Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الكهف 18:93 – مريم 19:55

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. الكهف 18:93
  2. الكهف 18:94
  3. الكهف 18:95
  4. الكهف 18:96
  5. الكهف 18:97
  6. الكهف 18:98
  7. الكهف 18:99
  8. الكهف 18:100
  9. الكهف 18:101
  10. الكهف 18:102
  11. الكهف 18:103
  12. الكهف 18:104
  13. الكهف 18:105
  14. الكهف 18:106
  15. الكهف 18:107
  16. الكهف 18:108
  17. الكهف 18:109
  18. الكهف 18:110
  19. مريم 19:1
  20. مريم 19:2
  21. مريم 19:3
  22. مريم 19:4
  23. مريم 19:5
  24. مريم 19:6
  25. مريم 19:7
  26. مريم 19:8
  27. مريم 19:9
  28. مريم 19:10
  29. مريم 19:11
  30. مريم 19:12
  31. مريم 19:13
  32. مريم 19:14
  33. مريم 19:15
  34. مريم 19:16
  35. مريم 19:17
  36. مريم 19:18
  37. مريم 19:19
  38. مريم 19:20
  39. مريم 19:21
  40. مريم 19:22
  41. مريم 19:23
  42. مريم 19:24
  43. مريم 19:25
  44. مريم 19:26
  45. مريم 19:27
  46. مريم 19:28
  47. مريم 19:29
  48. مريم 19:30
  49. مريم 19:31
  50. مريم 19:32
  51. مريم 19:33
  52. مريم 19:34
  53. مريم 19:35
  54. مريم 19:36
  55. مريم 19:37
  56. مريم 19:38
  57. مريم 19:39
  58. مريم 19:40
  59. مريم 19:41
  60. مريم 19:42
  61. مريم 19:43
  62. مريم 19:44
  63. مريم 19:45
  64. مريم 19:46
  65. مريم 19:47
  66. مريم 19:48
  67. مريم 19:49
  68. مريم 19:50
  69. مريم 19:51
  70. مريم 19:52
  71. مريم 19:53
  72. مريم 19:54
  73. مريم 19:55

الكهف 18:93

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:94

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:95

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:96

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:97

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:98

﴿ثُمَّ اتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٩٢] ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السُّدَّيْنِ وجَدَ مِن دُونِهِما قَوْمًا لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ ﴿قالُوا يا ذا القَرْنَيْنِ إنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ مُفْسِدُونَ في الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلى أنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وبَيْنَهم سُدًّا﴾ ﴿قالَ ما مَكِّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ أجْعَلْ بَيْنَكم وبَيْنَهم رَدْمًا﴾ ﴿آتَوْنِي زُبَرَ الحَدِيدِ حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتّى إذا جَعَلَهُ نارًا قالَ آتَوْنِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ ﴿فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ وما اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي فَإذا جاءَ وعَدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ . السُّدُّ بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِها: الجَبَلُ. ويُطْلَقُ أيْضًا عَلى الجِدارِ الفاصِلِ، لِأنَّهُ يُسَدُّ بِهِ الفَضاءُ، وقِيلَ: الضَّمُّ في الجَبَلِ والفَتْحُ في الحاجِزِ. صفحة ٣١ وقَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وأبُو جَعْفَرٍ. وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ بِفَتْحِ السِّينِ عَلى لُغَةِ عَدَمِ التَّفْرِقَةِ. والمُرادُ بِالسَّدَّيْنِ هُنا الجَبَلانِ، وبِالسَّدِّ المُفْرَدِ الجِدارُ الفاصِلُ، والقَرِينَةُ هي الَّتِي عَيَّنَتِ المُرادَ مِن هَذا اللَّفْظِ المُشْتَرَكِ. وتَعْرِيفُ الدِّينِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، أيْ بَيْنِ سَدَّيْنِ مُعَيَّنَيْنِ، أيِ اتَّبَعَ طَرِيقًا آخَرَ في غَزْوَةٍ حَتّى بَلَغَ بَيْنَ جَبَلَيْنِ مَعْلُومَيْنِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا السَّبَبَ اتَّجَهَ بِهِ إلى جِهَةٍ غَيْرِ جِهَتَيِ المَغْرِبِ والمَشْرِقِ فَيُحْتَمَلُ أنَّها الشَّمالُ أوِ الجَنُوبُ. وعَيَّنَهُ المُفَسِّرُونَ أنَّهُ لِلشَّمالِ، وبَنَوْا عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو إسْكَنْدَرُ المَقْدُونِيُّ، فَقالُوا: إنَّ جِهَةَ السَّدَّيْنِ بَيْنَ أرْمِينِيا وأذْرَبِيجانَ. ونَحْنُ نَبْنِي عَلى ما عَيَّنّاهُ في المُلَقَّبِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَنَقُولُ: إنَّ مَوْضِعَ السَّدَّيْنِ هو الشَّمالُ الغَرْبِيُّ لِصَحْراءِ قُوبِي الفاصِلَةِ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ المَغُولِ شَمالَ الصِّينِ وجَنُوبِ مَنغُولْيا. وقَدْ وُجِدَ السَّدُّ هُنالِكَ ولَمْ تَزَلْ آثارُهُ إلى اليَوْمِ شاهَدَها الجُغْرافِيُّونَ والسّائِحُونَ وصُوِّرَتْ صُوَرًا شَمْسِيَّةً في كُتُبِ الجُغْرافِيا وكُتُبِ التّارِيخِ العَصْرِيَّةِ. ومَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِن قَوْلِ غَيْرِهِمْ فَلُغَتُهم مُخالِفَةٌ لِلُغاتِ الأُمَمِ المَعْرُوفَةِ بِحَيْثُ لا يَعْرِفُها تَراجِمَةُ ذِي القَرْنَيْنِ لِأنَّ شَأْنَ المُلُوكِ أنْ يَتَّخِذُوا تَراجِمَةً لِيُتَرْجِمُوا لُغاتِ الأُمَمِ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ، فَهَؤُلاءِ القَوْمُ كانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ غَرِيبَةٍ لِانْقِطاعِ أصْقاعِهِمْ عَنِ الأصْقاعِ المَعْرُوفَةِ فَلا يُوجَدُ مَن يَسْتَطِيعُ إفْهامَهم مُرادَ المَلِكِ ولا هم يَسْتَطِيعُونَ الإفْهامَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّهم قَوْمٌ مُتَوَغِّلُونَ في البَداوَةِ والبَلاهَةِ فَلا يَفْهَمُونَ ما يَقْصِدُهُ مَن يُخاطِبُهم. صفحة ٣٢ وقَرَأ الجُمْهُورُ يَفْقَهُونَ بِفَتْحِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ وفَتْحِ القافِ أيْ لا يَفْهَمُونَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِىُّ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ القافِ أيْ لا يَسْتَطِيعُونَ إفْهامَ غَيْرِهِمْ قَوْلَهم. والمَعْنَيانِ مُتَلازِمانِ. وهَذا كَما في حَدِيثِ الإيمانِ نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ ولا نَفْهَمُ ما يَقُولُ. وهَؤُلاءِ القَوْمُ مُجاوِرُونَ ياجُوجَ وماجُوجَ. وكانُوا أضْعَفَ مِنهم فَسَألُوا ذا القَرْنَيْنِ أنْ يَقِيَهم مِن فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. ولَمْ يَذْكُرِ المُفَسِّرُونَ تَعْيِينَ هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا أسْماءَ قَبِيلَتِهِمْ سِوى أنَّهم قالُوا: هم في مُنْقَطَعِ بِلادِ التُّرْكِ نَحْوَ المَشْرِقِ وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ فَلا شَكَّ أنَّهم مِن قَبائِلِ بِلادِ الصِّينِ الَّتِي تُتاخِمُ بِلادَ المَغُولِ والتَّتَرِ. وجُمْلَةُ قالُوا اسْتِئْنافٌ لِلْمُحاوَرَةِ. وقَدْ بَيَّنّا في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّ جُمَلَ حِكايَةِ القَوْلِ في المُحاوَراتِ لا تَقْتَرِنُ بِحَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] الآيَةَ. فَعَلى أوَّلِ الِاحْتِمالَيْنِ في مَعْنى ﴿لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أنَّهم لا يُدْرِكُونَ ما يُطْلَبُ مِنهم مَن طاعَةٍ ونِظامٍ ومَعَ ذَلِكَ يُعْرِبُونَ عَمّا في نُفُوسِهِمْ مِنَ الأغْراضِ مِثْلَ إعْرابِ الأطْفالِ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي أنَّهم أمْكَنَهم أنْ يُفْهَمَ مُرادُهم بَعْدَ لَأْيٍ. وافْتِتاحُهُمُ الكَلامَ بِالنِّداءِ أنَّهم نادَوْهُ نِداءَ المُسْتَغِيثِينَ المُضْطَرِّينَ. ونِداؤُهم إيّاهُ بِلَقَبِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أنَّهُ مَشْهُورٌ بِمَعْنى ذَلِكَ اللَّقَبِ بَيْنَ الأُمَمِ المُتاخِمَةِ لِبِلادِهِ. وياجُوجُ وماجُوجُ أُمَّةٌ كَثِيرَةُ العَدَدِ فَيُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ الواقِعَةَ بَيْنَ الِاسْمَيْنِ حَرْفُ عَطْفٍ فَتَكُونُ أُمَّةً ذاتَ شَعْبَيْنِ. وهُمُ المَغُولُ وبَعْضُ أصْنافِ التَّتارِ. وهَذا هو المُناسِبُ لِأصْلِ رَسْمِ الكَلِمَةِ ولا سِيَّما عَلى القَوْلِ بِأنَّهُما اسْمانِ عَرَبِيّانِ كَما سَيَأْتِي فَقَدْ كانَ الصِّنْفانِ مُتَجاوِرَيْنِ. صفحة ٣٣ ووَقَعَ لِعُلَماءِ التّارِيخِ وعُلَماءِ الأنْسابِ اخْتِلافُ إطْلاقِ اسْمَيِ المَغُولِ والتَّتارِ كُلٌّ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ لِعُسْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ المُتَقارِبَيْنِ مِنهُما. وقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ المَغُولَ هم ماجُوجُ بِالمِيمِ اسْمُ جَدٍّ لَهم يُقالُ أيْضًا سِكْيَشُوسُ. وكانَ الِاسْمُ العامُّ الَّذِي يَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ ماجُوجَ ثُمَّ انْقَسَمَتِ الأُمَّةُ فَسُمِّيَتْ فُرُوعُها بِأسْماءٍ خاصَّةٍ، فَمِنها ماجُوجُ وياجُوجُ وتَتَرُ ثُمَّ التُّرْكُمانُ ثُمَّ التُّرْكُ. ويُحْتَمَلُ أنَّ الواوَ المَذْكُورَةَ لَيْسَتْ عاطِفَةً ولَكِنَّها جاءَتْ في صُورَةِ العاطِفَةِ فَيَكُونُ اللَّفْظُ كَلِمَةً واحِدَةً مُرَكَّبَةً تَرْكِيبًا مَزْجِيًّا. فَيَتَكَوَّنُ اسْمًا لِأُمَّةٍ وهُمُ المَغُولُ. والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ ياجُوجَ وماجُوجَ هُمُ المَغُولُ والتَّتَرُ. وقَدْ ذَكَرَ أبُو الفِداءِ أنَّ ماجُوجَ هُمُ المَغُولُ فَيَكُونُ ياجُوجُ هُمُ التَّتَرُ. وقَدْ كَثُرَتِ التَّتَرُ عَلى المَغُولِ فانْدَمَجَ المَغُولُ في التَّتَرِ وغَلَبَ اسْمُ التَّتَرِ عَلى القَبِيلَتَيْنِ. وأوْضَحُ شاهِدٍ عَلى ذَلِكَ ما ورَدَ في حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ «أنَّ النَّبِيءَ - صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: لا إلْهَ إلّا اللَّهُ ويْلٌ لِلْعَرَبِ مِن شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ. فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ وماجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ. وحَلَّقَ بِأُصْبُعَيْهِ الإبْهامِ والَّتِي تَلِيها» . وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا. ولا يُعْرَفُ بِالضَّبْطِ وقْتُ انْطِلاقِهِمْ مِن بِلادِهِمْ ولا سَبَبُ ذَلِكَ. ويُقَدَّرُ أنَّ انْطِلاقَهم كانَ أواخِرَ القَرْنِ السّادِسِ الهِجْرِيِّ. وتَشَتَّتُ مُلْكِ العَرَبِ بِأيْدِي المَغُولِ والتَّتَرِ مِن خُرُوجِ جَنْكِيزْ خانَ المَغُولِيِّ واسْتِيلائِهِ عَلى بُخارى سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وسِتِّمائَةٍ مِنَ الهِجْرَةِ ووَصَلُوا دِيارَ بَكْرٍ سَنَةَ ٦٢٨ هِجْرِيَّةً ثُمَّ ما كانَ مِن تَخْرِيبِ هُولاكُو بَغْدادَ عاصِمَةَ مُلْكِ العَرَبِ سَنَةَ ٦٦٠ هِجْرِيَّةً. ونَظِيرُ إطْلاقِ اسْمَيْنِ عَلى حَيٍّ مُؤْتَلِفٍ مِن قَبِيلَتَيْنِ إطْلاقُ طَسْمٍ وجَدِيسٍ عَلى أُمَّةٍ مِنَ العَرَبِ البائِدَةِ. وإطْلاقُ السَّكاسِكِ والسَّكَرَنِ في القَبائِلِ صفحة ٣٤ اليَمَنِيَّةِ، وإطْلاقُ هِلالٍ وزِغْبَةَ عَلى أعْرابِ إفْرِيقِيَّةَ الوارِدِينَ مِن صَعِيدِ مِصْرَ. وإطْلاقُ أوْلادِ يَحْيى عَلى حَيٍّ بِتُونِسَ بِالجَنُوبِ الغَرْبِيِّ. ومُرادَةُ وفَرْجانُ عَلى حَيٍّ مِن وطَنِ نابُلَ بِتُونِسَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ياجُوجَ وماجُوجَ) كِلْتَيْهِما بِألِفٍ بَعْدَ التَّحْتِيَّةِ بِدُونِ هَمْزٍ. وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالهَمْزِ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّهُ اسْمٌ عَرَبِيٌّ أوْ مُعَرَّبٌ. وغالِبُ ظَنِّي أنَّهُ اسْمٌ وضَعَهُ القُرْآنُ حاكى بِهِ مَعْناهُ في لُغَةِ تِلْكَ الأُمَّةِ المُناسِبِ لِحالِ مُجْتَمَعِهِمْ فاشْتُقَّ لَهُما مِن مادَّةِ الأجِّ. وهو الخَلْطُ. إذْ قَدْ عَلِمْتَ أنَّ تِلْكَ الأُمَّةَ كانَتْ أخْلاطًا مِن أصْنافٍ. والِاسْتِفْهامُ مِن قَوْلِهِ ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ. والخَرْجُ: المالُ الَّذِي يُدْفَعُ لِلْمَلِكِ. وهو بِفَتْحِ الخاءِ المُعْجَمَةِ وسُكُونِ الرّاءِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ. ويُقالُ فِيهِ الخَراجُ بِألِفٍ بَعْدَ الرّاءِ. وكَذَلِكَ قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (سُدًّا) بِضَمِّ السِّينِ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ السِّينِ. وقَوْلُهُ ﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أيْ ما آتانِي اللَّهُ مِنَ المالِ والقُوَّةِ خَيْرٌ مِنَ الخَراجِ الَّذِي عَرَضْتُمُوهُ مِنَ السَّدِّ الَّذِي سَألْتُمُوهُ. أيْ ما مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي يَأْتِي بِخَيْرٍ مِمّا سَألْتُمْ، فَإنَّهُ لاحَ لَهُ أنَّهُ إنْ سَدَّ عَلَيْهِمُ المُرُورَ مِن بَيْنِ الصَّدَفَيْنِ تَحَيَّلُوا فَتَسَلَّقُوا الجِبالَ ودَخَلُوا بِلادَ الصِّينِ، فَأرادَ أنْ يَبْنِيَ سُورًا مُمْتَدًّا عَلى الجِبالِ في طُولِ حُدُودِ البِلادِ حَتّى يَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ تَسَلُّقُ تِلْكَ الجِبالِ. ولِذَلِكَ سَمّاهُ رَدْمًا. صفحة ٣٥ والرَّدْمُ: البِناءُ المُرَدَّمُ. شُبِّهَ بِالثَّوْبِ المُرَدَّمِ المُؤْتَلِفِ مِن رِقاعٍ فَوْقَ رِقاعٍ. أيْ سُدًّا مُضاعَفًا. ولَعَلَّهُ بَنى جِدارَيْنِ مُتَباعِدَيْنِ ورَدَمَ الفَراغَ الَّذِي بَيْنَهُما بِالتُّرابِ المَخْلُوطِ لِيَتَعَذَّرَ نَقْبُهُ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَسْتَدْعِي عَمَلَةً كَثِيرِينَ قالَ لَهم ﴿فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أيْ بِقُوَّةِ الأبْدانِ. أرادَ تَسْخِيرَهم لِلْعَمَلِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهم. وقَدْ بَنى ذُو القَرْنَيْنِ وهو تِسِينْ شِي هُوانِقْ تِي سُلْطانُ الصِّينِ هَذا الرَّدْمَ بِناءً عَجِيبًا في القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ المَسِيحِ وكانَ يَعْمَلُ فِيهِ مَلايِينُ مِنَ الخَدَمَةِ. فَجَعَلَ طُولَهُ ثَلاثَةَ آلافٍ وثَلاثَمِائَةِ كِيلُو مِتْرٍ. وبَعْضُهم يَقُولُ. ألْفًا ومِائَتَيْ مِيلٍ. بِحَسَبِ اخْتِلافِ الِاصْطِلاحِ في تَقْدِيرِ المِيلِ. وجَعَلَ مَبْدَأهُ عِنْدَ البَحْرِ أيِ البَحْرِ الأصْفَرِ شَرْقِيَّ مَدِينَةِ بِيكِنْغَ عاصِمَةِ الصِّينِ في خَطِّ اتِّجاهِ مَدِينَةِ مُكَدْنَ الشَّهِيرَةِ. وذَلِكَ عِنْدَ عَرْضِ ٤٠ . ٤ شَمالًا. وطُولِ ١٢ . ٠٢ شَرْقًا. وهو يُلاقِي النَّهْرَ الأصْفَرَ حَيْثُ الطُّولُ ٥٠، ١١١ شَرْقًا. والعَرْضُ ٥٠، ٣٩ شَمالًا. وأيْضًا في ٣٧ عَرْضِ شَمالِيٍّ. ومِن هُنالِكَ يَنْعَطِفُ إلى جِهَةِ الشَّمالِ الغَرْبِيِّ ويَنْتَهِي بِقُرْبِ ٩٩ طُولًا شَرْقِيًّا و٤٠ عَرْضًا شَمالِيًّا. وهُوَ مَبْنِيٌّ بِالحِجارَةِ والآجُرِّ وبَعْضُهُ مِنَ الطِّينِ فَقَطْ. وسُمْكُهُ عِنْدَ أسْفَلِهِ نَحْوَ ٢٥ قَدَمًا وعِنْدَ أعْلاهُ نَحْوَ ١٥ قَدَمًا وارْتِفاعُهُ يَتَراوَحُ بَيْنَ ١٥ إلى ٢٠ قَدَمًا. وعَلَيْهِ أبْراجٌ مَبْنِيَّةٌ مِنَ القَرامِيدِ ارْتِفاعُ بَعْضِها نَحْوَ ٤٠ قَدَمًا. وهُوَ الآنَ بِحالَةِ خَرابٍ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ اعْتِبارٌ مِن جِهَةِ الدِّفاعِ. ولَكِنَّهُ بَقِيَ عَلامَةً عَلى الحَدِّ الفاصِلِ بَيْنَ المُقاطَعاتِ الأرْضِيَّةِ فَهو فاصِلٌ بَيْنَ الصِّينِ ومَنغُولْيا. ويَخْتَرِقُ جِبالَ بابِلُونِي الَّتِي هي حُدُودٌ طَبِيعِيَّةٌ بَيْنَ الصِّينِ وبِلادِ مَنغُولْيا فَمُنْتَهى طَرَفِهِ إلى الشَّمالِ الغَرْبِيِّ لِصَحْراءِ قُوبِي. صفحة ٣٦ وقَرَأ الجُمْهُورُ مَكَّنِّي بِنُونٍ مُدْغَمَةٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِالفَكِّ عَلى الأصْلِ. وقَوْلُهُ ﴿آتُونِي زُبَرَ الحَدِيدِ﴾ هو أمْرٌ لَهم بِمُناوَلَةِ زُبَرِ الحَدِيدِ. فالإيتاءُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةِ مَعْناهُ وهو المُناوَلَةُ ولَيْسَ تَكْلِيفًا لِلْقَوْمِ بِأنْ يَجْلِبُوا لَهُ الحَدِيدَ مِن مَعادِنِهِ لِأنَّ ذَلِكَ يُنافِي قَوْلَهُ (﴿ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾) أيْ أنَّهُ غَنِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِهِمْ إنْفاقًا عَلى جَعْلِ السَّدِّ. وكانَ هَذا لِقَصْدِ إقامَةِ أبْوابٍ مِن حَدِيدٍ في مَداخِلِ الرَّدْمِ لِمُرُورِ سُيُولِ الماءِ في شُعَبِ الجَبَلِ حَتّى لا يَنْهَدِمَ البِناءُ بِأنْ جَعْلَ الأبْوابَ الحَدِيدِيَّةَ كالشَّبابِيكِ تَمْنُعُ مُرُورَ النّاسِ ولا تَمْنُعُ انْسِيابَ الماءِ مِن بَيْنِ قُضُبِها، وجَعَلَ قُضْبانَ الحَدِيدِ مَعْضُودَةً بِالنُّحاسِ المُذابِ المَصْبُوبِ عَلى الحَدِيدِ. والزُّبُرُ: جَمْعُ زُبْرَةٍ، وهي القِطْعَةُ الكَبِيرَةُ مِنَ الحَدِيدِ. والحَدِيدُ: مَعْدَنٌ مِن مَعادِنِ الأرْضِ يَكُونُ قِطَعًا كالحَصى ودُونَ ذَلِكَ يَكُونُ فِيها صَلابَةٌ. وهو يُصَنَّفُ ابْتِداءً إلى صِنْفَيْنِ: لَيِّنٍ، ويُقالُ لَهُ الحَدِيدُ الأُنْثى، وصُلْبٍ ويُقالُ لَهُ الذَّكَرُ. ثُمَّ يُصَنَّفُ إلى ثَمانِيَةَ عَشَرَ صِنْفًا. ألْوانُهُ مُتَقارِبَةٌ وهي السِّنْجابِيُّ، مِنها ما هو إلى الحُمْرَةِ. ومِنها ما هو إلى البَياضِ. وهو إذا صُهِرَ بِنارٍ قَوِيَّةٍ في أتُونٍ مُغْلَقٍ التَأمَتْ أجْزاؤُهُ وتَجَمَّعَتْ في وسَطِ النّارِ كالإسْفِنْجَةِ واشْتَدَّتْ صَلابَتُهُ لِأنَّهُ بِالصِّهْرِ يَدْفَعُ ما فِيهِ مِنَ الأجْزاءِ التُّرابِيَّةِ وهي المُسَمّاةُ بِالصَّدَأِ والخَبَثِ، فَتَعْلُو تِلْكَ الأجْزاءُ عَلى سَطْحِهِ وهي الزَّبَدُ. وخَبَثُ الحَدِيدِ الوارِدُ في الحَدِيثِ «إنَّ المَدِينَةَ تَنْفِي خَبَثَها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» ولِذَلِكَ فَبِمِقْدارِ ما يَطْفُو مِن تِلْكَ الأجْزاءِ الغَرِيبَةِ الخَبِيثَةِ يَخْلُصُ الجُزْءُ الحَدِيدِيُّ ويَصْفُو ويَصِيرُ زُبَرًا. ومِن تِلْكَ الزُّبَرِ تُصْنَعُ الأشْياءُ الحَدِيدِيَّةُ مِن سُيُوفٍ وزُجاجٍ ودُرُوعٍ ولَأْماتٍ، ولا وسِيلَةَ لِصُنْعِهِ صفحة ٣٧ إلّا الصَّهْرُ أيْضًا بِالنّارِ بِحَيْثُ تَصِيرُ الزُّبْرَةُ كالجَمْرِ، فَحِينَئِذٍ تُشَكَّلُ بِالشَّكْلِ المَقْصُودِ بِواسِطَةِ المَطارِقِ الحَدِيدِيَّةِ. والعَصْرُ الذِي اهْتَدى فِيهِ البَشَرُ لِصِناعَةِ الحَدِيدِ يُسَمّى في التّارِيخِ العَصْرُ الحَدِيدِيُّ. وقَوْلُهُ ﴿حَتّى إذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ أشْعَرَتْ حَتّى بِشَيْءٍ مُغَيًّا قَبْلَها، وهو كَلامٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: فَآتَوْهُ زُبَرَ الحَدِيدِ فَنَضَّدَها وبَناها حَتّى إذا جَعَلَ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ. وهَذا مِن إيجازِ الحَذْفِ. والمُساواةُ جَعْلُ الأشْياءِ مُتَساوِيَةً، أيْ مُتَماثِلَةً في مِقْدارٍ أوْ وصْفٍ. والصَّدَفانِ بِفَتْحِ الصّادِ وفَتْحِ الدّالِّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وهو الأشْهَرُ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الصّادِ والدّالِ، وهو لُغَةٌ. وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الصّادِ وسُكُونِ الدّالِ. والصَّدَفُ: جانِبُ الجَبَلِ، وهُما جانِبِا الجَبَلَيْنِ وهُما السَّدّانِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والقَزْوِينِيُّ في الكَشْفِ: لا يُقالُ إلّا صَدَفانِ بِالتَّثْنِيَةِ، ولا يُقالُ لِأحَدِهِما صَدَفٌ لِأنَّ أحَدَهُما يُصادِفُ الآخَرُ، أيْ فالصَّدَفانِ اسْمٌ لِمَجْمُوعِ الجانِبَيْنِ مِثْلُ المِقَصّانِ لِما يُقْطَعُ بِهِ الثَّوْبُ ونَحْوُهُ. وعَنْ أبِي عِيسى: الصَّدَفُ كُلُّ بِناءٍ عَظِيمٍ مُرْتَفِعٍ. والخِطابُ في قَوْلِهِ انْفُخُوا وقَوْلِهِ آتُونِي خِطابٌ لِلْعَمَلَةِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ انْفُخُوا لِظُهُورِهِ مِن كَوْنِ العَمَلِ مِن صُنْعِ الحَدِيدِ. والتَّقْدِيرُ: انْفُخُوا في الكِيرانِ المَصْفُوفَةِ عَلى طُولِ ما بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ مِن زُبَرِ الحَدِيدِ. صفحة ٣٨ وقَرَأ الجُمْهُورُ آتُونِي مِثْلَ الأوَّلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ (ائْتُونِي) عَلى أنَّهُ أمْرٌ مِنَ الإتْيانِ. أيْ أمَرَهم أنْ يَحْضُرُوا لِلْعَمَلِ. والقِطْرُ بِكَسْرِ القافِ: النُّحاسُ المُذابُ. وضَمِيرُ اسْطاعُوا واسْتَطاعُوا لِيَأْجُوجَ وماجُوجَ. والظُّهُورُ: العُلُوُّ. والنَّقْبُ: كَسْرُ الرَّدْمِ، وعَدَمُ اسْتِطاعَتِهِمْ ذَلِكَ لِارْتِفاعِهِ وصَلابَتِهِ. واسْطاعُوا تَخْفِيفُ اسْتَطاعُوا. والجَمْعُ بَيْنَهُما تَفَنُّنٌ في فَصاحَةِ الكَلامِ كَراهِيَةَ إعادَةِ الكَلِمَةِ. وابْتُدِئَ بِالأخَفِّ مِنهُما لِأنَّهُ ولِيَهُ الهَمْزُ وهو حَرْفٌ ثَقِيلٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الحَلْقِ، بِخِلافِ الثّانِي إذْ ولِيَهُ اللّامُ وهو خَفِيفٌ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُبْتَدَأ بِفِعْلِ اسْتَطاعُوا ويُثَنّى بِفِعْلِ اسْطاعُوا لِأنَّهُ يَثْقُلُ بِالتَّكْرِيرِ، كَما وقَعَ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨] . ومِن خَصائِصِ مُخالَفَةِ مُقْتَضى الظّاهِرِ هُنا إيثارُ فِعْلٍ ذِي زِيادَةٍ في المَبْنى بِمَوْقِعٍ فِيهِ زِيادَةُ المَعْنى لِأنَّ اسْتِطاعَةَ نَقْبِ السَّدِّ أقْوى مِنِ اسْتِطاعَةِ تَسَلُّقِهِ، فَهَذا مِن مَواضِعِ دَلالَةِ زِيادَةِ المَبْنى عَلى زِيادَةٍ في المَعْنى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (فَما اسْطّاعُوا) الأوَّلَ بِتَشْدِيدِ الطّاءِ مُدْغَمًا فِيها التّاءُ. صفحة ٣٩ وجُمْلَةُ ﴿قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّهُ لَمّا آذَنَ الكَلامُ بِانْتِهاءِ حِكايَةِ وصْفِ الرَّدْمِ كانَ ذَلِكَ مُثِيرًا سُؤالَ مَن يَسْألُ: ماذا صَدَرَ مِن ذِي القَرْنَيْنِ حِينَ أتَمَّ هَذا العَمَلَ العَظِيمَ ؟ فَيُجابُ بِجُمْلَةِ قالَ هَذا رَحْمَةٌ مِن رَبِّي. والإشارَةُ بِهَذا إلى الرَّدْمِ. وهو رَحْمَةٌ لِلنّاسِ لِما فِيهِ مِن رَدِّ فَسادِ أُمَّةِ ياجُوجَ وماجُوجَ عَنْ أُمَّةٍ أُخْرى صالِحَةٍ. ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ. وجُعِلَتْ مِنَ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ ألْهَمَهُ لِذَلِكَ ويَسَّرَ لَهُ ما هو صَعْبٌ. وفَرَّعَ عَلَيْهِ ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكًّا﴾ نُطْقًا بِالحِكْمَةِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ حادِثٍ صائِرٌ إلى زَوالٍ. ولِأنَّهُ عَلِمَ أنَّ عَمَلًا عَظِيمًا مِثْلَ ذَلِكَ يَحْتاجُ إلى التَّعَهُّدِ والمُحافَظَةِ عَلَيْهِ مِنَ الِانْهِدامِ. وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَسَنّى في بَعْضِ أزْمانِ انْحِطاطِ المَمْلَكَةِ الَّذِي لا مَحِيصَ مِنهُ لِكُلِّ ذِي سُلْطانٍ. والوَعْدُ: هو الإخْبارُ بِأمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، وأرادَ بِهِ ما في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى مِنَ الأجَلِ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ دَوامُ ذَلِكَ الرَّدْمِ. فاسْتَعارَ لَهُ اسْمَ الوَعْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلَيْهِ إنْ كانَ نَبِيئًا أوْ ألْهَمَهُ إنْ كانَ صالِحًا أنَّ لِذَلِكَ الرَّدْمِ أجَلًا مُعَيَّنًا يَنْتَهِي إلَيْهِ. وقَدْ كانَ ابْتِداءُ ذَلِكَ الوَعْدِ يَوْمَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ «فُتِحَ اليَوْمَ مِن رَدْمِ ياجُوجَ هَكَذا. وعَقَدَ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ الإبْهامِ والسَّبّابَةِ» كَما تَقَدَّمَ. والدَّكُّ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ لِلْمُبالَغَةِ، أيْ جَعَلَهُ مَدْكُوكًا، أيْ مُسَوًّى بِالأرْضِ بَعْدَ ارْتِفاعٍ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ جَعَلَهَ دَكّاءَ بِالمَدِّ. والدَّكّاءُ: اسْمٌ لِلنّاقَةِ الَّتِي لا سَنامَ لَها، وذَلِكَ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. صفحة ٤٠ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ وعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ تَذْيِيلٌ لِلْعِلْمِ بِأنَّهُ لا بُدَّ لَهُ مِن أجَلٍ يَنْتَهِي إلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعالى لِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ ولِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ أيْ وكانَ تَأْجِيلُ اللَّهِ الأشْياءَ حَقًّا ثابِتًا لا يَتَخَلَّفُ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بِعُمُومِها وما فِيها مِن حِكْمَةٍ كانَتْ تَذْيِيلًا بَدِيعًا. ﴿وتَرَكْنا بَعْضَهم يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ [الكهف: ٩٩] التَّرْكُ: حَقِيقَتُهُ مُفارَقَةُ شَيْءٍ شَيْئًا كانَ بِقُرْبِهِ، ويُطْلَقُ مَجازًا عَلى جَعْلِ الشَّيْءِ بِحالَةٍ مُخالِفَةٍ لِحالَةٍ سابِقَةٍ تَمْثِيلًا لِحالِ إلْفائِهِ عَلى حالَةٍ، ثُمَّ تَغْيِيرِها بِحالِ مَن كانَ قُرْبَ شَيْءٍ ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ. وإنَّما يَكُونُ هَذا المَجازُ مُقَيَّدًا بِحالَةٍ كانَ عَلَيْها مَفْعُولُ تَرَكَ، فَيُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ آخِرُ العَهْدِ، وذَلِكَ يَسْتَتْبِعُ أنَّهُ يَدُومُ عَلى ذَلِكَ الحالِ الَّذِي تَرَكَهُ عَلَيْها بِالقَرِينَةِ. والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ . فَهَذِهِ الجُمْلَةُ لِذِكْرِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى في هَذِهِ القِصَّةِ الثّالِثَةِ مِن قَصَصِ ذِي القَرْنَيْنِ إذْ ألْهَمَهُ دَفْعَ فَسادِ ياجُوجَ وماجُوجَ. بِمَنزِلَةِ جُمْلَةِ ﴿قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ﴾ [الكهف: ٨٦] في القِصَّةِ الأُولى، وجُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ وقَدْ أحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: ٩١] فَجاءَ أُسْلُوبُ حِكايَةِ هَذِهِ القَصَصِ الثَّلاثِ عَلى نَسَقٍ واحِدٍ. ويَوْمَئِذٍ هو يَوْمُ إتْمامِ بِناءِ السَّدِّ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ فَما اسْطاعُوا أنْ يَظْهَرُوهُ، الآيَةَ. ويَمُوجُ يَضْطَرِبُ تَشْبِيهًا بِمَوْجِ البَحْرِ. وجُمْلَةُ يَمُوجُ حالٌ مِن بَعْضِهِمْ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرَكْنا عَلى تَأْوِيلِهِ بِـ (جَعَلْنا) . أيْ جَعَلْنا ياجُوجَ وماجُوجَ يَوْمَئِذٍ مُضْطَرِبِينَ بَيْنَهم فَصارَ فَسادُهم قاصِرًا عَلَيْهِمْ ودُفِعَ عَنْ غَيْرِهِمْ. صفحة ٤١ والنّارُ تَأْكُلُ نَفْسَها إنْ لَمْ تَجِدْ ما تَأْكُلُهْ لِأنَّهم إذا لَمْ يَجِدُوا ما اعْتادُوهُ مِن غَزْوِ الأُمَمِ المُجاوِرَةِ لَهم رَجَعَ قَوِيُّهم عَلى ضَعِيفِهِمْ بِالِاعْتِداءِ.

الكهف 18:99

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذَكَرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ . تَخَلُّصٌ مِن أغْراضِ الِاعْتِبارِ بِما في القِصَّةِ مِن إقامَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا عَلى أيْدِي مَنِ اخْتارَهُ اللَّهُ لِإقامَتِها مِن خاصَّةِ أوْلِيائِهِ، إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِالمَوْعِظَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وهو تَخَلُّصٌ يُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ حالِ تَمَوُّجِهِمْ بِحالِ تَمَوُّجِ النّاسِ في المَحْشَرِ، تَذْكِيرًا لِلسّامِعِينَ بِأمْرِ الحَشْرِ وتَقْرِيبًا بِحُصُولِهِ في خَيالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ القادِرَ عَلى جَمْعِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ وراءَ هَذا السَّدِّ، بِفِعْلِ مَن يَسَّرَهُ لِذَلِكَ مِن خَلْقِهِ، هو الأقْدَرُ عَلى جَمْعِ الأُمَمِ في الحَشْرِ بِقُدْرَتِهِ، لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِ القُدْرَةِ في عالَمِ الآخِرَةِ أعْجَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ إثْباتَ البَعْثِ. واسْتُعْمِلَ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ تَشْبِيهًا لِحالِ الدّاعِي المُطاعِ وحالِ المَدْعُوِّ الكَثِيرِ العَدَدِ السَّرِيعِ الإجابَةِ، بِحالِ الجُنْدِ الَّذِينَ يُنَفِّذُونَ أمْرَ القائِدِ بِالنَّفِيرِ فَيَنْفُخُونَ في بُوقِ النَّفِيرِ، وبِحالِ بَقِيَّةِ الجُنْدِ حِينَ يَسْمَعُونَ بُوقَ النَّفِيرِ فَيُسْرِعُونَ إلى الخُرُوجِ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُّوَرُ مِن مَخْلُوقاتِ الآخِرَةِ. صفحة ٤٢ والحالَةُ المُمَثَّلَةُ حالَةٌ غَرِيبَةٌ لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وتَأْكِيدُ فِعْلَيْ جَمَعْناهم وعَرَضْنا بِمَصْدَرَيْهِما لِتَحَقُّقِ أنَّهُ جَمْعٌ حَقِيقِيٌّ وعَرْضٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسا مِنَ المَجازِ، وفي تَنْكِيرِ الجَمْعِ والعَرْضِ تَهْوِيلٌ. ونَعْتُ الكافِرِينَ بِـ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو سَبَبُ عَرَضِ جَهَنَّمَ لَهم، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِذَلِكَ في الدُّنْيا. والغِطاءُ: مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ البَصَرِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وحَرْفُ مِن لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. وهي تَمَكُّنُ الغِطاءِ مِن أعْيُنِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّها مَحْوِيَّةٌ لِلْغِطاءِ. وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ عَنِ النَّظَرِ فِيما يَحْصُلُ بِهِ ذِكْرِي. ونَفْيُ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ أنَّهم لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ لا تُطاوِعُهم نُفُوسُهم لِلِاسْتِماعِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ سَمْعًا لِدَلالَةِ قَوْلِهِ عَنْ ذِكْرِي عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: سَمْعًا لِآياتِي، فَنَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ مُسْتَعْمَلٌ في نَفْيِ الرَّغْبَةِ وفي الإعْراضِ كَقَوْلِهِ وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ. وعَرْضُ جَهَنَّمَ مُسْتَعْمَلٌ في إبْرازِها حِينَ يُشْرِفُونَ عَلَيْها وقَدْ سِيقُوا إلَيْها فَيَعْلَمُونَ أنَّها المُهَيَّئَةُ لَهم، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعَرْضِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، لِأنَّ العَرْضَ هو إظْهارُ ما فِيهِ رَغْبَةٌ وشَهْوَةٌ.

الكهف 18:100

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذَكَرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ . تَخَلُّصٌ مِن أغْراضِ الِاعْتِبارِ بِما في القِصَّةِ مِن إقامَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا عَلى أيْدِي مَنِ اخْتارَهُ اللَّهُ لِإقامَتِها مِن خاصَّةِ أوْلِيائِهِ، إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِالمَوْعِظَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وهو تَخَلُّصٌ يُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ حالِ تَمَوُّجِهِمْ بِحالِ تَمَوُّجِ النّاسِ في المَحْشَرِ، تَذْكِيرًا لِلسّامِعِينَ بِأمْرِ الحَشْرِ وتَقْرِيبًا بِحُصُولِهِ في خَيالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ القادِرَ عَلى جَمْعِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ وراءَ هَذا السَّدِّ، بِفِعْلِ مَن يَسَّرَهُ لِذَلِكَ مِن خَلْقِهِ، هو الأقْدَرُ عَلى جَمْعِ الأُمَمِ في الحَشْرِ بِقُدْرَتِهِ، لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِ القُدْرَةِ في عالَمِ الآخِرَةِ أعْجَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ إثْباتَ البَعْثِ. واسْتُعْمِلَ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ تَشْبِيهًا لِحالِ الدّاعِي المُطاعِ وحالِ المَدْعُوِّ الكَثِيرِ العَدَدِ السَّرِيعِ الإجابَةِ، بِحالِ الجُنْدِ الَّذِينَ يُنَفِّذُونَ أمْرَ القائِدِ بِالنَّفِيرِ فَيَنْفُخُونَ في بُوقِ النَّفِيرِ، وبِحالِ بَقِيَّةِ الجُنْدِ حِينَ يَسْمَعُونَ بُوقَ النَّفِيرِ فَيُسْرِعُونَ إلى الخُرُوجِ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُّوَرُ مِن مَخْلُوقاتِ الآخِرَةِ. صفحة ٤٢ والحالَةُ المُمَثَّلَةُ حالَةٌ غَرِيبَةٌ لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وتَأْكِيدُ فِعْلَيْ جَمَعْناهم وعَرَضْنا بِمَصْدَرَيْهِما لِتَحَقُّقِ أنَّهُ جَمْعٌ حَقِيقِيٌّ وعَرْضٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسا مِنَ المَجازِ، وفي تَنْكِيرِ الجَمْعِ والعَرْضِ تَهْوِيلٌ. ونَعْتُ الكافِرِينَ بِـ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو سَبَبُ عَرَضِ جَهَنَّمَ لَهم، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِذَلِكَ في الدُّنْيا. والغِطاءُ: مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ البَصَرِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وحَرْفُ مِن لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. وهي تَمَكُّنُ الغِطاءِ مِن أعْيُنِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّها مَحْوِيَّةٌ لِلْغِطاءِ. وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ عَنِ النَّظَرِ فِيما يَحْصُلُ بِهِ ذِكْرِي. ونَفْيُ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ أنَّهم لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ لا تُطاوِعُهم نُفُوسُهم لِلِاسْتِماعِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ سَمْعًا لِدَلالَةِ قَوْلِهِ عَنْ ذِكْرِي عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: سَمْعًا لِآياتِي، فَنَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ مُسْتَعْمَلٌ في نَفْيِ الرَّغْبَةِ وفي الإعْراضِ كَقَوْلِهِ وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ. وعَرْضُ جَهَنَّمَ مُسْتَعْمَلٌ في إبْرازِها حِينَ يُشْرِفُونَ عَلَيْها وقَدْ سِيقُوا إلَيْها فَيَعْلَمُونَ أنَّها المُهَيَّئَةُ لَهم، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعَرْضِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، لِأنَّ العَرْضَ هو إظْهارُ ما فِيهِ رَغْبَةٌ وشَهْوَةٌ.

الكهف 18:101

﴿ونُفِخَ في الصُّورِ فَجَمَعْناهم جَمْعًا﴾ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذَكَرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ . تَخَلُّصٌ مِن أغْراضِ الِاعْتِبارِ بِما في القِصَّةِ مِن إقامَةِ المَصالِحِ في الدُّنْيا عَلى أيْدِي مَنِ اخْتارَهُ اللَّهُ لِإقامَتِها مِن خاصَّةِ أوْلِيائِهِ، إلى غَرَضِ التَّذْكِيرِ بِالمَوْعِظَةِ بِأحْوالِ الآخِرَةِ، وهو تَخَلُّصٌ يُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ حالِ تَمَوُّجِهِمْ بِحالِ تَمَوُّجِ النّاسِ في المَحْشَرِ، تَذْكِيرًا لِلسّامِعِينَ بِأمْرِ الحَشْرِ وتَقْرِيبًا بِحُصُولِهِ في خَيالِ المُشْرِكِينَ، فَإنَّ القادِرَ عَلى جَمْعِ أُمَّةٍ كامِلَةٍ وراءَ هَذا السَّدِّ، بِفِعْلِ مَن يَسَّرَهُ لِذَلِكَ مِن خَلْقِهِ، هو الأقْدَرُ عَلى جَمْعِ الأُمَمِ في الحَشْرِ بِقُدْرَتِهِ، لِأنَّ مُتَعَلِّقاتِ القُدْرَةِ في عالَمِ الآخِرَةِ أعْجَبُ. وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ إثْباتَ البَعْثِ. واسْتُعْمِلَ الماضِي مَوْضِعَ المُضارِعِ تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. والنَّفْخُ في الصُّوَرِ تَمْثِيلِيَّةٌ مَكْنِيَّةٌ تَشْبِيهًا لِحالِ الدّاعِي المُطاعِ وحالِ المَدْعُوِّ الكَثِيرِ العَدَدِ السَّرِيعِ الإجابَةِ، بِحالِ الجُنْدِ الَّذِينَ يُنَفِّذُونَ أمْرَ القائِدِ بِالنَّفِيرِ فَيَنْفُخُونَ في بُوقِ النَّفِيرِ، وبِحالِ بَقِيَّةِ الجُنْدِ حِينَ يَسْمَعُونَ بُوقَ النَّفِيرِ فَيُسْرِعُونَ إلى الخُرُوجِ. عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصُّوَرُ مِن مَخْلُوقاتِ الآخِرَةِ. صفحة ٤٢ والحالَةُ المُمَثَّلَةُ حالَةٌ غَرِيبَةٌ لا يَعْلَمُ تَفْصِيلَها إلّا اللَّهُ تَعالى. وتَأْكِيدُ فِعْلَيْ جَمَعْناهم وعَرَضْنا بِمَصْدَرَيْهِما لِتَحَقُّقِ أنَّهُ جَمْعٌ حَقِيقِيٌّ وعَرْضٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسا مِنَ المَجازِ، وفي تَنْكِيرِ الجَمْعِ والعَرْضِ تَهْوِيلٌ. ونَعْتُ الكافِرِينَ بِـ ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَضْمُونَ الصِّلَةِ هو سَبَبُ عَرَضِ جَهَنَّمَ لَهم، أيِ الَّذِينَ عُرِفُوا بِذَلِكَ في الدُّنْيا. والغِطاءُ: مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِدَلالَةِ البَصَرِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وحَرْفُ مِن لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ. وهي تَمَكُّنُ الغِطاءِ مِن أعْيُنِهِمْ بِحَيْثُ كَأنَّها مَحْوِيَّةٌ لِلْغِطاءِ. وعَنْ لِلْمُجاوَزَةِ، أيْ عَنِ النَّظَرِ فِيما يَحْصُلُ بِهِ ذِكْرِي. ونَفْيُ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ أنَّهم لِشِدَّةِ كُفْرِهِمْ لا تُطاوِعُهم نُفُوسُهم لِلِاسْتِماعِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ سَمْعًا لِدَلالَةِ قَوْلِهِ عَنْ ذِكْرِي عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: سَمْعًا لِآياتِي، فَنَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ مُسْتَعْمَلٌ في نَفْيِ الرَّغْبَةِ وفي الإعْراضِ كَقَوْلِهِ وقالُوا قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ. وعَرْضُ جَهَنَّمَ مُسْتَعْمَلٌ في إبْرازِها حِينَ يُشْرِفُونَ عَلَيْها وقَدْ سِيقُوا إلَيْها فَيَعْلَمُونَ أنَّها المُهَيَّئَةُ لَهم، فَشَبَّهَ ذَلِكَ بِالعَرْضِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، لِأنَّ العَرْضَ هو إظْهارُ ما فِيهِ رَغْبَةٌ وشَهْوَةٌ.

الكهف 18:102

صفحة ٤٣ ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي مِن دُونِيَ أوْلِياءَ إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ أعْقَبَ وصْفَ حِرْمانِهِمُ الِانْتِفاعَ بِدَلائِلِ المُشاهَداتِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ وإعْراضِهِمْ عَنْ سَماعِ الآياتِ - بِتَفْرِيعِ الإنْكارِ لِاتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ يَزْعُمُونَها نافِعَةً لَهم تَنْصُرُهم تَفْرِيعَ الإنْكارِ عَلى صِلَةِ الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي، لِأنَّ حُسْبانَهم ذَلِكَ نَشَأ عَنْ كَوْنِ أعْيُنِهِمْ في غِطاءٍ وكَوْنِهِمْ لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا، أيْ حَسَبُوا حُسْبانًا باطِلًا فَلَمْ يُغْنِ عَنْهم ما حَسِبُوهُ شَيْئًا، ولِأجْلِهِ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا. وتَقَدَّمَ حَرْفُ الِاسْتِفْهامِ عَلى فاءِ العَطْفِ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ صَدْرُ الكَلامِ وهو كَثِيرٌ في أمْثالِهِ، والخِلافُ شَهِيرٌ بَيْنَ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ في أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ، أوْ أنَّ العَطْفَ إنَّما هو عَلى ما بَعْدَ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَ حَذْفِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ لِدَلالَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. فَيُقَدَّرُ هُنا: أمِنُوا عَذابِي فَحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوا إلَخْ. . . وأوَّلُ القَوْلَيْنِ أوْلى. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ مِنها قَوْلُهُ تَعالى ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ [البقرة: ٧٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. والإنْكارُ عَلَيْهِمْ فِيما يَحْسَبُونَهُ يَقْتَضِي أنَّ ما ظَنُّوهُ باطِلٌ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] . وأنْ يَتَّخِذُوا سادَ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى المَفْعُولَيْنِ فَهو يَنْحَلُّ إلى مَفْعُولَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: أحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا عِبادِيَ مُتَّخِذِينَ أوْلِياءَ لَهم مِن دُونِي. والإنْكارُ مُتَسَلِّطٌ عَلى مَعْمُولِ المَفْعُولِ الثّانِي وهو أوْلِياءَ المَعْمُولُ لِيَتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ ما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ حَسِبَ مِن أنَّ هُنالِكَ صفحة ٤٤ مَحْسُوبًا باطِلًا. وهو كَوْنُهم أوْلِياءَ بِاعْتِبارِ ما تَقْتَضِيهِ حَقِيقَةُ الوِلايَةِ مِنَ الحِمايَةِ والنَّصْرِ. وعِبادِي صادِقٌ عَلى المَلائِكَةِ والجِنِّ والشَّياطِينِ ومَن عَبَدُوهم مِنَ الأخْيارِ مِثْلَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ويَصْدُقُ عَلى الأصْنامِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ. ومِن دُونِي مُتَعَلِّقُ بِأوْلِياءَ إمّا بِجَعْلِ دُونِي اسْمًا بِمَعْنى حَوْلَ أيْ مِن حَوْلِ عَذابِي، وتَأْوِيلُ أوْلِياءَ بِمَعْنى أنْصارًا، أيْ حائِلِينَ دُونَ عَذابِي ومانِعِينَهم مِنهُ. وإمّا بِجَعْلِ دُونِي بِمَعْنى غَيْرِي. أيْ أحَسِبُوا أنَّهم يَسْتَغْنُونَ بِوِلايَتِهِمْ ؟ . وصِيغَ فِعْلُ الِاتِّخاذِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِهِ مِنهم وأنَّهم غَيْرُ مُقْلِعِينَ عَنْهُ. وجَعَلَ في الكَشّافِ فِعْلَ يَتَّخِذُوا لِلْمُسْتَقْبَلِ. أيْ أحَسِبُوا أنْ يَتَّخِذُوا عِبادِي أوْلِياءَ يَوْمَ القِيامَةِ كَما اتَّخَذُوهم في الدُّنْيا ؟ وهو المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠] ونَظَّرَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أهَؤُلاءِ إيّاكم كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبإ: ٤٠] قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ. وإظْهارُ الَّذِينَ كَفَرُوا دُونَ أنْ يُقالَ: أفَحَسِبُوا، بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الكافِرِينَ في الآيَةِ قَبْلَها، لِقَصْدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ بِدَلالَتِها، وزِيادَةً في إظْهارِ التَّوْبِيخِ لَهم. وجُمْلَةُ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ مُقَرَّرَةٌ لِإنْكارِ انْتِفاعِهِمْ بِأوْلِيائِهِمْ فَأكَّدَ بِأنَّ جَهَنَّمَ أُعِدَّتْ لَهم نُزُلًا فَلا مَحِيصَ لَهم عَنْها ولِذَلِكَ أكَّدَ بِحَرْفِ إنَّ. صفحة ٤٥ وأعَتَدْنا: أعْدَدْنا، أُبْدِلَ الدّالُ الأوَّلُ تاءً لِقُرْبِ الحَرْفَيْنِ، والإعْدادُ: التَّهْيِئَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾ [الكهف: ٢٩] . وجَعَلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ ضَمِيرَ الجَلالَةِ لِإدْخالِ الرَّوْعِ في ضَمائِرِ المُشْرِكِينَ. والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ: ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ والضَّيْفِ مِنَ القِرى. وإطْلاقُ اسْمِ النُّزُلِ عَلى العَذابِ اسْتِعارَةٌ عَلاقَتُها التَّهَكُّمُ، كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ: قَرَيْناكم فَعَجَّلْنا قِراكم قُبَيْلَ الصُّبْحِ مِرْداةً طَحُونا

الكهف 18:103

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسِبُونَ أنَّهم يَحْسُنُونَ صُنْعًا﴾ اعْتِراضٌ بِاسْتِئْنافٍ ابْتِدائِيٍّ أثارَهُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] إلَخْ. فَإنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا يَنْفَعُونَهم فاخْتارُوا الأصْنامَ وعَبَدُوها وتَقَرَّبُوا إلَيْها بِما أمْكَنَهم مِنَ القُرْبِ اغْتِرارًا بِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم وهي لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا فَكانَ عَمَلُهم خاسِرًا وسَعْيُهم باطِلًا. فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ﴾ . . . إلَخْ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ بِإصْغاءِ السّامِعِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الِافْتِتاحِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في غَرَضٍ مِنهم، وكَذَلِكَ افْتِتاحُهُ بِاسْتِفْهامِهِمْ عَنْ إنْبائِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في العَرْضِ لِأنَّهُ صفحة ٤٦ بِمَعْنى: أتُحِبُّونَ أنْ نُنَبِّئَكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا، وهو عَرْضُ تَهَكُّمٍ لِأنَّهُ مُنْبِئُهم بِذَلِكَ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى رِضاهم. وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ إلى آخِرِهِ تَمْلِيحٌ إذْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِةِ الخِطابِ بِأنْ يُقالَ لَهم: هَلْ نُنَبِّئُكم بِأنَّكُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا، إلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ بِحَيْثُ يَسْتَشْرِفُونَ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ فَما يُرَوِّعُهم إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهم هم أنْفُسُهم. والمَقُولُ لَهم: المُشْرِكُونَ، تَوْبِيخًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى ما غَفَلُوا عَنْهُ مِن خَيْبَةِ سَعْيِهِمْ. ونُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ في قَوْلِهِ نُنَبِّئُكم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نُونُ العَظَمَةِ راجِعَةً إلى ذاتِ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ في الحِكايَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هَلْ يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ، أيْ سَيُنَبِّئُكم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ المُشارِكِ راجِعَةً إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يُنَبِّئُهم بِما يُوحى إلَيْهِ مِن رَبِّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِلرَّسُولِ ولِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأخْسَرِينَ أعْمالًا. وفي هَذا الإطْنابِ زِيادَةُ التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ حَيْثُ أجْرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ ما يَزِيدُ السّامِعَ حِرْصًا عَلى مَعْرِفَةِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ والأحْوالِ. والضَّلالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهم غَيْرَ المُثْمِرِ بِالسَّيْرِ في طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ. والسَّعْيُ: المَشْيُ في شِدَّةٍ. وهو هُنا مَجازٌ في العَمَلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ عَمِلُوا صفحة ٤٧ أعْمالًا تَقَرَّبُوا بِها لِلْأصْنامِ يَحْسَبُونَها مُبَلِّغَةً إيّاهم أغْراضًا وقَدْ أخْطَئُوها وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفْعَلُونَ خَيْرًا. وإسْنادُ الضَّلالِ إلى سَعْيِهِمْ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمَعْنى: الَّذِينَ ضَلُّوا في سَعْيِهِمْ. وبَيْنَ يَحْسَبُونَ ويُحْسِنُونَ جِناسٌ مُصَحَّفٌ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِما في مَبْحَثِ الجِناسِ.

الكهف 18:104

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا وهم يَحْسِبُونَ أنَّهم يَحْسُنُونَ صُنْعًا﴾ اعْتِراضٌ بِاسْتِئْنافٍ ابْتِدائِيٍّ أثارَهُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿أفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الكهف: ١٠٢] إلَخْ. فَإنَّهم لَمّا اتَّخَذُوا أوْلِياءَ مَن لَيْسُوا يَنْفَعُونَهم فاخْتارُوا الأصْنامَ وعَبَدُوها وتَقَرَّبُوا إلَيْها بِما أمْكَنَهم مِنَ القُرْبِ اغْتِرارًا بِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم وهي لا تُغْنِي عَنْهم شَيْئًا فَكانَ عَمَلُهم خاسِرًا وسَعْيُهم باطِلًا. فالمَقْصُودُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قَوْلُهُ ﴿وهم يَحْسَبُونَ﴾ . . . إلَخْ. وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِالأمْرِ بِالقَوْلِ لِلِاهْتِمامِ بِالمَقُولِ بِإصْغاءِ السّامِعِينَ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الِافْتِتاحِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ في غَرَضٍ مِنهم، وكَذَلِكَ افْتِتاحُهُ بِاسْتِفْهامِهِمْ عَنْ إنْبائِهِمُ اسْتِفْهامًا مُسْتَعْمَلًا في العَرْضِ لِأنَّهُ صفحة ٤٦ بِمَعْنى: أتُحِبُّونَ أنْ نُنَبِّئَكم بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا، وهو عَرْضُ تَهَكُّمٍ لِأنَّهُ مُنْبِئُهم بِذَلِكَ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلى رِضاهم. وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالأخْسَرِينَ أعْمالًا﴾ إلى آخِرِهِ تَمْلِيحٌ إذْ عَدَلَ فِيهِ عَنْ طَرِيقِةِ الخِطابِ بِأنْ يُقالَ لَهم: هَلْ نُنَبِّئُكم بِأنَّكُمُ الأخْسَرُونَ أعْمالًا، إلى طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ بِحَيْثُ يَسْتَشْرِفُونَ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ فَما يُرَوِّعُهم إلّا أنْ يَعْلَمُوا أنَّ المُخْبِرَ عَنْهم هم أنْفُسُهم. والمَقُولُ لَهم: المُشْرِكُونَ، تَوْبِيخًا لَهم وتَنْبِيهًا عَلى ما غَفَلُوا عَنْهُ مِن خَيْبَةِ سَعْيِهِمْ. ونُونُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ في قَوْلِهِ نُنَبِّئُكم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ نُونُ العَظَمَةِ راجِعَةً إلى ذاتِ اللَّهِ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ في الحِكايَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: هَلْ يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ، أيْ سَيُنَبِّئُكم ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْمُتَكَلِّمِ المُشارِكِ راجِعَةً إلى الرَّسُولِ ﷺ وإلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ يُنَبِّئُهم بِما يُوحى إلَيْهِ مِن رَبِّهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ راجِعَةً لِلرَّسُولِ ولِلْمُسْلِمِينَ. وقَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ الأخْسَرِينَ أعْمالًا. وفي هَذا الإطْنابِ زِيادَةُ التَّشْوِيقِ إلى مَعْرِفَةِ هَؤُلاءِ الأخْسَرِينَ حَيْثُ أجْرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ ما يَزِيدُ السّامِعَ حِرْصًا عَلى مَعْرِفَةِ المَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الأوْصافِ والأحْوالِ. والضَّلالُ: خَطَأُ السَّبِيلِ. شَبَّهَ سَعْيَهم غَيْرَ المُثْمِرِ بِالسَّيْرِ في طَرِيقٍ غَيْرِ مُوَصِّلَةٍ. والسَّعْيُ: المَشْيُ في شِدَّةٍ. وهو هُنا مَجازٌ في العَمَلِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها في سُورَةِ الإسْراءِ، أيْ عَمِلُوا صفحة ٤٧ أعْمالًا تَقَرَّبُوا بِها لِلْأصْنامِ يَحْسَبُونَها مُبَلِّغَةً إيّاهم أغْراضًا وقَدْ أخْطَئُوها وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم يَفْعَلُونَ خَيْرًا. وإسْنادُ الضَّلالِ إلى سَعْيِهِمْ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمَعْنى: الَّذِينَ ضَلُّوا في سَعْيِهِمْ. وبَيْنَ يَحْسَبُونَ ويُحْسِنُونَ جِناسٌ مُصَحَّفٌ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِما في مَبْحَثِ الجِناسِ.

الكهف 18:105

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ ولِقائِهِ فَحَبِطَتْ أعْمالُهم فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيمَةِ وزْنًا﴾ جُمْلَةٌ هي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ لِئَلّا يَلْتَبِسُوا بِغَيْرِهِمْ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ. ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمْ أحْرِياءُ بِما بَعْدِ اسْمِ الإشارَةِ مِن حُكْمٍ بِسَبَبِ ما أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأوْصافِ. والآياتُ: القُرْآنُ والمُعْجِزاتُ. والحَبْطُ: البُطْلانُ والدَّحْضُ. وقَوْلُهُ رَبِّهِمْ يَجْرِي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في نُونِ ﴿هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] أنَّهُ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا. ويَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ الثّانِي والثّالِثِ أنَّهُ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ. صفحة ٤٨ ونُونُ ﴿فَلا نُقِيمُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ وزْنًا﴾ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في نُونِ ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ﴾ [الكهف: ١٠٣] جارِيَةً عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ. وأمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الثّالِثِ والرّابِعِ فَإنَّها التِفاتٌ عَنْ قَوْلِهِ بِآياتِ رَبِّهِمْ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَلا يُقِيمُ لَهم. ونَفْيُ إقامَةِ الوَزْنِ مُسْتَعْمَلٌ في عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالشَّيْءِ. وفي حَقارَتِهِ لِأنَّ النّاسَ يَزِنُونَ الأشْياءَ المُتَنافَسَ في مَقادِيرِها والشَّيْءُ التّافِهُ لا يُوزَنُ، فَشُبِّهُوا بِالمُحَقَّراتِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ وأثْبَتَ لَهم عَدَمَ الوَزْنِ تَخْيِيلًا. وجُعِلَ عَدَمُ إقامَةِ الوَزْنِ مُفَرَّعًا عَلى حَبْطِ أعْمالِهِمْ لِأنَّهم بِحَبْطِ أعْمالِهِمْ صارُوا مُحَقَّرِينَ لا شَيْءَ لَهم مِنَ الصّالِحاتِ.

الكهف 18:106

﴿ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ بِما كَفَرُوا واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُؤًا﴾ الإشارَةُ إمّا إلى ما تَقَدَّمَ مِن وعِيدِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، أيْ ذَلِكَ الإعْدادُ جَزاؤُهم. وقَوْلُهُ جَزاؤُهم خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. وقَوْلُهُ جَهَنَّمُ بَدَلٌ مِن جَزاؤُهم بَدَلًا مُطابِقًا لِأنَّ إعْدادَ جَهَنَّمَ هو عَيْنُ جَهَنَّمَ وإعادَةُ لَفْظِ جَهَنَّمَ أكْسَبَهُ قُوَّةَ التَّأْكِيدِ. وإمّا إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ بَيَّنَهُ ما بَعْدَهُ عَلى نَحْوِ اسْتِعْمالِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ مَعَ تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: الأمْرُ والشَّأْنُ ذَلِكَ جَزاؤُهم جَهَنَّمُ. صفحة ٤٩ والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وما مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ. واتَّخَذُوا عَطْفٌ عَلى كَفَرُوا فَهو مِن صِلَةِ ما المَصْدَرِيَّةِ. والتَّقْدِيرُ: وبِما اتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُؤًا، أيْ بِاتِّخاذِهِمْ ذَلِكَ كَذَلِكَ. والرُّسُلُ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ حَقِيقَةُ الجَمْعِ فَيَكُونَ إخْبارًا عَنْ حالِ كُفّارِ قُرَيْشٍ ومَن سَبَقَهم مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الرَّسُولُ الَّذِي أُرْسِلَ إلى النّاسِ كُلِّهِمْ وأُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الجَمْعِ تَعْظِيمًا كَما في قَوْلِهِ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ [إبراهيم: ٤٤] . والهُزُؤُ - بِضَمَّتَيْنِ - مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وهو أشَدُّ مُبالَغَةً مِنَ الوَصْفِ بِاسْمِ المَفْعُولِ، أيْ كانُوا كَثِيرِي الهُزُؤِ بِهِمْ.

الكهف 18:107

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢] عَلى عادَةِ القُرْآنِ في ذِكْرِ البِشارَةِ بَعْدَ الإنْذارِ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِأنَّها جاءَتْ في مُقابَلَةِ جُمْلَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وهي مُؤَكَّدَةٌ كَيْ لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِتَأْكِيدِهِ مَعَ ما في التَّأْكِيدَيْنِ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ وتَقْوِيَةِ البِشارَةِ. وجَعْلُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المَوْصُولَ بِصِلَةِ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ أعْمالِهِمْ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ نَظْمُ الجُمْلَةِ الَّتِي تُقابِلُها فَلَمْ صفحة ٥٠ يَقُلْ: جَزاؤُهُمُ الجَنَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا الأُسْلُوبِ في المُخالِفِ بَيْنَ وصْفِ الجَزاءَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] . وفي الإتْيانِ بِكانَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الجَنّاتِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مِن قَبْلُ مُهَيَّأٌ لَهم. وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ تَكْرِيمًا لَهم بِأنَّهم نالُوا الجَنَّةَ بِاسْتِحْقاقِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . وجَمْعُ الجَنّاتِ إيماءً إلى سَعَةِ نَعِيمِهِمْ، وأنَّها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ هو مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ. وقِيلَ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَرَبِيٌّ، أيْ لَيْسَ مُعَرَّبًا. ولَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ. وأهْلُ الشّامِ يَقُولُونَ لِلْبَساتِينِ والكُرُومِ: الفَرادِيسُ. وفي مَدِينَةِ حَلَبَ بابٌ يُسَمّى بابُ الفَرادِيسِ. وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى الفِرْدَوْسِ بَيانِيَّةٌ، أيْ جَنّاتٌ هي مِن صِنْفِ الفِرْدَوْسِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ «الفِرْدَوْسَ أعْلى الجَنَّةِ أوْ وسَطُ الجَنَّةِ» . وذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ عَلى هَذا المَكانِ المَخْصُوصِ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ. فَإنْ حُمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ كانَتْ إضافَةُ جَنّاتٍ إلى الفِرْدَوْسِ إضافَةً حَقِيقِيَّةً، أيْ جَنّاتُ هَذا المَكانِ. صفحة ٥١ والنُّزُلُ: تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَوْلُهُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ أيْ لَيْسَ بَعْدَما حَوَتْهُ تِلْكَ الجَنّاتُ مِن ضُرُوبِ اللَّذّاتِ والتَّمَتُّعِ ما تَتَطَلَّعُ النُّفُوسُ إلَيْهِ فَتَوَدُّ مُفارَقَةَ ما هي فِيهِ إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ. أيْ هم يَجِدُونَ فِيها كُلَّ ما يُخامِرُ أنْفُسَهم مِنَ المُشْتَهى. والحِوَلُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ العِوَجِ والصِّغَرِ. وحَرْفُ العِلَّةِ يُصَحَّحُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ لَكِنَّ الغالِبَ فِيما كانَ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ مَصْدَرًا التَّصْحِيحُ مِثْلَ: الحِوَلِ، وفِيما كانَ مِنها جَمْعًا الإعْلالُ نَحْوَ: الحِيَلُ جَمْعُ حِيلَةٍ. وهو مِن ذَواتِ الواوِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّحَوُّلِ.

الكهف 18:108

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كانَتْ لَهم جَنّاتُ الفِرْدَوْسِ نُزُلًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ هَذا مُقابِلُ قَوْلِهِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢] عَلى عادَةِ القُرْآنِ في ذِكْرِ البِشارَةِ بَعْدَ الإنْذارِ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِأنَّها جاءَتْ في مُقابَلَةِ جُمْلَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ نُزُلًا﴾ [الكهف: ١٠٢]، وهي مُؤَكَّدَةٌ كَيْ لا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّ جَزاءَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ مُهْتَمٍّ بِتَأْكِيدِهِ مَعَ ما في التَّأْكِيدَيْنِ مِن تَقْوِيَةِ الإنْذارِ وتَقْوِيَةِ البِشارَةِ. وجَعْلُ المُسْنَدِ إلَيْهِ المَوْصُولَ بِصِلَةِ الإيمانِ وعَمَلِ الصّالِحاتِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِ أعْمالِهِمْ، فَلِذَلِكَ خُولِفَ نَظْمُ الجُمْلَةِ الَّتِي تُقابِلُها فَلَمْ صفحة ٥٠ يَقُلْ: جَزاؤُهُمُ الجَنَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا الأُسْلُوبِ في المُخالِفِ بَيْنَ وصْفِ الجَزاءَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا أحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها﴾ [الكهف: ٢٩] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] . وفي الإتْيانِ بِكانَتْ دَلالَةٌ عَلى أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الجَنّاتِ أمْرٌ مُسْتَقِرٌّ مِن قَبْلُ مُهَيَّأٌ لَهم. وجِيءَ بِلامِ الِاسْتِحْقاقِ تَكْرِيمًا لَهم بِأنَّهم نالُوا الجَنَّةَ بِاسْتِحْقاقِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، كَما قالَ تَعالى ﴿وتِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: ٧٢] . وجَمْعُ الجَنّاتِ إيماءً إلى سَعَةِ نَعِيمِهِمْ، وأنَّها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والفِرْدَوْسُ: البُسْتانُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يَكُونُ في البَساتِينِ. وعَنْ مُجاهِدٍ هو مُعَرَّبٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ. وقِيلَ عَنِ السُّرْيانِيَّةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو عَرَبِيٌّ، أيْ لَيْسَ مُعَرَّبًا. ولَمْ يَرِدْ ذِكْرُهُ في كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ. وأهْلُ الشّامِ يَقُولُونَ لِلْبَساتِينِ والكُرُومِ: الفَرادِيسُ. وفي مَدِينَةِ حَلَبَ بابٌ يُسَمّى بابُ الفَرادِيسِ. وإضافَةُ الجَنّاتِ إلى الفِرْدَوْسِ بَيانِيَّةٌ، أيْ جَنّاتٌ هي مِن صِنْفِ الفِرْدَوْسِ. ووَرَدَ في الحَدِيثِ أنَّ «الفِرْدَوْسَ أعْلى الجَنَّةِ أوْ وسَطُ الجَنَّةِ» . وذَلِكَ إطْلاقٌ آخَرُ عَلى هَذا المَكانِ المَخْصُوصِ يَرْجِعُ إلى أنَّهُ عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ. فَإنْ حُمِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْهِ كانَتْ إضافَةُ جَنّاتٍ إلى الفِرْدَوْسِ إضافَةً حَقِيقِيَّةً، أيْ جَنّاتُ هَذا المَكانِ. صفحة ٥١ والنُّزُلُ: تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وقَوْلُهُ ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ أيْ لَيْسَ بَعْدَما حَوَتْهُ تِلْكَ الجَنّاتُ مِن ضُرُوبِ اللَّذّاتِ والتَّمَتُّعِ ما تَتَطَلَّعُ النُّفُوسُ إلَيْهِ فَتَوَدُّ مُفارَقَةَ ما هي فِيهِ إلى ما هو خَيْرٌ مِنهُ. أيْ هم يَجِدُونَ فِيها كُلَّ ما يُخامِرُ أنْفُسَهم مِنَ المُشْتَهى. والحِوَلُ: مَصْدَرٌ بِوَزْنِ العِوَجِ والصِّغَرِ. وحَرْفُ العِلَّةِ يُصَحَّحُ في هَذِهِ الصِّيغَةِ لَكِنَّ الغالِبَ فِيما كانَ عَلى هَذِهِ الزِّنَةِ مَصْدَرًا التَّصْحِيحُ مِثْلَ: الحِوَلِ، وفِيما كانَ مِنها جَمْعًا الإعْلالُ نَحْوَ: الحِيَلُ جَمْعُ حِيلَةٍ. وهو مِن ذَواتِ الواوِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّحَوُّلِ.

الكهف 18:109

﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ ابْتُدِئَتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ ثُمَّ أُفِيضَ فِيها مِن أفانِينِ الإرْشادِ والإنْذارِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وذُكِرَ فِيها مِن أحْسَنِ القَصَصِ ما فِيهِ عِبْرَةٌ ومَوْعِظَةٌ، وما هو خَفِيٌّ مِن أحْوالِ الأُمَمِ، حَوْلَ الكَلامِ إلى الإيذانِ بِأنَّ كُلَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ مِن عَظِيمِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى. فَهَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ وهو انْتِقالٌ إلى التَّنْوِيهِ بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى مُفِيضِ العِلْمِ عَلى رَسُولِهِ ﷺ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمّا سَألُوهُ عَنْ أشْياءَ يَظُنُّونَها مُفْحِمَةً لِلرَّسُولِ وأنْ لا قِبَلَ لَهُ بِعِلْمِها عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها، وأخْبَرَ عَنْها أصْدَقَ خَبَرٍ، وبَيَّنَها بِأقْصى ما تَقْبَلُهُ أفْهامُهم وبِما يَقْصُرُ عَنْهُ عِلْمُ الَّذِينَ أغْرَوُا المُشْرِكِينَ بِالسُّؤالِ عَنْها، وكانَ آخِرَها خَبَرُ ذِي القَرْنَيْنِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يُعْلَمُ مِنهُ سَعَةَ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ ما يَجْرِي عَلى وفْقِ عِلْمِهِ صفحة ٥٢ مِنَ الوَحْيِ إذا أرادَ إبْلاغَ بَعْضِ ما في عِلْمِهِ إلى أحَدٍ مِن رُسُلِهِ. وفي هَذا رَدُّ عَجُزِ السُّورَةِ عَلى صَدْرِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ لِأجْلِ قَوْلِ اليَهُودِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ تَقُولُ، أيْ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] وقَدْ أُوتِينا التَّوْراةَ، ومَن أُوتِيَ التَّوْراةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] في سُورَةِ الإسْراءِ. وقالَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ اليَهُودِيُّ: في كِتابِكم ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] ثُمَّ تَقْرَءُونَ ﴿وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي﴾ الآيَةَ. وكَلِماتُ اللَّهِ: ما يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن عِلْمِهِ مِمّا يُوحِي إلى رُسُلِهِ أنْ يُبَلِّغُوهُ، فَكُلُّ مَعْلُومٍ يُمْكِنُ أنْ يُخْبَرَ بِهِ. فَإذا أُخْبِرَ بِهِ صارَ كَلِمَةً. ولِذَلِكَ يُطْلَقُ عَلى المَعْلُوماتِ كَلِماتٌ، لِأنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنها ولَوْ شاءَ لَأخْبَرَ بِغَيْرِهِ، فَإطْلاقُ الكَلِماتِ عَلَيْها مَجازٌ بِعَلاقَةِ المَآلِ. ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٦] . وفي هَذا دَلِيلٌ لِإثْباتِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ ولِإثْباتِ التَّعَلُّقِ الصُّلُوحِيِّ لِصِفَةِ العِلْمِ. وقَلَّ مَن يَتَنَبَّهُ لِهَذا التَّعَلُّقِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ ما يُخْبِرُ اللَّهُ بِهِ عَلى لِسانِ أحَدِ رُسُلِهِ أنْ يُكْتَبَ حِرْصًا عَلى بَقائِهِ في الأُمَّةِ، شُبِّهَتْ مَعْلُوماتُ اللَّهِ المُخْبَرُ بِها والمُطْلَقُ عَلَيْها كَلِماتٌ بِالمَكْتُوباتِ، ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ وهو المِدادُ الَّذِي بِهِ الكِتابَةُ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ المِدادِ تَخْيِيلٌ كَتَخَيُّلِ الأظْفارِ لِلْمَنِيَّةِ. فَيَكُونُ ما هُنا مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى صفحة ٥٣ ﴿ولَوْ أنَّ ما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ والبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٦] فَإنَّ ذِكْرَ الأقْلامِ إنَّما يُناسِبُ المِدادَ بِمَعْنى الحِبْرِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا تَشْبِيهُ كَلِماتِ اللَّهِ بِالسِّراجِ المُضِيءِ، لِأنَّهُ يَهْدِي إلى المَطْلُوبِ، كَما شُبِّهَ نُورُ اللَّهِ وهَدْيُهُ بِالمِصْباحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ [النور: ٣٥] ويَكُونُ المِدادُ تَخْيِيلًا بِالزَّيْتِ الَّذِي يُمَدُّ بِهِ السِّراجُ. والمِدادُ يُطْلَقُ عَلى الحِبْرِ لِأنَّهُ تُمَدُّ بِهِ الدَّواةُ، أيْ يُمَدُّ بِهِ ما كانَ فِيها مِن نَوْعِهِ، ويُطْلَقُ المِدادُ عَلى الزَّيْتِ الَّذِي يُمَدُّ بِهِ السِّراجُ وغَلَبَ إطْلاقُهُ عَلى الحِبْرِ. وهو في هَذِهِ الآيَةِ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ فَتَتَضَمَّنُ الآيَةُ مَكْنِيَّتَيْنِ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ. واللّامُ في قَوْلِهِ لِكَلِماتِ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِ كَلِماتِ رَبِّي. والكَلامُ يُؤْذِنُ بِمُضافٍ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: لِكِتابَةِ كَلِماتِ رَبِّي، إذِ المِدادُ يُرادُ لِلْكِتابَةِ ولَيْسَ البَحْرُ مِمّا يُكْتَبُ بِهِ ولَكِنَّ الكَلامَ بُنِيَ عَلى المَفْرُوضِ بِواسِطَةِ لَوْ. والمِدادُ: اسْمٌ لِما يُمَدُّ بِهِ الشَّيْءُ، أيْ يُزادُ بِهِ عَلى ما لَدَيْهِ. ولَمْ يَقُلْ مِدادًا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ تَشْبِيهُهُ بِالحِبْرِ لِحُصُولِ ذَلِكَ بِالتَّشْبِيهِ الَّذِي قَبْلَهُ وإنَّما قُصِدَ هُنا أنَّ مِثْلَهُ يَمُدُّهُ. والنَّفادُ: الفَناءُ والِاضْمِحْلالُ. ونَفادُ البَحْرِ مُمْكِنٌ عَقْلًا. وأمّا نَفادُ كَلِماتِ اللَّهِ بِمَعْنى تَعَلُّقاتِ عِلْمِهِ فَمُسْتَحِيلٌ، فَلا يُفْهَمُ مِن تَقْيِيدِ نَفادِ كَلِماتِ اللَّهِ بِقَيْدِ الظَّرْفِ وهو قَبْلَ إمْكانُ نَفادِ كَلِماتِ اللَّهِ. ولَكِنْ لَمّا بُنِيَ الكَلامُ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ لَوْ - كانَ المَعْنى لَوْ كانَ البَحْرُ مِدادًا لِكَلِماتِ رَبِّي وكانَتْ كَلِماتُ رَبِّي مِمّا يَنْفَدُ لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي. صفحة ٥٤ وهَذا الكَلامُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ تَناهِي مَعْلُوماتِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي مِنها تِلْكَ المَسائِلُ الثَّلاثُ الَّتِي سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَلا يَقْتَضِي قَوْلُهُ قَبْلَ أنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي أنَّ لِكَلِماتِ اللَّهِ تَعالى نَفادًا كَما عَلِمْتَهُ. وجُمْلَةُ ﴿ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ. ولَوْ وصْلِيَّةٌ، وهي الدّالَّةُ عَلى حالَةٍ هي أجْدَرُ الأحْوالِ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ مَعَها مُفادُ الكَلامِ السّابِقِ فَيُنَبَّهُ السّامِعُ عَلى أنَّها مُتَحَقِّقٌ مَعَها مُفادُ الكَلامِ السّابِقِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وهَذا مُبالَغَةٌ ثانِيَةٌ. وانْتَصَبَ مَدَدًا عَلى التَّمْيِيزِ المُفَسِّرِ لِلْإبْهامِ الَّذِي في لَفْظِ مِثْلِهِ أيْ مِثْلِ البَحْرِ في الإمْدادِ.

الكهف 18:110

﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكم يُوحى إلَيَّ أنَّما إلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ، انْتَقَلَ بِهِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِسَعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ أنْ يُوحِيَ إلى رَسُولِهِ بِعِلْمِ كُلِّ ما يَسْألُ عَنِ الإخْبارِ بِهِ. إلى إعْلامِهِمْ بِأنَّ الرَّسُولَ لَمْ يُبْعَثْ لِلْإخْبارِ عَنِ الحَوادِثِ الماضِيَةِ والقُرُونِ الخالِيَةِ. ولا أنَّ مِن مُقْتَضى الرِّسالَةِ أنْ يُحِيطَ عِلْمُ الرَّسُولِ بِالأشْياءِ فَيَتَصَدّى لِلْإجابَةِ عَنْ أسْئِلَةٍ تُلْقى إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ بَشَرٌ عِلْمُهُ كَعِلْمِ البَشَرِ أوْحى إلَيْهِ بِما شاءَ إبْلاغَهُ عِبادَهُ مِنَ التَّوْحِيدِ والشَّرِيعَةِ. ولا صفحة ٥٥ عِلْمَ لَهُ إلّا ما عَلَّمَهُ رَبُّهُ كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحى إلَيَّ مِن رَبِّي﴾ [الأعراف: ٢٠٣] . فالحَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قَصَرَ المَوْصُوفَ عَلى الصِّفَةِ وهو إضافِيٌّ لِلْقَلْبِ. أيْ ما أنا إلّا بَشَرٌ لا أتَجاوَزُ البَشَرِيَّةَ إلى العِلْمِ بِالمُغَيَّباتِ. وأُدْمِجَ في هَذا أهَمُّ ما يُوحى إلَيْهِ وما بُعِثَ لِأجْلِهِ وهو تَوْحِيدُ اللَّهِ والسَّعْيُ لِما فِيهِ السَّلامَةُ عِنْدَ لِقاءِ اللَّهِ تَعالى. وهَذا مِن رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ مِن قَوْلِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ [الكهف: ٢] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] . وجُمْلَةُ يُوحى إلَيَّ مُسْتَأْنَفَةٌ. أوْ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ”بَشَرٌ“ ٠ . و(أنَّما) مَفْتُوحَةُ الهَمْزَةِ أُخْتُ إنَّما المَكْسُورَةِ الهَمْزَةِ وهي مُرَكَّبَةٌ مِن (أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ و(ما) الكافَّةِ كَما رُكِّبَتْ إنَّما المَكْسُورَةُ الهَمْزَةِ فَتُفِيدُ ما تُفِيدُهُ (أنَّ) المَفْتُوحَةُ مِنَ المَصْدَرِيَّةِ، وما تُفِيدُهُ إنَّما مِنَ الحَصْرِ، والحَصْرُ المُسْتَفادُ مِنها هُنا قَصْرٌ إضافِيٌّ لِلْقَلْبِ. والمَعْنى: يُوحِي اللَّهُ إلَيَّ تَوْحِيدَ الإلَهِ وانْحِصارَ وصْفِهِ في صِفَةِ الوَحْدانِيَّةِ دُونَ المُشارَكَةِ. وتَفْرِيعُ ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ﴾ هو مِن جُمْلَةِ المُوحى بِهِ إلَيْهِ. أيْ يُوحى إلَيَّ بِوَحْدانِيَّةِ الإلَهِ وبِإثْباتِ البَعْثِ وبِالأعْمالِ الصّالِحَةِ. فَجاءَ النَّظْمُ بِطَرِيقَةٍ بَدِيعَةٍ في إفادَةِ الأُصُولِ الثَّلاثَةِ، إذْ جَعَلَ التَّوْحِيدَ أصْلًا لَها وفُرِّعَ عَلَيْهِ الأصْلانِ الآخَرانِ، وأكَّدَ الإخْبارَ بِالوَحْدانِيَّةِ بِالنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى. وحَصَلَ مَعَ ذَلِكَ رَدُّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ وهو أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ. * * * صفحة ٥٦ صفحة ٥٧ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ مَرْيَمَ اسْمُ هَذِهِ السُّورَةِ في المَصاحِفِ وكُتُبِ التَّفْسِيرِ وأكْثَرِ كُتُبِ السُّنَّةِ سُورَةُ مَرْيَمَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في حَدِيثٍ رَواهُ الطَّبَرانِيُّ والدَّيْلَمَيُّ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، وأبُو أحْمَدَ الحاكِمُ: عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أبِي مَرْيَمَ قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيءَ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهُ وُلِدَتْ لِيَ اللَّيْلَةَ جارِيَةٌ، فَقالَ: واللَّيْلَةَ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ مَرْيَمَ فَسَمِّها مَرْيَمَ» . فَكانَ يُكَنّى أبا مَرْيَمَ، واشْتُهِرَ بِكُنْيَتِهِ. واسْمُهُ نَذِيرٌ، ويَظْهَرُ أنَّهُ أنْصارِيٌّ. وابْنُ عَبّاسٍ سَمّاها سُورَةَ كهيعص، وكَذَلِكَ وقَعَتْ تَسْمِيَتُها في صَحِيحِ البُخارِيِّ في كِتابِ التَّفْسِيرِ في أكْثَرِ النُّسَخِ وأصَحِّها. ولَمْ يَعُدَّها جَلالُ الدِّينِ في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ المُسَمّاةِ بِاسْمَيْنِ ولَعَلَّهُ لَمْ يَرَ الثّانِيَ اسْمًا. وهِيَ مَكِّيَّةٌ عِنْدَ الجُمْهُورِ. وعَنْ مُقاتِلٍ: أنَّ آيَةَ السَّجْدَةِ مَدَنِيَّةٌ. ولا يَسْتَقِيمُ هَذا القَوْلُ لِاتِّصالِ تِلْكَ الآيَةِ بِالآياتِ قَبْلَها إلّا أنْ تَكُونَ أُلْحِقَتْ بِها في النُّزُولِ وهو بَعِيدٌ. صفحة ٥٨ وذَكَرَ السُّيُوطِيُّ في الإتْقانِ قَوْلًا بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١] الآيَةَ - مَدَنِيٌّ، ولَمْ يَعْزُهُ لِقائِلٍ. وهِيَ السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ؛ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ فاطِرٍ وقَبْلَ سُورَةِ طه. وكانَ نُزُولُ سُورَةِ طه قَبْلَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما يُؤْخَذُ مِن قِصَّةِ إسْلامِهِ فَيَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ السُّورَةِ أثْناءَ سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ البَعْثَةِ مَعَ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ، ولَيْسَ أبُو مَرْيَمَ هَذا مَعْدُودًا في المُسْلِمِينَ الأوَّلِينَ فَلا أحْسَبُ الحَدِيثَ المَرْوِيَّ عَنْهُ مَقْبُولًا. ووَجْهُ التَّسْمِيَةِ أنَّها بُسِطَتْ فِيها قِصَّةُ مَرْيَمَ وابْنِها وأهْلِها قَبْلَ أنْ تُفَصَّلَ في غَيْرِها. ولا يُشْبِهُها في ذَلِكَ إلّا سُورَةُ آلِ عِمْرانَ الَّتِي نَزَلَتْ في المَدِينَةِ. وعُدَّتْ آياتُها في عَدَدِ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ تِسْعًا وتِسْعِينَ. وفي عَدَدِ أهْلِ الشّامِ والكُوفَةِ ثَمانًا وتِسْعِينَ. * * * ويَظْهَرُ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ فِيما اقْتَرَفُوهُ مِنَ القَوْلِ الشَّنِيعِ في مَرْيَمَ وابْنِها، فَكانَ فِيها بَيانُ نَزاهَةِ آلِ عِمْرانَ وقَداسَتِهِمْ في الخَيْرِ. وهَلْ يُثْبِتُ الخَطِّيَّ إلّا وشِيجُهُ ثُمَّ التَّنْوِيهِ بِجَمْعٍ مِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ مِن أسْلافِ هَؤُلاءِ وقَرابَتِهِمْ. والإنْحاءِ عَلى بَعْضِ خَلَفِهِمْ مِن ذُرِّيّاتِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا عَلى سُنَنِهِمْ في الخَيْرِ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ وأتَوْا بِفاحِشٍ مِنَ القَوْلِ إذْ نَسَبُوا لِلَّهِ ولَدًا، وأنْكَرَ المُشْرِكُونَ مِنهُمُ البَعْثَ وأثْبَتَ النَّصارى ولَدًا لِلَّهِ تَعالى. صفحة ٥٩ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ في تَبْشِيرِهِ ونِذارَتِهِ. وأنَّ اللَّهَ يَسَّرَهُ بِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا لِيُسْرِ تِلْكَ اللُّغَةَ. والإنْذارُ مِمّا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ مِنَ الِاسْتِئْصالِ. واشْتَمَلَتْ عَلى كَرامَةِ زَكَرِيّاءَ إذْ أجابَ اللَّهُ دُعاءَهُ فَرَزَقَهُ ولَدًا عَلى الكِبَرِ وعُقْرِ امْرَأتِهِ. وكَرامَةُ مَرْيَمَ بِخارِقِ العادَةِ في حَمْلِها وقَداسَةِ ولَدِها، وهو إرْهاصٌ لِنُبُوءَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِثْلُهُ كَلامُهُ في المَهْدِ. والتَّنْوِيهِ بِإبْراهِيمَ، وإسْحاقَ، ويَعْقُوبَ، ومُوسى، وإسْماعِيلَ، وإدْرِيسَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . ووَصْفِ الجَنَّةِ وأهْلِها. وحِكايَةِ إنْكارِ المُشْرِكِينَ البَعْثَ بِمَقالَةِ أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ والعاصِي بْنِ وائِلٍ وتَبَجُّحِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ بِمَقامِهِمْ ومَجامِعِهِمْ. وإنْذارِ المُشْرِكِينَ أنَّ أصْنامَهُمُ الَّتِي اعْتَزُّوا بِها سَيَنْدَمُونَ عَلى اتِّخاذِها. ووَعْدِ الرَّسُولِ النَّصْرَ عَلى أعْدائِهِ. وذِكْرِ ضَرْبٍ مِن كُفْرِهِمْ بِنِسْبَةِ الوَلَدِ لِلَّهِ تَعالى. والتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ ولِمِلَّتِهِ العَرَبِيَّةِ، وأنَّهُ بَشِيرٌ لِأوْلِيائِهِ ونَذِيرٌ بِهَلاكِ مُعانَدِيهِ كَما هَلَكَتْ قُرُونٌ قَبْلَهم. وقَدْ تَكَرَّرَ في هَذِهِ السُّورَةِ صِفَةُ الرَّحْمَنِ سِتَّ عَشْرَةَ مَرَّةً، وذُكِرَ اسْمُ الرَّحْمَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ، فَأنْبَأ بِأنَّ مِن مَقاصِدِها تَحْقِيقُ وصْفِ اللَّهِ صفحة ٦٠ تَعالى بِصِفَةِ الرَّحْمَنِ. والرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ تَقَعَّرُوا بِإنْكارِ هَذا الوَصْفِ كَما حَكى اللَّهُ تَعالى عَنْهم في قَوْلِهِ في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] . ووَقَعَ في هَذِهِ السُّورَةِ اسْتِطْرادٌ بِآيَةِ ﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٦٤] .

مريم 19:1

﴿كهيعص﴾ حُرُوفُ هِجاءٍ مَرْسُومَةٌ بِمُسَمَّياتِها ومَقْرُوءَةٌ بِأسْمائِها فَكَأنَّها كُتِبَتْ لِمَن يَتَهَجّاها. وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَجْمُوعِ نَظائِرِها. وفي المُخْتارِ مِنَ الأقْوالِ مِنها في سُورَةِ البَقَرَةِ وكَذَلِكَ مَوْقِعُها مِنَ الكَلامِ. والأصْلُ في النُّطْقِ بِهَذِهِ الحُرُوفِ أنْ يَكُونَ كُلُّ حَرْفٍ مِنها مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، لِأنَّ الأصْلَ فِيها أنَّها تِعْدادُ حُرُوفٍ مُسْتَقِلَّةٍ أوْ مُخْتَزَلَةٍ مِن كَلِماتٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ جَمِيعَ أسْماءِ هَذِهِ الحُرُوفِ الخَمْسَةِ بِإخْلاصِ الحَرَكاتِ والسُّكُونِ بِإسْكانِ أواخِرِ أسْمائِها. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ويَعْقُوبُ اسْمَ الحَرْفِ الثّانِي وهو (ها) بِالإمالَةِ. وفي رِوايَةٍ عَنْ نافِعٍ وابْنِ كَثِيرٍ قَرَأ (ها) بِحَرَكَةٍ بَيْنَ الكَسْرِ والفَتْحِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (يا) بِالإمالَةِ. وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِإظْهارِ دالِ (صادْ) . وقَرَأ الباقُونَ بِإدْغامِهِ في ذالِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] . وإنَّما لَمْ يُمَدْ (ها) و(يا) مَعَ أنَّ القارِئَ إنَّما يَنْطِقُ بِأسْماءِ هَذِهِ الحُرُوفِ صفحة ٦١ الَّتِي في أوائِلِ السُّورِ لا بِمُسَمَّياتِها المَكْتُوبَةِ أشْكالُها، واسْما هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ مَخْتُومانِ بِهَمْزَةٍ مُخَفَّفَةٍ لِلْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في طالِعِ سُورَةِ يُونُسَ وهو التَّخْفِيفُ بِإزالَةٍ لِأجْلِ السَّكْتِ. واعْلَمْ أنَّكَ إنْ جَرَيْتَ عَلى غَيْرِ المُخْتارِ في مَعانِي فَواتِحِ السُّوَرِ، فَأمّا الأقْوالُ الَّتِي جَعَلَتِ الفَواتِحَ كُلَّها مُتَّحِدَةً في المُرادِ فالأمْرُ ظاهِرٌ، وأمّا الأقْوالُ الَّتِي خَصَّتْ بَعْضَها بِمَعانٍ، فَقِيلَ في مَعْنى ﴿كهيعص﴾ إنَّ حُرُوفَها مُقْتَضَبَةٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى: الكافِي أوِ الكَرِيمِ أوَ الكَبِيرِ، والهاءُ مِن هادِي، والياءُ مِن حَكِيمٍ أوْ رَحِيمٍ، والعَيْنُ مِنَ العَلِيمِ أوَ العَظِيمِ، والصّادُ مِنَ الصّادِقِ، وقِيلَ مَجْمُوعُها اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، حَتّى قِيلَ هو الِاسْمُ الأعْظَمُ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وقِيلَ اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ، أيْ بِتَسْمِيَةٍ جَدِيدَةٍ، ولَيْسَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ يُعْتَمَدُ.

مريم 19:2

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ افْتِتاحُ كَلامٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ذِكْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مِثْلُهُ شائِعُ الحَذْفِ في أمْثالِ هَذا مِنَ العَناوِينِ. والتَّقْدِيرُ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ. وهو بِمَعْنى: اذْكُرْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ أصْلُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نائِبًا عَنْ عامِلِهِ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ اذْكُرْ ذِكْرًا، ثُمَّ حُوِّلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما حُوِّلَ في قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُرَجِّحُهُ عَطْفُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] ونَظائِرُهُ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى طَرِيقَةٍ بَدِيعَةٍ مِنَ الإيجازِ والعُدُولِ عَنِ الأُسْلُوبِ المُتَعارَفِ في الإخْبارِ، وأصْلُ الكَلامِ: ذِكْرُ عَبْدِنا صفحة ٦٢ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إلَخْ. . . فَرَحْمَةُ رَبِّكَ، فَكانَ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ اهْتِمامٌ بِهَذِهِ المَنقَبَةِ لَهُ، والإنْباءُ بِأنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ، مَعَ ما في إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وإلى ضَمِيرِ زَكَرِيّاءَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِما. وافْتُتِحَتْ قِصَّةُ مَرْيَمَ وعِيسى بِما يَتَّصِلُ بِها مِن شُئُونِ آلِ بَيْتِ مَرْيَمَ وكافِلِها لِأنَّ في تِلْكَ الأحْوالِ كُلِّها تَذْكِيرًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَرامَتِهِ لِأوْلِيائِهِ. وزَكَرِيّاءُ نَبِيءٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو زَكَرِيّاءُ الثّانِي زَوْجُ خالَةِ مَرْيَمَ، ولَيْسَ لَهُ كِتابٌ في أسْفارِ التَّوْراةِ، وأمّا الَّذِي لَهُ كِتابٌ فَهو زَكَرِيّاءُ بْنُ بَرْخِيا الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ زَكَرِيّاءَ الثّانِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ومَضَتْ قِصَّةُ دُعائِهِ هُنالِكَ. و﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِـ رَحْمَةِ، أيْ رَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ بَدَلٌ مِن ذِكْرُ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ. والنِّداءُ: أصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِطَلَبِ الإقْبالِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. ويُطْلَقُ النِّداءُ كَثِيرًا عَلى الكَلامِ الَّذِي فِيهِ طَلَبُ إقْبالِ الذّاتِ لِعَمَلٍ أوْ إقْبالِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ كَلامٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُرُوفُ الَّتِي يُفْتَتَحُ بِها طَلَبُ الإقْبالِ حُرُوفَ النِّداءِ. ويُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ حاجَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِداءٌ لِأنَّ شَأْنَ الدُّعاءِ في المُتَعارَفِ أنْ يَكُونَ جَهْرًا، أيْ تَضَرُّعًا لِأنَّهُ أوْقَعُ في نَفْسِ المَدْعُوِّ. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ، بِصَوْتٍ خَفِيٍّ. وإنَّما كانَ خَفِيًّا لِأنَّ زَكَرِيّاءَ رَأى أنَّهُ أدْخَلَ في الإخْلاصِ مَعَ رَجائِهِ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ لِئَلّا تَكُونَ اسْتِجابَتُهُ مِمّا يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْعُهُ تَضَرُّعًا وإنْ كانَ التَّضَرُّعُ أعْوَنَ عَلى صِدْقِ صفحة ٦٣ التَّوَجُّهِ غالِبًا. فَلَعَلَّ يَقِينَ زَكَرِيّاءَ كافٍ في تَقْوِيَةِ التَّوَجُّهِ. فاخْتارَ لِدُعائِهِ السَّلامَةَ مِن مُخالَطَةِ الرِّياءِ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وكَوْنِهِ خَفِيًّا، لِأنَّهُ نِداءُ مَن يَسْمَعُ الخَفاءَ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: اسْتِجابَةُ دُعائِهِ، كَما سَيُصَرِّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ (﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧]) وإنَّما حُكِيَ في الآيَةِ وصْفُ دُعاءِ زَكَرِيّاءَ كَما وقَعَ فَلَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِالثَّناءِ عَلى إخْفاءِ الدُّعاءِ.

مريم 19:3

﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا﴾ افْتِتاحُ كَلامٍ، فَيَتَعَيَّنُ أنَّ ذِكْرُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، مِثْلُهُ شائِعُ الحَذْفِ في أمْثالِ هَذا مِنَ العَناوِينِ. والتَّقْدِيرُ: هَذا ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ. وهو بِمَعْنى: اذْكُرْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ أصْلُهُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا نائِبًا عَنْ عامِلِهِ بِمَعْنى الأمْرِ، أيِ اذْكُرْ ذِكْرًا، ثُمَّ حُوِّلَ عَنِ النَّصْبِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ كَما حُوِّلَ في قَوْلِهِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: ٢] . وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ. ويُرَجِّحُهُ عَطْفُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] ونَظائِرُهُ. وقَدْ جاءَ نَظْمُ هَذا الكَلامِ عَلى طَرِيقَةٍ بَدِيعَةٍ مِنَ الإيجازِ والعُدُولِ عَنِ الأُسْلُوبِ المُتَعارَفِ في الإخْبارِ، وأصْلُ الكَلامِ: ذِكْرُ عَبْدِنا صفحة ٦٢ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ فَقالَ: رَبِّ إلَخْ. . . فَرَحْمَةُ رَبِّكَ، فَكانَ في تَقْدِيمِ الخَبَرِ بِأنَّ اللَّهَ رَحِمَهُ اهْتِمامٌ بِهَذِهِ المَنقَبَةِ لَهُ، والإنْباءُ بِأنَّ اللَّهَ يَرْحَمُ مَنِ التَجَأ إلَيْهِ، مَعَ ما في إضافَةِ رَبِّ إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وإلى ضَمِيرِ زَكَرِيّاءَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِهِما. وافْتُتِحَتْ قِصَّةُ مَرْيَمَ وعِيسى بِما يَتَّصِلُ بِها مِن شُئُونِ آلِ بَيْتِ مَرْيَمَ وكافِلِها لِأنَّ في تِلْكَ الأحْوالِ كُلِّها تَذْكِيرًا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى وكَرامَتِهِ لِأوْلِيائِهِ. وزَكَرِيّاءُ نَبِيءٌ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهو زَكَرِيّاءُ الثّانِي زَوْجُ خالَةِ مَرْيَمَ، ولَيْسَ لَهُ كِتابٌ في أسْفارِ التَّوْراةِ، وأمّا الَّذِي لَهُ كِتابٌ فَهو زَكَرِيّاءُ بْنُ بَرْخِيا الَّذِي كانَ مَوْجُودًا في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَدْ مَضَتْ تَرْجَمَةُ زَكَرِيّاءَ الثّانِي في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ومَضَتْ قِصَّةُ دُعائِهِ هُنالِكَ. و﴿إذْ نادى رَبَّهُ﴾ ظَرْفٌ لِـ رَحْمَةِ، أيْ رَحْمَةِ اللَّهِ إيّاهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، أوْ بَدَلٌ مِن ذِكْرُ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ. والنِّداءُ: أصْلُهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِطَلَبِ الإقْبالِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ وقَوْلِهِ ﴿ونُودُوا أنْ تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها﴾ [الأعراف: ٤٣] في سُورَةِ الأعْرافِ. ويُطْلَقُ النِّداءُ كَثِيرًا عَلى الكَلامِ الَّذِي فِيهِ طَلَبُ إقْبالِ الذّاتِ لِعَمَلٍ أوْ إقْبالِ الذِّهْنِ لِوَعْيِ كَلامٍ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُرُوفُ الَّتِي يُفْتَتَحُ بِها طَلَبُ الإقْبالِ حُرُوفَ النِّداءِ. ويُطْلَقُ عَلى الدُّعاءِ بِطَلَبِ حاجَةٍ وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نِداءٌ لِأنَّ شَأْنَ الدُّعاءِ في المُتَعارَفِ أنْ يَكُونَ جَهْرًا، أيْ تَضَرُّعًا لِأنَّهُ أوْقَعُ في نَفْسِ المَدْعُوِّ. ومَعْنى الكَلامِ: أنَّ زَكَرِيّاءَ قالَ: يا رَبِّ، بِصَوْتٍ خَفِيٍّ. وإنَّما كانَ خَفِيًّا لِأنَّ زَكَرِيّاءَ رَأى أنَّهُ أدْخَلَ في الإخْلاصِ مَعَ رَجائِهِ أنَّ اللَّهَ يُجِيبُ دَعْوَتَهُ لِئَلّا تَكُونَ اسْتِجابَتُهُ مِمّا يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَدْعُهُ تَضَرُّعًا وإنْ كانَ التَّضَرُّعُ أعْوَنَ عَلى صِدْقِ صفحة ٦٣ التَّوَجُّهِ غالِبًا. فَلَعَلَّ يَقِينَ زَكَرِيّاءَ كافٍ في تَقْوِيَةِ التَّوَجُّهِ. فاخْتارَ لِدُعائِهِ السَّلامَةَ مِن مُخالَطَةِ الرِّياءِ. ولا مُنافاةَ بَيْنَ كَوْنِهِ نِداءً وكَوْنِهِ خَفِيًّا، لِأنَّهُ نِداءُ مَن يَسْمَعُ الخَفاءَ. والمُرادُ بِالرَّحْمَةِ: اسْتِجابَةُ دُعائِهِ، كَما سَيُصَرِّحُ بِهِ بِقَوْلِهِ (﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى﴾ [مريم: ٧]) وإنَّما حُكِيَ في الآيَةِ وصْفُ دُعاءِ زَكَرِيّاءَ كَما وقَعَ فَلَيْسَ فِيها إشْعارٌ بِالثَّناءِ عَلى إخْفاءِ الدُّعاءِ.

مريم 19:4

﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِيَ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٣] . وهي وما بَعْدَها تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدُّعاءِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ . وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما يَتَضَمَّنُهُ مِنِ اضْطِرارِهِ لِسُؤالِ الوَلَدِ. واللَّهُ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ. فَلَيْسَ سُؤالُهُ الوَلَدَ سُؤالَ تَوَسُّعٍ لِمُجَرَّدِ تَمَتُّعٍ أوْ فَخْرٍ. ووَصَفَ مِن حالِهِ ما تَشْتَدُّ مَعَهُ الحاجَةُ إلى الوَلَدِ حالًا ومَآلًا. فَكانَ وهَنُ العَظْمِ وعُمُومُ الشَّيْبِ حالًا مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِعانَةِ بِالوَلَدِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ اقْتِرابٍ إبّانَ المَوْتِ عادَةً. فَذَلِكَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ ووَسِيلَةٌ صفحة ٦٤ لِغَيْرِهِ وهو المِيراثُ بَعْدَ المَوْتِ. والخَبَرانِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في لازِمِ الإخْبارِ. وهو الِاسْتِرْحامُ لِحالِهِ. لِأنَّ المُخْبَرَ بِفَتْحِ الباءِ عالِمٌ بِما تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ. والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وإسْنادُهُ إلى العَظْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا شَمِلَهُ الوَهْنُ في جَسَدِهِ لِأنَّهُ أوْجَزُ في الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ الوَهْنِ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأنَّ العَظْمَ هو قِوامُ البَدَنِ وهو أصْلَبُ شَيْءٍ فِيهِ فَلا يَبْلَغُهُ الوَهْنُ إلّا وقَدْ بَلَغَ ما فَوْقَهُ. والتَّعْرِيفُ في العَظْمُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ دالٌّ عَلى عُمُومِ العِظامِ مِنهُ. وشُبِّهَ عُمُومُ الشَّيْبِ شَعْرَ رَأْسِهِ أوْ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِعالِ النّارِ في الفَحْمِ بِجامِعِ انْتِشارِ شَيْءٍ لامِعٍ في جِسْمٍ أسْوَدَ. تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا تَمْثِيلِيًّا قابِلًا لِاعْتِبارِ التَّفْرِيقِ في التَّشْبِيهِ. وهو أبْدَعُ أنْواعِ المُرَكَّبِ. فَشُبِّهَ الشَّعْرُ الأسْوَدُ بِفَحْمٍ والشَّعْرُ الأبْيَضُ بِنارٍ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ ورُمِزَ إلى الأمْرَيْنِ بِفِعْلِ اشْتَعَلَ. وأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ. وهو مَكانُ الشَّعْرِ الَّذِي عَمَّهَ الشَّيْبُ. لِأنَّ الرَّأْسَ لا يَعُمُّهُ الشَّيْبُ إلّا بَعْدَ أنْ يَعُمَّ اللِّحْيَةَ غالِبًا. فَعُمُومُ الشَّيْبِ في الرَّأْسِ أمارَةُ التَّوَغُّلِ في كِبَرِ السِّنِّ. وإسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ الِاشْتِعالَ مِن صِفاتِ النّارِ المُشَبَّهِ بِها الشَّيْبُ فَكانَ الظّاهِرُ إسْنادَهُ إلى الشَّيْبِ. فَلَمّا جِيءَ بِاسْمِ الشَّيْبِ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الِاشْتِعالِ حَصَلَ بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ المَجازِ وغَرابَتُهُ، وخُصُوصِيَّةُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الِاحْتِمالِ. مَعَ إفادَةِ تَنْكِيرِ شَيْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ فَحَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وأصْلُ النَّظْمِ المُعْتادِ: واشْتَعَلَ الشَّيْبُ في شَعْرِ الرَّأْسِ. ولِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِن مَبْنِيِّ المَعانِي والبَيانِ كانَ لَها أعْظَمُ وقْعٍ عِنْدَ أهْلِ البَلاغَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ ووَضَّحَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ فانْظُرْهُما. صفحة ٦٥ وقَدِ اقْتَبَسَ مَعْناها أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في قَوْلِهِ: واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا ولَكِنَّهُ خَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَضْرِبَ قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ماءٌ ولا كَصَدّى. والشَّيْبُ: بَياضُ الشَّعْرِ. ويَعْرِضُ لِلشَّعْرِ البَياضُ بِسَبَبِ نُقْصانِ المادَّةِ الَّتِي تُعْطِي اللَّوْنَ الأصْلِيَّ لِلشَّعْرِ، ونُقْصانُها بِسَبَبِ كِبَرِ السِّنِّ غالِبًا، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّيْبُ عَلامَةً عَلى الكِبَرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ مِن مَرَضٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ التَّمْهِيدِيَّةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِدُعائِكَ لِلْمُصاحَبَةِ. والشَّقِيُّ: الَّذِي أصابَتْهُ الشِّقْوَةُ، وهي ضِدُّ السَّعادَةِ، أيْ هي الحِرْمانُ مِنَ المَأْمُولِ وضَلالُ السَّعْيِ. وأُطْلِقَ نَفْيُ الشَّقاوَةِ والمُرادُ حُصُولِ ضِدِّها وهو السَّعادَةُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما عُرْفًا. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ جَرى في كَلامِهِمْ مَجْرى المَثَلِ في حُصُولِ السَّعادَةِ مِن شَيْءٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أيْ عَسى أنْ أكُونَ سَعِيدًا، أيْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ في شَأْنِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ومَن جالَسَهم «هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم» أيْ يَسْعَدُ مَعَهم. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ، لَمْ نَعْرِفِ اسْمَهُ وهو إسْلامِيٌّ: وكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقاعِ بْنِ شَوْرٍ ∗∗∗ ولا يَشْقى بِقَعْقاعٍ جَلِيسُ أيْ يَسْعَدُ بِهِ جَلِيسُهُ. صفحة ٦٦ والمَعْنى: لَمْ أكُنْ فِيما دَعَوْتُكَ مِن قَبْلُ مَرْدُودٌ مِنكَ، أيْ أنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنَ اللَّهِ الِاسْتِجابَةَ كُلَّما دَعاهُ. وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ مِن طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ التَّمْهِيدِ الَّذِي في الجُمَلِ المُصاحِبَةِ لَهُ بَلْ طَرِيقُ الحَثِّ عَلى اسْتِمْرارِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ مَعَهُ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِما سَلَفَ لَهُ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ. رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ حاتِمًا الطّائِيَّ أوْ مَعْنَ بْنَ زائِدَةٍ قائِلًا: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ يَوْمَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا. وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أيْ قارَبْتُ الوَفاةَ وخِفْتُ المَوالِيَ مِن بَعْدِي. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي صالِحٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» فَلَعَلَّهُ خَشِيَ سُوءَ مَعْرِفَتِهِمْ بِما يُخَلِّفُهُ مِنَ الآثارِ الدِّينِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ. وتِلْكَ أعْلاقٌ يَعِزُّ عَلى المُؤْمِنِ تَلاشِيها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فَإنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ لا تَطْمَحُ إلّا لِمَعالِي الأُمُورِ ومَصالِحِ الدِّينِ وما سِوى ذَلِكَ فَهو تَبَعٌ. فَقَوْلُهُ يَرِثُنِي يَعْنِي بِهِ وِراثَةَ مالِهِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» . والظَّواهِرُ تُؤْذِنُ بِأنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُورَثُونَ، قالَ تَعالى ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] . وأمّا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ، كَما حَمَلَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ في حَدِيثِهِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ إذْ قالَ عُمَرُ: يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ صفحة ٦٧ مِن خُصُوصِيّاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا سابِقًا كانَ مُرادُ زَكَرِيّاءَ إرْثَ آثارِ النُّبُوءَةِ خاصَّةً مِنَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ وتَقايِيدِهِ عَلَيْها. والمَوالِي: العُصْبَةُ وأقْرَبُ القَرابَةِ، جَمْعُ مَوْلًى بِمَعْنى الوَلِيِّ. ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِي، فَإنَّ الوَراءَ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما بَعْدَ الشَّيْءِ. كَما قالَ النّابِغَةُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ أيْ بَعْدَ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِ حَياتِي. و﴿مِن ورائِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ المَوالِيَ أوَ الحالِ. وامْرَأةُ زَكَرِيّاءَ اسْمُها ألِيصاباتُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى فَهي مَن سَبْطِ لاوِي. والعاقِرُ: الأُنْثى الَّتِي لا تَلِدُ، فَهو وصْفٌ خاصٌّ بِالمَرْأةِ. ولِذَلِكَ جُرِّدَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ إذْ لا لَبْسَ. ومَصْدَرُهُ: العَقْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ القافِ. وأتى بِفِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُقْرَ مُتَمَكِّنٌ مِنها وثابِتٌ لَها فَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الوَلَدِ مِنها. ومَعْنى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ خاصَّةٌ، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ وخَلْقِهِ الأسْبابَ ومُسَبَّباتِها تَبَعًا لِخَلْقِها، فَلَمّا قالَ مِن عِنْدِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ سَألَ ولِيًّا غَيْرَ جارٍ أمْرُهُ عَلى المُعْتادِ مِن إيجادِ الأوْلادِ لِانْعِدامِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، فَتَكُونُ هِبَتُهُ كَرامَةً لَهُ. ويَتَعَلَّقُ لِي و﴿مِن لَدُنْكَ﴾ بِفِعْلِ هَبْ. وإنَّما قُدِّمَ لِي عَلى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ مِن غَرَضِ الدّاعِي، وهو غَرَضٌ خاصٌّ يُقَدَّمُ عَلى الغَرَضِ العامِّ. صفحة ٦٨ ويَرِثُنِي قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِـ ولِيًّا. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الدُّعاءِ في قَوْلِهِ هَبْ لِي لِإرادَةِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ أصْلَ الأجْوِبَةِ الثَّمانِيَةِ أنَّها عَلى تَقْدِيرِ فاءِ السَّبَبِ. و﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ خاصَّةً بَنِي إسْرائِيلَ كَما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ (آلِ) المُشْعِرِ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، فَيَكُونَ يَعْقُوبُ هو إسْرائِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: ويَرِثُ مِن آلِ إسْرائِيلَ، أيْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وأحْبارِ اليَهُودِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وإنَّما يُذْكَرُ آلُ الرَّجُلِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إذا كانُوا عَلى سُنَّتِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقَوْلُهُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] . مَعَ أنَّ النّاسَ كُلَّهم ذَرِّيَّةُ مَن حُمِلُوا مَعَهُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ يَعْقُوبُ آخَرُ غَيْرُ إسْرائِيلَ. وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، قالَهُ: مَعْقِلٌ والكَلْبِيُّ. وهو عَمُّ مَرْيَمَ أخُو عِمْرانَ أبِيها. وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّاءَ، أيْ لَيْسَ لَهُ أوْلادٌ فَيَكُونَ ابْنُ زَكَرِيّاءَ وارِثًا لِيَعْقُوبَ لِأنَّهُ ابْنُ أخِيهِ، فَيَعْقُوبُ عَلى هَذِهِ هو مِن جُمْلَةِ المَوالِيَ الَّذِينَ خافَهم زَكَرِيّاءُ مِن ورائِهِ.

مريم 19:5

﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِيَ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٣] . وهي وما بَعْدَها تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدُّعاءِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ . وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما يَتَضَمَّنُهُ مِنِ اضْطِرارِهِ لِسُؤالِ الوَلَدِ. واللَّهُ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ. فَلَيْسَ سُؤالُهُ الوَلَدَ سُؤالَ تَوَسُّعٍ لِمُجَرَّدِ تَمَتُّعٍ أوْ فَخْرٍ. ووَصَفَ مِن حالِهِ ما تَشْتَدُّ مَعَهُ الحاجَةُ إلى الوَلَدِ حالًا ومَآلًا. فَكانَ وهَنُ العَظْمِ وعُمُومُ الشَّيْبِ حالًا مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِعانَةِ بِالوَلَدِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ اقْتِرابٍ إبّانَ المَوْتِ عادَةً. فَذَلِكَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ ووَسِيلَةٌ صفحة ٦٤ لِغَيْرِهِ وهو المِيراثُ بَعْدَ المَوْتِ. والخَبَرانِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في لازِمِ الإخْبارِ. وهو الِاسْتِرْحامُ لِحالِهِ. لِأنَّ المُخْبَرَ بِفَتْحِ الباءِ عالِمٌ بِما تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ. والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وإسْنادُهُ إلى العَظْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا شَمِلَهُ الوَهْنُ في جَسَدِهِ لِأنَّهُ أوْجَزُ في الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ الوَهْنِ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأنَّ العَظْمَ هو قِوامُ البَدَنِ وهو أصْلَبُ شَيْءٍ فِيهِ فَلا يَبْلَغُهُ الوَهْنُ إلّا وقَدْ بَلَغَ ما فَوْقَهُ. والتَّعْرِيفُ في العَظْمُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ دالٌّ عَلى عُمُومِ العِظامِ مِنهُ. وشُبِّهَ عُمُومُ الشَّيْبِ شَعْرَ رَأْسِهِ أوْ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِعالِ النّارِ في الفَحْمِ بِجامِعِ انْتِشارِ شَيْءٍ لامِعٍ في جِسْمٍ أسْوَدَ. تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا تَمْثِيلِيًّا قابِلًا لِاعْتِبارِ التَّفْرِيقِ في التَّشْبِيهِ. وهو أبْدَعُ أنْواعِ المُرَكَّبِ. فَشُبِّهَ الشَّعْرُ الأسْوَدُ بِفَحْمٍ والشَّعْرُ الأبْيَضُ بِنارٍ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ ورُمِزَ إلى الأمْرَيْنِ بِفِعْلِ اشْتَعَلَ. وأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ. وهو مَكانُ الشَّعْرِ الَّذِي عَمَّهَ الشَّيْبُ. لِأنَّ الرَّأْسَ لا يَعُمُّهُ الشَّيْبُ إلّا بَعْدَ أنْ يَعُمَّ اللِّحْيَةَ غالِبًا. فَعُمُومُ الشَّيْبِ في الرَّأْسِ أمارَةُ التَّوَغُّلِ في كِبَرِ السِّنِّ. وإسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ الِاشْتِعالَ مِن صِفاتِ النّارِ المُشَبَّهِ بِها الشَّيْبُ فَكانَ الظّاهِرُ إسْنادَهُ إلى الشَّيْبِ. فَلَمّا جِيءَ بِاسْمِ الشَّيْبِ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الِاشْتِعالِ حَصَلَ بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ المَجازِ وغَرابَتُهُ، وخُصُوصِيَّةُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الِاحْتِمالِ. مَعَ إفادَةِ تَنْكِيرِ شَيْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ فَحَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وأصْلُ النَّظْمِ المُعْتادِ: واشْتَعَلَ الشَّيْبُ في شَعْرِ الرَّأْسِ. ولِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِن مَبْنِيِّ المَعانِي والبَيانِ كانَ لَها أعْظَمُ وقْعٍ عِنْدَ أهْلِ البَلاغَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ ووَضَّحَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ فانْظُرْهُما. صفحة ٦٥ وقَدِ اقْتَبَسَ مَعْناها أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في قَوْلِهِ: واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا ولَكِنَّهُ خَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَضْرِبَ قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ماءٌ ولا كَصَدّى. والشَّيْبُ: بَياضُ الشَّعْرِ. ويَعْرِضُ لِلشَّعْرِ البَياضُ بِسَبَبِ نُقْصانِ المادَّةِ الَّتِي تُعْطِي اللَّوْنَ الأصْلِيَّ لِلشَّعْرِ، ونُقْصانُها بِسَبَبِ كِبَرِ السِّنِّ غالِبًا، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّيْبُ عَلامَةً عَلى الكِبَرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ مِن مَرَضٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ التَّمْهِيدِيَّةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِدُعائِكَ لِلْمُصاحَبَةِ. والشَّقِيُّ: الَّذِي أصابَتْهُ الشِّقْوَةُ، وهي ضِدُّ السَّعادَةِ، أيْ هي الحِرْمانُ مِنَ المَأْمُولِ وضَلالُ السَّعْيِ. وأُطْلِقَ نَفْيُ الشَّقاوَةِ والمُرادُ حُصُولِ ضِدِّها وهو السَّعادَةُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما عُرْفًا. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ جَرى في كَلامِهِمْ مَجْرى المَثَلِ في حُصُولِ السَّعادَةِ مِن شَيْءٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أيْ عَسى أنْ أكُونَ سَعِيدًا، أيْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ في شَأْنِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ومَن جالَسَهم «هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم» أيْ يَسْعَدُ مَعَهم. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ، لَمْ نَعْرِفِ اسْمَهُ وهو إسْلامِيٌّ: وكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقاعِ بْنِ شَوْرٍ ∗∗∗ ولا يَشْقى بِقَعْقاعٍ جَلِيسُ أيْ يَسْعَدُ بِهِ جَلِيسُهُ. صفحة ٦٦ والمَعْنى: لَمْ أكُنْ فِيما دَعَوْتُكَ مِن قَبْلُ مَرْدُودٌ مِنكَ، أيْ أنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنَ اللَّهِ الِاسْتِجابَةَ كُلَّما دَعاهُ. وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ مِن طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ التَّمْهِيدِ الَّذِي في الجُمَلِ المُصاحِبَةِ لَهُ بَلْ طَرِيقُ الحَثِّ عَلى اسْتِمْرارِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ مَعَهُ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِما سَلَفَ لَهُ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ. رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ حاتِمًا الطّائِيَّ أوْ مَعْنَ بْنَ زائِدَةٍ قائِلًا: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ يَوْمَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا. وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أيْ قارَبْتُ الوَفاةَ وخِفْتُ المَوالِيَ مِن بَعْدِي. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي صالِحٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» فَلَعَلَّهُ خَشِيَ سُوءَ مَعْرِفَتِهِمْ بِما يُخَلِّفُهُ مِنَ الآثارِ الدِّينِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ. وتِلْكَ أعْلاقٌ يَعِزُّ عَلى المُؤْمِنِ تَلاشِيها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فَإنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ لا تَطْمَحُ إلّا لِمَعالِي الأُمُورِ ومَصالِحِ الدِّينِ وما سِوى ذَلِكَ فَهو تَبَعٌ. فَقَوْلُهُ يَرِثُنِي يَعْنِي بِهِ وِراثَةَ مالِهِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» . والظَّواهِرُ تُؤْذِنُ بِأنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُورَثُونَ، قالَ تَعالى ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] . وأمّا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ، كَما حَمَلَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ في حَدِيثِهِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ إذْ قالَ عُمَرُ: يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ صفحة ٦٧ مِن خُصُوصِيّاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا سابِقًا كانَ مُرادُ زَكَرِيّاءَ إرْثَ آثارِ النُّبُوءَةِ خاصَّةً مِنَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ وتَقايِيدِهِ عَلَيْها. والمَوالِي: العُصْبَةُ وأقْرَبُ القَرابَةِ، جَمْعُ مَوْلًى بِمَعْنى الوَلِيِّ. ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِي، فَإنَّ الوَراءَ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما بَعْدَ الشَّيْءِ. كَما قالَ النّابِغَةُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ أيْ بَعْدَ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِ حَياتِي. و﴿مِن ورائِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ المَوالِيَ أوَ الحالِ. وامْرَأةُ زَكَرِيّاءَ اسْمُها ألِيصاباتُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى فَهي مَن سَبْطِ لاوِي. والعاقِرُ: الأُنْثى الَّتِي لا تَلِدُ، فَهو وصْفٌ خاصٌّ بِالمَرْأةِ. ولِذَلِكَ جُرِّدَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ إذْ لا لَبْسَ. ومَصْدَرُهُ: العَقْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ القافِ. وأتى بِفِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُقْرَ مُتَمَكِّنٌ مِنها وثابِتٌ لَها فَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الوَلَدِ مِنها. ومَعْنى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ خاصَّةٌ، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ وخَلْقِهِ الأسْبابَ ومُسَبَّباتِها تَبَعًا لِخَلْقِها، فَلَمّا قالَ مِن عِنْدِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ سَألَ ولِيًّا غَيْرَ جارٍ أمْرُهُ عَلى المُعْتادِ مِن إيجادِ الأوْلادِ لِانْعِدامِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، فَتَكُونُ هِبَتُهُ كَرامَةً لَهُ. ويَتَعَلَّقُ لِي و﴿مِن لَدُنْكَ﴾ بِفِعْلِ هَبْ. وإنَّما قُدِّمَ لِي عَلى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ مِن غَرَضِ الدّاعِي، وهو غَرَضٌ خاصٌّ يُقَدَّمُ عَلى الغَرَضِ العامِّ. صفحة ٦٨ ويَرِثُنِي قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِـ ولِيًّا. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الدُّعاءِ في قَوْلِهِ هَبْ لِي لِإرادَةِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ أصْلَ الأجْوِبَةِ الثَّمانِيَةِ أنَّها عَلى تَقْدِيرِ فاءِ السَّبَبِ. و﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ خاصَّةً بَنِي إسْرائِيلَ كَما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ (آلِ) المُشْعِرِ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، فَيَكُونَ يَعْقُوبُ هو إسْرائِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: ويَرِثُ مِن آلِ إسْرائِيلَ، أيْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وأحْبارِ اليَهُودِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وإنَّما يُذْكَرُ آلُ الرَّجُلِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إذا كانُوا عَلى سُنَّتِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقَوْلُهُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] . مَعَ أنَّ النّاسَ كُلَّهم ذَرِّيَّةُ مَن حُمِلُوا مَعَهُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ يَعْقُوبُ آخَرُ غَيْرُ إسْرائِيلَ. وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، قالَهُ: مَعْقِلٌ والكَلْبِيُّ. وهو عَمُّ مَرْيَمَ أخُو عِمْرانَ أبِيها. وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّاءَ، أيْ لَيْسَ لَهُ أوْلادٌ فَيَكُونَ ابْنُ زَكَرِيّاءَ وارِثًا لِيَعْقُوبَ لِأنَّهُ ابْنُ أخِيهِ، فَيَعْقُوبُ عَلى هَذِهِ هو مِن جُمْلَةِ المَوالِيَ الَّذِينَ خافَهم زَكَرِيّاءُ مِن ورائِهِ.

مريم 19:6

﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِيَ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ واجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي وهَنَ العَظْمُ مِنِّي﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٣] . وهي وما بَعْدَها تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الدُّعاءِ وهو قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ . وإنَّما كانَ ذَلِكَ تَمْهِيدًا لِما يَتَضَمَّنُهُ مِنِ اضْطِرارِهِ لِسُؤالِ الوَلَدِ. واللَّهُ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذا دَعاهُ. فَلَيْسَ سُؤالُهُ الوَلَدَ سُؤالَ تَوَسُّعٍ لِمُجَرَّدِ تَمَتُّعٍ أوْ فَخْرٍ. ووَصَفَ مِن حالِهِ ما تَشْتَدُّ مَعَهُ الحاجَةُ إلى الوَلَدِ حالًا ومَآلًا. فَكانَ وهَنُ العَظْمِ وعُمُومُ الشَّيْبِ حالًا مُقْتَضِيًا لِلِاسْتِعانَةِ بِالوَلَدِ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ مِنِ اقْتِرابٍ إبّانَ المَوْتِ عادَةً. فَذَلِكَ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ ووَسِيلَةٌ صفحة ٦٤ لِغَيْرِهِ وهو المِيراثُ بَعْدَ المَوْتِ. والخَبَرانِ مِن قَوْلِهِ ﴿وهَنَ العَظْمُ مِنِّي واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ مُسْتَعْمَلانِ مَجازًا في لازِمِ الإخْبارِ. وهو الِاسْتِرْحامُ لِحالِهِ. لِأنَّ المُخْبَرَ بِفَتْحِ الباءِ عالِمٌ بِما تَضَمَّنَهُ الخَبَرانِ. والوَهْنُ: الضَّعْفُ. وإسْنادُهُ إلى العَظْمِ دُونَ غَيْرِهِ مِمّا شَمِلَهُ الوَهْنُ في جَسَدِهِ لِأنَّهُ أوْجَزُ في الدَّلالَةِ عَلى عُمُومِ الوَهْنِ جَمِيعَ بَدَنِهِ لِأنَّ العَظْمَ هو قِوامُ البَدَنِ وهو أصْلَبُ شَيْءٍ فِيهِ فَلا يَبْلَغُهُ الوَهْنُ إلّا وقَدْ بَلَغَ ما فَوْقَهُ. والتَّعْرِيفُ في العَظْمُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ دالٌّ عَلى عُمُومِ العِظامِ مِنهُ. وشُبِّهَ عُمُومُ الشَّيْبِ شَعْرَ رَأْسِهِ أوْ غَلَبَتُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِعالِ النّارِ في الفَحْمِ بِجامِعِ انْتِشارِ شَيْءٍ لامِعٍ في جِسْمٍ أسْوَدَ. تَشْبِيهًا مُرَكَّبًا تَمْثِيلِيًّا قابِلًا لِاعْتِبارِ التَّفْرِيقِ في التَّشْبِيهِ. وهو أبْدَعُ أنْواعِ المُرَكَّبِ. فَشُبِّهَ الشَّعْرُ الأسْوَدُ بِفَحْمٍ والشَّعْرُ الأبْيَضُ بِنارٍ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ ورُمِزَ إلى الأمْرَيْنِ بِفِعْلِ اشْتَعَلَ. وأُسْنِدَ الِاشْتِعالُ إلى الرَّأْسِ. وهو مَكانُ الشَّعْرِ الَّذِي عَمَّهَ الشَّيْبُ. لِأنَّ الرَّأْسَ لا يَعُمُّهُ الشَّيْبُ إلّا بَعْدَ أنْ يَعُمَّ اللِّحْيَةَ غالِبًا. فَعُمُومُ الشَّيْبِ في الرَّأْسِ أمارَةُ التَّوَغُّلِ في كِبَرِ السِّنِّ. وإسْنادُ الِاشْتِعالِ إلى الرَّأْسِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، لِأنَّ الِاشْتِعالَ مِن صِفاتِ النّارِ المُشَبَّهِ بِها الشَّيْبُ فَكانَ الظّاهِرُ إسْنادَهُ إلى الشَّيْبِ. فَلَمّا جِيءَ بِاسْمِ الشَّيْبِ تَمْيِيزًا لِنِسْبَةِ الِاشْتِعالِ حَصَلَ بِذَلِكَ خُصُوصِيَّةُ المَجازِ وغَرابَتُهُ، وخُصُوصِيَّةُ التَّفْضِيلِ بَعْدَ الِاحْتِمالِ. مَعَ إفادَةِ تَنْكِيرِ شَيْبًا مِنَ التَّعْظِيمِ فَحَصَلَ إيجازٌ بَدِيعٌ. وأصْلُ النَّظْمِ المُعْتادِ: واشْتَعَلَ الشَّيْبُ في شَعْرِ الرَّأْسِ. ولِما في هَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ مِن مَبْنِيِّ المَعانِي والبَيانِ كانَ لَها أعْظَمُ وقْعٍ عِنْدَ أهْلِ البَلاغَةِ نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ ووَضَّحَهُ صاحِبُ المِفْتاحِ فانْظُرْهُما. صفحة ٦٥ وقَدِ اقْتَبَسَ مَعْناها أبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ في قَوْلِهِ: واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسَوَّدِهِ مِثْلَ اشْتِعالِ النّارِ في جَزْلِ الغَضا ولَكِنَّهُ خَلِيقٌ بِأنْ يَكُونَ مَضْرِبَ قَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ماءٌ ولا كَصَدّى. والشَّيْبُ: بَياضُ الشَّعْرِ. ويَعْرِضُ لِلشَّعْرِ البَياضُ بِسَبَبِ نُقْصانِ المادَّةِ الَّتِي تُعْطِي اللَّوْنَ الأصْلِيَّ لِلشَّعْرِ، ونُقْصانُها بِسَبَبِ كِبَرِ السِّنِّ غالِبًا، فَلِذَلِكَ كانَ الشَّيْبُ عَلامَةً عَلى الكِبَرِ، وقَدْ يَبْيَضُّ الشَّعْرُ مِن مَرَضٍ. وجُمْلَةُ ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ التَّمْهِيدِيَّةِ. والباءُ في قَوْلِهِ بِدُعائِكَ لِلْمُصاحَبَةِ. والشَّقِيُّ: الَّذِي أصابَتْهُ الشِّقْوَةُ، وهي ضِدُّ السَّعادَةِ، أيْ هي الحِرْمانُ مِنَ المَأْمُولِ وضَلالُ السَّعْيِ. وأُطْلِقَ نَفْيُ الشَّقاوَةِ والمُرادُ حُصُولِ ضِدِّها وهو السَّعادَةُ عَلى طَرِيقِ الكِنايَةِ إذْ لا واسِطَةَ بَيْنَهُما عُرْفًا. ومِثْلُ هَذا التَّرْكِيبِ جَرى في كَلامِهِمْ مَجْرى المَثَلِ في حُصُولِ السَّعادَةِ مِن شَيْءٍ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ ﴿عَسى أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤٨] أيْ عَسى أنْ أكُونَ سَعِيدًا، أيْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ فِيما يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ في شَأْنِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ومَن جالَسَهم «هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم» أيْ يَسْعَدُ مَعَهم. وقالَ بَعْضُ الشُّعَراءِ، لَمْ نَعْرِفِ اسْمَهُ وهو إسْلامِيٌّ: وكُنْتُ جَلِيسَ قَعْقاعِ بْنِ شَوْرٍ ∗∗∗ ولا يَشْقى بِقَعْقاعٍ جَلِيسُ أيْ يَسْعَدُ بِهِ جَلِيسُهُ. صفحة ٦٦ والمَعْنى: لَمْ أكُنْ فِيما دَعَوْتُكَ مِن قَبْلُ مَرْدُودٌ مِنكَ، أيْ أنَّهُ قَدْ عَهِدَ مِنَ اللَّهِ الِاسْتِجابَةَ كُلَّما دَعاهُ. وهَذا تَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ مِن طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِ التَّمْهِيدِ الَّذِي في الجُمَلِ المُصاحِبَةِ لَهُ بَلْ طَرِيقُ الحَثِّ عَلى اسْتِمْرارِ جَمِيلِ صُنْعِ اللَّهِ مَعَهُ، وتَوَسُّلٌ إلَيْهِ بِما سَلَفَ لَهُ مَعَهُ مِنَ الِاسْتِجابَةِ. رُوِيَ أنَّ مُحْتاجًا سَألَ حاتِمًا الطّائِيَّ أوْ مَعْنَ بْنَ زائِدَةٍ قائِلًا: أنا الَّذِي أحْسَنْتَ إلَيَّ يَوْمَ كَذا فَقالَ: مَرْحَبًا بِمَن تَوَسَّلَ بِنا إلَيْنا. وجُمْلَةُ ﴿وإنِّي خِفْتُ المَوالِيَ مِن ورائِي﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾، أيْ قارَبْتُ الوَفاةَ وخِفْتُ المَوالِيَ مِن بَعْدِي. وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، وأبِي صالِحٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ مُرْسَلًا أنَّهُ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» فَلَعَلَّهُ خَشِيَ سُوءَ مَعْرِفَتِهِمْ بِما يُخَلِّفُهُ مِنَ الآثارِ الدِّينِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ. وتِلْكَ أعْلاقٌ يَعِزُّ عَلى المُؤْمِنِ تَلاشِيها، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ فَإنَّ نُفُوسَ الأنْبِياءِ لا تَطْمَحُ إلّا لِمَعالِي الأُمُورِ ومَصالِحِ الدِّينِ وما سِوى ذَلِكَ فَهو تَبَعٌ. فَقَوْلُهُ يَرِثُنِي يَعْنِي بِهِ وِراثَةَ مالِهِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَكَرِيّاءَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن وِراثَةِ مالِهِ» . والظَّواهِرُ تُؤْذِنُ بِأنَّ الأنْبِياءَ كانُوا يُورَثُونَ، قالَ تَعالى ﴿ووَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ [النمل: ١٦] . وأمّا قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الأنْبِياءِ لا نُورَثُ ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ» فَإنَّما يُرِيدُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ نَفْسَهُ، كَما حَمَلَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ في حَدِيثِهِ مَعَ العَبّاسِ وعَلِيٍّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ إذْ قالَ عُمَرُ: يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ بِذَلِكَ نَفْسَهُ. فَيَكُونُ ذَلِكَ صفحة ٦٧ مِن خُصُوصِيّاتِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَإنْ كانَ ذَلِكَ حُكْمًا سابِقًا كانَ مُرادُ زَكَرِيّاءَ إرْثَ آثارِ النُّبُوءَةِ خاصَّةً مِنَ الكُتُبِ المُقَدَّسَةِ وتَقايِيدِهِ عَلَيْها. والمَوالِي: العُصْبَةُ وأقْرَبُ القَرابَةِ، جَمْعُ مَوْلًى بِمَعْنى الوَلِيِّ. ومَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِي، فَإنَّ الوَراءَ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما بَعْدَ الشَّيْءِ. كَما قالَ النّابِغَةُ: ولَيْسَ وراءَ اللَّهِ لِلْمَرْءِ مَطْلَبُ أيْ بَعْدَ اللَّهِ. فَمَعْنى ﴿مِن ورائِي﴾ مِن بَعْدِ حَياتِي. و﴿مِن ورائِي﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ المَوالِيَ أوَ الحالِ. وامْرَأةُ زَكَرِيّاءَ اسْمُها ألِيصاباتُ مِن نَسْلِ هارُونَ أخِي مُوسى فَهي مَن سَبْطِ لاوِي. والعاقِرُ: الأُنْثى الَّتِي لا تَلِدُ، فَهو وصْفٌ خاصٌّ بِالمَرْأةِ. ولِذَلِكَ جُرِّدَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ إذْ لا لَبْسَ. ومَصْدَرُهُ: العَقْرُ بِفَتْحِ العَيْنِ وضَمِّها مَعَ سُكُونِ القافِ. وأتى بِفِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُقْرَ مُتَمَكِّنٌ مِنها وثابِتٌ لَها فَلِذَلِكَ حُرِمَ مِنَ الوَلَدِ مِنها. ومَعْنى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ خاصَّةٌ، لِأنَّ المُتَكَلِّمَ يَعْلَمُ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِتَقْدِيرِهِ وخَلْقِهِ الأسْبابَ ومُسَبَّباتِها تَبَعًا لِخَلْقِها، فَلَمّا قالَ مِن عِنْدِكَ دَلَّ عَلى أنَّهُ سَألَ ولِيًّا غَيْرَ جارٍ أمْرُهُ عَلى المُعْتادِ مِن إيجادِ الأوْلادِ لِانْعِدامِ الأسْبابِ المُعْتادَةِ، فَتَكُونُ هِبَتُهُ كَرامَةً لَهُ. ويَتَعَلَّقُ لِي و﴿مِن لَدُنْكَ﴾ بِفِعْلِ هَبْ. وإنَّما قُدِّمَ لِي عَلى ﴿مِن لَدُنْكَ﴾ لِأنَّهُ الأهَمُّ مِن غَرَضِ الدّاعِي، وهو غَرَضٌ خاصٌّ يُقَدَّمُ عَلى الغَرَضِ العامِّ. صفحة ٦٨ ويَرِثُنِي قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى الصِّفَةِ لِـ ولِيًّا. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الدُّعاءِ في قَوْلِهِ هَبْ لِي لِإرادَةِ التَّسَبُّبِ لِأنَّ أصْلَ الأجْوِبَةِ الثَّمانِيَةِ أنَّها عَلى تَقْدِيرِ فاءِ السَّبَبِ. و﴿آلِ يَعْقُوبَ﴾ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِمْ خاصَّةً بَنِي إسْرائِيلَ كَما يَقْتَضِيهِ لَفْظُ (آلِ) المُشْعِرِ بِالفَضِيلَةِ والشَّرَفِ، فَيَكُونَ يَعْقُوبُ هو إسْرائِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: ويَرِثُ مِن آلِ إسْرائِيلَ، أيْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ وأحْبارِ اليَهُودِيَّةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ [النساء: ٥٤] . وإنَّما يُذْكَرُ آلُ الرَّجُلِ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ إذا كانُوا عَلى سُنَّتِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨]، وقَوْلُهُ ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣] . مَعَ أنَّ النّاسَ كُلَّهم ذَرِّيَّةُ مَن حُمِلُوا مَعَهُ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ يَعْقُوبُ آخَرُ غَيْرُ إسْرائِيلَ. وهو يَعْقُوبُ بْنُ ماثانَ، قالَهُ: مَعْقِلٌ والكَلْبِيُّ. وهو عَمُّ مَرْيَمَ أخُو عِمْرانَ أبِيها. وقِيلَ: هو أخُو زَكَرِيّاءَ، أيْ لَيْسَ لَهُ أوْلادٌ فَيَكُونَ ابْنُ زَكَرِيّاءَ وارِثًا لِيَعْقُوبَ لِأنَّهُ ابْنُ أخِيهِ، فَيَعْقُوبُ عَلى هَذِهِ هو مِن جُمْلَةِ المَوالِيَ الَّذِينَ خافَهم زَكَرِيّاءُ مِن ورائِهِ.

مريم 19:7

﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ عَقِبَ الدُّعاءِ إيجازًا، أيْ قُلْنا يا زَكَرِيّاءُ إلَخْ. . . صفحة ٦٩ والتَّبْشِيرُ: الوَعْدُ بِالعَطاءِ. وفي الحَدِيثِ: أنَّهُ «قالَ لِلْأنْصارِ فَأبْشِرُوا وأمِّلُوا» . وفي حَدِيثِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: «اقْبَلُوا البُشْرى، فَقالُوا بَشَّرْتَنا فَأعْطَيْتَنا» . ومَعْنى اسْمُهُ يَحْيى سَمِّهِ يَحْيى، فالكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ. والسَّمِيُّ فَسَّرُوهُ بِالمُوافِقِ في الِاسْمِ، أيْ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مَن يُوافِقُهُ في هَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ. فَعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا الإخْبارُ سِرًّا مِنَ اللَّهِ أوْدَعَهُ زَكَرِيّاءَ فَلا يَظُنُّ أنَّهُ قَدْ يُسَمِّي أحَدٌ ابْنَهُ يَحْيى فِيما بَيْنَ هَذِهِ البِشارَةِ وبَيْنَ ازْدِيادِ الوَلَدِ. وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وإكْرامٌ لِزَكَرِيّاءَ إذْ جَعَلَ اسْمَ ابْنِهِ مُبْتَكَرًا. ولِلْأسْماءِ المُبْتَكَرَةِ مَزِيَّةُ قُوَّةِ تَعْرِيفِ المُسَمّى لِقِلَّةِ الِاشْتِراكِ، إذْ لا يَكُونُ مِثْلُهُ كَثِيرًا مُدَّةَ وُجُودِهِ. ولَهُ مَزِيَّةُ اقْتِداءِ النّاسِ بِهِ مِن بَعْدُ حِينِ يُسَمُّونَ أبْناءَهم ذَلِكَ الِاسْمَ تَيَمُّنًا واسْتِجادَةً. وعِنْدِي: أنَّ السَّمِيَّ هُنا هو المُوافِقُ في الِاسْمِ الوَصْفِيِّ بِإطْلاقِ الِاسْمِ عَلى الوَصْفِ فَإنَّ الِاسْمَ أصْلُهُ في الِاشْتِقاقِ (وسَمَ) والسِّمَةُ: أصْلُها وسْمَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]، أيْ يَصِفُونَهم أنَّهم إناثٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ الآتِي ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أيْ لا مَثِيلَ لِلَّهِ تَعالى في أسْمائِهِ. وهَذا أظْهَرُ في الثَّناءِ عَلى يَحْيى والِامْتِنانِ عَلى أبِيهِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَجِئْ قَبْلَ يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ ما اجْتَمَعَ لِيَحْيى فَإنَّهُ أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . وجُعِلَ حَصُورًا لِيَكُونَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ في عِصْمَتِهِ عَنِ الحَرامِ، ولِئَلّا تَكُونَ لَهُ مَشَقَّةٌ في الجَمْعِ بَيْنَ حُقُوقِ العِبادَةِ وحُقُوقِ الزَّوْجَةِ، ووُلِدَ لِأبِيهِ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ ولِأُمِّهِ بَعْدَ العُقْرِ. وبُعِثَ مُبَشِّرًا بِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ يَكُنْ هو صفحة ٧٠ رَسُولًا، وجُعِلَ اسْمُهُ العَلَمُ مُبْتَكَرًا غَيْرَ سابِقٍ مِن قَبْلِهِ. وهَذِهِ مَزايا وفَضائِلُ وُهِبَتْ لَهُ ولِأبِيهِ، وهي لا تَقْتَضِي أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ لِأنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَكُونُ بِمَجْمُوعِ فَضائِلَ لا بِبَعْضِها وإنْ جَلَّتْ، ولِذَلِكَ قِيلَ المَزِيَّةُ لا تَقْتَضِي الأفْضَلِيَّةَ وهي كَلِمَةُ صِدْقٍ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ. وأنّى اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. والتَّعَجُّبُ مُكَنّى بِهِ عَنِ الشُّكْرِ، فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّها عَطِيَّةٌ عَزِيزَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا ثُمَّ يَتَعَجَّبَ مِنِ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ اللَّهَ يَهَبُ لَهُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ أُخْرى بِأنْ يَأْذَنَهُ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ غَيْرِ عاقِرٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ حالٌ مِن ياءِ التَّكَلُّمِ وكُرِّرَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ في دُعائِهِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ . وهو يَقْتَضِي أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ يَظُنُّ أنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ بِسَبَبِ عُقْرِ امْرَأتِهِ، وكانَ النّاسُ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ بِالرَّجُلِ عُنَّةٌ ولا خِصاءٌ ولا اعْتِراضٌ، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ الإنْعاضَ والإنْزالَ هُما سَبَبُ الحَمْلِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِالمَرْأةِ عاهَةُ العُقْرِ. وهَذا خَطَأٌ فَإنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ يَكُونُ إمّا لِعِلَّةٍ بِالمَرْأةِ في رَحِمِها أوْ لِعِلَّةٍ في ماءِ الرَّجُلِ يَكُونُ غَيْرَ صالِحٍ لِنَماءِ البُوَيْضاتِ الَّتِي تُبْرِزُها رَحِمُ المَرْأةِ. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ لِلِابْتِداءِ، وهو مَجازٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ. والكِبَرُ: كَثْرَةُ سِنِي العُمْرِ. لِأنَّهُ يُقارِنُهُ ظُهُورُ قِلَّةِ النَّشاطِ واخْتِلالِ نِظامِ الجِسْمِ. وعُتِيًّا مَفْعُولُ بَلَغْتُ. صفحة ٧١ والبُلُوغُ: مَجازٌ في حُلُولِ الإبّانِ. وجَعَلَ نَفْسَهَ هُنا بالِغًا الكِبَرَ وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ قالَ ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] لِأنَّ البُلُوغَ لَمّا كانَ مَجازًا في حُصُولِ الوَصْفِ صَحَّ أنْ يُسْنَدَ إلى الوَصْفِ وإلى المَوْصُوفِ. والعُتِيُّ بِضَمِّ العَيْنِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: مَصْدَرُ عَتا العُودُ إذا يَبُسَ، وهو بِوَزْنِ فُعُولٍ أصْلُهُ عُتُووٌ، والقِياسُ فِيهِ أنْ تُصَحَّحَ الواوُ لِأنَّها إثْرَ ضَمَّةٍ ولَكِنَّهم لَمّا اسْتَثْقَلُوا تَوالِيَ ضَمَّتَيْنِ بَعْدَهُما واوانِ وهُما بِمَنزِلَةِ ضَمَّتَيْنِ تَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الثِّقَلِ بِإبْدالِ ضَمَّةِ العَيْنِ كَسْرَةً ثُمَّ قَلَبُوا الواوَ الأُولى ياءً لِوُقُوعِها ساكِنَةً إثْرَ كَسْرَةٍ فَلَمّا قُلِبَتْ ياءً اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الياءُ مَعَ الواوِ الَّتِي هي لامٌ. وكَأنَّهم ما كَسَرُوا التّاءَ في عُتِيٍّ بِمَعْنى اليُبْسِ إلّا لِدَفْعِ الِالتِباسِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العُتُوِّ الَّذِي هو الطُّغْيانُ فَلا مُوجِبَ لِطَلَبِ تَخْفِيفِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ. شَبَّهَ عِظامَهُ بِالأعْوادِ اليابِسَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ وصْفِ العُتِيِّ لَها اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.

مريم 19:8

﴿يا زَكَرِيّاءُ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيًّا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ عَقِبَ الدُّعاءِ إيجازًا، أيْ قُلْنا يا زَكَرِيّاءُ إلَخْ. . . صفحة ٦٩ والتَّبْشِيرُ: الوَعْدُ بِالعَطاءِ. وفي الحَدِيثِ: أنَّهُ «قالَ لِلْأنْصارِ فَأبْشِرُوا وأمِّلُوا» . وفي حَدِيثِ وفْدِ بَنِي تَمِيمٍ: «اقْبَلُوا البُشْرى، فَقالُوا بَشَّرْتَنا فَأعْطَيْتَنا» . ومَعْنى اسْمُهُ يَحْيى سَمِّهِ يَحْيى، فالكَلامُ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ. والسَّمِيُّ فَسَّرُوهُ بِالمُوافِقِ في الِاسْمِ، أيْ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مَن يُوافِقُهُ في هَذا الِاسْمِ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ. فَعَلَيْهِ يَكُونُ هَذا الإخْبارُ سِرًّا مِنَ اللَّهِ أوْدَعَهُ زَكَرِيّاءَ فَلا يَظُنُّ أنَّهُ قَدْ يُسَمِّي أحَدٌ ابْنَهُ يَحْيى فِيما بَيْنَ هَذِهِ البِشارَةِ وبَيْنَ ازْدِيادِ الوَلَدِ. وهَذِهِ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ وإكْرامٌ لِزَكَرِيّاءَ إذْ جَعَلَ اسْمَ ابْنِهِ مُبْتَكَرًا. ولِلْأسْماءِ المُبْتَكَرَةِ مَزِيَّةُ قُوَّةِ تَعْرِيفِ المُسَمّى لِقِلَّةِ الِاشْتِراكِ، إذْ لا يَكُونُ مِثْلُهُ كَثِيرًا مُدَّةَ وُجُودِهِ. ولَهُ مَزِيَّةُ اقْتِداءِ النّاسِ بِهِ مِن بَعْدُ حِينِ يُسَمُّونَ أبْناءَهم ذَلِكَ الِاسْمَ تَيَمُّنًا واسْتِجادَةً. وعِنْدِي: أنَّ السَّمِيَّ هُنا هو المُوافِقُ في الِاسْمِ الوَصْفِيِّ بِإطْلاقِ الِاسْمِ عَلى الوَصْفِ فَإنَّ الِاسْمَ أصْلُهُ في الِاشْتِقاقِ (وسَمَ) والسِّمَةُ: أصْلُها وسْمَةٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ [النجم: ٢٧]، أيْ يَصِفُونَهم أنَّهم إناثٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ الآتِي ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] أيْ لا مَثِيلَ لِلَّهِ تَعالى في أسْمائِهِ. وهَذا أظْهَرُ في الثَّناءِ عَلى يَحْيى والِامْتِنانِ عَلى أبِيهِ. والمَعْنى: أنَّهُ لَمْ يَجِئْ قَبْلَ يَحْيى مِنَ الأنْبِياءِ مَنِ اجْتَمَعَ لَهُ ما اجْتَمَعَ لِيَحْيى فَإنَّهُ أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، قالَ تَعالى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] . وجُعِلَ حَصُورًا لِيَكُونَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ في عِصْمَتِهِ عَنِ الحَرامِ، ولِئَلّا تَكُونَ لَهُ مَشَقَّةٌ في الجَمْعِ بَيْنَ حُقُوقِ العِبادَةِ وحُقُوقِ الزَّوْجَةِ، ووُلِدَ لِأبِيهِ بَعْدَ الشَّيْخُوخَةِ ولِأُمِّهِ بَعْدَ العُقْرِ. وبُعِثَ مُبَشِّرًا بِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ يَكُنْ هو صفحة ٧٠ رَسُولًا، وجُعِلَ اسْمُهُ العَلَمُ مُبْتَكَرًا غَيْرَ سابِقٍ مِن قَبْلِهِ. وهَذِهِ مَزايا وفَضائِلُ وُهِبَتْ لَهُ ولِأبِيهِ، وهي لا تَقْتَضِي أنَّهُ أفْضَلُ الأنْبِياءِ لِأنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَكُونُ بِمَجْمُوعِ فَضائِلَ لا بِبَعْضِها وإنْ جَلَّتْ، ولِذَلِكَ قِيلَ المَزِيَّةُ لا تَقْتَضِي الأفْضَلِيَّةَ وهي كَلِمَةُ صِدْقٍ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ﴾ جَوابٌ لِلْبِشارَةِ. وأنّى اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعَجُّبِ. والتَّعَجُّبُ مُكَنّى بِهِ عَنِ الشُّكْرِ، فَهو اعْتِرافٌ بِأنَّها عَطِيَّةٌ عَزِيزَةٌ غَيْرُ مَأْلُوفَةٍ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَسْألَ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَهُ ولَدًا ثُمَّ يَتَعَجَّبَ مِنِ اسْتِجابَةِ اللَّهِ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ ظَنَّ اللَّهَ يَهَبُ لَهُ ولَدًا مِنِ امْرَأةٍ أُخْرى بِأنْ يَأْذَنَهُ بِتَزَوُّجِ امْرَأةٍ غَيْرِ عاقِرٍ، وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُمْلَةُ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ حالٌ مِن ياءِ التَّكَلُّمِ وكُرِّرَ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ في دُعائِهِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ . وهو يَقْتَضِي أنَّ زَكَرِيّاءَ كانَ يَظُنُّ أنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ بِسَبَبِ عُقْرِ امْرَأتِهِ، وكانَ النّاسُ يَحْسَبُونَ ذَلِكَ إذا لَمْ يَكُنْ بِالرَّجُلِ عُنَّةٌ ولا خِصاءٌ ولا اعْتِراضٌ، لِأنَّهم يَحْسَبُونَ الإنْعاضَ والإنْزالَ هُما سَبَبُ الحَمْلِ إنْ لَمْ تَكُنْ بِالمَرْأةِ عاهَةُ العُقْرِ. وهَذا خَطَأٌ فَإنَّ عَدَمَ الوِلادَةِ يَكُونُ إمّا لِعِلَّةٍ بِالمَرْأةِ في رَحِمِها أوْ لِعِلَّةٍ في ماءِ الرَّجُلِ يَكُونُ غَيْرَ صالِحٍ لِنَماءِ البُوَيْضاتِ الَّتِي تُبْرِزُها رَحِمُ المَرْأةِ. ومِن في قَوْلِهِ ﴿مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ لِلِابْتِداءِ، وهو مَجازٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ. والكِبَرُ: كَثْرَةُ سِنِي العُمْرِ. لِأنَّهُ يُقارِنُهُ ظُهُورُ قِلَّةِ النَّشاطِ واخْتِلالِ نِظامِ الجِسْمِ. وعُتِيًّا مَفْعُولُ بَلَغْتُ. صفحة ٧١ والبُلُوغُ: مَجازٌ في حُلُولِ الإبّانِ. وجَعَلَ نَفْسَهَ هُنا بالِغًا الكِبَرَ وفي آيَةِ آلِ عِمْرانَ قالَ ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ [آل عمران: ٤٠] لِأنَّ البُلُوغَ لَمّا كانَ مَجازًا في حُصُولِ الوَصْفِ صَحَّ أنْ يُسْنَدَ إلى الوَصْفِ وإلى المَوْصُوفِ. والعُتِيُّ بِضَمِّ العَيْنِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: مَصْدَرُ عَتا العُودُ إذا يَبُسَ، وهو بِوَزْنِ فُعُولٍ أصْلُهُ عُتُووٌ، والقِياسُ فِيهِ أنْ تُصَحَّحَ الواوُ لِأنَّها إثْرَ ضَمَّةٍ ولَكِنَّهم لَمّا اسْتَثْقَلُوا تَوالِيَ ضَمَّتَيْنِ بَعْدَهُما واوانِ وهُما بِمَنزِلَةِ ضَمَّتَيْنِ تَخَلَّصُوا مِن ذَلِكَ الثِّقَلِ بِإبْدالِ ضَمَّةِ العَيْنِ كَسْرَةً ثُمَّ قَلَبُوا الواوَ الأُولى ياءً لِوُقُوعِها ساكِنَةً إثْرَ كَسْرَةٍ فَلَمّا قُلِبَتْ ياءً اجْتَمَعَتْ تِلْكَ الياءُ مَعَ الواوِ الَّتِي هي لامٌ. وكَأنَّهم ما كَسَرُوا التّاءَ في عُتِيٍّ بِمَعْنى اليُبْسِ إلّا لِدَفْعِ الِالتِباسِ بَيْنَهُ وبَيْنَ العُتُوِّ الَّذِي هو الطُّغْيانُ فَلا مُوجِبَ لِطَلَبِ تَخْفِيفِ أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ. شَبَّهَ عِظامَهُ بِالأعْوادِ اليابِسَةِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وإثْباتُ وصْفِ العُتِيِّ لَها اسْتِعارَةٌ تَخْيِيلِيَّةٌ.

مريم 19:9

﴿قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿قالَ كَذَلِكَ﴾ لِأنَّها جَرَتْ عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَرَةِ وهي جَوابٌ عَنْ تَعَجُّبِهِ. والمَقْصُودُ مِنهُ إبْطالُ التَّعَجُّبِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] . فَضَمِيرُ قالَ عائِدٌ إلى الرَّبِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ [مريم: ٨] . والإشارَةُ في قَوْلِهِ كَذَلِكَ إلى قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم: ٨] . والجارُّ والمَجْرُورُ مَفْعُولٌ لِفِعْلِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾، صفحة ٧٢ أيْ كَذَلِكَ الحالُ مِن كِبَرِكَ وعُقْرِ امْرَأتِكَ قَدَّرَ رَبُّكَ، فَفِعْلُ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ مُرادٌ بِهِ القَوْلُ التَّكْوِينِيُّ، أيِ التَّقْدِيرِيُّ، أيْ تَعَلُّقُ الإرادَةِ والقُدْرَةِ. والمَقْصُودُ مِن تَقْرِيرِهِ التَّمْهِيدُ لِإبْطالِ التَّعَجُّبِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، فَجُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ جَوابًا لِسُؤالٍ ناشِئٍ عَنْ قَوْلِهِ كَذَلِكَ لِأنْ تَقْرِيرَ مَنشَأِ التَّعَجُّبِ يُثِيرُ تَرَقُّبَ السّامِعِ أنْ يَعْرِفَ ما يُبْطِلُ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ المُقَرَّرَ، وذَلِكَ كَوْنُهُ هَيِّنًا في جانِبِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى العَظِيمَةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِ كَذَلِكَ هو القَوْلُ المَأْخُوذُ مِن ﴿قالَ رَبُّكَ﴾، أيْ أنَّ قَوْلَ رَبِّكَ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ بَلَغَ غايَةَ الوُضُوحِ في بابِهِ بِحَيْثُ لا يَبِينُ بِأكْثَرِ ما عَلِمْتَ، فَيَكُونَ جارِيًا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ فَجُمْلَةُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِإبْطالِ التَّعَجُّبِ إبْطالًا مُسْتَفادًا مِن قَوْلِهِ ﴿كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ﴾، ويَكُونُ الِانْتِقالُ مِنَ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾ إلى التَّكَلُّمِ في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ [مريم: ٢١] - التِفاتًا. ومُقْتَضى الظّاهِرِ: هو عَلَيْهِ هَيِّنٌ. والهَيِّنُ بِتَشْدِيدِ الياءِ: السَّهْلُ حُصُولُهُ. وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ هي في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، أيْ إيجادُ الغُلامِ لَكَ هَيِّنٌ عَلَيَّ في حالِ كَوْنِي قَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلِ هَذا الغُلامِ ولَمْ تَكُنْ مَوْجُودًا، أيْ في حالِ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِخَلْقِي إيّاكَ، فَكَما لا عَجَبَ مِن خَلْقِ الوَلَدِ في الأحْوالِ المَأْلُوفَةِ كَذَلِكَ لا عَجَبَ مِن خَلْقِ الوَلَدِ في الأحْوالِ النّادِرَةِ إذْ هُما إيجادٌ بَعْدَ عَدَمٍ. ومَعْنى ﴿ولَمْ تَكُ شَيْئًا﴾: لَمْ تَكُنْ مَوْجُودًا. صفحة ٧٣ وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿وقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ بِتاءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (وقَدْ خَلَقْناكَ) بِنُونِ العَظَمَةِ.

مريم 19:10

﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِيَ آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا﴾ أرادَ نَصْبَ عَلامَةٍ عَلى وُقُوعِ الحَمْلِ بِالغُلامِ، لِأنَّ البِشارَةَ لَمْ تُعَيَّنْ زَمَنًا، وقَدْ يَتَأخَّرُ المَوْعُودُ بِهِ لِحِكْمَةٍ، فَأرادَ زَكَرِيّاءُ أنْ يَعْلَمَ وقْتَ المَوْعُودِ بِهِ. وفي هَذا الِاسْتِعْجالِ تَعْرِيضٌ بِطَلَبِ المُبادَرَةِ بِهِ، ولِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ آيَةً. وإضافَةُ آيَتُكَ عَلى مَعْنى اللّامِ، أيْ آيَةٌ لَكَ، أيْ جَعَلْنا عَلامَةً لَكَ. ومَعْنى ﴿أنْ لا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ أنْ لا تَقْدِرَ عَلى الكَلامِ، لِأنَّ ذَلِكَ هو المُناسِبُ لِكَوْنِهِ آيَةً مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. ولَيْسَ المُرادُ نَهْيَهُ عَنْ كَلامِ النّاسِ، إذْ لا مُناسَبَةَ في ذَلِكَ لِلْكَوْنِ آيَةً، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ ذَلِكَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وجُعِلَتْ مُدَّةُ انْتِفاءِ تَكْلِيمِهِ النّاسَ هُنا ثَلاثَ لَيالٍ، وجُعِلَتْ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ هُنا لَيالٍ بِأيّامِها وأنَّ المُرادَ في آلِ عِمْرانَ أيّامٌ بِلَيالِيها. وأكَّدَ ذَلِكَ هُنا بِوَصْفِها بِـ سَوِيًّا أيْ ثَلاثَ لَيالٍ كامِلَةٍ، أيْ بِأيّامِها. وسَوِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَسْتَوِي الوَصْفُ بِهِ الواحِدُ والواحِدَةُ والمُتَعَدِّدُ مِنهُما. صفحة ٧٤ وفُسِّرَ أيْضًا سَوِيًّا بِأنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ سَوِيًّا، أيْ بِدُونِ عاهَةِ الخَرَسِ والبَكَمِ. ولَكِنَّها آيَةٌ لَكَ اقْتَضَتْها الحِكْمَةُ، الَّتِي بَيَّنّاها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وعَلى هَذا فَذِكْرُ الوَصْفِ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ الطُّمَأْنِينَةِ، وإلّا فَإنَّ تَأْجِيلَهُ بِثَلاثِ لَيالٍ كافٍ في الِاطْمِئْنانِ عَلى انْتِفاءِ العاهَةِ.

مريم 19:11

﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوْحى إلَيْهِمُ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ الظّاهِرُ أنَّ المَعْنى أنَّهُ خَرَجَ عَلى قَوْمِهِ لِيُصَلِّيَ عَلى عادَتِهِ، فَكانَ في مِحْرابِهِ في صَلاةٍ خاصَّةٍ ودُعاءٍ خَفِيٍّ، ثُمَّ خَرَجَ لِصَلاةِ الجَماعَةِ إذْ هو الحَبْرُ الأعْظَمُ لَهم. وضُمِّنَ (خَرَجَ) مَعْنى (طَلَعَ) فَعُدِيَّ بِـ (عَلى) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ في زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩] . والمِحْرابُ: بَيْتٌ أوْ مُحْتَجَرٌ يُخَصَّصُ لِلْعِبادَةِ الخاصَّةِ. قالَ الحَرِيرِيُّ: فَمِحْرابِي أحْرى بِي. والوَحْيُ: الإشارَةُ بِالعَيْنِ أوْ بِغَيْرِها، والإيماءُ لِإفادَةِ مَعْنًى شَأْنُهُ أنْ يُفادَ بِالكَلامِ. و(أنْ) تَفْسِيرِيَّةٌ. وجُمْلَةُ ﴿سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ تَفْسِيرٌ لِـ (أوْحى)، لِأنَّ (أوْحى) فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ. وإنَّما أمَرَهم بِالتَّسْبِيحِ لِئَلّا يَحْسَبُوا أنَّ زَكَرِيّاءَ لَمّا لَمْ يُكَلِّمْهم قَدْ نَذَرَ صَمْتًا فَيَقْتَدُوا بِهِ فَيَصْمُتُوا، وكانَ الصَّمْتُ مِن صُنُوفِ صفحة ٧٥ العِبادَةِ في الأُمَمِ السّالِفَةِ. كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] . فَأوْمَأ إلَيْهِمْ أنْ يَشْرَعُوا فِيما اعْتادُوهُ مِنَ التَّسْبِيحِ، أوْ أرادَ أنْ يُسَبِّحُوا اللَّهَ تَسْبِيحَ شُكْرٍ عَلى أنْ وهَبَ نَبِيئَهُمُ ابْنًا يَرِثُ عِلْمَهُ. ولَعَلَّهم كانُوا عَلِمُوا تَرَقُّبَهُ اسْتِجابَةَ دَعْوَتِهِ، أوْ أنَّهُ أمَرَهم بِذَلِكَ أمْرًا مُبْهَمًا يُفَسِّرُهُ عِنْدَما تَزُولُ حُبْسَةُ لِسانِهِ.

مريم 19:12

﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدَنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ لِيَحْيى، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ صادِرٌ مِن قائِلٍ، ولا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو انْتِقالٌ مِنَ البِشارَةِ بِهِ إلى نُبُوءَتِهِ. والأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ لِلْأُمَّةِ لا مِن حِكايَةِ ما قِيلَ لِزَكَرِيّاءَ. فَهَذا ابْتِداءُ ذِكْرِ فَضائِلِ يَحْيى. وطُوِيَ ما بَيْنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: قُلْنا يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ. والكِتابُ: التَّوْراةُ لا مَحالَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِيَحْيى كِتابٌ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ. والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّفَهُّمِ والتَّدَبُّرِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العِلْمَ عَنْ فُلانٍ، لِأنَّ المُعْتَنِى بِالشَّيْءِ يُشْبِهُ الآخِذَ. والقُوَّةُ: المُرادُ بِها قُوَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي العَزِيمَةُ والثَّباتُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أخْذًا مُلابِسًا لِلثَّباتِ عَلى الكِتابِ. أيْ عَلى العَمَلِ بِهِ وحَمْلِ الأُمَّةِ عَلى اتِّباعِهِ، فَقَدْ أخَذَ الوَهَنُ يَتَطَرَّقُ إلى الأُمَّةِ اليَهُودِيَّةِ في العَمَلِ بِدِينِها. صفحة ٧٦ وآتَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَوْلِ المَحْذُوفَةِ، أيْ قُلْنا: يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ وآتَيْناهُ الحُكْمَ. والحُكْمُ: اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِها النُّبُوءَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] في سُورَةِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لِيَحْيى أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ في حالِ صِباهُ. وقِيلَ: الحُكْمُ هو الحِكْمَةُ والفَهْمُ. وصَبِيًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في آتَيْناهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ اسْتِقامَةَ الفِكْرِ وإدْراكَ الحَقائِقِ في حالِ الصِّبا عَلى غَيْرِ المُعْتادِ، كَما أعْطى نَبِيئَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الِاسْتِقامَةَ وإصابَةَ الرَّأْيِ في صِباهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَحْيى أُعْطِي النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، لِأنَّ النُّبُوءَةَ رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَإنَّما تُعْطى عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ. واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّيَحْيى أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الأرْبَعِينَ سَنَةً بِكَثِيرٍ. ولَعَلَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا في مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ باكَرَهُ بِالنُّبُوءَةِ. والحَنانُ: الشَّفَقَةُ. ومِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الحَنّانُ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: حَنانَيْكَ، أيْ حَنانًا مِنكَ بَعْدَ حَنانٍ. وجُعِلَ حَنانُ يَحْيى مِن لَدُنِ اللَّهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُتَجاوِزُ المُعْتادِ بَيْنَ النّاسِ. والزَّكاةُ: زَكاةُ النَّفْسِ ونَقاؤُها مِنَ الخَبائِثِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، أوْ أُرِيدَ بِها البَرَكَةُ. وتَقِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، مِنِ اتَّقى إذا اتَّصَفَ بِالتَّقْوى، وهي تَجَنُّبُ ما يُخالِفُ الدِّينَ. وجِيءَ في وصْفِهِ بِالتَّقْوى بِفِعْلِ ﴿كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفِ. صفحة ٧٧ وكَذَلِكَ عَطَفَ بُرُورَهُ بِوالِدَيْهِ عَلى كَوْنِهِ تَقِيًّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِن هَذا الوَصْفِ. والبُرُورُ: الإكْرامُ والسَّعْيُ في الطّاعَةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ وصْفٌ عَلى وزْنِ المَصْدَرِ، فالوَصْفُ بِهِ مُبالَغَةٌ. وأمّا البِرُّ بِكَسْرِ الباءِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى القِياسِ. والجَبّارُ: المُسْتَخِفُّ بِحُقُوقِ النّاسِ، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْرِ، وهو القَسْرُ والغَصْبُ، لِأنَّهُ يَغْصِبُ حُقُوقَ النّاسِ. والعَصِيُّ: فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدُ العِصْيانِ. والمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى النَّفْيِ لا إلى المَنفِيِّ، أيْ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا بِالمَرَّةِ.

مريم 19:13

﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدَنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ لِيَحْيى، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ صادِرٌ مِن قائِلٍ، ولا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو انْتِقالٌ مِنَ البِشارَةِ بِهِ إلى نُبُوءَتِهِ. والأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ لِلْأُمَّةِ لا مِن حِكايَةِ ما قِيلَ لِزَكَرِيّاءَ. فَهَذا ابْتِداءُ ذِكْرِ فَضائِلِ يَحْيى. وطُوِيَ ما بَيْنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: قُلْنا يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ. والكِتابُ: التَّوْراةُ لا مَحالَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِيَحْيى كِتابٌ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ. والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّفَهُّمِ والتَّدَبُّرِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العِلْمَ عَنْ فُلانٍ، لِأنَّ المُعْتَنِى بِالشَّيْءِ يُشْبِهُ الآخِذَ. والقُوَّةُ: المُرادُ بِها قُوَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي العَزِيمَةُ والثَّباتُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أخْذًا مُلابِسًا لِلثَّباتِ عَلى الكِتابِ. أيْ عَلى العَمَلِ بِهِ وحَمْلِ الأُمَّةِ عَلى اتِّباعِهِ، فَقَدْ أخَذَ الوَهَنُ يَتَطَرَّقُ إلى الأُمَّةِ اليَهُودِيَّةِ في العَمَلِ بِدِينِها. صفحة ٧٦ وآتَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَوْلِ المَحْذُوفَةِ، أيْ قُلْنا: يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ وآتَيْناهُ الحُكْمَ. والحُكْمُ: اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِها النُّبُوءَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] في سُورَةِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لِيَحْيى أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ في حالِ صِباهُ. وقِيلَ: الحُكْمُ هو الحِكْمَةُ والفَهْمُ. وصَبِيًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في آتَيْناهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ اسْتِقامَةَ الفِكْرِ وإدْراكَ الحَقائِقِ في حالِ الصِّبا عَلى غَيْرِ المُعْتادِ، كَما أعْطى نَبِيئَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الِاسْتِقامَةَ وإصابَةَ الرَّأْيِ في صِباهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَحْيى أُعْطِي النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، لِأنَّ النُّبُوءَةَ رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَإنَّما تُعْطى عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ. واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّيَحْيى أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الأرْبَعِينَ سَنَةً بِكَثِيرٍ. ولَعَلَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا في مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ باكَرَهُ بِالنُّبُوءَةِ. والحَنانُ: الشَّفَقَةُ. ومِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الحَنّانُ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: حَنانَيْكَ، أيْ حَنانًا مِنكَ بَعْدَ حَنانٍ. وجُعِلَ حَنانُ يَحْيى مِن لَدُنِ اللَّهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُتَجاوِزُ المُعْتادِ بَيْنَ النّاسِ. والزَّكاةُ: زَكاةُ النَّفْسِ ونَقاؤُها مِنَ الخَبائِثِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، أوْ أُرِيدَ بِها البَرَكَةُ. وتَقِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، مِنِ اتَّقى إذا اتَّصَفَ بِالتَّقْوى، وهي تَجَنُّبُ ما يُخالِفُ الدِّينَ. وجِيءَ في وصْفِهِ بِالتَّقْوى بِفِعْلِ ﴿كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفِ. صفحة ٧٧ وكَذَلِكَ عَطَفَ بُرُورَهُ بِوالِدَيْهِ عَلى كَوْنِهِ تَقِيًّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِن هَذا الوَصْفِ. والبُرُورُ: الإكْرامُ والسَّعْيُ في الطّاعَةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ وصْفٌ عَلى وزْنِ المَصْدَرِ، فالوَصْفُ بِهِ مُبالَغَةٌ. وأمّا البِرُّ بِكَسْرِ الباءِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى القِياسِ. والجَبّارُ: المُسْتَخِفُّ بِحُقُوقِ النّاسِ، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْرِ، وهو القَسْرُ والغَصْبُ، لِأنَّهُ يَغْصِبُ حُقُوقَ النّاسِ. والعَصِيُّ: فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدُ العِصْيانِ. والمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى النَّفْيِ لا إلى المَنفِيِّ، أيْ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا بِالمَرَّةِ.

مريم 19:14

﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ﴿وحَنانًا مِن لَدَنّا وزَكاةً وكانَ تَقِيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَيْهِ ولَمْ يَكُنْ جَبّارًا عَصِيًّا﴾ مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، بِقَرِينَةِ أنَّ هَذا الكَلامَ خِطابٌ لِيَحْيى، فَلا مَحالَةَ أنَّهُ صادِرٌ مِن قائِلٍ، ولا يُناسِبُ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو انْتِقالٌ مِنَ البِشارَةِ بِهِ إلى نُبُوءَتِهِ. والأظْهَرُ أنَّ هَذا مِن إخْبارِ القُرْآنِ لِلْأُمَّةِ لا مِن حِكايَةِ ما قِيلَ لِزَكَرِيّاءَ. فَهَذا ابْتِداءُ ذِكْرِ فَضائِلِ يَحْيى. وطُوِيَ ما بَيْنَ ذَلِكَ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ. والسِّياقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: قُلْنا يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ. والكِتابُ: التَّوْراةُ لا مَحالَةَ، إذْ لَمْ يَكُنْ لِيَحْيى كِتابٌ مُنَزَّلٌ عَلَيْهِ. والأخْذُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّفَهُّمِ والتَّدَبُّرِ، كَما يُقالُ: أخَذْتُ العِلْمَ عَنْ فُلانٍ، لِأنَّ المُعْتَنِى بِالشَّيْءِ يُشْبِهُ الآخِذَ. والقُوَّةُ: المُرادُ بِها قُوَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ، وهي العَزِيمَةُ والثَّباتُ. والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيْ أخْذًا مُلابِسًا لِلثَّباتِ عَلى الكِتابِ. أيْ عَلى العَمَلِ بِهِ وحَمْلِ الأُمَّةِ عَلى اتِّباعِهِ، فَقَدْ أخَذَ الوَهَنُ يَتَطَرَّقُ إلى الأُمَّةِ اليَهُودِيَّةِ في العَمَلِ بِدِينِها. صفحة ٧٦ وآتَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ القَوْلِ المَحْذُوفَةِ، أيْ قُلْنا: يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ وآتَيْناهُ الحُكْمَ. والحُكْمُ: اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْناها في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِها النُّبُوءَةُ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا﴾ [يوسف: ٢٢] في سُورَةِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ هَذا خُصُوصِيَّةً لِيَحْيى أنْ أُوتِيَ النُّبُوءَةَ في حالِ صِباهُ. وقِيلَ: الحُكْمُ هو الحِكْمَةُ والفَهْمُ. وصَبِيًّا حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في آتَيْناهُ. وهَذا يَقْتَضِي أنَّ اللَّهَ أعْطاهُ اسْتِقامَةَ الفِكْرِ وإدْراكَ الحَقائِقِ في حالِ الصِّبا عَلى غَيْرِ المُعْتادِ، كَما أعْطى نَبِيئَهُ مُحَمَّدًا ﷺ الِاسْتِقامَةَ وإصابَةَ الرَّأْيِ في صِباهُ. ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ يَحْيى أُعْطِي النُّبُوءَةَ وهو صَبِيٌّ، لِأنَّ النُّبُوءَةَ رُتْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَإنَّما تُعْطى عِنْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ. واتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّيَحْيى أُعْطِيَ النُّبُوءَةَ قَبْلَ بُلُوغِ الأرْبَعِينَ سَنَةً بِكَثِيرٍ. ولَعَلَّ اللَّهَ لَمّا أرادَ أنْ يَكُونَ شَهِيدًا في مُقْتَبَلِ عُمْرِهِ باكَرَهُ بِالنُّبُوءَةِ. والحَنانُ: الشَّفَقَةُ. ومِن صِفاتِ اللَّهِ تَعالى الحَنّانُ. ومِن كَلامِ العَرَبِ: حَنانَيْكَ، أيْ حَنانًا مِنكَ بَعْدَ حَنانٍ. وجُعِلَ حَنانُ يَحْيى مِن لَدُنِ اللَّهِ إشارَةً إلى أنَّهُ مُتَجاوِزُ المُعْتادِ بَيْنَ النّاسِ. والزَّكاةُ: زَكاةُ النَّفْسِ ونَقاؤُها مِنَ الخَبائِثِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨]، أوْ أُرِيدَ بِها البَرَكَةُ. وتَقِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، مِنِ اتَّقى إذا اتَّصَفَ بِالتَّقْوى، وهي تَجَنُّبُ ما يُخالِفُ الدِّينَ. وجِيءَ في وصْفِهِ بِالتَّقْوى بِفِعْلِ ﴿كانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣] لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِنَ الوَصْفِ. صفحة ٧٧ وكَذَلِكَ عَطَفَ بُرُورَهُ بِوالِدَيْهِ عَلى كَوْنِهِ تَقِيًّا لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِهِ مِن هَذا الوَصْفِ. والبُرُورُ: الإكْرامُ والسَّعْيُ في الطّاعَةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ وصْفٌ عَلى وزْنِ المَصْدَرِ، فالوَصْفُ بِهِ مُبالَغَةٌ. وأمّا البِرُّ بِكَسْرِ الباءِ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلى القِياسِ. والجَبّارُ: المُسْتَخِفُّ بِحُقُوقِ النّاسِ، كَأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَبْرِ، وهو القَسْرُ والغَصْبُ، لِأنَّهُ يَغْصِبُ حُقُوقَ النّاسِ. والعَصِيُّ: فَعِيلٌ مِن أمْثِلَةِ المُبالَغَةِ، أيْ شَدِيدُ العِصْيانِ. والمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى النَّفْيِ لا إلى المَنفِيِّ، أيْ لَمْ يَكُنْ عاصِيًا بِالمَرَّةِ.

مريم 19:15

﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ ويَوْمَ يَمُوتُ ويَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ الأظْهَرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿وآتَيْناهُ الحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢] مُخاطَبًا بِهِ المُسْلِمُونَ لِيَعْلَمُوا كَرامَةَ يَحْيى عِنْدَ اللَّهِ. والسَّلامُ: اسْمُ الكَلامِ الَّذِي يُفاتِحُ بِهِ الزّائِرُ والرّاحِلُ، فِيهِ ثَناءٌ أوْ دُعاءٌ. وسُمِّيَ ذَلِكَ سَلامًا لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى الدُّعاءِ بِالسَّلامَةِ ولِأنَّهُ يُؤْذِنُ بِأنَّ الَّذِي أقْدَمَ هو عَلَيْهِ مُسالِمٌ لَهُ لا يَخْشى مِنهُ بَأْسًا. فالمُرادُ هُنا سَلامٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِ، وهو ثَناءُ اللَّهِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِن رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] . فَإذا عُرِّفَ السَّلامُ بِاللّامِ فالمُرادُ بِهِ مِثْلُ المُرادِ بِالمُنَكَّرِ أوْ مُرادٌ بِهِ العَهْدُ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، كَما سَيَأْتِي في السَّلامِ عَلى عِيسى. فالمَعْنى: أنَّ إكْرامَ اللَّهِ مُتَمَكِّنٌ مِن أحْوالِهِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ. صفحة ٧٨ وهَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ هُنا أحْوالُ ابْتِداءِ أطْوارٍ: طَوْرِ الوُرُودِ عَلى الدُّنْيا، وطَوْرِ الِارْتِحالِ عَنْها، وطَوْرِ الوُرُودِ عَلى الآخِرَةِ. وهَذا كِنايَةٌ عَلى أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ في هَذِهِ الأحْوالِ. والمُرادُ بِاليَوْمِ مُطْلَقُ الزَّمانِ الواقِعِ فِيهِ تِلْكَ الأحْوالُ. وجِيءَ بِالفِعْلِ المُضارِعِ في ﴿ويَوْمَ يَمُوتُ﴾ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الَّتِي ماتَ فِيها. ولَمْ تُذْكَرْ قِصَّةُ قَتْلِهِ في القُرْآنِ إلّا إجْمالًا.

مريم 19:16

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:17

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:18

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:19

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:20

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:21

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ ﴿فاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجابًا فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ﴿قالَتْ إنِّيَ أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ ﴿قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكَ لِأهَبَ لَكَ غُلامًا زَكِيًّا﴾ ﴿قالَتْ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ولِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً مِنّا وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ جُمْلَةُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] عَطْفَ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ فَلا يُراعى حُسْنُ اتِّحادِ الجُمْلَتَيْنِ في الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، عَلى أنَّ ذَلِكَ الِاتِّحادَ لَيْسَ بِمُلْتَزِمٍ. عَلى أنَّكَ عَلِمْتَ أنَّ الأحْسَنَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) مَصْدَرًا وقَعَ بَدَلًا مِن فِعْلِهِ. صفحة ٧٩ والمُرادُ بِالذِّكْرِ: التِّلاوَةُ، أيِ اتْلُ خَبَرَ مَرْيَمَ الَّذِي نَقُصُّهُ عَلَيْكَ. وفِي افْتِتاحِ القِصَّةِ بِهَذا زِيادَةُ اهْتِمامٍ بِها وتَشْوِيقٍ لِلسّامِعِ أنْ يَتَعَرَّفَها ويَتَدَبَّرَها. والكِتابُ: القُرْآنُ، لِأنَّ هَذِهِ القِصَّةَ مِن جُمْلَةِ القُرْآنِ. وقَدِ اخْتَصَّتْ هَذِهِ السُّورَةُ بِزِيادَةِ كَلِمَةِ ﴿فِي الكِتابِ﴾ بَعْدَ كَلِمَةِ واذْكُرْ. وفائِدَةُ ذَلِكَ التَّنْبِيهُ إلى أنَّ ذِكْرَ مَن أمَرَ بِذِكْرِهِمْ كائِنٌ بِآياتِ القُرْآنِ ولَيْسَ مُجَرَّدَ ذِكْرِ فَضْلِهِ في كَلامٍ آخَرَ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ كَقَوْلِهِ «لَوْ لَبِثْتُ ما لَبِثَ يُوسُفُ في السِّجْنِ لَأجَبْتُ الدّاعِيَ» . ولَمْ يَأْتِ مِثْلُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في سُورَةٍ أُخْرى لِأنَّهُ قَدْ حَصَلَ عِلْمُ المُرادِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَعُلِمَ أنَّهُ المُرادُ في بَقِيَّةِ الآياتِ الَّتِي جاءَ فِيها لَفْظُ اذْكُرْ. ولَعَلَّ سُورَةَ مَرْيَمَ هي أوَّلُ سُورَةٍ أتى فِيها لَفْظُ واذْكُرْ في قَصَصِ الأنْبِياءِ فَإنَّها السُّورَةُ الرّابِعَةُ والأرْبَعُونَ في عَدَدِ نُزُولِ السُّوَرِ.و (إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اذْكُرْ) بِاعْتِبارِ تَضَمُّنِهِ مَعْنى القِصَّةِ والخَبَرِ، ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِهِ في ظاهِرِ مَعْناهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ المَعْنى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (إذْ) مُجَرَّدَ اسْمِ زَمانٍ غَيْرَ ظَرْفٍ ويُجْعَلَ بَدَلًا مِن مَرْيَمَ، أيِ اذْكُرْ زَمَنَ انْتِباذِها مَكانًا شَرْقِيًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ إذْ نادى رَبَّهُ﴾ [مريم: ٢]) . والِانْتِباذُ: الِانْفِرادُ والِاعْتِزالُ، لِأنَّ النَّبْذَ: الإبْعادُ والطَّرْحُ، فالِانْتِباذُ في الأصْلِ افْتِعالٌ مُطاوِعُ نَبَذَهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الفِعْلِ الحاصِلِ بِدُونِ سَبْقِ فاعِلٍ لَهُ. وانْتَصَبَ مَكانًا عَلى أنَّهُ مَفْعُولُ انْتَبَذَتْ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَلَّتْ. ويَجُوزُ نَصْبُهُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِما فِيهِ مِنَ الإبْهامِ. والمَعْنى: ابْتَعَدَتْ عَنْ أهْلِها في مَكانٍ شَرْقِيٍّ. صفحة ٨٠ ونُكِّرَ المَكانُ إبْهامًا لَهُ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِتَعْيِينِ نَوْعِهِ إذْ لا يُفِيدُ كَمالًا في المَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ. وأمّا التَّصَدِّي لِوَصْفِهِ بِأنَّهُ شَرْقِيٌّ فَلِلتَّنْبِيهِ عَلى أصْلِ اتِّخاذِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِصَلَواتِهِمْ إذْ كانَ حَمْلُ مَرْيَمَ بِعِيسى في مَكانٍ مِن جِهَةِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ. كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنِّي لَأعْلَمُ خَلْقِ اللَّهِ لِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَتِ النَّصارى الشَّرْقَ قِبْلَةً لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ أيْ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِقْبالَ لَيْسَ بِأمْرٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى. فَذِكْرُ كَوْنِ المَكانِ شَرْقِيًّا نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ مِن تارِيخِ الشَّرائِعِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُؤاخاةِ الفَواصِلِ. واتِّخاذُ الحِجابِ: جَعْلُ شَيْءٍ يُحْجَبُ عَنِ النّاسِ. قِيلَ: إنَّها احْتَجَبَتْ لِتَغْتَسِلَ وقِيلَ لِتَمْتَشِطَ. والرُّوحُ: المَلَكُ، لِأنَّ تَعْلِيقَ الإرْسالِ بِهِ وإضافَتَهُ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلّا عَلى أنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ وقَدْ تَمَثَّلَ لَها بَشَرًا. والتَّمَثُّلُ: تَكَلُّفُ المُماثَلَةِ، أيْ أنَّ ذَلِكَ الشَّكْلَ لَيْسَ شَكْلَ المَلَكَ بِالأصالَةِ. و(بَشَرًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَمَثَّلَ)، وهو حالٌ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ. والبَشَرُ: الإنْسانُ. قالَ تَعالى ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] أيْ خالِقٌ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والسَّوِيُّ: المُسَوّى، أيِ التّامُّ الخَلْقِ. وإنَّما تَمَثَّلَ لَها كَذَلِكَ لِلتَّناسُبِ بَيْنَ كَمالِ الحَقِيقَةِ وكَمالِ الصُّورَةِ، ولِلْإشارَةِ إلى كَمالِ عِصْمَتِها إذْ قالَتْ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾، إذْ لَمْ يَكُنْ في صُورَتِهِ ما يُكْرَهُ لِأمْثالِها، لِأنَّها حَسِبَتْ أنَّهُ بَشَرٌ اخْتَبَأ لَها لِيُراوِدَها صفحة ٨١ عَنْ نَفْسِها، فَبادَرَتْهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَها مُبادَرَةً بِالإنْكارِ عَلى ما تَوَهَّمَتْهُ مِن قَصْدِهِ الَّذِي هو المُتَبادِرُ مِن أمْثالِهِ في مِثْلِ تِلْكَ الحالَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ﴾ خَبَرِيَّةٌ، ولِذَلِكَ أُكِّدَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ. والمَعْنى: أنَّها أخْبَرَتْهُ بِأنَّها جَعَلَتِ اللَّهَ مَعاذًا لَها مِنهُ، أيْ جَعَلَتْ جانِبَ اللَّهِ مَلْجَأً لَها مِمّا هَمَّ بِهِ. وهَذِهِ مَوْعِظَةٌ لَهُ. وذِكْرُها صِفَةَ الرَّحْمَنِ دُونَ غَيْرِها مِن صِفاتِ اللَّهِ لِأنَّها أرادَتْ أنْ يَرْحَمَها اللَّهُ بِدَفْعِ مَن حَسِبَتْهُ داعِرًا عَلَيْها. وقَوْلُها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ تَذْكِيرٌ لَهُ بِالمَوْعِظَةِ بِأنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَّقِيَ رَبَّهُ. ومَجِيءُ هَذا التَّذْكِيرِ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ المُؤْذِنِ بِالشَّكِّ في تَقْواهُ قَصْدٌ لِتَهْيِيجِ خَشْيَتِهِ. وكَذَلِكَ اجْتِلابُ فِعْلِ الكَوْنِ الدّالِّ عَلى كَوْنِ التَّقْوى مُسْتَقِرَّةً فِيهِ. وهَذا أبْلَغُ وعْظٍ وتَذْكِيرٍ وحَثٍّ عَلى العَمَلِ بِتَقْواهُ. والقَصْرُ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ لَسْتُ بَشَرًا، رَدًّا عَلى قَوْلِها ﴿إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ المُقْتَضِي اعْتِقادَها أنَّهُ بَشَرٌ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لِأهَبَ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ بَعْدَ لامِ العِلَّةِ. ومَعْنى إسْنادِ الهِبَةِ إلى نَفْسِهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ لِأنَّهُ سَبَبُ هَذِهِ الهِبَةِ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ (لِيَهَبَ) بِياءِ الغائِبِ، أيْ لِيَهَبَ رَبُّكِ لَكِ، مَعَ أنَّها مَكْتُوبَةٌ في المُصْحَفِ بِألِفٍ. وعِنْدِي أنَّ قِراءَةَ هَؤُلاءِ بِالياءِ بَعْدَ اللّامِ إنَّما هي نُطْقُ الهَمْزَةِ المُخَفَّفَةِ بَعْدَ كَسْرِ اللّامِ بِصُورَةِ نُطْقِ الياءِ. ومُحاوَرَتُها المَلَكَ مُحاوَلَةٌ قَصَدَتْ بِها صَرْفَهُ عَمّا جاءَ لِأجْلِهِ، لِأنَّها عَلِمَتْ أنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ فَأرادَتْ مُراجَعَةَ رَبِّها في أمْرٍ لَمْ تُطِقْهُ صفحة ٨٢ كَما راجَعَهُ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْمِ لُوطٍ. وكَما راجَعَهُ مُحَمَّدٌ ﷺ في فَرْضِ خَمْسِينَ صَلاةً. ومَعْنى المُحاوَرَةِ أنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ لَها ضُرًّا عَظِيمًا إذْ هي مَخْطُوبَةٌ لِرَجُلٍ ولَمْ يَبْنِ بِها فَكَيْفَ يَتَلَقّى النّاسُ مِنها الإتْيانَ بِوَلَدٍ مِن غَيْرِ أبٍ مَعْرُوفٍ. وقَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ تَبْرِئَةٌ لِنَفْسِها مِنَ البِغاءِ بِما يَقْتَضِيهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ الَّذِي هو خَبَرُ الكَوْنِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ النَّفْيِ. فَمُفادُ قَوْلِها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ غَيْرُ مُفادِ قَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾، وهو مِمّا زادَتْ بِهِ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى ما في قِصَّتِها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، لِأنَّ قِصَّتَها في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ فَصَحَّ الِاجْتِزاءُ في القِصَّةِ بِقَوْلِها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ . وقَوْلُها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أيْ لَمْ يَبْنِ بِي زَوْجٌ، لِأنَّها كانَتْ مَخْطُوبَةً ومُراكِنَةً لِيُوسُفَ النَّجّارِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَبْنِ بِها فَإذا حَمَلَتْ بِوَلَدٍ اتَّهَمَها خَطِيبُها وأهْلُها بِالزِّنى. وأمّا قَوْلُها ﴿ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ فَهو نَفْيٌ لِأنْ تَكُونَ بَغِيًّا مِن قَبْلِ تِلْكَ السّاعَةِ، فَلا تَرْضى بِأنْ تُرْمى بِالبِغاءِ بَعْدَ ذَلِكَ. فالكَلامُ كِنايَةٌ عَنِ التَّنَزُّهِ عَنِ الوَصْمِ بِالبِغاءِ بِقاعِدَةِ الِاسْتِصْحابِ. والمَعْنى: ما كُنْتُ بَغِيًّا فِيما مَضى أفَأعِدُ بَغِيًّا فِيما يُسْتَقْبَلُ. ولِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا المَقامِ حَيْرَةٌ ذَكَرَها الفَخْرُ والطِّيبِيُّ، وفِيما ذَكَرْنا مَخْرَجٌ مِن مَأْزِقِها. ولَيْسَ كَلامُ مَرْيَمَ مَسُوقًا مَساقَ الِاسْتِبْعادِ مِثْلَ قَوْلِ زَكَرِيّاءَ ﴿أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا﴾ [مريم: ٨] لِاخْتِلافِ الحالَيْنِ لِأنَّ حالَ زَكَرِيّاءَ حالُ راغِبٍ في حُصُولِ الوَلَدِ، وحالُ مَرْيَمَ حالُ مُتَشائِمٍ مِنهُ مُتَبَرِّئٍ مِن حُصُولِهِ. والبَغِيُّ: اسْمٌ لِلْمَرْأةِ الزّانِيَةِ، ولِذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ بِهِ هاءُ التَّأْنِيثِ، ووَزْنُهُ فَعِيلٌ أوْ فَعَوْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ فَيَكُونُ أصْلُهُ بَغُوي. لِأنَّهُ مِنَ صفحة ٨٣ البَغْيِ فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسَكَنَ السّابِقُ مِنهُما قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ الأصْلِيَّةِ وعُوِّضَ عَنْ ضَمَّةِ الغَيْنِ كَسْرَةً لِمُناسَبَةِ الياءِ فَصارَ بَغِيٌّ. وجَوابُ المَلَكِ مَعْناهُ: أنَّ الأمْرَ كَما قُلْتُ، نَظِيرَ قَوْلِهِ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ ﴿كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾، وهو عُدُولٌ عَنْ إبْطالِ مُرادِها مِنَ المُراجَعَةِ إلى بَيانِ هَوْنِ هَذا الخَلْقِ في جانِبِ القُدْرَةِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ. وفِي قَوْلِهِ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ تَوْجِيهٌ بِأنَّ ما اشْتَكَتْهُ مِن تَوَقُّعِ ضِدِّ قَوْلِها وطَعْنِهِمْ في عِرْضِها لَيْسَ بِأمْرٍ عَظِيمٍ في جانِبِ ما أرادَ اللَّهُ مِن هُدى النّاسِ لِرِسالَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَصْرِفُهُ عَنْ إنْفاذِ مُرادِهِ ما عَسى أنْ يَعْرِضَ مِن ضُرٍّ في ذَلِكَ لِبَعْضِ عَبِيدِهِ، لِأنَّ مُراعاةَ المَصالِحِ العامَّةِ تُقَدَّمُ عَلى مُراعاةِ المَصالِحِ الخاصَّةِ. فَضَمِيرُ ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ عائِدٌ إلى ما تَضَمَّنَهُ حِوارُها مِن لِحاقِ الضُّرِّ بِها كَما فَسَّرْنا بِهِ قَوْلَها ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ولَمْ أكُ بَغِيًّا﴾ . فَبَيْنَ جَوابِ المَلَكِ إيّاها وبَيْنَ جَوابِ اللَّهِ زَكَرِيّاءَ اخْتِلافٌ في المَعْنى. والكَلامُ في المَوْضُوعَيْنِ عَلى لِسانِ المَلَكِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ أُسْنِدَ في قِصَّةِ زَكَرِيّاءَ إلى اللَّهِ لِأنَّ كَلامَ المَلَكِ كانَ تَبْلِيغَ وحْيٍ عَنِ اللَّهِ جَوابًا مِنَ اللَّهِ عَنْ مُناجاةِ زَكَرِيّاءَ، وأُسْنِدَ في هَذِهِ القِصَّةِ إلى المَلَكِ لِأنَّهُ جَوابٌ عَنْ خِطابِها إيّاهُ. وقَوْلُهُ ولِنَجْعَلَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ بِاعْتِبارِ ما في ذَلِكَ مِن قَوْلِ الرُّوحِ لَها ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾، أيْ لِأنَّ هِبَةَ الغُلامِ الزَّكِيِّ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَها، وجَعْلَهُ آيَةً لِلنّاسِ ورَحْمَةً كَرامَةٌ لِلْغُلامِ، فَوَقَعَ التِفاتٌ مِن طَرِيقَةِ الغَيْبَةِ إلى طَرِيقَةِ التَّكَلُّمِ. صفحة ٨٤ وجُمْلَةُ ﴿وكانَ أمْرًا مَقْضِيًّا﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في قَوْلِ المَلَكِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً. وضَمِيرُ كانَ عائِدٌ إلى الوَهْبِ المَأْخُوذِ مِن قَوْلِهِ ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا﴾ . وهَذا قَطْعٌ لِلْمُراجَعَةِ وإنْباءٌ بِأنَّ التَّخْلِيقَ قَدْ حَصَلَ في رَحِمِها.

مريم 19:22

﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نِسْيًا مَنسِيًّا﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّعْقِيبِ، أيْ فَحَمَلَتْ بِالغُلامِ في فَوْرِ تِلْكَ المُراجَعَةِ. والحَمْلُ: العُلُوقُ، يُقالُ: حَمَلَتِ المَرْأةُ ولَدًا، وهو الأصْلُ، قالَ تَعالى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . ويُقالُ: حَمَلَتْ بِهِ. وكَأنَّ الباءَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، مِثْلُها في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ: حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ قَرْءُودَةٍ كَرْهًا وعَقْدُ نِطاقِها لَمْ يُحْلَلِ والِانْتِباذُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وكَذَلِكَ انْتِصابُ مَكانًا تَقَدَّمَ. وقَصِيًّا بَعِيدًا، أيْ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ أهْلِها. قِيلَ: خَرَجَتْ إلى البِلادِ المِصْرِيَّةِ فارَّةً مِن قَوْمِها أنْ يُعَزِّرُوها وأعانَها خَطِيبُها يُوسُفُ النَّجّارُ وأنَّها ولَدَتْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأرْضِ المِصْرِيَّةِ. ولا يَصِحُّ. وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها ولَدَتْهُ في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ مِنَ البِلادِ اليَهُودِيَّةِ حِينَ صَعَدَتْ إلَيْها مَعَ خَطِيبِها يُوسُفَ النَّجّارِ إذْ كانَ مَطْلُوبًا لِلْحُضُورِ بِقَرْيَةِ أهْلِهِ لِأنَّ مَلِكَ البِلادِ يُجْرِي إحْصاءَ سُكّانِ البِلادِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] . صفحة ٨٥ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ، أيْ جاءَها المَخاضُ بَعْدَ تَمامِ مُدَّةِ الحَمْلِ، قِيلَ بَعْدَ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن حَمْلِها. وأجاءَها مَعْناهُ ألْجَأها، وأصْلُهُ جاءَ، عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: أجاءَهُ، أيْ جَعَلَهَ جائِيًا. ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى إلْجاءِ شَيْءٍ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، كَأنَّهُ يَجِيءُ بِهِ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَضْطَرُّهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ مِن جِئْتُ وقَدْ جَعَلَتْهُ العَرَبُ إلْجاءً. وفي المَثَلِ شَرٌّ ما يُجِيئُكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ، وقالَ زُهَيْرٌ: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ والمَخاضُ بِفَتْحِ المِيمِ: طَلْقُ الحامِلِ، وهو تَحَرُّكُ الجَنِينِ لِلْخُرُوجِ. والجِذْعُ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ المُعْجَمَةِ: العُودُ الأصْلِيُّ لِلنَّخْلَةِ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنهُ الجَرِيدُ. وهو ما بَيْنَ العُرُوقِ والأغْصانِ، أيْ إلى أصْلِ نَخْلَةٍ اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ قالَتْ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ حالِها عِنْدَ إبّانِ وضْعِ حَمْلِها بَعْدَ ما كانَ أمْرُها مُسْتَتِرًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ بَيْنَ النّاسِ وقَدْ آنَ أنْ يَنْكَشِفَ، فَيُجابُ السّامِعُ بِأنَّها تَمَنَّتِ المَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَهي في حالَةٍ مِنَ الحُزْنِ تَرى أنَّ المَوْتَ أهْوَنُ عَلَيْها مِنَ الوُقُوعِ فِيها. وهَذا دَلِيلٌ عَلى مَقامِ صَبْرِها وصِدْقِها في تَلَقِّي البَلْوى الَّتِي ابْتَلاها اللَّهُ تَعالى. فَلِذَلِكَ كانَتْ في مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ. والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِها ﴿قَبْلَ هَذا﴾ هو الحَمْلُ. أرادَتْ أنْ لا يُتَطَرَّقَ عِرْضُها بِطَعْنٍ ولا تَجُرَّ عَلى أهْلِها مَعَرَّةً. ولَمْ تَتَمَنَّ أنْ تَكُونَ ماتَتْ صفحة ٨٦ بَعْدَ بُدْوُ الحَمْلِ لِأنَّ المَوْتَ حِينَئِذٍ لا يَدْفَعُ الطَّعْنَ في عِرْضِها بَعْدَ مَوْتِها ولا المَعَرَّةَ عَلى أهْلِها إذْ يُشاهِدُ أهْلُها بَطْنَها بِحَمْلِها وهي مَيْتَةٌ فَتَطْرُقُها القالَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِتُّ بِكَسْرِ المِيمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ عَلى الأصْلِ. وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ (ماتَ) إذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ. والنِّسْيُ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى. ووَزْنُ فِعْلِ يَأْتِي بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ بِقَيْدِ تَهْيِئَتِهِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ دُونَ تَعَلُّقٍ حَصَلَ. وذَلِكَ مِثْلُ الذَّبْحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، أيْ كَبْشٍ عَظِيمٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُذْبَحَ، فَلا يُقالُ لِلْكَبْشِ ذِبْحٌ إلّا إذا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، ولا يُقالُ لِلْمَذْبُوحِ ذِبْحٌ بَلْ ذَبِيحٌ. والعَرَبُ تُسَمِّي الأشْياءَ الَّتِي يَغْلِبُ إهْمالُها أنْساءً، ويَقُولُونَ عِنْدَ الِارْتِحالِ: انْظُرُوا أنْساءَكم، أيِ الأشْياءَ الَّتِي شَأْنُكم أنْ تَنْسَوْها. ووَصَفَ النِّسْيَ بِمَنسِيٍّ مُبالَغَةً في نِسْيانِ ذِكْرِها، أيْ لَيْتَنِي كُنْتُ شَيْئًا غَيْرَ مُتَذَكَّرٍ وقَدْ نَسِيَهُ أهْلُهُ وتَرَكُوهُ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى ما يَحُلُّ بِهِ، فَهي تَمَنَّتِ المَوْتَ وانْقِطاعَ ذِكْرِها بَيْنَ أهْلِها مِن قَبْلِ ذَلِكَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ، وخَلَفٌ (نَسْيًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وهو لُغَةٌ في النِّسْيِ، كالوِتْرِ والوَتْرِ، والجِسْرِ والجَسْرِ.

مريم 19:23

﴿فَحَمَلَتْهُ فانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانًا قَصِيًّا﴾ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذا وكُنْتُ نِسْيًا مَنسِيًّا﴾ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ والتَّعْقِيبِ، أيْ فَحَمَلَتْ بِالغُلامِ في فَوْرِ تِلْكَ المُراجَعَةِ. والحَمْلُ: العُلُوقُ، يُقالُ: حَمَلَتِ المَرْأةُ ولَدًا، وهو الأصْلُ، قالَ تَعالى ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] . ويُقالُ: حَمَلَتْ بِهِ. وكَأنَّ الباءَ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ، مِثْلُها في ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . قالَ أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ: حَمَلَتْ بِهِ في لَيْلَةٍ قَرْءُودَةٍ كَرْهًا وعَقْدُ نِطاقِها لَمْ يُحْلَلِ والِانْتِباذُ تَقَدَّمَ قَرِيبًا، وكَذَلِكَ انْتِصابُ مَكانًا تَقَدَّمَ. وقَصِيًّا بَعِيدًا، أيْ بَعِيدًا عَنْ مَكانِ أهْلِها. قِيلَ: خَرَجَتْ إلى البِلادِ المِصْرِيَّةِ فارَّةً مِن قَوْمِها أنْ يُعَزِّرُوها وأعانَها خَطِيبُها يُوسُفُ النَّجّارُ وأنَّها ولَدَتْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في الأرْضِ المِصْرِيَّةِ. ولا يَصِحُّ. وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها ولَدَتْهُ في قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ مِنَ البِلادِ اليَهُودِيَّةِ حِينَ صَعَدَتْ إلَيْها مَعَ خَطِيبِها يُوسُفَ النَّجّارِ إذْ كانَ مَطْلُوبًا لِلْحُضُورِ بِقَرْيَةِ أهْلِهِ لِأنَّ مَلِكَ البِلادِ يُجْرِي إحْصاءَ سُكّانِ البِلادِ، وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ﴾ [مريم: ٢٧] . صفحة ٨٥ والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَأجاءَها المَخاضُ﴾ لِلتَّعْقِيبِ العُرْفِيِّ، أيْ جاءَها المَخاضُ بَعْدَ تَمامِ مُدَّةِ الحَمْلِ، قِيلَ بَعْدَ ثَمانِيَةِ أشْهُرٍ مِن حَمْلِها. وأجاءَها مَعْناهُ ألْجَأها، وأصْلُهُ جاءَ، عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ فَقِيلَ: أجاءَهُ، أيْ جَعَلَهَ جائِيًا. ثُمَّ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى إلْجاءِ شَيْءٍ شَيْئًا إلى شَيْءٍ، كَأنَّهُ يَجِيءُ بِهِ إلى ذَلِكَ الشَّيْءِ، ويَضْطَرُّهُ إلى المَجِيءِ إلَيْهِ. قالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ مِن جِئْتُ وقَدْ جَعَلَتْهُ العَرَبُ إلْجاءً. وفي المَثَلِ شَرٌّ ما يُجِيئُكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوبٍ، وقالَ زُهَيْرٌ: وجارٍ سارَ مُعْتَمِدًا إلَيْنا ∗∗∗ أجاءَتْهُ المَخافَةُ والرَّجاءُ والمَخاضُ بِفَتْحِ المِيمِ: طَلْقُ الحامِلِ، وهو تَحَرُّكُ الجَنِينِ لِلْخُرُوجِ. والجِذْعُ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ المُعْجَمَةِ: العُودُ الأصْلِيُّ لِلنَّخْلَةِ الَّذِي يَتَفَرَّعُ مِنهُ الجَرِيدُ. وهو ما بَيْنَ العُرُوقِ والأغْصانِ، أيْ إلى أصْلِ نَخْلَةٍ اسْتَنَدَتْ إلَيْهِ. وجُمْلَةُ قالَتْ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ السّامِعَ يَتَشَوَّفُ إلى مَعْرِفَةِ حالِها عِنْدَ إبّانِ وضْعِ حَمْلِها بَعْدَ ما كانَ أمْرُها مُسْتَتِرًا غَيْرَ مَكْشُوفٍ بَيْنَ النّاسِ وقَدْ آنَ أنْ يَنْكَشِفَ، فَيُجابُ السّامِعُ بِأنَّها تَمَنَّتِ المَوْتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَهي في حالَةٍ مِنَ الحُزْنِ تَرى أنَّ المَوْتَ أهْوَنُ عَلَيْها مِنَ الوُقُوعِ فِيها. وهَذا دَلِيلٌ عَلى مَقامِ صَبْرِها وصِدْقِها في تَلَقِّي البَلْوى الَّتِي ابْتَلاها اللَّهُ تَعالى. فَلِذَلِكَ كانَتْ في مَقامِ الصِّدِّيقِيَّةِ. والمُشارُ إلَيْهِ في قَوْلِها ﴿قَبْلَ هَذا﴾ هو الحَمْلُ. أرادَتْ أنْ لا يُتَطَرَّقَ عِرْضُها بِطَعْنٍ ولا تَجُرَّ عَلى أهْلِها مَعَرَّةً. ولَمْ تَتَمَنَّ أنْ تَكُونَ ماتَتْ صفحة ٨٦ بَعْدَ بُدْوُ الحَمْلِ لِأنَّ المَوْتَ حِينَئِذٍ لا يَدْفَعُ الطَّعْنَ في عِرْضِها بَعْدَ مَوْتِها ولا المَعَرَّةَ عَلى أهْلِها إذْ يُشاهِدُ أهْلُها بَطْنَها بِحَمْلِها وهي مَيْتَةٌ فَتَطْرُقُها القالَةُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ مِتُّ بِكَسْرِ المِيمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ مُتُّمْ﴾ [آل عمران: ١٥٧] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِضَمِّ المِيمِ عَلى الأصْلِ. وهُما لُغَتانِ في فِعْلِ (ماتَ) إذا اتَّصَلَ بِهِ ضَمِيرُ رَفْعٍ مُتَّصِلٍ. والنِّسْيُ بِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ السِّينِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: الشَّيْءُ الحَقِيرُ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يُنْسى. ووَزْنُ فِعْلِ يَأْتِي بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ بِقَيْدِ تَهْيِئَتِهِ لِتَعَلُّقِ الفِعْلِ بِهِ دُونَ تَعَلُّقٍ حَصَلَ. وذَلِكَ مِثْلُ الذَّبْحِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]، أيْ كَبْشٍ عَظِيمٍ مُعَدٍّ لِأنْ يُذْبَحَ، فَلا يُقالُ لِلْكَبْشِ ذِبْحٌ إلّا إذا أُعِدَّ لِلذَّبْحِ، ولا يُقالُ لِلْمَذْبُوحِ ذِبْحٌ بَلْ ذَبِيحٌ. والعَرَبُ تُسَمِّي الأشْياءَ الَّتِي يَغْلِبُ إهْمالُها أنْساءً، ويَقُولُونَ عِنْدَ الِارْتِحالِ: انْظُرُوا أنْساءَكم، أيِ الأشْياءَ الَّتِي شَأْنُكم أنْ تَنْسَوْها. ووَصَفَ النِّسْيَ بِمَنسِيٍّ مُبالَغَةً في نِسْيانِ ذِكْرِها، أيْ لَيْتَنِي كُنْتُ شَيْئًا غَيْرَ مُتَذَكَّرٍ وقَدْ نَسِيَهُ أهْلُهُ وتَرَكُوهُ فَلا يَلْتَفِتُونَ إلى ما يَحُلُّ بِهِ، فَهي تَمَنَّتِ المَوْتَ وانْقِطاعَ ذِكْرِها بَيْنَ أهْلِها مِن قَبْلِ ذَلِكَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ، وخَلَفٌ (نَسْيًا) بِفَتْحِ النُّونِ، وهو لُغَةٌ في النِّسْيِ، كالوِتْرِ والوَتْرِ، والجِسْرِ والجَسْرِ.

مريم 19:24

﴿فَناداها مِن تَحْتِها ألّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ ضَمِيرُ الرَّفْعِ المُسْتَتِرُ في ناداها عائِدٌ إلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ الغائِبُ في فَحَمَلَتْهُ، أيْ ناداها المَوْلُودُ. صفحة ٨٧ قَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وأبُو جَعْفَرٍ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ ﴿مِن تَحْتِها﴾ بِكَسْرِ مِيمِ مِن عَلى أنَّها حَرْفُ ابْتِداءٍ مُتَعَلِّقٌ بِـ ناداها وبِجَرِّ تَحْتِها. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (مَن) بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّها اسْمُ مَوْصُولٍ، وفَتَحَ (تَحْتَها) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ جُعِلَ صِلَةً. والمَعْنِيُّ بِالمَوْصُولِ هو الغُلامُ الَّذِي تَحْتَها. وهَذا إرْهاصٌ لِعِيسى وكَرامَةٌ لِأُمِّهِ عَلَيْهِما السَّلامُ. وقَيْدُ ﴿مِن تَحْتِها﴾ لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ، ولِإفادَةِ أنَّهُ ناداها عِنْدَ وضْعِهِ قَبْلَ أنْ تَرْفَعَهُ مُبادَرَةً لِلتَّسْلِيَةِ والبِشارَةِ وتَصْوِيرًا لِتِلْكَ الحالَةِ الَّتِي هي حالَةُ تَمامِ اتِّصالِ الصَّبِيِّ بِأُمِّهِ. و(أنْ) مِن قَوْلِهِ ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾ تَفْسِيرِيَّةٌ لِفِعْلِ ناداها. وجُمْلَةُ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ التَّعْلِيلُ لِجُمْلَةِ ﴿ألّا تَحْزَنِي﴾، أيْ أنَّ حالَتَكَ حالَةٌ جَدِيرَةٌ بِالمَسَرَّةِ دُونَ الحُزْنِ لِما فِيها مِنَ الكَرامَةِ الإلَهِيَّةِ. السَّرِيُّ: الجَدْوَلُ مِنَ الماءِ كالسّاقِيَةِ، كَثِيرُ الماءِ الجارِي. وهَبَها اللَّهُ طَعامًا طَيِّبًا وشَرابًا طَيِّبًا كَرامَةً لَها يَشْهَدُها كُلُّ مَن يَراها، وكانَ مَعَها خَطِيبُها يُوسُفُ النَّجّارُ، ومَن عَسى أنْ يَشْهَدَها فَيَكُونَ شاهِدًا بِعِصْمَتِها وبَراءَتِها مِمّا يُظَنُّ بِها. فَأمّا الماءُ فَلِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الشَّأْنُ أنْ تَأْوِيَ إلى مَجْرى ماءٍ لِتَضَعَ عِنْدَهُ. وأمّا الرُّطَبُ فَقِيلَ كانَ الوَقْتُ شِتاءً ولَمْ يَكُنْ إبّانَ رُطَبٍ وكانَ جِذْعُ النَّخْلَةِ جِذْعَ نَخْلَةٍ مَيْتَةٍ فَسُقُوطُ الرُّطَبِ مِنها خارِقٌ لِلْعادَةِ. وإنَّما أُعْطِيَتْ رُطَبًا دُونَ التَّمْرِ لِأنَّ الرُّطَبَ أشْهى لِلنَّفْسِ إذْ هو كالفاكِهَةِ وأمّا التَّمْرُ فَغِذاءٌ.

مريم 19:25

صفحة ٨٨ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تَسّاقَطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ ﴿فَكُلِي واشْرَبِي وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] فائِدَةُ قَوْلِهِ ﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أنْ يَكُونَ إثْمارُ الجِذْعِ اليابِسِ رُطَبًا بِبَرَكَةِ تَحْرِيكِها إيّاهُ، وتِلْكَ كَرامَةٌ أُخْرى لَها. ولِتُشاهِدَ بِعَيْنِها كَيْفَ يُثْمِرُ الجِذْعُ اليابِسُ رُطَبًا. وفي ذَلِكَ كَرامَةٌ لَها بِقُوَّةِ يَقِينِها بِمَرْتَبَتِها. والباءُ في ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لِتَوْكِيدِ لُصُوقِ الفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ مِثْلَ ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وقَوَلِهِ ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وضُمِّنَ هُزِّي مَعْنى قَرِّبِي أوْ أدْنِي، فَعُدِّيَ بِـ (إلى)، أيْ حَرِّكِي جِذْعَ النَّخْلَةِ وقَرِّبِيهِ يَدْنُ إلَيْكِ ويَلِنْ بَعْدَ اليُبْسِ ويُسْقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا: والمَعْنى: أدْنِي إلى نَفْسِكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ. فَكانَ فاعِلُ الفِعْلِ ومُتَعَلِّقُهُ مُتَّحِدًا، وكِلاهُما ضَمِيرُ مُعادٍ واحِدٍ. ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ لِصِحَّةِ المَعْنى ووُرُودِ أمْثالِهِ في الِاسْتِعْمالِ نَحْوَ ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَناحَكَ﴾ [القصص: ٣٢] . فالضّامُّ والمَضْمُومُ إلَيْهِ واحِدٌ. وإنَّما مَنَعَ النُّحاةُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ والمَفْعُولُ ضَمِيرَيْ مُعادٍ واحِدٍ إلّا في أفْعالِ القُلُوبِ، وفي فِعْلَيْ: عَدِمَ وفَقَدَ، لِعَدَمِ سَماعِ ذَلِكَ، لا لِفَسادِ المَعْنى، فَلا يُقاسُ عَلى ذَلِكَ مَنعُ غَيْرِهِ. والرُّطَبُ: تَمْرٌ لَمْ يَتِمَّ جَفافُهُ. والجَنِيُّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيْ مُجْتَنًى، وهو كِنايَةٌ عَنْ حَدَثانِ سُقُوطِهِ، أيْ عَنْ طَراوَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ الرُّطَبِ المَخْبُوءِ مِن قَبْلُ لِأنَّ الرُّطَبَ مَتى كانَ أقْرَبَ عَهْدًا بِنَخْلَتِهِ كانَ أطْيَبَ طَعْمًا. صفحة ٨٩ و(تَسّاقَطْ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ أصْلُهُ تَتَساقَطُ بِتاءَيْنِ أُدْغِمَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ في السِّينِ لِيَتَأتّى التَّخْفِيفُ بِالإدْغامِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ بِتَخْفِيفِ السِّينِ عَلى حَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. ورُطَبًا عَلى هاتِهِ القِراءاتِ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ التَّساقُطِ إلى النَّخْلَةِ. وقَرَأهُ حَفْصٌ بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ السِّينِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ ساقَطَتِ النَّخْلَةُ تَمْرَها، مُبالَغَةٌ في أسْقَطَتْ، ورُطَبًا مَفْعُولٌ بِهِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وفَتْحِ القافِ وتَشْدِيدِ السِّينِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ عائِدًا إلى ﴿جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٣] . وجُمْلَةُ فَكُلِي وما بَعْدَها فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مِن قَوْلِهِ ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤] أيْ فَأنْتِ في بُحْبُوحَةِ عَيْشٍ. وقُرَّةُ العَيْنِ: كِنايَةٌ عَنِ السُّرُورِ بِطَرِيقِ المُضادَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: سَخَنَتْ عَيْنُهُ إذا كَثُرَ بُكاؤُهُ. فالكِنايَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ عَنِ السُّرُورِ كِنايَةٌ بِأرْبَعِ مَراتِبَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] . وقُرَّةُ العَيْنِ تَشْمَلُ هَناءَ العَيْشِ وتَشْمَلُ الأُنْسَ بِالطِّفْلِ المَوْلُودِ. وفي كَوْنِهِ قُرَّةَ عَيْنٍ كِنايَةً عَنْ ضَمانِ سَلامَتِهِ ونَباهَةِ شَأْنِهِ. وفَتْحُ القافِ في ﴿وقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦] لِأنَّهُ مُضارِعُ قَرِرَتْ عَيْنُهُ مِن بابِ رَضِيَ، أُدْغِمَ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ عَيْنِ الكَلِمَةِ إلى فائِها في المُضارِعِ لِأنَّ الفاءَ ساكِنَةٌ.

مريم 19:26

﴿فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ هَذا مِن بَقِيَّةِ ما زادَها بِهِ عِيسى، وهو وحْيٌ مِنَ اللَّهِ إلى مَرْيَمَ أجْراهُ عَلى لِسانِ الطِّفْلِ، تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ لِمَرْيَمَ وإرْشادًا لِقَطْعِ المُراجَعَة صفحة ٩٠ مَعَ مَن يُرِيدُ مُجادَلَتَها. فَعَلَّمَها أنْ تَنْذُرَ صَوْمًا يُقارِنُهُ انْقِطاعٌ عَنِ الكَلامِ، فَتَكُونَ في عِبادَةٍ وتَسْتَرِيحَ مِن سُؤالِ السّائِلِينَ ومُجادَلَةِ الجَهَلَةِ. وكانَ الِانْقِطاعُ عَنِ الكَلامِ مِن ضُرُوبِ العِبادَةِ في بَعْضِ الشَّرائِعِ السّالِفَةِ، وقَدِ اقْتَبَسَهُ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ المَرْأةِ مِن أحْمَسَ الَّتِي حَجَّتْ مُصْمَتَةً. ونُسِخَ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ بِالنِّسْبَةِ، فَفي المُوَطَّأِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا قائِمًا في الشَّمْسِ فَقالَ: ما بالُ هَذا ؟ فَقالُوا: نَذَرَ أنْ لا يَتَكَلَّمَ ولا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ ولا يَجْلِسَ ويَصُومَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ ولِيَسْتَظِلَّ ولِيَجْلِسْ ولِيُتِمَّ صِيامَهُ. وكانَ هَذا الرَّجُلُ يُدْعى أبا إسْرائِيلَ» . ورُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ دَخَلَ عَلى امْرَأةٍ قَدْ نَذَرَتْ أنْ لا تَتَكَلَّمَ. فَقالَ لَها: إنَّ الإسْلامَ قَدْ هَدَمَ هَذا فَتَكَلِّمِي. وفي الحَدِيثِ «أنَّ امْرَأةً مِن أحْمَسَ حَجَّتْ مُصْمِتَةً»، أيْ لا تَتَكَلَّمُ. فالصَّمْتُ كانَ عِبادَةً في شَرْعِ مَن قَبْلَنا ولَيْسَ هو بِشَرْعٍ لَنا لِأنَّهُ نَسَخَهُ الإسْلامُ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ»، وعَمَلِ أصْحابِهِ. وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ الوارِدَةُ في هَذِهِ عَلى أشْياءَ: الأوَّلُ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُوجِبِ الوَفاءَ بِالنَّذْرِ في مِثْلِ هَذا، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ. الثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِكَفّارَةٍ شَأْنَ النَّذْرِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الوَفاءُ بِهِ أوِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَهُ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ، وفي المُوَطَّأِ عَقِبَ ذِكْرِ الحَدِيثِ المَذْكُورِ قالَ مالِكٌ: ولَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفّارَةٍ صفحة ٩١ ولَوْ كانَتْ فِيهِ كَفّارَةٌ لَأمَرَهُ بِها فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ عَمَلٌ لا اعْتِدادَ بِهِ بِوَجْهٍ. الثّالِثُ: أنَّهُ أوْمَأ إلى عِلَّةِ عَدَمِ انْعِقادِ النَّذْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: «إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» . فَعَلِمْنا مِن ذَلِكَ أنَّ مَعْنى العِبادَةِ أنْ تَكُونَ قَوْلًا أوْ فِعْلًا يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى يُكْسِبُ النَّفْسَ تَزْكِيَةً ويَبْلُغُ بِها إلى غايَةٍ مَحْمُودَةٍ مِثْلَ الصَّوْمِ والحَجِّ، فَيُحْتَمَلُ ما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ لِأجْلِ الغايَةِ السّامِيَةِ، ولَيْسَتِ العِبادَةُ بِانْتِقامٍ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ ولا تَعْذِيبٍ لَهُ كَما كانَ أهْلُ الضَّلالِ يَتَقَرَّبُونَ بِتَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ، وكَما شُرِعَ في بَعْضِ الأدْيانِ التَّعْذِيبُ القَلِيلُ لِخَضْدِ جَلافَتِهِمْ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى فَكُلُوا ﴿مِنها وأطْعِمُوا القانِعَ والمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْناها لَكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ [الحج: ٣٦] ﴿لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها ولا دِماؤُها ولَكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، لِأنَّهم كانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ القُرْبَةَ إلى اللَّهِ في الهَدايا أنْ يُرِيقُوا دِماءَها ويَتْرُكُوا لُحُومَها مُلْقاةً لِلْعَوافِي. وفِي البُخارِيِّ: عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأى شَيْخًا يُهادى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقالَ: ما بالُ هَذا ؟ قالُوا: نَذَرَ أنْ يَمْشِيَ. قالَ: إنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ. وأمَرَهُ أنْ يَرْكَبَ فَلَمْ يَرَ لَهُ في المَشْيِ في الطَّوافِ قُرْبَةً» . وفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ وهو يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ بِإنْسانٍ رَبَطَ يَدَهُ إلى إنْسانٍ بِسَيْرٍ أوْ بِخَيْطٍ أوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيءُ بِيَدِهِ ثُمَّ قالَ: قُدْهُ بِيَدِهِ» . صفحة ٩٢ وفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ أدْرَكَ رَجُلَيْنِ وهُما مُقْتَرِنانِ. فَقالَ: ما بالُهُما ؟ قالا: إنّا نَذَرْنا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتّى نَأْتِيَ الكَعْبَةَ. فَقالَ: أطْلِقا أنْفُسَكُما لَيْسَ هَذا نَذْرًا إنَّما النَّذْرُ ما يُبْتَغى بِهِ وجْهُ اللَّهِ» . وقالَ: إسْنادُهُ حَسَنٌ. الرّابِعُ: أنَّ الرّاوِيَ لِبَعْضِ هَذِهِ الآثارِ رَواها بِلَفْظِ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ. ولِذَلِكَ قالَ مالِكٌ في المُوَطَّأِ عَقِبَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي نَذَرَ أنْ لا يَسْتَظِلَّ ولا يَتَكَلَّمَ ولا يَجْلِسَ: قالَ مالِكٌ: قَدْ أمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أنْ يُتِمَّ ما كانَ لِلَّهِ طاعَةً ويَتْرُكَ ما كانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ. ووَجْهُ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً أنَّهُ جَراءَةٌ عَلى اللَّهِ بِأنْ يَعْبُدَهُ بِما لَمْ يَشْرَعْ لَهُ ولَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ عَلى النَّفْسِ كَنَذْرِ صَمْتِ ساعَةٍ، وأنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلنَّفْسِ الَّتِي كَرَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ التَّعْذِيبِ بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ إلّا لِعَمَلٍ اعْتَبَرَهُ الإسْلامُ مَصْلَحَةً لِلْمَرْءِ في خاصَّتِهِ أوْ لِلْأُمَّةِ أوْ لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ مِثْلَ القِصاصِ والجَلْدِ. ولِذَلِكَ قالَ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم إنَّ اللَّهَ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] . وقالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم وأنْفُسَكم وأبْشارَكم عَلَيْكم حَرامٌ» لِأنَّ شَرِيعَةَ الإسْلامِ لا تُناطُ شَرائِعُها إلّا بِجَلْبِ المَصالِحِ ودَرْءِ المَفاسِدِ. والمَأْخُوذُ مِن قَوْلِ مالِكٍ في هَذا أنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَما قالَهُ في المُوَطَّأِ. ولِذَلِكَ قالَ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدٍ في الرِّسالَةِ: ومَن نَذَرَ مَعْصِيَةً مِن قَتْلِ نَفْسٍ أوْ شُرْبِ خَمْرٍ أوْ نَحْوِهُ أوْ ما لَيْسَ بِطاعَةٍ ولا مَعْصِيَةٍ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، ولْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ. فَقَوْلُهُ ولْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ بِناءً عَلى أنَّهُ أتى بِنَذْرِهِ مُخالِفًا لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهُ. صفحة ٩٣ ولَوْ فَعَلَ أحَدٌ صَمْتًا بِدُونِ نَذْرٍ ولا قَصْدِ عِبادَةٍ لَمْ يَكُنْ حَرامًا إلّا إذا بَلَغَ إلى حَدِّ المَشَقَّةِ المُضْنِيَةِ. وقَدْ بَقِيَ عِنْدَ النَّصارى اعْتِبارُ الصَّمْتِ عِبادَةً وهم يَجْعَلُونَهُ تَرَحُّمًا عَلى المَيِّتِ أنْ يَقِفُوا صامِتِينَ هُنَيْهَةً. ومَعْنى ﴿فَقُولِي إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: فانْذُرِي صَوْمًا وإنْ لَقِيتِ مِنَ البَشَرِ أحَدًا فَقُولِي: إنِّي نَذَرْتُ صَوْمًا فَحُذِفَتْ جُمْلَةٌ لِلْقَرِينَةِ. وقَدْ جُعِلَ القَوْلُ المُتَضَمِّنُ إخْبارًا بِالنَّذْرِ عِبارَةً عَنْ إيقاعِ النَّذْرِ وعَنِ الإخْبارِ بِهِ كِنايَةً عَنْ إيقاعِ النَّذْرِ لِتَلازُمِهِما لِأنَّ الأصْلَ في الخَبَرِ الصِّدْقُ والمُطابَقَةُ لِلْواقِعِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ١٣٦] . ولَيْسَ المُرادَ أنَّها تَقُولُ ذَلِكَ ولا تَفْعَلُهُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَأْذَنُ في الكَذِبِ إلّا في حالِ الضَّرُورَةِ مَعَ عَدَمِ تَأتِّي الصِّدْقِ مَعَها، ولِذَلِكَ جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ في المَعارِيضِ مَندُوحَةً عَنِ الكَذِبِ» . وأُطْلِقَ القَوْلُ عَلى ما يَدُلُّ عَلى ما في النَّفْسِ، وهو الإيماءُ إلى أنَّها نَذَرَتْ صَوْمًا مَجازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إنْسِيًّا﴾ . فالمُرادُ أنْ تُؤَدِّيَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ إلى أنَّها نَذَرَتْ صَوْمًا بِأنْ تُشِيرَ إشارَةً تَدُلُّ عَلى الِانْقِطاعِ عَنِ الأكْلِ، وإشارَةً تَدُلُّ عَلى أنَّها لا تَتَكَلَّمُ لِأجْلِ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ الصَّوْمُ في شَرْعِهِمْ مَشْرُوطًا بِتَرْكِ الكَلامِ كَما قِيلَ فالإشارَةُ الواحِدَةُ كافِيَةٌ. وأنَّ كَلامُ الصَّوْمِ عِبادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قَدْ يَأْتِي بِها الصّائِمُ مَعَ تَرْكِ الكَلامِ تُشِيرُ إشارَتَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها نَذَرَتِ الأمْرَيْنِ، وقَدْ عَلِمَتْ مَرْيَمُ أنَّ الطِّفْلَ الَّذِي كَلَّمَها هو الَّذِي يَتَوَلّى الجَوابَ عَنْها حِينَ تُسْألُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩] . صفحة ٩٤ والنُّونُ في قَوْلِهِ تَرَيِنَّ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ اتَّصَلَتْ بِالفِعْلِ الَّذِي صارَ آخِرُهُ ياءً بِسَبَبِ حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ لِأجْلِ حَرْفِ الشَّرْطِ فَحُرِّكَتِ الياءُ بِحَرَكَةٍ مُجانِسَةٍ لَها كَما هو الشَّأْنُ مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ. والإنْسِيُّ: الإنْسانُ، والياءُ فِيهِ لِلنَّسَبِ إلى الإنْسِ، وهو اسْمُ جَمْعِ إنْسانٍ، فَياءُ النَّسَبِ لِإفادَةِ فَرْدٍ مِنَ الجِنْسِ مِثْلَ: ياءُ حَرَسِيٍّ لِواحِدٍ مِنَ الحَرَسِ. وهَذا نَكِرَةٌ في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ العُمُومَ، أيْ لَنْ أُكَلِّمَ أحَدًا. وعَدَلَ عَنْ أحَدٍ إلى إنْسِيًّا لِلرَّعْيِ عَلى فاصِلَةِ الياءِ، ولَيْسَ ذَلِكَ احْتِرازًا عَنْ تَكْلِيمِها المَلائِكَةَ إذْ لا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالبالِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ بِمَن هُيِّئَتْ لَهم هَذِهِ المَقالَةُ فالحَمْلُ عَلَيْهِ سَماجَةٌ.

مريم 19:27

﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ مَرْيَمَ جاءَتْ أهْلَها عَقِبَ انْتِهاءِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَها ابْنُها. وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها بَقِيَتْ في بَيْتِ لَحْمٍ إلى انْتِهاءِ واحِدٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا، وهي أيّامُ التَّطْهِيرِ مِن دَمِ النِّفاسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ المُسْتَفادُ مِنَ الفاءِ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا مِثْلَ: تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ. وقَوْمُها: أهْلُ مَحَلَّتِها. وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ حالٌ مِن تاءِ أتَتْ. وهَذِهِ الحالُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أتَتْ مُعْلِنَةً بِهِ غَيْرَ ساتِرَةٍ لِأنَّها قَدْ عَلِمَتْ أنَّ اللَّهَ سَيُبَرِّئُها مِمّا يُتَّهَمُ بِهِ مِثْلُ مَن جاءَ في حالَتِها. صفحة ٩٥ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وقالَ قَوْمُها هَذِهِ المَقالَةَ تَوْبِيخًا لَها. وفَرِيٌّ: فَعِيلٌ مِن فَرى مِن ذَواتِ الياءِ. ولِهَذا اللَّفْظِ عِدَّةُ إطْلاقاتٍ، وأظْهَرُ مَحامِلِهِ هُنا أنَّهُ الشَّنِيعُ في السُّوءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وهو جاءَ مِن مادَّةِ افْتَرى إذا كُذِّبَ لِأنَّ المَرْأةَ تَنْسِبُ ولَدَها الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ مِن زِنًى إلى زَوْجِها كَذِبًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] . ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن قالَ: إنَّ الفَرِيَّ والفِرْيَةَ مُشْتَقّانِ مِنَ الإفْراءِ بِالهَمْزِ. وهو قَطْعُ الجَلْدِ لِإفْسادِهِ أوْ لِتَحْرِيقِهِ، تَفْرِقَةً بَيْنَ أفْرى وفَرى، وأنَّ فَرى المُجَرَّدَ لِلْإصْلاحِ. والأُخْتُ: مُؤَنَّثُ الأخِ، اسْمٌ يُضافُ إلى اسْمٍ آخَرَ، فَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلى ابْنَةِ أبَوَيْ ما أُضِيفَتْ إلى اسْمِهِ أوِ ابْنَةِ أحَدِ أبَوَيْهِ. ويُطْلَقُ عَلى مَن تَكُونُ مِن أبْناءِ صاحِبِ الِاسْمِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ اسْمَ قَبِيلَةٍ كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ. كَما في حَدِيثِ ضَيْفِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَوْلُهُ لِزَوْجِهِ يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذا. فَإذا لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ بَنِي مُضافًا إلى اسْمِ جَدِّ القَبِيلَةِ كانَ مُقَدَّرًا. قالَ سَهْلُ بْنُ مالِكٍ الفَزارِيُّ: يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَةْ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَةْ يُرِيدُ يا أُخْتَ أفْضَلِ قَبائِلِ العَرَبِ مِن بَدْوِها وحَضَرِها. فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَيَكُونَ لِمَرْيَمَ أخٌ اسْمُهُ هارُونُ كانَ صالِحًا في قَوْمِهِ، خاطَبُوها بِالإضافَةِ إلَيْهِ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ، أيْ ما كانَ لِأُخْتِ مِثْلِهِ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَتَكَ، وهَذا أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ. فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ إلى أهْلِ نَجْرانَ فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ . صفحة ٩٦ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا ؟ قالَ المُغِيرَةُ: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ. فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهُمُ» اهـ. فَفي هَذا تَجْهِيلٌ لِأهْلِ نَجْرانَ أنْ طَعَنُوا في القُرْآنِ عَلى تَوَهُّمِ أنْ لَيْسَ في القَوْمِ مَنِ اسْمُهُ هارُونُ إلّا هارُونَ الرَّسُولَ أخا مُوسى.ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْنى أُخْتَ هارُونَ أنَّها إحْدى النِّساءِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى، كَقَوْلَ أبِي بَكْرٍ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ. وقَدْ كانَتْ مَرْيَمُ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى مِن سِبْطِ لاوِي. فَفي إنْجِيلِ لُوقا كانَ كاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن فِرْقَةِ أبِيّا وامْرَأتُهُ مِن بَناتِ هارُونَ واسْمُها إلْيَصاباتُ، وإلْيَصاباتُ زَوْجَةُ زَكَرِيّاءَ نَسِيبَةُ مَرْيَمَ، أيِ ابْنَةِ عَمِّها. وما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ في نَسَبِ مَرْيَمَ أنَّها مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ خَطَأٌ. ولَعَلَّ قَوْمَها تَكَلَّمُوا بِاللَّفْظَيْنِ فَحَكاهُ القُرْآنُ بِما يَصْلُحُ لَهُما عَلى وجْهِ الإيجازِ. ولَيْسَ في هَذا الِاحْتِمالِ ما يُنافِي حَدِيثَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ: مَصْدَرُ ساءَهُ، إذا أضَرَّ بِهِ وأفْسَدَ بَعْضَ حالِهِ، فَإضافَةُ اسْمٍ إلَيْهِ تُفِيدُ أنَّهُ مِن شُئُونِهِ وأفْعالِهِ وأنَّهُ هو مَصْدَرٌ لَهُ. فَمَعْنى ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾ رَجُلَ عَمَلٍ مُفْسِدٍ. ومَعْنى البَغِيِّ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وعَنَوْا بِهَذا الكَلامِ الكِنايَةَ عَنْ كَوْنِها أتَتْ بِأمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أهْلِها، أيْ أتَتْ بِسَوْءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أبِيها وبِغاءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أُمِّها، وخالَفَتْ سِيرَةَ أبَوَيْها فَكانَتِ امْرَأةَ سَوْءٍ وكانَتْ بَغِيًّا؛ وما كانَ أبُوها امْرَأ سَوْءٍ ولا كانَتْ أُمُّها بَغِيًّا فَكانَتْ مُبْتَكِرَةً الفَواحِشَ في أهْلِها. وهم أرادُوا ذَمَّها فَأتَوْا بِكَلامٍ صَرِيحُهُ ثَناءٌ عَلى أبَوَيْها مُقْتَضٍ أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مِثْلَ أبَوَيْها.

مريم 19:28

﴿فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرَأ سَوْءٍ وما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ دَلَّتِ الفاءُ عَلى أنَّ مَرْيَمَ جاءَتْ أهْلَها عَقِبَ انْتِهاءِ الكَلامِ الَّذِي كَلَّمَها ابْنُها. وفِي إنْجِيلِ لُوقا: أنَّها بَقِيَتْ في بَيْتِ لَحْمٍ إلى انْتِهاءِ واحِدٍ وأرْبَعِينَ يَوْمًا، وهي أيّامُ التَّطْهِيرِ مِن دَمِ النِّفاسِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْقِيبُ المُسْتَفادُ مِنَ الفاءِ تَعْقِيبًا عُرْفِيًّا مِثْلَ: تَزَوَّجَ فَوُلِدَ لَهُ. وقَوْمُها: أهْلُ مَحَلَّتِها. وجُمْلَةُ تَحْمِلُهُ حالٌ مِن تاءِ أتَتْ. وهَذِهِ الحالُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها أتَتْ مُعْلِنَةً بِهِ غَيْرَ ساتِرَةٍ لِأنَّها قَدْ عَلِمَتْ أنَّ اللَّهَ سَيُبَرِّئُها مِمّا يُتَّهَمُ بِهِ مِثْلُ مَن جاءَ في حالَتِها. صفحة ٩٥ وجُمْلَةُ ﴿قالُوا يا مَرْيَمُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا. وقالَ قَوْمُها هَذِهِ المَقالَةَ تَوْبِيخًا لَها. وفَرِيٌّ: فَعِيلٌ مِن فَرى مِن ذَواتِ الياءِ. ولِهَذا اللَّفْظِ عِدَّةُ إطْلاقاتٍ، وأظْهَرُ مَحامِلِهِ هُنا أنَّهُ الشَّنِيعُ في السُّوءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ، وهو جاءَ مِن مادَّةِ افْتَرى إذا كُذِّبَ لِأنَّ المَرْأةَ تَنْسِبُ ولَدَها الَّذِي حَمَلَتْ بِهِ مِن زِنًى إلى زَوْجِها كَذِبًا. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أيْدِيهِنَّ وأرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة: ١٢] . ومِن أهْلِ اللُّغَةِ مَن قالَ: إنَّ الفَرِيَّ والفِرْيَةَ مُشْتَقّانِ مِنَ الإفْراءِ بِالهَمْزِ. وهو قَطْعُ الجَلْدِ لِإفْسادِهِ أوْ لِتَحْرِيقِهِ، تَفْرِقَةً بَيْنَ أفْرى وفَرى، وأنَّ فَرى المُجَرَّدَ لِلْإصْلاحِ. والأُخْتُ: مُؤَنَّثُ الأخِ، اسْمٌ يُضافُ إلى اسْمٍ آخَرَ، فَيُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلى ابْنَةِ أبَوَيْ ما أُضِيفَتْ إلى اسْمِهِ أوِ ابْنَةِ أحَدِ أبَوَيْهِ. ويُطْلَقُ عَلى مَن تَكُونُ مِن أبْناءِ صاحِبِ الِاسْمِ الَّذِي تُضافُ إلَيْهِ إذا كانَ اسْمَ قَبِيلَةٍ كَقَوْلِهِمْ: يا أخا العَرَبِ. كَما في حَدِيثِ ضَيْفِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَوْلُهُ لِزَوْجِهِ يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ ما هَذا. فَإذا لَمْ يُذْكَرْ لَفْظُ بَنِي مُضافًا إلى اسْمِ جَدِّ القَبِيلَةِ كانَ مُقَدَّرًا. قالَ سَهْلُ بْنُ مالِكٍ الفَزارِيُّ: يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحَضارَةْ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَةْ يُرِيدُ يا أُخْتَ أفْضَلِ قَبائِلِ العَرَبِ مِن بَدْوِها وحَضَرِها. فَقَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى حَقِيقَتِهِ. فَيَكُونَ لِمَرْيَمَ أخٌ اسْمُهُ هارُونُ كانَ صالِحًا في قَوْمِهِ، خاطَبُوها بِالإضافَةِ إلَيْهِ زِيادَةً في التَّوْبِيخِ، أيْ ما كانَ لِأُخْتِ مِثْلِهِ أنْ تَفْعَلَ فِعْلَتَكَ، وهَذا أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ. فَفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ «عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ إلى أهْلِ نَجْرانَ فَقالُوا: أرَأيْتَ ما تَقْرَءُونَ ﴿يا أُخْتَ هارُونَ﴾ . صفحة ٩٦ ومُوسى قَبْلَ عِيسى بِكَذا وكَذا ؟ قالَ المُغِيرَةُ: فَلَمْ أدْرِ ما أقُولُ. فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقالَ: ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهم كانُوا يُسَمُّونَ بِأسْماءِ أنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهُمُ» اهـ. فَفي هَذا تَجْهِيلٌ لِأهْلِ نَجْرانَ أنْ طَعَنُوا في القُرْآنِ عَلى تَوَهُّمِ أنْ لَيْسَ في القَوْمِ مَنِ اسْمُهُ هارُونُ إلّا هارُونَ الرَّسُولَ أخا مُوسى.ويُحْتَمَلُ أنَّ مَعْنى أُخْتَ هارُونَ أنَّها إحْدى النِّساءِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى، كَقَوْلَ أبِي بَكْرٍ: يا أُخْتَ بَنِي فِراسٍ. وقَدْ كانَتْ مَرْيَمُ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ أخِي مُوسى مِن سِبْطِ لاوِي. فَفي إنْجِيلِ لُوقا كانَ كاهِنٌ اسْمُهُ زَكَرِيّاءُ مِن فِرْقَةِ أبِيّا وامْرَأتُهُ مِن بَناتِ هارُونَ واسْمُها إلْيَصاباتُ، وإلْيَصاباتُ زَوْجَةُ زَكَرِيّاءَ نَسِيبَةُ مَرْيَمَ، أيِ ابْنَةِ عَمِّها. وما وقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ في نَسَبِ مَرْيَمَ أنَّها مِن نَسْلِ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ خَطَأٌ. ولَعَلَّ قَوْمَها تَكَلَّمُوا بِاللَّفْظَيْنِ فَحَكاهُ القُرْآنُ بِما يَصْلُحُ لَهُما عَلى وجْهِ الإيجازِ. ولَيْسَ في هَذا الِاحْتِمالِ ما يُنافِي حَدِيثَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ. والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ وسُكُونِ الواوِ: مَصْدَرُ ساءَهُ، إذا أضَرَّ بِهِ وأفْسَدَ بَعْضَ حالِهِ، فَإضافَةُ اسْمٍ إلَيْهِ تُفِيدُ أنَّهُ مِن شُئُونِهِ وأفْعالِهِ وأنَّهُ هو مَصْدَرٌ لَهُ. فَمَعْنى ﴿امْرَأ سَوْءٍ﴾ رَجُلَ عَمَلٍ مُفْسِدٍ. ومَعْنى البَغِيِّ تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وعَنَوْا بِهَذا الكَلامِ الكِنايَةَ عَنْ كَوْنِها أتَتْ بِأمْرٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أهْلِها، أيْ أتَتْ بِسَوْءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أبِيها وبِغاءٍ لَيْسَ مِن شَأْنِ أُمِّها، وخالَفَتْ سِيرَةَ أبَوَيْها فَكانَتِ امْرَأةَ سَوْءٍ وكانَتْ بَغِيًّا؛ وما كانَ أبُوها امْرَأ سَوْءٍ ولا كانَتْ أُمُّها بَغِيًّا فَكانَتْ مُبْتَكِرَةً الفَواحِشَ في أهْلِها. وهم أرادُوا ذَمَّها فَأتَوْا بِكَلامٍ صَرِيحُهُ ثَناءٌ عَلى أبَوَيْها مُقْتَضٍ أنَّ شَأْنَها أنْ تَكُونَ مِثْلَ أبَوَيْها.

مريم 19:29

صفحة ٩٧ ﴿فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا﴾ أيْ أشارَتْ إلَيْهِ إشارَةً دَلَّتْ عَلى أنَّها تُحِيلُهم عَلَيْهِ لِيَسْألُوهُ عَنْ قِصَّتِهِ، أوْ أشارَتْ إلى أنْ يَسْمَعُوا مِنهُ الجَوابَ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ إيّاها وقَدْ فَهِمُوا ذَلِكَ مِن إشارَتِها. ولَمّا كانَتْ إشارَتُها بِمَنزِلَةِ مُراجَعَةِ كَلامٍ حُكِيَ حِوارُهُمُ الواقِعُ عَقِبَ الإشارَةِ بِجُمْلَةِ القَوْلِ مَفْصُولَةٍ غَيْرِ مَعْطُوفَةٍ. والِاسْتِفْهامُ: إنْكارٌ؛ أنْكَرُوا أنْ يُكَلِّمُوا مَن لَيْسَ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَكَلَّمَ، وأنْكَرُوا أنْ تُحِيلَهم عَلى مُكالَمَتِهِ، أيْ كَيْفَ نَتَرَقَّبُ مِنهُ الجَوابَ، أوْ كَيْفَ نُلْقِي عَلَيْهِ السُّؤالَ، لِأنَّ الحالَتَيْنِ تَقْتَضِيانِ التَّكَلُّمَ. وزِيادَةُ فِعْلِ الكَوْنِ في ﴿مَن كانَ في المَهْدِ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ المَظْرُوفِيَّةِ في المَهْدِ مِن هَذا الَّذِي أُحِيلُوا عَلى مُكالَمَتِهِ، وذَلِكَ مُبالَغَةٌ مِنهم في الإنْكارِ، وتَعَجُّبٌ مِنِ اسْتِخْفافِها بِهِمْ. فَفِعْلُ كانَ زائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ، ولِذَلِكَ جاءَ بِصِيغَةِ المُضِيِّ لِأنَّ كانَ الزّائِدَةُ تَكُونُ بِصِيغَةِ الماضِي غالِبًا. وقَوْلُهُ ﴿فِي المَهْدِ﴾ خَبَرٌ مِنَ المَوْصُولَةِ. وصَبِيًّا حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ. والمَهْدُ: فِراشُ الصَّبِيِّ وما يُمَهَّدُ لِوَضْعِهِ.

مريم 19:30

صفحة ٩٨ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ . والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ. والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها. والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . صفحة ٩٩ والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ. ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ . والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ. والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ صفحة ١٠٠ الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ. فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها. والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] . والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ. ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى. وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ صفحة ١٠١ بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ. ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ. ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.

مريم 19:31

صفحة ٩٨ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ . والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ. والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها. والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . صفحة ٩٩ والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ. ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ . والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ. والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ صفحة ١٠٠ الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ. فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها. والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] . والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ. ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى. وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ صفحة ١٠١ بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ. ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ. ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.

مريم 19:32

صفحة ٩٨ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ . والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ. والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها. والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . صفحة ٩٩ والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ. ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ . والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ. والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ صفحة ١٠٠ الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ. فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها. والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] . والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ. ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى. وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ صفحة ١٠١ بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ. ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ. ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.

مريم 19:33

صفحة ٩٨ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ‎وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا﴾ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ . كَلامُ عِيسى هَذا مِمّا أهْمَلَتْهُ أناجِيلُ النَّصارى لِأنَّهم طَوَوْا خَبَرَ وُصُولِها إلى أهْلِها بَعْدَ وضْعِها، وهو طَيٌّ يُتَعَجَّبُ مِنهُ. ويَدُلُّ عَلى أنَّها كُتِبَتْ في أحْوالٍ غَيْرِ مَضْبُوطَةٍ، فَأطْلَعَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نَبِيئَهُ ﷺ . والِابْتِداءُ بِوَصْفِ العُبُودِيَّةِ لِلَّهِ ألْقاهُ اللَّهُ عَلى لِسانِ عِيسى لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ بِأنَّ قَوْمًا سَيَقُولُونَ: أنَّهُ ابْنُ اللَّهِ. والتَّعْبِيرُ عَنْ إيتاءِ الكِتابِ بِفِعْلِ المُضِيِّ مُرادٌ بِهِ أنَّ اللَّهَ قَدَّرَ إيتاءَهُ إيّاهُ، أيْ قَدَّرَ أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ. والكِتابُ: الشَّرِيعَةُ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تُكْتَبَ لِئَلّا يَقَعَ فِيها تَغْيِيرٌ. فَإطْلاقُ الكِتابِ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ. والمُرادُ بِالكِتابِ الإنْجِيلُ وهو ما كُتِبَ مِنَ الوَحْيِ الَّذِي خاطَبَ اللَّهُ بِهِ عِيسى. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالكِتابِ التَّوْراةُ فَيَكُونَ الإيتاءُ إيتاءَ عِلْمِ ما في التَّوْراةِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا يَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢]، فَيَكُونَ قَوْلُهُ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيئًا﴾) ارْتِقاءً في المَراتِبِ الَّتِي آتاهُ اللَّهُ إيّاها. والقَوْلُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالماضِي كالقَوْلِ في قَوْلِهِ و﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . صفحة ٩٩ والمُبارَكُ: الَّذِي تُقارِنُ البَرَكَةُ أحْوالَهُ في أعْمالِهِ ومُحاوَرَتِهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، لِأنَّ المُبارَكَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن بارَكَهُ، إذا جَعَلَهُ ذا بَرَكَةٍ. أوْ مِن بارَكَ فِيهِ، إذا جَعَلَ البَرَكَةَ مَعَهُ. والبَرَكَةُ: الخَيْرُ واليُمْنُ. ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بِرَحْمَةٍ لِبَنِي إسْرائِيلَ لِيُحِلَّ لَهم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ولِيَدْعُوَهم إلى مَكارِمِ الأخْلاقِ بَعْدَ أنْ قَسَتْ قُلُوبُهم وغَيَّرُوا مِن دِينِهِمْ، فَهَذِهِ أعْظَمُ بَرَكَةٍ تُقارِنُهُ. ومِن بَرَكَتِهِ أنْ جَعَلَ اللَّهُ حُلُولَهُ في المَكانِ سَبَبًا لِخَيْرِ أهْلِ تِلْكَ البُقْعَةِ مِن خِصْبِها واهْتِداءِ أهْلِها وتَوْفِيقِهِمْ إلى الخَيْرِ. ولِذَلِكَ كانَ إذا لَقِيَهُ الجَهَلَةُ والقُساةُ والمُفْسِدُونَ انْقَلَبُوا صالِحِينَ وانْفَتَحَتْ قُلُوبُهم لِلْإيمانِ والحِكْمَةِ. ولِذَلِكَ تَرى أكْثَرَ الحَوارِيِّينَ كانُوا مِن عامَّةِ الأُمِّيِّينَ مِن صَيّادِينَ وعَشّارِينَ فَصارُوا دُعاةَ هَدًى وفاضَتْ ألْسِنَتُهم بِالحِكْمَةِ. وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ كَوْنَهُ مُبارَكًا أعَمُّ مِن كَوْنِهِ نَبِيئًا عُمُومًا وجْهِيًّا، فَلَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ (﴿وجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾) غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وجَعَلَنِي مُبارَكًا﴾ . والتَّعْمِيمُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿أيْنَ ما كُنْتُ﴾ تَعْمِيمٌ لِلْأمْكِنَةِ، أيْ لا تَقْتَصِرُ بَرَكَتُهُ عَلى كَوْنِهِ في الهَيْكَلِ بِالمَقْدِسِ أوْ في مَجْمَعِ أهْلِ بَلَدِهِ، بَلْ هو حَيْثُما حَلَّ تَحُلَّ مَعَهُ البَرَكَةُ. والوِصايَةُ: الأمْرُ المُؤَكَّدُ بِعَمَلٍ مُسْتَقْبَلٍ، أيْ قَدَّرَ وصِيَّتَي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ، أيْ أنْ يَأْمُرَنِي بِهِما أمْرًا مُؤَكَّدًا مُسْتَمِرًّا، فاسْتِعْمالُ صِيغَةِ المُضِيِّ في أوْصانِي مِثْلَ اسْتِعْمالِها في قَوْلِهِ ﴿آتانِيَ الكِتابَ﴾ . والزَّكاةُ: الصَّدَقَةُ. والمُرادُ: أنْ يُصَلِّيَ ويُزَكِّيَ. وهَذا أمْرٌ خاصٌّ بِهِ كَما أُمِرَ نَبِيئُنا ﷺ بِقِيامِ اللَّيْلِ، وقَرِينَةُ صفحة ١٠٠ الخُصُوصِ قَوْلُهُ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ لِدَلالَتِهِ عَلى اسْتِغْراقِ مُدَّةِ حَيّاتِهِ بِإيقاعِ الصَّلاةِ والصَّدَقَةِ، أيْ أنْ يُصَلِّيَ ويَتَصَدَّقَ في أوْقاتِ التَّمَكُّنِ مِن ذَلِكَ، أيْ غَيْرِ أوْقاتِ الدَّعْوَةِ أوِ الضَّرُوراتِ. فالِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن قَوْلِهِ ﴿ما دُمْتُ حَيًّا﴾ اسْتِغْراقٌ عُرْفِيٌّ مُرادٌ بِهِ الكَثْرَةُ؛ ولَيْسَ المُرادُ الصَّلاةَ والصَّدَقَةَ المَفْرُوضَتَيْنِ عَلى أُمَّتِهِ، لِأنَّ سِياقَ الكَلامِ في أوْصافٍ تَمَيَّزَ بِها عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِشَرْعِ صَلاةٍ زائِدَةٍ عَلى ما شُرِعَ في التَّوْراةِ. والبَرُّ بِفَتْحِ الباءِ: اسْمٌ بِمَعْنى البارِّ. وتَقَدَّمَ آنِفًا. وقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ بَيْنَ قَوْمِهِ، لِأنَّ بِرَّ الوالِدَيْنِ كانَ ضَعِيفًا في بَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَئِذٍ، وبِخاصَّةٍ الوالِدَةُ لِأنَّها تُسْتَضْعَفُ، لِأنَّ فَرْطَ حَنانِها ومَشَقَّتِها قَدْ يُجَرِّئانِ الوَلَدَ عَلى التَّساهُلِ في البِرِّ بِها. والجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ الغَلِيظُ عَلى النّاسِ في مُعامَلَتِهِمْ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ قَوْلُهُ ﴿واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] . والشَّقِيُّ: الخاسِرُ والَّذِي تَكُونُ أحْوالُهُ كَدِرَةً لَهُ ومُؤْلِمَةً، وهو ضِدُّ السَّعِيدِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] في آخِرِ سُورَةِ هُودٍ. ووُصِفَ الجَبّارُ بِالشَّقِيِّ بِاعْتِبارِ مَآلِهِ في الآخِرَةِ ورُبَّما في الدُّنْيا. وقَوْلُهُ ﴿والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ﴾ إلى آخِرِهِ تَنْوِيهٌ بِكَرامَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، أجْراهُ عَلى لِسانِهِ لِيَعْلَمُوا أنَّهُ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ، والقَوْلُ فِيهِ تَقَدَّمَ في آيَةِ ذِكْرِ يَحْيى. وجِيءَ بِالسَّلامِ هُنا مُعَرَّفًا بِاللّامِ عَلى الجِنْسِ مُبالَغَةً في تَعَلُّقِ السَّلامِ بِهِ حَتّى كانَ جِنْسُ السَّلامِ بِأجْمَعِهِ عَلَيْهِ. وهَذا مُؤْذِنٌ صفحة ١٠١ بِتَفْضِيلِهِ عَلى يَحْيى إذْ قِيلَ في شَأْنِهِ ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥]، وذَلِكَ هو الفَرْقُ بَيْنَ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ وبَيْنَ النَّكِرَةِ. ويَجُوزُ جَعْلُ اللّامِ لِلْعَهْدِ، أيْ سَلامٌ إلَيْهِ، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَكْرِيمِ اللَّهِ عَبْدَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ في المَلَأِ الأعْلى وبِالأمْرِ بِكَرامَتِهِ. ومِن هَذا القَبِيلِ السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وما أمَرَنا بِهِ في التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ مِن قَوْلِ المُتَشَهِّدِ السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيءُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. ومُؤْذِنٌ أيْضًا بِتَمْهِيدِ التَّعْرِيضِ بِاليَهُودِ إذْ طَعَنُوا فِيهِ وشَتَمُوهُ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، فَقالُوا: وُلِدَ مِن زِنًى، وقالُوا: ماتَ مَصْلُوبًا، وقالُوا: يُحْشَرُ مَعَ المَلاحِدَةِ والكَفَرَةِ، لِأنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّهُ كَفَرَ بِأحْكامٍ مِنَ التَّوْراةِ.

مريم 19:34

﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المَقُولَةِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] مَعَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦]، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لا كَما تَزْعُمُ النَّصارى واليَهُودُ. والإشارَةُ لِتَمْيِيزِ المَذْكُورِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، إذْ أنْزَلَهُ اليَهُودُ إلى حَضِيضِ الجُناةِ، ورَفَعَهُ النَّصارى إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ، وكِلاهُما مُخْطِئٌ مُبْطِلٌ، أيْ ذَلِكَ هو عِيسى بِالحَقِّ، صفحة ١٠٢ وأمّا مَن تَصِفُونَهُ فَلَيْسَ هو عِيسى لِأنَّ اسْتِحْضارَ الشَّخْصِ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ تَبْدِيلٌ لِشَخْصِيَّتِهِ، فَلَمّا وصَفُوهُ بِغَيْرِ ما هو صِفَتُهُ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُونَ فاجْتُلِبَ اسْمُ الإشارَةِ لِيَتَمَيَّزَ المَوْصُوفُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ عِنْدَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. والمَقْصُودُ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ عَنِ الصِّفاتِ الباطِلَةِ الَّتِي ألْصَقُوها بِهِ لا تَمْيِيزَ ذاتِهِ عَنِ الذَّواتِ إذْ لَيْسَتْ ذاتُهُ بِحاضِرَةٍ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، أيْ تِلْكَ حَقِيقَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِفَتُهُ. و(قَوْلُ الحَقِّ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ؛ فَأمّا الرَّفْعُ فَهو خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ لِعِيسى أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وأمّا النَّصْبُ فَهو حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ مِن عِيسى. ومَعْنى (قَوْلُ الحَقِّ) أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي سَمِعْتُمْ هي قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولٌ هو الحَقُّ وما خالَفَها باطِلٌ، أوْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولُ الحَقِّ، أيِ المُكَوَّنُ مِن قَوْلِ كُنْ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ (قَوْلُ الحَقِّ) بِتَقْدِيرِ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ، أيْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ، أيْ أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ اعْتِراضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفاعِلِ صِفَةً لِـ عِيسى أوْ حالًا مِنهُ، أيْ قائِلُ الحَقِّ إذْ قالَ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] . و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾) عَلى ما يُناسِبُ الوُجُوهَ المُتَقَدِّمَةَ. صفحة ١٠٣ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، أيِ الَّذِي فِيهِ يَشُكُّونَ، أيْ يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا مَبْناهُ الشَّكُّ والخَطَأُ، فَإنْ عادَ المَوْصُولُ إلى القَوْلِ فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِدْقِهِ، وإنْ عادَ إلى عِيسى فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِفاتِهِ بَيْنَ رافِعٍ وخافِضٍ. وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، أوْ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ أوِ الِاشْتِمالِ مِنها، اكْتِفاءً بِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى بِأنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِالإبْطالِ، إذْ هو تَقْرِيرٌ لِعُبُودِيَّةِ عِيسى وتَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِ الأُلُوهِيَّةِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِن شائِبَةِ الشِّرْكِ، ولِأنَّهُ القَوْلُ النّاشِئُ عَنِ الغُلُوِّ في التَّقْدِيسِ، فَكانَ فِيما ذُكِرَ مِن صِفاتِ المَدْحِ لِعِيسى ما قَدْ يُقَوِّي شُبْهَتَهم فِيهِ بِخِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلانُهُ بِما عُدِّدَ لِعِيسى مِن صِفاتِ الخَيْرِ. وصِيغَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الوَلَدِ عَنْهُ تَعالى بِأبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ لامَ الجُحُودِ تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُلاقِي وُجُودَ المَنفِيِّ عَنْهُ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ أنْ يَتَّخِذَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ هو خَلَقَهُ، واتَّخَذَهُ فَلَمْ يَعْدُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، فَإثْباتُ البُنُوَّةِ لَهُ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ. وجُمْلَةُ ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، لِإبْطالِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ جَعَلُوا تَكْوِينَ إنْسانٍ بِأمْرِ التَّكْوِينِ عَنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُعْتادٍ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُكَوَّنَ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى، فَأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أُصُولُ المَوْجُوداتِ أبْناءً لِلَّهِ وإنْ كانَ ما يَقْتَضِيهِ لا يَخْرُجُ عَنِ الخُضُوعِ إلى أمْرِ التَّكْوِينِ.

مريم 19:35

﴿ذَلِكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلُ الحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . اعْتِراضٌ بَيْنَ الجُمَلِ المَقُولَةِ في قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] مَعَ قَوْلِهِ ﴿وأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ [مريم: ٣٦]، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ هو عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ لا كَما تَزْعُمُ النَّصارى واليَهُودُ. والإشارَةُ لِتَمْيِيزِ المَذْكُورِ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى جَمِيعًا، إذْ أنْزَلَهُ اليَهُودُ إلى حَضِيضِ الجُناةِ، ورَفَعَهُ النَّصارى إلى مَقامِ الإلَهِيَّةِ، وكِلاهُما مُخْطِئٌ مُبْطِلٌ، أيْ ذَلِكَ هو عِيسى بِالحَقِّ، صفحة ١٠٢ وأمّا مَن تَصِفُونَهُ فَلَيْسَ هو عِيسى لِأنَّ اسْتِحْضارَ الشَّخْصِ بِصِفاتٍ غَيْرِ صِفاتِهِ تَبْدِيلٌ لِشَخْصِيَّتِهِ، فَلَمّا وصَفُوهُ بِغَيْرِ ما هو صِفَتُهُ جُعِلُوا بِمَنزِلَةِ مَن لا يَعْرِفُونَ فاجْتُلِبَ اسْمُ الإشارَةِ لِيَتَمَيَّزَ المَوْصُوفُ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ عِنْدَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ. والمَقْصُودُ بِالتَّمْيِيزِ تَمْيِيزُ صِفاتِهِ الحَقِيقِيَّةِ عَنِ الصِّفاتِ الباطِلَةِ الَّتِي ألْصَقُوها بِهِ لا تَمْيِيزَ ذاتِهِ عَنِ الذَّواتِ إذْ لَيْسَتْ ذاتُهُ بِحاضِرَةٍ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، أيْ تِلْكَ حَقِيقَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وصِفَتُهُ. و(قَوْلُ الحَقِّ) قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، ويَعْقُوبُ بِالنَّصْبِ؛ فَأمّا الرَّفْعُ فَهو خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفٌ لِعِيسى أوْ بَدَلٌ مِنهُ، وأمّا النَّصْبُ فَهو حالٌ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ مِن عِيسى. ومَعْنى (قَوْلُ الحَقِّ) أنَّ تِلْكَ الصِّفاتِ الَّتِي سَمِعْتُمْ هي قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولٌ هو الحَقُّ وما خالَفَها باطِلٌ، أوْ أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو قَوْلُ الحَقِّ، أيْ مَقُولُ الحَقِّ، أيِ المُكَوَّنُ مِن قَوْلِ كُنْ، فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ كالخَلْقِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ١١] . وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ (قَوْلُ الحَقِّ) بِتَقْدِيرِ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ، أيْ هو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ قَبْلَهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ: أُحِقُّ قَوْلَ الحَقِّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ مَصْدَرًا نائِبًا عَنْ فِعْلِهِ، أيْ أقُولُ قَوْلَ الحَقِّ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ يَكُونُ اعْتِراضًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُ مَصْدَرًا بِمَعْنى الفاعِلِ صِفَةً لِـ عِيسى أوْ حالًا مِنهُ، أيْ قائِلُ الحَقِّ إذْ قالَ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الكِتابَ﴾ [مريم: ٣٠] إلى قَوْلِهِ ﴿أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٣] . و﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ صِفَةٌ ثانِيَةٌ أوْ حالٌ ثانِيَةٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنْ (﴿عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾) عَلى ما يُناسِبُ الوُجُوهَ المُتَقَدِّمَةَ. صفحة ١٠٣ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، أيِ الَّذِي فِيهِ يَشُكُّونَ، أيْ يَعْتَقِدُونَ اعْتِقادًا مَبْناهُ الشَّكُّ والخَطَأُ، فَإنْ عادَ المَوْصُولُ إلى القَوْلِ فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِدْقِهِ، وإنْ عادَ إلى عِيسى فالِامْتِراءُ فِيهِ هو الِامْتِراءُ في صِفاتِهِ بَيْنَ رافِعٍ وخافِضٍ. وجُمْلَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾ تَقْرِيرٌ لِمَعْنى العُبُودِيَّةِ، أوْ تَفْصِيلٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ فَتَكُونُ بِمَنزِلَةِ بَدَلِ البَعْضِ أوِ الِاشْتِمالِ مِنها، اكْتِفاءً بِإبْطالِ قَوْلِ النَّصارى بِأنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، لِأنَّهُ أهَمُّ بِالإبْطالِ، إذْ هو تَقْرِيرٌ لِعُبُودِيَّةِ عِيسى وتَنْزِيهٌ لِلَّهِ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِجَلالِ الأُلُوهِيَّةِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ ومِن شائِبَةِ الشِّرْكِ، ولِأنَّهُ القَوْلُ النّاشِئُ عَنِ الغُلُوِّ في التَّقْدِيسِ، فَكانَ فِيما ذُكِرَ مِن صِفاتِ المَدْحِ لِعِيسى ما قَدْ يُقَوِّي شُبْهَتَهم فِيهِ بِخِلافِ قَوْلِ اليَهُودِ فَقَدْ ظَهَرَ بُطْلانُهُ بِما عُدِّدَ لِعِيسى مِن صِفاتِ الخَيْرِ. وصِيغَةُ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ﴾ تُفِيدُ انْتِفاءَ الوَلَدِ عَنْهُ تَعالى بِأبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ لامَ الجُحُودِ تُفِيدُ مُبالَغَةَ النَّفْيِ، وأنَّهُ مِمّا لا يُلاقِي وُجُودَ المَنفِيِّ عَنْهُ، ولِأنَّ في قَوْلِهِ أنْ يَتَّخِذَ إشارَةً إلى أنَّهُ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَكانَ هو خَلَقَهُ، واتَّخَذَهُ فَلَمْ يَعْدُ أنْ يَكُونَ مِن جُمْلَةِ مَخْلُوقاتِهِ، فَإثْباتُ البُنُوَّةِ لَهُ خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ. وجُمْلَةُ ﴿إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ﴾، لِإبْطالِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ جَعَلُوا تَكْوِينَ إنْسانٍ بِأمْرِ التَّكْوِينِ عَنْ غَيْرِ سَبَبٍ مُعْتادٍ دَلِيلًا عَلى أنَّ المُكَوَّنَ ابْنٌ لِلَّهِ تَعالى، فَأشارَتِ الآيَةُ إلى أنَّ هَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ أُصُولُ المَوْجُوداتِ أبْناءً لِلَّهِ وإنْ كانَ ما يَقْتَضِيهِ لا يَخْرُجُ عَنِ الخُضُوعِ إلى أمْرِ التَّكْوِينِ.

مريم 19:36

صفحة ١٠٤ ﴿وأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعْبُدُوهُ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا بَقِيَّةً لِكَلامٍ جَرى عَلى لِسانِ عِيسى تَأْيِيدًا لِبَراءَةِ أُمِّهِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا. والمَعْنى: تَعْمِيمُ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى لِكُلِّ الخَلْقِ.وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ هَمْزَةَ وأنَّ مَفْتُوحَةً فَخَرَّجَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ لامِ التَّعْلِيلِ، فَإنْ كانَ مِن كَلامِ عِيسى فَهو تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ فاعْبُدُوهُ عَلى أنَّهُ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ لِلِاهْتِمامِ بِالعِلَّةِ لِكَوْنِها مُقَرِّرَةً لِلْمَعْلُولِ ومُثْبِتَةً لَهُ عَلى أُسْلُوبِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] ويَكُونُ قَوْلُهُ فاعْبُدُوهُ مُتَفَرِّعًا عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] بَعْدَ أنْ أرْدَفَ ما تَعَلَّقَهُ مِن أحْوالِ نَفْسِهِ. ولَمّا اشْتَمَلَ مَدْخُولُ لامِ التَّعْلِيلِ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ أُضْمِرَ لَهُ فِيما بَعْدُ. وتَقْدِيرُ النَّظْمِ هَكَذا: فاعْبُدُوا اللَّهَ لِأنَّهُ رَبِّي ورَبُّكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٣١] . أيْ وأوْصانِي بِأنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، فَيَكُونُ بِحَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ وهو مُطَّرِدٌ مَعَ (أنَّ) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الحَقِّ مِن قَوْلِهِ ﴿قَوْلَ الحَقِّ﴾ [مريم: ٣٤] عَلى وجْهِ جَعْلِ (قَوْلُ) بِمَعْنى قائِلٍ، أيْ قائِلٌ الحَقَّ وقائِلٌ إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكم، فَإنَّ هَمْزَةَ (أنَّ) يَجُوزُ فَتْحُها وكَسْرُها بَعْدَ مادَّةِ القَوْلِ. وإنْ كانَ مِمّا خُوطِبَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ كانَ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، أوْ عَطْفًا عَلى مَرْيَمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى صفحة ١٠٥ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] أيِ اذْكُرْ يا مُحَمَّدُ أنَّ اللَّهَ رَبِّي فَكَذَلِكَ، ويَكُونُ تَفْرِيعُ فاعْبُدُوهُ عَلى قَوْلِهِ ﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥] إلى آخِرِهِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ هَمْزَةِ إنَّ. ووَجْهُها ظاهِرٌ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ. وجُمْلَةُ ﴿هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١] تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِما سَبَقَهُ عَلى اخْتِلافِ الوُجُوهِ. والإشارَةُ إلى مَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ عَلى اخْتِلافِ الوُجُوهِ. والمُرادُ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ اعْتِقادُ الحَقِّ، شُبِّهَ بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، شَبَّهَ الِاعْتِقادَ الحَقَّ في كَوْنِهِ مَوْصُولًا إلى الهُدى بِالصِّراطِ المُسْتَقِيمِ في إيصالِهِ إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِاطْمِئْنانِ بالٍ، وعُلِمَ أنَّ غَيْرَ هَذا كَبُنَيّاتِ الطَّرِيقِ مَن سَلَكَها ألْقَتْ بِهِ المَخاوِفُ والمَتالِفُ كَقَوْلِهِ ﴿وأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكم عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .

مريم 19:37

﴿فاخْتَلَفَ الأحْزابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ الفاءُ لِتَفْرِيعِ الإخْبارِ بِحُصُولِ الِاخْتِلافِ عَلى الإخْبارِ بِأنَّ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، أيْ حادَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ الأحْزابُ فاخْتَلَفُوا بَيْنَهم في الطَّرائِقِ الَّتِي سَلَكُوها، أيْ هَذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ لا يَخْتَلِفُ سالِكُوهُ اخْتِلافًا أصْلِيًّا، فَسَلَكَ الأحْزابُ طُرُقًا أُخْرى هي حائِدَةٌ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ فَلَمْ يَتَّفِقُوا عَلى شَيْءٍ. صفحة ١٠٦ وقَوْلُهُ ﴿مِن بَيْنِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”فاخْتَلَفَ“ . ومِن حَرْفُ تَوْكِيدٍ، أيِ اخْتَلَفُوا بَيْنَهم. والمُرادُ بِالأحْزابِ أحْزابُ النَّصارى، لِأنَّ الِاخْتِلافَ مُؤْذِنٌ بِأنَّهم كانُوا مُتَّفِقِينَ ولَمْ يَكُنِ اليَهُودُ مُوافِقِينَ النَّصارى في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَدْ كانَ النَّصارى عَلى قَوْلٍ واحِدٍ عَلى التَّوْحِيدِ في حَياةِ الحَوارِيِّينَ ثُمَّ حَدَثَ الِاخْتِلافُ في تَلامِيذِهِمْ. وقَدْ ذَكَرْنا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ [النساء: ١٧١] في سُورَةِ النِّساءِ أنَّ الِاخْتِلافَ انْحَلَّ إلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:المَلْكانِيَّةُ وتُسَمّى الجاثُلِيقِيَّةَ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والنَّسْطُورِيَّةُ. وانْشَعَبَتْ مِن هَذِهِ الفِرَقِ عِدَّةُ فِرَقٍ ذَكَرَها الشَّهْرَسْتانِيُّ، ومِنها الألْيانَةُ، والبِلْيارِسِيَّةُ، والمِقْدانُوسِيَّةُ، والسِّبالِيَّةُ، والبُوطِينُوسِيَّةُ، والبُولِيَّةُ، إلى فِرَقٍ أُخْرى. مِنها فِرْقَةٌ كانَتْ في العَرَبِ تُسَمّى الرَّكُوسِيَّةُ ورَدَ ذِكْرُها في الحَدِيثِ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: إنَّكَ رَكُوسِيٌّ» . قالَ أهْلُ اللُّغَةِ هي نَصْرانِيَّةٌ مَشُوبَةٌ بِعَقائِدِ الصّابِئَةِ. وحَدَثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِرْقَةُ الِاعْتِراضِيَّةِ البُرُوتِسْتانُ أتْباعُ لُوثِيرَ. وأشْهَرُ الفِرَقِ اليَوْمَ هي المَلْكانِيَّةُ (كاثُولِيكُ)، واليَعْقُوبِيَّةُ أرْثُوذُوكْسُ، والِاعْتِراضِيَّةُ البُرُوتِسْتانُ. ولَمّا كانَ اخْتِلافُهم قَدِ انْحَصَرَ في مَرْجِعٍ واحِدٍ يَرْجِعُ إلى إلَهِيَّةِ عِيسى اغْتِرارًا وسُوءَ فَهْمٍ في مَعْنى لَفْظِ (ابْنٍ) الَّذِي ورَدَ صِفَةً لِلْمَسِيحِ في الأناجِيلِ مَعَ أنَّهُ قَدْ وُصِفَ بِذَلِكَ فِيها أيْضًا أصْحابُهُ. وقَدْ جاءَ في التَّوْراةِ أيْضًا أنْتُمْ أبْناءُ اللَّهِ. وفي إنْجِيلِ مَتّى الحَوارِيِّ وإنْجِيلِ يُوحَنّا الحَوارِيِّ كَلِماتٌ صَرِيحَةٌ في أنَّ المَسِيحَ ابْنُ إنْسانٍ وأنَّ اللَّهَ إلَهُهُ ورَبُّهُ، فَقَدِ انْحَصَرَتْ مَذاهِبُهم في الكُفْرِ بِاللَّهِ فَلِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، فَشَمِلَ قَوْلُهُ الَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ المُخْبَرَ عَنْهم مِنَ النَّصارى وشَمِلَ المُشْرِكِينَ وغَيْرَهم. والمَشْهَدُ صالِحٌ لِمَعانٍ، وهو أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ المُشاهَدَةِ أوْ مِنَ صفحة ١٠٧ الشُّهُودِ، ثُمَّ إمّا أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مِيمِيًّا في المَعْنَيَيْنِ أوِ اسْمَ مَكانٍ لَهُما أوِ اسْمَ زَمانٍ لَهُما، أيْ يَوْمٍ فِيهِ ذَلِكَ وغَيْرُهُ. والوَيْلُ حاصِلٌ لَهم في الِاحْتِمالاتِ كُلِّها وقَدْ دَخَلُوا في عُمُومِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ، أيْ نَفَوْا وحْدانِيَّتَهُ، فَدَخَلُوا في زُمْرَةِ المُشْرِكِينَ لا مَحالَةَ، ولَكِنَّهم أهْلُ كِتابٍ دُونَ المُشْرِكِينَ.

مريم 19:38

﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ صِيغَتا تَعَجُّبٍ، وهو تَعَجُّبٌ عَلى لِسانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ، أوْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أيْضًا عَنْ تَهْدِيدِهِمْ؛ فَتَعَيَّنَ أنَّ التَّعْجِيبَ مِن بُلُوغِ حالِهِمْ في السُّوءِ مَبْلَغًا يُتَعَجَّبُ مِن طاقَتِهِمْ عَلى مُشاهَدَةِ مَناظِرِهِ وسَماعِ مَكارِهِهِ. والمَعْنى؛ ما أسْمَعَهم وما أبْصَرَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ ما أقْدَرَهم عَلى السَّمْعِ والبَصَرِ بِما يَكْرَهُونَهُ. وقَرِيبٌ هو مِن مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] . وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ﴾ غَيْرَ مُسْتَعْمَلٍ في التَّعَجُّبِ بَلْ صادَفَ أنْ جاءَ عَلى صُورَةِ فِعْلِ التَّعَجُّبِ، وإنَّما هو عَلى أصْلِ وضْعِهِ أمْرٌ لِلْمُخاطَبِ غَيْرِ المُعَيَّنِ بِأنْ يَسْمَعَ ويُبْصِرَ بِسَبَبِهِمْ، ومَعْمُولُ السَّمْعِ والبَصَرِ مَحْذُوفٌ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لِيَشْمَلَ كُلَّ ما يَصِحُّ أنْ يُسْمَعَ وأنْ يُبْصَرَ. وهَذا كِنايَةٌ عَنِ التَّهْدِيدِ. وضَمِيرُ الغائِبِينَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، أيْ أعْجِبْ بِحالِهِمْ يَوْمَئِذٍ مِن نَصارى وعَبَدَةِ الأصْنامِ. صفحة ١٠٨ والِاسْتِدْراكُ الَّذِي أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ راجِعٌ إلى ما يُفِيدُهُ التَّقْيِيدُ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ مِن تَرَقُّبِ سُوءِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي يَقْتَضِي الظَّنَّ بِأنَّهُمُ الآنَ في سَعَةٍ مِنَ الحالِ. فَأُفِيدَ أنَّهم مُتَلَبِّسُونَ بِالضَّلالِ المُبِينِ وهو مِن سُوءِ الحالِ لَهم لِما يَتْبَعُهُ مِنِ اضْطِرابِ الرَّأْيِ والتِباسِ الحالِ عَلى صاحِبِهِ. وتِلْكَ نُكْتَةُ التَّقْيِيدِ بِالظَّرْفِ في قَوْلِهِ ﴿اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ . والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِـ (الظّالِمُونَ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. ونُكْتَتُهُ التَّخَلُّصُ إلى خُصُوصِ المُشْرِكِينَ لِأنَّ اصْطِلاحَ القُرْآنِ إطْلاقُ الظّالِمِينَ عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وإطْلاقُ الظُّلْمِ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] .

مريم 19:39

﴿وأنْذِرْهم يَوْمَ الحَسْرَةِ إذْ قُضِيَ الأمْرُ وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ عَقَّبَ تَحْذِيرَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ والنِّداءَ عَلى سُوءِ ضَلالِهِمْ في الدُّنْيا بِالأمْرِ بِإنْذارِهِمِ اسْتِقْصاءً في الإعْذارِ لَهم. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الظّالِمِينَ، وهُمُ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِن عَبَدَةِ الأصْنامِ لِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقَوْلِهِ ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠] . وانْتَصَبَ ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ خَلَفَ عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأنْذِرْهم لِأنَّهُ بِمَعْنى أنْذِرْهم عَذابَ يَوْمِ الحَسْرَةِ. والحَسْرَةُ: النَّدامَةُ الشَّدِيدَةُ الدّاعِيَةُ إلى التَّلَهُّفِ. والمُرادُ بِيَوْمِ الحَسْرَةِ يَوْمُ الحِسابِ، أُضِيفَ اليَوْمُ إلى الحَسْرَةِ لِكَثْرَةِ ما يَحْدُثُ فِيهِ مِن صفحة ١٠٩ تَحَسُّرِ المُجْرِمِينَ عَلى ما فَرَّطُوا فِيهِ مِن أسْبابِ النَّجاةِ، فَكانَ ذَلِكَ اليَوْمُ كَأنَّهُ مِمّا اخْتَصَّتْ بِهِ الحَسْرَةُ، فَهو يَوْمُ حَسْرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ وإنْ كانَ يَوْمَ فَرَحٍ بِالنِّسْبَةِ إلى الصّالِحِينَ. واللّامُ في الحَسْرَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ لامُ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ يَوْمَ حَسْرَةِ الظّالِمِينَ. ومَعْنى ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ تُمِّمَ أمْرُ اللَّهِ بِزَجِّهِمْ في العَذابِ فَلا مُعَقِّبَ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأمْرِ أمْرَ اللَّهِ بِمَجِيءِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ إذا حُشِرُوا. و(إذْ) اسْمُ زَمانٍ، بَدَلٌ مِن ﴿يَوْمَ الحَسْرَةِ﴾ . وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ﴾ حالٌ مِنَ الأمْرِ وهي حالٌ سَبَبِيَّةٌ، إذِ التَّقْدِيرُ: إذْ قُضِيَ أمْرُهم. والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَنْ شَيْءٍ شَأْنُهُ أنْ يُعْلَمَ. ومَعْنى جُمْلَةِ الحالِ عَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ في مَعْنى الأمْرِ الكِنايَةُ عَنْ سُرْعَةِ صُدُورِ الأمْرِ بِتَعْذِيبِهِمْ، أيْ قُضِيَ أمْرُهم عَلى حِينِ أنَّهم في غَفْلَةٍ، أيْ بَهْتٍ. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي تَحْذِيرٌ مِن حُلُولِ يَوْمِ القِيامَةِ بِهِمْ قَبْلَ أنْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وهَذا ألْيَقُ بِقَوْلِهِ ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ . ومَعْنى ﴿وهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ اسْتِمْرارُ عَدَمِ إيمانِهِمْ إلى حُلُولِ قَضاءِ الأمْرِ يَوْمَ الحَسْرَةِ. فاخْتِيارُ صِيغَةِ المُضارِعِ فِيهِ دُونَ صِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المُضارِعُ مِنِ اسْتِمْرارِ الفِعْلِ وقْتًا فَوَقْتًا اسْتِحْضارًا لِذَلِكَ الِاسْتِمْرارِ العَجِيبِ في طُولِهِ وتَمَكُّنِهِ.

مريم 19:40

صفحة ١١٠ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِخَتْمِ القِصَّةِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَذْيِيلِ الأغْراضِ عِنْدَ الِانْتِقالِ مِنها إلى غَيْرِها. والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ لِإبْلاغِهِ إلَيْهِمْ. وضَمِيرُ يُرْجَعُونَ عائِدٌ إلى مَن عَلَيْها وإلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ الغَيْبَةِ في وأنْذِرْهم. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: مَصِيرُ مالِ المَيِّتِ إلى مَن يَبْقى بَعْدَهُ. وهو هُنا مَجازٌ في تَمَحُّضِ التَّصَرُّفِ في الشَّيْءِ دُونَ مُشارِكٍ، فَإنَّ الأرْضَ كانَتْ في تَصَرُّفِ سُكّانِها مِنَ الإنْسانِ والحَيَوانِ كُلٌّ بِما يُناسِبُهُ. فَإذا هَلَكَ النّاسُ والحَيَوانُ فَقَدْ صارُوا في باطِنِ الأرْضِ وصارَتِ الأرْضُ في غَيْرِ تَصَرُّفِهِمْ فَلَمْ يَبْقَ تَصَرُّفٌ فِيها إلّا لِخالِقِها، وهو تَصَرُّفٌ كانَ في ظاهِرِ الأمْرِ مُشْتَرَكًا بِمِقْدارِ ما خَوَّلَهُمُ اللَّهُ التَّصَرُّفَ فِيها إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ، فَصارَ الجَمِيعُ في مَحْضِ تَصَرُّفِ اللَّهِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَصَرُّفُهُ بِالجَزاءِ. وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ لِدَفْعِ الشَّكِّ لِأنَّ المُشْرِكِينَ يُنْكِرُونَ الجَزاءَ، فَهم يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها بِهَذا المَعْنى. وأمّا ضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ ﴿نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ فَهو لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ ولا يُفِيدُ تَخْصِيصًا، إذْ لا يُفِيدُ رَدَّ اعْتِقادٍ مُخالِفٍ لِذَلِكَ. وظَهَرَ لِي: أنَّ مَجِيءَ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَثِيرٌ إذا وقَعَ ضَمِيرُ الفَصْلِ بَعْدَ ضَمِيرٍ آخَرَ نَحْوَ قَوْلِهِ ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤] في سُورَةِ طه، وقَوْلِهِ ﴿وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ. وأفادَ هَذا التَّذْيِيلُ التَّعْرِيفَ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ بِأنَّهم لا مَفَرَّ لَهم مِنَ الكَوْنِ في قَبْضَةِ الرَّبِّ الواحِدِ الَّذِي أشْرَكُوا بِعِبادَتِهِ بَعْضَ ما عَلى صفحة ١١١ الأرْضِ، وأنَّ آلِهَتَهم لَيْسَتْ بِمَرْجُوَّةٍ لِنَفْعِهِمْ إذْ ما هي إلّا مِمّا يَرِثُهُ اللَّهُ. وبِذَلِكَ كانَ مَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿وإلَيْنا يُرْجَعُونَ﴾ بَيِّنًا، فالتَّقْدِيمُ مُفِيدٌ القَصْرَ، أيْ لا يَرْجِعُونَ إلى غَيْرِنا. ومَحْمَلُ هَذا التَّقْدِيمِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسْلِمِينَ الِاهْتِمامُ ومَحْمَلُهُ بِالنِّسْبَةِ إلى المُشْرِكِينَ القَصْرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ﴾ .

مريم 19:41

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ التَّنْوِيهَ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ السّالِفِينَ. وإذا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبا الأنْبِياءِ وأوَّلَ مَن أعْلَنَ التَّوْحِيدَ إعْلانًا باقِيًا، لِبِنائِهِ لَهُ هَيْكَلَ التَّوْحِيدِ وهو الكَعْبَةُ، كانَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وذُكِرَ عَقِبَ قِصَّةِ عِيسى لِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في آخِرِ القِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ [مريم: ٤٠] . ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ قَدْ جاءَ بِالحَنِيفِيَّةِ وخالَفَها العَرَبُ بِالإشْراكِ وهم ورَثَةُ إبْراهِيمَ كانَ لِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِ عَلى البَقِيَّةِ المَوْقِعُ الجَلِيلُ مِنَ البَلاغَةِ. وفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِهِ لِمُشابَهَةِ حالِهِمْ بِحالِ قَوْمِ إبْراهِيمَ. وقَدْ جَرى سَرْدُ خَبَرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُسْلُوبِ سَرْدِ قِصَّةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - لِما في كُلٍّ مِنَ الأهَمِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. صفحة ١١٢ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ [مريم: ١٦] في أوَّلِ قِصَّةِ مَرْيَمَ. والصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الِاتِّصافِ، مِثْلُ المَلِكِ الضِّلِّيلِ لَقَبِ امْرِئِ القَيْسِ، وقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ، أيْ شَحِيحٌ، ومِنهُ طَعامٌ حِرِّيفٌ، ويُقالُ: دَلِيلٌ خِرِّيتٌ، إذْ كانَ ذا حِذْقٍ بِالطُّرُقِ الخَفِيَّةِ في المَفاوِزِ، مُشْتَقًّا مِنَ الخَرْتِ وهو ثَقْبُ الشَّيْءِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ المَسْدُوداتِ بِبَصَرِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] . وُصِفَ إبْراهِيمُ بِالصِّدِّيقِ لِفَرْطِ صِدْقِهِ في امْتِثالِ ما يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعالى لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ ما قَدْ يَكُونُ عُذْرًا لِلْمُكَلَّفِ مِثْلَ مُبادَرَتِهِ إلى مُحاوَلَةِ ذَبْحِ ولَدِهِ حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ في وحْيِ الرُّؤْيا، فالصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى بُلُوغِ نِهايَةِ الصِّفَةِ في المَوْصُوفِ بِها، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا. إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكِ وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِإقْحامِ فِعْلِ الكَوْنِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِهِ زِيادَةً في الثَّناءِ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ (إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ في التِّلاوَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ فَإنَّ إذا اسْمُ زَمانٍ وقَعَ بَدَلًا مِن إبْراهِيمَ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ خُصُوصًا مِن أحْوالِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ أهَمُّ ما يُذْكَرُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظْهَرُ صِدِّيقِيَّتِهِ إذْ خاطَبَ أباهُ بِذَلِكَ الإنْكارِ. والنَّبِيءُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن أنْبَأهُ بِالخَبَرِ. والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُنَبَّأٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ مُرْسَلًا لِلتَّبْلِيغِ، وهو مَعْنًى شَرْعِيٌّ، فالنَّبِيءُ فِيهِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ صفحة ١١٣ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦])، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ إنَّما كانَ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ قَوْمَهُ إبْطالَ عِبادَةِ الأصْنامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَبِيئًا) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً لِثِقَلِها ولِمُناسَبَةِ الكَسْرَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ (نَبِيئًا) بِهَمْزَةٍ آخِرَهُ. وبِذَلِكَ تَصِيرُ الفاصِلَةُ القُرْآنِيَّةُ عَلى حَرْفِ الألِفِ، ومِثْلُ تِلْكَ الفاصِلَةِ كَثِيرٌ في فَواصِلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ إلَخْ. . . بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ. وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ عَلى التَّحْقِيقِ. والمَعْنى: اذْكُرْ إبْراهِيمَ زَمانَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ أجْدَرُ أوْقاتِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُذْكَرَ. وأبُو إبْراهِيمَ هو (آزارُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. وافْتَتَحَ إبْراهِيمُ خِطابَهُ أباهُ بِنِدائِهِ مَعَ أنَّ الحَضْرَةَ مُغْنِيَةٌ عَنِ النِّداءِ قَصْدًا لِإحْضارِ سَمْعِهِ وذِهْنِهِ لِتَلَقِّي ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِ. قالَ الجَدُّ الوَزِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أمْلاهُ عَلَيَّ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن عامِ ١٣١٨ هـ فَقالَ: عَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ في طَبْعِ أهْلِ الجَهالَةِ تَحْقِيرَهم لِلصَّغِيرِ كَيْفَما بَلَغَ حالُهُ في الحِذْقِ وبِخاصَّةٍ الآباءُ مَعَ أبْنائِهِمْ، فَتَوَجَّهَ إلى أبِيهِ بِخِطابِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ إيماءً إلى أنَّهُ مُخْلِصٌ لَهُ النَّصِيحَةَ، وألْقى إلَيْهِ حُجَّةَ فَسادِ عِبادَتِهِ فَيُصَوِّرُهُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عِبادَتِهِ وعَمَلِهِ المُخْطِئِ، مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِ عِنْدَما يَتَأمَّلُ في عَمَلِهِ، فَإنَّهُ إنْ سَمِعَ ذَلِكَ وحاوَلَ بَيانَ سَبَبِ عِبادَةِ أصْنامِهِ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ مَقالًا فَفَطِنَ بِخَطَلِ رَأْيِهِ صفحة ١١٤ وسَفاهَةِ حِلْمِهِ، فَإنَّهُ لَوْ عَبَدَ حَيًّا مُمَيِّزًا لَكانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ما. وابْتَدَأ بِالحُجَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الحِسِّ إذْ قالَ لَهُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ فَذَلِكَ حُجَّةٌ مَحْسُوسَةٌ، ثُمَّ أتْبَعَها بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دَفْعِ ما يُخالِجُ عَقْلَ أبِيهِ مِنَ النُّفُورِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ مِنِ ابْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، فَلَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ انْتَقَلَ إلى تَنْبِيهِهِ عَلى أنَّ ما هو فِيهِ أثَرٌ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ حُجَّةً لائِقَةً بِالمُتَصِلِّبِينَ في الضَّلالِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّيَ أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، أيْ إنَّ اللَّهَ أبْلَغَ إلَيْكَ الوَعِيدَ عَلى لِسانِي، فَإنْ كُنْتَ لا تَجْزِمُ بِذَلِكَ فافْرِضْ وُقُوعَهُ فَإنَّ أصْنامَكَ لَمْ تَتَوَعَّدْكَ عَلى أنْ تُفارِقَ عِبادَتَها. وهَذا كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما ∗∗∗ لا تُحْشَرُ الأجْسامُ قُلْتُ: إلَيْكُما إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما قالَ: وفي النِّداءِ بِقَوْلِهِ يا أبَتِ أرْبَعَ مَرّاتٍ تَكْرِيرٌ اقْتَضاهُ مَقامُ اسْتِنْزالِهِ إلى قَبُولِ المَوْعِظَةِ لِأنَّها مَقامُ إطْنابٍ. ونُظِّرَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ لُقْمانَ قَوْلَهُ يا بُنَيَّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: بِخِلافِ قَوْلِ نُوحٍ لِابْنِهِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هود: ٤٢] مَرَّةً واحِدَةً دُونَ تَكْرِيرٍ لِأنَّ ضِيقَ المَقامِ يَقْتَضِي الإيجازَ وهَذا مِن طُرُقُ الإعْجازِ. انْتَهى كَلامُهُ بِما يُقارِبُ لَفْظَهُ. وأقُولُ: الوَجْهُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ومُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ العِلَّةِ المَسْئُولِ عَنْها بِقَوْلِهِ لِمَ تَعْبُدُ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّعْجِيزِ عَنْ إبْداءِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَهو مِنَ التَّوْرِيَةِ في مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِفْهامُ. صفحة ١١٥ وأبَتِ: أصْلُهُ أبِي، حَذَفُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ وعَوَّضُوا عَنْها تاءً تَعْوِيضًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو خاصٌّ بِلَفْظِ الأبِ والأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً، ولَعَلَّهُ صِيغَةٌ باقِيَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ. ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّ التّاءَ تَصِيرُ في الوَقْفِ هاءً، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَقالَ: بِبَقائِها في الوَقْفِ. والتّاءُ مَكْسُورَةٌ في الغالِبِ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ والياءُ بِنْتُ الكَسْرَةِ ولَمّا كَسَرُوها فَتَحُوا الياءَ وبِذَلِكَ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَها، بِناءً عَلى أنَّهم يَقُولُونَ (يا أبَتا) بِألِفٍ بَعْدِ التّاءِ لِأنْ ياءَ المُتَكَلِّمِ إذا نُودِيَ يَجُوزُ فَتْحُها وإشْباعُ فَتَحْتِها فَقَرَأهُ عَلى اعْتِبارِ حَذْفِ الألِفِ تَخْفِيفًا وبَقاءِ الفَتْحَةِ.

مريم 19:42

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إبْراهِيمَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ مِن أهَمِّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ التَّنْوِيهَ بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ السّالِفِينَ. وإذا كانَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبا الأنْبِياءِ وأوَّلَ مَن أعْلَنَ التَّوْحِيدَ إعْلانًا باقِيًا، لِبِنائِهِ لَهُ هَيْكَلَ التَّوْحِيدِ وهو الكَعْبَةُ، كانَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ مِن أغْراضِ السُّورَةِ. وذُكِرَ عَقِبَ قِصَّةِ عِيسى لِمُناسَبَةِ وُقُوعِ الرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ في آخِرِ القِصَّةِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿إنّا نَحْنُ نَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها﴾ [مريم: ٤٠] . ولَمّا كانَ إبْراهِيمُ قَدْ جاءَ بِالحَنِيفِيَّةِ وخالَفَها العَرَبُ بِالإشْراكِ وهم ورَثَةُ إبْراهِيمَ كانَ لِتَقْدِيمِ ذِكْرِهِ عَلى البَقِيَّةِ المَوْقِعُ الجَلِيلُ مِنَ البَلاغَةِ. وفِي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما لَقِيَ مِن مُشْرِكِي قَوْمِهِ لِمُشابَهَةِ حالِهِمْ بِحالِ قَوْمِ إبْراهِيمَ. وقَدْ جَرى سَرْدُ خَبَرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلى أُسْلُوبِ سَرْدِ قِصَّةِ مَرْيَمَ - عَلَيْها السَّلامُ - لِما في كُلٍّ مِنَ الأهَمِّيَّةِ كَما تَقَدَّمَ. صفحة ١١٢ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ﴾ [مريم: ١٦] في أوَّلِ قِصَّةِ مَرْيَمَ. والصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدّالِ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ في الِاتِّصافِ، مِثْلُ المَلِكِ الضِّلِّيلِ لَقَبِ امْرِئِ القَيْسِ، وقَوْلِهِمْ: رَجُلٌ مِسِّيكٌ، أيْ شَحِيحٌ، ومِنهُ طَعامٌ حِرِّيفٌ، ويُقالُ: دَلِيلٌ خِرِّيتٌ، إذْ كانَ ذا حِذْقٍ بِالطُّرُقِ الخَفِيَّةِ في المَفاوِزِ، مُشْتَقًّا مِنَ الخَرْتِ وهو ثَقْبُ الشَّيْءِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ المَسْدُوداتِ بِبَصَرِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوسُفُ أيُّها الصِّدِّيقُ﴾ [يوسف: ٤٦] . وُصِفَ إبْراهِيمُ بِالصِّدِّيقِ لِفَرْطِ صِدْقِهِ في امْتِثالِ ما يُكَلِّفُهُ اللَّهُ تَعالى لا يَصُدُّهُ عَنْ ذَلِكَ ما قَدْ يَكُونُ عُذْرًا لِلْمُكَلَّفِ مِثْلَ مُبادَرَتِهِ إلى مُحاوَلَةِ ذَبْحِ ولَدِهِ حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ في وحْيِ الرُّؤْيا، فالصِّدْقُ هُنا بِمَعْنى بُلُوغِ نِهايَةِ الصِّفَةِ في المَوْصُوفِ بِها، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا. إنِّي لَمُهْدٍ مِن ثَنائِي فَقاصِدٌ بِهِ لِابْنِ عَمِّ الصِّدْقِ شَمْسِ بْنِ مالِكِ وتَأْكِيدُ هَذا الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ وبِإقْحامِ فِعْلِ الكَوْنِ لِلِاهْتِمامِ بِتَحْقِيقِهِ زِيادَةً في الثَّناءِ عَلَيْهِ. وجُمْلَةُ (إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا) واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِلِاهْتِمامِ بِذِكْرِهِ في التِّلاوَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْدَلِ مِنهُ والبَدَلِ فَإنَّ إذا اسْمُ زَمانٍ وقَعَ بَدَلًا مِن إبْراهِيمَ، أيِ اذْكُرْ ذَلِكَ خُصُوصًا مِن أحْوالِ إبْراهِيمَ فَإنَّهُ أهَمُّ ما يُذْكَرُ فِيهِ لِأنَّهُ مَظْهَرُ صِدِّيقِيَّتِهِ إذْ خاطَبَ أباهُ بِذَلِكَ الإنْكارِ. والنَّبِيءُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، مِن أنْبَأهُ بِالخَبَرِ. والمُرادُ هُنا أنَّهُ مُنَبَّأٌ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى بِالوَحْيِ. والأكْثَرُ أنْ يَكُونَ النَّبِيءُ مُرْسَلًا لِلتَّبْلِيغِ، وهو مَعْنًى شَرْعِيٌّ، فالنَّبِيءُ فِيهِ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ. وتَقَدَّمَ صفحة ١١٣ فِي سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إذْ قالُوا لِنَبِيءٍ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٦])، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ لِأبِيهِ ﴿يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ إنَّما كانَ عَنْ وحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ قَوْمَهُ إبْطالَ عِبادَةِ الأصْنامِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (نَبِيئًا) بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً لِثِقَلِها ولِمُناسَبَةِ الكَسْرَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ (نَبِيئًا) بِهَمْزَةٍ آخِرَهُ. وبِذَلِكَ تَصِيرُ الفاصِلَةُ القُرْآنِيَّةُ عَلى حَرْفِ الألِفِ، ومِثْلُ تِلْكَ الفاصِلَةِ كَثِيرٌ في فَواصِلِ القُرْآنِ. وقَوْلُهُ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ﴾ إلَخْ. . . بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ. وإذِ اسْمُ زَمانٍ مُجَرَّدٌ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ إذْ ظَرْفٌ مُتَصَرِّفٌ عَلى التَّحْقِيقِ. والمَعْنى: اذْكُرْ إبْراهِيمَ زَمانَ قَوْلِهِ لِأبِيهِ فَإنَّ ذَلِكَ الوَقْتَ أجْدَرُ أوْقاتِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُذْكَرَ. وأبُو إبْراهِيمَ هو (آزارُ) تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ. وافْتَتَحَ إبْراهِيمُ خِطابَهُ أباهُ بِنِدائِهِ مَعَ أنَّ الحَضْرَةَ مُغْنِيَةٌ عَنِ النِّداءِ قَصْدًا لِإحْضارِ سَمْعِهِ وذِهْنِهِ لِتَلَقِّي ما سَيُلْقِيهِ إلَيْهِ. قالَ الجَدُّ الوَزِيرُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِيما أمْلاهُ عَلَيَّ ذاتَ لَيْلَةٍ مِن عامِ ١٣١٨ هـ فَقالَ: عَلِمَ إبْراهِيمُ أنَّ في طَبْعِ أهْلِ الجَهالَةِ تَحْقِيرَهم لِلصَّغِيرِ كَيْفَما بَلَغَ حالُهُ في الحِذْقِ وبِخاصَّةٍ الآباءُ مَعَ أبْنائِهِمْ، فَتَوَجَّهَ إلى أبِيهِ بِخِطابِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ إيماءً إلى أنَّهُ مُخْلِصٌ لَهُ النَّصِيحَةَ، وألْقى إلَيْهِ حُجَّةَ فَسادِ عِبادَتِهِ فَيُصَوِّرُهُ الِاسْتِفْهامُ عَنْ سَبَبِ عِبادَتِهِ وعَمَلِهِ المُخْطِئِ، مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِ عِنْدَما يَتَأمَّلُ في عَمَلِهِ، فَإنَّهُ إنْ سَمِعَ ذَلِكَ وحاوَلَ بَيانَ سَبَبِ عِبادَةِ أصْنامِهِ لَمْ يَجِدْ لِنَفْسِهِ مَقالًا فَفَطِنَ بِخَطَلِ رَأْيِهِ صفحة ١١٤ وسَفاهَةِ حِلْمِهِ، فَإنَّهُ لَوْ عَبَدَ حَيًّا مُمَيِّزًا لَكانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ ما. وابْتَدَأ بِالحُجَّةِ الرّاجِعَةِ إلى الحِسِّ إذْ قالَ لَهُ ﴿لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ﴾ فَذَلِكَ حُجَّةٌ مَحْسُوسَةٌ، ثُمَّ أتْبَعَها بِقَوْلِهِ ﴿ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى دَفْعِ ما يُخالِجُ عَقْلَ أبِيهِ مِنَ النُّفُورِ عَنْ تَلَقِّي الإرْشادِ مِنِ ابْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ٤٣]، فَلَمّا قَضى حَقَّ ذَلِكَ انْتَقَلَ إلى تَنْبِيهِهِ عَلى أنَّ ما هو فِيهِ أثَرٌ مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ، ثُمَّ ألْقى إلَيْهِ حُجَّةً لائِقَةً بِالمُتَصِلِّبِينَ في الضَّلالِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أبَتِ إنِّيَ أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ [مريم: ٤٥]، أيْ إنَّ اللَّهَ أبْلَغَ إلَيْكَ الوَعِيدَ عَلى لِسانِي، فَإنْ كُنْتَ لا تَجْزِمُ بِذَلِكَ فافْرِضْ وُقُوعَهُ فَإنَّ أصْنامَكَ لَمْ تَتَوَعَّدْكَ عَلى أنْ تُفارِقَ عِبادَتَها. وهَذا كَما في الشِّعْرِ المَنسُوبِ إلى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: زَعَمَ المُنَجِّمُ والطَّبِيبُ كِلاهُما ∗∗∗ لا تُحْشَرُ الأجْسامُ قُلْتُ: إلَيْكُما إنْ صَحَّ قَوْلُكُما فَلَسْتُ بِخاسِرٍ ∗∗∗ أوْ صَحَّ قَوْلِي فالخَسارُ عَلَيْكُما قالَ: وفي النِّداءِ بِقَوْلِهِ يا أبَتِ أرْبَعَ مَرّاتٍ تَكْرِيرٌ اقْتَضاهُ مَقامُ اسْتِنْزالِهِ إلى قَبُولِ المَوْعِظَةِ لِأنَّها مَقامُ إطْنابٍ. ونُظِّرَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ لُقْمانَ قَوْلَهُ يا بُنَيَّ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: بِخِلافِ قَوْلِ نُوحٍ لِابْنِهِ ﴿يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا﴾ [هود: ٤٢] مَرَّةً واحِدَةً دُونَ تَكْرِيرٍ لِأنَّ ضِيقَ المَقامِ يَقْتَضِي الإيجازَ وهَذا مِن طُرُقُ الإعْجازِ. انْتَهى كَلامُهُ بِما يُقارِبُ لَفْظَهُ. وأقُولُ: الوَجْهُ ما بُنِيَ عَلَيْهِ مِن أنَّ الِاسْتِفْهامَ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ، كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ، ومُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ العِلَّةِ المَسْئُولِ عَنْها بِقَوْلِهِ لِمَ تَعْبُدُ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ التَّعْجِيزِ عَنْ إبْداءِ المَسْئُولِ عَنْهُ، فَهو مِنَ التَّوْرِيَةِ في مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُما الِاسْتِفْهامُ. صفحة ١١٥ وأبَتِ: أصْلُهُ أبِي، حَذَفُوا ياءَ المُتَكَلِّمِ وعَوَّضُوا عَنْها تاءً تَعْوِيضًا عَلى غَيْرِ قِياسٍ، وهو خاصٌّ بِلَفْظِ الأبِ والأُمِّ في النِّداءِ خاصَّةً، ولَعَلَّهُ صِيغَةٌ باقِيَةٌ مِنَ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ. ورَأى سِيبَوَيْهِ أنَّ التّاءَ تَصِيرُ في الوَقْفِ هاءً، وخالَفَهُ الفَرّاءُ فَقالَ: بِبَقائِها في الوَقْفِ. والتّاءُ مَكْسُورَةٌ في الغالِبِ لِأنَّها عِوَضٌ عَنِ الياءِ والياءُ بِنْتُ الكَسْرَةِ ولَمّا كَسَرُوها فَتَحُوا الياءَ وبِذَلِكَ قَرَأ الجُمْهُورُ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ دُونَ ألِفٍ بَعْدَها، بِناءً عَلى أنَّهم يَقُولُونَ (يا أبَتا) بِألِفٍ بَعْدِ التّاءِ لِأنْ ياءَ المُتَكَلِّمِ إذا نُودِيَ يَجُوزُ فَتْحُها وإشْباعُ فَتَحْتِها فَقَرَأهُ عَلى اعْتِبارِ حَذْفِ الألِفِ تَخْفِيفًا وبَقاءِ الفَتْحَةِ.

مريم 19:43

﴿يا أبَتِ إنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ العِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فاتَّبِعْنِي أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ إعادَةُ نِدائِهِ بِوَصْفِ الأُبُوَّةِ تَأْكِيدٌ لِإحْضارِ الذِّهْنِ ولِإمْحاضِ النَّصِيحَةِ المُسْتَفادِ مِنَ النِّداءِ الأوَّلِ. قالَ في الكَشّافِ: ثُمَّ ثَنّى بِدَعْوَتِهِ إلى الحَقِّ مُتَرَفِّقًا بِهِ مُتَلَطِّفًا، فَلَمْ يُسَمِّ أباهُ بِالجَهْلِ المُفْرِطِ ولا نَفْسَهَ بِالعِلْمِ الفائِقِ ولَكِنَّهُ قالَ: إنَّ مَعِي طائِفَةً مِنَ العِلْمِ لَيْسَتْ مَعَكَ، وذَلِكَ عِلْمُ الدَّلالَةِ عَلى الطَّرِيقِ السَّوِيِّ، فَلا تَسْتَنْكِفْ، وهَبْ أنِّي وإيّاكَ في مَسِيرٍ وعِنْدِي مَعْرِفَةٌ بِالهِدايَةِ دُونَكَ فاتَّبِعْنِي أُنْجِكَ مِن أنْ تَضِلَّ وتَتِيهَ اهـ. ذَلِكَ أنَّ أباهُ كانَ يَرى نَفْسَهَ عَلى عِلْمٍ عَظِيمٍ لِأنَّهُ كانَ كَبِيرَ دِيانَةِ قَوْمِهِ. وأرادَ إبْراهِيمُ عِلْمَ الوَحْيِ والنُّبُوءَةِ.وتَفْرِيعُ أمْرِهِ بِأنْ يَتَّبِعَهُ عَلى الإخْبارِ بِما عِنْدَهُ مِنَ العِلْمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أحَقِّيَّةَ العالَمِ بِأنْ يُتَّبَعَ مَرْكُوزَةٌ في غَرِيزَةِ العُقُولِ لَمْ يَزَلِ صفحة ١١٦ البَشَرُ يَتَقَصَّوْنَ مَظانَّ المَعْرِفَةِ والعِلْمِ لِجَلْبِ ما يَنْفَعُ واتِّقاءِ ما يَضُرُّ، قالَ تَعالى ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . وفِي قَوْلِهِ ﴿أهْدِكَ صِراطًا سَوِيًّا﴾ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ، شُبِّهَ إبْراهِيمُ بِهادِي الطَّرِيقِ البَصِيرِ بِالثَّنايا، وإثْباتُ الصِّراطِ السَّوِيِّ قَرِينَةُ التَّشْبِيهِ، وهو أيْضًا اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ بِأنْ شُبِّهَ الِاعْتِقادُ المُوصِلُ إلى الحَقِّ والنَّجاةِ بِالطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ المُبَلِّغِ إلى المَقْصُودِ. ويا أبَتِ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَظِيرِهِ قَرِيبًا.

مريم 19:44

﴿يا أبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ إعادَةُ النِّداءِ لِزِيادَةِ تَأْكِيدِ ما أفادَهُ النِّداءُ الأوَّلُ والثّانِي. والمُرادُ بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ عِبادَةُ الأصْنامِ، عَبَّرَ عَنْها بِعِبادَةِ الشَّيْطانِ إفْصاحًا عَنْ فَسادِها وضَلالِها، فَإنَّ نِسْبَةَ الضَّلالِ والفَسادِ إلى الشَّيْطانِ مُقَرَّرَةٌ في نُفُوسِ البَشَرِ، ولَكِنِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَهُ لا يَفْطِنُونَ إلى حالِهِمْ ويَتَّبِعُونَ وساوِسَهُ تَحْتَ سِتارِ التَّمْوِيهِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، فَفي الكَلامِ إيجازٌ لِأنَّ مَعْناهُ: لا تَعْبُدِ الأصْنامَ لِأنَّ اتِّخاذَها مِن تَسْوِيلِ الشَّيْطانِ لِلَّذِينِ اتَّخَذُوها ووَضَعُوها لِلنّاسِ، وعِبادَتَها مِن وساوِسِ الشَّيْطانِ لِلَّذِينِ سَنُّوا سُنَنَ عِبادَتِها، ومِن وساوِسِهِ لِلنّاسِ الَّذِينَ أطاعُوهم في عِبادَتِها، فَمَن عَبَدَ الأصْنامَ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطانَ وكَفى بِذَلِكَ ضَلالًا مَعْلُومًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧] . وتَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ. وفي هَذا تَبْغِيضٌ لِعِبادَةِ الأصْنامِ، لِأنَّ في قَرارَةِ نُفُوسِ النّاسِ بُغْضَ الشَّيْطانِ والحَذَرَ مِن كَيْدِهِ. صفحة ١١٧ وجُمْلَةُ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنْ عِبادَتِهِ وعِبادَةِ آثارِ وسْوَسَتِهِ بِأنَّهُ شَدِيدُ العِصْيانِ لِلرَّبِّ الواسِعِ الرَّحْمَةِ. وذِكْرُ وصْفِ عَصِيًّا الَّذِي هو مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ في العِصْيانِ مَعَ زِيادَةِ فِعْلِ كانَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ لا يُفارِقُ عِصْيانَ رَبِّهِ وأنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ، فَلا جَرَمَ أنَّهُ لا يَأْمُرُ إلّا بِما يُنافِي الرَّحْمَةَ، أيْ بِما يُفْضِي إلى النِّقْمَةِ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ مِن بَيْنِ صِفاتِ اللَّهِ تَعالى تَنْبِيهًا عَلى أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ تُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ فَتُفْضِي إلى الحِرْمانِ مِن رَحْمَتِهِ، فَمَن كانَ هَذا حالُهُ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ لا يُتْبَعَ. وإظْهارُ اسْمِ الشَّيْطانِ في مَقامِ الإضْمارِ، إذْ لَمْ يَقُلْ: إنَّهُ كانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، لِإيضاحِ إسْنادِ الخَبَرِ إلى المُسْنَدِ إلَيْهِ، ولِزِيادَةِ التَّنْفِيرِ مِنَ الشَّيْطانِ، لِأنَّ في ذِكْرِ صَرِيحِ اسْمِهِ تَنْبِيهًا إلى النَّفْرَةِ مِنهُ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مَوْعِظَةً قائِمَةً بِنَفْسِها. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى يا أبَتِ قَرِيبًا.

مريم 19:45

﴿يا أبَتِ إنِّي أخافُ أنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ لا جَرَمَ أنَّهُ لَمّا قَرَّرَ أنَّ عِبادَتَهُ الأصْنامَ اتِّباعٌ لِأمْرِ الشَّيْطانِ عَصِيِّ الرَّحْمَنِ انْتَقَلَ إلى تَوَقُّعِ حِرْمانِهِ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِأنْ يَحُلَّ بِهِ عَذابٌ مِنَ اللَّهِ، فَحَذَّرَهُ مِن عاقِبَةِ أنْ يَصِيرَ مِن أوْلِياءِ الشَّيْطانِ الَّذِينَ لا يَخْتَلِفُ البَشَرُ في مَذَمَّتِهِمْ وسُوءِ عاقِبَتِهِمْ، ولَكِنَّهم يَنْدَمِجُونَ فِيهِمْ عَنْ ضَلالٍ بِمَآلِ حالِهِمْ. ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ أصْلَ حُلُولِ العَذابِ بِمَن يَحُلُّ بِهِ هو الحِرْمانُ مِنَ الرَّحْمَةِ في تِلْكَ الحالَةِ - عَبَّرَ عَنِ الجَلالَةِ بِوَصْفِ الرَّحْمَنِ لِلْإشارَةِ إلى صفحة ١١٨ أنَّ حُلُولَ العَذابِ مِمَّنْ شَأْنُهُ أنْ يَرْحَمَ إنَّما يَكُونُ لِفَظاعَةِ جُرْمِهِ إلى حَدِّ أنْ يُحْرِمَهُ مِن رَحْمَتِهِ مَن شَأْنُهُ سَعَةُ الرَّحْمَةِ. والوَلِيُّ: الصّاحِبُ والتّابِعُ ومَن حالُهُما حالٌ واحِدَةٌ وأمْرُهُما جَمِيعٌ، فَكُنِّيَ بِالوِلايَةِ عَنِ المُقارَنَةِ في المَصِيرِ. والتَّعْبِيرُ بِالخَوْفِ الدّالِّ عَلى الظَّنِّ دُونَ القَطْعِ تَأدُّبٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى بِأنْ لا يُثْبِتَ أمْرًا فِيما هو مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ، وإبْقاءً لِلرَّجاءِ في نَفْسِ أبِيهِ لِيَنْظُرَ في التَّخَلُّصِ مِن ذَلِكَ العَذابِ بِالإقْلاعِ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ. ومَعْنى ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ ولِيًّا﴾ فَتَكُونَ في اتِّباعِ الشَّيْطانِ في العَذابِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى يا أبَتِ قَرِيبًا.

مريم 19:46

﴿قالَ أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ فُصِلَتْ جُمْلَةُ قالَ لِوُقُوعِها في المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ إنْكارٌ لِتَجافِي إبْراهِيمَ عَنْ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ. وإضافَةُ الآلِهَةِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ إضافَةُ وِلايَةٍ وانْتِسابٍ إلى المُضافِ لِقَصْدِ تَشْرِيفِ المُضافِ إلَيْهِ. وقَدْ جاءَ في جَوابِهِ دَعْوَةُ ابْنِهِ بِمُنْتَهى الجَفاءِ والعُنْجُهِيَّةِ بِعَكْسِ ما في كَلامِ إبْراهِيمَ مِنَ اللِّينِ والرِّقَّةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ كانَ قاسِيَ القَلْبِ بَعِيدَ الفَهْمِ، شَدِيدَ التَّصَلُّبِ في الكُفْرِ. صفحة ١١٩ وجُمْلَةُ ﴿أراغِبٌ أنْتَ﴾ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وفاعِلٍ سَدَّ مَسَدَّ الخَبَرِ عَلى اصْطِلاحِ النُّحاةِ طَرْدًا لِقَواعِدِ التَّرْكِيبِ اللَّفْظِيِّ، ولَكِنَّهم لَمّا اعْتَبَرُوا الِاسْمَ الواقِعَ ثانِيًا بَعْدَ الوَصْفِ فاعِلًا سادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ فَقَدْ أثْبَتُوا لِذَلِكَ الِاسْمِ حُكْمَ المُسْنَدِ إلَيْهِ وصارَ لِلْوَصْفِ المُبْتَدَأِ حُكْمُ المُسْنَدِ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ كانَ المَصِيرُ إلى مِثْلِ هَذا النَّظْمِ في نَظَرِ البُلَغاءِ هو مُقْتَضى كَوْنِ المَقامِ يَتَطَلَّبُ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، ويَتَطَلَّبُ الِاهْتِمامَ بِالوَصْفِ دُونَ الِاسْمِ لِغَرَضٍ يُوجِبُ الِاهْتِمامَ بِهِ، فَيَلْتَجِئُ البَلِيغُ إلى الإتْيانِ بِالوَصْفِ أوَّلًا والإتْيانِ بِالِاسْمِ ثانِيًا. ولَمّا بَلَغَ الوَصْفُ لَهُ عَمَلَ فِعْلِهِ تَعَيَّنَ عَلى النُّحاةِ اعْتِبارُ الوَصْفِ مُبْتَدَأً لِأنَّ لِلْمُبْتَدَأِ عَراقَةً في الأسْماءِ، واعْتِبارُهُ مَعَ ذَلِكَ مُتَطَلِّبًا فاعِلًا، وجَعَلُوا فاعِلَهُ سادًّا مَسَدَّ الخَبَرِ، فَصارَ لِلتَّرْكِيبِ شَبَهانِ. والتَّحْقِيقُ أنَّهُ في قُوَّةِ خَبَرٍ مُقَدَّمٍ ومُبْتَدَأٍ مُؤَخَّرٍ. ولِهَذا نَظَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ إلى هَذا المَقْصِدِ فَقالَ قُدِّمَ الخَبَرُ عَلى المُبْتَدَأِ في قَوْلِهِ ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ لِأنَّهُ كانَ أهَمَّ عِنْدَهَ وهو بِهِ أعْنى اهـ. ولِلَّهِ دَرُّهُ، وإنْ ضاعَ بَيْنَ أكْثَرِ النّاظِرِينَ دُرُّهُ. فَدَلَّ النَّظْمُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ أبا إبْراهِيمَ يُنْكِرُ عَلى إبْراهِيمَ تَمَكُّنَ الرَّغْبَةِ عَنْ آلِهَتِهِمْ مِن نَفْسِهِ، ويَهْتَمُّ بِأمْرِ الرَّغْبَةِ عَنِ الآلِهَةِ لِأنَّها مَوْضِعُ عَجَبٍ. والنِّداءُ في قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ تَكْمِلَةٌ لِجُمْلَةِ الإنْكارِ والتَّعَجُّبِ، لِأنَّ المُتَعَجَّبَ مِن فِعْلِهِ مَعَ حُضُورِهِ يُقْصَدُ بِنِدائِهِ تَنْبِيهَهُ عَلى سُوءِ فِعْلِهِ، كَأنَّهُ في غَيْبَةٍ عَنْ إدْراكِ فِعْلِهِ، فالمُتَكَلِّمُ يُنْزِلُهُ مَنزِلَةَ الغائِبِ فَيُنادِيهِ لِإرْجاعِ رُشْدِهِ إلَيْهِ، فَيَنْبَغِي الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ يا إبْراهِيمُ. وجُمْلَةُ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ. واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ تَأْكِيدًا لِكَوْنِهِ راجِمَهُ إنْ لَمْ يَنْتَهِ عَنْ كُفْرِهِ بِآلِهَتِهِمْ. صفحة ١٢٠ والرَّجْمُ: الرَّمْيُ بِالحِجارَةِ، وهو كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ في مَعْنى القَتْلِ بِذَلِكَ الرَّمْيِ. وإسْنادُ أبِي إبْراهِيمَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ، إمّا لِأنَّهُ كانَ مِن عادَتِهِمْ أنَّ الوالِدَ يَتَحَكَّمُ في عُقُوبَةِ ابْنِهِ، وإمّا لِأنَّهُ كانَ حاكِمًا في قَوْمِهِ. ويَحْتَمِلُ المَجازَ العَقْلِيَّ إذْ لَعَلَّهُ كانَ كَبِيرًا في دِينِهِمْ فَيَرْجُمُ قَوْمُهُ إبْراهِيمَ اسْتِنادًا لِحُكْمِهِ بِمُرُوقِهِ عَنْ دِينِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ﴾، وذَلِكَ أنَّهُ هَدَّدَهُ بِعُقُوبَةٍ آجِلَةٍ إنْ لَمْ يُقْلِعْ عَنْ كُفْرِهِ بِآلِهَتِهِمْ، وبِعُقُوبَةٍ عاجِلَةٍ وهي طَرْدُهُ مِن مُعاشَرَتِهِ وقَطْعُ مُكالَمَتِهِ. والهَجْرُ: قَطْعُ المُكالَمَةِ وقَطْعُ المُعاشَرَةِ، وإنَّما أمَرَ أبُو إبْراهِيمَ ابْنَهُ بِهِجْرانِهِ ولَمْ يُخْبِرْهُ بِأنَّهُ هو يَهْجُرُهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ هَذا الهِجْرانَ في مَعْنى الطَّرْدِ والخَلْعِ إشْعارًا بِتَحْقِيرِهِ. ومَلِيًّا: طَوِيلًا، وهو فَعِيلٌ، ولا يُعْرَفُ لَهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ ولا مَصْدَرٌ. فَمَلِيٌّ مُشْتَقٌّ مِن مَصْدَرٍ مُماتٍ، وهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ لِأنَّهُ يُقالُ: أمْلى لَهُ، إذا أطالَ لَهُ المُدَّةَ، فَيَأْتُونَ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ، فَمَلِيًّا صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ مَنصُوبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيْ هَجْرًا مَلِيًّا، ومِنَ المُلاوَةِ مِنَ الدَّهْرِ لِلْمُدَّةِ المَدِيدَةِ مِنَ الزَّمانِ، وهَذِهِ المادَّةُ تَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ الشَّيْءِ. ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الصِّفَةِ لِظَرْفٍ مَحْذُوفٍ، أيْ زَمانًا طَوِيلًا، وبِناءً عَلى أنَّ المَلا - مَقْصُورًا - غالِبٌ في الزَّمانِ فَذِكْرُهُ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ مَوْصُوفِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣]، أيْ سَفِينَةٍ ذاتِ ألْواحٍ.

مريم 19:47

صفحة ١٢١ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ سَلامٌ عَلَيْكَ سَلامُ تَوْدِيعٍ ومُشارَكَةٍ. وبادَرَهُ بِهِ قَبْلَ الكَلامِ الَّذِي أعْقَبَهُ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسُوءُهُ ذَلِكَ الهَجْرُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى ومَرْضاتِهِ. ومِن حِلْمِ إبْراهِيمَ أنْ كانَتْ مُشارَكَتُهُ أباهُ مَشُوبَةً بِالإحْسانِ في مُعامَلَتِهِ في آخِرِ لَحْظَةٍ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ: وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ. وهَذِهِ كَلِمَةُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ، وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] . وأظْهَرَ حِرْصَهُ عَلى هُداهُ فَقالَ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أيْ أطْلُبُ مِنهُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِن هَذا الكُفْرِ، بِأنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى التَّوْحِيدِ فَيَغْفِرَ لَهُ الشِّرْكَ الماضِيَ، إذْ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ تَلَقّى نَهْيًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِ. وهَذا ظاهِرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واسْتِغْفارُهُ لَهُ هو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] . وجُمْلَةُ أسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ والفِعْلِ المُضارِعِ مُؤْذِنانِ بِأنَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ في المُسْتَقْبَلِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ الوَعْدُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن رَجاءِ المَغْفِرَةِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ أبا إبْراهِيمَ لِلتَّوْحِيدِ ونَبْذِ الإشْراكِ. صفحة ١٢٢ والحَفِيُّ: الشَّدِيدُ البِرِّ والإلْطافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وجُمْلَةُ وأعْتَزِلُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أيْ يَقَعُ الِاسْتِغْفارُ في المُسْتَقْبَلِ ويَقَعُ اعْتِزالِي إيّاكُمُ الآنَ، لِأنَّ المُضارِعَ غالِبٌ في الحالِ. أظْهَرَ إبْراهِيمُ العَزْمَ عَلى اعْتِزالِهِمْ وأنَّهُ لا يَتَوانى في ذَلِكَ ولا يَأْسَفُ لَهُ إذا كانَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وقَدْ خَرَجَ مِن بَلَدِ الكِلْدانِ عازِمًا عَلى الِالتِحاقِ بِالشّامِ حَسَبَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. رَأى إبْراهِيمُ أنَّ هِجْرانَهُ أباهُ غَيْرُ مُغْنٍ، لِأنَّ بَقِيَّةَ القَوْمِ عَلى رَأْيِ أبِيهِ فَرَأى أنْ يَهْجُرَهم جَمِيعًا، ولِذَلِكَ قالَ لَهُ وأعْتَزِلُكم. وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الحُضُورِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، لِأنَّ أباهُ واحِدٌ مِنهم وأمْرَهم سَواءٌ، أوْ كانَ هَذا المَقالُ جَرى بِمَحْضَرِ جَماعَةٍ مِنهم. وعُطِفَ عَلى ضَمِيرِ القَوْمِ أصْنامَهم لِلْإشارَةِ إلى عَداوَتِهِ لِتِلْكَ الأصْنامِ إعْلانًا بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ. وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّةِ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم: بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ وأنَّ القَوْمَ يَعْبُدُونَها، فَلِذَلِكَ وجْهُ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم. والدُّعاءُ: العِبادَةُ، لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ دُعاءَ المَعْبُودِ. وزادَ عَلى الإعْلانِ بِاعْتِزالِ أصْنامِهِمُ الإعْلانَ بِأنَّهُ يَدْعُوَ اللَّهَ احْتِراسًا مِن أنْ يَحْسَبُوا أنَّهُ نَوى مُجَرَّدَ اعْتِزالِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَرُبَّما صفحة ١٢٣ اقْتَنَعُوا بِإمْساكِهِ عَنْهم، ولِذا بَيَّنَ لَهم أنَّهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ يَدْعُو اللَّهَ الَّذِي لا يَعْبُدُونَهُ. وعُبِّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ لِلْإشارَةِ إلى انْفِرادِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو رَبُّهُ وحْدَهُ مِن بَيْنِهِمْ، فالإضافَةُ هُنا تُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ الإضافِيِّ، مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ الإضافَةُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ إيّاهُ والتَّشْرِيفِ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ وأدْعُو، أيْ راجِيًا أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. وتَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفي إعْلانِهِ هَذا الرَّجاءَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أشْقِياءُ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ.

مريم 19:48

صفحة ١٢١ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّيَ إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ ﴿وأعْتَزِلُكم وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وأدْعُو رَبِّي عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ سَلامٌ عَلَيْكَ سَلامُ تَوْدِيعٍ ومُشارَكَةٍ. وبادَرَهُ بِهِ قَبْلَ الكَلامِ الَّذِي أعْقَبَهُ بِهِ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَسُوءُهُ ذَلِكَ الهَجْرُ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى ومَرْضاتِهِ. ومِن حِلْمِ إبْراهِيمَ أنْ كانَتْ مُشارَكَتُهُ أباهُ مَشُوبَةً بِالإحْسانِ في مُعامَلَتِهِ في آخِرِ لَحْظَةٍ. والسَّلامُ: السَّلامَةُ: وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ. وهَذِهِ كَلِمَةُ تَحِيَّةٍ وإكْرامٍ، وتَقَدَّمَتْ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ [مريم: ١٥] . وأظْهَرَ حِرْصَهُ عَلى هُداهُ فَقالَ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ أيْ أطْلُبُ مِنهُ لَكَ المَغْفِرَةَ مِن هَذا الكُفْرِ، بِأنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ إلى التَّوْحِيدِ فَيَغْفِرَ لَهُ الشِّرْكَ الماضِيَ، إذْ لَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ تَلَقّى نَهْيًا مِنَ اللَّهِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِ. وهَذا ظاهِرُ ما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] . واسْتِغْفارُهُ لَهُ هو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واغْفِرْ لِأبِي إنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٨٦] . وجُمْلَةُ أسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلّامَةُ الِاسْتِقْبالِ والفِعْلِ المُضارِعِ مُؤْذِنانِ بِأنَّهُ يُكَرِّرُ الِاسْتِغْفارَ في المُسْتَقْبَلِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ تَعْلِيلٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ الوَعْدُ بِالِاسْتِغْفارِ مِن رَجاءِ المَغْفِرَةِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ بِأنْ يُوَفِّقَ اللَّهُ أبا إبْراهِيمَ لِلتَّوْحِيدِ ونَبْذِ الإشْراكِ. صفحة ١٢٢ والحَفِيُّ: الشَّدِيدُ البِرِّ والإلْطافِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَسْألُونَكَ كَأنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ [الأعراف: ١٨٧] . وجُمْلَةُ وأعْتَزِلُكم عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾، أيْ يَقَعُ الِاسْتِغْفارُ في المُسْتَقْبَلِ ويَقَعُ اعْتِزالِي إيّاكُمُ الآنَ، لِأنَّ المُضارِعَ غالِبٌ في الحالِ. أظْهَرَ إبْراهِيمُ العَزْمَ عَلى اعْتِزالِهِمْ وأنَّهُ لا يَتَوانى في ذَلِكَ ولا يَأْسَفُ لَهُ إذا كانَ في ذاتِ اللَّهِ تَعالى، وهو المَحْكِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، وقَدْ خَرَجَ مِن بَلَدِ الكِلْدانِ عازِمًا عَلى الِالتِحاقِ بِالشّامِ حَسَبَ أمْرِ اللَّهِ تَعالى. رَأى إبْراهِيمُ أنَّ هِجْرانَهُ أباهُ غَيْرُ مُغْنٍ، لِأنَّ بَقِيَّةَ القَوْمِ عَلى رَأْيِ أبِيهِ فَرَأى أنْ يَهْجُرَهم جَمِيعًا، ولِذَلِكَ قالَ لَهُ وأعْتَزِلُكم. وضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ تَنْزِيلًا لَهم مَنزِلَةَ الحُضُورِ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، لِأنَّ أباهُ واحِدٌ مِنهم وأمْرَهم سَواءٌ، أوْ كانَ هَذا المَقالُ جَرى بِمَحْضَرِ جَماعَةٍ مِنهم. وعُطِفَ عَلى ضَمِيرِ القَوْمِ أصْنامَهم لِلْإشارَةِ إلى عَداوَتِهِ لِتِلْكَ الأصْنامِ إعْلانًا بِتَغْيِيرِ المُنْكَرِ. وعَبَّرَ عَنِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ ﴿وما تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وعِلَّةِ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم: بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ وأنَّ القَوْمَ يَعْبُدُونَها، فَلِذَلِكَ وجْهُ اعْتِزالِهِ إيّاهم وأصْنامَهم. والدُّعاءُ: العِبادَةُ، لِأنَّها تَسْتَلْزِمُ دُعاءَ المَعْبُودِ. وزادَ عَلى الإعْلانِ بِاعْتِزالِ أصْنامِهِمُ الإعْلانَ بِأنَّهُ يَدْعُوَ اللَّهَ احْتِراسًا مِن أنْ يَحْسَبُوا أنَّهُ نَوى مُجَرَّدَ اعْتِزالِ عِبادَةِ أصْنامِهِمْ فَرُبَّما صفحة ١٢٣ اقْتَنَعُوا بِإمْساكِهِ عَنْهم، ولِذا بَيَّنَ لَهم أنَّهُ بِعَكْسِ ذَلِكَ يَدْعُو اللَّهَ الَّذِي لا يَعْبُدُونَهُ. وعُبِّرَ عَنِ اللَّهِ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُضافِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ لِلْإشارَةِ إلى انْفِرادِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى فَهو رَبُّهُ وحْدَهُ مِن بَيْنِهِمْ، فالإضافَةُ هُنا تُفِيدُ مَعْنى القَصْرِ الإضافِيِّ، مَعَ ما تَتَضَمَّنُهُ الإضافَةُ مِنَ الِاعْتِزازِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ إيّاهُ والتَّشْرِيفِ لِنَفْسِهِ بِذَلِكَ. وجُمْلَةُ ﴿عَسى ألّا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ وأدْعُو، أيْ راجِيًا أنْ لا أكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا. وتَقَدَّمَ مَعْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمْ أكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وفي إعْلانِهِ هَذا الرَّجاءَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أشْقِياءُ بِدُعاءِ آلِهَتِهِمْ.

مريم 19:49

﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيئًا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ . طُوِيَ ذِكْرُ اعْتِزالِهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَزْمُهُ عَلَيْهِ إيجازًا في الكَلامِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَعْزِمُ أمْرًا إلّا نَفَّذَ عَزْمَهُ، واكْتِفاءً بِذِكْرِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن جَعْلِ عَزْمِهِ حَدَثًا واقِعًا قَدْ حَصَلَ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ، فَلِأنَّهُ لَمّا اعْتَزَلَ أباهُ وقَوْمَهُ واسْتَوْحَشَ بِذَلِكَ الفِراقِ وهَبَهُ اللَّهُ ذَرِّيَّةً يَأْنَسُ لَهم إذْ وهَبَهُ إسْحاقَ ابْنَهُ، ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ، وجَعَلَهُما نَبِيئَيْنِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَكْرُمَةً لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ. ولَيْسَ مُجازاةُ اللَّهِ إبْراهِيمَ مَقْصُورَةً عَلى أنْ وهَبَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي الِانْحِصارُ، فَإنَّهُ قَدْ وهَبَهُ إسْماعِيلَ صفحة ١٢٤ أيْضًا، وظَهَرَتْ مَوْهِبَتُهُ إيّاهُ قَبْلَ ظُهُورِ مَوْهِبَةِ إسْحاقَ، وكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ دُونَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ فَلَمْ يَقُلْ: وهَبَنا لَهُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا اعْتَزَلَ قَوْمَهُ خَرَجَ بِزَوْجِهِ سارَةَ قَرِيبَتِهِ، فَهي قَدِ اعْتَزَلَتْ قَوْمَها أيْضًا إرْضاءً لِرَبِّها ولِزَوْجِها، فَذَكَرَ اللَّهُ المَوْهِبَةَ الشّامِلَةَ لِإبْراهِيمَ ولِزَوْجِهِ، وهي أنْ وهَبَ لَهُما إسْحاقَ وبَعْدَهُ يَعْقُوبَ، ولِأنَّ هَذِهِ المَوْهِبَةَ لَمّا كانَتْ كِفاءً لِإبْراهِيمَ عَلى مُفارَقَتِهِ أباهُ وقَوْمَهُ كانَتْ مَوْهِبَةَ مَن يُعاشِرُ إبْراهِيمَ ويُؤْنِسُهُ وهُما إسْحاقُ ويَعْقُوبُ. أمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ إبْراهِيمَ في مَكَّةَ لِيَكُونَ جارَ بَيْتِ اللَّهِ. وإنَّهُ لَجِوارٌ أعْظَمُ مِن جِوارِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أباهُما. وقَدْ خُصَّ إسْماعِيلُ بِالذِّكْرِ اسْتِقْلالًا عَقِبَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] ثُمَّ قالَ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ [ص: ٤٨] في سُورَةِ ص، وقَدْ قالَ في آيَةِ الصّافّاتِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إلى أنْ قالَ (﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيئًا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]) فَذُكِرَ هُنالِكَ إسْماعِيلُ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] إذْ هو المُرادُ بِالغُلامِ الحَلِيمِ. والمُرادُ بِالهِبَةِ هُنا: تَقْدِيرُ ما في الأزَلِ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّ ازْدِيادَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِ إبْراهِيمَ بِمُدَّةٍ بَعْدَ أنْ سَكَنَ أرْضَ كَنْعانَ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ ورَجَعَ مِنها. وكَذَلِكَ ازْدِيادُ إسْماعِيلَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ بِمُدَّةٍ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وفي التَّوْراةِ، أوْ أُرِيدَ حِكايَةُ هِبَةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فِيما مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ تَنْبِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهُ عَلى إخْلاصِهِ. صفحة ١٢٥ والنُّكْتَةُ في ذِكْرِ يَعْقُوبَ أنَّ إبْراهِيمَ رَآهُ حَفِيدًا وسُرَّ بِهِ، فَقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ قَبْلَ مَوْتِ إبْراهِيمَ بِخَمْسَ عَشَرَ سَنَةً، وأنَّ مِن يَعْقُوبَ نَشَأتْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ. وحَرْفُ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي وُجُودَ جَوابِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها، وقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ فَتَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الجَزائِيَّةِ، أيِ التَّعْلِيلِ دُونَ تَوْقِيتٍ، وذَلِكَ كَما هُنا. وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] إمّا حَرْفُ تَبْعِيضٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ وهَبْنا، أيْ مَوْهُوبًا مِن رَحْمَتِنا. وإمّا اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ بِتَأْوِيلٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنْ كانَ النُّحاةُ لَمْ يُثْبِتُوا لِكَلِمَةٍ مِنِ اسْتِعْمالِها اسْمًا كَما أثْبَتُوا ذَلِكَ لِكَلِماتِ الكافِ وعَنْ وعَلى، لَكِنَّ بَعْضَ مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ تَقْتَضِيهِ، كَما قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ، وأقَرَّهُ عَبْدُ الحَكِيمِ. وعَلى هَذا تَكُونُ مِن في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ وهَبْنا، أيْ وهَبْنا لَهم بَعْضَ رَحْمَتِنا، وهي النُّبُوءَةُ لِأنَّها رَحْمَةٌ لَهم ولِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ. واللِّسانُ: مَجازٌ في الذِّكْرِ والثَّناءِ. ووَصْفُ ”لِسانَ“ بِ ”صِدْقٍ“ وصْفًا بِالمَصْدَرِ. الصِّدْقُ: بُلُوغُ كَمالِ نَوْعِهِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَلِسانُ الصِّدْقِ ثَناءُ الخَيْرِ والتَّبْجِيلُ. ووُصِفَ بِالعُلُوِّ مَجازًا لِشَرَفِ ذَلِكَ الثَّناءِ. صفحة ١٢٦ وقَدْ رُتِّبَ جَزاءُ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلى نَبْذِهِ أهْلَ الشِّرْكِ تَرْتِيبًا بَدِيعًا إذْ جُوزِيَ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا وهي العَقِبُ الشَّرِيفُ، ونِعْمَةِ الآخِرَةِ وهي الرَّحْمَةُ، وبِأثَرِ تَيْنِكَ النِّعْمَتَيْنِ وهو لِسانُ الصِّدْقِ، إذْ لا يُذْكَرُ بِهِ إلّا مَن حَصَّلَ النِّعْمَتَيْنِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

مريم 19:50

﴿فَلَمّا اعْتَزَلَهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ وكُلًّا جَعَلْنا نَبِيئًا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهم مِن رَحْمَتِنا وجَعَلْنا لَهم لِسانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ . طُوِيَ ذِكْرُ اعْتِزالِهِ إيّاهم بَعْدَ أنْ ذُكِرَ عَزْمُهُ عَلَيْهِ إيجازًا في الكَلامِ لِلْعِلْمِ بِأنَّ مِثْلَهُ لا يَعْزِمُ أمْرًا إلّا نَفَّذَ عَزْمَهُ، واكْتِفاءً بِذِكْرِ ما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِن جَعْلِ عَزْمِهِ حَدَثًا واقِعًا قَدْ حَصَلَ جَزاؤُهُ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ، فَلِأنَّهُ لَمّا اعْتَزَلَ أباهُ وقَوْمَهُ واسْتَوْحَشَ بِذَلِكَ الفِراقِ وهَبَهُ اللَّهُ ذَرِّيَّةً يَأْنَسُ لَهم إذْ وهَبَهُ إسْحاقَ ابْنَهُ، ويَعْقُوبَ ابْنَ ابْنِهِ، وجَعَلَهُما نَبِيئَيْنِ. وحَسْبُكَ بِهَذا مَكْرُمَةً لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ. ولَيْسَ مُجازاةُ اللَّهِ إبْراهِيمَ مَقْصُورَةً عَلى أنْ وهَبَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، إذْ لَيْسَ في الكَلامِ ما يَقْتَضِي الِانْحِصارُ، فَإنَّهُ قَدْ وهَبَهُ إسْماعِيلَ صفحة ١٢٤ أيْضًا، وظَهَرَتْ مَوْهِبَتُهُ إيّاهُ قَبْلَ ظُهُورِ مَوْهِبَةِ إسْحاقَ، وكُلُّ ذَلِكَ بَعْدَ أنِ اعْتَزَلَ قَوْمَهُ. وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ دُونَ ذِكْرِ إسْماعِيلَ فَلَمْ يَقُلْ: وهَبَنا لَهُ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا اعْتَزَلَ قَوْمَهُ خَرَجَ بِزَوْجِهِ سارَةَ قَرِيبَتِهِ، فَهي قَدِ اعْتَزَلَتْ قَوْمَها أيْضًا إرْضاءً لِرَبِّها ولِزَوْجِها، فَذَكَرَ اللَّهُ المَوْهِبَةَ الشّامِلَةَ لِإبْراهِيمَ ولِزَوْجِهِ، وهي أنْ وهَبَ لَهُما إسْحاقَ وبَعْدَهُ يَعْقُوبَ، ولِأنَّ هَذِهِ المَوْهِبَةَ لَمّا كانَتْ كِفاءً لِإبْراهِيمَ عَلى مُفارَقَتِهِ أباهُ وقَوْمَهُ كانَتْ مَوْهِبَةَ مَن يُعاشِرُ إبْراهِيمَ ويُؤْنِسُهُ وهُما إسْحاقُ ويَعْقُوبُ. أمّا إسْماعِيلُ فَقَدْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ بَعِيدًا عَنْ إبْراهِيمَ في مَكَّةَ لِيَكُونَ جارَ بَيْتِ اللَّهِ. وإنَّهُ لَجِوارٌ أعْظَمُ مِن جِوارِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ أباهُما. وقَدْ خُصَّ إسْماعِيلُ بِالذِّكْرِ اسْتِقْلالًا عَقِبَ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واذْكُرْ عِبادَنا إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [ص: ٤٥] ثُمَّ قالَ ﴿واذْكُرْ إسْماعِيلَ﴾ [ص: ٤٨] في سُورَةِ ص، وقَدْ قالَ في آيَةِ الصّافّاتِ ﴿وقالَ إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١] إلى أنْ قالَ (﴿وبَشَّرْناهُ بِإسْحاقَ نَبِيئًا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]) فَذُكِرَ هُنالِكَ إسْماعِيلُ عَقِبَ قَوْلِهِ ﴿إنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] إذْ هو المُرادُ بِالغُلامِ الحَلِيمِ. والمُرادُ بِالهِبَةِ هُنا: تَقْدِيرُ ما في الأزَلِ عِنْدَ اللَّهِ لِأنَّ ازْدِيادَ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِ إبْراهِيمَ بِمُدَّةٍ بَعْدَ أنْ سَكَنَ أرْضَ كَنْعانَ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ ورَجَعَ مِنها. وكَذَلِكَ ازْدِيادُ إسْماعِيلَ كانَ بَعْدَ خُرُوجِهِ بِمُدَّةٍ وبَعْدَ أنِ اجْتازَ بِمِصْرَ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ وفي التَّوْراةِ، أوْ أُرِيدَ حِكايَةُ هِبَةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ فِيما مَضى بِالنِّسْبَةِ إلى زَمَنِ نُزُولِ القُرْآنِ تَنْبِيهًا بِأنَّ ذَلِكَ جَزاؤُهُ عَلى إخْلاصِهِ. صفحة ١٢٥ والنُّكْتَةُ في ذِكْرِ يَعْقُوبَ أنَّ إبْراهِيمَ رَآهُ حَفِيدًا وسُرَّ بِهِ، فَقَدْ وُلِدَ يَعْقُوبُ قَبْلَ مَوْتِ إبْراهِيمَ بِخَمْسَ عَشَرَ سَنَةً، وأنَّ مِن يَعْقُوبَ نَشَأتْ أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ. وحَرْفُ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أيْ يَقْتَضِي وُجُودَ جَوابِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها، وقَدْ تَكُونُ بَيْنَهُما فَتْرَةٌ فَتَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الجَزائِيَّةِ، أيِ التَّعْلِيلِ دُونَ تَوْقِيتٍ، وذَلِكَ كَما هُنا. وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ و(مِن) في قَوْلِهِ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ﴾ [الصافات: ١١٣] إمّا حَرْفُ تَبْعِيضٍ صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ وهَبْنا، أيْ مَوْهُوبًا مِن رَحْمَتِنا. وإمّا اسْمٌ بِمَعْنى بَعْضٍ بِتَأْوِيلٍ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنْ كانَ النُّحاةُ لَمْ يُثْبِتُوا لِكَلِمَةٍ مِنِ اسْتِعْمالِها اسْمًا كَما أثْبَتُوا ذَلِكَ لِكَلِماتِ الكافِ وعَنْ وعَلى، لَكِنَّ بَعْضَ مَوارِدِ الِاسْتِعْمالِ تَقْتَضِيهِ، كَما قالَهُ التَّفْتَزانِيُّ في حاشِيَةِ الكَشّافِ، وأقَرَّهُ عَبْدُ الحَكِيمِ. وعَلى هَذا تَكُونُ مِن في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ وهَبْنا، أيْ وهَبْنا لَهم بَعْضَ رَحْمَتِنا، وهي النُّبُوءَةُ لِأنَّها رَحْمَةٌ لَهم ولِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ. واللِّسانُ: مَجازٌ في الذِّكْرِ والثَّناءِ. ووَصْفُ ”لِسانَ“ بِ ”صِدْقٍ“ وصْفًا بِالمَصْدَرِ. الصِّدْقُ: بُلُوغُ كَمالِ نَوْعِهِ، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَلِسانُ الصِّدْقِ ثَناءُ الخَيْرِ والتَّبْجِيلُ. ووُصِفَ بِالعُلُوِّ مَجازًا لِشَرَفِ ذَلِكَ الثَّناءِ. صفحة ١٢٦ وقَدْ رُتِّبَ جَزاءُ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلى نَبْذِهِ أهْلَ الشِّرْكِ تَرْتِيبًا بَدِيعًا إذْ جُوزِيَ بِنِعْمَةِ الدُّنْيا وهي العَقِبُ الشَّرِيفُ، ونِعْمَةِ الآخِرَةِ وهي الرَّحْمَةُ، وبِأثَرِ تَيْنِكَ النِّعْمَتَيْنِ وهو لِسانُ الصِّدْقِ، إذْ لا يُذْكَرُ بِهِ إلّا مَن حَصَّلَ النِّعْمَتَيْنِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

مريم 19:51

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيئًا﴾ أفْضَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى أنْ يُذْكَرَ مُوسى في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ أشْرَفُ نَبِيءٍ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.والقَوْلُ في جُمْلَةِ واذْكُرْ وجُمْلَةِ إنَّهُ كانَ كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِما في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَدا أنَّ الجُمْلَةَ هُنا غَيْرُ مُعْتَرِضَةٍ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِئْنافٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُخْلِصًا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن أخْلَصَ القاصِرِ إذا كانَ الإخْلاصُ صِفَتَهُ. والإخْلاصُ في أمْرٍ ما: الإتْيانُ بِهِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِتَقْصِيرٍ ولا تَفْرِيطٍ ولا هَوادَةٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلُوصِ، وهو التَّمَحُّضُ وعَدَمُ الخَلْطِ. والمُرادُ هُنا: الإخْلاصُ فِيما هو شَأْنُهُ، وهو الرِّسالَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أخْلَصَهُ، إذا اصْطَفاهُ. صفحة ١٢٧ وخُصَّ مُوسى بِعُنْوانِ (المُخْلِصِ) عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ، فَإنَّهُ أخْلَصَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ فاسْتَخَفَّ بِأعْظَمِ جَبّارٍ وهو فِرْعَوْنُ، وجادَلَهُ مُجادَلَةَ الأكْفاءِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وكَذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، فَكانَ الإخْلاصُ في أداءِ أمانَةِ اللَّهِ تَعالى مِيزَتَهُ. ولِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ لِكَلامِهِ مُباشَرَةً قَبْلَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ المَلَكَ بِالوَحْيِ، فَكانَ مُخْلَصًا بِذَلِكَ، أيْ مُصْطَفًى، لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ قالَ تَعالى ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] . والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِ مُوسى لِأنَّهُ رَسُولٌ ونَبِيءٌ. وعُطِفَ (نَبِيئًا) عَلى رَسُولًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ أخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ، فَلِأنَّ الرَّسُولَ هو المُرْسَلُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ إلى النّاسِ فَلا يَكُونُ الرَّسُولُ إلّا نَبِيئًا، وأمّا النَّبِيءُ فَهو المُنَبَّأُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإذا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهو نَبِيءٌ ولَيْسَ رَسُولًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا لِتَأْكِيدِ الوَصْفِ، إشارَةً إلى أنَّ رِسالَتَهُ بَلَغَتْ مَبْلَغًا قَوِيًّا، فَقَوْلُهُ (نَبِيئًا) تَأْكِيدٌ لَوَصْفِ رَسُولًا. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ. وجُمْلَةُ ونادَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ. والنِّداءُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ، وأصْلُهُ: جَهْرُ الصَّوْتِ لِإسْماعِ البَعِيدِ، فَأُطْلِقَ عَلى طَلَبِ إقْبالِ أحَدٍ مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ صفحة ١٢٨ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدى بِفَتْحِ النُّونِ وبِالقَصْرِ وهو بُعْدُ الصَّوْتِ. ولَمْ يُسْمَعْ فِعْلُهُ إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ولَيْسَتْ بِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ بَلِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ. وهَذا النِّداءُ هو الكَلامُ المُوَجَّهُ إلَيْهِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ صِفَتِهِ هُناكَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] في سُورَةِ بَراءَةَ. والطُّورُ: الجَبَلُ الواقِعُ بَيْنَ بِلادِ الشّامِ ومِصْرَ، ويُقالُ: لَهُ طُورُ سَيْناءَ. وجانِبُهُ: ناحِيَتُهُ السُّفْلى، ووَصْفُهُ بِ ”الأيْمَنَ“ لِأنَّهُ الَّذِي عَلى يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، لِأنَّ جِهَةَ الشَّمْسِ هي الجِهَةُ الَّتِي يَضْبُطُ بِها البَشَرُ النَّواحِيَ. والتَّقْرِيبُ: أصْلُهُ الجَعْلُ بِمَكانِ القُرْبِ، وهو الدُّنُوُّ وهو ضِدُّ البُعْدِ. وأُرِيدَ هُنا القُرْبُ المَجازِيُّ وهو الوَحْيُ. فَقَوْلُهُ (نَجِيًّا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (مُوسى)، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى التَّقْرِيبِ. ونَجِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ المُناجاةِ. وهي المُحادَثَةُ السِّرِّيَّةُ؛ شُبِّهَ الكَلامُ الَّذِي لَمْ يُكَلِّمْ بِمِثْلِهِ أحَدًا ولا أطْلَعَ عَلَيْهِ أحَدًا، بِالمُناجاةِ. وفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَجِيءُ مِنَ الفِعْلِ المَزِيدِ المُجَرَّدِ بِحَذْفِ حَرْفِ الزِّيادَةِ، مِثْلَ جَلِيسٍ ونَدِيمٍ ورَضِيعٍ. ومَعْنى هِبَةِ أخِيهِ لَهُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّزَهُ بِهِ وأعانَهُ بِهِ، إذْ جَعَلَهُ نَبِيئًا وأمَرَهُ أنْ يُرافِقَهُ في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ في لِسانِ مُوسى حُبْسَةً، وكانَ هارُونُ صفحة ١٢٩ فَصِيحُ اللِّسانِ. فَكانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مُوسى بِما يُرِيدُ إبْلاغَهُ، وكانَ يَسْتَخْلِفُهُ في مُهِمّاتِ الأُمَّةِ. وإنَّما جُعِلَتْ تِلْكَ الهِبَةُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَ مُوسى إذْ يَسَّرَ لَهُ أخًا فَصِيحَ اللِّسانِ، وأكْمَلَهُ بِالثَّناءِ حَتّى يَعْلَمَ مُرادَ مُوسى مِمّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ولَمْ يُوصَفْ هارُونُ بِأنَّهُ رَسُولٌ إذْ لَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ تَعالى وإنَّما جَعَلَهُ مُبَلِّغًا عَنْ مُوسى. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) فَهو مِنَ التَّغْلِيبِ.

مريم 19:52

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيئًا﴾ أفْضَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى أنْ يُذْكَرَ مُوسى في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ أشْرَفُ نَبِيءٍ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.والقَوْلُ في جُمْلَةِ واذْكُرْ وجُمْلَةِ إنَّهُ كانَ كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِما في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَدا أنَّ الجُمْلَةَ هُنا غَيْرُ مُعْتَرِضَةٍ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِئْنافٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُخْلِصًا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن أخْلَصَ القاصِرِ إذا كانَ الإخْلاصُ صِفَتَهُ. والإخْلاصُ في أمْرٍ ما: الإتْيانُ بِهِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِتَقْصِيرٍ ولا تَفْرِيطٍ ولا هَوادَةٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلُوصِ، وهو التَّمَحُّضُ وعَدَمُ الخَلْطِ. والمُرادُ هُنا: الإخْلاصُ فِيما هو شَأْنُهُ، وهو الرِّسالَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أخْلَصَهُ، إذا اصْطَفاهُ. صفحة ١٢٧ وخُصَّ مُوسى بِعُنْوانِ (المُخْلِصِ) عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ، فَإنَّهُ أخْلَصَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ فاسْتَخَفَّ بِأعْظَمِ جَبّارٍ وهو فِرْعَوْنُ، وجادَلَهُ مُجادَلَةَ الأكْفاءِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وكَذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، فَكانَ الإخْلاصُ في أداءِ أمانَةِ اللَّهِ تَعالى مِيزَتَهُ. ولِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ لِكَلامِهِ مُباشَرَةً قَبْلَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ المَلَكَ بِالوَحْيِ، فَكانَ مُخْلَصًا بِذَلِكَ، أيْ مُصْطَفًى، لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ قالَ تَعالى ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] . والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِ مُوسى لِأنَّهُ رَسُولٌ ونَبِيءٌ. وعُطِفَ (نَبِيئًا) عَلى رَسُولًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ أخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ، فَلِأنَّ الرَّسُولَ هو المُرْسَلُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ إلى النّاسِ فَلا يَكُونُ الرَّسُولُ إلّا نَبِيئًا، وأمّا النَّبِيءُ فَهو المُنَبَّأُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإذا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهو نَبِيءٌ ولَيْسَ رَسُولًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا لِتَأْكِيدِ الوَصْفِ، إشارَةً إلى أنَّ رِسالَتَهُ بَلَغَتْ مَبْلَغًا قَوِيًّا، فَقَوْلُهُ (نَبِيئًا) تَأْكِيدٌ لَوَصْفِ رَسُولًا. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ. وجُمْلَةُ ونادَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ. والنِّداءُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ، وأصْلُهُ: جَهْرُ الصَّوْتِ لِإسْماعِ البَعِيدِ، فَأُطْلِقَ عَلى طَلَبِ إقْبالِ أحَدٍ مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ صفحة ١٢٨ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدى بِفَتْحِ النُّونِ وبِالقَصْرِ وهو بُعْدُ الصَّوْتِ. ولَمْ يُسْمَعْ فِعْلُهُ إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ولَيْسَتْ بِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ بَلِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ. وهَذا النِّداءُ هو الكَلامُ المُوَجَّهُ إلَيْهِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ صِفَتِهِ هُناكَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] في سُورَةِ بَراءَةَ. والطُّورُ: الجَبَلُ الواقِعُ بَيْنَ بِلادِ الشّامِ ومِصْرَ، ويُقالُ: لَهُ طُورُ سَيْناءَ. وجانِبُهُ: ناحِيَتُهُ السُّفْلى، ووَصْفُهُ بِ ”الأيْمَنَ“ لِأنَّهُ الَّذِي عَلى يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، لِأنَّ جِهَةَ الشَّمْسِ هي الجِهَةُ الَّتِي يَضْبُطُ بِها البَشَرُ النَّواحِيَ. والتَّقْرِيبُ: أصْلُهُ الجَعْلُ بِمَكانِ القُرْبِ، وهو الدُّنُوُّ وهو ضِدُّ البُعْدِ. وأُرِيدَ هُنا القُرْبُ المَجازِيُّ وهو الوَحْيُ. فَقَوْلُهُ (نَجِيًّا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (مُوسى)، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى التَّقْرِيبِ. ونَجِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ المُناجاةِ. وهي المُحادَثَةُ السِّرِّيَّةُ؛ شُبِّهَ الكَلامُ الَّذِي لَمْ يُكَلِّمْ بِمِثْلِهِ أحَدًا ولا أطْلَعَ عَلَيْهِ أحَدًا، بِالمُناجاةِ. وفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَجِيءُ مِنَ الفِعْلِ المَزِيدِ المُجَرَّدِ بِحَذْفِ حَرْفِ الزِّيادَةِ، مِثْلَ جَلِيسٍ ونَدِيمٍ ورَضِيعٍ. ومَعْنى هِبَةِ أخِيهِ لَهُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّزَهُ بِهِ وأعانَهُ بِهِ، إذْ جَعَلَهُ نَبِيئًا وأمَرَهُ أنْ يُرافِقَهُ في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ في لِسانِ مُوسى حُبْسَةً، وكانَ هارُونُ صفحة ١٢٩ فَصِيحُ اللِّسانِ. فَكانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مُوسى بِما يُرِيدُ إبْلاغَهُ، وكانَ يَسْتَخْلِفُهُ في مُهِمّاتِ الأُمَّةِ. وإنَّما جُعِلَتْ تِلْكَ الهِبَةُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَ مُوسى إذْ يَسَّرَ لَهُ أخًا فَصِيحَ اللِّسانِ، وأكْمَلَهُ بِالثَّناءِ حَتّى يَعْلَمَ مُرادَ مُوسى مِمّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ولَمْ يُوصَفْ هارُونُ بِأنَّهُ رَسُولٌ إذْ لَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ تَعالى وإنَّما جَعَلَهُ مُبَلِّغًا عَنْ مُوسى. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) فَهو مِنَ التَّغْلِيبِ.

مريم 19:53

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مُوسى إنَّهُ كانَ مُخْلَصًا وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿ونادَيْناهُ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ مِن رَحْمَتِنا أخاهُ هارُونَ نَبِيئًا﴾ أفْضَتْ مُناسَبَةُ ذِكْرِ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ إلى أنْ يُذْكَرَ مُوسى في هَذا المَوْضِعِ لِأنَّهُ أشْرَفُ نَبِيءٍ مِن ذُرِّيَّةِ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ.والقَوْلُ في جُمْلَةِ واذْكُرْ وجُمْلَةِ إنَّهُ كانَ كالقَوْلِ في نَظِيرَيْهِما في ذِكْرِ إبْراهِيمَ عَدا أنَّ الجُمْلَةَ هُنا غَيْرُ مُعْتَرِضَةٍ بَلْ مُجَرَّدُ اسْتِئْنافٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مُخْلِصًا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن أخْلَصَ القاصِرِ إذا كانَ الإخْلاصُ صِفَتَهُ. والإخْلاصُ في أمْرٍ ما: الإتْيانُ بِهِ غَيْرَ مَشُوبٍ بِتَقْصِيرٍ ولا تَفْرِيطٍ ولا هَوادَةٍ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخُلُوصِ، وهو التَّمَحُّضُ وعَدَمُ الخَلْطِ. والمُرادُ هُنا: الإخْلاصُ فِيما هو شَأْنُهُ، وهو الرِّسالَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَتْحِ اللّامِ مِن أخْلَصَهُ، إذا اصْطَفاهُ. صفحة ١٢٧ وخُصَّ مُوسى بِعُنْوانِ (المُخْلِصِ) عَلى الوَجْهَيْنِ لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ، فَإنَّهُ أخْلَصَ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ فاسْتَخَفَّ بِأعْظَمِ جَبّارٍ وهو فِرْعَوْنُ، وجادَلَهُ مُجادَلَةَ الأكْفاءِ، كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨] ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩] إلى قَوْلِهِ ﴿قالَ أوَ لَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] . وكَذَلِكَ ما حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]، فَكانَ الإخْلاصُ في أداءِ أمانَةِ اللَّهِ تَعالى مِيزَتَهُ. ولِأنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ لِكَلامِهِ مُباشَرَةً قَبْلَ أنْ يُرْسِلَ إلَيْهِ المَلَكَ بِالوَحْيِ، فَكانَ مُخْلَصًا بِذَلِكَ، أيْ مُصْطَفًى، لِأنَّ ذَلِكَ مَزِيَّتُهُ قالَ تَعالى ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] . والجَمْعُ بَيْنَ وصْفِ مُوسى لِأنَّهُ رَسُولٌ ونَبِيءٌ. وعُطِفَ (نَبِيئًا) عَلى رَسُولًا مَعَ أنَّ الرَّسُولَ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ أخَصُّ مِنَ النَّبِيءِ، فَلِأنَّ الرَّسُولَ هو المُرْسَلُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ لِيُبَلِّغَ إلى النّاسِ فَلا يَكُونُ الرَّسُولُ إلّا نَبِيئًا، وأمّا النَّبِيءُ فَهو المُنَبَّأُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ وإنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإذا لَمْ يُؤْمَرْ بِالتَّبْلِيغِ فَهو نَبِيءٌ ولَيْسَ رَسُولًا، فالجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا لِتَأْكِيدِ الوَصْفِ، إشارَةً إلى أنَّ رِسالَتَهُ بَلَغَتْ مَبْلَغًا قَوِيًّا، فَقَوْلُهُ (نَبِيئًا) تَأْكِيدٌ لَوَصْفِ رَسُولًا. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ نَبِيئًا عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ. وجُمْلَةُ ونادَيْناهُ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ إنَّهُ كانَ مُخْلِصًا فَهي مِثْلُها مُسْتَأْنَفَةٌ. والنِّداءُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى طَلَبِ الإقْبالِ، وأصْلُهُ: جَهْرُ الصَّوْتِ لِإسْماعِ البَعِيدِ، فَأُطْلِقَ عَلى طَلَبِ إقْبالِ أحَدٍ مَجازًا مُرْسَلًا، ومِنهُ صفحة ١٢٨ ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ النَّدى بِفَتْحِ النُّونِ وبِالقَصْرِ وهو بُعْدُ الصَّوْتِ. ولَمْ يُسْمَعْ فِعْلُهُ إلّا بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، ولَيْسَتْ بِحُصُولِ فِعْلٍ مِن جانِبَيْنِ بَلِ المُفاعَلَةُ لِلْمُبالَغَةِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلْإيمانِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] في آلِ عِمْرانَ. وهَذا النِّداءُ هو الكَلامُ المُوَجَّهُ إلَيْهِ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى ﴿إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] في سُورَةِ الأعْرافِ. وتَقَدَّمَ تَحْقِيقُ صِفَتِهِ هُناكَ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] في سُورَةِ بَراءَةَ. والطُّورُ: الجَبَلُ الواقِعُ بَيْنَ بِلادِ الشّامِ ومِصْرَ، ويُقالُ: لَهُ طُورُ سَيْناءَ. وجانِبُهُ: ناحِيَتُهُ السُّفْلى، ووَصْفُهُ بِ ”الأيْمَنَ“ لِأنَّهُ الَّذِي عَلى يَمِينِ مُسْتَقْبِلِ مَشْرِقِ الشَّمْسِ، لِأنَّ جِهَةَ الشَّمْسِ هي الجِهَةُ الَّتِي يَضْبُطُ بِها البَشَرُ النَّواحِيَ. والتَّقْرِيبُ: أصْلُهُ الجَعْلُ بِمَكانِ القُرْبِ، وهو الدُّنُوُّ وهو ضِدُّ البُعْدِ. وأُرِيدَ هُنا القُرْبُ المَجازِيُّ وهو الوَحْيُ. فَقَوْلُهُ (نَجِيًّا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (مُوسى)، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى التَّقْرِيبِ. ونَجِيٌّ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِنَ المُناجاةِ. وهي المُحادَثَةُ السِّرِّيَّةُ؛ شُبِّهَ الكَلامُ الَّذِي لَمْ يُكَلِّمْ بِمِثْلِهِ أحَدًا ولا أطْلَعَ عَلَيْهِ أحَدًا، بِالمُناجاةِ. وفَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، يَجِيءُ مِنَ الفِعْلِ المَزِيدِ المُجَرَّدِ بِحَذْفِ حَرْفِ الزِّيادَةِ، مِثْلَ جَلِيسٍ ونَدِيمٍ ورَضِيعٍ. ومَعْنى هِبَةِ أخِيهِ لَهُ: أنَّ اللَّهَ عَزَّزَهُ بِهِ وأعانَهُ بِهِ، إذْ جَعَلَهُ نَبِيئًا وأمَرَهُ أنْ يُرافِقَهُ في الدَّعْوَةِ، لِأنَّ في لِسانِ مُوسى حُبْسَةً، وكانَ هارُونُ صفحة ١٢٩ فَصِيحُ اللِّسانِ. فَكانَ يَتَكَلَّمُ عَنْ مُوسى بِما يُرِيدُ إبْلاغَهُ، وكانَ يَسْتَخْلِفُهُ في مُهِمّاتِ الأُمَّةِ. وإنَّما جُعِلَتْ تِلْكَ الهِبَةُ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ لِأنَّ اللَّهَ رَحِمَ مُوسى إذْ يَسَّرَ لَهُ أخًا فَصِيحَ اللِّسانِ، وأكْمَلَهُ بِالثَّناءِ حَتّى يَعْلَمَ مُرادَ مُوسى مِمّا يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ تَعالى. ولَمْ يُوصَفْ هارُونُ بِأنَّهُ رَسُولٌ إذْ لَمْ يُرْسِلْهُ اللَّهُ تَعالى وإنَّما جَعَلَهُ مُبَلِّغًا عَنْ مُوسى. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) فَهو مِنَ التَّغْلِيبِ.

مريم 19:54

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ . خَصَّ إسْماعِيلَ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْبِيهًا عَلى جَدارَتِهِ بِالِاسْتِقْلالِ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْحاقَ، لِأنَّ إسْماعِيلَ هو الِابْنُ البِكْرُ لِإبْراهِيمَ وشَرِيكُهُ في بِناءِ الكَعْبَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إسْماعِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصَّهُ بِوَصْفِ صِدْقِ الوَعْدِ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ بِهِ وتَرَكَهُ خُلُقًا في ذُرِّيَتِهِ. وأعْظَمُ وعْدٍ صَدَقَهُ وعْدُهُ إيّاهُ إبْراهِيمَ بِأنْ يَجِدَهُ صابِرًا عَلىِ الذَّبْحِ فَقالَ (﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) . وجَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيئًا ورَسُولًا إلى قَوْمِهِ. وهم يَوْمَئِذٍ لا يَعُدُّونَ أهْلَهُ أُمَّهُ وبَنِيهِ وأصْهارَهُ مِن جُرْهُمَ. فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى صفحة ١٣٠ (﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾) ثُمَّ إنَّ أُمَّةَ العَرَبِ نَشَأتْ مِن ذُرِّيَتِهِ فَهم أهْلُهُ أيْضًا، وقَدْ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ وشُئُونُ الحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ. ورِضى اللَّهُ عَنْهُ: إنْعامُهُ عَلَيْهِ نِعَمًا كَثِيرَةً، إذْ بارَكَهُ وأنْمى نَسْلَهُ وجَعَلَ أشْرَفَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَتِهِ، وجَعَلَ الشَّرِيعَةَ العُظْمى عَلى لِسانِ رَسُولٍ مِن ذُرِّيَتِهِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَةِ (نَبِيئًا) بِالهَمْزِ أوْ بِالياءِ المُشَدَّدَةِ. وتَقَدَمَ تَوْجِيهُ الجَمْعِ بَيْنَ وصْفِ رَسُولٍ ونَبِيءٍ عِنْدَ ذِكْرِ مُوسى [ آنِفًا.

مريم 19:55

﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ وكانَ رَسُولًا نَبِيئًا﴾ ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ وكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ . خَصَّ إسْماعِيلَ بِالذِّكْرِ هُنا تَنْبِيهًا عَلى جَدارَتِهِ بِالِاسْتِقْلالِ بِالذِّكْرِ عَقِبَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ وابْنِهِ إسْحاقَ، لِأنَّ إسْماعِيلَ هو الِابْنُ البِكْرُ لِإبْراهِيمَ وشَرِيكُهُ في بِناءِ الكَعْبَةِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ إسْماعِيلَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وخَصَّهُ بِوَصْفِ صِدْقِ الوَعْدِ لِأنَّهُ اشْتَهَرَ بِهِ وتَرَكَهُ خُلُقًا في ذُرِّيَتِهِ. وأعْظَمُ وعْدٍ صَدَقَهُ وعْدُهُ إيّاهُ إبْراهِيمَ بِأنْ يَجِدَهُ صابِرًا عَلىِ الذَّبْحِ فَقالَ (﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]) . وجَعَلَهُ اللَّهُ نَبِيئًا ورَسُولًا إلى قَوْمِهِ. وهم يَوْمَئِذٍ لا يَعُدُّونَ أهْلَهُ أُمَّهُ وبَنِيهِ وأصْهارَهُ مِن جُرْهُمَ. فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى صفحة ١٣٠ (﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾) ثُمَّ إنَّ أُمَّةَ العَرَبِ نَشَأتْ مِن ذُرِّيَتِهِ فَهم أهْلُهُ أيْضًا، وقَدْ كانَ مِن شَرِيعَتِهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ وشُئُونُ الحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ. ورِضى اللَّهُ عَنْهُ: إنْعامُهُ عَلَيْهِ نِعَمًا كَثِيرَةً، إذْ بارَكَهُ وأنْمى نَسْلَهُ وجَعَلَ أشْرَفَ الأنْبِياءِ مِن ذُرِّيَتِهِ، وجَعَلَ الشَّرِيعَةَ العُظْمى عَلى لِسانِ رَسُولٍ مِن ذُرِّيَتِهِ. وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في قِراءَةِ (نَبِيئًا) بِالهَمْزِ أوْ بِالياءِ المُشَدَّدَةِ. وتَقَدَمَ تَوْجِيهُ الجَمْعِ بَيْنَ وصْفِ رَسُولٍ ونَبِيءٍ عِنْدَ ذِكْرِ مُوسى [ آنِفًا.