20
﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكم هَذِهِ﴾، وهَذا التَّكْرِيرُ تَكْرِيرٌ في الوَعْدِ، أيْ: فَعَجَّلَ هَذِهِ، يَعْنِي خَيْبَرَ، ﴿وَكَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم ولِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، (p-٢٦)أيْ: كَفَّ أيْدِيَ النّاسِ عَنْكم لَمّا خَرَجُوا، وخَلَّفُوا عِيالَهم بِالمَدِينَةِ، حَفِظَ اللَّهُ عِيالَهُمْ، وبَيْضَتَهُمْ، وقَدْ هَمَّتِ اليَهُودُ بِهِمْ، فَمَنَعَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ.
الفتح 48:21
﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾، اَلْمَعْنى: وعَدَكُمُ اللَّهَ مَغانِمَ أُخْرى، قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها - قَدْ عَلِمَها اللَّهُ -، وهو ما يَغْنَمُ المُسْلِمُونَ، إلى ألّا يُقاتِلَهم أحَدٌ.
الفتح 48:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ﴾ [الفتح: ٢٣]، اَلْمَعْنى: لَوْ قاتَلَكَ مَن لَمْ يُقاتِلْكَ لَنُصِرْتَ عَلَيْهِمْ، لَأنَّ سُنَّةَ اللَّهِ النَّصْرُ لِأوْلِيائِهِ وحِزْبِهِ، ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا﴾ [الفتح: ٢٣]، و”سُنَّةَ اللَّهِ“، مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَوَلَّوُا الأدْبارَ﴾، مَعْناهُ: ”سَنَّ اللَّهُ خِذْلانَهم سُنَّةً“، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وفي قَوْلِهِ: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: ٨٨]، ولَوْ قُرِئَتْ: ”سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ“، لَكانَ جَيِّدًا في العَرَبِيَّةِ، المَعْنى: ”تِلْكَ سُنَّةُ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ“، ولَكِنْ لا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها.
الفتح 48:24
﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، ”مَكَّةَ“، لا تَنْصَرِفُ، لِأنَّها مُؤَنَّثَةٌ، وهي مَعْرِفَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ أنْ أظْفَرَكم عَلَيْهِمْ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِاثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، أُخِذُوا بِلا عَهْدٍ، (p-٢٧)وَلا عَقْدٍ، فَخَلّاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ومَنَّ عَلَيْهِمْ،» وكانَ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ سَلِمَ لِلرَّجُلِ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ، ومَن هو مُؤْمِنٌ، أنْ يُصابَ، قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ ونِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهم أنْ تَطَئُوهم فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الفتح: ٢٥]، ومَوْضِعُ ”أنْ“: رَفْعٌ، بَدَلٌ مِن ”رِجالٌ“، اَلْمَعْنى: ”لَوْلا أنْ تَطَؤُوا رِجالًا مُؤْمِنِينَ ونِساءً مُؤْمِناتٍ“، ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥]، أيْ: لَوْ تَمَيَّزَ الكافِرُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ لَأنْزَلْنا بِالكافِرِينَ ما يَكُونُ عَذابًا لَهم في الدُّنْيا، ومَعْنى: ﴿فَتُصِيبَكم مِنهم مَعَرَّةٌ﴾ [الفتح: ٢٥]، قِيلَ: ”لَوْلا أنْ تَقْتُلُوا مِنهم قَوْمًا مُؤْمِنِينَ خَطَأً، فَتَلْزَمَكُمُ الدِّياتُ“، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”لَوْلا كَراهَةُ أنْ يَلْحَقَكم عَنَتٌ بِأنْ قَتَلْتُمْ مَن هو عَلى دِينِكُمْ، إذْ أنْتُمْ مُخْتَلِطُونَ بِهِمْ، لَعَذَّبْنا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابًا ألِيمًا“.
الفتح 48:25
وَقَوْلُهُ: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، ”اَلْهَدْيَ“، مَنصُوبٌ، نَسَقٌ عَلى الكافِ والمِيمِ، المَعْنى: ”وَصَدُّوا الهَدْيَ“، و”مَعْكُوفًا“، مَحْبُوسًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ، ﴿وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ﴾، كَما وصَفْنا، لَنَصَرْناكُمُ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّ الَّذِي مَنَعَ عَنْ ذَلِكَ كَراهَةُ وطْءِ المُؤْمِنِينَ بِالمَكْرُوهِ، والقَتْلِ، ومَوْضِعُ ”أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ“: مَنصُوبٌ، عَلى مَعْنى: ”وَصَدُّوا الهَدْيَ مَحْبُوسًا عَنْ أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ“.
الفتح 48:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَأنْـزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ﴾، أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الوَقارَ والهَيْبَةَ، ﴿وَألْزَمَهم كَلِمَةَ التَّقْوى﴾، (p-٢٨)جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ شِعارَهُمْ: ”لا إلَهَ إلّا اللَّهُ“، وكَلِمَةُ التَّقْوى: تَوْحِيدُ اللَّهِ والإيمانُ بِرَسُولِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -،﴿وَكانُوا أحَقَّ بِها وأهْلَها﴾، أيْ: كانُوا أحَقَّ بِها مِن غَيْرِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَزَّ - اخْتارَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ولِدِينِهِ أهْلَ الخَيْرِ، ومُسْتَحِقِّيهِ، ومَن هو أوْلى بِالهِدايَةِ مِن غَيْرِهِ.
الفتح 48:27
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾، رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مَنامِهِ كَأنَّهُ وأصْحابَهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - يَدْخُلُونَ مَكَّةَ مُحَلِّقِينَ، ومُقَصِّرِينَ، فَصَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا، فَدَخَلُوا عَلى ما رَأى، وكانُوا قَدِ اسْتَبْطَؤُوا الدُّخُولَ، ومَعْنى ﴿إنْ شاءَ اللَّهُ﴾، يَخْرُجُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ”إنْ أمْرَكُمُ اللَّهُ بِهِ“، ويَجُوزُ - وهو حَسَنٌ - أنْ يَكُونَ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“، جَرى عَلى ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ في كُلِّ ما يُفْعَلُ مُتَوَقَّعًا، فَقالَ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٤]
الفتح 48:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾، وصَفَهُمُ اللَّهُ بِأنَّ بَعْضَهم مَتَحَنِّنٌ عَلى بَعْضٍ، وأنَّ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ والوَقارَ، وبَعْضَهم يُخْلِصُ المَوَدَّةَ لِبَعْضٍ، وهم أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ، ”أشِدّاءُ“: جَمْعُ ”شَدِيدٌ“، والأصْلُ ”أشْدِداءُ“، نَحْوَ: ”نَصِيبٌ“، و”أنْصِباءُ“، ولَكِنَّ الدّالَيْنِ تَحَرَّكَتا، فَأُدْغِمَتِ الأُولى في الثّانِيَةِ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] (p-٢٩)وَقَوْلُهُ: ﴿سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ﴾، أيْ: في وُجُوهِهِمْ عَلامَةُ السُّجُودِ، وهي عَلامَةُ الخاشِعِينَ لِلَّهِ، المُصَلِّينَ، وقِيلَ: يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن أثَرِ الطُّهُورِ، وهَذا يَجْعَلُهُ اللَّهُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلامَةً، وهي السِّيماءُ، يُبَيِّنُ بِها فَضْلَهم عَلى غَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ ومَثَلُهم في الإنْجِيلِ﴾، أيْ: ذَلِكَ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ في التَّوْراةِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّ صِفَتَهم في الإنْجِيلِ أيْضًا: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾، مَعْنى ”أخْرَجَ شَطْأهُ“: أخْرَجَ نَباتَهُ، ﴿فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ﴾، أيْ: فَآزَرَ الصِّغارَ الكِبارُ حَتّى اسْتَوى بَعْضُهُ مَعَ بَعْضٍ، ﴿عَلى سُوقِهِ﴾، جَمْعُ ”ساقٌ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾، ”اَلزُّرّاعُ“: مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والدُّعاةُ إلى الإسْلامِ، وهم أصْحابُهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾، ”مِنهُمْ“، فِيهِ قَوْلانِ: أنْ تَكُونَ ”مِنهُمْ“، هَهُنا، تَخْلِيصًا لِلْجِنْسِ مِن غَيْرِهِ، كَما تَقُولُ: ”أنْفِقْ نَفَقَتَكَ مِنَ الدَّراهِمِ، لا مِنَ الدَّنانِيرِ“، اَلْمَعْنى: ”اِجْعَلْ نَفَقَتَكَ مِن هَذا الجِنْسِ“، وكَما قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، لا يُرِيدُ أنَّ بَعْضَها رِجْسٌ، وبَعْضَها غَيْرُ رِجْسٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: ”اِجْتَنِبُوا الرِّجْسَ الَّذِي هو الأوْثانُ“، (p-٣٠)فالمَعْنى: ”وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ المُؤْمِنِينَ أجْرًا عَظِيمًا، وفَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلى غَيْرِهِمْ، لِسابِقَتِهِمْ وعِظَمِ أجْرِهِمْ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ المَعْنى:“وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ أقامُوا مِنهم عَلى الإيمانِ، والعَمَلِ الصّالِحِ، مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا.
الحجرات 49:1
(p-٣١)سُورَةُ اَلْحُجُراتِ
﷽
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾، وقَدْ قُرِئَتْ: ”لا تَقَدَّمُوا“، بِفَتْحِ التّاءِ، والدّالِ، والمَعْنى: ”إذا أُمِرْتُمْ بِأمْرٍ فَلا تَفْعَلُوهُ قَبْلَ الوَقْتِ الَّذِي أُمِرْتُمْ أنْ تَفْعَلُوهُ فِيهِ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ رَجُلًا ذَبَحَ يَوْمَ الأضْحى، قَبْلَ صَلاةِ الأضْحى، فَتَقَدَّمَ قَبْلَ الوَقْتِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ، فَفي هَذا دَلِيلٌ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤَدّى فَرْضٌ قَبْلَ وقْتِهِ، ولا تَطَوُّعٌ قَبْلَ وقْتِهِ، مِمّا جاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وفي هَذا دَلِيلٌ أنَّ تَقْدِيمَ الزَّكاةِ قَبْلَ وقْتِها لا يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ، فَأمّا ما يُرْوى «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَسْلَفَ مِنَ العَبّاسِ شَيْئًا مِنَ الزَّكاةِ،» فَلا أعْلَمُ أنَّ أحَدًا مِمَّنْ أجازَ تَقْدِيمَ الزَّكاةِ احْتَجَّ إلّا بِهَذا الحَدِيثِ، وهَذا إنْ صَحَّ فَهو عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا، والآخَرُ أنْ يَكُونَ الحاجَةُ اشْتَدَّتْ فَوَقَعَ اضْطِرارٌ إلى اسْتِسْلافِ الزَّكاةِ، والإجْماعُ أنَّ إعْطاءَها في وقْتِها هو الحَقُّ، وهو الفَضْلُ، إنْ شاءَ اللَّهُ، ومَن قَرَأ: ”لا تَقَدَّمُوا“، فَمَعْناهُ كَمَعْنى ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾
الحجرات 49:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾، (p-٣٢)أمَرَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَبْجِيلِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأنْ يَغُضُّوا أصْواتَهُمْ، وأنْ يُخاطِبُوهُ بِالسَّكِينَةِ، والوَقارِ، وأنْ يُفَضِّلُوهُ في المُخاطَبَةِ، وذَلِكَ مِمّا كانُوا يَفْعَلُونَهُ في تَعْظِيمِ ساداتِهِمْ، وكُبَرائِهِمْ، ومَعْنى ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكم لِبَعْضٍ﴾، أيْ: لا تُنْزِلُوهُ مَنزِلَةَ بَعْضِكم مِن بَعْضٍ، فَتَقُولُوا: ”يا مُحَمَّدُ“، خاطِبُوهُ بِالنُّبُوَّةِ، والسَّكِينَةِ، والإعْظامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ﴾، مَعْناهُ: ”لا تَفْعَلُوا ذَلِكَ فَتَحْبَطَ أعْمالُكُمْ“، والمَعْنى: ”لِئَلّا تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ“، فالمَعْنى مَعْنى اللّامِ في ”أنْ“، وهَذِهِ اللّامُ لامُ الصَّيْرُورَةِ، وهي كاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والمَعْنى: ”فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى ذَلِكَ“، لا أنَّهم قَصَدُوا أنْ يَصِيرَ إلى ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ في المُقَدَّرِ فِيما سَبَقَ مِن عِلْمِ اللَّهِ أنَّ سَبَبَ الصَّيْرِ التِقاطُهم إيّاهُ، وكَذَلِكَ: ”لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم فَيَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِأنْ تَحْبَطَ أعْمالُكُمْ“، ﴿وَأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾، هَذا إعْلامٌ أنَّ أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ يَنْبَغِي أنْ يُجَلَّ ويُعَظَّمَ غايَةَ الإجْلالِ، وأنَّهُ قَدْ يُفْعَلُ الشَّيْءُ مِمّا لا يُشْعَرُ بِهِ مِن أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُهْلِكًا لِفاعِلِهِ، أوْ لِقائِلِهِ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُ الفُقَهاءِ: مَن قالَ: ”إنَّ زِرَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسِخٌ“، يُرِيدُ بِهِ النَّقْصَ مِنهُ، وجَبَ قَتْلُهُ، هَذا مَذْهَبُ مالِكٍ، وأصْحابِهِ.
الحجرات 49:3
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهم لِلتَّقْوى﴾، أخْلَصَ قُلُوبَهُمْ، و”هُمْ“، يَخْرُجُ عَلى تَفْسِيرِ حَقِيقَةِ اللُّغَةِ، والمَعْنى: (p-٣٣)اِخْتَبَرَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ، فَوَجَدَهم مُخْلِصِينَ، كَما تَقُولُ: ”قَدِ امْتَحَنْتُ هَذا الذَّهَبَ، وهَذِهِ الفِضَّةَ“، تَأْوِيلُهُ: قَدِ اخْتَبَرْتُهُما بِأنْ أذَبْتُهُما، حَتّى خَلَّصْتُ الذَّهَبَ،والفِضَّةَ، فَعَلِمْتُ حَقِيقَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.
الحجرات 49:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ﴾، يُقْرَأُ بِضَمِّ الحاءِ والجِيمِ، و”اَلْحُجَراتِ“، بِفَتْحِ الجِيمِ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ ”اَلْحُجْراتِ“، بِتَسْكِينِ الجِيمِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِالتَّسْكِينِ، وقَدْ فَسَّرْنا هَذا الجَمْعَ فِيما تَقَدَّمَ مِنَ الكِتابِ، وواحِدُ الحُجُراتِ: ”حُجْرَةٌ“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”اَلْحُجُراتُ“، جَمْعَ ”حُجَرٌ“، و”حُجُراتٌ“، والأجْوَدُ أنْ تَكُونَ ”اَلْحُجُراتُ“، جَمْعَ ”حُجْرَةٌ“، وأنَّ الفَتْحَ جازَ بَدَلًا مِنَ الضَّمَّةِ، لِثِقَلِ الضِّمَتَيْنِ، وهَؤُلاءِ قَوْمٌ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن بَنِي تَمِيمٍ، فَنادَوْهُ مِن وراءِ الحُجُراتِ، ولَهم في التَّفْسِيرِ حَدِيثٌ فِيهِ طُولٌ، وجُمْلَتُهُ أنَّهم جاؤُوا يُفاخِرُونَ النَّبِيَّ، وأنَّهم لَمْ يَلْقَوْهُ بِما يَجِبُ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
الحجرات 49:5
قالَ: ﴿وَلَوْ أنَّهم صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إلَيْهِمْ لَكانَ خَيْرًا لَهم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أيْ: مَن تابَ بَعْدَ هَذا الفِعْلِ فاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الحجرات 49:6
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا﴾، ويَقْرَأُ: ”فَتَثَبَّتُوا أنْ تُصِيبُوا“، ﴿قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها نَزَلَتْ بِسَبَبِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، «وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعَثَهُ ساعِيًا، يَجْبِي صَدَقاتِ بَنِي المُصْطَلَقِ، وكانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم إحْنَةٌ، أيْ: عَداوَةٌ، (p-٣٤)فَلَمّا اتَّصَلَ بِهِمْ خَبَرُهُ، وقَدْ خَرَجَ نَحْوَهُمْ، قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: قَدْ عَلِمْتُمْ ما بَيْنَنا وبَيْنَ هَذا الرَّجُلِ، فامْنَعُوهُ صَدَقاتِكُمْ، فاتَّصَلَ بِهِ ذَلِكَ، فَرَجَعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ أنَّهم مَنَعُوهُ الصَّدَقَةَ، وأنَّهُمُ ارْتَدُّوا، وأعَدُّوا السِّلاحَ لِلْحَرْبِ، فَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، ومَعَهُ جَيْشٌ، وتَقَدَّمَ إلَيْهِ أنْ يَنْزِلَ بِعَقْوَتِهِمْ لَيْلًا، فَإنْ رَأى ما يَدُلُّ عَلى إقامَتِهِمْ عَلى الإسْلامِ مِنَ الأذانِ، والصَّلاةِ، والتَّهَجُّدِ، أمْسَكَ عَنْ مُحارَبَتِهِمْ، وطالَبَهم بِصَدَقاتِهِمْ، فَلَمّا صارَ خالِدٌ إلَيْهِمْ لَيْلًا، سَمِعَ النِّداءَ بِالصَّلاةِ، ورَآهم يُصَلُّونَ، ويَتَهَجَّدُونَ، وقالُوا لَهُ: قَدِ اسْتَبْطَأْنا رِسالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّدَقاتِ، وسَلَّمُوها إلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾»، أيْ: بِخَبَرٍ ﴿فَتَبَيَّنُوا أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ﴾، أيْ: كَراهَةَ أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ، وهَذا دَلِيلُ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقْبَلَ خَبَرٌ مِن فاسِقٍ، وإنْ تَبَيَّنَ، وأنَّ الثِّقَةَ يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِهِ، و”اَلثِّقَةُ“: مَن لَمْ تُجَرَّبْ عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ، ولا يُعْرَفُ بِفِسْقٍ، ولا جُلِدَ في حَدٍّ، وهو مَعَ ذَلِكَ صَحِيحُ التَّمْيِيزِ.
الحجرات 49:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكم رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكم في كَثِيرٍ مِنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، أيْ: لَوْ أطاعَ مِثْلَ هَذا المُخْبِرِ، الَّذِي أخْبَرَهُ بِما لا أصْلَ لَهُ، لَوَقَعْتُمْ في عَنَتٍ، و”اَلْعَنَتُ“: اَلْفَسادُ والهَلاكُ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ﴾، هَذا يُعْنى بِهِ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ، ﴿وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ﴾، ويَحْتَمِلُ ”فِي قُلُوبِكُمْ“، وجْهَيْنِ، أحَدُهُما أنَّهُ دَلَّهم عَلَيْهِ بِالحُجَجِ القاطِعَةِ البَيِّنَةِ، والآياتِ الَّتِي أتى بِها النَّبِيُّ ﷺ المُعْجِزَةِ، والثّانِي أنَّهُ زَيَّنَهُ في قُلُوبِهِمْ بِتَوْفِيقِهِ إيّاهم.
(p-٣٥)﴿وَكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ﴾، وذَلِكَ أيْضًا تَبْيِينُهُ ما عَلَيْهِمْ في الكُفْرِ، وتَوْفِيقُهُ إيّاهم إنِ اجْتَنَبُوهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾، أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ وفَّقَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِتَحْبِيبِ الإيمانِ إلَيْهِمْ، وتَكْرِيهِ الكُفْرِ، أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ.
الحجرات 49:8
﴿فَضْلا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِكم فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً“، أيْ: لِلْفَضْلِ والنِّعْمَةِ، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةٌ“، اَلْمَعْنى: ”ذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةٌ“.
الحجرات 49:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ طائِفَتانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإنْ بَغَتْ إحْداهُما عَلى الأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، والباغِيَةُ: اَلَّتِي تَعْدِلُ عَنِ الحَقِّ، وما عَلَيْهِ أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ وجَماعَتُهُمْ، ﴿حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾، حَتّى تَرْجِعَ إلى أمْرِ اللَّهِ، ﴿فَإنْ فاءَتْ﴾، فَإنْ رَجَعَتْ، ﴿فَأصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالعَدْلِ وأقْسِطُوا﴾، أيْ: واعْدِلُوا، ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾، وهَذِهِ قِيلَ: نَزَلَتْ بِسَبَبِ جَمْعَيْنِ مِنَ الأنْصارِ، كانَ بَيْنَهم قِتالٌ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِسُيُوفٍ، ولا أسْلِحَةٍ، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ كانَ بَيْنَهم قِتالٌ بِالأيْدِي، والنِّعالِ، وتَرامٍ بِالحِجارَةِ.
الحجرات 49:10
(p-٣٦)﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾، ويُقْرَأُ: ”بَيْنَ إخْوانِكُمْ“، و”بَيْنَ إخْواتِكُمْ“، و”بَيْنَ أخْوَتِكُمْ“، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الدِّينَ يَجْمَعُهُمْ، وأنَّهم إخْوَةٌ إذا كانُوا مُتَّفِقِينَ في دِينِهِمْ، فَرَجَعُوا في الِاتِّفاقِ في الدِّينِ إلى أصْلِ النَّسَبِ، لِأنَّهم لِآدَمَ وحَوّاءَ، ولَوِ اخْتَلَفَتْ أدْيانُهم لافْتَرَقُوا في النَّسَبِ، وإنْ كانَ في الأصْلِ أنَّهم لِأبٍ وأُمٍّ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَرِثُ الوَلَدُ المُؤْمِنُ الأبَ الكافِرَ، ولا الحَمِيمُ المُؤْمِنُ نَسِيبَهُ الكافِرَ؟
الحجرات 49:11
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْمٍ﴾، اَلْآيَةَ، عَسى أنْ يَكُونَ المَسْخُورُ مِنهُ خَيْرًا مِنَ السّاخِرِينَ، وكَذَلِكَ عَسى أنْ يَكُونَ النِّساءُ المَسْخُورُ مِنهُنَّ خَيْرًا مِنَ النِّساءِ السّاخِراتِ، فَنَهى اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنْ يَسْخَرَ المُؤْمِنُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُؤْمِناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ، ﴿وَلا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾، و”اَللَّمْزُ“، و”اَلْهَمْزُ“: اَلْعَيْبُ، والغَضُّ مِنَ الإنْسانِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ عَيْبَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا لازِمٌ لَهُمْ، يَلْزَمُ العائِبَ عَيْبُ المَعِيبِ، ﴿وَلا تَنابَزُوا بِالألْقابِ﴾، و”اَلنَّبْزُ“، و”اَللَّقَبُ“، في مَعْنًى واحِدٍ، لا يَقُولُ المُسْلِمُ لِمَن كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا فَأسْلَمَ لَقَبًا يُعَيِّرُهُ فِيهِ بِأنَّهُ كانَ نَصْرانِيًّا، أوْ يَهُودِيًّا، ﴿بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ﴾، أيْ: بِئْسَ الِاسْمُ أنْ يَقُولَ لَهُ: ”يا يَهُودِيُّ“، و”يا نَصْرانِيُّ“، وقَدْ آمَنَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في كُلِّ لَقَبٍ يَكْرَهُهُ الإنْسانُ، لِأنَّهُ إنَّما يَجِبُ أنْ يُخاطِبَ المُؤْمِنُ أخاهُ بِأحَبِّ الأسْماءِ إلَيْهِ.
الحجرات 49:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾، أمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِاجْتِنابِ كَثِيرٍ مِنَ الظَّنِّ، وهو أنْ تَظُنَّ بِأهْلِ الخَيْرِ سُوءًا، (p-٣٧)إذا كُنّا نَعْلَمُ أنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِنهُ خَيْرٌ، فَأمّا أهْلُ السُّوءِ والفِسْقِ، فَلَنا أنْ نَظُنَّ بِهِمْ مِثْلَ الَّذِي ظَهَرَ مِنهُمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا﴾، و”اَلْغَيْبَةُ“: (أنْ يُذْكَرَ الإنْسانُ مِن خَلْفِهِ بِسُوءٍ، وإنْ كانَ فِيهِ السُّوءُ، وأمّا ذِكْرُهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، فَذَلِكَ ”اَلْبَهْتُ“، و”اَلْبُهْتانُ“، (كَذَلِكَ جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا﴾، ويَجُوزُ ”مَيِّتًا“، وتَأْوِيلُهُ أنَّ ذِكْرَكَ بِسُوءٍ مَن لَمْ يَحْضُرْ لَكَ، بِمَنزِلَةِ أكْلِ لَحْمِهِ، وهو مَيِّتٌ، لا يُحِسُّ هو بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ تَقُولُ لِلْمُغْتابِ: ”فُلانٌ يَأْكُلُ لُحُومَ النّاسِ“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَكَرِهْتُمُوهُ“، فَتَأْوِيلُهُ: ”كَما تَكْرَهُونَ أكْلَ لَحْمِهِ مَيْتًا، كَذَلِكَ تَجَنَّبُوا ذِكْرَهُ بِالسُّوءِ غائِبًا“.
الحجرات 49:13
وَقَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾، خَلَقْناكم مِن آدَمَ، وحَوّاءَ، وكُلُّكم بَنُو أبٍ واحِدٍ، وأُمٍّ واحِدَةٍ، إلَيْهِما تَرْجِعُونَ، ﴿وَجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا﴾، و”اَلشَّعْبُ“، أعْظَمُ مِنَ القَبِيلَةِ، أيْ: لَمْ يَجْعَلْكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتُفاخِرُوا، وإنَّما جَعَلْناكم كَذَلِكَ لِتَتَعارَفُوا، ثُمَّ أعْلَمَهُمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ أرْفَعَهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً أتْقاهُمْ، فَقالَ: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾، ولَوْ قُرِئَتْ: ”أنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ“، جازَ ذَلِكَ، عَلى مَعْنى: ”وَجَعَلْناكم (p-٣٨)شُعُوبًا لِيَعْرِفَ بَعْضُكم بَعْضًا لِأنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ“.
الحجرات 49:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنا ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾، وهَذا مَوْضِعٌ يَحْتاجُ النّاسُ إلى تَفَهُّمِهِ، وأيْنَ يَنْفَصِلُ المُؤْمِنُ مِنَ المُسْلِمِ، وأيْنَ يَسْتَوِيانِ، والإسْلامُ إظْهارُ الخُضُوعِ، والقَبُولِ لِما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وبِذَلِكَ يُحْقَنُ الدَّمُ، فَإنْ كانَ مَعَ ذَلِكَ الإظْهارِ اعْتِقادٌ وتَصْدِيقٌ بِالقَلْبِ، فَذَلِكَ الإيمانُ، الَّذِي مَن هو صِفَتُهُ فَهو مُؤْمِنٌ مُسْلِمٌ، وهو المُؤْمِنُ بِاللَّهِ، ورَسُولِهِ، غَيْرَ مُرْتابٍ، ولا شاكٍّ، وهو الَّذِي يَرى أنَّ أداءَ الفَرائِضِ واجِبٌ عَلَيْهِ، وأنَّ الجِهادَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ واجِبٌ عَلَيْهِ، لا يَدْخُلُهُ في ذَلِكَ رَيْبٌ، فَهو المُؤْمِنَ، وهو المُسْلِمُ حَقًّا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥]، أيْ: إذا قالُوا إنّا مُؤْمِنُونَ، فَهُمُ الصّادِقُونَ، فَأمّا مَن أظْهَرَ قَبُولَ الشَّرِيعَةِ، واسْتَسْلَمَ لِدَفْعِ المَكْرُوهِ، فَهو في الظّاهِرِ مُسْلِمٌ، وباطِنُهُ غَيْرُ مُصَدِّقٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ: ”أسْلَمْتُ“، لِأنَّ الإيمانَ لا بُدَّ مِن أنْ يَكُونَ صاحِبُهُ صِدِّيقًا، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”آمَنتُ بِكَذا وكَذا“، مَعْناهُ: ”صَدَّقْتُ بِهِ“، فَأخْرَجَ اللَّهُ هَؤُلاءِ مِنَ الإيمانِ، فَقالَ: ﴿وَلَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِكُمْ﴾، أيْ: لَمْ تُصَدِّقُوا، إنَّما أسْلَمْتُمْ تَعَوُّذًا مِنَ القَتْلِ، فالمُؤْمِنُ مُبْطِنٌ مِنَ التَّصْدِيقِ مِثْلَ ما يُظْهِرُ، والمُسْلِمُ التّامُّ الإسْلامِ، وهو مُظْهِرُ الطّاعَةِ، مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِها، والمُسْلِمُ الَّذِي أظْهَرَ الإسْلامَ تَعَوُّذًا غَيْرُ مُؤْمِنٍ في الحَقِيقَةِ، إلّا أنَّ حُكْمَهُ في الظّاهِرِ حُكْمُ المُسْلِمِينَ.
الحجرات 49:17
(p-٣٩)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إسْلامَكم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكم أنْ هَداكم لِلإيمانِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، قِيلَ: إنَّ هَذِهِ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فاعْلَمُوا أنَّكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، فَإنَّكم قَدْ أسْلَمْتُمْ، فَلِلَّهِ المَنُّ عَلَيْكُمْ، لِإخْراجِهِ إيّاكم مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، وقَدْ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في غَيْرِ المُنافِقِينَ، في قَوْمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، قالُوا: آمَنّا، وهاجَرْنا، وفَعَلْنا، وصَنَعْنا، فَمَنُّوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ بِذَلِكَ، والأشْبَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَإنْ تُطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِن أعْمالِكم شَيْئًا﴾ [الحجرات: ١٤]، ويُقْرَأُ: ”لا يَأْلَتْكُمْ“، فَمَن قَرَأ: ”يَأْلَتْكُمْ“، فَدَلِيلُهُ ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، ومَعْناهُ: ”وَما نَقَصْناهُمْ“، وكَذَلِكَ ”لا يَأْلَتْكُمْ“: لا يَنْقُصْكُمْ، ومَن قَرَأ: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، فَهو مِن ”لاتَ، يَلِيتُ“، يُقالُ: ”لاتَهُ، يَلِيتُهُ“، و”ألاتَهُ، يُلِيتُهُ“، إذا نَقَصَهُ أيْضًا، والمَعْنى فِيهِما واحِدٌ، أعْنِي ”يَأْلَتْكُمْ“، و”يَلِتْكُمْ“، والقِراءَةُ: ﴿لا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]، أكْثَرُ، والأُخْرى - أعْنِي ”يَأْلَتْكُمْ“ - جَيِّدَةٌ بالِغَةٌ، ودَلِيلُها في القُرْآنِ عَلى ما وصَفْنا.
(p-٤٠)
ق 50:1
(p-٤١)سُورَةُ ق
خَمْسٌ وأرْبَعُونَ آيَةً
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾، أكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ، وما جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ مَجازَ ”ق“، مَجازُ الحُرُوفِ الَّتِي تَكُونُ في أوائِلِ السُّوَرِ، نَحْوَ ”ن“، و”الـم“، و”ص“، وقَدْ فَسَّرْنا ذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ”قافْ“، مَعْنى: قُضِيَ الأمْرُ، كَما قِيلَ ”حـم“: ”حُمَّ الأمْرُ“، واحْتَجَّ الَّذِينَ قالُوا مِن أهْلِ اللُّغَةِ: إنَّ مَعْنى ”ق“، بِمَعْنى ”قُضِيَ الأمْرُ“، بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎قُلْنا لَها قِفِي قالَتْ قافْ ∗∗∗ لا تَحْسَبِي أنّا نَسِينا الإيجافْ
مَعْناهُ: ”فَقالَتْ: أقِفُ“، ومَذْهَبُ النّاسِ أنَّ ”قافْ“، اِبْتِداءٌ لِلسُّورَةِ، عَلى ما وصَفْنا، وقَدْ جاءَ في بَعْضِ التَّفْسِيرِ أنَّ ”قافْ“، جَبَلٌ مُحِيطٌ بِالدُّنْيا، مِن ياقُوتَةٍ خَضْراءَ، وأنَّ السَّماءَ بَيْضاءُ، وإنَّما اخْضَرَّتْ مِن خُضْرَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ، وجَوابُ القَسَمِ في ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾، مَحْذُوفٌ، يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ [ق: ٣]، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”والقُرْآنِ المَجِيدِ إنَّكم لَمَبْعُوثُونَ“، فَعَجِبُوا، فَقالُوا ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ [ق: ٣]، (p-٤٢)أيْ: أنُبْعَثُ إذا مِتْنا، وكُنّا تُرابًا، ولَوْ لَمْ يَكُنْ ”إذا“، مُتَعَلِّقًا، لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ فائِدَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣]، أيْ: يَبْعُدُ عِنْدَنا أنْ نُبْعَثَ بَعَدَ المَوْتِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجَوابُ ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ﴾ [ق: ٤]، فَيَكُونَ المَعْنى: ”ق والقُرْآنِ المَجِيدِ لَقَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ“، وحُذِفَتِ اللّامُ، لِأنَّ ما قَبْلَها عِوَضٌ مِنها، كَما قالَ: ﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ [الشمس: ١]، إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]، اَلْمَعْنى: ”لَقَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها“، والمَعْنى ”ما تَنَقُصُ الأرْضُ مِنهُمْ“: ”ما تَأْخُذُهُ الأرْضُ مِن لُحُومِهِمْ“.
ق 50:5
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالحَقِّ لَمّا جاءَهم فَهم في أمْرٍ مَرِيجٍ﴾، ”مَرِيجٍ“: مُخْتَلِفٍ، مُلْتَبِسٍ عَلَيْهِمْ، مَرَّةً يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ”شاعِرٌ“، ومَرَّةً: ”ساحِرٌ“، ومَرَّةً: ”مُعَلَّمٌ“، فَهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْرَهم مَرِيجٌ، مُلْتَبِسٌ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ دَلَّهم - عَزَّ وجَلَّ - عَلى قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِهِمْ بَعْدَ المَوْتِ، بِعَظِيمِ خَلْقِهِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها﴾ [ق: ٦]، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - مُمْسِكُها بِغَيْرِ عَمَدٍ مِن أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ، ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦]، لا صَدْعَ فِيها، ولا فُرْجَةَ، ﴿والأرْضَ مَدَدْناها وألْقَيْنا فِيها رَواسِيَ﴾ [ق: ٧]، و”اَلرَّواسِي“: اَلْجِبالُ، ﴿وَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] ﴿تَبْصِرَةً وذِكْرى﴾ [ق: ٨]، (p-٤٣)أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُبَصِّرَ بِهِ، ونَدُلَّ عَلى القُدْرَةِ، ثُمَّ قالَ ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨]، أيْ: لِكُلِّ عَبْدٍ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ، ويُفَكِّرُ في قُدْرَتِهِ.
ق 50:9
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾، أيْ: وأنْبَتْنا فِيها حَبَّ الحَصِيدِ، فَجَمَعَ بِذَلِكَ جَمِيعَ ما يُقْتاتُ بِهِ، مِن حَبِّ الحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، وكُلِّ ما حُصِدَ.
ق 50:10
﴿والنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾، بِسُوقِها طُولُها، المَعْنى: ”وَأنْبَتْنا فِيها هَذِهِ الأشْياءَ“.
ق 50:11
وَقَوْلُهُ: ﴿رِزْقًا لِلْعِبادِ﴾، يَنْتَصِبُ عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى: ”رَزَقْناهم رِزْقًا“، لِأنَّ إنْباتَهُ هَذِهِ الأشْياءِ رِزْقٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، المَعْنى: ”فَأنْبَتْنا هَذِهِ الأشْياءَ لِلرِّزْقِ“، ثُمَّ قالَ: ﴿كَذَلِكَ الخُرُوجُ﴾، أيْ: كَما خَلَقْنا هَذِهِ الأشْياءَ نَبْعَثُكم.
ق 50:14
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾، أيْ: فَحَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ، والوَعِيدِ، لِلْمُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤] ﴿لا يَصْلاها إلا الأشْقى﴾ [الليل: ١٥] ﴿الَّذِي كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [الليل: ١٦]
ق 50:15
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾، هَذا تَقْرِيرٌ، لِأنَّهُمُ اعْتَرَفُوا بِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - الخالِقُ، وأنْكَرُوا البَعْثَ، فَقالَ: ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾، يُقالُ: ”عَيِيتُ بِالأمْرِ“، إذا لَمْ تَعْرِفْ وجْهَهُ، و”أعْيَيْتُ“، إذا تَعِبْتَ.
(p-٤٤)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلْ هم في لَبْسٍ مِن خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أيْ: بَلْ هم في لَبْسٍ مِنَ البَعْثِ.
ق 50:16
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، أيْ: نَعْلَمُ ما يُخْفِي، وما يُكِنُّهُ في نَفْسِهِ، ﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾، و”اَلْوَرِيدُ“: عِرْقٌ في باطِنِ العُنُقِ، وهُما ورِيدانِ، قالَ الشّاعِرُ.
؎كَأنَّ ورِيداهُ رِشاءا خُلْبِ
يَعْنِي مِن لِيفٍ.
ق 50:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذْ يَتَلَقّى المُتَلَقِّيانِ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ ”اَلْمُتَلَقِّيانِ“: كاتِباهُ المُوَكَّلانِ بِهِ، يَتَلَقَّيانِ ما يَعْمَلُهُ، فَيُثْبِتانِهِ، المَعْنى: ”عَنِ اليَمِينِ قَعِيدٌ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ“، فَدَلَّ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَحَذَفَ المَدْلُولَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما عِنْـ ∗∗∗ ـدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ
أيْ: نَحْنُ بِما عِنْدَنا راضُونَ، وأنْتَ بِما عِنْدَكَ راضٍ، ومِثْلُهُ أيْضًا:
؎رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمانِي
اَلْمَعْنى: رَمانِي بِأمْرٍ كُنْتُ مِنهُ بَرِيئًا، ووالِدِي بَرِيئًا مِنهُ.
ق 50:18
(p-٤٥)وَقَوْلُهُ ﴿عَتِيدٌ﴾، ”عَتِيدٌ“، أيْ: ثابِتٌ لازِمٌ.
ق 50:19
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾، أيْ: جاءَتِ السَّكْرَةُ الَّتِي تَدُلُّ الإنْسانَ عَلى أنَّهُ مَيِّتٌ، ﴿بِالحَقِّ﴾، أيْ: بِالمَوْتِ، الَّذِي خُلِقَ لَهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: ”وَجاءَتْ سَكْرَةُ الحَقِّ بِالمَوْتِ“، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، والمَعْنى واحِدٌ، وقِيلَ: ”اَلْحَقُّ“، هَهُنا: اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ.
ق 50:21
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”سائِقٌ“، يَسُوقُها إلى مَحْشَرِها، ”وَشَهِيدٌ“، يَشْهَدُ عَلَيْها بِعَمَلِها، وقِيلَ: ”وَشَهِيدٌ“، هو العَمَلُ نَفْسُهُ.
ق 50:22
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كُنْتَ في غَفْلَةٍ مِن هَذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾، وهَذا مَثَلٌ، المَعْنى: ”كُنْتَ بِمَنزِلَةِ مَن عَلَيْهِ غِطاءٌ، وعَلى قَلْبِهِ غِشاوَةٌ، ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾، أيْ: فَعِلْمُكَ بِما أنْتَ فِيهِ نافِذٌ، لَيْسَ يُرادُ بِهَذا البَصَرَ مِن بَصَرِ العَيْنِ، كَما تَقُولُ:“فُلانٌ بَصِيرٌ بِالنَّحْوِ، والفِقْهِ”، تُرِيدُ:“عالِمًا بِهِما"، ولَمْ تُرِدْ بَصَرَ العَيْنِ.
ق 50:23
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هَذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾، ”ما“، رُفِعَ بِـ ”هَذا“، و”عَتِيدٌ“، صِفَةٌ لِـ ”ما“، فِيمَن جَعَلَ ”ما“، في مَذْهَبِ النَّكِرَةِ، المَعْنى: ”هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى وجْهَيْنِ، غَيْرِ هَذا الوَجْهِ، عَلى أنْ يُرْفَعَ ”عَتِيدٌ“، بِإضْمارٍ، كَأنَّكَ قُلْتَ: ”هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ هو عَتِيدٌ“، ويَجُوزُ أنْ تَرْفَعَهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، كَما تَقُولُ: ”هَذا حُلْوٌ حامِضٌ“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”هَذا شَيْءٌ لَدَيَّ عَتِيدٌ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعُهُ عَلى البَدَلِ مِن ”ما“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”هَذا عَتِيدٌ“.
ق 50:24
وَقَوْلُهُ: ﴿ألْقِيا في جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ﴾، أيْ: عَنِدَ عَنِ الحَقِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ألْقِيا﴾، اَلْوَجْهُ عِنْدِي - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ أمَرَ المَلَكَيْنِ، لِأنَّ ﴿ألْقِيا﴾، لِلِاثْنَيْنِ، وقالَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ: إنَّ العَرَبَ (p-٤٦)تَأْمُرُ الواحِدَ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، فَتَقُولُ: ”قُوما واضْرِبا زَيْدًا يا رَجُلُ“، ورَوَوْا أنَّ الحَجّاجَ كانَ يَقُولُ: ”يا حَرَسِي اضْرِبا عُنُقَهُ“، وقالُوا: إنَّما قِيلَ ذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ العَرَبُ فِيمَن تَأْمُرُهُ بِلَفْظِ الِاثْنَيْنِ، نَحْوَ:
؎خَلِيلَيَّ مُرّا بِي عَلى أُمِّ جُنْدَبٍ
؎قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: هَذا فِعْلٌ مُثَنًّى تَوْكِيدًا، كَأنَّهُ لَمّا قالَ ”ألْقِيا“، نابَ عَنْ قَوْلِهِ: ”ألْقِ، ألْقِ“، وكَذَلِكَ عِنْدَهُ ”قِفا“، مَعْناهُ عِنْدَهُ: ”قِفْ، قِفْ“، فَنابَ عَنْ فِعْلَيْنِ، فَبُنِيَ، وهَذا قَوْلٌ صالِحٌ، وأنا أعْتَقِدُ أنَّهُ أمَرَ الِاثْنَيْنِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
ق 50:27
وَقَوْلُهُ: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ ولَكِنْ كانَ في ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾، اَلْمَعْنى: إنَّما طَغى، وهو بِضَلالِهِ، وإنَّما دَعَوْتُهُ فاسْتَجابَ، كَما قالَ: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢]
ق 50:29
وَقَوْلُهُ: ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، أيْ: مَن عَمِلَ حَسَنَةً، فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها، ومَن عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إلّا مِثْلَها.
ق 50:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ﴾، وقُرِئَتْ: ”يَوْمَ يَقُولُ لِجَهَنَّمَ“، نُصِبَ ”يَوْمَ“، عَلى وجْهَيْنِ: عَلى مَعْنى: ”ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ في ذَلِكَ اليَوْمِ“، وعَلى مَعْنى: ”أنْذِرْهم يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ“، كَما قالَ: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ﴾ [مريم: ٣٩] (p-٤٧)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلِ امْتَلأْتِ﴾، أيْ: ”أمْ لَمْ تَمْتَلِئِي؟“، وإنَّما السُّوالُ تَوْبِيخٌ لِمَن أُدْخِلَها، وزِيادَةٌ في مَكْرُوهِهِ، ودَلِيلٌ عَلى تَصْدِيقِ قَوْلِهِ: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، فَفِيهِ وجْهانِ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، أحَدُهُما أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ امْتِلائِها، فَتَقُولُ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، أيْ: ”هَلْ بَقِيَ فِيَّ مَوْضِعٌ لَمْ يَمْتَلِئْ؟“، أيْ: قَدِ امْتَلَأْتُ، ووَجْهٌ آخَرُ: تَقُولُ: ”هَلْ مِن مَزِيدٍ“، تَغَيُّظًا عَلى مَن عَصى، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢]، فَأمّا قَوْلُها هَذا، ومُخاطَبَتُها، فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَعَلَ فِيها ما بِهِ تُمَيِّزُ وتَخاطِبُ، كَما جَعَلَ فِيما خَلَقَ أنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِهِ، وكَما جَعَلَ في النَّمْلَةِ أنْ قالَتْ: ﴿يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨]، وقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها امْتَلَأتْ، فَصارَتْ صُورَتُها صُورَةَ مَن لَوْ مَيَّزَ لَقالَ: ﴿هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎اِمْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قُطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وَلَيْسَ هُناكَ قَوْلٌ، وهَذا لَيْسَ يُشْبِهُ ذاكَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّ المَخْلُوقاتِ تُسَبِّحُ، وأنَّنا لا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها، فَلَوْ كانَ إنَّما هو أنْ يَدُلَّ عَلى أنَّها مَخْلُوقَةٌ كُنّا نَفْقَهُ تَسْبِيحَها.
ق 50:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾، اَلْمَعْنى: لَهم فِيها ما يَشاؤُونَ، ولَدَيْنا مَزِيدٌ مِمّا لَمْ يَخْطُرْ عَلى قُلُوبِهِمْ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ السَّحابَ يَمُرُّ بِأهْلِ الجَنَّةِ فَيُمْطِرُ لَهُمُ الحُورَ، فَيَقُولُ الحُورُ: "نَحْنُ اللّاتِي قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِنَّ: ﴿وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾
ق 50:36
(p-٤٨)﴿وَكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هم أشَدُّ مِنهم بَطْشًا﴾، اِخْتَلَفَ النّاسُ في القَرْنِ، (فَقالَ قَوْمٌ: اَلْقَرْنُ عَشْرُ سِنِينَ، وقالَ قَوْمٌ: ثَلاثُونَ سَنَةً، وقالَ قَوْمٌ: أرْبَعُونَ سَنَةً، وقالَ قَوْمٌ: سَبْعُونَ سَنَةً، وقالُوا: مِائَةُ سَنَةٍ، وقالَ قَوْمُ: مِائَةٌ وعِشْرُونَ سَنَةً، والقَرْنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - مِقْدارُ التَّوَسُّطِ في أعْمارِ أهْلِ الزَّمانِ، فالقَرْنُ في قَوْمِ نُوحٍ عَلى مِقْدارِ أعْمارِهِمْ، واشْتِقاقُهُ مِن ”اَلِاقْتِرانُ“، فَكَأنَّهُ المِقْدارُ الَّذِي هو أكْبَرُ ما يَقْتَرِنُ فِيهِ أهْلُ ذَلِكَ الزَّمانِ في بَقائِهِمْ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَنَقَّبُوا في البِلادِ هَلْ مِن مَحِيصٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”فَنَقَبُوا“، بِالتَّشْدِيدِ، والتَّخْفِيفِ، المَعْنى: ”طَوَّقُوا، وفَتَّشُوا، فَلَمْ يَرَوْا مَحِيصًا مِنَ المَوْتِ“، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:
؎لَقَدْ نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ
وَتُقْرَأُ: ”فَنَقِّبُوا في البِلادِ“، أيْ: ”فَتِّشُوا، وانْظُرُوا“، ومِن هَذا ”نَقِيبُ القَوْمِ“، لِلَّذِي يَعْرِفُ أمْرَهُمْ، مِثْلَ: ”اَلْعَرِّيفُ“.
ق 50:37
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾، وقُرِئَتْ: ”أوْ أُلْقِيَ السَّمْعُ“، ومَعْنى ”مَن كانَ لَهُ قَلْبٌ“، أيْ: مَن صَرَفَ قَلْبَهُ إلى التَّفَهُّمِ، ألا تَرى أنَّ قَوْلُهُ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨]، أنَّهم لَمْ يَسْتَمِعُوا اسْتِماعَ مُتَفَهِّمٍ، مُسْتَرْشِدٍ، فَجُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن لَمْ يَسْمَعْ؟ كَما قالَ الشّاعِرُ: (p-٤٩)
؎أصَمُّ عَمّا ساءَهُ سَمِيعُ
وَمَعْنى ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ﴾، أيْ: اِسْتَمَعَ، ولَمْ يَشْغَلْ قَلْبَهُ بِغَيْرِ ما يَسْمَعُ، والعَرَبُ تَقُولُ: ”ألْقِ إلَيَّ سَمْعَكَ“، أيْ: اِسْتَمِعْ مِنِّي، ومَعْنى ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أيْ: وقَلْبُهُ فِيما يَسْمَعُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ أهْلُ الكِتابِ، الَّذِينَ كانَتْ عِنْدَهم صِفَةُ النَّبِيِّ ﷺ، فالمَعْنى عَلى هَذا التَّفْسِيرِ: ﴿أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾، أنَّ صِفَةَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في كِتابِهِ.
ق 50:38
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾، ”اَللُّغُوبُ“: اَلتَّعَبُ، والإعْياءُ، يُقالُ: ”لَغَبَ، يَلْغُبُ، لُغُوبًا“، وهَذا - فِيما ذُكِرَ - أنَّ اليَهُودَ - لُعِنَتْ - قالَتْ: "خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامِ، أوَّلُها الأحَدُ، وآخِرُها الجُمُعَةُ، واسْتَراحَ يَوْمَ السَّبْتِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ خَلَقَها في سِتَّةِ أيّامٍ، وسُبْحانَهُ وتَعالى أنْ يُوصَفَ بِتَعَبٍ، أوْ نَصَبٍ، .
ق 50:39
ثُمَّ قالَ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ الغُرُوبِ﴾، يَعْنِي ”قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ“: صَلاةَ الفَجْرِ، ”وَقَبْلَ الغُرُوبِ“: صَلاةَ العَصْرِ.
ق 50:40
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ﴾، صَلاةَ المَغْرِبِ، ﴿وَأدْبارَ السُّجُودِ﴾، اَلرَّكْعَتانِ بَعْدَ صَلاةِ المَغْرِبِ، عَلى هَذا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِالتَّسْبِيحِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الصَّلاةِ، ويُقْرَأُ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وأدْبارَ السُّجُودِ﴾، و”إدْبارَ السُّجُودِ“، فَمَن قَرَأ: ”وَأدْبارَ“، بِفَتْحِ الألِفِ، فَهو جَمْعُ ”دُبُرٌ“، ومَن قَرَأ و”إدْبارَ“، فَهو عَلى مَصْدَرِ ”أدْبَرَ، يُدْبِرُ، إدْبارًا“.
ق 50:41
(p-٥٠)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ يُعْنى بِهِ أنَّهُ يُنادى بِالحَشْرِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ، وقِيلَ: هي الصَّخْرَةُ الَّتِي في بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُقالُ: إنَّها في وسَطِ الأرْضِ.
ق 50:42
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ الخُرُوجِ﴾، أيْ: يَوْمُ يُبْعَثُونَ، ويُخْرَجُونَ، ومِثْلُهُ ﴿يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦] ﴿خُشَّعًا أبْصارُهم يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ كَأنَّهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ [القمر: ٧]، و”اَلْأجْداثُ“: اَلْقُبُورُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: ”يَوْمُ الخُرُوجِ“، مِن أسْماءِ يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ العَجاجِ:
؎ألَيْسَ يَوْمٌ سُمِّيَ الخُرُوجا ∗∗∗ أعْظَمَ يَوْمٍ رَجَّةً رَجُوجا؟
ق 50:45
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾، هَذا كَما قالَ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، وهَذا قَبْلَ أنْ يُؤْمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالحَرْبِ، لِأنَّ سُورَةَ ”ق“، مَكِّيَّةٌ.
الذاريات 51:1
(p-٥١)سُورَةُ ”اَلذّارِياتِ“.
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، أنَّ الكَوّاءَ سَألَهُ عَنْ ﴿والذّارِياتِ ذَرْوًا﴾، فَقالَ عَلِيٌّ: ”هِيَ الرِّياحُ“، قالَ: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]، قالَ: ”اَلسَّحابُ“، قالَ: ﴿فالجارِياتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات: ٣]، قالَ: ”اَلْفُلْكُ“، قالَ: ﴿فالمُقَسِّماتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٤]، قالَ: ”اَلْمَلائِكَةُ“، والمُفَسِّرُونَ جَمِيعًا يَقُولُونَ بِقَوْلِ عَلِيٍّ في هَذا.
﴿والذّارِياتِ﴾، مَجْرُورٌ عَلى القَسَمِ، المَعْنى: ”أحْلِفُ بِالذّارِياتِ“، وبِهَذِهِ الأشْياءِ، والجَوابُ: ﴿إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ [الذاريات: ٥]، وقالَ قَوْمٌ: اَلْمَعْنى: ”وَرَبِّ الذّارِياتِ ذَرْوًا“، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [الذاريات: ٢٣]، و”اَلذّارِياتُ“، مِن ”ذَرَتِ الرِّيحُ، تَذْرُو“، إذا فَرَّقَتِ التُّرابَ، وغَيْرَهُ، يُقالُ: ”ذَرَتِ الرِّيحُ“، و”أذْرَتْ“، بِمَعْنًى واحِدٍ، ”ذَرَتْ، فَهي ذارِيَةٌ، وهُنَّ ذارِياتٌ“، و”أذْرَتْ، فَهي مُذْرِيَةٌ، ومُذْرِياتٌ“، لِلْجَماعَةِ، و”ذارِياتٌ“، أيْضًا، والمَعْنى: ”وَرَبِّ الرِّياحِ الذّارِياتِ، ورَبِّ السُّفُنِ الجارِياتِ، ورَبِّ المَلائِكَةِ المُقَسِّماتِ، إنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ“.
الذاريات 51:6
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾، أيْ: ”إنَّ المُجازاةَ عَلى أعْمالِكم لَواقِعَةٌ“.
الذاريات 51:7
(p-٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها ذاتُ الخُلُقِ الحَسَنِ، وأهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ: ”ذاتِ الحُبُكِ“: ذاتُ الطَّرائِقِ الحَسَنَةِ، و”اَلْمَحْبُوكُ“، في اللُّغَةِ: ما أُجِيدَ عَمَلُهُ، وكُلُّ ما تَراهُ مِنَ الطَّرائِقِ في الماءِ، وفي الرَّمْلِ، إذا أصابَتْهُ الرِّيحُ فَهو ”حُبُكٌ“، وواحِدُها ”حِباكٌ“، مِثْلَ: ”مِثالٌ“، و”مُثُلٌ“، وتَكُونُ واحِدَتُها أيْضًا: ”حَبِيكَةٌ“، مِثْلَ: ”طَرِيقَةٌ“، و”طُرُقٌ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكم لَفي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ [الذاريات: ٨]، أيْ: في أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
الذاريات 51:9
﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾، أيْ: يُصْرَفُ عَنْهُ مَن صُرِفَ.
الذاريات 51:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿قُتِلَ الخَرّاصُونَ﴾، هُمُ الكَذّابُونَ، تَقُولُ: ”قَدْ تَخَرَّصَ عَلَيَّ فُلانٌ الباطِلَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلْخَرّاصُونَ“: اَلَّذِينَ يَتَظَنَّوْنَ الشَّيْءَ، لا يُحِقُّونَهُ، فَيَعْمَلُونَ بِما لا يَدْرُونَ صِحَّتَهُ.
الذاريات 51:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَسْألُونَ أيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾، ويَجُوزُ: ”إيّانَ“، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وفَتْحِها، أيْ: يَقُولُونَ: مَتى يَوْمُ الجَزاءِ.
الذاريات 51:13
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ﴾، بِنَصْبِ ”يَوْمَ“، ويَجُوزُ: ”يَوْمُ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ“، فَمَن نَصَبَ فَهو عَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما عَلى مَعْنى: ”يَقَعُ الجَزاءُ يَوْمَ هم عَلى النّارِ يُفْتَنُونَ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لَفْظُهُ لَفْظَ نَصْبٍ، ومَعْناهُ مَعْنى رَفْعٍ، لِأنَّهُ مُضافٌ إلى جُمْلَةِ كَلامٍ، تَقُولُ: ”يُعْجِبُنِي يَوْمَ أنْتَ قائِمٌ“، و”يَوْمُ أنْتَ قائِمٌ“، و”يَوْمُ أنْتَ تَقُومُ“، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتَ، وهو في مَوْضِعِ رَفْعٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎لَمْ يَمْنَعِ الشُّرْبَ مِنها غَيْرَ أنْ نَطَقَتْ ∗∗∗ حَمامَةٌ في غُصُونٍ ذاتِ أوْقالِ
وَقَدْ رُوِيَتْ ”غَيْرُ أنْ نَطَقَتْ“، لَمّا أضافَ ”غَيْرُ“، إلى ”أنْ“، ولَيْسَتْ بِمُتَمَكِّنَةٍ فُتِحَ، وكَذَلِكَ لَمّا أضافَ ”يَوْمُ“، إلى ”هم عَلى النّارِ“، فُتِحَ، وكَما قُرِئَتْ: (p-٥٣)”وَمِن خِزْيِ يَوْمَئْذٍ“، فَفَتَحْتَ ”يَوْمَ“، وهو في مَوْضِعِ خَفْضٍ، لِأنَّكَ أضَفْتَهُ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، ومَعْنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾، يُحْرَقُونَ ويُعَذَّبُونَ، ومِن ذَلِكَ يُقالُ لِلْحِجارَةِ السُّودِ الَّتِي كَأنَّها قَدْ أُحْرِقَتْ بِالنّارِ ”اَلْفَتِينُ“.
الذاريات 51:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿آخِذِينَ ما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الذاريات: ١٦]، أعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - ما لِأهْلِ النّارِ، ثُمَّ أعْلَمُ ما لِأهْلِ الجَنَّةِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿وَإنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦]، أعْلَمَ جَزاءَ أهْلِ الجَنَّةِ، وجَزاءَ أهْلِ النّارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿آخِذِينَ﴾ [الذاريات: ١٦]، نَصْبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ وعُيُونٍ في حالِ أخْذِ ما آتاهم رَبُّهُمْ“، ولَوْ كانَ في غَيْرِ القُرْآنِ لَجازَ: ”آخِذُونَ“، ولَكِنَّ المُصْحَفَ لا يُخالَفُ، ويَكُونُ المَعْنى: ”إنَّ المُتَّقِينَ آخِذُونَ ما آتاهم رَبُّهم في جَنّاتٍ وعُيُونٍ“، والوَجْهُ الأوَّلُ أجْوَدُ في المَعْنى، وعَلَيْهِ القِراءَةُ.
الذاريات 51:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”كانُوا يَهْجَعُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ“، أيْ: ”كانُوا يَنامُونَ قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ“، ثُمَّ أعْلَمُ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في أيِّ شَيْءٍ كانَ سَهَرُهُمْ، فَقالَ: ﴿وَبِالأسْحارِ هم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”ما“، مُؤَكِّدَةً، لَغْوًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ”ما“، مَعَ ما بَعْدَها مَصْدَرًا، يَكُونَ المَعْنى: ”كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ هُجُوعُهُمْ“.
الذاريات 51:19
﴿وَفِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾، ”اَلْمَحْرُومُ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ: اَلَّذِي لا يَنْمُو لَهُ مالٌ، والأكْثَرُ في اللُّغَةِ: لا يَنْمِي لَهُ مالٌ، وجاءَ أيْضًا أنَّهُ ”اَلْمُجازِفُ“، اَلَّذِي لا يَكادُ يَكْتَسِبُ.
الذاريات 51:23
قَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ﴾، (p-٥٤)أيْ: ”إنَّ ما أتى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ حَقٌّ، وإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢]، حَقٌّ“، فالمَعْنى أنَّ هَذا الَّذِي ذَكَرْنا في أمْرِ الآياتِ، والرِّزْقِ، وأمْرِ النَّبِيِّ ﷺ حَقٌّ، ﴿مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾، وقُرِئَتْ: ”مِثْلُ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ“، وهَذا كَما تَقُولُ في الكَلامِ: ”إنَّ هَذا لَحَقٌّ، كَما أنَّكَ مُتَكَلِّمٌ“، فَمَن رَفَعَ ”مِثْلُ“، فَهي مِن صِفَةِ الحَقِّ، المَعْنى: ”إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلُ نُطْقِكُمْ“، ومَن نَصَبَ، فَعَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ، إلّا أنَّهُ لَمّا أُضِيفَ إلى ”أنَّ“، فُتِحَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى التَّوْكِيدِ، عَلى مَعْنى: ”إنَّهُ لَحَقٌّ حَقًّا مِثْلَ نُطْقِكُمْ“.
الذاريات 51:24
وَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لَمّا أتَتْهُ المَلائِكَةُ أكْرَمَهم بِالعِجْلِ، وقِيلَ: أكْرَمُهم بِأنَّهُ خَدَمَهم - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ.
الذاريات 51:25
﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾، وقُرِئَتْ: ”قالَ سِلْمٌ“، فَنَصْبُ الأُولى عَلى مَعْنى: ”اَلسَّلامُ عَلَيْكم سَلامًا“، و”سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا“، ومَن قَرَأ، ﴿قالَ سَلامٌ﴾، فَهو عَلى وجْهَيْنِ: عَلى مَعْنى: ”قالَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”أمْرُنا سَلامٌ“، ومَن قَرَأ: ”سِلْمٌ“، فالمَعْنى: ”قالَ سِلْمٌ“، أيْ: ”أمْرِي سِلْمٌ“، و”أمْرُنا سِلْمٌ“، أيْ: ”لا بَأْسَ عَلَيْنا“.
وَقَوْلُهُ: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾، رَفْعُهُ عَلى مَعْنى: ”أنْتُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ“.
الذاريات 51:26
﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، مَعْنى ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾، عَدَلَ إلَيْهِمْ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ لِأيِّ شَيْءٍ عَدَلَ، (p-٥٥)وَكَذَلِكَ يَقُولُ: ”راغَ فُلانٌ عَنّا“، إذا عَدَلَ عَنْهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ.
الذاريات 51:27
وَقَوْلُهُ: ﴿فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ لِيَأْكُلُوا مِنهُ، فَلَمْ يَأْكُلُوا، قالَ ألا تَأْكُلُونَ؟!“، عَلى النَّكِيرِ، أيْ: ”أمْرُكم في تَرْكِ الأكْلِ مِمّا أُنْكِرُهُ“.
الذاريات 51:28
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ﴾، مَعْنى ”أوْجَسَ“: وقَعَ في نَفْسِهِ الخَوْفُ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾، مَعْنى ”عَلِيمٍ“: أنَّهُ يَبْلُغَ، ويَعْلَمُ.
الذاريات 51:29
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾، و”اَلصَّرَّةُ“: شِدَّةُ الصِّياحِ، هَهُنا، ﴿فَصَكَّتْ وجْهَها﴾، أيْ: لَطَمَتْ وجْهَها.
﴿وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَقالَتْ أنا عَجُوزٌ عَقِيمٌ، وكَيْفَ ألِدُ؟!“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿قالَتْ يا ويْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢]
الذاريات 51:30
﴿قالُوا كَذَلِكَ قالَ رَبُّكِ﴾، أيْ: كَما قُلْنا لَكِ قالَ رَبُّكِ، أيْ: ”إنَّما نُخْبِرُكِ عَنِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، واللَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ، يَقْدِرُ أنْ يَجْعَلَ العَقِيمَ ولُودًا، والعَجُوزَ كَذَلِكَ“، فَعَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّهم رُسُلٌ، وأنَّهم مَلائِكَةٌ.
الذاريات 51:31
﴿قالَ فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ﴾، أيْ: ”ما شَأْنُكُمْ؟ وفِيمَ أُرْسِلْتُمْ؟“.
الذاريات 51:32
﴿قالُوا إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ﴾ ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]، أيْ: "إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ لِنُهْلِكَهم بِكُفْرِهَمْ.
الذاريات 51:34
﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾، (p-٥٦)أيْ: مُعَلَّمَةً، عَلى كُلِّ حَجْرٍ مِنها اسْمُ مَن جُعِلَ إهْلاكُهُ بِهِ، و”اَلْمُسَوَّمَةُ“: اَلْمُعَلَّمَةُ، أُخِذَ مِن ”اَلسُّومَةُ“، وهي العَلامَةُ.
الذاريات 51:37
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾، أيْ: تَرَكْنا في مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ عَلامَةً لِلْخائِفِينَ، تَدُلُّهم عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهُمْ، لِيُنَكِّلَ غَيْرَهم عَنْ فِعْلِهِمْ.
الذاريات 51:38
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي مُوسى إذْ أرْسَلْناهُ إلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، هَذا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الأرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٧]
وَقَوْلُهُ: ﴿بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ.
الذاريات 51:39
﴿فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ﴾، أيْ: تَوَلّى بِما كانَ يَتَقَوّى بِهِ مِن جُنْدِهِ ومُلْكِهِ، ﴿وَقالَ ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَقالَ: هَذا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ“.
الذاريات 51:40
﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ ”فَأخَذْناهُ، ورُكْنَهُ الَّذِي يَتَقَوّى بِهِ“، ﴿فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾، و”اَلْيَمُّ“: اَلْبَحْرُ، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾، أيْ: اَللّائِمَةُ لازِمَةٌ لَهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ الَّذِي فُعِلَ بِهِ بِكَفّارَةٍ لَهُ، و”اَلْمُلِيمُ“، في اللُّغَةِ: اَلَّذِي يَأْتِي بِما يَجِبُ أنْ يُلامَ عَلَيْهِ، ومَعْنى ”نَبَذْناهم“: ألْقَيْناهُمْ، وكُلُّ شَيْءٍ ألْقَيْتَهُ تَقُولُ فِيهِ: ”قَدْ نَبَذْتُهُ“، ومِن ذَلِكَ: ”نَبَذْتُ النَّبِيذَ“، ومِن ذَلِكَ تَقُولُ لِلْمَلْقُوطِ: ”مَنبُوذٌ“، لِأنَّهُ قَدْ رُمِيَ بِهِ.
الذاريات 51:41
وَقَوْلُهُ: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾، أيْ: ”وَفِي عادٍ أيْضًا آيَةٌ“، عَلى ما شَرَحْنا في قَوْلِهِ: ﴿وَفِي مُوسى﴾ [الذاريات: ٣٨]، والرِّيحُ العَقِيمُ: اَلَّتِي لا يَكُونُ مَعَها لَقْحٌ، أيْ: لا تَأْتِي بِمَطَرٍ، وإنَّما هي رِيحُ الإهْلاكِ.
الذاريات 51:42
﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾، (p-٥٧)وَ”اَلرَّمِيمُ“: اَلْوَرَقُ الجافُّ المُتَحَطِّمُ، مِثْلَ الهَشِيمِ، كَما قالَ: ﴿كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]
الذاريات 51:43
﴿وَفِي ثَمُودَ﴾، أيْ: وفي ثَمُودَ أيْضًا آيَةٌ.
الذاريات 51:46
وَقَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ﴾، قُرِئَتْ: ”وَقَوْمِ نُوحٍ“، بِالخَفْضِ، و”وَقَوْمَ نُوحٍ“، بِالنَّصْبِ، فَمَن خَفَضَ، فالمَعْنى: ”فِي قَوْمِ نُوحٍ“، ومَن نَصَبَ، فَهو عَطْفٌ عَلى مَعْنى قَوْلِهُ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وهم يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤]، ومَعْنى ”أخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ“: أهْلَكْناهُمْ، فالمَعْنى: ”فَأهْلَكْناهُمْ، وأهْلَكْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ“، والأحْسَنُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهم في اليَمِّ﴾ [الذاريات: ٤٠]، لِأنَّ المَعْنى: ”فَأغْرَقْناهُ وجُنُودَهُ، وأغْرَقْنا قَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ“.
الذاريات 51:47
﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾، أيْ: بِقُوَّةٍ، ﴿وَإنّا لَمُوسِعُونَ﴾، جَعَلْنا بَيْنَها وبَيْنَ الأرْضِ سَعَةً.
الذاريات 51:48
﴿والأرْضَ فَرَشْناها﴾، عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، المَعْنى: ”وَفَرَشْنا الأرْضَ فَرَشْناها“، ومَعْنى ﴿فَنِعْمَ الماهِدُونَ﴾ ”نَحْنُ“، ولَكِنَّ اللَّفْظَ بِقَوْلِهِ: ”فَرَشْناها“، يَدُلُّ عَلى المُضْمَرِ المَحْذُوفِ.
الذاريات 51:49
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾، اَلْمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى الحَيَوانِ، لِأنَّ الذَّكَرَ والأُنْثى يُقالُ لَهُما: ”زَوْجانِ“، ومِثْلُهُ ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الزَّوْجانِ مِن كُلِّ (p-٥٨)شَيْءٍ، ويَكُونَ المَعْنى: ”فِي كُلِّ شَيْءٍ، في الحَيَوانِ، الذَّكَرُ والأُنْثى“، ويَكُونَ في غَيْرِهِ ”صِنْفانِ أصْلُ كُلِّ حَيَوانٍ ومَواتٍ“، واللَّهُ أعْلَمُ.
الذاريات 51:50
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَفِرُّوا إلى اللَّهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ، ومِن مَعاصِيهِ، إلَيْهِ“، ﴿إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾، أيْ: ”أُنْذِرُكم عَذابَهُ وعِقابَهُ“.
الذاريات 51:51
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ إنِّي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ﴾ [الذاريات: ٥٢]، اَلْمَعْنى: ”اَلْأمْرُ كَذَلِكَ“، أيْ: كَما فَعَلَ مَن قَبْلَهم في تَكْذِيبِ الرُّسُلِ.
﴿إلا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، أيْ: ”إلّا قالُوا هَذا ساحِرٌ“، اِرْتَفَعَ ”ساحِرٌ“، بِإضْمارِ ”هُوَ“.
الذاريات 51:53
وَقَوْلُهُ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾، مَعْناهُ: أوْصى أوَّلُهم آخِرَهُمْ، وهَذِهِ ألِفُ التَّوْبِيخِ، وألِفُ الِاسْتِفْهامِ.
الذاريات 51:54
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾، أيْ: ”لا لَوْمَ عَلَيْكَ إذْ أدَّيْتَ الرِّسالَةَ“.
الذاريات 51:55
﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾، أيْ: ذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ، وعَذابِهِ، وعِقابِهِ، ورَحْمَتِهِ.
الذاريات 51:56
قَوْلُهُ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾، اَللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ عَلِمَ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ الجِنَّ والإنْسَ مَن يَعْبُدُهُ، مِمَّنْ يَكْفُرُ بِهِ، فَلَوْ كانَ إنَّما خَلَقَهم لِيُجْبِرَهم عَلى عِبادَتِهِ، لَكانُوا كُلُّهم عُبّادًا مُؤْمِنِينَ، ولَمْ يَكُنْ مِنهم ضُلّالٌ كافِرُونَ، فالمَعْنى: ”وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِأدْعُوَهم إلى عِبادَتِي، وأنا مُرِيدٌ العِبادَةَ مِنهُمْ“، يَعْنِي مِن أهْلِها.
الذاريات 51:57
﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾، (p-٥٩)أيْ: ما أُرِيدُ أنْ يَرْزُقُوا أحَدًا مِن عِبادِي، وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُوهُ، لِأنِّي أنا الرَّزّاقُ المُطْعِمُ.
الذاريات 51:58
﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾، والقِراءَةُ الرَّفْعُ، وهو في العَرَبِيَّةِ أحْسَنُ بِكَوْنِ رَفْعِ ”اَلْمَتِينُ“، صِفَةً لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ومَن قَرَأ: ”ذُو القُوَّةِ المَتِينِ“، بِالخَفْضِ، جَعَلَ ”اَلْمَتِينِ“، صِفَةً لِلْقُوَّةِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ القُوَّةِ كَتَأْنِيثِ المَوْعِظَةِ، كَما قالَ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، اَلْمَعْنى: ”فَمَن جاءَهُ وعْظٌ“، ومَعْنى ﴿ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾، ذُو الِاقْتِدارِ الشَّدِيدِ.
الذاريات 51:59
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ﴾، ”اَلذَّنُوبُ“، في اللُّغَةِ: اَلنَّصِيبُ، والدَّلْوُ يُقالُ لَها ”اَلذَّنُوبُ“، اَلْمَعْنى: ”فَإنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا نَصِيبًا مِنَ العَذابِ مِثْلَ نَصِيبِ أصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، نَحْوَ عادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ.
﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، أيْ:“إنْ أُخِّرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ".
الذاريات 51:60
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، أيْ: مِن يَوْمِ القِيامَةِ.
(p-٦٠)
الطور 52:1
(p-٦١)سُورَةُ اَلطُّورِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ: ﴿والطُّورِ﴾، قَسَمٌ، و”اَلطُّورُ“: اَلْجَبَلُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ.
الطور 52:2
﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ [الطور: ٣]، ”اَلْكِتابُ“، هَهُنا: ما أُثْبِتَ عَلى بَنِي آدَمَ مِن أعْمالِهِمْ.
الطور 52:4
﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّهُ بَيْتٌ في السَّماءِ، بِإزاءِ الكَعْبَةِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنهُ، ولا يَعُودُونَ إلَيْهِ.
الطور 52:7
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، جَوابُ القَسَمِ، أيْ: ”وَهَذِهِ الأشْياءِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ“، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَرَبِّ هَذِهِ الأشْياءِ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ“.
الطور 52:9
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾، ”تَمُورُ“: تَدُورُ، و”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، أيْ: لَواقِعٌ يَوْمَ القِيامَةِ.
(p-٦٢)﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١]، و”اَلْوَيْلُ“: كَلِمَةٌ يَقُولُها العَرَبُ لِكُلِّ مَن وقَعَ في هَلَكَةٍ.
الطور 52:12
قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ هم في خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾، أيْ: يُشاغِلُهم بِكُفْرِهِمْ لَعِبٌ عاقِبَتُهُ العَذابُ.
الطور 52:13
﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾، أيْ: يَوْمَ يُزْعَجُونَ إلَيْها إزْعاجًا شَدِيدًا، ويُدْفَعُونَ دَفْعًا عَنِيفًا، ومِن هَذا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، أيْ: يَدْفَعُهُ عَمّا يَجِبُ لَهُ.
الطور 52:14
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَيُقالُ لَهُمْ: هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ“، ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦]، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ البَحْرَ يُسْجَرُ، فَيَكُونُ نارَ جَهَنَّمَ، وأمّا أهْلُ اللُّغَةِ فَقالُوا: ”اَلْبَحْرُ المَسْجُورُ“: اَلْمَمْلُوءُ، وأنْشَدُوا:
؎إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَّبْعَ والسّاسَما
يَعْنِي: ”تَرى حَوْلَها عَيْنًا مَمْلُوءَةً بِالماءِ“.
الطور 52:15
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾، لَفْظُ هَذِهِ الألِفِ لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها، هَهُنا، التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ، أيْ: ”أتُصَدِّقُونَ الآنَ أنَّ عَذابَ اللَّهِ لَواقِعٌ؟“.
الطور 52:16
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ﴾ ”سَواءٌ“، مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، اَلْمَعْنى: ”سَواءٌ عَلَيْكُمُ الصَّبْرُ والجَزَعُ“.
(p-٦٣)﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، مَعْنى ”إنَّما“، هَهُنا: ”ما تُجْزَوْنَ إلّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ“، أيْ: ”اَلْأمْرُ جارٍ عَلَيْكم عَلى العَدْلِ، ما جُوزِيتُمْ إلّا أعْمالَكُمْ“.
الطور 52:17
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَعِيمٍ﴾ ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨] و”فَكِهِينَ“، جَمِيعًا، والنَّصْبُ عَلى الحالِ، ومَعْنى ﴿فاكِهِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ﴾ [الطور: ١٨]، أيْ: ”مُعْجَبِينَ بِما آتاهم رَبُّهُمْ“.
﴿وَوَقاهم رَبُّهم عَذابَ الجَحِيمِ﴾ [الطور: ١٨]، أيْ: غَفَرَ لَهم ذُنُوبَهُمُ الَّتِي تُوجِبُ النّارَ بِإسْلامِهِمْ، وتَوْبَتِهِمْ.
الطور 52:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، اَلْمَعْنى: ”يُقالُ لَهُمْ: كُلُوا واشْرَبُوا هَنِيئًا“، و”هَنِيئًا“، مَنصُوبٌ، وهو صِفَةٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، المَعْنى: ”كُلُوا واشْرَبُوا هُنِّئْتُمْ هَنِيئًا، ولْيُهِنْكم ما صِرْتُمْ إلَيْهِ“.
الطور 52:21
وَقَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، وقُرِئَتْ: ”ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيّاتِهِمْ“، وقُرِئَتْ: ”واتَّبَعَتْهم ذُرِّيّاتُهُمْ“، وكِلا الوَجْهَيْنِ جائِزٌ، ”اَلذُّرِّيَّةُ“، تَقَعُ عَلى الجَماعَةِ، و”اَلذُّرِّيّاتُ“، جَمْعٌ، و”ذُرِّيَّةٌ“، عَلى التَّوْحِيدِ أكْثَرُ، وتَأْوِيلُ الآيَةِ أنَّ الأبْناءَ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ، وكانَتْ مَراتِبُ آبائِهِمْ في الجَنَّةِ (p-٦٦)أعْلى مِن مَراتِبِهِمْ، أُلْحِقَ الأبْناءُ بِالآباءِ، ولَمْ يُنْقَصِ الآباءُ مِن عَمَلِهِمْ شَيْئًا، وكَذَلِكَ إنْ كانَ عَمَلُ الآباءِ أنْقَصَ، أُلْحِقَ الآباءُ بِالأبْناءِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾، مَعْناهُ: ما أنْقَصْناهُمْ، يُقالُ: ”ألَتَهُ، يَأْلِتُهُ، ألْتًا“، إذا نَقَصَهُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎أبْلِغْ بَنِي ثُعَلٍ عَنِّي مُغَلْغَلَةً ∗∗∗ جَهْدَ الرِّسالَةِ لا ألْتًا ولا كَذِبا
وَيُقالُ: ”لاتَهُ، يَلِيتُهُ، لَيْتًا“، إذا نَقَصَهُ، وصَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَلَيْلَةٍ ذاتِ نَدًى سَرَيْتُ ∗∗∗ ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ هَواها لَيْتُ
الطور 52:23
وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، مَعْنى ”يَتَنازَعُونَ“: يَتَعاطَوْنَ فِيها كَأْسًا، يُتَناوَلُ هَذا الكَأْسَ مِن يَدِ هَذا، وهَذا مِن يَدِ هَذا”.
وَقَوْلُهُ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾، مَعْناهُ: لا يَجْرِي بَيْنَهم ما يُلْغى، أيْ: لا يَجْرِي بَيْنَهم باطِلٌ، ولا ما فِيهِ إثْمٌ، كَما يَجْرِي في الدُّنْيا، لِشَرَبَةِ الخَمْرِ، و“اَلْكَأْسُ”، في اللُّغَةِ: اَلْإناءُ المَمْلُوءُ، فَإذا كانَ فارِغًا فَلَيْسَ بِكَأْسٍ، وتُقْرَأُ:“لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ”، بِالنَّصْبِ، فَمَن رَفَعَ، فَعَلى ضَرْبَيْنِ: عَلى الرَّفْعِ بِالِابْتِداءِ، و“فِيها”، هو الخَبَرُ، وعَلى أنْ يَكُونَ“لا”، في مَذْهَبِ“لَيْسَ"، رافِعَةً، أنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، وغَيْرُهُ:
؎مَن صَدَّ عَنْ نِيرانِها ∗∗∗ فَأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
(p-٦٤)وَمَن نَصَبَ، فَعَلى النَّفْيِ، والتَّبْرِئَةِ، كَما قالَ في قَوْلِهِ: ”لا رَيْبَ فِيهِ“، إلّا أنَّ الِاخْتِيارَ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ إذا كُرِّرَتْ ”لا“، في هَذا المَوْضِعِ الرَّفْعُ، والنَّصْبُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ جائِزٌ حَسَنٌ.
الطور 52:25
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]، اَلْكَلامُ - واللَّهُ أعْلَمُ - يَدُلُّ هَهُنا أنَّهم يَتَساءَلُونَ في الجَنَّةِ عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا، كانَ بَعْضُهم يَقُولُ لِبَعْضٍ: "بِمَ صِرْتَ إلى هَذِهِ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ؟ وفي الكَلامِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ - في جَوابِ المَسْألَةِ -: ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور: ٢٦]، أيْ: مُشْفِقِينَ مِنَ المَصِيرِ إلى عَذابِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَعَمِلْنا بِطاعَتِهِ، ثُمَّ قَرَنُوا الجَوابَ مَعَ ذَلِكَ بِالإخْلاصِ، والتَّوْحِيدِ، بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنّا كُنّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إنَّهُ هو البَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨]، أيْ: نُوَحِّدُهُ، ولا نَدْعُو إلَهًا غَيْرَهُ.
الطور 52:27
﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾، أيْ: عَذابَ سَمُومِ جَهَنَّمَ.
الطور 52:29
وَقَوْلُهُ: - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾، أيْ: ذَكِّرْهم بِما أعْتَدْنا لِلْمُتَّقِينَ المُؤْمِنِينَ، والضُّلّالِ الكافِرِينَ، ﴿فَما أنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾، أيْ: لَسْتَ تَقُولُ ما تَقُولُهُ كَهانَةً، ولا تَنْطِقُ إلّا بَوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الطور 52:30
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾، ”رَيْبَ المَنُونِ“: حَوادِثَ الدَّهْرِ.
الطور 52:31
﴿قُلْ تَرَبَّصُوا فَإنِّي مَعَكم مِنَ المُتَرَبِّصِينَ﴾، (p-٦٥)فَجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالُوا هَذا - وكانَ فِيهِمْ أبُو جَهْلٍ - هَلَكُوا كُلُّهم قَبْلَ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
الطور 52:32
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ تَأْمُرُهم أحْلامُهم بِهَذا أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، أيْ: أتَأْمُرُهم أحْلامُهم بِتَرْكِ القَبُولِ مِمَّنْ يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ، وتَأْتِيهِمْ عَلى ذَلِكَ بِالدَّلائِلِ، ويَعْمَلُونَ أحْجارًا ويَعْبُدُونَها، ﴿أمْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، أيْ: أمْ هم يَكْفُرُونَ طُغْيانًا، وقَدْ ظَهَرَ لَهُمُ الحَقُّ.
الطور 52:34
﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، أيْ: إذا قالُوا: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَقَوَّلَهُ، فَقَدْ زَعَمُوا أنَّهُ مِن قَوْلِ البَشَرِ، فَلْيَقُولُوا مِثْلَهُ، فَما رامَ أحَدٌ مِنهم أنْ يَقُولَ مِثْلَ عَشْرِ سُوَرٍ، ولا مِثْلَ سُورَةٍ.
الطور 52:35
وَقَوْلُهُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ أمْ هُمُ الخالِقُونَ﴾، مَعْناهُ: بَلْ أخُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، وفي هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ، وهي مِن أصْعَبِ ما في هَذِهِ السُّورَةِ، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”لَيْسَ هم بِأشَدَّ خَلْقًا مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ السَّماواتَ والأرْضَ خُلِقَتا مِن غَيْرِ شَيْءٍ، وهم خُلِقُوا مِن آدَمَ، وآدَمُ مِن تُرابٍ“، وقِيلَ فِيها قَوْلٌ آخَرُ: ﴿أمْ خُلِقُوا مِن غَيْرِ شَيْءٍ﴾ ”أمْ خُلِقُوا لِغَيْرِ شَيْءٍ“، أيْ: خُلِقُوا باطِلًا لا يُحاسَبُونَ، ولا يُؤْمَرُونَ، ولا يُنْهَوْنَ.
الطور 52:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ أمْ هُمُ المُصَيْطِرُونَ﴾، ”اَلْمُصَيْطِرُونَ“: اَلْأرْبابُ المُتَسَلِّطُونَ، يُقالُ: ”قَدْ سَيْطَرَ عَلَيْنا، وتَسَيْطَرُ وتَصَيْطَرُ“، بِالسِّينِ، والصّادِ، والأصْلُ السِّينُ، وكُلُّ سِينٍ بَعْدَها طاءٌ يَجُوزُ أنْ تُقْلَبَ صادًا، تَقُولُ: ”سَيْطَرَ، وصَيْطَرَ“، ”وَسَطًا، وصَطًا“، وتَفْسِيرُ ﴿أمْ عِنْدَهم خَزائِنُ رَبِّكَ﴾، أيْ: ”أعِنْدَهم ما في خَزائِنِ رَبِّكَ مِنَ العِلْمِ؟“، وقِيلَ في ”خَزائِنُ رَبِّكَ“: أيْ: رِزْقُ رَبِّكَ.
الطور 52:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ لَهم سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾، وقالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْنى ”يَسْتَمِعُونَ فِيهِ“: يَسْتَمِعُونَ عَلَيْهِ، ومِثْلُهُ: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، أيْ: عَلى جُذُوعِ النَّخْلِ، ﴿فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾، (p-٦٧)أيْ: بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ، والمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهم كَجِبْرِيلَ، الَّذِي يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ بِالوَحْيِ، ويُبَيِّنُ تَبْيِينَهُ عَنِ اللَّهِ، ما كانَ، وما يَكُونُ، ثُمَّ سَفَّهَ أحْلامَهم في جَعْلِهِمُ البَناتِ لِلَّهِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهُ البَناتُ ولَكُمُ البَنُونَ﴾ [الطور: ٣٩]، أيْ: أنْتُمْ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما تَكْرَهُونَ، وأنْتُمْ حُكَماءُ عِنْدَ أنْفُسِكم.
الطور 52:40
﴿أمْ تَسْألُهم أجْرًا فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾، اَلْمَعْنى أنَّ الحُجَّةَ واجِبَةٌ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جِهَةٍ، لِأنَّكَ أتَيْتَهم بِالبَيانِ، والبُرْهانِ، ولَمْ تَسْألْهم عَلى ذَلِكَ أجْرًا.
الطور 52:42
وَقَوْلُهُ - جَلَّ وعَزَّ -: ﴿أمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ المَكِيدُونَ﴾، أيْ: "أمْ يُرِيدُونَ لِكُفْرِهِمْ وطُغْيانِهِمْ كَيْدًا؟! فاللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - يَكِيدُهُمْ، ويَجْزِيهِمْ بِكَيْدِهِمُ العَذابَ في الدُّنْيا، والآخِرَةِ.
الطور 52:43
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾، اَلْمَعْنى: ”بَلْ ألَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ؟!“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: هم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ آلِهَتُهُمْ، فَإنْ قِيلَ لَهُمْ: ﴿أمْ لَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ؟ فالجَوابُ في ذَلِكَ: ”ألَهم إلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَخْلُقُ، ويَرْزُقُ، ويَفْعَلُ ما يَعْجِزُ عَنْهُ المَخْلُوقُونَ، فَمَن يَفْعَلُ ذَلِكَ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -؟“، ثُمَّ نَزَّهَ نَفْسَهُ - عَزَّ وجَلَّ - فَقالَ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ، وفي اللُّغَةِ، أنَّ مَعْناهُ: ”تَنْزِيهُ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ“، أيْ: عَمَّنْ يَجْعَلُونَ شَرِيكًا لِلَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
الطور 52:44
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾، أيْ: وإنْ يَرَوْا قِطْعَةً مِنَ العَذابِ، يَقُولُوا لِشِدَّةِ طُغْيانِهِمْ وكُفْرِهِمْ: هَذا سَحابٌ مَرْكُومٌ، و”مَرْكُومٌ“: قَدْ رُكِمَ بَعْضًا عَلى بَعْضٍ، وهَذا في قَوْمٍ مِن أئِمَّةِ الكُفْرِ، وهُمُ الَّذِينَ (p-٦٨)قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - فِيهِمْ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ [الحجر: ١٤] ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ هَؤُلاءِ لا يَعْتَبِرُونَ، ولا يُوقِنُونَ، ولا يُؤْمِنُونَ بِأبْهَرِ ما يَكُونُ مِنَ الآياتِ.
الطور 52:45
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾، وقُرِئَتْ: ﴿يُصْعَقُونَ﴾، أيْ: فَذَرْهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهُ يُعَجِّلُ لَهُمُ العَذابَ في الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿وَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذَلِكَ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الطور: ٤٧]، اَلْمَعْنى: ”وَإنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ عَذابِ الآخِرَةِ، يَعْنِي مِنَ القَتْلِ، والأسْرِ، وسَبْيِ الذَّرارِيِّ، الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ“، وأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ ناصِرٌ دِينَهُ، ومُهْلِكٌ مَن عادى نَبِيَّهُ، ثُمَّ أمَرَهُ بِالصَّبْرِ إلى أنْ يَقَعَ العَذابُ بِهِمْ، فَقالَ: ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]، أيْ: فَإنَّكَ بِحَيْثُ نَراكَ ونَحْفَظُكَ ونَرْعاكَ، ولا يَصِلُونَ إلى مَكْرُوهِكَ، ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨]، أيْ: حِينِ تَقُومُ مِن مَنامِكَ، وقِيلَ: حِينَ تَقُومُ في صَلاتِكَ، وهو ما يُقالُ مَعَ التَّكْبِيرِ: ”سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ“.
الطور 52:49
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وإدْبارَ النُّجُومِ﴾، وقُرِئَتْ: ”وَأدْبارَ النُّجُومِ“، فَمَن قَرَأ: ”إدْبارَ“، بِالكَسْرِ، فَعَلى المَصْدَرِ، ”أدْبَرْتُ، إدْبارًا“، ومَن قَرَأ: ”أدْبارَ“، بِالفَتْحِ، فَهو جَمْعُ ”دُبُرٌ“، وأجْمَعُوا في التَّفْسِيرِ أنَّ مَعْنى ”أدْبارَ السُّجُودِ“، مَعْناهُ: صَلاةُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وأنَّ ”إدْبارَ النُّجُومِ“: صَلاةُ رَكْعَتَيِ الغَداةِ.
النجم 53:1
(p-٦٩)سُورَةُ اَلنَّجْمِ
﷽
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾، أقْسَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِالنَّجْمِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ [النجم: ٢]، جَوابُ القَسَمِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النَّجْمَ الثُّرَيّا، وكَذَلِكَ يُسَمِّيها العَرَبُ، وجاءَ أيْضًا في التَّفْسِيرِ أنَّ النَّجْمَ نُزُولُ القُرْآنِ نَجْمًا بَعْدَ نَجْمٍ، وكانَ يَنْزِلُ مِنهُ الآيَةُ والآيَتانِ، وكانَ بَيْنَ أوَّلِ نُزُولِهِ إلى اسْتِتْمامِهِ عِشْرُونَ سَنَةً، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”اَلنَّجْمُ“، بِمَعْنى ”اَلنُّجُومُ“، وأنْشَدُوا:
؎فَباتَتْ تَعُدُّ النَّجْمَ في مُسْتَحِيرَةٍ ∗∗∗ سَرِيعٍ بِأيْدِي الآكِلِينَ جُمُودُها
يَصِفُ قِدْرًا كَثِيرَةَ الدَّسَمِ، ومَعْنى ”تَعُدُّ النَّجْمَ“، أيْ: مِن صَفاءِ دَسَمِها تَرى النُّجُومَ فِيهِ، والمُسْتَحِيرَةُ: اَلْقِدْرُ، فَقالَ: ”يَجْمُدُ عَلى الأيْدِي الدَّسَمُ مِن كَثْرَتِهِ، وقالُوا: مِثْلُهُ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥]، ومَعْنى: ﴿إذا هَوى﴾ إذا سَقَطَ، وإذا كانَ مَعْناهُ نُزُولُ القُرْآنِ، فالمَعْنى في“إذا هَوى": إذا نَزَلَ.
(p-٧٠)﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ [النجم: ٢]، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ.
النجم 53:3
وَقَوْلُهُ: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾، أيْ: ما الَّذِي يَأْتِيكم بِهِ مِمّا قالَهُ بِهَواهُ.
النجم 53:4
﴿إنْ هو إلا وحْيٌ يُوحى﴾، ”إنْ“، بِمَعْنى ”ما“، اَلْمَعْنى: "ما هو إلّا وحْيٌ.
النجم 53:5
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾، يَعْنِي بِهِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ.
النجم 53:6
وَقَوْلُهُ: ﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ ”ذُو مِرَّةٍ“، مِن نَعْتِ قَوْلِهِ ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]، و”اَلْمِرَّةُ“: اَلْقُوَّةُ، ﴿عَلَّمَهُ﴾ [النجم: ٥]، عَلَّمَ النَّبِيَّ ﷺ.
النجم 53:7
وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَوى﴾ [النجم: ٦] ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: ”هُوَ“، هَهُنا، يُعْنى بِهِ النَّبِيُّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، المَعْنى: ”فاسْتَوى جِبْرِيلُ، والنَّبِيُّ ﷺ بِالأُفُقِ الأعْلى“، وهَذا عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ لا يَجُوزُ مِثْلُهُ، إلّا في الشِّعْرِ، إلّا أنْ يَكُونَ مِثْلَ قَوْلِكَ: ”اِسْتَوَيْتُ أنا وزَيْدٌ“، ويَسْتَقْبِحُونَ ”اِسْتَوَيْتُ وزَيْدٌ“، وإنَّما المَعْنى: ”اِسْتَوى جِبْرِيلُ وهو بِالأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ“، لِأنَّهُ كانَ يَتَمَثَّلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ إذا هَبَطَ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَأحَبَّ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يَراهُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فاسْتَوى في أُفُقِ المَشْرِقِ، فَمَلَأ الأُفُقَ، فالمَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: فاسْتَوى جِبْرِيلُ في الأُفُقِ الأعْلى عَلى صُورَتِهِ.
النجم 53:8
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾، ومَعْنى ”دَنا“، و”تَدَلّى“، واحِدٌ، لِأنَّ المَعْنى أنَّهُ قَرُبَ، وتَدَلّى، زادَ في القُرْبِ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ دَنا فُلانٌ مِنِّي وقَرُبَ“، ولَوْ قُلْتَ: ”قَدْ قَرُبَ مِنِّي ودَنا“، جازَ.
النجم 53:9
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾، (p-٧١)اَلْمَعْنى: ”كانَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِقْدارُ قَوْسَيْنِ مِنَ القِسِيِّ العَرَبِيَّةِ، أوْ أقْرَبُ“، وهَذا المَوْضِعُ يَحْتاجُ إلى شَرْحٍ، لِأنَّ القائِلَ قَدْ يَقُولُ: لَيْسَ تَخْلُو ”أوْ“، مِن أنْ تَكُونَ لِلشَّكِّ، أوْ لِغَيْرِ الشَّكِّ، فَإنْ كانَتْ لِلشَّكِّ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ مَوْضِعَ شَكٍّ، وإنْ كانَ مَعْناها: ”بَلْ أدْنى“، بَلْ أقْرَبُ، فَما كانَتِ الحاجَةُ إلى أنْ يَقُولَ: ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾، كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ”كانَ أدْنى مِن قابِ قَوْسَيْنِ“، والجَوابُ في هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ العِبادَ خُوطِبُوا عَلى لُغَتِهِمْ، ومِقْدارِ فَهْمِهِمْ، وقِيلَ لَهم في هَذا ما يُقالُ لِلَّذِي يَحْزِرُ، فالمَعْنى: ”فَكانَ عَلى ما تُقَدِّرُونَهُ أنْتُمْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ، أوْ أدْنى مِن ذَلِكَ“، كَما تَقُولُ في الَّذِي تُقَدِّرُهُ: ”هَذا قَدْرُ رُمْحَيْنِ، أوْ أنْقَصُ مِن رُمْحَيْنِ، أوْ أرْجَحُ“، وقَدْ مَرَّ مِثْلُ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]
النجم 53:10
﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾، أيْ: فَأوْحى جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما أوْحى.
النجم 53:11
قَوْلُهُ: ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾، وقُرِئَتْ: ”ما كَذَّبَ الفُؤادُ ما رَأى“، بِتَشْدِيدِ الذّالِ.
النجم 53:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾، (p-٧٢)وَ”أفَتَمْرُونَهُ“، و﴿أفَتُمارُونَهُ﴾، وقُرِئَتْ بِالوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، فَمَن قَرَأ: ”أفَتَمْرُونَهُ“، فالمَعْنى: ”أفَتَجْحَدُونَهُ؟“، ومَن قَرَأ ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾، فَمَعْناهُ: أتُجادِلُونَهُ في أنَّهُ رَأى اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - بِقَلْبِهِ، وأنَّهُ رَأى الكُبْرى مِن آياتِهِ؟!
النجم 53:13
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَـزْلَةً أُخْرى﴾ ﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ [النجم: ١٤]، أيْ: رَآهُ مَرَّةً أُخْرى عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى.
النجم 53:15
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها جَنَّةٌ تَصِيرُ إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، فَلَمّا قَصَّ هَذِهِ الأقاصِيصَ، وأعْلَمَ - عَزَّ وجَلَّ - كَيْفَ قَصَّهُ جِبْرِيلُ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَأْتِيهِ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، قِيلَ لَهُمْ: ﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾ [النجم: ١٩] ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٢٠]، كَأنَّ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي لَكم تَعْبُدُونَها مِن دُونَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، هَلْ لَها مِن هَذِهِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ - جَلَّ وعَزَّ - شَيْءٌ“، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ اللّاتَ صَنَمٌ كانَ لِثَقِيفٍ يَعْبُدُونَهُ، وأنَّ العُزّى سَمُرَةٌ، وهي شَجَرَةٌ كانَتْ لِغَطَفانَ يَعْبُدُونَها، وأنَّ مَناةَ صَخْرَةٌ كانَتْ لِهُذَيْلٍ، وخُزاعَةَ، يَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُمْ: أخْبِرُونا عَنْ هَذِهِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها، وتَعْبُدُونَ مَعَها المَلائِكَةَ، تَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ، وهَذِهِ بَناتُ اللَّهِ، فَوَبَّخَهُمُ اللَّهُ، فَقالَ: أرَأيْتُمْ هَذِهِ الإناثَ، ألِلَّهِ هي وأنْتُمْ تَخْتارُونُ الذُّكْرانَ؟ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢١]، (p-٧٣)وَمَن قَرَأ: ”أفَرَأيْتُمُ اللّاتَّ والعُزّى“، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، فَزَعَمُوا أنَّ رَجُلًا كانَ يَلِتُّ السَّوِيقَ، ويَبِيعُهُ عِنْدَ ذَلِكَ الصَّنَمِ، فَسُمِّيَ الصَّنَمُ ”اَللّاتُّ“، بِتَشْدِيدِ التّاءِ، والأكْثَرُ ”اَللّاتُ“، بِتَخْفِيفِ التّاءِ، وكانَ الكِسائِيُّ يَقِفُ عَلَيْها بِالهاءِ، يَقُولُ: ”اَللّاهْ“، وهَذا قِياسٌ، والأجْوَدُ في هَذا اتِّباعُ المُصْحَفِ، والوَقْفُ عَلَيْها بِالتّاءِ، وقُرِئَتْ: ”عِنْدَها جَنَّهُ المَهْوى“، بِالهاءِ، والأجْوَدُ ﴿جَنَّةُ المَأْوى﴾، لِأنَّهُ جاءَ في التَّفْسِيرِ - كَما ذَكَرْنا - أنَّهُ يَحِلُّ فِيها أرْواحُ الشُّهَداءِ.
النجم 53:17
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما زاغَ البَصَرُ وما طَغى﴾، أيْ: ”ما زاغَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وما طَغى“، ما عَدَلَ ولا جاوَزَ القَصْدَ في رُؤْيَتِهِ جِبْرِيلَ قَدْ مَلَأ الأُفُقَ.
النجم 53:18
وَقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَبَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - بِقَلْبِهِ، وأنَّهُ فَضْلٌ خُصَّ بِهِ، كَما خُصَّإبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالخُلَّةِ، وقِيلَ: رَأى أمْرًا عَظِيمًا، وتَفْسِيرُهُ: ”لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى“.
النجم 53:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾، أيْ: جَعْلُكم لِلَّهِ البَناتِ ولَكُمُ البَنِينَ، و”اَلضِّيزى“، في كَلامِ العَرَبِ: اَلنّاقِصَةُ، الجائِرَةُ، يُقالُ: ”ضازَهُ، يَضِيزُهُ“، إذا نَقَصَهُ حَقَّهُ، ويُقالُ: ”ضَأزَهُ، يَضْأزُهُ“، بِالهَمْزِ، وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ ”ضِيزى“: ”ضُوزى“، وحُجَّتُهم أنَّها نُقِلَتْ مِن ”فُعْلى“، إلى ”فِعْلى“، مِن ”ضُوزى“، إلى ”ضِيزى“، لِتَسْلَمَ الياءُ، كَما قالُوا: ”أبْيَضُ“ و”بِيضٌ“، وأصْلُهُ: ”بُوضٌ“، فَنُقِلَتِ الضَّمَّةُ إلى الكَسْرَةِ، وقَرَأْتُ عَلى بَعْضِ العُلَماءِ بِاللُّغَةِ في ”ضِيزى“، لُغاتٍ، يُقالُ: ”ضِيزى“، و”ضُوزى“، و”ضُؤْزى“، و”ضَأْزى“، عَلى ”فَعْلى“، مَفْتُوحَةً، ولا يَجُوزُ في القُرْآنِ إلّا ”ضِيزى“، بِياءٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ، وإنَّما لَمْ يَقُلِ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها عَلى أصْلِها، لِأنَّهم لا يَعْرِفُونَ في الكَلامِ ”فِعْلى“، صِفَةً، إنَّما يَعْرِفُونَ الصِّفاتِ عَلى ”فَعْلى“، بِالفَتْحِ، نَحْوَ ”سَكْرى“، و”غَضْبى“، أوْ بِالضَّمِّ، نَحْوَ: ”حُبْلى، وفُضْلى“، وكَذَلِكَ قالُوا: ”مِشْيَةٌ حِيكى“، وهي مِشْيَةٌ يَحِيكُ فِيها صاحِبُها، يُقالُ: ”حاكَ، يَحِيكُ“، إذا تَبَخْتَرَ، فَـ ”حِيكى“، عِنْدَهم ”فَعْلى“، أيْضًا.
النجم 53:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾، جاءَ ”شَفاعَتُهُمْ“، واللَّفْظُ لَفْظُ واحِدٍ، ولَوْ قِيلَ: ”شَفاعَتُهُ“، لَجازَ، ولَكِنَّ المَعْنى (p-٧٤)مَعْنى جَماعَةٍ، لِأنَّ ”كَمْ“، سُؤالٌ عَنْ عَدَدٍ، وإخْبارٌ بِعَدَدٍ كَثِيرٍ، لِأنَّ ”رُبَّ“، لِلْقِلَّةِ، و”كَمْ“، لِلْكَثْرَةِ، ومَعْنى ”شَفاعَتُهُمْ“، هَهُنا، يُفَسِّرُها قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧]، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [غافر: ٩]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، أنَّهم لا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى، فَهَذا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾
النجم 53:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ ﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ [النجم: ٢٨]، أيْ: يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ.
النجم 53:30
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾، لِأنَّهُ وصَفَهم بِأنَّهم لا يُرِيدُونَ إلّا الحَياةَ الدُّنْيا، فَقالَ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا ولَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ [النجم: ٢٩] ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهم مِنَ العِلْمِ﴾، إنَّما يَعْلَمُونَ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في مَعاشِهِمْ، فَقَدْ نَبَذُوا أمْرَ الآخِرَةِ وراءَ ظُهُورِهِمْ.
النجم 53:32
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾، قِيلَ: إنَّ اللَّمَمَ نَحْوَ القُبْلَةِ، والنَّظْرَةِ، وما أشْبَهَ ذَلِكَ، وقِيلَ: ”إلّا اللَّمَمَ“: إلّا أنْ يَكُونَ العَبْدُ قَدْ ألَمَّ بِفاحِشَةٍ ثُمَّ تابَ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾، يَدُلُّ هَذا عَلى أنَّ اللَّمَمَ هو أنْ يَكُونَ الإنْسانُ قَدْ ألَمَّ بِالمَعْصِيَةِ، ولَمْ يُصِرَّ، ولَمْ يَقُمْ عَلى ذَلِكَ، وإنَّما الإلْمامُ في اللُّغَةِ يُوجِبُ أنَّكَ تَأْتِي الشَّيْءَ الوَقْتَ، ولا تُقِيمُ (p-٧٥)عَلَيْهِ، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى اللَّمَمِ في هَذا المَوْضِعِ.
النجم 53:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ - - ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وَأعْطى قَلِيلا وأكْدى﴾ [النجم: ٣٤]، مَعْنى ”أكْدى“: قَطَعَ، وأصْلُهُ مِنَ الحَفْرِ في البِئْرِ، يُقالُ لِلْحافِرِ إذا حَفَرَ البِئْرَ، فَبَلَغَ إلى حَجَرٍ لا يُمْكِنُهُ مَعَهُ الحَفْرُ: ”قَدْ بَلَغَ إلى الكُدْيَةِ“، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقْطَعُ الحَفْرَ.
النجم 53:35
وَقَوْلُهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾، مَعْناهُ: فَهو يَعْلَمُ، والرُّؤْيَةُ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: ”رَأيْتُ“: أبْصَرْتُ، والآخَرُ: ”عَلِمْتُ“، كَما تَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا أخاكَ، وصَدِيقَكَ“، مَعْناهُ: عَلِمْتُ، ألا تَرى أنَّ المَكْفُوفَ يَقُولُ: ”رَأيْتُ زَيْدًا عاقِلًا“؟ فَلَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ لَمْ يَجُزْ.
النجم 53:36
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧]، أيْ: قَضى، يُقالُ: إنَّ إبْراهِيمَ ﷺ وفّى ما أُمِرَ بِهِ، وما امْتُحِنَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، فَعَزَمَ عَلى ذَلِكَ حَتّى فَداهُ اللَّهُ بِالذَّبْحِ، وامْتُحِنَ بِالصَّبْرِ عَلى عَداوَةِ قَوْمِهِ، حِينَ أُجِّجَتْ لَهُ النّارُ، فَطُرِحَ فِيها، وأُمِرَ أيْضًا بِالِاخْتِتانِ، فاخْتَتَنَ، وقِيلَ: ”وَفّى“، وهي أبْلَغُ مِن ”وَفى“، لِأنَّ الَّذِي امْتُحِنَ بِهِ مِن أعْظَمِ المِحَنِ، ومَعْنى ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ﴾ [النجم: ٣٧]، أيْ: ”أمْ لَمْ يُخْبَرْ“، ثُمَّ أعْلَمَ ما في الصُّحُفِ.
النجم 53:38
وَمَوْضِعُ ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، خَفْضٌ، المَعْنى: ”أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِأنْ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟!“، و”أنْ“، هَهُنا، بَدَلٌ مِن ”ما“، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”أنْ“، في مَوْضِعِ رَفْعٍ، عَلى إضْمارِ ”هُوَ“، كَأنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ [النجم: ٣٦]، قِيلَ: ما هُوَ؟ قِيلَ: هو ﴿ألا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ومَعْناهُ: ولا تُؤْخَذُ نَفْسٌ بِإثْمِ غَيْرِها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى﴾ [النجم: ٣٩]، (p-٧٦)أيْ: هَذا أيْضًا مِمّا في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى - عَلَيْهِما السَّلامُ -، ومَعْناهُ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا جَزاءُ سَعْيِهِ، إنْ عَمِلَ خَيْرًا جُزِيَ خَيْرًا، وإنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا، و”تَزِرُ“، مِن ”وَزَرَ، يَزِرُ“، إذا كَسَبَ وِزْرًا، وهو الإثْمُ.
النجم 53:40
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾، إنْ قالَ قائِلٌ: إنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - يَرى عَمَلَ كُلِّ عامِلٍ، ويَعْلَمُهُ، فَما مَعْنى ﴿سَوْفَ يُرى﴾ ؟ فالمَعْنى أنَّهُ يَرى العَبْدُ سَعْيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ، أيْ: يَرى في مِيزانِهِ عَمَلَهُ.
النجم 53:41
﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾، أيْ: يُجْزى عَمَلَهُ أوْفى جَزاءٍ، وجائِزٌ أنْ تُقْرَأ: ”سَوْفَ يَرى“، والأجْوَدُ ”يُرى“، لِأنَّ قَوْلَكَ: ”إنَّ زَيْدًا سَوْفَ أُكْرِمُ“، فِيهِ ضَعْفٌ، لِأنَّ ”أنَّ“، عامِلَةٌ، و”أُكْرِمُ“، عامِلَةُ، فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ الِاسْمُ، مِن وجْهَيْنِ، ولَكِنْ يَجُوزُ عَلى إضْمارِ الهاءِ، عَلى مَعْنى ”سَوْفَ يَراهُ“، أوْ عَلى إضْمارِ الهاءِ في ”أنَّ“، تَقُولَ: ”إنَّ زَيْدًا سَأُكْرِمُ“، عَلى أنَّهُ ”زَيْدٌ سَأُكْرِمُ“.
النجم 53:42
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾، أيْ: إلَيْهِ المَرْجِعُ، وهَذا كُلُّهُ في صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى.
النجم 53:48
﴿وَأنَّهُ هو أغْنى وأقْنى﴾، قِيلَ في ”أقْنى“، قَوْلانِ، أحَدُهُما ”أقْنى“، هُوَ: ”أرْضى“، والآخَرُ ”أقْنى“: جَعَلَ لَهُ قِنْيَةً، أيْ: جَعَلَ الغِنى أصْلًا لِصاحِبِهِ ثابِتًا، ومِن هَذا قَوْلُكَ: ”قَدِ اقْتَنَيْتُ كَذا وكَذا“، أيْ: عَمِلْتُ عَلى أنَّهُ يَكُونُ عِنْدِي لا أُخْرِجُهُ مِن يَدِي.
النجم 53:49
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَأنَّهُ هو رَبُّ الشِّعْرى﴾، (p-٧٧)”اَلشِّعْرى“: كَوْكَبٌ خَلْفَ الجَوْزاءِ، وهو أحَدُ كَوْكَبَيْ ذِراعِ الأسَدِ، وكانَ قَوْمٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ الشِّعْرى، فَأعْلَمَ اللَّهُ - جَلَّ وعَزَّ - أنَّهُ رَبُّها، وأنَّهُ خالِقُها، وهو المَعْبُودُ - عَزَّ وجَلَّ.
النجم 53:50
﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾، هَؤُلاءِ هم قَوْمُ هُودٍ، وهم أُولى عادٍ، فَأمّا الأُولى فَفِيها ثَلاثُ لُغاتٍ: بِسُكُونِ اللّامِ، وإثْباتِ الهَمْزَةِ، وهي أجْوَدُ اللُّغاتِ، والَّتِي تَلِيها في الجَوْدَةِ ”اَلُولى“، بِضَمِّ اللّامِ، وطَرْحِ الهَمْزَةِ، وكانَ يَجِبُ في القِياسِ إذا تَحَرَّكَتِ اللّامُ أنْ تَسْقُطَ ألِفُ الوَصْلِ، لِأنَّ ألِفَ الوَصْلِ اجْتُلِبَتْ لِسُكُونِ اللّامِ، ولَكِنْ جازَ ثُبُوتُها لِأنَّ ألِفَ لامِ المَعْرِفَةِ لا تَسْقُطُ مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، فَخالَفَتْ ألِفاتِ الوَصْلِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يَقُولُ: ”لُولى“، يُرِيدُ: ”اَلْأُولى“، فَطَرْحُ الهَمْزَةِ لِتَحَرُّكِ اللّامِ، وقَدْ قُرِئَ: ”عادًا اللُّولى“، عَلى هَذِهِ اللُّغَةِ، وأُدْغِمَ التَّنْوِينُ في اللّامِ، والأكْثَرُ ”عادًا الأُولى“، بِكَسْرِ التَّنْوِينِ.
النجم 53:51
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾، ”ثَمُودَ“، نَسَقٌ عَلى ”عادًا“، ولا يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما أبْقى﴾، لِأنَّ ما بَعْدَ الفاءِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها، لا تَقُولُ: ”زَيْدًا فَضَرَبْتُ“، فَكَيْفَ وقَدْ أتَتْ ”ما“، بَعْدَ الفاءِ، وأكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ لا يَنْصِبُ ما قَبْلَ الفاءِ بِما بَعْدَها، والمَعْنى: ”وَأهْلَكَ ثَمُودَ فَما أبْقاهُمْ“.
النجم 53:53
﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾، ”اَلْمُؤْتَفِكَةُ“: اَلْمَخْسُوفُ بِها، أيْ: اِئْتَفَكَتْ بِأهْلِها، ومَعْنى ”أهْوى“: أيْ: رُفِعَتْ حِينَ خُسِفَ بِهِمْ إلى نَحْوِ السَّماءِ، حَتّى سَمِعَ مَن في السَّماءِ أصْواتَ أهْلِ مَدِينَةِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ أُهْوِيَتْ، أيْ: أُلْقِيَتْ في الهاوِيَةِ.
(p-٧٨)﴿فَغَشّاها ما غَشّى﴾ [النجم: ٥٤]، مَعْناهُ: فَغَشّاها اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِنَ العَذابِ ما غَشّى".
النجم 53:55
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾، هَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - خِطابٌ لِلْإنْسانِ، لَمّا عَدَّدَ عَلَيْهِ مِمّا فَعَلَهُ اللَّهُ بِهِ، مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، كانَ المَعْنى: ”أيُّها الإنْسانُ، فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكَ الَّتِي تَدُلُّكَ عَلى أنَّهُ واحِدٌ تَتَشَكَّكُ؟“، لِأنَّ المَرْءَ بِهِ الشَّكُّ.
النجم 53:56
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾، أيْ: اَلنَّبِيُّ ﷺ مُجْراهُ في الإنْذارِ مُجْرى مَن تَقَدَّمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ في مَعْنى: "هَذا إنْذارٌ لَكُمْ، كَما أُنْذِرَ مَن قَبْلَكُمْ، وقَدْ أُعْلِمْتُمْ بِما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم مِن حالِ مَن كَذَّبَ بِالرُّسُلِ، وما وقَعَ بِهِمْ مِنَ الإهْلاكِ.
النجم 53:57
وَقَوْلُهُ: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾، مَعْناهُ: قَرُبَتِ القَرِيبَةُ، تَقُولُ: ”قَدْ أزِفَ الشَّيْءُ“، إذا قَرُبَ ودَنا، وهَذا مِثْلُ ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ﴾ [القمر: ١]
النجم 53:58
وَمَعْنى ﴿لَيْسَ لَها مِن دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ﴾، مَعْناهُ: لا يَكْشِفُ عِلْمَها مَتى تَكُونُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]
النجم 53:59
﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾، أيْ: مِمّا يُتْلى عَلَيْكم مِن كِتابِ اللَّهِ، ﴿تَعْجَبُونَ﴾ ﴿وَتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾ [النجم: ٦٠] ﴿وَأنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]، تَفْسِيرُهُ: لاهُونَ.
النجم 53:62
(p-٧٩)وَقَوْلُهُ: ﴿فاسْجُدُوا لِلَّهِ واعْبُدُوا﴾، مَعْناهُ: "فاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِينَ، ولا تَعْبُدُوا اللّاتَ، والعُزّى، ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى، والشِّعْرى، لِأنَّهُ قَدْ جَرى ذِكْرُ مَعْبُوداتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ.
(p-٨٠)
القمر 54:1
(p-٨١)سُورَةُ اَلْقَمَرِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ، ورَوَيْنا عَنْ أهْلِ العِلْمِ المَوْثُوقِ بِهِمْ، أنَّ القَمَرَ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ أبُو إسْحاقَ: وزَعَمَ قَوْمٌ عَنَدُوا عَنِ القَصْدِ، وما عَلَيْهِ أهْلُ العِلْمِ، أنَّ تَأْوِيلَهُ أنَّ القَمَرَ يَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ، والأمْرُ بَيِّنٌ في اللَّفْظِ، وإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]، فَكَيْفَ يَكُونُ هَذا في القِيامَةِ؟ قالَ أبُو إسْحاقَ - وجَمِيعُ ما أُمُلِي عَلَيْكم في هَذا ما حَدَّثَنِي بِهِ إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ - قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ المِنهالِ، قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قالَ: ثَنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ آيَةً، فَأراهُمُ القَمَرَ مَرَّتَيْنِ، انْشِقاقَهُ،» وكانَ يَذْكُرُ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: ثَنا مُسَدَّدٌ، قالَ: ثَنا يَحْيى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: ”اِنْشَقَّ القَمَرُ فِرْقَتَيْنِ“.
(p-٨٢)ثَنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: ثَنا حِرْمِيُّ بْنُ عُمارَةَ، قالَ ثَنا شُعْبَةُ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «”اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ“،» حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيدٍ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «”سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ آيَةً، فانْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ، فَقالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]»، يَعْنِي ذاهِبٌ، ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا نَصْرٌ قالَ: ثَنا أبُو أحْمَدَ قالَ: ثَنا إسْرائِيلُ عَنْ سَمّاكٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ:“اِنْشَقَّ القَمَرُ فَأبْصَرْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فُرْجَتَيِ القَمَرِ”، ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا نَصْرٌ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: أخْبَرَنا إسْرائِيلُ عَنْ سَمّاكٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ - قالَ:“اِنْشَقَّ القَمَرُ حَتّى رَأيْتُ الجَبَلَ بَيْنَ فِلْقَتَيِ القَمَرِ”، ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ قالَ: ثَنا أبُو مُعاوِيَةَ قالَ: ثَنا الأعْمَشُ عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ أبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «“اِنْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمِنًى حَتّى ذَهَبَتْ فِرْقَةٌ مِنهُ خَلْفَ الجَبَلِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اِشْهَدُوا“،» ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: ثَنا يَحْيى عَنْ شُعْبَةَ وسُفْيانَ عَنِ الأعْمَشِ، وعَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: «”اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةً فَوْقَ الجَبَلِ وفِرْقَةً دُونَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“اِشْهَدُوا”،» ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مَسْعُودٌ قالَ: ثَنا يَحْيى عَنْ شُعْبَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ مُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ، ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ثَنا سُفْيانُ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: «“اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ (p-٨٣)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”اِشْهَدُوا، اشْهَدُوا“،» ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: قالَ عَلِيٌّ وحَدَّثَنا بِهِ مَرَّةً أُخْرى عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «”اِنْشَقَّ القَمَرُ شَقَّتَيْنِ، حَتّى رَأيْناهُ، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“اِشْهَدُوا”،» ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُلَيْمانَ - يَعْنِي ابْنَ كَثِيرٍ - عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ أبِيهِ، قالَ: «“اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ، عَلى هَذا الجَبَلِ، وعَلى هَذا الجَبَلِ، فَقالَ النّاسُ: سَحَرَنا مُحَمَّدٌ، فَقالَ رَجُلٌ: إنْ سَحَرَكم فَلَمْ يَسْحَرِ النّاسَ كُلَّهُمْ”،» وحَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ: ثَنا زُهَيْرُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ داوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ:“ثَلاثٌ قَدْ ذَكَرَهُنَّ اللَّهُ في القُرْآنِ قَدْ تَقَضَّيْنَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، فَقَدِ انْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَقَّتَيْنِ، حَتّى رَآهُ النّاسُ”، ثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: ثَنا عَبْدُ الأعْلى قالَ: ثَنا داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - في قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، قالَ:“قَدْ مَضى قَبْلَ الهِجْرَةِ، وانْشَقَّ القَمَرُ، حَتّى رَأوْا شَقَّتَيْهِ”، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ثَنا سُفْيانُ قالَ: قالَ عَمْرٌو عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «“اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: سَحَرَ القَمَرَ، سَحَرَ القَمَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]»، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أبِي بَكْرٍ قالَ: ثَنا الضِّحاكُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ: «”اِنْشَقَّ القَمَرُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ (p-٨٤)المُشْرِكُونَ: سَحَرَ القَمَرَ، سَحَرَ القَمَرَ، فَنَزَلَتْ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾ ﴿وَإنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]»، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا عارِمُ بْنُ الفَضْلِ وسُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالا: ثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ:“اِنْطَلَقْتُ مَعَ أبِي يَوْمَ الجُمُعَةِ فَخَطَبَنا حُذَيْفَةُ - وقالَ سُلَيْمانُ في حَدِيثِهِ: فَخَطَبَ حُذَيْفَةُ وهو بِالمَدائِنِ - فَتَلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، ثُمَّ قالَ: ألا إنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ، ألا وإنَّ المِضْمارَ اليَوْمَ والسِّباقَ غَدًا، قالَ سُلَيْمانُ في حَدِيثِهِ: فَقُلْتُ لِأبِي: يا أبَتاهُ، تُرْسَلُ الخَيْلُ غَدًا؟! وقالَ عارِمٌ في حَدِيثِهِ: فَقُلْتُ لِأبِي: يَسْتَبِقُ النّاسُ غَدًا؟! فَلَمّا كانَتِ الجُمُعَةُ الَّتِي تَلِيها، خَطَبَنا فَتَلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، فَقالَ: ألا إنَّ السّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وإنَّ القَمَرَ قَدِ انْشَقَّ عَلى عَهْدِ نَبِيِّكم ﷺ، ألا وإنَّ المِضْمارَ اليَوْمَ والسِّباقَ غَدًا، والغايَةَ النّارُ، والسّابِقَ مَن سَبَقَ إلى الجَنَّةِ”، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا حَجّاجُ بْنُ المِنهالِ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ:“كُنّا بِالمَدائِنِ فَجِئْنا إلى الجُمُعَةِ فَخَطَبَنا حُذَيْفَةُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ فَإنَّ اللَّهَ - تَبارَكَ وتَعالى - يَقُولُ: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، ألا إنَّ اليَوْمَ المِضْمارَ وغَدًا السِّباقَ، ألّا وإنَّ الغايَةَ النّارُ، فَلَمّا كانَتِ الجُمُعَةُ الأُخْرى خَطَبَنا فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، قالَ: فَقالَ مِثْلَ قَوْلِهِ، وقالَ: السّابِقُ مَن سَبَقَ إلى الجَنَّةِ، ثَنا إسْماعِيلُ ثَنا عَلِيٌّ قالَ: ثَنا سُفْيانُ عَنْ سُلَيْمانَ، وقَطَرٍ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ”مَضى اللِّزامُ، ومَضَتِ البَطْشَةُ، ومَضى الدُّخانُ، ومَضى الرُّومُ“، حَدَّثَنا إسْماعِيلُ قالَ: ثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ (p-٨٥)ابْنِ أسْلَمَ في قَوْلِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿اقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: "اِنْشَقَّ القَمَرُ في زَمانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ يُرى نِصْفُهُ عَلى قُعَيْقِعانَ، والنِّصْفُ الآخَرُ عَلى أبِي قَيْسٍ.
القمر 54:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾، أيْ: ذاهِبٌ، وقِيلَ: دائِمٌ.
القمر 54:3
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُلُّ أمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾، تَأْوِيلُهُ أنَّهُ يَسْتَقِرُّ لِأهْلِ النّارِ عَمَلُهُمْ، ولِأهْلِ الجَنَّةِ عَمَلُهم.
القمر 54:4
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِنَ الأنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، يَعْنِي مِن أخْبارِ مَن قَدْ سَلَفَ قَبْلَهُمْ، فَأُهْلِكُوا بِتَكْذِيبِهِمْ، ﴿ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾، أيْ: ما فِيهِ مُنْتَهًى، تَقُولُ: ”نَهَيْتُهُ فانْتَهى، وزَجَرْتُهُ فازْدَجَرَ“، والأصْلُ: ”فازْتَجَرَ“، بِالتّاءِ، ولَكِنَّ التّاءَ إذا وقَعَتْ بَعْدَ زايٍ أُبْدِلَتْ دالًا، نَحْوَ ”مُزْدانٌ“، أصْلُهُ: ”مُزْتانٌ“، وكَذَلِكَ ”مُزْتَجَرٌ“، وإنَّما أُبْدِلَتْ دالًا لِأنَّ التّاءَ حَرْفٌ مَهْمُوسٌ، والزّايَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ، فَأُبْدِلَ مِنَ التّاءِ، مِن مَكانِها، حَرْفٌ مَجْهُورٌ، وهو دالٌ، فَهَذا لا يَفْهَمُهُ إلّا مَن أحْكَمَ كُلَّ العَرَبِيَّةِ، وهَذا في آخِرِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُقالَ لِلْمُتَعَلِّمِ: إذا بَنَيْتَ ”اِفْتَعَلَ“، أوْ ”مُفْتَعَلٌ“، مِمّا أوَّلُهُ زايٌ فاقْلِبِ التّاءَ دالًا، نَحْوَ ”اِزْدَجَرَ“، و”مُزْدَجَرٌ“.
القمر 54:5
وَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ﴾، رُفِعَتْ ”حِكْمَةٌ“، بَدَلًا مِن ”ما“، اَلْمَعْنى: ”وَلَقَدْ جاءَهم حِكْمَةٌ بالِغَةٌ“، وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ ”حِكْمَةٌ“، بِإضْمارِ ”هُوَ“، اَلْمَعْنى: ”هُوَ حِكْمَةٌ بالِغَةٌ“.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾، ”ما“، جائِزٌ أنْ يَكُونَ في لَفْظِ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها التَّوْبِيخُ، فَيَكُونَ المَعْنى: ”فَأيُّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ؟!“، ويَكُونَ مَوْضِعُها نَصْبًا بِـ ”تُغْنِ“، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ نَفْيًا، عَلى مَعْنى: ”فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ“.
القمر 54:6
(p-٨٦)وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، وقْفُ التَّمامِ ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ .
وَقَوْلُهُ ﴿إلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾، إلى ما كانُوا يُنْكِرُونَهُ مِنَ البَعْثِ، فَتَوَلَّ عَنْهم يَوْمَ كَذا في الآيَةِ، و”يَوْمَ“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ [القمر: ٧]، فَأمّا حَذْفُ الواوِ مِن ”يَدْعُ“، في الكِتابِ، فَلِأنَّها تُحْذَفُ في اللَّفْظِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وهُما الواوُ مِن ”يَدْعُو“، واللّامُ مِن ”اَلدّاعِ“، فَأُجْرِيَتْ في الكِتابِ عَلى ما يُلْفَظُ بِها، وأمّا ”اَلدّاعِ“، فَإثْباتُ الياءِ فِيهِ أجْوَدُ، وقَدْ يَجُوزُ حَذْفُها، لِأنَّ الكَسْرَةَ تَدُلُّ عَلَيْها.
القمر 54:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خُشَّعًا أبْصارُهُمْ﴾، مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ خُشَّعًا أبْصارُهُمْ“، وقُرِئَتْ: ”خاشِعًا أبْصارُهُمْ“، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ”خاشِعَةً أبْصارُهُمْ“، ولَكَ في أسْماءِ الفاعِلِينَ إذا تَقَدَّمَتْ عَلى الجَماعَةِ التَّوْحِيدُ، نَحْوَ ”خاشِعًا أبْصارُهُمْ“، ولَكَ التَّوْحِيدُ والتَّأْنِيثُ، لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ: ”خاشِعَةً أبْصارُهُمْ“، ولَكَ الجَمْعُ، نَحْوَ: ”خُشَّعًا أبْصارُهُمْ“، تَقُولُ: ”مَرَرْتُ بِشُبّانٍ حَسَنٍ أوْجُهُهُمْ“، و”حِسانٍ أوْجُهُهُمْ“، و”حَسَنَةٍ أوْجُهُهُمْ“، قالَ الشّاعِرُ:
؎وَشَبابٍ حَسَنٍ أوْجُهُهم ∗∗∗ مِن إيادِ بْنِ نِزارِ بْنِ مَعَدِ
القمر 54:8
- وقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُهْطِعِينَ إلى الدّاعِ﴾، مَنصُوبٌ أيْضًا عَلى الحالِ، المَعْنى: ”يَخْرُجُونَ خُشَّعًا أبْصارُهم مُهْطِعِينَ“، ومَعْنى ﴿مُهْطِعِينَ﴾ ناظِرِينَ لا يُقْلِعُونَ أبْصارَهم.
القمر 54:9
وَقَوْلُهُ: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ﴾، أيْ: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ نُوحًا، قَبْلَ قَوْمِكَ يا مُحَمَّدُ.
﴿وَقالُوا مَجْنُونٌ وازْدُجِرَ﴾، وقالُوا: ”هُوَ مَجْنُونٌ“، كَما قالَ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ لَكَ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
(p-٨٧)”وازْدُجِرَ“: زُجِرَ بِالشَّتْمِ، وقَدْ بَيَّنّا ما في ”مُزْدَجَرٌ“، في انْقِلابِ التّاءِ دالًا، وأصْلُ هَذا: ”وازْتُجِرَ“.
القمر 54:10
وَقَوْلُهُ: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾، والقِراءَةُ ﴿أنِّي﴾، بِفَتْحِ الألِفِ، وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيُّ: ”إنِّي“، بِكَسْرِ الألِفِ، وفَسَّرَ سِيبَوَيْهِ ”إنِّي“، بِالكَسْرِ، فَقالَ: عَلى إرادَةِ القَوْلِ، عَلى مَعْنى: ”فَدَعا رَبَّهُ فَقالَ: إنِّي مَغْلُوبٌ“، قالَ: ومِثْلُهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، اَلْمَعْنى: ”قالُوا ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا“، ومَن فَتَحَ - وهو الوَجْهُ - فالمَعْنى: ”دَعا رَبَّهُ بِأنِّي مَغْلُوبٌ“.
القمر 54:11
وَقَوْلُهُ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”فَأجَبْنا دُعاءَهُ فَنَصَرْناهُ“، وبَيَّنَ النَّصْرَ الَّذِي نُصِرَ بِهِ، فَقالَ: ﴿فَفَتَحْنا أبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾، يَنْصَبُّ انْصِبابًا شَدِيدًا.
القمر 54:12
﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾، هَذا أكْثَرُ القِراءَةِ ﴿عُيُونًا﴾، بِالضَّمِّ، وقَدْ رُوِيَتْ: ”عِيُونًا“، بِكَسْرِ العَيْنِ، وهي رَدِيئَةٌ في العَرَبِيَّةِ.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فالتَقى الماءُ عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، يَعْنِي ماءَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَمْ يَقُلْ: ”فالتَقى الماءانِ“، ولَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ جائِزًا، إلّا أنَّ الماءَ اسْمٌ يَجْمَعُ ماءَ الأرْضِ، وماءَ السَّماءِ، ومَعْنى ﴿عَلى أمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾، أيْ: قَدْ قُدِرَ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقِيلَ: ”قَدْ قُدِرَ“، أيْ: كانَ قَدْرُ ماءِ السَّماءِ كَقَدْرِ ماءِ الأرْضِ.
القمر 54:13
﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ ودُسُرٍ﴾، اَلْمَعْنى: ”عَلى سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ“، و”اَلدُّسُرُ“: اِسْمُ المَسامِيرِ، والشُّرُطُ الَّتِي (p-٨٨)تُشَدِّ بِها الألْواحُ، وكُلُّ شَيْءٍ نَحْوَ السَّمْرِ أوْ إدْخالِ شَيْءٍ في شَيْءٍ بِقُوَّةٍ وشِدَّةِ قَهْرٍ فَهو ”دَسْرٌ“، يُقالُ: ”دَسَرْتُ المِسْمارَ، أدْسُرُهُ، وأدْسِرُهُ“، و”اَلدُّسُرُ“: واحِدُها ”دِسارٌ“، نَحْوَ ”حِمارٌ“، و”حُمُرٌ“.
القمر 54:14
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَن كانَ كُفِرَ﴾، أيْ: فَعَلْنا ذَلِكَ جَزاءً لِنُوحٍ وأصْحابِهِ، أيْ: نَجَّيْناهُ ومَن آمَنَ مَعَهُ، وأغْرَقْنا مَن كَذَّبَ بِهِ جَزاءً لِما صُنِعَ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿تَجْرِي بِأعْيُنِنا﴾، أيْ: تَجْرِي بِمَرْأًى مِنّا وحِفْظٍ.
القمر 54:15
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً﴾، أيْ: تَرَكْنا هَذِهِ الفَعْلَةَ وأمْرَ سَفِينَةِ نُوحٍ، آيَةً، أيْ: عَلامَةً لِيُعْتَبَرَ بِها، ﴿فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالدّالِ، غَيْرِ المُعْجَمَةِ، وأصْلُهُ: ”مُذْتَكِرٌ“، بِالذّالِ والتّاءِ، ولَكِنَّ التّاءَ أُبِدِلَ مِنها الدّالُ، والذّالُ مِن مَوْضِعِ التّاءِ، وهي أشْبَهُ بِالدّالِ مِنَ التّاءِ، فَأُدْغِمَتِ الذّالُ في الدّالِ، فَهَذا هو الوَجْهُ، أعْنِي القِراءَةَ بِالدّالِ - غَيْرَ مُعْجَمَةٍ - وقَدْ قالَ بَعْضُ العَرَبِ: ”مُذَّكِرٍ“، بِالذّالِ مُعْجَمَةً، فَأُدْغِمَ الثّانِي في الأوَّلِ، وهَذا لَيْسَ بِالوَجْهِ، إنَّما الوَجْهُ إدْغامُ الأوَّلِ في الثّانِي.
القمر 54:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾، اَلْمَعْنى: ”سَهَّلْنا“، وقِيلَ: إنَّ كُتُبَ أهْلِ الأدْيانِ - نَحْوَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ - إنَّما يَتْلُوها أهْلُها نَظَرًا، ولا يَكادُونَ يَحْفَظُونَ كُتُبَهم مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، كَما يَحْفَظُ القُرْآنُ.
القمر 54:19
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾، ”صَرْصَرًا“: شَدِيدَةَ البَرْدِ.
(p-٨٩)﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾، يَعْنِي ”نَحْسٍ مَشْؤُومٍ“، ”مُسْتَمِرٍّ“، أيْ: دائِمِ الشُّؤْمِ، وقِيلَ: في يَوْمِ أرْبِعاءَ في آخِرِ الشَّهْرِ، لا يَدُورُ.
القمر 54:20
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَنْـزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾، ”كَأنَّهُمْ“، هَهُنا، في مَوْضِعِ الحالِ، والمَعْنى: ”تَنْزِعُ النّاسَ مُشْبِهِينَ النَّخْلَ المُنْقَعِرَ، فالمُنْقَعِرُ: اَلْمَقْطُوعُ مِن أُصُولِهِ، وكانَتِ الرِّيحُ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مُنْقَعِرٍ﴾، اَلنَّخْلُ يُذَكَّرُ، ويُؤَنَّثُ، يُقالُ:“هَذا نَخْلٌ”، و“هَذِهِ نَخْلٌ”، فَمُنْقَعِرٌ عَلى مَن قالَ:“هَذا نَخْلٌ”، ومَن قالَ:“هَذِهِ نَخْلٌ، فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧]
القمر 54:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾، ”اَلنُّذُرُ“: جَمْعُ ”نَذِيرٌ“.
القمر 54:24
﴿فَقالُوا أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ ”بَشَرًا“، مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، الَّذِي ظَهَرَ يُفَسِّرُهُ، المَعْنى: ”أنَتَّبِعُ بَشَرًا؟!“.
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾، مَعْناهُ: ”إنّا إذًا لَفي ضَلالٍ وجُنُونٍ“، يُقالُ: ”ناقَةٌ مَسْعُورَةٌ“، إذا كانَ بِها جُنُونٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى: ”إنِ اتَّبَعْناهُ فَنَحْنُ في ضَلالٍ وفي عَذابٍ“.
القمر 54:25
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلْ هو كَذّابٌ أشِرٌ﴾، ”أشِرٌ“، بِمَعْنى ”بَطِرٌ“، يُقالُ: ”أشِرَ، يَأْشَرُ، أشَرًا، فَهو أشِرٌ“، مِثْلُ ”بَطِرَ، يَبْطَرُ، بَطَرًا، فَهو بَطِرٌ“.
القمر 54:27
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾، ”فِتْنَةً“، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”إنّا مُرْسِلُو النّاقَةِ لِنَفْتِنَهُمْ“، أيْ: لِنَخْتَبِرَهم.
القمر 54:28
(p-٩٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَبِّئْهم أنَّ الماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهم كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾، أيْ: اَلْماءُ قِسْمَةٌ بَيْنَ النّاقَةِ، وبَيْنَ ثَمُودَ، لَها يَوْمٌ، ولَهم يَوْمٌ، وهَذا مَعْناهُ: ”كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ، يُحْضَرُ القَوْمُ الشِّرْبَ يَوْمًا، وتُحْضَرُ النّاقَةُ يَوْمًا“.
القمر 54:29
﴿فَنادَوْا صاحِبَهم فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾، وكانَ يُقالُ لَهُ: ”أحْمَرُ ثَمُودَ“، و”أُحَيْمِرُ ثَمُودَ“، والعَرَبُ تَغْلِطُ فَتَجْعَلُ أحْمَرَ عادٍ، فَتَضْرِبُ بِهِ المَثَلَ في الشُّؤْمِ، قالَ زُهَيْرٌ يَصِفُ حَرْبًا:
؎فَتُنْتِجْ لَكم غِلْمانَ أشْأمُ كُلُّهم ∗∗∗ كَأحْمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
وَمَعْنى ﴿فَتَعاطى فَعَقَرَ﴾ فَتَعاطى عَقْرَ النّاقَةِ، فَعَقَرَ، فَبَلَغَ ما أرادَ.
القمر 54:31
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ المُحْتَظِرِ﴾، بِكَسْرِ الظّاءِ، ويُقْرَأُ: ”اَلْمُحْتَظَرِ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، و”اَلْهَشِيمُ“: ما يَبِسَ مِنَ الوَرَقِ، وتَكَسَّرَ، وتَحَطَّمَ، أيْ: فَكانُوا كالهَشِيمِ الَّذِي يَجْمَعُهُ صاحِبُ الحَظِيرَةِ، أيْ: قَدْ بَلَغَ الغايَةَ في الجَفافِ، حَتّى بَلَغَ إلى أنْ يُجْمَعَ لِيُوقَدَ، ومَن قَرَأ ”اَلْمُحْتَظَرِ“، بِفَتْحِ الظّاءِ، فَهو اسْمٌ لِلْحَظِيرَةِ، المَعْنى: ”كَهَشِيمِ المَكانِ الَّذِي يُحْتَظَرُ فِيهِ الهَشِيمُ“، ومَن قَرَأ ﴿المُحْتَظِرِ﴾، بِكَسْرِ الظّاءِ، نِسْبَةً إلى الَّذِي يَجْمَعُ الهَشِيمَ مِنَ الحَطَبِ في الحَظِيرَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ ”اَلْمُحْتَظِرُ“، لِأنَّهُ فاعِلٌ.
القمر 54:34
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾، ”سَحَرٍ“، إذا كانَ نَكِرَةً، يُرادُ بِهِ سَحَرًا مِنَ الأسْحارِ انْصَرَفَ، تَقُولُ: ”أتَيْتُ زَيْدًا سَحَرًا مِنَ الأسْحارِ“، فَإذا أرَدْتَ ”سَحَرَ يَوْمِكَ، قُلْتَ:“أتَيْتُهُ لِسَحَرٍ يا هَذا”، و“أتَيْتُهُ سَحَرَ يا هَذا".
القمر 54:35
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعْمَةً مِن عِنْدِنا﴾، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”نَجَّيْناهم لِلْإنْعامِ عَلَيْهِمْ“، ولَوْ قُرِئَتْ: ”نِعْمَةٌ مِن عِنْدِنا“، كانَ وجْهًا، ويَكُونُ المَعْنى: ”تِلْكَ (p-٩١)نِعْمَةٌ مِن عِنْدِنا، وإنْجاؤُنا إيّاهم نِعْمَةٌ مِن عِنْدِنا“، قالَ أبُو إسْحاقَ: ولَكِنِّي لا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ، قالَ مَشايِخُنا مِن أهْلِ العِلْمِ: اَلْقِراءَةُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ولا يَرَوْنَ أنْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِما يَجُوزُ في العَرَبِيَّةِ إذا لَمْ تَثْبُتْ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ.
القمر 54:37
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أعْيُنَهُمْ﴾، راوَدَ قَوْمُ لُوطٍ لُوطًا عَنْ ضَيْفِهِ، وهُمُ المَلائِكَةُ، فَأمَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جِبْرِيلَ فَسَفَقَ أعْيُنَهم بِجَناحَيْهِ سَفْقَةً، فَأذْهَبَها، وطَمَسَها، فَبَقُوا في البَيْتِ عُمْيًا حَيارى.
القمر 54:38
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهم بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾، ”بُكُرَةً“، و”غُدْوَةً“، إذا كانَتا نَكِرَتَيْنِ نُوِّنَتا، وصُرِفَتا، وإذا أرَدْتَ بِهِما بُكْرَةَ يَوْمِكَ وغَداةَ يَوْمِكَ، لَمْ تَصْرِفْهُما، فَـ ”بُكْرَةً“، هَهُنا نَكِرَةٌ، ولَوْ كانَتْ قُرِئَتْ: ”بُكُرَةَ عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ“، وقُرِئَتْ: ”نَجَّيْناهم بِسَحَرَ نِعْمَةً مِن عِنْدِنا“، كانَتا جائِزَتَيْنِ في العَرَبِيَّةِ، يَكُونُ المَعْنى: ”بُكْرَةَ يَوْمِهِمْ“، وسَحَرَ يَوْمِهِمْ"، ولَكِنَّ النَّكِرَةَ والصَّرْفَ أجْوَدُ في هَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ تَثْبُتْ رِوايَةٌ في أنَّهُ كانَ في يَوْمِ كَذا مِن شَهْرِ كَذا.
القمر 54:43
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أكُفّارُكم خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾، أيْ: أكُفّارُكم يا مَعْشَرَ العَرَبِ، ومَن أُرْسِلَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ؟ أيْ: اَلْكُفّارُ الَّذِينَ ذَكَرْنا أقاصِيصَهم وإهْلاكَهُمْ، ﴿أمْ لَكم بَراءَةٌ في الزُّبُرِ﴾، أيْ: أمْ أتاكم في الكُتُبِ أنَّكم مُبَرَّؤُونَ مِمّا يُوجِبُ عِداءَكم.
القمر 54:44
﴿أمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾، والمَعْنى: ”بَلْ أيَقُولُونَ: نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ، فَيُدِلُّونَ بِقُوَّةٍ واجْتِماعٍ عَلَيْكَ؟!“.
(p-٩٢)ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ يُهْلِكُهم في الجِهَةِ الَّتِي يُقَدِّرُونَ الغَلَبَةَ مِنها، فَقالَ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنَّهُ يُظْهِرُهُ عَلَيْهِمْ، ويَجْعَلُ كَلِمَتَهُ العُلْيا، فَقالَ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، فَكانَتْ هَذِهِ الهَزِيمَةُ يَوْمَ ”بَدْرٍ“.
القمر 54:45
وَقَوْلُهُ: ﴿سَيُهْزَمُ الجَمْعُ ويُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾، اَلْمَعْنى: ”وَيُوَلُّونَ الأدْبارَ“، كَما قالَ: ﴿وَإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، (p-٩٣)وَكَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُتَّقِينَ في جَنّاتٍ ونَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، اَلْمَعْنى: ”فِي جَنّاتٍ وأنْهارٍ“، والِاسْمُ الواحِدُ يَدُلُّ عَلى الجَمِيعِ، فَيُجْتَزَأُ بِهِ مِنَ الجَمِيعِ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، والخَلِيلُ:
؎بِها جِيَفُ الحَسْرى فَأمّا عِظامُها ∗∗∗ فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فَصَلِيبُ
يُرِيدُونَ: ”وَأمّا جُلُودُها“، وأنْشَدَ:
؎فِي حَلْقِكم عَظْمٌ وقَدْ شُجِينا
اَلْمَعْنى: في حُلُوقِكم عِظامٌ، وكَما قالَ:
؎كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعِفُّوا ∗∗∗ فَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصٌ
اَلْمَعْنى: ”كُلُوا في بَعْضِ بُطُونِكُمْ“.
(p-٩٤)
القمر 54:46
ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهم والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، أيْ: لَيْسَ ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ القَتْلِ في يَوْمِ ”بَدْرٍ“، والأُسَرِ، بِمُخَفِّفٍ عَنْهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ شَيْئًا، فَقالَ: ﴿والسّاعَةُ أدْهى وأمَرُّ﴾، أيْ: أشَدُّ، وكُلُّ داهِيَةٍ فَمَعْناها: اَلْأمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُهْتَدى لِدَوائِهِ، ومَعْنى ﴿وَأمَرُّ﴾، أشَدُّ مَرارَةً مِنَ القَتْلِ والأسْرِ.
القمر 54:47
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾، في التَّفْسِيرِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في القَدَرِيَّةِ.
القمر 54:48
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾، اَلْمَعْنى: ”يُقالُ لَهُمْ: ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ“.
القمر 54:49
﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾، أيْ: كُلُّ ما خَلَقْنا فَمَقْدُورٌ مَكْتُوبٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، قَبْلَ وُقُوعِهِ، ونُصِبَ ”كُلَّ شَيْءٍ“، بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ، اَلْمَعْنى: ”إنّا خَلَقْنا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ“، ويَدُلُّ عَلى هَذا ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ في الزُّبُرِ﴾ [القمر: ٥٢] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٥٣]، ”مُسْتَطَرٌ“، مَفْعُولٌ مِن ”اَلسَّطْرُ“، اَلْمَعْنى: ”كُلُّ صَغِيرٍ مِنَ الذُّنُوبِ، وكَبِيرٍ، مُسْتَطَرٌ، مَكْتُوبٌ عَلى فاعِلِيهِ، قَبْلَ أنْ يَفْعَلُوهُ، ومَكْتُوبٌ لَهُمْ، وعَلَيْهِمْ، إذا فَعَلُوهُ، لِيُجازَوْا عَلى أفْعالِهِمْ“.
الرحمن 55:1
(p-٩٥)سُورَةُ اَلرَّحْمَنِ
مَكِّيَّةٌ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢]، ”اَلرَّحْمَنُ“، اِسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، لا يُقالُ لِغَيْرِهِ، وهو في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، ومَعْناهُ: اَلْكَثِيرُ الرَّحْمَةِ.
الرحمن 55:2
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾، مَعْناهُ: يَسَّرَهُ لِأنْ يُذْكَرَ.
الرحمن 55:3
وَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٤]، قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي بِالإنْسانِ هَهُنا النَّبِيَّ ﷺ، ”عَلَّمَهُ البَيانَ“: ”عَلَّمَهُ القُرْآنَ الَّذِي فِيهِ بَيانُ كُلِّ شَيْءٍ“، وقِيلَ: اَلْإنْسانُ هَهُنا آدَمُ ﷺ، ويَجُوزُ في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ اسْمًا لِجِنْسِ النّاسِ جَمِيعًا، ويَكُونَ عَلى هَذا المَعْنى: ”عَلَّمَهُ البَيانَ“: جَعَلَهُ مُمَيِّزًا، حَتّى انْفَصَلَ الإنْسانُ مِن جَمِيعِ الحَيَوانِ.
الرحمن 55:5
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾، ”اَلشَّمْسُ والقَمَرُ“، مَرْفُوعانِ بِالِابْتِداءِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿بِحُسْبانٍ﴾، يَدُلُّ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ، ويَكُونُ المَعْنى: ”اَلشَّمْسُ والقَمَرُ يَجْرِيانِ بِحِسابٍ“، ويَكُونُ أيْضًا مَعْنى ﴿بِحُسْبانٍ﴾، أنَّهُما، يَدُلّانِ عَلى عَدَدِ الشُّهُورِ والسِّنِينَ وجَمِيعِ الأوْقاتِ.
الرحمن 55:6
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾، (p-٩٦)قالَ أهْلُ اللُّغَةِ، وأكْثَرُ أهْلِ التَّفْسِيرِ: ”اَلنَّجْمُ“: كُلُّ ما نَبَتَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، مِمّا لَيْسَ لَهُ ساقٌ، و”اَلشَّجَرُ“: كُلُّ ما لَهُ ساقٌ، ومَعْنى سُجُودُهُما دَوَرانُ الظِّلِّ مَعَهُما، كَما قالَ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا إلى ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ والشَّمائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ﴾ [النحل: ٤٨]، وقَدْ قِيلَ: إنَّ النَّجْمَ أيْضًا يُرادُ بِهِ النُّجُومُ، وهَذا جائِزٌ أنْ يَكُونَ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - قَدْ أعْلَمَنا أنَّ النَّجْمَ يَسْجُدُ، فَقالَ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ﴾ [الحج: ١٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النَّجْمُ هَهُنا يَعْنِي بِهِ ما نَبَتَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، وما طَلَعَ مِن نُجُومِ السَّماءِ، يُقالُ لِكُلِّ ما طَلَعَ: ”قَدْ نَجَمَ“.
الرحمن 55:7
وَقَوْلُهُ: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾، اَلْمَعْنى: ”رَفَعَها فَوْقَ الأرْضِ، وأمْسَكَها أنْ تَقَعَ عَلى الأرْضِ، ووَضَعَ المِيزانَ لِيَنْتَصِفَ بَعْضُ النّاسِ مِن بَعْضٍ“، وقِيلَ: ”اَلْمِيزانُ“، هَهُنا: اَلْعَدْلُ، لِأنَّ المُعادَلَةَ مُوازَنَةُ الأشْياءِ.
الرحمن 55:8
وَقَوْلُهُ: ﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾، ألّا تُجاوِزُوا القَدْرَ والعَدْلَ، ويَجُوزُ ﴿ألا تَطْغَوْا﴾، بِمَعْنى اللّامِ، ”لِئَلّا تَطْغَوْا“، وتَكُونُ ﴿ألا تَطْغَوْا﴾، عَلى النَّهْيِ، ومَعْنى ”أنْ“، اَلتَّفْسِيرُ، فَيَكُونُ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”وَوَضَعَ المِيزانَ“، أيْ: لا تَطْغَوْا في المِيزانِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩]، اَلْقِراءَةُ بِضَمِّ التّاءِ، ورَوى أهْلُ اللُّغَةِ: ”أخْسَرْتَ المِيزانَ“، و”خَسَرْتَ“، فَعَلى (p-٩٧)”خَسَرْتَ“: ”وَلا تَخْسِرُوا“، ولا تَقْرَأنَّ بِها إلّا أنَّ تَثْبُتَ رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ عَنْ إمامٍ في القِراءَةِ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ إنْسانًا قَرَأ بِها مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أُخِذَتْ عَنْهُ القِراءَةُ، ولا لَهُ حَرْفٌ يُقْرَأُ بِهِ.
الرحمن 55:10
وَقَوْلُهُ: ﴿والأرْضَ وضَعَها لِلأنامِ﴾، ”اَلْأنامُ“: اَلْإنْسُ والجِنُّ.
الرحمن 55:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيها فاكِهَةٌ والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾، مَعْنى ﴿الأكْمامِ﴾ ما غَطّى، وكُلُّ شَجَرَةٍ تُخْرِجُ ما هو مُكَمَّمٌ فَهي ذاتُ أكْمامٍ، وأكْمامُ النَّخْلَةِ: ما غَطّى جُمّارَها مِنَ السَّعَفِ، واللِّيفِ، والجِذْعِ، وكُلُّ ما أخْرَجَتْهُ النَّخْلَةُ فَهو ذُو أكْمامٍ، فالطَّلْعَةُ كُمُّها قِشْرُها، ومِن هَذا قِيلَ لِلْقَلَنْسُوَةِ: ”كُمَّةٌ“، لِأنَّها تُغَطِّي الرَّأْسَ، ومِن هَذا ”كُمّا القَمِيصِ“، لِأنَّهُما يُغَطِّيانِ اليَدَيْنِ.
الرحمن 55:12
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾، ويُقْرَأُ: ”والرَّيْحانَ“، وأكْثَرُ القِراءَةِ ﴿والرَّيْحانُ﴾، والعَصْفُ: ورَقُ الزَّرْعِ، ويُقالُ: اَلتِّبْنُ هو العَصْفُ، ويُقالُ: اَلْعَصْفَةُ، قالَ الشّاعِرُ:
؎تَسْقِي مَذانِبَ قَدْ مالَتْ عَصِيفَتُها ∗∗∗ آتِيُّها مِن أتِيِّ الماءِ مَطْمُومُ
وَيُرْوى: ”بِأتِيِّ الماءِ“، ومَعْنى ﴿ذُو العَصْفِ والرَّيْحانُ﴾ ذُو الوَرَقِ والرِّزْقِ، العَرَبُ تَقُولُ: ”سُبْحانَ اللَّهِ ورَيْحانَهُ“، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: مَعْناهُ: ”واسْتِرْزاقَهُ“، قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ:
؎سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دُرَرْ
قالَ: مَعْنى ”رَيْحانُهُ“: رِزْقُهُ، ومَن قَرَأ: ”والرَّيْحانِ“، عَطَفَ عَلى ”اَلْعَصْفِ“، ومَن (p-٩٨)قَرَأ: ﴿والرَّيْحانُ﴾، عَطَفَ عَلى ﴿الحَبِّ﴾ [الأنعام: ٩٥]، ويَكُونُ المَعْنى: ”فِيهِما فاكِهَةٌ، فِيهِما الحَبُّ ذُو العَصْفِ، وفِيهِما الرَّيْحانُ، فَيَكُونُ“اَلرَّيْحانُ”، هَهُنا، اَلرَّيْحانَ الَّذِي يَشَمُّ، ويَكُونُ أيْضًا هَهُنا الرِّزْقَ، فَذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ مِن خَلْقِ الإنْسانِ، وتَعْلِيمِ البَيانِ، ومِن خَلْقِ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ، ثُمَّ خاطَبَ الإنْسَ والجِنَّ، فَقالَ:“ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ”، أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، لِأنَّها كُلَّها مُنْعَمٌ بِها عَلَيْكم في دَلالَتِها إيّاكم عَلى وحْدانِيَّتِهِ، وفي رِزْقِهِ إيّاكم ما بِهِ قِوامُكم والوَصْلَةُ إلى حَياتِكُمْ، و“اَلْآلاءُ”واحِدُها:“ألًى”، و“إلًى”، وكُلُّ ما في السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ:“ فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ "، فَمَعْناهُ عَلى ما فَسَّرْناهُ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ؟!
الرحمن 55:14
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وقالَ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦]، وقالَ: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، وهَذِهِ الألْفاظُ الَّتِي قالَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - إنَّهُ خَلَقَ الإنْسانَ مِنها مُخْتَلِفَةُ اللَّفْظِ، وهي في المَعْنى راجِعَةٌ إلى أصْلٍ واحِدٍ، فَأصْلُ الطِّينِ التُّرابُ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّهُ خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، جُعِلَ طِينًا، ثُمَّ انْتَقَلَ فَصارَ كالحَمَإ، ثُمَّ انْتَقَلَ فَصارَ صَلْصالًا كالفَخّارِ، والصَّلْصالِ اليابِسِ، فَهَذا كُلُّهُ أصْلُهُ التُّرابُ، ولَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وإنَّما شَرَحْنا هَذا لِأنَّ قَوْمًا مِنَ (p-٩٩)المُلْحِدِينَ يَسْألُونَ عَنْ مِثْلِ هَذا، لِيُلْبِسُوا عَلى الضَّعْفَةِ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَ أبا الإنْسِ جَمِيعًا، آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وأعْلَمَ مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَ أصْلَ الجِنِّ، فَقالَ: ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، و”اَلْمارِجُ“: اَللَّهَبُ المُخْتَلِطُ بِسَوادِ النّارِ.
الرحمن 55:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾، يَعْنِي بِهِ مَشْرِقَيِ الشَّمْسِ، وكَذَلِكَ القَمَرُ، ومَغْرِبَيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، فَأحَدُ المَشْرِقَيْنِ مَشْرِقُ الشِّتاءِ، والآخَرُ مَشْرِقُ الصَّيْفِ، وكَذَلِكَ المَغْرِبانِ.
الرحمن 55:19
(p-١٠٠)وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾، مَعْنى ”مَرَجَ“: خَلَطَ، يَعْنِي البَحْرَ المِلْحَ، والبَحْرَ العَذْبَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ [الرحمن: ٢٠]، ”اَلْبَرْزَخُ“: اَلْحاجِزُ، وهو حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ، ”لا يَبْغِيانِ“: لا يَبْغِي المِلْحُ عَلى العَذْبِ فَيَخْتَلِطَ بِهِ، ولا العَذْبُ عَلى المِلْحِ فَيَخْتَلِطَ بِهِ.
الرحمن 55:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ ”اَلْمَرْجانُ“: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، و”اَللُّؤْلُؤُ“: اِسْمٌ جامِعٌ لِلْحَبِّ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ، وقالَ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾، وإنَّما يَخْرُجُ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ، لِأنَّهُ قَدْ ذَكَرَهُما وجَمَعَهُما، فَإذا خَرَجَ مِن أحَدِهِما فَقَدْ خَرَجَ مِنهُما، ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ [نوح: ١٥] ﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ [نوح: ١٦]، والشَّمْسُ في السَّماءِ الدُّنْيا، إلّا أنَّهُ لَمّا أجْمَلَ ذِكْرَ السَّبْعِ كانَ ما في إحْداهُنَّ فِيهِنَ، ويُقْرَأُ: ”يُخْرَجُ مِنهُما“، بِضَمِّ الياءِ.
الرحمن 55:24
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾، ”اَلْجَوارِي“، اَلْوَقْفُ عَلَيْها بِالياءِ، وإنَّما سَقَطَتِ الياءُ في اللَّفْظِ لِسُكُونِ اللّامِ، والِاخْتِيارُ وصْلُها، وإنْ وقَفَ عَلَيْها واقِفٌ بِغَيْرِ ياءٍ فَذَلِكَ جائِزٌ عَلى بُعْدٍ، ولَكِنْ يَرُومُ الكَسْرَ في الرّاءِ، لِيَدُلَّ عَلى حَذْفِ الياءِ، ويُقْرَأُ: ”اَلْمُنْشِئاتُ“، بِكَسْرِ الشِّينِ، والفَتْحُ أجْوَدُ في الشِّينِ، ومَعْنى ”اَلْمُنْشَآتُ“: اَلْمَرْفُوعاتُ الشُّرُعِ، و”اَلْمُنْشِئاتُ“، عَلى مَعْنى الحامِلاتِ الرّافِعاتِ الشُّرُعَ، ومَعْنى ”كالأعْلامِ“: كالجِبالِ، قالَ الشّاعِرُ: (p-١٠١)
؎إذا قَطَعْنَ عَلَمًا بَدا عَلَمْ
وَ”اَلْجَوارِي“: اَلسُّفُنُ.
الرحمن 55:26
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾، مَعْناهُ: عَلى الأرْضِ.
الرحمن 55:31
قَوْلُهُ: ﴿سَنَفْرُغُ لَكم أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾، يَعْنِي بِالثَّقَلَيْنِ الإنْسَ، والجِنَّ، ويَجُوزُ ”سَنَفْرَغُ لَكُمْ“، بِفَتْحِ الرّاءِ، ويَجُوزُ: ”سَيَفْرُغُ“، بِفَتْحِ الياءِ، ويَجُوزُ: ”سَيُفْرَغُ لَكُمْ“، بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ الرّاءِ، ومَعْناهُ: سَنَقْصِدُ لِحِسابِكُمْ، واللَّهُ لا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ، والفَراغُ في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما الفَراغُ مِن شُغُلٍ، والآخَرُ القَصْدُ لِلشَّيْءِ، تَقُولُ: ”قَدْ فَرَغْتُ مِمّا كُنْتُ فِيهِ“، أيْ: قَدْ زالَ شُغْلِي بِهِ، وتَقُولُ: ”سَأتَفَرَّغُ لِفُلانٍ“، أيْ: سَأجْعَلُ قَصْدِي لَهُ.
الرحمن 55:33
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾، والأقْطارُ: اَلنَّواحِي، ﴿لا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطانٍ﴾، أيْ: حَيْثُما كُنْتُمْ شاهَدْتُمْ حُجَّةً لِلَّهِ وسُلْطانًا، تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدٌ.
الرحمن 55:35
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ﴾، ويُقْرَأُ: ”وَنُحاسٍ“، بِكَسْرِ السِّينِ، والنُّحاسُ: اَلدُّخانُ، والشُّواظُ: اَللَّهَبُ الَّذِي لا دُخانَ مَعَهُ.
الرحمن 55:37
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾، مَعْنى ﴿وَرْدَةً﴾ صارَتْ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وذَلِكَ في يَوْمِ القِيامَةِ، ومَعْنى ﴿كالدِّهانِ﴾ تَتَلَوَّنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ تَلَوُّنَ الدِّهانِ المُخْتَلِفَةِ، والدِّهانُ جَمْعُ ”دُهْنٍ“، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨]، أيْ: كالزَّيْتِ الَّذِي قَدْ أُغْلِيَ، وقِيلَ ﴿فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾، أيْ: فَكانَتْ كَلَوْنِ فَرَسٍ ورْدَةٍ، و”اَلْكَمِيتُ“: اَلْوَرْدُ، يَتَلَوَّنَ فَيَكُونُ في الشِّتاءِ لَوْنُهُ خِلافَ لَوْنِهِ في الصَّيْفِ، ويَكُونُ في الفَصْلِ لَوْنُهُ غَيْرَ لَوْنِهِ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ.
الرحمن 55:39
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، فَإذا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ كانَتْ سِيما المُجْرِمِينَ سَوادَ الوَجْهِ، والزُّرْقَةَ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، أيْ: بِعَلامَتِهِمْ هَذِهِ، ودَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]
الرحمن 55:41
(p-١٠٢)وَقَوْلُهُ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، قِيلَ: تُجْعَلُ الأقْدامُ مَضْمُومَةً إلى النَّواصِي مِن خَلْفٍ، ويُلْقَوْنَ في النّارِ، وذَلِكَ أشَدُّ لِعَذابِهِمْ، والتَّشْوِيهِ بِهِمْ.
الرحمن 55:43
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، يَعْنِي ﴿آنٍ﴾ ”قَدْ أنِيَ، يَأْنى، فَهو آنٍ“، إذا انْتَهى في النُّضْجِ والحَرارَةِ، فَإذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ الآنِي الَّذِي قَدْ صارَ كالمُهْلِ، فَيُطافُ بِهِمْ مَرَّةً إلى الحَمِيمِ، ومَرَّةً إلى النّارِ - أسْتَجِيرُ بِاللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ مِنها -، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما لِمَنِ اتَّقاهُ وخافَهُ، فَقالَ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قِيلَ: مَن أرادَ مَعْصِيَةً فَذَكَرَ ما عَلَيْهِ فِيها، فَتَرَكَها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ورَهْبَةَ عِقابِهِ، ورَجاءَ ثَوابِهِ، فَلَهُ جَنَّتانِ، ثُمَّ وصَفَهُما، فَقالَ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، والأفْنانُ: جَمْعُ ”فَنٌّ، أيْ: لَهُ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ مِن كُلِّ فَنٍّ، و“اَلْأفْنانُ”: اَلْألْوانُ، و“اَلْأفْنانُ”: اَلْأغْصانُ، واحِدُها“فَنَنٌ"، وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ.
الرحمن 55:44
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾، يَعْنِي ﴿آنٍ﴾ ”قَدْ أنِيَ، يَأْنى، فَهو آنٍ“، إذا انْتَهى في النُّضْجِ والحَرارَةِ، فَإذا اسْتَغاثُوا مِنَ النّارِ جُعِلَ غِياثُهُمُ الحَمِيمَ الآنِي الَّذِي قَدْ صارَ كالمُهْلِ، فَيُطافُ بِهِمْ مَرَّةً إلى الحَمِيمِ، ومَرَّةً إلى النّارِ - أسْتَجِيرُ بِاللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ مِنها -، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ما لِمَنِ اتَّقاهُ وخافَهُ، فَقالَ: ﴿وَلِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، قِيلَ: مَن أرادَ مَعْصِيَةً فَذَكَرَ ما عَلَيْهِ فِيها، فَتَرَكَها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، ورَهْبَةَ عِقابِهِ، ورَجاءَ ثَوابِهِ، فَلَهُ جَنَّتانِ، ثُمَّ وصَفَهُما، فَقالَ: ﴿ذَواتا أفْنانٍ﴾ [الرحمن: ٤٨]، والأفْنانُ: جَمْعُ ”فَنٌّ، أيْ: لَهُ فِيها ما تَشْتَهِي الأنْفُسُ، وتَلَذُّ الأعْيُنُ مِن كُلِّ فَنٍّ، و“اَلْأفْنانُ”: اَلْألْوانُ، و“اَلْأفْنانُ”: اَلْأغْصانُ، واحِدُها“فَنَنٌ"، وهو أجْوَدُ الوَجْهَيْنِ.
الرحمن 55:52
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِما مِن كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ﴾، ”اَلزَّوْجانِ“: اَلنَّوْعانِ.
الرحمن 55:56
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾، مَعْناهُ: فِيهِنَّ حُورٌ قاصِراتُ الطَّرْفِ، قَدْ قَصَرْنَ طَرْفَهُنَّ عَلى أزْواجِهِنَّ، لا يَنْظُرْنَ إلى غَيْرِهِمْ.
﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ﴾، لَمْ يَمْسَسْهُنَّ، ويُقْرَأُ: ”لَمْ يَطْمُثْهُنَّ“، وهي في القِراءَةِ قَلِيلَةٌ، وفي اللُّغَةِ (p-١٠٣)”طَمَثَ، يَطْمِثُ، ويَطْمُثُ“، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الجِنِّيَّ يَغْشى، كَما أنَّ الإنْسِيَّ يَغْشى.
الرحمن 55:58
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿كَأنَّهُنَّ الياقُوتُ والمَرْجانُ﴾، قالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ، وأهْلُ اللُّغَةِ: هُنَّ في صَفاءِ الياقُوتِ وبَياضِ المَرْجانِ، والمَرْجانُ: صِغارُ اللُّؤْلُؤِ، وهو أشَدُّ بَياضًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِنَّ﴾ [الرحمن: ٥٦]، وإنَّما ذَكَرَ جَنَّتَيْنِ، يَعْنِي مِن هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ وما أُعِدَّ لِصاحِبِ هَذِهِ القِصَّةِ غَيْرِ هاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ.
الرحمن 55:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿هَلْ جَزاءُ الإحْسانِ إلا الإحْسانُ﴾، أيْ: ما جَزاءُ مَن أحْسَنَ في الدُّنْيا إلّا أنْ يُحْسَنَ إلَيْهِ في الآخِرَةِ.
الرحمن 55:62
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَمِن دُونِهِما جَنَّتانِ﴾، أيْ: لِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ، ولَهُ مِن دُونِهِما جَنَّتانِ، و”اَلْجَنَّةُ“، في لُغَةِ العَرَبِ: اَلْبُسْتانُ.
الرحمن 55:64
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُدْهامَّتانِ﴾، يَعْنِي أنَّهُما خَضْراوانِ، تَضْرِبُ خُضْرَتُهُما إلى السَّوادِ، وكُلُّ نَبْتٍ أخْضَرَ فَتَمامُ خُضْرَتِهِ ورِيِّهِ أنْ يَضْرِبَ إلى السَّوادِ.
الرحمن 55:66
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ﴾، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُما يَنْضَخانِ كُلَّ خَيْرٍ.
الرحمن 55:68
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾، قالَ قَوْمٌ: إنَّ النَّخْلَ والرُّمّانَ لَيْسا مِنَ الفاكِهَةِ، وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ - مِنهم يُونُسُ النَّحْوِيُّ، وهو يَتْلُو الخَلِيلَ في القِدَمِ والحِذْقِ -: إنَّ الرُّمّانَ والنَّخْلَ مِن أفْضَلِ الفاكِهَةِ، وإنَّما فُصِلا بِالواوِ لِفَضْلِهِما، واسْتَشْهَدَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، فَقالَ: لِفَضْلِهِما فُصِلا بِالواوِ.
(p-١٠٤)قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِن إسْتَبْرَقٍ وجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، قِيلَ: ”اَلْإسْتَبْرَقُ“: اَلدِّيباجُ الصَّفِيقُ جِدًّا، نَحْوَ ما يُعْمَلُ لِلْكَعْبَةِ، و”اَلْبَطائِنُ“: ما يَلِي الأرْضَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَنى الجَنَّتَيْنِ دانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، أيْ: ما يُجْنى مِن ثَمَرِهِما إذا أرادُوهُ دَنا مِن أفْواهِهِمْ حَتّى يَتَناوَلُوهُ بِأفْواهِهِمْ وأيْدِيهِمْ.
الرحمن 55:70
وَقَوْلُهُ: ﴿فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ﴾، أصْلُهُ في اللُّغَةِ: ”خَيِّراتٌ“، والمَعْنى أنَّهُنَّ خَيِّراتُ الأخْلاقِ، حِسانُ الخَلْقِ، وقَدْ قُرِئَ بِها - أعْنِي بِتَشْدِيدِ الياءِ.
الرحمن 55:72
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿حُورٌ مَقْصُوراتٌ في الخِيامِ﴾، ”اَلْخِيامُ“، في لُغَةِ العَرَبِ: جَمْعُ خَيْمَةٍ، و”اَلْخِيامُ“، شَيْئانِ: اَلْخِيامُ: اَلْهَوادِجُ، والخِيامُ: اَلْبُيُوتُ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّ الخَيْمَةَ مِن هَذِهِ الخِيامِ مِن دُرَّةٍ مُجَوَّفَةٍ، ومَعْنى ﴿مَقْصُوراتٌ﴾، مُخَدِّراتٌ، قَدْ قُصِرْنَ عَلى أزْواجِهِنَّ.
الرحمن 55:76
وَقَوْلُهُ: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ﴾، وقُرِئَتْ: ”عَلى رَفارِفَ خُضْرٍ وعَباقِرِيَّ حِسانٍ“، اَلْقِراءَةُ هي الأُولى، وهَذِهِ القِراءَةُ لا مُخْرَجَ لَها في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّ الجَمْعَ الَّذِي بَعْدَ ألِفِهِ حَرْفانِ نَحْوَ ”مَساجِدُ“، و”مَفاتِيحُ“، لا يَكُونُ فِيهِ مِثْلُ ”عَباقِرِيَّ“، لِأنَّ ما جاوَزَ الثَّلاثَةَ لا يُجْمَعُ بِياءِ النَّسَبِ، لَوْ جَمَعْتَ ”عَبْقَرِيٌّ“، كانَ جَمْعُهُ (p-١٠٥)”عَباقِرَةٌ“، كَما أنَّكَ لَوْ جَمَعْتَ ”مُهَلَّبِيٌّ“، كانَ جَمْعُهُ ”مَهالِبَةٌ“، ولَمْ يَقُلْ ”مَهالِبِيُّ“.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: فَمِن أيْنَ جازَ ”عَبْقَرِيٍّ حِسانٍ“، و”عَبْقَرِيٍّ“، واحِدٌ، و”حِسانٌ“، جَمْعٌ؟ فالأصْلُ أنَّ واحِدَهُ ”عَبْقَرِيَّةٌ“، والجَمْعُ ”عَبْقَرِيٌّ“، كَما تَقُولُ: ”ثَمَرَةٌ“، و”ثَمَرٌ“، و”لَوْزَةٌ“، و”لَوْزٌ“، ويَكُونُ أيْضًا ”عَبْقَرِيٌّ“، اِسْمًا لِلْجِنْسِ، فالقِراءَةُ هي الأُولى، وأمّا تَفْسِيرُ ﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وعَبْقَرِيٍّ﴾، فَقالُوا: اَلرَّفْرَفُ، هَهُنا: رِياضُ الجَنَّةِ، وقالُوا: اَلرَّفْرَفُ: اَلْوَسائِدُ، وقالُوا: اَلْمَحابِسُ، وقالُوا أيْضًا: فُضُولُ المَحابِسِ لِلْفَرْشِ، فَأمّا العَبْقَرِيُّ، فَقالُوا: اَلْبُسُطُ، وقالُوا: اَلطَّنافِسُ المَبْسُوطَةُ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى هَذا مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ: ﴿وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥] ﴿وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: ١٦]، فالنَّمارِقُ: اَلْوَسائِدُ، والزَّرابِيُّ: اَلْبُسُطُ، فَمَعْنى ”رَفْرَفٍ“، هَهُنا، و”عَبْقَرِيٍّ“: أنَّهُ الوَسائِدُ والبُسُطُ، ويَدُلُّ - واللَّهُ أعْلَمُ - عَلى أنَّ الوَسائِدَ ذَواتُ رَفْرَفٍ، وأصْلُ ”اَلْعَبْقَرِيُّ“، في اللُّغَةِ: صِفَةٌ لِكُلِّ ما بُولِغَ في وصْفِهِ، وأصْلُهُ أنَّ ”عَبْقَرُ“، اِسْمُ بَلَدٍ كانَ يُوَشّى فِيهِ البُسُطُ وغَيْرُها، فَنُسِبَ كُلُّ شَيْءٍ جَيِّدٍ، وكُلُّ ما بُولِغَ في وصْفِهِ، إلى ”عَبْقَرُ“، قالَ زُهَيْرٌ:
؎بِخَيْلٍ عَلَيْها جِنَّةٌ عَبْقَرِيَّةٌ ∗∗∗ جَدِيرُونَ يَوْمًا أنْ يَنالُوا فَيَسْتَعْلُوا
الرحمن 55:77
وَقَوْلُهُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، أيْ: فَبِأيِّ نِعَمِ رَبِّكُما الَّتِي عُدِّدَتْ عَلَيْكُما يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ تُكَذِّبانِ، فَإنَّما يَنْبَغِي أنْ يُعَظِّما اللَّهَ ويُمَجِّداهُ، فَخَتَمَ السُّورَةَ بِما يَنْبَغِي أنْ يُمَجَّدَ بِهِ - عَزَّ وجَلَّ - ويُعَظَّمَ، فَقالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الجَلالِ والإكْرامِ﴾ [الرحمن: ٧٨] (p-١٠٦)
الواقعة 56:1
(p-١٠٧)سُورَةُ اَلْواقِعَةِ
﷽
قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، يُقالُ لِكُلِّ آتٍ كانَ يُتَوَقَّعُ: ”قَدْ وقَعَ“، تَقُولُ: ”قَدْ وقَعَ الأمْرُ“، كَقَوْلِكَ: ”قَدْ جاءَ الأمْرُ“، و”اَلْواقِعَةُ“، هَهُنا: اَلسّاعَةُ، والقِيامَةُ.
الواقعة 56:2
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾، أيْ: لا يَرُدُّها شَيْءٌ، كَما تَقُولُ: ”قَدْ حَمَلَ فُلانٌ لا يُكَذِّبُ“، أيْ: لا يَرُدُّ حَمْلَتَهُ شَيْءٌ، و”كاذِبَةٌ“، مَصْدَرٌ، كَقَوْلِكَ: ”عافاهُ اللَّهُ عافِيَةً، وعاقَبَهُ عاقِبَةً“، وكَذَلِكَ ”كَذَّبَ كاذِبَةً“، وهَذِهِ أسْماءٌ في مَوْضِعِ المَصادِرِ.
الواقعة 56:3
وَقَوْلُهُ: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، اَلْمَعْنى أنَّها تَخْفِضُ أهْلَ المَعاصِي، وتَرْفَعُ أهْلَ الطّاعَةِ، و﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾، اَلْقِراءَةُ بِالرَّفْعِ، والنَّصْبُ جائِزٌ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِ إمامٌ مِنَ القُرّاءِ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ الزَّيْدِيِّ، صاحِبِ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، فَمَن رَفَعَ - وهو الوَجْهُ - فالمَعْنى: ”هِيَ خافِضَةٌ رافِعَةٌ“، ومَن نَصَبَ فَعَلى وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: ”إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ خافِضَةً رافِعَةً“، عَلى الحالِ، ويَجُوزُ عَلى إضْمارِ ”تَقَعُ“، ويَكُونُ المَعْنى: ”إذا وقَعَتْ تَقَعُ خافِضَةً رافِعَةً“، عَلى الحالِ مِن ”تَقَعُ“، اَلْمُضْمَرِ.
الواقعة 56:4
وَقَوْلُهُ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾، (p-١٠٨)مَوْضِعُ ”إذا“، نَصْبٌ، المَعْنى: ”إذا وقَعَتْ في ذَلِكَ الوَقْتِ“، ويَجُوزُ النَّصْبُ عَلى ”تَقَعُ إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا“، ومَعْنى ﴿رُجَّتِ﴾ حُرِّكَتْ حَرَكَةً شَدِيدَةً وزُلْزِلَتْ.
الواقعة 56:5
﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾، ”بُسَّتْ“: لُثَّتْ، وخُلِطَتْ، و”بُسَّتْ“، أيْضًا: سِيقَتْ.
الواقعة 56:6
﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾، غُبارًا، ومِثْلُهُ: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، ومِثْلُ خُلِطَتْ ولُثَّتْ، قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لا تَخْبِزا خَبْزًا وبُسّا بَسّا
وَمِثْلُ سِيقَتْ وانْساقَتْ، قَوْلُهُ:
؎وانْبَسَّ حَيّاتُ الكَثِيبِ الأهْيَلِ
الواقعة 56:7
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾، أيْ: أصْنافًا ثَلاثَةً، يُقالُ لِلْأصْنافِ الَّتِي بَعْضُها مَعَ بَعْضٍ: ”أزْواجٌ“، كَما يُقالُ لِلْخُفَّيْنِ: ”زَوْجانِ“.
الواقعة 56:8
وَقَوْلُهُ،: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والمَعْنى: ”وَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما هُمْ؟! أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟! ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩]، أيُّ شَيْءٍ هُمْ؟! وهَذا اللَّفْظُ مُجْراهُ في العَرَبِيَّةِ مُجْرى (p-١٠٩)التَّعَحُّبِ، ومُجْراهُ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - في مُخاطَبَةِ العِبادِ مُجْرى ما يُعَظِّمُ بِهِ الشَّأْنُ عِنْدَهُمْ، ومِثْلُهُ ﴿الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١] ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ٢]، و﴿القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١] ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ٢]، ومَعْنى“أصْحابُ المَيْمَنَةِ”: أصْحابُ اليَمِينِ، و“أصْحابُ المَشْأمَةِ": أصْحابُ الشِّمالِ، وأصْحابُ اليَمِينِ هم أصْحابُ المَنزِلَةِ الرَّفِيعَةِ، وأصْحابُ الشِّمالِ هم أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيئَةِ الخَسِيسَةِ.
الواقعة 56:10
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اَلسّابِقُونَ السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والتَّصْدِيقِ بِأنْبِيائِهِ“، و”اَلسّابِقُونَ“، اَلْأوَّلُ، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والثّانِي تَوْكِيدٌ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أيْنَ مَحَلُّهُمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلسّابِقُونَ“، اَلْأوَّلُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُهُ ”اَلسّابِقُونَ“، اَلثّانِي، فَيَكُونَ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اَلسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ“، ويَكُونَ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، مِن صِفَتِهِمْ.
الواقعة 56:11
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اَلسّابِقُونَ السّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، والتَّصْدِيقِ بِأنْبِيائِهِ“، و”اَلسّابِقُونَ“، اَلْأوَّلُ، رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ، والثّانِي تَوْكِيدٌ، ويَكُونُ الخَبَرُ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، ثُمَّ أخْبَرَ أيْنَ مَحَلُّهُمْ، فَقالَ: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٢]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلسّابِقُونَ“، اَلْأوَّلُ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ، ويَكُونَ خَبَرُهُ ”اَلسّابِقُونَ“، اَلثّانِي، فَيَكُونَ المَعْنى - واللَّهُ أعْلَمُ -: ”اَلسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ السّابِقُونَ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ“، ويَكُونَ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾، مِن صِفَتِهِمْ.
الواقعة 56:13
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، ”ثُلَّةٌ“، رَفْعٌ عَلى مَعْنى ”هم ثُلَّةٌ“، و”اَلثُّلَّةُ“: اَلْجَماعَةُ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾، أيْ: جَماعَةٌ مِمَّنْ عايَنَ الأنْبِياءَ، وصَدَّقَ بِهِمْ، فالَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ النَّبِيِّينَ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ قَوْلُهُ - في قِصَّةِ يُونُسَ -: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨]، هَؤُلاءِ سِوى سائِرِ مَن آمَنَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ عايَنَهم وصَدَّقَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلثُّلَّةُ“، بِمَعْنى: ”قَلِيلٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ“، لِأنَّ اشْتِقاقَ الثُّلَّةِ مِن ”اَلْقِطْعَةُ“، و”اَلثَّلُّ“: اَلْكَسْرُ والقَطْعُ، و”اَلثُّلَّةُ“: نَحْوُ الفِئَةِ، والفِرْقَةِ.
الواقعة 56:14
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، ”ثُلَّةٌ“، رَفْعٌ عَلى مَعْنى ”هم ثُلَّةٌ“، و”اَلثُّلَّةُ“: اَلْجَماعَةُ، وهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - مَعْنى ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾، أيْ: جَماعَةٌ مِمَّنْ عايَنَ الأنْبِياءَ، وصَدَّقَ بِهِمْ، فالَّذِينَ عايَنُوا جَمِيعَ النَّبِيِّينَ وصَدَّقُوا بِهِمْ أكْثَرُ مِمَّنْ عايَنَ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وذَلِكَ قَوْلُهُ - في قِصَّةِ يُونُسَ -: ﴿وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهم إلى حِينٍ﴾ [الصافات: ١٤٨]، هَؤُلاءِ سِوى سائِرِ مَن آمَنَ بِجَمِيعِ الأنْبِياءِ مِمَّنْ عايَنَهم وصَدَّقَهُمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”اَلثُّلَّةُ“، بِمَعْنى: ”قَلِيلٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ“، لِأنَّ اشْتِقاقَ الثُّلَّةِ مِن ”اَلْقِطْعَةُ“، و”اَلثَّلُّ“: اَلْكَسْرُ والقَطْعُ، و”اَلثُّلَّةُ“: نَحْوُ الفِئَةِ، والفِرْقَةِ.
الواقعة 56:15
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾، (p-١١٠)”مُتَّكِئِينَ“، و”مُتَقابِلِينَ“، مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ في هَذِهِ الحالِ“، و”اَلسُّرُرُ“: جَمْعُ ”سَرِيرٌ“، مِثْلَ: ”كَثِيبٌ“، و”كُثُبٌ“، ومَعْنى ”مُتَقابِلِينَ“: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وُجُوهِ بَعْضٍ، ويَنْظُرُ في أقْفاءِ بَعْضٍ، وُصِفُوا، مَعَ نِعَمِهِمْ، بِحُسْنِ العِشْرَةِ، وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ، وصَفاءِ المَوَدَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وجاءَ في التَّفْسِيرِ ”مَوْضُونَةٍ“: مَرْمُولَةٍ، ومَعْنى ”مَرْمُولَةٌ“: مَنسُوجَةٌ، نَحْوَ نَسْجِ الدُّرُوعِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها مِن ذَهَبٍ، ومِثْلُ ”مَوْضُونَةٌ“، قَوْلُ الأعْشى:
؎وَمِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ يُساقُ بِها الحَيُّ عِيرًا فَعِيرا
الواقعة 56:16
وَقَوْلُهُ: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾، (p-١١٠)”مُتَّكِئِينَ“، و”مُتَقابِلِينَ“، مَنصُوبانِ عَلى الحالِ، المَعْنى: ”أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ في هَذِهِ الحالِ“، و”اَلسُّرُرُ“: جَمْعُ ”سَرِيرٌ“، مِثْلَ: ”كَثِيبٌ“، و”كُثُبٌ“، ومَعْنى ”مُتَقابِلِينَ“: يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وُجُوهِ بَعْضٍ، ويَنْظُرُ في أقْفاءِ بَعْضٍ، وُصِفُوا، مَعَ نِعَمِهِمْ، بِحُسْنِ العِشْرَةِ، وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ، وصَفاءِ المَوَدَّةِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَنَـزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]، وجاءَ في التَّفْسِيرِ ”مَوْضُونَةٍ“: مَرْمُولَةٍ، ومَعْنى ”مَرْمُولَةٌ“: مَنسُوجَةٌ، نَحْوَ نَسْجِ الدُّرُوعِ، وجاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّها مِن ذَهَبٍ، ومِثْلُ ”مَوْضُونَةٌ“، قَوْلُ الأعْشى:
؎وَمِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ ∗∗∗ يُساقُ بِها الحَيُّ عِيرًا فَعِيرا
الواقعة 56:17
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾، ”اَلْأكْوابُ“: آنِيَةٌ لا عُرى لَها، ولا خَراطِيمَ، و”اَلْإبْرِيقُ“: ما لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ، ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، و”اَلْكَأْسُ“: اَلْإناءُ فِيهِ الشَّرابُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرابٌ فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾، مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ تَجْرِي مِنَ العُيُونِ.
الواقعة 56:18
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ﴾، ”اَلْأكْوابُ“: آنِيَةٌ لا عُرى لَها، ولا خَراطِيمَ، و”اَلْإبْرِيقُ“: ما لَهُ خُرْطُومٌ وعُرْوَةٌ، ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾، و”اَلْكَأْسُ“: اَلْإناءُ فِيهِ الشَّرابُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرابٌ فَلَيْسَ بِكَأْسٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن مَعِينٍ﴾، مَعْناهُ: مِن خَمْرٍ تَجْرِي مِنَ العُيُونِ.
الواقعة 56:19
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْـزِفُونَ﴾، تَأْوِيلُهُ: لا يَنالُهم عَنْ شُرْبِها ما يَنالُ أهْلَ الدُّنْيا مِنَ الصُّداعِ، ﴿وَلا يُنْـزِفُونَ﴾ لا يَسْكَرُونَ، و”اَلنَّزِيفُ“: اَلسَّكْرانُ، وإنَّما قِيلَ لَهُ ”نَزِيفٌ“، و”مَنزُوفٌ“، لِأنَّهُ نَزَفَ عَقْلُهُ، ويُقْرَأُ: ”وَلا يُنْزَفُونَ“، مَعْناهُ: لا يَنْزِفُ شَرابُهم.
الواقعة 56:22
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾، (p-١١١)بِالخَفْضِ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، والَّذِينَ قَرَؤُوها بِالرَّفْعِ كَرِهُوا الخَفْضَ، لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، فَقالُوا: اَلْحُورُ لَيْسَ مِمّا يُطافُ بِهِ، ولَكِنْ مَخْفُوضٌ عَلى غَيْرِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] يُنَعَّمُونَ بِهَذا، وكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِلَحْمِ طَيْرٍ، وكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِحُورٍ عِينٍ، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهو أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، بِهَذِهِ الأشْياءِ، بِمَعْنى: ما قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”وَلَهم حُورٌ عِينٌ“، ومِثْلُهُ مِمّا حُمِلَ عَلى المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بادَتْ وغُيِّرَ آيُهُنَّ مَعَ البِلى ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
؎وَمُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ قَذالُهُ ∗∗∗ فَبَدا وغَيَّرَ سارَهُ المِعْزاءُ
لِأنَّهُ قالَ: ”إلّا رَواكِدَ“، كانَ المَعْنى: ”بِها رَواكِدُ“، فَحَمَلَ ”وَمُشَجَّجٌ“، عَلى المَعْنى، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَحُورًا عِينًا“، بِالنَّصْبِ، عَلى الحَمْلِ عَلى المَعْنى أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: ”يُعْطَوْنَ هَذِهِ الأشْياءَ، يُعْطَوْنَ حُورًا عِينًا“، إلّا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُخالِفُ المُصْحَفَ الَّذِي هو الإمامُ، وأهْلُ العِلْمِ يَكْرَهُونَ أنْ يُقْرَأ بِما يَخالِفُ الإمامَ، ومَعْنى ”اَلْحُورُ“: اَلشَّدِيداتُ البَياضِ، و”اَلْعِينُ“: اَلْكَبِيراتُ العُيُونِ، حِسانُها، ومَعْنى ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾، أيْ: كَأمْثالِ الدُّرِّ حِينَ يَخْرُجُ مِن صَدَفِهِ وكِنِّهِ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الزَّمانُ واخْتِلافُ أحْوالِ الِاسْتِعْمالِ، وإنَّما يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ﴾، أيْ: في صَفائِهِنَّ، وتَلَأْلُئِهِنَّ، كَصَفاءِ الدُّرِّ وتَلَأْلُئِهِ.
الواقعة 56:23
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾، (p-١١١)بِالخَفْضِ، وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ، والَّذِينَ قَرَؤُوها بِالرَّفْعِ كَرِهُوا الخَفْضَ، لِأنَّهُ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] ﴿بِأكْوابٍ﴾ [الواقعة: ١٨]، فَقالُوا: اَلْحُورُ لَيْسَ مِمّا يُطافُ بِهِ، ولَكِنْ مَخْفُوضٌ عَلى غَيْرِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ هَؤُلاءِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] يُنَعَّمُونَ بِهَذا، وكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِلَحْمِ طَيْرٍ، وكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِحُورٍ عِينٍ، ومَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهو أحْسَنُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ مَعْنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، بِهَذِهِ الأشْياءِ، بِمَعْنى: ما قَدْ ثَبَتَ لَهُمْ، فَكَأنَّهُ قالَ: ”وَلَهم حُورٌ عِينٌ“، ومِثْلُهُ مِمّا حُمِلَ عَلى المَعْنى قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بادَتْ وغُيِّرَ آيُهُنَّ مَعَ البِلى ∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرُهُنَّ هَباءُ
؎وَمُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ قَذالُهُ ∗∗∗ فَبَدا وغَيَّرَ سارَهُ المِعْزاءُ
لِأنَّهُ قالَ: ”إلّا رَواكِدَ“، كانَ المَعْنى: ”بِها رَواكِدُ“، فَحَمَلَ ”وَمُشَجَّجٌ“، عَلى المَعْنى، وقَدْ قُرِئَتْ: ”وَحُورًا عِينًا“، بِالنَّصْبِ، عَلى الحَمْلِ عَلى المَعْنى أيْضًا، لِأنَّ المَعْنى: ”يُعْطَوْنَ هَذِهِ الأشْياءَ، يُعْطَوْنَ حُورًا عِينًا“، إلّا أنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُخالِفُ المُصْحَفَ الَّذِي هو الإمامُ، وأهْلُ العِلْمِ يَكْرَهُونَ أنْ يُقْرَأ بِما يَخالِفُ الإمامَ، ومَعْنى ”اَلْحُورُ“: اَلشَّدِيداتُ البَياضِ، و”اَلْعِينُ“: اَلْكَبِيراتُ العُيُونِ، حِسانُها، ومَعْنى ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾، أيْ: كَأمْثالِ الدُّرِّ حِينَ يَخْرُجُ مِن صَدَفِهِ وكِنِّهِ، لَمْ يُغَيِّرْهُ الزَّمانُ واخْتِلافُ أحْوالِ الِاسْتِعْمالِ، وإنَّما يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ﴾، أيْ: في صَفائِهِنَّ، وتَلَأْلُئِهِنَّ، كَصَفاءِ الدُّرِّ وتَلَأْلُئِهِ.
الواقعة 56:24
وَقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، مَنصُوبٌ، مَفْعُولٌ لَهُ، المَعْنى: ”يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ لِجَزاءِ أعْمالِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ“ جَزاءً "، مَنصُوبًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، لِأنَّ مَعْنى ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧]، (p-١١٢)يُجازَوْنَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ عَلَيْهِ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ.
الواقعة 56:26
وَقَوْلُهُ: ﴿إلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾، ”قِيلًا“، مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ”لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا، إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا“، فالمَعْنى: ”لا يَسْمَعُونَ إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا“، مَنصُوبٌ مِن جِهَتَيْنِ، إحْداهُما أنْ يَكُونَ مِن نَعْتِ ”قِيلًا“، فَيَكُونَ المَعْنى: ”لا يَسْمَعُونَ إلّا قِيلًا يَسْلَمُ فِيهِ مِنَ اللَّغْوِ والإثْمِ، والوَجْهُ الثّانِي أنْ يَكُونَ ﴿سَلامًا﴾، مَنصُوبًا عَلى المَصْدَرِ، فَيَكُونَ المَعْنى:“لا يَسْمَعُونَ فِيها إلّا أنْ يَقُولَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: سَلامًا سَلامًا"، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣]
الواقعة 56:28
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾، ”اَلْمَخْضُودُ“: اَلَّذِي قَدْ نُزِعَ شَوْكُهُ، و”اَلطَّلْحُ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ شَجَرُ المَوْزِ، و”اَلطَّلْحُ“: شَجَرُ أمِّ غِيلانَ أيْضًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِهِ ذَلِكَ الشَّجَرُ، لِأنَّ لَهُ نَوْرًا طَيِّبَ الرّائِحَةِ جِدًّا، فَخُوطِبُوا، ووُعِدُوا بِما يُحِبُّونَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّ فَضْلَهُ عَلى ما في الدُّنْيا كَفَضْلِ سائِرِ ما في الجَنَّةِ عَلى ما في الدُّنْيا.
الواقعة 56:29
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾، ”اَلْمَخْضُودُ“: اَلَّذِي قَدْ نُزِعَ شَوْكُهُ، و”اَلطَّلْحُ“، جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ شَجَرُ المَوْزِ، و”اَلطَّلْحُ“: شَجَرُ أمِّ غِيلانَ أيْضًا، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ يُعْنى بِهِ ذَلِكَ الشَّجَرُ، لِأنَّ لَهُ نَوْرًا طَيِّبَ الرّائِحَةِ جِدًّا، فَخُوطِبُوا، ووُعِدُوا بِما يُحِبُّونَ مِثْلَهُ، إلّا أنَّ فَضْلَهُ عَلى ما في الدُّنْيا كَفَضْلِ سائِرِ ما في الجَنَّةِ عَلى ما في الدُّنْيا.
الواقعة 56:30
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾، مَعْناهُ: تامٌّ دائِمٌ.
الواقعة 56:31
وَقَوْلُهُ: ﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾، يُعْنى بِهِ أنَّهُ ماءٌ لا يَتْعَبُونَ فِيهِ، يَنْسَكِبُ لَهم كَيْفَ يُحِبُّونَ.
الواقعة 56:35
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾، يَعْنِي الحُورَ، أُنْشِئْنَ لِأوْلِياءِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، لَيْسَ مِمَّنْ وقَعَتْ عَلَيْهِ وِلادَةٌ.
الواقعة 56:36
﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾، لَمْ يُطْمَثْنَ.
الواقعة 56:37
﴿عُرُبًا﴾، و”اَلْعُرُبُ“: اَلْمُتَحَبِّباتِ إلى أزْواجِهِنَّ.
الواقعة 56:39
(p-١١٣)وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: "جَماعَةٌ مِمَّنْ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وعايَنَهُ، وجَماعَةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وكانَ بَعْدَهُ.
الواقعة 56:40
(p-١١٣)وَقَوْلُهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾، مَعْناهُ - واللَّهُ أعْلَمُ -: "جَماعَةٌ مِمَّنْ تَبِعَ النَّبِيَّ ﷺ وعايَنَهُ، وجَماعَةٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وكانَ بَعْدَهُ.
الواقعة 56:43
وَقَوْلُهُ: ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، ”اَلْيَحْمُومُ“: اَلشَّدِيدُ السَّوادِ، وقِيلَ: إنَّهُ الدُّخانُ الشَّدِيدُ السَّوادِ، وقِيلَ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾، أيْ: مِن نارٍ يُعَذَّبُونَ بِها، ودَلِيلُ هَذا قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لَهم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ ومِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر: ١٦]، إلّا أنَّهُ مَوْصُوفٌ في هَذا المَوْضِعِ بِشِدَّةِ السَّوادِ.
الواقعة 56:46
﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، قِيلَ في التَّفْسِيرِ: ”اَلْحِنْثُ“: اَلشِّرْكُ، وقِيلَ: ”عَلى الإثْمِ العَظِيمِ“، وهو - واللَّهُ أعْلَمُ - الشِّرْكُ، والكُفْرُ بِالبَعْثِ، لِأنَّ في القُرْآنِ دَلِيلَ ذَلِكَ، وهو ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلى وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، فَهَذا - واللَّهُ أعْلَمُ - إصْرارُهم عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ.
الواقعة 56:55
﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾، ويُقْرَأُ: ”شَرْبَ الهِيمِ“، و”اَلشَّرْبُ“، اَلْمَصْدَرُ، و”اَلشُّرْبُ“، اَلِاسْمُ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الشُّرْبَ أيْضًا مَصْدَرٌ، و”اَلْهِيمُ“: اَلْإبِلُ العِطاشُ.
الواقعة 56:56
وَقَوْلُهُ: ﴿هَذا نُـزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾، أيْ: هَذا غِذاؤُهم يَوْمَ الجَزاءِ، أيْ: يَوْمَ يُجازَوْنَ بِأعْمالِهِمْ.
الواقعة 56:58
وَقَوْلُهُ: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾، أيْ: ما يَكُونُ مِنكم مِنَ المَنِيِّ، الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ، يُقالُ: ”أمْنى الرَّجُلُ، يُمَنِي“، و”مَنى، يَمْنِي“، فَيَجُوزُ عَلى هَذا ”تَمْنُونَ“، بِفَتْحِ التّاءِ، ولا أعْلَمُ أحَدًا قَرَأ بِها، فَلا تَقْرَأنَّ بِها، إلّا أنْ تَثْبُتَ رِوايَةٌ.
الواقعة 56:59
(p-١١٤)وَقَوْلُهُ: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾، اِحْتَجَّ عَلَيْهِمْ في البَعْثِ بِالقُدْرَةِ عَلى ابْتِداءِ الخَلْقِ، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]
الواقعة 56:60
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: إنْ أرَدْنا أنْ نَخْلُقَ خَلْقًا غَيْرَكم لَمْ يَسْبِقْنا سابِقٌ، ولا يَفُوتُنا ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: إنْ أرَدْنا أنْ نَجْعَلَ مِنكُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ، لَمْ نُسْبَقْ، ولا فاتَنا ذَلِكَ.
الواقعة 56:61
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: إنْ أرَدْنا أنْ نَخْلُقَ خَلْقًا غَيْرَكم لَمْ يَسْبِقْنا سابِقٌ، ولا يَفُوتُنا ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾، أيْ: إنْ أرَدْنا أنْ نَجْعَلَ مِنكُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ، لَمْ نُسْبَقْ، ولا فاتَنا ذَلِكَ.
الواقعة 56:62
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾، أيْ: قَدْ عَلِمْتُمُ ابْتِداءَ الخَلْقِ، فَلِمَ أنْكَرْتُمُ البَعْثَ، ومَعْنى ”لَوْلا تَذَكَّرُونَ“: هَلّا تَذَكُّرُونَ؟
الواقعة 56:65
وَقَوْلُهُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، أيْ: لَوْ جَعَلْنا ما تَزْرَعُونَ حُطامًا، أيْ: أبْطَلْناهُ حَتّى يَكُونَ مُتَحَطِّمًا، لا حِنْطَةَ فِيهِ، ولا شَيْءَ مِمّا تَزْرَعُونَ، ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾، أيْ: تَنَدَّمُونَ، ويَجُوزُ: ”فَظِلْتُمْ تَفَكَّهُونَ“، بِكَسْرِ الظّاءِ.
الواقعة 56:66
وَقَوْلُهُ: ﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾، أيْ: يَقُولُونَ: قَدْ غَرِمْنا وذَهَبَ زَرْعُنا، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [الواقعة: ٦٧]
الواقعة 56:69
وَقَوْلُهُ: ﴿أأنْتُمْ أنْـزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْـزِلُونَ﴾، وهي السَّحابُ، واحِدَتُهُ ”مُزْنَةٌ“، وجَمْعُهُ ”مُزْنٌ“.
الواقعة 56:70
(p-١١٥)وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾، ”اَلْأُجاجُ“: اَلْماءُ المِلْحُ الَّذِي لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ البَتَّةَ، ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾، مَعْناهُ ”فَهَلّا“.
الواقعة 56:71
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾، مَعْناهُ: تَقْدَحُونَ، تَقُولُ: ”وَرى الزَّنْدُ يَرِي، ورْيًا، فَهو وارٍ“، إذا انْقَدَحَتْ مِنهُ النّارُ، و”أوْرَيْتُ النّارَ“، إذا قَدَحْتُها، والعَرَبُ تَقْدَحُ بِالزَّنْدِ، والزَّنْدَةِ، وهَذا خَشَبٌ يَحَكُّ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، فَيُخْرَجُ مِنهُ النّارُ، فَقالَ: ﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ [الواقعة: ٧٢] ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣]، أيْ: إذا رَآها الرّائِي ذَكَرَ جَهَنَّمَ وما يَخافُهُ مِنَ العَذابِ، فَذَكَرَ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - واسْتَجارَ بِهِ مِنها، ومَعْنى ”مَتاعًا لِّلْمُقْوِينَ“، ”اَلْمُقْوِي“: اَلَّذِي يَنْزِلُ بِالقِواءِ، وهي الأرْضُ الخالِيَةُ، فَذَكَرَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - جَمِيعَ ما يَدُلُّ عَلى تَوْحِيدِهِ، وما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن خَلْقِهِمْ، وتَغْذِيَتِهِمْ مِمّا يَأْكُلُونَ، ويَشْرَبُونَ، مِمّا يَدُلُّ عَلى قُدْرَتِهِ، ووَحْدانِيَّتِهِ، ثُمَّ قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، أيْ: فَبَرِّئِ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ.
الواقعة 56:75
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾، مَعْناهُ: ”أُقْسِمُ“، ودَخَلَتْ ”لا“، تَوْكِيدًا، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، مَعْناهُ: ”لِأنْ يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ، ومَواقِعُ النُّجُومِ مَساقِطُها، كَما قالَ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وقِيلَ: إنَّ مَواقِعَ النُّجُومِ يُعْنى بِهِ“نُجُومُ القُرْآنِ"، لِأنَّهُ كانَ يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ نُجُومًا، شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، ودَلِيلُ هَذا القَوْلِ ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] ﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٧]
الواقعة 56:78
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾، أيْ: مَصُونٍ في السَّماءِ، في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
الواقعة 56:79
(p-١١٦)وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾، يُعْنى بِهِ المَلائِكَةُ، لا يَمَسُّهُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلّا المَلائِكَةُ، ويُقْرَأُ: ”اَلْمُطَهِّرُونَ“، وهي قَلِيلَةٌ، ولَها وجْهانِ، أحَدُهُما: ”اَلَّذِينَ طَهَّرُوا أنْفُسَهم مِنَ الذُّنُوبِ“، والثّانِي أنْ يَكُونَ ”اَلَّذِينَ يُطَهِّرُونَ غَيْرَهُمْ“.
الواقعة 56:80
وَقَوْلُهُ: ﴿تَنْـزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾، صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ”كَرِيمٌ“، وإنْ شِئْتَ كانَ مَرْفُوعًا عَلى قَوْلِهِ: ”هُوَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ“.
الواقعة 56:81
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾، أيْ: ”أفَبِالقُرْآنِ تُكَذِّبُونَ“، و”اَلْمُدْهِنُ“: اَلْمُداهِنُ والكَذّابُ المُنافِقُ.
الواقعة 56:82
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، كانُوا يَقُولُونَ: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، ولا يَنْسُبُونَ السُّقْيا إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ -، فَقِيلَ لَهُمْ: أتَجْعَلُونَ رِزْقَكم - أيْ: شُكْرَكم بِما رُزِقْتُمُ - التَّكْذِيبَ، وقُرِئَتْ: ”وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكُمْ“، ولا يَنْبَغِي أنْ يُقْرَأ بِها، لِخِلافِ المُصْحَفِ، وقَدْ قالُوا: إنَّ تَفْسِيرَ ”رِزْقَكُمْ“، هَهُنا: اَلشُّكْرُ، ورَوَوْا أنَّهُ يُقالُ: ”وَتَجْعَلُونَ رِزْقِي“، في مَعْنى ”شُكْرِي“، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، إنَّما الكَلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾، يَدُلُّ عَلى مَعْنى: ”وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ“، أيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَ رِزْقِكم أنْ تَقُولُوا: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا، فَتُكَذِّبُونَ في ذَلِكَ.
الواقعة 56:83
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾، يَعْنِي: ”إذا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ“.
الواقعة 56:84
﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾، أيْ: أنْتُمْ يا أهْلَ المَيِّتِ في تِلْكَ الحالِ تَرَوْنَهُ قَدْ صارَ إلى أنْ تَخْرُجَ نَفْسُهُ.
الواقعة 56:85
﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾، (p-١١٧)جاءَ في التَّفْسِيرِ أنَّهُ لا يَمُوتُ أحَدٌ حَتّى يَعْلَمَ أهُوَ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، أمْ مِن أهْلِ النّارِ.
الواقعة 56:87
وَقَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ومَعْناهُ: هَلّا تَرْجِعُونَ الرُّوحَ إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ، أيْ: غَيْرَ مَمْلُوكِينَ، مُدَبِّرِينَ، لَيْسَ لَكم في الحَياةِ والمَوْتِ قُدْرَةٌ؟ فَهَلّا إنْ كُنْتُمْ كَما زَعَمْتُمْ، ومِثْلَ قَوْلِكُمُ الَّذِي جاءَ في القُرْآنِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، كَما قالَ ﴿أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] ؟ فالمَعْنى: "إنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ أنْ تُؤَخِّرُوا أجَلًا، فَهَلّا تَرْجِعُونَ الرُّوحَ إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، وهَلّا تَدْرَؤُونَ عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ؟
الواقعة 56:88
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾، بِفَتْحِ الرّاءِ في رَوْحٌ، ومَعْناهُ: فاسْتِراحَةٌ وبَرَدٌ، ورَيْحانٌ، رِزْقٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دُرَرْ
وَرُوِيَتْ: ”فَرُوحٌ“، بِضَمِّ الرّاءِ، وتَفْسِيرُهُ: ”فَحَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها، ورَيْحانٌ، رِزْقٌ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ“رَيْحانٌ”، هَهُنا: تَحِيَّةً لِأهْلِ الجَنَّةِ، وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ“رَيْحانٌ”، في اللُّغَةِ:“رَيِّحانٌ”، مِن ذَواتِ الواوِ، فالأصْلُ:“رَيْوِحانٌ”، فَقُلِبَتِ الواوُ (p-١١٨)ياءً، وأُدْغِمَتْ فِيها الأُولى، فَصارَتْ“رَيِّحانٌ”، فَخُفِّفَ، كَما قالُوا في“مَيِّتٌ”:“مَيْتٌ”، ولا يَجُوزُ في“رَيْحانٌ”، اَلتَّشْدِيدُ، إلّا عَلى بُعْدٍ، لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ فِيهِ ألِفٌ ونُونٌ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ الياءِ، وأُلْزِمَ التَّخْفِيفَ، ورَفْعُهُ عَلى مَعْنى:“فَأمّا إنْ كانَ المُتَوَفّى مِنَ المُقَرَّبِينَ فَلَهُ رَوْحٌ ورَيْحانٌ".
الواقعة 56:89
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ﴾، بِفَتْحِ الرّاءِ في رَوْحٌ، ومَعْناهُ: فاسْتِراحَةٌ وبَرَدٌ، ورَيْحانٌ، رِزْقٌ، قالَ الشّاعِرُ:
؎سَلامُ الإلَهِ ورَيْحانُهُ ∗∗∗ ورَحْمَتُهُ وسَماءٌ دُرَرْ
وَرُوِيَتْ: ”فَرُوحٌ“، بِضَمِّ الرّاءِ، وتَفْسِيرُهُ: ”فَحَياةٌ دائِمَةٌ لا مَوْتَ بَعْدَها، ورَيْحانٌ، رِزْقٌ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ“رَيْحانٌ”، هَهُنا: تَحِيَّةً لِأهْلِ الجَنَّةِ، وأجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ أنَّ أصْلَ“رَيْحانٌ”، في اللُّغَةِ:“رَيِّحانٌ”، مِن ذَواتِ الواوِ، فالأصْلُ:“رَيْوِحانٌ”، فَقُلِبَتِ الواوُ (p-١١٨)ياءً، وأُدْغِمَتْ فِيها الأُولى، فَصارَتْ“رَيِّحانٌ”، فَخُفِّفَ، كَما قالُوا في“مَيِّتٌ”:“مَيْتٌ”، ولا يَجُوزُ في“رَيْحانٌ”، اَلتَّشْدِيدُ، إلّا عَلى بُعْدٍ، لِأنَّهُ قَدْ زِيدَ فِيهِ ألِفٌ ونُونٌ، فَخُفِّفَ بِحَذْفِ الياءِ، وأُلْزِمَ التَّخْفِيفَ، ورَفْعُهُ عَلى مَعْنى:“فَأمّا إنْ كانَ المُتَوَفّى مِنَ المُقَرَّبِينَ فَلَهُ رَوْحٌ ورَيْحانٌ".
الواقعة 56:90
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾، وقَدْ بَيَّنَ ما لِأصْحابِ اليَمِينِ في أوَّلِ السُّورَةِ، ومَعْنى ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾، أنَّكَ تَرى فِيهِمْ ما تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَزاءِ.
الواقعة 56:91
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾، وقَدْ بَيَّنَ ما لِأصْحابِ اليَمِينِ في أوَّلِ السُّورَةِ، ومَعْنى ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾، أنَّكَ تَرى فِيهِمْ ما تُحِبُّ مِنَ السَّلامَةِ، وقَدْ عَلِمْتَ ما أُعِدَّ لَهم مِنَ الجَزاءِ.
الواقعة 56:92
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”فَنُزْلٌ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّثْقِيلِ، فَمَعْناهُ: ”فَغِذاءٌ مِن حَمِيمٍ وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ“، أيْ: إقامَةٌ في جَحِيمٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الجَحِيمَ هَهُنا لِلْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ.
الواقعة 56:93
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُـزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾، ويُقْرَأُ: ”فَنُزْلٌ“، بِالتَّخْفِيفِ، والتَّثْقِيلِ، فَمَعْناهُ: ”فَغِذاءٌ مِن حَمِيمٍ وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ“، أيْ: إقامَةٌ في جَحِيمٍ، فَأعْلَمَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - أنَّ الجَحِيمَ هَهُنا لِلْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ.
الواقعة 56:95
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ﴾، أيْ: إنَّ هَذا الَّذِي قَصَصْنا عَلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأقاصِيصِ، وما أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ، وأعْدائِهِ، وما ذُكِرَ مِمّا يَدُلُّ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، لَيَقِينٌ حَقُّ اليَقِينِ، كَما تَقُولُ: ”إنَّ زَيْدًا لَعالِمٌ حَقُّ عالِمٍ“، و”إنَّهُ لَلْعالِمُ حَقُّ العالِمِ“، إذا بالَغْتَ في التَّوْكِيدِ.
الواقعة 56:96
وَقَوْلُهُ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾، أيْ: فَنَزِّهِ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - عَنِ السُّوءِ، لِأنَّ مَعْنى ”سُبْحانَ اللَّهِ“: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ (p-١١٩)السُّوءِ، كَذَلِكَ جاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأهْلُ اللُّغَةِ كَذَلِكَ يُفَسِّرُونَهُ: ”بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ“، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ في هَذا المَعْنى:
؎أقُولُ لِما جاءَ في فَخْرِهِ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ
أيْ: أبْرَأُ مِنهُ.
(p-١٢٠)