Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — مريم 19:56 – مريم 19:98
المحتويات
- مريم 19:56
- مريم 19:57
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:60
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:64
- مريم 19:65
- مريم 19:66
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:79
- مريم 19:80
- مريم 19:81
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:93
- مريم 19:94
- مريم 19:95
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
مريم 19:56
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾
إدْرِيسُ: اسْمٌ جُعِلَ عَلَمًا عَلى جَدِّ أبِي نُوحٍ، وهو المُسَمّى في التَّوْراةِ أخْنُوخَ. فَنُوحٌ هو ابْنُ لامِكَ بْنِ مَتُّوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ، فَلَعَلَّ اسْمَهُ عِنْدَ نَسّابِيِ العَرَبِ إدْرِيسَ، أوْ أنَّ القُرْآنَ سَمّاهُ بِذَلِكَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الدَّرْسِ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا. واسْمُهُ هَرْمَسُ عِنْدَ اليُونانِ، ويُزْعَمُ أنَّهُ كَذَلِكَ يُسَمّى عِنْدَ المِصْرِيِّينَ القُدَماءِ، والصَّحِيحُ أنَّ اسْمَهُ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ تُوتٌ أوْ تُحُوتِي أوْ تُهُوتِي لَهَجاتٌ في النُّطْقِ بِاسْمِهِ.
وذَكَرَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ أنَّ إدْرِيسَ كانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ قُدَماءِ اليُونانِ طُرَيْسَمَجِيسَطِيسَ. ومَعْناهُ بِلِسانِهِمُ ثُلاثِيُّ التَّعْلِيمِ، لِأنَّهُ كانَ يَصِفُ اللَّهَ بِثَلاثِ صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ وهي الوُجُودُ والحِكْمَةُ والحَياةُ اهـ.
صفحة ١٣١
ولا يَخْفى قُرْبُ الحُرُوفِ الأُولى في هَذا الِاسْمِ مِن حُرُوفِ إدْرِيسَ، لَعَلَّ العَرَبَ اخْتَصَرُوا الِاسْمَ لِطُولِهِ فاقْتَصَرُوا عَلى أوَّلِهِ مَعَ تَغْيِيرٍ.
وكانَ إدْرِيسُ نَبِيئًا، فَفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ.
قِيلَ: هو أوَّلُ مَن وضَعَ لِلْبَشَرِ عِمارَةَ المُدُنِ، وقَواعِدَ العِلْمِ، وقَواعِدَ التَّرْبِيَةِ، وأوَّلُ مَن وضَعَ الخَطَّ، وعِلْمَ الحِسابِ بِالنُّجُومِ وقَواعِدَ سَيْرِ الكَواكِبِ، وتَرْكِيبَ البَسائِطِ بِالنّارِ فَلِذَلِكَ كانَ عِلْمُ الكِيِمْياءِ يُنْسَبُ إلَيْهِ، وأوَّلُ مَن عَلَّمَ النّاسَ الخِياطَةَ. فَكانَ هو مَبْدَأ مَن وضَعَ العُلُومَ، والحَضارَةَ، والنُّظُمَ العَقْلِيَّةَ. فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ في القُرْآنِ بِإدْرِيسَ أنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الفَرَسِ وزْنٌ مُناسِبٌ لِلْأعْلامِ العَجَمِيَّةِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ مَعَ كَوْنِ حُرُوفِهِ مِن مادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، كَما مُنِعَ إبْلِيسُ مِنَ الصَّرْفِ، وكَما مُنِعَ طالُوتُ مِنَ الصَّرْفِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ (نَبِيئًا) عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ.
وقَوْلُهُ (﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾) الجَماعَةُ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو رَفْعٌ مَجازِيٌّ. والمُرادُ: رَفَعُ المَنزِلَةِ، لِما أُوتِيَهُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي فاقَ بِهِ عَلى مَن سَلَفَهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقالَ بِهِ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ. وقالَ جَماعَةٌ: هو رَفْعٌ حَقِيقِيٌّ إلىِ السَّماءِ. وفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ ولَمْ يُوجَدْ لِأنَّ اللَّهَ أخَذَهُ وعَلى هَذا فَرَفْعُهُ مِثْلُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ رُوحِهِ ورَوْحَنَةِ جُثَّتِهِ.
ومِمّا يُذْكَرُ عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً لا يَنامُ ولا يَأْكُلُ حَتّى تَرَوْحَنَ، فَرُفِعَ، وأمّا حَدِيثُ الإسْراءِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أنْبِياءَ غَيْرَهُ وُجِدُوا في السَّماواتِ. ووَقَعَ في حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ الإسْراءِ بِالنَّبِيءِ
صفحة ١٣٢
- صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى السَّماواتِ «أنَّهُ وجَدَ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماءِ وأنَّهُ لَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيءِ الصّالِحِ»؛ فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلادَةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ والِابْنِ الصّالِحِ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قالَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِأُخُوَّةِ التَّوْحِيدِ فَرَجَّحَها عَلى صِلَةِ النَّسَبِ فَكانَ ذَلِكَ مِن حِكْمَتِهِ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا مِنَ الرّاوِي فَإنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ لَمْ تَثْبُتْ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَدْ جَزَمَ البُخارِيُّ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ بِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ أوْ جَدُّ أبِيهِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ في قَوْلِهِ مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ ما يُنافِي أنْ يَكُونَ أبًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
مريم 19:57
﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إدْرِيسَ إنَّهُ كانَ صِدِّيقًا نَبِيئًا﴾ ﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾
إدْرِيسُ: اسْمٌ جُعِلَ عَلَمًا عَلى جَدِّ أبِي نُوحٍ، وهو المُسَمّى في التَّوْراةِ أخْنُوخَ. فَنُوحٌ هو ابْنُ لامِكَ بْنِ مَتُّوشالِحَ بْنِ أخْنُوخَ، فَلَعَلَّ اسْمَهُ عِنْدَ نَسّابِيِ العَرَبِ إدْرِيسَ، أوْ أنَّ القُرْآنَ سَمّاهُ بِذَلِكَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِنَ الدَّرْسِ لِما سَيَأْتِي قَرِيبًا. واسْمُهُ هَرْمَسُ عِنْدَ اليُونانِ، ويُزْعَمُ أنَّهُ كَذَلِكَ يُسَمّى عِنْدَ المِصْرِيِّينَ القُدَماءِ، والصَّحِيحُ أنَّ اسْمَهُ عِنْدَ المِصْرِيِّينَ تُوتٌ أوْ تُحُوتِي أوْ تُهُوتِي لَهَجاتٌ في النُّطْقِ بِاسْمِهِ.
وذَكَرَ ابْنُ العِبْرِيِّ في تارِيخِهِ أنَّ إدْرِيسَ كانَ يُلَقَّبُ عِنْدَ قُدَماءِ اليُونانِ طُرَيْسَمَجِيسَطِيسَ. ومَعْناهُ بِلِسانِهِمُ ثُلاثِيُّ التَّعْلِيمِ، لِأنَّهُ كانَ يَصِفُ اللَّهَ بِثَلاثِ صِفاتٍ ذاتِيَّةٍ وهي الوُجُودُ والحِكْمَةُ والحَياةُ اهـ.
صفحة ١٣١
ولا يَخْفى قُرْبُ الحُرُوفِ الأُولى في هَذا الِاسْمِ مِن حُرُوفِ إدْرِيسَ، لَعَلَّ العَرَبَ اخْتَصَرُوا الِاسْمَ لِطُولِهِ فاقْتَصَرُوا عَلى أوَّلِهِ مَعَ تَغْيِيرٍ.
وكانَ إدْرِيسُ نَبِيئًا، فَفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ.
قِيلَ: هو أوَّلُ مَن وضَعَ لِلْبَشَرِ عِمارَةَ المُدُنِ، وقَواعِدَ العِلْمِ، وقَواعِدَ التَّرْبِيَةِ، وأوَّلُ مَن وضَعَ الخَطَّ، وعِلْمَ الحِسابِ بِالنُّجُومِ وقَواعِدَ سَيْرِ الكَواكِبِ، وتَرْكِيبَ البَسائِطِ بِالنّارِ فَلِذَلِكَ كانَ عِلْمُ الكِيِمْياءِ يُنْسَبُ إلَيْهِ، وأوَّلُ مَن عَلَّمَ النّاسَ الخِياطَةَ. فَكانَ هو مَبْدَأ مَن وضَعَ العُلُومَ، والحَضارَةَ، والنُّظُمَ العَقْلِيَّةَ. فَوَجْهُ تَسْمِيَتِهِ في القُرْآنِ بِإدْرِيسَ أنَّهُ اشْتُقَّ لَهُ اسْمٌ مِنَ الفَرَسِ وزْنٌ مُناسِبٌ لِلْأعْلامِ العَجَمِيَّةِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ مَعَ كَوْنِ حُرُوفِهِ مِن مادَّةٍ عَرَبِيَّةٍ، كَما مُنِعَ إبْلِيسُ مِنَ الصَّرْفِ، وكَما مُنِعَ طالُوتُ مِنَ الصَّرْفِ.
وتَقَدَّمَ اخْتِلافُ القُرّاءِ في لَفْظِ (نَبِيئًا) عِنْدَ ذِكْرِ إبْراهِيمَ.
وقَوْلُهُ (﴿ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا﴾) الجَماعَةُ مِنَ المُفَسِّرِينَ هو رَفْعٌ مَجازِيٌّ. والمُرادُ: رَفَعُ المَنزِلَةِ، لِما أُوتِيَهُ مِنَ العِلْمِ الَّذِي فاقَ بِهِ عَلى مَن سَلَفَهُ. ونُقِلَ هَذا عَنِ الحَسَنِ، وقالَ بِهِ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ. وقالَ جَماعَةٌ: هو رَفْعٌ حَقِيقِيٌّ إلىِ السَّماءِ. وفي الإصْحاحِ الخامِسِ مِن سِفْرِ التَّكْوِينِ وسارَ أخْنُوخُ مَعَ اللَّهِ ولَمْ يُوجَدْ لِأنَّ اللَّهَ أخَذَهُ وعَلى هَذا فَرَفْعُهُ مِثْلُ رَفْعِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والأظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ نَزْعِ رُوحِهِ ورَوْحَنَةِ جُثَّتِهِ.
ومِمّا يُذْكَرُ عَنْهُ أنَّهُ بَقِيَ ثَلاثَ عَشَرَةَ سَنَةً لا يَنامُ ولا يَأْكُلُ حَتّى تَرَوْحَنَ، فَرُفِعَ، وأمّا حَدِيثُ الإسْراءِ فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِهَذا القَوْلِ لِأنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ عِدَّةَ أنْبِياءَ غَيْرَهُ وُجِدُوا في السَّماواتِ. ووَقَعَ في حَدِيثِ مالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَنِ الإسْراءِ بِالنَّبِيءِ
صفحة ١٣٢
- صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى السَّماواتِ «أنَّهُ وجَدَ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في السَّماءِ وأنَّهُ لَمّا سَلَّمَ عَلَيْهِ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيءِ الصّالِحِ»؛ فَأُخِذَ مِنهُ أنَّ إدْرِيسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلادَةٌ عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ والِابْنِ الصّالِحِ، ولا دَلِيلَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ قالَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِأُخُوَّةِ التَّوْحِيدِ فَرَجَّحَها عَلى صِلَةِ النَّسَبِ فَكانَ ذَلِكَ مِن حِكْمَتِهِ؛ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَهْوًا مِنَ الرّاوِي فَإنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ لَمْ تَثْبُتْ في حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وقَدْ جَزَمَ البُخارِيُّ في أحادِيثِ الأنْبِياءِ بِأنَّ إدْرِيسَ جَدُّ نُوحٍ أوْ جَدُّ أبِيهِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَرَ في قَوْلِهِ مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ ما يُنافِي أنْ يَكُونَ أبًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
مريم 19:58
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ النَّبِيئِينَ مِن ذُرِّيَةِ آدَمَ ومِمَّنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ ومِن ذُرِّيَةِ إبْراهِيمَ وإسْرائِيلَ ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا إذا تُتْلى عَلَيْهِمُ آياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيّا﴾ .
الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيُّ، واسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلىِ المَذْكُورِينَ مِن قَوْلِهِ (﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]) إلى هُنا. والإتْيانُ بِهِ دُونَ الضَّمِيرِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِمُ جَدِيرُونَ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ ما ذُكِرَ مَعَ المُشارِ إلَيْهِمُ مِنَ الأوْصافِ، أيْ كانُوا أحْرِياءَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمُ وكَوْنُهُمُ في عِدادِ المَهْدِيِّينَ المُجْتَبَيْنَ وخَلِيقِينَ بِمَحَبَّتِهِمُ لِلَّهِ تَعالى وتَعْظِيمِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ١٣٣
والمَذْكُورُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ (أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ) وقَوْلِهِ (﴿ومِمَّنْ هَدَيْنا واجْتَبَيْنا﴾)، فَإنَّ ذَلِكَ أحْسَنُ جَزاءٍ عَلى ما قَدَّمُوهُ مِنَ الأعْمالِ، ومَن أُعْطَوْهُ مِن مَزايا النُّبُوءَةِ والصِّدِيقِيَّةِ ونَحْوِهِما. وتِلْكَ وإنْ كانَتْ نِعَمًا وهِدايَةً واجْتِباءً فَقَدْ زادَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِإسْنادِ تِلْكَ العَطايا إلىِ اللَّهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَها، فَكانَ ذَلِكَ التَّشْرِيفُ هو الجَزاءُ عَلَيْها إذْ لا أزْيَدُ مِنَ المُجازى عَلَيْهِ إلّا تَشْرِيفُهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ مِنَ النَّبِيِينَ بِياءَيْنِ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ. وقَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المُوَحَّدَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمَنِ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ دالَّةٌ عَلى شُكْرِهِمُ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْهِمُ وتَقْرِيبِهِ إيّاهُمُ بِالخُضُوعِ لَهُ بِالسُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِهِ وبِالبُكاءِ. والمُرادُ بِهِ البُكاءُ النّاشِئُ عَنِ انْفِعالِ النَّفْسِ انْفِعالًا مُخْتَلِطًا مِنَ التَّعْظِيمِ والَخَوْفِ.
وسُجَّدًا جَمْعُ ساجِدٍ، وبُكِيًّا جَمْعُ باكٍ. والأوَّلُ بِوَزْنِ فُعَّلَ مِثْلُ عُذَّلٍ، والثّانِي وزَنُهُ فُعُولٌ جَمْعُ فاعِلٍ؛ مِثْلُ قَوْمٍ قُعُودٍ، وهو يَأْتِي لِأنَّ فِعْلَهُ بَكى يَبْكِي، فَأصْلُهُ: بُكُويٌّ، فَلَمّا اجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ إحْداهُما بِالسُّكُونِ قُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ وحُرِّكَتْ عَيْنُ الكَلِمَةِ بِحَرَكَةٍ مُناسِبَةٍ لِلْياءِ. وهَذا الوَزْنُ سَماعِيُّ في جَمْعِ فاعِلٍ ومِثْلِهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ مِن مَواضِعِ سُجُودِ القُرْآنِ المَرْوِيَّةِ عَنِ النَّبِيءِ - صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - اقْتِداءً بِأُولَئِكَ الأنْبِياءِ في السُّجُودِ عِنْدَ تِلاوَةِ القُرْآنِ، فَهم سَجَدُوا كَثِيرًا عِنْدَ تِلاوَةِ آياتِ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِمُ، ونَحْنُ نَسْجُدُ
صفحة ١٣٤
اقْتِداءً بِهِمْ عِنْدَ تِلاوَةِ الآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْنا. وأثْنَتْ عَلى سُجُودِهِمْ قَصْدًا لِلتَّشَبُّهِ بِهِمْ بِقَدْرِ الطّاقَةِ حِينَ نَحْنُ مُتَلَبِّسُونَ بِذِكْرِ صَنِيعِهِمْ. وقَدْ سَجَدَ النَّبِيءُ - صَلّىِ اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ وسَنَّ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ.
مريم 19:59
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾
فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.
والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
صفحة ١٣٥
ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.
والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.
والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.
وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.
والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .
صفحة ١٣٦
وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.
وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣٧
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.
والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.
والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.
وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٣٨
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .
والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.
والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.
وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.
مريم 19:60
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾
فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.
والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
صفحة ١٣٥
ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.
والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.
والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.
وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.
والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .
صفحة ١٣٦
وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.
وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣٧
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.
والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.
والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.
وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٣٨
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .
والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.
والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.
وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.
مريم 19:61
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾
فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.
والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
صفحة ١٣٥
ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.
والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.
والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.
وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.
والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .
صفحة ١٣٦
وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.
وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣٧
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.
والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.
والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.
وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٣٨
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .
والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.
والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.
وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.
مريم 19:62
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾
فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.
والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
صفحة ١٣٥
ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.
والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.
والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.
وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.
والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .
صفحة ١٣٦
وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.
وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣٧
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.
والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.
والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.
وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٣٨
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .
والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.
والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.
وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.
مريم 19:63
﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوُا الصَّلاةَ واتَّبَعُوُا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ . ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ ولا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ . ﴿جَناَتِ عَدَنٍ الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ . ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا ولَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ ﴿تِلْكَ الجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِن عِبادِنا مَن كانَ تَقِيًّا﴾
فرَّعَ عَلىِ الثَّناءِ عَلَيْهِمُ اعْتِبارٌ وتَنْدِيدٌ بِطائِفَةٍ مِن ذُرِّياتِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا بِصالِحِ أسْلافِهِمْ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِـ الخَلْفِ.
والخَلْفُ بِسِكُونِ اللّامِ عَقِبُ السُّوءِ، وبِفَتْحِ اللّامِ عَقِبُ الخَيْرِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ﴾ [الأعراف: ١٦٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو هُنا يَشْمَلُ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّتِي ضَلَّتْ لِأنَّها راجِعَةٌ في النَّسَبِ إلى إدْرِيسَ جَدِّ نُوحٍ إذْ هم مِن ذُرِّيَةِ نُوحٍ ومَن يَرْجِعُ أيْضًا إلى إبْراهِيمَ فَمِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ إسْماعِيلَ وهُمُ العَرَبُ. ومِنهم مَن يُدْلِي إلَيْهِ مِن نَسْلِ يَعْقُوبَ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
صفحة ١٣٥
ولَفْظُ مِن بَعْدِهِمْ يَشْمَلُ طَبَقاتٍ وقُرُونًا كَثِيرَةً، لَيْسَ قَيْدًا لِأنَّ الخَلَفَ لا يَكُونُ إلّا مِن بَعْدِ أصْلِهِ وإنَّما ذُكِرَ لِاسْتِحْضارِ ذَهابِ الصّالِحِينَ.
والإضاعَةُ: مَجازٌ في التَّفْرِيطِ بِتَشْبِيهِهِ بِإهْمالِ العَرَضِ النَّفِيسِ، فَرَّطُوا في عِبادَةِ اللَّهِ واتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ فَلَمْ يُخالِفُوا ما تَمِيلُ إلَيْهِ أنْفُسُهم مِمّا هو فَسادٌ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]) في الكَهْفِ.
والصَّلاةُ: عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ.
وهَذانِ وصْفانِ جامِعانِ لِأصْنافِ الكُفْرِ والفُسُوقِ، فالشِّرْكُ إضاعَةٌ لِلصَّلاةِ لِأنَّهُ انْصِرافٌ عَنِ الخُضُوعِ لِلَّهِ تَعالى، فالمُشْرِكُونَ أضاعُوُا الصَّلاةَ تَمامًا، قالَ تَعالى (﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣])، والشِّرْكُ: اتِّباعٌ لِلشَّهَواتِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ اتَّبَعُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ، وهَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وغَيْرُ المُشْرِكِينَ كاليَهُودِ والنَّصارى فَرَّطُوا في صَلَواتٍ واتَّبَعُوا شَهَواتٍ ابْتَدَعُوها، ويَشْمَلُ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْمُ الغَيِّ.
والغَيُّ: الضَّلالُ، ويُطْلَقُ عَلىِ الشَّرِّ، كَما أُطْلِقَ ضِدُّهُ وهو الرُّشْدُ عَلىِ الخَيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن في الأرْضِ أمْ أرادَ بِهِمْ رَبُّهم رَشَدًا﴾ [الجن: ١٠]) وقَوْلِهِ (﴿قُلْ إنِّي لا أمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا رَشَدًا﴾ [الجن: ٢١]) . فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ جَزاءَ غَيِّهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]) في جَزاءِ الآثامِ. وتَقَدَّمَ الغَيُّ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإخْوانُهم يَمُدُّونَهم في الغَيِّ﴾ [الأعراف: ٢٠٢])، وقَوْلِهِ (﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٦]) كِلاهُما في سُورَةِ الأعْرافِ. وقَرِينَةُ ذَلِكَ مُقابَلَتُهُ في ضِدِّهِمْ بِقَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) .
صفحة ١٣٦
وحَرْفُ (سَوْفَ) دالُّ عَلى أنَّ لِقاءَهُمُ الغَيَّ مُتَكَرِّرٌ في أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ مُبالَغَةً في وعِيدِهِمْ وتَحْذِيرًا لَهم مِنَ الإصْرارِ عَلى ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ﴾) جِيءَ في جانِبِهِمْ بِاسْمِ الإشارَةِ إشادَةً بِهِمْ وتَنْبِيهًا لَهم لِلتَّرْغِيبِ في تَوْبَتِهِمْ مِنَ الكُفْرِ. وجِيءَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ عَلىِ الحالِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم لا يُمْطَلُونَ في الجَزاءِ. والجَنَّةُ: عَلَمٌ لِدارِ الثَّوابِ والنَّعِيمِ. وفِيها جَنّاتٌ كَثِيرَةٌ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ: «أوَجَنَّةٌ واحِدَةٌ هي إنَّها لَجِنانٌ كَثِيرَةٌ» . والظُّلْمُ: هُنا بِمَعْنىِ النَّقْصِ والإجْحافِ والمَطْلِ، كَقَوْلِهِ (﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]) في سُورَةِ الكَهْفِ.
وشَيْءٌ: اسْمٌ بِمَعْنى ذاتٍ أوْ مَوْجُودٍ ولَيْسَ المُرادُ مَصْدَرُ الظُّلْمِ. وذِكْرُ (شَيْئًا) في سِياقِ النَّفْيِ يُفِيدُ نَفْيَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ النَّقْصِ والإجْحافِ والإبْطاءِ، فَيُعَلَمُ انْتِفاءُ النَّقْصِ القَوِيِّ بِالفَحْوى دَفَعًا لِما عَسى أنْ يُخالِجَ نُفُوسَهم مِنَ الِانْكِسارِ بَعْدَ الإيمانِ بِظَنِّ أنَّ سَبْقَ الكُفْرِ يَحُطُّ مِن حُسْنِ مَصِيرِهِمْ.
وجَنّاتِ بَدَلٌ مِنَ الجَنَّةِ. جِيءَ بِصِيغَةِ جَمْعِ جَنّاتٍ مَعَ أنَّ المُبْدَلَ مِنهُ مُفْرَدٌ لِأنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلى جَنّاتٍ كَثِيرَةٍ كَما عَلِمْتَ، وهو بَدَلٌ مُطابِقٌ ولَيْسَ بَدَلَ اشْتِمالٍ.
وعَدْنٌ: الخُلْدُ والإقامَةُ، أيْ جَنّاتِ خُلْدٍ ووَصْفُها بِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ﴾) زِيادَةُ تَشْرِيفِها وتَحْسِينِها، وفي ذَلِكَ إدْماجٌ لِتَبْشِيرِ المُؤْمِنِينَ السّابِقَيْنَ في أثْناءِ وعْدِ المَدْعُوِّينَ إلىِ الإيمانِ.
والغَيْبُ: مَصْدَرُ غابَ، فَكُلُّ ما غابَ عَنِ المُشاهَدَةِ فَهو غَيْبٌ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]) في أوَّلِ البَقَرَةِ.
صفحة ١٣٧
والباءُ في بِالغَيْبِ لِلظَّرْفِيَّةِ، أيْ وعَدَها إيّاهم في الأزْمِنَةِ الغائِبَةِ عَنْهم، أيْ في الأزَلِ إذْ خَلَقَها لَهم، قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] . وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّها وإنْ كانَتْ مَحْجُوبَةً عَنْهم في الدُّنْيا فَإنَّها مُهَيِّئَةٌ لَهم.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ كانَ وعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾) تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ (﴿الَّتِي وعَدَ الرَّحْمَنُ عِبادَهُ بِالغَيْبِ﴾) في يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وعَدًا مِنَ اللَّهِ واقِعًا. وهَذا تَحْقِيقٌ لِلْبِشارَةِ.
والوَعْدُ: هُنا مَصْدَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى المَفْعُولِ. وهو مِن بابِ كَسا، فاللَّهُ وعَدَ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ جَنّاتِ عَدْنٍ، فالجَنّاتُ لَهم مَوْعُودَةٌ مِن رَبِّهِمْ.
والمَأْتِيُّ: الَّذِي يَأْتِيهِ غَيْرُهُ، وقَدِ اسْتُعِيرُ الإتْيانُ لِحُصُولِ المَطْلُوبِ المُتَرَقَّبِ، تَشْبِيهًا لِمَن يُحَصِّلُ الشَّيْءَ بَعْدَ أنْ سَعى لِتَحْصِيلِهِ بِمَن مَشى إلى مَكانٍ حَتّى أتاهُ، وتَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُحَصَّلِ بِالمَكانِ المَقْصُودِ. فَفي قَوْلِهِ (مَأْتِيًّا) تَمْثِيلِيَّةٌ اقْتُصِرَ مِن أجْزائِها عَلى إحْدى الهَيْئَتَيْنِ، وهي تَسْتَلْزِمُ الهَيْئَةَ الأُخْرى لِأنَّ المَأْتِيَّ لا بُدَّ لَهُ مَن آتٍ.
وجُمْلَةُ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾) حالٌ مِن عِبادِهِ. واللَّغْوُ: فُضُولُ الكَلامِ وما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وإنْفاؤُهُ كِنايَةٌ عَنِ انْتِفاءِ أقَلِّ المُكَدِّراتِ في الجَنَّةِ، كَما قالَ تَعالى (﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١])، وكِنايَةٌ عَنْ جَعْلِ مُجازاةِ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ بِضِدِّ ما كانُوا يُلاقُونَهُ في الدُّنْيا مِن أذى المُشْرِكِينَ ولَغْوِهِمْ.
وقَوْلُهُ: إلّا سَلامًا اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ وهو مَجازٌ مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
صفحة ١٣٨
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
أيْ لَكِنْ تَسْمَعُونَ سَلامًا، قالَ تَعالى (﴿وتَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠]) وقالَ (﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا ولا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إلّا قِيلًا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦]) .
والرِّزْقُ: الطَّعامُ. وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ ذَلِكَ ودَوامِهِ، فَيُفِيدُ التَّكَرُّرَ المُسْتَمِرَ وهو أخَصُّ مِنَ التَّكَرُّرِ المُفادِ بِالفِعْلِ المُضارِعِ وأكْثَرَ. وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلِاهْتِمامِ بِشَأْنِهِمْ، وإضافَةُ رِزْقُ إلى ضَمِيرِ هم لِزِيادَةِ الِاخْتِصاصِ.
والبُكْرَةُ: النِّصْفُ الأوَّلُ مِنَ النّارِ، والعَشِيُّ: النِّصْفُ الأخِيرُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما كِنايَةٌ عَنِ اسْتِغْراقِ الزَّمَنِ، أيْ لَهم رِزْقُهم غَيْرُ مَحْصُورٍ ولا مُقَدَّرٍ بَلْ كُلَّما شاءُوا فَلِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّيْلَ.
وجُمْلَةُ تِلْكَ الجَنَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، واسْمُ الإشارَةِ لِزِيادَةِ التَّمْيِيزِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِها وأُجْرِيتَ عَلَيْها الصِّفَةُ بِالمَوْصُولِ وصِلَتِهِ تَنْوِيهًا بِالمُتَّقِينَ وأنَّهم أهْلُ الجَنَّةِ كَما قالَ تَعالى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] .
ونُورِثُ نَجْعَلُ وارِثًا، أيْ نُعْطِي الإرْثَ. وحَقِيقَةُ الإرْثِ: انْتِقالُ مالِ القَرِيبِ إلى قَرِيبِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأنَّهُ أوْلى النّاسِ بِمالِهِ فَهو انْتِقالٌ مُقَيَّدٌ بِحالَةٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِلْعَطِيَّةِ المُدَّخَرَةِ لِمُعْطاها، تَشْبِيهًا بِمالِ الِمَوْرُوثِ الَّذِي يَصِيرُ إلى وارِثِهِ آخِرَ الأمْرِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ نُورِثُ بِسُكُونِ الواوِ بَعْدَ الضَّمَّةِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ: نُوَرِّثُ بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ مِن ورَّثَهُ المُضاعَفِ.
مريم 19:64
صفحة ١٣٩
﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا غَرِيبٌ. فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها ) «أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبْطَأ أيّامًا عَنِ النُّزُولِ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأنَّ النَّبِيءَ ودَّ أنْ تَكُونَ زِيارَةُ جِبْرِيلَ لَهُ أكْثَرَ مِمّا هو يَزُورُهُ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: ألا تَزُورُنا أكْثَرَ مِمّا تَزُورُنا، فَنَزَلَتْ (﴿وما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ﴾) إلى آخَرِ الآيَةِ، أيْ إلى قَوْلِهِ نَسِيًّا»، رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وظاهِرُهُ أنَّهُ رِوايَةٌ وهو أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها وألْيَقُهُ بِمَوْقِعِها هُنا. ولا يُلْتَفَتُ إلى غَيْرِهِ مِنَ الأقْوالِ في سَبَبِ نُزُولِها.
والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أمَرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ جَوابًا عَنْهُ، فالنَّظْمُ نَظْمُ القُرْآنِ بِتَقْدِيرِ: وقُلْ ما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ، أيْ قُلْ يا جِبْرِيلُ، فَكانَ هَذا خِطابًا لِجِبْرِيلَ لِيُبَلِّغُهُ إلى النَّبِيءِ ﷺ قُرْآنًا. فالواوُ عاطِفَةُ فِعْلِ القَوْلِ المَحْذُوفِ عَلى الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ مَعَ اخْتِلافِ المُخاطَبِ، وأمْرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يَقْرَأها هُنا، ولِأنَّها نَزَلَتْ لِتَكُونَ مِنَ القُرْآنِ.
ولا شَكَّ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ ذَلِكَ لِجِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عِنْدَ انْتِهاءِ قَصَصِ الأنْبِياءِ في هَذِهِ السُّورَةِ فَأُثْبِتَتِ الآيَةُ في المَوْضِعِ الَّذِي بَلَغَ إلَيْهِ نُزُولُ القُرْآنِ. والضَّمِيرُ لِجِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ، أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيئَهُ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ أنَّ نُزُولَ المَلائِكَةِ لا يَقَعُ إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى ولَيْسَ لَهُمُ اخْتِيارٌ
صفحة ١٤٠
فِي النُّزُولِ ولِقاءِ الرُّسُلِ، قالَ تَعالى (﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧]) . ونَتَنَزَّلُ مُرادِفُ نَنْزِلُ، وأصْلُ التَّنَزُّلِ: تُكَلُّفُ النُّزُولِ. فَأُطْلِقَ ذَلِكَ عَلى نُزُولِ المَلائِكَةِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِأنَّهُ نُزُولٌ نادِرٌ وخُرُوجٌ عَنْ عالَمِهِمْ فَكَأنَّهُ مُتَكَلَّفٌ، قالَ تَعالى (﴿تَنَزَّلُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها﴾ [القدر: ٤]) .
واللّامُ في لَهُ لِلْمُلْكِ، وهو مُلْكُ التَّصَرُّفِ.
والمُرادُ بِ ما بَيْنَ أيْدِينا: ما هو أمامَنا، وبِ ما خَلْفَنا: ما هو وراءَنا، وبِ ما بَيْنَ ذَلِكَ: ما كانَ عَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ، لِأنَّ ما كانَ عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ هو بَيْنَ الأمامِ والخَلْفِ. والمَقْصُودُ اسْتِيعابُ الجِهاتِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ مُخْبَرًا عَنْهُ بِأنَّهُ مِلْكٌ لِلَّهِ تَعَيَّنَ أنْ يُرادَ بِهِ الكائِناتُ الَّتِي في تِلْكَ الجِهاتِ، فالكَلامُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الحُلُولِ، مِثْلُ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، فَيَعُمُّ جَمِيعَ الكائِناتِ، ويَسْتَتْبِعُ عُمُومَ أحْوالِها وتَصَرُّفاتِها مِثْلَ التَّنَزُّلِ بِالوَحْيِ. ويَسْتَتْبِعُ عُمُومَ الأزْمانِ المُسْتَقْبَلِ والماضِي والحالِ، وقَدْ فُسِّرَ بِها قَوْلُهُ (﴿ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ﴾) . وجُمْلَةُ (﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾) إلى هَذا الوَجْهِ مِنَ الكَلامِ المُلَقَّنِ بِهِ جِبْرِيلُ جَوابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ . ونَسِيًّا صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِن نَسِيَ، أيْ كَثِيرُ النِّسْيانِ أوْ شَدِيدُهُ.
والنِّسْيانُ: الغَفْلَةُ عَنْ تَوْقِيتِ الأشْياءِ بِأوْقاتِها. وقَدْ فَسَّرُوهُ هُنا بِتارِكٍ، أيْ ما كانَ رَبُّكَ تارِكُكَ.
وعَلَيْهِ فالمُبالَغَةُ مُنْصَرِفَةٌ إلى
صفحة ١٤١
طُولِ مُدَّةِ النِّسْيانِ. وفُسِّرَ بِمَعْنى شَدِيدِ النِّسْيانِ، فَيَتَعَيَّنُ صَرْفُ المُبالَغَةِ إلى جانِبِ نِسْبَةِ نَفْيِ النِّسْيانِ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ تَحْقِيقُ نَفْيِ النِّسْيانِ مِثْلَ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما رَبُّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]) هو هُنا كِنايَةٌ عَنْ إحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ، أيْ أنَّ تَنَزُّلَنا بِأمْرِ اللَّهِ لِما هو عَلى وفْقِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ في ذَلِكَ، فَنَحْنُ لا نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِهِ، وهو لا يَأْمُرُنا بِالتَّنَزُّلِ إلّا عِنْدَ اقْتِضاءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَأْمُرَنا بِهِ.
وجَوَّزَ أبُو مُسْلِمٍ وصاحِبُ الكَشّافِ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مِن تَمامِ حِكايَةِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ بِتَقْدِيرِ فِعْلِ يَقُولُونَ حالًا مِن قَوْلِهِ: مَن كانَ تَقِيًّا، أيْ وما نَتَنَزَّلُ في هَذِهِ الجَنَّةِ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ إلَخْ. وهو تَأْوِيلٌ حَسَنٌ. وعَلَيْهِ فَكافُ الخِطابِ في قَوْلِهِ بِأمْرِ رَبِّكَ خِطابُ كُلِّ قائِلٍ لِمُخاطِبِهِ. وهَذا التَّجْوِيزُ بِناءً عَلى أنَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَأْيٌ لَهُ في تَفْسِيرِ الآيَةِ لا تَتَعَيَّنُ مُتابَعَتُهُ.
وعَلَيْهِ فَجُمْلَةُ (﴿وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾) مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ تَذْيِيلًا لِما قَبْلَهُ، أوْ هي مِن كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ، أيْ وما كانَ رَبُّنا غافِلًا عَنْ إعْطاءِ ما وعَدَنا بِهِ.
مريم 19:65
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ فاعْبُدْهُ إلى آخِرِهِ ذُيِّلَ بِهِ الكَلامُ الَّذِي لُقِّنَهُ جِبْرِيلُ المُتَضَمِّنُ: أنَّ المَلائِكَةَ لا يَتَصَرَّفُونَ إلّا عَنْ إذْنِ رَبِّهمْ وأنَّ أحْوالَهم كُلَّها في قَبْضَتِهِ بِما
صفحة ١٤٢
يُفِيدُ عُمُومَ تَصَرُّفِهِ تَعالى في سائِرِ الكائِناتِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِعِبادَتِهِ، فَقَدِ انْتَقَلَ الخِطابُ إلَيْهِ.
وارْتَفَعَ رَبُّ السَّماواتِ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مُلْتَزِمَ الحَذْفِ في المَقامِ الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ أحَدٌ بِأخْبارٍ وأوْصافٍ ثُمَّ يُرادُ تَخْصِيصُهُ بِخَبَرٍ آخَرَ. وهَذا الحَذْفُ سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ بِالحَذْفِ الَّذِي اتُّبِعَ فِيهِ الِاسْتِعْمالُ كَقَوْلِ الصَّوْلِيِّ أوِ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِفَتْحِ الزّايِ وكَسْرِ المُوَحَّدَةِ:
سَأشْكُرُ عَمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي أيادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وإنْ هي جَلَّتِ
فَتًى غَيْرُ مَحْجُوبِ الغِنى عَنْ صَدِيقِهِ ∗∗∗ ولا مُظْهِرِ الشَّكْوى إذا النَّعْلُ زَلَّتِ
والسَّماواتُ: العَوالِمُ العُلْوِيَّةُ. والأرْضُ: العالَمُ السُّفْلِيُّ، وما بَيْنَهُما: الأجْواءُ والآفاقُ. وتِلْكَ الثَّلاثَةُ تَعُمُّ سائِرَ الكائِناتِ.
والخِطابُ في فاعْبُدْهُ، واصْطَبِرْ، وهَلْ تَعْلَمُ لِلنَّبِيءِ ﷺ . وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِعِبادَتِهِ عَلى ذَلِكَ ظاهِرُ المُناسِبَةِ ويَحْصُلُ مِنهُ التَّخَلُّصُ إلى التَّنْوِيهِ بِالتَّوْحِيدِ وتَفْظِيعِ الإشْراكِ.
والِاصْطِبارِ: شِدَّةُ الصَّبْرِ عَلى الأمْرِ الشّاقِّ، لِأنَّ صِيغَةَ الِافْتِعالِ تَرِدُ لِإفادَةِ قُوَّةِ الفِعْلِ. وكانَ الشَّأْنُ أنْ يُعَدّى الِاصْطِبارُ بِحَرْفِ عَلى كَما قالَ تَعالى (﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ [طه: ١٣٢]) لَكِنَّهُ عُدِّيَ هُنا بِاللّامِ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الثَّباتِ، أيِ اثْبُتْ لِلْعِبادَةِ، لِأنَّ العِبادَةَ مَراتِبٌ كَثِيرَةٌ مِن مُجاهَدَةِ النَّفْسِ. وقَدْ يَغْلِبُ بَعْضُها بَعْضَ النُّفُوسِ فَتَسْتَطِيعَ الصَّبْرَ عَلى بَعْضِ العِباداتِ دُونَ بَعْضٍ كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ في صَلاةِ العِشاءِ: «هِيَ أثْقَلُ صَلاةٍ عَلى المُنافِقِينَ» . فَلِذَلِكَ لَمّا أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِالصَّبْرِ عَلى العِبادَةِ كُلِّها وفِيها أصْنافٌ
صفحة ١٤٣
جَمَّةٌ تَحْتاجُ إلى ثَباتِ العَزِيمَةِ، نُزِّلَ القائِمُ بِالعِبادَةِ مَنزِلَةَ المُغالِبِ لِنَفْسِهِ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ بِاللّامِ كَما يُقالُ: اثْبُتْ لِعُداتِكَ.
وجُمْلَةُ (﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾) واقِعَةٌ مُوَقِعَ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِعِبادَتِهِ والِاصْطِبارِ عَلَيْها. والسَّمِيُّ هُنا الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المُسامِي، أيِ المُماثِلِ في شُئُونِهِ كُلِّها. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ فَسَّرَهُ بِالنَّظِيرِ، مَأْخُوذًا مِنَ المُساماةِ فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، لَكِنَّهُ أُخِذَ مِنَ المَزِيدِ كَقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعُ
أيِ المُسْمِعُ. وكَما سُمِّيَ تَعالى الحَكِيمَ، أيِ المُحْكِمُ لِلْأُمُورِ، فالسَّمِيُّ هُنا بِمَعْنى المُماثِلِ في الصِّفاتِ بِحَيْثُ تَكُونُ المُماثَلَةُ في الصِّفاتِ كالمُساماةِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مُسامِيَ لِلَّهِ تَعالى، أيْ لَيْسَ مَن يُسامِيهِ، أيْ يُضاهِيهِ، مَوْجُودًا.
وقِيلَ السَّمِيُّ: المُماثِلُ في الِاسْمِ، كَقَوْلِهِ في ذِكْرِ يَحْيى (﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٧]) . والمَعْنى: لا تَعْلَمُ لَهُ مُماثِلًا في اسْمِهِ ”اللَّهُ“ فَإنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُسَمُّوا شَيْئًا مِن أصْنامِهِمُ ”اللَّهَ“ بِاللّامِ وإنَّما يَقُولُونَ لِلْواحِدِ مِنها إلَهٌ، فانْتِفاءُ تَسْمِيَةِ غَيْرِهِ مِنَ المَوْجُوداتِ المُعَظَّمَةِ بِاسْمِهِ كِنايَةً عَنْ إعترافِ النّاسِ بِأنْ لا مُماثِلَ لَهُ في صِفَةِ الخالِقَيَّةِ، لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَجْتَرِئُوا عَلى أنْ يَدَّعُو لِآلِهَتِهِمُ الخالِقِيَّةَ قالَ تَعالى (﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]) . وبِذَلِكَ يَتِمُّ كَوْنُ الجُمْلَةِ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ أيْضًا.
صفحة ١٤٤
وكُنِّيَ بِانْتِفاءِ العِلْمِ بِسَمِيِّهِ عَنِ انْتِفاءِ وُجُودِ سَمِّيٍّ لَهُ، لِأنَّ العِلْمَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ المَعْلُومِ، وإذا انْتَفى مُماثِلُهُ انْتَفى مَن يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ غَيْرُهُ.
مريم 19:66
﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ (﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]) إبْطالَ عَقِيدَةِ الإشْراكِ بِهِ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى إبْطالِ أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ، وهو نَفْيُ المُشْرِكِينَ وُقُوعَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ حَتّى يَتِمَّ انْتِقاضُ أصْلَيِ الكُفْرِ. فالواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ، والإتْيانُ بِفِعْلِ يَقُولُ مُضارِعًا لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَوْلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قائِلِهِ تَعْجِيبَ إنْكارٍ.
والمُرادُ بِالإنْسانِ جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، بِقَرِينَةِ قَوْلهِ بَعْدَهُ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، فَيُرادُ مَن كانَتْ هاتِهِ مَقالَتُهُ وهم مُعْظَمُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ في أوَّلِ نُزُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفٌ حُذِفَ، أيِ الإنْسانُ الكافِرُ، كَما حُذِفَ الوَصْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩])، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، فَتَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) . وكَذَلِكَ إطْلاقُ النّاسِ عَلى خُصُوصِ المُشْرِكِينَ مِنهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]) إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وقِيلَ تَعْرِيفُ الإنْسانِ لِلْعَهْدِ لِإنْسانٍ مُعَيَّنٍ. فَقِيلَ، قائِلُ هَذا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
صفحة ١٤٥
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إنْكارٌ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالجُمْلَةِ المُسَلَّطِ عَلَيْها الإنْكارُ مُقْتَرِنَةً بِلامِ الِابْتِداءِ الدّالَةِ عَلى تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هي فِيها، أيْ يَقُولُ لا يَكُونُ ما حَقَّقْتُمُوهُ مِن إحْيائِي في المُسْتَقْبَلِ. ومُتَعَلِّقُ أُخْرَجُ مَحْذُوفٌ، أيْ أُخْرَجُ مِنَ القَبْرِ. وقَدْ دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ (﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إلى المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ بِصَرِيحِ وُجُودِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وذَلِكَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِقْبالُ ولا تُخَلِّصُهُ لِلْحالِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مَعَ القَرِينَةِ الصَّرِيحَةِ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في عَدَمِ تَخْلِيصِها المُضارِعَ لِلْحالِ، وإنْ صَمَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى مَنعِهِ، وتَأوَّلَ ما هُنا بِأنَّ اللّامَ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وتَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، فَلا تَكُونُ اللّامُ داخِلَةً عَلى المُضارِعِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ أوْلا يَذْكُرُ الإنْسانُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الإنْسانُ، أيْ يَقُولُ ذَلِكَ، ومِنَ النَّكِيرِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن ذُهُولِ الإنْسانِ المُنْكِرِ البَعْثَ عَنْ خَلْقِهِ الأوَّلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أوَلا يَذْكُرُ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَتَذَكَّرُ فَقُلِبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.
والشَّيْءُ: هو المَوْجُودُ، أيْ أنّا خَلَقْناهُ ولَمْ يَكُ مَوْجُودًا.
صفحة ١٤٦
و(قَبْلُ) مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. ولَمّا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ واعْتُبِرَ مُضافًا إلَيْهِ مُجْمَلًا ولَمْ يُراعَ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بُنِيَتْ قَبْلُ عَلى الضَّمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]) . والتَّقْدِيرُ: أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ كُلِّ حالَةٍ هو عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ في آيَةِ سُورَةِ الرُّومِ: لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلِ كُلِّ حَدَثٍ ومِن بَعْدِهِ. والمَعْنى: الإنْكارُ عَلى الكافِرِينَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ولا يَتَذَكَّرُوا حالَ النَّشْأةِ الأُولى فَإنَّها أعْجَبُ عِنْدَ الَّذِينَ يَجْرُونَ في مَدارِكِهِمْ عَلى أحْكامِ العادَةِ، فَإنَّ الإيجادَ عَنْ عَدَمٍ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثّالٍ أعْجَبُ وأدْعى إلى الِاسْتِبْعادِ مِن إعادَةِ مَوْجُوداتٍ كانَتْ لَها أمْثِلَةٌ. ولَكِنَّها فَسَدَتْ هَياكِلُها وتَغَيَّرَتْ تَراكِيبُها. وهَذا قِياسٌ عَلى الشّاهِدِ وإنْ كانَ القادِرُ سَواءٌ عَلَيْهِ الأمْرانِ.
مريم 19:67
﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ .
لَمّا تَضَمَّنَ قَوْلُهُ (﴿فاعْبُدْهُ واصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ﴾ [مريم: ٦٥]) إبْطالَ عَقِيدَةِ الإشْراكِ بِهِ ناسَبَ الِانْتِقالَ إلى إبْطالِ أثَرٍ مِن آثارِ الشِّرْكِ، وهو نَفْيُ المُشْرِكِينَ وُقُوعَ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ حَتّى يَتِمَّ انْتِقاضُ أصْلَيِ الكُفْرِ. فالواوُ عاطِفَةٌ قِصَّةً عَلى قِصَّةٍ، والإتْيانُ بِفِعْلِ يَقُولُ مُضارِعًا لِاسْتِحْضارِ حالَةِ هَذا القَوْلِ لِلتَّعْجِيبِ مِن قائِلِهِ تَعْجِيبَ إنْكارٍ.
والمُرادُ بِالإنْسانِ جَمْعٌ مِنَ النّاسِ، بِقَرِينَةِ قَوْلهِ بَعْدَهُ ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]، فَيُرادُ مَن كانَتْ هاتِهِ مَقالَتُهُ وهم مُعْظَمُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ في أوَّلِ نُزُولِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وصْفٌ حُذِفَ، أيِ الإنْسانُ الكافِرُ، كَما حُذِفَ الوَصْفُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩])، أيْ كُلَّ سَفِينَةٍ صالِحَةٍ، فَتَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى (أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ لَنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ) . وكَذَلِكَ إطْلاقُ النّاسِ عَلى خُصُوصِ المُشْرِكِينَ مِنهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]) إلى قَوْلِهِ (﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]) إنَّ ذَلِكَ خِطابٌ لِلْمُشْرِكِينَ. وقِيلَ تَعْرِيفُ الإنْسانِ لِلْعَهْدِ لِإنْسانٍ مُعَيَّنٍ. فَقِيلَ، قائِلُ هَذا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وقِيلَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ.
صفحة ١٤٥
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إنْكارٌ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ البَعْثِ، فَلِذَلِكَ أُتِيَ بِالجُمْلَةِ المُسَلَّطِ عَلَيْها الإنْكارُ مُقْتَرِنَةً بِلامِ الِابْتِداءِ الدّالَةِ عَلى تَوْكِيدِ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ هي فِيها، أيْ يَقُولُ لا يَكُونُ ما حَقَّقْتُمُوهُ مِن إحْيائِي في المُسْتَقْبَلِ. ومُتَعَلِّقُ أُخْرَجُ مَحْذُوفٌ، أيْ أُخْرَجُ مِنَ القَبْرِ. وقَدْ دَخَلَتْ لامُ الِابْتِداءِ في قَوْلِهِ (﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾) إلى المُضارِعِ المُسْتَقْبَلِ بِصَرِيحِ وُجُودِ حَرْفِ الِاسْتِقْبالِ، وذَلِكَ حُجَّةٌ لِقَوْلِ ابْنِ مالِكٍ بِأنَّ لامَ الِابْتِداءِ تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ المُرادِ بِهِ الِاسْتِقْبالُ ولا تُخَلِّصُهُ لِلْحالِ. ويَظْهَرُ أنَّهُ مَعَ القَرِينَةِ الصَّرِيحَةِ لا يَنْبَغِي الِاخْتِلافُ في عَدَمِ تَخْلِيصِها المُضارِعَ لِلْحالِ، وإنْ صَمَّمَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى مَنعِهِ، وتَأوَّلَ ما هُنا بِأنَّ اللّامَ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ ولَيْسَتْ لامَ الِابْتِداءِ، وتَأوَّلَهُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]) بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ ولَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى، فَلا تَكُونُ اللّامُ داخِلَةً عَلى المُضارِعِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا مُلْجِئَ إلَيْهِ.
وجُمْلَةُ أوْلا يَذْكُرُ الإنْسانُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الإنْسانُ، أيْ يَقُولُ ذَلِكَ، ومِنَ النَّكِيرِ عَلَيْهِ أنَّهُ لا يَتَذَكَّرُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلِ وُجُودِهِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَعْجِيبٌ مِن ذُهُولِ الإنْسانِ المُنْكِرِ البَعْثَ عَنْ خَلْقِهِ الأوَّلِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ أوَلا يَذْكُرُ بِسُكُونِ الذّالِ وضَمِّ الكافِ مِنَ الذُّكْرِ بِضَمِّ الذّالِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ الذّالِ وتَشْدِيدِ الكافِ عَلى أنَّ أصْلَهُ يَتَذَكَّرُ فَقُلِبَتِ التّاءُ الثّانِيَةُ ذالًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.
والشَّيْءُ: هو المَوْجُودُ، أيْ أنّا خَلَقْناهُ ولَمْ يَكُ مَوْجُودًا.
صفحة ١٤٦
و(قَبْلُ) مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. ولَمّا حُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ واعْتُبِرَ مُضافًا إلَيْهِ مُجْمَلًا ولَمْ يُراعَ لَهُ لَفْظٌ مَخْصُوصٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بُنِيَتْ قَبْلُ عَلى الضَّمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]) . والتَّقْدِيرُ: أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ كُلِّ حالَةٍ هو عَلَيْها. والتَّقْدِيرُ في آيَةِ سُورَةِ الرُّومِ: لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلِ كُلِّ حَدَثٍ ومِن بَعْدِهِ. والمَعْنى: الإنْكارُ عَلى الكافِرِينَ أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ ولا يَتَذَكَّرُوا حالَ النَّشْأةِ الأُولى فَإنَّها أعْجَبُ عِنْدَ الَّذِينَ يَجْرُونَ في مَدارِكِهِمْ عَلى أحْكامِ العادَةِ، فَإنَّ الإيجادَ عَنْ عَدَمٍ مِن غَيْرِ سَبْقِ مَثّالٍ أعْجَبُ وأدْعى إلى الِاسْتِبْعادِ مِن إعادَةِ مَوْجُوداتٍ كانَتْ لَها أمْثِلَةٌ. ولَكِنَّها فَسَدَتْ هَياكِلُها وتَغَيَّرَتْ تَراكِيبُها. وهَذا قِياسٌ عَلى الشّاهِدِ وإنْ كانَ القادِرُ سَواءٌ عَلَيْهِ الأمْرانِ.
مريم 19:68
﴿فَوَرَبِّكَ لِنَحْشُرُنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أوْلى بِها صُلِيًّا﴾ .
الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [مريم: ٦٧])، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ. وواوُ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ. والقَسَمُ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إدْماجٌ لِتَشْرِيفِ قَدْرِهِ. وضَمِيرُ لَنَحْشُرَنَّهم عائِدٌ إلى الإنْسانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ كَما تَقَدَّمَ، أيْ لَنَحْشُرَنَّ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٤٧
وعَطْفُ الشَّياطِينَ عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِقَصْدِ تَحْقِيرِهِمْ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ أحْقَرِ جِنْسٍ وأفْسَدِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشَّياطِينَ هم سَبَبُ ضَلالِهِمُ المُوجِبُ لَهم هَذِهِ الحالَةَ، فَحَشَرَهم مَعَ الشَّياطِينَ إنْذارًا لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم هو مَصِيرُ الشَّياطِينَ وهو مُحَقَّقٌ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ. فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾)، والضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ. وهَذا إعْدادٌ آخَرُ لِلتَّقَرُّبِ مِنَ العَذابِ فَهو إنْذارٌ عَلى إنْذارٍ وتَدَرُّجٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ إذْ لَيْسَتِ المُهْلَةُ مَقْصُودَةٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حالَةِ عَذابٍ إلى أشَدَّ.
وجُثِيًّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَنُحْضِرَنَّهم، والجُثِيُّ: جَمْعُ جاثٍ. ووَزْنُهُ فُعُولٌ مِثْلُ: قاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسٍ وجُلُوسٍ، وهو وزْنٌ سَماعِيٌّ في جَمْعِ فاعِلٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨])، فَأصْلُ جُثِيٍّ جُثُووٌ بِواوَيْنِ لِأنَّ فِعْلَهُ واوِيٌّ، يُقالُ: جَثا يَجْثُو إذا بَرَكَ عَلى رُكْبَتَيهِ وهي هَيْئَةُ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ في جُثُووٍ واوانِ اسْتُثْقِلا بَعْدَ ضَمَّةِ الثّاءَ فَصِيرَ إلى تَخْفِيفِهِ بِإزالَةِ سَبَبِ الثِّقَلِ السّابِقِ وهو الضَّمَّةُ فَعُوِّضَتْ بِكَسْرِ الثّاءِ، فَلَمّا كُسِرْتِ الثّاءُ تَعَيَنَ قَلْبُ الواوِ المُوالِيَةِ لَها ياءً لِلْمُناسَبَةِ فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ أحَدُهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَ الواوُ الأُخْرى ياءً وأُدْغِمَتا فَصارَ جُثِيٌّ. وهَذا الجُثُوُّ هو غَيْرُ جُثُوِّ النّاسِ في الحَشْرِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية: ٢٨]) إنَّ ذَلِكَ جُثُوُّ خُضُوعٍ لِلَّهِ، وهَذا الجُثُوُّ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثُوُّ مَذَلَّةٍ.
والقَوْلُ في عَطْفِ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾) كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِنَ الرُّعْبِ أشَدُّ مِنَ
صفحة ١٤٨
اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهي حالَةٌ تَمَيِّزُهم لِلْإلْقاءِ في دِرْكاتِ الجَحِيمِ عَلى حَسْبِ مَراتِبِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.
والنَّزْعُ: إخْراجُ شَيْءٍ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الماءِ مِنَ البِئْرِ.
والشِّيعَةُ: الطّائِفَةُ الَّتِي شايَعَتْ أحَدًا، أيِ اتَّبَعَتْهُ، فَهي عَلى رَأْيٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ هُنا شِيَعُ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مِنهم، أيْ مِمَّنْ أحْضَرْناهم حَوْلَ جَهَنَّمَ.
والعُتِيُّ: العِصْيانُ والتَّجَبُّرُ، فَهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ: خُرُوجٍ وجُلُوسٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
والمَعْنى: لِنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَجْمَعُها مَحَلَّةٌ خاصَّةً مِن دِينِ الضَّلالِ مَن هو مِن تِلْكَ الشِّيعَةِ أشَدُّ عِصْيانًا لِلَّهِ وتَجَبُّرًا عَلَيْهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ونُظَرائِهِمْ.
وأيُّ اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى ما ومِن. والغالِبُ أنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِها فَتُبْنى عَلى الضَّمِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّهم هو أشَدُّ عُتِيًّا عَلى الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا لِتَفْظِيعِ عُتُوِّهِمْ، لِأنَّ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِـ الخَلْقِ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ لَهُ والإحْسانِ لا بِالكُفْرِ بِهِ والطُّغْيانِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّزْعُ والتَّمْيِيزُ مُجْمَلًا، فَقَدْ يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّ غَيْرَهُ أشَدُّ عِصْيانًا، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ مَن هو أوْلى مِنهم بِمِقْدارِ صُلِيِّ النّارِ فَإنَّها دَرَكاتٌ مُتَفاوِتَةٌ. والصُّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ، وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ بِوَزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفُ بِكْسِرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
صفحة ١٤٩
وحَرْفا الجَرِّ يَتَعَلَّقانِ بِأفْعَلَيِ التَّفْضِيلِ.
مريم 19:69
﴿فَوَرَبِّكَ لِنَحْشُرُنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أوْلى بِها صُلِيًّا﴾ .
الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [مريم: ٦٧])، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ. وواوُ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ. والقَسَمُ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إدْماجٌ لِتَشْرِيفِ قَدْرِهِ. وضَمِيرُ لَنَحْشُرَنَّهم عائِدٌ إلى الإنْسانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ كَما تَقَدَّمَ، أيْ لَنَحْشُرَنَّ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٤٧
وعَطْفُ الشَّياطِينَ عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِقَصْدِ تَحْقِيرِهِمْ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ أحْقَرِ جِنْسٍ وأفْسَدِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشَّياطِينَ هم سَبَبُ ضَلالِهِمُ المُوجِبُ لَهم هَذِهِ الحالَةَ، فَحَشَرَهم مَعَ الشَّياطِينَ إنْذارًا لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم هو مَصِيرُ الشَّياطِينَ وهو مُحَقَّقٌ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ. فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾)، والضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ. وهَذا إعْدادٌ آخَرُ لِلتَّقَرُّبِ مِنَ العَذابِ فَهو إنْذارٌ عَلى إنْذارٍ وتَدَرُّجٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ إذْ لَيْسَتِ المُهْلَةُ مَقْصُودَةٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حالَةِ عَذابٍ إلى أشَدَّ.
وجُثِيًّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَنُحْضِرَنَّهم، والجُثِيُّ: جَمْعُ جاثٍ. ووَزْنُهُ فُعُولٌ مِثْلُ: قاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسٍ وجُلُوسٍ، وهو وزْنٌ سَماعِيٌّ في جَمْعِ فاعِلٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨])، فَأصْلُ جُثِيٍّ جُثُووٌ بِواوَيْنِ لِأنَّ فِعْلَهُ واوِيٌّ، يُقالُ: جَثا يَجْثُو إذا بَرَكَ عَلى رُكْبَتَيهِ وهي هَيْئَةُ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ في جُثُووٍ واوانِ اسْتُثْقِلا بَعْدَ ضَمَّةِ الثّاءَ فَصِيرَ إلى تَخْفِيفِهِ بِإزالَةِ سَبَبِ الثِّقَلِ السّابِقِ وهو الضَّمَّةُ فَعُوِّضَتْ بِكَسْرِ الثّاءِ، فَلَمّا كُسِرْتِ الثّاءُ تَعَيَنَ قَلْبُ الواوِ المُوالِيَةِ لَها ياءً لِلْمُناسَبَةِ فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ أحَدُهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَ الواوُ الأُخْرى ياءً وأُدْغِمَتا فَصارَ جُثِيٌّ. وهَذا الجُثُوُّ هو غَيْرُ جُثُوِّ النّاسِ في الحَشْرِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية: ٢٨]) إنَّ ذَلِكَ جُثُوُّ خُضُوعٍ لِلَّهِ، وهَذا الجُثُوُّ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثُوُّ مَذَلَّةٍ.
والقَوْلُ في عَطْفِ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾) كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِنَ الرُّعْبِ أشَدُّ مِنَ
صفحة ١٤٨
اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهي حالَةٌ تَمَيِّزُهم لِلْإلْقاءِ في دِرْكاتِ الجَحِيمِ عَلى حَسْبِ مَراتِبِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.
والنَّزْعُ: إخْراجُ شَيْءٍ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الماءِ مِنَ البِئْرِ.
والشِّيعَةُ: الطّائِفَةُ الَّتِي شايَعَتْ أحَدًا، أيِ اتَّبَعَتْهُ، فَهي عَلى رَأْيٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ هُنا شِيَعُ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مِنهم، أيْ مِمَّنْ أحْضَرْناهم حَوْلَ جَهَنَّمَ.
والعُتِيُّ: العِصْيانُ والتَّجَبُّرُ، فَهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ: خُرُوجٍ وجُلُوسٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
والمَعْنى: لِنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَجْمَعُها مَحَلَّةٌ خاصَّةً مِن دِينِ الضَّلالِ مَن هو مِن تِلْكَ الشِّيعَةِ أشَدُّ عِصْيانًا لِلَّهِ وتَجَبُّرًا عَلَيْهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ونُظَرائِهِمْ.
وأيُّ اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى ما ومِن. والغالِبُ أنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِها فَتُبْنى عَلى الضَّمِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّهم هو أشَدُّ عُتِيًّا عَلى الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا لِتَفْظِيعِ عُتُوِّهِمْ، لِأنَّ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِـ الخَلْقِ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ لَهُ والإحْسانِ لا بِالكُفْرِ بِهِ والطُّغْيانِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّزْعُ والتَّمْيِيزُ مُجْمَلًا، فَقَدْ يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّ غَيْرَهُ أشَدُّ عِصْيانًا، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ مَن هو أوْلى مِنهم بِمِقْدارِ صُلِيِّ النّارِ فَإنَّها دَرَكاتٌ مُتَفاوِتَةٌ. والصُّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ، وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ بِوَزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفُ بِكْسِرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
صفحة ١٤٩
وحَرْفا الجَرِّ يَتَعَلَّقانِ بِأفْعَلَيِ التَّفْضِيلِ.
مريم 19:70
﴿فَوَرَبِّكَ لِنَحْشُرُنَّهم والشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينِ هم أوْلى بِها صُلِيًّا﴾ .
الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ﴾ [مريم: ٦٧])، بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ التَّهْدِيدِ. وواوُ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ الوَعِيدِ. والقَسَمُ بِالرَّبِّ مُضافًا إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِ وهو النَّبِيءُ ﷺ إدْماجٌ لِتَشْرِيفِ قَدْرِهِ. وضَمِيرُ لَنَحْشُرَنَّهم عائِدٌ إلى الإنْسانِ المُرادِ بِهِ الجِنْسُ المُفِيدُ لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ كَما تَقَدَّمَ، أيْ لَنَحْشُرَنَّ المُشْرِكِينَ.
صفحة ١٤٧
وعَطْفُ الشَّياطِينَ عَلى ضَمِيرِ المُشْرِكِينَ لِقَصْدِ تَحْقِيرِهِمْ بِأنَّهم يُحْشَرُونَ مَعَ أحْقَرِ جِنْسٍ وأفْسَدِهِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشَّياطِينَ هم سَبَبُ ضَلالِهِمُ المُوجِبُ لَهم هَذِهِ الحالَةَ، فَحَشَرَهم مَعَ الشَّياطِينَ إنْذارًا لَهم بِأنَّ مَصِيرَهم هو مَصِيرُ الشَّياطِينَ وهو مُحَقَّقٌ عِنْدَ النّاسِ كُلِّهِمْ. فَلِذَلِكَ عَطَفَ عَلَيْهِ جُمْلَةَ (﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثِيًّا﴾)، والضَّمِيرُ لِلْجَمِيعِ. وهَذا إعْدادٌ آخَرُ لِلتَّقَرُّبِ مِنَ العَذابِ فَهو إنْذارٌ عَلى إنْذارٍ وتَدَرُّجٌ في إلْقاءِ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ. فَحَرْفُ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لا لِلْمُهْلَةِ إذْ لَيْسَتِ المُهْلَةُ مَقْصُودَةٌ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّهم يُنْقَلُونَ مِن حالَةِ عَذابٍ إلى أشَدَّ.
وجُثِيًّا حالٌ مِن ضَمِيرِ لَنُحْضِرَنَّهم، والجُثِيُّ: جَمْعُ جاثٍ. ووَزْنُهُ فُعُولٌ مِثْلُ: قاعِدٍ وقُعُودٍ وجالِسٍ وجُلُوسٍ، وهو وزْنٌ سَماعِيٌّ في جَمْعِ فاعِلٍ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ (﴿خَرُّوا سُجَّدًا وبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨])، فَأصْلُ جُثِيٍّ جُثُووٌ بِواوَيْنِ لِأنَّ فِعْلَهُ واوِيٌّ، يُقالُ: جَثا يَجْثُو إذا بَرَكَ عَلى رُكْبَتَيهِ وهي هَيْئَةُ الخاضِعِ الذَّلِيلِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ في جُثُووٍ واوانِ اسْتُثْقِلا بَعْدَ ضَمَّةِ الثّاءَ فَصِيرَ إلى تَخْفِيفِهِ بِإزالَةِ سَبَبِ الثِّقَلِ السّابِقِ وهو الضَّمَّةُ فَعُوِّضَتْ بِكَسْرِ الثّاءِ، فَلَمّا كُسِرْتِ الثّاءُ تَعَيَنَ قَلْبُ الواوِ المُوالِيَةِ لَها ياءً لِلْمُناسَبَةِ فاجْتَمَعَ الواوُ والياءُ وسُبِقَ أحَدُهُما بِالسُّكُونِ فَقُلِبَ الواوُ الأُخْرى ياءً وأُدْغِمَتا فَصارَ جُثِيٌّ. وهَذا الجُثُوُّ هو غَيْرُ جُثُوِّ النّاسِ في الحَشْرِ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً. كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إلى كِتابِها﴾ [الجاثية: ٢٨]) إنَّ ذَلِكَ جُثُوُّ خُضُوعٍ لِلَّهِ، وهَذا الجُثُوُّ حَوْلَ جَهَنَّمَ جُثُوُّ مَذَلَّةٍ.
والقَوْلُ في عَطْفِ جُمْلَةِ (﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾) كالقَوْلِ في جُمْلَةِ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهم وهَذِهِ حالَةٌ أُخْرى مِنَ الرُّعْبِ أشَدُّ مِنَ
صفحة ١٤٨
اللَّتَيْنِ قَبْلَها وهي حالَةٌ تَمَيِّزُهم لِلْإلْقاءِ في دِرْكاتِ الجَحِيمِ عَلى حَسْبِ مَراتِبِ غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ.
والنَّزْعُ: إخْراجُ شَيْءٍ مِن غَيْرِهِ، ومِنهُ نَزْعُ الماءِ مِنَ البِئْرِ.
والشِّيعَةُ: الطّائِفَةُ الَّتِي شايَعَتْ أحَدًا، أيِ اتَّبَعَتْهُ، فَهي عَلى رَأْيٍ واحِدٍ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في شِيَعِ الأوَّلِينَ﴾ [الحجر: ١٠]) في سُورَةِ الحِجْرِ. والمُرادُ هُنا شِيَعُ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ مِن كُلِّ شِيعَةٍ مِنهم، أيْ مِمَّنْ أحْضَرْناهم حَوْلَ جَهَنَّمَ.
والعُتِيُّ: العِصْيانُ والتَّجَبُّرُ، فَهو مَصْدَرٌ بِوَزْنِ فُعُولٍ مِثْلُ: خُرُوجٍ وجُلُوسٍ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِكَسْرِ العَيْنِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ التّاءِ كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
والمَعْنى: لِنُمَيِّزَنَّ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ تَجْمَعُها مَحَلَّةٌ خاصَّةً مِن دِينِ الضَّلالِ مَن هو مِن تِلْكَ الشِّيعَةِ أشَدُّ عِصْيانًا لِلَّهِ وتَجَبُّرًا عَلَيْهِ، وهَذا تَهْدِيدٌ لِعُظَماءِ المُشْرِكِينَ مِثْلِ أبِي جَهْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ ونُظَرائِهِمْ.
وأيُّ اسْمٌ مَوْصُولٌ بِمَعْنى ما ومِن. والغالِبُ أنْ يُحْذَفَ صَدْرُ صِلَتِها فَتُبْنى عَلى الضَّمِ. وأصْلُ التَّرْكِيبِ: أيُّهم هو أشَدُّ عُتِيًّا عَلى الرَّحْمَنِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا لِتَفْظِيعِ عُتُوِّهِمْ، لِأنَّ شَدِيدَ الرَّحْمَةِ بِـ الخَلْقِ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ لَهُ والإحْسانِ لا بِالكُفْرِ بِهِ والطُّغْيانِ.
ولَمّا كانَ هَذا النَّزْعُ والتَّمْيِيزُ مُجْمَلًا، فَقَدْ يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ أنَّ غَيْرَهُ أشَدُّ عِصْيانًا، أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَعْلَمُ مَن هو أوْلى مِنهم بِمِقْدارِ صُلِيِّ النّارِ فَإنَّها دَرَكاتٌ مُتَفاوِتَةٌ. والصُّلِيُّ: مَصْدَرُ صَلِيَ النّارَ كَرَضِيَ، وهو مَصْدَرٌ سَماعِيٌّ بِوَزْنِ فُعُولٍ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفُ بِكْسِرِ الصّادِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما تَقَدَّمَ في جُثِيًّا.
صفحة ١٤٩
وحَرْفا الجَرِّ يَتَعَلَّقانِ بِأفْعَلَيِ التَّفْضِيلِ.
مريم 19:71
﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جُثِيًّا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ انْتِزاعَ الَّذِينَ هم أوْلى بِالنّارِ مِن بَقِيَّةِ طَوائِفِ الكُفْرِ عَطَفَ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ طَوائِفِ الشِّرْكِ يَدْخُلُونَ النّارَ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ انْتِزاعَ مَن هو أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا هو قُصارى ما يَنالُ تِلْكَ الطَّوائِفِ مِنَ العَذابِ، بِأنْ يَحْسَبُوا أنَّ كُبَراءَهم يَكُونُونَ فِداءً لَهم مِنَ النّارِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أيْ وذَلِكَ الِانْتِزاعُ لا يَصْرِفُ بَقِيَّةَ الشِّيَعِ عَنِ النّارِ فَإنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى جَمِيعِهِمُ النّارَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) إلَخْ. . . وجُمْلَةِ (﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٧٣]) إلَخْ. . .
فالخِطابُ في (﴿وإنْ مِنكُمْ﴾) إلْتِفاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ (﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) و(﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) عَدْلٌ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِقاءً في المُواجَهَةِ بِالتَّهْدِيدِ حَتّى لا يَبْقى مَجالٌ لِلِالتِباسِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَإنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ أعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وإنْ مِنهم) . وكَذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ. فالمَعْنى: وما مِنكم أحَدٌ مِمَّنْ نُزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ وغَيْرِهِ إلّا وارِدٌ جَهَنَّمَ حَتْمًا قَضاهُ اللَّهُ فَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، أيْ فَلا تَحْسَبُوا أنْ تَنْفَعَكم شَفاعَتُهمْ أوْ تَمْنَعَكم عِزَّةُ شِيَعِكم، أوْ تُلْقُونَ التَّبِعَةَ عَلى سادَتِكم وعُظَماءِ أهْلِ ضَلالِكم، أوْ يَكُونُونَ فِداءً عَنْكم مِنَ النّارِ.
صفحة ١٥٠
وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣])، أيِ الغاوِينَ وغَيْرِهِمْ. وحَرْفُ (إنَّ) لِلنَّفْيِ.
والوُرُودُ: حَقِيقَتُهُ الوُصُولُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ. ويُطْلَقُ عَلى الوُصُولِ مُطْلَقًا مَجازًا شائِعًا، وأمّا إطْلاقُ الوُرُودِ عَلى الدُّخُولِ فَلا يُعْرَفُ إلّا أنْ يَكُونَ مَجازًا غَيْرَ مَشْهُورٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن قَرِينَةٍ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾) زِيادَةٌ في الِارْتِقاءِ بِالوَعِيدِ بِأنَّهم خالِدُونَ في العَذابِ، فَلَيْسَ وُرُودُهُمُ النّارَ بِمُوَقَّتٍ بِأجْلٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، تَنْوِيهًا بِإنْجاءِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَشْوِيهًا بِحالِ الَّذِينَ يَبْقُونَ في جَهَنَّمَ جُثِيًّا. فالمَعْنى: وعِلاوَةٌ عَلى ذَلِكَ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن وُرُودِ جَهَنَّمَ. ولَيْسَ المَعْنى: ثُمَّ يُنْجِي المُتَّقِينَ مِن بَيْنِهِمْ بَلِ المَعْنى أنَّهم نَجَوْا مِنَ الوُرُودِ إلى النّارِ. وذِكْرُ إنْجاءِ المُتَّقِينَ، أيِ المُؤْمِنِينَ، إدْماجٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ في أثْناءِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) . والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والتَّعْبِيرُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: ونَذَرُكم أيُّها الظّالِمُونَ. ونَذَرُ: نَتْرُكُ، وهو مُضارِعٌ لَيْسَ لَهُ ماضٍ مِن لَفْظِهِ، أماتَ العَرَبُ ماضِي نَذَرُ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِماضِي ”نَتْرُكُ“، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
فَلَيْسَ الخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مُؤْمِنِهمْ وكافِرهِمْ عَلى مَعْنى ابْتِداءِ كَلامٍ؛ بِحَيْثُ يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ
صفحة ١٥١
يَرِدُونَ النّارَ مَعَ الكافِرِينَ ثُمَّ يَنْجُونَ مِن عَذابِها، لِأنَّ هَذا مَعنًى ثَقِيلٌ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الآياتِ السّابِقَةِ. ولِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ وتَشْرِيفَهم بِالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ يُنافِي أنْ يَسُوقَهم مَعَ المُشْرِكِينَ مساقًا واحِدًا، كَيْفَ وقَدْ صَدَّرَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ [مريم: ٦٨]) وقالَ تَعالى (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦])، وهو صَرِيحٌ في اخْتِلافِ حَشْرِ الفَرِيقَيْنِ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] عَقِبَ قَوْلِهِ ( ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) . فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ جَهَنَّمَ مَوْعِدُ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ الثَّناءِ.
وهَذِهِ الآيَةٌ مَثارُ إشْكالٍ ومَحَطُّ قِيلَ وقالَ، واتَّفَقَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ لا تَنالُهم نارُ جَهَنَّمَ. واخْتَلَفُوا في مَحَلِّ الآيَةِ فَمِنهم مَن جَعَلَ ضَمِيرَ مِنكم لِجَمِيعِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، ورَوَوْهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ فَصَدَمَهم فَسادُ المَعْنى ومُنافاةُ حِكْمَةِ اللَّهِ والأدِلّةِ الدّالَةِ عَلى سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ يَوْمئِذٍ مِن لِقاءِ أدْنى عَذابٍ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ الوُرُودَ بِالمُرُورِ المُجَرَّدِ دُونَ أنْ يَمَسَّ المُؤْمِنِينَ أذىً، وهَذا بُعْدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، فَإنَّ الوُرُودَ إنَّما يُرادُ بِهِ حُصُولُ ما هو مُودَعٌ في المَوْرِدِ لِأنَّ أصْلَهُ مِن وُرُودِ الحَوْضِ. وفي آيِ القُرْآنِ ما جاءَ إلّا لِمَعْنى المَصِيرِ إلى النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ [الأنبياء: ٩٩]) وقَوْلُهُ (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) وقَوْلُهُ (﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]) . عَلى أنَّ إيرادَ المُؤْمِنِينَ إلى النّارِ لا جَدْوى لَهُ فَيَكُونُ عَبَثًا، ولا اعْتِدادَ بِما ذَكَرَهُ لَهُ الفَخْرُ مِمّا سَمّاهُ فَوائِدَ.
صفحة ١٥٢
ومِنهم مَن تَأوَّلَ وُرُودَ جَهَنَّمَ بِمُرُورِ الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ عَلى جَهَنَّمَ، فَساقُوا الأخْبارَ المَرْوِيَّةَ في مُرُورِ النّاسِ عَلى الصِّراطِ مُتَفاوِتِينَ في سُرْعَةِ الِاجْتِيازِ. وهَذا أقَلُ بُعْدًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ في هَذَيْنِ المَحْمَلَيْنِ أحادِيثَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَرْتَبَةِ الضَّعْفِ مِمّا رَواهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ. وأصَحُّ ما في البابِ ما رَواهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ قالَ «يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ» الحَدِيثَ في مُرُورِ الصِّراطِ.
ومِنَ النّاسِ مَن لَفَّقَ تَعْضِيدًا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أنَّهُ لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجُ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» فَتَأوَّلَ تَحِلَّةَ القَسَمِ بِأنَّها ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) وهَذا مَحَمَلٌ باطِلٌ، إذْ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ قَسَمٌ يَتَحَلَّلُ، وإنَّما مَعْنى الحَدِيثِ: أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَذابًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ مَعاصٍ فَإذا كانَ قَدْ ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كانُوا كَفّارَةً لَهُ فَلا يَلِجُ النّارَ إلّا وُلُوجًا قَلِيلًا يُشْبِهُ ما يُفْعَلُ لِأجَلِ تَحِلَّةِ القَسْمِ، أيِ التَّحَلُّلِ مِنهُ. وذَلِكَ أنَّ المُقْسِمَ عَلى شَيْءٍ إذا صَعُبَ عَلَيْهِ بِرُّ قَسَمِهِ أخَذَ بِأقَلِّ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَحِلَّةَ القَسَمِ تَمْثِيلٌ.
ويُرْوى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رِواياتٌ، أنَّهم تَخَوَّفُوا مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ. مِن ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهو مِنَ الوُقُوفِ في مَوْقِفِ الَخَوْفِ مِن شَيْءٍ مُحْتَمَلٍ.
وذَكَرَ فِعْلَ نَذَرُ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِلْإشْعارِ بِالتَّحْقِيرِ، أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ لا نَعْبَأُ بِهِمْ، لِأنَّ في فِعْلِ التَّرْكِ مَعْنى الإهْمالِ.
والحَتْمُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ حَتَمَهُ إذْ جَعَلَهُ لازِمًا، وهو هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَحْتُومًا عَلى الكافِرِينَ، والمَقْضِيُّ: المَحْكُومُ بِهِ. وجُثِيُّ تَقَدَّمَ.
صفحة ١٥٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ (نُنَجِّي) بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ.
مريم 19:72
﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ﴿ثُمَّ نُنَجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جُثِيًّا﴾ .
لَمّا ذَكَرَ انْتِزاعَ الَّذِينَ هم أوْلى بِالنّارِ مِن بَقِيَّةِ طَوائِفِ الكُفْرِ عَطَفَ عَلَيْهِ أنَّ جَمِيعَ طَوائِفِ الشِّرْكِ يَدْخُلُونَ النّارَ، دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّ انْتِزاعَ مَن هو أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عُتِيًّا هو قُصارى ما يَنالُ تِلْكَ الطَّوائِفِ مِنَ العَذابِ، بِأنْ يَحْسَبُوا أنَّ كُبَراءَهم يَكُونُونَ فِداءً لَهم مِنَ النّارِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، أيْ وذَلِكَ الِانْتِزاعُ لا يَصْرِفُ بَقِيَّةَ الشِّيَعِ عَنِ النّارِ فَإنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى جَمِيعِهِمُ النّارَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) إلَخْ. . . وجُمْلَةِ (﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [مريم: ٧٣]) إلَخْ. . .
فالخِطابُ في (﴿وإنْ مِنكُمْ﴾) إلْتِفاتٌ عَنِ الغَيْبَةِ في قَوْلِهِ (﴿لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) و(﴿لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨]) عَدْلٌ عَنِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ ارْتِقاءً في المُواجَهَةِ بِالتَّهْدِيدِ حَتّى لا يَبْقى مَجالٌ لِلِالتِباسِ المُرادِ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ فَإنَّ ضَمِيرَ الخِطابِ أعْرَفُ مِن ضَمِيرِ الغَيْبَةِ. ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (وإنْ مِنهم) . وكَذَلِكَ قَرَأ عِكْرِمَةُ وجَماعَةٌ. فالمَعْنى: وما مِنكم أحَدٌ مِمَّنْ نُزِعَ مِن كُلِّ شِيعَةٍ وغَيْرِهِ إلّا وارِدٌ جَهَنَّمَ حَتْمًا قَضاهُ اللَّهُ فَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ، أيْ فَلا تَحْسَبُوا أنْ تَنْفَعَكم شَفاعَتُهمْ أوْ تَمْنَعَكم عِزَّةُ شِيَعِكم، أوْ تُلْقُونَ التَّبِعَةَ عَلى سادَتِكم وعُظَماءِ أهْلِ ضَلالِكم، أوْ يَكُونُونَ فِداءً عَنْكم مِنَ النّارِ.
صفحة ١٥٠
وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣])، أيِ الغاوِينَ وغَيْرِهِمْ. وحَرْفُ (إنَّ) لِلنَّفْيِ.
والوُرُودُ: حَقِيقَتُهُ الوُصُولُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ. ويُطْلَقُ عَلى الوُصُولِ مُطْلَقًا مَجازًا شائِعًا، وأمّا إطْلاقُ الوُرُودِ عَلى الدُّخُولِ فَلا يُعْرَفُ إلّا أنْ يَكُونَ مَجازًا غَيْرَ مَشْهُورٍ فَلا بُدَّ لَهُ مِن قَرِينَةٍ. وجُمْلَةُ (﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾) زِيادَةٌ في الِارْتِقاءِ بِالوَعِيدِ بِأنَّهم خالِدُونَ في العَذابِ، فَلَيْسَ وُرُودُهُمُ النّارَ بِمُوَقَّتٍ بِأجْلٍ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، تَنْوِيهًا بِإنْجاءِ الَّذِينَ اتَّقَوْا، وتَشْوِيهًا بِحالِ الَّذِينَ يَبْقُونَ في جَهَنَّمَ جُثِيًّا. فالمَعْنى: وعِلاوَةٌ عَلى ذَلِكَ نُنْجِي الَّذِينَ اتَّقَوْا مِن وُرُودِ جَهَنَّمَ. ولَيْسَ المَعْنى: ثُمَّ يُنْجِي المُتَّقِينَ مِن بَيْنِهِمْ بَلِ المَعْنى أنَّهم نَجَوْا مِنَ الوُرُودِ إلى النّارِ. وذِكْرُ إنْجاءِ المُتَّقِينَ، أيِ المُؤْمِنِينَ، إدْماجٌ بِبِشارَةِ المُؤْمِنِينَ في أثْناءِ وعِيدِ المُشْرِكِينَ. وجُمْلَةُ (﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) . والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ. والتَّعْبِيرُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ. والأصْلُ: ونَذَرُكم أيُّها الظّالِمُونَ. ونَذَرُ: نَتْرُكُ، وهو مُضارِعٌ لَيْسَ لَهُ ماضٍ مِن لَفْظِهِ، أماتَ العَرَبُ ماضِي نَذَرُ اسْتِغْناءً عَنْهُ بِماضِي ”نَتْرُكُ“، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ ذَرْهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١]) في سُورَةِ الأنْعامِ.
فَلَيْسَ الخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) لِجَمِيعِ النّاسِ مُؤْمِنِهمْ وكافِرهِمْ عَلى مَعْنى ابْتِداءِ كَلامٍ؛ بِحَيْثُ يَقْتَضِي أنَّ المُؤْمِنِينَ
صفحة ١٥١
يَرِدُونَ النّارَ مَعَ الكافِرِينَ ثُمَّ يَنْجُونَ مِن عَذابِها، لِأنَّ هَذا مَعنًى ثَقِيلٌ يَنْبُو عَنْهُ السِّياقُ، إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِياقِ الآياتِ السّابِقَةِ. ولِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ وتَشْرِيفَهم بِالمَنازِلِ الرَّفِيعَةِ يُنافِي أنْ يَسُوقَهم مَعَ المُشْرِكِينَ مساقًا واحِدًا، كَيْفَ وقَدْ صَدَّرَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ (﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهم والشَّياطِينَ﴾ [مريم: ٦٨]) وقالَ تَعالى (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦])، وهو صَرِيحٌ في اخْتِلافِ حَشْرِ الفَرِيقَيْنِ. فَمَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ هُنا كَمَوْقِعِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] عَقِبَ قَوْلِهِ ( ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) . فَلا يُتَوَهَّمُ أنَّ جَهَنَّمَ مَوْعِدُ عِبادِ اللَّهِ المُخْلِصِينَ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ لِأنَّهُ يَنْبُو عَنْهُ مَقامُ الثَّناءِ.
وهَذِهِ الآيَةٌ مَثارُ إشْكالٍ ومَحَطُّ قِيلَ وقالَ، واتَّفَقَ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُتَّقِينَ لا تَنالُهم نارُ جَهَنَّمَ. واخْتَلَفُوا في مَحَلِّ الآيَةِ فَمِنهم مَن جَعَلَ ضَمِيرَ مِنكم لِجَمِيعِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، ورَوَوْهُ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ؛ فَصَدَمَهم فَسادُ المَعْنى ومُنافاةُ حِكْمَةِ اللَّهِ والأدِلّةِ الدّالَةِ عَلى سَلامَةِ المُؤْمِنِينَ يَوْمئِذٍ مِن لِقاءِ أدْنى عَذابٍ، فَسَلَكُوا مَسالِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَمِنهم مَن تَأوَّلَ الوُرُودَ بِالمُرُورِ المُجَرَّدِ دُونَ أنْ يَمَسَّ المُؤْمِنِينَ أذىً، وهَذا بُعْدٌ عَنِ الِاسْتِعْمالِ، فَإنَّ الوُرُودَ إنَّما يُرادُ بِهِ حُصُولُ ما هو مُودَعٌ في المَوْرِدِ لِأنَّ أصْلَهُ مِن وُرُودِ الحَوْضِ. وفي آيِ القُرْآنِ ما جاءَ إلّا لِمَعْنى المَصِيرِ إلى النّارِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] ﴿لَوْ كانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً ما ورَدُوها﴾ [الأنبياء: ٩٩]) وقَوْلُهُ (﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) وقَوْلُهُ (﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]) . عَلى أنَّ إيرادَ المُؤْمِنِينَ إلى النّارِ لا جَدْوى لَهُ فَيَكُونُ عَبَثًا، ولا اعْتِدادَ بِما ذَكَرَهُ لَهُ الفَخْرُ مِمّا سَمّاهُ فَوائِدَ.
صفحة ١٥٢
ومِنهم مَن تَأوَّلَ وُرُودَ جَهَنَّمَ بِمُرُورِ الصِّراطِ، وهو جِسْرٌ عَلى جَهَنَّمَ، فَساقُوا الأخْبارَ المَرْوِيَّةَ في مُرُورِ النّاسِ عَلى الصِّراطِ مُتَفاوِتِينَ في سُرْعَةِ الِاجْتِيازِ. وهَذا أقَلُ بُعْدًا مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ.
ورَوى الطَّبَرِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ في هَذَيْنِ المَحْمَلَيْنِ أحادِيثَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَرْتَبَةِ الضَّعْفِ مِمّا رَواهُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ. وأصَحُّ ما في البابِ ما رَواهُ أبُو عِيسى التِّرْمِذِيُّ قالَ «يَرِدُ النّاسُ النّارَ ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ» الحَدِيثَ في مُرُورِ الصِّراطِ.
ومِنَ النّاسِ مَن لَفَّقَ تَعْضِيدًا لِذَلِكَ بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أنَّهُ لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجُ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ» فَتَأوَّلَ تَحِلَّةَ القَسَمِ بِأنَّها ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾) وهَذا مَحَمَلٌ باطِلٌ، إذْ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ قَسَمٌ يَتَحَلَّلُ، وإنَّما مَعْنى الحَدِيثِ: أنَّ مَنِ اسْتَحَقَّ عَذابًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لِأجْلِ مَعاصٍ فَإذا كانَ قَدْ ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ كانُوا كَفّارَةً لَهُ فَلا يَلِجُ النّارَ إلّا وُلُوجًا قَلِيلًا يُشْبِهُ ما يُفْعَلُ لِأجَلِ تَحِلَّةِ القَسْمِ، أيِ التَّحَلُّلِ مِنهُ. وذَلِكَ أنَّ المُقْسِمَ عَلى شَيْءٍ إذا صَعُبَ عَلَيْهِ بِرُّ قَسَمِهِ أخَذَ بِأقَلِّ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَقَوْلُهُ تَحِلَّةَ القَسَمِ تَمْثِيلٌ.
ويُرْوى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ رِواياتٌ، أنَّهم تَخَوَّفُوا مِن ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ. مِن ذَلِكَ ما نُقِلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ، وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، وهو مِنَ الوُقُوفِ في مَوْقِفِ الَخَوْفِ مِن شَيْءٍ مُحْتَمَلٍ.
وذَكَرَ فِعْلَ نَذَرُ هُنا دُونَ غَيْرِهِ لِلْإشْعارِ بِالتَّحْقِيرِ، أيْ نَتْرُكُهم في النّارِ لا نَعْبَأُ بِهِمْ، لِأنَّ في فِعْلِ التَّرْكِ مَعْنى الإهْمالِ.
والحَتْمُ: أصْلُهُ مَصْدَرُ حَتَمَهُ إذْ جَعَلَهُ لازِمًا، وهو هُنا بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مَحْتُومًا عَلى الكافِرِينَ، والمَقْضِيُّ: المَحْكُومُ بِهِ. وجُثِيُّ تَقَدَّمَ.
صفحة ١٥٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ثُمَّ (نُنَجِّي) بِفَتْحِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِسُكُونِ النُّونِ الثّانِيَةِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ.
مريم 19:73
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرَنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِيًّا﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجَ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) . وهَذا صِنْفٌ آخَرٌ مِن غُرُورِ المُشْرِكِينَ بِالدُّنْيا وإناطَتُهم دَلالَةٌ عَلى السَّعادَةِ بِأحْوالِ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَشَفّفُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم أسْعَدَ مِنهم.
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ (﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]) في أوَّلِ الأنْفالِ. كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المُشْرِكِينَ القُرْآنَ فَيَسْمَعُونَ آياتِ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ بِسُوءِ المَصِيرِ، وآياتِ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ لَعُجِّلَ لَهم، فَنَحْنُ في نِعْمَةٍ وأهْلُ سِيادَةٍ، وأتْباعُ مُحَمَّدٍ مِن عامَّةِ النّاسِ، وكَيْفَ يَفُوقُونَنا بَلْ كَيْفَ يَسْتَوُونَ مَعَنا، ولَوْ كُنّا عِنْدَ اللَّهِ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَمَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ فَإنَّهم في حالَةِ ضَنْكٍ ولا يُساوُونَنا، فَلَوْ أقْصاهم مُحَمَّدٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لاتَّبَعْناهُ.
قالَ تَعالى (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣])
صفحة ١٥٤
وقالَ تَعالى (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]) . فَلِأجْلِ كَوْنِ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقِيسُونَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ ويُغالِطُونَ بِهِ جُعِلَ قَوْلُهم بِهِ مُعَلَّقًا بِزَمانِ تِلاوَةِ آياتِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِالآياتِ البَيِّناتِ: آياتُ القُرْآنِ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ: أنَّها واضِحاتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ومُفْعَمَةٌ بِالأدِلَّةِ المُقْنِعَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾) يَجُوزُ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ، أيْ قالُوا لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ مِن أجْلِ شَأْنِهِمْ، فَيَكُونُ هَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيما بَيْنَهم. ويَجُوزُ كَوْنُها مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ قالَ لِتَعْدِيَتِهِ إلى مُتَعَلِّقَهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهمْ خِطابًا مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾) تَقْرِيرِيٌّ.
وقَرَأ مَن عَدا ابْنِ كَثِيرٍ مَقامًا بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ مِن قامَ، أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الحَظِّ والرِّفْعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦])، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِيامِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا في الظُّهُورِ والمَقْدِرَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ بِالمَكانِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الكَوْنِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: خَيْرٌ حَياةً. وجُمْلَةُ (﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [مريم: ٩٨]) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ. وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ قُرُونٍ كَثِيرَةٍ كانُوا أرْفَهَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ مَتاعًا وأجْمَلَ مِنهم مَنظَرًا. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وبَيْنَ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ ما يُجِيبُهم بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ. ومَوْقِعُها التَّهْدِيدُ وما بَعْدَها هو الجَوابُ.
والأثاثُ: مَتاعُ البُيُوتِ الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ، ورِئْيًا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الرّاءِ وبَعْدَ الهَمْزَةِ ياءٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَذِبْحٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ، أيْ أحْسَنُ مَرْئِيًّا، أيْ مَنظَرًا وهَيْئَةً.
صفحة ١٥٥
وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (رِيًّا) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِلا هَمْزٍ إمّا عَلى أنَّهُ مِن قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ الأُخْرى، وإمّا عَلى أنَّهُ مِنَ الرَّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: رَيّانٌ مِنَ النَّعِيمِ، وأصْلُهُ مِنَ الرَّيِّ ضِدُّ العَطَشِ، لِأنَّ الرَّيَّ يُسْتَعارُ لِلتَّنَعُّمِ كَما يُسْتَعارُ التَّلَهُّفُ لِلتَّألُّمِ.
مريم 19:74
﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينِ آمَنُوا أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرَنٍ هم أحْسَنُ أثاثًا ورِيًّا﴾ .
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجَ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) . وهَذا صِنْفٌ آخَرٌ مِن غُرُورِ المُشْرِكِينَ بِالدُّنْيا وإناطَتُهم دَلالَةٌ عَلى السَّعادَةِ بِأحْوالِ طِيبِ العَيْشِ في الدُّنْيا فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَشَفّفُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَرَوْنَ أنْفُسَهم أسْعَدَ مِنهم.
والتِّلاوَةُ: القِراءَةُ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]) في البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ (﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]) في أوَّلِ الأنْفالِ. كانَ النَّبِيءُ ﷺ يَقْرَأُ عَلى المُشْرِكِينَ القُرْآنَ فَيَسْمَعُونَ آياتِ النَّعْيِ عَلَيْهِمْ وإنْذارِهِمْ بِسُوءِ المَصِيرِ، وآياتِ البِشارَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِحُسْنِ العاقِبَةِ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يُكَذِّبُونَ بِذَلِكَ ويَقُولُونَ: لَوْ كانَ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ لَعُجِّلَ لَهم، فَنَحْنُ في نِعْمَةٍ وأهْلُ سِيادَةٍ، وأتْباعُ مُحَمَّدٍ مِن عامَّةِ النّاسِ، وكَيْفَ يَفُوقُونَنا بَلْ كَيْفَ يَسْتَوُونَ مَعَنا، ولَوْ كُنّا عِنْدَ اللَّهِ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ لَمَنَّ عَلى المُؤْمِنِينَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ فَإنَّهم في حالَةِ ضَنْكٍ ولا يُساوُونَنا، فَلَوْ أقْصاهم مُحَمَّدٌ عَنْ مَجْلِسِهِ لاتَّبَعْناهُ.
قالَ تَعالى (﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِن حِسابِهِمْ مِن شَيْءٍ وما مِن حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهم فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٢] ﴿وكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣])
صفحة ١٥٤
وقالَ تَعالى (﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]) . فَلِأجْلِ كَوْنِ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقِيسُونَ هَذا القِياسَ الفاسِدَ ويُغالِطُونَ بِهِ جُعِلَ قَوْلُهم بِهِ مُعَلَّقًا بِزَمانِ تِلاوَةِ آياتِ القُرْآنِ عَلَيْهِمْ. فالمُرادُ بِالآياتِ البَيِّناتِ: آياتُ القُرْآنِ، ومَعْنى كَوْنِها بَيِّناتٍ: أنَّها واضِحاتُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ومُفْعَمَةٌ بِالأدِلَّةِ المُقْنِعَةِ. واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾) يَجُوزُ كَوْنُها لِلتَّعْلِيلِ، أيْ قالُوا لِأجْلِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ مِن أجْلِ شَأْنِهِمْ، فَيَكُونُ هَذا قَوْلُ المُشْرِكِينَ فِيما بَيْنَهم. ويَجُوزُ كَوْنُها مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ قالَ لِتَعْدِيَتِهِ إلى مُتَعَلِّقَهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهمْ خِطابًا مِنهم لِلْمُؤْمِنِينَ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ﴾) تَقْرِيرِيٌّ.
وقَرَأ مَن عَدا ابْنِ كَثِيرٍ مَقامًا بِفَتْحِ المِيمِ عَلى أنَّهُ اسْمُ مَكانٍ مِن قامَ، أُطْلِقَ مَجازًا عَلى الحَظِّ والرِّفْعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦])، فَهو مَأْخُوذٌ مِنَ القِيامِ المُسْتَعْمَلِ مَجازًا في الظُّهُورِ والمَقْدِرَةِ.
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِضَمِّ المِيمِ مِن أقامَ بِالمَكانِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ في الكَوْنِ في الدُّنْيا. والمَعْنى: خَيْرٌ حَياةً. وجُمْلَةُ (﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ﴾ [مريم: ٩٨]) خِطابٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ. وقَدْ أهْلَكَ اللَّهُ أهْلَ قُرُونٍ كَثِيرَةٍ كانُوا أرْفَهَ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ مَتاعًا وأجْمَلَ مِنهم مَنظَرًا. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ وبَيْنَ تَلْقِينِ النَّبِيءِ ﷺ ما يُجِيبُهم بِهِ عَنْ قَوْلِهِمْ. ومَوْقِعُها التَّهْدِيدُ وما بَعْدَها هو الجَوابُ.
والأثاثُ: مَتاعُ البُيُوتِ الَّذِي يُتَزَيَّنُ بِهِ، ورِئْيًا قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الرّاءِ وبَعْدَ الهَمْزَةِ ياءٌ عَلى وزْنِ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَذِبْحٍ مِنَ الرُّؤْيَةِ، أيْ أحْسَنُ مَرْئِيًّا، أيْ مَنظَرًا وهَيْئَةً.
صفحة ١٥٥
وقَرَأهُ قالُونُ عَنْ نافِعٍ وابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ (رِيًّا) بِتَشْدِيدِ الياءِ بِلا هَمْزٍ إمّا عَلى أنَّهُ مِن قَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في الياءِ الأُخْرى، وإمّا عَلى أنَّهُ مِنَ الرَّيِّ الَّذِي هو النِّعْمَةُ والتَّرَفُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: رَيّانٌ مِنَ النَّعِيمِ، وأصْلُهُ مِنَ الرَّيِّ ضِدُّ العَطَشِ، لِأنَّ الرَّيَّ يُسْتَعارُ لِلتَّنَعُّمِ كَما يُسْتَعارُ التَّلَهُّفُ لِلتَّألُّمِ.
مريم 19:75
﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .
هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ كَشْفَ مُغالَطَتِهِمْ أوْ شُبْهَتِهِمْ؛ فَأعْلَمَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الدُّنْيا إنَّما هو إمْهالٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، لِأنَّ مَلاذَ الكافِرِ اسْتِدْراجٌ. فَمِعْيارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّعْمَةِ النّاشِئَةِ عَنْ رِضى اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ وبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي هي اسْتِدْراجٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ هو النَّظَرُ إلى حالِ مَن هو في نِعْمَةٍ بَيْنَ حالِ هُدىً وحالِ ضَلالٍ، قالَ تَعالى في شَأْنِ الأوَّلِينَ (﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]) . وقالَ في شَأْنِ الآخَرِينَ (﴿أيَحْسَبُونَ أنَّ ما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٤]) .
صفحة ١٥٦
والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ مُنْغَمِسًا في الضَّلالَةِ اغْتَرَّ بِإمْهالِ اللَّهِ لَهُ فَرَكِبَهُ الغُرُورُ كَما رَكِبَهم إذْ قالُوا (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لامُ الأمْرِ أوِ الدُّعاءِ، اسْتُعْمِلَتْ مَجازًا في لازِمِ مَعْنى الأمْرِ، أيِ التَّحْقِيقِ، أيْ فَسَيُمِدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أيْ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في إمْهالِ الضُّلّالِ، إعْذارًا لَهم، كَما قالَ تَعالى (﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]) تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِإنْعامِ اللَّهِ عَلى الضُّلّالِ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لِعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِطُولِ مُدَّةِ نَعَيْمِ الكُفّارِ. فَإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن قُلْ أنْ يَقُولَ النَّبِيءُ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ فَلامُ الأمْرِ مُجَرَّدُ مَجازٍ في التَّحْقِيقِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ أنْ يُبَلِّغَ النَّبِيءُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ فَلامُ الأمْرِ مَجازٌ أيْضًا وتَجْرِيدٌ، بِحَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ نَفْسَهُ بِأنْ يُمِدَّ لَهم.
والمَدُّ: حَقِيقَتُهُ إرْخاءُ الحَبْلِ وإطالَتُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الإمْهالِ كَما هُنا، وفي الإطالَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِكَ.
ومَدًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ فَلْيُمْدِدْ لَهُ المَدَّ الشَّدِيدَ، فَسَيَنْتَهِي ذَلِكَ، وحَتّى لِغايَةِ المَدِّ، وهي ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ يَمُدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ إلى أنْ يَرَوْا ما يُوعَدُونَ؛ أيْ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ رُؤْيَةِ ما أوْعِدُوا مِنَ العَذابِ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ طُولُ مُدَّتِهِمْ في النِّعْمَةِ.
فَتَكُونُ الغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها حَتّى لا لَفْظًا مُفْرَدًا. والتَّقْدِيرُ: يَمُدُّ لَهُمُ الرَّحْمَنُ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَيَعْلَمُوا مَن هو أسْعَدُ ومَن هو أشْقى.
صفحة ١٥٧
وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِتَوْكِيدِ حُصُولِ العِلْمِ لَهم حِينَئِذٍ ولَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ الِاسْتِقْبالَ اسْتُفِيدَ مِنَ الغايَةِ.
وإمّا حَرْفُ تَفْصِيلٍ لِـ (﴿ما يُوعَدُونَ﴾)، أيْ ما أُوعِدُوا مِنَ العَذابِ إمّا عَذابُ الدُّنْيا وإمّا عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يَعْدُو أنْ يَرى أحَدَ العَذابَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.
وانْتَصَبَ لَفْظُ العَذابِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ يَرَوْا. وحَرْفُ إمّا غَيْرُ عاطِفٍ، وهو مُعْتَرِضٌ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
هُما خُطَّتا إمّا إسارٍ ومِنَةٍ وإمّا دَمٍ والمَوْتُ بِالحُرِّ أجْدَرُ
بِجَرِّ ”إسارٍ، ومِنَّةٍ، ودَمٍ“ . وقَوْلُهُ (﴿شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) فالمَكانُ يُرادِفُ المَقامَ، والجُنْدُ الأعْوانُ، لِأنَّ النّدِيَّ أُرِيدَ بِهِ أهْلُهُ كَما تَقَدَّمَ، فَقُوبِلَ (خَيْرٌ نَدِيًّا) بِ (أضْعَفُ جُنْدًا) .
وجُمْلَةُ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لِما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ مِنَ الإمْهالِ المُفْضِي إلى الِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ، والِاسْتِمْرارُ: الزِّيادَةُ؛ فالمَعْنى عَلى الِاحْتِباكِ، أيْ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا فَيَزْدَدْ ضَلالًا، ويَمُدُّ لِلَّذِينِ اهْتَدَوْا فَيَزْدادُوا هُدًى.
وجُمْلَةُ (﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾)، وهو ارْتِقاءٌ مِن بِشارَتِهِمْ بِالنَّجاةِ إلى بِشارَتِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أيْ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ الَّتِي اقْتَضاها قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾)، أيْ فَسَيَظْهَرُ أنَّ ما كانَ فِيهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ هو أقَلُّ مِمّا كانَ
صفحة ١٥٨
عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الشَّظَفِ والضَّعْفِ بِاعْتِبارِ المَآلَيْنِ. إذْ كانَ مَآلُ الكَفَرَةِ العَذابُ ومَآلُ المُؤْمِنِينَ السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ وبَعْدُ فَلِلْمُؤْمِنِينَ الثَّوابُ.
والباقِياتُ الصّالِحاتُ: صِفَتانِ لِمَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الأعْمالُ الباقِي نَعِيمُها وخَيْرُها، والصّالِحاتُ لِأصْحابِها هي خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِن نِعْمَةِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْدِيمِ الباقِياتِ عَلى الصّالِحاتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في أثْناءِ سُورَةِ الكَهْفِ.
والمَرَدُّ: المَرْجِعُ. والمُرادُ بِهِ عاقِبَةُ الأمْرِ.
مريم 19:76
﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتّى إذا رَأوْا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا السّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾ ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ .
هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . لَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ كَشْفَ مُغالَطَتِهِمْ أوْ شُبْهَتِهِمْ؛ فَأعْلَمَهم بِأنَّ ما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الدُّنْيا إنَّما هو إمْهالٌ مِنَ اللَّهِ إيّاهم، لِأنَّ مَلاذَ الكافِرِ اسْتِدْراجٌ. فَمِعْيارُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّعْمَةِ النّاشِئَةِ عَنْ رِضى اللَّهِ تَعالى عَلى عَبْدِهِ وبَيْنَ النِّعْمَةِ الَّتِي هي اسْتِدْراجٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ هو النَّظَرُ إلى حالِ مَن هو في نِعْمَةٍ بَيْنَ حالِ هُدىً وحالِ ضَلالٍ، قالَ تَعالى في شَأْنِ الأوَّلِينَ (﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]) . وقالَ في شَأْنِ الآخَرِينَ (﴿أيَحْسَبُونَ أنَّ ما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٤]) .
صفحة ١٥٦
والمَعْنى: أنَّ مَن كانَ مُنْغَمِسًا في الضَّلالَةِ اغْتَرَّ بِإمْهالِ اللَّهِ لَهُ فَرَكِبَهُ الغُرُورُ كَما رَكِبَهم إذْ قالُوا (﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) . واللّامُ في قَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لامُ الأمْرِ أوِ الدُّعاءِ، اسْتُعْمِلَتْ مَجازًا في لازِمِ مَعْنى الأمْرِ، أيِ التَّحْقِيقِ، أيْ فَسَيُمِدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا، أيْ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في إمْهالِ الضُّلّالِ، إعْذارًا لَهم، كَما قالَ تَعالى (﴿أوَلَمْ نُعَمِّرْكم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]) تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِإنْعامِ اللَّهِ عَلى الضُّلّالِ حَتّى أنَّ المُؤْمِنِينَ يَدْعُونَ اللَّهَ بِهِ لِعَدَمِ اكْتِراثِهِمْ بِطُولِ مُدَّةِ نَعَيْمِ الكُفّارِ. فَإنْ كانَ المَقْصُودُ مِن قُلْ أنْ يَقُولَ النَّبِيءُ ذَلِكَ لِلْكُفّارِ فَلامُ الأمْرِ مُجَرَّدُ مَجازٍ في التَّحْقِيقِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ أنْ يُبَلِّغَ النَّبِيءُ ذَلِكَ عَنِ اللَّهِ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ فَلامُ الأمْرِ مَجازٌ أيْضًا وتَجْرِيدٌ، بِحَيْثُ إنَّ اللَّهَ تَعالى يَأْمُرُ نَفْسَهُ بِأنْ يُمِدَّ لَهم.
والمَدُّ: حَقِيقَتُهُ إرْخاءُ الحَبْلِ وإطالَتُهُ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الإمْهالِ كَما هُنا، وفي الإطالَةِ كَما في قَوْلِهِمْ: مَدَّ اللَّهُ في عُمْرِكَ.
ومَدًّا مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ، أيْ فَلْيُمْدِدْ لَهُ المَدَّ الشَّدِيدَ، فَسَيَنْتَهِي ذَلِكَ، وحَتّى لِغايَةِ المَدِّ، وهي ابْتِدائِيَّةٌ، أيْ يَمُدُّ لَهُ الرَّحْمَنُ إلى أنْ يَرَوْا ما يُوعَدُونَ؛ أيْ لا مَحِيصَ لَهم عَنْ رُؤْيَةِ ما أوْعِدُوا مِنَ العَذابِ ولا يَدْفَعُهُ عَنْهُ طُولُ مُدَّتِهِمْ في النِّعْمَةِ.
فَتَكُونُ الغايَةُ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها حَتّى لا لَفْظًا مُفْرَدًا. والتَّقْدِيرُ: يَمُدُّ لَهُمُ الرَّحْمَنُ حَتّى يَرَوُا العَذابَ فَيَعْلَمُوا مَن هو أسْعَدُ ومَن هو أشْقى.
صفحة ١٥٧
وحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِتَوْكِيدِ حُصُولِ العِلْمِ لَهم حِينَئِذٍ ولَيْسَ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ لِأنَّ الِاسْتِقْبالَ اسْتُفِيدَ مِنَ الغايَةِ.
وإمّا حَرْفُ تَفْصِيلٍ لِـ (﴿ما يُوعَدُونَ﴾)، أيْ ما أُوعِدُوا مِنَ العَذابِ إمّا عَذابُ الدُّنْيا وإمّا عَذابُ الآخِرَةِ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يَعْدُو أنْ يَرى أحَدَ العَذابَيْنِ أوْ كِلَيْهِما.
وانْتَصَبَ لَفْظُ العَذابِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِ يَرَوْا. وحَرْفُ إمّا غَيْرُ عاطِفٍ، وهو مُعْتَرِضٌ بَيْنَ العامِلِ ومَعْمُولِهِ، كَما في قَوْلِ تَأبَّطَ شَرًّا:
هُما خُطَّتا إمّا إسارٍ ومِنَةٍ وإمّا دَمٍ والمَوْتُ بِالحُرِّ أجْدَرُ
بِجَرِّ ”إسارٍ، ومِنَّةٍ، ودَمٍ“ . وقَوْلُهُ (﴿شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾) مُقابِلُ قَوْلِهِمْ (﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣]) فالمَكانُ يُرادِفُ المَقامَ، والجُنْدُ الأعْوانُ، لِأنَّ النّدِيَّ أُرِيدَ بِهِ أهْلُهُ كَما تَقَدَّمَ، فَقُوبِلَ (خَيْرٌ نَدِيًّا) بِ (أضْعَفُ جُنْدًا) .
وجُمْلَةُ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾) لِما تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ مِنَ الإمْهالِ المُفْضِي إلى الِاسْتِمْرارِ في الضَّلالِ، والِاسْتِمْرارُ: الزِّيادَةُ؛ فالمَعْنى عَلى الِاحْتِباكِ، أيْ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا فَيَزْدَدْ ضَلالًا، ويَمُدُّ لِلَّذِينِ اهْتَدَوْا فَيَزْدادُوا هُدًى.
وجُمْلَةُ (﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾)، وهو ارْتِقاءٌ مِن بِشارَتِهِمْ بِالنَّجاةِ إلى بِشارَتِهِمْ بِرَفْعِ الدَّرَجاتِ، أيْ الباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ مِنَ السَّلامَةِ مِنَ العَذابِ الَّتِي اقْتَضاها قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا﴾)، أيْ فَسَيَظْهَرُ أنَّ ما كانَ فِيهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعْمَةِ والعِزَّةِ هو أقَلُّ مِمّا كانَ
صفحة ١٥٨
عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ مِنَ الشَّظَفِ والضَّعْفِ بِاعْتِبارِ المَآلَيْنِ. إذْ كانَ مَآلُ الكَفَرَةِ العَذابُ ومَآلُ المُؤْمِنِينَ السَّلامَةُ مِنَ العَذابِ وبَعْدُ فَلِلْمُؤْمِنِينَ الثَّوابُ.
والباقِياتُ الصّالِحاتُ: صِفَتانِ لِمَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ الأعْمالُ الباقِي نَعِيمُها وخَيْرُها، والصّالِحاتُ لِأصْحابِها هي خَيْرٌ عِنْدَ اللَّهِ مِن نِعْمَةِ النَّجاةِ مِنَ العَذابِ. وقَدْ تَقَدَّمَ وجْهُ تَقْدِيمِ الباقِياتِ عَلى الصّالِحاتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى نَظِيرِهِ في أثْناءِ سُورَةِ الكَهْفِ.
والمَرَدُّ: المَرْجِعُ. والمُرادُ بِهِ عاقِبَةُ الأمْرِ.
مريم 19:77
﴿أفَراَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) وما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّفْرِيعاتِ، والمُناسَبَةِ: أنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ كانَ في غُرُورٍ مِثْلِ الغُرُورِ الَّذِي كانَ فِيهِ أصْحابُهُ. وهو غُرُورُ إحالَةِ البَعْثِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى قِصَّةِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ. فَفي الصَّحِيحِ: أنَّ خَبّابًا كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ في مَكَّةَ. فَعَمِلَ لِلْعاصِي بْنِ وائِلَ سَيْفًا وكانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلى العاصِي، وكانَ خَبّابٌ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ خَبّابٌ يَتَقاضى دَيْنَهُ مِنَ العاصِي فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ
صفحة ١٥٩
وائِلٍ: لا أقْضِيكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ وقَدْ غَضِبَ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ. قالَ العاصِي: أوَمَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ العاصِي مُتَهَكِّمًا: إذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فالعاصِي بْنُ وائِلٍ هو المُرادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.
والِاسْتِفْهامُ في (أفَرَأيْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن كُفْرِ هَذا الكافِرِ، والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ.
نَزَلَتِ القِصَّةُ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ لِأنَّهُ مِن أقْوى طُرُقِ العِلْمِ. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِن مَنشَأِ العَجَبِ ولاسِيَّما قَوْلُهُ (﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾) .
والمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ إلى تَذَكُّرِها إنْ كانَ عالِمًا بِها.
والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
والآياتُ: القُرْآنُ، أيْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ وكَذَّبَ بِها. ومِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ.
والوَلَدُ: اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ في الألْفاظِ الأرْبَعَةِ - (ووُلْدٌ) - بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ - فَهو جَمْعُ ولَدٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ.
وجُمْلَةُ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) جَوابٌ لِكَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِهِ مِنَ الوَعْدِ بِقَضاءِ الدَّيْنِ مِنَ المالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) إنْكارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ.
صفحة ١٦٠
و(اطّلَعَ) افْتَعَلَ مَن طَلَعَ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وهو الِارْتِقاءُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَكانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ ومُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومِن أجْلِ هَذا أُطْلِقَ الِاطِّلاعُ عَلى الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ الَّذِي يَرُومُ الإشْرافَ عَلى مَكانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إلَيْهِ مِن عُلُوٍّ، فالأصْلُ أنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قاصِرٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْدِيَةِ، قالَ تَعالى (﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥])، فَإذا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنى أشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَقَوْلَهِ تَعالى (﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]) . وتَقَدَّمَ إجْمالًا في سُورَةِ الكَهْفِ.
فانْتَصَبَ الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ في الكَشّافِ: ولِاخْتِيارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ شَأنٌ، يَقُولُ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ أنِ ارْتَقى إلى عِلَمِ الغَيْبِ اهـ. فالغَيْبُ: هو ما غابَ عَنِ الأبْصارِ. والمَعْنى: أأشْرَفَ عَلى عالَمِ الغَيْبِ فَرَأى مالًا ووَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيامَةِ أوْ فَرَأى مالَهُ ووَلَدَهُ صائِرِينَ مَعَهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ”فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ“ عَنى أنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ راجِعانِ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أمْ عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأيْقَنَ بِحُصُولِهِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ إمّا مُكاشَفَةُ ذَلِكَ ومُشاهَدَتُهُ. وإمّا إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ إيّاهُ.
ومُتَعَلِّقُ العَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. تَقْدِيرُهُ: بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا ووَلَدًا.
وعِنْدَ ظَرْفُ مَكانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ بِتَشْبِيهِ الوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِها تَعاهُدٌ وتَعاقُدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ
صفحة ١٦١
لِأنَّ النّاسَ كانُوا إذا أرادُوا تَوْثِيقَ ما يَتَعاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ ووَضَعُوها في مَكانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَما كَتَبَ المُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي هاشِمٍ ووَضَعُوها في الكَعْبَةِ. وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
ولَعَلَّ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾) إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى بِطَرِيقِ مُراعاةِ النَّظِيرِ. واخْتِيرَ هُنا مِن أسْمائِهِ (الرَّحْمانُ) . لِأنَّ اسْتِحْضارَ مَدْلُولِهِ أجْدَرُ في وفائِهِ بِما عَهِدَ بِهِ مِن النِّعْمَةِ المَزْعُومَةِ لِهَذا الكافِرِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (( ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) ) .
و(كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلامٍ سابِقٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، أوْ مِن كَلامٍ يُحْكى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أوْ مَسْمُوعٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]) . والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الكَلامِ المُبْطَلِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى الكَلامِ المُبْطَلِ لِلِاهْتِمامِ بِالإبْطالِ وتَعْجِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى سَماعِ الكَلامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]) إلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. ولِما فِيها مِن مَعْنى الإبْطالِ كانَتْ في مَعْنى النَّفْيِ، فَهي نَقِيضُ ”إي“ و”أجَلْ“ ونَحْوِهِما مِن أحْرُفِ الجَوابِ بِتَقْدِيرِ الكَلامِ السّابِقِ.
والمَعْنى: لا يَقَعُ ما حَكى عَنْهُ مِن زَعْمِهِ ولا مِن غُرُورِهِ. والغالِبُ أنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلامٍ بَعْدَها، فَلا يُعْهَدُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ في رَدِّ كَلامٍ: كَلّا، ويَسْكُتُ.
صفحة ١٦٢
ولِكَوْنِها حَرْفَ رَدْعٍ أفادَتْ مَعْنًى تامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. فَلِذَلِكَ جازَ الوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ومَنَعَ المُبَرِّدُ الوَقْفَ عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لابُدَّ أنْ تُتْبَعَ بِكَلامٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مَواقِعُها أرْبَعَةٌ: مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها والِابْتِداءُ بِها كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِها كَقَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ قالَ كَلّا فاذْهَبا﴾ [الشعراء: ١٤]) .
ومُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِداءُ بِها ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]) .
مَوقِعٌ لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]) .
وكَلامُ الفَرّاءِ يُبَيِّنُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الجُمْهُورِ وبَيْنَ المُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأنَّ الوَقْفَ أعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التّامِّ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ﴾) لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
والمَدُّ في العَذابِ: الزِّيادَةُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]) .
و(ما يَقُولُ) في المَوْضِعَيْنِ إيجازٌ، لِأنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلامَهُ لَطالَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]) . أيْ وبِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. أيْ ما قالَهُ مِنَ الإلْحادِ والتَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ. وما قالَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ سَنَكْتُبُ جَزاءَهُ ونُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ ما سَمّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ نَرِثُ أعْيانَ ما ذَكَرَ أسْماءَهُ، إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ. فَ (ما يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَرِثُهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: ونَرِثُ ولَدَهُ ومالَهُ.
صفحة ١٦٣
والإرْثُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في السَّلْبِ والأخْذِ، أوْ كِنايَةً عَنْ لازَمِهِ وهو الهَلاكُ. والمَقْصُودُ: تَذْكِيرُهُ بِالمَوْتِ، أوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلاكِهِ.
ومَعْنى إرْثِ أوْلادِهِ أنَّهم يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ في حِزْبِ اللَّهِ، فَإنَّ العاصِي ولَدَ عَمْرًا الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ وهِشامًا الصَّحابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أجْنادِينَ، فَهُنا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِكايَةً وكَمَدًا لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ.
والفَرْدُ: الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ما يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا، إشارَةً إلى أنَّهُ يُحْشَرُ كافِرًا وحْدَهُ دُونَ ولَدِهِ، ولا مالَ لَهُ. وفَرْدًا حالٌ.
مريم 19:78
﴿أفَراَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) وما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّفْرِيعاتِ، والمُناسَبَةِ: أنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ كانَ في غُرُورٍ مِثْلِ الغُرُورِ الَّذِي كانَ فِيهِ أصْحابُهُ. وهو غُرُورُ إحالَةِ البَعْثِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى قِصَّةِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ. فَفي الصَّحِيحِ: أنَّ خَبّابًا كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ في مَكَّةَ. فَعَمِلَ لِلْعاصِي بْنِ وائِلَ سَيْفًا وكانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلى العاصِي، وكانَ خَبّابٌ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ خَبّابٌ يَتَقاضى دَيْنَهُ مِنَ العاصِي فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ
صفحة ١٥٩
وائِلٍ: لا أقْضِيكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ وقَدْ غَضِبَ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ. قالَ العاصِي: أوَمَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ العاصِي مُتَهَكِّمًا: إذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فالعاصِي بْنُ وائِلٍ هو المُرادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.
والِاسْتِفْهامُ في (أفَرَأيْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن كُفْرِ هَذا الكافِرِ، والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ.
نَزَلَتِ القِصَّةُ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ لِأنَّهُ مِن أقْوى طُرُقِ العِلْمِ. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِن مَنشَأِ العَجَبِ ولاسِيَّما قَوْلُهُ (﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾) .
والمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ إلى تَذَكُّرِها إنْ كانَ عالِمًا بِها.
والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
والآياتُ: القُرْآنُ، أيْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ وكَذَّبَ بِها. ومِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ.
والوَلَدُ: اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ في الألْفاظِ الأرْبَعَةِ - (ووُلْدٌ) - بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ - فَهو جَمْعُ ولَدٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ.
وجُمْلَةُ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) جَوابٌ لِكَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِهِ مِنَ الوَعْدِ بِقَضاءِ الدَّيْنِ مِنَ المالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) إنْكارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ.
صفحة ١٦٠
و(اطّلَعَ) افْتَعَلَ مَن طَلَعَ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وهو الِارْتِقاءُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَكانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ ومُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومِن أجْلِ هَذا أُطْلِقَ الِاطِّلاعُ عَلى الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ الَّذِي يَرُومُ الإشْرافَ عَلى مَكانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إلَيْهِ مِن عُلُوٍّ، فالأصْلُ أنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قاصِرٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْدِيَةِ، قالَ تَعالى (﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥])، فَإذا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنى أشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَقَوْلَهِ تَعالى (﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]) . وتَقَدَّمَ إجْمالًا في سُورَةِ الكَهْفِ.
فانْتَصَبَ الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ في الكَشّافِ: ولِاخْتِيارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ شَأنٌ، يَقُولُ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ أنِ ارْتَقى إلى عِلَمِ الغَيْبِ اهـ. فالغَيْبُ: هو ما غابَ عَنِ الأبْصارِ. والمَعْنى: أأشْرَفَ عَلى عالَمِ الغَيْبِ فَرَأى مالًا ووَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيامَةِ أوْ فَرَأى مالَهُ ووَلَدَهُ صائِرِينَ مَعَهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ”فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ“ عَنى أنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ راجِعانِ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أمْ عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأيْقَنَ بِحُصُولِهِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ إمّا مُكاشَفَةُ ذَلِكَ ومُشاهَدَتُهُ. وإمّا إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ إيّاهُ.
ومُتَعَلِّقُ العَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. تَقْدِيرُهُ: بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا ووَلَدًا.
وعِنْدَ ظَرْفُ مَكانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ بِتَشْبِيهِ الوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِها تَعاهُدٌ وتَعاقُدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ
صفحة ١٦١
لِأنَّ النّاسَ كانُوا إذا أرادُوا تَوْثِيقَ ما يَتَعاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ ووَضَعُوها في مَكانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَما كَتَبَ المُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي هاشِمٍ ووَضَعُوها في الكَعْبَةِ. وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
ولَعَلَّ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾) إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى بِطَرِيقِ مُراعاةِ النَّظِيرِ. واخْتِيرَ هُنا مِن أسْمائِهِ (الرَّحْمانُ) . لِأنَّ اسْتِحْضارَ مَدْلُولِهِ أجْدَرُ في وفائِهِ بِما عَهِدَ بِهِ مِن النِّعْمَةِ المَزْعُومَةِ لِهَذا الكافِرِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (( ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) ) .
و(كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلامٍ سابِقٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، أوْ مِن كَلامٍ يُحْكى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أوْ مَسْمُوعٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]) . والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الكَلامِ المُبْطَلِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى الكَلامِ المُبْطَلِ لِلِاهْتِمامِ بِالإبْطالِ وتَعْجِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى سَماعِ الكَلامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]) إلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. ولِما فِيها مِن مَعْنى الإبْطالِ كانَتْ في مَعْنى النَّفْيِ، فَهي نَقِيضُ ”إي“ و”أجَلْ“ ونَحْوِهِما مِن أحْرُفِ الجَوابِ بِتَقْدِيرِ الكَلامِ السّابِقِ.
والمَعْنى: لا يَقَعُ ما حَكى عَنْهُ مِن زَعْمِهِ ولا مِن غُرُورِهِ. والغالِبُ أنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلامٍ بَعْدَها، فَلا يُعْهَدُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ في رَدِّ كَلامٍ: كَلّا، ويَسْكُتُ.
صفحة ١٦٢
ولِكَوْنِها حَرْفَ رَدْعٍ أفادَتْ مَعْنًى تامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. فَلِذَلِكَ جازَ الوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ومَنَعَ المُبَرِّدُ الوَقْفَ عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لابُدَّ أنْ تُتْبَعَ بِكَلامٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مَواقِعُها أرْبَعَةٌ: مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها والِابْتِداءُ بِها كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِها كَقَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ قالَ كَلّا فاذْهَبا﴾ [الشعراء: ١٤]) .
ومُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِداءُ بِها ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]) .
مَوقِعٌ لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]) .
وكَلامُ الفَرّاءِ يُبَيِّنُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الجُمْهُورِ وبَيْنَ المُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأنَّ الوَقْفَ أعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التّامِّ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ﴾) لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
والمَدُّ في العَذابِ: الزِّيادَةُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]) .
و(ما يَقُولُ) في المَوْضِعَيْنِ إيجازٌ، لِأنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلامَهُ لَطالَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]) . أيْ وبِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. أيْ ما قالَهُ مِنَ الإلْحادِ والتَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ. وما قالَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ سَنَكْتُبُ جَزاءَهُ ونُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ ما سَمّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ نَرِثُ أعْيانَ ما ذَكَرَ أسْماءَهُ، إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ. فَ (ما يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَرِثُهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: ونَرِثُ ولَدَهُ ومالَهُ.
صفحة ١٦٣
والإرْثُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في السَّلْبِ والأخْذِ، أوْ كِنايَةً عَنْ لازَمِهِ وهو الهَلاكُ. والمَقْصُودُ: تَذْكِيرُهُ بِالمَوْتِ، أوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلاكِهِ.
ومَعْنى إرْثِ أوْلادِهِ أنَّهم يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ في حِزْبِ اللَّهِ، فَإنَّ العاصِي ولَدَ عَمْرًا الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ وهِشامًا الصَّحابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أجْنادِينَ، فَهُنا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِكايَةً وكَمَدًا لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ.
والفَرْدُ: الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ما يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا، إشارَةً إلى أنَّهُ يُحْشَرُ كافِرًا وحْدَهُ دُونَ ولَدِهِ، ولا مالَ لَهُ. وفَرْدًا حالٌ.
مريم 19:79
﴿أفَراَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) وما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّفْرِيعاتِ، والمُناسَبَةِ: أنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ كانَ في غُرُورٍ مِثْلِ الغُرُورِ الَّذِي كانَ فِيهِ أصْحابُهُ. وهو غُرُورُ إحالَةِ البَعْثِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى قِصَّةِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ. فَفي الصَّحِيحِ: أنَّ خَبّابًا كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ في مَكَّةَ. فَعَمِلَ لِلْعاصِي بْنِ وائِلَ سَيْفًا وكانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلى العاصِي، وكانَ خَبّابٌ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ خَبّابٌ يَتَقاضى دَيْنَهُ مِنَ العاصِي فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ
صفحة ١٥٩
وائِلٍ: لا أقْضِيكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ وقَدْ غَضِبَ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ. قالَ العاصِي: أوَمَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ العاصِي مُتَهَكِّمًا: إذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فالعاصِي بْنُ وائِلٍ هو المُرادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.
والِاسْتِفْهامُ في (أفَرَأيْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن كُفْرِ هَذا الكافِرِ، والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ.
نَزَلَتِ القِصَّةُ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ لِأنَّهُ مِن أقْوى طُرُقِ العِلْمِ. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِن مَنشَأِ العَجَبِ ولاسِيَّما قَوْلُهُ (﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾) .
والمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ إلى تَذَكُّرِها إنْ كانَ عالِمًا بِها.
والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
والآياتُ: القُرْآنُ، أيْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ وكَذَّبَ بِها. ومِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ.
والوَلَدُ: اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ في الألْفاظِ الأرْبَعَةِ - (ووُلْدٌ) - بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ - فَهو جَمْعُ ولَدٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ.
وجُمْلَةُ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) جَوابٌ لِكَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِهِ مِنَ الوَعْدِ بِقَضاءِ الدَّيْنِ مِنَ المالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) إنْكارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ.
صفحة ١٦٠
و(اطّلَعَ) افْتَعَلَ مَن طَلَعَ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وهو الِارْتِقاءُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَكانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ ومُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومِن أجْلِ هَذا أُطْلِقَ الِاطِّلاعُ عَلى الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ الَّذِي يَرُومُ الإشْرافَ عَلى مَكانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إلَيْهِ مِن عُلُوٍّ، فالأصْلُ أنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قاصِرٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْدِيَةِ، قالَ تَعالى (﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥])، فَإذا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنى أشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَقَوْلَهِ تَعالى (﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]) . وتَقَدَّمَ إجْمالًا في سُورَةِ الكَهْفِ.
فانْتَصَبَ الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ في الكَشّافِ: ولِاخْتِيارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ شَأنٌ، يَقُولُ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ أنِ ارْتَقى إلى عِلَمِ الغَيْبِ اهـ. فالغَيْبُ: هو ما غابَ عَنِ الأبْصارِ. والمَعْنى: أأشْرَفَ عَلى عالَمِ الغَيْبِ فَرَأى مالًا ووَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيامَةِ أوْ فَرَأى مالَهُ ووَلَدَهُ صائِرِينَ مَعَهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ”فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ“ عَنى أنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ راجِعانِ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أمْ عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأيْقَنَ بِحُصُولِهِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ إمّا مُكاشَفَةُ ذَلِكَ ومُشاهَدَتُهُ. وإمّا إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ إيّاهُ.
ومُتَعَلِّقُ العَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. تَقْدِيرُهُ: بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا ووَلَدًا.
وعِنْدَ ظَرْفُ مَكانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ بِتَشْبِيهِ الوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِها تَعاهُدٌ وتَعاقُدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ
صفحة ١٦١
لِأنَّ النّاسَ كانُوا إذا أرادُوا تَوْثِيقَ ما يَتَعاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ ووَضَعُوها في مَكانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَما كَتَبَ المُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي هاشِمٍ ووَضَعُوها في الكَعْبَةِ. وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
ولَعَلَّ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾) إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى بِطَرِيقِ مُراعاةِ النَّظِيرِ. واخْتِيرَ هُنا مِن أسْمائِهِ (الرَّحْمانُ) . لِأنَّ اسْتِحْضارَ مَدْلُولِهِ أجْدَرُ في وفائِهِ بِما عَهِدَ بِهِ مِن النِّعْمَةِ المَزْعُومَةِ لِهَذا الكافِرِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (( ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) ) .
و(كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلامٍ سابِقٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، أوْ مِن كَلامٍ يُحْكى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أوْ مَسْمُوعٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]) . والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الكَلامِ المُبْطَلِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى الكَلامِ المُبْطَلِ لِلِاهْتِمامِ بِالإبْطالِ وتَعْجِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى سَماعِ الكَلامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]) إلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. ولِما فِيها مِن مَعْنى الإبْطالِ كانَتْ في مَعْنى النَّفْيِ، فَهي نَقِيضُ ”إي“ و”أجَلْ“ ونَحْوِهِما مِن أحْرُفِ الجَوابِ بِتَقْدِيرِ الكَلامِ السّابِقِ.
والمَعْنى: لا يَقَعُ ما حَكى عَنْهُ مِن زَعْمِهِ ولا مِن غُرُورِهِ. والغالِبُ أنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلامٍ بَعْدَها، فَلا يُعْهَدُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ في رَدِّ كَلامٍ: كَلّا، ويَسْكُتُ.
صفحة ١٦٢
ولِكَوْنِها حَرْفَ رَدْعٍ أفادَتْ مَعْنًى تامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. فَلِذَلِكَ جازَ الوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ومَنَعَ المُبَرِّدُ الوَقْفَ عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لابُدَّ أنْ تُتْبَعَ بِكَلامٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مَواقِعُها أرْبَعَةٌ: مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها والِابْتِداءُ بِها كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِها كَقَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ قالَ كَلّا فاذْهَبا﴾ [الشعراء: ١٤]) .
ومُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِداءُ بِها ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]) .
مَوقِعٌ لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]) .
وكَلامُ الفَرّاءِ يُبَيِّنُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الجُمْهُورِ وبَيْنَ المُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأنَّ الوَقْفَ أعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التّامِّ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ﴾) لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
والمَدُّ في العَذابِ: الزِّيادَةُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]) .
و(ما يَقُولُ) في المَوْضِعَيْنِ إيجازٌ، لِأنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلامَهُ لَطالَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]) . أيْ وبِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. أيْ ما قالَهُ مِنَ الإلْحادِ والتَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ. وما قالَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ سَنَكْتُبُ جَزاءَهُ ونُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ ما سَمّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ نَرِثُ أعْيانَ ما ذَكَرَ أسْماءَهُ، إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ. فَ (ما يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَرِثُهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: ونَرِثُ ولَدَهُ ومالَهُ.
صفحة ١٦٣
والإرْثُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في السَّلْبِ والأخْذِ، أوْ كِنايَةً عَنْ لازَمِهِ وهو الهَلاكُ. والمَقْصُودُ: تَذْكِيرُهُ بِالمَوْتِ، أوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلاكِهِ.
ومَعْنى إرْثِ أوْلادِهِ أنَّهم يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ في حِزْبِ اللَّهِ، فَإنَّ العاصِي ولَدَ عَمْرًا الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ وهِشامًا الصَّحابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أجْنادِينَ، فَهُنا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِكايَةً وكَمَدًا لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ.
والفَرْدُ: الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ما يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا، إشارَةً إلى أنَّهُ يُحْشَرُ كافِرًا وحْدَهُ دُونَ ولَدِهِ، ولا مالَ لَهُ. وفَرْدًا حالٌ.
مريم 19:80
﴿أفَراَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا﴾
تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦]) وما اتَّصَلَ بِهِ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّفْرِيعاتِ، والمُناسَبَةِ: أنَّ قائِلَ هَذا الكَلامِ كانَ في غُرُورٍ مِثْلِ الغُرُورِ الَّذِي كانَ فِيهِ أصْحابُهُ. وهو غُرُورُ إحالَةِ البَعْثِ.
والآيَةُ تُشِيرُ إلى قِصَّةِ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ مَعَ العاصِي بْنِ وائِلٍ السَّهْمِيِّ. فَفي الصَّحِيحِ: أنَّ خَبّابًا كانَ يَصْنَعُ السُّيُوفَ في مَكَّةَ. فَعَمِلَ لِلْعاصِي بْنِ وائِلَ سَيْفًا وكانَ ثَمَنُهُ دَيْنًا عَلى العاصِي، وكانَ خَبّابٌ قَدْ أسْلَمَ، فَجاءَ خَبّابٌ يَتَقاضى دَيْنَهُ مِنَ العاصِي فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ
صفحة ١٥٩
وائِلٍ: لا أقْضِيكَهُ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ وقَدْ غَضِبَ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ يَبْعَثُكَ. قالَ العاصِي: أوَمَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ العاصِي مُتَهَكِّمًا: إذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ذَلِكَ. فالعاصِي بْنُ وائِلٍ هو المُرادُ بِالَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا.
والِاسْتِفْهامُ في (أفَرَأيْتَ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن كُفْرِ هَذا الكافِرِ، والرُّؤْيَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلْعِلْمِ بِقِصَّتِهِ العَجِيبَةِ.
نَزَلَتِ القِصَّةُ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المُشاهَدِ بِالبَصَرِ لِأنَّهُ مِن أقْوى طُرُقِ العِلْمِ. وعُبِّرَ عَنْهُ بِالمَوْصُولِ لِما في الصِّلَةِ مِن مَنشَأِ العَجَبِ ولاسِيَّما قَوْلُهُ (﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾) .
والمَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِفْهامِ لَفْتُ الذِّهْنِ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ القِصَّةِ أوْ إلى تَذَكُّرِها إنْ كانَ عالِمًا بِها.
والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْخِطابِ فَلَمْ يُرَدْ بِهِ مُعَيَّنٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ .
والآياتُ: القُرْآنُ، أيْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنَ الآياتِ وكَذَّبَ بِها. ومِن جُمْلَتِها آياتُ البَعْثِ.
والوَلَدُ: اسْمُ جَمْعٍ لِوَلَدٍ المُفْرَدِ، وكَذَلِكَ قَرَأهُ الجُمْهُورُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ في هَذِهِ السُّورَةِ في الألْفاظِ الأرْبَعَةِ - (ووُلْدٌ) - بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ - فَهو جَمْعُ ولَدٍ، كَأسَدٍ وأُسْدٍ.
وجُمْلَةُ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) جَوابٌ لِكَلامِهِ عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ بِحَمْلِ كَلامِهِ عَلى ظاهِرِ عِبارَتِهِ مِنَ الوَعْدِ بِقَضاءِ الدَّيْنِ مِنَ المالِ الَّذِي سَيَجِدُهُ حِينَ يُبْعَثُ، فالِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ (﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾) إنْكارِيُّ وتَعْجِيبِيُّ.
صفحة ١٦٠
و(اطّلَعَ) افْتَعَلَ مَن طَلَعَ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ فِعْلِ الطُّلُوعِ وهو الِارْتِقاءُ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِمَكانِ الطُّلُوعِ مَطْلَعٌ بِالتَّخْفِيفِ ومُطَّلَعٌ بِالتَّشْدِيدِ. ومِن أجْلِ هَذا أُطْلِقَ الِاطِّلاعُ عَلى الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ، لِأنَّ الَّذِي يَرُومُ الإشْرافَ عَلى مَكانٍ مَحْجُوبٍ عَنْهُ يَرْتَقِي إلَيْهِ مِن عُلُوٍّ، فالأصْلُ أنَّ فِعْلَ اطَّلَعَ قاصِرٌ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْدِيَةِ، قالَ تَعالى (﴿قالَ هَلْ أنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات: ٥٤] ﴿فاطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥])، فَإذا ضُمِّنَ اطَّلَعَ مَعْنى أشَرَفَ عُدِّيَ بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ كَقَوْلَهِ تَعالى (﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنهم فِرارًا﴾ [الكهف: ١٨]) . وتَقَدَّمَ إجْمالًا في سُورَةِ الكَهْفِ.
فانْتَصَبَ الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى نَزْعِ الخافِضِ كَما تَوَهَّمَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
قالَ في الكَشّافِ: ولِاخْتِيارِ هَذِهِ الكَلِمَةِ شَأنٌ، يَقُولُ: أوَقَدْ بَلَغَ مِن عَظَمَةِ شَأْنِهِ أنِ ارْتَقى إلى عِلَمِ الغَيْبِ اهـ. فالغَيْبُ: هو ما غابَ عَنِ الأبْصارِ. والمَعْنى: أأشْرَفَ عَلى عالَمِ الغَيْبِ فَرَأى مالًا ووَلَدًا مُعَدَّيْنِ لَهُ حِينَ يَأْتِي يَوْمُ القِيامَةِ أوْ فَرَأى مالَهُ ووَلَدَهُ صائِرِينَ مَعَهُ في الآخِرَةِ لِأنَّهُ لَمّا قالَ ”فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ“ عَنى أنَّ مالَهُ ووَلَدَهُ راجِعانِ إلَيْهِ يَوْمَئِذٍ أمْ عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِ بِأنَّهُ مُعْطِيهِ ذَلِكَ فَأيْقَنَ بِحُصُولِهِ، لِأنَّهُ لا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَةِ ما أُعِدَّ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا أحَدُ هَذَيْنِ إمّا مُكاشَفَةُ ذَلِكَ ومُشاهَدَتُهُ. وإمّا إخْبارُ اللَّهِ بِأنَّهُ يُعْطِيهِ إيّاهُ.
ومُتَعَلِّقُ العَهْدِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ. تَقْدِيرُهُ: بِأنْ يُعْطِيَهُ مالًا ووَلَدًا.
وعِنْدَ ظَرْفُ مَكانٍ، وهو اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ بِتَشْبِيهِ الوَعْدِ بِصَحِيفَةٍ مَكْتُوبٍ بِها تَعاهُدٌ وتَعاقُدٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مَوْضُوعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ
صفحة ١٦١
لِأنَّ النّاسَ كانُوا إذا أرادُوا تَوْثِيقَ ما يَتَعاهَدُونَ عَلَيْهِ كَتَبُوهُ في صَحِيفَةٍ ووَضَعُوها في مَكانٍ حَصِينٍ مَشْهُورٍ كَما كَتَبَ المُشْرِكُونَ صَحِيفَةَ القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ بَنِي هاشِمٍ ووَضَعُوها في الكَعْبَةِ. وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الجَوْرِ والتَّطاخِي وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ
ولَعَلَّ في تَعْقِيبِهِ بِقَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ﴾) إشارَةٌ إلى هَذا المَعْنى بِطَرِيقِ مُراعاةِ النَّظِيرِ. واخْتِيرَ هُنا مِن أسْمائِهِ (الرَّحْمانُ) . لِأنَّ اسْتِحْضارَ مَدْلُولِهِ أجْدَرُ في وفائِهِ بِما عَهِدَ بِهِ مِن النِّعْمَةِ المَزْعُومَةِ لِهَذا الكافِرِ، ولِأنَّ في ذِكْرِ هَذا الِاسْمِ تَوَرُّكًا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ قالُوا (( ﴿وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) ) .
و(كَلّا) حَرْفُ رَدْعٍ وزَجْرٍ عَنْ مَضْمُونِ كَلامٍ سابِقٍ مِن مُتَكَلِّمٍ واحِدٍ، أوْ مِن كَلامٍ يُحْكى عَنْ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ أوْ مَسْمُوعٍ مِنهُ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] ﴿قالَ كَلّا إنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]) . والأكْثَرُ أنْ تَكُونَ عَقِبَ آخِرِ الكَلامِ المُبْطَلِ بِها، وقَدْ تَقَدَّمَ عَلى الكَلامِ المُبْطَلِ لِلِاهْتِمامِ بِالإبْطالِ وتَعْجِيلِهِ والتَّشْوِيقِ إلى سَماعِ الكَلامِ الَّذِي سَيَرِدُ بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا والقَمَرِ﴾ [المدثر: ٣٢] ﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣] ﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٤] ﴿إنَّها لَإحْدى الكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]) إلى أحَدِ تَأْوِيلَيْنِ. ولِما فِيها مِن مَعْنى الإبْطالِ كانَتْ في مَعْنى النَّفْيِ، فَهي نَقِيضُ ”إي“ و”أجَلْ“ ونَحْوِهِما مِن أحْرُفِ الجَوابِ بِتَقْدِيرِ الكَلامِ السّابِقِ.
والمَعْنى: لا يَقَعُ ما حَكى عَنْهُ مِن زَعْمِهِ ولا مِن غُرُورِهِ. والغالِبُ أنْ تَكُونَ مُتْبَعَةً بِكَلامٍ بَعْدَها، فَلا يُعْهَدُ في كَلامِ العَرَبِ أنْ يَقُولَ قائِلٌ في رَدِّ كَلامٍ: كَلّا، ويَسْكُتُ.
صفحة ١٦٢
ولِكَوْنِها حَرْفَ رَدْعٍ أفادَتْ مَعْنًى تامًا يَحْسُنُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ. فَلِذَلِكَ جازَ الوَقْفُ عَلَيْها عِنْدَ الجُمْهُورِ. ومَنَعَ المُبَرِّدُ الوَقْفَ عَلَيْها بِناءً عَلى أنَّها لابُدَّ أنْ تُتْبَعَ بِكَلامٍ، وقالَ الفَرّاءُ: مَواقِعُها أرْبَعَةٌ: مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها والِابْتِداءُ بِها كَما في هَذِهِ الآيَةِ.
مُوَقِعٌ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها ولا يَحْسُنُ الِابْتِداءُ بِها كَقَوْلِهِ (﴿فَأخافُ أنْ يَقْتُلُونِ قالَ كَلّا فاذْهَبا﴾ [الشعراء: ١٤]) .
ومُوقِعٌ يَحْسُنُ فِيهِ الِابْتِداءُ بِها ولا يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلَيْها كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿كَلّا إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ [عبس: ١١]) .
مَوقِعٌ لا يَحْسُنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الأمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤]) .
وكَلامُ الفَرّاءِ يُبَيِّنُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الجُمْهُورِ وبَيْنَ المُبَرِّدِ لَفْظِيُّ لِأنَّ الوَقْفَ أعَمُّ مِنَ السُّكُوتِ التّامِّ.
وحَرْفُ التَّنْفِيسِ في قَوْلِهِ (﴿سَنَكْتُبُ﴾) لِتَحْقِيقِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لا مَحالَةَ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ سَوْفَ اسْتَغْفِرُ لَكم رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]) .
والمَدُّ في العَذابِ: الزِّيادَةُ مِنهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]) .
و(ما يَقُولُ) في المَوْضِعَيْنِ إيجازٌ، لِأنَّهُ لَوْ حَكَيَ كَلامَهُ لَطالَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣]) . أيْ وبِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ. أيْ ما قالَهُ مِنَ الإلْحادِ والتَّهَكُّمِ بِالإسْلامِ. وما قالَهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ سَنَكْتُبُ جَزاءَهُ ونُهْلِكُهُ فَنَرِثُهُ ما سَمّاهُ مِنَ المالِ والوَلَدِ، أيْ نَرِثُ أعْيانَ ما ذَكَرَ أسْماءَهُ، إذْ لا يُعْقَلُ أنْ يُورَثَ عَنْهُ قَوْلُهُ وكَلامُهُ. فَ (ما يَقُولُ) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في نَرِثُهُ، إذِ التَّقْدِيرُ: ونَرِثُ ولَدَهُ ومالَهُ.
صفحة ١٦٣
والإرْثُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في السَّلْبِ والأخْذِ، أوْ كِنايَةً عَنْ لازَمِهِ وهو الهَلاكُ. والمَقْصُودُ: تَذْكِيرُهُ بِالمَوْتِ، أوْ تَهْدِيدُهُ بِقُرْبِ هَلاكِهِ.
ومَعْنى إرْثِ أوْلادِهِ أنَّهم يَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ فَيَدْخُلُونَ في حِزْبِ اللَّهِ، فَإنَّ العاصِي ولَدَ عَمْرًا الصَّحابِيَّ الجَلِيلَ وهِشامًا الصَّحابِيَّ الشَّهِيدَ يَوْمَ أجْنادِينَ، فَهُنا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ ونِكايَةً وكَمَدًا لِلْعاصِي بْنِ وائِلٍ.
والفَرْدُ: الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ ما يَصِيرُ بِهِ عَدَدًا، إشارَةً إلى أنَّهُ يُحْشَرُ كافِرًا وحْدَهُ دُونَ ولَدِهِ، ولا مالَ لَهُ. وفَرْدًا حالٌ.
مريم 19:81
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) فَضَمِيرُ اتَّخَذُوا عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّ الكَلامَ جَرى عَلى بَعْضٍ مِنهم. والِاتِّخاذُ: جَعْلُ الشَّخْصِ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ، فَجُعِلَ الِاتِّخاذُ هُنا الِاعْتِقادُ والعِبادَةُ. وفي فِعْلِ الِاتِّخاذِ إيماءٌ إلى أنَّ عَقِيدَتَهم في تِلْكَ الآلِهَةِ شَيْءٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ (﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]) . وفي قَوْلِهِ (﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ الحَقَّ يَقْتَضِي أنْ يَتَّخِذُوا اللَّهَ إلَهًا، إذْ بِذَلِكَ تَقَرَّرَ الِاعْتِقادُ الحَقُّ مِن مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وعَلَيْهِ دَلَّتِ العُقُولُ الرّاجِحَةُ.
ومَعْنى (﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾) لِيَكُونُوا مُعِزِّينَ لَهم، أيْ ناصِرِينَ، فَأخْبَرَ عَنِ الآلِهَةِ بِالمَصْدَرِ لِتَصْوِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ في آلِهَتِهِمْ أنَّهم نَفْسُ العِزِّ، أيْ أنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِماءِ لَها يُكْسِبُهم عِزًّا.
صفحة ١٦٤
وأجْرى عَلى الآلِهَةِ ضَمِيرَ العاقِلِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم تَوَهَّمُوهم عُقَلاءَ مُدَبِّرِينَ. والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونا عائِدَيْنِ إلى آلِهَةً، أيْ سَيُنْكِرُ الآلِهَةُ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ إيّاهم، فَعَبَّرَ عَنِ الجُحُودِ والإنْكارِ بِالكُفْرِ، وسَتَكُونُ الآلِهَةُ ذُلًّا ضِدَّ العِزِّ. والأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾) . وفِيهِ تَمامُ المُقابَلَةِ، أيْ بَعْدَ أنْ تَكَلَّفُوا جَعْلَهم آلِهَةً لَهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) يُرَجِّحُ هَذا الحَمْلَ لِأنَّ الكُفْرَ شائِعٌ في الإنْكارِ الِاعْتِقادِيِّ لا في مُطْلَقِ الجُحُودِ، وأنَّ ضَمِيرَ يَكُونُونَ لِلْآلِهَةِ وفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ. ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذْ كانَ السِّياقُ يُرْجِعُ كُلًّا إلى ما يُناسِبُهُ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
أيْ وأحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الغَنائِمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) راجِعَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ، و”أنَّ“ حَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِلْحُصُولِ قَرِيبًا؛ أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويَدْخُلُونَ في الإسْلامِ ويَكُونُونَ ضِدًّا عَلى الأصْنامِ يَهْدِمُونَ هَياكِلَها ويَلْعَنُونَها، فَهو بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلى دِينِ الكُفْرِ. وفي هَذِهِ المُقابَلَةِ طِباقٌ مَرَّتَيْنِ.
والضِّدُّ: اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو خِلافُ الشَّيْءِ في الماهِيَّةِ أوِ المُعامَلَةِ. ومِنَ الثّانِي تَسْمِيَةُ العَدُوِّ ضِدًّا. ولِكَوْنِهِ في مَعْنى المَصْدَرِ لَزِمَ في حالِ الوَصْفِ بِهِ حالَةً واحِدَةً بِحَيْثُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ.
مريم 19:82
﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾ ﴿كَلّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) فَضَمِيرُ اتَّخَذُوا عائِدٌ إلى الَّذِينَ أشْرَكُوا لِأنَّ الكَلامَ جَرى عَلى بَعْضٍ مِنهم. والِاتِّخاذُ: جَعْلُ الشَّخْصِ الشَّيْءَ لِنَفْسِهِ، فَجُعِلَ الِاتِّخاذُ هُنا الِاعْتِقادُ والعِبادَةُ. وفي فِعْلِ الِاتِّخاذِ إيماءٌ إلى أنَّ عَقِيدَتَهم في تِلْكَ الآلِهَةِ شَيْءٌ مُصْطَلَحٌ عَلَيْهِ مُخْتَلَقٌ لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِهِ كَما قالَ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ (﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]) . وفي قَوْلِهِ (﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾) إيماءٌ إلى أنَّ الحَقَّ يَقْتَضِي أنْ يَتَّخِذُوا اللَّهَ إلَهًا، إذْ بِذَلِكَ تَقَرَّرَ الِاعْتِقادُ الحَقُّ مِن مَبْدَإ الخَلِيقَةِ، وعَلَيْهِ دَلَّتِ العُقُولُ الرّاجِحَةُ.
ومَعْنى (﴿لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا﴾) لِيَكُونُوا مُعِزِّينَ لَهم، أيْ ناصِرِينَ، فَأخْبَرَ عَنِ الآلِهَةِ بِالمَصْدَرِ لِتَصْوِيرِ اعْتِقادِ المُشْرِكِينَ في آلِهَتِهِمْ أنَّهم نَفْسُ العِزِّ، أيْ أنَّ مُجَرَّدَ الِانْتِماءِ لَها يُكْسِبُهم عِزًّا.
صفحة ١٦٤
وأجْرى عَلى الآلِهَةِ ضَمِيرَ العاقِلِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم تَوَهَّمُوهم عُقَلاءَ مُدَبِّرِينَ. والضَّمِيرانِ في قَوْلِهِ (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونا عائِدَيْنِ إلى آلِهَةً، أيْ سَيُنْكِرُ الآلِهَةُ عِبادَةَ المُشْرِكِينَ إيّاهم، فَعَبَّرَ عَنِ الجُحُودِ والإنْكارِ بِالكُفْرِ، وسَتَكُونُ الآلِهَةُ ذُلًّا ضِدَّ العِزِّ. والأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الآلِهَةِ فَيَكُونُ مُقابِلَ قَوْلِهِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾) . وفِيهِ تَمامُ المُقابَلَةِ، أيْ بَعْدَ أنْ تَكَلَّفُوا جَعْلَهم آلِهَةً لَهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ، فالتَّعْبِيرُ بِفِعْلِ (﴿سَيَكْفُرُونَ﴾) يُرَجِّحُ هَذا الحَمْلَ لِأنَّ الكُفْرَ شائِعٌ في الإنْكارِ الِاعْتِقادِيِّ لا في مُطْلَقِ الجُحُودِ، وأنَّ ضَمِيرَ يَكُونُونَ لِلْآلِهَةِ وفِيهِ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ. ولا ضَيْرَ في ذَلِكَ إذْ كانَ السِّياقُ يُرْجِعُ كُلًّا إلى ما يُناسِبُهُ، كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
أيْ وأحْرَزَ جَمْعُ المُشْرِكِينَ ما جَمَعَهُ المُسْلِمُونَ مِنَ الغَنائِمِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرًا (سَيَكْفُرُونَ ويَكُونُونَ) راجِعَيْنِ إلى المُشْرِكِينَ، و”أنَّ“ حَرْفُ الِاسْتِقْبالِ لِلْحُصُولِ قَرِيبًا؛ أيْ سَيَكْفُرُ المُشْرِكُونَ بِعِبادَةِ الأصْنامِ ويَدْخُلُونَ في الإسْلامِ ويَكُونُونَ ضِدًّا عَلى الأصْنامِ يَهْدِمُونَ هَياكِلَها ويَلْعَنُونَها، فَهو بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ دِينَهُ سَيَظْهَرُ عَلى دِينِ الكُفْرِ. وفي هَذِهِ المُقابَلَةِ طِباقٌ مَرَّتَيْنِ.
والضِّدُّ: اسْمُ مَصْدَرٍ، وهو خِلافُ الشَّيْءِ في الماهِيَّةِ أوِ المُعامَلَةِ. ومِنَ الثّانِي تَسْمِيَةُ العَدُوِّ ضِدًّا. ولِكَوْنِهِ في مَعْنى المَصْدَرِ لَزِمَ في حالِ الوَصْفِ بِهِ حالَةً واحِدَةً بِحَيْثُ لا يُطابِقُ مَوْصُوفَهُ.
مريم 19:83
صفحة ١٦٥
﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ لِجَوابِ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ مِن إيغالِ الكافِرِينَ في الضَّلالِ جَماعَتَهم. وآحادَهم، وما جَرَّهُ إلَيْهِمْ مِن سُوءِ المَصِيرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦])، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في الدُّنْيا، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) وجُمْلَةِ (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٨٥]) . وأيْضًا هي كالتَّذْيِيلِ لِتِلْكَ الآياتِ والتَّقْرِيرِ لِمَضْمُونِها لِأنَّها تَسْتَخْلِصُ أحْوالَهم، وتَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ إمْهالِهِمْ وعَدَمِ تَعْجِيلِ عِقابِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) تَعْجِيبِيُّ. ومَثَلُهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ يَجْعَلُونَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ فِعْلٍ.
والمُرادُ حُصُولُ ضِدِّهِ بِحَثِّ المُخاطَبِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِهِ، أيْ كَيْفَ لَمْ تَرَ ذَلِكَ. ونُزِّلَ إرْسالُ الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِاتِّضاحِ آثارِهِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ، فَوَقَعَ التَّعْجِيبُ مِن مَرْآهُ بِقَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ ذَلِكَ.
والأزُّ: الهَزُّ والِاسْتِفْزازُ الباطِنِيُّ، مَأْخُوذٌ مِن أزِيزِ القِدْرِ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها. شَبَّهَ اضْطِرابَ اعْتِقادِهِمْ وتَناقُضَ أقْوالِهِمْ واخْتِلاقَ أكاذِيبِهِمْ بِالغَلَيانِ في صُعُودٍ وانْخِفاضٍ وفَرْقَعَةٍ وسُكُونٍ، فَهو اسْتِعارَةٌ فَتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ تَرْشِيحٌ. وإرْسالُ الشَّياطِينَ عَلَيْهِمْ تَسْخِيرُهم لَها وعَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِالإرْشادِ النَّبَوِيِّ المُنْقِذِ مِن حَبائِلِها، وذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ
صفحة ١٦٦
مَواعِظِ الوَحْيِ. ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ (﴿عَلى الكافِرِينَ﴾) . وجَعَلَ تَؤُزُّهم حالًا مُقَيَّدًا لِلْإرْسالِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ مُرْسَلَةٌ عَلى جَمِيعِ النّاسِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ المُؤْمِنِينَ مِن كَيْدِ الشَّياطِينَ عَلى حَسْبِ قُوَّةِ الإيمانِ وصَلاحِ العَمَلِ، قالَ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) .
وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِئْنافِ وهَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَوْلُهُ (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيْ فَلا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ لَهم إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا. وعُبِّرَ بِ (﴿تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾) مُعَدًّى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إكْرامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الَّذِي هَلاكُهم بِيَدِهِ. فَنَهى عَنْ تَعْجِيلِهِ بِهَلاكِهِمْ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَبُولِ دُعائِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَوْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ لِأهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَيْلا يَرُدَّ دَعْوَةَ نَبِيئِهِ ﷺ، لِأنَّهُ يُقالُ: عَجِلَ عَلى فُلانٍ بِكَذا، أيْ أسْرَعَ بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: عَجِلَ إلَيْهِ إذا أسْرَعَ بِالذَّهابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ (﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤])، فاخْتِلافُ حُرُوفِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ عَجَّلَ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِلافِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالتَّعْجِيلِ. ولَعَلَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) في سُورَةِ الأحْقافِ أنَّ المُرادَ هُنا اسْتِعْجالُ الِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ وهو مُقَدَّرٌ كَوْنُهُ عَلى يَدِ النَّبِيءِ ﷺ، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيِ انْتَظِرْ يَوْمَهُمُ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾)، أيْ نُنْظِرُهم ونُؤَجِّلُهم، وأنَّ العَذابَ المَقْصُودَ في سُورَةِ الأحْقافِ هو عَذابُ الآخِرَةِ لِوُقُوعِهِ في خِلالِ الوَعِيدِ لَهم بِعَذابِ النّارِ لِقَوْلِهِ هُنالِكَ (﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) .
صفحة ١٦٧
والعَدُّ: الحِسابُ.
وإنَّما لِلْقَصْرِ، أيْ ما نَحْنُ إلّا نَعُدُّ لَهم، وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ نَعُدُّ لَهم ولَسْنا بِناسِينَ لَهم كَما يَظُنُّونَ، أوْ لَسْنا بِتارِكِينَهم مِنَ العَذابِ بَلْ نُؤَخِّرُهم إلى يَوْمٍ مَوْعُودٍ. وأفادَتْ جُمْلَةُ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾) تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنِ التَّعْجِيلِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وإنَّ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ العَدُّ مَجازًا في قَصْرِ المُدَّةِ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُعَدُّ ويُحْسَبُ. وفي هَذا إنْذارٌ بِاقْتِرابِ اسْتِئْصالِهِمْ.
مريم 19:84
صفحة ١٦٥
﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيُّ لِجَوابِ سُؤالٍ يَجِيشُ في نَفْسِ الرَّسُولِ ﷺ مِن إيغالِ الكافِرِينَ في الضَّلالِ جَماعَتَهم. وآحادَهم، وما جَرَّهُ إلَيْهِمْ مِن سُوءِ المَصِيرِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: ٦٦])، وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ إمْهالِ اللَّهِ إيّاهم في الدُّنْيا، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ. وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) وجُمْلَةِ (﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ﴾ [مريم: ٨٥]) . وأيْضًا هي كالتَّذْيِيلِ لِتِلْكَ الآياتِ والتَّقْرِيرِ لِمَضْمُونِها لِأنَّها تَسْتَخْلِصُ أحْوالَهم، وتَتَضَمَّنُ تَسْلِيَةَ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ إمْهالِهِمْ وعَدَمِ تَعْجِيلِ عِقابِهِمْ. والِاسْتِفْهامُ في (ألَمْ تَرَ) تَعْجِيبِيُّ. ومَثَلُهُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ يَجْعَلُونَ الِاسْتِفْهامَ عَلى نَفْيِ فِعْلٍ.
والمُرادُ حُصُولُ ضِدِّهِ بِحَثِّ المُخاطَبِ عَلى الِاهْتِمامِ بِتَحْصِيلِهِ، أيْ كَيْفَ لَمْ تَرَ ذَلِكَ. ونُزِّلَ إرْسالُ الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ لِاتِّضاحِ آثارِهِ مَنزِلَةَ الشَّيْءِ المَرْئِيِّ المُشاهَدِ، فَوَقَعَ التَّعْجِيبُ مِن مَرْآهُ بِقَوْلِهِ: ألَمْ تَرَ ذَلِكَ.
والأزُّ: الهَزُّ والِاسْتِفْزازُ الباطِنِيُّ، مَأْخُوذٌ مِن أزِيزِ القِدْرِ إذا اشْتَدَّ غَلَيانُها. شَبَّهَ اضْطِرابَ اعْتِقادِهِمْ وتَناقُضَ أقْوالِهِمْ واخْتِلاقَ أكاذِيبِهِمْ بِالغَلَيانِ في صُعُودٍ وانْخِفاضٍ وفَرْقَعَةٍ وسُكُونٍ، فَهو اسْتِعارَةٌ فَتَأْكِيدُهُ بِالمَصْدَرِ تَرْشِيحٌ. وإرْسالُ الشَّياطِينَ عَلَيْهِمْ تَسْخِيرُهم لَها وعَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِالإرْشادِ النَّبَوِيِّ المُنْقِذِ مِن حَبائِلِها، وذَلِكَ لِكُفْرِهِمْ وإعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ
صفحة ١٦٦
مَواعِظِ الوَحْيِ. ولِلْإشارَةِ إلى هَذا المَعْنى عَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ في قَوْلِهِ (﴿عَلى الكافِرِينَ﴾) . وجَعَلَ تَؤُزُّهم حالًا مُقَيَّدًا لِلْإرْسالِ؛ لِأنَّ الشَّياطِينَ مُرْسَلَةٌ عَلى جَمِيعِ النّاسِ ولَكِنَّ اللَّهَ يَحْفَظُ المُؤْمِنِينَ مِن كَيْدِ الشَّياطِينَ عَلى حَسْبِ قُوَّةِ الإيمانِ وصَلاحِ العَمَلِ، قالَ تَعالى (﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إلّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]) .
وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِئْنافِ وهَذِهِ التَّسْلِيَةِ قَوْلُهُ (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيْ فَلا تَسْتَعْجِلِ العَذابَ لَهم إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا. وعُبِّرَ بِ (﴿تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾) مُعَدًّى بِحَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إكْرامًا لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الَّذِي هَلاكُهم بِيَدِهِ. فَنَهى عَنْ تَعْجِيلِهِ بِهَلاكِهِمْ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَبُولِ دُعائِهِ عِنْدَ رَبِّهِ، فَلَوْ دَعا عَلَيْهِمْ بِالهَلاكِ لِأهْلَكَهُمُ اللَّهُ كَيْلا يَرُدَّ دَعْوَةَ نَبِيئِهِ ﷺ، لِأنَّهُ يُقالُ: عَجِلَ عَلى فُلانٍ بِكَذا، أيْ أسْرَعَ بِتَسْلِيطِهِ عَلَيْهِ، كَما يُقالُ: عَجِلَ إلَيْهِ إذا أسْرَعَ بِالذَّهابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ (﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤])، فاخْتِلافُ حُرُوفِ تَعْدِيَةِ فِعْلِ عَجَّلَ يُنْبِئُ عَنِ اخْتِلافِ المَعْنى المَقْصُودِ بِالتَّعْجِيلِ. ولَعَلَّ سَبَبَ الِاخْتِلافِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) في سُورَةِ الأحْقافِ أنَّ المُرادَ هُنا اسْتِعْجالُ الِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ وهو مُقَدَّرٌ كَوْنُهُ عَلى يَدِ النَّبِيءِ ﷺ، فَلِذَلِكَ قِيلَ هُنا (﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾)، أيِ انْتَظِرْ يَوْمَهُمُ المَوْعُودَ، وهو يَوْمُ بَدْرٍ، ولِذَلِكَ عُقِّبَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾)، أيْ نُنْظِرُهم ونُؤَجِّلُهم، وأنَّ العَذابَ المَقْصُودَ في سُورَةِ الأحْقافِ هو عَذابُ الآخِرَةِ لِوُقُوعِهِ في خِلالِ الوَعِيدِ لَهم بِعَذابِ النّارِ لِقَوْلِهِ هُنالِكَ (﴿ويَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلى النّارِ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٤] ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهم كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]) .
صفحة ١٦٧
والعَدُّ: الحِسابُ.
وإنَّما لِلْقَصْرِ، أيْ ما نَحْنُ إلّا نَعُدُّ لَهم، وهو قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ قَصْرًا إضافِيًّا، أيْ نَعُدُّ لَهم ولَسْنا بِناسِينَ لَهم كَما يَظُنُّونَ، أوْ لَسْنا بِتارِكِينَهم مِنَ العَذابِ بَلْ نُؤَخِّرُهم إلى يَوْمٍ مَوْعُودٍ. وأفادَتْ جُمْلَةُ (﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾) تَعْلِيلُ النَّهْيِ عَنِ التَّعْجِيلِ عَلَيْهِمْ لِأنَّ إنَّما مُرَكَّبَةٌ مِن إنَّ وما وإنَّ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ العَدُّ مَجازًا في قَصْرِ المُدَّةِ لِأنَّ الشَّيْءَ القَلِيلَ يُعَدُّ ويُحْسَبُ. وفي هَذا إنْذارٌ بِاقْتِرابِ اسْتِئْصالِهِمْ.
مريم 19:85
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
إتْمامٌ لِإثْباتِ قِلَّةِ غِناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . فَجُمْلَةُ (﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾) هو مَبْدَأُ الكَلامِ، وهو بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . والظَّرْفُ وما أُضِيفَ الظَّرْفُ إلَيْهِ إدْماجٌ بُيِّنَتْ بِهِ كَرامَةُ المُؤْمِنِينَ وإهانَةُ الكافِرِينَ. وفي ضِمْنِهِ زِيادَةُ بَيانِ الجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) بِأنَّهم كانُوا سَبَبَ سَوْقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ومُخالَفَتِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ. فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَمْلِكُونَ.
صفحة ١٦٨
وضَمِيرُ (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) عائِدٌ لِلْآلِهَةِ. والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْفَعُوا مَنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا.
والحَشْرُ: الجَمْعُ مُطْلَقًا، يَكُونُ في الخَيْرِ كَما هُنا. وفي الشَّرِ كَقَوْلِهِ (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣])، ولِذَلِكَ أتْبَعَ فِعْلَ نَحْشُرُ بِقَيْدِ (وفْدًا)، أيْ حَشْرَ الوُفُودِ إلى المُلُوكِ، فَإنَّ الوُفُودَ يَكُونُونَ مُكْرَمِينَ، وكانَتْ لِمُلُوكِ العَرَبِ وكُرَمائِهِمْ وُفُودٌ في أوْقاتٍ، ولِأعْيانِ العَرَبِ وِفاداتٌ سَنَوِيَّةٌ عَلى مُلُوكِهِمْ وسادَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ وِفادَةٌ، وفي المَثَلِ إنَّ الشَّقِيَّ وافِدُ البَراجِمِ. وقَدِ اتَّبَعَ العَرَبُ هَذِهِ السُّنَّةَ فَوَفَدُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أشْرَفُ السّادَةِ. وسَنَةُ الوُفُودِ هي سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ تَلَتْ فَتْحَ مَكَّةَ بِعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا واضِحَةُ المُناسِبَةِ لِلْوَفْدِ.
والسَّوْقُ: تَسْيِيرُ الأنْعامِ قُدّامَ رُعاتِها، يَجْعَلُونَها أمامَهم لِتَرْهَبَ زَجْرَهم وسِياطَهم فَلا تَتَفَلَّتُ عَلَيْهِمْ، فالسَّوْقُ: سَيْرُ خَوْفٍ وحَذَرٍ. وقَوْلُهُ وِرْدًا حالٌ قُصِدَ مِنها التَّشْبِيهُ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ جامِدَةً لِأنَّ مَعْنى التَّشْبِيهِ يَجْعَلُها كالمُشْتَقِّ. والوِرْدُ بِكَسْرِ الواوِ: أصْلُهُ السَّيْرُ إلى الماءِ، وتُسَمّى الأنْعامُ الوارِدَةُ وِرْدًا تَسْمِيَةً عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ذاتَ وِرْدٍ، كَما يُسَمّى الماءُ الَّذِي يَرِدُهُ القَوْمُ وِرْدًا. قالَ تَعالى (﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) . والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ يَوْمئِذٍ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، أيْ مَن وعَدَهُ اللَّهُ بِأنْ يَشْفَعَ وهُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ.
صفحة ١٦٩
ومَعْنى (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) لا يَسْتَطِيعُونَ، فَإنَّ المِلْكَ يُطْلَقُ عَلى المَقْدِرَةِ والِاسْتِطاعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]) في سُورَةِ العُقُودِ.
مريم 19:86
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
إتْمامٌ لِإثْباتِ قِلَّةِ غِناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . فَجُمْلَةُ (﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾) هو مَبْدَأُ الكَلامِ، وهو بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . والظَّرْفُ وما أُضِيفَ الظَّرْفُ إلَيْهِ إدْماجٌ بُيِّنَتْ بِهِ كَرامَةُ المُؤْمِنِينَ وإهانَةُ الكافِرِينَ. وفي ضِمْنِهِ زِيادَةُ بَيانِ الجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) بِأنَّهم كانُوا سَبَبَ سَوْقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ومُخالَفَتِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ. فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَمْلِكُونَ.
صفحة ١٦٨
وضَمِيرُ (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) عائِدٌ لِلْآلِهَةِ. والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْفَعُوا مَنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا.
والحَشْرُ: الجَمْعُ مُطْلَقًا، يَكُونُ في الخَيْرِ كَما هُنا. وفي الشَّرِ كَقَوْلِهِ (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣])، ولِذَلِكَ أتْبَعَ فِعْلَ نَحْشُرُ بِقَيْدِ (وفْدًا)، أيْ حَشْرَ الوُفُودِ إلى المُلُوكِ، فَإنَّ الوُفُودَ يَكُونُونَ مُكْرَمِينَ، وكانَتْ لِمُلُوكِ العَرَبِ وكُرَمائِهِمْ وُفُودٌ في أوْقاتٍ، ولِأعْيانِ العَرَبِ وِفاداتٌ سَنَوِيَّةٌ عَلى مُلُوكِهِمْ وسادَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ وِفادَةٌ، وفي المَثَلِ إنَّ الشَّقِيَّ وافِدُ البَراجِمِ. وقَدِ اتَّبَعَ العَرَبُ هَذِهِ السُّنَّةَ فَوَفَدُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أشْرَفُ السّادَةِ. وسَنَةُ الوُفُودِ هي سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ تَلَتْ فَتْحَ مَكَّةَ بِعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا واضِحَةُ المُناسِبَةِ لِلْوَفْدِ.
والسَّوْقُ: تَسْيِيرُ الأنْعامِ قُدّامَ رُعاتِها، يَجْعَلُونَها أمامَهم لِتَرْهَبَ زَجْرَهم وسِياطَهم فَلا تَتَفَلَّتُ عَلَيْهِمْ، فالسَّوْقُ: سَيْرُ خَوْفٍ وحَذَرٍ. وقَوْلُهُ وِرْدًا حالٌ قُصِدَ مِنها التَّشْبِيهُ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ جامِدَةً لِأنَّ مَعْنى التَّشْبِيهِ يَجْعَلُها كالمُشْتَقِّ. والوِرْدُ بِكَسْرِ الواوِ: أصْلُهُ السَّيْرُ إلى الماءِ، وتُسَمّى الأنْعامُ الوارِدَةُ وِرْدًا تَسْمِيَةً عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ذاتَ وِرْدٍ، كَما يُسَمّى الماءُ الَّذِي يَرِدُهُ القَوْمُ وِرْدًا. قالَ تَعالى (﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) . والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ يَوْمئِذٍ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، أيْ مَن وعَدَهُ اللَّهُ بِأنْ يَشْفَعَ وهُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ.
صفحة ١٦٩
ومَعْنى (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) لا يَسْتَطِيعُونَ، فَإنَّ المِلْكَ يُطْلَقُ عَلى المَقْدِرَةِ والِاسْتِطاعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]) في سُورَةِ العُقُودِ.
مريم 19:87
﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
إتْمامٌ لِإثْباتِ قِلَّةِ غِناءِ آلِهَتِهِمْ عَنْهم تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . فَجُمْلَةُ (﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ﴾) هو مَبْدَأُ الكَلامِ، وهو بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) . والظَّرْفُ وما أُضِيفَ الظَّرْفُ إلَيْهِ إدْماجٌ بُيِّنَتْ بِهِ كَرامَةُ المُؤْمِنِينَ وإهانَةُ الكافِرِينَ. وفي ضِمْنِهِ زِيادَةُ بَيانِ الجُمْلَةِ (﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ [مريم: ٨٢]) بِأنَّهم كانُوا سَبَبَ سَوْقِهِمْ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا ومُخالَفَتِهِمْ لِحالِ المُؤْمِنِينَ في ذَلِكَ المَشْهَدِ العَظِيمِ. فالظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِ يَمْلِكُونَ.
صفحة ١٦٨
وضَمِيرُ (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) عائِدٌ لِلْآلِهَةِ. والمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَنْفَعُوا مَنِ اتَّخَذُوهم آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهم عِزًّا.
والحَشْرُ: الجَمْعُ مُطْلَقًا، يَكُونُ في الخَيْرِ كَما هُنا. وفي الشَّرِ كَقَوْلِهِ (﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] ﴿مِن دُونِ اللَّهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣])، ولِذَلِكَ أتْبَعَ فِعْلَ نَحْشُرُ بِقَيْدِ (وفْدًا)، أيْ حَشْرَ الوُفُودِ إلى المُلُوكِ، فَإنَّ الوُفُودَ يَكُونُونَ مُكْرَمِينَ، وكانَتْ لِمُلُوكِ العَرَبِ وكُرَمائِهِمْ وُفُودٌ في أوْقاتٍ، ولِأعْيانِ العَرَبِ وِفاداتٌ سَنَوِيَّةٌ عَلى مُلُوكِهِمْ وسادَتِهِمْ. ولِكُلِّ قَبِيلَةٍ وِفادَةٌ، وفي المَثَلِ إنَّ الشَّقِيَّ وافِدُ البَراجِمِ. وقَدِ اتَّبَعَ العَرَبُ هَذِهِ السُّنَّةَ فَوَفَدُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ أشْرَفُ السّادَةِ. وسَنَةُ الوُفُودِ هي سَنَةُ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ تَلَتْ فَتْحَ مَكَّةَ بِعُمُومِ الإسْلامِ بِلادَ العَرَبِ. وذِكْرُ صِفَةِ الرَّحْمَنِ هُنا واضِحَةُ المُناسِبَةِ لِلْوَفْدِ.
والسَّوْقُ: تَسْيِيرُ الأنْعامِ قُدّامَ رُعاتِها، يَجْعَلُونَها أمامَهم لِتَرْهَبَ زَجْرَهم وسِياطَهم فَلا تَتَفَلَّتُ عَلَيْهِمْ، فالسَّوْقُ: سَيْرُ خَوْفٍ وحَذَرٍ. وقَوْلُهُ وِرْدًا حالٌ قُصِدَ مِنها التَّشْبِيهُ، فَلِذَلِكَ جاءَتْ جامِدَةً لِأنَّ مَعْنى التَّشْبِيهِ يَجْعَلُها كالمُشْتَقِّ. والوِرْدُ بِكَسْرِ الواوِ: أصْلُهُ السَّيْرُ إلى الماءِ، وتُسَمّى الأنْعامُ الوارِدَةُ وِرْدًا تَسْمِيَةً عَلى حَذْفِ المُضافِ، أيْ ذاتَ وِرْدٍ، كَما يُسَمّى الماءُ الَّذِي يَرِدُهُ القَوْمُ وِرْدًا. قالَ تَعالى (﴿وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]) . والِاسْتِثْناءُ في (﴿إلّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ يَمْلِكُ الشَّفاعَةَ يَوْمئِذٍ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا، أيْ مَن وعَدَهُ اللَّهُ بِأنْ يَشْفَعَ وهُمُ الأنْبِياءُ والمَلائِكَةُ.
صفحة ١٦٩
ومَعْنى (﴿لا يَمْلِكُونَ﴾) لا يَسْتَطِيعُونَ، فَإنَّ المِلْكَ يُطْلَقُ عَلى المَقْدِرَةِ والِاسْتِطاعَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦]) في سُورَةِ العُقُودِ.
مريم 19:88
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:89
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:90
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:91
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:92
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:93
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:94
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:95
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿يَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنَ عَبْدًا﴾ ﴿لَقَدْ أُحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القَيِّمَةِ فَرْدًا﴾ .
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ويَقُولُ الإنْسانُ أإذا ما مِتُّ﴾ [مريم: ٦٦]) أوْ عَلى جُمْلَةِ (﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [مريم: ٨١]) إتْمامًا لِحِكايَةِ أقْوالِهِمْ، وهو القَوْلُ بِأنَّ لِلَّهِ ولَدًا، وهو قَوْلُ المُشْرِكِينَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النَّحْلِ وغَيْرِها؛ فَصَرِيحُ الكَلامِ رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ، وكِنايَتُهُ تَعْرِيضٌ بِالنَّصارى الَّذِينَ شابَهُوا المُشْرِكِينَ في نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، فَهو تَكْمِلَةٌ لِلْإبْطالِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا (﴿ما كانَ لِلَّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِن ولَدٍ سُبْحانَهُ﴾ [مريم: ٣٥]) إلَخْ. والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ، فَيُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المَقْصُودَ مِن حِكايَةِ قَوْلِهِمْ لَيْسَ مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهم، أوْ تَعْلِيمَ دِينِهِمْ ولَكِنْ تَفْظِيعُ قَوْلِهِمْ وتَشْنِيعَهُ، وإنَّما قالُوا ذَلِكَ تَأْيِيدًا لِعِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ واعْتِقادِهِمْ شُفَعاءَ لَهم.
صفحة ١٧٠
وذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا حِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ بِالمَعْنى، وهم لا يَذَكُرُونَ اسْمَ الرَّحْمَنِ ولا يُقِرُّونَ بِهِ، وقَدْ أنْكَرُوهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهم (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . فَهم إنَّما يَقُولُونَ (اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا) كَما حُكِيَ عَنْهم في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِنها آيَةُ سُورَةِ الكَهْفِ. فَذِكْرُ الرَّحْمَنِ هُنا وضَعٌ لِلْمُرادِفِ في مَوْضِعِ مُرادِفِهِ. فَذِكْرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ لِقَصْدِ إغاظَتِهِمْ بِذِكْرِ اسْمٍ أنْكَرُوهُ. وفِيهِ أيْضًا إيماءٌ إلى اخْتِلالِ قَوْلِهِمْ لِمُنافاةِ وصْفِ الرَّحْمَنِ اتِّخاذَ الوَلَدِ كَما سَيَأْتِي في قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) . والخِطابُ في (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾) لِلَّذِينِ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا، فَهو التِفاتٌ لِقَصْدِ إبْلاغِهِمُ التَّوْبِيخَ عَلى وجْهٍ شَدِيدِ الصَّراحَةِ لا يَلْتَبِسُ فِيهِ المُرادُ. كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ آنِفًا (﴿وإنْ مِنكم إلّا وارِدُها﴾ [مريم: ٧١]) فَلا يَحْسُنُ تَقْدِيرُ: قُلْ لَقَدْ جِئْتُمْ. وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ ما اقْتَضَتْهُ جُمْلَةُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) مِن التَّشْنِيعِ والتَّفْظِيعِ.
وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِالتَّأْنِيثِ. وذَلِكَ جائِزٌ في الِاسْتِعْمالِ إذا لَمْ يَكُنِ الفِعْلُ رافِعًا لِضَمِيرٍ مُؤَنَّثٍ مُتَّصِلٍ، وقَرَأ البَقِيَّةُ (تَكادُ) بِالتّاءِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ، وهو الوَجْهُ الآخَرُ.
والتَّفَطُّرُ: الِانْشِقاقُ، والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ (﴿وتَنْشَقُّ الأرْضُ﴾) تَفَنَّنٌ في اسْتِعْمالِ المُتَرادِفِ لِدَفْعِ ثِقَلِ تَكْرِيرِ اللَّفْظِ. والخُرُورُ: السُّقُوطُ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (مِنهُ) لِلتَّعْلِيلِ، والضَّمِيرُ المَجْرُورُ بِ (مِن) عائِدٌ إلى (( ﴿شَيْئًا إدًّا﴾) )، أوْ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن (﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾) .
صفحة ١٧١
والكَلامُ جارٍ عَلى المُبالَغَةِ في التَّهْوِيلِ مِن فَظاعَةِ هَذا القَوْلِ بِحَيْثُ أنَّهُ يُبَلَّغُ إلى الجَماداتِ العَظِيمَةِ فَيُغَيِّرُ كِيانَها.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، والكِسائِيُّ يَتَفَطَّرُنَّ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ بَعْدَها تاءٌ فَوْقِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْتِيَّةٍ بَعْدَها نُونٌ مِنَ الِانْفِطارِ. والوَجْهانِ مُطاوِعُ فَطَرَ المُضاعَفِ أوْ فَطَرَ المُجَرَّدِ، ولا يَكادُ يَنْضَبِطُ الفَرْقُ بَيْنَ البِنْيَتَيْنِ في الِاسْتِعْمالِ. ولَعَلَّ مُحاوَلَةُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُما كَما في الكَشّافِ والشّافِيَةِ لا يَطَّرِدُ.
قالَ تَعالى (﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥])، وقالَ (﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]) . وقُرِئَ في هَذِهِ الآيَةِ (يَتَفَطَّرُونَ) و(يَنْفَطِرُونَ) . والأصْلُ تَوافُقُ القِراءَتَيْنِ في البَلاغَةِ.
والهَدُّ: هَدْمُ البِناءِ. وانْتَصَبَ (هَدًّا) عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ نَوْعِ الخُرُورِ. أيْ سُقُوطَ الهَدْمِ، وهو أنْ يَتَساقَطَ شَظايا وقِطَعًا.
و(( ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) ) مُتَعَلِّقٌ بِكُلٍّ مِن (يَتَفَطَّرْنَ، وتَنْشَقُّ، وتَخِرُّ)، وهو عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ قَبْلَ أنِ المَصْدَرِيَّةِ وهو حَذْفٌ مُطَّرِدٌ. والمَقْصُودُ مِنهُ تَأْكِيدُ ما أُفِيدَ مِن قَوْلِهِ مِنهُ. وزِيادَةُ بَيانٍ لِمَعادِ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ مِنهُ اعْتِناءً بِبَيانِهِ.
ومَعْنى (دَعَوْا): نَسَبُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (( ﴿ادْعُوهم لِآبائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]) )، ومِنهُ يُقالُ: ادَّعى إلى بَنِي فُلانٍ، أيِ انْتَسَبَ. قالَ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلِيُّ:
إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نَدَّعِي لِأبٍ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا
وجُمْلَةُ (( ﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) ) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (( ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) ) .
صفحة ١٧٢
ومَعْنى (( ما يَنْبَغِي) ) ما يَتَأتّى، أوْ ما يَجُوزُ. وأصْلُ الِانْبِغاءِ: أنَّهُ مُطاوِعُ فِعْلِ بَغى الَّذِي بِمَعْنى طَلَبَ. ومَعْنى مُطاوَعَتِهِ: التَّأثُّرُ بِما طُلِبَ مِنهُ، أيِ اسْتِجابَةُ الطَّلَبِ.
نَقَلَ الطِّيبِيُّ عَنِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُ قالَ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ: كُلُّ فِعْلٍ فِيهِ عِلاجٌ يَأْتِي مُطاوِعُهُ عَلى الِانْفِعالِ كَصَرَفَ وطَلَبَ وعَلِمَ، وما لَيْسَ فِيهِ عِلاجٌ كَعَدِمَ وفَقَدَ لا يَتَأتّى في مُطاوَعِهِ الِانْفِعالُ ألْبَتَّةَ اهـ.
فَبانَ أنَّ أصْلَ مَعْنى يَنْبَغِي يَسْتَجِيبُ الطَّلَبَ. ولِمّا كانَ الطَّلَبُ مُخْتَلِفُ المَعانِي بِاخْتِلافِ المَطْلُوبِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ مَعْنى (يَنْبَغِي) مُخْتَلِفًا بِحَسْبِ المَقامِ فَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى: يَتَأتّى، ويُمْكِنُ، ويَسْتَقِيمُ، ويَلِيقُ. وأكْثَرُ تِلْكَ الإطْلاقاتِ أصْلُهُ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ واشْتُهِرَتْ فَقامَتْ مَقامَ التَّصْرِيحِ.
والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: وما يَجُوزُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا. بِناءً عَلى أنَّ المُسْتَحِيلَ لَوْ طُلِبَ حُصُولُهُ لَما تَأتّى لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ القُدْرَةُ، لا لِأنَّ اللَّهَ عاجِزٌ عَنْهُ. ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ [الفرقان: ١٨]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يَسْتَقِيمُ لَنا، أوْ لا يُخَوَّلُ لَنا أنْ نَتَّخِذَ أوْلِياءَ غَيْرَكَ، ونَحْوَ قَوْلِهِ (﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أنْ تُدْرِكَ القَمَرَ﴾ [يس: ٤٠]) يُفِيدُ مَعْنى لا تَسْتَطِيعُ. ونَحْوَ (﴿وما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وما يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]) يُفِيدُ مَعْنى: أنَّهُ لا يَلِيقُ بِهِ. ونَحْوَ (﴿وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]) يُفِيدُ مَعْنى: لا يُسْتَجابُ طَلَبُهُ لِطالِبِهِ إنْ طَلَبَهُ، وفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِكَ: يَنْبَغِي لَكَ أنْ لا تَفْعَلْ هَذا، وبَيْنَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما يَجُوزُ لِجَلالِ اللَّهِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لِأنَّ جَمِيعَ المَوْجُوداتِ غَيْرُ ذاتِهِ تَعالى يَجِبُ أنْ تَكُونَ مُسْتَوِيَةً في المَخْلُوقِيَّةِ لَهُ والعُبُودِيَّةِ لَهُ. وذَلِكَ يُنافِي البُنُوَّةَ لِأنَّ بُنُوَّةَ الإلَهِ جُزْءٌ مِنَ الإلَهِيَّةِ، وهو أحَدُ الوَجْهَيْنِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ﴾ [الزخرف: ٨١])، أيْ لَوْ كانَ لَهُ ولَدٌ لَعَبَدْتُهُ قَبْلَكم.
صفحة ١٧٣
ومَعْنى (﴿آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾): الإتْيانُ المَجازِيُّ، وهو الإقْرارُ والِاعْتِرافُ، مِثْلُ: باءَ بِكَذا، أصْلُهُ رَجَعَ، واسْتُعْمِلَ بِمَعْنى اعْتَرَفَ. وعَبْدًا حالٌ، أيْ مُعْتَرِفٌ لِلَّهِ بِالإلَهِيَّةِ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ عَنْهُ في شَيْءٍ في حالِ كَوْنِهِ عَبْدًا. ويَجُوزُ جَعْلُ (﴿آتِي الرَّحْمَنِ﴾) بِمَعْنى صائِرٌ إلَيْهِ بَعْدَ المَوْتِ، ويَكُونُ المَعْنى أنَّهُ يَحْيا عَبْدًا ويُحْشَرُ عَبْدًا بِحَيْثُ لا تَشُوبُهُ نِسْبَةُ البُنُوَّةِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وتَكْرِيرُ اسْمِ الرَّحْمَنِ في هَذِهِ الآيَةِ أرْبَعَ مَرّاتٍ إيماءٌ إلى أنَّ وصْفَ الرَّحْمَنِ الثّابِتِ لِلَّهِ، والَّذِي لا يُنْكِرُ المُشْرِكُونَ ثُبُوتَ حَقِيقَتِهِ لِلَّهِ وإنْ أنْكَرُوا لَفْظَهُ. يُنافِي ادِّعاءَ الوَلَدِ لَهُ لِأنَّ الرَّحْمَنَ وصْفٌ يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الرَّحْمَةِ وتَكَثُّرِها. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّها شامِلَةٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ مُفْتَقِرٍ إلى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى. ولا يَتَقَوَّمُ ذَلِكَ إلّا بِتَحْقِيقِ العُبُودِيَّةِ فِيهِ. لِأنَّهُ لَوْ كانَ بَعْضُ المَوْجُوداتِ ابْنًا لِلَّهِ تَعالى لاسْتَغْنى عَنْ رَحْمَتِهِ لِأنَّهُ يَكُونُ بِالنُّبُوَّةِ مُساوِيًا لَهُ في الإلَهِيَّةِ المُقْتَضِيَةِ الغِنى المُطْلَقَ، ولِأنَّ اتِّخاذَ الِابْنِ يَتَطَلَّبُ بِهِ مُتَّخِذُهُ بَرَّ الِابْنِ بِهِ ورَحْمَتَهُ لَهُ، وذَلِكَ يُنافِي كَوْنَ اللَّهِ مُفِيضُ كُلِّ رَحْمَةٍ.
فَذِكْرُ هَذا الوَصْفَ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وقَوْلِهِ (﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾) تَسْجِيلٌ لِغَباوَتِهِمْ. وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾) إيماءٌ إلى دَلِيلِ عَدَمِ لِياقَةِ اتِّخاذِ الِابْنِ بِاللَّهِ.
وذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾) اسْتِدْلالٌ عَلى احْتِياجِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ إلَيْهِ وإقْرارِها لَهُ بِمُلْكِهِ إيّاها.
صفحة ١٧٤
وجُمْلَةُ (﴿لَقَدْ أحْصاهُمْ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾)، مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَهْدِيدِ القائِلِينَ هَذِهِ المَقالَةَ. فَضَمائِرُ الجَمْعِ عائِدَةٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾) وما بَعْدَهُ. ولَيْسَ عائِدًا عَلى (﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾)، أيْ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ كُلَّ مَن قالَ ذَلِكَ وعَدَّهم فَلا يَنْفَلِتُ أحَدٌ مِنهم مِن عِقابِهِ.
ومَعْنى (﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾) إبْطالُ ما لِأجْلِهِ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا؛ لِأنَّهم زَعَمُوا ذَلِكَ مُوجِبُ عِبادَتِهِمُ المَلائِكَةَ والجِنَّ لِيَكُونُوا شُفَعاءَهم عِنْدَ اللَّهِ، فَأيْأسَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدًا لا نَصِيرَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ في الآيَةِ السّالِفَةِ (﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠]) .
وفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم آتُونَ لِما يَكْرَهُونَ مِنَ العَذابِ والإهانَةِ إتْيانَ الأعْزَلِ إلى مَن يَتَمَكَّنُ مِنَ الِانْتِقامِ.
مريم 19:96
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .
يَقْتَضِي اتِّصالَ الآياتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ في المَعانِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وصَفٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ بِضِدِّ حالِ المُشْرِكِينَ، فَيَكُونُ حالُ إتْيانِهِمْ غَيْرَ حالِ انْفِرادٍ بَلْ حالُ تَأنُّسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ.
ولَمّا خُتِمَتِ الآيَةُ قَبْلَها بِأنَّ المُشْرِكِينَ آتُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مُفْرَدِينَ. وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِأنَّهم آتُونَ إلى ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَمَنّى المُوَرَّطُ فِيهِ مَن يَدْفَعُ عَنْهُ ويَنْصُرُهُ، وإشْعارُ ذَلِكَ بِأنَّهم مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ، أعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالِ المُؤْمِنِينَ الصّالِحِينَ، وأنَّهم عَلى العَكْسِ مِن حالِ المُشْرِكِينَ، وأنَّهم يَكُونُونَ يَوْمَئِذٍ بِمَقامِ المَوَدَّةِ والتَّبْجِيلِ. فالمَعْنى: سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ أوِدّاءَ مِنَ المَلائِكَةِ كَما قالَ تَعالى (﴿نَحْنُ أوْلِياؤُكم في
صفحة ١٧٥
الحَياةِ الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣١])، ويَجْعَلُ بَيْنَ أنْفُسِهِمْ مَوَدَّةً كَما قالَ تَعالى (﴿ونَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣]) . وإيثارُ المَصْدَرِ لِيَفِي بِعِدَّةِ مُتَعَلَّقاتٍ بِالوُدِّ. وفُسِّرَ أيْضًا جَعْلُ الوُدِّ بِأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَهم مَحَبَّةً في قُلُوبِ أهْلِ الخَيْرِ. رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الدَّراوَرْدِيِّ. ولَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيادَةُ عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ رَوى الحَدِيثَ عَنْ غَيْرِ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ ولا عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ في غَيْرِ رِوايَةِ التِّرْمِذِيِّ، فَهَذِهِ الزِّيادَةُ إدْراجٌ مِن قُتَيْبَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ خاصَّةً.
وفُسِّرَ أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ سَيَجْعَلُ لَهم مَحَبَّةً مِنهُ تَعالى. فالجَعْلُ هُنا كالإلْقاءِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]) . هَذا أظْهَرُ الوُجُوهِ في تَفْسِيرِ الوُدِّ. وقَدْ ذَهَبَ فِيهِ جَماعاتُ المُفَسِّرِينَ إلى أقْوالٍ شَتّى مُتَفاوِتَةٍ في القَبُولِ.
مريم 19:97
﴿فَإنَّما يَسَّرْنَهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قُومًا لُدًّا﴾ .
إيذانٌ بِانْتِهاءِ السُّورَةِ، فَإنَّ شَأْنَ الإتْيانِ بِكَلامٍ جامِعٍ بَعْدَ أفْنانِ الحَدِيثِ أنْ يُؤْذِنَ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ سَيَطْوِي بِساطَهُ. وذَلِكَ شَأْنُ التَّذْيِيلاتِ والخَواتِمِ وهي ما يُؤْذِنُ بِانْتِهاءِ الكَلامِ. فَلَمّا احْتَوَتِ السُّورَةُ عَلى عِبَرٍ وقَصَصٍ وبِشاراتٍ ونُذُرٍ جاءَ هُنا في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وبَيانِ بَعْضِ ما في تَنْزِيلِهِ مِنَ الحِكَمِ.
فَيَجُوزُ جَعْلُ الفاءِ فَصِيحَةً مُؤْذِنَةً بِكَلامٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ، كَأنَّهُ قِيلَ: بَلِّغْ ما أنْزَلْنا إلَيْكَ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ ما فِيهِ مِن إبْطالِ دِينِهِمْ وإنْذارِهِمْ بِسُوءِ العاقِبَةِ فَما أنْزَلْناهُ إلَيْكَ إلّا لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ
صفحة ١٧٦
ولا تَعْبَأْ بِما حَصَلَ مَعَ ذَلِكَ مِنَ الغَيْظِ أوِ الحِقْدِ. وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيءِ ﷺ: لَوْ كَفَفْتَ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنا وآبائِنا وتَسْفِيهِ آرائِنا لاتَّبَعْناكَ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى وعِيدِ الكافِرِينَ بِقَوْلِهِ (﴿لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا﴾ [مريم: ٩٤] ﴿وكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]) . ووَعَدَ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]) . والمُفَرَّعُ هو مَضْمُونُ (﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ﴾) إلَخْ (﴿وتُنْذِرَ بِهِ﴾) إلَخْ، أيْ ذَلِكَ أثَرُ الإعْراضِ عَمّا جِئْتَ بِهِ مِنَ النِّذارَةِ، وأثَرُ الإقْبالِ عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ البِشارَةِ مِمّا يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ فَإنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ إلّا لِذَلِكَ.
وضَمِيرُ الغائِبِ عائِدٌ إلى القُرْآنِ بِدَلالَةِ السِّياقِ مِثْلُ (﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]) . وبِذَلِكَ عُلِمَ أنَّ التَّيْسِيرَ تَسْهِيلُ قِراءَةِ القُرْآنِ. وهَذا إدْماجٌ لِلثَّناءِ عَلى القُرْآنِ بِأنَّهُ مُيَسَّرٌ لِلْقِراءَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧]) .
واللِّسانُ: اللُّغَةُ، أيْ بِلُغَتِكَ، وهي العَرَبِيَّةُ، كَقَوْلِهِ (﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢] ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ﴿عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥])؛ فَإنَّ نُزُولَ القُرْآنِ بِأفْضَلِ اللُّغاتِ وأفْصَحِها هو مِن أسْبابِ فَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ وتَسْهِيلِ حِفْظِهِ ما لَمْ يُسَهَّلْ مِثْلُهُ لِغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوِ المُصاحَبَةِ.
وعَبَّرَ عَنِ الكُفّارِ بِ ”قَوْمًا لُدًّا“ ذَمًّا لَهم بِأنَّهم أهْلُ إيغالٍ في المِراءِ والمُكابَرَةِ، أيْ أهْلُ تَصْمِيمٍ عَلى باطِلِهِمْ، فاللُّدُّ: جَمْعُ ألَدٍّ، وهو الأقْوى في اللَّدَدِ، وهو الإبايَةُ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ. وفي الحَدِيثِ
صفحة ١٧٧
الصَّحِيحِ: «أبْغَضُ الرِّجالِ إلى اللَّهِ الألَدُّ الَخَصِمُ» .
ومِمّا جَرَّهُ الإشْراكُ إلى العَرَبِ مِن مَذامِّ الأخْلاقِ الَّتِي خَلَطُوا بِها مَحاسِنَ أخْلاقِهِمْ أنَّهم رُبَّما تُمُدِّحُوا بِاللَّدَدِ، قالَ بَعْضُهم في رِثاءِ البَعْضِ:
إنَّ تَحْتَ الأحْجارِ حَزْمًا وعَزْمًا وخَصِيمًا ألَدَّ ذا مِغْلاقِ
وقَدْ حَسُنَ مُقابَلَةُ المُتَّقِينَ بِقَوْمٍ لُدٍّ. لِأنَّ التَّقْوى امْتِثالٌ وطاعَةٌ والشِّرْكَ عِصْيانٌ ولَدَدٌ.
وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ كُفْرَهم عَنْ عِنادٍ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ هو الحَقُّ، كَما قالَ تَعالى (﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]) .
وإيقاعُ لَفْظِ القَوْمِ عَلَيْهِمْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللَّدَدَ شَأْنُهم، وهو الصِّفَةُ الَّتِي تَقَوَّمَتْ مِنها قَوْمِيَّتُهم، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ تَعالى (﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]) في سُورَةِ يُونُسَ.
مريم 19:98
﴿وكَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ .
لَمّا ذُكِرُوا بِالعِنادِ والمُكابَرَةِ أُتْبِعَ بِالتَّعْرِيضِ بِتَهْدِيدِهِمْ عَلى ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالأُمَمِ الَّتِي اسْتَأْصَلَها اللَّهُ لِجَبَرُوتِها وتَعَنُّتِها لِتَكُونَ لَهم قِياسًا ومَثَلًا. فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧]) بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن بِشارَةِ المُؤْمِنِينَ ونِذارَةِ المُعانِدِينَ، لِأنَّ في التَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ لَهم نِذارَةٌ لَهم وبِشارَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِاقْتِرابِ إراحَتِهِمْ مِن ضُرِّهِمْ.
صفحة ١٧٨
وكَمْ خَبَرِيَّةُ عَنْ كَثْرَةِ العَدَدِ.
والقَرْنُ: الأُمَّةُ والجِيلُ. ويُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ الَّذِي تَعِيشُ فِيهِ الأُمَّةُ. وشاعَ تَقْدِيرُهُ بِمِائَةِ سَنَةٍ. و(مِن) بَيانِيَّةٌ، وما بَعْدَها تَمْيِيزُ كَمْ.
والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾) إنْكارِيٌّ. والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ تَبَعًا لِقَوْلِهِ (﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ﴾ [مريم: ٩٧]) أيْ ما تُحِسُّ، أيْ ما تَشْعُرُ بِأحَدٍ مِنهم. والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، أيْ لا تَرى مِنهم أحَدًا.
والرِّكْزُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، ويُقالُ: الرِّزُّ، وقَدْ رُوِيَ بِهِما قَوْلُ لَبِيدٍ:
وتَوَجَّسَتْ رِكْزَ الأنِيسِ فَراعَها عَنْ ظَهْرِ غَيْبٍ والأنِيسُ سَقامُها
وهُوَ كِنايَةٌ عَنِ اضْمِحْلالِهِمْ؛ كُنِّيَ بِاضْمِحْلالِ لَوازِمِ الوُجُودِ عَنِ اضْمِحْلالِ وجُودِهِمْ.
* * *
صفحة ١٧٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ طَهَ
سُمِّيَتْ سُورَةُ (طاها) باسِمِ الحَرْفَيْنِ المَنطُوقِ بِهِما في أوَّلِها.
ورُسِمَ الحَرْفانِ بِصُورَتِهِما لا بِما يَنْطِقُ بِهِ النّاطِقُ مِنَ اسْمَيْهِما تَبَعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الأعْرافِ. وكَذَلِكَ ورَدَتْ تَسْمِيَتُها في كُتُبِ السُّنَّةِ في حَدِيثِ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا.
وفِي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنْ مُسْنَدِ الدِّرامِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ (طاها) ”(بِاسْمَيْنِ)“ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالُوا: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ هَذا عَلَيْها» الحَدِيثَ.
قالَ ابْنُ فُورَكَ: مَعْناهُ أنَّ اللَّهَ أظْهَرَ كَلامَهُ وأسْمَعَهُ مَن أرادَ أنْ يَسْمَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَكُونُ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ .
وذَكَرَ في الإتْقانِ عَنِ السَّخاوِيِّ أنَّها تُسَمّى أيْضًا ”سُورَةُ الكَلِيمِ“، وفِيهِ عَنِ الهُذَلِيِّ في كامِلِهِ أنَّها تُسَمّى ”سُورَةُ مُوسى“ .
صفحة ١٨٠
وهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّها عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ. واقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةِ وكَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
وفِي الإتْقانِ أنَّهُ اسْتُثْنِيَ مِنها آيَةُ (﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها﴾ [طه: ١٣٠]) الآيَةَ.
واسْتَظْهَرَ في الإتْقانِ أنْ يُسْتَثْنى مِنها قَوْلُهُ تَعالى (﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه: ١٣١]) الآيَةَ. لِما أخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَزّارُ عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «أضافَ النَّبِيءُ ﷺ ضَيْفًا فَأرْسَلَنِي إلى رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أنْ أسْلِفْنِي دَقِيقًا إلى هِلالِ رَجَبٍ فَقالَ: لا، إلّا بِرَهْنٍ، فَأتَيْتُ النَّبِيءَ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: أمّا واللَّهِ إنِّي لِأمِينٌ في السَّماءِ أمِينٌ في الأرْضِ. فَلَمْ أخْرُجْ مِن عِنْدِهِ حَتّى نَزَلَتْ (﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [طه»: ١٣١]) الآيَةَ اهـ.
وعِنْدِي أنَّهُ إنْ صَحَّ حَدِيثُ أبِي رافِعٍ فَهو مِنِ اشْتِباهِ التِّلاوَةِ بِالنُّزُولِ. فَلَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ قَرَأها مُتَذَكِّرًا فَظَنَّها أبُو رافِعٍ نازِلَةً ساعَتَئِذٍ ولَمْ يَكُنْ سَمِعَها قَبْلُ، أوْ أطْلَقَ النُّزُولَ عَلى التِّلاوَةِ. ولِهَذا نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في المَرْوِيّاتِ في أسْبابِ النُّزُولِ كَما عَلِمْتُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.
وهَذِهِ السُّورَةُ هي الخامِسَةُ والأرْبَعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ مَرْيَمَ وقَبْلَ سُورَةِ الواقِعَةِ. ونَزَلَتْ قَبْلَ إسْلامِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لِما رَوى الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وابْنِ إسْحاقَ في سِيرَتِهِ عَنْهُ قالَ: خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا بِسَيْفٍ. فَقِيلَ لَهُ: أنَّ خَتَنَكَ وأُخْتَكَ قَدْ صَبَوْا، فَأتاهُما عُمَرُ وعِنْدَهُما خَبّابُ بْنُ الأرَتِّ يُقْرِئُهُما سُورَةُ ”طاها“، فَقالَ: أعْطَوْنِي الكِتابَ الَّذِي عِنْدَكم فَأقْرَأهُ، فَقالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّكَ رِجْسٌ، ولا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ فَقُمْ فاغْتَسِلْ أوْ تَوَضَّأ. فَقامَ عُمَرُ وتَوَضَّأ وأخَذَ الكِتابَ فَقَرَأ طَهَ. فَلَمّا قَرَأ صَدْرًا مِنها قالَ: ما أحْسَنَ هَذا الكَلامِ وأكْرَمَهُ إلى آخِرِ القِصَّةِ.
وذَكَرَ الفَخْرُ عَنْ بَعْضِ المُفَسِّرِينَ أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَن أوائِلِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ.
صفحة ١٨١
وكانَ إسْلامُ عُمَرَ في سَنَةِ خَمْسٍ مِنَ البِعْثَةِ قُبَيْلَ الهِجْرَةِ الأُولى إلى الحَبَشَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ في سَنَةِ خَمْسٍ أوْ أواخِرِ سَنَةِ أرْبَعٍ مِنَ البَعْثَةِ.
وعُدَّتْ آيُها في عَدَدِ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ مِائَةً وأرْبَعًا وثَلاثِينَ وفي عَدَدِ أهْلِ الشّامِ مِائَةً وأرْبَعِينَ، وفي عَدَدِ أهْلِ البَصْرَةِ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَلاثِينَ. وفي عَدَدِ أهْلِ الكُوفَةِ مِائَةً وخَمْسًا وثَلاثِينَ.
* * *
احْتَوَتْ مِنَ الأغْراضِ عَلى:
التَّحَدِّي بِالقُرْآنِ بِذِكْرِ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في مُفْتَتَحِها والتَّنْوِيهِ بِأنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنَ اللَّهِ لِهَدْيِ القابِلَيْنَ لِلْهِدايَةِ؛ فَأكْثَرُها في هَذا الشَّأْنِ.
والتَّنْوِيهُ بِعَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى. وإثْباتُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِأنَّها تُماثِلُ رِسالَةَ أعْظَمِ رَسُولٍ قَبْلَهُ شاعَ ذِكْرُهُ في النّاسِ. فَضَرَبَ المَثَلَ لِنُزُولِ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِكَلامِ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وبَسَطَ نَشْأةَ مُوسى وتَأْيِيدَ اللَّهِ إيّاهُ ونَصْرَهُ عَلى فِرْعَوْنَ بِالحُجَّةِ والمُعْجِزاتِ وبِصَرْفِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ عَنْهُ وعَنْ أتْباعِهِ.
وإنْجاءَ اللَّهِ مُوسى وقَوْمَهُ، وغَرَقَ فِرْعَوْنَ، وما أكْرَمَ اللَّهُ بِهِ بَنِي إسْرائِيلَ في خُرُوجِهِمْ مِن بَلَدِ القِبْطِ.
وقِصَّةَ السّامِرِيِّ وصُنْعَهُ العَجَلَ الَّذِي عَبَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ في مَغِيبِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
صفحة ١٨٢
وكُلُّ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مَآلَ بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ صائِرٌ إلى ما صارَتْ إلَيْهِ بَعْثَةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنَ النَّصْرِ عَلى مُعانَدِيهِ. فَلِذَلِكَ انْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى وعِيدِ مَن أعْرَضُوا عَنِ القُرْآنِ ولَمْ تَنْفَعْهم أمْثالُهُ ومَواعِظُهُ.
ورَتَّبَ عَلى ذَلِكَ سُوءَ الجَزاءِ في الآخِرَةِ لِمَن جَعَلُوا مَقادَتَهم بِيَدِ الشَّيْطانِ وإنْذارَهم بِسُوءِ العِقابِ في الدُّنْيا.
وتَسْلِيَةَ النَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يَقُولُونَهُ وتَثْبِيتَهُ عَلى الدِّينِ.
وتَخَلَّلَ ذَلِكَ إثْباتُ البَعْثِ. وتَهْوِيلُ يَوْمِ القِيامَةِ وما يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الحَوادِثِ والأهْوالِ.