Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — آل عمران 3:39 – آل عمران 3:104

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. آل عمران 3:39
  2. آل عمران 3:40
  3. آل عمران 3:41
  4. آل عمران 3:42
  5. آل عمران 3:43
  6. آل عمران 3:44
  7. آل عمران 3:45
  8. آل عمران 3:46
  9. آل عمران 3:47
  10. آل عمران 3:48
  11. آل عمران 3:49
  12. آل عمران 3:50
  13. آل عمران 3:51
  14. آل عمران 3:52
  15. آل عمران 3:53
  16. آل عمران 3:54
  17. آل عمران 3:55
  18. آل عمران 3:56
  19. آل عمران 3:57
  20. آل عمران 3:58
  21. آل عمران 3:59
  22. آل عمران 3:60
  23. آل عمران 3:61
  24. آل عمران 3:62
  25. آل عمران 3:63
  26. آل عمران 3:64
  27. آل عمران 3:65
  28. آل عمران 3:66
  29. آل عمران 3:67
  30. آل عمران 3:68
  31. آل عمران 3:69
  32. آل عمران 3:70
  33. آل عمران 3:71
  34. آل عمران 3:72
  35. آل عمران 3:73
  36. آل عمران 3:74
  37. آل عمران 3:75
  38. آل عمران 3:76
  39. آل عمران 3:77
  40. آل عمران 3:78
  41. آل عمران 3:79
  42. آل عمران 3:80
  43. آل عمران 3:81
  44. آل عمران 3:82
  45. آل عمران 3:83
  46. آل عمران 3:84
  47. آل عمران 3:85
  48. آل عمران 3:86
  49. آل عمران 3:87
  50. آل عمران 3:88
  51. آل عمران 3:89
  52. آل عمران 3:90
  53. آل عمران 3:91
  54. آل عمران 3:92
  55. آل عمران 3:93
  56. آل عمران 3:94
  57. آل عمران 3:95
  58. آل عمران 3:96
  59. آل عمران 3:97
  60. آل عمران 3:98
  61. آل عمران 3:99
  62. آل عمران 3:100
  63. آل عمران 3:101
  64. آل عمران 3:102
  65. آل عمران 3:103
  66. آل عمران 3:104

آل عمران 3:39

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ . الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ. صفحة ٢٣٩ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ. ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ. ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] . ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ. وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. صفحة ٢٤٠ ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا شَكَّ أنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ، ومَعْرِفَةَ كَوْنِهِ صادِقًا بِدُونِ تَرَدُّدٍ - هُدًى عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ التَّأمُّلِ السَّرِيعِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وقَدْ فازَ بِهَذا الوَصْفِ يَحْيى في الأوَّلِينَ، وخَدِيجَةُ وأبُو بَكْرٍ في الآخِرِينَ، قالَ تَعالى: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا التَّوْراةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها الكَلِمَةُ لِأنَّ الكَلِمَةَ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ، وأنَّ الكَلِمَةَ هي التَّوْراةُ. والسَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ: إذا فاقَ قَوْمَهُ في مَحامِدِ الخِصالِ حَتّى قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ. فالسُّؤْدُدُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُ كِفايَةَ مُهِمّاتِ القَبِيلَةِ والبَذْلَ لَها وإتْعابَ النَّفْسِ لِراحَةِ النّاسِ، قالَ الهُذَلِيُّ: وإنَّ سِيادَةَ الأقْوامِ فَـاعْـلَـمْ لَها صُعَداءُ مَطْلَبُها طَـوِيلُ أتَرْجُو أنْ تَسُودَ ولَنْ تُعَنَّـى ∗∗∗ وكَيْفَ يَسُودُ ذُو الدَّعَةِ البَخِيلُ وكانَ السُّؤْدُدُ عِنْدَهم يَعْتَمِدُ خِلالًا مَرْجِعُها إلى إرْضاءِ النّاس عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، ومِلاكُهُ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وأصْلُهُ الرَّأْيُ، وفَصاحَةُ اللِّسانِ. والسَّيِّدُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ مَن يَقُومُ بِإصْلاحِ حالِ النّاسِ في دُنْياهم وأُخْراهم مَعًا، وفي الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» وفِيهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدْ كانَ الحَسَنُ جامِعًا خِصالَ السُّؤْدُدِ الشَّرْعِيِّ، وحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ تَنازَلَ عَنْ حَقِّ الخِلافَةِ لِجَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ، ولِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - فَقِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أشارَ إلى أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الِاسْتِصْلاحِ وإقامَةِ الحُقُوقِ بِمَنزِلَةٍ هُما فِيها خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ولَكِنْ مَعَ تَتَبُّعِ الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضا النّاسِ يَنْخَرِمُ فِيهِ كَثِيرٌ مِن خِصالِ السُّؤْدُدِ صفحة ٢٤١ ومُعاوِيَةُ قَدْ بَرَّزَ في خِصالِ السُّؤْدُدِ الَّتِي هي الِاعْتِمالُ في إرْضاءِ النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ ولَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا. ووَصَفَ اللَّهُ يَحْيى بِالسَّيِّدِ لِتَحْصِيلِهِ الرِّئاسَةَ الدِّينِيَّةَ فِيهِ مِن صِباهُ، فَنَشَأ مُحْتَرَمًا مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٢]، وقَدْ قِيلَ السَّيِّدُ هُنا الحَلِيمُ التَّقِيُّ مَعًا. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ الحَلِيمُ فَقَطْ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: السَّيِّدُ هُنا الشَّرِيفُ. قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ السَّيِّدُ هُنا العالِمُ: قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ أيْضًا. وعَطْفُ سَيِّدًا عَلى مُصَدِّقًا، وعَطْفُ حَصُورًا وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ العَلِيمِ، ولا التَّقِّيِّ، وغَيْرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. والحَصُورُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. أيْ حَصُورٌ عَنْ قُرْبانِ النِّساءِ. وذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ في أثْناءِ صِفاتِ المَدْحِ إمّا أنْ يَكُونَ مَدْحًا لَهُ، لِما تَسْتَلْزِمُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ البُعْدِ عَنِ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ، بِأصْلِ الخِلْقَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ بَراءَتِهِ مِمّا يُلْصِقُهُ أهْلُ البُهْتانِ بِبَعْضِ أهْلِ الزُّهْدِ مِنَ التُّهَمِ، وقَدْ كانَ اليَهُودُ في عَصْرِهِ في أشَدِّ البُهْتانِ والِاخْتِلاقِ، وإمّا ألّا يَكُونَ المَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ مَدْحًا لَهُ لِأنَّ مَن هو أفْضَلُ مِن يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُسْتَكْمِلِينَ المَقْدِرَةَ عَلى قُرْبانِ النِّساءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ لِيَحْيى إعْلامًا لِزَكَرِيّاءَ بِأنَّ اللَّهَ وهَبَهُ ولَدًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، إذْ قالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وأنَّهُ قَدْ أتَمَّ مُرادَهُ تَعالى مِنِ انْقِطاعِ عَقِبِ زَكَرِيّاءَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، وذَلِكَ إظْهارٌ لِكَرامَةِ زَكَرِيّاءَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ووُسِّطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بَيْنَ صِفاتِ الكَمالِ تَأْنِيسًا لِزَكَرِيّاءَ وتَخْفِيفًا مِن وحْشَتِهِ لِانْقِطاعِ نَسْلِهِ بَعْدَ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾: اسْتِفْهامٌ مُرادٌ مِنهُ التَّعَجُّبُ، قُصِدَ مِنهُ تَعَرُّفُ إمْكانِ الوَلَدِ، لِأنَّهُ لَمّا سَألَ الوَلَدَ فَقَدْ تَهَيَّأ لِحُصُولِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ إلّا صفحة ٢٤٢ تَطَلُّبًا لِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُحَقِّقُ لَهُ البِشارَةَ، ولَيْسَ مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ الوَعْدِ، وهو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأُجِيبَ بِأنَّ المُمْكِناتِ داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإنْ عَزَّ وُقُوعُها في العادَةِ. وأنّى فِيهِ بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ بِمَعْنى المَكانِ، لِتَعَذُّرِ عَمَلِ المَكانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما سَبَبُ التَّناسُبِ وهُما الكِبَرُ والعُقْرَةُ. وهَذا التَّعَجُّبُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ عَلى هَذِهِ المِنَّةِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الشُّكْرِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن زَوْجِهِ العاقِرِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ أُخْرى وهَذِهِ كَرامَةٌ لِامْرَأةِ زَكَرِيّاءَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ جاءَ عَلى طَرِيقِ القَلْبِ، وأصْلُهُ وقَدْ بَلَغْتُ الكِبَرَ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ تَمَكُّنِ الكِبَرِ مِنهُ كَأنَّهُ يَتَطَلَّبُهُ حَتّى بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] . والعاقِرُ المَرْأةُ الَّتِي لا تَلِدُ عَقَرَتْ رَحِمَها أيْ قَطَعَتْهُ. ولِأنَّهُ وصْفٌ خاصٌّ بِالأُنْثى لَمْ يُؤَنَّثْ كَقَوْلِهِمْ حائِضٌ ونافِسٌ ومُرْضِعٌ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ في غَيْرِ صِيغَةِ الفاعِلِ فَمِنهُ قَوْلُهم عَقْرى دُعاءً عَلى المَرْأةِ، وفي الحَدِيثِ عَقْرى حَلْقى وكَذَلِكَ نُفَساءُ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كَهَذا الفِعْلِ العَجِيبِ وهو تَقْدِيرُ الحَمْلِ مِن شَيْخٍ هَرِمٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ولَدٌ وامْرَأةٌ عاقِرٌ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا التَّكْوِينَ حَصَلَ بِكَوْنِ زَكَرِيّاءَ كانَ قَبْلَ هِرَمِهِ ذا قُوَّةٍ زائِدَةٍ لا تَسْتَقِرُّ بِسَبَبِها النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ فَلَمّا هَرِمَ اعْتَدَلَتْ تِلْكَ القُوَّةُ فَصارَتْ كالمُتَعارَفِ، أوْ كانَ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ في رَحِمِ امْرَأتِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا التَّكْوِينِ بِجُمْلَةِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ هو تَكْوِينُ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَما قالَهُ في جانِبِ تَكْوِينِ عِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً﴾ أرادَ آيَةً عَلى وقْتِ حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ، وهَلْ هو قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، فالآيَةُ هي العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى ابْتِداءِ حَمْلِ زَوْجِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ: آيَةُ تَحَقُّقِ كَوْنِ الخِطابِ الوارِدِ عَلَيْهِ وارِدًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما في إنْجِيلِ لُوقا. وعِنْدِي في هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الخِطابُ الوارِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعْلَمُونَهُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. صفحة ٢٤٣ وقَوْلُهُ ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ جَعَلَ اللَّهُ حُبْسَةَ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ آيَةً عَلى الوَقْتِ الَّذِي تَحْمِلُ فِيهِ زَوْجَتُهُ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ ما لَهُ مِنَ القُوَّةِ في أعْصابِ الكَلامِ المُتَّصِلَةِ بِالدِّماغِ إلى أعْصابِ التَّناسُلِ بِحِكْمَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْرُبُ مِنها ما يُذْكَرُ مِن سُقُوطِ بَعْضِ الإحْساسِ لِمَن يَأْكُلُ البَلاذِرَ لِقُوَّةِ الفِكْرِ. أوْ أمَرَهُ بِالِامْتِناعِ مِنَ الكَلامِ مَعَ النّاسِ إعانَةً عَلى انْصِرافِ القُوَّةِ مِنَ المَنطِقِ إلى التَّناسُلِ، أيْ مَتى تَمَّتْ ثَلاثَةُ الأيّامِ كانَ ذَلِكَ أمارَةَ ابْتِداءِ الحَمْلِ. قالَ الرَّبِيعُ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ عُقُوبَةً لِتَرَدُّدِهِ في صِحَّةِ ما أخْبَرَهُ بِهِ المَلَكُ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهُ سَألَ آيَةً فَأُعْطِيَ غَيْرَها. وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أمْرٌ بِالشُّكْرِ، والذِّكْرُ المُرادُ بِهِ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ والصَّلاةِ إنْ كانَ قَدْ سُلِبَ قُوَّةَ النُّطْقِ، أوِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ إنْ كانَ قَدْ نُهِيَ عَنْها فَقَطْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَمْزًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

آل عمران 3:40

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ . الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ. صفحة ٢٣٩ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ. ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ. ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] . ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ. وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. صفحة ٢٤٠ ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا شَكَّ أنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ، ومَعْرِفَةَ كَوْنِهِ صادِقًا بِدُونِ تَرَدُّدٍ - هُدًى عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ التَّأمُّلِ السَّرِيعِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وقَدْ فازَ بِهَذا الوَصْفِ يَحْيى في الأوَّلِينَ، وخَدِيجَةُ وأبُو بَكْرٍ في الآخِرِينَ، قالَ تَعالى: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا التَّوْراةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها الكَلِمَةُ لِأنَّ الكَلِمَةَ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ، وأنَّ الكَلِمَةَ هي التَّوْراةُ. والسَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ: إذا فاقَ قَوْمَهُ في مَحامِدِ الخِصالِ حَتّى قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ. فالسُّؤْدُدُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُ كِفايَةَ مُهِمّاتِ القَبِيلَةِ والبَذْلَ لَها وإتْعابَ النَّفْسِ لِراحَةِ النّاسِ، قالَ الهُذَلِيُّ: وإنَّ سِيادَةَ الأقْوامِ فَـاعْـلَـمْ لَها صُعَداءُ مَطْلَبُها طَـوِيلُ أتَرْجُو أنْ تَسُودَ ولَنْ تُعَنَّـى ∗∗∗ وكَيْفَ يَسُودُ ذُو الدَّعَةِ البَخِيلُ وكانَ السُّؤْدُدُ عِنْدَهم يَعْتَمِدُ خِلالًا مَرْجِعُها إلى إرْضاءِ النّاس عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، ومِلاكُهُ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وأصْلُهُ الرَّأْيُ، وفَصاحَةُ اللِّسانِ. والسَّيِّدُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ مَن يَقُومُ بِإصْلاحِ حالِ النّاسِ في دُنْياهم وأُخْراهم مَعًا، وفي الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» وفِيهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدْ كانَ الحَسَنُ جامِعًا خِصالَ السُّؤْدُدِ الشَّرْعِيِّ، وحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ تَنازَلَ عَنْ حَقِّ الخِلافَةِ لِجَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ، ولِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - فَقِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أشارَ إلى أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الِاسْتِصْلاحِ وإقامَةِ الحُقُوقِ بِمَنزِلَةٍ هُما فِيها خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ولَكِنْ مَعَ تَتَبُّعِ الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضا النّاسِ يَنْخَرِمُ فِيهِ كَثِيرٌ مِن خِصالِ السُّؤْدُدِ صفحة ٢٤١ ومُعاوِيَةُ قَدْ بَرَّزَ في خِصالِ السُّؤْدُدِ الَّتِي هي الِاعْتِمالُ في إرْضاءِ النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ ولَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا. ووَصَفَ اللَّهُ يَحْيى بِالسَّيِّدِ لِتَحْصِيلِهِ الرِّئاسَةَ الدِّينِيَّةَ فِيهِ مِن صِباهُ، فَنَشَأ مُحْتَرَمًا مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٢]، وقَدْ قِيلَ السَّيِّدُ هُنا الحَلِيمُ التَّقِيُّ مَعًا. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ الحَلِيمُ فَقَطْ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: السَّيِّدُ هُنا الشَّرِيفُ. قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ السَّيِّدُ هُنا العالِمُ: قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ أيْضًا. وعَطْفُ سَيِّدًا عَلى مُصَدِّقًا، وعَطْفُ حَصُورًا وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ العَلِيمِ، ولا التَّقِّيِّ، وغَيْرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. والحَصُورُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. أيْ حَصُورٌ عَنْ قُرْبانِ النِّساءِ. وذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ في أثْناءِ صِفاتِ المَدْحِ إمّا أنْ يَكُونَ مَدْحًا لَهُ، لِما تَسْتَلْزِمُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ البُعْدِ عَنِ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ، بِأصْلِ الخِلْقَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ بَراءَتِهِ مِمّا يُلْصِقُهُ أهْلُ البُهْتانِ بِبَعْضِ أهْلِ الزُّهْدِ مِنَ التُّهَمِ، وقَدْ كانَ اليَهُودُ في عَصْرِهِ في أشَدِّ البُهْتانِ والِاخْتِلاقِ، وإمّا ألّا يَكُونَ المَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ مَدْحًا لَهُ لِأنَّ مَن هو أفْضَلُ مِن يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُسْتَكْمِلِينَ المَقْدِرَةَ عَلى قُرْبانِ النِّساءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ لِيَحْيى إعْلامًا لِزَكَرِيّاءَ بِأنَّ اللَّهَ وهَبَهُ ولَدًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، إذْ قالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وأنَّهُ قَدْ أتَمَّ مُرادَهُ تَعالى مِنِ انْقِطاعِ عَقِبِ زَكَرِيّاءَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، وذَلِكَ إظْهارٌ لِكَرامَةِ زَكَرِيّاءَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ووُسِّطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بَيْنَ صِفاتِ الكَمالِ تَأْنِيسًا لِزَكَرِيّاءَ وتَخْفِيفًا مِن وحْشَتِهِ لِانْقِطاعِ نَسْلِهِ بَعْدَ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾: اسْتِفْهامٌ مُرادٌ مِنهُ التَّعَجُّبُ، قُصِدَ مِنهُ تَعَرُّفُ إمْكانِ الوَلَدِ، لِأنَّهُ لَمّا سَألَ الوَلَدَ فَقَدْ تَهَيَّأ لِحُصُولِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ إلّا صفحة ٢٤٢ تَطَلُّبًا لِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُحَقِّقُ لَهُ البِشارَةَ، ولَيْسَ مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ الوَعْدِ، وهو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأُجِيبَ بِأنَّ المُمْكِناتِ داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإنْ عَزَّ وُقُوعُها في العادَةِ. وأنّى فِيهِ بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ بِمَعْنى المَكانِ، لِتَعَذُّرِ عَمَلِ المَكانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما سَبَبُ التَّناسُبِ وهُما الكِبَرُ والعُقْرَةُ. وهَذا التَّعَجُّبُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ عَلى هَذِهِ المِنَّةِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الشُّكْرِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن زَوْجِهِ العاقِرِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ أُخْرى وهَذِهِ كَرامَةٌ لِامْرَأةِ زَكَرِيّاءَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ جاءَ عَلى طَرِيقِ القَلْبِ، وأصْلُهُ وقَدْ بَلَغْتُ الكِبَرَ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ تَمَكُّنِ الكِبَرِ مِنهُ كَأنَّهُ يَتَطَلَّبُهُ حَتّى بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] . والعاقِرُ المَرْأةُ الَّتِي لا تَلِدُ عَقَرَتْ رَحِمَها أيْ قَطَعَتْهُ. ولِأنَّهُ وصْفٌ خاصٌّ بِالأُنْثى لَمْ يُؤَنَّثْ كَقَوْلِهِمْ حائِضٌ ونافِسٌ ومُرْضِعٌ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ في غَيْرِ صِيغَةِ الفاعِلِ فَمِنهُ قَوْلُهم عَقْرى دُعاءً عَلى المَرْأةِ، وفي الحَدِيثِ عَقْرى حَلْقى وكَذَلِكَ نُفَساءُ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كَهَذا الفِعْلِ العَجِيبِ وهو تَقْدِيرُ الحَمْلِ مِن شَيْخٍ هَرِمٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ولَدٌ وامْرَأةٌ عاقِرٌ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا التَّكْوِينَ حَصَلَ بِكَوْنِ زَكَرِيّاءَ كانَ قَبْلَ هِرَمِهِ ذا قُوَّةٍ زائِدَةٍ لا تَسْتَقِرُّ بِسَبَبِها النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ فَلَمّا هَرِمَ اعْتَدَلَتْ تِلْكَ القُوَّةُ فَصارَتْ كالمُتَعارَفِ، أوْ كانَ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ في رَحِمِ امْرَأتِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا التَّكْوِينِ بِجُمْلَةِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ هو تَكْوِينُ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَما قالَهُ في جانِبِ تَكْوِينِ عِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً﴾ أرادَ آيَةً عَلى وقْتِ حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ، وهَلْ هو قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، فالآيَةُ هي العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى ابْتِداءِ حَمْلِ زَوْجِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ: آيَةُ تَحَقُّقِ كَوْنِ الخِطابِ الوارِدِ عَلَيْهِ وارِدًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما في إنْجِيلِ لُوقا. وعِنْدِي في هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الخِطابُ الوارِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعْلَمُونَهُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. صفحة ٢٤٣ وقَوْلُهُ ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ جَعَلَ اللَّهُ حُبْسَةَ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ آيَةً عَلى الوَقْتِ الَّذِي تَحْمِلُ فِيهِ زَوْجَتُهُ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ ما لَهُ مِنَ القُوَّةِ في أعْصابِ الكَلامِ المُتَّصِلَةِ بِالدِّماغِ إلى أعْصابِ التَّناسُلِ بِحِكْمَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْرُبُ مِنها ما يُذْكَرُ مِن سُقُوطِ بَعْضِ الإحْساسِ لِمَن يَأْكُلُ البَلاذِرَ لِقُوَّةِ الفِكْرِ. أوْ أمَرَهُ بِالِامْتِناعِ مِنَ الكَلامِ مَعَ النّاسِ إعانَةً عَلى انْصِرافِ القُوَّةِ مِنَ المَنطِقِ إلى التَّناسُلِ، أيْ مَتى تَمَّتْ ثَلاثَةُ الأيّامِ كانَ ذَلِكَ أمارَةَ ابْتِداءِ الحَمْلِ. قالَ الرَّبِيعُ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ عُقُوبَةً لِتَرَدُّدِهِ في صِحَّةِ ما أخْبَرَهُ بِهِ المَلَكُ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهُ سَألَ آيَةً فَأُعْطِيَ غَيْرَها. وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أمْرٌ بِالشُّكْرِ، والذِّكْرُ المُرادُ بِهِ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ والصَّلاةِ إنْ كانَ قَدْ سُلِبَ قُوَّةَ النُّطْقِ، أوِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ إنْ كانَ قَدْ نُهِيَ عَنْها فَقَطْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَمْزًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

آل عمران 3:41

﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ وهْوَ قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وسَيِّدًا وحَصُورًا ونَبِيئا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ وامْرَأتِي عاقِرٌ قالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ . الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ أيِ اسْتُجِيبَتْ دَعْوَتُهُ لِلْوَقْتِ. صفحة ٢٣٩ وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ قائِمٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ والمَقْصُودُ مِن ذِكْرِها بَيانُ سُرْعَةِ إجابَتِهِ؛ لِأنَّ دُعاءَهُ كانَ في صَلاتِهِ. ومُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُنالِكَ﴾ [آل عمران: ٣٨] والتَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ أنَّ المِحْرابَ مِحْرابُ مَرْيَمَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَنادَتْهُ﴾ بِتاءِ تَأْنِيثٍ لِكَوْنِ المَلائِكَةِ جَمْعًا، وإسْنادُ الفِعْلِ لِلْجَمْعِ يَجُوزُ فِيهِ التَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِهِ بِالجَماعَةِ أيْ نادَتْهُ جَماعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي ناداهُ مَلَكًا واحِدًا وهو جِبْرِيلُ وقَدْ ثَبَتَ التَّصْرِيحُ بِهَذا في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونَ إسْنادُ النِّداءِ إلى المَلائِكَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ فِعْلِ الواحِدِ إلى قَبِيلَتِهِ كَقَوْلِهِمْ: قَتَلَتْ بَكْرٌ كُلَيْبًا. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: فَناداهُ المَلائِكَةُ عَلى اعْتِبارِ المُنادِي واحِدًا مِنَ المَلائِكَةِ وهو جِبْرِيلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: أنَّ اللَّهَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنَّ“ عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ جَرٍّ بِباءٍ مَحْذُوفَةٍ أيْ نادَتْهُ المَلائِكَةُ بِأنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ: إنَّ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ - عَلى الحِكايَةِ. وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ فَتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ ”إنَّ“ المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ والمَكْسُورَتِها لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ؛ لِأنَّهُ لِغَرابَتِهِ يُنَزِّلُ المُخْبَرَ بِهِ مَنزِلَةَ المُتَرَدِّدِ الطّالِبِ. ومَعْنى يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى يُبَشِّرُكَ بِمَوْلُودٍ يُسَمّى يَحْيى، فَعُلِمَ أنَّ يَحْيى اسْمٌ لا فِعْلٌ بِقَرِينَةِ دُخُولِ الباءِ عَلَيْهِ، وذُكِرَ في سُورَةِ مَرْيَمَ ﴿إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧] . ويَحْيى مُعَرَّبُ يُوحَنّا بِالعِبْرانِيَّةِ، فَهو عَجَمِيٌّ لا مَحالَةَ، نَطَقَ بِهِ العَرَبُ عَلى زِنَةِ المُضارِعِ مَن حَيِيَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ أوْ لِوَزْنِ الفِعْلِ. وقُتِلَ يَحْيى في كُهُولَتِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأمْرِ هِيرُودُسَ قَبْلَ رَفْعِ المَسِيحِ بِمُدَّةٍ قَلِيلَةٍ. وقَدْ ضُمَّتْ إلى بِشارَتِهِ بِالِابْنِ بِشارَةٌ بِطِيبِهِ كَما رَجا زَكَرِيّاءُ، فَقِيلَ لَهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾، فَمُصَدِّقًا حالٌ مِن يَحْيى أيْ كامِلَ التَّوْفِيقِ لا يَتَرَدَّدُ في كَلِمَةٍ تَأْتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وقَدْ أُجْمِلَ هَذا الخَبَرُ لِزَكَرِيّاءَ لِيَعْلَمَ أنَّ حادِثًا عَظِيمًا سَيَقَعُ يَكُونُ ابْنُهُ فِيهِ مُصَدِّقًا بِرَسُولٍ يَجِيءُ وهو عِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ. صفحة ٢٤٠ ووُصِفَ عِيسى كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ، لِأنَّهُ خُلِقَ بِمُجَرَّدِ أمْرِ التَّكْوِينِ الإلَهِيِّ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِكَلِمَةِ ”كُنْ“ أيْ كانَ تَكْوِينُهُ غَيْرَ مُعْتادٍ، وسَيَجِيءُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] . والكَلِمَةُ عَلى هَذا إشارَةٌ إلى مَجِيءِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولا شَكَّ أنَّ تَصْدِيقَ الرَّسُولِ، ومَعْرِفَةَ كَوْنِهِ صادِقًا بِدُونِ تَرَدُّدٍ - هُدًى عَظِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِدَلالَتِهِ عَلى صِدْقِ التَّأمُّلِ السَّرِيعِ لِمَعْرِفَةِ الحَقِّ، وقَدْ فازَ بِهَذا الوَصْفِ يَحْيى في الأوَّلِينَ، وخَدِيجَةُ وأبُو بَكْرٍ في الآخِرِينَ، قالَ تَعالى: والَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وصَدَّقَ بِهِ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ هُنا التَّوْراةُ، وأُطْلِقَ عَلَيْها الكَلِمَةُ لِأنَّ الكَلِمَةَ تُطْلَقُ عَلى الكَلامِ، وأنَّ الكَلِمَةَ هي التَّوْراةُ. والسَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ: إذا فاقَ قَوْمَهُ في مَحامِدِ الخِصالِ حَتّى قَدَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ، واعْتَرَفُوا لَهُ بِالفَضْلِ. فالسُّؤْدُدُ عِنْدَ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُ كِفايَةَ مُهِمّاتِ القَبِيلَةِ والبَذْلَ لَها وإتْعابَ النَّفْسِ لِراحَةِ النّاسِ، قالَ الهُذَلِيُّ: وإنَّ سِيادَةَ الأقْوامِ فَـاعْـلَـمْ لَها صُعَداءُ مَطْلَبُها طَـوِيلُ أتَرْجُو أنْ تَسُودَ ولَنْ تُعَنَّـى ∗∗∗ وكَيْفَ يَسُودُ ذُو الدَّعَةِ البَخِيلُ وكانَ السُّؤْدُدُ عِنْدَهم يَعْتَمِدُ خِلالًا مَرْجِعُها إلى إرْضاءِ النّاس عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ، ومِلاكُهُ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ العَظائِمِ، وأصْلُهُ الرَّأْيُ، وفَصاحَةُ اللِّسانِ. والسَّيِّدُ في اصْطِلاحِ الشَّرْعِ مَن يَقُومُ بِإصْلاحِ حالِ النّاسِ في دُنْياهم وأُخْراهم مَعًا، وفي الحَدِيثِ: «أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ» وفِيهِ: «إنَّ ابْنِي هَذا سَيِّدٌ» يَعْنِي الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَقَدْ كانَ الحَسَنُ جامِعًا خِصالَ السُّؤْدُدِ الشَّرْعِيِّ، وحَسْبُكَ مِن ذَلِكَ أنَّهُ تَنازَلَ عَنْ حَقِّ الخِلافَةِ لِجَمْعِ كَلِمَةِ الأُمَّةِ، ولِإصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما رَأيْتُ أحَدًا أسْوَدَ مِن مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ - فَقِيلَ لَهُ: وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ - قالَ: هُما خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ ومُعاوِيَةُ أسْوَدُ مِنهُما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أشارَ إلى أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ كانا مِنَ الِاسْتِصْلاحِ وإقامَةِ الحُقُوقِ بِمَنزِلَةٍ هُما فِيها خَيْرٌ مِن مُعاوِيَةَ، ولَكِنْ مَعَ تَتَبُّعِ الجادَّةِ، وقِلَّةِ المُبالاةِ بِرِضا النّاسِ يَنْخَرِمُ فِيهِ كَثِيرٌ مِن خِصالِ السُّؤْدُدِ صفحة ٢٤١ ومُعاوِيَةُ قَدْ بَرَّزَ في خِصالِ السُّؤْدُدِ الَّتِي هي الِاعْتِمالُ في إرْضاءِ النّاسِ عَلى أشْرَفِ الوُجُوهِ ولَمْ يُواقِعْ مَحْذُورًا. ووَصَفَ اللَّهُ يَحْيى بِالسَّيِّدِ لِتَحْصِيلِهِ الرِّئاسَةَ الدِّينِيَّةَ فِيهِ مِن صِباهُ، فَنَشَأ مُحْتَرَمًا مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ، قالَ تَعالى: ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٢]، وقَدْ قِيلَ السَّيِّدُ هُنا الحَلِيمُ التَّقِيُّ مَعًا. قالَهُ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ. وقِيلَ الحَلِيمُ فَقَطْ. قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ. وقِيلَ: السَّيِّدُ هُنا الشَّرِيفُ. قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وقِيلَ السَّيِّدُ هُنا العالِمُ: قالَهُ ابْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ أيْضًا. وعَطْفُ سَيِّدًا عَلى مُصَدِّقًا، وعَطْفُ حَصُورًا وما بَعْدَهُ عَلَيْهِ - يُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ بِهِ غَيْرُ العَلِيمِ، ولا التَّقِّيِّ، وغَيْرُ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ. والحَصُورُ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلَ رَسُولٍ. أيْ حَصُورٌ عَنْ قُرْبانِ النِّساءِ. وذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ في أثْناءِ صِفاتِ المَدْحِ إمّا أنْ يَكُونَ مَدْحًا لَهُ، لِما تَسْتَلْزِمُهُ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنَ البُعْدِ عَنِ الشَّهَواتِ المُحَرَّمَةِ، بِأصْلِ الخِلْقَةِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِمُراعاةِ بَراءَتِهِ مِمّا يُلْصِقُهُ أهْلُ البُهْتانِ بِبَعْضِ أهْلِ الزُّهْدِ مِنَ التُّهَمِ، وقَدْ كانَ اليَهُودُ في عَصْرِهِ في أشَدِّ البُهْتانِ والِاخْتِلاقِ، وإمّا ألّا يَكُونَ المَقْصُودُ بِذِكْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ مَدْحًا لَهُ لِأنَّ مَن هو أفْضَلُ مِن يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ كانُوا مُسْتَكْمِلِينَ المَقْدِرَةَ عَلى قُرْبانِ النِّساءِ، فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ لِيَحْيى إعْلامًا لِزَكَرِيّاءَ بِأنَّ اللَّهَ وهَبَهُ ولَدًا إجابَةً لِدَعْوَتِهِ، إذْ قالَ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥] وأنَّهُ قَدْ أتَمَّ مُرادَهُ تَعالى مِنِ انْقِطاعِ عَقِبِ زَكَرِيّاءَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، وذَلِكَ إظْهارٌ لِكَرامَةِ زَكَرِيّاءَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ووُسِّطَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ بَيْنَ صِفاتِ الكَمالِ تَأْنِيسًا لِزَكَرِيّاءَ وتَخْفِيفًا مِن وحْشَتِهِ لِانْقِطاعِ نَسْلِهِ بَعْدَ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾: اسْتِفْهامٌ مُرادٌ مِنهُ التَّعَجُّبُ، قُصِدَ مِنهُ تَعَرُّفُ إمْكانِ الوَلَدِ، لِأنَّهُ لَمّا سَألَ الوَلَدَ فَقَدْ تَهَيَّأ لِحُصُولِ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ قَوْلُهُ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ إلّا صفحة ٢٤٢ تَطَلُّبًا لِمَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ يُحَقِّقُ لَهُ البِشارَةَ، ولَيْسَ مِنَ الشَّكِّ في صِدْقِ الوَعْدِ، وهو كَقَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، فَأُجِيبَ بِأنَّ المُمْكِناتِ داخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وإنْ عَزَّ وُقُوعُها في العادَةِ. وأنّى فِيهِ بِمَعْنى كَيْفَ، أوْ بِمَعْنى المَكانِ، لِتَعَذُّرِ عَمَلِ المَكانَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما سَبَبُ التَّناسُبِ وهُما الكِبَرُ والعُقْرَةُ. وهَذا التَّعَجُّبُ يَسْتَلْزِمُ الشُّكْرَ عَلى هَذِهِ المِنَّةِ فَهو كِنايَةٌ عَنِ الشُّكْرِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنْ يَكُونَ الوَلَدُ مِن زَوْجِهِ العاقِرِ دُونَ أنْ يُؤْمَرَ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ أُخْرى وهَذِهِ كَرامَةٌ لِامْرَأةِ زَكَرِيّاءَ. وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ جاءَ عَلى طَرِيقِ القَلْبِ، وأصْلُهُ وقَدْ بَلَغْتُ الكِبَرَ، وفائِدَتُهُ إظْهارُ تَمَكُّنِ الكِبَرِ مِنهُ كَأنَّهُ يَتَطَلَّبُهُ حَتّى بَلَغَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] . والعاقِرُ المَرْأةُ الَّتِي لا تَلِدُ عَقَرَتْ رَحِمَها أيْ قَطَعَتْهُ. ولِأنَّهُ وصْفٌ خاصٌّ بِالأُنْثى لَمْ يُؤَنَّثْ كَقَوْلِهِمْ حائِضٌ ونافِسٌ ومُرْضِعٌ، ولَكِنَّهُ يُؤَنَّثُ في غَيْرِ صِيغَةِ الفاعِلِ فَمِنهُ قَوْلُهم عَقْرى دُعاءً عَلى المَرْأةِ، وفي الحَدِيثِ عَقْرى حَلْقى وكَذَلِكَ نُفَساءُ. وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ كَهَذا الفِعْلِ العَجِيبِ وهو تَقْدِيرُ الحَمْلِ مِن شَيْخٍ هَرِمٍ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ ولَدٌ وامْرَأةٌ عاقِرٌ كَذَلِكَ، ولَعَلَّ هَذا التَّكْوِينَ حَصَلَ بِكَوْنِ زَكَرِيّاءَ كانَ قَبْلَ هِرَمِهِ ذا قُوَّةٍ زائِدَةٍ لا تَسْتَقِرُّ بِسَبَبِها النُّطْفَةُ في الرَّحِمِ فَلَمّا هَرِمَ اعْتَدَلَتْ تِلْكَ القُوَّةُ فَصارَتْ كالمُتَعارَفِ، أوْ كانَ ذَلِكَ مِن أحْوالٍ في رَحِمِ امْرَأتِهِ ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ هَذا التَّكْوِينِ بِجُمْلَةِ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ هو تَكْوِينُ قَدَّرَهُ اللَّهُ وأوْجَدَ أسْبابَهُ ومِن أجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا يَخْلُقُ ما يَشاءُ كَما قالَهُ في جانِبِ تَكْوِينِ عِيسى. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً﴾ أرادَ آيَةً عَلى وقْتِ حُصُولِ ما بُشِّرَ بِهِ، وهَلْ هو قَرِيبٌ أوْ بَعِيدٌ، فالآيَةُ هي العَلامَةُ الدّالَّةُ عَلى ابْتِداءِ حَمْلِ زَوْجِهِ. وعَنِ السُّدِّيِّ والرَّبِيعِ: آيَةُ تَحَقُّقِ كَوْنِ الخِطابِ الوارِدِ عَلَيْهِ وارِدًا مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى، وهو ما في إنْجِيلِ لُوقا. وعِنْدِي في هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمُ الخِطابُ الوارِدُ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ ويَعْلَمُونَهُ بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ. صفحة ٢٤٣ وقَوْلُهُ ﴿آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ جَعَلَ اللَّهُ حُبْسَةَ لِسانِهِ عَنِ الكَلامِ آيَةً عَلى الوَقْتِ الَّذِي تَحْمِلُ فِيهِ زَوْجَتُهُ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَفَ ما لَهُ مِنَ القُوَّةِ في أعْصابِ الكَلامِ المُتَّصِلَةِ بِالدِّماغِ إلى أعْصابِ التَّناسُلِ بِحِكْمَةٍ عَجِيبَةٍ يَقْرُبُ مِنها ما يُذْكَرُ مِن سُقُوطِ بَعْضِ الإحْساسِ لِمَن يَأْكُلُ البَلاذِرَ لِقُوَّةِ الفِكْرِ. أوْ أمَرَهُ بِالِامْتِناعِ مِنَ الكَلامِ مَعَ النّاسِ إعانَةً عَلى انْصِرافِ القُوَّةِ مِنَ المَنطِقِ إلى التَّناسُلِ، أيْ مَتى تَمَّتْ ثَلاثَةُ الأيّامِ كانَ ذَلِكَ أمارَةَ ابْتِداءِ الحَمْلِ. قالَ الرَّبِيعُ: جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُ عُقُوبَةً لِتَرَدُّدِهِ في صِحَّةِ ما أخْبَرَهُ بِهِ المَلَكُ، وبِذَلِكَ صَرَّحَ في إنْجِيلِ لُوقا، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلى هَذا الوَجْهِ مِن قَبِيلِ أُسْلُوبِ الحَكِيمِ لِأنَّهُ سَألَ آيَةً فَأُعْطِيَ غَيْرَها. وقَوْلُهُ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ أمْرٌ بِالشُّكْرِ، والذِّكْرُ المُرادُ بِهِ: الذِّكْرُ بِالقَلْبِ والصَّلاةِ إنْ كانَ قَدْ سُلِبَ قُوَّةَ النُّطْقِ، أوِ الذِّكْرُ اللِّسانِيُّ إنْ كانَ قَدْ نُهِيَ عَنْها فَقَطْ. والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ إلّا رَمْزًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ.

آل عمران 3:42

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمُ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] . انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ أُمِّ مَرْيَمَ إلى ذِكْرِ مَرْيَمَ. (ومَرْيَمُ) عَلَمٌ عِبْرانِيٌّ، وهو في العِبْرانِيَّةِ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ قَدِيمٌ سُمِّيَتْ بِهِ أُخْتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَيْسَ في كُتُبِ النَّصارى ذِكْرٌ لِاسْمِ أبِي مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى ولا لِمَوْلِدِها ولَكِنَّها تَبْتَدِئُ فَجْأةً بِأنَّ عَذْراءَ في بَلَدِ النّاصِرَةِ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ، قَدْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ زَوْجٍ. صفحة ٢٤٤ والعَرَبُ يُطْلِقُونَ اسْمَ مَرْيَمَ عَلى المَرْأةِ المُتَرَجِّلَةِ الَّتِي تُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرِّجالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ . والزِّيرُ: بِكَسْرِ الزّايِ الَّذِي يُكْثِرُ زِيارَةَ النِّساءِ. وقالَ في الكَشّافِ: مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ أيْ لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العابِدَةِ. وتَكَرَّرَ فِعْلُ (اصْطَفاكِ) لِأنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ ذاتِيٌّ، وهو جَعْلُها مُنَزَّهَةً زَكِيَّةً، والثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى الغَيْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ الأوَّلُ إلى مُتَعَلِّقٍ، وعُدِّيَ الثّانِي. ونِساءُ العالَمِينَ نِساءُ زَمانِها، أوْ نِساءُ سائِرِ الأزْمِنَةِ. وتَكْلِيمُ المَلائِكَةِ والِاصْطِفاءُ يَدُلّانِ عَلى نُبُوءَتِها والنُّبُوءَةُ تَكُونُ لِلنِّساءِ دُونَ الرِّسالَةِ. وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ لِقَصْدِ الإعْجابِ بِحالِها، لِأنَّ النِّداءَ الأوَّلَ كَفى في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ مِن إقْبالِها لِسَماعِ كَلامِ المَلائِكَةِ، فَكانَ النِّداءُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في مُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ الَّذِي يُنْتَقَلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ وهو التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ الحالَةِ والإعْجابُ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ المُنْتَقَلِ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ. والقُنُوتُ مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدَّمَ السُّجُودَ، لِأنَّهُ أدْخَلُ في الشُّكْرِ والمَقامُ هُنا مَقامُ شُكْرٍ. وقَوْلُهُ مَعَ الرّاكِعِينَ إذْنٌ لَها بِالصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ، وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لَها مِن بَيْنِ نِساءِ إسْرائِيلَ إظْهارٌ لِمَعْنى ارْتِفاعِها عَنْ بَقِيَّةِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ جِيءَ في الرّاكِعِينَ بِعَلامَةِ جَمْعِ التَّذْكِيرِ. وهَذا الخِطابُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخِطابِ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] لِقَصْدِ تَأْنِيسِها بِالخَبَرِ المُوالِي لِأنَّهُ لَمّا كانَ حاصِلُهُ يَجْلِبُ لَها حُزْنًا وسُوءَ قالَةٍ بَيْنَ النّاسِ، مَهَّدَ لَهُ بِما يَجْلِبُ إلَيْها مَسَرَّةً، ويُوقِنُها بِأنَّها بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَعْلَمَ بِأنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَها مَخْرَجًا وأنَّهُ لا يُخْزِيها. صفحة ٢٤٥ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ إيماءٌ إلى خُلُوِّ كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وإلّا لَقالَ: وما كُنْتَ تَتْلُو كُتُبَهم مِثْلَ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ إنَّكَ تُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمْ كَأنَّكَ كُنْتَ لَدَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ وهي الأقْلامُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِها في المُشْكِلاتِ: بِأنْ يَكْتُبُوا عَلَيْها أسْماءَ المُقْتَرِعِينَ أوْ أسْماءَ الأشْياءِ المُقْتَرَعِ عَلَيْها، والنّاسُ يَصِيرُونَ إلى القُرْعَةِ عِنْدَ انْعِدامِ ما يُرَجِّحُ الحَقَّ، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِالأزْلامِ وجَعَلَ اليَهُودُ الِاقْتِراعَ بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ في المِدْراسِ رَجاءَ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُها مُرْشِدَةً إلى ما هو الخَيْرُ. ولَيْسَ هَذا مِن شِعارِ الإسْلامِ ولَيْسَ لِإعْمالِ القُرْعَةِ في الإسْلامِ إلّا مَواضِعُ تَمْيِيزِ الحُقُوقِ المُتَساوِيَةِ مِن كُلِّ الجِهاتِ وتَفْصِيلُهُ في الفِقْهِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّهم تَنازَعُوا في كَفالَةِ مَرْيَمَ حِينَ ولَدَتْها أُمُّها حِنَّةُ، إذْ كانَتْ يَتِيمَةً كَما تَقَدَّمَ فَحَصَلَ مِن هَذا الِامْتِنانِ إعْلامٌ بِأنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الِاسْتِقْسامِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَنافُسِهِمْ في كَفالَتِها.

آل عمران 3:43

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمُ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] . انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ أُمِّ مَرْيَمَ إلى ذِكْرِ مَرْيَمَ. (ومَرْيَمُ) عَلَمٌ عِبْرانِيٌّ، وهو في العِبْرانِيَّةِ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ قَدِيمٌ سُمِّيَتْ بِهِ أُخْتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَيْسَ في كُتُبِ النَّصارى ذِكْرٌ لِاسْمِ أبِي مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى ولا لِمَوْلِدِها ولَكِنَّها تَبْتَدِئُ فَجْأةً بِأنَّ عَذْراءَ في بَلَدِ النّاصِرَةِ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ، قَدْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ زَوْجٍ. صفحة ٢٤٤ والعَرَبُ يُطْلِقُونَ اسْمَ مَرْيَمَ عَلى المَرْأةِ المُتَرَجِّلَةِ الَّتِي تُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرِّجالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ . والزِّيرُ: بِكَسْرِ الزّايِ الَّذِي يُكْثِرُ زِيارَةَ النِّساءِ. وقالَ في الكَشّافِ: مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ أيْ لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العابِدَةِ. وتَكَرَّرَ فِعْلُ (اصْطَفاكِ) لِأنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ ذاتِيٌّ، وهو جَعْلُها مُنَزَّهَةً زَكِيَّةً، والثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى الغَيْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ الأوَّلُ إلى مُتَعَلِّقٍ، وعُدِّيَ الثّانِي. ونِساءُ العالَمِينَ نِساءُ زَمانِها، أوْ نِساءُ سائِرِ الأزْمِنَةِ. وتَكْلِيمُ المَلائِكَةِ والِاصْطِفاءُ يَدُلّانِ عَلى نُبُوءَتِها والنُّبُوءَةُ تَكُونُ لِلنِّساءِ دُونَ الرِّسالَةِ. وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ لِقَصْدِ الإعْجابِ بِحالِها، لِأنَّ النِّداءَ الأوَّلَ كَفى في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ مِن إقْبالِها لِسَماعِ كَلامِ المَلائِكَةِ، فَكانَ النِّداءُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في مُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ الَّذِي يُنْتَقَلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ وهو التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ الحالَةِ والإعْجابُ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ المُنْتَقَلِ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ. والقُنُوتُ مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدَّمَ السُّجُودَ، لِأنَّهُ أدْخَلُ في الشُّكْرِ والمَقامُ هُنا مَقامُ شُكْرٍ. وقَوْلُهُ مَعَ الرّاكِعِينَ إذْنٌ لَها بِالصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ، وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لَها مِن بَيْنِ نِساءِ إسْرائِيلَ إظْهارٌ لِمَعْنى ارْتِفاعِها عَنْ بَقِيَّةِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ جِيءَ في الرّاكِعِينَ بِعَلامَةِ جَمْعِ التَّذْكِيرِ. وهَذا الخِطابُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخِطابِ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] لِقَصْدِ تَأْنِيسِها بِالخَبَرِ المُوالِي لِأنَّهُ لَمّا كانَ حاصِلُهُ يَجْلِبُ لَها حُزْنًا وسُوءَ قالَةٍ بَيْنَ النّاسِ، مَهَّدَ لَهُ بِما يَجْلِبُ إلَيْها مَسَرَّةً، ويُوقِنُها بِأنَّها بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَعْلَمَ بِأنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَها مَخْرَجًا وأنَّهُ لا يُخْزِيها. صفحة ٢٤٥ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ إيماءٌ إلى خُلُوِّ كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وإلّا لَقالَ: وما كُنْتَ تَتْلُو كُتُبَهم مِثْلَ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ إنَّكَ تُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمْ كَأنَّكَ كُنْتَ لَدَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ وهي الأقْلامُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِها في المُشْكِلاتِ: بِأنْ يَكْتُبُوا عَلَيْها أسْماءَ المُقْتَرِعِينَ أوْ أسْماءَ الأشْياءِ المُقْتَرَعِ عَلَيْها، والنّاسُ يَصِيرُونَ إلى القُرْعَةِ عِنْدَ انْعِدامِ ما يُرَجِّحُ الحَقَّ، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِالأزْلامِ وجَعَلَ اليَهُودُ الِاقْتِراعَ بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ في المِدْراسِ رَجاءَ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُها مُرْشِدَةً إلى ما هو الخَيْرُ. ولَيْسَ هَذا مِن شِعارِ الإسْلامِ ولَيْسَ لِإعْمالِ القُرْعَةِ في الإسْلامِ إلّا مَواضِعُ تَمْيِيزِ الحُقُوقِ المُتَساوِيَةِ مِن كُلِّ الجِهاتِ وتَفْصِيلُهُ في الفِقْهِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّهم تَنازَعُوا في كَفالَةِ مَرْيَمَ حِينَ ولَدَتْها أُمُّها حِنَّةُ، إذْ كانَتْ يَتِيمَةً كَما تَقَدَّمَ فَحَصَلَ مِن هَذا الِامْتِنانِ إعْلامٌ بِأنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الِاسْتِقْسامِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَنافُسِهِمْ في كَفالَتِها.

آل عمران 3:44

﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ واسْجُدِي وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمُ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ﴾ [آل عمران: ٣٥] . انْتِقالٌ مِن ذِكْرِ أُمِّ مَرْيَمَ إلى ذِكْرِ مَرْيَمَ. (ومَرْيَمُ) عَلَمٌ عِبْرانِيٌّ، وهو في العِبْرانِيَّةِ بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ قَدِيمٌ سُمِّيَتْ بِهِ أُخْتُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ولَيْسَ في كُتُبِ النَّصارى ذِكْرٌ لِاسْمِ أبِي مَرْيَمَ أُمِّ عِيسى ولا لِمَوْلِدِها ولَكِنَّها تَبْتَدِئُ فَجْأةً بِأنَّ عَذْراءَ في بَلَدِ النّاصِرَةِ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ، قَدْ حَمَلَتْ مِن غَيْرِ زَوْجٍ. صفحة ٢٤٤ والعَرَبُ يُطْلِقُونَ اسْمَ مَرْيَمَ عَلى المَرْأةِ المُتَرَجِّلَةِ الَّتِي تُكْثِرُ مُجالَسَةَ الرِّجالِ كَما قالَ رُؤْبَةُ: قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهُ . والزِّيرُ: بِكَسْرِ الزّايِ الَّذِي يُكْثِرُ زِيارَةَ النِّساءِ. وقالَ في الكَشّافِ: مَرْيَمُ في لُغَتِهِمْ أيْ لُغَةِ العِبْرانِيِّينَ بِمَعْنى العابِدَةِ. وتَكَرَّرَ فِعْلُ (اصْطَفاكِ) لِأنَّ الِاصْطِفاءَ الأوَّلَ ذاتِيٌّ، وهو جَعْلُها مُنَزَّهَةً زَكِيَّةً، والثّانِي بِمَعْنى التَّفْضِيلِ عَلى الغَيْرِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَدَّ الأوَّلُ إلى مُتَعَلِّقٍ، وعُدِّيَ الثّانِي. ونِساءُ العالَمِينَ نِساءُ زَمانِها، أوْ نِساءُ سائِرِ الأزْمِنَةِ. وتَكْلِيمُ المَلائِكَةِ والِاصْطِفاءُ يَدُلّانِ عَلى نُبُوءَتِها والنُّبُوءَةُ تَكُونُ لِلنِّساءِ دُونَ الرِّسالَةِ. وإعادَةُ النِّداءِ في قَوْلِ المَلائِكَةِ ﴿يا مَرْيَمُ اقْنُتِي﴾ لِقَصْدِ الإعْجابِ بِحالِها، لِأنَّ النِّداءَ الأوَّلَ كَفى في تَحْصِيلِ المَقْصُودِ مِن إقْبالِها لِسَماعِ كَلامِ المَلائِكَةِ، فَكانَ النِّداءُ الثّانِي مُسْتَعْمَلًا في مُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ الَّذِي يُنْتَقَلُ مِنهُ إلى لازِمِهِ وهو التَّنْوِيهُ بِهَذِهِ الحالَةِ والإعْجابُ بِها، ونَظِيرُهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: تَقُولُ وقَدْ مالَ الغَبِيطُ بِـنَـا مَـعًـا ∗∗∗ عَقَرْتَ بِعِيرِي يا امْرَأ القَيْسِ فانْزِلِ فَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ المُنْتَقَلِ مِنهُ إلى التَّوْبِيخِ. والقُنُوتُ مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَدَّمَ السُّجُودَ، لِأنَّهُ أدْخَلُ في الشُّكْرِ والمَقامُ هُنا مَقامُ شُكْرٍ. وقَوْلُهُ مَعَ الرّاكِعِينَ إذْنٌ لَها بِالصَّلاةِ مَعَ الجَماعَةِ، وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ لَها مِن بَيْنِ نِساءِ إسْرائِيلَ إظْهارٌ لِمَعْنى ارْتِفاعِها عَنْ بَقِيَّةِ النِّساءِ، ولِذَلِكَ جِيءَ في الرّاكِعِينَ بِعَلامَةِ جَمْعِ التَّذْكِيرِ. وهَذا الخِطابُ مُقَدِّمَةٌ لِلْخِطابِ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ﴿يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] لِقَصْدِ تَأْنِيسِها بِالخَبَرِ المُوالِي لِأنَّهُ لَمّا كانَ حاصِلُهُ يَجْلِبُ لَها حُزْنًا وسُوءَ قالَةٍ بَيْنَ النّاسِ، مَهَّدَ لَهُ بِما يَجْلِبُ إلَيْها مَسَرَّةً، ويُوقِنُها بِأنَّها بِمَحَلِّ عِنايَةِ اللَّهِ، فَلا جَرَمَ أنْ تَعْلَمَ بِأنَّ اللَّهَ جاعِلٌ لَها مَخْرَجًا وأنَّهُ لا يُخْزِيها. صفحة ٢٤٥ وقَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ إيماءٌ إلى خُلُوِّ كُتُبِهِمْ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ، وإلّا لَقالَ: وما كُنْتَ تَتْلُو كُتُبَهم مِثْلَ ﴿وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ﴾ [العنكبوت: ٤٨] أيْ إنَّكَ تُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمْ كَأنَّكَ كُنْتَ لَدَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهُمْ﴾ وهي الأقْلامُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ كانُوا يَقْتَرِعُونَ بِها في المُشْكِلاتِ: بِأنْ يَكْتُبُوا عَلَيْها أسْماءَ المُقْتَرِعِينَ أوْ أسْماءَ الأشْياءِ المُقْتَرَعِ عَلَيْها، والنّاسُ يَصِيرُونَ إلى القُرْعَةِ عِنْدَ انْعِدامِ ما يُرَجِّحُ الحَقَّ، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْتَقْسِمُونَ بِالأزْلامِ وجَعَلَ اليَهُودُ الِاقْتِراعَ بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ في المِدْراسِ رَجاءَ أنْ تَكُونَ بَرَكَتُها مُرْشِدَةً إلى ما هو الخَيْرُ. ولَيْسَ هَذا مِن شِعارِ الإسْلامِ ولَيْسَ لِإعْمالِ القُرْعَةِ في الإسْلامِ إلّا مَواضِعُ تَمْيِيزِ الحُقُوقِ المُتَساوِيَةِ مِن كُلِّ الجِهاتِ وتَفْصِيلُهُ في الفِقْهِ. وأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّهم تَنازَعُوا في كَفالَةِ مَرْيَمَ حِينَ ولَدَتْها أُمُّها حِنَّةُ، إذْ كانَتْ يَتِيمَةً كَما تَقَدَّمَ فَحَصَلَ مِن هَذا الِامْتِنانِ إعْلامٌ بِأنَّ كَفالَةَ زَكَرِيّاءَ مَرْيَمَ كانَتْ بَعْدَ الِاسْتِقْسامِ وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى تَنافُسِهِمْ في كَفالَتِها.

آل عمران 3:45

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ . بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] قُصِدَ مِنهُ التَّكْرِيرُ لِتَكْمِيلِ المَقُولِ بَعْدَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ. ولِكَوْنِهِ بَدَلًا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ”إذْ قالَتِ“ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”يُبَشِّرُكِ“ . والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها كَلِمَةُ التَّكْوِينِ وهي تَعَلُّقُ القُدْرَةِ التَّنْجِيزِيُّ كَما في حَدِيثِ خَلْقِ الإنْسانِ مِن قَوْلِهِ «ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ» إلَخْ. ووَصْفُ عِيسى بِكَلِمَةٍ مُرادٌ بِهِ كَلِمَةٌ خاصَّةٌ مُخالِفَةٌ لِلْمُعْتادِ في تَكْوِينِ الجَنِينِ أيْ بِدُونِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ. صفحة ٢٤٦ وقَوْلُهُ ”مِنهُ“ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ أيْ بِدُونِ واسِطَةِ أسْبابِ النَّسْلِ المُعْتادَةِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ إذا قَضى أمْرًا. وقَوْلُهُ ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ عَبَّرَ عَنِ العَلَمِ واللَّقَبِ والوَصْفِ بِالِاسْمِ، لِأنَّ لِثَلاثَتِها أثَرًا في تَمْيِيزِ المُسَمّى. فَأمّا اللَّقَبُ والعَلَمُ فَظاهِرٌ. وأمّا الوَصْفُ المُفِيدُ لِلنَّسَبِ فَلِأنَّ السّامِعِينَ تَعارَفُوا ذِكْرَ اسْمِ الأبِ في ذِكْرِ الأعْلامِ لِلتَّمْيِيزِ وهو المُتَعارَفُ، وتُذْكَرُ الأُمُّ في النَّسَبِ إمّا لِلْجَهْلِ بِالأبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: زِيادُ ابْنُ سُمَيَّةَ قَبْل أنْ يُلْحَقَ بِأبِي سُفْيانَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، وإمّا لِأنَّ لِأُمِّهِ مَفْخَرًا عَظِيمًا كَقَوْلِهِمْ: عَمْرُو ابْنُ هِنْدٍ، وهو عَمْرُو بْنُ المُنْذِرِ مَلِكُ العَرَبِ. و المَسِيحُ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ بِمَعْنى الوَصْفِ، ونُقِلَتْ إلى العَرَبِيَّةِ بِالغَلَبَةِ عَلى عِيسى وقَدْ سَمّى مُتَنَصِّرَةُ العَرَبِ بَعْضَ أبْنائِهِمْ عَبْدَ المَسِيحِ وأصْلُها ”مَسِّيِّحْ“ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ ياءٍ مُثَنّاةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ حاءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ ونَطَقَ بِهِ بَعْضُ العَرَبِ بِوَزْنِ سِكِّينٍ. ومَعْنى مَسِيحٍ مَمْسُوحٌ بِدُهْنِ المَسْحَةِ وهو الزَّيْتُ المُعَطَّرُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ يَتَّخِذَهُ لِيَسْكُبَهُ عَلى رَأْسِ أخِيهِ هارُونَ حِينَما جَعَلَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، وصارَتْ كَهَنَةُ بَنِي إسْرائِيلَ يَمْسَحُونَ بِمِثْلِهِ مَن يُمَلِّكُونَهم عَلَيْهِمْ مِن عَهْدِ شاوِلَ المَلِكِ، فَصارَ المَسِيحُ عِنْدَهم بِمَعْنى المَلِكِ: فَفي أوَّلِ سِفْرِ صَمْوِيلَ الثّانِي مِن كُتُبِ العَهْدِ القَدِيمِ قالَ داوُدُ لِلَّذِي أتاهُ بِتاجِ شاوِلَ المَلِكِ المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِطالُوتَ: كَيْفَ لَمْ تَخَفْ أنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِتُهْلِكَ مَسِيحَ الرَّبِّ. فَيُحْتَمَلُ أنَّ عِيسى سُمِّيَ بِهَذا الوَصْفِ كَما يُسَمُّونَ بِمَلِكٍ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَقَبٌ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ إذِ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يُحاوِلُ أنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ بَيْنَهم واشْتُهِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ في القُرْآنِ. والوَجِيهُ: ذُو الوَجاهَةِ وهي: التَّقَدُّمُ عَلى الأمْثالِ، والكَرامَةُ بَيْنَ القَوْمِ، وهي وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَجْهِ لِلْإنْسانِ وهو أفْضَلُ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ مِنهُ، وأجْمَعُها لِوَسائِلِ الإدْراكِ وتَصْرِيفِ الأعْمالِ، فَأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى أوَّلِ الشَّيْءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ صفحة ٢٤٧ الشّائِعَةِ فَيُقالُ: وجْهُ النَّهارِ لِأوَّلِ النَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ العَبْسِيُّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَـهَـارِ وقالَ الأعْشى: ولاحَ لَهم وجْهُ العَشِيّاتِ سَمْلَقُ ويَقُولُونَ: هو وجْهُ القَوْمِ أيْ سَيِّدُهم والمُقَدَّمُ بَيْنَهم. واشْتُقَّ مِن هَذا الِاسْمِ فِعْلُ ”وجُهَ“ بِضَمِّ الجِيمِ كَكَرُمَ فَجاءَ مِنهُ ”وجِيهٌ“ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، فَوَجِيهُ النّاسِ المُكَرَّمُ بَيْنَهم، ومَقْبُولُ الكَلِمَةِ فِيهِمْ، قالَ تَعالى في وصْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] . و المَهْدُ شِبْهُ الصُّنْدُوقِ مِن خَشَبٍ لا غِطاءَ لَهُ يُمَهَّدُ فِيهِ مَضْجَعٌ لِلصَّبِيِّ مُدَّةَ رِضاعِهِ يُوضَعُ فِيهِ لِحِفْظِهِ مِنَ السُّقُوطِ. وخُصَّ تَكْلِيمُهُ بِحالَيْنِ: حالِ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالِ كَوْنِهِ كَهْلًا، مَعَ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ لِأنَّ لِذَيْنِكَ الحالَيْنِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ إيّاهُ. فَأمّا تَكْلِيمُهُ النّاسَ في المَهْدِ فَلِأنَّهُ خارِقُ عادَةٍ إرْهاصًا لِنُبُوءَتِهِ. وأمّا تَكْلِيمُهم كَهْلًا فَمُرادٌ بِهِ دَعْوَتُهُ النّاسَ إلى الشَّرِيعَةِ. فالتَّكْلِيمُ مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وفي كِنايَتِهِ بِاعْتِبارِ القَرِينَةِ المُعَيَّنَةِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وهي ما تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ مِنَ المَجْرُورَيْنِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ومِنَ الصّالِحِينَ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ صِفَتُهُمُ الصَّلاحُ لا تُفارِقُهم، والصَّلاحُ اسْتِقامَةُ الأعْمالِ وطَهارَةُ النَّفْسِ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] . والكَهْلُ مَن دَخَلَ في عَشَرَةِ الأرْبَعِينَ وهو الَّذِي فارَقَ عَصْرَ الشَّبابِ، والمَرْأةُ شَهْلَةٌ بِالشِّينِ، ولا يُقالُ كَهْلَةٌ كَما لا يُقالُ شَهْلٌ لِلرَّجُلِ إلّا أنَّ العَرَبَ قَدِيمًا سَمَّوْا شَهْلًا مِثْلَ شَهْلِ بْنِ شَيْبانَ المُلَقَّبِ الفِنْدُ الزِّمانِيُّ فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ الوَصْفَ أُمِيتَ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُعِثَ ابْنَ نَيِّفٍ وثَلاثِينَ. صفحة ٢٤٨ وقَوْلُهُ وجِيهًا حالٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ بِاعْتِبارِ ما صَدَّقَها ومِنَ المُقَرَّبِينَ عَطْفٌ عَلى الحالِ، ويُكَلِّمُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الحالِ المُفْرَدَةِ: لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لَها حُكْمُ المُفْرَدِ. وقَوْلُهُ في المَهْدِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُكَلِّمُ“ . وكَهْلًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُما في مَوْضِعِ الحالِ، فَعُطِفَ عَلَيْها بِالنَّصْبِ، مِنَ الصّالِحِينَ مَعْطُوفٌ عَلى ومِنَ المُقَرَّبِينَ.

آل عمران 3:46

﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا ومِنَ الصّالِحِينَ﴾ . بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿وإذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ [آل عمران: ٤٢] قُصِدَ مِنهُ التَّكْرِيرُ لِتَكْمِيلِ المَقُولِ بَعْدَ الجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ. ولِكَوْنِهِ بَدَلًا لَمْ يُعْطَفْ عَلى ”إذْ قالَتِ“ الأوَّلِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”يُبَشِّرُكِ“ . والكَلِمَةُ مُرادٌ بِها كَلِمَةُ التَّكْوِينِ وهي تَعَلُّقُ القُدْرَةِ التَّنْجِيزِيُّ كَما في حَدِيثِ خَلْقِ الإنْسانِ مِن قَوْلِهِ «ويُؤْمَرُ بِأرْبَعِ كَلِماتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وأجَلِهِ» إلَخْ. ووَصْفُ عِيسى بِكَلِمَةٍ مُرادٌ بِهِ كَلِمَةٌ خاصَّةٌ مُخالِفَةٌ لِلْمُعْتادِ في تَكْوِينِ الجَنِينِ أيْ بِدُونِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ. صفحة ٢٤٦ وقَوْلُهُ ”مِنهُ“ ”مِن“ لِلِابْتِداءِ المَجازِيِّ أيْ بِدُونِ واسِطَةِ أسْبابِ النَّسْلِ المُعْتادَةِ وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ إذا قَضى أمْرًا. وقَوْلُهُ ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ عَبَّرَ عَنِ العَلَمِ واللَّقَبِ والوَصْفِ بِالِاسْمِ، لِأنَّ لِثَلاثَتِها أثَرًا في تَمْيِيزِ المُسَمّى. فَأمّا اللَّقَبُ والعَلَمُ فَظاهِرٌ. وأمّا الوَصْفُ المُفِيدُ لِلنَّسَبِ فَلِأنَّ السّامِعِينَ تَعارَفُوا ذِكْرَ اسْمِ الأبِ في ذِكْرِ الأعْلامِ لِلتَّمْيِيزِ وهو المُتَعارَفُ، وتُذْكَرُ الأُمُّ في النَّسَبِ إمّا لِلْجَهْلِ بِالأبِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: زِيادُ ابْنُ سُمَيَّةَ قَبْل أنْ يُلْحَقَ بِأبِي سُفْيانَ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، وإمّا لِأنَّ لِأُمِّهِ مَفْخَرًا عَظِيمًا كَقَوْلِهِمْ: عَمْرُو ابْنُ هِنْدٍ، وهو عَمْرُو بْنُ المُنْذِرِ مَلِكُ العَرَبِ. و المَسِيحُ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ بِمَعْنى الوَصْفِ، ونُقِلَتْ إلى العَرَبِيَّةِ بِالغَلَبَةِ عَلى عِيسى وقَدْ سَمّى مُتَنَصِّرَةُ العَرَبِ بَعْضَ أبْنائِهِمْ عَبْدَ المَسِيحِ وأصْلُها ”مَسِّيِّحْ“ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ ياءٍ مُثَنّاةٍ مَكْسُورَةٍ مُشَدَّدَةٍ ثُمَّ حاءٍ مُهْمَلَةٍ ساكِنَةٍ ونَطَقَ بِهِ بَعْضُ العَرَبِ بِوَزْنِ سِكِّينٍ. ومَعْنى مَسِيحٍ مَمْسُوحٌ بِدُهْنِ المَسْحَةِ وهو الزَّيْتُ المُعَطَّرُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ يَتَّخِذَهُ لِيَسْكُبَهُ عَلى رَأْسِ أخِيهِ هارُونَ حِينَما جَعَلَهُ كاهِنًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، وصارَتْ كَهَنَةُ بَنِي إسْرائِيلَ يَمْسَحُونَ بِمِثْلِهِ مَن يُمَلِّكُونَهم عَلَيْهِمْ مِن عَهْدِ شاوِلَ المَلِكِ، فَصارَ المَسِيحُ عِنْدَهم بِمَعْنى المَلِكِ: فَفي أوَّلِ سِفْرِ صَمْوِيلَ الثّانِي مِن كُتُبِ العَهْدِ القَدِيمِ قالَ داوُدُ لِلَّذِي أتاهُ بِتاجِ شاوِلَ المَلِكِ المَعْرُوفِ عِنْدَ العَرَبِ بِطالُوتَ: كَيْفَ لَمْ تَخَفْ أنْ تَمُدَّ يَدَكَ لِتُهْلِكَ مَسِيحَ الرَّبِّ. فَيُحْتَمَلُ أنَّ عِيسى سُمِّيَ بِهَذا الوَصْفِ كَما يُسَمُّونَ بِمَلِكٍ ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَقَبٌ لَقَّبَهُ بِهِ اليَهُودُ تَهَكُّمًا عَلَيْهِ إذِ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ يُحاوِلُ أنْ يَصِيرَ مَلِكًا عَلى إسْرائِيلَ ثُمَّ غَلَبَ عَلَيْهِ إطْلاقُ هَذا الوَصْفِ بَيْنَهم واشْتُهِرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِهِ في القُرْآنِ. والوَجِيهُ: ذُو الوَجاهَةِ وهي: التَّقَدُّمُ عَلى الأمْثالِ، والكَرامَةُ بَيْنَ القَوْمِ، وهي وصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَجْهِ لِلْإنْسانِ وهو أفْضَلُ أعْضائِهِ الظّاهِرَةِ مِنهُ، وأجْمَعُها لِوَسائِلِ الإدْراكِ وتَصْرِيفِ الأعْمالِ، فَأُطْلِقَ الوَجْهُ عَلى أوَّلِ الشَّيْءِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ صفحة ٢٤٧ الشّائِعَةِ فَيُقالُ: وجْهُ النَّهارِ لِأوَّلِ النَّهارِ قالَ تَعالى: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيادٍ العَبْسِيُّ: مَن كانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنا بِوَجْهِ نَـهَـارِ وقالَ الأعْشى: ولاحَ لَهم وجْهُ العَشِيّاتِ سَمْلَقُ ويَقُولُونَ: هو وجْهُ القَوْمِ أيْ سَيِّدُهم والمُقَدَّمُ بَيْنَهم. واشْتُقَّ مِن هَذا الِاسْمِ فِعْلُ ”وجُهَ“ بِضَمِّ الجِيمِ كَكَرُمَ فَجاءَ مِنهُ ”وجِيهٌ“ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ، فَوَجِيهُ النّاسِ المُكَرَّمُ بَيْنَهم، ومَقْبُولُ الكَلِمَةِ فِيهِمْ، قالَ تَعالى في وصْفِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وكانَ عِنْدَ اللَّهِ وجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩] . و المَهْدُ شِبْهُ الصُّنْدُوقِ مِن خَشَبٍ لا غِطاءَ لَهُ يُمَهَّدُ فِيهِ مَضْجَعٌ لِلصَّبِيِّ مُدَّةَ رِضاعِهِ يُوضَعُ فِيهِ لِحِفْظِهِ مِنَ السُّقُوطِ. وخُصَّ تَكْلِيمُهُ بِحالَيْنِ: حالِ كَوْنِهِ في المَهْدِ، وحالِ كَوْنِهِ كَهْلًا، مَعَ أنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ لِأنَّ لِذَيْنِكَ الحالَيْنِ مَزِيدَ اخْتِصاصٍ بِتَشْرِيفِ اللَّهِ إيّاهُ. فَأمّا تَكْلِيمُهُ النّاسَ في المَهْدِ فَلِأنَّهُ خارِقُ عادَةٍ إرْهاصًا لِنُبُوءَتِهِ. وأمّا تَكْلِيمُهم كَهْلًا فَمُرادٌ بِهِ دَعْوَتُهُ النّاسَ إلى الشَّرِيعَةِ. فالتَّكْلِيمُ مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِهِ وفي كِنايَتِهِ بِاعْتِبارِ القَرِينَةِ المُعَيَّنَةِ لِلْمَعْنَيَيْنِ وهي ما تَعَلَّقَ بِالفِعْلِ مِنَ المَجْرُورَيْنِ. وعُطِفَ عَلَيْهِ ومِنَ الصّالِحِينَ فالمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ صِفَتُهُمُ الصَّلاحُ لا تُفارِقُهم، والصَّلاحُ اسْتِقامَةُ الأعْمالِ وطَهارَةُ النَّفْسِ قالَ إبْراهِيمُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] . والكَهْلُ مَن دَخَلَ في عَشَرَةِ الأرْبَعِينَ وهو الَّذِي فارَقَ عَصْرَ الشَّبابِ، والمَرْأةُ شَهْلَةٌ بِالشِّينِ، ولا يُقالُ كَهْلَةٌ كَما لا يُقالُ شَهْلٌ لِلرَّجُلِ إلّا أنَّ العَرَبَ قَدِيمًا سَمَّوْا شَهْلًا مِثْلَ شَهْلِ بْنِ شَيْبانَ المُلَقَّبِ الفِنْدُ الزِّمانِيُّ فَدَلَّنا ذَلِكَ عَلى أنَّ الوَصْفَ أُمِيتَ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ بُعِثَ ابْنَ نَيِّفٍ وثَلاثِينَ. صفحة ٢٤٨ وقَوْلُهُ وجِيهًا حالٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ بِاعْتِبارِ ما صَدَّقَها ومِنَ المُقَرَّبِينَ عَطْفٌ عَلى الحالِ، ويُكَلِّمُ جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الحالِ المُفْرَدَةِ: لِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي لَها مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ لَها حُكْمُ المُفْرَدِ. وقَوْلُهُ في المَهْدِ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”يُكَلِّمُ“ . وكَهْلًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجارِّ والمَجْرُورِ، لِأنَّهُما في مَوْضِعِ الحالِ، فَعُطِفَ عَلَيْها بِالنَّصْبِ، مِنَ الصّالِحِينَ مَعْطُوفٌ عَلى ومِنَ المُقَرَّبِينَ.

آل عمران 3:47

﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وقَوْلُهُ قالَتْ رَبِّ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ، مِن كَلامِها، بَيْنَ كَلامِ المَلائِكَةِ. والنِّداءُ لِلتَّحَسُّرِ ولَيْسَ لِلْخِطابِ: لِأنَّ الَّذِي كَلَّمَها هو المَلَكُ، وهي قَدْ تَوَجَّهَتْ إلى اللَّهِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ لِلْإنْكارِ والتَّعَجُّبِ ولِذَلِكَ أُجِيبَ جَوابَيْنِ أحَدُهُما ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ فَهو لِرَفْعِ إنْكارِها، والثّانِي إذا قَضى أمْرًا إلَخْ، لِرَفْعِ تَعَجُّبِها. وجُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ﴾ إلَخْ جَوابُ اسْتِفْهامِها ولَمْ تُعْطَفْ لِأنَّها جاءَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] وما بَعْدَها في سُورَةِ البَقَرَةِ والقائِلُ لَها هو اللَّهُ تَعالى بِطَرِيقِ الوَحْيِ. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ”كَذَلِكَ“ راجِعٌ إلى مَعْنى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] إلى قَوْلِهِ ”وكَهْلًا“ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الخَلْقِ المَذْكُورِ يَخْلُقُ اللَّهُ ما يَشاءُ. وتَقْدِيمُ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى الفِعْلِ في قَوْلِهِ اللَّهُ يَخْلُقُ لِإفادَةِ تَقَوِّي الحُكْمِ وتَحْقِيقِ الخَبَرِ. صفحة ٢٤٩ وعُبِّرَ عَنْ تَكْوِينِ اللَّهِ لِعِيسى بِفِعْلِ ”يَخْلُقُ“ لِأنَّهُ إيجادُ كائِنٍ مِن غَيْرِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ لِإيجادِ مِثْلِهِ، فَهو خَلْقٌ أُنُفٌ غَيْرُ ناشِئٍ عَنْ أسْبابِ إيجادِ النّاسِ، فَكانَ لِفِعْلِ ”يَخْلُقُ“ هُنا مَوْقِعٌ مُتَعَيِّنٌ، فَإنَّ الصّانِعَ إذا صَنَعَ شَيْئًا مِن مَوادَّ مُعْتادَةٍ وصَنْعَةٍ مُعْتادَةٍ، لا يَقُولُ خَلَقْتُ وإنَّما يَقُولُ صَنَعْتُ.

آل عمران 3:48

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بِيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . جُمْلَةُ ”ويُعَلِّمُهُ“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] بَعْدَ انْتِهاءِ الِاعْتِراضِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: ويُعَلِّمُهُ - بِالتَّحْتِيَّةِ - أيْ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ، عَلى الِالتِفاتِ. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الكِتابُ المَعْهُودُ. وعَطْفُ التَّوْراةِ تَمْهِيدٌ لِعَطْفِ الإنْجِيلِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ بِمَعْنى الكِتابَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ورَسُولًا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”يُعَلِّمُهُ“ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ، لِكَوْنِها ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ، هي في قُوَّةِ المُفْرَدِ فَنُصِبَ ”رَسُولًا“ عَلى الحالِ، وصاحِبُ الحالِ هو قَوْلُهُ ”بِكَلِمَةٍ“ فَهو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ المَلائِكَةِ. وفَتْحُ هَمْزَةِ ”أنَّ“ في قَوْلِهِ أنِّي قَدْ جِئْتُكم لِتَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ ”رَسُولًا“ أيْ رَسُولًا بِهَذا المَقالِ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولًا“ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا بِكَلامٍ، فَهَذا مَبْدَأُ كَلامٍ بَعْدَ انْتِهاءِ كَلامِ المَلائِكَةِ. صفحة ٢٥٠ ومَعْنى جِئْتُكم أُرْسِلْتُ إلَيْكم مِن جانِبِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: ٦٣] . وقَوْلُهُ ”بِآيَةٍ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”جِئْتُكم“ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ لا بِأنَّهُ جاءَ بِآيَةٍ. شَبَّهَ أمْرَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يُبَلِّغَ رِسالَةً بِمَجِيءِ المُرْسَلِ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّبِيءُ رَسُولًا. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِآيَةٍ“ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُقارِنًا لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِي في هَذِهِ الرِّسالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِفِعْلِ المَجِيءِ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جِئْتُكم“ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”جِئْتُكم“ لِأنَّ مَعْنى ”جِئْتُكم“: أُرْسِلْتُ إلَيْكم، فَلا يَحْتاجُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقَوْلُهُ: إنِّي أخْلُقُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ آيَةٍ وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنِّي“ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكم. والخَلْقُ: حَقِيقَتُهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِقَدْرٍ، ومِنهُ خَلْقُ الأدِيمِ تَقْدِيرُهُ بِحَسْبِ ما يُرادُ مِن قَطْعِهِ قَبْلَ قَطْعِ القِطْعَةِ مِنهُ، قالَ زُهَيْرٌ: ولَأنْتَ تَفْرِي مَـا خَـلَـقْـتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي يُرِيدُ تَقْدِيرَ الأدِيمِ قَبْلَ قَطْعِهِ والقَطْعُ هو الفَرْيُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا مَشْهُورًا أوْ مُشْتَرَكًا في الإنْشاءِ والإبْداعِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ ولا احْتِذاءٍ، وفي الإنْشاءِ عَلى مِثالِ يُبْدِعُ ويُقَدِّرُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فَهو إبْداعُ الشَّيْءِ وإبْرازُهُ لِلْوُجُودِ والخَلْقُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ أيْ: أُقَدِّرُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ خَلْقَ الحَيَوانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ الطَّيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بِمَعْنى مِثْلِ، وهي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أخْلُقُ، أيْ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الطَّيْرَ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ غالِبًا وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: (الطّائِرِ) . صفحة ٢٥١ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”في“ مِن قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الكافُ. وقَرَأ نافِعٌ - وحْدَهُ - فَيَكُونُ طائِرًا بِالإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، فَقِراءَةُ نافِعٍ عَلى مُراعاةِ انْفِرادِ الضَّمِيرِ، وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى اعْتِبارِ المَعْنى. جَعَلَ لِنَفْسِهِ التَّقْدِيرَ، وأسْنَدَ لِلَّهِ تَكْوِينَ الحَياةِ فِيهِ. والهَيْئَةُ: الصُّورَةُ والكَيْفِيَّةُ أيْ أُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةً كَصُورَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجَمِيعُ ”كَهَيْئَةِ“ بِتَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ. وزادَ قَوْلَهُ بِإذْنِ اللَّهِ لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، ونَفْيِ تَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في خَلْقِ الكائِناتِ. والأكْمَهُ: الأعْمى، أوِ الَّذِي وُلِدَ أعْمى. والأبْرَصُ: المُصابُ بِداءِ البَرَصِ وهو داءٌ جِلْدِيٌّ لَهُ مَظاهِرُ مُتَنَوِّعَةٌ مِنها الخَفِيفُ ومِنها القَوِيُّ وأعْراضُهُ بُقَعٌ بَيْضاءُ شَدِيدَةُ البَياضِ تَظْهَرُ عَلى الجِلْدِ، فَإنْ كانَتْ غائِرَةً في الجِلْدِ فَهو البَرَصُ، وإنْ كانَتْ مُساوِيَةً لِسَطْحِ الجِلْدِ فَهو البَهَقُ، ثُمَّ تَنْتَشِرُ عَلى الجِلْدِ فَرُبَّما عَمَّتِ الجِلْدَ كُلَّهُ حَتّى يَصِيرَ أبْيَضَ، ورُبَّما بَقِيَتْ مُتَمَيِّزَةً عَنْ لَوْنِ الجِلْدِ. وأسْبابُهُ مَجْهُولَةٌ، ويَأْتِي بِالوِراثَةِ، وهو غَيْرُ مُعْدٍ، وشُوهِدَ أنَّ الإصابَةَ بِهِ تَكْثُرُ في الَّذِينَ يُقَلِّلُونَ مِنَ النَّظافَةِ أوْ يَسْكُنُونَ الأماكِنَ القَذِرَةَ. والعِبْرانِيُّونَ واليُونانُ يُطْلِقُونَ البَرَصَ عَلى مَرَضٍ آخَرَ هو مِن مَبادِئِ الجُذامِ فَكانُوا يَتَشاءَمُونَ بِالبَرَصِ إذا بَدَتْ أعْراضُهُ عَلى واحِدٍ مِنهم. فَأمّا العَرَبُ فَكانَ مُلُوكُهم لا يُكَلِّمُونَ الأبْرَصَ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ الشّاعِرِ مَعَ المَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. وأمّا العِبْرانِيُّونَ فَهم أشَدُّ في ذَلِكَ. وقَدِ اهْتَمَّتِ التَّوْراةُ بِأحْكامِ الأبْرَصِ، وأطالَتْ في بَيانِها، وكَرَّرَتْهُ مِرارًا، ويَظْهَرُ مِنها أنَّهُ مَرَضٌ يَنْزِلُ في الهَواءِ ويَلْتَصِقُ بِجُدْرانِ المَنازِلِ، وقَدْ وصَفَهُ الوَحْيُ لِمُوسى لِيُعَلِّمَهُ الكَهَنَةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويُعَلِّمَهم طَرِيقَةَ عِلاجِهِ، ومِن أحْكامِهِمْ أنَّ المُصابَ يُعْزَلُ عَنِ القَوْمِ ويُجْعَلُ في مَحَلٍّ خاصٍّ وأحْكامُهُ مُفَصَّلَةٌ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. ولِهَذا كانَ إعْجازُ المَسِيحِ بِإبْراءِ الأبْرَصِ أهَمَّ المُعْجِزاتِ فائِدَةً عِنْدَهم دِينًا ودُنْيا. وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاءُ الإسْلامِ البَرَصَ في عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِلْخِيارِ وفَصَّلُوا بَيْنَ أنْواعِهِ الَّتِي تُوجِبُ الخِيارَ والَّتِي لا تُوجِبُهُ ولَمْ يَضْبِطُوا أوْصافَهُ واقْتَصَرُوا عَلى تَحْدِيدِ أجْلِ بُرْئِهِ. صفحة ٢٥٢ وإحْياءُ المَوْتى مُعْجِزَةٌ لِلْمَسِيحِ أيْضًا، كَنَفْخِ الرُّوحِ في الطَّيْرِ المُصَوَّرِ مِنَ الطِّينِ، فَكانَ إذا أحْيا مَيِّتًا كَلَّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ مَيِّتًا، ووَرَدَ في الأناجِيلِ أنَّهُ أحْيا بِنْتًا كانَتْ ماتَتْ فَأحْياها عَقِبَ مَوْتِها. ووَقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ ١٧ أنَّ عِيسى صَعِدَ الجَبَلَ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا أخُوهُ وأظْهَرَ لَهم مُوسى وإيلِياءَ يَتَكَلَّمانِ مَعَهم، وكُلُّ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ أنَّهُ يُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ، فَيُخْبِرُهم بِما أكَلُوهُ في بُيُوتِهِمْ، وما عِنْدَهم مُدَّخَرٌ فِيها، لِتَكُونَ هاتِهِ المُتَعاطِفاتُ كُلُّها مِن قَبِيلِ المُعْجِزاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”أُنَبِّئُكم“ لِأنَّ الإنْباءَ يَكُونُ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها آياتٍ تَدْعُو إلى الإيمانِ بِهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ، بِخِلافِ ما إذا كانَ دَأْبُكُمُ المُكابَرَةَ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ مِنهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم بادَرُوا دَعْوَتَهُ بِالتَّكْذِيبِ والشَّتْمِ. وتَعَرُّضُ القُرْآنِ لِذِكْرِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ جَعَلُوا مِنها دَلِيلًا عَلى أُلُوهِيَّةِ عِيسى، بِعِلَّةِ أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَةِ البَشَرِ، فَمَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو الإلَهُ، وهَذا دَلِيلٌ سُفِسْطائِيٌّ أشارَ اللَّهُ إلى كَشْفِهِ بِقَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، وقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ. وقَدْ رَوى أهْلُ السِّيَرِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الأعْمالِ لَدى النَّبِيءِ ﷺ .

آل عمران 3:49

﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿ورَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم إنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ وأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بِيُوتِكم إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . جُمْلَةُ ”ويُعَلِّمُهُ“ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ﴾ [آل عمران: ٤٦] بَعْدَ انْتِهاءِ الِاعْتِراضِ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ: ويُعَلِّمُهُ - بِالتَّحْتِيَّةِ - أيْ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِنُونِ العَظَمَةِ، عَلى الِالتِفاتِ. والكِتابُ مُرادٌ بِهِ الكِتابُ المَعْهُودُ. وعَطْفُ التَّوْراةِ تَمْهِيدٌ لِعَطْفِ الإنْجِيلِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ بِمَعْنى الكِتابَةِ وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ في أوَّلِ السُّورَةِ. ورَسُولًا عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”يُعَلِّمُهُ“ لِأنَّ جُمْلَةَ الحالِ، لِكَوْنِها ذاتَ مَحَلٍّ مِنَ الإعْرابِ، هي في قُوَّةِ المُفْرَدِ فَنُصِبَ ”رَسُولًا“ عَلى الحالِ، وصاحِبُ الحالِ هو قَوْلُهُ ”بِكَلِمَةٍ“ فَهو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ المَلائِكَةِ. وفَتْحُ هَمْزَةِ ”أنَّ“ في قَوْلِهِ أنِّي قَدْ جِئْتُكم لِتَقْدِيرِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ ”رَسُولًا“ أيْ رَسُولًا بِهَذا المَقالِ لِما تَضَمَّنَهُ وصْفُ ”رَسُولًا“ مِن كَوْنِهِ مَبْعُوثًا بِكَلامٍ، فَهَذا مَبْدَأُ كَلامٍ بَعْدَ انْتِهاءِ كَلامِ المَلائِكَةِ. صفحة ٢٥٠ ومَعْنى جِئْتُكم أُرْسِلْتُ إلَيْكم مِن جانِبِ اللَّهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَ عِيسى بِالبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكم بِالحِكْمَةِ﴾ [الزخرف: ٦٣] . وقَوْلُهُ ”بِآيَةٍ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ ”جِئْتُكم“ لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّهُ رَسُولٌ لا بِأنَّهُ جاءَ بِآيَةٍ. شَبَّهَ أمْرَ اللَّهِ إيّاهُ بِأنْ يُبَلِّغَ رِسالَةً بِمَجِيءِ المُرْسَلِ مِن قَوْمٍ إلى آخَرِينَ ولِذَلِكَ سُمِّيَ النَّبِيءُ رَسُولًا. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِآيَةٍ“ لِلْمُلابَسَةِ أيْ مُقارِنًا لِلْآياتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِي في هَذِهِ الرِّسالَةِ المُعَبَّرِ عَنْها بِفِعْلِ المَجِيءِ. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جِئْتُكم“ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ”جِئْتُكم“ لِأنَّ مَعْنى ”جِئْتُكم“: أُرْسِلْتُ إلَيْكم، فَلا يَحْتاجُ إلى ما يَتَعَلَّقُ بِهِ. وقَوْلُهُ: إنِّي أخْلُقُ، بِكَسْرِ الهَمْزَةِ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ آيَةٍ وهي قِراءَةُ نافِعٍ، وأبِي جَعْفَرٍ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ هَمْزَةِ ”أنِّي“ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أنِّي قَدْ جِئْتُكم. والخَلْقُ: حَقِيقَتُهُ تَقْدِيرُ شَيْءٍ بِقَدْرٍ، ومِنهُ خَلْقُ الأدِيمِ تَقْدِيرُهُ بِحَسْبِ ما يُرادُ مِن قَطْعِهِ قَبْلَ قَطْعِ القِطْعَةِ مِنهُ، قالَ زُهَيْرٌ: ولَأنْتَ تَفْرِي مَـا خَـلَـقْـتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي يُرِيدُ تَقْدِيرَ الأدِيمِ قَبْلَ قَطْعِهِ والقَطْعُ هو الفَرْيُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا مَشْهُورًا أوْ مُشْتَرَكًا في الإنْشاءِ والإبْداعِ عَلى غَيْرِ مِثالٍ ولا احْتِذاءٍ، وفي الإنْشاءِ عَلى مِثالِ يُبْدِعُ ويُقَدِّرُ، قالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فَهو إبْداعُ الشَّيْءِ وإبْرازُهُ لِلْوُجُودِ والخَلْقُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ أيْ: أُقَدِّرُ لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ خَلْقَ الحَيَوانِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ الطَّيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ بِمَعْنى مِثْلِ، وهي صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ أخْلُقُ، أيْ شَيْئًا مُقَدَّرًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ الطَّيْرَ وهو اسْمٌ يَقَعُ عَلى الجَمْعِ غالِبًا وقَدْ يَقَعُ عَلى الواحِدِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ: (الطّائِرِ) . صفحة ٢٥١ والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِـ ”في“ مِن قَوْلِهِ فَأنْفُخُ فِيهِ عائِدٌ إلى ذَلِكَ المَوْصُوفِ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الكافُ. وقَرَأ نافِعٌ - وحْدَهُ - فَيَكُونُ طائِرًا بِالإفْرادِ وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ بِصِيغَةِ اسْمِ الجَمْعِ، فَقِراءَةُ نافِعٍ عَلى مُراعاةِ انْفِرادِ الضَّمِيرِ، وقِراءَةُ الباقِينَ عَلى اعْتِبارِ المَعْنى. جَعَلَ لِنَفْسِهِ التَّقْدِيرَ، وأسْنَدَ لِلَّهِ تَكْوِينَ الحَياةِ فِيهِ. والهَيْئَةُ: الصُّورَةُ والكَيْفِيَّةُ أيْ أُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ صُورَةً كَصُورَةِ الطَّيْرِ. وقَرَأ الجَمِيعُ ”كَهَيْئَةِ“ بِتَحْتِيَّةٍ ساكِنَةٍ بَعْدَها هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ. وزادَ قَوْلَهُ بِإذْنِ اللَّهِ لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، ونَفْيِ تَوَهُّمِ المُشارَكَةِ في خَلْقِ الكائِناتِ. والأكْمَهُ: الأعْمى، أوِ الَّذِي وُلِدَ أعْمى. والأبْرَصُ: المُصابُ بِداءِ البَرَصِ وهو داءٌ جِلْدِيٌّ لَهُ مَظاهِرُ مُتَنَوِّعَةٌ مِنها الخَفِيفُ ومِنها القَوِيُّ وأعْراضُهُ بُقَعٌ بَيْضاءُ شَدِيدَةُ البَياضِ تَظْهَرُ عَلى الجِلْدِ، فَإنْ كانَتْ غائِرَةً في الجِلْدِ فَهو البَرَصُ، وإنْ كانَتْ مُساوِيَةً لِسَطْحِ الجِلْدِ فَهو البَهَقُ، ثُمَّ تَنْتَشِرُ عَلى الجِلْدِ فَرُبَّما عَمَّتِ الجِلْدَ كُلَّهُ حَتّى يَصِيرَ أبْيَضَ، ورُبَّما بَقِيَتْ مُتَمَيِّزَةً عَنْ لَوْنِ الجِلْدِ. وأسْبابُهُ مَجْهُولَةٌ، ويَأْتِي بِالوِراثَةِ، وهو غَيْرُ مُعْدٍ، وشُوهِدَ أنَّ الإصابَةَ بِهِ تَكْثُرُ في الَّذِينَ يُقَلِّلُونَ مِنَ النَّظافَةِ أوْ يَسْكُنُونَ الأماكِنَ القَذِرَةَ. والعِبْرانِيُّونَ واليُونانُ يُطْلِقُونَ البَرَصَ عَلى مَرَضٍ آخَرَ هو مِن مَبادِئِ الجُذامِ فَكانُوا يَتَشاءَمُونَ بِالبَرَصِ إذا بَدَتْ أعْراضُهُ عَلى واحِدٍ مِنهم. فَأمّا العَرَبُ فَكانَ مُلُوكُهم لا يُكَلِّمُونَ الأبْرَصَ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، كَما وقَعَ في قِصَّةِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ الشّاعِرِ مَعَ المَلِكِ عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ. وأمّا العِبْرانِيُّونَ فَهم أشَدُّ في ذَلِكَ. وقَدِ اهْتَمَّتِ التَّوْراةُ بِأحْكامِ الأبْرَصِ، وأطالَتْ في بَيانِها، وكَرَّرَتْهُ مِرارًا، ويَظْهَرُ مِنها أنَّهُ مَرَضٌ يَنْزِلُ في الهَواءِ ويَلْتَصِقُ بِجُدْرانِ المَنازِلِ، وقَدْ وصَفَهُ الوَحْيُ لِمُوسى لِيُعَلِّمَهُ الكَهَنَةَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويُعَلِّمَهم طَرِيقَةَ عِلاجِهِ، ومِن أحْكامِهِمْ أنَّ المُصابَ يُعْزَلُ عَنِ القَوْمِ ويُجْعَلُ في مَحَلٍّ خاصٍّ وأحْكامُهُ مُفَصَّلَةٌ في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. ولِهَذا كانَ إعْجازُ المَسِيحِ بِإبْراءِ الأبْرَصِ أهَمَّ المُعْجِزاتِ فائِدَةً عِنْدَهم دِينًا ودُنْيا. وقَدْ ذَكَرَ فُقَهاءُ الإسْلامِ البَرَصَ في عُيُوبِ الزَّوْجَيْنِ المُوجِبَةِ لِلْخِيارِ وفَصَّلُوا بَيْنَ أنْواعِهِ الَّتِي تُوجِبُ الخِيارَ والَّتِي لا تُوجِبُهُ ولَمْ يَضْبِطُوا أوْصافَهُ واقْتَصَرُوا عَلى تَحْدِيدِ أجْلِ بُرْئِهِ. صفحة ٢٥٢ وإحْياءُ المَوْتى مُعْجِزَةٌ لِلْمَسِيحِ أيْضًا، كَنَفْخِ الرُّوحِ في الطَّيْرِ المُصَوَّرِ مِنَ الطِّينِ، فَكانَ إذا أحْيا مَيِّتًا كَلَّمَهُ ثُمَّ رَجَعَ مَيِّتًا، ووَرَدَ في الأناجِيلِ أنَّهُ أحْيا بِنْتًا كانَتْ ماتَتْ فَأحْياها عَقِبَ مَوْتِها. ووَقَعَ في إنْجِيلِ مَتّى في الإصْحاحِ ١٧ أنَّ عِيسى صَعِدَ الجَبَلَ ومَعَهُ بُطْرُسُ ويَعْقُوبُ ويُوحَنّا أخُوهُ وأظْهَرَ لَهم مُوسى وإيلِياءَ يَتَكَلَّمانِ مَعَهم، وكُلُّ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ﴾ أنَّهُ يُخْبِرُهم عَنْ أحْوالِهِمُ الَّتِي لا يَطَّلِعُ عَلَيْها أحَدٌ، فَيُخْبِرُهم بِما أكَلُوهُ في بُيُوتِهِمْ، وما عِنْدَهم مُدَّخَرٌ فِيها، لِتَكُونَ هاتِهِ المُتَعاطِفاتُ كُلُّها مِن قَبِيلِ المُعْجِزاتِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”أُنَبِّئُكم“ لِأنَّ الإنْباءَ يَكُونُ في الأُمُورِ الخَفِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ جَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ كُلَّها آياتٍ تَدْعُو إلى الإيمانِ بِهِ، أيْ إنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ الإيمانَ، بِخِلافِ ما إذا كانَ دَأْبُكُمُ المُكابَرَةَ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ مِنهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ فَإنَّهم بادَرُوا دَعْوَتَهُ بِالتَّكْذِيبِ والشَّتْمِ. وتَعَرُّضُ القُرْآنِ لِذِكْرِ هَذِهِ المُعْجِزاتِ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ جَعَلُوا مِنها دَلِيلًا عَلى أُلُوهِيَّةِ عِيسى، بِعِلَّةِ أنَّ هَذِهِ الأعْمالَ لا تَدْخُلُ تَحْتَ مَقْدِرَةِ البَشَرِ، فَمَن قَدَرَ عَلَيْها فَهو الإلَهُ، وهَذا دَلِيلٌ سُفِسْطائِيٌّ أشارَ اللَّهُ إلى كَشْفِهِ بِقَوْلِهِ: بِآيَةٍ مِن رَبِّكم، وقَوْلِهِ: بِإذْنِ اللَّهِ، مَرَّتَيْنِ. وقَدْ رَوى أهْلُ السِّيَرِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اسْتَدَلُّوا بِهَذِهِ الأعْمالِ لَدى النَّبِيءِ ﷺ .

آل عمران 3:50

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدِيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . عَطْفٌ عَلى ”بِآيَةٍ“ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”بِآيَةٍ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ. أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”جِئْتُكم“ فَيُقَدَّرُ فِعْلُ ”جِئْتُكم“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُقَدَّرِ مَعَهُ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”ورَسُولًا“ لِأنَّ ”رَسُولًا“ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، ومُصَدِّقًا مِن كَلامِ عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِما بَيْنَ يَدَيَّ. صفحة ٢٥٣ والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، وأُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَصْدِيقٍ مُثْبَتٍ مُحَقَّقٍ، أيْ مُصَدِّقًا تَصْدِيقًا لا يَشُوبُهُ شَكٌّ ولا نِسْبَةٌ إلى خَطَأٍ. وجُعِلَ التَّصْدِيقُ مُتَعَدِّيًا إلى التَّوْراةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلِي، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ السّابِقَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجائِي فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالَةِ السَّبْقِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُزُولِ التَّوْراةِ أزْمِنَةٌ طَوِيلَةٌ، لِأنَّها لَمّا اتَّصَلَ العَمَلُ بِها إلى مَجِيئِهِ، فَكَأنَّها لَمْ تَسْبِقْهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. ويُسْتَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ كَذا في مَعْنى المُشاهَدِ الحاضِرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُطِفَ قَوْلُهُ ”ولِأُحِلَّ“ عَلى ”رَسُولًا“ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ: لِأنَّ الحالَ تُشْبِهُ العِلَّةَ؛ إذْ هي قَيْدٌ لِعامِلِها، فَإذا كانَ التَّقْيِيدُ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ شابَهَ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ، وشابَهَ المَجْرُورَ بِلامِ التَّعْلِيلِ، فَصَحَّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ”جِئْتُكم“ . وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّسْخَ لا يُنافِي التَّصْدِيقَ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إعْلامٌ بِتَغَيُّرِ الحُكْمِ. وانْحَصَرَتْ شَرِيعَةُ عِيسى في إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ وما تَرَكُوهُ فِيها وهو في هَذا كَغَيْرِهِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي تَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَعْيًا لِحالِهِمْ في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وبِهَذا كانَ رَسُولًا. قِيلَ أحَلَّ لَهُمُ الشُّحُومَ، ولُحُومَ الإبِلِ، وبَعْضَ السَّمَكِ، وبَعْضَ الطَّيْرِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا مِن قَبْلُ، وأحَلَّ لَهُمُ السَّبْتَ، ولَمْ أقِفْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ ما حُلِّلَ لَهم، فَما قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الطَّلاقَ فَهو تَقَوُّلٌ عَلَيْهِ، وإنَّما حَذَّرَهم مِنهُ وبَيَّنَ لَهم سُوءَ عَواقِبِهِ، وحَرَّمَ تَزَوُّجَ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ما لا تَخْلُو عَنْهُ دَعْوَةٌ: مِن تَذْكِيرٍ، ومَواعِظَ، وتَرْغِيباتٍ. * * * ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . قَوْلُهُ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ . تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ الأوَّلِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ ويَحْصُلُ صفحة ٢٥٤ التَّأْكِيدُ بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ، فَتَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِبارانِ يَجْعَلانِها بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ: فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ قَوْلَهُ ”وأطِيعُونِ“ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ ”إنَّ“ مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ لا مَحالَةَ، وهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ كَشَأْنِها إذا وقَعَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، كَقَوْلِ بَشّارٍ: بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ ولِذَلِكَ قالَ رَبِّي ورَبُّكم فَهو لِكَوْنِهِ رَبَّهم حَقِيقٌ بِالتَّقْوى، ولِكَوْنِهِ رَبَّ عِيسى وأرْسَلَهُ تَقْتَضِي تَقْواهُ طاعَةَ رَسُولِهِ. وقَوْلُهُ فاعْبُدُوهُ تَفْرِيعٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، فَقَدْ جَعَلَ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي، تَعْلِيلًا ثُمَّ أصْلًا لِلتَّفْرِيعِ. وقَوْلُهُ: هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، الإشارَةُ إلى ما قالَهُ كُلِّهِ أيْ أنَّهُ الحَقُّ الواضِحُ فَشَبَّهَهُ بِصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَضِلُّ سالِكُهُ ولا يَتَحَيَّرُ.

آل عمران 3:51

﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدِيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . عَطْفٌ عَلى ”بِآيَةٍ“ بِناءً عَلى أنَّ قَوْلَهُ ”بِآيَةٍ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ كَما تَقَدَّمَ. أوْ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”جِئْتُكم“ فَيُقَدَّرُ فِعْلُ ”جِئْتُكم“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُقَدَّرِ مَعَهُ، ولَيْسَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ”ورَسُولًا“ لِأنَّ ”رَسُولًا“ مِن كَلامِ المَلائِكَةِ، ومُصَدِّقًا مِن كَلامِ عِيسى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ لِما بَيْنَ يَدَيَّ. صفحة ٢٥٣ والمُصَدِّقُ: المُخْبِرُ بِصِدْقِ غَيْرِهِ، وأُدْخِلَتِ اللّامُ عَلى المَفْعُولِ لِلتَّقْوِيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَصْدِيقٍ مُثْبَتٍ مُحَقَّقٍ، أيْ مُصَدِّقًا تَصْدِيقًا لا يَشُوبُهُ شَكٌّ ولا نِسْبَةٌ إلى خَطَأٍ. وجُعِلَ التَّصْدِيقُ مُتَعَدِّيًا إلى التَّوْراةِ تَوْطِئَةً لِقَوْلِهِ: ﴿ولِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ . ومَعْنى ما بَيْنَ يَدَيَّ ما تَقَدَّمَ قَبْلِي، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ السّابِقَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجائِي فَهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالَةِ السَّبْقِ، وإنْ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُزُولِ التَّوْراةِ أزْمِنَةٌ طَوِيلَةٌ، لِأنَّها لَمّا اتَّصَلَ العَمَلُ بِها إلى مَجِيئِهِ، فَكَأنَّها لَمْ تَسْبِقْهُ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ. ويُسْتَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْ كَذا في مَعْنى المُشاهَدِ الحاضِرِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعُطِفَ قَوْلُهُ ”ولِأُحِلَّ“ عَلى ”رَسُولًا“ وما بَعْدَهُ مِنَ الأحْوالِ: لِأنَّ الحالَ تُشْبِهُ العِلَّةَ؛ إذْ هي قَيْدٌ لِعامِلِها، فَإذا كانَ التَّقْيِيدُ عَلى مَعْنى التَّعْلِيلِ شابَهَ المَفْعُولَ لِأجْلِهِ، وشابَهَ المَجْرُورَ بِلامِ التَّعْلِيلِ، فَصَحَّ أنْ يُعْطَفَ عَلَيْها مَجْرُورٌ بِلامِ التَّعْلِيلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فَيَتَعَلَّقُ بِفِعْلِ ”جِئْتُكم“ . وعَقَّبَ بِهِ قَوْلَهُ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّ النَّسْخَ لا يُنافِي التَّصْدِيقَ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إعْلامٌ بِتَغَيُّرِ الحُكْمِ. وانْحَصَرَتْ شَرِيعَةُ عِيسى في إحْياءِ أحْكامِ التَّوْراةِ وما تَرَكُوهُ فِيها وهو في هَذا كَغَيْرِهِ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وفي تَحْلِيلِ بَعْضِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رَعْيًا لِحالِهِمْ في أزْمِنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وبِهَذا كانَ رَسُولًا. قِيلَ أحَلَّ لَهُمُ الشُّحُومَ، ولُحُومَ الإبِلِ، وبَعْضَ السَّمَكِ، وبَعْضَ الطَّيْرِ الَّذِي كانَ مُحَرَّمًا مِن قَبْلُ، وأحَلَّ لَهُمُ السَّبْتَ، ولَمْ أقِفْ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ في الإنْجِيلِ. وظاهِرُ هَذا أنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ ما حُلِّلَ لَهم، فَما قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الطَّلاقَ فَهو تَقَوُّلٌ عَلَيْهِ، وإنَّما حَذَّرَهم مِنهُ وبَيَّنَ لَهم سُوءَ عَواقِبِهِ، وحَرَّمَ تَزَوُّجَ المَرْأةِ المُطَلَّقَةِ، ويَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ ما لا تَخْلُو عَنْهُ دَعْوَةٌ: مِن تَذْكِيرٍ، ومَواعِظَ، وتَرْغِيباتٍ. * * * ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ . قَوْلُهُ ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ . تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ الأوَّلِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩] . وإنَّما عُطِفَ بِالواوِ لِأنَّهُ أُرِيدَ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ الأخْبارِ المُتَقَدِّمَةِ ويَحْصُلُ صفحة ٢٥٤ التَّأْكِيدُ بِمُجَرَّدِ تَقَدُّمِ مَضْمُونِهِ، فَتَكُونُ لِهَذِهِ الجُمْلَةِ اعْتِبارانِ يَجْعَلانِها بِمَنزِلَةِ جُمْلَتَيْنِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ: فاتَّقُوا اللَّهَ وأطِيعُونِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ قَوْلَهُ ”وأطِيعُونِ“ بِحَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ في الوَصْلِ والوَقْفِ، وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِإثْباتِ الياءِ فِيهِما. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ﴾ ”إنَّ“ مَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ لا مَحالَةَ، وهي واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى والطّاعَةِ كَشَأْنِها إذا وقَعَتْ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، كَقَوْلِ بَشّارٍ: بَكِّرا صاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ إنَّ ذاكَ النَّجاحَ في التَّبْكِيرِ ولِذَلِكَ قالَ رَبِّي ورَبُّكم فَهو لِكَوْنِهِ رَبَّهم حَقِيقٌ بِالتَّقْوى، ولِكَوْنِهِ رَبَّ عِيسى وأرْسَلَهُ تَقْتَضِي تَقْواهُ طاعَةَ رَسُولِهِ. وقَوْلُهُ فاعْبُدُوهُ تَفْرِيعٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ، فَقَدْ جَعَلَ قَوْلَهُ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي، تَعْلِيلًا ثُمَّ أصْلًا لِلتَّفْرِيعِ. وقَوْلُهُ: هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، الإشارَةُ إلى ما قالَهُ كُلِّهِ أيْ أنَّهُ الحَقُّ الواضِحُ فَشَبَّهَهُ بِصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَضِلُّ سالِكُهُ ولا يَتَحَيَّرُ.

آل عمران 3:52

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ . آذَنَ شَرْطُ ”لَمّا“ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُها: فَوُلِدَ عِيسى، وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَرْيَمَ، وكَلَّمَ النّاسَ بِالرِّسالَةِ. وأراهُمُ الآياتِ المَوْعُودَ بِها، ودَعاهم إلى التَّصْدِيقِ بِهِ وطاعَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ. إلى آخِرِهِ. أيْ أحَسَّ الكُفْرَ مِن جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ خاطَبَهم بِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ وأطِيعُونِ أيْ صفحة ٢٥٥ سَمِعَ تَكْذِيبَهم إيّاهُ وأُخْبِرَ بِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ. و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“ . وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ يُفَسِّرُهُ وصْفُ الكُفْرِ. وطَلَبُ النَّصْرِ لِإظْهارِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ، مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ، فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقالَ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [طه: ٢٩] وقَدْ عَرَضَ النَّبِيءُ ﷺ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ لِيَنْصُرُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ قالَهُ في مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ إبْلاغًا لِلدَّعْوَةِ، وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ. والنَّصْرُ يَشْمَلُ إعْلانَ الدِّينِ والدَّعْوَةَ إلَيْهِ. ووَصَلَ وصْفُ أنْصارِي بِـ ”إلى“ إمّا عَلى تَضْمِينِ صِفَةِ أنْصارٍ مَعْنى الضَّمِّ أيْ مَن ضامُّونَ نَصْرَهم إيّايَ إلى نَصْرِ اللَّهِ إيّايَ، الَّذِي وعَدَنِي بِهِ؛ إذْ لابُدَّ لِحُصُولِ النَّصْرِ مِن تَحْصِيلِ سَبَبِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ ضامِّيها فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، وإمّا عَلى جَعْلِهِ حالًا مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى: في حالِ ذَهابِي إلى اللَّهِ، أيْ إلى تَبْلِيغِ شَرِيعَتِهِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالكَوْنُ الَّذِي اقْتَضاهُ المَجْرُورُ هو كَوْنٌ مِن أحْوالِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الحَوارِيُّونَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ . والحَوارِيُّونَ: لَقَبٌ لِأصْحابِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولازَمُوهُ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنَ النَّبَطِيَّةِ ومُفْرَدُهُ حَوارِيٌّ قالَهُ في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ولَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ مَعْناهُ الغَسّالُ أيْ غَسّالُ الثِّيابِ. وفَسَّرَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ مَن يَكُونُ مِن خاصَّةِ مَن يُضافُ هو إلَيْهِ ومِن قَرابَتِهِ. وغَلَبَ عَلى أصْحابِ عِيسى وفي الحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيءٍ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» . وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ في احْتِمالاتِ اشْتِقاقِهِ واخْتِلافِ مَعْناهُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْصاقٌ بِالكَلِماتِ الَّتِي فِيها حُرُوفُ الحاءِ والواوِ والرّاءِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ. صفحة ٢٥٦ والحَوارِيُّونَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وهم: سَمْعانْ بُطْرُسْ، وأخُوهُ أنْدَراوِسُ، ويُوحَنّا بْنُ زَبْدِي، وأخُوهُ يَعْقُوبُ وهَؤُلاءِ كُلُّهم - صَيّادُو سَمَكٍ - ومَتّى العَشّارُ، وتُوما وفِيلِيبْسُ، وبِرْثُولْماوِسُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِي، ولَباوِسُ، وسَمْعانُ القانْوِي، ويَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ. وكانَ جَوابُ الحَوارِيِّينَ دالًّا عَلى أنَّهم عَلِمُوا أنَّ نَصْرَ عِيسى لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ هو نَصْرٌ لِدِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ ما يُفِيدُ حَصْرًا لِأنَّ الإضافَةَ اللَّفْظِيَّةَ لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا، فَلَمْ يَحْصُلْ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ، ولَكِنَّ الحَوارِيِّينَ بادَرُوا إلى هَذا الِانْتِدابِ. وقَدْ آمَنَ مَعَ الحَوارِيِّينَ أفْرادٌ مُتَفَرِّقُونَ مِنَ اليَهُودِ، مِثْلَ الَّذِينَ شَفى المَسِيحُ مَرْضاهم، وآمَنَ بِهِ مِنَ النِّساءِ أُمُّهُ عَلَيْها السَّلامُ، ومَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ، وأُمُّ يُوحَنّا، وحَماةُ سَمْعانَ، ويُوثا امْرَأةُ حُوزِي وكِيلِ هِيرُودِسَ، وسُوسَةُ، ونِساءٌ أُخَرُ ولَكِنَّ النِّساءَ لا تُطْلَبُ مِنهُنَّ نُصْرَةٌ. وقَوْلُهُ رَبَّنا آمَنّا مِن كَلامِ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةُ قَوْلِهِمْ، وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الدُّعاءِ دُعاءً بِأنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ مَعَ الشّاهِدِينَ أيْ مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا لِرُسُلِ اللَّهِ بِالتَّبْلِيغِ، وبِالصِّدْقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهم تَلَقَّوْا مِن عِيسى - فِيما عَلَّمَهم إيّاهُ - فَضائِلَ مَن يَشْهَدُ لِلرُّسُلِ بِالصِّدْقِ.

آل عمران 3:53

﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أنْزَلْتَ واتَّبَعْنا الرَّسُولَ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ . آذَنَ شَرْطُ ”لَمّا“ بِجُمَلٍ مَحْذُوفَةٍ، تَقْدِيرُها: فَوُلِدَ عِيسى، وكَلَّمَ النّاسَ في المَهْدِ بِما أخْبَرَتْ بِهِ المَلائِكَةُ مَرْيَمَ، وكَلَّمَ النّاسَ بِالرِّسالَةِ. وأراهُمُ الآياتِ المَوْعُودَ بِها، ودَعاهم إلى التَّصْدِيقِ بِهِ وطاعَتِهِ، فَكَفَرُوا بِهِ، فَلَمّا أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ قالَ. إلى آخِرِهِ. أيْ أحَسَّ الكُفْرَ مِن جَماعَةٍ مِنَ الَّذِينَ خاطَبَهم بِدَعْوَتِهِ في قَوْلِهِ وأطِيعُونِ أيْ صفحة ٢٥٥ سَمِعَ تَكْذِيبَهم إيّاهُ وأُخْبِرَ بِتَمالُئِهِمْ عَلَيْهِ. و”مِنهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”أحَسَّ“ . وضَمِيرُ ”مِنهم“ عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ يُفَسِّرُهُ وصْفُ الكُفْرِ. وطَلَبُ النَّصْرِ لِإظْهارِ الدَّعْوَةِ لِلَّهِ، مَوْقِفٌ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ، فَقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْ نُوحٍ ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنِّي مَغْلُوبٌ فانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠] وقالَ مُوسى: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ [طه: ٢٩] وقَدْ عَرَضَ النَّبِيءُ ﷺ نَفْسَهُ عَلى قَبائِلِ العَرَبِ لِيَنْصُرُوهُ حَتّى يُبَلِّغَ دَعْوَةَ رَبِّهِ. وقَوْلُهُ: ﴿قالَ مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ لَعَلَّهُ قالَهُ في مَلَإ بَنِي إسْرائِيلَ إبْلاغًا لِلدَّعْوَةِ، وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ. والنَّصْرُ يَشْمَلُ إعْلانَ الدِّينِ والدَّعْوَةَ إلَيْهِ. ووَصَلَ وصْفُ أنْصارِي بِـ ”إلى“ إمّا عَلى تَضْمِينِ صِفَةِ أنْصارٍ مَعْنى الضَّمِّ أيْ مَن ضامُّونَ نَصْرَهم إيّايَ إلى نَصْرِ اللَّهِ إيّايَ، الَّذِي وعَدَنِي بِهِ؛ إذْ لابُدَّ لِحُصُولِ النَّصْرِ مِن تَحْصِيلِ سَبَبِهِ كَما هي سُنَّةُ اللَّهِ: قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أيْ ضامِّيها فَهو ظَرْفُ لَغْوٍ، وإمّا عَلى جَعْلِهِ حالًا مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ والمَعْنى: في حالِ ذَهابِي إلى اللَّهِ، أيْ إلى تَبْلِيغِ شَرِيعَتِهِ، فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا. وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ فالكَوْنُ الَّذِي اقْتَضاهُ المَجْرُورُ هو كَوْنٌ مِن أحْوالِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِذَلِكَ لَمْ يَأْتِ الحَوارِيُّونَ بِمِثْلِهِ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ . والحَوارِيُّونَ: لَقَبٌ لِأصْحابِ عِيسى، عَلَيْهِ السَّلامُ: الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ ولازَمُوهُ، وهو اسْمٌ مُعَرَّبٌ مِنَ النَّبَطِيَّةِ ومُفْرَدُهُ حَوارِيٌّ قالَهُ في الإتْقانِ عَنِ ابْنِ حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ولَكِنَّهُ ادَّعى أنَّ مَعْناهُ الغَسّالُ أيْ غَسّالُ الثِّيابِ. وفَسَّرَهُ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ بِأنَّهُ مَن يَكُونُ مِن خاصَّةِ مَن يُضافُ هو إلَيْهِ ومِن قَرابَتِهِ. وغَلَبَ عَلى أصْحابِ عِيسى وفي الحَدِيثِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لِكُلِّ نَبِيءٍ حَوارِيٌّ وحَوارِيَّ الزُّبَيْرُ بْنُ العَوّامِ» . وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ وأهْلُ اللُّغَةِ في احْتِمالاتِ اشْتِقاقِهِ واخْتِلافِ مَعْناهُ وكُلُّ ذَلِكَ إلْصاقٌ بِالكَلِماتِ الَّتِي فِيها حُرُوفُ الحاءِ والواوِ والرّاءِ لا يَصِحُّ مِنهُ شَيْءٌ. صفحة ٢٥٦ والحَوارِيُّونَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا وهم: سَمْعانْ بُطْرُسْ، وأخُوهُ أنْدَراوِسُ، ويُوحَنّا بْنُ زَبْدِي، وأخُوهُ يَعْقُوبُ وهَؤُلاءِ كُلُّهم - صَيّادُو سَمَكٍ - ومَتّى العَشّارُ، وتُوما وفِيلِيبْسُ، وبِرْثُولْماوِسُ، ويَعْقُوبُ بْنُ حَلْفِي، ولَباوِسُ، وسَمْعانُ القانْوِي، ويَهُوذا الأسْخَرْيُوطِيُّ. وكانَ جَوابُ الحَوارِيِّينَ دالًّا عَلى أنَّهم عَلِمُوا أنَّ نَصْرَ عِيسى لَيْسَ لِذاتِهِ بَلْ هو نَصْرٌ لِدِينِ اللَّهِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ ما يُفِيدُ حَصْرًا لِأنَّ الإضافَةَ اللَّفْظِيَّةَ لا تُفِيدُ تَعْرِيفًا، فَلَمْ يَحْصُلْ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ، ولَكِنَّ الحَوارِيِّينَ بادَرُوا إلى هَذا الِانْتِدابِ. وقَدْ آمَنَ مَعَ الحَوارِيِّينَ أفْرادٌ مُتَفَرِّقُونَ مِنَ اليَهُودِ، مِثْلَ الَّذِينَ شَفى المَسِيحُ مَرْضاهم، وآمَنَ بِهِ مِنَ النِّساءِ أُمُّهُ عَلَيْها السَّلامُ، ومَرْيَمُ المَجْدَلِيَّةُ، وأُمُّ يُوحَنّا، وحَماةُ سَمْعانَ، ويُوثا امْرَأةُ حُوزِي وكِيلِ هِيرُودِسَ، وسُوسَةُ، ونِساءٌ أُخَرُ ولَكِنَّ النِّساءَ لا تُطْلَبُ مِنهُنَّ نُصْرَةٌ. وقَوْلُهُ رَبَّنا آمَنّا مِن كَلامِ الحَوارِيِّينَ بَقِيَّةُ قَوْلِهِمْ، وفَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ الدُّعاءِ دُعاءً بِأنْ يَجْعَلَهُمُ اللَّهُ مَعَ الشّاهِدِينَ أيْ مَعَ الَّذِينَ شَهِدُوا لِرُسُلِ اللَّهِ بِالتَّبْلِيغِ، وبِالصِّدْقِ، وهَذا مُؤْذِنٌ بِأنَّهم تَلَقَّوْا مِن عِيسى - فِيما عَلَّمَهم إيّاهُ - فَضائِلَ مَن يَشْهَدُ لِلرُّسُلِ بِالصِّدْقِ.

آل عمران 3:54

﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ [آل عمران: ٥٢] فَإنَّهُ أحَسَّ مِنهُمُ الكُفْرَ وأحَسَّ مِنهم بِالغَدْرِ والمَكْرِ. وضَمِيرُ مَكَرُوا عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”مِنهم“ وهُمُ اليَهُودُ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الصَّفِّ: ﴿قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] . والمَكْرُ فِعْلٌ يُقْصَدُ بِهِ ضُرُّ أحَدٍ في هَيْئَةٍ تَخْفى عَلَيْهِ، أوْ تَلْبِيسُ فِعْلِ الإضْرارِ بِصُورَةِ النَّفْعِ، والمُرادُ هُنا: تَدْبِيرُ اليَهُودِ لِأخْذِ المَسِيحِ، وسَعْيُهم لَدى وُلاةِ الأُمُورِ لِيُمَكِّنُوهم مِن قَتْلِهِ. ومَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هو تَمْثِيلٌ لِإخْفاقِ اللَّهِ تَعالى مَساعِيَهم في حالِ ظَنِّهِمْ أنْ قَدْ نَجَحَتْ مَساعِيهِمْ، وهو هُنا مُشاكَلَةٌ. وجازَ إطْلاقُ المَكْرِ عَلى فِعْلِ صفحة ٢٥٧ اللَّهِ تَعالى دُونَ مُشاكَلَةٍ كَما في قَوْلِهِ: أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، في سُورَةِ الأعْرافِ. وبَعْضُ أساتِذَتِنا يُسَمِّي مِثْلَ ذَلِكَ مُشاكَلَةً تَقْدِيرِيَّةً. ومَعْنى ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] أيْ أقْواهم عِنْدَ إرادَةِ مُقابَلَةِ مَكْرِهِمْ بِخِذْلانِهِ إيّاهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى خَيْرُ الماكِرِينَ: أنَّ الإمْلاءَ والِاسْتِدْراجَ الَّذِي يُقَدِّرُهُ لِلْفُجّارِ والجَبابِرَةِ والمُنافِقِينَ، الشَّبِيهَ بِالمَكْرِ في أنَّهُ حَسَنُ الظّاهِرِ سَيِّئُ العاقِبَةِ - هو خَيْرٌ مَحْضٌ لا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ إلّا الصَّلاحُ العامُّ، وإنْ كانَ يُؤْذِي شَخْصًا أوْ أشْخاصًا، فَهو مِن هَذِهِ الجِهَةِ مُجَرَّدٌ عَمّا في المَكْرِ مِنَ القُبْحِ، ولِذَلِكَ كانَتْ أفْعالُهُ تَعالى مُنَزَّهَةً عَنِ الوَصْفِ بِالقُبْحِ أوِ الشَّناعَةِ، لِأنَّها لا تُقارِنُها الأحْوالُ الَّتِي بِها تُقَبَّحُ بَعْضُ أفْعالِ العِبادِ؛ مِن دَلالَةٍ عَلى سَفاهَةِ رَأْيٍ، أوْ سُوءِ طَوِيَّةٍ، أوْ جُبْنٍ، أوْ ضَعْفٍ، أوْ طَمَعٍ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. أيْ فَإنْ كانَ في المَكْرِ قُبْحٌ فَمَكْرُ اللَّهِ خَيْرٌ مَحْضٌ، ولَكَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ ”خَيْرُ“ بِمَعْنى التَّفْضِيلِ وبِدُونِهِ.

آل عمران 3:55

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ، صفحة ٢٥٨ وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ مالِكٌ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ إحْدى وثَلاثِينَ سَنَةً، قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ: ماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ. وقالَ الرَّبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ إنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، ومُخَلِّصُكَ في السَّماءِ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ. والَّذِي دَعاهم إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَفاةِ ما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا»، فَأفْهَمَ أنَّ لَهُ حَياةً خاصَّةً أخَصَّ مِن حَياةِ أرْواحِ بَقِيَّةِ الأنْبِياءِ، الَّتِي هي حَياةٌ صفحة ٢٥٩ أخَصُّ مِن حَياةِ بَقِيَّةِ الأرْواحِ؛ فَإنَّ حَياةَ الأرْواحِ مُتَفاوِتَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «أرْواحُ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ» . ورَوَوْا أنَّ تَأْوِيلَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن تَأْوِيلِ الحَدِيثِ في مَعْنى حَياتِهِ وفي نُزُولِهِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى الوَفاةِ فَجَعَلَهُ حَيًّا بِحَياتِهِ الأُولى، ومِنهم مَن أبْقى الوَفاةَ عَلى ظاهِرِها، وجَعَلَ حَياتَهُ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ، فَقالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللَّهُ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ عِنْدَهُ في السَّماءِ، وقالَ بَعْضُهم: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ. وسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولَقَدْ وُفِّقا وسُدِّدا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَياتُهُ كَحَياةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُهُ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ بَعْثًا لَهُ قَبْلَ إبّانِ البَعْثِ عَلى وجْهِ الخُصُوصِيَّةِ، وقَدْ جاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ نُزُولِهِ بِلَفْظِ «يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسى فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ» رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يَخْلُصُ مِن هُنالِكَ إلى الآخِرَةِ. وقَدْ قِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ عَطْفَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذِ الواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الزَّمانِ أيْ إنِّي رافِعُكَ إلَيَّ ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الدَّهْرِ سِوى أنَّ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «ويَمْكُثُ أيْ عِيسى أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تُؤَوَّلَ الأخْبارُ الَّتِي يُفِيدُ ظاهِرُها أنَّهُ حَيٌّ عَلى مَعْنى حَياةِ كَرامَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَحَياةِ الشُّهَداءِ وأقْوى، وأنَّهُ إذا حُمِلَ نُزُولُهُ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ، أنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ البَعْثِ، وأنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» مُدْرَجٌ مِن أبِي هُرَيْرَةَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَوَوْا حَدِيثَ نُزُولِ عِيسى، وهم جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ وغَيْرُ صَرِيحَةٍ. ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ في عَدِّ مَزاياهُ إلى أنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ. والتَّطْهِيرُ في قَوْلِهِ ومُطَهِّرُكَ مَجازِيٌّ بِمَعْنى العِصْمَةِ والتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ طَهارَةَ عِيسى هي هي، ولَكِنْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً لَهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”كَفَرُوا“ لِظُهُورِهِ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّ اليَهُودَ ما كَفَرُوا بِاللَّهِ بَلْ كَفَرُوا بِرِسالَةِ عِيسى، لِأنَّ عِيسى لَمْ يُبْعَثْ لِغَيْرِهِمْ فَتَطْهِيرُهُ لا يُظَنُّ أنَّهُ تَطْهِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٢٦٠ والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَعْنى الظُّهُورِ والِانْتِصارِ، وهي فَوْقِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: الحَوارِيُّونَ ومَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إلى أنْ نُسِخَتْ شَرِيعَتُهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجُمْلَةُ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذْ مَضْمُونُ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن شَأْنِ جَزاءِ اللَّهِ مُتَّبِعِي عِيسى والكافِرِينَ بِهِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ الحاصِلَ عِنْدَ مَرْجِعِ النّاسِ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ ما يُقارِنُهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ - أعْظَمُ دَرَجَةً وأهَمُّ مِن جَعْلِ مُتَّبِعِي عِيسى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، وأنَّ ضَمِيرَ ”مَرْجِعُكم“ وما مَعَهُ مِن ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ، عائِدٌ إلى عِيسى والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ ”ثُمَّ“ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، زِيادَةً عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي الزَّمَنِيِّ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْناهُ الرُّجُوعُ. وحَقِيقَةُ الرُّجُوعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ هُنا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ رُجُوعٌ مَجازِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ البَعْثَ لِلْحِسابِ بَعْدَ المَوْتِ، وإطْلاقُهُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ بِلَفْظِهِ وبِمُرادِفِهِ نَحْوَ: المَصِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ انْتِهاءُ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في أجَلٍ أرادَهُ فَيَنْفُذُ فِيهِمْ مُرادُهُ في الدُّنْيا. ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازَيْهِ، وهو المُناسِبُ لِجَمْعِ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجْرِي تَفْسِيرُ حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم فِيما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم - تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ هو عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ الضَّمائِرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ صفحة ٢٦١ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَذِكْرُ عَذابِ الدُّنْيا هُنا إدْماجٌ. فَإنْ كانَ هَذا مِمّا خاطَبَ اللَّهُ عِيسى فَهو مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِ مَعْناهُ، وإنْ كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ في القُرْآنِ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، صَحَّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنهُ أيْضًا التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في ظُلْمِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ مُكابَرَةٍ مِنهم وحَسَدٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ إسْنادِ المَحَبَّةِ إلى اللَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ ولا يَجِدُونَ ناصِرِينَ يَنْصُرُونَهم في تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ لا تَقْتَضِي اسْتِمْرارَ العَذابَيْنِ: فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَهو يَجْرِي عَلى نِظامِ أحْوالِ الدُّنْيا: مِن شِدَّةٍ وضَعْفٍ وعَدَمِ اسْتِمْرارٍ، فَمَعْنى انْتِفاءِ النّاصِرِينَ لَهم مِنهُ انْتِفاءُ النّاصِرِينَ في المُدَّةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِتَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا مُتَفاوِتٌ، وقَدْ وجَدَ اليَهُودُ ناصِرِينَ في بَعْضِ الأزْمانِ مِثْلَ قِصَةِ اسْتِيرَ في الماضِي وقَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ في هَذا العَصْرِ. وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ: فَهو مُطْلَقٌ هُنا، ومُقَيَّدٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالتَّأْبِيدِ، كَما قالَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ لِلتَّفْصِيلِ كُلِّهِ فَهي تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا بِصَرِيحِ مَعْناها، أيْ أُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، وتَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلى آخِرِها، بِكِنايَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ انْتِفاءَ مَحَبَّةِ اللَّهِ الظّالِمِينَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلِذَلِكَ يُعْطِيهِمْ ثَوابَهم وافِيًا. ومَعْنى كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ وظَلَمَ النَّصارى اللَّهَ بِأنْ نَقَصُوهُ بِإثْباتِ ولَدٍ لَهُ وظَلَمُوا عِيسى بِأنْ نَسَبُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، وظَلَمَهُ اليَهُودُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأذاهم. صفحة ٢٦٢ وعَذابُ الدُّنْيا هو زَوالُ المُلْكِ وضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجِزْيَةِ، والتَّشْرِيدُ في الأقْطارِ، وكَوْنُهم يَعِيشُونَ تَبَعًا لِلنّاسِ، وعَذابُ الآخِرَةِ هو جَهَنَّمُ. ومَعْنى وما لَهم مِن ناصِرِينَ أنَّهم لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ وإنْ حاوَلَهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وأسْنَدَ ”فَنُوَفِّيهِمْ“ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ مَفْعُولِ هَذا الفاعِلِ؛ إذِ العَظِيمُ يُعْطِي عَظِيمًا. والتَّقْدِيرُ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ مُقابِلِهِ في ضِدِّهِمْ مِن قَوْلِهِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ في الدُّنْيا تَظْهَرُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ: مِنها رِضا اللَّهِ عَنْهم، وبَرَكاتُهُ مَعَهم، والحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وحُسْنُ الذِّكْرِ. وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، وفِيها اكْتِفاءٌ: أيْ ويُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ - بِالنُّونِ - وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ.

آل عمران 3:56

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ، صفحة ٢٥٨ وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ مالِكٌ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ إحْدى وثَلاثِينَ سَنَةً، قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ: ماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ. وقالَ الرَّبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ إنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، ومُخَلِّصُكَ في السَّماءِ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ. والَّذِي دَعاهم إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَفاةِ ما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا»، فَأفْهَمَ أنَّ لَهُ حَياةً خاصَّةً أخَصَّ مِن حَياةِ أرْواحِ بَقِيَّةِ الأنْبِياءِ، الَّتِي هي حَياةٌ صفحة ٢٥٩ أخَصُّ مِن حَياةِ بَقِيَّةِ الأرْواحِ؛ فَإنَّ حَياةَ الأرْواحِ مُتَفاوِتَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «أرْواحُ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ» . ورَوَوْا أنَّ تَأْوِيلَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن تَأْوِيلِ الحَدِيثِ في مَعْنى حَياتِهِ وفي نُزُولِهِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى الوَفاةِ فَجَعَلَهُ حَيًّا بِحَياتِهِ الأُولى، ومِنهم مَن أبْقى الوَفاةَ عَلى ظاهِرِها، وجَعَلَ حَياتَهُ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ، فَقالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللَّهُ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ عِنْدَهُ في السَّماءِ، وقالَ بَعْضُهم: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ. وسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولَقَدْ وُفِّقا وسُدِّدا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَياتُهُ كَحَياةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُهُ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ بَعْثًا لَهُ قَبْلَ إبّانِ البَعْثِ عَلى وجْهِ الخُصُوصِيَّةِ، وقَدْ جاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ نُزُولِهِ بِلَفْظِ «يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسى فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ» رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يَخْلُصُ مِن هُنالِكَ إلى الآخِرَةِ. وقَدْ قِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ عَطْفَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذِ الواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الزَّمانِ أيْ إنِّي رافِعُكَ إلَيَّ ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الدَّهْرِ سِوى أنَّ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «ويَمْكُثُ أيْ عِيسى أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تُؤَوَّلَ الأخْبارُ الَّتِي يُفِيدُ ظاهِرُها أنَّهُ حَيٌّ عَلى مَعْنى حَياةِ كَرامَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَحَياةِ الشُّهَداءِ وأقْوى، وأنَّهُ إذا حُمِلَ نُزُولُهُ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ، أنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ البَعْثِ، وأنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» مُدْرَجٌ مِن أبِي هُرَيْرَةَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَوَوْا حَدِيثَ نُزُولِ عِيسى، وهم جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ وغَيْرُ صَرِيحَةٍ. ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ في عَدِّ مَزاياهُ إلى أنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ. والتَّطْهِيرُ في قَوْلِهِ ومُطَهِّرُكَ مَجازِيٌّ بِمَعْنى العِصْمَةِ والتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ طَهارَةَ عِيسى هي هي، ولَكِنْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً لَهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”كَفَرُوا“ لِظُهُورِهِ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّ اليَهُودَ ما كَفَرُوا بِاللَّهِ بَلْ كَفَرُوا بِرِسالَةِ عِيسى، لِأنَّ عِيسى لَمْ يُبْعَثْ لِغَيْرِهِمْ فَتَطْهِيرُهُ لا يُظَنُّ أنَّهُ تَطْهِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٢٦٠ والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَعْنى الظُّهُورِ والِانْتِصارِ، وهي فَوْقِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: الحَوارِيُّونَ ومَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إلى أنْ نُسِخَتْ شَرِيعَتُهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجُمْلَةُ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذْ مَضْمُونُ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن شَأْنِ جَزاءِ اللَّهِ مُتَّبِعِي عِيسى والكافِرِينَ بِهِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ الحاصِلَ عِنْدَ مَرْجِعِ النّاسِ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ ما يُقارِنُهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ - أعْظَمُ دَرَجَةً وأهَمُّ مِن جَعْلِ مُتَّبِعِي عِيسى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، وأنَّ ضَمِيرَ ”مَرْجِعُكم“ وما مَعَهُ مِن ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ، عائِدٌ إلى عِيسى والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ ”ثُمَّ“ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، زِيادَةً عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي الزَّمَنِيِّ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْناهُ الرُّجُوعُ. وحَقِيقَةُ الرُّجُوعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ هُنا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ رُجُوعٌ مَجازِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ البَعْثَ لِلْحِسابِ بَعْدَ المَوْتِ، وإطْلاقُهُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ بِلَفْظِهِ وبِمُرادِفِهِ نَحْوَ: المَصِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ انْتِهاءُ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في أجَلٍ أرادَهُ فَيَنْفُذُ فِيهِمْ مُرادُهُ في الدُّنْيا. ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازَيْهِ، وهو المُناسِبُ لِجَمْعِ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجْرِي تَفْسِيرُ حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم فِيما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم - تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ هو عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ الضَّمائِرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ صفحة ٢٦١ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَذِكْرُ عَذابِ الدُّنْيا هُنا إدْماجٌ. فَإنْ كانَ هَذا مِمّا خاطَبَ اللَّهُ عِيسى فَهو مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِ مَعْناهُ، وإنْ كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ في القُرْآنِ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، صَحَّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنهُ أيْضًا التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في ظُلْمِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ مُكابَرَةٍ مِنهم وحَسَدٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ إسْنادِ المَحَبَّةِ إلى اللَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ ولا يَجِدُونَ ناصِرِينَ يَنْصُرُونَهم في تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ لا تَقْتَضِي اسْتِمْرارَ العَذابَيْنِ: فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَهو يَجْرِي عَلى نِظامِ أحْوالِ الدُّنْيا: مِن شِدَّةٍ وضَعْفٍ وعَدَمِ اسْتِمْرارٍ، فَمَعْنى انْتِفاءِ النّاصِرِينَ لَهم مِنهُ انْتِفاءُ النّاصِرِينَ في المُدَّةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِتَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا مُتَفاوِتٌ، وقَدْ وجَدَ اليَهُودُ ناصِرِينَ في بَعْضِ الأزْمانِ مِثْلَ قِصَةِ اسْتِيرَ في الماضِي وقَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ في هَذا العَصْرِ. وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ: فَهو مُطْلَقٌ هُنا، ومُقَيَّدٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالتَّأْبِيدِ، كَما قالَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ لِلتَّفْصِيلِ كُلِّهِ فَهي تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا بِصَرِيحِ مَعْناها، أيْ أُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، وتَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلى آخِرِها، بِكِنايَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ انْتِفاءَ مَحَبَّةِ اللَّهِ الظّالِمِينَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلِذَلِكَ يُعْطِيهِمْ ثَوابَهم وافِيًا. ومَعْنى كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ وظَلَمَ النَّصارى اللَّهَ بِأنْ نَقَصُوهُ بِإثْباتِ ولَدٍ لَهُ وظَلَمُوا عِيسى بِأنْ نَسَبُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، وظَلَمَهُ اليَهُودُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأذاهم. صفحة ٢٦٢ وعَذابُ الدُّنْيا هو زَوالُ المُلْكِ وضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجِزْيَةِ، والتَّشْرِيدُ في الأقْطارِ، وكَوْنُهم يَعِيشُونَ تَبَعًا لِلنّاسِ، وعَذابُ الآخِرَةِ هو جَهَنَّمُ. ومَعْنى وما لَهم مِن ناصِرِينَ أنَّهم لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ وإنْ حاوَلَهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وأسْنَدَ ”فَنُوَفِّيهِمْ“ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ مَفْعُولِ هَذا الفاعِلِ؛ إذِ العَظِيمُ يُعْطِي عَظِيمًا. والتَّقْدِيرُ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ مُقابِلِهِ في ضِدِّهِمْ مِن قَوْلِهِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ في الدُّنْيا تَظْهَرُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ: مِنها رِضا اللَّهِ عَنْهم، وبَرَكاتُهُ مَعَهم، والحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وحُسْنُ الذِّكْرِ. وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، وفِيها اكْتِفاءٌ: أيْ ويُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ - بِالنُّونِ - وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ.

آل عمران 3:57

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَنُوَفِّيهِمُ أُجُورَهم واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ؛ و”إذْ“ ظَرْفٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِشَيْءٍ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيِ اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] وهَذا حِكايَةٌ لِأمْرِ رَفْعِ المَسِيحِ وإخْفائِهِ عَنْ أنْظارِ أعْدائِهِ. وقَدَّمَ اللَّهُ في خِطابِهِ إعْلامَهُ بِذَلِكَ اسْتِئْناسًا لَهُ، إذْ لَمْ يَتِمَّ ما يَرْغَبُهُ مِن هِدايَةِ قَوْمِهِ. مَعَ العِلْمِ بِأنَّهُ يُحِبُّ لِقاءَ اللَّهِ، صفحة ٢٥٨ وتَبْشِيرًا لَهُ بِأنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ دِينَهُ، لِأنَّ غايَةَ هَمِّ الرَّسُولِ هو الهُدى، وإبْلاغُ الشَّرِيعَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ لَهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والنِّداءُ فِيهِ لِلِاسْتِئْناسِ، وفي الحَدِيثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ «لا يُقْبَضُ نَبِيءٌ حَتّى يُخَيَّرَ» . وقَوْلُهُ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ ظاهِرُ مَعْناهُ: إنِّي مُمِيتُكَ، هَذا هو مَعْنى هَذا الفِعْلِ في مَواقِعِ اسْتِعْمالِهِ لِأنَّ أصْلَ فِعْلِ تَوَفّى الشَّيْءَ أنَّهُ قَبَضَهُ تامًّا واسْتَوْفاهُ. فَيُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ أيْ قَدَّرَ مَوْتَهُ، ويُقالُ: تَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ أيْ أنْفَذَ إرادَةَ اللَّهِ بِمَوْتِهِ، ويُطْلَقُ التَّوَفِّي عَلى النَّوْمِ مَجازًا بِعَلاقَةِ المُشابَهَةِ في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] . أيْ وأمّا الَّتِي لَمْ تَمُتِ المَوْتَ المَعْرُوفَ فَيُمِيتُها في مَنامِها مَوْتًا شَبِيهًا بِالمَوْتِ التّامِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ثُمَّ قالَ: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَكُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا﴾ [الأنعام: ٦١] فالكُلُّ إماتَةٌ في التَّحْقِيقِ، وإنَّما فَصَلَ بَيْنَهُما العُرْفُ والِاسْتِعْمالُ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ بِالبَيانِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْها المَوْتَ ويُرْسِلُ الأُخْرى إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢]، فالكَلامُ مُنْتَظِمٌ غايَةَ الِانْتِظامِ، وقَدِ اشْتَبَهَ نَظْمُهُ عَلى بَعْضِ الأفْهامِ. وأصْرَحُ مِن هَذِهِ الآيَةِ آيَةُ المائِدَةِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ١١٧] لِأنَّهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ الوَفاةَ المَعْرُوفَةَ الَّتِي تَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وبَيْنَ عِلْمِ ما يَقَعُ في الأرْضِ، وحَمْلُها عَلى النَّوْمِ بِالنِّسْبَةِ لِعِيسى لا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ إذا أرادَ رَفْعَهُ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَنامَ؛ ولِأنَّ النَّوْمَ حِينَئِذٍ وسِيلَةٌ لِلرَّفْعِ فَلا يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِذِكْرِهِ وتَرْكُ ذِكْرِ المَقْصِدِ، فالقَوْلُ بِأنَّها بِمَعْنى الرَّفْعِ عَنْ هَذا العالَمِ إيجادُ مَعْنًى جَدِيدٍ لِلْوَفاةِ في اللُّغَةِ بِدُونِ حُجَّةٍ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ووَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إنَّها وفاةُ مَوْتٍ وهو ظاهِرُ قَوْلِ مالِكٍ في جامِعِ العُتْبِيَّةِ قالَ مالِكٌ: ماتَ عِيسى وهو ابْنُ إحْدى وثَلاثِينَ سَنَةً، قالَ ابْنُ رُشْدٍ في البَيانِ والتَّحْصِيلِ: يُحْتَمَلُ أنَّ قَوْلَهُ: ماتَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ عَلى الحَقِيقَةِ لا عَلى المَجازِ. وقالَ الرَّبِيعُ: هي وفاةُ نَوْمٍ رَفَعَهُ اللَّهُ في مَنامِهِ، وقالَ الحَسَنُ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ إنِّي قابِضُكَ مِنَ الأرْضِ، ومُخَلِّصُكَ في السَّماءِ، وقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ مُتَقَبِّلٌ عَمَلَكَ. والَّذِي دَعاهم إلى تَأْوِيلِ مَعْنى الوَفاةِ ما ورَدَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: «أنَّ عِيسى يَنْزِلُ في آخِرِ مُدَّةِ الدُّنْيا»، فَأفْهَمَ أنَّ لَهُ حَياةً خاصَّةً أخَصَّ مِن حَياةِ أرْواحِ بَقِيَّةِ الأنْبِياءِ، الَّتِي هي حَياةٌ صفحة ٢٥٩ أخَصُّ مِن حَياةِ بَقِيَّةِ الأرْواحِ؛ فَإنَّ حَياةَ الأرْواحِ مُتَفاوِتَةٌ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ «أرْواحُ الشُّهَداءِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ» . ورَوَوْا أنَّ تَأْوِيلَ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ أوْلى مِن تَأْوِيلِ الحَدِيثِ في مَعْنى حَياتِهِ وفي نُزُولِهِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ مَعْنى الوَفاةِ فَجَعَلَهُ حَيًّا بِحَياتِهِ الأُولى، ومِنهم مَن أبْقى الوَفاةَ عَلى ظاهِرِها، وجَعَلَ حَياتَهُ بِحَياةٍ ثانِيَةٍ، فَقالَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: تَوَفّاهُ اللَّهُ ثَلاثَ ساعاتٍ ورَفَعَهُ فِيها، ثُمَّ أحْياهُ عِنْدَهُ في السَّماءِ، وقالَ بَعْضُهم: تُوُفِّيَ سَبْعَ ساعاتٍ. وسَكَتَ ابْنُ عَبّاسٍ ومالِكٌ عَنْ تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، ولَقَدْ وُفِّقا وسُدِّدا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ حَياتُهُ كَحَياةِ سائِرِ الأنْبِياءِ، وأنْ يَكُونَ نُزُولُهُ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِهِ بَعْثًا لَهُ قَبْلَ إبّانِ البَعْثِ عَلى وجْهِ الخُصُوصِيَّةِ، وقَدْ جاءَ التَّعْبِيرُ عَنْ نُزُولِهِ بِلَفْظِ «يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسى فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ» رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، ولا يَمُوتُ بَعْدَ ذَلِكَ بَلْ يَخْلُصُ مِن هُنالِكَ إلى الآخِرَةِ. وقَدْ قِيلَ في تَأْوِيلِهِ: إنَّ عَطْفَ ﴿ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ؛ إذِ الواوُ لا تُفِيدُ تَرْتِيبَ الزَّمانِ أيْ إنِّي رافِعُكَ إلَيَّ ثُمَّ مُتَوَفِّيكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ولَيْسَ في الكَلامِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَمُوتُ في آخِرِ الدَّهْرِ سِوى أنَّ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ في كِتابِ أبِي داوُدَ «ويَمْكُثُ أيْ عِيسى أرْبَعِينَ سَنَةً ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» والوَجْهُ أنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ عَلى حَقِيقَتِهِ، وهو الظّاهِرُ، وأنْ تُؤَوَّلَ الأخْبارُ الَّتِي يُفِيدُ ظاهِرُها أنَّهُ حَيٌّ عَلى مَعْنى حَياةِ كَرامَةٍ عِنْدَ اللَّهِ، كَحَياةِ الشُّهَداءِ وأقْوى، وأنَّهُ إذا حُمِلَ نُزُولُهُ عَلى ظاهِرِهِ دُونَ تَأْوِيلٍ، أنَّ ذَلِكَ يَقُومُ مَقامَ البَعْثِ، وأنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ «ثُمَّ يُتَوَفّى فَيُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ» مُدْرَجٌ مِن أبِي هُرَيْرَةَ لِأنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ رَوَوْا حَدِيثَ نُزُولِ عِيسى، وهم جَمْعٌ مِنَ الصَّحابَةِ، والرِّواياتُ مُخْتَلِفَةٌ وغَيْرُ صَرِيحَةٍ. ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ في عَدِّ مَزاياهُ إلى أنَّهُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ. والتَّطْهِيرُ في قَوْلِهِ ومُطَهِّرُكَ مَجازِيٌّ بِمَعْنى العِصْمَةِ والتَّنْزِيهِ؛ لِأنَّ طَهارَةَ عِيسى هي هي، ولَكِنْ لَوْ سُلِّطَ عَلَيْهِ أعْداؤُهُ لَكانَ ذَلِكَ إهانَةً لَهُ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”كَفَرُوا“ لِظُهُورِهِ أيِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِكَ وهُمُ اليَهُودُ، لِأنَّ اليَهُودَ ما كَفَرُوا بِاللَّهِ بَلْ كَفَرُوا بِرِسالَةِ عِيسى، لِأنَّ عِيسى لَمْ يُبْعَثْ لِغَيْرِهِمْ فَتَطْهِيرُهُ لا يُظَنُّ أنَّهُ تَطْهِيرٌ مِنَ المُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ السِّياقِ. صفحة ٢٦٠ والفَوْقِيَّةُ في قَوْلِهِ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَعْنى الظُّهُورِ والِانْتِصارِ، وهي فَوْقِيَّةٌ دُنْيَوِيَّةٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. والمُرادُ بِالَّذِينَ اتَّبَعُوهُ: الحَوارِيُّونَ ومَنِ اتَّبَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، إلى أنْ نُسِخَتْ شَرِيعَتُهُ بِمَجِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وجُمْلَةُ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إذْ مَضْمُونُ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مِن شَأْنِ جَزاءِ اللَّهِ مُتَّبِعِي عِيسى والكافِرِينَ بِهِ، و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ الجَزاءَ الحاصِلَ عِنْدَ مَرْجِعِ النّاسِ إلى اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ ما يُقارِنُهُ مِنَ الحُكْمِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ - أعْظَمُ دَرَجَةً وأهَمُّ مِن جَعْلِ مُتَّبِعِي عِيسى فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا في الدُّنْيا. والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مِمّا خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى، وأنَّ ضَمِيرَ ”مَرْجِعُكم“ وما مَعَهُ مِن ضَمائِرِ المُخاطَبِينَ، عائِدٌ إلى عِيسى والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ والَّذِينَ كَفَرُوا بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، فَتَكُونَ ”ثُمَّ“ لِلِانْتِقالِ مِن غَرَضٍ إلى غَرَضٍ، زِيادَةً عَلى التَّراخِي الرُّتْبِيِّ والتَّراخِي الزَّمَنِيِّ. والمَرْجِعُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَعْناهُ الرُّجُوعُ. وحَقِيقَةُ الرُّجُوعِ غَيْرُ مُسْتَقِيمَةٍ هُنا فَتَعَيَّنَ أنَّهُ رُجُوعٌ مَجازِيٌّ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ البَعْثَ لِلْحِسابِ بَعْدَ المَوْتِ، وإطْلاقُهُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرٌ في القُرْآنِ بِلَفْظِهِ وبِمُرادِفِهِ نَحْوَ: المَصِيرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ انْتِهاءُ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في أجَلٍ أرادَهُ فَيَنْفُذُ فِيهِمْ مُرادُهُ في الدُّنْيا. ويَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ بِاسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازَيْهِ، وهو المُناسِبُ لِجَمْعِ العَذابَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ وعَلى الوَجْهَيْنِ يَجْرِي تَفْسِيرُ حُكْمِ اللَّهِ بَيْنَهم فِيما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم - تَفْصِيلٌ لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ المَقْصُودُ مِن هَذا الوَعِيدِ هو عَذابُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ في حَيِّزِ تَفْصِيلِ الضَّمائِرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ صفحة ٢٦١ وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ في الآخِرَةِ، فَذِكْرُ عَذابِ الدُّنْيا هُنا إدْماجٌ. فَإنْ كانَ هَذا مِمّا خاطَبَ اللَّهُ عِيسى فَهو مُسْتَعْمَلٌ في صَرِيحِ مَعْناهُ، وإنْ كانَ كَلامًا مِنَ اللَّهِ في القُرْآنِ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، صَحَّ أنْ يَكُونَ مُرادًا مِنهُ أيْضًا التَّعْرِيضُ بِالمُشْرِكِينَ في ظُلْمِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ عَنْ مُكابَرَةٍ مِنهم وحَسَدٍ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ إسْنادِ المَحَبَّةِ إلى اللَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجُمْلَةُ وما لَهم مِن ناصِرِينَ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ ولا يَجِدُونَ ناصِرِينَ يَنْصُرُونَهم في تَعْذِيبِهِمُ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى. واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ ﴿فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ قَضِيَّةٌ جُزْئِيَّةٌ لا تَقْتَضِي اسْتِمْرارَ العَذابَيْنِ: فَأمّا عَذابُ الدُّنْيا فَهو يَجْرِي عَلى نِظامِ أحْوالِ الدُّنْيا: مِن شِدَّةٍ وضَعْفٍ وعَدَمِ اسْتِمْرارٍ، فَمَعْنى انْتِفاءِ النّاصِرِينَ لَهم مِنهُ انْتِفاءُ النّاصِرِينَ في المُدَّةِ الَّتِي قَدَّرَها اللَّهُ لِتَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا، وهَذا مُتَفاوِتٌ، وقَدْ وجَدَ اليَهُودُ ناصِرِينَ في بَعْضِ الأزْمانِ مِثْلَ قِصَةِ اسْتِيرَ في الماضِي وقَضِيَّةِ فِلَسْطِينَ في هَذا العَصْرِ. وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ: فَهو مُطْلَقٌ هُنا، ومُقَيَّدٌ في آياتٍ كَثِيرَةٍ بِالتَّأْبِيدِ، كَما قالَ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] . وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ لِلتَّفْصِيلِ كُلِّهِ فَهي تَذْيِيلٌ ثانٍ لِجُمْلَةِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا بِصَرِيحِ مَعْناها، أيْ أُعَذِّبُهم لِأنَّهم ظالِمُونَ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ، وتَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إلى آخِرِها، بِكِنايَةِ مَعْناها؛ لِأنَّ انْتِفاءَ مَحَبَّةِ اللَّهِ الظّالِمِينَ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلِذَلِكَ يُعْطِيهِمْ ثَوابَهم وافِيًا. ومَعْنى كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكُفْرِهِمْ وظَلَمَ النَّصارى اللَّهَ بِأنْ نَقَصُوهُ بِإثْباتِ ولَدٍ لَهُ وظَلَمُوا عِيسى بِأنْ نَسَبُوهُ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى، وظَلَمَهُ اليَهُودُ بِتَكْذِيبِهِمْ إيّاهُ وأذاهم. صفحة ٢٦٢ وعَذابُ الدُّنْيا هو زَوالُ المُلْكِ وضَرْبُ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ والجِزْيَةِ، والتَّشْرِيدُ في الأقْطارِ، وكَوْنُهم يَعِيشُونَ تَبَعًا لِلنّاسِ، وعَذابُ الآخِرَةِ هو جَهَنَّمُ. ومَعْنى وما لَهم مِن ناصِرِينَ أنَّهم لا يَجِدُونَ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنْهم ذَلِكَ وإنْ حاوَلَهُ لَمْ يَظْفَرْ بِهِ وأسْنَدَ ”فَنُوَفِّيهِمْ“ إلى نُونِ العَظَمَةِ تَنْبِيهًا عَلى عَظَمَةِ مَفْعُولِ هَذا الفاعِلِ؛ إذِ العَظِيمُ يُعْطِي عَظِيمًا. والتَّقْدِيرُ فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ بِدَلِيلِ مُقابِلِهِ في ضِدِّهِمْ مِن قَوْلِهِ فَأُعَذِّبُهم عَذابًا شَدِيدًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وتَوْفِيَةُ الأُجُورِ في الدُّنْيا تَظْهَرُ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ: مِنها رِضا اللَّهِ عَنْهم، وبَرَكاتُهُ مَعَهم، والحَياةُ الطَّيِّبَةُ، وحُسْنُ الذِّكْرِ. وجُمْلَةُ واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ تَذْيِيلٌ، وفِيها اكْتِفاءٌ: أيْ ويُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ - بِالنُّونِ - وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ، ”فَيُوَفِّيهِمْ“ بِياءِ الغائِبِ عَلى الِالتِفاتِ.

آل عمران 3:58

﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ﴾ . تَذْيِيلٌ؛ فَإنَّ ﴿الآياتِ والذِّكْرِ﴾ أعَمُّ مِنَ الَّذِي تُلِيَ هُنا، واسْمُ الإشارَةِ إلى الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] وتَذْكِيرُ اسْمِ الإشارَةِ لِتَأْوِيلِ المُشارِ إلَيْهِ بِالكَلامِ أوِ المَذْكُورِ. وجُمْلَةُ ”نَتْلُوهُ“ حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ عَلى حَدِّ ﴿وهَذا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: ٧٢] وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ فَصِيحٌ وإنْ خالَفَ في صِحَّةِ مَجِيءِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ بَعْضُ النُّحاةِ. وقَوْلُهُ مِنَ الآياتِ خَبَرُ ”ذَلِكَ“ أيْ إنَّ تِلاوَةَ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِن آياتِ صِدْقِكَ في دَعْوى الرِّسالَةِ؛ فَإنَّكَ لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ذَلِكَ، وهو ذِكْرٌ ومَوْعِظَةٌ لِلنّاسِ، وهَذا أحْسَنُ مِن جَعْلِ ”نَتْلُوهُ“ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَأِ، ومِن وُجُوهٍ أُخْرى. والحَكِيمُ بِمَعْنى المُحْكِمِ، أوْ هو مَجازٌ عَقْلِيٌّ أيِ الحَكِيمُ عالِمُهُ أوْ تالِيهِ.

آل عمران 3:59

صفحة ٢٦٣ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ: بَيَّنَ بِهِ ما نَشَأ مِنَ الأوْهامِ عِنْدَ النَّصارى، عَنْ عِيسى بِأنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَضَلُّوا بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ خالِصَ النّاسُوتِ. وهَذا شُرُوعٌ في إبْطالِ عَقِيدَةِ النَّصارى مِن تَأْلِيهِ عِيسى، ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ في الإسْلامِ وهو أقْطَعُ دَلِيلٍ بِطَرِيقِ الإلْزامِ؛ لِأنَّهم قالُوا بِإلَهِيَّةِ عِيسى مِن أجْلِ أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لَهُ أبٌ، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ آدَمَ أوْلى بِأنْ يُدَّعى لَهُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ آدَمُ إلَهًا مَعَ أنَّهُ خُلِقَ بِدُونِ أبَوَيْنِ فَعِيسى أوْلى بِالمَخْلُوقِيَّةِ مِن آدَمَ. ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ كَوْنُ كِلَيْهِما مِن دُونِ أبٍ، ويَزِيدُ آدَمُ بِكَوْنِهِ مِن دُونِ أُمٍّ أيْضًا، ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، الآيَةَ أيْ خَلَقَهُ دُونَ أبٍ ولا أُمٍّ بَلْ بِكَلِمَةِ كُنْ، مَعَ بَيانِ كَوْنِهِ أقْوى في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو الغالِبُ. وإنَّما قالَ عِنْدَ اللَّهِ أيْ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ لا تَزِيدُ عَلى آدَمَ في كَوْنِهِ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ لَكم لِأنَّهم جَعَلُوا خَلْقَهُ العَجِيبَ مُوجِبًا لِلْمَسِيحِ نِسْبَةً خاصَّةً عِنْدَ اللَّهِ وهي البُنُوَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ - نَفْسَ الأمْرِ الواقِعِ. والضَّمِيرُ في ”خَلَقَهُ“ لِآدَمَ لا لِعِيسى؛ إذْ قَدْ عَلِمَ الكُلُّ أنَّ عِيسى لَمْ يُخْلَقْ مِن تُرابٍ، فَمَحَلُّ التَّشْبِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وجُمْلَةُ ”خَلَقَهُ“ وما عُطِفَ عَلَيْها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ كَمَثَلِ آدَمَ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ تَكْوِينَهُ بِأمْرِ ”كُنْ“ أرْفَعُ رُتْبَةً مِن خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، وهو أسْبَقُ في الوُجُودِ والتَّكْوِينُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ ”كُنْ“: هو تَكْوِينُهُ عَلى الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: كَوَّنَهُ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَقُلْ: قالَ لَهُ كُنْ مِن تُرابٍ ثُمَّ أحْياهُ، بَلْ قالَ خَلَقَهُ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ. وقَوْلُ ”كُنْ“ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَكْوِينِهِ حَيًّا ذا رُوحٍ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ بِصَنِيعِ يَدٍ، ولا نَحْتٍ بِآلَةٍ، ولَكِنَّهُ بِإرادَةٍ وتَعَلُّقِ قُدْرَةٍ وتَسْخِيرِ الكائِناتِ الَّتِي لَها أثَرٌ في تَكْوِينِ المُرادِ، حَتّى تَلْتَئِمَ وتَنْدَفِعَ إلى إظْهارِ المُكَوَّنِ، وكُلُّ ذَلِكَ صفحة ٢٦٤ عَنْ تَوَجُّهِ الإرادَةِ بِالتَّنْجِيزِ، فَبِتِلْكَ الكَلِمَةِ كانَ آدَمُ أيْضًا كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ احْتِياجٌ إلى ذَلِكَ لِفَواتِ زَمانِهِ. وإنَّما قالَ ”فَيَكُونُ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَكانَ“ لِاسْتِحْضارِهِ صُورَةَ تَكَوُّنِهِ، ولا يُحْمَلُ المُضارِعُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَلى هَذا المَعْنى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وحَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا هُنا لا وجْهَ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا الحَقُّ. و”مِن رَبِّكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ. والخِطابُ في فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، والمُعَرَّضُ بِهِمْ هُنا هُمُ النَّصارى المُمْتَرُونَ الَّذِينَ امْتَرُوا في الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ أنْ لا أبَ لِعِيسى.

آل عمران 3:60

صفحة ٢٦٣ ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ: بَيَّنَ بِهِ ما نَشَأ مِنَ الأوْهامِ عِنْدَ النَّصارى، عَنْ عِيسى بِأنَّهُ كَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَضَلُّوا بِتَوَهُّمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ خالِصَ النّاسُوتِ. وهَذا شُرُوعٌ في إبْطالِ عَقِيدَةِ النَّصارى مِن تَأْلِيهِ عِيسى، ورَدِّ مَطاعِنِهِمْ في الإسْلامِ وهو أقْطَعُ دَلِيلٍ بِطَرِيقِ الإلْزامِ؛ لِأنَّهم قالُوا بِإلَهِيَّةِ عِيسى مِن أجْلِ أنَّهُ خُلِقَ بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ ولَيْسَ لَهُ أبٌ، فَقالُوا: هو ابْنُ اللَّهِ، فَأراهُمُ اللَّهُ أنَّ آدَمَ أوْلى بِأنْ يُدَّعى لَهُ ذَلِكَ، فَإذا لَمْ يَكُنْ آدَمُ إلَهًا مَعَ أنَّهُ خُلِقَ بِدُونِ أبَوَيْنِ فَعِيسى أوْلى بِالمَخْلُوقِيَّةِ مِن آدَمَ. ومَحَلُّ التَّمْثِيلِ كَوْنُ كِلَيْهِما مِن دُونِ أبٍ، ويَزِيدُ آدَمُ بِكَوْنِهِ مِن دُونِ أُمٍّ أيْضًا، ولِذَلِكَ احْتِيجَ إلى ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ بِقَوْلِهِ: خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، الآيَةَ أيْ خَلَقَهُ دُونَ أبٍ ولا أُمٍّ بَلْ بِكَلِمَةِ كُنْ، مَعَ بَيانِ كَوْنِهِ أقْوى في المُشَبَّهِ بِهِ عَلى ما هو الغالِبُ. وإنَّما قالَ عِنْدَ اللَّهِ أيْ نِسْبَتُهُ إلى اللَّهِ لا تَزِيدُ عَلى آدَمَ في كَوْنِهِ خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ لَكم لِأنَّهم جَعَلُوا خَلْقَهُ العَجِيبَ مُوجِبًا لِلْمَسِيحِ نِسْبَةً خاصَّةً عِنْدَ اللَّهِ وهي البُنُوَّةُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أرادَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ - نَفْسَ الأمْرِ الواقِعِ. والضَّمِيرُ في ”خَلَقَهُ“ لِآدَمَ لا لِعِيسى؛ إذْ قَدْ عَلِمَ الكُلُّ أنَّ عِيسى لَمْ يُخْلَقْ مِن تُرابٍ، فَمَحَلُّ التَّشْبِيهِ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . وجُمْلَةُ ”خَلَقَهُ“ وما عُطِفَ عَلَيْها مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ كَمَثَلِ آدَمَ. و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ فَإنَّ تَكْوِينَهُ بِأمْرِ ”كُنْ“ أرْفَعُ رُتْبَةً مِن خَلْقِهِ مِن تُرابٍ، وهو أسْبَقُ في الوُجُودِ والتَّكْوِينُ المُشارُ إلَيْهِ بِـ ”كُنْ“: هو تَكْوِينُهُ عَلى الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: كَوَّنَهُ مِن تُرابٍ، ولَمْ يَقُلْ: قالَ لَهُ كُنْ مِن تُرابٍ ثُمَّ أحْياهُ، بَلْ قالَ خَلَقَهُ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ. وقَوْلُ ”كُنْ“ تَعْبِيرٌ عَنْ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ بِتَكْوِينِهِ حَيًّا ذا رُوحٍ لِيَعْلَمَ السّامِعُونَ أنَّ التَّكْوِينَ لَيْسَ بِصَنِيعِ يَدٍ، ولا نَحْتٍ بِآلَةٍ، ولَكِنَّهُ بِإرادَةٍ وتَعَلُّقِ قُدْرَةٍ وتَسْخِيرِ الكائِناتِ الَّتِي لَها أثَرٌ في تَكْوِينِ المُرادِ، حَتّى تَلْتَئِمَ وتَنْدَفِعَ إلى إظْهارِ المُكَوَّنِ، وكُلُّ ذَلِكَ صفحة ٢٦٤ عَنْ تَوَجُّهِ الإرادَةِ بِالتَّنْجِيزِ، فَبِتِلْكَ الكَلِمَةِ كانَ آدَمُ أيْضًا كَلِمَةً مِنَ اللَّهِ ولَكِنَّهُ لَمْ يُوصَفْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمْ يَقَعِ احْتِياجٌ إلى ذَلِكَ لِفَواتِ زَمانِهِ. وإنَّما قالَ ”فَيَكُونُ“ ولَمْ يَقُلْ ”فَكانَ“ لِاسْتِحْضارِهِ صُورَةَ تَكَوُّنِهِ، ولا يُحْمَلُ المُضارِعُ في مِثْلِ هَذا إلّا عَلى هَذا المَعْنى، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [فاطر: ٩] وحَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا هُنا لا وجْهَ لَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ: أيْ هَذا الحَقُّ. و”مِن رَبِّكَ“ حالٌ مِنَ الحَقِّ. والخِطابُ في فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ التَّعْرِيضُ بِغَيْرِهِ، والمُعَرَّضُ بِهِمْ هُنا هُمُ النَّصارى المُمْتَرُونَ الَّذِينَ امْتَرُوا في الإلَهِيَّةِ بِسَبَبِ تَحَقُّقِ أنْ لا أبَ لِعِيسى.

آل عمران 3:61

﴿فَمَن حاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] لِما فِيهِ مِن إيماءٍ إلى أنَّ وفْدَ نَجْرانَ مُمْتَرُونَ في هَذا الَّذِي بَيَّنَ اللَّهُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ: أيْ فَإنِ اسْتَمَرُّوا عَلى مُحاجَّتِهِمْ إيّاكَ مُكابَرَةً في هَذا الحَقِّ أوْ في شَأْنِ عِيسى فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ والمُلاعَنَةِ. ذَلِكَ أنَّ تَصْمِيمَهم عَلى مُعْتَقَدِهِمْ بَعْدَ هَذا البَيانِ مُكابَرَةٌ مَحْضَةٌ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنِ العِلْمِ وبَيَّنْتَ لَهم، فَلَمْ يَبْقَ أوْضَحُ مِمّا حاجَجْتَهم بِهِ فَعَلِمْتَ أنَّهم إنَّما يُحاجُّونَكَ عَنْ مُكابَرَةٍ، وقِلَّةِ يَقِينٍ، فادْعُهم إلى المُباهَلَةِ بِالمُلاعَنَةِ المَوْصُوفَةِ هُنا. و”تَعالَوْا“ اسْمُ فِعْلٍ لِطَلَبِ القُدُومِ، وهو في الأصْلِ أمْرٌ مِن تَعالى يَتَعالى إذا قَصَدَ العُلُوَّ، فَكَأنَّهم أرادُوا في الأصْلِ أمْرًا بِالصُّعُودِ إلى مَكانٍ عالٍ تَشْرِيفًا لِلْمَدْعُوِّ، ثُمَّ شاعَ صفحة ٢٦٥ حَتّى صارَ لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِالقُدُومِ أوِ الحُضُورِ، وأُجْرِيَتْ عَلَيْهِ أحْوالُ اسْمِ الفِعْلِ فَهو مَبْنِيٌّ عَلى فَتْحِ آخِرِهِ، وأمّا قَوْلُ أبِي فِراسٍ الحَمْدانِيِّ: أيا جارَتا ما أنْصَفَ الدَّهْرُ بَيْنَنا تَعالَيْ أُقاسِمْكِ الهُمُومَ تَعالِي فَقَدْ لَحَّنُوهُ فِيهِ. ومَعْنى ﴿تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكُمْ﴾ ائْتُوا وادْعُوا أبْناءَكم ونَحْنُ نَدْعُو أبْناءَنا إلى آخِرِهِ، والمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ إلى آخِرِهِ. و”ثُمَّ“ هُنا لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ. والِابْتِهالُ مُشْتَقٌّ مِنَ البَهْلِ وهو الدُّعاءُ بِاللَّعْنِ ويُطْلَقُ عَلى الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ مُطْلَقًا لِأنَّ الدّاعِيَ بِاللَّعْنِ يَجْتَهِدُ في دُعائِهِ، والمُرادُ في الآيَةِ المَعْنى الأوَّلُ. ومَعْنى ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ فَنَدْعُ بِإيقاعِ اللَّعْنَةِ عَلى الكاذِبِينَ. وهَذا الدُّعاءُ إلى المُباهَلَةِ إلْجاءٌ لَهم إلى أنْ يَعْتَرِفُوا بِالحَقِّ أوْ يَكُفُّوا. رَوى المُفَسِّرُونَ وأهْلُ السِّيرَةِ أنَّ وفْدَ نَجْرانَ لَمّا دَعاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُلاعَنَةِ قالَ لَهُمُ العاقِبُ: لا نُلاعِنُهُ، فَواللَّهِ لَئِنْ كانَ نَبِيئًا فَلاعَنَنا لا نُفْلِحُ أبَدًا ولا عَقِبُنا مِن بَعْدِنا. فَلَمْ يُجِيبُوا إلى المُباهَلَةِ وعَدَلُوا إلى المُصالَحَةِ كَما سَيَأْتِي. وهَذِهِ المُباهَلَةُ لَعَلَّها مِن طُرُقِ التَّناصُفِ عِنْدَ النَّصارى فَدَعاهم إلَيْها النَّبِيءُ ﷺ لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ. وإنَّما جَمَعَ في المُلاعَنَةِ الأبْناءَ والنِّساءَ: لِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مُكابَرَتُهم في الحَقِّ وحُبُّ الدُّنْيا، عُلِمَ أنَّ مَن هَذِهِ صِفَتُهُ يَكُونُ أهْلُهُ ونِساؤُهُ أحَبَّ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ كَما قالَ شُعَيْبٌ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٩٢] وأنَّهُ يَخْشى سُوءَ العَيْشِ وفُقْدانَ الأهْلِ، ولا يَخْشى عَذابَ الآخِرَةِ. والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارَكِ أنَّهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، والَّذِينَ يَحْضُرُهم لِذَلِكَ وأبْناءُ أهْلِ الوَفْدِ ونِساؤُهُمُ اللّائِي كُنَّ مَعَهم. صفحة ٢٦٦ والنِّساءُ: الأزْواجُ لا مَحالَةَ، وهو إطْلاقٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ العَرَبِ إذا أُضِيفَ لَفْظُ النِّساءِ إلى واحِدٍ أوْ جَماعَةٍ دُونَ ما إذا ورَدَ غَيْرَ مُضافٍ، قالَ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيءِ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] وقالَ: ونِساءِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ النّابِغَةُ: حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ∗∗∗ ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا والأنْفُسُ أنْفُسُ المُتَكَلِّمِينَ وأنْفُسُ المُخاطَبِينَ أيْ وإيّانا وإيّاكم، وأمّا الأبْناءُ فَيُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ شُبّانُهم، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ يَشْمَلُ الصِّبْيانَ، والمَقْصُودُ أنْ تَعُودَ عَلَيْهِمْ آثارُ المُلاعَنَةِ. والِابْتِهالُ افْتِعالٌ مِنَ البَهْلِ، وهو اللَّعْنُ، يُقالُ: بَهَلَهُ اللَّهُ بِمَعْنى لَعَنَهُ واللَّعْنَةُ بَهْلَةٌ وبُهْلَةٌ بِالضَّمِّ والفَتْحِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ الِابْتِهالُ مَجازًا مَشْهُورًا في مُطْلَقِ الدُّعاءِ، قالَ الأعْشى: لا تَقْعُدَنَّ وقَدْ أكَّلْتَها حَطَبًـا ∗∗∗ تَعُوذُ مِن شَرِّها يَوْمًا وتَبْتَهِلُ وهُوَ المُرادُ هُنا بِدَلِيلِ أنَّهُ فَرَّعَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلى الكاذِبِينَ﴾ . وهَذِهِ دَعْوَةُ إنْصافٍ لا يَدْعُو لَها إلّا واثِقٌ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ. وهَذِهِ المُباهَلَةُ لَمْ تَقَعْ لِأنَّ نَصارى نَجْرانَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا إلَيْها. وقَدْ رَوى أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ أنَّ النَّبِيءَ هَيَّأ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا لِيَصْحَبَهم مَعَهُ لِلْمُباهَلَةِ. ولَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ إحْضارَ نِسائِهِ ولا إحْضارَ بَعْضِ المُسْلِمِينَ.

آل عمران 3:62

﴿إنَّ هَذا لَهْو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالواوِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”الكاذِبِينَ“ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًا لِلَّهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ غُلِبَ، فَإثْباتُ أنَّهُ عَبْدٌ هو الحَقُّ. واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى. صفحة ٢٦٧ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهو القَصَصُ ضَمِيرُ فَصْلٍ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ الَّتِي أفادَها ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِأنَّ اللّامَ وحْدَها مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ، وضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ هَذا القَصَصُ لا ما تَقُصُّهُ كُتُبُ النَّصارى وعَقائِدُهم. و القَصَصُ بِفَتْحِ القافِ والصّادِ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، يُقالُ: قَصَّ الخَبَرَ قَصًّا: إذا أخْبَرَ بِهِ، والقَصُّ أخَصُّ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ القَصَّ إخْبارٌ بِخَبَرٍ فِيهِ طُولٌ وتَفْصِيلٌ وتُسَمّى الحادِثَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبَرَ بِها - قِصَّةً بِكَسْرِ القافِ أيْ مَقْصُوصَةً أيْ مِمّا يَقُصُّها القُصّاصُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَنْتَصِبُ لِتَحْدِيثِ النّاسِ بِأخْبارِ الماضِينَ قَصّاصٌ بِفَتْحِ القافِ. فالقَصَصُ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ ولَيْسَ هو مَصْدَرًا، ومَن جَرى عَلى لِسانِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَذَلِكَ تَسامُحٌ مِن تَسامُحِ الأقْدَمِينَ، فالقَصُّ بِالإدْغامِ مَصْدَرٌ، والقَصَصُ بِالفَكِّ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ واسْمٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُوصِ. وقَوْلُهُ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ تَأْكِيدٌ لِحَقِّيَّةِ هَذا القَصَصِ. ودَخَلَتْ ”مِنَ“ الزّائِدَةُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى قَصْدِ نَفْيِ الجِنْسِ لِتَدُلَّ الجُمْلَةُ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِالصَّراحَةِ ودَلالَةِ المُطابَقَةِ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الوَحْدَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَيُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلاهانِ أوْ أكْثَرُ في شِقٍّ آخَرَ، وإنْ كانَ هَذا يَئُولُ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَكِنْ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ. وقَوْلُهُ: وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - فِيهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحُكْمِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ مِنَ النَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ قَتَلَهُ اليَهُودُ وذَلِكَ ذِلَّةٌ وعَجْزٌ لا يَلْتَئِمانِ مَعَ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ وهو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا إبْطالٌ لِإلَهِيَّتِهِ عَلى اعْتِقادِنا؛ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا لِإنْقاذِهِ مِن أيْدِي الظّالِمِينَ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ فَقُلْ تَعالَوْا، وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ إذْ نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا أبَوُا المُباهَلَةَ، قالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا. فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، فَأبَوْا، فَقالَ لَهم: فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ صفحة ٢٦٨ أيْ أتْرُكُ لَكُمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا، فَقالُوا: ما لَنا طاقَةٌ بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُصالِحُكَ عَلى ألّا تَغْزُوَنا ولا تُخِيفَنا، ولا تَرُدَّنا عَنْ دِينِنا عَلى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ ألْفًا في صَفَرٍ وألْفًا في رَجَبٍ وثَلاثِينَ دِرْعًا عادِيَّةً مِن حَدِيدٍ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهم، فَقالَ: لَأبْعَثَنَّ مَعَكم أمِينًا حَقَّ أمِينٍ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» -، ولَمْ أقِفْ عَلى ما دَعاهم إلى طَلَبِ أمِينٍ ولا عَلى مِقْدارِ المُدَّةِ الَّتِي مَكَثَ فِيها أبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَهم.

آل عمران 3:63

﴿إنَّ هَذا لَهْو القَصَصُ الحَقُّ وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ وإنَّ اللَّهَ لَهْوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ . جُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْها بِالواوِ اعْتِراضٌ لِبَيانِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ ”الكاذِبِينَ“ لِأنَّهم نَفَوْا أنْ يَكُونَ عِيسى عَبْدًا لِلَّهِ، وزَعَمُوا أنَّهُ غُلِبَ، فَإثْباتُ أنَّهُ عَبْدٌ هو الحَقُّ. واسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن نَفْيِ الإلَهِيَّةِ عَنْ عِيسى. صفحة ٢٦٧ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَهو القَصَصُ ضَمِيرُ فَصْلٍ، ودَخَلَتْ عَلَيْهِ لامُ الِابْتِداءِ لِزِيادَةِ التَّقْوِيَةِ الَّتِي أفادَها ضَمِيرُ الفَصْلِ؛ لِأنَّ اللّامَ وحْدَها مُفِيدَةٌ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ، وضَمِيرَ الفَصْلِ يُفِيدُ القَصْرَ، أيْ هَذا القَصَصُ لا ما تَقُصُّهُ كُتُبُ النَّصارى وعَقائِدُهم. و القَصَصُ بِفَتْحِ القافِ والصّادِ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، يُقالُ: قَصَّ الخَبَرَ قَصًّا: إذا أخْبَرَ بِهِ، والقَصُّ أخَصُّ مِنَ الإخْبارِ؛ فَإنَّ القَصَّ إخْبارٌ بِخَبَرٍ فِيهِ طُولٌ وتَفْصِيلٌ وتُسَمّى الحادِثَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ يُخْبَرَ بِها - قِصَّةً بِكَسْرِ القافِ أيْ مَقْصُوصَةً أيْ مِمّا يَقُصُّها القُصّاصُ، ويُقالُ لِلَّذِي يَنْتَصِبُ لِتَحْدِيثِ النّاسِ بِأخْبارِ الماضِينَ قَصّاصٌ بِفَتْحِ القافِ. فالقَصَصُ اسْمٌ لِما يُقَصُّ، قالَ تَعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ ولَيْسَ هو مَصْدَرًا، ومَن جَرى عَلى لِسانِهِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَذَلِكَ تَسامُحٌ مِن تَسامُحِ الأقْدَمِينَ، فالقَصُّ بِالإدْغامِ مَصْدَرٌ، والقَصَصُ بِالفَكِّ اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ واسْمٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُوصِ. وقَوْلُهُ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ تَأْكِيدٌ لِحَقِّيَّةِ هَذا القَصَصِ. ودَخَلَتْ ”مِنَ“ الزّائِدَةُ بَعْدَ حَرْفِ النَّفْيِ تَنْصِيصًا عَلى قَصْدِ نَفْيِ الجِنْسِ لِتَدُلَّ الجُمْلَةُ عَلى التَّوْحِيدِ ونَفْيِ الشَّرِيكِ بِالصَّراحَةِ ودَلالَةِ المُطابَقَةِ، وأنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ الوَحْدَةِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ، فَيُوهِمُ أنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلاهانِ أوْ أكْثَرُ في شِقٍّ آخَرَ، وإنْ كانَ هَذا يَئُولُ إلى نَفْيِ الشَّرِيكِ لَكِنْ بِدَلالَةِ الِالتِزامِ. وقَوْلُهُ: وإنَّ اللَّهَ لَهو العَزِيزُ الحَكِيمُ - فِيهِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَهو القَصَصُ الحَقُّ﴾ فَأفادَ تَقْوِيَةَ الخَبَرِ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِالعِزَّةِ والحُكْمِ، والمَقْصُودُ إبْطالُ إلَهِيَّةِ المَسِيحِ عَلى حَسَبِ اعْتِقادِ المُخاطَبِينَ مِنَ النَّصارى، فَإنَّهم زَعَمُوا أنَّهُ قَتَلَهُ اليَهُودُ وذَلِكَ ذِلَّةٌ وعَجْزٌ لا يَلْتَئِمانِ مَعَ الإلَهِيَّةِ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهٌ وهو غَيْرُ عَزِيزٍ وهو مَحْكُومٌ عَلَيْهِ، وهو أيْضًا إبْطالٌ لِإلَهِيَّتِهِ عَلى اعْتِقادِنا؛ لِأنَّهُ كانَ مُحْتاجًا لِإنْقاذِهِ مِن أيْدِي الظّالِمِينَ. وجُمْلَةُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالمُفْسِدِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ فَقُلْ تَعالَوْا، وهَذا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ إذْ نَكَصُوا عَنِ المُباهَلَةِ، وقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أنَّهم قَصَدُوا المُكابَرَةَ ولَمْ يَتَطَلَّبُوا الحَقَّ، رُوِيَ أنَّهم لَمّا أبَوُا المُباهَلَةَ، قالَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ «فَإنْ أبَيْتُمْ فَأسْلِمُوا. فَأبَوْا، فَقالَ: فَإنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، فَأبَوْا، فَقالَ لَهم: فَإنِّي أنْبِذُ إلَيْكم عَلى سَواءٍ صفحة ٢٦٨ أيْ أتْرُكُ لَكُمُ العَهْدَ الَّذِي بَيْنَنا، فَقالُوا: ما لَنا طاقَةٌ بِحَرْبِ العَرَبِ، ولَكِنّا نُصالِحُكَ عَلى ألّا تَغْزُوَنا ولا تُخِيفَنا، ولا تَرُدَّنا عَنْ دِينِنا عَلى أنْ نُؤَدِّيَ إلَيْكَ كُلَّ عامٍ ألْفَيْ حُلَّةٍ حَمْراءَ ألْفًا في صَفَرٍ وألْفًا في رَجَبٍ وثَلاثِينَ دِرْعًا عادِيَّةً مِن حَدِيدٍ، وطَلَبُوا مِنهُ أنْ يَبْعَثَ مَعَهم رَجُلًا أمِينًا يَحْكُمُ بَيْنَهم، فَقالَ: لَأبْعَثَنَّ مَعَكم أمِينًا حَقَّ أمِينٍ، فَبَعَثَ مَعَهم أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ» -، ولَمْ أقِفْ عَلى ما دَعاهم إلى طَلَبِ أمِينٍ ولا عَلى مِقْدارِ المُدَّةِ الَّتِي مَكَثَ فِيها أبُو عُبَيْدَةَ بَيْنَهم.

آل عمران 3:64

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ . رُجُوعٌ إلى المُجادَلَةِ، بَعْدَ انْقِطاعِها بِالدُّعاءِ إلى المُباهَلَةِ، بَعَثَ عَلَيْهِ الحِرْصُ عَلى إيمانِهِمْ، وإشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن زَيْغِ أهْلِ الكِتابَيْنِ عَنْ حَقِيقَةِ إسْلامِ الوَجْهِ لِلَّهِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ. وقَدْ جِيءَ في هَذِهِ المُجادَلَةِ بِحُجَّةٍ لا يَجِدُونَ عَنْها مَوْئِلًا، وهي دَعْوَتُهم إلى تَخْصِيصِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ ونَبْذِ عَقِيدَةِ إشْراكِ غَيْرِهِ في الإلَهِيَّةِ. فَجُمْلَةُ قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ لِجُمْلَةِ ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا﴾ [آل عمران: ٦١] لِأنَّ مَدْلُولَ الأُولى احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِضِعْفِ ثِقَتِهِمْ بِأحَقِّيَّةِ اعْتِقادِهِمْ، ومَدْلُولَ هَذِهِ احْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِصِحَّةِ عَقِيدَةِ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ هَذِهِ الجُمْلَةُ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا النَّصارى: لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا المَخْلُوقَ رَبًّا وعَبَدُوهُ مَعَ اللَّهِ. وتَعالَوْا هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في طَلَبِ الِاجْتِماعِ عَلى كَلِمَةٍ سَواءٍ وهو تَمْثِيلٌ: جُعِلَتِ الكَلِمَةُ المُجْتَمَعُ عَلَيْها بِشِبْهِ المَكانِ المُرادِ الِاجْتِماعُ عِنْدَهُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى ”تَعالَوْا“ قَرِيبًا. والكَلِمَةُ هُنا أُطْلِقَتْ عَلى الكَلامِ الوَجِيزِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] . صفحة ٢٦٩ و”سَواءٌ“ هُنا اسْمُ مَصْدَرِ الِاسْتِواءِ، قِيلَ بِمَعْنى العَدْلِ، وقِيلَ بِمَعْنى قَصْدٍ لا شَطَطَ فِيها، وهَذانِ يَكُونانِ مِن قَوْلِهِمْ: مَكانٌ سَواءٌ وسِوًى وسَوًى بِمَعْنى مُتَوَسِّطٍ قالَ تَعالى: ﴿فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِمَعْنى ما يَسْتَوِي فِيهِ جَمِيعُ النّاسِ، فَإنَّ اتِّخاذَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا أرْبابًا، لا يَكُونُ عَلى اسْتِواءِ حالٍ، وهو قَوْلٌ حَسَنٌ. وعَلى كُلِّ مَعْنًى فالسَّواءُ غَيْرُ مُؤَنَّثٍ، وُصِفَ بِهِ ”كَلِمَةٍ“ وهو لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ، لِأنَّ الوَصْفَ بِالمَصْدَرِ واسْمِ المَصْدَرِ لا مُطابَقَةَ فِيهِ. وألّا نَعْبُدَ بَدَلٌ مِن ”كَلِمَةٍ“ وقالَ جَماعَةٌ: هو بَدَلٌ مِن ”سَواءٍ“ ورَدَّهُ ابْنُ هِشامٍ، في النَّوْعِ الثّانِي مِنَ الجِهَةِ السّادِسَةِ مِن جِهاتِ قَواعِدِ الإعْرابِ مِن مُغْنِي اللَّبِيبِ، واعْتَرَضَهُ الدَّمامِينِيُّ وغَيْرُهُ. والحَقُّ أنَّهُ مَرْدُودٌ مِن جِهَةِ مُراعاةِ الِاصْطِلاحِ لا مِن جِهَةِ المَعْنى؛ لِأنَّ ”سَواءٍ“ وصْفٌ لِـ ”كَلِمَةٍ“ و”ألّا نَعْبُدَ“ لَوْ جُعِلَ بَدَلًا مِن ”سَواءٍ“ آلَ إلى كَوْنِهِ في قُوَّةِ الوَصْفِ لِـ ”كَلِمَةٍ“ ولا يَحْسُنُ وصْفُ ”كَلِمَةٍ“ بِهِ. وضَمِيرُ ”بَيْنَنا“ عائِدٌ عَلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ: وهو النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ، ولِذَلِكَ جاءَ بَعْدَهُ ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ . ويُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ إلى آخِرِهِ، التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ عَبَدُوا المَسِيحَ كُلِّهِمْ. وقَوْلُهُ فَإنْ تَوَلَّوْا جِيءَ في هَذا الشَّرْطِ بِحَرْفِ ”إنْ“ لِأنَّ التَّوَلِّيَ بَعْدَ نُهُوضِ هَذِهِ الحُجَّةِ وما قَبْلَها مِنَ الأدِلَّةِ غَرِيبُ الوُقُوعِ، فالمَقامُ مُشْتَمِلٌ عَلى ما هو صالِحٌ لِاقْتِلاعِ حُصُولِ هَذا الشَّرْطِ، فَصارَ فِعْلُ الشَّرْطِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ نادِرَ الوُقُوعِ مَفْرُوضًا، وذَلِكَ مِن مَواقِعِ ”إنِ“ الشَّرْطِيَّةِ فَإنْ كانَ ذَلِكَ مِنهم فَقَدْ صارُوا بِحَيْثُ يُؤْيَسُ مِن إسْلامِهِمْ فَأعْرِضُوا عَنْهم، وأمْسِكُوا أنْتُمْ بِإسْلامِكم، وأشْهِدُوهم أنَّكم عَلى إسْلامِكم. ومَعْنى هَذا الإشْهادِ التَّسْجِيلُ عَلَيْهِمْ لِئَلّا يُظْهِرُوا إعْراضَ المُسْلِمِينَ عَنِ الِاسْتِرْسالِ في مُحاجَّتِهِمْ في صُورَةِ العَجْزِ والتَّسْلِيمِ بِأحَقِّيَّةِ ما عَلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ فَهَذا مَعْنى الإشْهادِ عَلَيْهِمْ بِأنّا مُسْلِمُونَ.

آل عمران 3:65

صفحة ٢٧٠ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن دُعائِهِمْ لِكَلِمَةِ الحَقِّ الجامِعَةِ لِحَقِّ الدِّينِ، إلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهُمُ الباطِلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِ إبْراهِيمَ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم عَلى دِينِهِ تَوَصُّلًا إلى أنَّ الَّذِي خالَفَ دِينَهم لا يَكُونُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ كَما يَدَّعِي النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالمُحاجَّةُ فَرْعٌ عَنِ المُخالَفَةِ في الدَّعْوى. وهَذِهِ المُحاجَّةُ عَنْ طَرِيقِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ، أوْ مُحاجَّتُهُمُ النَّبِيءَ في دَعْواهُ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - مُحاجَّةٌ يَقْصِدُونَ مِنها إبْطالَ مُساواةِ دِينِهِ لِدِينِ إبْراهِيمَ، بِطَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ أيْضًا. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن مَقُولِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] أيْ قُلْ لَهم: يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَقِبَ أمْرِهِ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ تَعالَوْا، فَيَكُونَ تَوْجِيهَ خِطابٍ إلى أهْلِ الكِتابِ مُباشَرَةً، ويَكُونَ جَعَلَ الجُمْلَةَ الأُولى مِن مَقُولِ الرَّسُولِ دُونَ هَذِهِ؛ لِأنَّ الأُولى مِن شُئُونِ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ مِن طُرُقِ المُحاجَّةِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ. والكُلُّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى هَذا الكَلامِ نَشَأتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] لِأنَّهُ قَدْ شاعَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في مَكَّةَ وبَعْدَها أنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ إلى الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وسَيَجِيءُ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا وأُعْلِنَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، وبَيْنَ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وبَيْنَ النَّصارى في وفْدِ نَجْرانَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم ورَثَةُ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ ادَّعَوْا أنَّهم صفحة ٢٧١ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُمُ ادِّعاءً قَدِيمًا أمْ كانُوا قَدْ تَفَطَّنُوا إلَيْهِ مِن دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَيْقَظُوا لِتَقْلِيدِهِ في ذَلِكَ، أمْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإفْحامِ لِلرَّسُولِ حِينَ حاجَّهم بِأنَّ دِينَهُ الحَقُّ، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَألْجَأُوهُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرَ مُخْرِجَةٍ عَنِ اتِّباعِهِ، فَهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ في دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُخْرِجَةً عَنْ دِينِإبْراهِيمَ فَلا يَكُونُ الإسْلامُ تابِعًا لِدِينِ إبْراهِيمَ. وأحْسَبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ إنَّما انْتَحَلُوهُ لِبَثِّ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ بَيْنَ العَرَبِ، ولاسِيَّما النَّصْرانِيَّةَ؛ فَإنَّ دُعاتَها كانُوا يُحاوِلُونَ انْتِشارَها بَيْنَ العَرَبِ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا يَرُوجُ عِنْدَهم سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتُّبِعَتْ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ، وهُنالِكَ أخْبارٌ في أسْبابِ النُّزُولِ تُثِيرُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ: فَرُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى اتِّباعِ دِينِهِ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالُوا: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ» فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ المُخاطَبُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ النَّصارى كالخِطابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ورُوِيَ: أنَّهُ تَنازَعَتِ اليَهُودُ ونَصارى نَجْرانَ بِالمَدِينَةِ، عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ، فادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ دُونَ الآخَرِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، مِن يَهُودَ ونَصارى. ولَعَلَّ اخْتِلافَ المُخاطَبِينَ هو الدّاعِي لِتَكْرِيرِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الأُولى مَنعًا لِقَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، المَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ هو دِينَ إبْراهِيمَ. وتَفْصِيلُ هَذا المَنعِ: إنَّكم لا قِبَلَ لَكم بِمَعْرِفَةِ دِينِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ الإسْلامَ زادَ فِيما جاءَ بِهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم لا مُسْتَنَدَ لَكم في عَمَلِكم بِأُمُورِ الدِّينِ إلّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وهُما قَدْ نَزَلا مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ يُعْلَمُ ما كانَتْ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ حَتّى يُعْلَمَ المَزِيدُ عَلَيْها، وذِكْرُ التَّوْراةِ عَلى هَذا لِأنَّها أصْلُ الإنْجِيلِ. ويَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ نَفْيًا لِدَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُما أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ بِأنَّ دِينَ اليَهُودِ هو التَّوْراةُ، ودِينَ النَّصارى هو الإنْجِيلُ، وكِلاهُما نَزَلَ صفحة ٢٧٢ بَعْدَ إبْراهِيمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيعَةً لَهُ. قالَ الفَخْرُ: يَعْنِي ولَمْ يُصَرَّحْ في أحَدِ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ بِأنَّهُ مُطابِقٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى هَذا نَشْرٌ بَعْدَ اللَّفِّ: لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ لِإبْطالِ قَوْلِ اليَهُودِ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى، وذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُنا لِقَصْدِ جَمْعِ الفَرِيقَيْنِ في التَّخْطِئَةِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هُمُ النَّصارى الَّذِينَ مَساقُ الكَلامِ مَعَهم. والأظْهَرُ عِنْدِي في تَأْلِيفِ المُحاجَّةِ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَيُبْطِلُ بِذَلِكَ دَعْواهم أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ودَعْواهم أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ويُثْبِتُ عَلَيْهِمْ أنَّ الإسْلامَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَهم في الدِّينِ مُنْحَصِرٌ فِيهِما، وهُما نَزَلا بَعْدَ إبْراهِيمَ فَلا جائِزَ أنْ يَكُونا عَيْنَ صُحُفِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ يُبْطِلُ قَوْلَهم: إنَّ الإسْلامَ زادَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَرِدْ فِيهِما التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وهَذا هو الفارِقُ بَيْنَ انْتِسابِ الإسْلامِ إلى إبْراهِيمَ وانْتِسابِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ إلَيْهِ، فَلا يَقُولُونَ وكَيْفَ يُدَّعى أنَّ الإسْلامَ دِينُ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن بَعْدِهِ. وقَوْلُهُ واللَّهُ يَعْلَمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أنْبَأ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالإسْلامِ دِينِ إبْراهِيمَ وهو أعْلَمُ مِنكم بِذَلِكَ، ولَمْ يَسْبِقْ أنِ امْتَنَّ عَلَيْكم بِمِثْلِ ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأنْبَأ بِذَلِكَ أرَدْتُمْ أنْ تَنْتَحِلُوا هَذِهِ المَزِيَّةَ، واسْتَيْقَظْتُمْ لِذَلِكَ حَسَدًا عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَنَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْذِرَةٌ في أنْ يَقُولُوا: إنَّ مَجِيءَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لَنا ولَكم؛ فَإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بَعْدَ إبْراهِيمَ، ولَوْلا انْتِظامُ الدَّلِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا لَكانَ مُشْتَرَكَ الإلْزامِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فَلِمَ تُحاجُّونَ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الغَلَطِ. صفحة ٢٧٣ وقَدْ أعْرَضَ في هَذا الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ عَنْ إبْطالِ المُنافاةِ بَيْنَ الزِّيادَةِ الواقِعَةِ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وبَيْنَ وصْفِ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ: لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم مِن صِحَّةِ النَّظَرِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ زِيادَةِ الفُرُوعِ، واتِّحادِ الأُصُولِ، وأنَّ مُساواةَ الدِّينَيْنِ مَنظُورٌ فِيها إلى اتِّحادِ أُصُولِهِما سَنُبَيِّنُها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] فاكْتُفِيَ في المُحاجَّةِ بِإبْطالِ مُسْتَنَدِهِمْ في قَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ، عَلى طَرِيقَةِ المَنعِ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] عَلى طَرِيقَةِ الدَّعْوى بِناءً عَلى أنَّ انْقِطاعَ المُعْتَرِضِ كافٍ في اتِّجاهِ دَعْوى المُسْتَدِلِّ. وقَوْلُهُ: ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: هاأنْتُمْ بِإثْباتِ ألْفِ ها وبِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ أنْتُمْ، وقَرَأهُ قالُونُ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الألِفِ وتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وقَرَأهُ ورْشٌ بِحَذْفِ ألِفِ ”ها“ وبِتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وبِإبْدالِها ألِفًا أيْضًا مَعَ المَدِّ، وقَرَأهُ قُنْبُلٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ دُونَ ألِفٍ. ووَقَعَتْ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ المَسْئُولُ عَنْهُ هو سَبَبَ المُحاجَّةِ فَما صَدَّقَ ”ما“ عِلَّةٌ مِنَ العِلَلِ مَجْهُولَةٌ، أيْ سَبَبُ المُحاجَّةِ مَجْهُولٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ، فَلا يُعْلَمُ، فالِاسْتِفْهامُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ولَيْسَ عَيْنَهُ. وحُذِفَتْ ألِفُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ فِيها إذا وقَعَتْ مَجْرُورَةً بِحَرْفٍ نَحْوَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] وقَوْلِ ابْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عاتِقِي والألِفاتُ الَّتِي تُكْتَبُ في حُرُوفِ الجَرِّ عَلى صُورَةِ الياءِ. إذا جُرَّ بِواحِدٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ (ما) هَذِهِ يَكْتُبُونَ الألِفاتِ عَلى صُورَةِ الألِفِ: لِأنَّ ”ما“ صارَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ فَأشْبَهَتْ جُزْءَ الكَلِمَةِ فَصارَتِ الألِفاتُ كالَّتِي في أواسِطِ الكَلِماتِ. صفحة ٢٧٤ وقَوْلُهُ: في إبْراهِيمَ مَعْناهُ في شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ هُنا دِينُهُ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ يَتَعَيَّنُ مِنَ المَقامِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(ها) مِن قَوْلِهِ هَأنْتُمْ تَنْبِيهٌ، وأصْلُ الكَلامِ أنْتُمْ حاجَجْتُمْ، وإنَّما يَجِيءُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في مَحَلِّ التَّعَجُّبِ والتَّنْكِيرِ والتَّنْبِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ غالِبًا بِاسْمِ إشارَةٍ بَعْدَهُ، فَيُقالُ هَأنَذا، وهَأنْتُمْ أُولاءِ أوْ هَؤُلاءِ. وحاجَجْتُمْ خَبَرُ (أنْتُمْ) ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ حاجَجْتُمْ حالًا هي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: فَلِمَ تُحاجُّونَ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ إنْكارِيٌّ، فَمَعْناهُ: فَلا تُحاجُّونَ. وسَيَأْتِي بَيانُ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَأنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَكْمِيلٌ لِلْحُجَّةِ أيْ أنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ أثْبَتَ أنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وأنْتُمْ لَمْ تَهْتَدُوا لِذَلِكَ لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .

آل عمران 3:66

صفحة ٢٧٠ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ في إبْراهِيمَ وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلِانْتِقالِ مِن دُعائِهِمْ لِكَلِمَةِ الحَقِّ الجامِعَةِ لِحَقِّ الدِّينِ، إلى الإنْكارِ عَلَيْهِمْ مُحاجَّتَهُمُ الباطِلَةَ لِلْمُسْلِمِينَ في دِينِ إبْراهِيمَ، وزَعَمَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم أنَّهم عَلى دِينِهِ تَوَصُّلًا إلى أنَّ الَّذِي خالَفَ دِينَهم لا يَكُونُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ كَما يَدَّعِي النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ فالمُحاجَّةُ فَرْعٌ عَنِ المُخالَفَةِ في الدَّعْوى. وهَذِهِ المُحاجَّةُ عَنْ طَرِيقِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ، أوْ مُحاجَّتُهُمُ النَّبِيءَ في دَعْواهُ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ - مُحاجَّةٌ يَقْصِدُونَ مِنها إبْطالَ مُساواةِ دِينِهِ لِدِينِ إبْراهِيمَ، بِطَرِيقَةِ قِياسِ المُساواةِ في النَّفْيِ أيْضًا. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن مَقُولِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ الرَّسُولُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا﴾ [آل عمران: ٦٤] أيْ قُلْ لَهم: يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تُحاجُّونَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِئْنافُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَقِبَ أمْرِهِ الرَّسُولَ بِأنْ يَقُولَ تَعالَوْا، فَيَكُونَ تَوْجِيهَ خِطابٍ إلى أهْلِ الكِتابِ مُباشَرَةً، ويَكُونَ جَعَلَ الجُمْلَةَ الأُولى مِن مَقُولِ الرَّسُولِ دُونَ هَذِهِ؛ لِأنَّ الأُولى مِن شُئُونِ الدَّعْوَةِ، وهَذِهِ مِن طُرُقِ المُحاجَّةِ، وإبْطالِ قَوْلِهِمْ، وذَلِكَ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ. والكُلُّ في النِّسْبَةِ إلى اللَّهِ سَواءٌ. ومُناسَبَةُ الِانْتِقالِ مِنَ الكَلامِ السّابِقِ إلى هَذا الكَلامِ نَشَأتْ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] لِأنَّهُ قَدْ شاعَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في مَكَّةَ وبَعْدَها أنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَرْجِعُ إلى الحَنِيفِيَّةِ دِينِ إبْراهِيمَ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وكَما في سُورَةِ النَّحْلِ ﴿ثُمَّ أوْحَيْنا إلَيْكَ أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وسَيَجِيءُ أنَّ إبْراهِيمَ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا، وقَدِ اشْتُهِرَ هَذا وأُعْلِنَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ في مَكَّةَ، وبَيْنَ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وبَيْنَ النَّصارى في وفْدِ نَجْرانَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا يَدَّعُونَ أنَّهم ورَثَةُ شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ، وكانَ أهْلُ الكِتابِ قَدِ ادَّعَوْا أنَّهم صفحة ٢٧١ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي أكانَ ذَلِكَ مِنهُمُ ادِّعاءً قَدِيمًا أمْ كانُوا قَدْ تَفَطَّنُوا إلَيْهِ مِن دَعْوَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فاسْتَيْقَظُوا لِتَقْلِيدِهِ في ذَلِكَ، أمْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الإفْحامِ لِلرَّسُولِ حِينَ حاجَّهم بِأنَّ دِينَهُ الحَقُّ، وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَألْجَأُوهُ إلى أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ تَكُونَ الزِّيادَةُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرَ مُخْرِجَةٍ عَنِ اتِّباعِهِ، فَهو مُشْتَرَكُ الإلْزامِ في دِينِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، وإمّا أنْ تَكُونَ مُخْرِجَةً عَنْ دِينِإبْراهِيمَ فَلا يَكُونُ الإسْلامُ تابِعًا لِدِينِ إبْراهِيمَ. وأحْسَبُ أنَّ ادِّعاءَهم أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ إنَّما انْتَحَلُوهُ لِبَثِّ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ بَيْنَ العَرَبِ، ولاسِيَّما النَّصْرانِيَّةَ؛ فَإنَّ دُعاتَها كانُوا يُحاوِلُونَ انْتِشارَها بَيْنَ العَرَبِ فَلا يَجِدُونَ شَيْئًا يَرُوجُ عِنْدَهم سِوى أنْ يَقُولُوا: إنَّها مِلَّةُ إبْراهِيمَ، ومِن أجْلِ ذَلِكَ اتُّبِعَتْ في بَعْضِ قَبائِلِ العَرَبِ، وهُنالِكَ أخْبارٌ في أسْبابِ النُّزُولِ تُثِيرُ هَذِهِ الِاحْتِمالاتِ: فَرُوِيَ «أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ دَعاهم إلى اتِّباعِ دِينِهِ: عَلى أيِّ دِينٍ أنْتَ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ قالُوا: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَمْ يَكُنْ فِيهِ» فَعَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ يَكُونُ المُخاطَبُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا خُصُوصُ النَّصارى كالخِطابِ الَّذِي قَبْلَهُ. ورُوِيَ: أنَّهُ تَنازَعَتِ اليَهُودُ ونَصارى نَجْرانَ بِالمَدِينَةِ، عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ، فادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ دُونَ الآخَرِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِأهْلِ الكِتابِ كُلِّهِمْ، مِن يَهُودَ ونَصارى. ولَعَلَّ اخْتِلافَ المُخاطَبِينَ هو الدّاعِي لِتَكْرِيرِ الخِطابِ. وقَوْلُهُ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الأُولى مَنعًا لِقَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ مِنهُ، المَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ هو دِينَ إبْراهِيمَ. وتَفْصِيلُ هَذا المَنعِ: إنَّكم لا قِبَلَ لَكم بِمَعْرِفَةِ دِينِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ لَكم أنَّ الإسْلامَ زادَ فِيما جاءَ بِهِ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَإنَّكم لا مُسْتَنَدَ لَكم في عَمَلِكم بِأُمُورِ الدِّينِ إلّا التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، وهُما قَدْ نَزَلا مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ، فَمِن أيْنَ يُعْلَمُ ما كانَتْ شَرِيعَةُ إبْراهِيمَ حَتّى يُعْلَمَ المَزِيدُ عَلَيْها، وذِكْرُ التَّوْراةِ عَلى هَذا لِأنَّها أصْلُ الإنْجِيلِ. ويَكُونُ عَلى حَسَبِ الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ نَفْيًا لِدَعْوى كُلِّ فَرِيقٍ مِنهُما أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ بِأنَّ دِينَ اليَهُودِ هو التَّوْراةُ، ودِينَ النَّصارى هو الإنْجِيلُ، وكِلاهُما نَزَلَ صفحة ٢٧٢ بَعْدَ إبْراهِيمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ شَرِيعَةً لَهُ. قالَ الفَخْرُ: يَعْنِي ولَمْ يُصَرَّحْ في أحَدِ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ بِأنَّهُ مُطابِقٌ لِشَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى هَذا نَشْرٌ بَعْدَ اللَّفِّ: لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ شَمِلَ الفَرِيقَيْنِ، فَذِكْرُ التَّوْراةِ لِإبْطالِ قَوْلِ اليَهُودِ، وذِكْرُ الإنْجِيلِ لِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى، وذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ هُنا لِقَصْدِ جَمْعِ الفَرِيقَيْنِ في التَّخْطِئَةِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بادِئَ ذِي بَدْءٍ هُمُ النَّصارى الَّذِينَ مَساقُ الكَلامِ مَعَهم. والأظْهَرُ عِنْدِي في تَأْلِيفِ المُحاجَّةِ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ فَيُبْطِلُ بِذَلِكَ دَعْواهم أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ودَعْواهم أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ويُثْبِتُ عَلَيْهِمْ أنَّ الإسْلامَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ ﴿وما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ إلّا مِن بَعْدِهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ عِلْمَهم في الدِّينِ مُنْحَصِرٌ فِيهِما، وهُما نَزَلا بَعْدَ إبْراهِيمَ فَلا جائِزَ أنْ يَكُونا عَيْنَ صُحُفِ إبْراهِيمَ. وقَوْلُهُ ﴿فَلِمَ تُحاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ﴾ يُبْطِلُ قَوْلَهم: إنَّ الإسْلامَ زادَ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولا يَدُلُّ عَلى أنَّهم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ؛ لِأنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ لَمْ يَرِدْ فِيهِما التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وهَذا هو الفارِقُ بَيْنَ انْتِسابِ الإسْلامِ إلى إبْراهِيمَ وانْتِسابِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ إلَيْهِ، فَلا يَقُولُونَ وكَيْفَ يُدَّعى أنَّ الإسْلامَ دِينُ إبْراهِيمَ مَعَ أنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ كَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ مِن بَعْدِهِ. وقَوْلُهُ واللَّهُ يَعْلَمُ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أنْبَأ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أرْسَلَ مُحَمَّدًا بِالإسْلامِ دِينِ إبْراهِيمَ وهو أعْلَمُ مِنكم بِذَلِكَ، ولَمْ يَسْبِقْ أنِ امْتَنَّ عَلَيْكم بِمِثْلِ ذَلِكَ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأنْبَأ بِذَلِكَ أرَدْتُمْ أنْ تَنْتَحِلُوا هَذِهِ المَزِيَّةَ، واسْتَيْقَظْتُمْ لِذَلِكَ حَسَدًا عَلى هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَنَهَضَتِ الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَبْقَ لَهم مَعْذِرَةٌ في أنْ يَقُولُوا: إنَّ مَجِيءَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن بَعْدِ إبْراهِيمَ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ لَنا ولَكم؛ فَإنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ بَعْدَ إبْراهِيمَ، ولَوْلا انْتِظامُ الدَّلِيلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا لَكانَ مُشْتَرَكَ الإلْزامِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ فَلِمَ تُحاجُّونَ مَقْصُودٌ مِنهُ التَّنْبِيهُ عَلى الغَلَطِ. صفحة ٢٧٣ وقَدْ أعْرَضَ في هَذا الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ عَنْ إبْطالِ المُنافاةِ بَيْنَ الزِّيادَةِ الواقِعَةِ في الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلى الدِّينِ الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وبَيْنَ وصْفِ الإسْلامِ بِأنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ: لِأنَّهم لَمْ يَكُنْ لَهم مِن صِحَّةِ النَّظَرِ ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ زِيادَةِ الفُرُوعِ، واتِّحادِ الأُصُولِ، وأنَّ مُساواةَ الدِّينَيْنِ مَنظُورٌ فِيها إلى اتِّحادِ أُصُولِهِما سَنُبَيِّنُها عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] وعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] فاكْتُفِيَ في المُحاجَّةِ بِإبْطالِ مُسْتَنَدِهِمْ في قَوْلِهِمْ: فَقَدْ زِدْتَ فِيهِ ما لَيْسَ فِيهِ، عَلى طَرِيقَةِ المَنعِ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧] عَلى طَرِيقَةِ الدَّعْوى بِناءً عَلى أنَّ انْقِطاعَ المُعْتَرِضِ كافٍ في اتِّجاهِ دَعْوى المُسْتَدِلِّ. وقَوْلُهُ: ﴿هَأنْتُمْ هَؤُلاءِ حاجَجْتُمْ﴾ تَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: هاأنْتُمْ بِإثْباتِ ألْفِ ها وبِتَخْفِيفِ هَمْزَةِ أنْتُمْ، وقَرَأهُ قالُونُ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِإثْباتِ الألِفِ وتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وقَرَأهُ ورْشٌ بِحَذْفِ ألِفِ ”ها“ وبِتَسْهِيلِ هَمْزَةِ ”أنْتُمْ“ وبِإبْدالِها ألِفًا أيْضًا مَعَ المَدِّ، وقَرَأهُ قُنْبُلٌ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ دُونَ ألِفٍ. ووَقَعَتْ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةُ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ فَيَكُونُ المَسْئُولُ عَنْهُ هو سَبَبَ المُحاجَّةِ فَما صَدَّقَ ”ما“ عِلَّةٌ مِنَ العِلَلِ مَجْهُولَةٌ، أيْ سَبَبُ المُحاجَّةِ مَجْهُولٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْلَمَ لِأنَّهُ لا وُجُودَ لَهُ، فَلا يُعْلَمُ، فالِاسْتِفْهامُ عَنْهُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِن مَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، ولَيْسَ عَيْنَهُ. وحُذِفَتْ ألِفُ ”ما“ الِاسْتِفْهامِيَّةِ عَلى ما هو الِاسْتِعْمالُ فِيها إذا وقَعَتْ مَجْرُورَةً بِحَرْفٍ نَحْوَ ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ [النبإ: ١] وقَوْلِ ابْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ: عَلامَ تَقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عاتِقِي والألِفاتُ الَّتِي تُكْتَبُ في حُرُوفِ الجَرِّ عَلى صُورَةِ الياءِ. إذا جُرَّ بِواحِدٍ مِن تِلْكَ الحُرُوفِ (ما) هَذِهِ يَكْتُبُونَ الألِفاتِ عَلى صُورَةِ الألِفِ: لِأنَّ ”ما“ صارَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ فَأشْبَهَتْ جُزْءَ الكَلِمَةِ فَصارَتِ الألِفاتُ كالَّتِي في أواسِطِ الكَلِماتِ. صفحة ٢٧٤ وقَوْلُهُ: في إبْراهِيمَ مَعْناهُ في شَيْءٍ مِن أحْوالِهِ، وظاهِرٌ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ هُنا دِينُهُ، فَهَذا مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذّاتِ، والمُرادُ حالٌ مِن أحْوالِ الذّاتِ يَتَعَيَّنُ مِنَ المَقامِ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. و(ها) مِن قَوْلِهِ هَأنْتُمْ تَنْبِيهٌ، وأصْلُ الكَلامِ أنْتُمْ حاجَجْتُمْ، وإنَّما يَجِيءُ مِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في مَحَلِّ التَّعَجُّبِ والتَّنْكِيرِ والتَّنْبِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ يُؤَكَّدُ غالِبًا بِاسْمِ إشارَةٍ بَعْدَهُ، فَيُقالُ هَأنَذا، وهَأنْتُمْ أُولاءِ أوْ هَؤُلاءِ. وحاجَجْتُمْ خَبَرُ (أنْتُمْ) ولَكَ أنْ تَجْعَلَ جُمْلَةَ حاجَجْتُمْ حالًا هي مَحَلُّ التَّعْجِيبِ بِاعْتِبارِ ما عُطِفَ عَلَيْها مِن قَوْلِهِ: فَلِمَ تُحاجُّونَ: لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ فِيهِ إنْكارِيٌّ، فَمَعْناهُ: فَلا تُحاجُّونَ. وسَيَأْتِي بَيانُ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَأنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ تَكْمِيلٌ لِلْحُجَّةِ أيْ أنَّ القُرْآنَ الَّذِي هو مِن عِنْدِ اللَّهِ أثْبَتَ أنَّهُ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وأنْتُمْ لَمْ تَهْتَدُوا لِذَلِكَ لِأنَّكم لا تَعْلَمُونَ، وهَذا كَقَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ إنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ كانُوا هُودًا أوْ نَصارى قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠] .

آل عمران 3:67

﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . نَتِيجَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ إذْ قَدْ تَحَصْحَصَ مِنَ الحُجَّةِ الماضِيَةِ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ غَيْرُ الحَنِيفِيَّةِ، وأنَّ مُوسى وعِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، لَمْ يُخْبِرا بِأنَّهُما عَلى الحَنِيفِيَّةِ، فَأنْتَجَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ عَلى حالِ اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ؛ إذْ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ عَنْ مُوسى ولا عِيسى، عَلَيْهِما السَّلامُ، فَهَذا سَنَدُهُ خُلُوُّ كُتُبِهِمْ عَنِ ادِّعاءِ ذَلِكَ. وكَيْفَ تَكُونُ اليَهُودِيَّةُ أوِ النَّصْرانِيَّةُ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ مَعَ خُلُوِّها مِن فَرِيضَةِ الحَجِّ، وقَدْ جاءَ الإسْلامُ بِذِكْرِ فَرْضِهِ لِمَن تَمَكَّنَ مِنهُ، ومِمّا يُؤَيِّدُ هَذا ما ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٤] عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ قالَ أهْلُ المِلَلِ قَدْ أسْلَمْنا قَبْلَكَ، ونَحْنُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ اللَّهُ لَهُ: فَحُجَّهم يا مُحَمَّدُ وأنْزَلَ صفحة ٢٧٥ اللَّهُ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآيَةَ فَحَجَّ المُسْلِمُونَ وقَعَدَ الكُفّارُ» . ثُمَّ تَمَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأبْطَلَتْ دَعاوى الفِرَقِ الثَّلاثِ. والحَنِيفُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أفادَ الِاسْتِدْراكَ بَعْدَ نَفْيِ الضِّدِّ حَصْرًا لِحالِ إبْراهِيمَ فِيما يُوافِقُ أُصُولَ الإسْلامِ، ولِذَلِكَ بَيَّنَ حَنِيفًا بِقَوْلِهِ مُسْلِمًا لِأنَّهم يَعْرِفُونَ مَعْنى الحَنِيفِيَّةِ ولا يُؤْمِنُونَ بِالإسْلامِ، فَأعْلَمَهم أنَّ الإسْلامَ هو الحَنِيفِيَّةُ، وقالَ وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَفى عَنْ إبْراهِيمَ مُوافَقَةَ اليَهُودِيَّةِ، ومُوافَقَةَ النَّصْرانِيَّةِ، ومُوافَقَةَ المُشْرِكِينَ، وأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَثَبَتَتْ مُوافَقَتُهُ الإسْلامَ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ في مَواضِعَ أنَّ إبْراهِيمَ سَألَ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، وأنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وأنَّ الإسْلامَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الَّذِي جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] وكُلُّ ذَلِكَ لا يُبْقِي شَكًّا في أنَّ الإسْلامَ هو إسْلامُ إبْراهِيمَ. وقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ حاجُّوكَ فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] الأُصُولَ الدّاخِلَةَ تَحْتَ مَعْنى ﴿أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] فَلْنَفْرِضْها في مَعْنى قَوْلِ إبْراهِيمَ ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] فَقَدْ جاءَ إبْراهِيمُ بِالتَّوْحِيدِ، وأعْلَنَهُ إعْلانًا لَمْ يَتْرُكْ لِلشِّرْكِ مَسْلَكًا إلى نُفُوسِ الغافِلِينَ، وأقامَ هَيْكَلًا وهو الكَعْبَةُ، أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وفَرَضَ حَجَّهُ عَلى النّاسِ ارْتِباطًا بِمَغْزاهُ، وأعْلَنَ تَمامَ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إلّا أنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ [الأنعام: ٨٠] وأخْلَصَ القَوْلَ والعَمَلَ لِلَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿وكَيْفَ أخافُ ما أشْرَكْتُمْ ولا تَخافُونَ أنَّكم أشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكم سُلْطانًا﴾ [الأنعام: ٨١] وتَطَلَّبَ الهُدى بِقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] ﴿وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا﴾ [البقرة: ١٢٨] وكَسَّرَ الأصْنامَ بِيَدِهِ ﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]، وأظْهَرَ الِانْقِطاعَ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٧٨] ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ [الشعراء: ٧٩] ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ [الشعراء: ٨١]، وتَصَدّى لِلِاحْتِجاجِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ وصِفاتِ اللَّهِ ﴿قالَ إبْراهِيمُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ المَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ المَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] وحاجَّهُ قَوْمُهُ. صفحة ٢٧٦ وعَطَفَ قَوْلَهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ لِيَيْأسَ مُشْرِكُو العَرَبِ مِن أنْ يَكُونُوا عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، وحَتّى لا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ القَصْرَ المُسْتَفادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، حَيْثُ كانَ العَرَبُ يَزْعُمُونَ أنَّهم عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ لَكِنَّهم مُشْرِكُونَ.

آل عمران 3:68

﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينِ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيءُ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ نَفْيِ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ عَنْ إبْراهِيمَ، فَلَيْسَ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا المُشْرِكُونَ بِأوْلى النّاسِ بِهِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أوْلى بِدِينِكم. و”أوْلى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ أيْ أشَدُّ ولْيًا أيْ قُرْبًا مُشْتَقٌّ مِن ولِيَ إذا صارَ ولِيًّا، وعُدِّيَ بِالباءِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الِاتِّصالِ أيْ أخَصُّ النّاسِ بِإبْراهِيمَ وأقْرَبُهم مِنهُ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ ”أوْلى“ هُنا بِمَعْنى أجْدَرَ فَيَضْطَرُّ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ قَبْلَ قَوْلِهِ ”بِإبْراهِيمَ“ أيْ بِدِينِ إبْراهِيمَ. والَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في حَياتِهِ: مِثْلَ لُوطٍ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولا اعْتِدادَ بِمُحاوَلَةِ الَّذِينَ حاوَلُوا اتِّباعَ الحَنِيفِيَّةِ ولَمْ يَهْتَدُوا إلَيْها، مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِيهِ أبِي الصَّلْتِ، وأبِي قَيْسٍ صِرْمَةَ بْنِ أبِي أنَسٍ مِن بَنِي النَّجّارِ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «كادَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ أنْ يُسْلِمَ» وهو لَمْ يُدْرِكِ الإسْلامَ فالمَعْنى كادَ أنْ يَكُونَ حَنِيفًا، وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ: أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إلى الشّامِ يَسْألُ عَنِ الدِّينِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ اليَهُودِ، فَسَألَهُ عَنْ دِينِهِ فَقالَ لَهُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ أكُونَ عَلى دِينِكَ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: إنَّك لا تَكُونُ عَلى دِينِنا حَتّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِن غَضَبِ اللَّهِ، قالَ زَيْدٌ: أفِرُّ إلّا مِن غَضَبِ اللَّهِ، ولا أحْمِلُ مِن غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا أبَدًا وأنا أسْتَطِيعُ، فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلى دِينٍ لَيْسَ فِيهِ هَذا ؟ قالَ: لا أعْلَمُهُ إلّا أنْ تَكُونَ حَنِيفًا، قالَ: وما الحَنِيفُ ؟ قالَ: دِينُ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا ولا صفحة ٢٧٧ نَصْرانِيًّا لا يَعْبُدُ إلّا اللَّهَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ فَلَقِيَ عالِمًا مِنَ النَّصارى فَقاوَلَهُ مِثْلَ مُقاوَلَةِ اليَهُودِيِّ، غَيْرَ أنَّ النَّصْرانِيَّ قالَ: أنْ تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِن لَعْنَةِ اللَّهِ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ وقَدِ اتَّفَقا لَهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَزَلْ رافِعًا يَدَيْهِ إلى السَّماءِ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ أنِّي عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وهَذِهِ أُمْنِيَّةٌ مِنهُ لا تُصادِفُ الواقِعَ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ: قالَتْ: رَأيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَبْلَ الإسْلامِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الكَعْبَةِ وهو يَقُولُ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ لَيْسَ مِنكم عَلى دِينِ إبْراهِيمَ غَيْرِي وفِيهِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأسْفَلَ بَلْدَحٍ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ الوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إلى النَّبِيءِ سُفْرَةٌ فَأبى زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو أنْ يَأْكُلَ مِنها وقالَ: إنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمّا تَذْبَحُونَ عَلى أنْصابِكم ولا آكُلُ إلّا ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» وهَذا تَوَهُّمٌ مِنهُ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَفْعَلُ كَما تَفْعَلُ قُرَيْشٌ. وإنَّ زَيْدًا كانَ يَعِيبُ عَلى قُرَيْشٍ ذَبائِحَهم ويَقُولُ: الشّاةُ خَلَقَها اللَّهُ وأنْزَلَ لَها مِنَ السَّماءِ الماءَ وأنْبَتَ لَها مِنَ الأرْضِ ثُمَّ تَذْبَحُونَها عَلى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ. واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ وهَذا النَّبِيءُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في المُشْتَهِرِ بِوَصْفٍ بَيْنَ المُخاطَبِينَ كَقَوْلِهِ في الحَدِيثِ: «فَجَعَلَ الفَراشُ وهَذِهِ الدَّوابُّ تَقَعُ في النّارِ» فالإشارَةُ اسْتُعْمِلَتْ في اسْتِحْضارِ الدَّوابِّ المَعْرُوفَةِ بِالتَّساقُطِ عَلى النّارِ عِنْدَ وقُودِها، والنَّبِيءُ لَيْسَ بِمُشاهَدٍ لِلْمُخاطَبِينَ بِالآيَةِ حِينَئِذٍ، ولا قُصِدَتِ الإشارَةُ إلى ذاتِهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ مُسْتَعْمَلَةً في حُضُورِ التَّكَلُّمِ بِاعْتِبارِ كَوْنِ النَّبِيءِ هو النّاطِقَ بِهَذا الكَلامِ، فَهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ: نَجَوْتِ وهَذا تَحْمِلِينَ طَلِيقُ أيْ والمُتَكَلِّمُ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ. والِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ، بَدَلًا مِنهُ، هو الَّذِي يُعَيِّنُ جِهَةَ الإشارَةِ ما هي. وعُطِفَ النَّبِيءُ عَلى الَّذِينَ اتَّبَعُوا إبْراهِيمَ لِلِاهْتِمامِ بِهِ وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مُتابَعَتَهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْسَتْ مُتابَعَةً عامَّةً فَكَوْنُ الإسْلامِ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ أنَّهُ مُوافِقٌ لَها في أُصُولِها. والمُرادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُسْلِمُونَ. فالمَقْصُودُ مَعْناهُ اللَّقَبِيُّ، فَإنَّ وصْفَ الَّذِينَ آمَنُوا صارَ لَقَبًا لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ كَثُرَ خِطابُهم في القُرْآنِ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. ووَجْهُ كَوْنِ هَذا النَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، مِثْلَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، أنَّهم قَدْ تَخَلَّقُوا بِأُصُولِ شَرْعِهِ، وعَرَفُوا قَدْرَهُ، وكانُوا لَهُ لِسانَ صِدْقٍ دائِبًا بِذِكْرِهِ، صفحة ٢٧٨ فَهَؤُلاءِ أحَقُّ بِهِ مِمَّنِ انْتَسَبُوا إلَيْهِ لَكِنَّهم نَقَضُوا أُصُولَ شَرْعِهِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، ومِنَ الَّذِينَ انْتَسَبُوا إلَيْهِ وأُنْسُوا ذِكْرَ شَرْعِهِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لَمّا سَألَ عَنْ صَوْمِ اليَهُودِ يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالُوا: هو يَوْمٌ نَجّى اللَّهُ فِيهِ مُوسى فَقالَ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنهم» وصامَهُ وأمَرَ المُسْلِمِينَ بِصَوْمِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ تَذْيِيلٌ أيْ هَؤُلاءِ هم أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ، واللَّهُ ولِيُّ إبْراهِيمَ، والَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، وهَذا النَّبِيءُ، والَّذِينَ آمَنُوا؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ يَشْمَلُ المُذَيَّلَ قَطْعًا، ثُمَّ يَشْمَلُ غَيْرَهُ تَكْمِيلًا كالعامِّ عَلى سَبَبٍ خاصٍّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ لَيْسَ مِنهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:69

﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكم وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم وما يَشْعُرُونَ﴾ . اسْتِئْنافٌ مُناسَبَتُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨] إلَخْ. والمُرادُ بِأهْلِ الكِتابِ هُنا اليَهُودُ خاصَّةً، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِـ ﴿طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهم أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانَتْ مَعَهُمُ المُحاجَّةُ في الآياتِ السّابِقَةِ. والمُرادُ بِالطّائِفَةِ جَماعَةٌ مِنهم مِن قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، دَعَوْا عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ، ومُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وحُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ، إلى الرُّجُوعِ إلى الشِّرْكِ. وجُمْلَةُ لَوْ يُضِلُّونَكم مُبَيِّنَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ”ودَّتْ“ عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ والتَّفْصِيلِ. فَـ ”لَوْ“ شَرْطِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّمَنِّي مَجازًا لِأنَّ التَّمَنِّيَ مِن لَوازِمِ الشَّرْطِ الِامْتِناعِيِّ. وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ ”ودَّتْ“ تَقْدِيرُهُ: لَوْ يُضِلُّونَكم لَحَصَلَ مَوْدُودُهم، والتَّحْقِيقُ أنَّ التَّمَنِّيَ عارِضٌ مِن عَوارِضِ ”لَوِ“ الِامْتِناعِيَّةِ في بَعْضِ المَقاماتِ. ولَيْسَ هو مَعْنًى أصْلِيًّا مِن مَعانِي ”لَوْ“ . وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٧٩ وقَوْلُهُ لَوْ يُضِلُّونَكم أيْ ودُّوا إضْلالَكم وهو يَحْتَمِلُ أنَّهم ودُّوا أنْ يَجْعَلُوهم عَلى غَيْرِ هُدًى في نَظَرِ أهْلِ الكِتابِ: أيْ يُذَبْذِبُوهم، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ الإضْلالُ في نَفْسِ الأمْرِ، وإنْ كانَ وِدُّ أهْلِ الكِتابِ أنْ يُهَوِّدُوهم. وعَلى الوَجْهَيْنِ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ تَعالى وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم إذا أضَلُّوا النّاسَ فَقَدْ صارُوا هم أيْضًا ضالِّينَ؛ لِأنَّ الإضْلالَ ضَلالٌ، وأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنَّهم كانُوا مِن قَبْلُ ضالِّينَ بِرِضاهم بِالبَقاءِ عَلى دِينٍ مَنسُوخٍ. وقَوْلُهُ وما يَشْعُرُونَ يُناسِبُ الِاحْتِمالَيْنِ لِأنَّ العِلْمَ بِالحالَتَيْنِ دَقِيقٌ.

آل عمران 3:70

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . التِفاتٌ إلى خِطابِ اليَهُودِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والآياتُ: المُعْجِزاتُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . وإعادَةُ نِدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ثانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وتَسْجِيلِ باطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. ولَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِما أدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الأكاذِيبِ والخُرافاتِ والتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، حَتّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وكِتْمانُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أماتُوها وعَوَّضُوها بِأعْمالِ أحْبارِهِمْ وآثارِ تَأْوِيلاتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها.

آل عمران 3:71

﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ . التِفاتٌ إلى خِطابِ اليَهُودِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والآياتُ: المُعْجِزاتُ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ . وإعادَةُ نِدائِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ثانِيَةً لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ وتَسْجِيلِ باطِلِهِمْ عَلَيْهِمْ. ولَبْسُ الحَقِّ بِالباطِلِ تَلْبِيسُ دِينِهِمْ بِما أدْخَلُوا فِيهِ مِنَ الأكاذِيبِ والخُرافاتِ والتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، حَتّى ارْتَفَعَتِ الثِّقَةُ بِجَمِيعِهِ. وكِتْمانُ الحَقِّ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم تَصْدِيقَ مُحَمَّدٍ ﷺ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ كِتْمانُهم ما في التَّوْراةِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي أماتُوها وعَوَّضُوها بِأعْمالِ أحْبارِهِمْ وآثارِ تَأْوِيلاتِهِمْ، وهم يَعْلَمُونَها ولا يَعْمَلُونَ بِها.

آل عمران 3:72

﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكم قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] . عَطْفٌ عَلى ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ﴾ [آل عمران: ٦٩] . فالطّائِفَةُ الأُولى حاوَلَتِ الإضْلالَ بِالمُجاهَرَةِ، وهَذِهِ الطّائِفَةُ حاوَلَتْهُ بِالمُخادَعَةِ. قِيلَ أُشِيرَ إلى طائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ مِنهم كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، صفحة ٢٨٠ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وغَيْرِهِما مِن يَهُودِ خَيْبَرَ، أغْواهُمُ العُجْبُ بِدِينِهِمْ فَتَوَهَّمُوا أنَّهم قُدْوَةٌ لِلنّاسِ، فَلَمّا أعْيَتْهُمُ المُجاهَرَةُ بِالمُكابَرَةِ دَبَّرُوا لِلْكَيْدِ مَكِيدَةً أُخْرى، فَقالُوا لِطائِفَةٍ مِن أتْباعِهِمْ: آمِنُوا بِمُحَمَّدٍ أوَّلَ النَّهارِ مُظْهِرِينَ أنَّكم صَدَّقْتُمُوهُ ثُمَّ اكْفُرُوا آخِرَ النَّهارِ لِيَظْهَرَ أنَّكم كَفَرْتُمْ بِهِ عَنْ بَصِيرَةٍ وتَجْرِبَةٍ فَيَقُولَ المُسْلِمُونَ ما صَرَفَ هَؤُلاءِ عَنّا إلّا ما انْكَشَفَ لَهم مِن حَقِيقَةِ أمْرِ هَذا الدِّينِ، وأنَّهُ لَيْسَ هو الدِّينَ المُبَشَّرَ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُحْتَمَلُ أنَّهُ مِن لَفْظِ الحِكايَةِ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ قالُوا آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ فَحَوَّلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَنْوِيهًا بِصِدْقِ إيمانِهِمْ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ مِنَ المَحْكِيِّ بِأنْ يَكُونَ اليَهُودُ أطْلَقُوا هَذِهِ الصِّلَةَ عَلى أتْباعِ مُحَمَّدٍ إذْ صارَتْ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ. و﴿وجْهَ النَّهارِ﴾ أوَّلُهُ وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجِيهًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥] . وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣] مِن كَلامِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا بِهِ الِاحْتِراسَ ألّا يَظُنُّوا مِن قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ أنَّهُ إيمانٌ حَقٌّ، فالمَعْنى ولا تُؤْمِنُوا إيمانًا حَقًّا ﴿إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، فَأمّا مُحَمَّدٌ فَلا تُؤْمِنُوا بِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ دِينَكم. فَهَذا تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ. وهَذا اعْتِذارٌ عَنْ إلْزامِهِمْ بِأنَّ كُتُبَهم بَشَّرَتْ بِمَجِيءِ رَسُولٍ مُقَفٍّ فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ لا يَجِيءُ إلّا بِشَرِيعَةِ التَّوْراةِ، وضَلُّوا عَنْ عَدَمِ الفائِدَةِ في مَجِيئِهِ بِما في التَّوْراةِ لِأنَّهُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ، فَيَتَنَزَّهُ فِعْلُ اللَّهِ عَنْهُ، فالرَّسُولُ الَّذِي يَجِيءُ بَعْدَ مُوسى لا يَكُونُ إلّا ناسِخًا لِبَعْضِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَجَمْعُهم بَيْنَ مَقالَةِ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وبَيْنَ مَقالَةِ ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ [آل عمران: ٧٣] مِثْلَ ﴿وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ﴾ [الأنفال: ١٧] . وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] كَلامٌ مُعْتَرِضٌ، أُمِرَ النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يَقُولَهُ لَهم. كِنايَةٌ عَنِ اسْتِبْعادِ حُصُولِ اهْتِدائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ لَمْ يَهْدِهِمْ، لِأنَّ هُدى غَيْرِهِ أيْ مُحاوَلَتَهُ هُدى النّاسِ لا يَحْصُلُ مِنهُ المَطْلُوبُ، إذا لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ. فالقَصْرُ حَقِيقِيٌّ: لِأنَّ ما لَمْ يُقَدِّرْهُ اللَّهُ فَهو صُورَةُ الهُدى ولَيْسَ بِهُدًى وهو مُقابِلُ قَوْلِهِمْ: صفحة ٢٨١ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ﴾ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، إذْ أرادُوا صُورَةَ الإيمانِ، وما هو بِإيمانٍ، وفي هَذا الجَوابِ إظْهارُ الِاسْتِغْناءِ عَنْ مُتابَعَتِهِمْ.

آل عمران 3:73

﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ . أشْكَلَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها وصْفَ نَظْمِها، ومَصْرِفَ مَعْناها إلى أيِّ فَرِيقٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّها أشْكَلُ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا ثَمانِيَةً. تَرْجِعُ إلى احْتِمالَيْنِ أصْلِيَّيْنِ. الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنَّها تَكْمِلَةٌ لِمُحاوَرَةِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ ذَلِكَ الحِوارِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَأْتِي وُجُوهٌ نَقْتَصِرُ مِنها عَلى وجْهَيْنِ واضِحَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَعْلِيلَ قَوْلِهِمْ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَتَهُمُ اسْتِحالَةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، واسْتِحالَةَ بَعْثَةِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، وأنَّهُ يُقَدَّرُ لامُ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ إمّا أنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ نَفْيٍ بَعْدَ أنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”أحَدٌ“ المُرادُ مِنهُ شُمُولُ كُلِّ أحَدٍ: لِأنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ مُرادًا مِنهُ الشُّمُولُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ، وما في مَعْنى النَّفْيِ مِثْلَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ ”أحَدٌ“ في الكَلامِ المُوجِبِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُناسِبٍ في هَذِهِ الآيَةِ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَأنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا. والمَعْنى: أنَّ قَصْدَهم مِن هَذا الكَلامِ تَثْبِيتُ أنْفُسِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ دِينِ اليَهُودِيَّةِ، لِأنَّ اليَهُودَ لا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ أحْكامِ اللَّهِ ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي البَداءَ. صفحة ٢٨٢ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم أرادُوا إنْكارَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ النُّبُوَّةَ كَما أُوتِيَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ السِّياقِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَحَرْفُ ”أوْ“ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ مِثْلَ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وما بَعْدَ ”أوْ“ مَعْطُوفٌ عَلى النَّفْيِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ، والمَعْنى: ولا يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أوْ وكَيْفَ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ. واوُ الجَمْعِ في يُحاجُّوكم ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”أحَدٌ“ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الإنْكارِ. وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ كَلامِهِمُ المُبادَرَةُ بِما يُفِيدُ ضَلالَهم لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ. الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم بَقِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ . والكَلامُ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ قُلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا مِن ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ مُرادُكُمُ التَّنَصُّلُ مِن أنْ يُحاجُّوكم أيِ الَّذِينَ آمَنُوا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَمَعْتُمْ بَيْنَ الإيمانِ بِما آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، حَتّى إذا كانَ لَهُمُ الفَوْزُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُحاجُّونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِأنَّكم كافِرُونَ، وإذا كانَ الفَوْزُ لَكم كُنْتُمْ قَدْ أخَذْتُمْ بِالحَزْمِ إذْ لَمْ تُبْطِلُوا دِينَ اليَهُودِيَّةِ، وعَلى هَذا فَواوُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ نَظْمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ لِيَكُونَ لِكُلِّ كَلامٍ حُكِيَ عَنْهم تَلْقِينُ جَوابٍ عَنْهُ: فَجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] الآيَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ . وجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ إلَخْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ صفحة ٢٨٣ إلَخْ. فَهَذا مِلاكُ الوُجُوهِ، ولا نُطِيلُ بِاسْتِيعابِها إذْ لَيْسَ مِن غَرَضِنا في هَذا التَّفْسِيرِ. وكَلِمَةُ ”أحَدٌ“ اسْمُ نَكِرَةٍ غَلَبَ اسْتِعْمالُها في سِياقِ النَّفْيِ ومَعْناها شَخْصٌ أوْ إنْسانٌ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ العُمُومَ مِثْلَ عَرِيبٍ ودِيارٍ ونَحْوِهِما ونَدَرَ وُقُوعُهُ في حَيِّزِ الإيجابِ، وهَمْزَتُهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ وأصْلُهُ ”وحَدَ“ بِمَعْنى واحِدٍ ويَرِدُ وصْفًا بِمَعْنى واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ أُولاهُما هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ والثّانِيَةُ جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ. * * * ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . زِيادَةُ تَذْكِيرٍ لَهم وإبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم عَلى طَرْحِ الحَسَدِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَما أعْطى اللَّهُ الرِّسالَةَ مُوسى كَذَلِكَ أعْطاها مُحَمَّدًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ إنَّ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ومَن يَحْسَبُ أنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِشَهَواتِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ وهو لا يَخْفى عَلَيْهِ مَن هو أهْلٌ لِنَوالِ فَضْلِهِ. و”واسِعٌ“ اسْمُ فاعِلِ المَوْصُوفِ بِالسِّعَةِ. وحَقِيقَةُ السِّعَةِ امْتِدادُ فَضاءِ الحَيِّزِ مِن مَكانٍ أوْ ظَرْفٍ امْتِدادًا يَكْفِي لِإيواءِ ما يَحْوِيهِ ذَلِكَ الحَيِّزُ بِدُونِ تَزاحُمٍ ولا تَداخُلٍ بَيْنَ أجْزاءِ المَحْوِيِّ، يُقالُ أرْضٌ واسِعَةٌ وإناءٌ صفحة ٢٨٤ واسِعٌ وثَوْبٌ واسِعٌ، ويُطْلَقُ الِاتِّساعُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى وفاءِ شَيْءٍ بِالعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ نَوْعُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ. يُقالُ: فُلانٌ واسِعُ البالِ، وواسِعُ الصَّدْرِ، وواسِعُ العَطاءِ. وواسِعُ الخُلُقِ، فَتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ أوْ كَثْرَةِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ أوْ يُوصَفُ بِهِ أوْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أشْياءَ ومَعانٍ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مَعْنًى ثانِيًا. و”واسِعٌ“ مِن صِفاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى وهو بِالمَعْنى المَجازِيِّ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في شَأْنِهِ تَعالى، ومَعْنى هَذا الِاسْمِ عَدَمُ تَناهِي التَّعَلُّقاتِ لِصِفاتِهِ ذاتِ التَّعَلُّقِ فَهو واسِعُ العِلْمِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ العَطاءِ، فَسِعَةُ صِفاتِهِ تَعالى أنَّها لا حَدَّ لِتَعَلُّقاتِها، فَهو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِوَصْفِ واسِعٍ، لِأنَّهُ الواسِعُ المُطْلَقُ. وإسْنادُ وصْفِ واسِعٍ إلى اسْمِهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ أيْضًا لِأنَّهُ الواسِعُ صِفاتُهُ ولِذَلِكَ يُؤْتى بَعْدَ هَذا الوَصْفِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن فِعْلِ السِّعَةِ بِما يُمَيِّزُ جِهَةَ السِّعَةِ مِن تَمْيِيزٍ نَحْوَ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . فَوَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ واسِعٌ، هو سِعَةُ الفَضْلِ لِأنَّهُ وقَعَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. وأحْسَبُ أنَّ وصْفَ اللَّهِ بِصِفَةِ ”واسِعٍ“ في العَرَبِيَّةِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ ”عَلِيمٌ“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ أيْ كَثْرَةِ مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ عِلْمِهِ تَعالى. ووَصْفُهُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ هُنا لِإفادَةِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يُؤْتِيَهُ فَضْلَهُ ويَدُلَّ عَلى عِلْمِهِ بِذَلِكَ ما يَظْهَرُ مِن آثارِ إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ مَتى ظَهَرَ لِلنّاسِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ مِن فَضائِلَ في بَعْضِ خَلْقِهِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وجُمْلَةُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَإنَّ رَحْمَتَهُ بَعْضٌ مِمّا هو فَضْلُهُ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:74

﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ . أشْكَلَ مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ سابِقَتِها وصْفَ نَظْمِها، ومَصْرِفَ مَعْناها إلى أيِّ فَرِيقٍ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّها أشْكَلُ آيَةٍ في هَذِهِ السُّورَةِ. وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ وُجُوهًا ثَمانِيَةً. تَرْجِعُ إلى احْتِمالَيْنِ أصْلِيَّيْنِ. الِاحْتِمالُ الأوَّلُ أنَّها تَكْمِلَةٌ لِمُحاوَرَةِ الطّائِفَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وأنَّ جُمْلَةَ ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ ذَلِكَ الحِوارِ، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ تَأْتِي وُجُوهٌ نَقْتَصِرُ مِنها عَلى وجْهَيْنِ واضِحَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم أرادُوا تَعْلِيلَ قَوْلِهِمْ ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَقْتَضِي إرادَتَهُمُ اسْتِحالَةَ نَسْخِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ، واسْتِحالَةَ بَعْثَةِ رَسُولٍ بَعْدَ مُوسى، وأنَّهُ يُقَدَّرُ لامُ تَعْلِيلٍ مَحْذُوفٌ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ مِثْلُهُ. ثُمَّ إمّا أنْ يُقَدَّرَ حَرْفُ نَفْيٍ بَعْدَ أنْ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ ويَقْتَضِيهِ لَفْظُ ”أحَدٌ“ المُرادُ مِنهُ شُمُولُ كُلِّ أحَدٍ: لِأنَّ ذَلِكَ اللَّفْظَ لا يُسْتَعْمَلُ مُرادًا مِنهُ الشُّمُولُ إلّا في سِياقِ النَّفْيِ، وما في مَعْنى النَّفْيِ مِثْلَ اسْتِفْهامِ الإنْكارِ، فَأمّا إذا اسْتُعْمِلَ ”أحَدٌ“ في الكَلامِ المُوجِبِ فَإنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنى الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُناسِبٍ في هَذِهِ الآيَةِ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَأنْ لا يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ. وحَذْفُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ لامِ التَّعْلِيلِ، ظاهِرَةً ومُقَدَّرَةً، كَثِيرٌ في الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] أيْ لِئَلّا تَضِلُّوا. والمَعْنى: أنَّ قَصْدَهم مِن هَذا الكَلامِ تَثْبِيتُ أنْفُسِهِمْ عَلى مُلازَمَةِ دِينِ اليَهُودِيَّةِ، لِأنَّ اليَهُودَ لا يُجَوِّزُونَ نَسْخَ أحْكامِ اللَّهِ ويَتَوَهَّمُونَ أنَّ النَّسْخَ يَقْتَضِي البَداءَ. صفحة ٢٨٢ الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهم أرادُوا إنْكارَ أنْ يُؤْتى أحَدٌ النُّبُوَّةَ كَما أُوتِيَها أنْبِياءُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَيَكُونُ الكَلامُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا حُذِفَتْ مِنهُ أداةُ الِاسْتِفْهامِ لِدَلالَةِ السِّياقِ؛ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ قَوْلَهُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَتَيْنِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ فَحَرْفُ ”أوْ“ فِيهِ لِلتَّقْسِيمِ مِثْلَ ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]، وما بَعْدَ ”أوْ“ مَعْطُوفٌ عَلى النَّفْيِ، أوْ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى اخْتِلافِ التَّقْدِيرَيْنِ، والمَعْنى: ولا يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم أوْ وكَيْفَ يُحاجُّوكم عِنْدَ رَبِّكم، أيْ لا حُجَّةَ لَهم عَلَيْكم عِنْدَ اللَّهِ. واوُ الجَمْعِ في يُحاجُّوكم ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”أحَدٌ“ لِدَلالَتِهِ عَلى العُمُومِ في سِياقِ النَّفْيِ أوِ الإنْكارِ. وفائِدَةُ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ كَلامِهِمُ المُبادَرَةُ بِما يُفِيدُ ضَلالَهم لِأنَّ اللَّهَ حَرَمَهُمُ التَّوْفِيقَ. الِاحْتِمالُ الثّانِي أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِمّا أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم بَقِيَّةً لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ . والكَلامُ عَلى هَذا رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ﴾ [آل عمران: ٧٢] وقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ اللَّفِّ والنَّشْرِ المَعْكُوسِ، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا إلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أيْ قُلْتُمْ ذَلِكَ حَسَدًا مِن ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ رَدٌّ لِقَوْلِهِمْ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ، أيْ مُرادُكُمُ التَّنَصُّلُ مِن أنْ يُحاجُّوكم أيِ الَّذِينَ آمَنُوا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَجَمَعْتُمْ بَيْنَ الإيمانِ بِما آمَنَ بِهِ المُسْلِمُونَ، حَتّى إذا كانَ لَهُمُ الفَوْزُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يُحاجُّونَكم عِنْدَ اللَّهِ بِأنَّكم كافِرُونَ، وإذا كانَ الفَوْزُ لَكم كُنْتُمْ قَدْ أخَذْتُمْ بِالحَزْمِ إذْ لَمْ تُبْطِلُوا دِينَ اليَهُودِيَّةِ، وعَلى هَذا فَواوُ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُحاجُّوكُمْ﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] . وهَذا الِاحْتِمالُ أنْسَبُ نَظْمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ لِيَكُونَ لِكُلِّ كَلامٍ حُكِيَ عَنْهم تَلْقِينُ جَوابٍ عَنْهُ: فَجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٧٢] الآيَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الهُدى هُدى اللَّهِ﴾ . وجَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ولا تُؤْمِنُوا﴾ إلَخْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ صفحة ٢٨٣ إلَخْ. فَهَذا مِلاكُ الوُجُوهِ، ولا نُطِيلُ بِاسْتِيعابِها إذْ لَيْسَ مِن غَرَضِنا في هَذا التَّفْسِيرِ. وكَلِمَةُ ”أحَدٌ“ اسْمُ نَكِرَةٍ غَلَبَ اسْتِعْمالُها في سِياقِ النَّفْيِ ومَعْناها شَخْصٌ أوْ إنْسانٌ وهو مَعْدُودٌ مِنَ الأسْماءِ الَّتِي لا تَقَعُ إلّا في حَيِّزِ النَّفْيِ فَيُفِيدُ العُمُومَ مِثْلَ عَرِيبٍ ودِيارٍ ونَحْوِهِما ونَدَرَ وُقُوعُهُ في حَيِّزِ الإيجابِ، وهَمْزَتُهُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الواوِ وأصْلُهُ ”وحَدَ“ بِمَعْنى واحِدٍ ويَرِدُ وصْفًا بِمَعْنى واحِدٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أنْ يُؤْتى أحَدٌ﴾ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ هي جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ أُولاهُما هَمْزَةُ اسْتِفْهامٍ والثّانِيَةُ جُزْءٌ مِن حَرْفِ أنْ وسَهَّلَ الهَمْزَةَ الثّانِيَةَ. * * * ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ . زِيادَةُ تَذْكِيرٍ لَهم وإبْطالٌ لِإحالَتِهِمْ أنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ ﷺ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ، وتَذْكِيرٌ لَهم عَلى طَرْحِ الحَسَدِ عَلى نِعَمِ اللَّهِ تَعالى أيْ كَما أعْطى اللَّهُ الرِّسالَةَ مُوسى كَذَلِكَ أعْطاها مُحَمَّدًا، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِـ إنَّ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ ومَن يَحْسَبُ أنَّ الفَضْلَ تَبَعٌ لِشَهَواتِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ وهو لا يَخْفى عَلَيْهِ مَن هو أهْلٌ لِنَوالِ فَضْلِهِ. و”واسِعٌ“ اسْمُ فاعِلِ المَوْصُوفِ بِالسِّعَةِ. وحَقِيقَةُ السِّعَةِ امْتِدادُ فَضاءِ الحَيِّزِ مِن مَكانٍ أوْ ظَرْفٍ امْتِدادًا يَكْفِي لِإيواءِ ما يَحْوِيهِ ذَلِكَ الحَيِّزُ بِدُونِ تَزاحُمٍ ولا تَداخُلٍ بَيْنَ أجْزاءِ المَحْوِيِّ، يُقالُ أرْضٌ واسِعَةٌ وإناءٌ صفحة ٢٨٤ واسِعٌ وثَوْبٌ واسِعٌ، ويُطْلَقُ الِاتِّساعُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ عَلى وفاءِ شَيْءٍ بِالعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ نَوْعُهُ دُونَ مَشَقَّةٍ. يُقالُ: فُلانٌ واسِعُ البالِ، وواسِعُ الصَّدْرِ، وواسِعُ العَطاءِ. وواسِعُ الخُلُقِ، فَتَدُلُّ عَلى شِدَّةِ أوْ كَثْرَةِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ أوْ يُوصَفُ بِهِ أوْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أشْياءَ ومَعانٍ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مَعْنًى ثانِيًا. و”واسِعٌ“ مِن صِفاتِ اللَّهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى وهو بِالمَعْنى المَجازِيِّ لا مَحالَةَ لِاسْتِحالَةِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ في شَأْنِهِ تَعالى، ومَعْنى هَذا الِاسْمِ عَدَمُ تَناهِي التَّعَلُّقاتِ لِصِفاتِهِ ذاتِ التَّعَلُّقِ فَهو واسِعُ العِلْمِ، واسِعُ الرَّحْمَةِ، واسِعُ العَطاءِ، فَسِعَةُ صِفاتِهِ تَعالى أنَّها لا حَدَّ لِتَعَلُّقاتِها، فَهو أحَقُّ المَوْجُوداتِ بِوَصْفِ واسِعٍ، لِأنَّهُ الواسِعُ المُطْلَقُ. وإسْنادُ وصْفِ واسِعٍ إلى اسْمِهِ تَعالى إسْنادٌ مَجازِيٌّ أيْضًا لِأنَّهُ الواسِعُ صِفاتُهُ ولِذَلِكَ يُؤْتى بَعْدَ هَذا الوَصْفِ أوْ ما في مَعْناهُ مِن فِعْلِ السِّعَةِ بِما يُمَيِّزُ جِهَةَ السِّعَةِ مِن تَمْيِيزٍ نَحْوَ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، ﴿رَبَّنا وسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] . فَوَصْفُهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِأنَّهُ واسِعٌ، هو سِعَةُ الفَضْلِ لِأنَّهُ وقَعَ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. وأحْسَبُ أنَّ وصْفَ اللَّهِ بِصِفَةِ ”واسِعٍ“ في العَرَبِيَّةِ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ ”عَلِيمٌ“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِقُوَّةِ عِلْمِهِ أيْ كَثْرَةِ مُتَعَلِّقاتِ صِفَةِ عِلْمِهِ تَعالى. ووَصْفُهُ بِأنَّهُ عَلِيمٌ هُنا لِإفادَةِ أنَّهُ عَلِيمٌ بِمَن يَسْتَأْهِلُ أنْ يُؤْتِيَهُ فَضْلَهُ ويَدُلَّ عَلى عِلْمِهِ بِذَلِكَ ما يَظْهَرُ مِن آثارِ إرادَتِهِ وقُدْرَتِهِ الجارِيَةِ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ مَتى ظَهَرَ لِلنّاسِ ما أوْدَعَهُ اللَّهُ مِن فَضائِلَ في بَعْضِ خَلْقِهِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] . وجُمْلَةُ ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ فَإنَّ رَحْمَتَهُ بَعْضٌ مِمّا هو فَضْلُهُ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ تَذْيِيلٌ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

آل عمران 3:75

صفحة ٢٨٥ ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والمُناسَبَةُ بَيانُ دَخائِلِ أحْوالِ اليَهُودِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةِ عَنْ حَسَدِهِمْ وفي انْحِرافِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِهِ، فَقَدْ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَةَ فَرِيقٍ مِنهم. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هُنا في أهْلِ الكِتابِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُؤَدِّي الأمانَةَ تَعَفُّفًا عَنِ الخِيانَةِ وفَرِيقًا لا يُؤَدِّي الأمانَةَ مُتَعَلِّلِينَ لِإباحَةِ الخِيانَةِ في دِينِهِمْ، قِيلَ: ومِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومِنَ الفَرِيقِ الثّانِي فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وكِلاهُما مِن يَهُودِ يَثْرِبَ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الفَرِيقِ الثّانِي إذْ كانَ مِن دِينِهِمْ في زَعْمِهِمْ إباحَةُ الخَوْنِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ إلَخْ ولِذَلِكَ طَوَّلَ الكَلامَ فِيهِ. وإنَّما قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ إنْصافًا لِحَقِّ هَذا الفَرِيقِ، لِأنَّ الإنْصافَ مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ الإسْلامُ، وإنْ كانَ في زَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم يُبِيحُ لَهم خِيانَةَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ صارَ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا القَوْلِ لازِمًا لِجَمِيعِهِمْ أِمِينِهِمْ وخائِنِهِمْ، لِأنَّ الأمِينَ حِينَئِذٍ لا مَزِيَّةَ لَهُ إلّا في أنَّهُ تَرَكَ حَقًّا يُبِيحُ لَهُ دِينُهُ أخْذَهُ، فَتَرَفَّعَ عَنْ ذَلِكَ كَما يَتَرَفَّعُ المُتَغالِي في المُرُوءَةِ عَنْ بَعْضِ المُباحاتِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ مِن مَضْمُونِ صِلَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِما: فَفي الأوَّلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأمانَةِ، مَعَ إمْكانِ الخِيانَةِ ووُجُودِ العُذْرِ لَهُ في عادَةِ أهْلِ دِينِهِ، وفي الثّانِي لِلتَّعْجِيبِ مِن أنْ يَكُونَ الخَوْنُ خُلُقًا لِمُتَّبِعِ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ يَزِيدُ التَّعْجِيبُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾: فَيُكْسِبُ المُسْنَدَ إلَيْهِما زِيادَةَ عَجَبِ حالٍ. صفحة ٢٨٦ وعُدِّيَ ”تَأْمَنُهُ“ بِالباءِ مَعَ أنَّ مِثْلَهُ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تُعامِلُهُ بِقِنْطارٍ لِيَشْمَلَ الأمانَةَ بِالوَدِيعَةِ، والأمانَةَ بِالمُعامَلَةِ عَلى الِاسْتِيمانِ، وقِيلَ الباءُ فِيهِ بِمَعْنى ”عَلى“ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ أوْ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ وهُوَ مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ الباءَ في البَيْتِ لِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهِ“ عَلى الأصْلِ في الضَّمائِرِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِإسْكانِ هاءِ الضَّمِيرِ في ”يُؤَدِّهِ“ فَقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُكْسَرَ في الوَصْلِ، هَكَذا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ أنَّ جَزْمَ الجَوابِ لا يَظْهَرُ عَلى هاءِ الضَّمِيرِ بَلْ عَلى آخِرِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ ولا يَجُوزُ تَسْكِينُها في الوَصْلِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ الَّتِي سَكَّنُوا فِيها الهاءَ. وقِيلَ هو إجْراءٌ لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ وهو قَلِيلٌ، قالَ الزَّجّاجُ: وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأُراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَ فَغَلَطَ عَلَيْهِ مَن نَقَلَهُ. وكَلامُ الزَّجّاجُ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ راعى فِيهِ المَشْهُورَ مِنَ الِاسْتِعْمالِ المَقِيسِ، واللُّغَةُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ. وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِاخْتِلاسِ الكَسْرِ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ العَرَبِ يَجْزِمُونَ الهاءَ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها يَقُولُونَ ضَرَبْتُهْ كَما يُسَكِّنُونَ مِيمَ أنْتُمْ وقُمْتُمْ وأصْلُهُ الرَّفْعُ وهَذا كَما قالَ الرّاجِزُ: لَمّا رَأى ألّا دَعَـهْ ولا شِـبَـعْ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] . والدِّينارُ اسْمٌ لِلْمَسْكُوكِ مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي وزْنُهُ اثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً مِنَ الشَّعِيرِ المُتَوَسِّطِ وهو مُعَرَّبُ ”دِنّارٍ“ مِنَ الرُّومِيَّةِ. وقَدْ جُعِلَ القِنْطارُ والدِّينارُ مَثَلَيْنِ لِلْكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والمَقْصُودُ ما يُفِيدُهُ الفَحْوى مِن أداءِ الأمانَةِ فِيما هو دُونَ القِنْطارِ، ووُقُوعِ الخِيانَةِ فِيما هو فَوْقَ الدِّينارِ. صفحة ٢٨٧ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أُطْلِقَ القِيامَ هُنا عَلى الحِرْصِ والمُواظَبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ لا يَفْعَلُ إلّا العَدْلَ. وعُدِّيَ ”قائِمًا“ بِحَرْفِ ”عَلى“ لِأنَّ القِيامَ مَجازٌ عَلى الإلْحاحِ والتَّرْدادِ فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ قَرِينَةٌ وتَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ. و”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ يَصِيرُ الفِعْلُ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، ويَكْثُرُ أنْ يُقَدَّرَ مَعَها اسْمُ زَمانٍ مُلْتَزَمٍ حَذْفُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ فَحِينَئِذٍ يُقالُ: ”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ. ولَيْسَتِ الظَّرْفِيَّةُ مَدْلُولَها بِالأصالَةِ ولا هي نائِبَةٌ عَنِ الظَّرْفِ، ولَكِنَّها مُسْتَفادَةٌ مِن مَوْقِعِ ”ما“ في سِياقِ كَلامٍ يُؤْذِنُ بِالزَّمانِ، ويَكْثُرُ ذَلِكَ في دُخُولِ ”ما“ عَلى الفِعْلِ المُتَصَرِّفِ مِن مادَّةِ ”دامَ“ ومُرادِفِها. و”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ فالمَعْنى: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا في مُدَّةِ دَوامِ قِيامِكَ عَلَيْهِ أيْ إلْحاحِكَ عَلَيْهِ. والدَّوامُ حَقِيقَتُهُ اسْتِمْرارُ الفِعْلِ وهو هُنا مَجازٌ في طُولِ المُدَّةِ، لِتَعَذُّرِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ وُجُودِ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّهُ إذا انْتَهى العُمْرُ لَمْ يَحْصُلِ الإلْحاحُ بَعْدَ المَوْتِ. والِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِن أوْقاتٍ يَدُلُّ عَلَيْها مَوْقِعُ ”ما“ والتَّقْدِيرُ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأزْمانِ إلّا زَمانًا تَدُومُ عَلَيْهِ فِيهِ قائِمًا. فَيَكُونُ ما بَعْدَ ”إلّا“ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّغًا مِن مَصادِرَ يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ لِأنَّ المَصْدَرَ يَقَعُ حالًا. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ قائِمًا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَعْنى المَجْرُورِ، فَفي تَقْدِيمِهِ مَعْنى الإلْحاحِ، أيْ إذا لَمْ يَكُنْ قِيامُكَ عَلَيْهِ لا يُرْجِعُ لَكَ أمانَتَكَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو ﴿إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ. والباءُ لِلسَّبَبِ أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنْ أقْوالٍ اخْتَلَقُوها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ، لِأنَّ القَوْلَ يَصْدُرُ عَنِ الِاعْتِقادِ، فَلِذا نابَ مَنابَهُ فَأُطْلِقَ عَلى الظَّنِّ في مَواضِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وأرادُوا بِالأُمِّيِّينَ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ في القَدِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الأُمِّيِّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٨ وحَرْفُ ”في“ هُنا لِلتَّعْلِيلِ. وإذْ قَدْ كانَ التَّعْلِيلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”في“ والتَّقْدِيرُ: في مُعامَلَةِ الأُمِّيِّينَ. ومَعْنى ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْنا في أكْلِ حُقُوقِهِمْ حَرَجٌ ولا إثْمٌ، فَتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأُمِّيِّينَ أيْ ذَواتِهِمْ مُرادٌ مِنهُ أعْلَقُ أحْوالِهِمْ بِالغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ. فالسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المُؤاخَذَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ السَّبِيلُ في كَلامِ العَرَبِ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى المُؤاخَذَةِ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] ورُبَّما عَبَّرَ عَنْهُ العَرَبُ بِالطَّرِيقِ قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ أنْ يُحَقِّرُوا المُسْلِمِينَ، ويَتَطاوَلُوا بِما أُوتُوهُ مِن مَعْرِفَةِ القِراءَةِ والكِتابَةِ مِن قَبْلِهِمْ. أوْ أرادُوا الأُمِّيِّينَ بِمَعْرِفَةِ التَّوْراةِ، أيِ الجاهِلِينَ: كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن أتْباعِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أنْبَأ هَذا عَنْ خُلُقٍ عَجِيبٍ فِيهِمْ، وهو اسْتِخْفافُهم بِحُقُوقِ المُخالِفِينَ لَهم في الدِّينِ، واسْتِباحَةُ ظُلْمِهِمْ مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الجاهِلَ أوِ الأُمِّيَّ جَدِيرٌ بِأنْ يُدْحَضَ حَقُّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا سُوءُ فَهْمِهِمْ في التَّوْراةِ، فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ أحْكامًا فَرَّقَتْ فِيها بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّ وغَيْرِهِ في الحُقُوقِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَرْجِعُ إلى المُؤاساةِ والمُخالَطَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ: في آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إبْراءً يُبْرِئُ كُلُّ صاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمّا أقْرَضَ صاحِبَهُ. الأجْنَبِيَّ تُطالِبُ، وأمّا ما كانَ لَكَ عِنْدَ أخِيكَ فَتُبْرِئُهُ. وجاءَ في الإصْحاحِ ٢٣ مِنهُ (لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ ولِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا) ولَكِنْ شَتّانَ بَيْنَ الحُقُوقِ وبَيْنَ المُؤاساةِ فَإنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا إنَّما كانَ لِقَصْدِ المُؤاساةِ، والمُؤاساةُ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ مَعَ غَيْرِ أهْلِ المِلَّةِ الواحِدَةِ. وعَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا، فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا، وإنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهم. وهَذانِ الخُلُقانِ الذَّمِيمانِ اللَّذانِ حَكاهُما اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ قَدِ اتَّصَفَ بِهِما كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فاسْتَحَلَّ بَعْضُهم حُقُوقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وتَأوَّلُوها بِأنَّهم صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، في حِينِ لا حَرْبَ ولا ضَرْبَ. صفحة ٢٨٩ وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الزَّعْمِ فَقالَ ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» . وقَوْلُهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ أيْ يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ إمّا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ما قاسُوهُ عَلى ما في كِتابِهِمْ لَيْسَ القِياسُ فِيهِ بِصَحِيحٍ، وإمّا لِأنَّ التَّأْوِيلَ الباطِلَ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالكَذِبِ، إذِ الشُّبْهَةُ الضَّعِيفَةُ كالعَهْدِ. وبَلى حَرْفُ جَوابٍ وهو مُخْتَصٌّ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَهو هُنا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ . وبَلى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِجَوابِ اسْتِفْهامِ المَنفِيِّ بَلْ يُجابُ بِها عَنْ قَصْدِ الإبْطالِ، وأكْثَرُ مَواقِعِها في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ المَنفِيِّ، وجِيءَ في الجَوابِ بِحُكْمٍ عامٍّ لِيَشْمَلَ المَقْصُودَ وغَيْرَهُ: تَوْفِيرًا لِلْمَعْنى، وقَصْدًا في اللَّفْظِ، فَقالَ ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ أيْ لَمْ يَخُنْ، لِأنَّ الأمانَةَ عَهْدٌ، واتَّقى رَبَّهُ فَلَمْ يَدْحَضْ حَقَّ غَيْرِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى، والمَقْصُودُ نَفْيُ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَنْ ضِدِّ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

آل عمران 3:76

صفحة ٢٨٥ ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ﴿بَلى مَن أوْفى بِعَهْدِهِ واتَّقى فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ . عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٧٢] أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩] عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ والمُناسَبَةُ بَيانُ دَخائِلِ أحْوالِ اليَهُودِ في مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ النّاشِئَةِ عَنْ حَسَدِهِمْ وفي انْحِرافِهِمْ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أوْلى النّاسِ بِهِ، فَقَدْ حَكى في هَذِهِ الآيَةِ خِيانَةَ فَرِيقٍ مِنهم. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ هُنا في أهْلِ الكِتابِ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقًا يُؤَدِّي الأمانَةَ تَعَفُّفًا عَنِ الخِيانَةِ وفَرِيقًا لا يُؤَدِّي الأمانَةَ مُتَعَلِّلِينَ لِإباحَةِ الخِيانَةِ في دِينِهِمْ، قِيلَ: ومِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ، ومِنَ الفَرِيقِ الثّانِي فِنْحاصُ بْنُ عازُوراءَ وكِلاهُما مِن يَهُودِ يَثْرِبَ. والمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ ذَمُّ الفَرِيقِ الثّانِي إذْ كانَ مِن دِينِهِمْ في زَعْمِهِمْ إباحَةُ الخَوْنِ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ فَلِذَلِكَ كانَ المَقْصُودُ هو قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ إلَخْ ولِذَلِكَ طَوَّلَ الكَلامَ فِيهِ. وإنَّما قَدَّمَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ﴾ إنْصافًا لِحَقِّ هَذا الفَرِيقِ، لِأنَّ الإنْصافَ مِمّا اشْتُهِرَ بِهِ الإسْلامُ، وإنْ كانَ في زَعْمِهِمْ أنَّ دِينَهم يُبِيحُ لَهم خِيانَةَ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ صارَ النَّعْيُ عَلَيْهِمْ، والتَّعْبِيرُ بِهَذا القَوْلِ لازِمًا لِجَمِيعِهِمْ أِمِينِهِمْ وخائِنِهِمْ، لِأنَّ الأمِينَ حِينَئِذٍ لا مَزِيَّةَ لَهُ إلّا في أنَّهُ تَرَكَ حَقًّا يُبِيحُ لَهُ دِينُهُ أخْذَهُ، فَتَرَفَّعَ عَنْ ذَلِكَ كَما يَتَرَفَّعُ المُتَغالِي في المُرُوءَةِ عَنْ بَعْضِ المُباحاتِ. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ﴾ في المَوْضِعَيْنِ لِلتَّعْجِيبِ مِن مَضْمُونِ صِلَةِ المُسْنَدِ إلَيْهِما: فَفي الأوَّلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قُوَّةِ الأمانَةِ، مَعَ إمْكانِ الخِيانَةِ ووُجُودِ العُذْرِ لَهُ في عادَةِ أهْلِ دِينِهِ، وفي الثّانِي لِلتَّعْجِيبِ مِن أنْ يَكُونَ الخَوْنُ خُلُقًا لِمُتَّبِعِ كِتابٍ مِن كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ يَزِيدُ التَّعْجِيبُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾: فَيُكْسِبُ المُسْنَدَ إلَيْهِما زِيادَةَ عَجَبِ حالٍ. صفحة ٢٨٦ وعُدِّيَ ”تَأْمَنُهُ“ بِالباءِ مَعَ أنَّ مِثْلَهُ يَتَعَدّى بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ آمَنُكم عَلَيْهِ﴾ [يوسف: ٦٤]، لِتَضْمِينِهِ مَعْنى تُعامِلُهُ بِقِنْطارٍ لِيَشْمَلَ الأمانَةَ بِالوَدِيعَةِ، والأمانَةَ بِالمُعامَلَةِ عَلى الِاسْتِيمانِ، وقِيلَ الباءُ فِيهِ بِمَعْنى ”عَلى“ كَقَوْلِ أبِي ذَرٍّ أوْ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ: أرَبٌّ يَبُولُ الثُّعْلُبانُ بِرَأْسِهِ وهُوَ مَحْمَلٌ بَعِيدٌ، لِأنَّ الباءَ في البَيْتِ لِلظَّرْفِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ مِن ”يُؤَدِّهِ“ عَلى الأصْلِ في الضَّمائِرِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ: بِإسْكانِ هاءِ الضَّمِيرِ في ”يُؤَدِّهِ“ فَقالَ الزَّجّاجُ: هَذا الإسْكانُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ هَؤُلاءِ غَلَطٌ بَيِّنٌ لِأنَّ الهاءَ لا يَنْبَغِي أنْ تُجْزَمَ وإذا لَمْ تُجْزَمْ فَلا يَجُوزُ أنْ تُكْسَرَ في الوَصْلِ، هَكَذا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ ومَعْناهُ أنَّ جَزْمَ الجَوابِ لا يَظْهَرُ عَلى هاءِ الضَّمِيرِ بَلْ عَلى آخِرِ حَرْفٍ مِنَ الفِعْلِ ولا يَجُوزُ تَسْكِينُها في الوَصْلِ كَما في أكْثَرِ الآياتِ الَّتِي سَكَّنُوا فِيها الهاءَ. وقِيلَ هو إجْراءٌ لِلْوَصْلِ مُجْرى الوَقْفِ وهو قَلِيلٌ، قالَ الزَّجّاجُ: وأمّا أبُو عَمْرٍو فَأُراهُ كانَ يَخْتَلِسُ الكَسْرَ فَغَلَطَ عَلَيْهِ مَن نَقَلَهُ. وكَلامُ الزَّجّاجُ مَرْدُودٌ لِأنَّهُ راعى فِيهِ المَشْهُورَ مِنَ الِاسْتِعْمالِ المَقِيسِ، واللُّغَةُ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ، والقُرْآنُ حُجَّةٌ. وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِاخْتِلاسِ الكَسْرِ. وحَكى القُرْطُبِيُّ عَنِ الفَرّاءِ: أنَّ مَذْهَبَ بَعْضِ العَرَبِ يَجْزِمُونَ الهاءَ إذا تَحَرَّكَ ما قَبْلَها يَقُولُونَ ضَرَبْتُهْ كَما يُسَكِّنُونَ مِيمَ أنْتُمْ وقُمْتُمْ وأصْلُهُ الرَّفْعُ وهَذا كَما قالَ الرّاجِزُ: لَمّا رَأى ألّا دَعَـهْ ولا شِـبَـعْ ∗∗∗ مالَ إلى أرْطاةِ حِقْفٍ فاضْطَجَعْ والقِنْطارُ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] . والدِّينارُ اسْمٌ لِلْمَسْكُوكِ مِنَ الذَّهَبِ الَّذِي وزْنُهُ اثْنَتانِ وسَبْعُونَ حَبَّةً مِنَ الشَّعِيرِ المُتَوَسِّطِ وهو مُعَرَّبُ ”دِنّارٍ“ مِنَ الرُّومِيَّةِ. وقَدْ جُعِلَ القِنْطارُ والدِّينارُ مَثَلَيْنِ لِلْكَثْرَةِ والقِلَّةِ، والمَقْصُودُ ما يُفِيدُهُ الفَحْوى مِن أداءِ الأمانَةِ فِيما هو دُونَ القِنْطارِ، ووُقُوعِ الخِيانَةِ فِيما هو فَوْقَ الدِّينارِ. صفحة ٢٨٧ وقَوْلُهُ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ أُطْلِقَ القِيامَ هُنا عَلى الحِرْصِ والمُواظَبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] أيْ لا يَفْعَلُ إلّا العَدْلَ. وعُدِّيَ ”قائِمًا“ بِحَرْفِ ”عَلى“ لِأنَّ القِيامَ مَجازٌ عَلى الإلْحاحِ والتَّرْدادِ فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ قَرِينَةٌ وتَجْرِيدٌ لِلِاسْتِعارَةِ. و”ما“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ يَصِيرُ الفِعْلُ بَعْدَهُ في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، ويَكْثُرُ أنْ يُقَدَّرَ مَعَها اسْمُ زَمانٍ مُلْتَزَمٍ حَذْفُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ سِياقُ الكَلامِ فَحِينَئِذٍ يُقالُ: ”ما“ ظَرْفِيَّةٌ مَصْدَرِيَّةٌ. ولَيْسَتِ الظَّرْفِيَّةُ مَدْلُولَها بِالأصالَةِ ولا هي نائِبَةٌ عَنِ الظَّرْفِ، ولَكِنَّها مُسْتَفادَةٌ مِن مَوْقِعِ ”ما“ في سِياقِ كَلامٍ يُؤْذِنُ بِالزَّمانِ، ويَكْثُرُ ذَلِكَ في دُخُولِ ”ما“ عَلى الفِعْلِ المُتَصَرِّفِ مِن مادَّةِ ”دامَ“ ومُرادِفِها. و”ما“ في هَذِهِ الآيَةِ كَذَلِكَ فالمَعْنى: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ إلّا في مُدَّةِ دَوامِ قِيامِكَ عَلَيْهِ أيْ إلْحاحِكَ عَلَيْهِ. والدَّوامُ حَقِيقَتُهُ اسْتِمْرارُ الفِعْلِ وهو هُنا مَجازٌ في طُولِ المُدَّةِ، لِتَعَذُّرِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ مَعَ وُجُودِ أداةِ الِاسْتِثْناءِ، لِأنَّهُ إذا انْتَهى العُمْرُ لَمْ يَحْصُلِ الإلْحاحُ بَعْدَ المَوْتِ. والِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ ﴿إلّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِمًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُفَرَّغًا مِن أوْقاتٍ يَدُلُّ عَلَيْها مَوْقِعُ ”ما“ والتَّقْدِيرُ: لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ في جَمِيعِ الأزْمانِ إلّا زَمانًا تَدُومُ عَلَيْهِ فِيهِ قائِمًا. فَيَكُونُ ما بَعْدَ ”إلّا“ نَصْبًا عَلى الظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُفَرَّغًا مِن مَصادِرَ يَدُلُّ عَلَيْها مَعْنى ”ما“ المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ما بَعْدَهُ مَنصُوبًا عَلى الحالِ لِأنَّ المَصْدَرَ يَقَعُ حالًا. وقَدَّمَ المَجْرُورَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ قائِمًا﴾ لِلِاهْتِمامِ بِمَعْنى المَجْرُورِ، فَفي تَقْدِيمِهِ مَعْنى الإلْحاحِ، أيْ إذا لَمْ يَكُنْ قِيامُكَ عَلَيْهِ لا يُرْجِعُ لَكَ أمانَتَكَ. والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا﴾ إلى الحُكْمِ المَذْكُورِ وهو ﴿إنْ تَأْمَنهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ وإنَّما أُشِيرَ إلَيْهِ لِكَمالِ العِنايَةِ بِتَمْيِيزِهِ لِاخْتِصاصِهِ بِهَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ. والباءُ لِلسَّبَبِ أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَنْ أقْوالٍ اخْتَلَقُوها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالقَوْلِ، لِأنَّ القَوْلَ يَصْدُرُ عَنِ الِاعْتِقادِ، فَلِذا نابَ مَنابَهُ فَأُطْلِقَ عَلى الظَّنِّ في مَواضِعَ مِن كَلامِ العَرَبِ. وأرادُوا بِالأُمِّيِّينَ مَن لَيْسُوا مِن أهْلِ الكِتابِ في القَدِيمِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى الأُمِّيِّ في سُورَةِ البَقَرَةِ. صفحة ٢٨٨ وحَرْفُ ”في“ هُنا لِلتَّعْلِيلِ. وإذْ قَدْ كانَ التَّعْلِيلُ لا يَتَعَلَّقُ بِالذَّواتِ، تَعَيَّنَ تَقْدِيرُ مُضافٍ مَجْرُورٍ بِحَرْفِ ”في“ والتَّقْدِيرُ: في مُعامَلَةِ الأُمِّيِّينَ. ومَعْنى ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ لَيْسَ عَلَيْنا في أكْلِ حُقُوقِهِمْ حَرَجٌ ولا إثْمٌ، فَتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِالأُمِّيِّينَ أيْ ذَواتِهِمْ مُرادٌ مِنهُ أعْلَقُ أحْوالِهِمْ بِالغَرَضِ الَّذِي سِيقَ لَهُ الكَلامُ. فالسَّبِيلُ هُنا طَرِيقُ المُؤاخَذَةِ، ثُمَّ أُطْلِقَ السَّبِيلُ في كَلامِ العَرَبِ مَجازًا مَشْهُورًا عَلى المُؤاخَذَةِ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وقالَ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾ [التوبة: ٩٣] ورُبَّما عَبَّرَ عَنْهُ العَرَبُ بِالطَّرِيقِ قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ: وهَلْ أنا إنْ عَلَّلْتُ نَفْسِي بِسَرْحَةٍ ∗∗∗ مِنَ السَّرْحِ مَوْجُودٌ عَلَيَّ طَرِيقُ وقَصْدُهم مِن ذَلِكَ أنْ يُحَقِّرُوا المُسْلِمِينَ، ويَتَطاوَلُوا بِما أُوتُوهُ مِن مَعْرِفَةِ القِراءَةِ والكِتابَةِ مِن قَبْلِهِمْ. أوْ أرادُوا الأُمِّيِّينَ بِمَعْرِفَةِ التَّوْراةِ، أيِ الجاهِلِينَ: كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ لَيْسُوا مِن أتْباعِ دِينِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وأيًّا ما كانَ فَقَدْ أنْبَأ هَذا عَنْ خُلُقٍ عَجِيبٍ فِيهِمْ، وهو اسْتِخْفافُهم بِحُقُوقِ المُخالِفِينَ لَهم في الدِّينِ، واسْتِباحَةُ ظُلْمِهِمْ مَعَ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الجاهِلَ أوِ الأُمِّيَّ جَدِيرٌ بِأنْ يُدْحَضَ حَقُّهُ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا سُوءُ فَهْمِهِمْ في التَّوْراةِ، فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ أحْكامًا فَرَّقَتْ فِيها بَيْنَ الإسْرائِيلِيِّ وغَيْرِهِ في الحُقُوقِ، غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ فِيما يَرْجِعُ إلى المُؤاساةِ والمُخالَطَةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ: في آخِرِ سَبْعِ سِنِينَ تَعْمَلُ إبْراءً يُبْرِئُ كُلُّ صاحِبِ دَيْنٍ يَدَهُ مِمّا أقْرَضَ صاحِبَهُ. الأجْنَبِيَّ تُطالِبُ، وأمّا ما كانَ لَكَ عِنْدَ أخِيكَ فَتُبْرِئُهُ. وجاءَ في الإصْحاحِ ٢٣ مِنهُ (لا تُقْرِضْ أخاكَ بِرِبا فِضَّةٍ أوْ رِبا طَعامٍ ولِلْأجْنَبِيِّ تُقْرِضُ بِرِبًا) ولَكِنْ شَتّانَ بَيْنَ الحُقُوقِ وبَيْنَ المُؤاساةِ فَإنَّ تَحْرِيمَ الرِّبا إنَّما كانَ لِقَصْدِ المُؤاساةِ، والمُؤاساةُ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ مَعَ غَيْرِ أهْلِ المِلَّةِ الواحِدَةِ. وعَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ قالَتِ اليَهُودُ: الأمْوالُ كُلُّها كانَتْ لَنا، فَما في أيْدِي العَرَبِ مِنها فَهو لَنا، وإنَّهم ظَلَمُونا وغَصَبُونا فَلا إثْمَ عَلَيْنا في أخْذِ أمْوالِنا مِنهم. وهَذانِ الخُلُقانِ الذَّمِيمانِ اللَّذانِ حَكاهُما اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ قَدِ اتَّصَفَ بِهِما كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فاسْتَحَلَّ بَعْضُهم حُقُوقَ أهْلِ الذِّمَّةِ، وتَأوَّلُوها بِأنَّهم صارُوا أهْلَ حَرْبٍ، في حِينِ لا حَرْبَ ولا ضَرْبَ. صفحة ٢٨٩ وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذا الزَّعْمِ فَقالَ ﴿ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّهُمُ ادَّعَوْا أنَّهم وجَدُوا ذَلِكَ في كِتابِهِمْ. ورُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «كَذَبَ أعْداءُ اللَّهِ ما مِن شَيْءٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ إلّا وهو تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا الأمانَةَ فَإنَّها مُؤَدّاةٌ إلى البَرِّ والفاجِرِ» . وقَوْلُهُ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ حالٌ أيْ يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ إمّا لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ما قاسُوهُ عَلى ما في كِتابِهِمْ لَيْسَ القِياسُ فِيهِ بِصَحِيحٍ، وإمّا لِأنَّ التَّأْوِيلَ الباطِلَ بِمَنزِلَةِ العِلْمِ بِالكَذِبِ، إذِ الشُّبْهَةُ الضَّعِيفَةُ كالعَهْدِ. وبَلى حَرْفُ جَوابٍ وهو مُخْتَصٌّ بِإبْطالِ النَّفْيِ فَهو هُنا لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ . وبَلى غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِجَوابِ اسْتِفْهامِ المَنفِيِّ بَلْ يُجابُ بِها عَنْ قَصْدِ الإبْطالِ، وأكْثَرُ مَواقِعِها في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ المَنفِيِّ، وجِيءَ في الجَوابِ بِحُكْمٍ عامٍّ لِيَشْمَلَ المَقْصُودَ وغَيْرَهُ: تَوْفِيرًا لِلْمَعْنى، وقَصْدًا في اللَّفْظِ، فَقالَ ﴿مَن أوْفى بِعَهْدِهِ﴾ أيْ لَمْ يَخُنْ، لِأنَّ الأمانَةَ عَهْدٌ، واتَّقى رَبَّهُ فَلَمْ يَدْحَضْ حَقَّ غَيْرِهِ ﴿فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُتَّقِينَ﴾ أيِ المَوْصُوفِينَ بِالتَّقْوى، والمَقْصُودُ نَفْيُ مَحَبَّةِ اللَّهِ عَنْ ضِدِّ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ المَقامِ.

آل عمران 3:77

﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ . مُناسَبَةُ هَذِهِ الآيَةِ لِما قَبْلَها أنَّ في خِيانَةِ الأمانَةِ إبْطالًا لِلْعَهْدِ، ولِلْحِلْفِ الَّذِي بَيْنَهم، وبَيْنَ المُسْلِمِينَ، وقُرَيْشٍ. والكَلامُ اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ ذِكْرُ الخُلُقِ الجامِعِ لِشَتاتِ مَساوِئِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ، دَعا إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿ودَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٦٩] وما بَعْدَهُ. وقَدْ جَرَتْ أمْثالُ هَذِهِ الأوْصافِ عَلى اليَهُودِ مُفَرَّقَةً في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠] . ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] . ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ١٠٢] . ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ صفحة ٢٩٠ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤] . فَعَلِمْنا أنَّهُمُ المُرادُ بِذَلِكَ هُنا. وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ وجْهَ تَسْمِيَةِ دِينِهِمْ بِالعَهْدِ وبِالمِيثاقِ في مَواضِعَ، لِأنَّ مُوسى عاهَدَهم عَلى العَمَلِ بِهِ، وبَيَّنا مَعانِيَ هَذِهِ الأوْصافِ والأخْبارِ. ومَعْنى ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ غَضَبُهُ عَلَيْهِمْ إذْ قَدْ شاعَ نَفْيُ الكَلامِ في الكِنايَةِ عَنِ الغَضَبِ، وشاعَ اسْتِعْمالُ النَّظَرِ في الإقْبالِ والعِنايَةِ، ونَفْيُ النَّظَرِ في الغَضَبِ فالنَّظَرُ المَنفِيُّ هُنا نَظَرٌ خاصٌّ. وهاتانِ الكِنايَتانِ يَجُوزُ مَعَهُما إرادَةُ المَعْنى الحَقِيقِيِّ. وقَوْلُهُ ﴿ولا يُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ لا يُطَهِّرُهم مِنَ الذُّنُوبِ ولا يُقْلِعُونَ عَنْ آثامِهِمْ، لِأنَّ مَن بَلَغَ مِن رِقَّةِ الدِّيانَةِ إلى حَدِّ أنْ يَشْتَرِيَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، فَقَدْ بَلَغَ الغايَةَ القُصْوى في الجُرْأةِ عَلى اللَّهِ، فَكَيْفَ يُرْجى لَهُ صَلاحٌ بَعْدَ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ولا يُنَمِّيهِمْ أيْ لا يُكْثِرُ حُظُوظَهم في الخَيْراتِ. وفِي مَجِيءِ هَذا الوَعِيدِ، عَقِبَ الصِّلَةِ، وهي ﴿يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، إيذانٌ بِأنَّ مَن شابَهَهم في هَذِهِ الصِّفاتِ فَهو لاحِقٌ بِهِمْ، حَتّى ظَنَّ بَعْضُ السَّلَفِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَن حَلَفَ يَمِينًا باطِلَةً، وكُلٌّ يَظُنُّ أنَّها نَزَلَتْ فِيما يَعْرِفُهُ مِن قِصَّةِ يَمِينٍ فاجِرَةٍ، فَفي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي وائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن حَلْفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِها مالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو عَلَيْهِ غَضْبانُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ﴾ الآيَةَ فَدَخَلَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وقالَ: ما يُحَدِّثُكم أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْنا: كَذا وكَذا. قالَ فِيَّ أُنْزِلَتْ كانَتْ لِي بِئْرٌ في أرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَقالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَيِّنَتَكَ أوْ يَمِينَهُ قُلْتُ: إذَنْ يَحْلِفُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: مَن حَلَفَ عَلى يَمِينِ صَبْرٍ» الحَدِيثَ. وفِي البُخارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى: أنَّ رَجُلًا أقامَ سِلْعَةً في السُّوقِ فَحَلَفَ لَقَدْ أُعْطِيَ بِها ما لَمْ يُعْطَهُ لِيُوقِعَ فِيها رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ هاتِهِ الآيَةَ في قِصَّةٍ وجَبَتْ فِيها يَمِينٌ لِرَدِّ دَعْوى.

آل عمران 3:78

صفحة ٢٩١ ﴿وإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ ويَقُولُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وهم يَعْلَمُونَ﴾ . أيْ مِنَ اليَهُودِ طائِفَةٌ تُخَيِّلُ لِلْمُسْلِمِينَ أشْياءَ أنَّها مِمّا جاءَ في التَّوْراةِ، ولَيْسَتْ كَذَلِكَ، إمّا في الِاعْتِذارِ عَنْ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الذَّمِيمَةِ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْنا في الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، وإمّا لِلتَّخْلِيطِ عَلى المُسْلِمِينَ حَتّى يُشَكِّكُوهم فِيما يُخالِفُ ذَلِكَ مِمّا ذَكَرَهُ القُرْآنُ، أوْ لِإدْخالِ الشَّكِّ عَلَيْهِمْ في بَعْضِ ما نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ، فاللَّيُّ مُجْمَلٌ، ولَكِنَّهُ مُبَيَّنٌ بِقَوْلِهِ ﴿لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الكِتابِ﴾ وقَوْلِهِ ﴿ويَقُولُونَ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . واللَّيُّ في الأصْلِ: الإراغَةُ أيْ إدارَةُ الجِسْمِ غَيْرِ المُتَصَلِّبِ إلى غَيْرِ الصَّوْبِ الَّذِي هو مُمْتَدٌّ إلَيْهِ: فَمِن ذَلِكَ لَيُّ الحَبْلِ، ولَيُّ العِنانِ لِلْفَرَسِ لِإدارَتِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ صَوْبِ سَيْرِهِ، ومِنهُ لَيُّ العُنُقِ، ولَيُّ الرَّأْسِ بِمَعْنى الِالتِفاتِ الشَّزْرِ أوِ الإعْراضِ قالَ تَعالى: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] . واللَّيُّ في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً بِمَعْنى تَحْرِيفِ اللِّسانِ عَنْ طَرِيقِ حَرْفٍ مِن حُرُوفِ الهِجاءِ إلى طَرِيقِ حَرْفٍ آخَرَ يُقارِبُهُ لِتُعْطِيَ الكَلِمَةُ في أُذُنِ السّامِعِ جَرْسَ كَلِمَةٍ أُخْرى، وهَذا مِثْلُ ما حَكى اللَّهُ عَنْهم في قَوْلِهِمْ راعِنا وفي الحَدِيثِ مِن قَوْلِهِمْ في السَّلامِ عَلى النَّبِيءِ السّامُ عَلَيْكَ أيِ المَوْتُ أوِ السِّلامُ - بِكَسْرِ السِّينِ - عَلَيْكَ وهَذا اللَّيُّ يُشابِهُ الإشْمامَ والِاخْتِلاسَ ومِنهُ إمالَةُ الألِفِ إلى الياءِ، وقَدْ تَتَغَيَّرُ الكَلِماتُ بِالتَّرْقِيقِ والتَّفْخِيمِ وبِاخْتِلافِ صِفاتِ الحُرُوفِ، والظّاهِرُ أنَّ الكِتابَ التَّوْراةُ فَلَعَلَّهم كانُوا إذا قَرَءُوا بَعْضَ التَّوْراةِ بِالعَرَبِيَّةِ نَطَقُوا بِحُرُوفٍ مِن كَلِماتِها بَيْنَ بَيْنَ لِيُوهِمُوا المُسْلِمِينَ مَعْنًى غَيْرَ المَعْنى المُرادِ، وقَدْ كانَتْ لَهم مَقْدِرَةٌ ومِراسٌ في هَذا. وقَرِيبٌ مِن هَذا ما ذَكَرَهُ المُبَرِّدُ في الكامِلِ أنَّ بَعْضَ الأزارِقَةِ أعادَ بَيْتَ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ في مَجْلِسِ ابْنِ عَبّاسٍ. رَأتْ رَجُلًا أمّا إذا الشَّمْسُ عارَضَتْ فَيَضْحى وأمّا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ صفحة ٢٩٢ فَجَعَلَ يَضْحى يَحْزى وجَعَلَ يَخْصَرُ يَخْسَرُ بِالسِّينِ لِيُشَوِّهَ المَعْنى لِأنَّهُ غَضِبَ مِن إقْبالِ ابْنِ عَبّاسٍ عَلى سَماعِ شِعْرِهِ. وفي الأحاجِي والألْغازِ مِن هَذا كَقَوْلِهِمْ: إنَّ لِلّاهِي إلَهًا فَوْقَهُ فَيَقُولُها أحَدٌ بِحَضْرَةِ ناسٍ ولا يُشْبِعُ كَسْرَةَ اللّاهِي يَخالُها السّامِعُ لِلَّهِ فَيَظُنُّهُ كَفَرَ. أوْ لَعَلَّهم كانُوا يَقْرَءُونَ ما لَيْسَ مِنَ التَّوْراةِ بِالكَيْفِيّاتِ أوِ اللُّحُونِ الَّتِي كانُوا يَقْرَءُونَ بِها التَّوْراةَ لِيُخَيِّلُوا لِلسّامِعِينَ أنَّهم يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّيُّ هُنا مَجازًا عَنْ صَرْفِ المَعْنى إلى مَعْنًى آخَرَ كَقَوْلِهِمْ: لَوى الحُجَّةَ أيْ ألْقى بِها عَلى غَيْرِ وجْهِها، وهو تَحْرِيفُ الكَلِمِ عَنْ مَواضِعِهِ: بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، والأقْيِسَةِ الفاسِدَةِ، والمَوْضُوعاتِ الكاذِبَةِ، ويَنْسُبُونَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، وأيًّا ما كانَ فَهَذا اللَّيُّ يَقْصِدُونَ مِنهُ التَّمْوِيهَ عَلى المُسْلِمِينَ لِغَرَضٍ، كَما فَعَلَ ابْنُ صُورِيّا في إخْفاءِ حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي في التَّوْراةِ وقَوْلِهِ: نُحَمِّمُ وجْهَهُ. والمُخاطَبُ بِتَحْسَبُوهُ المُسْلِمُونَ دُونَ النَّبِيءِ ﷺ، أوْ هو والمُسْلِمُونَ في ظَنِّ اليَهُودِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ في هاتِهِ الأفْعالِ: يَلْوُونَ، يَقُولُونَ، لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ وأنَّهُ دَأْبُهم. وتَكْرِيرُ الكِتابِ في الآيَةِ مَرَّتَيْنِ، واسْمُ الجَلالَةِ أيْضًا مَرَّتَيْنِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالِاسْمَيْنِ، وذَلِكَ يَجُرُّ إلى الِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ المُتَعَلِّقِ بِهِما، والمُتَعَلِّقِينَ بِهِ، قالَ المَرْزُوقِيُّ في شَرْحِ الحَماسَةِ في بابِ الأدَبِ عِنْدَ قَوْلِ يَحْيى بْنِ زِيادٍ: ولَمّا رَأيْتُ الشَّيْبَ لاحَ بَياضُهُ ∗∗∗ بِمَفْرِقِ رَأْسِي قُلْتُ لِلشَّيْبِ مَرْحَبًا كانَ الواجِبُ أنْ يَقُولَ: قُلْتُ لَهُ مَرْحَبًا لَكِنَّهم يُكَرِّرُونَ الأعْلامَ وأسْماءَ الأجْناسِ كَثِيرًا والقَصْدُ بِالتَّكْرِيرِ التَّفْخِيمُ قُلْتُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ∗∗∗ قَهَرَ المَوْتَ ذا الغِنى والفَقِيرا وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . صفحة ٢٩٣ والقِراءَةُ المَعْرُوفَةُ يَلْوُونَ: بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسُكُونِ اللّامِ وتَخْفِيفِ الواوِ مُضارِعُ لَوى، وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ أبا جَعْفَرٍ قَرَأهُ: يُلَوُّونَ بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَواوٍ مُشَدَّدَةٍ مُضارِعُ لَوّى بِوَزْنِ فَعَّلَ لِلْمُبالِغَةِ ولَمْ أرَ نِسْبَةَ هَذِهِ القِراءَةِ إلى أبِي جَعْفَرٍ في كُتُبِ القِراءاتِ.

آل عمران 3:79

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ: فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَيَّ اليَهُودِ ألْسِنَتَهم بِالتَّوْراةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ التَّحْرِيفِ الَّذِي عِنْدَ النَّصارى لِمُناسَبَةِ التَّشابُهِ في التَّحْرِيفِ إذْ تَقُولُ النَّصارى عَلى المَسِيحِ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ فالمُرادُ بِالبَشَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ تَنْزِيهُ عِيسى عَنْ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، رَدًّا عَلى النَّصارى، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] . وفِي الكَشّافِ قِيلَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: «لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيئَكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» . قُلْتُ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَقْبُولًا فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّها قُصِدَ مِنها الرَّدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ. ووَقَعَ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والسَّيِّدَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ نَفْيٌ لِاسْتِحْقاقِ أحَدٍ لِذَلِكَ القَوْلِ واللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقاقِ. وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في الكَلامِ ما كانَ فُلانٌ فاعِلًا كَذا، فَلَمّا أُرِيدَتِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ صفحة ٢٩٤ عَدَلَ عَنْ نَفْيِ الفِعْلِ إلى نَفْيِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ، وجَعَلَ نَفْيَ الجِنْسِ عَنِ الشَّخْصِ بِواسِطَةِ نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ إذْ لا طَرِيقَةَ لِحَمْلِ اسْمِ ذاتٍ عَلى اسْمِ ذاتٍ إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الحُرُوفِ، فَصارَ التَّرْكِيبُ: ما كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ويُقالُ أيْضًا: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] . فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ قَوْلُ ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ حَقًّا لِبَشَرٍ أيِّ بَشَرٍ كانَ. وهَذِهِ اللّامُ هي أصْلُ لامِ الجُحُودِ الَّتِي نَحْوَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَتَراكِيبُ لامِ الجَحُودِ كُلِّها مِن قَبِيلِ قَلْبِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، بِحَيْثُ يُنْفى أنْ يَكُونَ وُجُودُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَجْعُولًا لِأجْلِ فِعْلِ كَذا، أيْ فَهو بَرِيءٌ مِنهُ بِأصْلِ الخِلْقَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ جُحُودًا. والمَنفِيُّ في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إيتاءُ الحُكْمِ والنُّبُوءَةِ، ولَكِنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ مَصَبَّ النَّفْيِ هو المَعْطُوفُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ كُونُوا عِبادًا لِي إذا آتاهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ. والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ كالعَبِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ لا يُقْصَدُ مَعَهُ التَّحْقِيرُ، والعَبِيدُ يُقْصَدُ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وسَمَّتِ العَرَبُ طَوائِفَ مِنَ العَرَبِ سَكَنُوا الحِيرَةَ ودَخَلُوا تَحْتَ حُكْمِ كِسْرى بِالعِبادِ، وقِيلَ لِأنَّهم تَنَصَّرُوا فَسَمَّوْهم بِالعِبادِ، بِخِلافِ جَمْعِهِ عَلى عَبِيدٍ كَقَوْلِهِمْ: هم عَبِيدُ العَصا، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ المُطَلِّبِ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ لِأنَّهُ تَشْفِيقٌ وإعْلامٌ بِقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطّاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ آنَسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزَةِ فَصاحَةِ القُرْآنِ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ اهـ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قَيْدٌ قُصِدَ مِنهُ تَشْنِيعُ القَوْلِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلْقائِلِ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْسَلَخُوا عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى إلى عُبُودِيَّةِ البَشَرِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ لِمَعْبُودِينَ، فَإنَّ النَّصارى لَمّا جَعَلُوا عِيسى رَبًّا لَهم، وجَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ، قَدْ لَزِمَهم أنَّهُمُ انْخَلَعُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ فَلا جَدْوى لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وعَبِيدُ عِيسى، فَلِذَلِكَ صفحة ٢٩٥ جُعِلَتْ مَقالَتُهم مُقْتَضِيَةً أنَّ عِيسى أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، والمَعْنى أنَّ الآمِرَ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ عِبادًا لَهُ هو آمِرٌ بِانْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ أيْ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا مَنسُوبِينَ لِلرَّبِّ، وهو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ النَّسَبَ إلى الشَّيْءِ إنَّما يَكُونُ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ المَنسُوبِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ. ومَعْنى أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ. والرَّبّانِيُّ نِسْبَةٌ إلى الرَّبِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما يُقالُ اللِّحْيانِيُّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والشَّعْرانِيُّ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ. وقَوْلُهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ لِأنَّ عِلْمَكُمُ الكِتابَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّكم عَنْ إشْراكِ العِبادَةِ، فَإنَّ فائِدَةَ العِلْمِ العَمَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ اللّامِ مُضارِعُ عَلِمَ، وقَرَأهُ عامِرٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَلامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ مُضارِعُ عَلَّمَ المُضاعَفِ. وتَدْرُسُونَ مَعْناهُ تَقْرَءُونَ أيْ قِراءَةً بِإعادَةٍ وتَكْرِيرٍ: لِأنَّ مادَّةَ دَرَسَ في كَلامِ العَرَبِ تَحُومُ حَوْلَ مَعانِي التَّأثُّرِ مِن تَكَرُّرِ عَمَلٍ يُعْمَلُ في أمْثالِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ: دَرَسَتِ الرِّيحُ رَسْمَ الدّارِ إذا عَفَتْهُ وأبْلَتْهُ، فَهو دارِسٌ، يُقالُ مَنزِلٌ دارِسٌ، والطَّرِيقُ الدّارِسُ العافِي الَّذِي لا يَتَبَيَّنُ. وثَوْبٌ دارِسٌ خَلَقٌ، وقالُوا: دَرَسَ الكِتابَ إذا قَرَأهُ بِتَمَهُّلٍ لِحِفْظِهِ، أوْ لِلتَّدَبُّرِ، وفي الحَدِيثِ «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ» إلَخْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ فَعَطَفَ التَّدارُسَ عَلى القِراءَةِ فَعُلِمَ أنَّ الدِّراسَةَ أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ. وسَمَّوْا بَيْتَ قِراءَةِ اليَهُودِ مِدْراسًا كَما في الحَدِيثِ: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى أتى مِدْراسَ اليَهُودِ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهُمُ» إلَخْ. ومادَّةُ دَرَسَ تَسْتَلْزِمُ التَّمَكُّنَ مِنَ المَفْعُولِ فَلِذَلِكَ صارَ دَرْسُ الكِتابِ مَجازًا في فَهْمِهِ وإتْقانِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ في هَذِهِ الآيَةِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ عَلى بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ. صفحة ٢٩٦ وفِعْلُهُ مِن بابِ نَصَرَ، ومَصْدَرُهُ في غالِبِ مَعانِيهِ الدَّرْسُ، ومَصْدَرُ دَرَسَ بِمَعْنى قَرَأ يَجِيءُ عَلى الأصْلِ دَرْسًا ومِنهُ سُمِّيَ تَعْلِيمُ العِلْمِ دَرْسًا. ويَجِيءُ عَلى وزْنِ الفِعالَةِ دِراسَةٌ وهي زِنَةٌ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ الفِعْلِ، مِثْلَ الكِتابَةِ والقِراءَةِ، إلْحاقًا لِذَلِكَ بِمَصادِرِ الصِّناعاتِ كالتِّجارَةِ والخِياطَةِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَأْمُرُكم بِالرَّفْعِ عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ، وهَذا الأصْلُ فِيما إذا أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ فِعْلٍ مَنفِيٍّ، ثُمَّ انْتَقَضَ نَفْيُهُ بِلَكِنْ، احْتِيجَ إلى إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ: أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا إلَخْ ولا هو يَأْمُرُهم أنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى أنْ يَقُولَ ولا زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِأنْ: لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ أنْ يَصِيرَ المَعْنى: لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أُوتِيَ الكِتابَ ألا يَأْمُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا، والمَقْصُودُ عَكْسُ هَذا المَعْنى، إذِ المَقْصُودُ هُنا أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْمُرَ، فَلِذَلِكَ اضْطُرَّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى جَعْلِ لا زائِدَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِنَفْيٍ جَدِيدٍ. وقَرَأهُ الدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ الضَّمَّةِ إلى السُّكُونِ. ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا﴾: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في تَعْظِيمِ بَعْضِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَصَوَّرُوا صُوَرَ النَّبِيئِينَ، مِثْلَ يَحْيى ومَرْيَمَ، وعَبَدُوهُما، وصَوَّرُوا صُوَرَ المَلائِكَةِ، واقْتَرَنَ التَّصْوِيرُ مَعَ الغُلُوِّ في تَعْظِيمِ الصُّورَةِ والتَّعَبُّدِ عِنْدَها، ضَرْبٌ مِنَ الوَثَنِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ قِيلَ نَفْيُ الأمْرِ أعَمُّ مِنَ النَّهْيِ فَهَلّا قِيلَ ويَنْهاكم. والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ دَعْواهم وتَقَوُّلِهِمْ عَلى الرُّسُلِ. وأقُولُ: لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِلا يَأْمُرُكم مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ قالَ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَلَمّا نُفِيَ أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ نُفِيَ ما هو مِثْلُهُ وهو أنْ يَأْمُرَهم بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ أرْبابًا، أوْ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ كانَ سائِرُ أحْوالِهِمْ مَحْمُولَةً عَلى أنَّهم تَلَقَّوْها مِنهُ، أوْ لِأنَّ المَسِيحَ لَمْ يَنْهَهم عَنْ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، إذْ هَذا مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ تَتَلَبَّسَ بِهِ أُمَّةٌ مُتَدَيِّنَةٌ فاقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى الأُمَّةِ، عَلى أنَّ أنْبِياءَهم لَمْ يَأْمُرُوهم بِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وبِالظَّرْفِ المُفِيدِ مَزِيدَ الإنْكارِ عَلى ارْتِكابِهِمْ هَذِهِ الحالَةِ، وهي قَوْلُهُ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ. صفحة ٢٩٧ فَهُنالِكَ سَبَبانِ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مُرْضِيًّا أنْبِياءَهُمْ؛ فَإنَّهُ كُفْرٌ، وهم لا يَرْضَوْنَ بِالكُفْرِ. فَما كانَ مِن حَقِّ مَن يَتَّبِعُونَهُمُ التَّلَبُّسَ بِالكُفْرِ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنهُ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فالمُواجَهُ بِالخِطابِ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ عِيسى قالَ لَهم: كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ والخِطابُ لِلنَّصارى ولَيْسَ دِينُهم يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ إسْلامٌ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالإسْلامِ الإيمانُ أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِالكُفْرِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ بِناءً عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم مُسْلِمُونَ في القُرْآنِ، فَهَذا الَّذِي جَرَّأ مَن قالُوا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ رَجُلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألا نَسْجُدُ لَكَ، ولا أُراهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا أنْ تَكُونَ الآيَةُ قاصِدَةً إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِالسُّجُودِ إلَيْهِ، ولَما عَرَّجَ عَلى الأمْرِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولا بِأنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا.

آل عمران 3:80

﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوءَةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ . اعْتِراضٌ واسْتِطْرادٌ: فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ لَيَّ اليَهُودِ ألْسِنَتَهم بِالتَّوْراةِ، وهو ضَرْبٌ مِنَ التَّحْرِيفِ، اسْتَطْرَدَ بِذِكْرِ التَّحْرِيفِ الَّذِي عِنْدَ النَّصارى لِمُناسَبَةِ التَّشابُهِ في التَّحْرِيفِ إذْ تَقُولُ النَّصارى عَلى المَسِيحِ أنَّهُ أمَرَهم بِعِبادَتِهِ فالمُرادُ بِالبَشَرِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، والمَقْصُودُ تَنْزِيهُ عِيسى عَنْ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، رَدًّا عَلى النَّصارى، فَيَكُونُ رُجُوعًا إلى الغَرَضِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] إلى قَوْلِهِ ﴿بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] . وفِي الكَشّافِ قِيلَ نَزَلَتْ لِأنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ كَما يُسَلِّمُ بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ أفَلا نَسْجُدُ لَكَ. قالَ: «لا يَنْبَغِي أنْ يُسْجَدَ لِأحَدٍ مِن دُونِ اللَّهِ، ولَكِنْ أكْرِمُوا نَبِيئَكم واعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ» . قُلْتُ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، فَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ حَدِيثًا مَقْبُولًا فَمُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ هُنا أنَّها قُصِدَ مِنها الرَّدُّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ المُعْتَقَداتِ. ووَقَعَ في أسْبابِ النُّزُولِ لِلْواحِدِيِّ مِن رِوايَةِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ أبا رافِعٍ اليَهُودِيَّ والسَّيِّدَ مِن نَصارى نَجْرانَ قالا يا مُحَمَّدُ أتُرِيدُ أنْ نَعْبُدَكَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَعاذَ اللَّهِ أنْ يُعْبَدَ غَيْرُ اللَّهِ» ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ نَفْيٌ لِاسْتِحْقاقِ أحَدٍ لِذَلِكَ القَوْلِ واللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِحْقاقِ. وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ في الكَلامِ ما كانَ فُلانٌ فاعِلًا كَذا، فَلَمّا أُرِيدَتِ المُبالَغَةُ في النَّفْيِ صفحة ٢٩٤ عَدَلَ عَنْ نَفْيِ الفِعْلِ إلى نَفْيِ المَصْدَرِ الدّالِّ عَلى الجِنْسِ، وجَعَلَ نَفْيَ الجِنْسِ عَنِ الشَّخْصِ بِواسِطَةِ نَفْيِ الِاسْتِحْقاقِ إذْ لا طَرِيقَةَ لِحَمْلِ اسْمِ ذاتٍ عَلى اسْمِ ذاتٍ إلّا بِواسِطَةِ بَعْضِ الحُرُوفِ، فَصارَ التَّرْكِيبُ: ما كانَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ويُقالُ أيْضًا: لَيْسَ لَهُ أنْ يَفْعَلَ، ومِثْلُ ذَلِكَ في الإثْباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] . فَمَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ قَوْلُ ﴿كُونُوا عِبادًا لِي﴾ حَقًّا لِبَشَرٍ أيِّ بَشَرٍ كانَ. وهَذِهِ اللّامُ هي أصْلُ لامِ الجُحُودِ الَّتِي نَحْوَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فَتَراكِيبُ لامِ الجَحُودِ كُلِّها مِن قَبِيلِ قَلْبِ مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، بِحَيْثُ يُنْفى أنْ يَكُونَ وُجُودُ المُسْنَدِ إلَيْهِ مَجْعُولًا لِأجْلِ فِعْلِ كَذا، أيْ فَهو بَرِيءٌ مِنهُ بِأصْلِ الخِلْقَةِ ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ جُحُودًا. والمَنفِيُّ في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ إيتاءُ الحُكْمِ والنُّبُوءَةِ، ولَكِنْ قَدْ عُلِمَ أنَّ مَصَبَّ النَّفْيِ هو المَعْطُوفُ مِن قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي﴾ أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ كُونُوا عِبادًا لِي إذا آتاهُ اللَّهُ الكِتابَ إلَخْ. والعِبادُ جَمْعُ عَبْدٍ كالعَبِيدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الَّذِي اسْتَقْرَيْتُ في لَفْظِ العِبادِ أنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ لا يُقْصَدُ مَعَهُ التَّحْقِيرُ، والعَبِيدُ يُقْصَدُ مِنهُ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿يا عِبادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦] وسَمَّتِ العَرَبُ طَوائِفَ مِنَ العَرَبِ سَكَنُوا الحِيرَةَ ودَخَلُوا تَحْتَ حُكْمِ كِسْرى بِالعِبادِ، وقِيلَ لِأنَّهم تَنَصَّرُوا فَسَمَّوْهم بِالعِبادِ، بِخِلافِ جَمْعِهِ عَلى عَبِيدٍ كَقَوْلِهِمْ: هم عَبِيدُ العَصا، وقالَ حَمْزَةُ بْنُ المُطَلِّبِ: هَلْ أنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِأبِي ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]؛ لِأنَّهُ تَشْفِيقٌ وإعْلامٌ بِقِلَّةِ مَقْدِرَتِهِمْ وأنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِظَلّامٍ لَهم مَعَ ذَلِكَ، ولَمّا كانَ لَفْظَةُ العِبادِ تَقْتَضِي الطّاعَةَ لَمْ تَقَعْ هُنا، ولِذَلِكَ آنَسَ بِها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذا النَّوْعُ مِنَ النَّظَرِ يُسْلَكُ بِهِ سُبُلُ العَجائِبِ في مَيْزَةِ فَصاحَةِ القُرْآنِ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ السَّلِيمَةِ اهـ. وقَوْلُهُ ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قَيْدٌ قُصِدَ مِنهُ تَشْنِيعُ القَوْلِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لِلْقائِلِ بِأنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْسَلَخُوا عَنِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ تَعالى إلى عُبُودِيَّةِ البَشَرِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ العُبُودِيَّةِ لا تَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ لِمَعْبُودِينَ، فَإنَّ النَّصارى لَمّا جَعَلُوا عِيسى رَبًّا لَهم، وجَعَلُوهُ ابْنًا لِلَّهِ، قَدْ لَزِمَهم أنَّهُمُ انْخَلَعُوا عَنْ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ فَلا جَدْوى لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَبِيدُ اللَّهِ وعَبِيدُ عِيسى، فَلِذَلِكَ صفحة ٢٩٥ جُعِلَتْ مَقالَتُهم مُقْتَضِيَةً أنَّ عِيسى أمَرَهم بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ، والمَعْنى أنَّ الآمِرَ بِأنْ يَكُونَ النّاسُ عِبادًا لَهُ هو آمِرٌ بِانْصِرافِهِمْ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ. ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ أيْ ولَكِنْ يَقُولُ كُونُوا مَنسُوبِينَ لِلرَّبِّ، وهو اللَّهُ تَعالى، لِأنَّ النَّسَبَ إلى الشَّيْءِ إنَّما يَكُونُ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِ المَنسُوبِ بِالمَنسُوبِ إلَيْهِ. ومَعْنى أنْ يَكُونُوا مُخْلِصِينَ لِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ. والرَّبّانِيُّ نِسْبَةٌ إلى الرَّبِّ عَلى غَيْرِ قِياسٍ كَما يُقالُ اللِّحْيانِيُّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، والشَّعْرانِيُّ لِكَثِيرِ الشَّعْرِ. وقَوْلُهُ ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ أيْ لِأنَّ عِلْمَكُمُ الكِتابَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَصُدَّكم عَنْ إشْراكِ العِبادَةِ، فَإنَّ فائِدَةَ العِلْمِ العَمَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ بِفَتْحِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ وسُكُونِ العَيْنِ وفَتْحِ اللّامِ مُضارِعُ عَلِمَ، وقَرَأهُ عامِرٌ، وحَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَلامٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ مُضارِعُ عَلَّمَ المُضاعَفِ. وتَدْرُسُونَ مَعْناهُ تَقْرَءُونَ أيْ قِراءَةً بِإعادَةٍ وتَكْرِيرٍ: لِأنَّ مادَّةَ دَرَسَ في كَلامِ العَرَبِ تَحُومُ حَوْلَ مَعانِي التَّأثُّرِ مِن تَكَرُّرِ عَمَلٍ يُعْمَلُ في أمْثالِهِ، فَمِنهُ قَوْلُهُ: دَرَسَتِ الرِّيحُ رَسْمَ الدّارِ إذا عَفَتْهُ وأبْلَتْهُ، فَهو دارِسٌ، يُقالُ مَنزِلٌ دارِسٌ، والطَّرِيقُ الدّارِسُ العافِي الَّذِي لا يَتَبَيَّنُ. وثَوْبٌ دارِسٌ خَلَقٌ، وقالُوا: دَرَسَ الكِتابَ إذا قَرَأهُ بِتَمَهُّلٍ لِحِفْظِهِ، أوْ لِلتَّدَبُّرِ، وفي الحَدِيثِ «ما اجْتَمَعَ قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ ويَتَدارَسُونَهُ بَيْنَهم إلّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ» إلَخْ رَواهُ التِّرْمِذِيُّ فَعَطَفَ التَّدارُسَ عَلى القِراءَةِ فَعُلِمَ أنَّ الدِّراسَةَ أخَصُّ مِنَ القِراءَةِ. وسَمَّوْا بَيْتَ قِراءَةِ اليَهُودِ مِدْراسًا كَما في الحَدِيثِ: «إنَّ النَّبِيءَ ﷺ خَرَجَ في طائِفَةٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى أتى مِدْراسَ اليَهُودِ فَقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ ودَعاهُمُ» إلَخْ. ومادَّةُ دَرَسَ تَسْتَلْزِمُ التَّمَكُّنَ مِنَ المَفْعُولِ فَلِذَلِكَ صارَ دَرْسُ الكِتابِ مَجازًا في فَهْمِهِ وإتْقانِهِ ولِذَلِكَ عَطَفَ في هَذِهِ الآيَةِ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ عَلى بِما كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الكِتابَ. صفحة ٢٩٦ وفِعْلُهُ مِن بابِ نَصَرَ، ومَصْدَرُهُ في غالِبِ مَعانِيهِ الدَّرْسُ، ومَصْدَرُ دَرَسَ بِمَعْنى قَرَأ يَجِيءُ عَلى الأصْلِ دَرْسًا ومِنهُ سُمِّيَ تَعْلِيمُ العِلْمِ دَرْسًا. ويَجِيءُ عَلى وزْنِ الفِعالَةِ دِراسَةٌ وهي زِنَةٌ تَدُلُّ عَلى مُعالَجَةِ الفِعْلِ، مِثْلَ الكِتابَةِ والقِراءَةِ، إلْحاقًا لِذَلِكَ بِمَصادِرِ الصِّناعاتِ كالتِّجارَةِ والخِياطَةِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ يَأْمُرُكم بِالرَّفْعِ عَلى ابْتِداءِ الكَلامِ، وهَذا الأصْلُ فِيما إذا أُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ، فَإنَّهُ لَمّا وقَعَ بَعْدَ فِعْلٍ مَنفِيٍّ، ثُمَّ انْتَقَضَ نَفْيُهُ بِلَكِنْ، احْتِيجَ إلى إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ واضِحٌ: أيْ ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا إلَخْ ولا هو يَأْمُرُهم أنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ أرْبابًا. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ: بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى أنْ يَقُولَ ولا زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ﴾ ولَيْسَتْ مَعْمُولَةً لِأنْ: لِاقْتِضاءِ ذَلِكَ أنْ يَصِيرَ المَعْنى: لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ أُوتِيَ الكِتابَ ألا يَأْمُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا، والمَقْصُودُ عَكْسُ هَذا المَعْنى، إذِ المَقْصُودُ هُنا أنَّهُ لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَأْمُرَ، فَلِذَلِكَ اضْطُرَّ في تَخْرِيجِ هَذِهِ القِراءَةِ إلى جَعْلِ لا زائِدَةً لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِنَفْيٍ جَدِيدٍ. وقَرَأهُ الدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِاخْتِلاسِ الضَّمَّةِ إلى السُّكُونِ. ولَعَلَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيئِينَ أرْبابًا﴾: أنَّهم لَمّا بالَغُوا في تَعْظِيمِ بَعْضِ الأنْبِياءِ والمَلائِكَةِ، فَصَوَّرُوا صُوَرَ النَّبِيئِينَ، مِثْلَ يَحْيى ومَرْيَمَ، وعَبَدُوهُما، وصَوَّرُوا صُوَرَ المَلائِكَةِ، واقْتَرَنَ التَّصْوِيرُ مَعَ الغُلُوِّ في تَعْظِيمِ الصُّورَةِ والتَّعَبُّدِ عِنْدَها، ضَرْبٌ مِنَ الوَثَنِيَّةِ. قالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إنْ قِيلَ نَفْيُ الأمْرِ أعَمُّ مِنَ النَّهْيِ فَهَلّا قِيلَ ويَنْهاكم. والجَوابُ أنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ دَعْواهم وتَقَوُّلِهِمْ عَلى الرُّسُلِ. وأقُولُ: لَعَلَّ التَّعْبِيرَ بِلا يَأْمُرُكم مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ﴾ لِأنَّهم زَعَمُوا أنَّ المَسِيحَ قالَ: إنَّهُ ابْنُ اللَّهِ فَلَمّا نُفِيَ أنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ نُفِيَ ما هو مِثْلُهُ وهو أنْ يَأْمُرَهم بِاتِّخاذِ المَلائِكَةِ أرْبابًا، أوْ لِأنَّهم لَمّا كانُوا يَدَّعُونَ التَّمَسُّكَ بِالدِّينِ كانَ سائِرُ أحْوالِهِمْ مَحْمُولَةً عَلى أنَّهم تَلَقَّوْها مِنهُ، أوْ لِأنَّ المَسِيحَ لَمْ يَنْهَهم عَنْ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ، إذْ هَذا مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ أنْ تَتَلَبَّسَ بِهِ أُمَّةٌ مُتَدَيِّنَةٌ فاقْتَصَرَ في الرَّدِّ عَلى الأُمَّةِ، عَلى أنَّ أنْبِياءَهم لَمْ يَأْمُرُوهم بِهِ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِالِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ، وبِالظَّرْفِ المُفِيدِ مَزِيدَ الإنْكارِ عَلى ارْتِكابِهِمْ هَذِهِ الحالَةِ، وهي قَوْلُهُ أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ. صفحة ٢٩٧ فَهُنالِكَ سَبَبانِ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مُرْضِيًّا أنْبِياءَهُمْ؛ فَإنَّهُ كُفْرٌ، وهم لا يَرْضَوْنَ بِالكُفْرِ. فَما كانَ مِن حَقِّ مَن يَتَّبِعُونَهُمُ التَّلَبُّسَ بِالكُفْرِ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا مِنهُ. والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ولا يامُرُكُمْ﴾ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ﴾ فالمُواجَهُ بِالخِطابِ هُمُ الَّذِينَ زَعَمُوا أنَّ عِيسى قالَ لَهم: كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم كانُوا مُسْلِمِينَ والخِطابُ لِلنَّصارى ولَيْسَ دِينُهم يُطْلَقُ عَلَيْهِ أنَّهُ إسْلامٌ. فَقِيلَ: أُرِيدَ بِالإسْلامِ الإيمانُ أيْ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بِالكُفْرِ. وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ بِناءً عَلى ظاهِرِ قَوْلِهِ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ لِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَمْ يُوصَفُوا بِأنَّهم مُسْلِمُونَ في القُرْآنِ، فَهَذا الَّذِي جَرَّأ مَن قالُوا: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِقَوْلِ رَجُلٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ألا نَسْجُدُ لَكَ، ولا أُراهُ لَوْ كانَ صَحِيحًا أنْ تَكُونَ الآيَةُ قاصِدَةً إيّاهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقِيلَ: ثُمَّ يَأْمُرُ النّاسَ بِالسُّجُودِ إلَيْهِ، ولَما عَرَّجَ عَلى الأمْرِ بِأنْ يَكُونُوا عِبادًا لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولا بِأنْ يَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا.

آل عمران 3:81

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ . عَطَفَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ عَلى ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أيْ ما أمَرَكُمُ الأنْبِياءُ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أمَرُوكم بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأضَعْتُمُوهُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم لِيُبَلِّغُوهُ إلَيْكم، فالمَعْطُوفُ هو ظَرْفُ إذْ وما تَعَلَّقَ بِهِ. صفحة ٢٩٨ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بِقَوْلِهِ أأقْرَرْتُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ إذْ بِمَعْنى زَمانٍ غَيْرِ ظَرْفٍ والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، فالمَقْصُودُ الحِكايَةُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ وما مَعَهُ فَيَكُونُ قالَ أأقْرَرْتُمْ مَعْطُوفًا بِحَذْفِ العاطِفِ. كَما هو الشَّأْنُ في جُمَلِ المُحاوَرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ قالُوا أقْرَرْنا. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وما بَعْدَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾: مِن أنَّ النَّبِيِّينَ أعْطَوْا مِيثاقًا لِلَّهِ فَقالَ: أأقْرَرْتُمْ قالُوا: أقْرَرْنا إلَخْ. ويَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ هو صِيغَةُ المِيثاقِ. وهَذا المِيثاقُ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، يُؤْذُونَهم فِيهِ بِأنَّ رَسُولًا يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِهِ وبِنَصْرِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إعْلامُ أُمَمَهِمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ المِيثاقُ مَحْفُوظًا لَدى سائِرِ الأجْيالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إلَخْ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ التَّوَلِّي والفِسْقُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ أُمَمُهم كَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ عَلى أُمَمِكم. وإلى هَذا يَرْجِعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ. وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَبِيئًا إسْرائِيلِيًّا لَقالَ أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِنهم عَلى ما في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ مِن غُمُوضٍ ولَعَلَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ أصْلَحُ مِن هَذا المُتَرْجَمِ. والبِشاراتُ في كُتُبِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفي الإنْجِيلِ كَثِيرَةٌ فَفي مَتّى قَوْلُ المَسِيحِ وتَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ أيْ يَبْقى أخِيرًا إلى المُنْتَهى فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الرَّبُّ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم ومَتى جاءَ المُعَزّى رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِن عِنْدِ الأبِ يَنْبَثِقُ فَهو يَشْهَدُ“ لِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ. صفحة ٢٩٩ وفِي أخْذِ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ زِيادَةُ تَنْوِيهٍ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا المَعْنى هو ظاهِرُ الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، والسُّدِّيُّ. ومِنَ العُلَماءِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أنْ يَكُونَ أخْذُ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ حَقِيقَةً نَظَرًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ تَوَهَّمُوهُ مُتَعَيِّنًا لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَن تَوَلّى مِنَ النَّبِيِّينَ المُخاطَبِينَ، وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِن أخْذِ العَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ، وسَلَكُوا مَسالِكَ مُخْتَلِفَةً مِنَ التَّأْوِيلِ فَمِنهم مَن جَعَلَ إضافَةَ المِيثاقِ لِلنَّبِيِّينَ إضافَةً تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ أيْ أخَذَ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ مِيثاقَ أنْبِيائِهِمْ مِنهم، ومِنهم مَن قَدَّرَ حَذْفَ المُضافِ أيْ أُمَمِ النَّبِيِّينَ أوْ أوْلادِ النَّبِيِّينَ وإلَيْهِ مالَ قَوْلُ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ، واحْتَجُّوا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، هَذِهِ الآيَةَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ، ولَمْ يَقْرَأْ: مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، وزادَمُجاهِدٌ فَقالَ: إنَّ قِراءَةَ أُبَيٍّ هي القُرْآنُ، وإنَّ لَفْظَ النَّبِيئِينَ غَلَطٌ مِنَ الكُتّابِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ والأُمَّةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ. وقَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِفَتْحِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ فاللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، ولِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ في مَعْنى اليَمِينِ وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وآتَيْناكم صِلَتُهُ وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ جَرى عَلى الغالِبِ في مِثْلِهِ ومِن كِتابٍ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ، وعُطِفَ ثُمَّ جاءَكم عَلى آتَيْناكم أيِ الَّذِي آتَيْناكُمُوهُ وجاءَكم بَعْدَهُ رَسُولٌ. ولَتُؤْمِنُنَّ اللّامُ فِيهِ لامُ جَوابِ القَسَمِ والجَوابُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِ المُبْتَدَأِ كَما هو المَعْرُوفُ وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ وحُذِفَ ما يَعُودُ عَلى ما آتَيْناكم لِظُهُورِهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ لامِ لَما فَتَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ لِتُؤْمِنُنَّ بِهِ أيْ شُكْرًا عَلى ما آتَيْتُكم وعَلى أنْ بَعَثْتُ إلَيْكم رَسُولًا مُصَدِّقًا لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها فَأخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا ثُمَّ عَلَّلَ جَوابَ القَسَمِ بِأنَّهُ مِن شُكْرِ نِعْمَةِ الإيتاءِ والتَّصْدِيقِ، ولا يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَعْنى تَعْلِيقُ لَما آتَيْناكم بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ الشُّكْرَ عِلَّةٌ لِلْجَوابِ، لا لَأخْذِ العَهْدِ. ولامُ لَتُؤْمِنُنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ومُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. صفحة ٣٠٠ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: آتَيْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ الباقُونَ آتَيْتُكم بِتاءِ المُتَكَلِّمِ. وجُمْلَةُ قالَ أأقْرَرْتُمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. والإقْرارُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْقِيقِ بِالوَفاءِ مِمّا أُخِذَ مِنَ المِيثاقِ. والإصْرُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، العَهْدُ المُؤَكَّدُ المُوَثَّقُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الإصارِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو ما يُعْقَدُ ويُسَدُّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ فاشْهَدُوا إنْ كانَ شَهادَةً عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي بِمَعْنى التَّوَثُّقِ والتَّحْقِيقِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وإنْ كانَتْ شَهادَةً عَلى أُمَمِهِمْ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ المِيثاقِ فالمَعْنى فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكم بِذَلِكَ، واللَّهُ شاهِدٌ عَلى الجَمِيعِ كَما شَهِدَ النَّبِيئُونَ عَلى الأُمَمِ. وقَوْلُهُ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ مَن تَوَلّى مِمَّنْ شَهِدْتُمْ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الأُمَمُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم كَما قالَ في الآيَةِ الَّتِي خُوطِبَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] . ووَجْهُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ فِسْقَهم في هَذِهِ الحالَةِ أشَدُّ فِسْقٍ فَجَعَلَ غَيْرَهُ مِنَ الفِسْقِ كالعَدَمِ.

آل عمران 3:82

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ . عَطَفَ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ عَلى ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] أيْ ما أمَرَكُمُ الأنْبِياءُ بِشَيْءٍ مِمّا تَقَوَّلْتُمْ عَلَيْهِمْ وقَدْ أمَرُوكم بِغَيْرِ ذَلِكَ فَأضَعْتُمُوهُ حِينَ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم لِيُبَلِّغُوهُ إلَيْكم، فالمَعْطُوفُ هو ظَرْفُ إذْ وما تَعَلَّقَ بِهِ. صفحة ٢٩٨ ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ إذْ بِقَوْلِهِ أأقْرَرْتُمْ مُقَدَّمًا عَلَيْهِ، ويَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ إذْ بِمَعْنى زَمانٍ غَيْرِ ظَرْفٍ والتَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، فالمَقْصُودُ الحِكايَةُ عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ وما مَعَهُ فَيَكُونُ قالَ أأقْرَرْتُمْ مَعْطُوفًا بِحَذْفِ العاطِفِ. كَما هو الشَّأْنُ في جُمَلِ المُحاوَرَةِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ قالُوا أقْرَرْنا. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿قالَ أأقْرَرْتُمْ﴾ وما بَعْدَها بَيانًا لِجُمْلَةِ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾ بِاعْتِبارِ ما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ ﴿أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيئِينَ﴾: مِن أنَّ النَّبِيِّينَ أعْطَوْا مِيثاقًا لِلَّهِ فَقالَ: أأقْرَرْتُمْ قالُوا: أقْرَرْنا إلَخْ. ويَكُونَ قَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾ هو صِيغَةُ المِيثاقِ. وهَذا المِيثاقُ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى جَمِيعِ الأنْبِياءِ، يُؤْذُونَهم فِيهِ بِأنَّ رَسُولًا يَجِيءُ مُصَدِّقًا لِما مَعَهم، ويَأْمُرُهم بِالإيمانِ بِهِ وبِنَصْرِهِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إعْلامُ أُمَمَهِمْ بِذَلِكَ لِيَكُونَ المِيثاقُ مَحْفُوظًا لَدى سائِرِ الأجْيالِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ إلَخْ إذْ لا يَجُوزُ عَلى الأنْبِياءِ التَّوَلِّي والفِسْقُ ولَكِنَّ المَقْصُودَ أُمَمُهم كَقَوْلِهِ ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿قالَ فاشْهَدُوا﴾ أيْ عَلى أُمَمِكم. وإلى هَذا يَرْجِعُ ما ورَدَ في القُرْآنِ مِن دَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وقَدْ جاءَ في سِفْرِ التَّثْنِيَةِ قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِيَ الرَّبُّ: أُقِيمُ لَهم نَبِيًّا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ فَيُكَلِّمُهم بِكُلِّ ما أُوصِيهِ بِهِ. وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ هم بَنُو إسْماعِيلَ، ولَوْ كانَ المُرادُ نَبِيئًا إسْرائِيلِيًّا لَقالَ أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِنهم عَلى ما في تَرْجَمَةِ التَّوْراةِ مِن غُمُوضٍ ولَعَلَّ النَّصَّ الأصْلِيَّ أصْلَحُ مِن هَذا المُتَرْجَمِ. والبِشاراتُ في كُتُبِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ وفي الإنْجِيلِ كَثِيرَةٌ فَفي مَتّى قَوْلُ المَسِيحِ وتَقُومُ أنْبِياءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ ويُضِلُّونَ كَثِيرِينَ ولَكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ أيْ يَبْقى أخِيرًا إلى المُنْتَهى فَهَذا يَخْلُصُ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ هَذِهِ في كُلِّ المَسْكُونَةِ شَهادَةً لِجَمِيعِ الأُمَمِ ثُمَّ يَأْتِي المُنْتَهى، وفي إنْجِيلِ يُوحَنّا قَوْلُ المَسِيحِ ”وأنا أطْلُبُ مِنَ الأبِ فَيُعْطِيكم مُعَزِّيًا آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكم إلى الأبَدِ وأمّا المُعَزِّي الرُّوحُ القُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الرَّبُّ بِاسْمِي فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم ومَتى جاءَ المُعَزّى رُوحُ الحَقِّ الَّذِي مِن عِنْدِ الأبِ يَنْبَثِقُ فَهو يَشْهَدُ“ لِي إلى غَيْرِ ذَلِكَ. صفحة ٢٩٩ وفِي أخْذِ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ زِيادَةُ تَنْوِيهٍ بِرِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا المَعْنى هو ظاهِرُ الآيَةِ، وبِهِ فَسَّرَ مُحَقِّقُو المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسٌ، والسُّدِّيُّ. ومِنَ العُلَماءِ مَنِ اسْتَبْعَدَ أنْ يَكُونَ أخْذُ العَهْدِ عَلى الأنْبِياءِ حَقِيقَةً نَظَرًا إلى قَوْلِهِ ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ تَوَهَّمُوهُ مُتَعَيِّنًا لِأنْ يَكُونَ المُرادُ بِمَن تَوَلّى مِنَ النَّبِيِّينَ المُخاطَبِينَ، وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، فَتَأوَّلُوا الآيَةَ بِأنَّ المُرادَ مِن أخْذِ العَهْدِ عَلى أُمَمِهِمْ، وسَلَكُوا مَسالِكَ مُخْتَلِفَةً مِنَ التَّأْوِيلِ فَمِنهم مَن جَعَلَ إضافَةَ المِيثاقِ لِلنَّبِيِّينَ إضافَةً تُشْبِهُ إضافَةَ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ أيْ أخَذَ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ مِيثاقَ أنْبِيائِهِمْ مِنهم، ومِنهم مَن قَدَّرَ حَذْفَ المُضافِ أيْ أُمَمِ النَّبِيِّينَ أوْ أوْلادِ النَّبِيِّينَ وإلَيْهِ مالَ قَوْلُ مُجاهِدٍ والرَّبِيعِ، واحْتَجُّوا بِقِراءَةِ أُبَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، هَذِهِ الآيَةَ: وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ، ولَمْ يَقْرَأْ: مِيثاقَ النَّبِيئِينَ، وزادَمُجاهِدٌ فَقالَ: إنَّ قِراءَةَ أُبَيٍّ هي القُرْآنُ، وإنَّ لَفْظَ النَّبِيئِينَ غَلَطٌ مِنَ الكُتّابِ، ورَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وغَيْرُهُ بِإجْماعِ الصَّحابَةِ والأُمَّةِ عَلى مُصْحَفِ عُثْمانَ. وقَوْلُهُ ﴿لَما آتَيْناكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ لَما بِفَتْحِ اللّامِ وتَخْفِيفِ المِيمِ فاللّامُ مُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ، ولِأنَّ أخْذَ المِيثاقِ في مَعْنى اليَمِينِ وما مَوْصُولَةٌ مُبْتَدَأٌ وآتَيْناكم صِلَتُهُ وحَذْفُ العائِدِ المَنصُوبِ جَرى عَلى الغالِبِ في مِثْلِهِ ومِن كِتابٍ بَيانٌ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ، وعُطِفَ ثُمَّ جاءَكم عَلى آتَيْناكم أيِ الَّذِي آتَيْناكُمُوهُ وجاءَكم بَعْدَهُ رَسُولٌ. ولَتُؤْمِنُنَّ اللّامُ فِيهِ لامُ جَوابِ القَسَمِ والجَوابُ سَدَّ مَسَدَّ خَبَرِ المُبْتَدَأِ كَما هو المَعْرُوفُ وضَمِيرُ بِهِ عائِدٌ عَلى الرَّسُولِ وحُذِفَ ما يَعُودُ عَلى ما آتَيْناكم لِظُهُورِهِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ: بِكَسْرِ لامِ لَما فَتَكُونُ اللّامُ لِلتَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ لِتُؤْمِنُنَّ بِهِ أيْ شُكْرًا عَلى ما آتَيْتُكم وعَلى أنْ بَعَثْتُ إلَيْكم رَسُولًا مُصَدِّقًا لِما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ولا يَضُرُّ عَمَلُ ما بَعْدَ لامِ القَسَمِ فِيما قَبْلَها فَأخَذَ المِيثاقَ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا ثُمَّ عَلَّلَ جَوابَ القَسَمِ بِأنَّهُ مِن شُكْرِ نِعْمَةِ الإيتاءِ والتَّصْدِيقِ، ولا يَصِحُّ مِن جِهَةِ المَعْنى تَعْلِيقُ لَما آتَيْناكم بِفِعْلِ القَسَمِ المَحْذُوفِ، لِأنَّ الشُّكْرَ عِلَّةٌ لِلْجَوابِ، لا لَأخْذِ العَهْدِ. ولامُ لَتُؤْمِنُنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ومُوطِئَةٌ لِلْقَسَمِ عَلى الوَجْهِ الثّانِي. صفحة ٣٠٠ وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو جَعْفَرٍ: آتَيْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ وقَرَأهُ الباقُونَ آتَيْتُكم بِتاءِ المُتَكَلِّمِ. وجُمْلَةُ قالَ أأقْرَرْتُمْ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ. والإقْرارُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّحْقِيقِ بِالوَفاءِ مِمّا أُخِذَ مِنَ المِيثاقِ. والإصْرُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، العَهْدُ المُؤَكَّدُ المُوَثَّقُ واشْتِقاقُهُ مِنَ الإصارِ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وهو ما يُعْقَدُ ويُسَدُّ بِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ [البقرة: ٢٨٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ فاشْهَدُوا إنْ كانَ شَهادَةً عَلى أنْفُسِهِمْ فَهي بِمَعْنى التَّوَثُّقِ والتَّحْقِيقِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ كَقَوْلِهِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] وإنْ كانَتْ شَهادَةً عَلى أُمَمِهِمْ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ المِيثاقِ فالمَعْنى فاشْهَدُوا عَلى أُمَمِكم بِذَلِكَ، واللَّهُ شاهِدٌ عَلى الجَمِيعِ كَما شَهِدَ النَّبِيئُونَ عَلى الأُمَمِ. وقَوْلُهُ فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ أيْ مَن تَوَلّى مِمَّنْ شَهِدْتُمْ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الأُمَمُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم كَما قالَ في الآيَةِ الَّتِي خُوطِبَ فِيها بَنُو إسْرائِيلَ في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ١٢] . ووَجْهُ الحَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ أنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّ فِسْقَهم في هَذِهِ الحالَةِ أشَدُّ فِسْقٍ فَجَعَلَ غَيْرَهُ مِنَ الفِسْقِ كالعَدَمِ.

آل عمران 3:83

﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ . تَفْرِيعٌ عَنِ التَّذْكِيرِ بِما كانَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ. والِاسْتِفْهامُ لِلتَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ تَبْغُونَ بِتاءِ خِطابٍ لِأهْلِ الكِتابِ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ الخِطابِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولا يامُرُكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، صفحة ٣٠١ ويَعْقُوبُ: بِياءِ الغَيْبَةِ فَهو التِفاتٌ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، إعْراضًا عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ إلى مُخاطَبَةِ المُسْلِمِينَ بِالتَّعْجِيبِ مِن أهْلِ الكِتابِ. وكُلُّهُ تَفْرِيعُ ذِكْرِ أحْوالِ خَلَفِ أُولَئِكَ الأُمَمِ كَيْفَ اتَّبَعُوا غَيْرَ ما أُخِذَ عَلَيْهِمُ العَهْدُ بِهِ. والِاسْتِفْهامُ حِينَئِذٍ لِلتَّعْجِيبِ. ودِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وإضافَتُهُ إلى اللَّهِ لِتَشْرِيفِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الأدْيانِ، أوْ لِأنَّ غَيْرَهُ يَوْمَئِذٍ قَدْ نُسِخَ بِما هو دِينُ اللَّهِ. ومَعْنى تَبْغُونَ تَطْلُبُونَ يُقالُ بَغى الأمْرَ يَبْغِيهِ بُغاءً - بِضَمِّ الباءِ وبِالمَدِّ، ويُقْصَرُ - والبُغْيَةُ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِها وهاءٍ في آخِرِهِ قِيلَ مَصْدَرٌ، وقِيلَ اسْمٌ، ويُقالُ ابْتَغى بِمَعْنى بَغى، وهو مَوْضُوعٌ لِلطَّلَبِ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وقِياسُ مَصْدَرِهِ البَغْيُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُسْمَعِ البَغْيُ إلّا في مَعْنى الِاعْتِداءِ والجَوْرِ، وذَلِكَ فِعْلُهُ قاصِرٌ، ولَعَلَّهم أرادُوا التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الطَّلَبِ وبَيْنَ الِاعْتِداءِ، فَأماتُوا المَصْدَرَ القِياسِيَّ لِبَغى بِمَعْنى طَلَبَ وخَصُّوهُ بِبَغى بِمَعْنى اعْتَدى وظَلَمَ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وتَبْغُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] ويُقالُ تَبَغّى بِمَعْنى ابْتَغى. وجُمْلَةُ ولَهُ أسْلَمَ حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَعْنى الإسْلامِ لِلَّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠] . ومَعْنى ﴿طَوْعًا وكَرْهًا﴾ أنَّ مِنَ العُقَلاءِ مَن أسْلَمَ عَنِ اخْتِيارٍ لِظُهُورِ الحَقِّ لَهُ، ومِنهم مَن أسْلَمَ بِالجِبِلَّةِ والفِطْرَةِ كالمَلائِكَةِ، أوِ الإسْلامِ كَرْهًا هو الإسْلامُ بَعْدَ الِامْتِناعِ أيْ أكْرَهَتْهُ الأدِلَّةُ والآياتُ أوْ هو إسْلامُ الكافِرِينَ عِنْدَ المَوْتِ ورُؤْيَةُ سُوءِ العاقِبَةِ، أوْ هو الإكْراهُ عَلى الإسْلامِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ ﴿لا إكْراهَ في الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . والكَرْهُ بِفَتْحِ الكافِ هو الإكْراهُ، والكُرْهُ بِضَمِّ الكافِ المَكْرُوهِ. ومَعْنى وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ أنَّهُ يُرْجِعُكم إلَيْهِ فَفِعْلُ رَجَعَ: المُتَعَدِّي أُسْنِدَ إلى المَجْهُولِ لِظُهُورِ فاعِلِهِ، أيْ يُرْجِعُكُمُ اللَّهُ بَعْدَ المَوْتِ، وعِنْدَ القِيامَةِ، ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذا، عَقِبَ التَّوْبِيخِ والتَّحْذِيرِ، أنَّ الرَّبَّ الَّذِي لا مَفَرَّ مِن حُكْمِهِ لا يَجُوزُ لِلْعاقِلِ أنْ يَعْدِلَ عَنْ دِينٍ أمَرَهُ بِهِ، وحَقُّهُ أنْ يُسْلِمَ إلَيْهِ نَفْسَهُ مُخْتارًا قَبْلَ أنْ يُسْلِمَها اضْطِرارًا. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ عَلى المُرادِ مِن قَوْلِهِ وكَرْهًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: إلَيْهِ تُرْجَعُونَ بِتاءِ الخِطابِ، وقَرَأهُ حَفْصٌ بِياءِ الغَيْبَةِ.

آل عمران 3:84

صفحة ٣٠٢ ﴿قُلْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ عَلَيْنا وما أُنْزِلَ عَلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيئُونَ مِن رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ المُخاطَبُ بِفِعْلِ قُلْ هو النَّبِيءُ ﷺ، لِيَقُولَ ذَلِكَ بِمَسْمَعٍ مِنَ النّاسِ: مُسْلِمُهم، وكافِرُهم، ولِذَلِكَ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ ﴿وما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ أيْ أُنْزِلَ عَلَيَّ لِتَبْلِيغِكم فَجَعَلَ إنْزالَهُ عَلى الرَّسُولِ والأُمَّةِ لِاشْتِراكِهِمْ في وُجُوبِ العَمَلِ بِما أُنْزِلَ، وعَدّى فِعْلَ أُنْزِلَ هُنا بِحَرْفِ عَلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَقْتَضِي عُلُوًّا فَوُصُولُ الشَّيْءِ المُنَزَّلِ وُصُولُ اسْتِعْلاءٍ وعُدِّيَ في آيَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِحَرْفِ إلى بِاعْتِبارِ أنَّ الإنْزالَ يَتَضَمَّنُ الوُصُولَ وهو يَتَعَدّى بِحَرْفِ إلى. والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، واسْتِئْنافٌ: لِتَلْقِينِ النَّبِيءِ عَلَيْهِ السَّلامُ والمُسْلِمِينَ كَلامًا جامِعًا لِمَعْنى الإسْلامِ لِيَدُومُوا عَلَيْهِ، ويُعْلِنُ بِهِ لِلْأُمَمِ، نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] . ومَعْنى ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ أنَّنا لا نُعادِي الأنْبِياءَ، ولا يَحْمِلُنا حُبُّ نَبِيئِنا عَلى كَراهَتِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ والنَّصارى، وحُذِفَ المَعْطُوفُ وتَقْدِيرُهُ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ وآخَرَ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ شِعارُ الإسْلامِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وتُؤْمِنُونَ بِالكِتابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: ١١٩] . وهُنا انْتَهَتِ المُجادَلَةُ مَعَ نَصارى نَجْرانَ.

آل عمران 3:85

﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهْوَ في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ . عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، كَما عَلِمْتَ، وهَذا تَأْيِيسٌ لِأهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّجاةِ في الآخِرَةِ، ورَدٌّ لِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَنَحْنُ صفحة ٣٠٣ ناجُونَ عَلى كُلِّ حالٍ. والمَعْنى مَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ بَعْدَ مَجِيءِ الإسْلامِ. وقَرَأهُ الجَمِيعُ بِإظْهارِ حَرْفَيِ الغَيْنِ مِن كَلِمَةِ مَن يَبْتَغِ وكَلِمَةِ غَيْرَ ورَوى السُّوَسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامَ إحْداهُما في الأُخْرى وهو الإدْغامُ الكَبِيرُ.

آل عمران 3:86

﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ وشَهِدُوا أنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وجاءَهُمُ البَيِّناتُ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ يُناسِبُ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَرَفِ الإسْلامِ. وكَيْفَ اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ والمَقْصُودُ إنْكارُ أنْ تَحْصُلَ لَهم هِدايَةٌ خاصَّةٌ وهي إمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ عِنايَةِ اللَّهِ بِالعَبْدِ ولُطْفِهِ بِهِ، وإسْنادُها إلى اللَّهِ ظاهِرٌ؛ وإمّا الهِدايَةُ النّاشِئَةُ عَنْ إعْمالِ الأدِلَّةِ والِاسْتِنْتاجِ مِنها، وإسْنادُها إلى اللَّهِ لِأنَّهُ مُوجِدُ الأسْبابِ ومُسَبِّباتِها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهم آمَنُوا وعَلِمُوا ما في كُتُبِ اللَّهِ، ثُمَّ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ بِأنْبِيائِهِمْ، إذْ عَبَدَ اليَهُودُ الأصْنامَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وعَبَدَ النَّصارى المَسِيحَ، وقَدْ شَهِدُوا أنَّ مُحَمَّدًا صادِقٌ لِقِيامِ دَلائِلِ الصِّدْقِ، ثُمَّ كابَرُوا، وشَكَّكُوا النّاسَ. وجاءَتْهُمُ الآياتُ فَلَمْ يَتَّعِظُوا، فَلا مَطْمَعَ في هَدْيِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ الأحْوالِ، وإنَّما تَسْرِي الهِدايَةُ لِمَن أنْصَفَ وتَهَيَّأ لِإدْراكِ الآياتِ دُونَ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم. وقِيلَ نَزَلَتْ في اليَهُودِ خاصَّةً. وقِيلَ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ العَرَبِ أسْلَمُوا ثُمَّ كَفَرُوا ولَحِقُوا بِقُرَيْشٍ ثُمَّ نَدِمُوا فَراسَلُوا قَوْمَهم مِنَ المُسْلِمِينَ يَسْألُونَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ فَنَزَلَتْ، ومِنهُمُ الحارِثُ بْنُ سُوَيْدٍ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، وطُعَيْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ. وقَوْلُهُ وشَهِدُوا عَطْفٌ عَلى إيمانِهِمْ أيْ وشَهادَتُهم، لِأنَّ الِاسْمَ الشَّبِيهَ بِالفِعْلِ في الِاشْتِقاقِ يَحْسُنُ عَطْفُهُ عَلى الفِعْلِ وعَطْفُ الفِعْلِ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:87

صفحة ٣٠٤ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

آل عمران 3:88

صفحة ٣٠٤ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

آل عمران 3:89

صفحة ٣٠٤ ﴿أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ولا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . الإشارَةُ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِنَ الحُكْمِ عَلَيْهِمْ. وتَقَدَّمَ مَعْنى لَعْنَةَ اللَّهِ والمَلائِكَةِ إلى قَوْلِهِ أجْمَعِينَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا مَعْنى ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ومَعْنى ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الكِنايَةُ عَنِ المَغْفِرَةِ لَهم. قِيلَ نَزَلَتْ في الحارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ الأنْصارِيِّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الَّذِي ارْتَدَّ ولَحِقَ بِقُرَيْشٍ وقِيلَ بِنَصارى الشّامِ، ثُمَّ كَتَبَ إلى قَوْمِهِ لِيَسْألَهم هَلْ مِن تَوْبَةٍ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَأسْلَمَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ عِلَّةٌ لِكَلامٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَهم لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

آل عمران 3:90

﴿إنَّ الَّذِي كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهم وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ . قالَ قَتادَةُ، وعَطاءٌ، والحَسَنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في اليَهُودِ، وعَلَيْهِ فالمَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ العَهْدِ، فاليَهُودُ بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِمُوسى كَفَرُوا بِعِيسى وازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وقِيلَ أُرِيدَ بِهِ اليَهُودُ والنَّصارى: فاليَهُودُ كَما عَلِمْتَ، والنَّصارى آمَنُوا بِعِيسى ثُمَّ كَفَرُوا فَعَبَدُوهُ وألَّهُوهُ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وتَأْوِيلُ ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ إمّا أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم لا يَتُوبُونَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهم كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] أيْ لا شَفاعَةَ لَها فَتُقْبَلُ وهَذا كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ أيْ لا مَنارَ لَهُ، إذْ قَدْ عُلِمَ مِنَ الأدِلَّةِ أنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ ودَلِيلُهُ الحَصْرُ المَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ . وإمّا أنَّ اللَّهَ نَهى نَبِيَّهُ عَنِ الِاغْتِرارِ بِما يُظْهِرُونَهُ صفحة ٣٠٥ مِنَ الإسْلامِ نِفاقًا، فالمُرادُ بِعَدَمِ القَبُولِ عَدَمُ تَصْدِيقِهِمْ في إيمانِهِمْ، وإمّا الإخْبارُ بِأنَّ الكُفْرَ قَدْ رَسَخَ في قُلُوبِهِمْ فَصارَ لَهم سَجِيَّةً لا يُحَوَّلُونَ عَنْها، فَإذا أظْهَرُوا التَّوْبَةَ فَهم كاذِبُونَ، فَيَكُونُ عَدَمُ القَبُولِ بِمَعْنى عَدَمِ الِاطْمِئْنانِ لَهم، وأسْرارُهم مَوْكُولَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى. وقَدْ أسْلَمَ بَعْضُ اليَهُودِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ: مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأسْلَمَ بَعْضُهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ. وقِيلَ المُرادُ الَّذِينَ ارْتَدُّوا مِنَ المُسْلِمِينَ وماتُوا عَلى الكُفْرِ، فالمُرادُ بِالِازْدِيادِ الِاسْتِمْرارُ وعَدَمُ الإقْلاعِ. والقَوْلُ في مَعْنى ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ كَما تَقَدَّمَ. وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا﴾ [آل عمران: ٩١] تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ، ولِيُبْنى عَلَيْهِ التَّفْرِيعُ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ [آل عمران: ٩١] وأيًّا ما كانَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ مُتَعَيِّنٌ: لِأنَّ ظاهِرَها تُعارِضُهُ الأدِلَّةُ القاطِعَةُ عَلى أنَّ إسْلامَ الكافِرِ مَقْبُولٌ. ولَوْ تَكَرَّرَ مِنهُ الكُفْرُ، وأنَّ تَوْبَةَ العُصاةِ مَقْبُولَةٌ، ولَوْ وقَعَ نَقْضُها عَلى أصَحِّ الأقْوالِ وسَيَجِيءُ مِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ النِّساءِ وهو قَوْلُهُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] .

آل عمران 3:91

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ . اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ حالِ الكافِرِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى كُفْرِهِمْ، نَشَأ عَنْ حُكْمِ فَرِيقٍ مِنَ الكُفّارِ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الكُفْرُ حَتّى رَسَخَ فِيهِمْ وصارَ لَهم دَيْدَنًا. وإنْ كانَ المُرادُ في الآيَةِ السّابِقَةِ مِنَ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكُفْرِ، كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ كالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِلْأُولى أُعِيدَتْ لِيُبْنى عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ وأيًّا ما كانَ فالمُرادُ بِالمَوْصُولِ هُنا العُمُومُ مِثْلُ المُعَرَّفِ بِلامِ الِاسْتِغْراقِ. والفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ﴾ مُؤْذِنَةٌ بِمُعامَلَةِ المَوْصُولِ مُعامَلَةَ اسْمِ الشَّرْطِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ الصِّلَةَ هي عِلَّةُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقْتَرِنْ خَبَرُ المَوْصُولِ بِالفاءِ في الجُمْلَةِ صفحة ٣٠٦ الَّتِي قَبْلَها: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] لِأنَّهم إذا فَعَلُوا ذَلِكَ ولَمْ يَمُوتُوا كافِرِينَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهم، بِخِلافِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ عَلى الكُفْرِ فَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ مِنهم مُصَرَّحٌ بِهِ، وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها في مَوْضِعِ خَبَرِ إنَّ وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهُ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ إلى آخِرِها مُعْتَرِضَةً بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها مُقْتَرِنَةً بِالفاءِ كالَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٤] وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ خَبَرَ إنَّ. ومَعْنى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا﴾ لَنْ يُقْبَلَ مِنهم بِشَيْءٍ يَفْتَدُونَ بِهِ في الآخِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لَيْسَ المُرادُ نَفْيَ قَبُولِ الِافْتِداءِ في الدُّنْيا. ضَرُورَةً أنَّهم وُصِفُوا بِأنَّهم ماتُوا وهم كُفّارٌ. والمِلْءُ بِكَسْرِ المِيمِ ما يَمْلَأُ وِعاءً، ومِلْءُ الأرْضِ في كَلامِهِمْ كِنايَةٌ عَنِ الكَثْرَةِ المُتَعَذِّرَةِ، لِأنَّ الأرْضَ لا يَمْلَؤُها شَيْءٌ مِنَ المَوْجُوداتِ المُقَدَّرَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ عَدَدُ رِمالِ الدَّهْناءِ، وعَدَدُ الحَصى، ومُيِّزَ هَذا المِقْدارُ (بِذَهَبًا) لِعِزَّةِ الذَّهَبِ وتَنافُسِ النّاسِ في اقْتِنائِهِ وقَبُولِ حاجَةِ مَن بَذَلَهُ قالَ الحَرِيرِيُّ: وقارَنَتْ نُجْحَ المَساعِي خَطْرَتُهُ وقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْقِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ لا يُقْبَلُ مِنهم ولَوْ في حالِ فَرْضِ الِافْتِداءِ بِهِ، وحَرْفُ (لَوْ) لِلشَّرْطِ وحَذْفُ جَوابِهِ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، ومِثْلُ هَذا الِاسْتِعْمالِ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ، ولِكَثْرَتِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ: إنَّ لَوْ وإنِ الشَّرْطِيَّتَيْنِ في مِثْلِهِ مُجَرَّدَتانِ عَنْ مَعْنى الشَّرْطِ لا يُقْصَدُ بِهِما إلّا المُبالَغَةُ، ولَقَّبُوهُما بِالوَصْلِيَّتَيْنِ: أيْ أنَّهُما لِمُجَرَّدِ الوَصْلِ والرَّبْطِ في مَقامِ التَّأْكِيدِ. وتَرَدَّدُوا أيْضًا في إعْرابِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هَذا المَوْقِعَ، وفي الواوِ المُقْتَرِنَةِ بِها، والمُحَقِّقُونَ عَلى أنَّها واوُ الحالِ وإلَيْهِ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ جِنِّيٍّ، والمَرْزُوقِيُّ. ومِنَ النُّحاةِ مَن جَعَلَ الواوَ عاطِفَةً عَلى شَرْطٍ مَحْذُوفٍ هو ضِدُّ الشَّرْطِ المَذْكُورِ: كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] . ومِنَ النُّحاةِ مَن جَعَلَ الواوَ لِلِاسْتِئْنافِ، ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ رادًّا عَلَيْهِ، ولَيْسَ حَقِيقًا بِالرَّدِّ: فَإنَّ لِلِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ مَوْقِعًا مَعَ هَذِهِ الواوِ. صفحة ٣٠٧ هَذا وإنَّ مَواقِعَ هَذِهِ الواوِ تُؤْذِنُ بِأنَّ الشَّرْطَ الَّذِي بَعْدَها شَرْطٌ مَفْرُوضٌ هو غايَةُ ما يُتَوَقَّعُ مَعَهُ انْتِفاءُ الحُكْمِ الَّذِي قَبْلَها، فَيَذْكُرُهُ المُتَكَلِّمُ لِقَصْدِ تَحَقُّقِ الحُكْمِ في سائِرِ الأحْوالِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ ∗∗∗ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا ولِذاكَ جَرَتْ عادَةُ النُّحاةِ أنْ يُقَدِّرُوا قَبْلَها شَرْطًا هو نَقِيضُ الشَّرْطِ الَّذِي بَعْدَها فَيَقُولُونَ في مِثْلِ قَوْلِهِ: وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا - إنْ لَمْ تُرَدَّ بُرْدًا بَلْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا - وكَذا قَوْلُ النّابِغَةِ: سَأكْعَمُ كَلْبِي أنْ يَرِيبَكَ نَبْحُهُ ∗∗∗ ولَوْ كُنْتُ أرْعى مُسْحَلانِ فَحامِرا ولِأجْلِ ذَلِكَ، ورَدَ إشْكالٌ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: لِأنَّ ما بَعْدَ (( ولَوْ) ) فِيها هو عَيْنُ ما قَبْلَها، إذِ الِافْتِداءُ هو عَيْنُ بَذْلِ مِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، فَلا يَسْتَقِيمُ تَقْدِيرُ إنْ لَمْ يَفْتَدِ بِهِ بَلْ ولَوِ افْتَدى بِهِ، ولِذَلِكَ احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلاتٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبا يُنْفِقُهُ في الدُّنْيا ولَوِ افْتَدى بِهِ في الآخِرَةِ، أيْ لا يَفْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ العَذابِ، وهَذا الوَجْهُ بِعِيدٌ، إذْ لا يُقَدَّرُ أنَّ في الآخِرَةِ افْتِداءً حَتّى يُبالَغَ عَلَيْهِ، وقالَ قَوْمٌ: الواوُ زائِدَةٌ، وقالَ في الكَشّافِ: هو مَحْمُولٌ عَلى المَعْنى كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَنْ تُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ فِدْيَةٌ ولَوِ افْتَدى بِمِلْءِ الأرْضِ ذَهَبًا، يُرِيدُ أنَّ كَلِمَةَ مِلْءِ الأرْضِ في قُوَّةِ كَلِمَةِ فِدْيَةٍ واخْتُصِرَ بَعْدَ ذَلِكَ بِالضَّمِيرِ، قالَ ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ كَلِمَةٌ (مِثْلُ)، قَبْلَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ: أيْ ولَوِ افْتَدى بِمِثْلِهِ أيْ ولَوْ زادَ ضِعْفَهُ كَقَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ﴾ [الزمر: ٤٧] . وعِنْدِي أنَّ مَوْقِعَ هَذا الشَّرْطِ في الآيَةِ جارٍ عَلى اسْتِعْمالٍ غَفَلَ أهْلُ العَرَبِيَّةِ عَنْ ذِكْرِهِ وهو: أنْ يَقَعَ الشَّرْطُ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جَوابًا لِسُؤالٍ، مُحَقَّقٍ أوْ مُقَدَّرٍ، يَتَوَهَّمُهُ المُتَكَلِّمُ مِنَ المُخاطَبِ فَيُرِيدُ تَقْدِيرَهُ، فَلا يَقْتَضِي أنَّ شَرْطَها هو غايَةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ كَذَلِكَ، وقَدْ يَكُونُ السُّؤالُ مُجَرَّدَ اسْتِغْرابٍ مِنَ الحُكْمِ فَيَقَعُ بِإعادَةِ ما تَضَمَّنَهُ الحُكْمُ تَثْبِيتًا عَلى المُتَكَلِّمِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: (( ادْرِ ما تَقُولُ) ) فَيُجِيبُ المُتَكَلِّمُ بِإعادَةِ السُّؤالِ تَقْرِيرًا لَهُ وإيذانًا بِأنَّهُ تَكَلَّمَ عَنْ بَيِّنَةٍ، نَعَمْ إنَّ الغالِبَ أنْ يَكُونَ السُّؤالُ عَنِ الغايَةِ وذَلِكَ كَقَوْلِ رُؤْبَةَ، وهو مِن شَواهِدِ هَذا: قالَتْ بَناتُ العَمِّ يا سَلْمى وإنْ ∗∗∗ كانَ فَقِيرًا مُعْدِمًا قالَتْ وإنْ صفحة ٣٠٨ وقَدْ يُحْذَفُ السُّؤالُ ويَبْقى الجَوابُ كَقَوْلِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ: لا تَأْخُذَنِّي بِأقْوالِ الوُشاةِ ولَمْ ∗∗∗ أُذْنِبْ وإنْ كَثُرَتْ فِيَّ الأقاوِيلُ وقَدْ يُذْكَرُ السُّؤالُ ولا يُذْكَرُ الجَوابُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ولا يَعْقِلُونَ﴾ [الزمر: ٤٣] فَلَوْ ذُكِرَ الجَوابُ مِن قِبَلِ المُشْرِكِينَ لَأجابُوا بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ. فَقَوْلُهُ ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ جَوابُ سُؤالِ مُتَعَجِّبٍ مِنَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ ولَوِ افْتَدى بِهِ فَأُجِيبَ بِتَقْرِيرِ ذَلِكَ عَلى حَدِّ بَيْتِ كَعْبٍ. فَمُفادُ هَذا الشَّرْطِ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ التَّأْكِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الشَّرْطُ عَطْفًا عَلى مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ افْتَدى: أيْ لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا يَجْعَلُهُ رَهِينَةً. ولَوْ بَذَلَهُ فِدْيَةً، لِأنَّ مِن عادَةِ العَرَبِ أنَّ المَطْلُوبَ بِحَقٍّ قَدْ يُعْطِي فِيهِ رَهْنًا إلى أنْ يَقَعَ الصُّلْحُ أوِ العَفْوُ، وكَذَلِكَ في الدُّيُونِ، وكانُوا إذا تَعاهَدُوا عَلى صُلْحٍ أعْطَتِ القَبائِلُ رَهائِنَ مِنهم كَما قالَ الحارِثُ: واذْكُرُوا حِلْفَ ذِي المَجازِ وما قُدِّ ∗∗∗ مَ فِيهِ العُهُودُ والكُفَلاءُ ووَقَعَ في حَدِيثِ أبِي رافِعٍ اليَهُودِيِّ أنَّ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قالَ لِأبِي رافِعٍ: نَرْهَنُكَ السِّلاحَ واللّامَةَ. وجُمْلَةُ ﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ فَذْلَكَةٌ لِلْمُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] الآيَتَيْنِ. وقَوْلُهُ ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ تَكْمِيلٌ لِنَفْيِ أحْوالِ الغَناءِ عَنْهم وذَلِكَ أنَّ المَأْخُوذَ بِشَيْءٍ قَدْ يُعْطِي فِدْيَةً مِن مالٍ، وقَدْ يَكْفُلُهُ مَن يُوثَقُ بِكَفالَتِهِمْ، أوْ يَشْفَعُ لَهُ مَن هو مَسْمُوعُ الكَلِمَةِ، وكُلٌّ مِنَ الكَفِيلِ والشَّفِيعِ ناصِرٌ.

آل عمران 3:92

صفحة ٥ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ . اسْتِئْنافٌ وقَعَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١] الآيَةَ، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣] . وافْتِتاحُ الكَلامِ بِبَيانِ بَعْضِ وسائِلِ البِرِّ إيذانٌ بِأنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ تَدُورُ عَلى مِحْوَرِ البِرِّ، وأنَّ البِرَّ مَعْنًى نَفْسانِيٌّ عَظِيمٌ لا يَخْرِمُ حَقِيقَتَهُ إلّا ما يُفْضِي إلى نَقْضِ أصْلٍ مِن أُصُولِ الِاسْتِقامَةِ النَّفْسانِيَّةِ، فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أمْرانِ: أوَّلُهُما التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ والتَّنْوِيهُ بِأنَّهُ مِنَ البِرِّ، وثانِيهِما التَّنْوِيهُ بِالبِرِّ الَّذِي الإنْفاقُ خَصْلَةٌ مِن خِصالِهِ. ومُناسِبَةُ مَوْقِعِ هَذِهِ الآيَةِ تِلْوَ سابِقَتِها أنَّ الآيَةَ السّابِقَةَ لَمّا بَيَّنَتْ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ أعْظَمُ ما يُنْفِقُهُ، بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةَ ما يَنْفَعُ أهْلَ الإيمانِ مِن بَذْلِ المالِ، وأنَّهُ يَبْلُغُ بِصاحِبِهِ مَرْتَبَةَ البِرِّ، فَبَيْنَ الطَّرَفَيْنِ مَراتِبُ كَثِيرَةٌ قَدْ عَلِمَها الفُطَناءُ مِن هَذِهِ المُقابَلَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ مِن كُلِّ خِطابٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ ما يُعَيِّنُ المَقْصُودَ مِنهُ. والبِرُّ كَمالُ الخَيْرِ وشُمُولُهُ في نَوْعِهِ: إذِ الخَيْرُ قَدْ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ، وبِالكَمِّيَّةِ، وبِهِما مَعًا، فَبَذْلُ النَّفْسِ في نَصْرِ الدِّينِ يَعْظُمُ بِالكَيْفِيَّةِ في مُلاقاةِ العَدُوِّ الكَثِيرِ بِالعَدَدِ القَلِيلِ، وكَذَلِكَ إنْقاذُ الغَرِيقِ في حالَةِ هَوْلِ البَحْرِ، ولا يُتَصَوَّرُ في مِثْلِ ذَلِكَ تَعَدُّدٌ، وإطْعامُ الجائِعِ يَعْظُمُ بِالتَّعَدُّدِ، والإنْفاقُ يَعْظُمُ بِالأمْرَيْنِ جَمِيعًا، والجَزاءُ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ إذا بَلَغَ كَمالَ الجَزاءِ وشُمُولَهُ كانَ بَرًّا أيْضًا. صفحة ٦ ورَوى النَّوّاسُ بْنُ سِمْعانَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهُ قالَ «البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ» رَواهُ مُسْلِمٌ. ومُقابَلَةُ البِرِّ بِالإثْمِ تَدُلُّ عَلى أنَّ البِرَّ ضِدُّ الإثْمِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] . وقَدْ جُعِلَ الإنْفاقُ مِن نَفْسِ المالِ المُحَبِّ غايَةً لِانْتِفاءِ نَوالِ البِرِّ، ومُقْتَضى الغايَةِ أنَّ نَوالَ البِرِّ لا يَحْصُلُ بِدُونِها، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّ قَبْلَ الإنْفاقِ مَسافاتٍ مَعْنَوِيَّةً في الطَّرِيقِ المُوَصِّلَةِ إلى البِرِّ، وتِلْكَ هي خِصالُ البِرِّ كُلُّها، بَقِيَتْ غَيْرَ مَسْلُوكَةٍ، وأنَّ البِرَّ لا يَحْصُلُ إلّا بِنِهايَتِها وهو الإنْفاقُ مِنَ المَحْبُوبِ، فَظَهَرَ لِحَتّى هُنا مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يَخْلُفُها فِيهِ غَيْرُها: لِأنَّهُ لَوْ قِيلَ إلّا أنْ تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ، لَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّ الإنْفاقَ مِنَ المُحَبِّ وحْدَهُ يُوجِبُ نَوالَ البِرَّ، وفاتَتِ الدَّلالَةُ عَلى المَسافاتِ والدَّرَجاتِ الَّتِي أشْعَرَتْ بِها حَتّى الغائِيَّةُ. وتَنالُوا مُشْتَقٌّ مِنَ النَّوالِ وهو التَّحْصِيلُ عَلى الشَّيْءِ المُعْطى. والتَّعْرِيفُ في البِرِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ: لِأنَّ هَذا الجِنْسَ مُرَكَّبٌ مِن أفْعالٍ كَثِيرَةٍ مِنها الإنْفاقُ المَخْصُوصُ، فَبِدُونِهِ لا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الحَقِيقَةُ. والإنْفاقُ: إعْطاءُ المالِ والقُوتِ والكُسْوَةِ. وماصَدَقَ (ما) في قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُحِبُّونَ﴾ المالَ: أيِ النَّفِيسَ المالَ العَزِيزَ عَلى النَّفْسِ، وسَوَّغَ هَذا الإبْهامَ هُنا وُجُودُ تُنْفِقُوا إذِ الإنْفاقُ لا يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ بَذْلِ المالِ فَمِن لِلتَّبْعِيضِ لا غَيْرَ، ومَن جَوَّزَ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْيِينِ فَقَدْ سَها لِأنَّ التَّبْيِينِيَّةَ لابُدَّ أنْ تُسْبَقَ بِلَفْظٍ مُبْهَمٍ. والمالُ المَحْبُوبُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ المُتَصَدِّقِينَ، ورَغَباتِهِمْ، وسَعَةِ ثَرَواتِهِمْ، والإنْفاقُ مِنهُ أيِ التَّصُدُّقُ دَلِيلٌ عَلى سَخاءٍ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وفي ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ مِن بَقِيَّةِ ما فِيها مِنَ الشُّحِّ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] وفي ذَلِكَ صَلاحٌ عَظِيمٌ لِلْأُمَّةِ إذْ تَجُودُ أغْنِياؤُها عَلى فُقَرائِها بِما تَطْمَحُ إلَيْهِ نُفُوسُهم مِن نَفائِسِ الأمْوالِ فَتَشْتَدُّ بِذَلِكَ أواصِرُ الأُخُوَّةِ، ويَهْنَأُ عَيْشُ الجَمِيعِ. صفحة ٧ رَوى مالِكٌ في المُوَطَّأِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: «كانَ أبُو طَلْحَةَ أكْثَرَ أنْصارِيٍّ بِالمَدِينَةِ مالًا، وكانَ أحَبُّ أمْوالِهِ بِئْرَ حاءٍ، وكانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُها ويَشْرَبُ مِن ماءٍ فِيها طَيِّبٍ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ جاءَ أبُو طَلْحَةَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾، وإنَّ أحَبَّ أمْوالِي بِئْرُ حاءٍ وإنَّها صَدَقَةٌ لِلَّهِ وأرْجُو بِرَّها وذُخْرَها عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْها يا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أراكَ اللَّهُ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ فَبَخٍ ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، ذَلِكَ مالٌ رابِحٌ، وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتَ وإنِّي أرى أنْ تَجْعَلَها في الأقْرَبِينَ، فَقالَ: أفْعَلُ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَجَعَلَها لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ» . وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ خِصالَ البِرِّ في قَوْلِهِ ﴿ولَكِنِ البِرُّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيئِينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. فالبِرُّ هو الوَفاءُ بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ مِمّا يَعْرِضُ لِلْمَرْءِ في أفْعالِهِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّقْوى في قَوْلِهِ ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٢] فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ كَما في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثِ النَّوّاسِ بْنِ سِمْعانَ المُتَقَدِّمِ آنِفًا. وقَوْلُهُ ﴿وما تُنْفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ قُصِدَ بِهِ تَعْمِيمُ أنْواعِ الإنْفاقِ، وتَبْيِينُ أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن مَقاصِدِ المُنْفِقِينَ، وقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ القَلِيلُ نَفِيسًا بِحَسْبِ حالِ صاحِبِهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٩] . صفحة ٨ وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ مُرادٌ بِهِ صَرِيحُهُ أيْ يَطَّلِعُ عَلى مِقْدارِ وقْعِهِ مِمّا رَغَّبَ فِيهِ، ومُرادٌ بِهِ الكِنايَةُ عَنِ الجَزاءِ عَلَيْهِ.

آل عمران 3:93

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ. وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ . ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ. صفحة ٩ وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ الرَّدِّ إذِ المَقْصُودُ تَنْبِيهُهم عَلى ما تَناسَوْهُ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِكَوْنِ يَعْقُوبَ كانَ قَبْلَ مُوسى، وقالَ العِصامُ: يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ بِقَوْلِهِ حِلًّا لِئَلّا يَلْزَمَ خُلُوُّهُ عَنِ الفائِدَةِ، وهو غَيْرُ مُجْدٍ لِأنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ حِلّا وتَبَيَّنَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ الكَلامَ عَلى زَمَنِ يَعْقُوبَ، صارَ ذِكْرُ القَيْدِ لَغْوًا لَوْلا تَنْزِيلُهم مَنزِلَةَ الجاهِلِ، وقَصْدُ إعْلانِ التَّسْجِيلِ بِخَطَئِهِمْ والتَّعْرِيضُ بِغَباوَتِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في زَعْمِكم أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قُلْناهُ أوْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ: مِن قَوْلِكم إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ، وهو أمْرٌ لِلتَّعْجِيزِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِها إذا اسْتَدَلُّوا عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَأْتُوا فاءُ التَّفْرِيعِ. صفحة ١٠ وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ التَّفْرِيعِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ نِهايَةٌ لِتَسْجِيلِ كَذِبِهِمْ أيْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، أيْ فَمَنِ افْتَرى مِنكم بَعْدَ أنْ جَعَلْنا التَّوْراةَ فَيْصَلًا بَيْنَنا، إذْ لَمْ يَبْقَ لَهم ما يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدَّعُوهُ شُبْهَةً لَهم في الِاخْتِلاقِ، وجُعِلَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ لِتَعَلُّقِهِ بِدِينِ اللَّهِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الأمْرِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ، وهو مُرادِفُ الِاخْتِلاقِ. والِافْتِراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْيِ، وهو قَطْعُ الجِلْدِ قِطَعًا لِيُصْلَحَ بِهِ مِثْلَ أنْ يُحْذى النَّعْلَ ويُصْنَعَ النَّطْعُ أوِ القِرْبَةُ. وافْتَرى افْتِعالٌ مِن فَرى لَعَلَّهُ لِإفادَةِ المُبالِغَةِ في الفَرْيِ، يُقالُ: افْتَرى الجِلْدَ كَأنَّهُ اشْتَدَّ في تَقْطِيعِهِ أوْ قَطَّعَهُ تَقْطِيعَ إفْسادٍ، وهو أكْثَرُ إطْلاقِ افْتَرى. فَأطْلَقُوا عَلى الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ بِأنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الِافْتِراءِ بِمَعْنى الكَذِبِ، كَأنَّ أصْلَهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَذِبِ وتَلْمِيحٌ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مُرادِفًا لِلْكَذِبِ، ونَظِيرُهُ إطْلاقُ اسْمِ الِاخْتِلاقِ عَلى الكَذِبِ، فالِافْتِراءُ مُرادِفٌ لِلْكَذِبِ، وإرْدافُهُ بِقَوْلِهِ هُنا الكَذِبَ تَأْكِيدٌ لِلِافْتِراءِ، وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُ هَذا الإرْدافِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ. فانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكَّدِ لِفِعْلِهِ. واللّامُ في الكَذِبِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ فَهو كَقَوْلِهِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ. والكَذِبُ: الخَبَرُ المُخالِفُ لِما هو حاصِلٌ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ الخَبَرِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ أوْ هو عَلى خِلافِ ما يَعْتَقِدُهُ، ولَكِنَّهُ إذا اجْتَمَعَ في الخَبَرِ المُخالَفَةُ لِلْواقِعِ والمُخالَفَةُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ كانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا ومَسَبَّةً؛ وإنْ كانَ مُعْتَقَدًا وُقُوعُهُ لِشُبْهَةٍ أوْ سُوءِ تَأمُّلٍ فَهو مَذْمُومٌ ولَكِنَّهُ لا يُحَقَّرُ المُخْبِرُ بِهِ، والأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُعْنى بِالكَذِبِ ما هو مَذْمُومٌ. ثُمَّ أعْلَنَ أنَّ المُتَعَيِّنَ في جانِبِهِ الصِّدْقُ هو خَبَرُ اللَّهِ تَعالى لِلْجَزْمِ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ صفحة ١١ بِالتَّوْراةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن إعْلانِ كَذِبِهِمْ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ قالَ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ وهو تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ لِأنَّ صِدْقَ أحَدِ الخَبَرَيْنِ المُتَنافِيَيْنِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الآخَرِ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الأصْلِيِّ والكِنائِيِّ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى صَدَقَ اللَّهُ لَأنَ اتِّباعَ الصّادِقِ فِيما أمَرَ بِهِ مَنجاةٌ مِنَ الخَطَرِ.

آل عمران 3:94

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ. وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ . ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ. صفحة ٩ وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ الرَّدِّ إذِ المَقْصُودُ تَنْبِيهُهم عَلى ما تَناسَوْهُ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِكَوْنِ يَعْقُوبَ كانَ قَبْلَ مُوسى، وقالَ العِصامُ: يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ بِقَوْلِهِ حِلًّا لِئَلّا يَلْزَمَ خُلُوُّهُ عَنِ الفائِدَةِ، وهو غَيْرُ مُجْدٍ لِأنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ حِلّا وتَبَيَّنَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ الكَلامَ عَلى زَمَنِ يَعْقُوبَ، صارَ ذِكْرُ القَيْدِ لَغْوًا لَوْلا تَنْزِيلُهم مَنزِلَةَ الجاهِلِ، وقَصْدُ إعْلانِ التَّسْجِيلِ بِخَطَئِهِمْ والتَّعْرِيضُ بِغَباوَتِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في زَعْمِكم أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قُلْناهُ أوْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ: مِن قَوْلِكم إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ، وهو أمْرٌ لِلتَّعْجِيزِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِها إذا اسْتَدَلُّوا عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَأْتُوا فاءُ التَّفْرِيعِ. صفحة ١٠ وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ التَّفْرِيعِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ نِهايَةٌ لِتَسْجِيلِ كَذِبِهِمْ أيْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، أيْ فَمَنِ افْتَرى مِنكم بَعْدَ أنْ جَعَلْنا التَّوْراةَ فَيْصَلًا بَيْنَنا، إذْ لَمْ يَبْقَ لَهم ما يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدَّعُوهُ شُبْهَةً لَهم في الِاخْتِلاقِ، وجُعِلَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ لِتَعَلُّقِهِ بِدِينِ اللَّهِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الأمْرِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ، وهو مُرادِفُ الِاخْتِلاقِ. والِافْتِراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْيِ، وهو قَطْعُ الجِلْدِ قِطَعًا لِيُصْلَحَ بِهِ مِثْلَ أنْ يُحْذى النَّعْلَ ويُصْنَعَ النَّطْعُ أوِ القِرْبَةُ. وافْتَرى افْتِعالٌ مِن فَرى لَعَلَّهُ لِإفادَةِ المُبالِغَةِ في الفَرْيِ، يُقالُ: افْتَرى الجِلْدَ كَأنَّهُ اشْتَدَّ في تَقْطِيعِهِ أوْ قَطَّعَهُ تَقْطِيعَ إفْسادٍ، وهو أكْثَرُ إطْلاقِ افْتَرى. فَأطْلَقُوا عَلى الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ بِأنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الِافْتِراءِ بِمَعْنى الكَذِبِ، كَأنَّ أصْلَهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَذِبِ وتَلْمِيحٌ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مُرادِفًا لِلْكَذِبِ، ونَظِيرُهُ إطْلاقُ اسْمِ الِاخْتِلاقِ عَلى الكَذِبِ، فالِافْتِراءُ مُرادِفٌ لِلْكَذِبِ، وإرْدافُهُ بِقَوْلِهِ هُنا الكَذِبَ تَأْكِيدٌ لِلِافْتِراءِ، وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُ هَذا الإرْدافِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ. فانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكَّدِ لِفِعْلِهِ. واللّامُ في الكَذِبِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ فَهو كَقَوْلِهِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ. والكَذِبُ: الخَبَرُ المُخالِفُ لِما هو حاصِلٌ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ الخَبَرِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ أوْ هو عَلى خِلافِ ما يَعْتَقِدُهُ، ولَكِنَّهُ إذا اجْتَمَعَ في الخَبَرِ المُخالَفَةُ لِلْواقِعِ والمُخالَفَةُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ كانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا ومَسَبَّةً؛ وإنْ كانَ مُعْتَقَدًا وُقُوعُهُ لِشُبْهَةٍ أوْ سُوءِ تَأمُّلٍ فَهو مَذْمُومٌ ولَكِنَّهُ لا يُحَقَّرُ المُخْبِرُ بِهِ، والأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُعْنى بِالكَذِبِ ما هو مَذْمُومٌ. ثُمَّ أعْلَنَ أنَّ المُتَعَيِّنَ في جانِبِهِ الصِّدْقُ هو خَبَرُ اللَّهِ تَعالى لِلْجَزْمِ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ صفحة ١١ بِالتَّوْراةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن إعْلانِ كَذِبِهِمْ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ قالَ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ وهو تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ لِأنَّ صِدْقَ أحَدِ الخَبَرَيْنِ المُتَنافِيَيْنِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الآخَرِ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الأصْلِيِّ والكِنائِيِّ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى صَدَقَ اللَّهُ لَأنَ اتِّباعَ الصّادِقِ فِيما أمَرَ بِهِ مَنجاةٌ مِنَ الخَطَرِ.

آل عمران 3:95

﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ إلّا ما حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾، ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ . هَذا يَرْتَبِطُ بِالآيِ السّابِقَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا﴾ [آل عمران: ٦٧] وما بَيْنَهُما اعْتِراضاتٌ وانْتِقالاتٌ في فُنُونِ الخِطابِ. وهَذِهِ حُجَّةٌ جُزْئِيَّةٌ بَعْدَ الحُجَجِ الأصْلِيَّةِ عَلى أنَّ دِينَ اليَهُودِيَّةِ لَيْسَ مِنَ الحَنِيفِيَّةِ في شَيْءٍ، فَإنَّ الحَنِيفِيَّةَ لَمْ يَكُنْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ بِنَصِّ التَّوْراةِ مُحَرَّمًا فِيها، ولِذَلِكَ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَبْلَ التَّوْراةِ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، فَلَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ إلّا طَعامًا حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ. والحُجَّةُ ظاهِرَةٌ ويَدُلُّ لِهَذا الِارْتِباطِ قَوْلُهُ في آخِرِها ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ . ويُحْتَمَلُ أنَّ اليَهُودَ مَعَ ذَلِكَ طَعَنُوا في الإسْلامِ، وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى شَرِيعَةِ إبْراهِيمَ، إذْ أباحَ لِلْمُسْلِمِينَ أكْلَ المُحَرَّماتِ عَلى اليَهُودِ، جَهْلًا مِنهم بِتارِيخِ تَشْرِيعِهِمْ، أوْ تَضْلِيلًا مِن أحْبارِهِمْ لِعامَّتِهِمْ، تَنْفِيرًا عَنِ الإسْلامِ، لِأنَّ الأُمَمَ في سَذاجَتِهِمْ إنَّما يَتَعَلَّقُونَ بِالمَأْلُوفاتِ، فَيَعُدُّونَها كالحَقائِقِ، ويُقِيمُونَها مِيزانًا لِلْقَبُولِ والنَّقْدِ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ هَذا مِمّا لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ في بَقِيَّةِ الأدْيانِ، وحَسْبُكم أنَّ دِينًا عَظِيمًا وهو دِينُ إبْراهِيمَ، وزُمْرَةٍ مِنَ الأنْبِياءِ مِن بَنِيهِ وحَفَدَتِهِ، لَمْ يَكُونُوا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ. صفحة ٩ وتَعْرِيفُ الطَّعامِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ. وكُلُّ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ بِهَذا الحُكْمِ لِأنَّهُ أصْرَحُ ما في التَّوْراةِ دَلالَةً عَلى وُقُوعِ النَّسَخِ فَإنَّ التَّوْراةَ ذَكَرَتْ في سِفْرِ التَّكْوِينِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ أكْلَ عِرْقِ النَّسا الَّذِي عَلى الفَخِذِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ لُحُومَ الإبِلِ وألْبانَها، فَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلى وجْهِ النُّذُرِ، وقِيلَ: إنَّ الأطِبّاءَ نَهَوْهُ عَنْ أكْلِ ما فِيهِ عِرْقُ النَّسا لِأنَّهُ كانَ مُبْتَلًى بِوَجَعِ نَساهُ، وفي الحَدِيثِ أنَّ يَعْقُوبَ كانَ في البَدْوِ فَلَمْ تَسْتَقِمْ عافِيَتُهُ بِأكْلِ اللَّحْمِ الَّذِي فِيهِ النَّسا. وما حَرَّمَهُ يَعْقُوبُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّعامِ: ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ إلَيْهِ، بَلْ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ، فَبَعْضُهُ أرادَ بِهِ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ بِحِرْمانِ نَفْسِهِ مِن بَعْضِ الطَّيِّباتِ المُشْتَهاةِ، وهَذا مِن جِهادِ النَّفْسِ، وهو مِن مَقاماتِ الزّاهِدِينَ، وكانَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ عَلى نَفْسِهِ بِالنَّذْرِ أوْ بِالعَزْمِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ لِلْأنْبِياءِ في التَّشْرِيعِ لِأنَّ هَذا مِن تَصَرُّفِهِ في نَفْسِهِ فِيما أُبِيحَ لَهُ، ولَمْ يَدْعُ إلَيْهِ غَيْرَهُ، ولَعَلَّ أبْناءَ يَعْقُوبَ تَأسَّوْا بِأبِيهِمْ فِيما حَرَّمَهُ عَلى نَفْسِهِ فاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِيهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ تَصْرِيحٌ بِمَحَلِّ الحُجَّةِ مِنَ الرَّدِّ إذِ المَقْصُودُ تَنْبِيهُهم عَلى ما تَناسَوْهُ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ بِكَوْنِ يَعْقُوبَ كانَ قَبْلَ مُوسى، وقالَ العِصامُ: يَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ ﴿مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ بِقَوْلِهِ حِلًّا لِئَلّا يَلْزَمَ خُلُوُّهُ عَنِ الفائِدَةِ، وهو غَيْرُ مُجْدٍ لِأنَّهُ لَمّا تَأخَّرَ عَنِ الِاسْتِثْناءِ مِن قَوْلِهِ حِلّا وتَبَيَّنَ مِنَ الِاسْتِثْناءِ أنَّ الكَلامَ عَلى زَمَنِ يَعْقُوبَ، صارَ ذِكْرُ القَيْدِ لَغْوًا لَوْلا تَنْزِيلُهم مَنزِلَةَ الجاهِلِ، وقَصْدُ إعْلانِ التَّسْجِيلِ بِخَطَئِهِمْ والتَّعْرِيضُ بِغَباوَتِهِمْ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في زَعْمِكم أنَّ الأمْرَ لَيْسَ كَما قُلْناهُ أوْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ: مِن قَوْلِكم إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَلى دِينِ اليَهُودِيَّةِ، وهو أمْرٌ لِلتَّعْجِيزِ، إذْ قَدْ عُلِمَ أنَّهم لا يَأْتُونَ بِها إذا اسْتَدَلُّوا عَلى الصِّدْقِ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَأْتُوا فاءُ التَّفْرِيعِ. صفحة ١٠ وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ شَرْطٌ حُذِفَ جَوابُهُ لِدَلالَةِ التَّفْرِيعِ الَّذِي قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ. وقَوْلُهُ ﴿فَمَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ الكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ نِهايَةٌ لِتَسْجِيلِ كَذِبِهِمْ أيْ مَنِ اسْتَمَرَّ عَلى الكَذِبِ عَلى اللَّهِ، أيْ فَمَنِ افْتَرى مِنكم بَعْدَ أنْ جَعَلْنا التَّوْراةَ فَيْصَلًا بَيْنَنا، إذْ لَمْ يَبْقَ لَهم ما يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدَّعُوهُ شُبْهَةً لَهم في الِاخْتِلاقِ، وجُعِلَ الِافْتِراءُ عَلى اللَّهِ لِتَعَلُّقِهِ بِدِينِ اللَّهِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى الأمْرِ. والِافْتِراءُ: الكَذِبُ، وهو مُرادِفُ الِاخْتِلاقِ. والِافْتِراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفَرْيِ، وهو قَطْعُ الجِلْدِ قِطَعًا لِيُصْلَحَ بِهِ مِثْلَ أنْ يُحْذى النَّعْلَ ويُصْنَعَ النَّطْعُ أوِ القِرْبَةُ. وافْتَرى افْتِعالٌ مِن فَرى لَعَلَّهُ لِإفادَةِ المُبالِغَةِ في الفَرْيِ، يُقالُ: افْتَرى الجِلْدَ كَأنَّهُ اشْتَدَّ في تَقْطِيعِهِ أوْ قَطَّعَهُ تَقْطِيعَ إفْسادٍ، وهو أكْثَرُ إطْلاقِ افْتَرى. فَأطْلَقُوا عَلى الإخْبارِ عَنْ شَيْءٍ بِأنَّهُ وقَعَ ولَمْ يَقَعِ اسْمُ الِافْتِراءِ بِمَعْنى الكَذِبِ، كَأنَّ أصْلَهُ كِنايَةٌ عَنِ الكَذِبِ وتَلْمِيحٌ، وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ مُرادِفًا لِلْكَذِبِ، ونَظِيرُهُ إطْلاقُ اسْمِ الِاخْتِلاقِ عَلى الكَذِبِ، فالِافْتِراءُ مُرادِفٌ لِلْكَذِبِ، وإرْدافُهُ بِقَوْلِهِ هُنا الكَذِبَ تَأْكِيدٌ لِلِافْتِراءِ، وتَكَرَّرَتْ نَظائِرُ هَذا الإرْدافِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ. فانْتَصَبَ الكَذِبُ عَلى المَفْعُولِ المُطْلَقِ المُؤَكَّدِ لِفِعْلِهِ. واللّامُ في الكَذِبِ لِتَعْرِيفِ الجِنْسِ فَهو كَقَوْلِهِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ. والكَذِبُ: الخَبَرُ المُخالِفُ لِما هو حاصِلٌ في نَفْسِ الأمْرِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى كَوْنِ الخَبَرِ مُوافِقًا لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ أوْ هو عَلى خِلافِ ما يَعْتَقِدُهُ، ولَكِنَّهُ إذا اجْتَمَعَ في الخَبَرِ المُخالَفَةُ لِلْواقِعِ والمُخالَفَةُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ كانَ ذَلِكَ مَذْمُومًا ومَسَبَّةً؛ وإنْ كانَ مُعْتَقَدًا وُقُوعُهُ لِشُبْهَةٍ أوْ سُوءِ تَأمُّلٍ فَهو مَذْمُومٌ ولَكِنَّهُ لا يُحَقَّرُ المُخْبِرُ بِهِ، والأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يُعْنى بِالكَذِبِ ما هو مَذْمُومٌ. ثُمَّ أعْلَنَ أنَّ المُتَعَيِّنَ في جانِبِهِ الصِّدْقُ هو خَبَرُ اللَّهِ تَعالى لِلْجَزْمِ بِأنَّهم لا يَأْتُونَ صفحة ١١ بِالتَّوْراةِ، وهَذا كَقَوْلِهِ ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا وبَعْدَ أنْ فَرَغَ مِن إعْلانِ كَذِبِهِمْ بِالحُجَّةِ القاطِعَةِ قالَ قُلْ صَدَقَ اللَّهُ وهو تَعْرِيضٌ بِكَذِبِهِمْ لِأنَّ صِدْقَ أحَدِ الخَبَرَيْنِ المُتَنافِيَيْنِ يَسْتَلْزِمُ كَذِبَ الآخَرِ، فَهو مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الأصْلِيِّ والكِنائِيِّ. والتَّفْرِيعُ في قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى صَدَقَ اللَّهُ لَأنَ اتِّباعَ الصّادِقِ فِيما أمَرَ بِهِ مَنجاةٌ مِنَ الخَطَرِ.

آل عمران 3:96

﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لِلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إبْراهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] . هَذا الكَلامُ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] لِأنَّ هَذا البَيْتَ المُنَوَّهَ بِشَأْنِهِ كانَ مَقامًا لِإبْراهِيمَ فَفَضائِلُ هَذا البَيْتِ تُحَقِّقُ فَضِيلَةَ شَرْعِ بانِيهِ في مُتَعارَفِ النّاسِ، فَهَذا الِاسْتِدْلالُ خِطابِيٌّ، وهو أيْضًا إخْبارٌ بِفَضِيلَةِ الكَعْبَةِ وحُرْمَتِها - فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ - . وقَدْ آذَنَ بِكَوْنِ الكَلامِ تَعْلِيلًا مَوْقِعُ إنَّ في أوَّلِهِ فَإنَّ التَّأْكِيدَ بِإنَّ هُنا لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ ولَيْسَ لِرَدِّ إنْكارِ مُنْكِرٍ، أوْ شَكِّ شاكٍّ. ومِن خَصائِصِ (إنَّ) إذا ورَدَتْ في الكَلامِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ، أنْ تُغْنِيَ غَناءَ فاءِ التَّفْرِيعِ وتُفِيدُ التَّعْلِيلَ والرَّبْطَ، كَما في دَلائِلِ الإعْجازِ. ولِما في هَذِهِ مِن إفادَةِ الرَّبْطِ اسْتُغْنِيَ عَنِ العَطْفِ لِكَوْنِ إنَّ مُؤْذِنَةً بِالرَّبْطِ. وبَيانُ وجْهِ التَّعْلِيلِ أنَّ هَذا البَيْتَ لَمّا كانَ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلْهُدى وإعْلانِ تَوْحِيدِ اللَّهِ لِيَكُونَ عَلَمًا مَشْهُودًا بِالحِسِّ عَلى مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ ونَفْيِ الإشْراكِ، فَقَدْ كانَ جامِعًا لِدَلائِلِ الحَنِيفِيَّةِ، فَإذا ثَبَتَ لَهُ شَرَفُ الأوَّلِيَّةِ ودَوامُ الحُرْمَةِ عَلى مَمَرِّ العُصُورِ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الهَياكِلِ الدِّينِيَّةِ الَّتِي نَشَأتْ بَعْدَهُ، وهو ماثِلٌ، كانَ ذَلِكَ دَلالَةً إلَهِيَّةً عَلى أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدِّينَ الَّذِي صفحة ١٢ قارَنَ إقامَتَهُ هو الدَّيْنُ المُرادُ لِلَّهِ، وهَذا يَئُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . وهَذا التَّعْلِيلُ خِطابِيٌّ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ اللُّزُومِ العُرْفِيِّ. وقالَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ: تَفاخَرَ المُسْلِمُونَ واليَهُودُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ وأعْظَمُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّهُ مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وفي الأرْضِ المُقَدَّسَةِ. وقالَ المُسْلِمُونَ: بَلِ الكَعْبَةُ أفْضَلُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأوَّلَ اسْمٌ لِلسّابِقِ في فِعْلٍ ما فَإذا أُضِيفَ إلى اسْمِ جِنْسٍ فَهو السّابِقُ مِن جِنْسِ ذَلِكَ المُضافِ إلَيْهِ في الشَّأْنِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ. والبَيْتُ بِناءٌ يُئْوِي واحِدًا أوْ جَماعَةً، فَيَكُونُ بَيْتَ سُكْنى، وبَيْتَ صَلاةٍ، وبَيْتَ نَدْوَةٍ، ويَكُونُ مَبْنِيًّا مِن حَجَرٍ أوْ مِن أثْوابِ نَسِيجِ شَعْرٍ أوْ صُوفٍ، ويَكُونُ مِن أدَمٍ فَيُسَمّى قُبَّةً قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلَ لَكم مِن جُلُودِ الأنْعامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] . ومَعْنى وُضِعَ أُسِّسَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ سُمِّيَ المَكانُ مَوْضِعًا، وأصْلُ الوَضْعِ أنَّهُ الحَطُّ ضِدُّ الرَّفْعِ، ولَمّا كانَ الشَّيْءُ المَرْفُوعُ بَعِيدًا عَنِ التَّناوُلِ، كانَ المَوْضُوعُ هو قَرِيبَ التَّناوُلِ، فَأُطْلِقَ الوَضْعُ لِمَعْنى الإدْناءِ لِلْمُتَناوَلِ، والتَّهْيِئَةِ لِلِانْتِفاعِ. والنّاسُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وبَكَّةُ اسْمُ مَكَّةَ. وهو لُغَةٌ بِإبْدالِ المِيمِ باءً في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ عُدَّتْ مِنَ المُتَرادِفِ: مَثَلُ لازِبٍ في لازِمٍ، وأرْبَدَ وأرْمَدَ أيْ في لَوْنِ الِرَمادِ، وفي سَماعِ ابْنِ القاسِمِ مِنَ العُتْبِيَّةِ عَنْ مالِكٍ: أنَّ بَكَّةَ بِالباءِ اسْمُ مَوْضِعِ البَيْتِ، وأنَّ مَكَّةَ بِالمِيمِ اسْمُ بَقِيَّةِ المَوْضِعِ، فَتَكُونُ باءُ الجَرِّ - هُنا - لِظَرْفِيَّةِ مَكانِ البَيْتِ خاصَّةً. لا لِسائِرِ البَلَدِ الَّذِي فِيهِ البَيْتُ، والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ بَكَّةَ اسْمٌ بِمَعْنى البَلْدَةِ وضَعَهُ إبْراهِيمُ عَلَمًا عَلى المَكانِ الَّذِي عَيَّنَهُ لِسُكْنى ولَدِهِ بِنِيَّةِ أنْ يَكُونَ بَلَدًا، فَيَكُونُ أصْلُهُ صفحة ١٣ مِنَ اللُّغَةِ الكَلْدانِيَّةِ، لُغَةِ إبْراهِيمَ، ألا تَرى أنَّهم سَمَّوْا مَدِينَةَ بَعْلَبَكَّ أيْ بَلَدَ بَعْلٍ وهو مَعْبُودُ الكَلْدانِيِّينَ، ومِن إعْجازِ القُرْآنِ هَذا اللَّفْظُ عِنْدَ ذِكْرِ كَوْنِهِ أوَّلَ بَيْتٍ، فَلاحِظْ أيْضًا الِاسْمَ الأوَّلَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ﴾ [النمل: ٩١] وقَوْلُهُ ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] . وقَدْ قِيلَ: إنَّ بَكَّةَ مُشْتَقٌّ مِنَ البَكِّ وهو الِازْدِحامُ، ولا أحْسَبُ قُصِدَ ذَلِكَ لِواضِعِ الِاسْمِ. وعُدِلَ عَنْ تَعْرِيفِ البَيْتِ بِاسْمِهِ العَلَمَ بِالغَلَبَةِ، وهو الكَعْبَةُ، إلى تَعْرِيفِهِ بِالمَوْصُولِيَّةِ بِأنَّهُ (الَّذِي بِبَكَّةَ): لِأنَّ هَذِهِ الصِّلَةَ صارَتْ أشْهَرَ في تَعَيُّنِهِ عِنْدَ السّامِعِينَ، إذْ لَيْسَ في مَكَّةَ يَوْمَئِذٍ بَيْتٌ لِلْعِبادَةِ غَيْرُهُ، بِخِلافِ اسْمِ الكَعْبَةِ: فَقَدْ أُطْلِقَ اسْمُ الكَعْبَةِ عَلى القُلَّيْسِ الَّذِي بَناهُ الحَبَشَةُ في صَنْعاءَ لِدِينِ النَّصْرانِيَّةِ ولَقَّبُوهُ الكَعْبَةَ اليَمانِيَّةَ. والمَقْصُودُ إثْباتُ سَبْقِ الكَعْبَةِ في الوُجُودِ قَبْلَ بُيُوتٍ أُخَرَ مِن نَوْعِها. وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الكَعْبَةَ أوَّلُ البُيُوتِ المَبْنِيَّةِ في الأرْضِ، فَتَمَسَّكَ بِهَذا الظّاهِرِ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسَّدِّيُّ، وجَماعَةٌ، فَقالُوا: هي أوَّلُ بِناءٍ، وقالُوا: أنَّها كانَتْ مَبْنِيَّةً مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ثُمَّ دُرِسَتْ، فَجَدَّدَها إبْراهِيمُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ورُوِيَتْ في هَذا أقاصِيصُ أسانِيدُها ضِعافٌ فَلِذَلِكَ تَرَكْتُها، وقَدْ زَعَمُوا أنَّها كانَتْ تُسَمّى الضِّراحَ - بِوَزْنِ غُرابٍ - ولَكِنَّ المُحَقِّقِينَ وجُمْهُورَ أهْلِ العِلْمِ لَمْ يَأْخُذُوا بِهَذا الظّاهِرِ، وتَأوَّلُوا الآيَةَ.، قالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ قَبْلَ البَيْتِ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ ولا شَكَّ أنَّ الكَعْبَةَ بَناها إبْراهِيمُ وقَدْ تَعَدَّدَ في القُرْآنِ ذِكْرُ ذَلِكَ، ولَوْ كانَتْ مِن بِناءِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ لَزِيدَ ذِكْرُ ذَلِكَ زِيادَةً في التَّنْوِيهِ بِشَأْنِها، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أوَّلُ بِناءٍ وقَعَ في الأرْضِ كانَ في عَهْدِ إبْراهِيمَ، لَأنَ قَبْلَ إبْراهِيمَ أُمَمًا وعُصُورًا كانَ فِيها البِناءُ، وأشْهَرُ ذَلِكَ بُرْجُ بابِلَ، بُنِيَ إثْرَ الطُّوفانِ، وما بَناهُ المِصْرِيُّونَ قَبْلَ عَهْدِ إبْراهِيمَ، وما بَناهُ الكَلْدانُ في بَلَدِ إبْراهِيمَ قَبْلَ رِحْلَتِهِ إلى مِصْرَ، ومِن ذَلِكَ بَيْتُ أصْنامِهِمْ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَصِيرَ إلَيْهِ هاجَرُ الَّتِي أهْداها لَهُ مَلِكُ مِصْرَ، وقَدْ حَكى القُرْآنُ عَنْهم ﴿قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيانًا فَألْقُوهُ في الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٩٧] فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الآيَةِ بِوَجْهٍ ظاهِرٍ، وقَدْ سَلَكَ العُلَماءُ مَسالِكَ فِيهِ: وهي راجِعَةٌ إلى تَأْوِيلِ الأوَّلِ، أوْ تَأْوِيلِ البَيْتِ، أوْ تَأْوِيلِ فِعْلِ وُضِعَ، صفحة ١٤ أوْ تَأْوِيلِ النّاسِ، أوْ تَأْوِيلِ نَظْمِ الآيَةِ. والَّذِي أراهُ في التَّأْوِيلِ أنَّ القُرْآنَ كِتابُ دِينٍ وهُدًى، فَلَيْسَ غَرَضُ الكَلامِ فِيهِ ضَبْطَ أوائِلِ التّارِيخِ، ولَكِنْ أوائِلُ أسْبابِ الهُدى، فالأوَّلِيَّةُ في الآيَةِ عَلى بابِها، والبَيْتُ كَذَلِكَ، والمَعْنى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتِ عِبادَةٍ حَقَّةٍ وُضِعَ لِإعْلانِ التَّوْحِيدِ، بِقَرِينَةِ المَقامِ، وبِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿وُضِعَ لِلنّاسِ﴾ المُقْتَضِي أنَّهُ مِن وضْعِ واضِعٍ لِمَصْلَحَةِ النّاسِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَيْتَ سُكْنى لَقِيلَ وضَعَهُ النّاسُ، وبِقَرِينَةِ مَجِيءِ الحالَيْنِ بَعْدُ؛ وهُما قَوْلُهُ: ﴿مُبارَكًا وهُدًى لِلْعالَمِينَ﴾ . وهَذا تَأْوِيلٌ في مَعْنى بَيْتٍ، وإذا كانَ أوَّلَ بَيْتِ عِبادَةٍ حَقٍّ، كانَ أوَّلَ مَعْهَدٍ لِلْهُدى، فَكانَ كُلُّ هُدًى مُقْتَبَسًا مِنهُ فَلا مَحِيصَ لِكُلِّ قَوْمٍ كانُوا عَلى هُدًى مِنَ الِاعْتِرافِ بِهِ وبِفَضْلِهِ، وذَلِكَ يُوجِبُ اتِّباعَ المِلَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى أُسُسِ مِلَّةِ بانِيهِ، وهَذا المُفادُ مِن تَفْرِيغِ قَوْلِهِ ﴿فاتَّبِعُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [آل عمران: ٩٥] وتَأوَّلَ الآيَةَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَرَوى عَنْهُ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ ؟ قالَ: لا، قَدْ كانَ قَبْلَهُ بُيُوتٌ، ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ مُبارَكًا وهُدًى فَجَعَلَ ﴿مُبارَكًا وهُدًى﴾ حالَيْنِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿وُضِعَ﴾ لا مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ، وهَذا تَأْوِيلٌ في النَّظْمِ لا يَنْساقُ إلَيْهِ الذِّهْنُ إلّا عَلى مَعْنى أنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ مِن بُيُوتِ الهُدى كَما قُلْنا، ولَيْسَ مُرادُهُ أنَّ قَوْلَهُ وُضِعَ هو الخَبَرُ لِتَعَيُّنِ أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ بِدَلِيلِ دُخُولِ اللّامِ عَلَيْهِ. وعَنْ مُجاهِدٍ قالَتِ اليَهُودُ: بَيْتُ المَقْدِسِ أفْضَلُ مِنَ الكَعْبَةِ لِأنَّها مُهاجَرُ الأنْبِياءِ، وقالَ المُسْلِمُونَ: الكَعْبَةُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وهَذا تَأْوِيلٌ أُوِّلَ بِأنَّهُ الأوَّلُ مِن شَيْئَيْنِ لا مِن جِنْسِ البُيُوتِ كُلِّها. وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ الأشْرَفَ مَجازًا. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ النّاسِ المَعْهُودِينَ وهم أهْلُ الكُتُبِ أعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى والمُسْلِمِينَ، وكُلُّهم يَعْتَرِفُ بِأصالَةِ دِينِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأوَّلُ مَعْبَدٍ بِإجْماعِهِمْ هو الكَعْبَةُ فَيَلْزَمُهُمُ الِاعْتِرافُ بِأنَّهُ أفْضُلُ مِمّا سِواهُ مِن بُيُوتِ عِبادَتِهِمْ. صفحة ١٥ وإنَّما كانَتِ الأوَّلِيَّةُ مُوجِبَةَ التَّفْضِيلِ لِأنَّ مَواضِعَ العِبادَةِ لا تَتَفاضَلُ مِن جِهَةِ العِبادَةِ، إذْ هي في ذَلِكَ سَواءٌ، ولَكِنَّها تَتَفاضَلُ بِما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِن طُولِ أزْمانِ التَّعَبُّدِ فِيها، وبِنِسْبَتِها إلى بانِيها، وبِحُسْنِ المَقْصِدِ في ذَلِكَ، وقَدْ قالَ تَعالى في مَسْجِدِ قُباءٍ ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] . وقَدْ جَمَعَتِ الكَعْبَةُ جَمِيعَ هَذِهِ المَزايا فَكانَتْ أسْبَقَ بُيُوتِ العِبادَةِ الحَقِّ، وهي أسْبَقُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ بِتِسْعَةِ قُرُونٍ. فَإنَّ إبْراهِيمَ بَنى الكَعْبَةَ في حُدُودِ سَنَةِ ١٩٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ وسُلَيْمانُ بَنى بَيْتَ المَقْدِسِ سَنَةَ ١٠٠٠ قَبْلَ المَسِيحِ، والكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ بِيَدِهِ فَهي مَبْنِيَّةٌ بِيَدِ رَسُولٍ. وأمّا بَيْتُ المَقْدِسِ فَبَناها العَمَلَةُ لِسُلَيْمانَ بِأمْرِهِ. ورُوِيَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ: أيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أوَّلَ ؟ قالَ: المَسْجِدُ الحَرامُ، قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ ؟ قالَ: المَسْجِدُ الأقْصى، قُلْتُ: كَمْ كانَ بَيْنَهُما ؟ قالَ: أرْبَعُونَ سَنَةً»، فاسْتَشْكَلَهُ العُلَماءُ بِأنَّ بَيْنَ إبْراهِيمَ وسُلَيْمانَ قُرُونًا فَكَيْفَ تَكُونُ أرْبَعِينَ سَنَةً، وأجابَ بَعْضُهم بِإمْكانِ أنْ يَكُونَ إبْراهِيمُ بَنى مَسْجِدًا في مَوْضِعِ بَيْتِ المَقْدِسِ ثُمَّ دُرِسَ فَجَدَّدَهُ سُلَيْمانُ. وأقُولُ: لاشَكَّ أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ مِن بِناءِ سُلَيْمانَ كَما هو نَصُّ كِتابِ اليَهُودِ، وأشارَ إلَيْهِ القُرْآنُ في قَوْلِهِ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحارِيبَ﴾ [سبإ: ١٣] الآيَةَ، فالظّاهِرُ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا مَرَّ بِبِلادِ الشّامِ ووَعَدَهُ اللَّهُ أنْ يُورِثَ تِلْكَ الأرْضَ نَسْلَهُ عَيَّنَ اللَّهُ لَهُ المَوْضِعَ الَّذِي سَيَكُونُ بِهِ أكْبَرُ مَسْجِدٍ تَبْنِيهِ ذُرِّيَّتُهُ، فَأقامَ هُنالِكَ مَسْجِدًا صَغِيرًا شُكْرًا لِلَّهِ تَعالى، وجَعَلَهُ عَلى الصَّخْرَةِ المَجْعُولَةِ مَذْبَحًا لِلْقُرْبانِ. وهي الصَّخْرَةُ الَّتِي بَنى سُلَيْمانُ عَلَيْها المَسْجِدَ، فَلَمّا كانَ أهْلُ ذَلِكَ البَلَدِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكِينَ دُثِرَ ذَلِكَ البِناءُ حَتّى هَدى اللَّهُ سُلَيْمانَ إلى إقامَةِ المَسْجِدِ الأقْصى عَلَيْهِ، وهَذا مِنَ العِلْمِ الَّذِي أهْمَلَتْهُ كُتُبُ اليَهُودِ، وقَدْ ثَبَتَ في سِفْرِ التَّكْوِينِ أنَّ إبْراهِيمَ بَنى مَذابِحَ في جِهاتٍ مَرَّ عَلَيْها مِن أرْضِ الكَنْعانِيِّينَ لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَهُ أنَّهُ يُعْطِي تِلْكَ الأرْضَ لِنَسْلِهِ، فالظّاهِرُ أنَّهُ بَنى أيْضًا بِمَوْضِعِ مَسْجِدِ أُرْشَلِيمَ مَذْبَحًا. صفحة ١٦ ومُبارَكًا اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَ الشَّيْءَ إذا جَعَلَ لَهُ بَرَكَةً وهي زِيادَةٌ في الخَيْرِ. أيْ جُعِلَتِ البَرَكَةُ فِيهِ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعالى، إذْ قَدَّرَ أنْ يَكُونَ داخِلُهُ مُثابًا ومُحَصَّلًا عَلى خَيْرٍ يَبْلُغُهُ عَلى مَبْلَغِ نِيَّتِهِ، وقَدَّرَ لِمُجاوِرِيهِ وسُكّانِ بَلَدِهِ أنْ يَكُونُوا بِبَرَكَةِ زِيادَةِ الثَّوابِ ورَفاهِيَةِ الحالِ، وأمَرَ بِجَعْلِ داخِلِهِ آمِنًا، وقَدَّرَ ذَلِكَ بَيْنَ النّاسِ فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بَرَكَةً. وسَيَأْتِي مَعْنى البَرَكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. ووَصَفَهُ بِالمَصْدَرِ في قَوْلِهِ وهُدًى مُبالَغَةً لِأنَّهُ سَبَبُ هُدى. وجُعِلَ هُدًى لِلْعالَمِينَ كُلِّهِمْ: لِأنَّ شُهْرَتَهُ، وتَسامُعَ النّاسِ بِهِ، يَحْمِلُهم عَلى التَّساؤُلِ عَنْ سَبَبِ وضْعِهِ، وأنَّهُ لِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وتَطْهِيرِ النُّفُوسِ مِن خُبْثِ الشِّرْكِ، فَيَهْتَدِي بِذَلِكَ المُهْتَدِي، ويَرْعَوِي المُتَشَكِّكُ. ومِن بَرَكَةِ ذاتِهِ أنَّ حِجارَتَهُ وضَعَتْها عِنْدَ بِنائِهِ يَدُ إبْراهِيمَ، ويَدُ إسْماعِيلَ، ثُمَّ يَدُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولا سِيَّما الحَجَرُ الأسْوَدُ. وانْتَصَبَ ﴿مُبارَكًا وهُدًى﴾ عَلى الحالِ مِنَ الخَبَرِ، وهو اسْمُ المَوْصُولِ. وجُمْلَةُ ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ [آل عمران: ٩٧] اسْتِئْنافُ ثَناءٍ عَلى هَذا البَيْتِ بِما حَفَّ بِهِ مِنَ المَناقِبِ والمَزايا فَغُيِّرَ الأُسْلُوبُ لِلِاهْتِمامِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُجْعَلِ الجُمْلَةُ حالًا، فَتُعْطَفُ عَلى الحالَيْنِ قَبْلَها، لِأنَّ ﴿مُبارَكًا وهُدًى﴾ وصْفانِ ذاتِيّانِ لَهُ، وحالانِ مُقارِنانِ، والآياتُ عَوارِضُ عَرَضَتْ في أوْقاتٍ مُتَفاوِتَةٍ، أوْ هي حالٌ ثالِثَةٌ ولَمْ تُعْطَفْ بِالواوِ لِأنَّها جُمْلَةٌ وما قَبْلَها مُفْرِدانِ ولِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ الواوَ فِيها واوُ الحالِ، فَتَكُونُ في صُورَتِها جارِيَةً عَلى غَيْرِ صُورَةِ الأفْصَحِ في مِثْلِها مِن عَدَمِ الِاقْتِرانِ بِالواوِ، عَلى ما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ عَبْدُ القاهِرِ، فَلَوْ قُرِنَتْ بِواوِ العَطْفِ لالتُبِسَتْ بِواوِ الحالِ، فَكُرِهَتْ في السَّمْعِ، فَيَكُونُ هَذا مِنَ القَطْعِ لِدَفْعِ اللَّبْسِ، أوْ نَقُولُ هي حالٌ ولَمْ تُعْطَفْ عَلى الأحْوالِ الأُخْرى لِأنَّها جُمْلَةٌ، فاسْتَغْنَتْ بِالضَّمِيرِ عَنْ رابِطِ العَطْفِ. ووَصْفُ الآياتِ بِبَيِّناتٍ لِظُهُورِها في عِلْمِ المُخاطَبِينَ. وجِماعُ هَذِهِ صفحة ١٧ الآياتِ هي ما يَسَرَّهُ اللَّهُ لِسُكّانِ الحَرَمِ وزائِرِيهِ مِن طُرُقِ الخَيْرِ، وما دَفَعَ عَنْهم مِنَ الأضْرارِ، عَلى حالَةٍ اتَّفَقَ عَلَيْها سائِرُ العَرَبِ، وقَمَعُوا بِها أنْفُسَهم وشَهَواتِهِمْ، مَعَ تَكالُبِهِمْ عَلى إرْضاءِ نُفُوسِهِمْ. وأعْظَمُها الأمْنُ، الَّذِي وُطِّنَ عَلَيْهِ نُفُوسُ جَمِيعِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ مَعَ عَدَمِ تَدَيُّنِهِمْ، فَكانَ الرَّجُلُ يُلاقِي قاتِلَ أبِيهِ في الحَرَمِ فَلا يَنالُهُ بِسُوءٍ، وتَواضُعُ مِثْلِ هَذا بَيْنَ مُخْتَلِفِ القَبائِلِ، ذاتِ اخْتِلافِ الأنْسابِ والعَوائِدِ والأدْيانِ، آيَةٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى وقَرَ ذَلِكَ في نُفُوسِهِمْ. وكَذَلِكَ تَأْمِينُ وحْشِهِ مَعَ افْتِتانِ العَرَبِ بِحُبِّ الصَّيْدِ. ومِنها ما شاعَ بَيْنَ العَرَبِ مَن قَصْمِ كُلِّ مَن رامَهُ بِسُوءٍ، وما انْصِرافُ الأحْباشِ عَنْهُ بَعْدَ امْتِلاكِهِمْ جَمِيعَ اليَمَنِ وتِهامَةَ إلّا آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ فِيهِ. ومِنها انْبِثاقُ الماءِ فِيهِ لِإسْماعِيلَ حِينَ إشْرافِهِ عَلى الهَلاكِ. وافْتِداءُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ حِينَ أرادَ أبُوهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قُرْبانَهُ. ومِنها ما شاعَ بَيْنَ العَرَبِ وتَوارَثُوا خَبَرَهُ أبًا عَنْ جَدٍّ مِن نُزُولِ الحَجَرِ الأسْوَدِ مِنَ السَّماءِ عَلى أبِي قَبِيسٍ بِمَرْأى إبْراهِيمَ، ولَعَلَّهُ حَجَرٌ كَوْكَبِيٌّ. ومِنها تَيْسِيرُ الرِّزْقِ لِساكِنِيهِ مَعَ قُحُولَةِ أرْضِهِ، ومُلُوحَةِ مائِهِ. وقَوْلُهُ مَقامُ إبْراهِيمَ أصْلُ المَقامِ أنَّهُ مَفْعَلٌ مِنَ القِيامِ، والقِيامُ يُطْلَقُ عَلى المَعْنى الشّائِعِ وهو ضِدُّ القُعُودِ، ويُطْلَقُ عَلى خُصُوصِ القِيامِ لِلصَّلاةِ والدُّعاءِ، فَعَلى الوَجْهِ الثّانِي فَرَفْعُ مَقامٍ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ يَعُودُ عَلى ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾، أيْ هو مَقامُ إبْراهِيمَ: أيِ البَيْتُ الَّذِي بِبَكَّةٍ. وحَذْفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ هُنا جاءَ عَلى الحَذْفِ الَّذِي سَمّاهُ عُلَماءُ المَعانِي، التّابِعِينَ لِاصْطِلاحِ السَّكّاكِيِّ، بِالحَذْفِ لِلِاسْتِعْمالِ الجارِي عَلى تَرْكِهِ، وذَلِكَ في الرَّفْعِ عَلى المَدْحِ أوِ الذَّمِّ، أوِ التَّرَحُّمِ، بَعْدَ أنْ يَجْرِيَ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ قَبْلَ ذَلِكَ ما يُبَيِّنُ المُرادَ مِنهُ كَقَوْلِ أبِي الطَّمْحانِ القَيْنِيِّ: فَإنَّ بَنِي لَأْمِ بْنِ عَمْرٍو أرُومَةٌ سَمَتْ فَوْقَ صَعْبٍ لا تُنالُ مَراقِبُهُ نُجُومُ سَماءٍ كُلَّما انْقَضَّ كَوْكَبٌ ∗∗∗ بَدا كَوْكَبٌ تَأْوِي إلَيْهِ كَواكِبُهُ هَذا هو الوَجْهُ في مَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] . صفحة ١٨ وقَدْ عَبَّرَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ بِأنَّهُ ﴿مَقامُ إبْراهِيمَ﴾ [آل عمران: ٩٧] أيْ مَحَلُّ قِيامِهِ لِلصَّلاةِ والطَّوافِ قالَ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبْراهِمْ ∗∗∗ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ وهو قائِمْ وعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ يَكُونُ المُرادُ الحَجَرَ الَّذِي فِيهِ أثَرُ قَدَمَيْ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الصَّخْرَةِ الَّتِي ارْتَقى عَلَيْها لِيَرْفَعَ جُدْرانَ الكَعْبَةِ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الزَّجّاجُ، وتَبِعَهُ عَلى ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَمّا يُعْتَرَضُ بِهِ مِن لُزُومِ تَبْيِينِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ بِأنَّ هَذا المُفْرَدَ في قُوَّةِ جَماعَةٍ مِنَ الآياتِ، لِأنَّ أثَرَ القَدَمِ في الصَّخْرَةِ آيَةٌ، وغَوْصَهُ فِيها إلى الكَعْبَيْنِ آيَةٌ، وإلانَةَ بَعْضِ الصَّخْرِ دُونَ بَعْضٍ آيَةٌ، وأنا أقُولُ: إنَّهُ آياتٌ لِدَلالَتِهِ عَلى نُبُوَّةِ إبْراهِيمَ بِمُعْجِزَةٍ لَهُ وعَلى عِلْمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ، وإنَّ بَقاءَ ذَلِكَ الأثَرِ مَعَ تَلاشِي آثارٍ كَثِيرَةٍ في طِيلَةِ القُرُونِ آيَةٌ أيْضًا. وقَوْلُهُ ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا عَطْفٌ عَلى مَزايا البَيْتِ وفَضائِلِهِ مِنَ الأمْنِ فِيهِ عَلى العُمُومِ، وامْتِنانٌ بِما تَقَرَّرَ في ماضِي العُصُورِ، فَهو خَبَرٌ لَفْظًا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، فَإنَّ الأمْنَ فِيهِ قَدْ تَقَرَّرَ واطَّرَدَ، وهَذا الِامْتِنانُ كَما امْتَنَّ اللَّهُ عَلى النّاسِ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهم أسْماعًا وأبْصارًا فَإنَّ ذَلِكَ لا يُنْقَضُ بِمَن وُلِدَ أكْمَهَ أوْ عَرَضَ لَهُ ما أزالَ بَعْضَ ذَلِكَ. ‌ قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: هَذا خَبَرٌ عَمّا كانَ ولَيْسَ فِيهِ إثْباتُ حُكْمٍ وإنَّما هو تَنْبِيهٌ عَلى آياتٍ ونِعَمٍ مُتَعَدِّداتٍ؛ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ كانَ صَرَفَ القُلُوبَ عَنِ القَصْدِ إلى مُعارَضَتِهِ، وصَرَفَ الأيْدِي عَنْ إذايَتِهِ. ورُوِيَ هَذا عَنِ الحَسَنِ. وإذا كانَ ذَلِكَ خَبَرًا فَهو خَبَرٌ عَمّا مَضى قَبْلَ مَجِيءِ شَرِيعَةِ الإسْلامِ حِينَ لَمْ يَكُنْ لَهم في الجاهِلِيَّةِ وازِعٌ فَلا يَنْتَقِضُ بِما وقَعَ فِيهِ مِنِ اخْتِلالِ الأمْنِ في القِتالِ بَيْنَ الحَجّاجِ وابْنِ الزُّبَيْرِ وفي فِتْنَةِ القَرامِطَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا ذَلِكَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران: ٧] - أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ - . صفحة ١٩ ومِنَ العُلَماءِ مَن حَمَلَ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] أنَّهُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ بِتَأْمِينِ داخِلِهِ مِن أنْ يُصابَ بِأذًى، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والشَّعْبِيِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ الصّائِرُونَ إلى هَذا المَعْنى في مَحْمَلِ العَمَلِ بِهَذا الأمْرِ؛ فَقالَ جَماعَةٌ: هَذا حُكْمٌ نُسِخَ، يَعْنُونَ نَسَخَتْهُ الأدِلَّةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلى أنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا. رَوى البُخارِيُّ، عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الكَعْبِيِّ، أنَّهُ قالَ لِعُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ: وهو يَبْعَثُ البُعُوثَ إلى مَكَّةَ أيْ لِحَرْبِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: ائْذَنْ لِي أيُّها الأمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ الغَدَ مِن يَوْمِ الفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنايَ ووَعاهُ قَلْبِي وأبْصَرَتْهُ عَيْنايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: «إنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَها اللَّهُ ولَمْ يُحَرِّمْها النّاسُ؛ لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ بِها دَمًا، ولا يُعْضَدَ بِها شَجَرَةٌ. فَإنْ أحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ فِيها فَقُولُوا لَهُ: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِهِ ولَمْ يَأْذَنْ لَكم، وإنَّما أذِنَ لِي فِيها ساعَةً مِن نَهارٍ وقَدْ عادَتْ حُرْمَتُها اليَوْمَ كَحُرْمَتِها بِالأمْسِ ولِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ» قالَ: فَقالَ لِي عَمْرٌو: أنا أعْلَمُ بِذَلِكَ مِنكَ، يا أبا شُرَيْحٍ إنَّ الحَرَمَ لا يُعِيذُ عاصِيًا ولا فارًّا بِدَمٍ ولا فارًّا بِخَرْبَةٍ (الخَرْبَةُ) - بِفَتْحِ الخاءِ وسُكُونِ الرّاءِ - الجِنايَةُ والبَلِيَّةُ الَّتِي تَكُونُ عَلى النّاسِ وبِما ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أمَرَ بِأنْ يُقْتَلَ ابْنُ خَطَلٍ وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ يَوْمَ الفَتْحِ» . وقَدْ قالَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ: إنَّ مَن أصابَ جِنايَةً في الحَرَمِ أوْ خارِجَهُ ثُمَّ عاذَ بِالحَرَمِ يُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ في الحَرَمِ ويُقادُ مِنهُ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ الأرْبَعَةُ: لا يُقْتَصُّ في الحَرَمِ مِنَ اللّاجِئِ إلَيْهِ مِن خارِجِهِ مادامَ فِيهِ؛ لَكِنَّهُ لا يُبايَعُ ولا يُؤاكَلُ ولا يُجالَسُ إلى أنْ يَخْرُجَ مِنَ الحَرَمِ. ويَرْوُونَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ عُمَرَ، ومَن ذَكَرْناهُ مَعَهُما آنِفًا. وفِي أحْكامِ ابْنِ الفَرَسِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قالَ: مَن كانَ خائِفًا مِنَ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِآمِنٍ ولا تَجُوزُ إذايَتُهُ بِالِامْتِناعِ مِن مُكالَمَتِهِ. صفحة ٢٠ وقالَ فَرِيقٌ: هو حُكْمٌ مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنهم: قَوْلُهُ ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: ٩٧] يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ أتى ما يُوجِبُ العُقُوبَةَ خارِجَ الحَرَمِ فَإذا جَنى في الحَرَمِ أُقِيدَ مِنهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهم، ولَعَلَّ مُسْتَنَدَهم قَوْلُهُ تَعالى ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] أوِ اسْتَنَدُوا إلى أدِلَّةٍ مِنَ القِياسِ، وقالَ شُذُوذٌ: لا يُقامُ الحَدُّ في الحَرَمِ، ولَوْ كانَ الجانِي جَنى في الحَرَمِ وهَؤُلاءِ طَرَدُوا دَلِيلَهم. وقَدْ ألْمَمْنا بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] . وقَدْ جَعَلَ الزَّجّاجُ جُمْلَةَ ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] آيَةً ثانِيَةً مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ فَهي بَيانٌ لِ (آياتٌ)، وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ: يَجُوزُ أنْ يُطْلَقَ لَفْظُ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤] . وإنَّما جازَ بَيانُ المُفْرَدِ بِجُمْلَةٍ لِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ في مَعْنى المُفْرَدِ إذِ التَّقْدِيرُ: مَقامُ إبْراهِيمَ وأمْنُ مَن دَخَلَهُ. ولَمْ يَنْظُرْ ذَلِكَ بِما اسْتُعْمِلَ مِن كَلامِ العَرَبِ حَتّى يُقَرِّبَ هَذا الوَجْهُ. وعِنْدِي في نَظِيرِهِ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ آيا ∗∗∗ تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ آيَةٌ شارِقُ الشَّقِيقَةِ إذْ جا ∗∗∗ ءَتْ مَعَدٌّ لِكُلِّ حَيٍّ لِواءُ ثُمَّ قالَ: ثُمَّ حُجْرًا أعْنِي ابْنَ أُمِّ قَطامِ ∗∗∗ ولَهُ فارِسِيَّةٌ خَضْراءُ ثُمَّ قالَ: وفَكَكْنا غُلَّ امْرِئِ القَيْسِ عَنْهُ ∗∗∗ بَعْدَ ما طالَ حَبْسُهُ والعَناءُ فَجَعَلَ (وفَكَكْنا) هي الآيَةَ الرّابِعَةَ بِاتِّفاقِ الشُّرّاحِ إذِ التَّقْدِيرُ: وفَكُّنا غُلَّ امْرِئِ القَيْسِ. وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ آياتٌ باقِيًا عَلى مَعْنى الجَمْعِ وقَدْ بُيِّنَ بِآيَتَيْنِ وتُرِكَتِ الثّالِثَةُ كَقَوْلِ جَرِيرٍ: كانَتْ حَنِيفَةُ أثْلاثًا فَثُلْثُهُمُ ∗∗∗ مِنَ العَبِيدِ وثُلْثٌ مِن مَوالِيها أيْ ولَمْ يَذْكُرِ الثُّلُثَ الثّالِثَ. صفحة ٢١ وهُوَ تَنْظِيرٌ ضَعِيفٌ لِأنَّ بَيْتَ جَرِيرٍ ظَهَرَ مِنهُ الثُّلُثُ الثّالِثُ، فَهُمُ الصَّمِيمُ، بِخِلافِ الآيَةِ فَإنَّ بَقِيَّةَ الآياتِ لَمْ يُعْرَفْ. ويَجُوزُ أنْ نَجْعَلَ قَوْلَهُ تَعالى﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] إلَخْ مُتَضَمِّنًا الثّالِثَةَ مِنَ الآياتِ البَيِّناتِ.

آل عمران 3:97

﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حَجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ . حُكْمٌ أعْقَبَ بِهِ الِامْتِنانَ: لِما في هَذا الحُكْمِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ البَيْتِ فَلِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ. والتَّقْدِيرُ: مُبارَكًا، وهُدًى، وواجِبًا حَجُّهُ. فَهو عَطْفٌ عَلى الأحْوالِ. والحَجُّ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ لُغَتانِ - فَتْحُ الحاءِ وكَسْرُها - ولَمْ يُقْرَأْ في جَمِيعِ مَواقِعِهِ في القُرْآنِ - بِكَسْرِ الحاءِ - إلّا في هَذِهِ الآيَةِ: قَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ - بِكَسْرِ الحاءِ - . ويَتَّجِهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ هي الَّتِي فُرِضَ بِها الحَجُّ عَلى المُسْلِمِينَ، وقَدِ اسْتَدِلَّ بِها عُلَماؤُنا عَلى فَرْضِيَّةِ الحَجِّ، فَما كانَ يَقَعُ مِن حَجِّ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ، قَبْلَ نُزُولِها، فَإنَّما كانَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ، واسْتِصْحابًا لِلْحَنَفِيَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَجَّ مَرَّتَيْنِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ ووَقَفَ مَعَ النّاسِ»، فَأمّا إيجابُ الحَجِّ في الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ فَلا دَلِيلَ عَلى وُقُوعِهِ إلّا هَذِهِ الآيَةَ وقَدْ تَمالَأ عُلَماءُ الإسْلامِ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِها عَلى وُجُوبِ الحَجِّ، فَلا يُعَدُّ ما وقَعَ مِنَ الحَجِّ قَبْلَ نُزُولِها، وبَعْدَ البَعْثَةِ إلّا تَحَنُّثًا وتَقَرُّبًا، وقَدْ صَحَّ أنَّها نَزَلَتْ سَنَةَ ثَلاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَيَكُونُ الحَجُّ فُرِضَ يَوْمَئِذٍ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ الِاخْتِلافَ في وقْتِ فَرْضِيَّةِ الحَجِّ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ: فَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ، وقِيلَ: سَنَةَ سَبْعٍ، وقِيلَ: سَنَةَ تِسْعٍ، ولَمْ يَعْزُ الأقْوالَ إلى أصْحابِها، سِوى أنَّهُ ذَكَرَ عَنِ ابْنِ هِشامٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدٍ الواقِدِيِّ أنَّهُ فُرِضَ صفحة ٢٢ عامَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ انْصِرافِ الأحْزابِ، وكانَ انْصِرافُهم آخِرَ سِنَةِ خَمْسٍ. قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ووَلِيَ تِلْكَ الحَجَّةَ المُشْرِكُونَ. وفي مُقَدِّماتِ ابْنِ رُشْدٍ ما يَقْتَضِي أنَّ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: إنَّ الحَجَّ وجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ، وأظْهَرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ قَوْلٌ رابِعٌ تَمالَأ عَلَيْهِ الفُقَهاءُ وهو أنَّ دَلِيلَ وُجُوبِ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ . وقَدِ اسْتَدَلَّ الشّافِعِيُّ بِها عَلى أنَّ وُجُوبَهُ عَلى التَّراخِي، فَيَكُونُ وُجُوبُهُ عَلى المُسْلِمِينَ قَدْ تَقَرَّرَ سَنَةَ ثَلاثٍ، وأصْبَحَ المُسْلِمُونَ مُنْذُ يَوْمَئِذٍ مُحْصَرِينَ عَنْ أداءِ هَذِهِ الفَرِيضَةِ إلى أنْ فَتَحَ اللَّهُ مَكَّةَ ووَقَعَتْ حَجَّةُ سَنَةِ تِسْعٍ. وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن صِيَغِ الوُجُوبِ صِيغَتانِ: لامُ الِاسْتِحْقاقِ، وحَرْفُ عَلى الدّالُّ عَلى تَقَرُّرِ حَقٍّ في ذِمَّةِ المَجْرُورِ بِها. وقَدْ تَعَسَّرَ أوْ تَعَذَّرَ قِيامُ المُسْلِمِينَ بِأداءِ الحَجِّ عَقِبَ نُزُولِها، لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا لا يَسْمَحُونَ لَهم بِذَلِكَ، فَلَعَلَّ حِكْمَةَ إيجابِ الحَجِّ يَوْمَئِذَ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ عَلى اسْتِعْدادٍ لِأداءِ الحَجِّ مَهْما تَمَكَّنُوا مِن ذَلِكَ، ولِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلى المُشْرِكِينَ بِأنَّهم يَمْنَعُونَ هَذِهِ العِبادَةَ، ويَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، ويَمْنَعُونَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ. وقَوْلُهُ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ لِتَقْيِيدِ حالِ الوُجُوبِ، وجَوَّزَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلَ حَجُّ، ورُدَّ بِأنَّهُ يَصِيرُ الكَلامُ: لِلَّهِ عَلى سائِرِ النّاسِ أنْ يَحُجَّ المُسْتَطِيعُ مِنهم، ولا مَعْنى لِتَكْلِيفِ جَمِيعِ النّاسِ بِفِعْلِ بَعْضِهِمْ، والحَقُّ أنَّ هَذا الرَّدَّ لا يَتَّجِهُ لِأنَّ العَرَبَ تَتَفَنَّنُ في الكَلامِ لِعِلْمِ السّامِعِ بِأنَّ فَرْضَ ذَلِكَ عَلى النّاسِ فَرْضٌ مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ فاعِلُ حَجَّ، ولَيْسَ هو كَقَوْلِكَ: اسْتَطاعَ الصَّوْمَ، أوِ اسْتَطاعَ حَمْلَ الثِّقْلِ، ومَعْنى اسْتَطاعَ سَبِيلًا وجَدَ سَبِيلًا وتَمَكَّنَ مِنهُ، والكَلامُ بِأواخِرِهِ. والسَّبِيلُ هُنا مَجازٌ فِيما يَتَمَكَّنُ بِهِ المُكَلَّفُ مِنَ الحَجِّ. ولِلْعُلَماءِ في تَفْسِيرِ السَّبِيلِ في قوله تعالى (﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾) أقْوالٌ اخْتَلَفَتْ ألْفاظُها، واتَّحَدَتْ أغْراضُها، فَلا يَنْبَغِي بَقاءُ الخِلافِ بَيْنَهم لِأجْلِها مُثْبَتًا في كُتُبِ التَّفْسِيرِ وغَيْرِها، فَسَبِيلُ القَرِيبِ مِنَ البَيْتِ الحَرامِ سَهْلٌ جِدًّا، وسَبِيلُ البَعِيدِ الرّاحِلَةُ والزّادُ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: السَّبِيلُ القُدْرَةُ والنّاسُ عَلى قَدْرِ طاقَتِهِمْ وسَيْرِهِمْ وجَلَدِهِمْ. واخْتُلِفَ فِيمَن صفحة ٢٣ لا زادَ لَهُ ويَسْتَطِيعُ الِاحْتِرافَ في طَرِيقِهِ: فَقالَ مالِكٌ: إذا كانَ ذَلِكَ لا يُزْرِي فَلْيُسافِرْ ويَكْتَسِبْ في طَرِيقِهِ، وقالَ بِمِثْلِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ. وعَنْ مالِكٍ كَراهِيَةَ السَّفَرِ في البَحْرِ لِلْحَجِّ إلّا لِمَن لا يَجِدُ طَرِيقًا غَيْرَهُ كَأهْلِ الأنْدَلُسِ، واحْتَجَّ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ ﴿يَأْتُوكَ رِجالًا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] ولَمْ أجِدْ لِلْبَحْرِ ذِكْرًا. قالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا تَأْنِيسٌ مِن مالِكٍ ولَيْسَتِ الآيَةُ بِالَّتِي تَقْتَضِي سُقُوطَ سَفَرِ البَحْرِ. وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ناسٌ مِن أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزاةً في سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذا البَحْرِ» وهَلِ الجِهادُ إلّا عِبادَةٌ كالحَجِّ، وكَرِهَ مالِكٌ لِلْمَرْأةِ السَّفَرَ في البَحْرِ لِأنَّهُ كَشَفَةٌ لَها، وكُلُّ هَذا إذا كانَتِ السَّلامَةُ هي الغالِبَ وإلّا لَمْ يَجُزِ الإلْقاءُ إلى التَّهْلُكَةِ، وحالُ سَفَرِ البَحْرِ اليَوْمَ أسْلَمُ مِن سَفَرِ البَرِّ إلّا في أحْوالٍ عارِضَةٍ في الحُرُوبِ إذا شَمِلَتِ البِحارَ. وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ أنَّ الخِطابَ بِالحَجِّ والِاسْتِطاعَةَ لِلْمَرْءِ في عَمَلِهِ لا في عَمَلِ غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ: لا تَصِحُّ النِّيابَةُ في الحَجِّ في الحَياةِ لِعُذْرٍ، فالعاجِزُ يَسْقُطُ عَنْهُ الحَجُّ عِنْدَهُ ولَمْ يَرَ فِيهِ إلّا أنَّ لِلرَّجُلِ أنْ يُوصِيَ بِأنْ يَحُجَّ عَنْهُ بَعْدَ مَوْتِهِ حَجَّ التَّطَوُّعِ، إذا أوصى به الرجل بعد موته وقالَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: إذا كانَ لَهُ عُذْرٌ مانِعٌ مِنَ الحَجِّ وكانَ لَهُ مَن يُطِيعُهُ لَوْ أمَرَهُ بِأنْ يَحُجَّ عَنْهُ، أوْ كانَ لَهُ مالٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ مَن يَحُجُّ عَنْهُ، صارَ قادِرًا في الجُمْلَةِ، فَيَلْزَمُهُ الحَجُّ، واحْتَجَّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ امْرَأةً مِن خَثْعَمَ سَألَتِ النَّبِيءَ ﷺ يَوْمَ حَجَّةِ الوَداعِ فَقالَتْ: إنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلى عِبادِهِ في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبِي شَيْخًا كَبِيرًا لا يَثْبُتُ عَلى الرّاحِلَةِ أفَيُجْزِئُ أنْ أحُجَّ عَنْهُ ؟ قالَ: نَعَمْ، حُجِّي عَنْهُ أرَأيْتِ لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ أكُنْتِ قاضِيَتِهِ ؟ قالَتْ: نَعَمْ، قالَ: فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى» . وأجابَ عَنْهُ المالِكِيَّةُ بِأنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَدُلَّ عَلى الوُجُوبِ بَلْ أجابَها بِما فِيهِ حَثٌّ عَلى طاعَةِ أبِيها، وطاعَةِ رَبِّها. قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ المُبارَكِ. لا تُجْزِئُ إلّا إنابَةٌ دُونَ إنابَةِ الطّاعَةِ. صفحة ٢٤ وظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ إذا تَحَقَّقَتِ الِاسْتِطاعَةُ وجَبَ الحَجُّ عَلى المُسْتَطِيعِ عَلى الفَوْرِ، وذَلِكَ يَنْدَرِجُ تَحْتَ مَسْألَةِ اقْتِضاءِ الأمْرِ الفَوْرِ أوْ عَدَمِ اقْتِضائِهِ إيّاهُ، وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ الإسْلامِ في أنَّ الحَجَّ واجِبٌ عَلى الفَوْرِ أوْ عَلى التَّراخِي. فَذَهَبَ إلى أنَّهُ عَلى الفَوْرِ البَغْدادِيُّونَ مِنَ المالِكِيَّةِ: ابْنُ القَصّارِ، وإسْماعِيلُ بْنُ حَمّادٍ، وغَيْرُهُما، وتَأوَّلُوهُ مِن قَوْلِ مالِكٍ، وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ أبِي حَنِيفَةَ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وداوُدَ الظّاهِرِيِّ. وذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ عَلى التَّراخِي وهو الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ ورِوايَةُ ابْنِ نافِعٍ وأشْهَبَ عَنْهُ وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ وأبِي يُوسُفَ. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِأنَّ الحَجَّ فُرِضَ قَبْلَ حَجِّ النَّبِيءِ ﷺ بِسِنِينَ، فَلَوْ كانَ عَلى الفَوْرِ لَما أخَّرَهُ، ولَوْ أخَّرَهُ لِعُذْرٍ لَبَيَّنَهُ أيْ لِأنَّهُ قُدْوَةٌ لِلنّاسِ. وقالَ جَماعَةٌ: إذا بَلَغَ المَرْءُ السِّتِّينَ وجَبَ عَلَيْهِ الفَوْرُ بِالحَجِّ إنْ كانَ مُسْتَطِيعًا خَشْيَةَ المَوْتِ، وحَكاهُ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ. ومَعْنى الفَوْرِ أنْ يُوقِعَهُ المُكَلَّفُ في الحَجَّةِ الَّتِي يَحِينُ وقْتُها أوَّلًا عِنْدَ اسْتِكْمالِ شَرْطِ الِاسْتِطاعَةِ. وقَوْلُهُ ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالِمَيْنِ ظاهِرُهُ أنَّهُ مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا﴾ فَيَكُونُ المُرادُ بِ مَن كَفَرَ مَن لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطاعَةِ، ولِذَلِكَ قالَ جَمْعٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ: إنَّ الإخْبارَ عَنْهُ بِالكُفْرِ هُنا تَغْلِيظٌ لِأمْرِ تَرْكِ الحَجِّ. والمُرادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ. ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُرادَ تَشْوِيهُ صُنْعِهِ بِأنَّهُ كَصَنِيعِ مَن لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ورُسُلِهِ وفَضِيلَةِ حَرَمِهِ. وقالَ قَوْمٌ: أرادَ ومَن كَفَرَ بِفَرْضِ الحَجِّ، وقالَ قَوْمٌ بِظاهِرِهِ: إنَّ تَرَكَ الحَجِّ مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِ كَفَرَ. ونُسِبَ لِلْحَسَنِ. ولَمْ يَلْتَزِمْ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنْ يَكُونَ العَطْفُ لِلْمُقابَلَةِ وجَعَلُوها جُمْلَةً مُسْتَقِلَّةً. كالتَّذْيِيلِ، بَيَّنَ بِها عَدَمَ اكْتِراثِ اللَّهِ بِمَن كَفَرَ بِهِ. وعِنْدِي أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ مَن كَفَرَ مَن كَفَرَ بِالإسْلامِ، وذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ بِأنَّهُ لا اعْتِدادَ بِحَجِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وإنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يَحُجَّ المُؤْمِنُونَ بِهِ والمُوَحِّدُونَ لَهُ. صفحة ٢٥ وفِي قَوْلِهِ ﴿غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ رَمْزٌ إلى نَزْعِهِ وِلايَةَ الحَرَمِ مِن أيْدِيهِمْ: لِأنَّهُ لَمّا فَرَضَ الحَجَّ وهم يَصُدُّونَ عَنْهُ، وأعْلَمَنا أنَّهُ غَنِيٌّ عَنِ النّاسِ، فَهو لا يُعْجِزُهُ مَن يَصُدُّ النّاسَ عَنْ مُرادِهِ تَعالى.

آل عمران 3:98

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . ابْتِداءُ كَلامٍ رَجَعَ بِهِ إلى مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومَوْعِظَتِهِمْ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] الآيَةَ. أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالصَّدْعِ بِالإنْكارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ دَلائِلَ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ولِذَلِكَ افْتَتَحَ بِفِعْلِ (قُلْ) اهْتِمامًا بِالمَقُولِ، وافْتَتَحَ المَقُولَ بِنِداءِ يا أهْلَ الكِتابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: إمّا القُرْآنُ، وإمّا دَلائِلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . والكُفْرُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ واضِحٌ، وإمّا آياتُ فَضِيلَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى غَيْرِهِ، والكُفْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَجَحْدُهم لِآياتِهِ مَعَ ذَلِكَ اليَقِينِ أشَدُّ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مُجَرَّدَ خَبَرٍ إلّا إذا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ تَوْبِيخٌ ثانٍ وإنْكارٌ عَلى مُجادَلَتِهِمْ لِإضْلالِهِمُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم في نُفُوسِهِمْ، وفُصِلَ بِلا عَطْفٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالقَصْدِ، ولَوْ عُطِفَ لَصَحَّ العَطْفُ. صفحة ٢٦ والصَّدُّ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا: يُقالُ صَدَّهُ عَنْ كَذا فَصَدَّ عَنْهُ. وقاصِرُهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فَمُتَعَدِّيهِ بِمَعْنى جَعْلِ المَصْدُودِ مُعْرَضًا أيْ صَرْفُهُ، ويُقالُ: أصُدُّهُ عَنْ كَذا، وهو ظاهِرٌ. وسَبِيلُ اللَّهِ مَجازٌ في الأقْوالِ والأدِلَّةِ المُوصِلَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إمّا مُحاوَلَةُ إرْجاعِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ بِإلْقاءِ التَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى يُلاقِي مَعْنى الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ عَلى وجْهَيْهِ الرّاجِعَيْنِ لِلْمَعْنى الشَّرْعِيِّ. وإمّا صَدُّ النّاسِ عَنِ الحَجِّ أيْ صَدُّ أتْباعِهِمْ عَنْ حَجِّ الكَعْبَةِ، وتَرْغِيبِهِمْ عَنْ حَجِّ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِتَفْضِيلِهِ عَلى الكَعْبَةِ، وهَذا يُلاقِي الكُفْرَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ المُتَقَدِّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إنْكارِهِمُ القِبْلَةَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ صَدُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. وقَوْلُهُ تَبْغُونَها عِوَجًا أيْ تَبْغُونَ السَّبِيلَ فَأنَّثَ ضَمِيرَهُ لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والبَغْيُ الطَّلَبُ أيْ تَطْلُبُونَ. والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ - ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ عَوِجَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُهُ العَوَجُ كالفَرَحِ. وقَدْ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ غالِبًا المَصْدَرَ بِالِاعْوِجاجِ في الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، كالحائِطِ والقَناةِ. وخَصَّ إطْلاقَ اسْمِ المَصْدَرِ بِالِاعْوِجاجِ الَّذِي لا يُشاهَدُ كاعْوِجاجِ الأرْضِ والسَّطْحِ، وبِالمَعْنَوِيّاتِ كالدِّينِ. ومَعْنى ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا باقِيًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ﴿عِوَجًا﴾ مَفْعُولَ ﴿تَبْغُونَها﴾، ويَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما قالُوا: شَكَرْتُكَ وبِعْتُكَ كَذا: أيْ شَكَرْتُ لَكَ وبِعْتُ لَكَ، والتَّقْدِيرُ: وتَبْغُونَ لَها عِوَجًا، أيْ تَتَطَلَّبُونَ نِسْبَةَ العِوَجِ إلَيْها، وتُصَوِّرُونَها باطِلَةً زائِلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا وصْفًا لِلسَّبِيلِ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ تَبْغُونَها عَوْجاءَ شَدِيدَةَ العِوَجِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها مَفْعُولَ تَبْغُونَ، ويَكُونُ عِوَجًا حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ أيْ تَرُومُونَها مُعْوَجَّةً أيْ تَبْغُونَ سَبِيلًا مُعْوَجَّةً وهي سَبِيلُ الشِّرْكِ. صفحة ٢٧ والمَعْنى: تَصُدُّونَ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وتُرِيدُونَ السَّبِيلَ المُعْوَجَّ فَفي ضَمِيرِ تَبْغُونَها اسْتِخْدامٌ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ المَصْدُودَ عَنْها هي الإسْلامُ، والسَّبِيلُ الَّتِي يُرِيدُونَها هي ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ بَعْدَ نَسْخِهِ وتَحْرِيفِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ أيْضًا تُوازِنُ الحالَ في قَوْلِهِ قَبْلَها ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ومَعْناهُ وأنْتُمْ عالِمُونَ أنَّها سَبِيلُ اللَّهِ. وقَدْ أحالَهم في هَذا الكَلامِ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن وخْزِ قُلُوبِهِمْ، وانْثِنائِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ وتَذْكِيرٌ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُّدُورَ وهو بِمَعْنى قَوْلِهِ في مَوْعِظَتِهِمُ السّابِقَةِ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ إلّا أنَّ هَذا أغْلَظُ في التَّوْبِيخِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ اعْتِقادِ غَفْلَتِهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ حالَهم كانَتْ بِمَنزِلَةِ حالِ مَن يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.

آل عمران 3:99

﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَن آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجًا وأنْتُمْ شُهَداءُ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . ابْتِداءُ كَلامٍ رَجَعَ بِهِ إلى مُجادَلَةِ أهْلِ الكِتابِ ومَوْعِظَتِهِمْ فَهو مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٩٥] الآيَةَ. أمَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِالصَّدْعِ بِالإنْكارِ عَلى أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ أنْ مَهَّدَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ دَلائِلَ صِحَّةِ هَذا الدِّينِ ولِذَلِكَ افْتَتَحَ بِفِعْلِ (قُلْ) اهْتِمامًا بِالمَقُولِ، وافْتَتَحَ المَقُولَ بِنِداءِ يا أهْلَ الكِتابِ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ. والمُرادُ بِآياتِ اللَّهِ: إمّا القُرْآنُ، وإمّا دَلائِلُ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ . والكُفْرُ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ بِمَعْناهُ الشَّرْعِيِّ واضِحٌ، وإمّا آياتُ فَضِيلَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ عَلى غَيْرِهِ، والكُفْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ. وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ لِأنَّ أهْلَ الكِتابِ يُوقِنُونَ بِعُمُومِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فَجَحْدُهم لِآياتِهِ مَعَ ذَلِكَ اليَقِينِ أشَدُّ إنْكارًا، ولِذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ﴾ مُجَرَّدَ خَبَرٍ إلّا إذا نُزِّلُوا مَنزِلَةَ الجاهِلِ. وقَوْلُهُ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ﴾ تَوْبِيخٌ ثانٍ وإنْكارٌ عَلى مُجادَلَتِهِمْ لِإضْلالِهِمُ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ أنْ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ضَلالَهم في نُفُوسِهِمْ، وفُصِلَ بِلا عَطْفٌ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِقْلالِهِ بِالقَصْدِ، ولَوْ عُطِفَ لَصَحَّ العَطْفُ. صفحة ٢٦ والصَّدُّ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا: يُقالُ صَدَّهُ عَنْ كَذا فَصَدَّ عَنْهُ. وقاصِرُهُ بِمَعْنى الإعْراضِ. فَمُتَعَدِّيهِ بِمَعْنى جَعْلِ المَصْدُودِ مُعْرَضًا أيْ صَرْفُهُ، ويُقالُ: أصُدُّهُ عَنْ كَذا، وهو ظاهِرٌ. وسَبِيلُ اللَّهِ مَجازٌ في الأقْوالِ والأدِلَّةِ المُوصِلَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ. والمُرادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إمّا مُحاوَلَةُ إرْجاعِ المُؤْمِنِينَ إلى الكُفْرِ بِإلْقاءِ التَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ. وهَذا المَعْنى يُلاقِي مَعْنى الكُفْرِ في قَوْلِهِ ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ عَلى وجْهَيْهِ الرّاجِعَيْنِ لِلْمَعْنى الشَّرْعِيِّ. وإمّا صَدُّ النّاسِ عَنِ الحَجِّ أيْ صَدُّ أتْباعِهِمْ عَنْ حَجِّ الكَعْبَةِ، وتَرْغِيبِهِمْ عَنْ حَجِّ بَيْتِ المَقْدِسِ، بِتَفْضِيلِهِ عَلى الكَعْبَةِ، وهَذا يُلاقِي الكُفْرَ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ المُتَقَدِّمِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى إنْكارِهِمُ القِبْلَةَ في قَوْلِهِمْ: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ [البقرة: ١٤٢] لِأنَّ المَقْصُودَ بِهِ صَدُّ المُؤْمِنِينَ عَنِ اسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ. وقَوْلُهُ تَبْغُونَها عِوَجًا أيْ تَبْغُونَ السَّبِيلَ فَأنَّثَ ضَمِيرَهُ لِأنَّ السَّبِيلَ يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] . والبَغْيُ الطَّلَبُ أيْ تَطْلُبُونَ. والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ - ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ وهو اسْمُ مَصْدَرِ عَوِجَ كَفَرِحَ، ومَصْدَرُهُ العَوَجُ كالفَرَحِ. وقَدْ خَصَّ الِاسْتِعْمالُ غالِبًا المَصْدَرَ بِالِاعْوِجاجِ في الأشْياءِ المَحْسُوسَةِ، كالحائِطِ والقَناةِ. وخَصَّ إطْلاقَ اسْمِ المَصْدَرِ بِالِاعْوِجاجِ الَّذِي لا يُشاهَدُ كاعْوِجاجِ الأرْضِ والسَّطْحِ، وبِالمَعْنَوِيّاتِ كالدِّينِ. ومَعْنى ﴿تَبْغُونَها عِوَجًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا باقِيًا عَلى مَعْنى المَصْدَرِيَّةِ، فَيَكُونُ ﴿عِوَجًا﴾ مَفْعُولَ ﴿تَبْغُونَها﴾، ويَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما قالُوا: شَكَرْتُكَ وبِعْتُكَ كَذا: أيْ شَكَرْتُ لَكَ وبِعْتُ لَكَ، والتَّقْدِيرُ: وتَبْغُونَ لَها عِوَجًا، أيْ تَتَطَلَّبُونَ نِسْبَةَ العِوَجِ إلَيْها، وتُصَوِّرُونَها باطِلَةً زائِلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِوَجًا وصْفًا لِلسَّبِيلِ عَلى طَرِيقَةِ الوَصْفِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ تَبْغُونَها عَوْجاءَ شَدِيدَةَ العِوَجِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ النَّصْبِ في تَبْغُونَها مَفْعُولَ تَبْغُونَ، ويَكُونُ عِوَجًا حالًا مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ أيْ تَرُومُونَها مُعْوَجَّةً أيْ تَبْغُونَ سَبِيلًا مُعْوَجَّةً وهي سَبِيلُ الشِّرْكِ. صفحة ٢٧ والمَعْنى: تَصُدُّونَ عَنِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ وتُرِيدُونَ السَّبِيلَ المُعْوَجَّ فَفي ضَمِيرِ تَبْغُونَها اسْتِخْدامٌ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ المَصْدُودَ عَنْها هي الإسْلامُ، والسَّبِيلُ الَّتِي يُرِيدُونَها هي ما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ بَعْدَ نَسْخِهِ وتَحْرِيفِهِ. وقَوْلُهُ ﴿وأنْتُمْ شُهَداءُ﴾ حالٌ أيْضًا تُوازِنُ الحالَ في قَوْلِهِ قَبْلَها ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ ومَعْناهُ وأنْتُمْ عالِمُونَ أنَّها سَبِيلُ اللَّهِ. وقَدْ أحالَهم في هَذا الكَلامِ عَلى ما في ضَمائِرِهِمْ مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن وخْزِ قُلُوبِهِمْ، وانْثِنائِهِمْ بِاللّائِمَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ولِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وهو وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ وتَذْكِيرٌ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تُخْفِي الصُّدُورَ وهو بِمَعْنى قَوْلِهِ في مَوْعِظَتِهِمُ السّابِقَةِ ﴿واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ إلّا أنَّ هَذا أغْلَظُ في التَّوْبِيخِ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ اعْتِقادِ غَفْلَتِهِ سُبْحانَهُ، لِأنَّ حالَهم كانَتْ بِمَنزِلَةِ حالِ مَن يَعْتَقِدُ ذَلِكَ.

آل عمران 3:100

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ دُعائِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ خاطَبَهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ خِلافَ خِطابِهِ أهْلَ الكِتابِ إذْ قالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولَمْ يَقُلْ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وأشارَ بِهِ هُنا إلى فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ وهم شاسُ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهُ، أوْ أرادَ شاسًا وحْدَهُ، وجَعَلَهُ فَرِيقًا كَما جَعَلَ أبا سُفْيانَ ناسًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وسِياقُ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها جَرَتْ صفحة ٢٨ عَلى حادِثَةٍ حَدَثَتْ وأنَّ لِنُزُولِها سَبَبًا. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا حَتّى تَفانَوْا، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ وآخِرُها يَوْمُ بُعاثٍ الَّتِي انْتَهَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عَلى الإسْلامِ زالَتْ تِلْكَ الأحْقادُ مِن بَيْنِهِمْ وأصْبَحُوا عُدَّةً لِلْإسْلامِ، فَساءَ ذَلِكَ يَهُودَ يَثْرِبَ فَقامَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وهو شَيْخٌ قَدِيمٌ مِنهم، فَجَلَسَ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن جَلَسَ إلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم حُرُوبَ بُعاثٍ، فَكادُوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ونادى كُلُّ فَرِيقٍ: يا لَلْأوْسِ ! ويا لَلْخَزْرَجِ ! وأخَذُوا السِّلاحَ، فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهم وقالَ: «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ وفي رِوايَةٍ: أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» ؟ أيْ أتَدْعُونَ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَما فَرَغَ مِنها حَتّى ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ طالِعٌ أكْرَهَ إلَيْنا مِن طُلُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَنا ما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ. وأصْلُ الرَّدِّ الصَّرْفُ والإرْجاعُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَغَيُّرِ الحالِ بَعْدَ المُخالَطَةِ فَيُفِيدُ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فِيما أنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ: فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا وكافِرِينَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ والقَصْدُ مِنَ التَّصْرِيحِ تَوْضِيحُ فَواتِ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كانُوا فِيها لَوْ يَكْفُرُونَ. وقَوْلُهُ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ اسْتِبْعادًا لِكُفْرِهِمْ ونَفْيٌ لَهُ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ حالِيَّةٌ، وهي مَحَطُّ الِاسْتِبْعادِ والنَّفْيِ لِأنَّ كُلًّا مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ وإقامَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ وازِعٌ لَهم عَنِ الكُفْرِ، وأيُّ وازِعٍ، فالآياتُ هُنا هي القُرْآنُ ومَواعِظُهُ. والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ حَقِيقِيَّةٌ ومُؤْذِنَةٌ بِمَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ، ومِنَّةٍ جَلِيلَةٍ، وهي وُجُودُ هَذا الرَّسُولِ العَظِيمِ بَيْنَهم، تِلْكَ المَزِيَّةُ الَّتِي فازَ بِها أصْحابُهُ المُخاطَبُونَ، وبِها يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» النَّصِيفُ نِصْفُ مُدٍّ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ الصَّحابَةِ وأنَّ لَهم وازِعَيْنِ عَنْ مُواقَعَةِ الضَّلالِ: سَماعُ القُرْآنِ، ومُشاهَدَةُ أنْوارِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ وُجُودَهُ عِصْمَةٌ مِن ضَلالِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: أمّا الرَّسُولُ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ. وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ مَن يَتَمَسَّكُ بِالدِّينِ فَلا يُخْشى عَلَيْهِ الضَّلالُ. فالِاعْتِصامُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلتَّمَسُّكِ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِكِتابِ اللَّهِ ودِينِهِ لِسائِرِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

آل عمران 3:101

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ يَرُدُّوكم بَعْدَ إيمانِكم كافِرِينَ﴾ ﴿وكَيْفَ تَكْفُرُونَ وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ وفِيكم رَسُولُهُ ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ . إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ لِتَحْذِيرِهِمْ مِن كَيْدِ أهْلِ الكِتابِ وسُوءِ دُعائِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ بِأنْ خاطَبَهم بِغَيْرِ واسِطَةٍ خِلافَ خِطابِهِ أهْلَ الكِتابِ إذْ قالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ﴾ [آل عمران: ٩٩] ولَمْ يَقُلْ: قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. والفَرِيقُ: الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، وأشارَ بِهِ هُنا إلى فَرِيقٍ مِنَ اليَهُودِ وهم شاسُ بْنُ قَيْسٍ وأصْحابُهُ، أوْ أرادَ شاسًا وحْدَهُ، وجَعَلَهُ فَرِيقًا كَما جَعَلَ أبا سُفْيانَ ناسًا في قَوْلِهِ ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وسِياقُ الآيَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها جَرَتْ صفحة ٢٨ عَلى حادِثَةٍ حَدَثَتْ وأنَّ لِنُزُولِها سَبَبًا. وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ الأوْسَ والخَزْرَجَ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ قَدْ تَخاذَلُوا وتَحارَبُوا حَتّى تَفانَوْا، وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ وآخِرُها يَوْمُ بُعاثٍ الَّتِي انْتَهَتْ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا عَلى الإسْلامِ زالَتْ تِلْكَ الأحْقادُ مِن بَيْنِهِمْ وأصْبَحُوا عُدَّةً لِلْإسْلامِ، فَساءَ ذَلِكَ يَهُودَ يَثْرِبَ فَقامَ شاسُ بْنُ قَيْسٍ اليَهُودِيُّ، وهو شَيْخٌ قَدِيمٌ مِنهم، فَجَلَسَ إلى الأوْسِ والخَزْرَجِ، أوْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ مَن جَلَسَ إلَيْهِمْ يُذَكِّرُهم حُرُوبَ بُعاثٍ، فَكادُوا أنْ يَقْتَتِلُوا، ونادى كُلُّ فَرِيقٍ: يا لَلْأوْسِ ! ويا لَلْخَزْرَجِ ! وأخَذُوا السِّلاحَ، فَجاءَ النَّبِيءُ ﷺ فَدَخَلَ بَيْنَهم وقالَ: «أتَدْعُونَ الجاهِلِيَّةَ وأنا بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ وفي رِوايَةٍ: أبِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ» ؟ أيْ أتَدْعُونَ بِدَعْوى الجاهِلِيَّةِ وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ، فَما فَرَغَ مِنها حَتّى ألْقَوُا السِّلاحَ، وعانَقَ بَعْضُهم بَعْضًا، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: ما كانَ طالِعٌ أكْرَهَ إلَيْنا مِن طُلُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا أصْلَحَ اللَّهُ بَيْنَنا ما كانَ شَخْصٌ أحَبَّ إلَيْنا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَما رَأيْتُ يَوْمًا أقْبَحَ ولا أوْحَشَ أوَّلًا وأحْسَنَ آخِرًا مِن ذَلِكَ اليَوْمِ. وأصْلُ الرَّدِّ الصَّرْفُ والإرْجاعُ قالَ تَعالى: ﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [النحل: ٧٠] وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِتَغَيُّرِ الحالِ بَعْدَ المُخالَطَةِ فَيُفِيدُ مَعْنى التَّصْيِيرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ فِيما أنْشَدَهُ أهْلُ اللُّغَةِ: فَرَدَّ شُعُورَهُنَّ السُّودَ بِيضًا ورَدَّ وُجُوهَهُنَّ البِيضَ سُودًا وكافِرِينَ مَفْعُولُهُ الثّانِي، وقَوْلُهُ ﴿بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يَرُدُّوكُمْ﴾ والقَصْدُ مِنَ التَّصْرِيحِ تَوْضِيحُ فَواتِ نِعْمَةٍ عَظِيمَةٍ كانُوا فِيها لَوْ يَكْفُرُونَ. وقَوْلُهُ وكَيْفَ تَكْفُرُونَ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِبْعادِ اسْتِبْعادًا لِكُفْرِهِمْ ونَفْيٌ لَهُ، كَقَوْلِ جَرِيرٍ: كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ ∗∗∗ مِن آلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿وأنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكم آياتُ اللَّهِ﴾ حالِيَّةٌ، وهي مَحَطُّ الِاسْتِبْعادِ والنَّفْيِ لِأنَّ كُلًّا مِن تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ وإقامَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فِيهِمْ وازِعٌ لَهم عَنِ الكُفْرِ، وأيُّ وازِعٍ، فالآياتُ هُنا هي القُرْآنُ ومَواعِظُهُ. والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿وفِيكم رَسُولُهُ﴾ حَقِيقِيَّةٌ ومُؤْذِنَةٌ بِمَنقَبَةٍ عَظِيمَةٍ، ومِنَّةٍ جَلِيلَةٍ، وهي وُجُودُ هَذا الرَّسُولِ العَظِيمِ بَيْنَهم، تِلْكَ المَزِيَّةُ الَّتِي فازَ بِها أصْحابُهُ المُخاطَبُونَ، وبِها يَظْهَرُ مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «لا تَسُبُّوا أصْحابِي فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ أحَدَكم أنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِمْ ولا نَصِيفَهُ» النَّصِيفُ نِصْفُ مُدٍّ. وفِي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى عِظَمِ قَدْرِ الصَّحابَةِ وأنَّ لَهم وازِعَيْنِ عَنْ مُواقَعَةِ الضَّلالِ: سَماعُ القُرْآنِ، ومُشاهَدَةُ أنْوارِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ وُجُودَهُ عِصْمَةٌ مِن ضَلالِهِمْ. قالَ قَتادَةُ: أمّا الرَّسُولُ فَقَدْ مَضى إلى رَحْمَةِ اللَّهِ، وأمّا الكِتابُ فَباقٍ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ. وقَوْلُهُ ﴿ومَن يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أيْ مَن يَتَمَسَّكُ بِالدِّينِ فَلا يُخْشى عَلَيْهِ الضَّلالُ. فالِاعْتِصامُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلتَّمَسُّكِ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى التَّمَسُّكِ بِكِتابِ اللَّهِ ودِينِهِ لِسائِرِ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا حَياةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

آل عمران 3:102

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ . صفحة ٣٠ انْتَقَلَ مِن تَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الِانْخِداعِ لِوَساوِسِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، إلى تَحْرِيضِهِمْ عَلى تَمامِ التَّقْوى، لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ صَلاحٍ لَهم ورُسُوخًا لِإيمانِهِمْ، وهو خِطابٌ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَسْرِي إلى جَمِيعِ مَن يَكُونُ بَعْدَهم. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ. والتَّقْوى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وحاصِلُ امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابُ المَنهِيِّ عَنْهُ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، والنَّوايا الباطِلَةِ. وحَقُّ التَّقْوى هو أنْ لا يَكُونَ فِيها تَقْصِيرٌ، وتَظاهُرٌ بِما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ، والتَّقْوى مَقْدُورٌ لِلنّاسِ. وبِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعارُضٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ولا نَسْخٌ، وقِيلَ: هاتِهِ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ هاتِهِ دَلَّتْ عَلى تَقْوى كامِلَةٍ كَما فَسَّرَها ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ورَوَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن يَقْوى لِهَذا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَنَسَخَ هَذِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ في الآيَتَيْنِ في الوُجُوبِ، وعَلى اخْتِلافِ المُرادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لا نَسْخٌ، كَما حَقَّقَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَكِنْ شاعَ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ إطْلاقُ النَّسْخِ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانَ. والتُّقاةُ اسْمُ مَصْدَرِ. اتَّقى وأصْلُهُ وُقَيَةٌ ثُمَّ وُقاةٌ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً تَبَعًا لِإبْدالِها في الِافْتِعالِ إبْدالًا قَصَدُوا مِنهُ الإدْغامَ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نُهِيَ عَنْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةٍ في الدِّينِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هو القَيْدُ: أعْنِي المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ والمُسْتَثْنى هو جُمْلَةُ الحالِ، لِأنَّها اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، وهَذا المُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنْ مُفارَقَةِ الدِّينِ بِالإسْلامِ صفحة ٣١ مُدَّةَ الحَياةِ، وهو مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِما شاعَ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ ساعَةَ المَوْتِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَما قالَ الصِّدِّيقُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ فالنَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ في سائِرِ أحْيانِ الحَياةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ لَكانَ تَرْخِيصًا في مُفارَقَةِ الإسْلامِ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وهو مَعْنًى فاسِدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَوْلُهُ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ ثَنّى أمْرَهم بِما فِيهِ صَلاحُ أنْفُسِهِمْ لَأُخْراهم، بِأمْرِهِمْ بِما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ في دُنْياهم، وذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عَلى هَذا الدِّينِ وعَدَمِ التَّفَرُّقِ لِيَكْتَسِبُوا بِاتِّحادِهِمْ قُوَّةً ونَماءً. والِاعْتِصامُ افْتِعالٌ مِن عَصَمَ وهو طَلَبُ ما يَعْصِمُ أيْ يَمْنَعُ. والحَبْلُ: ما يُشَدُّ بِهِ لِلِارْتِقاءِ، أوِ التَّدَلِّي، أوْ لِلنَّجاةِ مِن غَرَقٍ، أوْ نَحْوِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ اجْتِماعِهِمْ والتِفافِهِمْ عَلى دِينِ اللَّهِ ووَصاياهُ وعُهُودِهِ بِهَيْئَةِ اسْتِمْساكِ جَماعَةٍ بِحَبْلٍ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُنْقِذٍ لَهم مِن غَرَقٍ أوْ سُقُوطٍ، وإضافَةُ الحَبْلِ إلى اللَّهِ قَرِينَةُ هَذا التَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ جَمِيعًا حالٌ وهو الَّذِي رَجَّحَ إرادَةَ التَّمْثِيلِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الأمْرَ بِاعْتِصامِ كُلِّ مُسْلِمٍ في حالِ انْفِرادِهِ اعْتِصامًا بِهَذا الدِّينِ، بَلِ المَقْصُودُ الأمْرُ بِاعْتِصامِ الأُمَّةِ كُلِّها، ويَحْصُلُ في ضِمْنِ ذَلِكَ أمْرُ كُلِّ واحِدٍ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ، فالكَلامُ لَهم بِأنْ يَكُونُوا عَلى هاتِهِ الهَيْئَةِ، وهَذا هو الوَجْهُ المُناسِبُ لِتَمامِ البَلاغَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي. ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعارَ الِاعْتِصامُ لِلتَّوْثِيقِ بِالدِّينِ وعُهُودِهِ، وعَدَمِ الِانْفِصالِ عَنْهُ، ويُسْتَعارُ الحَبْلُ لِلدِّينِ والعُهُودِ كَقَوْلِهِ ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] ويَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِعارَتَيْنِ تَرْشِيحًا لِلْأُخْرى، لِأنَّ مَبْنى التَّرْشِيحِ عَلى اعْتِبارِ تَقْوِيَةِ التَّشْبِيهِ في نَفْسِ السّامِعِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِمُجَرَّدِ سَماعِ لَفْظِ ما هو مِن مُلائِماتِ المُسْتَعارِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ المُلائِمِ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ اسْتِعارَةٌ أُخْرى، إذْ صفحة ٣٢ لا يَزِيدُهُ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ إلّا قُوَّةً، لَيْسَتِ الِاسْتِعارَةُ بِوَضْعِ اللَّفْظِ في مَعْنًى جَدِيدٍ حَتّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ الجَدِيدَةَ، الحاصِلَةَ في الِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، صارَتْ غَيْرَ مُلائِمَةٍ لِمَعْنى المُسْتَعارِ في الِاسْتِعارَةِ الأُخْرى، وإنَّما هي اعْتِباراتٌ لَطِيفَةٌ تَزِيدُ كَثْرَتُها الكَلامَ حُسْنًا. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّوْرِيَةُ، فَإنَّ فِيها حُسْنًا بِإيهامِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ مَعَ إرادَةِ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ إرادَةِ غَيْرِهِ لا يَكُونُ المَعْنى الآخَرُ مَقْصُودًا، وفي هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ الكَلامُ صَرِيحًا في الأمْرِ بِالِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ بَلْ ظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ فَيَئُولُ إلى أمْرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ عَلى ما هو الأصْلُ في مَعْنى مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ويَصِيرُ قَوْلُهُ جَمِيعًا مُحْتَمِلًا لِتَأْكِيدِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن واوِ الجَماعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ اعْتَصَمُوا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ذَمَمْتُ ولَمْ تُحْمَدْ. عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ . وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ أمْرًا ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى طَلَبِ الِاتِّحادِ في الدِّينِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ. وقَوْلُهُ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَصْوِيرًا لِحالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها لِيَحْصُلَ مِنِ اسْتِفْظاعِها انْكِشافُ فائِدَةِ الحالَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلَيْها وهي الِاعْتِصامُ جَمِيعًا بِجامِعَةِ الإسْلامِ الَّذِي كانَ سَبَبَ نَجاتِهِمْ مِن تِلْكَ الحالَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي اخْتارَ لَهم هَذا الدِّينَ، وفي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى إجابَةِ أمْرِهِ تَعالى إيّاهم بِالِاتِّفاقِ. والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى طَرِيقٌ مِن طُرُقِ مَواعِظِ الرُّسُلِ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ هُودٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ عَنْ شُعَيْبٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقالَ اللَّهُ لِمُوسى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . وهَذا التَّذْكِيرُ خاصٌّ بِمَن أسْلَمَ بَعْدَ أنْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ صفحة ٣٣ لِلصَّحابَةِ ولَكِنَّ المِنَّةَ بِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ جِيلٍ يُقَدِّرُ أنْ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ إسْلامُ الجِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ لَكانُوا هم أعْداءً وكانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ. والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ مُعْتَبَرٌ فِيها التَّعْقِيبُ مِن قَوْلِهِ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم إذِ النِّعْمَةُ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ العَداوَةِ، ولَكِنْ عِنْدَ حُصُولِ التَّأْلِيفِ عَقِبَ تِلْكَ العَداوَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم يَوْمَئِذٍ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ وأفْرادٌ قَلِيلُونَ مِن بَعْضِ القَبائِلِ القَرِيبَةِ، وكانَ جَمِيعُهم قَبْلَ الإسْلامِ في عَداوَةٍ وحُرُوبٍ، فالأوْسُ والخَزْرَجُ كانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ دامَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ، ومِنها كانَ يَوْمُ بُعاثٍ، والعَرَبُ كانُوا في حُرُوبٍ وغاراتٍ بَلْ وسائِرُ الأُمَمِ الَّتِي دَعاها الإسْلامُ كانُوا في تَفَرُّقٍ وتَخاذُلٍ فَصارَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ إخْوانًا وأوْلِياءَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، لا يَصُدُّهم عَنْ ذَلِكَ اخْتِلافُ أنْسابٍ، ولا تَباعُدُ مَواطِنَ، ولَقَدْ حاوَلَتْ حُكَماؤُهم وأُولُو الرَّأْيِ مِنهُمُ التَّأْلِيفَ بَيْنَهم، وإصْلاحَ ذاتِ بَيْنِهِمْ، بِأفانِينِ الدَّعايَةِ مِن خَطابَةٍ وجاهٍ وشِعْرٍ فَلَمْ يَصِلُوا إلى ما ابْتَغَوْا حَتّى ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ فَصارُوا بِذَلِكَ التَّأْلِيفِ بِمَنزِلَةِ الإخْوانِ. صفحة ٣٤ والإخْوانُ جَمْعُ الأخِ، مِثْلُ الإخْوَةِ، وقِيلَ: يَخْتَصُّ الإخْوانُ بِالأخِ المَجازِيِّ والإخْوَةُ بِالأخِ الحَقِيقِيِّ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ قالَ تَعالى: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقالَ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمَعْنى المَجازِيِّ صِيغَةٌ خاصَّةٌ في الجَمْعِ أوِ المُفْرَدِ وإلّا لَبَطَلَ كَوْنُ اللَّفْظِ مَجازًا وصارَ مُشْتَرَكًا، لَكِنْ لِلِاسْتِعْمالِ أنْ يُغَلِّبَ إطْلاقُ إحْدى الصِّيغَتَيْنِ المَوْضُوعَتَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ فَيُغَلِّبُها في المَعْنى المَجازِيِّ والأُخْرى في الحَقِيقِيِّ. وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِمْ مِن أشْنَعِ حالَةٍ إلى أحْسَنِها: فَحالَةٌ كانُوا عَلَيْها هي حالَةُ العَداوَةِ والتَّفانِي والتَّقاتُلِ، وحالَةٌ أصْبَحُوا عَلَيْها وهي حالَةُ الأُخُوَّةِ ولا يُدْرِكُ الفَرْقَ بَيْنَ الحالَيْنِ إلّا مَن كانُوا في السُّوأى فَأصْبَحُوا في الحُسْنى، والنّاسُ إذا كانُوا في حالَةِ بُؤْسٍ وضَنْكٍ واعْتادُوها صارَ الشَّقاءُ دَأْبَهَمْ، وذَلَّتْ لَهُ نُفُوسُهم فَلَمْ يَشْعُرُوا بِما هم فِيهِ، ولا يَتَفَطَّنُوا لِوَخِيمِ عَواقِبِهِ، حَتّى إذا هُيِّئَ لَهُمُ الصَّلاحُ، وأخَذَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمُ اسْتَفاقُوا مِن شَقْوَتِهِمْ، وعَلِمُوا سُوءَ حالَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى جَمَعَتْ لَهم هَذِهِ الآيَةُ في الِامْتِنانِ بَيْنَ ذِكْرِ الحالَتَيْنِ وما بَيْنَهُما فَقالَتْ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ . وقَوْلُهُ بِنِعْمَتِهِ الباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ بِمَعْنى (مَعَ) أيْ أصْبَحْتُمْ إخْوانًا مُصاحِبِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ وهي نِعْمَةُ الأُخُوَّةِ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ اللِّهْبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ ∗∗∗ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا وقَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ أعْداءً﴾ فَهو نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ الإنْقاذِ مِن حالَةٍ أُخْرى بَئِيسَةٍ وهي حالَةُ الإشْرافِ عَلى المُهْلِكاتِ. والشَّفا مِثْلُ الشَّفَةِ هو حَرْفُ القَلِيبِ وطَرَفِهِ، وألِفُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ. وأمّا واوُ شَفَةٍ فَقَدْ حُذِفَتْ وعُوِّضَتْ عَنْها الهاءُ مِثْلُ سَنَةٍ وعِزَةٍ إلّا أنَّهم لَمْ يَجْمَعُوهُ عَلى شَفَواتٍ ولا عَلى شَفَتَيْنِ بَلْ قالُوا شِفاهٌ كَأنَّهُمُ اعْتَدُّوا بِالهاءِ كالأصْلِ. صفحة ٣٥ فَأرى أنَّ شَفا حُفْرَةِ النّارِ هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ حِينَ كانُوا عَلى وشْكِ الهَلاكِ والتَّفانِي الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ زُهَيْرٌ بِقَوْلِهِ: تَفانَوْا ودَقُّوا بَيْنَهم عِطْرَ مَنشَمِ بِحالِ قَوْمٍ بَلَغَ بِهِمُ المَشْيُ إلى شَفا حَفِيرٍ مِنَ النّارِ كالأُخْدُودِ فَلَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهَلاكِ السَّرِيعِ التّامِّ إلّا خُطْوَةٌ قَصِيرَةٌ، واخْتِيارُ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها هُنا لِأنَّ النّارَ أشَدُّ المُهْلِكاتِ إهْلاكًا، وأسْرَعُها، وهَذا هو المُناسِبُ في حَمْلِ الآيَةِ لِيَكُونَ الِامْتِنانُ بِنِعْمَتَيْنِ مَحْسُوسَتَيْنِ هُما: نِعْمَةُ الأُخُوَّةِ بَعْدَ العَداوَةِ، ونِعْمَةُ السَّلامَةِ بَعْدَ الخَطَرِ، كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ: نَجاةً مِنَ البَأْساءِ بَعْدَ وُقُوعِ والإنْقاذُ مِن حالَتَيْنِ شَنِيعَتَيْنِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ نارَ جَهَنَّمَ وعَلى قَوْلِهِمْ هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿شَفا حُفْرَةٍ﴾ مُسْتَعارًا لِلِاقْتِرابِ اسْتِعارَةَ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. والنّارُ حَقِيقَةٌ، ويُبْعِدُ هَذا المَحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى ”حُفْرَةٍ“ إذْ لَيْسَتْ جَهَنَّمُ حُفْرَةً بَلْ عالَمٌ عَظِيمٌ لِلْعَذابِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ «فَإذا هي مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وإذا لَها قَرْنانِ» ولَكِنَّ ذَلِكَ رُؤْيا جاءَتْ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ وإلّا فَهي لا يُحِيطُ بِها النَّظَرُ. ويَكُونُ الِامْتِنانُ عَلى هَذا امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وهم لِيَقِينِهِمْ بِدُخُولِ الكَفَرَةِ النّارَ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا عَلى شَفاها. وقِيلَ: أرادَ نارَ الحَرْبِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ نارَ الحَرْبِ لا تُوقَدُ في حُفْرَةٍ بَلْ تُوقَدُ في العَلْياءِ لِيَراها مَن كانَ بَعِيدًا كَما قالَ الحارِثُ: وبِعَيْنَيْكَ أوْقَدَتْ هِنْدُ النّارَ ∗∗∗ عِشاءً تُلْوِي بِها العَلْياءُفَتَنَوَّرَتْ نارُها مِن بَعِيدٍ ∗∗∗ بِخَزازى أيّانَ مِنكَ الصِّلاءُوَلِأنَّهم كانُوا مُلابِسِينَ لَها ولَمْ يَكُونُوا عَلى مُقارَبَتِها. والضَّمِيرُ في (مِنها) لِلنّارِ عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ. ويَجُوزُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ لِشَفا حُفْرَةٍ وعادَ عَلَيْهِ بِالتَّأْنِيثِ لِاكْتِسابِهِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِ الأعْشى: صفحة ٣٦ وتَشْرَقَ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ التَّعْلِيمِ والإرْشادِ، وإيضاحِ الحَقائِقِ حَتّى تَكْمُلَ عُقُولُهم، ويَتَبَيَّنُوا ما فِيهِ صَلاحُهم. والبَيانُ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ والإيضاحِ. والآياتُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها النِّعَمَ، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ آيا ∗∗∗ تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها دَلائِلُ عِنايَتِهِ تَعالى بِهِمْ وتَثْقِيفِ عُقُولِهِمْ وقُلُوبِهِمْ بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ. وأنْ يُرادَ بِها آياتُ القُرْآنِ فَإنَّها غايَةٌ في الإفْصاحِ عَنِ المَقاصِدِ وإبْلاغِ المَعانِي إلى الأذْهانِ.

آل عمران 3:103

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ . صفحة ٣٠ انْتَقَلَ مِن تَحْذِيرِ المُخاطَبِينَ مِنَ الِانْخِداعِ لِوَساوِسِ بَعْضِ أهْلِ الكِتابِ، إلى تَحْرِيضِهِمْ عَلى تَمامِ التَّقْوى، لِأنَّ في ذَلِكَ زِيادَةَ صَلاحٍ لَهم ورُسُوخًا لِإيمانِهِمْ، وهو خِطابٌ لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ويَسْرِي إلى جَمِيعِ مَن يَكُونُ بَعْدَهم. وهَذِهِ الآيَةُ أصْلٌ عَظِيمٌ مِن أُصُولِ الأخْلاقِ الإسْلامِيَّةِ. والتَّقْوى تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] . وحاصِلُ امْتِثالِ الأمْرِ، واجْتِنابُ المَنهِيِّ عَنْهُ في الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، والنَّوايا الباطِلَةِ. وحَقُّ التَّقْوى هو أنْ لا يَكُونَ فِيها تَقْصِيرٌ، وتَظاهُرٌ بِما لَيْسَ مِن عَمَلِهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ الِاسْتِطاعَةَ هي القُدْرَةُ، والتَّقْوى مَقْدُورٌ لِلنّاسِ. وبِذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ تَعارُضٌ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ولا نَسْخٌ، وقِيلَ: هاتِهِ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] لِأنَّ هاتِهِ دَلَّتْ عَلى تَقْوى كامِلَةٍ كَما فَسَّرَها ابْنُ مَسْعُودٍ: أنْ يُطاعَ فَلا يُعْصى، ويُشْكَرَ فَلا يُكْفَرَ، ويُذْكَرَ فَلا يُنْسى، ورَوَوْا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن يَقْوى لِهَذا فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] فَنَسَخَ هَذِهِ بِناءً عَلى أنَّ الأمْرَ في الآيَتَيْنِ في الوُجُوبِ، وعَلى اخْتِلافِ المُرادِ مِنَ التَّقَوَيَيْنِ. والحَقُّ أنَّ هَذا بَيانٌ لا نَسْخٌ، كَما حَقَّقَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَكِنْ شاعَ عِنْدَ المُتَقَدِّمِينَ إطْلاقُ النَّسْخِ عَلى ما يَشْمَلُ البَيانَ. والتُّقاةُ اسْمُ مَصْدَرِ. اتَّقى وأصْلُهُ وُقَيَةٌ ثُمَّ وُقاةٌ ثُمَّ أُبْدِلَتِ الواوُ تاءً تَبَعًا لِإبْدالِها في الِافْتِعالِ إبْدالًا قَصَدُوا مِنهُ الإدْغامَ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨] . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ نُهِيَ عَنْ أنْ يَمُوتُوا عَلى حالَةٍ في الدِّينِ إلّا عَلى حالَةِ الإسْلامِ فَمَحَطُّ النَّهْيِ هو القَيْدُ: أعْنِي المُسْتَثْنى مِنهُ المَحْذُوفَ والمُسْتَثْنى هو جُمْلَةُ الحالِ، لِأنَّها اسْتِثْناءٌ مِن أحْوالٍ، وهَذا المُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في غَيْرِ مَعْناهُ لِأنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في النَّهْيِ عَنْ مُفارَقَةِ الدِّينِ بِالإسْلامِ صفحة ٣١ مُدَّةَ الحَياةِ، وهو مَجازٌ تَمْثِيلِيٌّ عِلاقَتُهُ اللُّزُومُ، لِما شاعَ بَيْنَ النّاسِ مِن أنَّ ساعَةَ المَوْتِ أمْرٌ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَما قالَ الصِّدِّيقُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ في أهْلِهِ والمَوْتُ أدْنى مِن شِراكِ نَعْلِهِ فالنَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى غَيْرِ الإسْلامِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ مُفارَقَةِ الإسْلامِ في سائِرِ أحْيانِ الحَياةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ بِهِ مَعْناهُ الأصْلِيُّ لَكانَ تَرْخِيصًا في مُفارَقَةِ الإسْلامِ إلّا عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، وهو مَعْنًى فاسِدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] . وقَوْلُهُ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا﴾ ثَنّى أمْرَهم بِما فِيهِ صَلاحُ أنْفُسِهِمْ لَأُخْراهم، بِأمْرِهِمْ بِما فِيهِ صَلاحُ حالِهِمْ في دُنْياهم، وذَلِكَ بِالِاجْتِماعِ عَلى هَذا الدِّينِ وعَدَمِ التَّفَرُّقِ لِيَكْتَسِبُوا بِاتِّحادِهِمْ قُوَّةً ونَماءً. والِاعْتِصامُ افْتِعالٌ مِن عَصَمَ وهو طَلَبُ ما يَعْصِمُ أيْ يَمْنَعُ. والحَبْلُ: ما يُشَدُّ بِهِ لِلِارْتِقاءِ، أوِ التَّدَلِّي، أوْ لِلنَّجاةِ مِن غَرَقٍ، أوْ نَحْوِهِ، والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ اجْتِماعِهِمْ والتِفافِهِمْ عَلى دِينِ اللَّهِ ووَصاياهُ وعُهُودِهِ بِهَيْئَةِ اسْتِمْساكِ جَماعَةٍ بِحَبْلٍ أُلْقِيَ إلَيْهِمْ مُنْقِذٍ لَهم مِن غَرَقٍ أوْ سُقُوطٍ، وإضافَةُ الحَبْلِ إلى اللَّهِ قَرِينَةُ هَذا التَّمْثِيلِ. وقَوْلُهُ جَمِيعًا حالٌ وهو الَّذِي رَجَّحَ إرادَةَ التَّمْثِيلِ، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الأمْرَ بِاعْتِصامِ كُلِّ مُسْلِمٍ في حالِ انْفِرادِهِ اعْتِصامًا بِهَذا الدِّينِ، بَلِ المَقْصُودُ الأمْرُ بِاعْتِصامِ الأُمَّةِ كُلِّها، ويَحْصُلُ في ضِمْنِ ذَلِكَ أمْرُ كُلِّ واحِدٍ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذا الدِّينِ، فالكَلامُ لَهم بِأنْ يَكُونُوا عَلى هاتِهِ الهَيْئَةِ، وهَذا هو الوَجْهُ المُناسِبُ لِتَمامِ البَلاغَةِ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ المَعانِي. ويَجُوزُ أنْ يُسْتَعارَ الِاعْتِصامُ لِلتَّوْثِيقِ بِالدِّينِ وعُهُودِهِ، وعَدَمِ الِانْفِصالِ عَنْهُ، ويُسْتَعارُ الحَبْلُ لِلدِّينِ والعُهُودِ كَقَوْلِهِ ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٢] ويَكُونُ كُلٌّ مِنَ الِاسْتِعارَتَيْنِ تَرْشِيحًا لِلْأُخْرى، لِأنَّ مَبْنى التَّرْشِيحِ عَلى اعْتِبارِ تَقْوِيَةِ التَّشْبِيهِ في نَفْسِ السّامِعِ، وذَلِكَ يَحْصُلُ لَهُ بِمُجَرَّدِ سَماعِ لَفْظِ ما هو مِن مُلائِماتِ المُسْتَعارِ، بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَوْنِ ذَلِكَ المُلائِمِ مُعْتَبَرَةٌ فِيهِ اسْتِعارَةٌ أُخْرى، إذْ صفحة ٣٢ لا يَزِيدُهُ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ إلّا قُوَّةً، لَيْسَتِ الِاسْتِعارَةُ بِوَضْعِ اللَّفْظِ في مَعْنًى جَدِيدٍ حَتّى يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ تِلْكَ الدَّلالَةَ الجَدِيدَةَ، الحاصِلَةَ في الِاسْتِعارَةِ الثّانِيَةِ، صارَتْ غَيْرَ مُلائِمَةٍ لِمَعْنى المُسْتَعارِ في الِاسْتِعارَةِ الأُخْرى، وإنَّما هي اعْتِباراتٌ لَطِيفَةٌ تَزِيدُ كَثْرَتُها الكَلامَ حُسْنًا. وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّوْرِيَةُ، فَإنَّ فِيها حُسْنًا بِإيهامِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ مَعَ إرادَةِ غَيْرِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ إرادَةِ غَيْرِهِ لا يَكُونُ المَعْنى الآخَرُ مَقْصُودًا، وفي هَذا الوَجْهِ لا يَكُونُ الكَلامُ صَرِيحًا في الأمْرِ بِالِاجْتِماعِ عَلى الدِّينِ بَلْ ظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرُ المُؤْمِنِينَ بِالتَّمَسُّكِ بِالدِّينِ فَيَئُولُ إلى أمْرِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِذَلِكَ عَلى ما هو الأصْلُ في مَعْنى مِثْلِ هَذِهِ الصِّيغَةِ ويَصِيرُ قَوْلُهُ جَمِيعًا مُحْتَمِلًا لِتَأْكِيدِ العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن واوِ الجَماعَةِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِ اعْتَصَمُوا جَمِيعًا كَقَوْلِهِ: ذَمَمْتُ ولَمْ تُحْمَدْ. عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ ﴿واعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ . وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ أمْرًا ثانِيًا لِلدَّلالَةِ عَلى طَلَبِ الِاتِّحادِ في الدِّينِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُؤَكَّدُ بِنَفْيِ ضِدِّهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ ضَلُّوا وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] في سُورَةِ الأنْعامِ وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأمْرَ بِالشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ ضِدِّهِ. وقَوْلُهُ ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ تَصْوِيرًا لِحالِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها لِيَحْصُلَ مِنِ اسْتِفْظاعِها انْكِشافُ فائِدَةِ الحالَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلَيْها وهي الِاعْتِصامُ جَمِيعًا بِجامِعَةِ الإسْلامِ الَّذِي كانَ سَبَبَ نَجاتِهِمْ مِن تِلْكَ الحالَةِ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي اخْتارَ لَهم هَذا الدِّينَ، وفي ذَلِكَ تَحْرِيضٌ عَلى إجابَةِ أمْرِهِ تَعالى إيّاهم بِالِاتِّفاقِ. والتَّذْكِيرُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى طَرِيقٌ مِن طُرُقِ مَواعِظِ الرُّسُلِ. قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ هُودٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ جَعَلَكم خُلَفاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف: ٦٩] وقالَ عَنْ شُعَيْبٍ ﴿واذْكُرُوا إذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦] وقالَ اللَّهُ لِمُوسى ﴿وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم: ٥] . وهَذا التَّذْكِيرُ خاصٌّ بِمَن أسْلَمَ بَعْدَ أنْ كانَ في الجاهِلِيَّةِ، لِأنَّ الآيَةَ خِطابٌ صفحة ٣٣ لِلصَّحابَةِ ولَكِنَّ المِنَّةَ بِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلى سائِرِ المُسْلِمِينَ، لِأنَّ كُلَّ جِيلٍ يُقَدِّرُ أنْ لَوْ لَمْ يَسْبِقْ إسْلامُ الجِيلِ الَّذِي قَبْلَهُ لَكانُوا هم أعْداءً وكانُوا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ. والظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً﴾ مُعْتَبَرٌ فِيها التَّعْقِيبُ مِن قَوْلِهِ فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم إذِ النِّعْمَةُ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ العَداوَةِ، ولَكِنْ عِنْدَ حُصُولِ التَّأْلِيفِ عَقِبَ تِلْكَ العَداوَةِ. والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم يَوْمَئِذٍ المُهاجِرُونَ والأنْصارُ وأفْرادٌ قَلِيلُونَ مِن بَعْضِ القَبائِلِ القَرِيبَةِ، وكانَ جَمِيعُهم قَبْلَ الإسْلامِ في عَداوَةٍ وحُرُوبٍ، فالأوْسُ والخَزْرَجُ كانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ دامَتْ مِائَةً وعِشْرِينَ سَنَةً قَبْلَ الهِجْرَةِ، ومِنها كانَ يَوْمُ بُعاثٍ، والعَرَبُ كانُوا في حُرُوبٍ وغاراتٍ بَلْ وسائِرُ الأُمَمِ الَّتِي دَعاها الإسْلامُ كانُوا في تَفَرُّقٍ وتَخاذُلٍ فَصارَ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ إخْوانًا وأوْلِياءَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، لا يَصُدُّهم عَنْ ذَلِكَ اخْتِلافُ أنْسابٍ، ولا تَباعُدُ مَواطِنَ، ولَقَدْ حاوَلَتْ حُكَماؤُهم وأُولُو الرَّأْيِ مِنهُمُ التَّأْلِيفَ بَيْنَهم، وإصْلاحَ ذاتِ بَيْنِهِمْ، بِأفانِينِ الدَّعايَةِ مِن خَطابَةٍ وجاهٍ وشِعْرٍ فَلَمْ يَصِلُوا إلى ما ابْتَغَوْا حَتّى ألَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بِالإسْلامِ فَصارُوا بِذَلِكَ التَّأْلِيفِ بِمَنزِلَةِ الإخْوانِ. صفحة ٣٤ والإخْوانُ جَمْعُ الأخِ، مِثْلُ الإخْوَةِ، وقِيلَ: يَخْتَصُّ الإخْوانُ بِالأخِ المَجازِيِّ والإخْوَةُ بِالأخِ الحَقِيقِيِّ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ قالَ تَعالى: ﴿أوْ بُيُوتِ إخْوانِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقالَ ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] ولَيْسَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمَعْنى المَجازِيِّ صِيغَةٌ خاصَّةٌ في الجَمْعِ أوِ المُفْرَدِ وإلّا لَبَطَلَ كَوْنُ اللَّفْظِ مَجازًا وصارَ مُشْتَرَكًا، لَكِنْ لِلِاسْتِعْمالِ أنْ يُغَلِّبَ إطْلاقُ إحْدى الصِّيغَتَيْنِ المَوْضُوعَتَيْنِ لِمَعْنًى واحِدٍ فَيُغَلِّبُها في المَعْنى المَجازِيِّ والأُخْرى في الحَقِيقِيِّ. وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِتَغْيِيرِ أحْوالِهِمْ مِن أشْنَعِ حالَةٍ إلى أحْسَنِها: فَحالَةٌ كانُوا عَلَيْها هي حالَةُ العَداوَةِ والتَّفانِي والتَّقاتُلِ، وحالَةٌ أصْبَحُوا عَلَيْها وهي حالَةُ الأُخُوَّةِ ولا يُدْرِكُ الفَرْقَ بَيْنَ الحالَيْنِ إلّا مَن كانُوا في السُّوأى فَأصْبَحُوا في الحُسْنى، والنّاسُ إذا كانُوا في حالَةِ بُؤْسٍ وضَنْكٍ واعْتادُوها صارَ الشَّقاءُ دَأْبَهَمْ، وذَلَّتْ لَهُ نُفُوسُهم فَلَمْ يَشْعُرُوا بِما هم فِيهِ، ولا يَتَفَطَّنُوا لِوَخِيمِ عَواقِبِهِ، حَتّى إذا هُيِّئَ لَهُمُ الصَّلاحُ، وأخَذَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِمُ اسْتَفاقُوا مِن شَقْوَتِهِمْ، وعَلِمُوا سُوءَ حالَتِهِمْ، ولِأجْلِ هَذا المَعْنى جَمَعَتْ لَهم هَذِهِ الآيَةُ في الِامْتِنانِ بَيْنَ ذِكْرِ الحالَتَيْنِ وما بَيْنَهُما فَقالَتْ ﴿إذْ كُنْتُمْ أعْداءً فَألَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكم فَأصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إخْوانًا﴾ . وقَوْلُهُ بِنِعْمَتِهِ الباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ بِمَعْنى (مَعَ) أيْ أصْبَحْتُمْ إخْوانًا مُصاحِبِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ وهي نِعْمَةُ الأُخُوَّةِ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ عُتْبَةَ اللِّهْبِيِّ: كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ ∗∗∗ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا وقَوْلُهُ ﴿وكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَكم مِنها﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿كُنْتُمْ أعْداءً﴾ فَهو نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ الإنْقاذِ مِن حالَةٍ أُخْرى بَئِيسَةٍ وهي حالَةُ الإشْرافِ عَلى المُهْلِكاتِ. والشَّفا مِثْلُ الشَّفَةِ هو حَرْفُ القَلِيبِ وطَرَفِهِ، وألِفُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ. وأمّا واوُ شَفَةٍ فَقَدْ حُذِفَتْ وعُوِّضَتْ عَنْها الهاءُ مِثْلُ سَنَةٍ وعِزَةٍ إلّا أنَّهم لَمْ يَجْمَعُوهُ عَلى شَفَواتٍ ولا عَلى شَفَتَيْنِ بَلْ قالُوا شِفاهٌ كَأنَّهُمُ اعْتَدُّوا بِالهاءِ كالأصْلِ. صفحة ٣٥ فَأرى أنَّ شَفا حُفْرَةِ النّارِ هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ حِينَ كانُوا عَلى وشْكِ الهَلاكِ والتَّفانِي الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ زُهَيْرٌ بِقَوْلِهِ: تَفانَوْا ودَقُّوا بَيْنَهم عِطْرَ مَنشَمِ بِحالِ قَوْمٍ بَلَغَ بِهِمُ المَشْيُ إلى شَفا حَفِيرٍ مِنَ النّارِ كالأُخْدُودِ فَلَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ الهَلاكِ السَّرِيعِ التّامِّ إلّا خُطْوَةٌ قَصِيرَةٌ، واخْتِيارُ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها هُنا لِأنَّ النّارَ أشَدُّ المُهْلِكاتِ إهْلاكًا، وأسْرَعُها، وهَذا هو المُناسِبُ في حَمْلِ الآيَةِ لِيَكُونَ الِامْتِنانُ بِنِعْمَتَيْنِ مَحْسُوسَتَيْنِ هُما: نِعْمَةُ الأُخُوَّةِ بَعْدَ العَداوَةِ، ونِعْمَةُ السَّلامَةِ بَعْدَ الخَطَرِ، كَما قالَ أبُو الطَّيِّبِ: نَجاةً مِنَ البَأْساءِ بَعْدَ وُقُوعِ والإنْقاذُ مِن حالَتَيْنِ شَنِيعَتَيْنِ. وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: أرادَ نارَ جَهَنَّمَ وعَلى قَوْلِهِمْ هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ ﴿شَفا حُفْرَةٍ﴾ مُسْتَعارًا لِلِاقْتِرابِ اسْتِعارَةَ المَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ. والنّارُ حَقِيقَةٌ، ويُبْعِدُ هَذا المَحْمَلَ قَوْلُهُ تَعالى ”حُفْرَةٍ“ إذْ لَيْسَتْ جَهَنَّمُ حُفْرَةً بَلْ عالَمٌ عَظِيمٌ لِلْعَذابِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ «فَإذا هي مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وإذا لَها قَرْنانِ» ولَكِنَّ ذَلِكَ رُؤْيا جاءَتْ عَلى وجْهِ التَّمْثِيلِ وإلّا فَهي لا يُحِيطُ بِها النَّظَرُ. ويَكُونُ الِامْتِنانُ عَلى هَذا امْتِنانًا عَلَيْهِمْ بِالإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وهم لِيَقِينِهِمْ بِدُخُولِ الكَفَرَةِ النّارَ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا عَلى شَفاها. وقِيلَ: أرادَ نارَ الحَرْبِ وهو بَعِيدٌ جِدًّا لِأنَّ نارَ الحَرْبِ لا تُوقَدُ في حُفْرَةٍ بَلْ تُوقَدُ في العَلْياءِ لِيَراها مَن كانَ بَعِيدًا كَما قالَ الحارِثُ: وبِعَيْنَيْكَ أوْقَدَتْ هِنْدُ النّارَ ∗∗∗ عِشاءً تُلْوِي بِها العَلْياءُفَتَنَوَّرَتْ نارُها مِن بَعِيدٍ ∗∗∗ بِخَزازى أيّانَ مِنكَ الصِّلاءُوَلِأنَّهم كانُوا مُلابِسِينَ لَها ولَمْ يَكُونُوا عَلى مُقارَبَتِها. والضَّمِيرُ في (مِنها) لِلنّارِ عَلى التَّقادِيرِ الثَّلاثَةِ. ويَجُوزُ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ أنْ يَكُونَ لِشَفا حُفْرَةٍ وعادَ عَلَيْهِ بِالتَّأْنِيثِ لِاكْتِسابِهِ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِ الأعْشى: صفحة ٣٦ وتَشْرَقَ بِالقَوْلِ الَّذِي قَدْ أذَعْتَهُ ∗∗∗ كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ وقَوْلُهُ ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ نِعْمَةٌ أُخْرى وهي نِعْمَةُ التَّعْلِيمِ والإرْشادِ، وإيضاحِ الحَقائِقِ حَتّى تَكْمُلَ عُقُولُهم، ويَتَبَيَّنُوا ما فِيهِ صَلاحُهم. والبَيانُ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ والإيضاحِ. والآياتُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها النِّعَمَ، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: مَن لَنا عِنْدَهُ مِنَ الخَيْرِ آيا ∗∗∗ تٌ ثَلاثٌ في كُلِّهِنَّ القَضاءُ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها دَلائِلُ عِنايَتِهِ تَعالى بِهِمْ وتَثْقِيفِ عُقُولِهِمْ وقُلُوبِهِمْ بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ. وأنْ يُرادَ بِها آياتُ القُرْآنِ فَإنَّها غايَةٌ في الإفْصاحِ عَنِ المَقاصِدِ وإبْلاغِ المَعانِي إلى الأذْهانِ.

آل عمران 3:104

﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ البَيِّناتُ وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ . هَذا مُفَرَّعٌ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ: لِأنَّهُ لَمّا أظْهَرَ لَهم نِعْمَةَ نَقْلِهِمْ مِن حالَتَيْ شَقاءٍ وشَناعَةٍ إلى حالَتَيْ نَعِيمٍ وكَمالٍ، وكانُوا قَدْ ذاقُوا بَيْنَ الحالَتَيْنِ الأمَّرَيْنِ ثُمَّ الأحْلَوَيْنِ، فَحَلَبُوا الدَّهْرَ أشَطْرَيْهِ، كانُوا أحْرِياءَ بِأنْ يَسْعَوْا بِكُلِّ عَزْمِهِمْ إلى انْتِشالِ غَيْرِهِمْ مِن سُوءِ ما هو فِيهِ إلى حُسْنى ما هم عَلَيْهِ حَتّى يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً خَيِّرَةً. وفي غَرِيزَةِ البَشَرِ حُبُّ المُشارِكَةِ في الخَيْرِ لِذَلِكَ تَجِدُ الصَّبِيَّ إذا رَأى شَيْئًا أعْجَبَهُ نادى مَن هو حَوْلَهُ لِيَراهُ مَعَهُ. ولِذَلِكَ كانَ هَذا الكَلامُ حَرِيًّا بِأنْ يُعْطَفَ بِالفاءِ، ولَوْ عُطِفَ بِها لَكانَ أُسْلُوبًا عَرَبِيًّا إلّا أنَّهُ عُدِلَ عَنِ العَطْفِ بِالفاءِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ صفحة ٣٧ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ بِحَيْثُ لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ الكَلامُ السّابِقُ لَكانَ هو حَرِيًّا بِأنْ يُؤْمَرَ بِهِ، فَلا يَكُونُ مَذْكُورًا لِأجْلِ التَّفَرُّعِ عَنْ غَيْرِهِ والتَّبَعِ. وفِيهِ مِن حُسْنِ المُقابَلَةِ في التَّقْسِيمِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ الخَطابَةِ: وذَلِكَ أنَّهُ أنْكَرَ عَلى أهْلِ الكِتابِ كُفْرَهم وصَدَّهُمُ النّاسَ عَنِ الإيمانِ، فَقالَ ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ واللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨] ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآيَةَ. وقابَلَ ذَلِكَ بِأنْ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالإيمانِ والدُّعاءِ إلَيْهِ إذْ قالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وقَوْلُهُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ﴾ الآيَةَ. وصِيغَةُ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ صِيغَةُ وُجُوبٍ لِأنَّها أصْرَحُ في الأمْرِ مِن صِيغَةِ افْعَلُوا لِأنَّها أصْلُها. فَإذا كانَ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرَ مَعْلُومٍ بَيْنَهم مِن قِبَلِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فالأمْرُ لِتَشْرِيعِ الوُجُوبِ، وإذا كانَ ذَلِكَ حاصِلًا بَيْنَهم مِن قَبْلُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ ووُجُوبِهِ، وفِيهِ زِيادَةُ الأمْرِ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وقَدْ كانَ الوُجُوبُ مُقَرَّرًا مِن قَبْلُ بِآياتٍ أُخْرى مِثْلِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، أوْ بِأوامِرَ نَبَوِيَّةٍ. فالأمْرُ لِتَأْكِيدِ الوُجُوبِ أيْضًا لِلدَّلالَةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ عَلَيْهِ، مِثْلُ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] . والأُمَّةُ الجَماعَةُ والطّائِفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف: ٣٨] . وأصْلُ الأُمَّةِ مِن كَلامِ العَرَبِ الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ الَّتِي تَؤُمُّ قَصْدًا واحِدًا: مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ دِينٍ، أوْ مَجْمُوعِ ذَلِكَ، ويَتَعَيَّنُ ما يَجْمَعُها بِالإضافَةِ أوِ الوَصْفِ كَقَوْلِهِمْ: أُمَّةُ العَرَبِ وأُمَّةُ غَسّانَ وأُمَّةُ النَّصارى. والمُخاطَبُ بِضَمِيرِ مِنكم إنْ كانَ هم أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ كَما هو ظاهِرُ صفحة ٣٨ الخِطاباتِ السّابِقَةِ آنِفًا جازَ أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً وقُدِّمَ البَيانُ عَلى المُبَيَّنِ ويَكُونُ ماصَدَقَ الأُمَّةِ نَفْسُ الصَّحابَةِ، وهم أهْلُ العَصْرِ الأوَّلِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَكُونُ المَعْنى: ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَهَذِهِ الأُمَّةُ أصْحابُ هَذا الوَصْفِ قَدْ أُمِرُوا بِأنْ يُكَوِّنُوا مِن مَجْمُوعِهِمُ الأُمَّةَ المَوْصُوفَةَ بِأنَّهم يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، والمَقْصُودُ تَكْوِينُ هَذا الوَصْفِ لِأنَّ الواجِبَ عَلَيْهِمْ هو التَّخَلُّقُ بِهَذا الخُلُقِ فَإذا تَخَلَّقُوا بِهِ تَكَوَّنَتِ الأُمَّةُ المَطْلُوبَةُ. وهي أفْضَلُ الأُمَمِ. وهي أهْلُ المَدِينَةِ الفاضِلَةِ المَنشُودَةِ لِلْحُكَماءِ مِن قَبْلُ، فَجاءَتِ الآيَةُ بِهَذا الأمْرِ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَلِيغِ المُوجَزِ. وفِي هَذا مُحَسِّنُ التَّجْرِيدِ: جُرِّدَتْ مِنَ المُخاطَبِينَ أُمَّةٌ أُخْرى لِلْمُبالَغَةِ في هَذا الحُكْمِ كَما يُقالُ: لِفُلانٍ مِن بَنِيهِ أنْصارٌ. والمَقْصُودُ: ولْتَكُونُوا آمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ ناهِينَ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى تَكُونُوا أُمَّةً هَذِهِ صِفَتُها، وهَذا هو الأظْهَرُ فَيَكُونُ جَمِيعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ خُوطِبُوا بِأنْ يَكُونُوا دُعاةً إلى الخَيْرِ، ولا جَرَمَ فَهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوُا الشَّرِيعَةَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُباشَرَةً، فَهم أوْلى النّاسِ بِتَبْلِيغِها. وأعْلَمُ بِمَشاهِدِها وأحْوالِها، ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ في مَواطِنَ كَثِيرَةٍ «لِيُبَلِّغَ الشّاهِدُ الغائِبَ ألا هَلْ بَلَّغْتُ» وإلى هَذا المَحْمَلِ مالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُ واحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، كَما قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. ويَجُوزُ أيْضًا، عَلى اعْتِبارِ الضَّمِيرِ خِطابًا لِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنْ تَكُونَ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ والفَرِيقُ، أيْ: ولْيَكُنْ بَعْضُكم فَرِيقًا يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ فَيَكُونُ الوُجُوبُ عَلى جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ فَقَدْ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قالَ الضَّحّاكُ، والطَّبَرِيُّ: أمَرَ المُؤْمِنِينَ أنْ تَكُونَ مِنهم جَماعَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ. فَهم خاصَّةُ أصْحابِ الرَّسُولِ وهم خاصَّةُ الرُّواةِ. وأقُولُ: عَلى هَذا يَثْبُتُ حُكْمُ الوُجُوبِ عَلى كُلِّ جِيلٍ بَعْدَهم بِطَرِيقِ القِياسِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ الهُدى. ومِنَ النّاسِ مَن لا يَسْتَطِيعُ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ، والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ، صفحة ٣٩ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، قالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآيَةَ. وإنْ كانَ الخِطابُ بِالضَّمِيرِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ تَبَعًا لِكَوْنِ المُخاطَبِ بِيا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إيّاهم أيْضًا، كانَتْ (مِن) لِلتَّبْعِيضِ لا مَحالَةَ، وكانَ المُرادُ بِالأُمَّةِ الطّائِفَةَ، إذْ لا يَكُونُ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم مَأْمُورِينَ بِالدُّعاءِ إلى الخَيْرِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بَلْ يَكُونُ الواجِبُ عَلى الكِفايَةِ وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ، والطَّبَرِيُّ، ومَن تَبِعَهم، وعَلى هَذا فَيَكُونُ المَأْمُورُ جَماعَةً غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وإنَّما المَقْصُودُ حُصُولُ هَذا الفِعْلِ الَّذِي فُرِضَ عَلى الأُمَّةِ وُقُوعُهُ. عَلى أنَّ هَذا الِاعْتِبارَ لا يَمْنَعُ مِن أنْ تَكُونَ (مِن) بَيانِيَّةً بِمَعْنى أنْ يَكُونُوا هُمُ الأُمَّةَ، ويَكُونَ المُرادُ بِكَوْنِهِمْ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ، ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، إقامَةُ ذَلِكَ فِيهِمْ وأنْ لا يَخْلُوا عَنْ ذَلِكَ عَلى حَسْبِ الحاجَةِ، ومِقْدارِ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، ويَكُونُ هَذا جارِيًا عَلى المُعْتادِ عِنْدَ العَرَبِ مِن وصْفِ القَبِيلَةِ بِالصِّفاتِ الشّائِعَةِ فِيها الغالِبَةِ عَلى أفْرادِها كَقَوْلِهِمْ: باهِلَةُ لِئامٍ، وعُذْرَةُ عُشّاقٍ. وعَلى هَذِهِ الِاعْتِباراتِ تَجْرِي الِاعْتِباراتُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ كَما سَيَأْتِي. إنَّ الدَّعْوَةَ إلى الخَيْرِ تَتَفاوَتُ: فَمِنها ما هو بَيِّنٌ يَقُومُ بِهِ كُلُّ مُسْلِمٍ، ومِنها ما يَحْتاجُ إلى عِلْمٍ فَيَقُومُ بِهِ أهْلُهُ، وهَذا هو المُسَمّى بِفَرْضِ الكِفايَةِ، يَعْنِي إذا قامَ بِهِ بَعْضُ النّاسِ كَفى عَنْ قِيامِ الباقِينَ، وتَتَعَيَّنُ الطّائِفَةُ الَّتِي تَقُومُ بِها بِتَوَفُّرِ شُرُوطِ القِيامِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ فِيها. كالقُوَّةِ عَلى السِّلاحِ في الحَرْبِ، وكالسِّباحَةِ في إنْقاذِ الغَرِيقِ، والعِلْمِ بِأُمُورِ الدِّينِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وكَذَلِكَ تَعَيُّنُ العَدَدِ الَّذِي يَكْفِي لِلْقِيامِ بِذَلِكَ الفِعْلِ مِثْلَ كَوْنِ الجَيْشِ نِصْفَ عَدَدِ جَيْشِ العَدُوِّ، ولَمّا كانَ الأمْرُ يَسْتَلْزِمُ مُتَعَلِّقًا فالمَأْمُورُ في فَرْضِ الكِفايَةِ الفَرِيقُ الَّذِينَ فِيهِمُ الشُّرُوطُ، ومَجْمُوعُ أهْلِ البَلَدِ، أوِ القَبِيلَةِ، صفحة ٤٠ لِتَنْفِيذِ ذَلِكَ، فَإذا قامَ بِهِ العَدَدُ الكافِي مِمَّنْ فِيهِمُ الشُّرُوطُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنِ الباقِينَ، وإذا لَمْ يَقُومُوا بِهِ كانَ الإثْمُ عَلى البَلَدِ أوِ القَبِيلَةِ، لِسُكُوتِ جَمِيعِهِمْ، ولِتَقاعُسِ الصّالِحِينَ لِلْقِيامِ بِذَلِكَ، مَعَ سُكُوتِهِمْ أيْضًا ثُمَّ إذا قامَ بِهِ البَعْضُ فَإنَّما يُثابُ ذَلِكَ البَعْضُ خاصَّةً. ومَعْنى الدُّعاءِ إلى الخَيْرِ الدُّعاءُ إلى الإسْلامِ، وبَثُّ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ، فَإنَّ الخَيْرَ اسْمٌ يَجْمَعُ خِصالَ الإسْلامِ: فَفي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قُلْتُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا كُنّا في جاهِلِيَّةٍ وشَرٍّ فَجاءَنا اللَّهُ بِهَذا الخَيْرِ فَهَلْ بَعْدَ هَذا الخَيْرِ مِن شَرٍّ» الحَدِيثَ، ولِذَلِكَ يَكُونُ عَطْفُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ عَلَيْهِ مِن عَطْفِ الشَّيْءِ عَلى مُغايِرِهِ، وهو أصْلُ العَطْفِ. وقِيلَ: أُرِيدَ بِالخَيْرِ ما يَشْمَلُ جَمِيعَ الخَيْراتِ، ومِنها الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، فَيَكُونُ العَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وحُذِفَتْ مَفاعِيلُ يَدْعُونَ ويَأْمُرُونَ ويَنْهَوْنَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ أيْ يَدْعُونَ كُلَّ أحَدٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ﴾ [يونس: ٢٥] . والمَعْرُوفُ هو ما يُعْرَفُ وهو مَجازٌ في المَقْبُولِ المَرْضِيِّ بِهِ، لِأنَّ الشَّيْءَ إذا كانَ مَعْرُوفًا كانَ مَأْلُوفًا مَقْبُولًا مَرْضِيًّا بِهِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا ما يُقْبَلُ عِنْدَ أهْلِ العُقُولِ، وفي الشَّرائِعِ، وهو الحَقُّ والصَّلاحُ، لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ. والمُنْكَرُ مَجازٌ في المَكْرُوهِ، والكُرْهُ لازِمٌ لِلْإنْكارِ لِأنَّ المُنْكَرَ في أصْلِ اللِّسانِ هو الجَهْلُ ومِنهُ تَسْمِيَةُ غَيْرِ المَأْلُوفِ نَكِرَةً، وأُرِيدَ بِهِ هُنا الباطِلُ والفَسادُ، لِأنَّهُما مِنَ المَكْرُوهِ في الجِبِلَّةِ عِنْدَ انْتِفاءِ العَوارِضِ. والتَّعْرِيفُ في الخَيْرِ، والمَعْرُوفِ، والمُنْكَرِ تَعْرِيفُ الِاسْتِغْراقِ، فَيُفِيدُ العُمُومَ في المُعامَلاتِ بِحَسْبِ ما يَنْتَهِي إلَيْهِ العِلْمُ والمَقْدِرَةُ فَيُشْبِهُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن عَيَّنَ جَعْلَ (مِن) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ لِلْبَيانِ، صفحة ٤١ وتَأوَّلَ الكَلامَ بِتَقْدِيرِ تَقْدِيمِ البَيانِ عَلى المُبَيَّنِ فَيَصِيرُ المَعْنى: ولْتَكُنْ أُمَّةٌ هي أنْتُمْ أيْ ولْتَكُونُوا أُمَّةً يَدْعُونَ، مُحاوَلَةً لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَضْمُونِ هَذِهِ الآيَةِ، ومَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ومُساواةُ مَعْنَيَيِ الآيَتَيْنِ غَيْرُ مُتَعَيِّنَةٍ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن خَيْرِ أُمَّةٍ هاتِهِ الأُمَّةُ، الَّتِي قامَتْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ هُنالِكَ. والآيَةُ أوْجَبَتْ أنْ تَقُومَ طائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، ولا شَكَّ أنَّ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن أقْسامِ القَوْلِ والكَلامِ، فالمُكَلَّفُ بِهِ هو بَيانُ المَعْرُوفِ، والأمْرُ بِهِ، وبَيانُ المُنْكَرِ، والنَّهْيِ عَنْهُ، وأمّا امْتِثالُ المَأْمُورِينَ والمَنهِيِّينَ لِذَلِكَ، فَمَوْكُولٌ إلَيْهِمْ أوْ إلى وُلاةِ الأُمُورِ الَّذِينَ يَحْمِلُونَهم عَلى فِعْلِ ما أُمِرُوا بِهِ، وأمّا ما وقَعَ في الحَدِيثِ «مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ» فَذَلِكَ مَرْتَبَةُ التَّغْيِيرِ، والتَّغْيِيرُ يَكُونُ بِاليَدِ، ويَكُونُ بِالقَلْبِ أيْ تَمَنِّي التَّغْيِيرِ، وأمّا الأمْرُ والنَّهْيُ فَلا يَكُونانِ بِهِما. والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ إنْ كانا ضَرُورِيَّيْنِ كانَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَأْمُرَ ويَنْهى فِيهِما، وإنْ كانا نَظَرِيَّيْنِ، فَإنَّما يَقُومُ بِالأمْرِ والنَّهْيِ فِيهِما أهْلُ العِلْمِ. ولِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ شُرُوطٌ مُبَيَّنَةٌ في الفِقْهِ والآدابِ الشَّرْعِيَّةِ، إلّا أنِّي أُنَبِّهُ إلى شَرْطٍ ساءَ فَهْمُ بَعْضِ النّاسِ فِيهِ وهو قَوْلُ بَعْضِ الفُقَهاءِ: يُشْتَرَطُ ألّا يَجُرَّ النَّهْيُ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ. وهَذا شَرْطٌ قَدْ خَرَمَ مَزِيَّةَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، واتَّخَذَهُ المُسْلِمُونَ ذَرِيعَةً لِتَرْكِ هَذا الواجِبِ. ولَقَدْ ساءَ فَهْمُهم فِيهِ إذْ مُرادُ مُشْتَرِطِهِ أنْ يَتَحَقَّقَ الأمْرَ أنَّ أمْرَهُ يَجُرُّ إلى مُنْكَرٍ أعْظَمَ لا أنْ يُخافَ أنْ يُتَوَهَّمَ إذِ الوُجُوبُ قَطْعِيٌّ لا يُعارِضُهُ إلّا ظَنٌّ أقْوى. ولَمّا كانَ تَعْيِينُ الكَفاءَةِ لِلْقِيامِ بِهَذا الفَرْضِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِتَوَقُّفِهِ عَلى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَعْرُوفِ والمُنْكَرِ، ومَراتِبِ القُدْرَةِ عَلى التَّغْيِيرِ، وإفْهامِ النّاسِ ذَلِكَ، رَأى أئِمَّةُ المُسْلِمِينَ تَعْيِينَ وُلاةٍ لِلْبَحْثِ عَنْ صفحة ٤٢ المُناكِرِ وتَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ القِيامِ بِتَغْيِيرِها، وسَمَّوْا تِلْكَ الوِلايَةَ بِالحِسْبَةِ، وقَدْ أوْلى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في هاتِهِ الوِلايَةِ أُمِّ الشِّفاءِ، وأشْهَرُ مِن ولِيَها في الدَّوْلَةِ العَبّاسِيَّةِ ابْنُ عائِشَةَ، وكانَ رَجُلًا صُلْبًا في الحَقِّ، وتُسَمّى هَذِهِ الوِلايَةُ في المَغْرِبِ وِلايَةُ السُّوقِ وقَدْ ولِياها في قُرْطُبَةَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ خالِدِ بْنِ مَرْتَنِيلَ القُرْطُبِيُّ المَعْرُوفُ بِالأشَجِّ مِن أصْحابِ ابْنِ القاسِمِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ٢٢٠ . وكانَتْ في الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ وِلايَةُ الحِسْبَةِ مِنَ الوِلاياتِ النَّبِيهَةِ ورُبَّما ضُمَّتْ إلى القَضاءِ كَما كانَ الحالُ في تُونُسَ بَعْدَ الدَّوْلَةِ الحَفْصِيَّةِ. وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى صِفاتِ أُمَّةٍ وهي الَّتِي تَضَمَّنَتْها جُمَلُ ﴿يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ والتَّقْدِيرُ: وهم مُفْلِحُونَ: لِأنَّ الفَلاحَ لَمّا كانَ مُسَبِّبًا عَلى تِلْكَ الصِّفاتِ الثَّلاثِ جُعِلَ بِمَنزِلَةِ صِفَةٍ لَهم، ويَجُوزُ جَعْلُ جُمْلَةِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ حالًا مِن أُمَّةٍ، والواوُ لِلْحالِ. والمَقْصُودُ بِشارَتُهم بِالفَلاحِ الكامِلِ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ. وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ فَصْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَمّا قَبْلَها بِدُونِ عَطْفٍ، مِثْلَ فَصْلِ جُمْلَةِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] لَكِنَّ هَذِهِ عُطِفَتْ أوْ جاءَتْ حالًا لِأنَّ مَضْمُونَها جَزاءً عَنِ الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي أجْدَرُ بِأنْ تُلْحَقَ بِها. ومُفادُ هَذِهِ الجُمْلَةِ قَصْرُ صِفَةِ الفَلاحِ عَلَيْهِمْ، فَهو إمّا قَصْرٌ إضافِيٌّ بِالنِّسْبَةِ لِمَن لَمْ يَقُمْ بِذَلِكَ مَعَ المَقْدِرَةِ عَلَيْهِ، وإمّا قَصْرٌ أُرِيدَ بِهِ المُبالَغَةُ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ في هَذا المَقامِ بِفَلاحِ غَيْرِهِمْ، وهو مَعْنى قَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الكَمالِ. وقَوْلُهُ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ وهو يَرْجِعُ إلى قَوْلِهِ - قَبْلُ - ﴿ولا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] لِما فِيهِ مِن تَمْثِيلِ حالِ التَّفَرُّقِ في أبْشَعِ صُوَرِهِ المَعْرُوفَةِ لَدَيْهِمْ مِن مُطالَعَةِ أخْوالِ اليَهُودِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ يُفْضِي إلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ إذْ تَكْثُرُ النَّزَعاتُ والنَّزَغاتُ وتَنْشَقُّ الأُمَّةُ بِذَلِكَ انْشِقاقًا شَدِيدًا. صفحة ٤٣ والمُخاطَبُ بِهِ يَجْرِي عَلى الِاحْتِمالَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في المُخاطَبِ بِقَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ مَعَ أنَّهُ شَكَّ في أنَّ حُكْمَ هَذِهِ الآيَةِ يَعُمُّ سائِرَ المُسْلِمِينَ: إمّا بِطَرِيقِ اللَّفْظِ، وإمّا بِطَرِيقِ لَحْنِ الخِطابِ، لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ هو الحالَةُ الشَّبِيهَةُ بِحالِ اللَّذَيْنِ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا. وأُرِيدَ بِ ﴿الَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ في أُصُولِ الدِّينِ، مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، مِن بَعْدِ ما جاءَهم مِنَ الدَّلائِلِ المانِعَةِ مِنَ الِاخْتِلافِ والِافْتِراقِ. وقُدِّمَ الِافْتِراقُ عَلى الِاخْتِلافِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاخْتِلافَ عِلَّةُ التَّفَرُّقِ وهَذا مِنَ المُفاداتِ الحاصِلَةِ مِن تَرْتِيبِ الكَلامِ وذِكْرِ الأشْياءِ مَعَ مُقارَنَتِها، وفي عَكْسِهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ والَّذِي يُؤَدِّي إلى الِافْتِراقِ، وهو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّيانَةِ الَّذِي يُفْضِي إلى تَكْفِيرِ بَعْضِ الأُمَّةِ بَعْضًا، أوْ تَفْسِيقِهِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الفُرُوعِ المَبْنِيَّةِ عَلى اخْتِلافِ مَصالِحِ الأُمَّةِ في الأقْطارِ والأعْصارِ، وهو المُعَبِّرُ عَنْهُ بِالِاجْتِهادِ. ونَحْنُ إذا تَقَصَّيْنا تارِيخَ المَذاهِبِ الإسْلامِيَّةِ لا نَجِدُ افْتِراقًا نَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا عَنِ اخْتِلافٍ في العَقائِدِ والأُصُولِ، دُونَ الِاخْتِلافِ في الِاجْتِهادِ في فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. والبَيِّناتُ: الدَّلائِلُ الَّتِي فِيها عِصْمَةٌ مِنَ الوُقُوعِ في الِاخْتِلافِ لَوْ قُيِّضَتْ لَها أفْهامٌ. وقَوْلُهُ ﴿وأُولَئِكَ لَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ مُقابِلَ قَوْلِهِ في الفَرِيقِ الآخَرِ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ فالقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ، وهَذا جَزاءٌ عَلى التَّفَرُّقِ والِاخْتِلافِ وعَلى تَفْرِيطِهِمْ في تَجَنُّبِ أسْبابِهِ.