Lafzullah

Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — طه 20:1 – طه 20:62

المؤلف / المصدر: Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir

المحتويات
  1. طه 20:1
  2. طه 20:2
  3. طه 20:3
  4. طه 20:4
  5. طه 20:5
  6. طه 20:6
  7. طه 20:7
  8. طه 20:8
  9. طه 20:9
  10. طه 20:10
  11. طه 20:11
  12. طه 20:12
  13. طه 20:13
  14. طه 20:14
  15. طه 20:15
  16. طه 20:16
  17. طه 20:17
  18. طه 20:18
  19. طه 20:19
  20. طه 20:20
  21. طه 20:21
  22. طه 20:22
  23. طه 20:23
  24. طه 20:24
  25. طه 20:25
  26. طه 20:26
  27. طه 20:27
  28. طه 20:28
  29. طه 20:29
  30. طه 20:30
  31. طه 20:31
  32. طه 20:32
  33. طه 20:33
  34. طه 20:34
  35. طه 20:35
  36. طه 20:36
  37. طه 20:37
  38. طه 20:38
  39. طه 20:39
  40. طه 20:40
  41. طه 20:41
  42. طه 20:42
  43. طه 20:43
  44. طه 20:44
  45. طه 20:45
  46. طه 20:46
  47. طه 20:47
  48. طه 20:48
  49. طه 20:49
  50. طه 20:50
  51. طه 20:51
  52. طه 20:52
  53. طه 20:53
  54. طه 20:54
  55. طه 20:55
  56. طه 20:56
  57. طه 20:57
  58. طه 20:58
  59. طه 20:59
  60. طه 20:60
  61. طه 20:61
  62. طه 20:62

طه 20:1

﴿طه﴾ هَذانِ الحَرْفانِ مِن حُرُوفِ فَواتِحِ بَعْضِ السُّوَرِ مِثْلُ (الم)، و(يس) . ورُسِما في خَطِّ المُصْحَفِ بِصُورَةِ حُرُوفِ التَّهَجِّي الَّتِي هي مُسَمّى (طا) و(ها) كَما رُسِمَ جَمِيعُ الفَواتِحِ الَّتِي بِالحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ. وقُرِئا لِجَمِيعِ القُرّاءِ كَما قُرِأتْ بَقِيَّةُ فَواتِحِ السُّوَرِ. فالقَوْلُ فِيهِما كالقَوْلِ المُخْتارِ في فَواتِحِ تِلْكَ السُّوَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ. وقِيلَ هُما حَرْفانِ مُقْتَضَبانِ مِن كَلِمَتَيْ ”طاهِرٍ“ و”هادٍ“ وأنَّهُما عَلى مَعْنى النِّداءِ بِحَذْفِ حَرْفِ النِّداءِ. صفحة ١٨٣ وتَقَدَّمَ وجْهُ المَدِّ في (طا) (ها) في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ. وقِيلَ مُقْتَضَبانِ مِن فِعْلِ ”طَأْ“ أمْرًا مِنَ الوَطْءِ. ومِن ”ها“ ضَمِيرِ المُؤَنَّثَةِ الغائِبَةِ عائِدٌ إلى الأرْضِ؛ وفُسِّرَ بِأنَّ النَّبِيءِ _ ﷺ _ كانَ في أوَّلِ أمْرِهِ إذا قامَ في صَلاةِ اللَّيْلِ قامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ فَأمَرَهُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَطَأ الأرْضَ بِرِجْلِهِ الأُخْرى. ولَمْ يَصِحَّ. وقِيلَ (طاها) كَلِمَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ أصْلَها مِنَ الحَبَشِيَّةِ. ومَعْناها إنْسانٌ، وتَكَلَّمَتْ بِها قَبِيلَةُ عَكَّ أوْ عُكْلٍ وأنْشَدُوا لِيَزِيدَ بْنِ مُهَلْهَلٍ: إنَّ السَّفاهَةَ طاها مِن شَمائِلِكم لا بارَكَ اللَّهُ في القَوْمِ المَلاعِينِ وذَهَبَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إلى اعْتِبارِهِما كَلِمَةً لُغَةَ (عَكَّ) أوْ (عُكْلٍ) أوْ كَلِمَةً مِنَ الحَبَشِيَّةِ أوِ النَّبَطِيَّةِ وأنَّ مَعْناها في لُغَةِ: عَكَّ يا إنْسانُ، أوْ يا رَجُلُ. وفي ما عَداها: يا حَبِيبِي. وقِيلَ: هي اسْمٌ سَمّى اللَّهُ بِهِ نَبِيئَهُ ﷺ وأنَّهُ عَلى مَعْنى النِّداءِ. أوْ هو قَسَمٌ بِهِ. وقِيلَ: هي اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنى القَسَمِ، ورُوِيَتْ في ذَلِكَ آثارٌ وأخْبارٌ ذَكَرَ بَعْضَها عِياضٌ في الشِّفاءِ. ويَجْرِي فِيها قَوْلُ مَن جَعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الحُرُوفِ مُتَّحِدَةً في المَقْصُودِ مِنها. كَقَوْلِ مَن قالَ: هي أسْماءٌ لِلسُّوَرِ الواقِعَةِ فِيها. ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإنَّما غَرَّهم بِذَلِكَ تَشابُهٌ في النُّطْقِ فَلا نُطِيلُ بِرَدِّها. وكَذَلِكَ لا التِفاتَ إلى قَوْلِ مَن زَعَمُوا أنَّهُ مِن أسْماءِ النَّبِيءِ ﷺ .

طه 20:2

صفحة ١٨٤ ﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ. وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ: إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها. ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ صفحة ١٨٥ إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ. والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . صفحة ١٨٦ و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ. والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. صفحة ١٨٧ والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) . والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ. وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) . وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ. وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ. صفحة ١٨٨ وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ: واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ. وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) . والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى. والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .

طه 20:3

صفحة ١٨٤ ﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ. وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ: إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها. ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ صفحة ١٨٥ إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ. والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . صفحة ١٨٦ و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ. والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. صفحة ١٨٧ والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) . والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ. وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) . وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ. وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ. صفحة ١٨٨ وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ: واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ. وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) . والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى. والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .

طه 20:4

صفحة ١٨٤ ﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ. وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ: إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها. ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ صفحة ١٨٥ إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ. والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . صفحة ١٨٦ و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ. والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. صفحة ١٨٧ والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) . والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ. وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) . وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ. وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ. صفحة ١٨٨ وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ: واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ. وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) . والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى. والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .

طه 20:5

صفحة ١٨٤ ﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ. وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ: إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها. ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ صفحة ١٨٥ إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ. والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . صفحة ١٨٦ و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ. والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. صفحة ١٨٧ والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) . والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ. وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) . وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ. وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ. صفحة ١٨٨ وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ: واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ. وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) . والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى. والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .

طه 20:6

صفحة ١٨٤ ﴿ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْءانَ لِتَشْقى﴾ ﴿إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾ ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى﴾ . افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِمُلاطَفَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ مِن إرْسالِهِ وإنْزالِ القُرْآنِ عَلَيْهِ أنْ يَشْقى بِذَلِكَ. أيْ تُصِيبَهُ المَشَقَّةُ ويَشُدُّهُ التَّعَبُ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يُذَكِّرَ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدَهُ. وفي هَذا تَنْوِيهٌ أيْضًا بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهم كانُوا مِن أهْلِ الَخَشْيَةِ ولَوْلا ذَلِكَ لَما ادَّكَرُوا بِالقُرْآنِ. وفِي هَذِهِ الفاتِحَةِ تَمْهِيدٌ لِما يَرِدُ مِن أمْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالِاضْطِلاعِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ. وبِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ مِثْلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنْ لا يَكُونَ مُفَرِّطًا في العَزْمِ كَما كانَ آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَبْلَ نُزُولِهِ إلى الأرْضِ. وأُدْمِجَ في ذَلِكَ التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ لِأنَّ في ضِمْنِ ذَلِكَ تَنْوِيهًا بِمَن أُنْزَلَ عَلَيْهِ وجاءَ بِهِ. والشَّقاءُ: فَرْطُ التَّعَبِ بِعَمَلٍ أوْ غَمٍّ في النَّفْسِ، قالَ النّابِغَةُ: إلّا مَقالَةَ أقْوامٍ شَقِيتُ بِهِمْ كانَتْ مَقالَتُهم قَرْعًا عَلى كَبِدِي وهَمْزَةُ الشَّقاءِ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الواوِ. يُقالُ: شَقاءٌ وشَقاوَةٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وشِقْوَةٌ بِكَسْرِها. ووُقُوعُ فِعْلِ أنْزَلْنا في سِياقِ النَّفْي يَقْتَضِي عُمُومَ مَدْلُولِهِ. لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ في سِياقِهِ. وعُمُومُ الفِعْلِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ مُتَعَلَّقاتِهِ مِن مَفْعُولٍ ومَجْرُورٍ، فَيَعُمَّ نَفْيَ جَمِيعِ كُلِّ صفحة ١٨٥ إنْزالٍ لِلْقُرْآنِ فِيهِ شَقاءٌ لَهُ، ونَفْيُ كُلِّ شَقاءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ الإنْزالِ، أيْ جَمِيعِ أنْواعِ الشَّقاءِ فَلا يَكُونُ إنْزالُ القُرْآنِ سَبَبًا في شَيْءٍ مِنَ الشَّقاءِ لِلرَّسُولِ ﷺ . وأوَّلُ ما يُرادُ مِنهُ هُنا أسَفُ النَّبِيءِ ﷺ مِن إعْراضِ قَوْمِهِ عَنِ الإيمانِ بِالقُرْآنِ. قالَ تَعالى (﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمُ إنْ لَمْ يُومِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: ما أرْسَلْناكَ لِتَخِيبَ بَلْ لِنُؤَيِّدَكَ وتَكُونَ لَكَ العاقِبَةُ. وقَوْلُهُ إلّا تَذْكِرَةً اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ لِلْقُرْآنِ مَحْذُوفَةٍ، أيْ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القُرْآنَ في حالٍ مِن أحْوالٍ إلّا حالَ تَذْكِرَةٍ فَصارَ المَعْنى: ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى وما أنْزَلْناهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا تَذْكِرَةً. ويَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ (﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ﴾) الَّذِي هو حالٌ مِنَ القُرْآنِ لا مَحالَةَ، فَفِعْلُ أنْزَلْنا عامِلٌ في لِتَشْقى بِواسِطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وعامِلٌ في تَذْكِرَةٍ بِواسِطَةِ صاحِبِ الحالِ، وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ العِلَّةِ المَنفِيَّةِ بِقَوْلِهِ لِتَشْقى حَتّى تَتَحَيَّرَ في تَقْوِيمِ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ فَتَفْزَعَ إلى جَعْلِهِ مُنْقَطِعًا وتَقَعَ في كَلَفٍ لِتَصْحِيحِ النَّظْمِ. وقالَ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ: قالَ مُقاتِلٌ: «قالَ أبُو جَهْلٍ والنَّضِرُ بْنُ الحارِثِ وزادَ غَيْرُ الواحِدِيِّ: الوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةَ، والمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ لِلنَّبِيءِ ﷺ إنَّكَ لِتَشْقى بِتَرْكِ دِينِنا، لَمّا رَأوْا مِن طُولِ عِبادَتِهِ واجْتِهادِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿طه ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ١]) الآيَةَ، ولَيْسَ فِيهِ سَنَدٌ. والتَّذْكِرَةُ: خُطُورُ المَنسِيِّ بِالذِّهْنِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ مُسْتَقِرُّ في الفِطْرَةِ والإشْراكُ مُنافٍ لَها، فالدَّعْوَةُ إلى الإسْلامِ تَذْكِيرٌ لِما في الفِطْرَةِ أوْ تَذْكِيرٌ لِمِلَّةِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . صفحة ١٨٦ و(﴿مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠]) هو المُسْتَعِدُّ لِلتَّأمُّلِ والنَّظَرِ في صِحَّةِ الدِّينِ، وهو كُلُّ مَن يُفَكِّرُ لِلنَّجاةِ في العاقِبَةِ، فالَخَشْيَةُ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في المَعْنى العَرَبِيِّ الأصْلِيِّ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها المَعْنى الإسْلامِيُّ، وهو خَوْفُ اللَّهِ، فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِعْلِ المَآلُ، أيْ مَن يَئُولُ أمْرُهُ إلى الَخَشْيَةِ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ تَعالى لَهُ التَّقْوى، كَقَوْلِهِ تَعالى هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أيِ الصّائِرِينَ إلى التَّقْوى. وتَنْزِيلًا حالٌ مِنَ القُرْآنِ ثانِيَةٌ. والمَقْصُودُ مِنها التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ والعِنايَةُ بِهِ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى الكِنايَةِ بِأنَّ الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْكَ بِهَذِهِ المَثابَةِ لا يَتْرُكُ نَصْرَكَ وتَأْيِيدَكَ. والعُدُولُ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ أوْ عَنْ ضَمِيرِهِ إلى المَوْصُولِيَّةِ لِما تُؤْذِنُ بِهِ الصِّلَةُ مِن تَحَتُّمِ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، لِأنَّهُ خالِقُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ وغَيْرِهِمْ مِمّا هو أعْظَمُ مِنهم خَلْقًا. ولِذَلِكَ وصَفَ السَّماواتِ بِالعُلى صِفَةً كاشِفَةً زِيادَةً في تَقْرِيرِ مَعْنى عَظَمَةِ خالِقِها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ شَأْنَ مُنَزِّلِ القُرْآنِ لا جَرَمَ كانَ القُرْآنُ شَيْئًا عَظِيمًا، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: إنَّ الَّذِي سَمَكَ السَّماءَ بَنى لَنا ∗∗∗ بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ والرَّحْمَنُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لازِمِ الحَذْفِ تَبَعًا لِلِاسْتِعْمالِ المُسْنَدِ إلَيْهِ كَما سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً. واخْتِيرَ وصْفُ الرَّحْمَنِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ بِهِ لِأنَّ المُشْرِكِينَ أنْكَرُوا تَسْمِيَتَهُ تَعالى الرَّحْمَنَ (﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠]) . وفي ذِكْرِهِ هُنا وكَثْرَةِ التَّذْكِيرِ بِهِ في القُرْآنِ بَعْثٌ عَلى إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ شُكْرًا عَلى إحْسانِهِ بِالرَّحْمَةِ البالِغَةِ. وجُمْلَةُ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) حالٌ مِنَ الرَّحْمَنِ. أوْ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ المُبْتَدَأِ المَحْذُوفِ. صفحة ١٨٧ والِاسْتِواءُ: الِاسْتِقْرارُ. قالَ تَعالى (﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨]) الآيَةَ. وقالَ (﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]) . والعَرْشُ: عالَمٌ عَظِيمٌ مِنَ العَوالِمِ العُلْيا، فَقِيلَ هو أعْلى سَماءٍ مِنَ السَّماواتِ وأعْظَمُها. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. ويُسَمّى: الكُرْسِيُّ أيْضًا عَلى الصَّحِيحِ. وقِيلَ: الكُرْسِيُّ غَيْرُ العَرْشِ. وأيًّا ما كانَ فَذِكْرُ الِاسْتِواءِ عَلَيْهِ زِيادَةٌ في تَصْوِيرِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى وسَعَةِ سُلْطانِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ (﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلى﴾) . وأمّا ذِكْرُ الِاسْتِواءِ فَتَأْوِيلُهُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ عَظَمَةِ اللَّهِ بِعَظَمَةِ أعْظَمِ المُلُوكِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلى العُرُوشِ وقَدْ عَرَفَ العَرَبُ مِن أُولَئِكَ مُلُوكَ الفُرْسِ ومُلُوكَ الرُّومِ وكانَ هَؤُلاءِ مَضْرِبَ الأمْثالِ عِنْدَهم في العَظَمَةِ. وحَسَّنَ التَّعْبِيرَ بِالِاسْتِواءِ مُقارَنَتُهُ بِالعَرْشِ الَّذِي هو مِمّا يُسْتَوى عَلَيْهِ في المُتَعارَفِ. فَكانَ ذِكْرُ الِاسْتِواءِ كالتَّرْشِيحِ لِإطْلاقِ العَرْشِ عَلى السَّماءِ العُظْمى، فالآيَةُ مِنَ المُتَشابِهِ البَيِّنِ تَأْوِيلُهُ بِاسْتِعْمالِ العَرَبِ وبِما تَقَرَّرَ في العَقِيدَةِ: أنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. وقِيلَ: الِاسْتِواءُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنى الِاسْتِيلاءِ. وأنْشَدُوا قَوْلَ الأخْطَلِ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ بِغَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ وهُوَ مُوَلَّدٌ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ تَمْثِيلٌ كالآيَةِ. ولَعَلَّهُ انْتَزَعَهُ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]) في سُورَةِ الأعْرافِ. وإنَّما أعَدْنا بَعْضَهُ هُنا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةِ هي المُشْتَهِرَةُ بَيْنَ أصْحابِنا الأشْعَرِيَّةِ. صفحة ١٨٨ وفِي تَقْيِيدِ الأبِّيِّ عَلى تَفْسِيرِ ابْنِ عَرَفَةَ: واخْتارَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلامِ عَدَمَ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالجِهَةِ. قِيلَ لِابْنِ عَرَفَةَ: عادَتُكَ تَقُولُ في الألْفاظِ المُوهِمَةِ الوارِدَةِ في الحَدِيثِ كَما في حَدِيثِ السَّوْداءِ وغَيْرِها، فَذِكْرُ النَّبِيءِ ﷺ دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ تَكْفِيرِ مَن يَقُولُ بِالتَّجْسِيمِ، فَقالَ: هَذا صَعْبٌ ولَكِنْ تَجاسَرْتُ عَلى قَوْلِهِ اقْتِداءً بِالشَّيْخِعِزِّ الدِّينِ لِأنَّهُ سَبَقَنِي لِذَلِكَ. وأتْبَعَ ما دَلَّ عَلى عَظَمَةِ سُلْطانِهِ تَعالى بِما يَزِيدُهُ تَقْرِيرًا وهو جُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) إلَخْ. فَهي بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) . والجُمْلَتانِ تَدُلّانِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن سَعَةِ السُّلْطانِ. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) لِلْقَصْرِ، رَدًّا عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ لِآلِهَتِهِمْ تَصَرُّفاتٌ في الأرْضِ، وأنَّ لِلْجِنِّ اطِّلاعًا عَلى الغَيْبِ، ولِتَقْرِيرِ الرَّدِّ ذُكِرَتْ أنْحاءُ الكائِناتِ، وهي السَّماواتُ والأرْضُ وما بَيْنَهُما وما تَحْتَ الثَّرى. والثَّرى: التُّرابُ. وما تَحْتَهُ: هو باطِنُ الأرْضِ كُلُّهُ. وجُمْلَةُ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾) .

طه 20:7

﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [طه: ٦]) لِدَلالَةِ هَذِهِ الجُمْلَةِ عَلى سَعَةِ عِلْمِهِ تَعالى كَما دَلَّتِ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها عَلى عَظِيمِ سُلْطانِهِ وقُدْرَتِهِ. وأصْلُ النَّظْمِ: ويَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى إنْ تَجْهَرْ صفحة ١٨٩ بِالقَوْلِ؛ فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ (﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾) مَوْقِعُ الِاعْتِراضِ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾) وجُمْلَةُ (﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [طه: ٨]) . فَصِيغَ النَّظْمُ في قالَبِ الشَّرْطِ والجَزاءِ زِيادَةً في تَحْقِيقِ حُصُولِهِ عَلى طَرِيقَةِ ما يُسَمّى بِالمَذْهَبِ الكَلامِيِّ، وهو سَوْقُ الخَبَرِ في صِيغَةِ الدَّلِيلِ عَلى وُقُوعِهِ تَحْقِيقًا لَهُ. والمَعْنى: أنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى مِنَ السِّرِّ في الأحْوالِ الَّتِي يَجْهَرُ فِيها القائِلُ بِالقَوْلِ لِإسْماعِ مُخاطِبَهُ، أيْ فَهو لا يَحْتاجُ إلى الجَهْرِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. وهَذا أُسْلُوبٌ مُتَّبَعٌ عِنْدَ البُلَغاءِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ بِأسالِيبَ كَثِيرَةٍ. وذَلِكَ في كُلِّ شَرْطٍ لا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْلِيقُ بَلْ يُقْصَدُ التَّحْقِيقُ كَقَوْلِ أبِي كَبِيرٍ الهُذَيْلِيِّ: فَأتَتْ بِهِ حُوشَ الفُؤادِ مُبَطَّنًا سُهُدًا إذا ما نامَ لَيْلُ الهَوْجَلِ أيْ سُهُدًا في كُلِّ وقْتٍ حِينَ يَنامُ غَيْرُهُ مِمَّنْ هو هَوْجَلُ. وقَوْلِ بَشامَةُ بْنُ حَزْنٍ النَّهْشَلَيُّ: إذا الكُماةُ تَنَحَّوْا أنْ يُصِيبَهُمُ ∗∗∗ حَدُّ الظُّباتِ وصَلْناها بِأيْدِينا وقَوْلِ إبْراهِيمَ بْنِ كُنَيْفٍ النَّبْهانِيِّ: فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ جالَتْ صُرُوفُها ∗∗∗ بِبُؤْسى ونُعْمى والحَوادِثُ تَفْعَلُ فَما لَيَّنَتْ مِنّا قَناةً صَلِيبَةً ∗∗∗ وما ذَلَّلَتْنا لِلَّتِي لَيْسَ تَجْمُلُ وقَوْلِ القَطامِيِّ: فَمَن تَكُنِ الحَضارَةُ أعْجَبَتْهُ ∗∗∗ فَأيَّ رِجالِ بادِيَةٍ تَرانا فالخِطابُ في قَوْلِهِ (وإنْ تَجْهَرْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خِطابًا لِلنَّبِيءِ ﷺ وهو يَعُمُّ غَيْرَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ. صفحة ١٩٠ واخْتِيرَ في إثْباتِ سِعَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى خُصُوصُ عِلْمِهِ بِالمَسْمُوعاتِ لِأنَّ السِّرَّ أخْفى الأشْياءِ عَنْ عِلْمِ النّاسِ في العادَةِ. ولَمّا جاءَ القُرْآنُ مُذَكِّرًا بِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى تَوَجَّهَتْ أنْظارُ المُشْرِكِينَ إلى مَعْرِفَةِ مَدى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وتَجادَلُوا في ذَلِكَ في مَجامِعِهِمْ. وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اجْتَمَعَ عِنْدَ البَيْتِ ثَقَفِيّانِ وقُرَشِيٌّ أوْ قُرَشِيّانِ وثَقَفِيٌّ؛ كَثِيرَةٌ شَحْمِ بُطُونِهِمْ قَلِيلَةٌ فِقْهُ قُلُوبِهِمْ؛ فَقالَ أحَدُهم: أتَرَوْنَ أنَّ اللَّهَ يَسْمَعُ ما نَقُولُ ؟ قالَ الآخَرُ: يَسْمَعُ إنْ جَهَرْنا ولا يَسْمَعُ إنْ أخْفَيْنا، وقالَ الآخَرُ: إنْ كانَ يَسْمَعُ إذا جَهَرْنا ”أيْ وهو بَعِيدٌ عَنّا“ فَإنَّهُ يَسْمَعُ إذا أخْفَيْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى (﴿وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْكم سَمْعُكم ولا أبْصارُكم ولا قُلُوبُكم ولَكِنْ ظَنَنْتُمْ أنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت»: ٢٢]) . وقَدْ كَثُرَ في القُرْآنِ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّ النّاسُ وما يُعْلِنُونَ ولا أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ إلّا ناظِرَةً إلى مِثْلِ ما نَظَرَتِ الآيَةُ الآنِفَةُ الذِّكْرِ، وقالَ تَعالى (﴿ألا إنَّهم يَثْنُونَ صُدُورَهم لِيَسْتَخْفُوا مِنهُ ألا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهم يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥]) . يَبْقى النَّظَرُ في تَوْجِيهِ الإتْيانِ بِهَذا الشَّرْطِ بِطَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ، وتَوْجِيهِ اخْتِيارِ فَرْضِ الشَّرْطِ بِحالَةِ الجَهْرِ دُونَ حالَةِ السِّرِّ مَعَ أنَّ الَّذِي يَتَراءى لِلنّاظِرِ أنَّ حالَةَ السِّرِّ أجْدَرُ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الإعْلامِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما لا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُ النّاسِ، كَما ذُكِرَ في الخَبَرِ المَرْوِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ الآنِفَةِ الذِّكْرِ. وأحْسَبُ لِفَرْضِ الشَّرْطِ بِحالَةِ الجَهْرِ بِالقَوْلِ خُصُوصِيَّةً بِهَذا السِّياقِ اقْتَضاها اجْتِهادُ النَّبِيءِ ﷺ في الجَهْرِ بِالقُرْآنِ في الصَّلاةِ أوْ غَيْرِها، فَيَكُونُ مَوْرِدُ هَذِهِ الآيَةِ كَمَوْرِدِ قَوْلِهِ تَعالى (﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]) صفحة ١٩١ فَيَكُونُ هَذا مِمّا نَسَخَهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤])، وتَعْلِيمٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِاسْتِواءِ الجَهْرِ والسِّرِّ في الدُّعاءِ، وإبْطالٌ لِتَوَهُّمِ المُشْرِكِينَ أنَّ الجَهْرَ أقْرَبُ إلى عِلْمِ اللَّهِ مِنَ السِّرِّ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ المَرْوِيُّ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ المَذْكُورِ آنِفًا. والقَوْلُ: مَصْدَرٌ، وهو تَلَفُّظُ الإنْسانِ بِالكَلامِ، فَيَشْمَلُ القِراءَةَ والدُّعاءَ والمُحاوَرَةَ، والمَقْصُودُ هُنا ما لَهُ مَزِيدُ مُناسِبَةٍ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]) الآياتِ. وجَوابُ شَرْطِ (﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾) مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾) . والتَّقْدِيرُ: فَلا تَشُقَّ عَلى نَفْسِكَ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى. أيْ فَلا مَزِيَّةَ لِلْجَهْرِ بِهِ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنْ لَيْسَ مَساقُ الآيَةِ لِتَعْلِيمِ النّاسِ كَيْفِيَّةَ الدُّعاءِ، فَقَدْ ثَبَتَ في السُّنَةِ الجَهْرُ بِالدُّعاءِ والذِّكْرِ، فَلَيْسَ مِنَ الصَّوابِ فَرْضُ تِلْكَ المَسْألَةِ هُنا إلّا عَلى مَعْنى الإشارَةِ. وأخْفى: اسْمُ تَفْضِيلٍ، وحُذِفَ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ، أيْ وأخْفى مِنَ السِّرِّ. والمُرادُ بِأخْفى مِنهُ: ما يَتَكَلَّمُ اللِّسانُ مِن حَدِيثِ النَّفْسِ ونَحْوِهِ مِنَ الأصْواتِ الَّتِي هي أخْفى مِن كَلامِ السِّرِّ.

طه 20:8

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ . تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ لِأنَّ ما قَبْلَهُ تَضَّمَنَ صِفاتٍ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى ومِن خَلْقِهِ ومِن عَظَمَتِهِ فَجاءَ هَذا التَّذْيِيلُ بِما يَجْمَعُ صِفاتِهِ. واسْمُ الجَلالَةِ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: هو اللَّهُ، جَرْيًا عَلى ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]) . صفحة ١٩٢ وجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾) حالٌ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وكَذَلِكَ جُمْلَةُ (﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾) . والأسْماءُ: الكَلِماتُ الدّالَةُ عَلى الِاتِّصافِ بِحَقائِقَ. وهي بِالنِّسْبَةِ إلى اللَّهِ: إمّا عَلَمٌ وهو اسْمُ الجَلالَةِ خاصَّةً. وإمّا وصَفٌ مِثْلُ الرَّحْمَنِ والجَبّارِ وبَقِيَّةِ الأسْماءِ الحُسْنى. وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ (﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾) لِلِاخْتِصاصِ. أيْ لا لِغَيْرِهِ لِأنَّ غَيْرَهُ إمّا أنْ يَكُونَ اسْمُهُ مُجَرَّدًا مِنَ المَعانِي المَدْلُولَةِ لِلْأسْماءِ مِثْلَ الأصْنامِ، وإمّا أنْ تَكُونَ حَقائِقُها فِيهِ غَيْرُ بالِغَةٍ مُنْتَهى كَمالِ حَقِيقَتِها كاتِّصافِ البَشَرِ بِالرَّحْمَةِ والمُلْكِ، وإمّا أنْ يَكُونَ الِاتِّصافُ بِها كَذِبًا لا حَقِيقَةً، كاتِّصافِ البَشَرِ بِالكِبْرِ، إذْ لَيْسَ أهْلًا لِلْكِبْرِ والجَبَرُوتِ والعِزَّةِ. ووَصْفُ الأسْماءِ بِ الحُسْنى؛ لِأنَّها دالَّةٌ عَلى حَقائِقَ كامِلَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلى المُسَمّى بِها تَعالى وتَقَدَّسَ. وذَلِكَ ظاهِرٌ في غَيْرِ اسْمِ الجَلالَةِ، وأمّا في اسْمِ الجَلالَةِ الَّذِي هو الِاسْمُ العَلَمُ فَلِأنَّهُ مُخالِفٌ لِلْأعْلامِ مِن حَيْثُ إنَّهُ في الأصْلِ وصْفٌ دالٌّ عَلى الِانْفِرادِ بِالإلَهِيَّةِ لِأنَّهُ دالٌّ عَلى الإلَهِ، وعُرِّفَ بِاللّامِ الدّالَةِ عَلى انْحِصارِ الحَقِيقَةِ عِنْدَهُ. فَكانَ جامِعًا لِمَعْنى وُجُوبِ الوُجُودِ، واسْتَحَقَّ العِبادَةَ لِوُجُودِ أسْبابِ اسْتِحْقاقِها عِنْدَهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠]) في سُورَةِ الأعْرافِ.

طه 20:9

صفحة ١٩٣ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نارًا لَعَلِّيَ آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ . أعْقَبَ تَثْبِيتَ الرَّسُولِ عَلى التَّبْلِيغِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أنْزَلَهُ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأسّى بِهِ في الصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ ومُقاساةِ المَصاعِبِ. وتَسْلِيَةً لَهُ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ سَيَكُونُ جَزاؤُهم جَزاءَ مَن سَلَفَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولِذَلِكَ جاءَ في عَقِبِ قِصَّةِ مُوسى قَوْلُهُ تَعالى (﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ٩٩]) . وجاءَ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ آدَمَ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ (﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠]) الآياتِ. فَجُمْلَةُ (﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]) . الغَرَضُ هو مُناسِبَةُ العَطْفِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا وهَذِهِ القِصَّةُ تَقَدَّمَ بَعْضُها في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ يُونُسَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ مَجازًا ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ سَواءٌ كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ قُصَّتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَبْلُ أمْ كانَ هَذا أوَّلَ قَصَصِها عَلَيْهِ. وُفي قَوْلِهِ (﴿إذْ رَأى نارًا﴾) زِيادَةٌ في التَّشْوِيقِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا. وأُوثِرَ حَرْفُ (هَلْ) في هَذا المَقامِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ لِأنَّ (هَلْ) في الِاسْتِفْهامِ مِثْلُ (قَدْ) في الإخْبارِ. والحَدِيثُ: الخَبَرُ. وهو اسْمٌ لِلْكَلامِ الَّذِي يُحْكى بِهِ أمْرٌ حَدَثَ في الخارِجِ، ويُجْمَعُ عَلى أحادِيثَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الفَرّاءُ: ”واحِدُ صفحة ١٩٤ الأحادِيثِ أُحْدُوثَةٌ ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ“ اهـ. يَعْنِي اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ صِيغَةِ فَعْلاءَ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ. وخُصَّ هَذا الظَّرْف بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ يَزِيدُ تَشْوِيقًا إلى اسْتِعْلامِ كُنْهِ الخَبَرِ، لِأنَّ رُؤْيَةَ النّارِ تَحْتَمِلُ أحْوالًا كَثِيرَةً. ورُؤْيَةُ النّارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِلَيْلٍ، وأنَّهُ كانَ بِحاجَةٍ إلى النّارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ: (﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾) إلَخْ. والأهْلُ: الزَّوْجُ والأوْلادُ. وكانُوا مَعَهُ بِقَرِينَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ امْكُثُوا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ فَأخَذَ مُوسى امْرَأتَهُ وبَنِيهِ وأرْكَبَهم عَلى الحَمِيرِ ورَجَعَ إلى أرْضِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هاءِ ضَمِيرِ أهْلِهِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ الهاءِ تَبَعًا لِضَمَّةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في (امْكُثُوا) . والإيناسُ: الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ إنَّ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِشارَةً لِأهْلِهِ إذْ كانُوا في الظُّلْمَةِ. والقَبَسُ: ما يُؤْخَذُ اشْتِعالُهُ مِنِ اشْتِعالِ شَيْءٍ ويُقْبَسُ، كالجَمْرَةِ مِن مَجْمُوعِ الجَمْرِ والفَتِيلَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في ظُلْمَةٍ ولَمْ يَجِدْ ما يَقْتَدِحُ بِهِ. وقِيلَ: اقْتَدَحَ زَنْدَهُ فَصَلُدَ، أيْ لَمْ يَقْدَحْ. ومَعْنى (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾): أوْ ألْقى عارِفًا بِالطَّرِيقِ قاصِدًا السَّيْرَ فِيما أسِيرُ فِيهِ فَيَهْدِينِي إلى السَّبِيلِ. قِيلَ: كانَ مُوسى قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يَسِيرَ لَيْلًا. صفحة ١٩٥ و(أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ، لِأنَّ إتْيانَهُ بِقَبَسٍ أمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَهو إمّا أنْ يَأْخُذَ القَبَسَ لا غَيْرَ. وإمّا أنْ يَزِيدَ فَيَجِدَ صاحِبَ النّارِ قاصِدًا الطَّرِيقَ مِثْلَهُ فَيَصْحَبَهُ. وحَرْفُ (عَلى) في قَوْلِهِ (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾) مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ شِدَّةُ القُرْبِ مِنَ النّارِ قُرْبًا أشْبَهَ الِاسْتِعْلاءَ، وذَلِكَ أنَّ مُشْعِلَ النّارِ يَسْتَدْنِي مِنها لِلِاسْتِنارَةِ بِضَوْئِها أوْ لِلِاصْطِلاءِ بِها. قالَ الأعْشى: وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ وأرادَ بِالهُدى صاحِبَ الهُدى. وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ مُوسى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ إلْهامًا إيّاهُ أنَّهُ سَيَجِدُ عِنْدَ تِلْكَ النّارِ هُدًى عَظِيمًا، ويُبَلِّغُ قَوْمَهُ مِنهُ ما فِيهِ نَفْعُهم. وإظْهارُ النّارِ لِمُوسى رَمْزٌ رَبّانِيٌّ لَطِيفٌ؛ إذْ جَعَلَ اجْتِلابَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ بِاسْتِدْعاءٍ بِنُورٍ في ظُلْمَةٍ رَمْزًا عَلى أنَّهُ سَيَتَلَقّى ما بِهِ إنارَةُ ناسٍ بِدِينٍ صَحِيحٍ بَعْدَ ظُلْمَةِ الضَّلالِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ.

طه 20:10

صفحة ١٩٣ ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ ﴿إذْ رَأى نارًا فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا إنِّيَ آنَسْتُ نارًا لَعَلِّيَ آتِيكم مِنها بِقَبَسٍ أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ . أعْقَبَ تَثْبِيتَ الرَّسُولِ عَلى التَّبْلِيغِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أنْزَلَهُ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ بِذِكْرِ قِصَّةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِيَتَأسّى بِهِ في الصَّبْرِ عَلى تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ ومُقاساةِ المَصاعِبِ. وتَسْلِيَةً لَهُ بِأنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ سَيَكُونُ جَزاؤُهم جَزاءَ مَن سَلَفَهم مِنَ المُكَذِّبِينَ، ولِذَلِكَ جاءَ في عَقِبِ قِصَّةِ مُوسى قَوْلُهُ تَعالى (﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا خالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ٩٩]) . وجاءَ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ آدَمَ وأنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ (﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠]) الآياتِ. فَجُمْلَةُ (﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ٢]) . الغَرَضُ هو مُناسِبَةُ العَطْفِ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا وهَذِهِ القِصَّةُ تَقَدَّمَ بَعْضُها في سُورَةِ الأعْرافِ وسُورَةِ يُونُسَ. والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ مَجازًا ولَيْسَ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ سَواءٌ كانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ قَدْ قُصَّتْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ مِن قَبْلُ أمْ كانَ هَذا أوَّلَ قَصَصِها عَلَيْهِ. وُفي قَوْلِهِ (﴿إذْ رَأى نارًا﴾) زِيادَةٌ في التَّشْوِيقِ كَما يَأْتِي قَرِيبًا. وأُوثِرَ حَرْفُ (هَلْ) في هَذا المَقامِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى التَّحْقِيقِ لِأنَّ (هَلْ) في الِاسْتِفْهامِ مِثْلُ (قَدْ) في الإخْبارِ. والحَدِيثُ: الخَبَرُ. وهو اسْمٌ لِلْكَلامِ الَّذِي يُحْكى بِهِ أمْرٌ حَدَثَ في الخارِجِ، ويُجْمَعُ عَلى أحادِيثَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. قالَ الفَرّاءُ: ”واحِدُ صفحة ١٩٤ الأحادِيثِ أُحْدُوثَةٌ ثُمَّ جَعَلُوهُ جَمْعًا لِلْحَدِيثِ“ اهـ. يَعْنِي اسْتَغْنَوْا بِهِ عَنْ صِيغَةِ فَعْلاءَ. و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظائِرُهُ. وخُصَّ هَذا الظَّرْف بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ يَزِيدُ تَشْوِيقًا إلى اسْتِعْلامِ كُنْهِ الخَبَرِ، لِأنَّ رُؤْيَةَ النّارِ تَحْتَمِلُ أحْوالًا كَثِيرَةً. ورُؤْيَةُ النّارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ بِلَيْلٍ، وأنَّهُ كانَ بِحاجَةٍ إلى النّارِ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ: (﴿فَقالَ لِأهْلِهِ امْكُثُوا﴾) إلَخْ. والأهْلُ: الزَّوْجُ والأوْلادُ. وكانُوا مَعَهُ بِقَرِينَةِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ امْكُثُوا. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ فَأخَذَ مُوسى امْرَأتَهُ وبَنِيهِ وأرْكَبَهم عَلى الحَمِيرِ ورَجَعَ إلى أرْضِ مِصْرَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ هاءِ ضَمِيرِ أهْلِهِ عَلى الأصْلِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ الهاءِ تَبَعًا لِضَمَّةِ هَمْزَةِ الوَصْلِ في (امْكُثُوا) . والإيناسُ: الإبْصارُ البَيِّنُ الَّذِي لا شُبْهَةَ فِيهِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِ إنَّ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِهِ بِشارَةً لِأهْلِهِ إذْ كانُوا في الظُّلْمَةِ. والقَبَسُ: ما يُؤْخَذُ اشْتِعالُهُ مِنِ اشْتِعالِ شَيْءٍ ويُقْبَسُ، كالجَمْرَةِ مِن مَجْمُوعِ الجَمْرِ والفَتِيلَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ في ظُلْمَةٍ ولَمْ يَجِدْ ما يَقْتَدِحُ بِهِ. وقِيلَ: اقْتَدَحَ زَنْدَهُ فَصَلُدَ، أيْ لَمْ يَقْدَحْ. ومَعْنى (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾): أوْ ألْقى عارِفًا بِالطَّرِيقِ قاصِدًا السَّيْرَ فِيما أسِيرُ فِيهِ فَيَهْدِينِي إلى السَّبِيلِ. قِيلَ: كانَ مُوسى قَدْ خَفِيَ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ مِن شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وكانَ يُحِبُّ أنْ يَسِيرَ لَيْلًا. صفحة ١٩٥ و(أوْ) هُنا لِلتَّخْيِيرِ، لِأنَّ إتْيانَهُ بِقَبَسٍ أمْرٌ مُحَقَّقٌ، فَهو إمّا أنْ يَأْخُذَ القَبَسَ لا غَيْرَ. وإمّا أنْ يَزِيدَ فَيَجِدَ صاحِبَ النّارِ قاصِدًا الطَّرِيقَ مِثْلَهُ فَيَصْحَبَهُ. وحَرْفُ (عَلى) في قَوْلِهِ (﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾) مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ، أيْ شِدَّةُ القُرْبِ مِنَ النّارِ قُرْبًا أشْبَهَ الِاسْتِعْلاءَ، وذَلِكَ أنَّ مُشْعِلَ النّارِ يَسْتَدْنِي مِنها لِلِاسْتِنارَةِ بِضَوْئِها أوْ لِلِاصْطِلاءِ بِها. قالَ الأعْشى: وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلِّقُ وأرادَ بِالهُدى صاحِبَ الهُدى. وقَدْ أجْرى اللَّهُ عَلى لِسانِ مُوسى مَعْنى هَذِهِ الكَلِمَةِ إلْهامًا إيّاهُ أنَّهُ سَيَجِدُ عِنْدَ تِلْكَ النّارِ هُدًى عَظِيمًا، ويُبَلِّغُ قَوْمَهُ مِنهُ ما فِيهِ نَفْعُهم. وإظْهارُ النّارِ لِمُوسى رَمْزٌ رَبّانِيٌّ لَطِيفٌ؛ إذْ جَعَلَ اجْتِلابَهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ بِاسْتِدْعاءٍ بِنُورٍ في ظُلْمَةٍ رَمْزًا عَلى أنَّهُ سَيَتَلَقّى ما بِهِ إنارَةُ ناسٍ بِدِينٍ صَحِيحٍ بَعْدَ ظُلْمَةِ الضَّلالِ وسُوءِ الِاعْتِقادِ.

طه 20:11

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوى﴾ ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ . بُنِيَ فِعْلُ النِّداءِ لِلْمَجْهُولِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ إلى اسْتِطْلاعِ القِصَّةِ، فَإبْهامُ المُنادِي يُشَوِّقُ سامِعَ الآيَةِ إلى مَعْرِفَتِهِ فَإذا فاجَأهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) عَلِمَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ كَمالَ التَّمَكُّنِ. ولِأنَّهُ أدْخَلُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّ مُوسى ناداهُ مُنادٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ، فَحُكِيَ نِداؤُهُ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ. صفحة ١٩٦ وجُمْلَةُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (نُودِيَ) . وبِهَذا النِّداءِ عَلِمَ مُوسى أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتادٍ واللَّهُ تَعالى لا يُغَيِّرُ العَوائِدَ الَّتِي قَرَّرَها في الأكْوانِ إلّا لِإرادَةِ الإعْلامِ بِأنَّ لَهُ عِنايَةٌ خاصَّةٌ بِالمُغَيَّرِ، فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ أصْواتًا خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ غَيْرَ صادِرَةٍ عَنْ شَخْصٍ مُشاهَدٍ، ولا مُوَجَّهَةٍ لَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ يَتَوَلّى هو تَبْلِيغَ الكَلامِ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى (﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤])، إذْ عَلِمَ مُوسى أنَّ تِلْكَ الأصْواتِ دالَّةٌ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى. والمُرادُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الأصْواتُ الخارِقَةُ لِلْعادَةِ هو ما نُسَمِّيهِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ. ولَيْسَ الكَلامُ النَّفْسِيُّ هو الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى لِأنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ والتَّعَلُّقِ بِالأسْماعِ. والإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّهُ رَبُّ المُخاطَبِ لِتَسْكِينِ رَوْعَةِ نَفْسِهِ مِن خِطابٍ لا يُرى مُخاطِبُهُ فَإنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرِّفْقُ بِالمَرْبُوبِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لِأجْلِ غَرابَتِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى في مَصْدَرِ هَذا الكَلامِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ (أنِّيَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ باءِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: نُودِيَ بَأنِيَ أنا رَبِّكَ. والتَّأْكِيدُ حاصِلٌ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ عَلى الإعْلامِ بِأنَّهُ رَبُّهُ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ المَكانَ قَدْ حَلَّهُ التَّقْدِيسُ بِإيجادِ كَلامٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ. والخَلْعُ: فَصَلُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ. صفحة ١٩٧ والنَّعْلانِ: جِلْدانِ غَلِيظانِ يُجْعَلانِ تَحْتَ الِرِّجْلِ ويُشَدّانِ بِرِباطٍ مِن جِلْدٍ لِوِقايَةِ الرِّجْلِ ألَمَ المَشْيِ عَلى التُّرابِ والحَصى، وكانَتِ النَّعْلَ تُجْعَلُ عَلى مِثالِ الرِّجْلِ. وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا مِنهُ لِذَلِكَ المَكانِ الَّذِي سَيَسْمَعُ فِيهِ الكَلامَ الإلَهِيَّ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ» . أقُولُ: وفِيهِ أيْضًا زِيادَةُ خُشُوعٍ. وقَدِ اقْتَضى كِلا المَعْنِيِّينِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾) . فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ مُفِيدٌ هُنا التَّعْلِيلَ كَما هو شَأْنُهُ في كُلِّ مَقامٍ لا يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ. وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِن جِهاتٍ فَلا يُؤْخَذُ مِنها حُكْمٌ يَقْتَضِي نَزْعَ النَّعْلِ عِنْدَ الصَّلاةِ. والوادِ: المَفْرَجُ بَيْنَ الجِبالِ والتِّلالِ. وأصْلُهُ بِياءٍ في آخِرِهِ. وكَثُرَ تَخْفِيفُهُ بِحَذْفِ الياءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإذا ثُنِّيَ لَزِمَتْهُ الياءُ يُقالُ: وادِيانِ ولا يُقالُ وادانِ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ يُقالُ: بِوادِيكَ ولا يُقالُ بِوادِكَ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ المُنَزَّهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ونُقَدِّسُ لَكَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيسُ الأمْكِنَةِ يَكُونُ بِما يَحِلُّ فِيها مِنَ الأُمُورِ المُعَظَّمَةِ وهو هُنا حُلُولُ الكَلامِ المُوَجَّهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى طُوًى وهو بِضَمِّ الطّاءِ وبِكَسْرِها، ولَمْ يُقْرَأْ في المَشْهُورِ إلّا بِضَمِّ الطّاءِ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلُ هُدًى، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ طَواهُ مُوسى بِالسَّيْرِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ سَيْرًا، فَيَكُونُ المَعْنى تَعْيِينُ أنَّهُ هو ذَلِكَ الوادِ. صفحة ١٩٨ وأحْسَنُ مِنهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ هو أمْرٌ لِمُوسى بِأنْ يَطْوِيَ الوادِيَ ويَصْعَدَ إلى أعْلاهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُوسى صَعِدَ أعْلى الوادِي. وقِيلَ: هو بِمَعْنى المُقَدَّسِ تَقْدِيسَيْنِ، لِأنَّ الطَّيَّ هو جَعْلُ الثَّوْبِ عَلى شِقَّيْنِ. ويَجِيءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ كِنايَةً عَنِ التَّكْرِيرِ والتَّضْعِيفِ مِثْلَ (﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]) . فالمَعْنى: المُقَدَّسُ تَقْدِيسًا شَدِيدًا. فاسْمُ المَصْدَرِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ، أيِ المُقَدَّسِ تَقْدِيسًا مُضاعَفًا. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ طُوًى اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الأوْدِيَةِ يَكُونُ ضَيِّقًا بِمَنزِلَةِ الثَّوْبِ المَطْوِيِّ أوْ غائِرًا كالبِئْرِ المَطْوِيَّةِ، والبِئْرُ تُسَمّى طَوِيًّا. وسُمِّيَ وادٍ بِظاهِرِ مَكَّةَ (ذا طُوًى) بِتَثْلِيثِ الطّاءِ، وهو مَكانٌ يُسَنُّ لِلْحاجِّ أوِ المُعْتَمِرِ القادِمِ إلى مَكَّةَ أنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَهُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في (طُوى) هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أوْ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوٍ، مِثْلُ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (طُوى) بِلا تَنْوِينٍ عَلى مَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ مُنَوَّنًا، لِأنَّهُ اسْمُ وادٍ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾) أخْبَرَ عَنِ اخْتِيارِ اللَّهِ تَعالى مُوسى بِطَرِيقِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ المُفِيدِ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ، لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ إفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ الحَصْرِ نَحْوَ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ، وهو يُعْطِي الجَزِيلَ. ومُوجِبُ التَّقَوِّي هو غَرابَةُ الخَبَرِ ومُفاجَأتُهُ بِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ في نَفْسِهِ. والِاخْتِيارُ: تَكَلَّفَ طَلَبِ ما هو خَيْرٌ. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ التَّكَلُّفِ في مَعْنى إجادَةِ طَلَبِ الخَيْرِ. صفحة ١٩٩ وفُرِّعَ عَلى الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ أنْ أُمِرَ بِالِاسْتِماعِ لِلْوَحْيِ لِأنَّهُ أثَرَ الِاخْتِيارَ إذْ لا مَعْنى لِلِاخْتِيارِ إلّا اخْتِيارُهُ لِتَلَقِّي ما سَيُوحِي اللَّهُ. والمُرادُ: ما يُوحى إلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ الكَلامِ، وأمّا ما يُوحى إلَيْهِ في مُسْتَقْبَلِ الأيّامِ فَكَوْنُهُ مَأْمُورًا بِاسْتِماعِهِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (وأنّا اخْتَرْناكَ) بِضَمِيرَيِ التَّعْظِيمِ. واللّامُ في (لِما يُوحى) لِلتَّقْوِيَةِ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ اسْتَمِعْ إلى مَفْعُولِهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِ اخْتَرْتُكَ، أيِ اخْتَرْتُكَ لِلْوَحْيِ فاسْتَمِعْ، مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ والمُتَعَلِّقِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ اسْتَمِعْ مَعْنى أصْغِ.

طه 20:12

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوى﴾ ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ . بُنِيَ فِعْلُ النِّداءِ لِلْمَجْهُولِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ إلى اسْتِطْلاعِ القِصَّةِ، فَإبْهامُ المُنادِي يُشَوِّقُ سامِعَ الآيَةِ إلى مَعْرِفَتِهِ فَإذا فاجَأهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) عَلِمَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ كَمالَ التَّمَكُّنِ. ولِأنَّهُ أدْخَلُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّ مُوسى ناداهُ مُنادٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ، فَحُكِيَ نِداؤُهُ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ. صفحة ١٩٦ وجُمْلَةُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (نُودِيَ) . وبِهَذا النِّداءِ عَلِمَ مُوسى أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتادٍ واللَّهُ تَعالى لا يُغَيِّرُ العَوائِدَ الَّتِي قَرَّرَها في الأكْوانِ إلّا لِإرادَةِ الإعْلامِ بِأنَّ لَهُ عِنايَةٌ خاصَّةٌ بِالمُغَيَّرِ، فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ أصْواتًا خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ غَيْرَ صادِرَةٍ عَنْ شَخْصٍ مُشاهَدٍ، ولا مُوَجَّهَةٍ لَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ يَتَوَلّى هو تَبْلِيغَ الكَلامِ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى (﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤])، إذْ عَلِمَ مُوسى أنَّ تِلْكَ الأصْواتِ دالَّةٌ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى. والمُرادُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الأصْواتُ الخارِقَةُ لِلْعادَةِ هو ما نُسَمِّيهِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ. ولَيْسَ الكَلامُ النَّفْسِيُّ هو الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى لِأنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ والتَّعَلُّقِ بِالأسْماعِ. والإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّهُ رَبُّ المُخاطَبِ لِتَسْكِينِ رَوْعَةِ نَفْسِهِ مِن خِطابٍ لا يُرى مُخاطِبُهُ فَإنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرِّفْقُ بِالمَرْبُوبِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لِأجْلِ غَرابَتِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى في مَصْدَرِ هَذا الكَلامِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ (أنِّيَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ باءِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: نُودِيَ بَأنِيَ أنا رَبِّكَ. والتَّأْكِيدُ حاصِلٌ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ عَلى الإعْلامِ بِأنَّهُ رَبُّهُ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ المَكانَ قَدْ حَلَّهُ التَّقْدِيسُ بِإيجادِ كَلامٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ. والخَلْعُ: فَصَلُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ. صفحة ١٩٧ والنَّعْلانِ: جِلْدانِ غَلِيظانِ يُجْعَلانِ تَحْتَ الِرِّجْلِ ويُشَدّانِ بِرِباطٍ مِن جِلْدٍ لِوِقايَةِ الرِّجْلِ ألَمَ المَشْيِ عَلى التُّرابِ والحَصى، وكانَتِ النَّعْلَ تُجْعَلُ عَلى مِثالِ الرِّجْلِ. وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا مِنهُ لِذَلِكَ المَكانِ الَّذِي سَيَسْمَعُ فِيهِ الكَلامَ الإلَهِيَّ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ» . أقُولُ: وفِيهِ أيْضًا زِيادَةُ خُشُوعٍ. وقَدِ اقْتَضى كِلا المَعْنِيِّينِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾) . فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ مُفِيدٌ هُنا التَّعْلِيلَ كَما هو شَأْنُهُ في كُلِّ مَقامٍ لا يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ. وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِن جِهاتٍ فَلا يُؤْخَذُ مِنها حُكْمٌ يَقْتَضِي نَزْعَ النَّعْلِ عِنْدَ الصَّلاةِ. والوادِ: المَفْرَجُ بَيْنَ الجِبالِ والتِّلالِ. وأصْلُهُ بِياءٍ في آخِرِهِ. وكَثُرَ تَخْفِيفُهُ بِحَذْفِ الياءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإذا ثُنِّيَ لَزِمَتْهُ الياءُ يُقالُ: وادِيانِ ولا يُقالُ وادانِ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ يُقالُ: بِوادِيكَ ولا يُقالُ بِوادِكَ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ المُنَزَّهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ونُقَدِّسُ لَكَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيسُ الأمْكِنَةِ يَكُونُ بِما يَحِلُّ فِيها مِنَ الأُمُورِ المُعَظَّمَةِ وهو هُنا حُلُولُ الكَلامِ المُوَجَّهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى طُوًى وهو بِضَمِّ الطّاءِ وبِكَسْرِها، ولَمْ يُقْرَأْ في المَشْهُورِ إلّا بِضَمِّ الطّاءِ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلُ هُدًى، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ طَواهُ مُوسى بِالسَّيْرِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ سَيْرًا، فَيَكُونُ المَعْنى تَعْيِينُ أنَّهُ هو ذَلِكَ الوادِ. صفحة ١٩٨ وأحْسَنُ مِنهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ هو أمْرٌ لِمُوسى بِأنْ يَطْوِيَ الوادِيَ ويَصْعَدَ إلى أعْلاهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُوسى صَعِدَ أعْلى الوادِي. وقِيلَ: هو بِمَعْنى المُقَدَّسِ تَقْدِيسَيْنِ، لِأنَّ الطَّيَّ هو جَعْلُ الثَّوْبِ عَلى شِقَّيْنِ. ويَجِيءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ كِنايَةً عَنِ التَّكْرِيرِ والتَّضْعِيفِ مِثْلَ (﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]) . فالمَعْنى: المُقَدَّسُ تَقْدِيسًا شَدِيدًا. فاسْمُ المَصْدَرِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ، أيِ المُقَدَّسِ تَقْدِيسًا مُضاعَفًا. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ طُوًى اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الأوْدِيَةِ يَكُونُ ضَيِّقًا بِمَنزِلَةِ الثَّوْبِ المَطْوِيِّ أوْ غائِرًا كالبِئْرِ المَطْوِيَّةِ، والبِئْرُ تُسَمّى طَوِيًّا. وسُمِّيَ وادٍ بِظاهِرِ مَكَّةَ (ذا طُوًى) بِتَثْلِيثِ الطّاءِ، وهو مَكانٌ يُسَنُّ لِلْحاجِّ أوِ المُعْتَمِرِ القادِمِ إلى مَكَّةَ أنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَهُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في (طُوى) هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أوْ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوٍ، مِثْلُ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (طُوى) بِلا تَنْوِينٍ عَلى مَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ مُنَوَّنًا، لِأنَّهُ اسْمُ وادٍ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾) أخْبَرَ عَنِ اخْتِيارِ اللَّهِ تَعالى مُوسى بِطَرِيقِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ المُفِيدِ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ، لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ إفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ الحَصْرِ نَحْوَ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ، وهو يُعْطِي الجَزِيلَ. ومُوجِبُ التَّقَوِّي هو غَرابَةُ الخَبَرِ ومُفاجَأتُهُ بِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ في نَفْسِهِ. والِاخْتِيارُ: تَكَلَّفَ طَلَبِ ما هو خَيْرٌ. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ التَّكَلُّفِ في مَعْنى إجادَةِ طَلَبِ الخَيْرِ. صفحة ١٩٩ وفُرِّعَ عَلى الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ أنْ أُمِرَ بِالِاسْتِماعِ لِلْوَحْيِ لِأنَّهُ أثَرَ الِاخْتِيارَ إذْ لا مَعْنى لِلِاخْتِيارِ إلّا اخْتِيارُهُ لِتَلَقِّي ما سَيُوحِي اللَّهُ. والمُرادُ: ما يُوحى إلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ الكَلامِ، وأمّا ما يُوحى إلَيْهِ في مُسْتَقْبَلِ الأيّامِ فَكَوْنُهُ مَأْمُورًا بِاسْتِماعِهِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (وأنّا اخْتَرْناكَ) بِضَمِيرَيِ التَّعْظِيمِ. واللّامُ في (لِما يُوحى) لِلتَّقْوِيَةِ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ اسْتَمِعْ إلى مَفْعُولِهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِ اخْتَرْتُكَ، أيِ اخْتَرْتُكَ لِلْوَحْيِ فاسْتَمِعْ، مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ والمُتَعَلِّقِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ اسْتَمِعْ مَعْنى أصْغِ.

طه 20:13

﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ يا مُوسى﴾ ﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوى﴾ ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ . بُنِيَ فِعْلُ النِّداءِ لِلْمَجْهُولِ زِيادَةً في التَّشْوِيقِ إلى اسْتِطْلاعِ القِصَّةِ، فَإبْهامُ المُنادِي يُشَوِّقُ سامِعَ الآيَةِ إلى مَعْرِفَتِهِ فَإذا فاجَأهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) عَلِمَ أنَّ المُنادِيَ هو اللَّهُ تَعالى فَتَمَكَّنَ في النَّفْسِ كَمالَ التَّمَكُّنِ. ولِأنَّهُ أدْخَلُ في تَصْوِيرِ تِلْكَ الحالَةِ بِأنَّ مُوسى ناداهُ مُنادٍ غَيْرُ مَعْلُومٍ لَهُ، فَحُكِيَ نِداؤُهُ بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ. صفحة ١٩٦ وجُمْلَةُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (نُودِيَ) . وبِهَذا النِّداءِ عَلِمَ مُوسى أنَّ الكَلامَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ كَلامٌ غَيْرُ مُعْتادٍ واللَّهُ تَعالى لا يُغَيِّرُ العَوائِدَ الَّتِي قَرَّرَها في الأكْوانِ إلّا لِإرادَةِ الإعْلامِ بِأنَّ لَهُ عِنايَةٌ خاصَّةٌ بِالمُغَيَّرِ، فاللَّهُ تَعالى خَلَقَ أصْواتًا خَلْقًا غَيْرَ مُعْتادٍ غَيْرَ صادِرَةٍ عَنْ شَخْصٍ مُشاهَدٍ، ولا مُوَجَّهَةٍ لَهُ بِواسِطَةِ مَلَكٍ يَتَوَلّى هو تَبْلِيغَ الكَلامِ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿إنِّيَ أنا رَبُّكَ﴾) ظاهِرٌ في أنَّهُ لَمْ يُبَلِّغْ إلَيْهِ ذَلِكَ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى (﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤])، إذْ عَلِمَ مُوسى أنَّ تِلْكَ الأصْواتِ دالَّةٌ عَلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى. والمُرادُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَيْهِ تِلْكَ الأصْواتُ الخارِقَةُ لِلْعادَةِ هو ما نُسَمِّيهِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ. ولَيْسَ الكَلامُ النَّفْسِيُّ هو الَّذِي سَمِعَهُ مُوسى لِأنَّ الكَلامَ النَّفْسِيَّ صِفَةٌ قائِمَةٌ بِذاتِ اللَّهِ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنِ الحُرُوفِ والأصْواتِ والتَّعَلُّقِ بِالأسْماعِ. والإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِأنَّهُ رَبُّ المُخاطَبِ لِتَسْكِينِ رَوْعَةِ نَفْسِهِ مِن خِطابٍ لا يُرى مُخاطِبُهُ فَإنَّ شَأْنَ الرَّبِّ الرِّفْقُ بِالمَرْبُوبِ. وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِهِ لِأجْلِ غَرابَتِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى في مَصْدَرِ هَذا الكَلامِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ (أنِّيَ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَلى حَذْفِ باءِ الجَرِّ. والتَّقْدِيرُ: نُودِيَ بَأنِيَ أنا رَبِّكَ. والتَّأْكِيدُ حاصِلٌ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ. وتَفْرِيعُ الأمْرِ بِخَلْعِ النَّعْلَيْنِ عَلى الإعْلامِ بِأنَّهُ رَبُّهُ إشارَةً إلى أنَّ ذَلِكَ المَكانَ قَدْ حَلَّهُ التَّقْدِيسُ بِإيجادِ كَلامٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ. والخَلْعُ: فَصَلُ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ كانَ مُتَّصِلًا بِهِ. صفحة ١٩٧ والنَّعْلانِ: جِلْدانِ غَلِيظانِ يُجْعَلانِ تَحْتَ الِرِّجْلِ ويُشَدّانِ بِرِباطٍ مِن جِلْدٍ لِوِقايَةِ الرِّجْلِ ألَمَ المَشْيِ عَلى التُّرابِ والحَصى، وكانَتِ النَّعْلَ تُجْعَلُ عَلى مِثالِ الرِّجْلِ. وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ تَعْظِيمًا مِنهُ لِذَلِكَ المَكانِ الَّذِي سَيَسْمَعُ فِيهِ الكَلامَ الإلَهِيَّ. ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ قالَ: «كانَتْ نَعْلاهُ مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ» . أقُولُ: وفِيهِ أيْضًا زِيادَةُ خُشُوعٍ. وقَدِ اقْتَضى كِلا المَعْنِيِّينِ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾) . فَحَرْفُ التَّوْكِيدِ مُفِيدٌ هُنا التَّعْلِيلَ كَما هو شَأْنُهُ في كُلِّ مَقامٍ لا يَقْتَضِي التَّأْكِيدَ. وهَذِهِ خُصُوصِيَّةٌ مِن جِهاتٍ فَلا يُؤْخَذُ مِنها حُكْمٌ يَقْتَضِي نَزْعَ النَّعْلِ عِنْدَ الصَّلاةِ. والوادِ: المَفْرَجُ بَيْنَ الجِبالِ والتِّلالِ. وأصْلُهُ بِياءٍ في آخِرِهِ. وكَثُرَ تَخْفِيفُهُ بِحَذْفِ الياءِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإذا ثُنِّيَ لَزِمَتْهُ الياءُ يُقالُ: وادِيانِ ولا يُقالُ وادانِ، وكَذَلِكَ إذا أُضِيفَ يُقالُ: بِوادِيكَ ولا يُقالُ بِوادِكَ. والمُقَدَّسُ: المُطَهَّرُ المُنَزَّهُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ونُقَدِّسُ لَكَ في أوَّلِ البَقَرَةِ. وتَقْدِيسُ الأمْكِنَةِ يَكُونُ بِما يَحِلُّ فِيها مِنَ الأُمُورِ المُعَظَّمَةِ وهو هُنا حُلُولُ الكَلامِ المُوَجَّهِ مِن قِبَلِ اللَّهِ تَعالى. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى طُوًى وهو بِضَمِّ الطّاءِ وبِكَسْرِها، ولَمْ يُقْرَأْ في المَشْهُورِ إلّا بِضَمِّ الطّاءِ، فَقِيلَ: اسْمٌ لِذَلِكَ المَكانِ، وقِيلَ: هو اسْمُ مَصْدَرٍ مِثْلُ هُدًى، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ بِمَعْنى اسْمِ المَفْعُولِ، أيْ طَواهُ مُوسى بِالسَّيْرِ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ الَّذِي طَوَيْتَهُ سَيْرًا، فَيَكُونُ المَعْنى تَعْيِينُ أنَّهُ هو ذَلِكَ الوادِ. صفحة ١٩٨ وأحْسَنُ مِنهُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقالَ هو أمْرٌ لِمُوسى بِأنْ يَطْوِيَ الوادِيَ ويَصْعَدَ إلى أعْلاهُ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ مُوسى صَعِدَ أعْلى الوادِي. وقِيلَ: هو بِمَعْنى المُقَدَّسِ تَقْدِيسَيْنِ، لِأنَّ الطَّيَّ هو جَعْلُ الثَّوْبِ عَلى شِقَّيْنِ. ويَجِيءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ تَجْعَلَ التَّثْنِيَةَ كِنايَةً عَنِ التَّكْرِيرِ والتَّضْعِيفِ مِثْلَ (﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]) . فالمَعْنى: المُقَدَّسُ تَقْدِيسًا شَدِيدًا. فاسْمُ المَصْدَرِ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُبَيِّنٌ لِلْعَدَدِ، أيِ المُقَدَّسِ تَقْدِيسًا مُضاعَفًا. والظّاهِرُ عِنْدِي: أنَّ طُوًى اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الأوْدِيَةِ يَكُونُ ضَيِّقًا بِمَنزِلَةِ الثَّوْبِ المَطْوِيِّ أوْ غائِرًا كالبِئْرِ المَطْوِيَّةِ، والبِئْرُ تُسَمّى طَوِيًّا. وسُمِّيَ وادٍ بِظاهِرِ مَكَّةَ (ذا طُوًى) بِتَثْلِيثِ الطّاءِ، وهو مَكانٌ يُسَنُّ لِلْحاجِّ أوِ المُعْتَمِرِ القادِمِ إلى مَكَّةَ أنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَهُ. وقَدِ اخْتُلِفَ في (طُوى) هَلْ يَنْصَرِفُ أوْ يُمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ بِناءً عَلى أنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ أوْ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنْ طاوٍ، مِثْلُ عُمَرَ عَنْ عامِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (طُوى) بِلا تَنْوِينٍ عَلى مَنعِهِ مِنَ الصَّرْفِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ مُنَوَّنًا، لِأنَّهُ اسْمُ وادٍ مُذَكَّرٌ. وقَوْلُهُ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ﴾) أخْبَرَ عَنِ اخْتِيارِ اللَّهِ تَعالى مُوسى بِطَرِيقِ المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ المُفِيدِ تَقْوِيَةَ الحُكْمِ، لِأنَّ المَقامَ لَيْسَ مَقامَ إفادَةِ التَّخْصِيصِ، أيِ الحَصْرِ نَحْوَ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ، وهو يُعْطِي الجَزِيلَ. ومُوجِبُ التَّقَوِّي هو غَرابَةُ الخَبَرِ ومُفاجَأتُهُ بِهِ دَفْعًا لِتَطَرُّقِ الشَّكِّ في نَفْسِهِ. والِاخْتِيارُ: تَكَلَّفَ طَلَبِ ما هو خَيْرٌ. واسْتُعْمِلَتْ صِيغَةُ التَّكَلُّفِ في مَعْنى إجادَةِ طَلَبِ الخَيْرِ. صفحة ١٩٩ وفُرِّعَ عَلى الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ أنْ أُمِرَ بِالِاسْتِماعِ لِلْوَحْيِ لِأنَّهُ أثَرَ الِاخْتِيارَ إذْ لا مَعْنى لِلِاخْتِيارِ إلّا اخْتِيارُهُ لِتَلَقِّي ما سَيُوحِي اللَّهُ. والمُرادُ: ما يُوحى إلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنَ الكَلامِ، وأمّا ما يُوحى إلَيْهِ في مُسْتَقْبَلِ الأيّامِ فَكَوْنُهُ مَأْمُورًا بِاسْتِماعِهِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى. وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (وأنّا اخْتَرْناكَ) بِضَمِيرَيِ التَّعْظِيمِ. واللّامُ في (لِما يُوحى) لِلتَّقْوِيَةِ في تَعْدِيَةِ فِعْلِ اسْتَمِعْ إلى مَفْعُولِهِ، فَيَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِ اخْتَرْتُكَ، أيِ اخْتَرْتُكَ لِلْوَحْيِ فاسْتَمِعْ، مُعْتَرِضًا بَيْنَ الفِعْلِ والمُتَعَلِّقِ بِهِ. ويَجُوزُ أنْ يُضَمَّنَ اسْتَمِعْ مَعْنى أصْغِ.

طه 20:14

﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِيَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . هَذا ”ما يُوحى“ المَأْمُورُ بِاسْتِماعِهِ. فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) بَدَلًا مُطابِقًا. ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِاسْمِهِ العَلَمِ الدّالِّ عَلى الذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. وذَلِكَ أوَّلُ ما يَجِبُ عِلْمَهُ مِن شُئونِ الإلَهِيَّةِ، وهو أنْ يَعْلَمَ الِاسْمَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَمًا عَلَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ لِجَمِيعِ ما سَيُخاطَبُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ المُبَلَّغَةِ عَنْ رَبِّهِمْ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَتَعارَفُ بِهِ المُتَلاقُونَ أنْ يَعْرِفُوا أسْماءَهم. فَأشارَ اللَّهُ إلى أنَّهُ عالِمٌ باسِمِ كَلِيمِهِ وعَلَّمَ كَلِيمَهُ اسْمَهُ، وهو اللَّهُ. صفحة ٢٠٠ وهَذا الِاسْمُ هو عَلَمُ الرَّبِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. واسْمُهُ تَعالى في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ (يَهْوَهْ) أوْ (أهْيَهْ) المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الثّالِثِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في التَّوْراةِ، وفي الإصْحاحِ السّادِسِ. وقَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ في مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ مِثْلِ الإصْحاحِ الحادِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في الفِقْرَةِ السّادِسَةَ عَشَرَةَ. ولَعَلَّهُ مِن تَعْبِيرِ المُتَرْجِمِينَ وأكْثَرُ تَعْبِيرِ التَّوْراةِ إنَّما هو الرَّبُّ أوِ الإلَهُ. ولَفْظُ (أهْيَهْ) أوْ (يَهْوَهْ) قَرِيبُ الحُرُوفِ مِن كَلِمَةِ إلَهٍ في العَرَبِيَّةِ. ويُقالُ: إنَّ اسْمَ الجَلالَةِ في العِبْرانِيَّةِ (لاهم) . ولَعَلَّ المِيمَ في آخِرِهِ هي أصْلُ التَّنْوِينِ في إلَهٍ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِدَفْعِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى، نَزَلَ مَنزِلَةَ الشّاكِّ لِأنَّ غَرابَةَ الخَبَرِ تُعَرِّضُ السّامِعَ لِلشَّكِّ فِيهِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرَ الفَصْلِ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾) لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، ولَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْقَصْرِ، إذْ لا مُقْتَضى لَهُ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ هو المُسَمّى اللَّهُ، فالحَمْلُ حَمْلُ مُواطاةٍ لا حَمْلُ اشْتِقاقٍ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]) . وجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا أنا﴾) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ إنَّ. والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ لِمُوسى بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ؛ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ. والعِبادَةُ تَجْمَعُ مَعْنى العَمَلِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وإخْلاصٍ بِالقَلْبِ. ووَجْهُ التَّفْرِيعِ أنَّ انْفِرادَهُ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي اسْتِحْقاقَهُ أنْ يُعْبَدَ. وخُصَّ مِنَ العِباداتِ بِالذِّكْرِ إقامَةُ الصَّلاةِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَجْمَعُ أحْوالَ العِبادَةِ. وإقامَةُ الصَّلاةِ: إدامَتُها، أيْ عَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْها. صفحة ٢٠١ والذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرَ بِالعَقْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ. واللّامُ في لِذِكْرِي لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِأجْلِ أنْ تَذْكُرَنِي، لِأنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِخالِقِهِ. إذْ يَسْتَشْعِرُ أنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمُناجاتِهِ. فَفي هَذا الكَلامِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ وبِضَمِيمَتِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]) يَظْهَرُ أنَّ التَّقْوى مِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا ذَكَرَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ فَعَلَ ما أمَرَهُ واجْتَنَبَ ما نَهاهُ عَنْهُ واللَّهُ عَرَّفَ مُوسى حِكْمَةَ الصَّلاةِ مُجْمَلَةً وعَرَّفَها مُحَمَّدًا ﷺ مُفَصَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ أيْضًا لِلتَّوْقِيتِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ الوَقْتِ الَّذِي جَعَلْتُهُ لِذِكْرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ الذِّكْرَ اللِّسانِيَّ لِأنَّ ذِكْرَ اللِّسانِ يُحَرِّكُ ذِكْرَ القَلْبِ ويَشْتَمِلُ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ، أيِ الَّذِي عَيَّنْتُهُ لَكَ. فَفي الكَلامِ إيماءٌ إلى ما في أوْقاتِ الصَّلاةِ مِنَ الحِكْمَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ إعْلامٍ بِأصْلٍ ثانٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ بَعْدَ أصْلِ التَّوْحِيدِ، وهو إثْباتُ الجَزاءِ.والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ القِيامَةِ أوْ ساعَةِ الحِسابِ. وجُمْلَةُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السّاعَةِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةٍ وعِلَّتِها. والإخْفاءُ: السَّتْرُ وعَدَمُ الإظْهارِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المَجازُ عَنْ عَدَمِ الإعْلامِ. والمَشْهُورُ في الِاسْتِعْمالِ أنَّ كادَ تَدُّلُ عَلى مُقارَبَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْها، فالفِعْلُ بَعْدَها في حَيِّزِ الِانْتِفاءِ، فَقَوْلُهُ تَعالى صفحة ٢٠٢ (﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]) يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم لِبَدًا غَيْرُ واقِعٍ ولَكِنَّهُ اقْتَرَبَ مِنَ الوُقُوعِ. ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ مَخْفِيَّةَ الوُقُوعِ، أيْ مَخْفِيَّةَ الوَقْتِ، كانَ قَوْلُهُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) غَيْرَ واضِحِ المَقْصُودِ، فاخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أمْثَلُها ثَلاثَةٌ. فَقِيلَ: المُرادُ إخْفاءُ الحَدِيثِ عَنْها، أيْ مِن شِدَّةِ إرادَةِ إخْفاءِ وقْتِها، أيْ يُرادُ تَرْكُ ذِكْرِها ولَعَلَّ تَوْجِيهَ ذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ لَمْ يَزِدْهم تَكَرُّرُ ذِكْرِها في القُرْآنِ إلّا عِنادًا عَلى إنْكارِها. وقِيلَ: وقَعَتْ أكادُ زائِدَةً هُنا بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ (كانَ) في بَعْضِ المَواضِعِ تَأْكِيدًا لِلْإخْفاءِ. والمَقْصُودُ: أنا أُخْفِيها فَلا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً. وتَأوَّلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى أُخْفِيها بِمَعْنى أُظْهِرُها. وقالَ: هَمْزَةُ أُخْفِيها لِلْإزالَةِ مِثْلُ هَمْزَةِ أعْجَمَ الكِتابَ، وأشْكى زَيْدًا، أيْ أُزِيلُ خَفاءَها. والخَفاءُ: ثَوْبٌ تُلَفُّ فِيهِ القِرْبَةُ مُسْتَعارٌ لِلسِّتْرِ. فالمَعْنى: أكادُ أُظْهِرُها، أيْ أُظْهِرُ وُقُوعَها، أيْ وُقُوعُها قَرِيبٌ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن غَرائِبِ اسْتِعْمالِ كادَ فَيُضَمُّ إلى اسْتِعْمالِ نَفْيِها في قَوْلِهِ (﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (لِتُجْزى) يَتَعَلَّقُ بِ (آتِيَةٌ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وهَذا تَعْلِيمٌ بِحِكْمَةِ جَعْلِ يَوْمٍ لِلْجَزاءِ. واللّامُ في (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِ (آتِيَةٌ) . ومَعْنى (بِما تَسْعى) بِما تَعْمَلُ، فَإطْلاقُ السَّعْيِ عَلى العَمَلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]) في سُورَةِ الإسْراءِ. صفحة ٢٠٣ وفُرِّعَ عَلى كَوْنِها آتِيَةً وأنَّها مُخْفاةٌ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَصُدَّهُ عَنِ الإيمانِ بِها قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِها اغْتِرارًا بِتَأخُّرِ ظُهُورِها، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) أوْقَعُ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْفاءَ هو الَّذِي يُشَبِّهُ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ عَلى النّاسِ، قالَ تَعالى (﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]) وقالَ (﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]) . وصِيغَ نَهْيُ مُوسى عَنِ الصَّدِّ عَنْها في صِيغَةِ نَهْيِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالسّاعَةِ عَنْ أنْ يُصَدَّ مُوسى عَنِ الإيمانِ بِها، مُبالَغَةً في نَهْيِ مُوسى عَنْ أدْنى شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، لِأنَّهُ لَمّا وجَّهَ الكَلامَ إلَيْهِ وكانَ النَّهْيُ نَهْيَ غَيْرِ المُؤْمِنِ عَنْ أنْ يَصُدَّ مُوسى، عُلِمَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ مُوسى عَنْ مُلابَسَةِ صَدِّ الكافِرِ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، أيْ لا تَكُنْ لَيِّنَ الشَّكِيمَةِ لِمَن يَصُدَّكَ ولا تُصْغِ إلَيْهِ فَيَكُونُ لِينُكَ لَهُ مُجَرِّئًا إيّاهُ عَلى أنْ يَصُدَّكَ، فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنِ المُسَبَّبِ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا ولا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وزِيادَةُ (﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾) لِلْإيماءِ بِالصِّلَةِ إلى تَعْلِيلِ الصَّدِّ، أيْ لا داعِيَ لَهم لِلصَّدِّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ إلّا اتِّباعَ الهَوى دُونَ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةٍ، بَلِ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الإيمانَ بِالسّاعَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾) . وفُرِّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنْ صُدَّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ رَدِيَ، أيْ هَلَكَ. والهَلاكُ مُسْتَعارٌ لِأسْوَأِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]) في سُورَةِ بَراءَةَ. والتَّفْرِيعُ ناشِئٌ عَلى ارْتِكابِ المَنهِيِّ لا عَلى النَّهْيِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ ولَمْ يَقَعْ بِالجَزاءِ المَجْزُومِ، فَلَمْ يَقُلْ: تَرْدَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ صفحة ٢٠٤ حُلُولِ (إنْ) مَعَ (لا) عِوَضًا عَنِ الجَزاءِ. وذَلِكَ ضابِطُ صِحَّةِ جَزْمِ الجَزاءِ بَعْدَ النَّهْيِ. وقَدْ جاءَ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى كُلِّ حُكْمٍ، وأمْرٍ أوْ نَهْيٍ، فابْتَدَأ بِالإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي يُكَلِّمُهُ هو اللَّهُ، وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ في قَوْلِهِ (﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾)، ثُمَّ عَقَّبَ بِإثْباتِ السّاعَةِ، وعَلَّلَ بِأنَّها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَصُدَّهُ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنِ ارْتَكَبَ ما نُهِيَ عَنْهُ هَلَكَ وخَسِرَ.

طه 20:15

﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِيَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . هَذا ”ما يُوحى“ المَأْمُورُ بِاسْتِماعِهِ. فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) بَدَلًا مُطابِقًا. ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِاسْمِهِ العَلَمِ الدّالِّ عَلى الذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. وذَلِكَ أوَّلُ ما يَجِبُ عِلْمَهُ مِن شُئونِ الإلَهِيَّةِ، وهو أنْ يَعْلَمَ الِاسْمَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَمًا عَلَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ لِجَمِيعِ ما سَيُخاطَبُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ المُبَلَّغَةِ عَنْ رَبِّهِمْ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَتَعارَفُ بِهِ المُتَلاقُونَ أنْ يَعْرِفُوا أسْماءَهم. فَأشارَ اللَّهُ إلى أنَّهُ عالِمٌ باسِمِ كَلِيمِهِ وعَلَّمَ كَلِيمَهُ اسْمَهُ، وهو اللَّهُ. صفحة ٢٠٠ وهَذا الِاسْمُ هو عَلَمُ الرَّبِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. واسْمُهُ تَعالى في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ (يَهْوَهْ) أوْ (أهْيَهْ) المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الثّالِثِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في التَّوْراةِ، وفي الإصْحاحِ السّادِسِ. وقَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ في مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ مِثْلِ الإصْحاحِ الحادِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في الفِقْرَةِ السّادِسَةَ عَشَرَةَ. ولَعَلَّهُ مِن تَعْبِيرِ المُتَرْجِمِينَ وأكْثَرُ تَعْبِيرِ التَّوْراةِ إنَّما هو الرَّبُّ أوِ الإلَهُ. ولَفْظُ (أهْيَهْ) أوْ (يَهْوَهْ) قَرِيبُ الحُرُوفِ مِن كَلِمَةِ إلَهٍ في العَرَبِيَّةِ. ويُقالُ: إنَّ اسْمَ الجَلالَةِ في العِبْرانِيَّةِ (لاهم) . ولَعَلَّ المِيمَ في آخِرِهِ هي أصْلُ التَّنْوِينِ في إلَهٍ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِدَفْعِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى، نَزَلَ مَنزِلَةَ الشّاكِّ لِأنَّ غَرابَةَ الخَبَرِ تُعَرِّضُ السّامِعَ لِلشَّكِّ فِيهِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرَ الفَصْلِ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾) لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، ولَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْقَصْرِ، إذْ لا مُقْتَضى لَهُ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ هو المُسَمّى اللَّهُ، فالحَمْلُ حَمْلُ مُواطاةٍ لا حَمْلُ اشْتِقاقٍ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]) . وجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا أنا﴾) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ إنَّ. والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ لِمُوسى بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ؛ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ. والعِبادَةُ تَجْمَعُ مَعْنى العَمَلِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وإخْلاصٍ بِالقَلْبِ. ووَجْهُ التَّفْرِيعِ أنَّ انْفِرادَهُ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي اسْتِحْقاقَهُ أنْ يُعْبَدَ. وخُصَّ مِنَ العِباداتِ بِالذِّكْرِ إقامَةُ الصَّلاةِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَجْمَعُ أحْوالَ العِبادَةِ. وإقامَةُ الصَّلاةِ: إدامَتُها، أيْ عَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْها. صفحة ٢٠١ والذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرَ بِالعَقْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ. واللّامُ في لِذِكْرِي لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِأجْلِ أنْ تَذْكُرَنِي، لِأنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِخالِقِهِ. إذْ يَسْتَشْعِرُ أنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمُناجاتِهِ. فَفي هَذا الكَلامِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ وبِضَمِيمَتِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]) يَظْهَرُ أنَّ التَّقْوى مِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا ذَكَرَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ فَعَلَ ما أمَرَهُ واجْتَنَبَ ما نَهاهُ عَنْهُ واللَّهُ عَرَّفَ مُوسى حِكْمَةَ الصَّلاةِ مُجْمَلَةً وعَرَّفَها مُحَمَّدًا ﷺ مُفَصَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ أيْضًا لِلتَّوْقِيتِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ الوَقْتِ الَّذِي جَعَلْتُهُ لِذِكْرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ الذِّكْرَ اللِّسانِيَّ لِأنَّ ذِكْرَ اللِّسانِ يُحَرِّكُ ذِكْرَ القَلْبِ ويَشْتَمِلُ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ، أيِ الَّذِي عَيَّنْتُهُ لَكَ. فَفي الكَلامِ إيماءٌ إلى ما في أوْقاتِ الصَّلاةِ مِنَ الحِكْمَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ إعْلامٍ بِأصْلٍ ثانٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ بَعْدَ أصْلِ التَّوْحِيدِ، وهو إثْباتُ الجَزاءِ.والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ القِيامَةِ أوْ ساعَةِ الحِسابِ. وجُمْلَةُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السّاعَةِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةٍ وعِلَّتِها. والإخْفاءُ: السَّتْرُ وعَدَمُ الإظْهارِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المَجازُ عَنْ عَدَمِ الإعْلامِ. والمَشْهُورُ في الِاسْتِعْمالِ أنَّ كادَ تَدُّلُ عَلى مُقارَبَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْها، فالفِعْلُ بَعْدَها في حَيِّزِ الِانْتِفاءِ، فَقَوْلُهُ تَعالى صفحة ٢٠٢ (﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]) يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم لِبَدًا غَيْرُ واقِعٍ ولَكِنَّهُ اقْتَرَبَ مِنَ الوُقُوعِ. ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ مَخْفِيَّةَ الوُقُوعِ، أيْ مَخْفِيَّةَ الوَقْتِ، كانَ قَوْلُهُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) غَيْرَ واضِحِ المَقْصُودِ، فاخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أمْثَلُها ثَلاثَةٌ. فَقِيلَ: المُرادُ إخْفاءُ الحَدِيثِ عَنْها، أيْ مِن شِدَّةِ إرادَةِ إخْفاءِ وقْتِها، أيْ يُرادُ تَرْكُ ذِكْرِها ولَعَلَّ تَوْجِيهَ ذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ لَمْ يَزِدْهم تَكَرُّرُ ذِكْرِها في القُرْآنِ إلّا عِنادًا عَلى إنْكارِها. وقِيلَ: وقَعَتْ أكادُ زائِدَةً هُنا بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ (كانَ) في بَعْضِ المَواضِعِ تَأْكِيدًا لِلْإخْفاءِ. والمَقْصُودُ: أنا أُخْفِيها فَلا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً. وتَأوَّلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى أُخْفِيها بِمَعْنى أُظْهِرُها. وقالَ: هَمْزَةُ أُخْفِيها لِلْإزالَةِ مِثْلُ هَمْزَةِ أعْجَمَ الكِتابَ، وأشْكى زَيْدًا، أيْ أُزِيلُ خَفاءَها. والخَفاءُ: ثَوْبٌ تُلَفُّ فِيهِ القِرْبَةُ مُسْتَعارٌ لِلسِّتْرِ. فالمَعْنى: أكادُ أُظْهِرُها، أيْ أُظْهِرُ وُقُوعَها، أيْ وُقُوعُها قَرِيبٌ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن غَرائِبِ اسْتِعْمالِ كادَ فَيُضَمُّ إلى اسْتِعْمالِ نَفْيِها في قَوْلِهِ (﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (لِتُجْزى) يَتَعَلَّقُ بِ (آتِيَةٌ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وهَذا تَعْلِيمٌ بِحِكْمَةِ جَعْلِ يَوْمٍ لِلْجَزاءِ. واللّامُ في (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِ (آتِيَةٌ) . ومَعْنى (بِما تَسْعى) بِما تَعْمَلُ، فَإطْلاقُ السَّعْيِ عَلى العَمَلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]) في سُورَةِ الإسْراءِ. صفحة ٢٠٣ وفُرِّعَ عَلى كَوْنِها آتِيَةً وأنَّها مُخْفاةٌ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَصُدَّهُ عَنِ الإيمانِ بِها قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِها اغْتِرارًا بِتَأخُّرِ ظُهُورِها، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) أوْقَعُ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْفاءَ هو الَّذِي يُشَبِّهُ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ عَلى النّاسِ، قالَ تَعالى (﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]) وقالَ (﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]) . وصِيغَ نَهْيُ مُوسى عَنِ الصَّدِّ عَنْها في صِيغَةِ نَهْيِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالسّاعَةِ عَنْ أنْ يُصَدَّ مُوسى عَنِ الإيمانِ بِها، مُبالَغَةً في نَهْيِ مُوسى عَنْ أدْنى شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، لِأنَّهُ لَمّا وجَّهَ الكَلامَ إلَيْهِ وكانَ النَّهْيُ نَهْيَ غَيْرِ المُؤْمِنِ عَنْ أنْ يَصُدَّ مُوسى، عُلِمَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ مُوسى عَنْ مُلابَسَةِ صَدِّ الكافِرِ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، أيْ لا تَكُنْ لَيِّنَ الشَّكِيمَةِ لِمَن يَصُدَّكَ ولا تُصْغِ إلَيْهِ فَيَكُونُ لِينُكَ لَهُ مُجَرِّئًا إيّاهُ عَلى أنْ يَصُدَّكَ، فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنِ المُسَبَّبِ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا ولا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وزِيادَةُ (﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾) لِلْإيماءِ بِالصِّلَةِ إلى تَعْلِيلِ الصَّدِّ، أيْ لا داعِيَ لَهم لِلصَّدِّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ إلّا اتِّباعَ الهَوى دُونَ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةٍ، بَلِ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الإيمانَ بِالسّاعَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾) . وفُرِّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنْ صُدَّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ رَدِيَ، أيْ هَلَكَ. والهَلاكُ مُسْتَعارٌ لِأسْوَأِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]) في سُورَةِ بَراءَةَ. والتَّفْرِيعُ ناشِئٌ عَلى ارْتِكابِ المَنهِيِّ لا عَلى النَّهْيِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ ولَمْ يَقَعْ بِالجَزاءِ المَجْزُومِ، فَلَمْ يَقُلْ: تَرْدَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ صفحة ٢٠٤ حُلُولِ (إنْ) مَعَ (لا) عِوَضًا عَنِ الجَزاءِ. وذَلِكَ ضابِطُ صِحَّةِ جَزْمِ الجَزاءِ بَعْدَ النَّهْيِ. وقَدْ جاءَ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى كُلِّ حُكْمٍ، وأمْرٍ أوْ نَهْيٍ، فابْتَدَأ بِالإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي يُكَلِّمُهُ هو اللَّهُ، وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ في قَوْلِهِ (﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾)، ثُمَّ عَقَّبَ بِإثْباتِ السّاعَةِ، وعَلَّلَ بِأنَّها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَصُدَّهُ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنِ ارْتَكَبَ ما نُهِيَ عَنْهُ هَلَكَ وخَسِرَ.

طه 20:16

﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِيَ﴾ ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ . هَذا ”ما يُوحى“ المَأْمُورُ بِاسْتِماعِهِ. فالجُمْلَةُ بَدَلٌ مِن (ما يُوحى) بَدَلًا مُطابِقًا. ووَقَعَ الإخْبارُ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ بِاسْمِهِ العَلَمِ الدّالِّ عَلى الذّاتِ الواجِبِ الوُجُودِ المُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ. وذَلِكَ أوَّلُ ما يَجِبُ عِلْمَهُ مِن شُئونِ الإلَهِيَّةِ، وهو أنْ يَعْلَمَ الِاسْمَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ عَلَمًا عَلَيْهِ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأصْلُ لِجَمِيعِ ما سَيُخاطَبُ بِهِ مِنَ الأحْكامِ المُبَلَّغَةِ عَنْ رَبِّهِمْ. وفِي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَتَعارَفُ بِهِ المُتَلاقُونَ أنْ يَعْرِفُوا أسْماءَهم. فَأشارَ اللَّهُ إلى أنَّهُ عالِمٌ باسِمِ كَلِيمِهِ وعَلَّمَ كَلِيمَهُ اسْمَهُ، وهو اللَّهُ. صفحة ٢٠٠ وهَذا الِاسْمُ هو عَلَمُ الرَّبِّ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. واسْمُهُ تَعالى في اللُّغَةِ العَبْرانِيَّةِ (يَهْوَهْ) أوْ (أهْيَهْ) المَذْكُورُ في الإصْحاحِ الثّالِثِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في التَّوْراةِ، وفي الإصْحاحِ السّادِسِ. وقَدْ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ في مَواضِعَ مِنَ التَّوْراةِ مِثْلِ الإصْحاحِ الحادِي والثَلاثِينَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ في الفِقْرَةِ السّادِسَةَ عَشَرَةَ. ولَعَلَّهُ مِن تَعْبِيرِ المُتَرْجِمِينَ وأكْثَرُ تَعْبِيرِ التَّوْراةِ إنَّما هو الرَّبُّ أوِ الإلَهُ. ولَفْظُ (أهْيَهْ) أوْ (يَهْوَهْ) قَرِيبُ الحُرُوفِ مِن كَلِمَةِ إلَهٍ في العَرَبِيَّةِ. ويُقالُ: إنَّ اسْمَ الجَلالَةِ في العِبْرانِيَّةِ (لاهم) . ولَعَلَّ المِيمَ في آخِرِهِ هي أصْلُ التَّنْوِينِ في إلَهٍ. وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِدَفْعِ الشَّكِّ عَنْ مُوسى، نَزَلَ مَنزِلَةَ الشّاكِّ لِأنَّ غَرابَةَ الخَبَرِ تُعَرِّضُ السّامِعَ لِلشَّكِّ فِيهِ. وتَوْسِيطُ ضَمِيرَ الفَصْلِ بِقَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾) لِزِيادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، ولَيْسَ بِمُفِيدٍ لِلْقَصْرِ، إذْ لا مُقْتَضى لَهُ هُنا لِأنَّ المَقْصُودَ الإخْبارُ بِأنَّ المُتَكَلِّمَ هو المُسَمّى اللَّهُ، فالحَمْلُ حَمْلُ مُواطاةٍ لا حَمْلُ اشْتِقاقٍ. وهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]) . وجُمْلَةُ (﴿لا إلَهَ إلّا أنا﴾) خَبَرٌ ثانٍ عَنِ اسْمِ إنَّ. والمَقْصُودُ مِنهُ حُصُولُ العِلْمِ لِمُوسى بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ فُرِّعَ عَلى ذَلِكَ؛ الأمْرُ بِعِبادَتِهِ. والعِبادَةُ تَجْمَعُ مَعْنى العَمَلِ الدّالِّ عَلى التَّعْظِيمِ مِن قَوْلٍ وفِعْلٍ وإخْلاصٍ بِالقَلْبِ. ووَجْهُ التَّفْرِيعِ أنَّ انْفِرادَهُ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي اسْتِحْقاقَهُ أنْ يُعْبَدَ. وخُصَّ مِنَ العِباداتِ بِالذِّكْرِ إقامَةُ الصَّلاةِ لِأنَّ الصَّلاةَ تَجْمَعُ أحْوالَ العِبادَةِ. وإقامَةُ الصَّلاةِ: إدامَتُها، أيْ عَدَمُ الغَفْلَةِ عَنْها. صفحة ٢٠١ والذِّكْرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّذْكِيرَ بِالعَقْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرَ بِاللِّسانِ. واللّامُ في لِذِكْرِي لِلتَّعْلِيلِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ لِأجْلِ أنْ تَذْكُرَنِي، لِأنَّ الصَّلاةَ تُذَكِّرُ العَبْدَ بِخالِقِهِ. إذْ يَسْتَشْعِرُ أنَّهُ واقِفٌ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ لِمُناجاتِهِ. فَفي هَذا الكَلامِ إيماءٌ إلى حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ وبِضَمِيمَتِهِ إلى قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]) يَظْهَرُ أنَّ التَّقْوى مِن حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ لِأنَّ المُكَلَّفَ إذا ذَكَرَ أمْرَ اللَّهِ ونَهْيَهُ فَعَلَ ما أمَرَهُ واجْتَنَبَ ما نَهاهُ عَنْهُ واللَّهُ عَرَّفَ مُوسى حِكْمَةَ الصَّلاةِ مُجْمَلَةً وعَرَّفَها مُحَمَّدًا ﷺ مُفَصَّلَةً. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ أيْضًا لِلتَّوْقِيتِ، أيْ أقِمِ الصَّلاةَ عِنْدَ الوَقْتِ الَّذِي جَعَلْتُهُ لِذِكْرِي. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الذِّكْرُ الذِّكْرَ اللِّسانِيَّ لِأنَّ ذِكْرَ اللِّسانِ يُحَرِّكُ ذِكْرَ القَلْبِ ويَشْتَمِلُ عَلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ والِاعْتِرافِ بِما لَهُ مِنَ الحَقِّ، أيِ الَّذِي عَيَّنْتُهُ لَكَ. فَفي الكَلامِ إيماءٌ إلى ما في أوْقاتِ الصَّلاةِ مِنَ الحِكْمَةِ. وفي الكَلامِ حَذْفٌ يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ إعْلامٍ بِأصْلٍ ثانٍ مِن أُصُولِ الدِّينِ بَعْدَ أصْلِ التَّوْحِيدِ، وهو إثْباتُ الجَزاءِ.والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ القِيامَةِ أوْ ساعَةِ الحِسابِ. وجُمْلَةُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السّاعَةِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةٍ وعِلَّتِها. والإخْفاءُ: السَّتْرُ وعَدَمُ الإظْهارِ، وأُرِيدَ بِهِ هُنا المَجازُ عَنْ عَدَمِ الإعْلامِ. والمَشْهُورُ في الِاسْتِعْمالِ أنَّ كادَ تَدُّلُ عَلى مُقارَبَةِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُخْبَرِ بِهِ عَنْها، فالفِعْلُ بَعْدَها في حَيِّزِ الِانْتِفاءِ، فَقَوْلُهُ تَعالى صفحة ٢٠٢ (﴿كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]) يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَهم لِبَدًا غَيْرُ واقِعٍ ولَكِنَّهُ اقْتَرَبَ مِنَ الوُقُوعِ. ولَمّا كانَتِ السّاعَةُ مَخْفِيَّةَ الوُقُوعِ، أيْ مَخْفِيَّةَ الوَقْتِ، كانَ قَوْلُهُ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) غَيْرَ واضِحِ المَقْصُودِ، فاخْتَلَفُوا في تَفْسِيرِهِ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ أمْثَلُها ثَلاثَةٌ. فَقِيلَ: المُرادُ إخْفاءُ الحَدِيثِ عَنْها، أيْ مِن شِدَّةِ إرادَةِ إخْفاءِ وقْتِها، أيْ يُرادُ تَرْكُ ذِكْرِها ولَعَلَّ تَوْجِيهَ ذَلِكَ أنَّ المُكَذِّبِينَ بِالسّاعَةِ لَمْ يَزِدْهم تَكَرُّرُ ذِكْرِها في القُرْآنِ إلّا عِنادًا عَلى إنْكارِها. وقِيلَ: وقَعَتْ أكادُ زائِدَةً هُنا بِمَنزِلَةِ زِيادَةِ (كانَ) في بَعْضِ المَواضِعِ تَأْكِيدًا لِلْإخْفاءِ. والمَقْصُودُ: أنا أُخْفِيها فَلا تَأْتِي إلّا بَغْتَةً. وتَأوَّلَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ مَعْنى أُخْفِيها بِمَعْنى أُظْهِرُها. وقالَ: هَمْزَةُ أُخْفِيها لِلْإزالَةِ مِثْلُ هَمْزَةِ أعْجَمَ الكِتابَ، وأشْكى زَيْدًا، أيْ أُزِيلُ خَفاءَها. والخَفاءُ: ثَوْبٌ تُلَفُّ فِيهِ القِرْبَةُ مُسْتَعارٌ لِلسِّتْرِ. فالمَعْنى: أكادُ أُظْهِرُها، أيْ أُظْهِرُ وُقُوعَها، أيْ وُقُوعُها قَرِيبٌ. وهَذِهِ الآيَةُ مِن غَرائِبِ اسْتِعْمالِ كادَ فَيُضَمُّ إلى اسْتِعْمالِ نَفْيِها في قَوْلِهِ (﴿وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ (لِتُجْزى) يَتَعَلَّقُ بِ (آتِيَةٌ) وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. وهَذا تَعْلِيمٌ بِحِكْمَةِ جَعْلِ يَوْمٍ لِلْجَزاءِ. واللّامُ في (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ﴾) مُتَعَلِّقٌ بِ (آتِيَةٌ) . ومَعْنى (بِما تَسْعى) بِما تَعْمَلُ، فَإطْلاقُ السَّعْيِ عَلى العَمَلِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ (﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها﴾ [الإسراء: ١٩]) في سُورَةِ الإسْراءِ. صفحة ٢٠٣ وفُرِّعَ عَلى كَوْنِها آتِيَةً وأنَّها مُخْفاةٌ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَصُدَّهُ عَنِ الإيمانِ بِها قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ بِوُقُوعِها اغْتِرارًا بِتَأخُّرِ ظُهُورِها، فالتَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ (﴿أكادُ أُخْفِيها﴾) أوْقَعُ لِأنَّ ذَلِكَ الإخْفاءَ هو الَّذِي يُشَبِّهُ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ عَلى النّاسِ، قالَ تَعالى (﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]) وقالَ (﴿وإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢]) . وصِيغَ نَهْيُ مُوسى عَنِ الصَّدِّ عَنْها في صِيغَةِ نَهْيِ مَن لا يُؤْمِنُ بِالسّاعَةِ عَنْ أنْ يُصَدَّ مُوسى عَنِ الإيمانِ بِها، مُبالَغَةً في نَهْيِ مُوسى عَنْ أدْنى شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، لِأنَّهُ لَمّا وجَّهَ الكَلامَ إلَيْهِ وكانَ النَّهْيُ نَهْيَ غَيْرِ المُؤْمِنِ عَنْ أنْ يَصُدَّ مُوسى، عُلِمَ أنَّ المُرادَ نَهْيُ مُوسى عَنْ مُلابَسَةِ صَدِّ الكافِرِ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ، أيْ لا تَكُنْ لَيِّنَ الشَّكِيمَةِ لِمَن يَصُدَّكَ ولا تُصْغِ إلَيْهِ فَيَكُونُ لِينُكَ لَهُ مُجَرِّئًا إيّاهُ عَلى أنْ يَصُدَّكَ، فَوَقَعَ النَّهْيُ عَنِ المُسَبَّبِ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنِ السَّبَبِ، وهَذا الأُسْلُوبُ مِن قَبِيلِ قَوْلِهِمْ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا ولا أرَيَنَّكَ هاهُنا. وزِيادَةُ (﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾) لِلْإيماءِ بِالصِّلَةِ إلى تَعْلِيلِ الصَّدِّ، أيْ لا داعِيَ لَهم لِلصَّدِّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ إلّا اتِّباعَ الهَوى دُونَ دَلِيلٍ ولا شُبْهَةٍ، بَلِ الدَّلِيلُ يَقْتَضِي الإيمانَ بِالسّاعَةِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾) . وفُرِّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنْ صُدَّ عَنِ الإيمانِ بِالسّاعَةِ رَدِيَ، أيْ هَلَكَ. والهَلاكُ مُسْتَعارٌ لِأسْوَأِ الحالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢]) في سُورَةِ بَراءَةَ. والتَّفْرِيعُ ناشِئٌ عَلى ارْتِكابِ المَنهِيِّ لا عَلى النَّهْيِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ ولَمْ يَقَعْ بِالجَزاءِ المَجْزُومِ، فَلَمْ يَقُلْ: تَرْدَ، لِعَدَمِ صِحَّةِ صفحة ٢٠٤ حُلُولِ (إنْ) مَعَ (لا) عِوَضًا عَنِ الجَزاءِ. وذَلِكَ ضابِطُ صِحَّةِ جَزْمِ الجَزاءِ بَعْدَ النَّهْيِ. وقَدْ جاءَ خِطابُ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ عَلى كُلِّ حُكْمٍ، وأمْرٍ أوْ نَهْيٍ، فابْتَدَأ بِالإعْلامِ بِأنَّ الَّذِي يُكَلِّمُهُ هو اللَّهُ، وأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ الأمْرَ في قَوْلِهِ (﴿فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾)، ثُمَّ عَقَّبَ بِإثْباتِ السّاعَةِ، وعَلَّلَ بِأنَّها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى، ثُمَّ فَرَّعَ عَلَيْهِ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَصُدَّهُ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى النَّهْيِ أنَّهُ إنِ ارْتَكَبَ ما نُهِيَ عَنْهُ هَلَكَ وخَسِرَ.

طه 20:17

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِي فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ . بَقِيَّةُ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها انْتِقالًا إلى مُحاوَرَةٍ أرادَ اللَّهُ مِنها أنْ يُرِيَ مُوسى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ؛ وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً تَأْكُلُ الحَيّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَها. وإبْرازُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً في خِلالِ المُحاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسى، ودَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأنَّ مَشاهِدَ الخَوارِقِ تُسارِعُ بِالنَّفْسِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى تَأْوِيلِها وتُدْخِلُ صفحة ٢٠٥ عَلَيْها الشَّكَّ في إمْكانِ اسْتِتارِ المُعْتادِ بِساتِرٍ خَفِيٍّ أوْ تَخْيِيلٍ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِسُؤالِهِ عَمّا بِيَدِهِ لِيُوقِنَ أنَّهُ مُمْسِكٌ بِعَصاهُ حَتّى إذا انْقَلَبَتْ حَيَّةً لَمْ يَشُكَّ في أنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ هي الَّتِي كانَتْ عَصاهُ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ بِأنَّهُ في مَقامِ الِاصْطِفاءِ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ مُتَكَلِّمٍ مُعْتادٍ ولا في صُورَةِ المُعْتادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]) . فَظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ أُشِيرَ إلَيْهِ، وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ وهو قَوْلُهُ بِيَمِينِكَ، ووَقَعَ الظَّرْفُ حالًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ما تِلْكَ حالُ كَوْنِها بِيَمِينِكَ ؟ . فَفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ أمْرٍ غَرِيبٍ في شَأْنِها، ولِذَلِكَ أجابَ مُوسى عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِبَيانِ ماهِيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ جَرْيًا عَلى الظّاهِرِ، وبِبَيانِ بَعْضِ مَنافِعِها اسْتِقْصاءً لِمُرادِ السّائِلِ أنْ يَكُونَ قَدْ سَألَ عَنْ وجْهِ اتِّخاذِهِ العَصا بِيَدِهِ لِأنَّ شَأْنَ الواضِحاتِ أنْ لا يُسْألَ عَنْها إلّا والسّائِلُ يُرِيدُ مِن سُؤالِهِ أمْرًا غَيْرَ ظاهِرٍ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟ سَكَتَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَقالَ: ألَيْسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ؟ . . إلى آخِرِهِ. فابْتَدَأ مُوسى بِبَيانِ الماهِيَةِ بِأُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِانْكِشافِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ، وتَوَقَّعَ أنَّ السُّؤالَ عَنْهُ تَوَسُّلٌ لِتَطَلُّبِ بَيانٍ وراءَهُ، فَقالَ: هي عَصايَ، بِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، مَعَ أنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ حَذْفُهُ في مَقامِ السُّؤالِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ في الجَوابِ بِوُقُوعِهِ مَسْئُولًا صفحة ٢٠٦ عَنْهُ، فَكانَ الإيجازُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: عَصايَ. فَلَمّا قالَ هي عَصايَ كانَ الأُسْلُوبُ أُسْلُوبَ كَلامِ مَن يَتَعَجَّبُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الإخْبارِ، كَما يَقُولُ سائِلٌ لَمّا رَأى رَجُلًا يَعْرِفُهُ وآخَرَ لا يَعْرِفُهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ. فُلانٌ، فَإذا لَقِيَهُما مَرَّةً أُخْرى وسَألَهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ أجابَهُ: هو فُلانٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ مُوسى جَوابَهُ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنِ اتِّخاذِها لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ هو قَصْدُ السّائِلِ فَقالَ: (﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾) . فَفَصَّلَ ثُمَّ أجْمَلَ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ اقْتِناعِ السّائِلِ حَتّى إذا اسْتَزادَهُ بَيانًا زادَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِيَمِينِكَ لِلظَّرْفِيَّةِ أوِ المُلابَسَةِ. والتَّوَكُّؤُ: الِاعْتِمادُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَتاعِ، والِاتِّكاءُ كَذَلِكَ، فَلا يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى الحائِطِ ولَكِنْ يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى وِسادَةٍ، وتَوَكَّأ عَلى عَصًا. والهَشُّ: الخَبْطُ، وهو ضَرْبُ الشَّجَرَةِ بِعَصًا لِيَتَساقَطَ ورَقُها، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ عَيْنُهُ في المُضارِعِ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وعُدِّيَ إلى ما لِأجْلِهِ يُوقَعُ الهَشُّ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (أهُشُّ) مَعْنى أُسْقِطُ عَلى غَنَمِي الوَرَقَ فَتَأْكُلُهُ، أوِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَقَوْلِهِمْ: هو وكِيلٌ عَلى فُلانٍ. ومَآرِبُ: جَمَعُ مَأْرَبَةٍ، مُثَلَّثُ الرّاءِ: الحاجَةُ، أيْ أُمُورٌ أحْتاجُ إلَيْها. وفي العَصا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ رُوِيَ بَعْضُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أفْرَدَ الجاحِظُ مِن كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ بابًا لِمَنافِعِ العَصا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: هو خَيْرُ مَن تُفارِقُ العَصا. ومِن لَطائِفِ مَعْنى الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أنَّ مُوسى أطْنَبَ في جَوابِهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما في السُّؤالِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيفٍ يَنْبَغِي فِيهِ طُولُ الحَدِيثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ) حِكايَةٌ لِقَوْلِ مُوسى بِمُماثِلِهِ، فَيَكُونُ إيجازًا بَعْدَ الإطْنابِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ مِن ذِكْرِ فَوائِدِ صفحة ٢٠٧ العَصا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ مُوسى بِحاصِلِ مَعْناهُ، أيْ عَدَّ مَنافِعَ أُخْرى، فالإيجازُ مِن نَظْمِ القُرْآنِ لا مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والضَّمِيرُ المُشْتَرَكُ في (﴿قالَ ألْقِها﴾) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤])؛ دَعا إلى الِالتِفاتِ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ حِوارًا مَعَ قَوْلِ مُوسى هي عَصايَ. . إلَخْ. وقَوْلُهُ ألْقِها يَتَّضِحُ بِهِ أنَّ السُّؤالَ كانَ ذَرِيعَةً إلى غَرَضٍ سَيَأْتِي، وهو القَرِينَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ كالَّذِي يَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٨٣]) . والحَيَّةُ: اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الحَنَشِ مَسْمُومٍ إذا عَضَّ بِنابَيْهِ قَتَلَ المَعْضُوضَ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ. ووَصْفُ الحَيَّةِ بِ (تَسْعى) لِإظْهارِ أنَّ الحَياةَ فِيها كانَتْ كامِلَةً بِالمَشْيِ الشَّدِيدِ. والسَّعْيُ: المَشْيُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ، ولِذَلِكَ خُصَّ غالِبًا بِمَشْيِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (﴿قالَ خُذْها﴾) بِدُونِ عَطْفٍ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ المُحاوَرَةِ. والسِّيرَةُ في الأصْلِ: هَيْئَةُ السَّيْرِ، وأُطْلِقَتْ عَلى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، وانْتَصَبَ سِيرَتُها بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً، أيْ سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والغَرَضُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِمُوسى أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَصا تَطَبَّعَتْ بِالِانْقِلابِ حَيَّةً، فَيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُناظَرَةِ السَّحَرَةِ لِئَلّا يَحْتاجَ حِينَئِذٍ إلى وحْيٍ.

طه 20:18

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِي فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ . بَقِيَّةُ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها انْتِقالًا إلى مُحاوَرَةٍ أرادَ اللَّهُ مِنها أنْ يُرِيَ مُوسى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ؛ وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً تَأْكُلُ الحَيّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَها. وإبْرازُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً في خِلالِ المُحاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسى، ودَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأنَّ مَشاهِدَ الخَوارِقِ تُسارِعُ بِالنَّفْسِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى تَأْوِيلِها وتُدْخِلُ صفحة ٢٠٥ عَلَيْها الشَّكَّ في إمْكانِ اسْتِتارِ المُعْتادِ بِساتِرٍ خَفِيٍّ أوْ تَخْيِيلٍ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِسُؤالِهِ عَمّا بِيَدِهِ لِيُوقِنَ أنَّهُ مُمْسِكٌ بِعَصاهُ حَتّى إذا انْقَلَبَتْ حَيَّةً لَمْ يَشُكَّ في أنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ هي الَّتِي كانَتْ عَصاهُ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ بِأنَّهُ في مَقامِ الِاصْطِفاءِ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ مُتَكَلِّمٍ مُعْتادٍ ولا في صُورَةِ المُعْتادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]) . فَظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ أُشِيرَ إلَيْهِ، وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ وهو قَوْلُهُ بِيَمِينِكَ، ووَقَعَ الظَّرْفُ حالًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ما تِلْكَ حالُ كَوْنِها بِيَمِينِكَ ؟ . فَفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ أمْرٍ غَرِيبٍ في شَأْنِها، ولِذَلِكَ أجابَ مُوسى عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِبَيانِ ماهِيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ جَرْيًا عَلى الظّاهِرِ، وبِبَيانِ بَعْضِ مَنافِعِها اسْتِقْصاءً لِمُرادِ السّائِلِ أنْ يَكُونَ قَدْ سَألَ عَنْ وجْهِ اتِّخاذِهِ العَصا بِيَدِهِ لِأنَّ شَأْنَ الواضِحاتِ أنْ لا يُسْألَ عَنْها إلّا والسّائِلُ يُرِيدُ مِن سُؤالِهِ أمْرًا غَيْرَ ظاهِرٍ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟ سَكَتَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَقالَ: ألَيْسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ؟ . . إلى آخِرِهِ. فابْتَدَأ مُوسى بِبَيانِ الماهِيَةِ بِأُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِانْكِشافِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ، وتَوَقَّعَ أنَّ السُّؤالَ عَنْهُ تَوَسُّلٌ لِتَطَلُّبِ بَيانٍ وراءَهُ، فَقالَ: هي عَصايَ، بِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، مَعَ أنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ حَذْفُهُ في مَقامِ السُّؤالِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ في الجَوابِ بِوُقُوعِهِ مَسْئُولًا صفحة ٢٠٦ عَنْهُ، فَكانَ الإيجازُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: عَصايَ. فَلَمّا قالَ هي عَصايَ كانَ الأُسْلُوبُ أُسْلُوبَ كَلامِ مَن يَتَعَجَّبُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الإخْبارِ، كَما يَقُولُ سائِلٌ لَمّا رَأى رَجُلًا يَعْرِفُهُ وآخَرَ لا يَعْرِفُهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ. فُلانٌ، فَإذا لَقِيَهُما مَرَّةً أُخْرى وسَألَهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ أجابَهُ: هو فُلانٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ مُوسى جَوابَهُ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنِ اتِّخاذِها لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ هو قَصْدُ السّائِلِ فَقالَ: (﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾) . فَفَصَّلَ ثُمَّ أجْمَلَ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ اقْتِناعِ السّائِلِ حَتّى إذا اسْتَزادَهُ بَيانًا زادَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِيَمِينِكَ لِلظَّرْفِيَّةِ أوِ المُلابَسَةِ. والتَّوَكُّؤُ: الِاعْتِمادُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَتاعِ، والِاتِّكاءُ كَذَلِكَ، فَلا يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى الحائِطِ ولَكِنْ يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى وِسادَةٍ، وتَوَكَّأ عَلى عَصًا. والهَشُّ: الخَبْطُ، وهو ضَرْبُ الشَّجَرَةِ بِعَصًا لِيَتَساقَطَ ورَقُها، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ عَيْنُهُ في المُضارِعِ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وعُدِّيَ إلى ما لِأجْلِهِ يُوقَعُ الهَشُّ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (أهُشُّ) مَعْنى أُسْقِطُ عَلى غَنَمِي الوَرَقَ فَتَأْكُلُهُ، أوِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَقَوْلِهِمْ: هو وكِيلٌ عَلى فُلانٍ. ومَآرِبُ: جَمَعُ مَأْرَبَةٍ، مُثَلَّثُ الرّاءِ: الحاجَةُ، أيْ أُمُورٌ أحْتاجُ إلَيْها. وفي العَصا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ رُوِيَ بَعْضُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أفْرَدَ الجاحِظُ مِن كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ بابًا لِمَنافِعِ العَصا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: هو خَيْرُ مَن تُفارِقُ العَصا. ومِن لَطائِفِ مَعْنى الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أنَّ مُوسى أطْنَبَ في جَوابِهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما في السُّؤالِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيفٍ يَنْبَغِي فِيهِ طُولُ الحَدِيثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ) حِكايَةٌ لِقَوْلِ مُوسى بِمُماثِلِهِ، فَيَكُونُ إيجازًا بَعْدَ الإطْنابِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ مِن ذِكْرِ فَوائِدِ صفحة ٢٠٧ العَصا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ مُوسى بِحاصِلِ مَعْناهُ، أيْ عَدَّ مَنافِعَ أُخْرى، فالإيجازُ مِن نَظْمِ القُرْآنِ لا مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والضَّمِيرُ المُشْتَرَكُ في (﴿قالَ ألْقِها﴾) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤])؛ دَعا إلى الِالتِفاتِ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ حِوارًا مَعَ قَوْلِ مُوسى هي عَصايَ. . إلَخْ. وقَوْلُهُ ألْقِها يَتَّضِحُ بِهِ أنَّ السُّؤالَ كانَ ذَرِيعَةً إلى غَرَضٍ سَيَأْتِي، وهو القَرِينَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ كالَّذِي يَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٨٣]) . والحَيَّةُ: اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الحَنَشِ مَسْمُومٍ إذا عَضَّ بِنابَيْهِ قَتَلَ المَعْضُوضَ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ. ووَصْفُ الحَيَّةِ بِ (تَسْعى) لِإظْهارِ أنَّ الحَياةَ فِيها كانَتْ كامِلَةً بِالمَشْيِ الشَّدِيدِ. والسَّعْيُ: المَشْيُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ، ولِذَلِكَ خُصَّ غالِبًا بِمَشْيِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (﴿قالَ خُذْها﴾) بِدُونِ عَطْفٍ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ المُحاوَرَةِ. والسِّيرَةُ في الأصْلِ: هَيْئَةُ السَّيْرِ، وأُطْلِقَتْ عَلى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، وانْتَصَبَ سِيرَتُها بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً، أيْ سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والغَرَضُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِمُوسى أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَصا تَطَبَّعَتْ بِالِانْقِلابِ حَيَّةً، فَيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُناظَرَةِ السَّحَرَةِ لِئَلّا يَحْتاجَ حِينَئِذٍ إلى وحْيٍ.

طه 20:19

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِي فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ . بَقِيَّةُ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها انْتِقالًا إلى مُحاوَرَةٍ أرادَ اللَّهُ مِنها أنْ يُرِيَ مُوسى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ؛ وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً تَأْكُلُ الحَيّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَها. وإبْرازُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً في خِلالِ المُحاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسى، ودَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأنَّ مَشاهِدَ الخَوارِقِ تُسارِعُ بِالنَّفْسِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى تَأْوِيلِها وتُدْخِلُ صفحة ٢٠٥ عَلَيْها الشَّكَّ في إمْكانِ اسْتِتارِ المُعْتادِ بِساتِرٍ خَفِيٍّ أوْ تَخْيِيلٍ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِسُؤالِهِ عَمّا بِيَدِهِ لِيُوقِنَ أنَّهُ مُمْسِكٌ بِعَصاهُ حَتّى إذا انْقَلَبَتْ حَيَّةً لَمْ يَشُكَّ في أنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ هي الَّتِي كانَتْ عَصاهُ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ بِأنَّهُ في مَقامِ الِاصْطِفاءِ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ مُتَكَلِّمٍ مُعْتادٍ ولا في صُورَةِ المُعْتادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]) . فَظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ أُشِيرَ إلَيْهِ، وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ وهو قَوْلُهُ بِيَمِينِكَ، ووَقَعَ الظَّرْفُ حالًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ما تِلْكَ حالُ كَوْنِها بِيَمِينِكَ ؟ . فَفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ أمْرٍ غَرِيبٍ في شَأْنِها، ولِذَلِكَ أجابَ مُوسى عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِبَيانِ ماهِيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ جَرْيًا عَلى الظّاهِرِ، وبِبَيانِ بَعْضِ مَنافِعِها اسْتِقْصاءً لِمُرادِ السّائِلِ أنْ يَكُونَ قَدْ سَألَ عَنْ وجْهِ اتِّخاذِهِ العَصا بِيَدِهِ لِأنَّ شَأْنَ الواضِحاتِ أنْ لا يُسْألَ عَنْها إلّا والسّائِلُ يُرِيدُ مِن سُؤالِهِ أمْرًا غَيْرَ ظاهِرٍ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟ سَكَتَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَقالَ: ألَيْسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ؟ . . إلى آخِرِهِ. فابْتَدَأ مُوسى بِبَيانِ الماهِيَةِ بِأُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِانْكِشافِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ، وتَوَقَّعَ أنَّ السُّؤالَ عَنْهُ تَوَسُّلٌ لِتَطَلُّبِ بَيانٍ وراءَهُ، فَقالَ: هي عَصايَ، بِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، مَعَ أنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ حَذْفُهُ في مَقامِ السُّؤالِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ في الجَوابِ بِوُقُوعِهِ مَسْئُولًا صفحة ٢٠٦ عَنْهُ، فَكانَ الإيجازُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: عَصايَ. فَلَمّا قالَ هي عَصايَ كانَ الأُسْلُوبُ أُسْلُوبَ كَلامِ مَن يَتَعَجَّبُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الإخْبارِ، كَما يَقُولُ سائِلٌ لَمّا رَأى رَجُلًا يَعْرِفُهُ وآخَرَ لا يَعْرِفُهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ. فُلانٌ، فَإذا لَقِيَهُما مَرَّةً أُخْرى وسَألَهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ أجابَهُ: هو فُلانٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ مُوسى جَوابَهُ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنِ اتِّخاذِها لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ هو قَصْدُ السّائِلِ فَقالَ: (﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾) . فَفَصَّلَ ثُمَّ أجْمَلَ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ اقْتِناعِ السّائِلِ حَتّى إذا اسْتَزادَهُ بَيانًا زادَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِيَمِينِكَ لِلظَّرْفِيَّةِ أوِ المُلابَسَةِ. والتَّوَكُّؤُ: الِاعْتِمادُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَتاعِ، والِاتِّكاءُ كَذَلِكَ، فَلا يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى الحائِطِ ولَكِنْ يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى وِسادَةٍ، وتَوَكَّأ عَلى عَصًا. والهَشُّ: الخَبْطُ، وهو ضَرْبُ الشَّجَرَةِ بِعَصًا لِيَتَساقَطَ ورَقُها، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ عَيْنُهُ في المُضارِعِ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وعُدِّيَ إلى ما لِأجْلِهِ يُوقَعُ الهَشُّ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (أهُشُّ) مَعْنى أُسْقِطُ عَلى غَنَمِي الوَرَقَ فَتَأْكُلُهُ، أوِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَقَوْلِهِمْ: هو وكِيلٌ عَلى فُلانٍ. ومَآرِبُ: جَمَعُ مَأْرَبَةٍ، مُثَلَّثُ الرّاءِ: الحاجَةُ، أيْ أُمُورٌ أحْتاجُ إلَيْها. وفي العَصا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ رُوِيَ بَعْضُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أفْرَدَ الجاحِظُ مِن كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ بابًا لِمَنافِعِ العَصا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: هو خَيْرُ مَن تُفارِقُ العَصا. ومِن لَطائِفِ مَعْنى الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أنَّ مُوسى أطْنَبَ في جَوابِهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما في السُّؤالِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيفٍ يَنْبَغِي فِيهِ طُولُ الحَدِيثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ) حِكايَةٌ لِقَوْلِ مُوسى بِمُماثِلِهِ، فَيَكُونُ إيجازًا بَعْدَ الإطْنابِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ مِن ذِكْرِ فَوائِدِ صفحة ٢٠٧ العَصا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ مُوسى بِحاصِلِ مَعْناهُ، أيْ عَدَّ مَنافِعَ أُخْرى، فالإيجازُ مِن نَظْمِ القُرْآنِ لا مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والضَّمِيرُ المُشْتَرَكُ في (﴿قالَ ألْقِها﴾) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤])؛ دَعا إلى الِالتِفاتِ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ حِوارًا مَعَ قَوْلِ مُوسى هي عَصايَ. . إلَخْ. وقَوْلُهُ ألْقِها يَتَّضِحُ بِهِ أنَّ السُّؤالَ كانَ ذَرِيعَةً إلى غَرَضٍ سَيَأْتِي، وهو القَرِينَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ كالَّذِي يَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٨٣]) . والحَيَّةُ: اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الحَنَشِ مَسْمُومٍ إذا عَضَّ بِنابَيْهِ قَتَلَ المَعْضُوضَ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ. ووَصْفُ الحَيَّةِ بِ (تَسْعى) لِإظْهارِ أنَّ الحَياةَ فِيها كانَتْ كامِلَةً بِالمَشْيِ الشَّدِيدِ. والسَّعْيُ: المَشْيُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ، ولِذَلِكَ خُصَّ غالِبًا بِمَشْيِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (﴿قالَ خُذْها﴾) بِدُونِ عَطْفٍ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ المُحاوَرَةِ. والسِّيرَةُ في الأصْلِ: هَيْئَةُ السَّيْرِ، وأُطْلِقَتْ عَلى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، وانْتَصَبَ سِيرَتُها بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً، أيْ سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والغَرَضُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِمُوسى أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَصا تَطَبَّعَتْ بِالِانْقِلابِ حَيَّةً، فَيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُناظَرَةِ السَّحَرَةِ لِئَلّا يَحْتاجَ حِينَئِذٍ إلى وحْيٍ.

طه 20:20

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِي فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ . بَقِيَّةُ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها انْتِقالًا إلى مُحاوَرَةٍ أرادَ اللَّهُ مِنها أنْ يُرِيَ مُوسى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ؛ وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً تَأْكُلُ الحَيّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَها. وإبْرازُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً في خِلالِ المُحاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسى، ودَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأنَّ مَشاهِدَ الخَوارِقِ تُسارِعُ بِالنَّفْسِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى تَأْوِيلِها وتُدْخِلُ صفحة ٢٠٥ عَلَيْها الشَّكَّ في إمْكانِ اسْتِتارِ المُعْتادِ بِساتِرٍ خَفِيٍّ أوْ تَخْيِيلٍ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِسُؤالِهِ عَمّا بِيَدِهِ لِيُوقِنَ أنَّهُ مُمْسِكٌ بِعَصاهُ حَتّى إذا انْقَلَبَتْ حَيَّةً لَمْ يَشُكَّ في أنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ هي الَّتِي كانَتْ عَصاهُ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ بِأنَّهُ في مَقامِ الِاصْطِفاءِ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ مُتَكَلِّمٍ مُعْتادٍ ولا في صُورَةِ المُعْتادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]) . فَظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ أُشِيرَ إلَيْهِ، وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ وهو قَوْلُهُ بِيَمِينِكَ، ووَقَعَ الظَّرْفُ حالًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ما تِلْكَ حالُ كَوْنِها بِيَمِينِكَ ؟ . فَفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ أمْرٍ غَرِيبٍ في شَأْنِها، ولِذَلِكَ أجابَ مُوسى عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِبَيانِ ماهِيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ جَرْيًا عَلى الظّاهِرِ، وبِبَيانِ بَعْضِ مَنافِعِها اسْتِقْصاءً لِمُرادِ السّائِلِ أنْ يَكُونَ قَدْ سَألَ عَنْ وجْهِ اتِّخاذِهِ العَصا بِيَدِهِ لِأنَّ شَأْنَ الواضِحاتِ أنْ لا يُسْألَ عَنْها إلّا والسّائِلُ يُرِيدُ مِن سُؤالِهِ أمْرًا غَيْرَ ظاهِرٍ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟ سَكَتَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَقالَ: ألَيْسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ؟ . . إلى آخِرِهِ. فابْتَدَأ مُوسى بِبَيانِ الماهِيَةِ بِأُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِانْكِشافِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ، وتَوَقَّعَ أنَّ السُّؤالَ عَنْهُ تَوَسُّلٌ لِتَطَلُّبِ بَيانٍ وراءَهُ، فَقالَ: هي عَصايَ، بِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، مَعَ أنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ حَذْفُهُ في مَقامِ السُّؤالِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ في الجَوابِ بِوُقُوعِهِ مَسْئُولًا صفحة ٢٠٦ عَنْهُ، فَكانَ الإيجازُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: عَصايَ. فَلَمّا قالَ هي عَصايَ كانَ الأُسْلُوبُ أُسْلُوبَ كَلامِ مَن يَتَعَجَّبُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الإخْبارِ، كَما يَقُولُ سائِلٌ لَمّا رَأى رَجُلًا يَعْرِفُهُ وآخَرَ لا يَعْرِفُهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ. فُلانٌ، فَإذا لَقِيَهُما مَرَّةً أُخْرى وسَألَهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ أجابَهُ: هو فُلانٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ مُوسى جَوابَهُ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنِ اتِّخاذِها لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ هو قَصْدُ السّائِلِ فَقالَ: (﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾) . فَفَصَّلَ ثُمَّ أجْمَلَ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ اقْتِناعِ السّائِلِ حَتّى إذا اسْتَزادَهُ بَيانًا زادَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِيَمِينِكَ لِلظَّرْفِيَّةِ أوِ المُلابَسَةِ. والتَّوَكُّؤُ: الِاعْتِمادُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَتاعِ، والِاتِّكاءُ كَذَلِكَ، فَلا يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى الحائِطِ ولَكِنْ يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى وِسادَةٍ، وتَوَكَّأ عَلى عَصًا. والهَشُّ: الخَبْطُ، وهو ضَرْبُ الشَّجَرَةِ بِعَصًا لِيَتَساقَطَ ورَقُها، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ عَيْنُهُ في المُضارِعِ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وعُدِّيَ إلى ما لِأجْلِهِ يُوقَعُ الهَشُّ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (أهُشُّ) مَعْنى أُسْقِطُ عَلى غَنَمِي الوَرَقَ فَتَأْكُلُهُ، أوِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَقَوْلِهِمْ: هو وكِيلٌ عَلى فُلانٍ. ومَآرِبُ: جَمَعُ مَأْرَبَةٍ، مُثَلَّثُ الرّاءِ: الحاجَةُ، أيْ أُمُورٌ أحْتاجُ إلَيْها. وفي العَصا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ رُوِيَ بَعْضُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أفْرَدَ الجاحِظُ مِن كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ بابًا لِمَنافِعِ العَصا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: هو خَيْرُ مَن تُفارِقُ العَصا. ومِن لَطائِفِ مَعْنى الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أنَّ مُوسى أطْنَبَ في جَوابِهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما في السُّؤالِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيفٍ يَنْبَغِي فِيهِ طُولُ الحَدِيثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ) حِكايَةٌ لِقَوْلِ مُوسى بِمُماثِلِهِ، فَيَكُونُ إيجازًا بَعْدَ الإطْنابِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ مِن ذِكْرِ فَوائِدِ صفحة ٢٠٧ العَصا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ مُوسى بِحاصِلِ مَعْناهُ، أيْ عَدَّ مَنافِعَ أُخْرى، فالإيجازُ مِن نَظْمِ القُرْآنِ لا مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والضَّمِيرُ المُشْتَرَكُ في (﴿قالَ ألْقِها﴾) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤])؛ دَعا إلى الِالتِفاتِ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ حِوارًا مَعَ قَوْلِ مُوسى هي عَصايَ. . إلَخْ. وقَوْلُهُ ألْقِها يَتَّضِحُ بِهِ أنَّ السُّؤالَ كانَ ذَرِيعَةً إلى غَرَضٍ سَيَأْتِي، وهو القَرِينَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ كالَّذِي يَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٨٣]) . والحَيَّةُ: اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الحَنَشِ مَسْمُومٍ إذا عَضَّ بِنابَيْهِ قَتَلَ المَعْضُوضَ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ. ووَصْفُ الحَيَّةِ بِ (تَسْعى) لِإظْهارِ أنَّ الحَياةَ فِيها كانَتْ كامِلَةً بِالمَشْيِ الشَّدِيدِ. والسَّعْيُ: المَشْيُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ، ولِذَلِكَ خُصَّ غالِبًا بِمَشْيِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (﴿قالَ خُذْها﴾) بِدُونِ عَطْفٍ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ المُحاوَرَةِ. والسِّيرَةُ في الأصْلِ: هَيْئَةُ السَّيْرِ، وأُطْلِقَتْ عَلى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، وانْتَصَبَ سِيرَتُها بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً، أيْ سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والغَرَضُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِمُوسى أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَصا تَطَبَّعَتْ بِالِانْقِلابِ حَيَّةً، فَيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُناظَرَةِ السَّحَرَةِ لِئَلّا يَحْتاجَ حِينَئِذٍ إلى وحْيٍ.

طه 20:21

﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هي عَصايَ أتَوَكَّؤُا عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِي فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ ﴿قالَ ألْقِها يا مُوسى﴾ ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ﴿قالَ خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ . بَقِيَّةُ ما نُودِيَ بِهِ مُوسى. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ قَبْلَها انْتِقالًا إلى مُحاوَرَةٍ أرادَ اللَّهُ مِنها أنْ يُرِيَ مُوسى كَيْفِيَّةَ الِاسْتِدْلالِ عَلى المُرْسَلِ إلَيْهِمْ بِالمُعْجِزَةِ العَظِيمَةِ؛ وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً تَأْكُلُ الحَيّاتِ الَّتِي يُظْهِرُونَها. وإبْرازُ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً في خِلالِ المُحاوَرَةِ لِقَصْدِ تَثْبِيتِ مُوسى، ودَفْعِ الشَّكِّ عَنْ أنْ يَتَطَرَّقَهُ لَوْ أمَرَهُ بِذَلِكَ دُونَ تَجْرِبَةٍ لِأنَّ مَشاهِدَ الخَوارِقِ تُسارِعُ بِالنَّفْسِ بادِئَ ذِي بَدْءٍ إلى تَأْوِيلِها وتُدْخِلُ صفحة ٢٠٥ عَلَيْها الشَّكَّ في إمْكانِ اسْتِتارِ المُعْتادِ بِساتِرٍ خَفِيٍّ أوْ تَخْيِيلٍ، فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِسُؤالِهِ عَمّا بِيَدِهِ لِيُوقِنَ أنَّهُ مُمْسِكٌ بِعَصاهُ حَتّى إذا انْقَلَبَتْ حَيَّةً لَمْ يَشُكَّ في أنَّ تِلْكَ الحَيَّةَ هي الَّتِي كانَتْ عَصاهُ. فالِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في تَحْقِيقِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ. والقَصْدُ مِن ذَلِكَ زِيادَةُ اطْمِئْنانِ قَلْبِهِ بِأنَّهُ في مَقامِ الِاصْطِفاءِ، وأنَّ الكَلامَ الَّذِي سَمِعَهُ كَلامٌ مِن قِبَلِ اللَّهِ بِدُونِ واسِطَةِ مُتَكَلِّمٍ مُعْتادٍ ولا في صُورَةِ المُعْتادِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ [طه: ٢٣]) . فَظاهِرُ الِاسْتِفْهامِ أنَّهُ سُؤالٌ عَنْ شَيْءٍ أُشِيرَ إلَيْهِ، وبُيِّنَتِ الإشارَةُ بِالظَّرْفِ المُسْتَقِرِّ وهو قَوْلُهُ بِيَمِينِكَ، ووَقَعَ الظَّرْفُ حالًا مِنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ ما تِلْكَ حالُ كَوْنِها بِيَمِينِكَ ؟ . فَفِي هَذا إيماءٌ إلى أنَّ السُّؤالَ عَنْ أمْرٍ غَرِيبٍ في شَأْنِها، ولِذَلِكَ أجابَ مُوسى عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ بِبَيانِ ماهِيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ جَرْيًا عَلى الظّاهِرِ، وبِبَيانِ بَعْضِ مَنافِعِها اسْتِقْصاءً لِمُرادِ السّائِلِ أنْ يَكُونَ قَدْ سَألَ عَنْ وجْهِ اتِّخاذِهِ العَصا بِيَدِهِ لِأنَّ شَأْنَ الواضِحاتِ أنْ لا يُسْألَ عَنْها إلّا والسّائِلُ يُرِيدُ مِن سُؤالِهِ أمْرًا غَيْرَ ظاهِرٍ، ولِذَلِكَ لَمّا قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ: أيُّ يَوْمٍ هَذا ؟ سَكَتَ النّاسُ وظَنُّوا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. وفي رِوايَةٍ أنَّهم قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَقالَ: ألَيْسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ؟ . . إلى آخِرِهِ. فابْتَدَأ مُوسى بِبَيانِ الماهِيَةِ بِأُسْلُوبٍ يُؤْذِنُ بِانْكِشافِ حَقِيقَةِ المَسْئُولِ عَنْهُ، وتَوَقَّعَ أنَّ السُّؤالَ عَنْهُ تَوَسُّلٌ لِتَطَلُّبِ بَيانٍ وراءَهُ، فَقالَ: هي عَصايَ، بِذِكْرِ المُسْنَدِ إلَيْهِ، مَعَ أنَّ غالِبَ الِاسْتِعْمالِ حَذْفُهُ في مَقامِ السُّؤالِ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِهِ في الجَوابِ بِوُقُوعِهِ مَسْئُولًا صفحة ٢٠٦ عَنْهُ، فَكانَ الإيجازُ يَقْتَضِي أنْ يَقُولَ: عَصايَ. فَلَمّا قالَ هي عَصايَ كانَ الأُسْلُوبُ أُسْلُوبَ كَلامِ مَن يَتَعَجَّبُ مِنَ الِاحْتِياجِ إلى الإخْبارِ، كَما يَقُولُ سائِلٌ لَمّا رَأى رَجُلًا يَعْرِفُهُ وآخَرَ لا يَعْرِفُهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ فَيَقُولُ. فُلانٌ، فَإذا لَقِيَهُما مَرَّةً أُخْرى وسَألَهُ: مَن هَذا مَعَكَ ؟ أجابَهُ: هو فُلانٌ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ مُوسى جَوابَهُ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنِ اتِّخاذِها لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ هو قَصْدُ السّائِلِ فَقالَ: (﴿أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾) . فَفَصَّلَ ثُمَّ أجْمَلَ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ اقْتِناعِ السّائِلِ حَتّى إذا اسْتَزادَهُ بَيانًا زادَهُ. والباءُ في قَوْلِهِ بِيَمِينِكَ لِلظَّرْفِيَّةِ أوِ المُلابَسَةِ. والتَّوَكُّؤُ: الِاعْتِمادُ عَلى شَيْءٍ مِنَ المَتاعِ، والِاتِّكاءُ كَذَلِكَ، فَلا يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى الحائِطِ ولَكِنْ يُقالُ: تَوَكَّأ عَلى وِسادَةٍ، وتَوَكَّأ عَلى عَصًا. والهَشُّ: الخَبْطُ، وهو ضَرْبُ الشَّجَرَةِ بِعَصًا لِيَتَساقَطَ ورَقُها، وأصْلُهُ مُتَعَدٍّ إلى الشَّجَرَةِ فَلِذَلِكَ ضُمَّتْ عَيْنُهُ في المُضارِعِ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ مَفْعُولِهِ وعُدِّيَ إلى ما لِأجْلِهِ يُوقَعُ الهَشُّ بِ (عَلى) لِتَضْمِينِ (أهُشُّ) مَعْنى أُسْقِطُ عَلى غَنَمِي الوَرَقَ فَتَأْكُلُهُ، أوِ اسْتُعْمِلَتْ عَلى بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ كَقَوْلِهِمْ: هو وكِيلٌ عَلى فُلانٍ. ومَآرِبُ: جَمَعُ مَأْرَبَةٍ، مُثَلَّثُ الرّاءِ: الحاجَةُ، أيْ أُمُورٌ أحْتاجُ إلَيْها. وفي العَصا مَنافِعُ كَثِيرَةٌ رُوِيَ بَعْضُها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدْ أفْرَدَ الجاحِظُ مِن كِتابِ البَيانِ والتَّبْيِينِ بابًا لِمَنافِعِ العَصا. ومِن أمْثالِ العَرَبِ: هو خَيْرُ مَن تُفارِقُ العَصا. ومِن لَطائِفِ مَعْنى الآيَةِ ما أشارَ إلَيْهِ بَعْضُ الأُدَباءِ مِن أنَّ مُوسى أطْنَبَ في جَوابِهِ بِزِيادَةٍ عَلى ما في السُّؤالِ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ تَشْرِيفٍ يَنْبَغِي فِيهِ طُولُ الحَدِيثِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ (﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ ) حِكايَةٌ لِقَوْلِ مُوسى بِمُماثِلِهِ، فَيَكُونُ إيجازًا بَعْدَ الإطْنابِ، وكانَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ مِن ذِكْرِ فَوائِدِ صفحة ٢٠٧ العَصا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِ مُوسى بِحاصِلِ مَعْناهُ، أيْ عَدَّ مَنافِعَ أُخْرى، فالإيجازُ مِن نَظْمِ القُرْآنِ لا مِن كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . والضَّمِيرُ المُشْتَرَكُ في (﴿قالَ ألْقِها﴾) عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ مِنَ التَّكَلُّمِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنَّنِيَ أنا اللَّهُ﴾ [طه: ١٤])؛ دَعا إلى الِالتِفاتِ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ حِوارًا مَعَ قَوْلِ مُوسى هي عَصايَ. . إلَخْ. وقَوْلُهُ ألْقِها يَتَّضِحُ بِهِ أنَّ السُّؤالَ كانَ ذَرِيعَةً إلى غَرَضٍ سَيَأْتِي، وهو القَرِينَةُ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ في قَوْلِهِ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾) مُسْتَعْمَلٌ في التَّنْبِيهِ إلى أهَمِّيَّةِ المَسْئُولِ عَنْهُ كالَّذِي يَجِيءُ في قَوْلِهِ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٨٣]) . والحَيَّةُ: اسْمٌ لِصِنْفٍ مِنَ الحَنَشِ مَسْمُومٍ إذا عَضَّ بِنابَيْهِ قَتَلَ المَعْضُوضَ، ويُطْلَقُ عَلى الذَّكَرِ. ووَصْفُ الحَيَّةِ بِ (تَسْعى) لِإظْهارِ أنَّ الحَياةَ فِيها كانَتْ كامِلَةً بِالمَشْيِ الشَّدِيدِ. والسَّعْيُ: المَشْيُ الَّذِي فِيهِ شِدَّةٌ، ولِذَلِكَ خُصَّ غالِبًا بِمَشْيِ الرَّجُلِ دُونَ المَرْأةِ. وأُعِيدَ فِعْلُ (﴿قالَ خُذْها﴾) بِدُونِ عَطْفٍ لِوُقُوعِهِ في سِياقِ المُحاوَرَةِ. والسِّيرَةُ في الأصْلِ: هَيْئَةُ السَّيْرِ، وأُطْلِقَتْ عَلى العادَةِ والطَّبِيعَةِ، وانْتَصَبَ سِيرَتُها بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ سَنُعِيدُها إلى سِيرَتِها الأُولى الَّتِي كانَتْ قَبْلَ أنْ تَنْقَلِبَ حَيَّةً، أيْ سَنُعِيدُها عَصًا كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةٍ. والغَرَضُ مِن إظْهارِ ذَلِكَ لِمُوسى أنْ يَعْرِفَ أنَّ العَصا تَطَبَّعَتْ بِالِانْقِلابِ حَيَّةً، فَيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ عِنْدَ مُناظَرَةِ السَّحَرَةِ لِئَلّا يَحْتاجَ حِينَئِذٍ إلى وحْيٍ.

طه 20:22

صفحة ٢٠٨ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . هَذِهِ مُعْجِزَةٌ أُخْرى عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها حَتّى إذا تَحَدّى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عَمِلَ مِثْلَ ذَلِكَ أمامَ السَّحَرَةِ. فَهَذا تَمْرِينٌ عَلى مُعْجِزَةٍ ثانِيَةٍ مُتَّحِدُ الغَرَضِ مَعَ إلْقاءِ العَصا. والجَناحُ: العَضُدُ وما تَحْتَهُ إلى الإبِطِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِجَناحِ الطّائِرِ. والضَّمُّ: الإلْصاقُ، أيْ ألْصِقْ يَدَكَ اليُمْنى الَّتِي كُنْتَ مُمْسِكًا بِها العَصا. وكَيْفِيَّةُ إلْصاقِها بِجَناحِهِ أنْ تُباشِرَ جِلْدَ جَناحِهِ بِأنْ يُدْخِلَها في جَيْبِ قَمِيصِهِ حَتّى تَماسَّ بَشَرَةَ جَنْبِهِ، كَما في آيَةِ سُورَةِ سُلَيْمانَ (﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]) . جَعَلَ اللَّهُ تَغَيُّرَ لَوْنِ جِلْدِ يَدِهِ عِنْدَ مُماسَّتِها جَناحَهُ تَشْرِيفًا لِأكْثَرِ ما يُناسِبُ مِن أجْزاءِ جِسْمِهِ بِالفِعْلِ والِانْفِعالِ. وبَيْضاءُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ)، ومِن غَيْرِ سُوءٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ بَيْضاءَ. ومَعْنى (﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾) مِن غَيْرِ مَرَضٍ مِثْلِ البَرَصِ والبَهَقِ بِأنْ تَصِيرَ بَيْضاءَ ثُمَّ تَعُودَ إلى لَوْنِها المُماثِلِ لَوْنَ بَقِيَّةِ بَشَرَتِهِ. وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ) . والتَّعْلِيلُ في قَوْلِهِ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾) راجِعٌ إلى قَوْلِهِ (﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾)، فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (تَخْرُجْ) لِأنَّهُ في مَعْنى نَجْعَلُها (بَيْضاءَ) فَتَخْرُجُ بَيْضاءَ أوْ نُخْرِجُها لَكَ بَيْضاءَ. وهَذا التَّعْلِيلُ راجِعٌ إلى تَكْرِيرِ صفحة ٢٠٩ الآيَةِ، أيْ كَرَّرْنا الآياتِ لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا فَتَعْلَمَ قُدْرَتَنا عَلى غَيْرِها، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ لِنُرِيَكَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ألْقِها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ (﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾) وما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا. ومِن آياتِنا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ (نُرِيَكَ)، فَتَكُونُ مِن فِيها اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ عَلى رَأْيِ التَفْتازانِيِّ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويَسِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ هُنا. والكُبْرى صِفَةٌ لِ (آياتِنا) . والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ الماهِيَّةِ. أيْ آياتِنا القَوِيَّةِ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا أوْ عَلى أنّا أرْسَلْناكَ.

طه 20:23

صفحة ٢٠٨ ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى﴾ ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ . هَذِهِ مُعْجِزَةٌ أُخْرى عَلَّمَهُ اللَّهُ إيّاها حَتّى إذا تَحَدّى فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ عَمِلَ مِثْلَ ذَلِكَ أمامَ السَّحَرَةِ. فَهَذا تَمْرِينٌ عَلى مُعْجِزَةٍ ثانِيَةٍ مُتَّحِدُ الغَرَضِ مَعَ إلْقاءِ العَصا. والجَناحُ: العَضُدُ وما تَحْتَهُ إلى الإبِطِ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِجَناحِ الطّائِرِ. والضَّمُّ: الإلْصاقُ، أيْ ألْصِقْ يَدَكَ اليُمْنى الَّتِي كُنْتَ مُمْسِكًا بِها العَصا. وكَيْفِيَّةُ إلْصاقِها بِجَناحِهِ أنْ تُباشِرَ جِلْدَ جَناحِهِ بِأنْ يُدْخِلَها في جَيْبِ قَمِيصِهِ حَتّى تَماسَّ بَشَرَةَ جَنْبِهِ، كَما في آيَةِ سُورَةِ سُلَيْمانَ (﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ [النمل: ١٢]) . جَعَلَ اللَّهُ تَغَيُّرَ لَوْنِ جِلْدِ يَدِهِ عِنْدَ مُماسَّتِها جَناحَهُ تَشْرِيفًا لِأكْثَرِ ما يُناسِبُ مِن أجْزاءِ جِسْمِهِ بِالفِعْلِ والِانْفِعالِ. وبَيْضاءُ حالٌ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ)، ومِن غَيْرِ سُوءٍ حالٌ مِن ضَمِيرِ بَيْضاءَ. ومَعْنى (﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾) مِن غَيْرِ مَرَضٍ مِثْلِ البَرَصِ والبَهَقِ بِأنْ تَصِيرَ بَيْضاءَ ثُمَّ تَعُودَ إلى لَوْنِها المُماثِلِ لَوْنَ بَقِيَّةِ بَشَرَتِهِ. وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ (تَخْرُجْ) . والتَّعْلِيلُ في قَوْلِهِ (﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾) راجِعٌ إلى قَوْلِهِ (﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ﴾)، فاللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِ (تَخْرُجْ) لِأنَّهُ في مَعْنى نَجْعَلُها (بَيْضاءَ) فَتَخْرُجُ بَيْضاءَ أوْ نُخْرِجُها لَكَ بَيْضاءَ. وهَذا التَّعْلِيلُ راجِعٌ إلى تَكْرِيرِ صفحة ٢٠٩ الآيَةِ، أيْ كَرَّرْنا الآياتِ لِنُرِيَكَ بَعْضَ آياتِنا فَتَعْلَمَ قُدْرَتَنا عَلى غَيْرِها، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ لِنُرِيَكَ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ألْقِها وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. وقَوْلُهُ (﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾) وما بَعْدَهُ، وتَقْدِيرُ المَحْذُوفِ: فَعَلْنا ذَلِكَ لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا. ومِن آياتِنا في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِ (نُرِيَكَ)، فَتَكُونُ مِن فِيها اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ عَلى رَأْيِ التَفْتازانِيِّ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، ويَسِيرُ إلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ هُنا. والكُبْرى صِفَةٌ لِ (آياتِنا) . والكِبَرُ: مُسْتَعارٌ لِقُوَّةِ الماهِيَّةِ. أيْ آياتِنا القَوِيَّةِ الدَّلالَةِ عَلى قُدْرَتِنا أوْ عَلى أنّا أرْسَلْناكَ.

طه 20:24

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:25

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:26

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:27

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:28

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:29

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:30

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:31

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:32

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:33

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:34

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:35

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:36

﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ﴿ويَسِّرْ لِيَ أمْرِي﴾ ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ قَدْ أُوتِيَتْ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ . لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ لَهُ الآيَتَيْنِ فَعَلِمَ بِذَلِكَ أنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمَرَهُ اللَّهُ بِالأمْرِ العَظِيمِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يُدْخِلَ الرَّوْعَ في نَفْسِ المَأْمُورِ بِهِ وهو مُواجَهَةُ أعْظَمِ مُلُوكِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ بِالمَوْعِظَةِ ومُكاشَفَتُهُ بِفَسادِ حالِهِ، وقَدْ جاءَ في الآياتِ الآتِيَةِ صفحة ٢١٠ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ [طه: ٤٥]) . والذَّهابُ المَأْمُورُ بِهِ ذَهابٌ خاصٌّ، قَدْ فَهِمَهُ مُوسى مِن مُقَدِّماتِ الإخْبارِ بِاخْتِيارِهِ، وإظْهارِ المُعْجِزاتِ لَهُ، أوْ صَرَّحَ لَهُ بِهِ وطَوى ذِكْرَهُ هُنا عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، عَلى أنَّ التَّعْلِيلَ الواقِعَ بَعْدُ يُنْبِئُ بِهِ. فَجُمْلَةُ (﴿إنَّهُ طَغى﴾) تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالذَّهابِ إلَيْهِ، وإنَّما صَلُحَتْ لِلتَّعْلِيلِ لِأنَّ المُرادَ ذَهابٌ خاصٌّ، وهو إبْلاغُ ما أمَرَ اللَّهُ بِإبْلاغِهِ إلَيْهِ مِن تَغَيُّرِهِ عَمّا هو عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ. ولَمّا عَلِمَ مُوسى ذَلِكَ لَمْ يُبادِرْ بِالمُراجَعَةِ في الخَوْفِ مِن ظُلْمِ فِرْعَوْنَ، بَلْ تَلَقّى الأمْرَ وسَألَ اللَّهَ الإعانَةَ عَلَيْهِ، بِما يَئُولُ إلى رَباطَةِ جَأْشِهِ وخَلْقِ الأسْبابِ الَّتِي تُعِينُهُ عَلى تَبْلِيغِهِ، وإعْطائِهِ فَصاحَةَ القَوْلِ لِلْإسْراعِ بِالإقْناعِ بِالحُجَّةِ. وحُكِيَ جَوابُ مُوسى عَنْ كَلامِ الرَّبِّ بِفِعْلِ القَوْلِ غَيْرِ مَعْطُوفٍ جَرْيًا عَلى طَرِيقَةِ المُحاوَراتِ. ورَتَّبَ مُوسى الأشْياءَ المَسْئُولَةَ في كَلامِهِ عَلى حَسْبِ تَرْتِيبِها في الواقِعِ عَلى الأصْلِ في تَرْتِيبِ الكَلامِ ما لَمْ يَكُنْ مُقْتَضٍ لِلْعَدْلِ عَنْهُ. فالشَّرْحُ، حَقِيقَتُهُ: تَقْطِيعُ ظاهِرِ شَيْءٍ لَيِّنٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإزالَةِ ما في نَفْسِ الإنْسانِ مِن خَواطِرَ تُكَدِّرُهُ أوْ تُوجِبُ تَرَدُّدَهُ في الإقْدامِ عَلى عَمَلٍ ما تَشْبِيهًا بِتَشْرِيحِ اللَّحْمِ بِجامِعِ التَّوْسِعَةِ. والقَلْبُ: يُرادُ بِهِ في كَلامِهِمُ العَقْلُ فالمَعْنى: أزِلْ عَنْ فِكْرِي الخَوْفَ ونَحْوَهُ، مِمّا يَعْتَرِضُ الإنْسانَ مِن عَقَباتٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِانْتِفاعِ بِإقْدامِهِ وعَزامَتِهِ، وذَلِكَ مِنَ العُسْرِ، فَسَألَ تَيْسِيرَ أمْرِهِ، أيْ إزالَةَ المَوانِعِ الحافَّةِ بِما كُلِّفَ بِهِ. صفحة ٢١١ والأمْرُ هُنا: الشَّأْنُ، وإضافَةُ (أمْرِ) إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ لِإفادَةِ مَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِ وهو أمْرُ الرِّسالَةِ كَما في قَوْلِهِ الآتِي (﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾) . والتَّيْسِيرُ: جَعْلُ الشَّيْءِ يَسِيرًا، أيْ ذا يُسْرٍ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]) في البَقَرَةِ. ثُمَّ سَألَ سَلامَةَ آلَةِ التَّبْلِيغِ وهو اللِّسانُ بِأنْ يَرْزُقَهُ فَصاحَةَ التَّعْبِيرِ والمَقْدِرَةَ عَلى أداءِ مُرادِهِ بِأوْضَحِ عِبارَةً، فَشَبَّهَ حُبْسَةَ اللِّسانِ بِالعُقْدَةِ في الحَبْلِ أوِ الخَيْطِ ونَحْوِهِما لِأنَّها تَمْنَعُ سُرْعَةَ اسْتِعْمالِهِ. والعُقْدَةُ: مَوْضِعُ رَبْطِ بَعْضِ الخَيْطِ أوِ الحَبْلِ بِبَعْضٍ آخَرَ مِنهُ، وهي بِزِنَةِ فُعْلَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَقِصَّةٍ وغَرْفَةٍ، أُطْلِقَتْ عَلى عُسْرِ النُّطْقِ بِالكَلامِ أوْ بِبَعْضِ الحُرُوفِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ لِعَدَمِ تَصَرُّفِ اللِّسانِ عِنْدَ النُّطْقِ بِالكَلِمَةِ وهي اسْتِعارَةٌ مُصَرِّحَةٌ، ويُقالُ لَها حُبْسَةٌ. يُقالُ: عَقِدَ اللِّسانُ كَفَرِحَ، فَهو أعْقَدُ إذا كانَ لا يُبِينُ الكَلامَ. واسْتَعارَ لِإزالَتِها فِعْلَ الحِلِّ المُناسِبِ العُقْدَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ. وزِيادَةُ (لِي) بَعْدَ (اشْرَحْ) وبَعْدَ (يَسِّرْ) إطْنابٌ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ المِفْتاحِ لِأنَّ الكَلامَ مُفِيدٌ بِدُونِهِ. ولَكِنْ سُلِكَ الإطْنابُ لِما تُفِيدُهُ اللّامُ مِن مَعْنى العِلَّةِ، أيِ اشْرَحْ صَدْرِي لِأجْلِي ويَسِّرْ أمْرِي لِأجْلِي، وهي اللّامُ المُلَقَّبَةُ لامَ التَّبْيِينِ الَّتِي تُفِيدُ تَقْوِيَةَ البَيانِ، فَإنَّ قَوْلَهُ (صَدْرِي وأمْرِي) واضِحٌ أنَّ الشَّرْحَ والتَّيْسِيرَ مُتَعَلِّقانِ بِهِ فَكانَ قَوْلُهُ (لِي) فِيها زِيادَةَ بَيانٍ كَقَوْلِهِ (﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]) وهو هُنا ضَرْبٌ مِنَ الإلْحاحِ في الدُّعاءِ لِنَفْسِهِ. وأمّا تَقْدِيمُ هَذا المَجْرُورِ عَلى مُتَعَلِّقِهِ فَلِيَحْصُلَ الإجْمالُ ثُمَّ التَّفْصِيلُ فَيُفِيدُ مَفادَ التَّأْكِيدِ مِن أجْلِ تَكَرُّرِ الإسْنادِ. صفحة ٢١٢ ولَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ (﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾) لِأنَّ ذَلِكَ سُؤالٌ يَرْجِعُ إلى رِسالَةِ اللَّهِ إلى فِرْعَوْنَ فَلَيْسَتْ فائِدَتُها راجِعَةً إلَيْهِ حَتّى يَأْتِيَ لَها بِلامِ التَّبْيِينِ. وتَنْكِيرُ عُقْدَةً لِلتَّعْظِيمِ، أيْ عُقْدَةً شَدِيدَةً. ومِن لِسانِي صِفَةٌ لِ ”عُقْدَةً“ . وعَدَلَ عَنْ أنْ يَقُولَ: عُقْدَةَ لِسانِي، بِالإضافَةِ لِيَتَأتّى التَّنْكِيرُ المُشْعِرُ بِأنَّها عُقْدَةٌ شَدِيدَةٌ. وفِعْلُ (يَفْقَهُوا) مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ عَلى الطَّرِيقَةِ المُتَّبَعَةِ في القُرْآنِ مِن جَعْلِ الشَّيْءِ المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ الحاصِلِ عَقِبَ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]) أيْ أنْ نَقُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، أيْ شَأْنُهُمُ الِامْتِثالُ. والفِقْهُ: الفَهْمُ. والوَزِيرُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِن وازَرَ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، مِثْلُ حَكِيمٍ مِن أحْكَمَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، وهو المَعُونَةُ، والمُؤازَرَةُ كَذَلِكَ، والكُلُّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأزْرِ، أيِ الظَّهْرِ، كَما سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَحَقُّهُ أنْ يَكُونَ أزِيرًا بِالهَمْزَةِ إلّا أنَّهم قَلَبُوا هَمْزَتَهُ واوًا حَمْلًا عَلى مُوازِرٍ الَّذِي هو بِمَعْناهُ الَّذِي قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا لِانْضِمامِ ما قَبْلَها. فَلَمّا كَثُرَ في الكَلامِ قَوْلُهم: مُوازِرٌ ويُوازِرُ بِالواوِ نَطَقُوا بِنَظِيرِهِ في المَعْنى بِالواوِ بِدُونِ مُوجِبٍ لِلْقَلْبِ إلّا الحَمْلُ عَلى النَّظِيرِ في النُّطْقِ، أيِ اعْتِيادِ النُّطْقِ بِهَمْزَتِهِ واوًا، أيِ اجْعَلْ مُعِينًا مِن أهْلِي. وخَصَّ هارُونَ لِفَرْطِ ثِقَتِهِ بِهِ ولِأنَّهُ كانَ فَصِيحَ اللِّسانِ مِقْوالًا، فَكَوْنُهُ مِن أهْلِهِ مَظِنَّةُ النُّصْحِ لَهُ، وكَوْنُهُ أخاهُ أقْوى في المُناصَحَةِ، وكَوْنُهُ الأخَ الخاصَّ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ بِأصالَةِ الرَّأْيِ. وجُمْلَةُ (﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾) عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِصِيغَةِ الأمْرِ في فِعْلَيِ (اشْدُدْ، وأشْرِكْ) بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اجْعَلْ لِي وزِيرًا﴾) . سَألَ اللَّهَ صفحة ٢١٣ أنْ يَجْعَلَهُ مُعِينًا لَهُ في أعْمالِهِ، وسَألَهُ أنْ يَأْذَنَ لَهُ بِأنْ يَكُونَ شَرِيكًا لِمُوسى في أمْرِهِ، أيْ أمْرِ رِسالَتِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ المَقْطُوعَةِ في (أشْدُدْ) وبِضَمِّ هَمْزَةِ (أُشْرِكْهُ) . فالفِعْلانِ إذَنْ مَجْزُومانِ في جَوابِ الدُّعاءِ كَما جَزَمَ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾) . وهارُونُ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِفِعْلِ اجْعَلْ، قُدِّمَ عَلَيْهِ المَفْعُولُ الثّانِي لِلِاهْتِمامِ. والشَّدُّ: الإمْساكُ بِقُوَّةٍ. والأزْرُ: أصْلُهُ الظَّهْرُ. ولَمّا كانَ الظَّهْرُ مَجْمَعَ حَرَكَةِ الجِسْمِ وقِوامَ اسْتِقامَتِهِ أُطْلِقَ اسْمُهُ عَلى القُوَّةِ إطْلاقًا شائِعًا يُساوِي الحَقِيقَةَ فَقِيلَ الأزْرُ لِلْقُوَّةِ. وقِيلَ: آزَرَهُ إذا أعانَهُ وقَوّاهُ. وسُمِّيَ الإزارُ إزارًا لِأنَّهُ يُشَدُّ بِهِ الظَّهْرُ، وهو في الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الظَّهْرُ لِيُناسِبَ الشَّدَّ، فَيَكُونُ الكَلامُ تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُعِينِ والمُعانِ بِهَيْئَةِ مَشْدُودِ الظَّهْرِ بِحِزامٍ ونَحْوِهِ وشادِّهِ. وعَلَّلَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - سُؤالَهُ تَحْصِيلَ ما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ، بِأنْ يُسَبِّحا اللَّهَ كَثِيرًا ويَذْكُرا اللَّهَ كَثِيرًا. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ تَسْهِيلًا لِأداءِ الدَّعْوَةِ بِتَوَفُّرِ آلاتِها ووُجُودِ العَوْنِ عَلَيْها، وذَلِكَ مَظِنَّةُ تَكْثِيرِها. وأيْضًا فِيما سَألَهُ لِأخِيهِ تَشْرِيكَهُ في الدَّعْوَةِ ولَمْ يَكُنْ لِأخِيهِ مِن قَبْلُ، وذَلِكَ يَجْعَلُ مِن أخِيهِ مُضاعَفَةً لِدَعْوَتِهِ، وذَلِكَ يَبْعَثُ أخاهُ أيْضًا عَلى الدَّعْوَةِ. ودَعْوَةُ كُلٍّ مِنهُما تَشْتَمِلُ عَلى التَّعْرِيفِ بِصِفاتِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ فَهي مُشْتَمِلَةٌ عَلى التَّسْبِيحِ، وفي الدَّعْوَةِ حَثٌّ عَلى العَمَلِ بِوَصايا صفحة ٢١٤ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ، وإدْخالُ الأُمَّةِ في حَضْرَةِ الإيمانِ والتَّقْوى. وفي ذَلِكَ إكْثارٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ بِإبْلاغِ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآياتِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ [طه: ٤٢])، أيْ لا تَضْعُفا في تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، فَلا جَرَمَ كانَ في تَحْصِيلِ ما دَعا بِهِ إكْثارٌ مِن تَسْبِيحِهِما وذِكْرِهِما اللَّهَ؛ وأيْضًا في التَّعاوُنِ عَلى آداءِ الرِّسالَةِ تَقْلِيلٌ مِنَ الِاشْتِغالِ بِضَرُوراتِ الحَياةِ، إذْ يُمْكِنُ أنْ يَقْتَسِما العَمَلَ الضَّرُورِيَّ لِحَياتِهِما فَيَقِلُّ زَمَنُ اشْتِغالِهِما بِالضَّرُورِيّاتِ وتَتَوَفَّرُ الأوْقاتُ لِأداءِ الرِّسالَةِ. وتِلْكَ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ لِكِلَيْهِما في التَّبْلِيغِ. والَّذِي ألْجَأ مُوسى إلى سُؤالِ ذَلِكَ عِلْمُهُ بِشِدَّةِ فِرْعَوْنَ وطُغْيانِهِ ومَنعِهِ الأُمَّةَ مِن مُفارَقَةِ ضَلالِهِمْ، فَعُلِمَ أنَّ في دَعْوَتِهِ فِتْنَةً لِلدّاعِي فَسَألَ الإعانَةَ عَلى الخَلاصِ مِن تِلْكَ الفِتْنَةِ لِيَتَوَفَّرَ لِلتَّسْبِيحِ والذِّكْرِ كَثِيرًا. وجُمْلَةُ (﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾) تَعْلِيلٌ لِسُؤالِهِ شَرْحَ صَدْرِهِ وما بَعْدَهُ، أيْ لِأنَّكَ تَعْلَمُ حالِي وحالَ أخِي، وإنِّي ما دَعَوْتُكَ بِما دَعَوْتُ إلّا لِأنَّنا مُحْتاجانِ لِذَلِكَ، وفِيهِ تَفْوِيضٌ إلى اللَّهِ تَعالى بِأنَّهُ أعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهم، وأنَّهُ ما سَألَ سُؤالَهُ إلّا بِحَسَبِ ما بَلَغَ إلَيْهِ عِلْمُهُ. وقَوْلُهُ (﴿قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾) وعْدٌ لَهُ بِالإجابَةِ، وتَصْدِيقٌ لَهُ فِيما تَوَسَّمَهُ مِنَ المَصالِحِ فِيما سَألَهُ لِنَفْسِهِ ولِأخِيهِ. والسُّؤْلُ بِمَعْنى المَسْئُولِ. وهو وزْنُ فِعْلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كالخُبْزِ بِمَعْنى المَخْبُوزِ، والأكْلِ بِمَعْنى المَأْكُولِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العُقْدَةَ زالَتْ عَنْ لِسانِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُحْكَ فِيما بَعْدُ أنَّهُ أقامَ هارُونَ بِمُجادَلَةِ فِرْعَوْنَ. ووَقَعَ في التَّوْراةِ في الإصْحاحِ السّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: ( فَقالَ الرَّبُّ لِمُوسى أنْتَ تَتَكَلَّمُ بِكُلِّ ما آمُرُكَ بِهِ وهارُونُ أخُوكَ يُكَلِّمُ فِرْعَوْنَ.

طه 20:37

صفحة ٢١٥ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] . جُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) لِأنَّ جُمْلَةَ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) تَتَضَمَّنُ مِنَّةً عَلَيْهِ، فَعُطِفَ عَلَيْها تَذْكِيرٌ بِمِنَّةٍ عَلَيْهِ أُخْرى في وقْتِ ازْدِيادِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَمّا كانَ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ مِن أوَّلِ أوْقاتِ وُجُودِهِ فابْتَدَأهُ بِعِنايَتِهِ قَبْلَ سُؤالِهِ فَعِنايَتُهُ بِهِ بَعْدَ سُؤالِهِ أحْرى، ولِأنَّ تِلْكَ العِنايَةَ الأُولى تَمْهِيدٌ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاصْطِفاءِ والرِّسالَةِ، فالكَرَمُ يَقْتَضِي أنَّ الِابْتِداءَ بِالإحْسانِ يَسْتَدْعِي الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ. فَهَذا طَمْأنَةٌ لِفُؤادِهِ وشَرْحٌ لِصَدْرِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ سَيَكُونُ مُؤَيَّدًا في سائِرِ أحْوالِهِ المُسْتَقْبَلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ، لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَتَحْقِيقُ الخَبَرِ لَهُ تَحْقِيقٌ لَلازِمِهِ المُرادِ مِنهُ، وهو أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِهِ دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَنْهُ زِيادَةٌ في تَطْمِينِ خاطِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) . والمَرَّةُ: فَعْلَةٌ مِنَ المُرُورِ، غَلَبَتْ عَلى مَعْنى الفِعْلَةِ الواحِدَةِ مِن عَمَلٍ مُعَيَّنٍ يُعْرَفُ بِإضافَةٍ أوْ بِدَلالَةِ المَقامِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]) في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وانْتِصابُ ”مَرَّةً“ هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِفِعْلِ (مَنَنّا)، أيْ مَرَّةً مِنَ المَنِّ. ووَصْفُها بِ ”أُخْرى“ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّها غَيْرُ هَذِهِ المِنَّةِ. صفحة ٢١٦ و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْمِنَّةِ. والوَحْيُ، هُنا: وحْيُ الإلْهامِ الصّادِقِ. وهو إيقاعُ مَعْنًى في النَّفْسِ يَنْثَلِجُ لَهُ نَفْسُ المُلْقى إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِنَجاحِهِ فِيهِ وذَلِكَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ الَّتِي يُقْذَفُ في نَفْسِ الرّائِي أنَّها صِدْقٌ. و”ما يُوحى“ مَوْصُولٌ مُفِيدٌ أهَمِّيَّةَ ما أُوحِيَ إلَيْها. ومُفِيدٌ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ إلْهامًا مِن قِبَلِ الحَقِّ. و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ أوْحَيْنا لِأنَّهُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أوْ تَفْسِيرٌ لِ ”يُوحى“ . والقَذْفُ: أصْلُهُ الرَّمْيِ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الوَضْعِ في التّابُوتِ. تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُخْفِي عَمَلَهُ. فَهو يُسْرِعُ وضْعَهُ مِن يَدِهِ كَهَيْئَةِ مَن يَقْذِفُ حَجَرًا ونَحْوَهُ. والتّابُوتُ: الصُّنْدُوقُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . واليَمُّ: البَحْرُ، والمُرادُ بِهِ نَهْرُ النِّيلِ. والسّاحِلُ: الشّاطِئُ، ولامُ الأمْرِ في قَوْلِهِ فَلْيُلْقِهِ دالَّةٌ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ سَخَّرْنا اليَمَّ لِأنْ يُلْقِيَهُ بِالسّاحِلِ، ولا يَبْتَعِدَ بِهِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والمُرادُ ساحِلٌ مَعْهُودٌ، وهو الَّذِي يَقْصُدُهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِلسِّباحَةِ. والضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَنصُوبَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى مُوسى لِأنَّهُ المَقْصُودُ وهو حاضِرٌ في ذِهْنِ أُمِّهِ المُوحى إلَيْها، وقَذْفُهُ في التّابُوتِ وفي اليَمِّ وإلْقاؤُهُ في السّاحِلِ كُلُّها أفْعالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِضَمِيرِهِ، صفحة ٢١٧ إذْ لا فَرْقَ في فِعْلِ الإلْقاءِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُباشِرًا أوْ في ضِمْنِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ. ويَجُوزُ جَعْلَ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ عائِدَيْنِ إلى التّابُوتِ ولا لَبْسَ في ذَلِكَ. وجَزْمُ (يَأْخُذْهُ) في جَوابِ الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ جَزْمِ قَوْلِهِ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]) المُتَقَدَّمِ آنِفًا. والعَدُوُّ: فِرْعَوْنُ، فَهو عَدُوُّ اللَّهِ لِأنَّهُ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ الإلَهِيَّةِ، وعَدُوُ مُوسى تَقْدِيرًا في المُسْتَقْبَلِ، وهو عَدْوُهُ لَوْ عَلِمَ أنَّهُ مِن غِلْمانِ إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ اعْتَزَمَ عَلى قَتْلِ أبْنائِهِمْ.

طه 20:38

صفحة ٢١٥ ﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ ﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما يُوحى﴾ ﴿أنِ اقْذِفِيهِ في التّابُوتِ فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ اليَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وعَدُوٌّ لَهُ﴾ [طه: ٣٩] . جُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) لِأنَّ جُمْلَةَ (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) تَتَضَمَّنُ مِنَّةً عَلَيْهِ، فَعُطِفَ عَلَيْها تَذْكِيرٌ بِمِنَّةٍ عَلَيْهِ أُخْرى في وقْتِ ازْدِيادِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَمّا كانَ بِمَحَلِّ العِنايَةِ مِن رَبِّهِ مِن أوَّلِ أوْقاتِ وُجُودِهِ فابْتَدَأهُ بِعِنايَتِهِ قَبْلَ سُؤالِهِ فَعِنايَتُهُ بِهِ بَعْدَ سُؤالِهِ أحْرى، ولِأنَّ تِلْكَ العِنايَةَ الأُولى تَمْهِيدٌ لِما أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الِاصْطِفاءِ والرِّسالَةِ، فالكَرَمُ يَقْتَضِي أنَّ الِابْتِداءَ بِالإحْسانِ يَسْتَدْعِي الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ. فَهَذا طَمْأنَةٌ لِفُؤادِهِ وشَرْحٌ لِصَدْرِهِ لِيَعْلَمَ أنَّهُ سَيَكُونُ مُؤَيَّدًا في سائِرِ أحْوالِهِ المُسْتَقْبَلَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى لِمُحَمَّدٍ ﷺ (﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥] ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] ﴿ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] ﴿ووَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٨]) . وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ وقَدْ لِتَحْقِيقِ الخَبَرِ، لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ، فَتَحْقِيقُ الخَبَرِ لَهُ تَحْقِيقٌ لَلازِمِهِ المُرادِ مِنهُ، وهو أنَّ عِنايَةَ اللَّهِ بِهِ دائِمَةٌ لا تَنْقَطِعُ عَنْهُ زِيادَةٌ في تَطْمِينِ خاطِرِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ﴾ [طه: ٣٦]) . والمَرَّةُ: فَعْلَةٌ مِنَ المُرُورِ، غَلَبَتْ عَلى مَعْنى الفِعْلَةِ الواحِدَةِ مِن عَمَلٍ مُعَيَّنٍ يُعْرَفُ بِإضافَةٍ أوْ بِدَلالَةِ المَقامِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣]) في سُورَةِ ”بَراءَةَ“ . وانْتِصابُ ”مَرَّةً“ هُنا عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِفِعْلِ (مَنَنّا)، أيْ مَرَّةً مِنَ المَنِّ. ووَصْفُها بِ ”أُخْرى“ هُنا بِاعْتِبارِ أنَّها غَيْرُ هَذِهِ المِنَّةِ. صفحة ٢١٦ و(إذْ) ظَرْفٌ لِلْمِنَّةِ. والوَحْيُ، هُنا: وحْيُ الإلْهامِ الصّادِقِ. وهو إيقاعُ مَعْنًى في النَّفْسِ يَنْثَلِجُ لَهُ نَفْسُ المُلْقى إلَيْهِ بِحَيْثُ يَجْزِمُ بِنَجاحِهِ فِيهِ وذَلِكَ مِن تَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى. وقَدْ يَكُونُ بِطَرِيقِ الرُّؤْيا الصّالِحَةِ الَّتِي يُقْذَفُ في نَفْسِ الرّائِي أنَّها صِدْقٌ. و”ما يُوحى“ مَوْصُولٌ مُفِيدٌ أهَمِّيَّةَ ما أُوحِيَ إلَيْها. ومُفِيدٌ تَأْكِيدَ كَوْنِهِ إلْهامًا مِن قِبَلِ الحَقِّ. و(أنْ) تَفْسِيرٌ لِفِعْلِ أوْحَيْنا لِأنَّهُ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ أوْ تَفْسِيرٌ لِ ”يُوحى“ . والقَذْفُ: أصْلُهُ الرَّمْيِ، وأُطْلِقَ هُنا عَلى الوَضْعِ في التّابُوتِ. تَمْثِيلًا لِهَيْئَةِ المُخْفِي عَمَلَهُ. فَهو يُسْرِعُ وضْعَهُ مِن يَدِهِ كَهَيْئَةِ مَن يَقْذِفُ حَجَرًا ونَحْوَهُ. والتّابُوتُ: الصُّنْدُوقُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ﴾ [البقرة: ٢٤٨]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . واليَمُّ: البَحْرُ، والمُرادُ بِهِ نَهْرُ النِّيلِ. والسّاحِلُ: الشّاطِئُ، ولامُ الأمْرِ في قَوْلِهِ فَلْيُلْقِهِ دالَّةٌ عَلى أمْرِ التَّكْوِينِ، أيْ سَخَّرْنا اليَمَّ لِأنْ يُلْقِيَهُ بِالسّاحِلِ، ولا يَبْتَعِدَ بِهِ إلى مَكانٍ بَعِيدٍ، والمُرادُ ساحِلٌ مَعْهُودٌ، وهو الَّذِي يَقْصُدُهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِلسِّباحَةِ. والضَّمائِرُ الثَّلاثَةُ المَنصُوبَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عائِدَةً إلى مُوسى لِأنَّهُ المَقْصُودُ وهو حاضِرٌ في ذِهْنِ أُمِّهِ المُوحى إلَيْها، وقَذْفُهُ في التّابُوتِ وفي اليَمِّ وإلْقاؤُهُ في السّاحِلِ كُلُّها أفْعالٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِضَمِيرِهِ، صفحة ٢١٧ إذْ لا فَرْقَ في فِعْلِ الإلْقاءِ بَيْنَ كَوْنِهِ مُباشِرًا أوْ في ضِمْنِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ هو المَقْصُودُ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ. ويَجُوزُ جَعْلَ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ عائِدَيْنِ إلى التّابُوتِ ولا لَبْسَ في ذَلِكَ. وجَزْمُ (يَأْخُذْهُ) في جَوابِ الأمْرِ عَلى طَرِيقَةِ جَزْمِ قَوْلِهِ (﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٨]) المُتَقَدَّمِ آنِفًا. والعَدُوُّ: فِرْعَوْنُ، فَهو عَدُوُّ اللَّهِ لِأنَّهُ انْتَحَلَ لِنَفْسِهِ الإلَهِيَّةِ، وعَدُوُ مُوسى تَقْدِيرًا في المُسْتَقْبَلِ، وهو عَدْوُهُ لَوْ عَلِمَ أنَّهُ مِن غِلْمانِ إسْرائِيلَ؛ لِأنَّهُ اعْتَزَمَ عَلى قَتْلِ أبْنائِهِمْ.

طه 20:39

﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ . عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ أوْحَيْنا أيْ حِينَ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ ما كانَ بِهِ سَلامَتُكَ مِنَ المَوْتِ، وحِينَ ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً لِتَحْصُلَ السَّرِقَةُ لِواجِدِهِ في اليَمِّ، فَيَحْرِصُ عَلى حَياتِهِ ونَمائِهِ ويَتَّخِذُهُ ولَدًا كَما جاءَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿وقالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩])؛ لِأنَّ فِرْعَوْنَ قَدْ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ مِن غِلْمانِ إسْرائِيلَ ولَيْسَ مِن أبْناءِ القِبْطِ، أوْ لِأنَّهُ يَخْطُرُ بِبالِهِ الأخْذُ بِالِاحْتِياطِ. وإلْقاءُ المَحَبَّةِ مَجازٌ في تَعَلُّقِ المُحِبَّةِ بِهِ، أيْ خَلْقُ المَحَبَّةِ في قَلْبِ المُحِبِّ بِدُونِ سَبَبٍ عادِيٍّ حَتّى كَأنَّهُ وُضِعَ بِاليَدِ لا مُقْتَضًى لَهُ في العادَةِ. ووَصْفُ المَحَبَّةِ بِأنَّها مِنَ اللَّهِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّها مَحَبَّةٌ خارِقَةٌ لِلْعادَةِ لِعَدَمِ ابْتِداءِ أسْبابِ المَحَبَّةِ العُرْفِيَّةِ مِنَ الإلْفِ والِانْتِفاعِ، ألا تَرى قَوْلَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ (﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [القصص: ٩]) مَعَ قَوْلِها (﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩]) . فَكانَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَها قَبْلَ أنْ يَنْفَعَها وقَبْلَ اتِّخاذِهِ ولَدًا. * * * صفحة ٢١٨ ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِيَ﴾ ﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ﴾ [طه: ٤٠] . جُمْلَةُ (﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾) عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿إذْ أوْحَيْنا إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٣٨]) إلَخْ. جُعِلَ الأمْرانِ إتْمامًا لِمِنَّةٍ واحِدَةٍ لِأنَّ إنْجاءَهُ مِنَ القَتْلِ لا يَظْهَرُ أثَرُهُ إلّا إذا أنْجاهُ مِنَ المَوْتِ بِالذُّبُولِ لِتَرْكِ الرَّضاعَةِ، ومِنَ الإهْمالِ المُفْضِي إلى الهَلاكِ أوِ الوَهْنِ إذا ولِيَ تَرْبِيَتَهُ مَن لا يُشْفِقُ عَلَيْهِ الشَّفَقَةَ الجَبِلِّيَّةَ. والتَّقْدِيرُ: وإذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ لِأجْلِ أنْ تُصْنَعَ عَلى عَيْنِي. والصُّنْعُ: مُسْتَعارٌ لِلتَّرْبِيَةِ والتَّنْمِيَةِ، تَشْبِيهًا لِذَلِكَ بِصُنْعِ شَيْءٍ مَصْنُوعٍ، ومِنهُ يُقالُ لِمَن أنْعَمَ عَلَيْهِ أحَدٌ نِعْمَةً عَظِيمَةً: هو صَنِيعَةُ فُلانٍ. وأُخْتُ مُوسى: مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرانَ. وفي التَّوْراةِ: أنَّها كانَتْ نَبِيئَةً كَما في الإصْحاحِ الخامِسَ عَشَرَ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. وتُوُفِّيَتْ مَرْيَمُ سَنَةَ ثَلاثٍ مِن خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ في بَرِّيَّةِ صِينَ كَما في الإصْحاحِ التّاسِعَ عَشَرَ مِن سِفْرِ العَدَدِ. وذَلِكَ سَنَةَ ١٤١٧ قَبْلَ المَسِيحِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ كَيْ، وبِنَصْبِ فِعْلِ (تُصْنَعَ)، وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِسُكُونِ اللّامِ عَلى أنَّها لامُ الأمْرِ وبِجَزْمِ الفِعْلِ عَلى أنَّهُ أمْرٌ تَكْوِينِيٌّ، أيْ وقُلْنا: لِتُصْنَعَ. وقَوْلُهُ (﴿عَلى عَيْنِي﴾) (عَلى) مِنهُ لِلِاسْتِلاءِ المَجازِيِّ، أيِ المُصاحَبَةِ المُتَمَكِّنَةِ، فَ (عَلى) هُنا بِمَعْنى باءِ المُصاحَبَةِ قالَ تَعالى (﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨]) . صفحة ٢١٩ والعَيْنُ: مَجازٌ في المُراعاةِ والمُراقَبَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا﴾ [هود: ٣٧])، وقَوْلِ النّابِغَةِ: عَهِدْتُكَ تَرْعانِيَ بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ وتَبْعَثُ حُرّاسًا عَلَيَّ وناظِرًا ووَقَعَ اخْتِصارٌ في حِكايَةِ قِصَّةِ مَشْيِ أُخْتِهِ، وفُصِّلَتْ في سُورَةِ القَصَصِ. والِاسْتِفْهامُ في (﴿هَلْ أدُلُّكُمْ﴾ [القصص: ١٢]) لِلْعَرْضِ. وأرادَتْ بِ (﴿مَن يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]) أُمَّهُ. فَلِذَلِكَ قالَ (﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠]) . وهَذِهِ مِنَّةٌ عَلَيْهِ لِإكْمالِ نَمائِهِ، وعَلى أُمِّهِ بِنَجاتِهِ فَلَمْ تُفارِقِ ابْنَها إلّا ساعاتٍ قَلائِلَ، أكْرَمَها اللَّهُ بِسَبَبِ ابْنِها. وعَطْفُ نَفْيِ الحُزْنِ عَلى قُرَّةِ العَيْنِ لِتَوْزِيعِ المِنَّةِ، لِأنَّ قُرَّةَ عَيْنِها بِرُجُوعِهِ إلَيْها، وانْتِفاءُ حُزْنِها بِتَحْقِيقِ سَلامَتِهِ مِنَ الهَلاكِ ومِنَ الغَرَقِ وبِوُصُولِهِ إلى أحْسَنِ مَأْوًى. وتَقْدِيمُ قُرَّةِ العَيْنِ عَلى انْتِفاءِ الحُزْنِ مَعَ أنَّها أخَصُّ فَيُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ انْتِفاءِ الحُزْنِ؛ رُوعِيَ فِيهِ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِ (﴿فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ﴾ [طه: ٤٠]) بِما فِيهِ مِنَ الحِكْمَةِ، ثُمَّ أُكْمِلَ بِذِكْرِ الحِكْمَةِ في مَشْيِ أُخْتِهِ فَتَقُولُ (﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى مَن يَكْفُلُهُ﴾ [طه: ٤٠]) في بَيْتِها، وكَذَلِكَ كانَ شَأْنُ المَراضِعِ ذَواتِ الأزْواجِ كَما جاءَ في حَدِيثِ حَلِيمَةَ، وكَذَلِكَ ثَبَتَ في التَّوْراةِ في سِفْرِ الخُرُوجِ.

طه 20:40

﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . فَجُمْلَةُ وقَتَلَتَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧]) لِأنَّ المَذْكُورَ في جُمْلَةِ (﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾) مِنَّةٌ أُخْرى ثالِثَةٌ. صفحة ٢٢٠ وقُدِمَ ذِكْرُ قَتلِهِ النَّفْسَ عَلى ذِكْرِ الإنْجاءِ مِنَ الغَمِّ لِتَعْظِيمِ المِنَّةِ، حَيْثُ افْتُتِحَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِ جِنايَةٍ عَظِيمَةِ التَّبِعَةِ، وهي قَتْلُ النَّفْسِ لِيَكُونَ لِقَوْلِهِ فَنَجَّيْناكَ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ المِنَّةِ، إذْ أنْجاهُ مِن عُقُوبَةٍ لا يَنْجُو مِن مِثْلِها مِثْلُهُ. وهَذِهِ النَّفْسُ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اخْتَصَمَ مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في المَدِينَةِ فاسْتَغاثَ الإسْرائِيلِيُّ بِمُوسى لِيَنْصُرَهُ فَوَكَزَ مُوسى القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ كَما قُصَّ ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ. والغَمُّ: الحُزْنُ. والمَعْنِيُّ بِهِ ما خامَرَ مُوسى مِن خَوْفِ الِاقْتِصاصِ مِنهُ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ أضْمَرَ الِاقْتِصاصَ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ إذْ كانَ القِبْطُ سادَةَ الإسْرائِيلِيِّينَ، فَلَيْسَ اعْتِداءُ إسْرائِيلِيٍّ عَلى قِبْطِيٍّ بِهَيِّنٍ بَيْنَهم. ويَظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَبَنّى مُوسى كانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ. والفُتُونُ: مَصْدَرُ فَتَنَ، كالخُرُوجِ، والثُّبُورِ، والشُّكُورِ، وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَأْكِيدِ عامَلِهِ وهو فَتَنّاكَ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ فُتُونًا قَوِيًّا عَظِيمًا. والفُتُونُ كالفِتْنَةِ: هو اضْطِرابُ حالِ المَرْءِ في مُدَّةٍ مِن حَياتِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . ويَظْهَرُ أنَّ الفُتُونَ أصْلُ مَصْدَرِ فَتَنَ بِمَعْنى اخْتَبَرَ، فَيَكُونُ في الشَّرِّ وفي الخَيْرِ. وأمّا الفِتْنَةُ فَلَعَلَّها خاصَّةٌ بِاخْتِبارِ المُضِرِّ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّنْوِينَ في فُتُونًا لِلتَّقْلِيلِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾) كالِاسْتِدْراكِ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾)، أيْ نَجَّيْناكَ وحَصَلَ لَكَ خَوْفٌ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]) فَذَلِكَ الفُتُونُ. والمُرادُ بِهَذا الفُتُونِ خَوْفُ مُوسى مِن عِقابِ فِرْعَوْنَ وخُرُوجُهُ مِنَ البَلَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]) صفحة ٢٢١ إلى قَوْلِهِ ( ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] . وذِكْرُ الفُتُونِ بَيْنَ تِعْدادِ المِنَنِ إدْماجٌ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ دَمَ القِبْطِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسى، فَإنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةُ الدَّمِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ لِأنَّهم لَمْ تَرِدْ إلَيْهِمْ دَعْوَةٌ إلَهِيَّةٌ حِينَئِذٍ، فَحِينَ أنْجى اللَّهُ مُوسى مِنَ المُؤاخَذَةِ بِدَمِهِ في شَرْعِ فِرْعَوْنَ ابْتَلى مُوسى بِـ الَخَوْفِ والغُرْبَةِ عِتابًا لَهُ عَلى إقْدامِهِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦]) . وعِبادُ اللَّهِ الَّذِينَ أرادَ بِهِمْ خَيْرًا ورَعاهم بِعِنايَتِهِ يَجْعَلُ لَهم مِن كُلِّ حالَةٍ كَمالًا يَكْسِبُونَهُ، ويُسَمّى مِثْلُ ذَلِكَ بِالِابْتِلاءِ، فَكانَ مِن فُتُونِ مُوسى بِقَضِيَّةِ القِبْطِيِّ أنْ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ إلى أرْضِ مَدْيَنَ لِيَكْتَسِبَ رِياضَةَ نَفْسٍ وتَهْيِئَةَ ضَمِيرٍ لِتَحَمُّلِ المَصاعِبَ، ويَتَلَقّى التَّهْذِيبَ مِن صِهْرِهِ الرَّسُولِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِهَذا المَعْنى عَقَّبَ ذِكْرَ الفُتُونِ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾)، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ الفُتُونِ. أوْ يَكُونُ الفُتُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَحْمُودِ العاقِبَةِ وضِدِّهِ مِثْلَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ (﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨])، أيْ واخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا. والِاخْتِبارُ: تَمْثِيلٌ لِحالِ تَكْلِيفِهِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ بِحالِ مَن يُخْتَبَرُ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا دُونَ الفِتْنَةِ. وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، ومَدِينُ: اسْمُ أحَدِ أبْناءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَكَنَتْ ذُرِّيَّتُهُ في مَوْطِنٍ يُسَمّى الأيْكَةَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ جَنُوبَ عَقَبَةِ أيْلَةَ، وغَلَبَ اسْمُ القَبِيلَةِ عَلى الأرْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْمَكانِ فَمِن ثَمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ أهْلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ . صفحة ٢٢٢ ومَعْنى (جِئْتَ) حَضَرْتَ لَدَيْنا. وهو حُضُورُهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ؛ جَعَلَ مَجِيئَهُ في الوَقْتِ الصّالِحِ لِلْخَيْرِ بِمَنزِلَةِ المُسْتَعْلِي عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ المُتَمَكِّنِ مِنهُ. والقَدَرُ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مُناسِبٍ لِما يُرِيدُ المُقَدِّرُ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ المُصادَفَةِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُلائِمٍ أوْ في مُلاءَمَتِهِ خَلَلٌ، قالَ النّابِغَةُ: فَرِيعَ قَلْبِي وكانَتْ نَظْرَةً عَرَضَتْ يَوْمًا وتَوْفِيقَ أقْدارٍ لِأقْدارِ أيْ مُوافِقَةً ما كُنْتُ أرْغَبُهُ. فَقَوْلُهُ (﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾) يُفِيدُ أنَّ ما حَصَلَ لِمُوسى مِنَ الأحْوالِ كانَ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًا مُناسِبًا مُتَدَرِّجًا، بِحَيْثُ تَكُونُ أعْمالُهُ وأحْوالُهُ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ وحَدَّدَها تَحْدِيدًا مُنَظَّمًا لِأجْلِ اصْطِفائِهِ وما أرادَ اللَّهُ مِن إرْسالِهِ، فالقَدَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِتَدْبِيرِ إجْراءِ أحْوالِهِ عَلى ما يُسْفِرُ عَنْ عاقِبَةِ الخَيْرِ. فَهَذا تَقْدِيرٌ خاصٌّ، وهو العِنايَةُ بِتَدَرُّجِ أحْوالِهِ إلى أنْ بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهُ. ولَيْسَ المُرادُ القَدَرُ العامُّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِتَكْوِينِ جَمِيعِ الكائِناتِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِمَزِيَّةٍ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَدِ انْتَبَهَ إلى هَذا المَعْنى جَرِيرٌ بِذَوْقِهِ السَّلِيمِ فَقالَ في مَدْحِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أتى الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ومِن هُنا خَتْمَ الِامْتِنانَ بِما هو الفَذْلَكَةُ، وذَلِكَ جُمْلَةُ (﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾) الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى قَوْلِهِ صفحة ٢٢٣ (﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِيَ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٣٩]) الآيَةَ، وهو تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو الخِطابُ بِأعْمالِ الرِّسالَةِ المُبْتَدَأِ مِن قَوْلِهِ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣]) ومِن قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) . والِاصْطِناعُ: صُنْعُ الشَّيْءِ بِاعْتِناءٍ: واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لِأجْلِ نَفْسِي. والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ الِاصْطِفاءِ لِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ بِهَيْئَةِ مَن يَصْطَنِعُ شَيْئًا لِفائِدَةِ نَفْسِهِ فَيَصْرِفُ فِيهِ غايَةَ إتْقانِ صُنْعِهِ.

طه 20:41

﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ ﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ . فَجُمْلَةُ وقَتَلَتَ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى﴾ [طه: ٣٧]) لِأنَّ المَذْكُورَ في جُمْلَةِ (﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا﴾) مِنَّةٌ أُخْرى ثالِثَةٌ. صفحة ٢٢٠ وقُدِمَ ذِكْرُ قَتلِهِ النَّفْسَ عَلى ذِكْرِ الإنْجاءِ مِنَ الغَمِّ لِتَعْظِيمِ المِنَّةِ، حَيْثُ افْتُتِحَتِ القِصَّةُ بِذِكْرِ جِنايَةٍ عَظِيمَةِ التَّبِعَةِ، وهي قَتْلُ النَّفْسِ لِيَكُونَ لِقَوْلِهِ فَنَجَّيْناكَ مَوْقِعٌ عَظِيمٌ مِنَ المِنَّةِ، إذْ أنْجاهُ مِن عُقُوبَةٍ لا يَنْجُو مِن مِثْلِها مِثْلُهُ. وهَذِهِ النَّفْسُ هي نَفْسُ القِبْطِيِّ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ الَّذِي اخْتَصَمَ مَعَ رَجُلٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في المَدِينَةِ فاسْتَغاثَ الإسْرائِيلِيُّ بِمُوسى لِيَنْصُرَهُ فَوَكَزَ مُوسى القِبْطِيَّ فَقَضى عَلَيْهِ كَما قُصَّ ذَلِكَ في سُورَةِ القَصَصِ. والغَمُّ: الحُزْنُ. والمَعْنِيُّ بِهِ ما خامَرَ مُوسى مِن خَوْفِ الِاقْتِصاصِ مِنهُ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ لَمّا بَلَغَهُ الخَبَرُ أضْمَرَ الِاقْتِصاصَ مِن مُوسى لِلْقِبْطِيِّ إذْ كانَ القِبْطُ سادَةَ الإسْرائِيلِيِّينَ، فَلَيْسَ اعْتِداءُ إسْرائِيلِيٍّ عَلى قِبْطِيٍّ بِهَيِّنٍ بَيْنَهم. ويَظْهَرُ أنَّ فِرْعَوْنَ الَّذِي تَبَنّى مُوسى كانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ ذَلِكَ. والفُتُونُ: مَصْدَرُ فَتَنَ، كالخُرُوجِ، والثُّبُورِ، والشُّكُورِ، وهو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِتَأْكِيدِ عامَلِهِ وهو فَتَنّاكَ، وتَنْكِيرُهُ لِلتَّعْظِيمِ، أيْ فُتُونًا قَوِيًّا عَظِيمًا. والفُتُونُ كالفِتْنَةِ: هو اضْطِرابُ حالِ المَرْءِ في مُدَّةٍ مِن حَياتِهِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]) في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ . ويَظْهَرُ أنَّ الفُتُونَ أصْلُ مَصْدَرِ فَتَنَ بِمَعْنى اخْتَبَرَ، فَيَكُونُ في الشَّرِّ وفي الخَيْرِ. وأمّا الفِتْنَةُ فَلَعَلَّها خاصَّةٌ بِاخْتِبارِ المُضِرِّ. ويَظْهَرُ أنَّ التَّنْوِينَ في فُتُونًا لِلتَّقْلِيلِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾) كالِاسْتِدْراكِ عَلى قَوْلِهِ (﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾)، أيْ نَجَّيْناكَ وحَصَلَ لَكَ خَوْفٌ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]) فَذَلِكَ الفُتُونُ. والمُرادُ بِهَذا الفُتُونِ خَوْفُ مُوسى مِن عِقابِ فِرْعَوْنَ وخُرُوجُهُ مِنَ البَلَدِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨]) صفحة ٢٢١ إلى قَوْلِهِ ( ﴿وجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إنَّ المَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فاخْرُجْ إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠] ﴿فَخَرَجَ مِنها خائِفًا يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢١] . وذِكْرُ الفُتُونِ بَيْنَ تِعْدادِ المِنَنِ إدْماجٌ لِلْإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْمِلْ دَمَ القِبْطِيِّ الَّذِي قَتَلَهُ مُوسى، فَإنَّهُ نَفْسٌ مَعْصُومَةُ الدَّمِ إذْ لَمْ يَحْصُلْ ما يُوجِبُ قَتْلَهُ لِأنَّهم لَمْ تَرِدْ إلَيْهِمْ دَعْوَةٌ إلَهِيَّةٌ حِينَئِذٍ، فَحِينَ أنْجى اللَّهُ مُوسى مِنَ المُؤاخَذَةِ بِدَمِهِ في شَرْعِ فِرْعَوْنَ ابْتَلى مُوسى بِـ الَخَوْفِ والغُرْبَةِ عِتابًا لَهُ عَلى إقْدامِهِ عَلى قَتْلِ النَّفْسِ، كَما قالَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦]) . وعِبادُ اللَّهِ الَّذِينَ أرادَ بِهِمْ خَيْرًا ورَعاهم بِعِنايَتِهِ يَجْعَلُ لَهم مِن كُلِّ حالَةٍ كَمالًا يَكْسِبُونَهُ، ويُسَمّى مِثْلُ ذَلِكَ بِالِابْتِلاءِ، فَكانَ مِن فُتُونِ مُوسى بِقَضِيَّةِ القِبْطِيِّ أنْ قَدَّرَ لَهُ الخُرُوجَ إلى أرْضِ مَدْيَنَ لِيَكْتَسِبَ رِياضَةَ نَفْسٍ وتَهْيِئَةَ ضَمِيرٍ لِتَحَمُّلِ المَصاعِبَ، ويَتَلَقّى التَّهْذِيبَ مِن صِهْرِهِ الرَّسُولِ شُعَيْبٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ولِهَذا المَعْنى عَقَّبَ ذِكْرَ الفُتُونِ بِالتَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾)، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ الفُتُونِ. أوْ يَكُونُ الفُتُونُ مُشْتَرَكًا بَيْنَ مَحْمُودِ العاقِبَةِ وضِدِّهِ مِثْلَ الِابْتِلاءِ في قَوْلِهِ (﴿وبَلَوْناهم بِالحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨])، أيْ واخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا. والِاخْتِبارُ: تَمْثِيلٌ لِحالِ تَكْلِيفِهِ بِأمْرِ التَّبْلِيغِ بِحالِ مَن يُخْتَبَرُ، ولِهَذا اخْتِيرَ هُنا دُونَ الفِتْنَةِ. وأهْلُ مَدْيَنَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ، ومَدِينُ: اسْمُ أحَدِ أبْناءِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَكَنَتْ ذُرِّيَّتُهُ في مَوْطِنٍ يُسَمّى الأيْكَةَ عَلى شاطِئِ البَحْرِ الأحْمَرِ جَنُوبَ عَقَبَةِ أيْلَةَ، وغَلَبَ اسْمُ القَبِيلَةِ عَلى الأرْضِ وصارَ عَلَمًا لِلْمَكانِ فَمِن ثَمَّ أُضِيفَ إلَيْهِ أهْلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ . صفحة ٢٢٢ ومَعْنى (جِئْتَ) حَضَرْتَ لَدَيْنا. وهو حُضُورُهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ لِتَلَقِّي الوَحْيِ. و(عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّمَكُّنِ؛ جَعَلَ مَجِيئَهُ في الوَقْتِ الصّالِحِ لِلْخَيْرِ بِمَنزِلَةِ المُسْتَعْلِي عَلى ذَلِكَ الوَقْتِ المُتَمَكِّنِ مِنهُ. والقَدَرُ: تَقْدِيرُ الشَّيْءِ عَلى مِقْدارٍ مُناسِبٍ لِما يُرِيدُ المُقَدِّرُ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ عَلى سَبِيلِ المُصادَفَةِ، فَيَكُونُ غَيْرَ مُلائِمٍ أوْ في مُلاءَمَتِهِ خَلَلٌ، قالَ النّابِغَةُ: فَرِيعَ قَلْبِي وكانَتْ نَظْرَةً عَرَضَتْ يَوْمًا وتَوْفِيقَ أقْدارٍ لِأقْدارِ أيْ مُوافِقَةً ما كُنْتُ أرْغَبُهُ. فَقَوْلُهُ (﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾) يُفِيدُ أنَّ ما حَصَلَ لِمُوسى مِنَ الأحْوالِ كانَ مُقَدَّرًا مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًا مُناسِبًا مُتَدَرِّجًا، بِحَيْثُ تَكُونُ أعْمالُهُ وأحْوالُهُ قَدْ قَدَّرَها اللَّهُ وحَدَّدَها تَحْدِيدًا مُنَظَّمًا لِأجْلِ اصْطِفائِهِ وما أرادَ اللَّهُ مِن إرْسالِهِ، فالقَدَرُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ العِنايَةِ بِتَدْبِيرِ إجْراءِ أحْوالِهِ عَلى ما يُسْفِرُ عَنْ عاقِبَةِ الخَيْرِ. فَهَذا تَقْدِيرٌ خاصٌّ، وهو العِنايَةُ بِتَدَرُّجِ أحْوالِهِ إلى أنْ بَلَغَ المَوْضِعَ الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ مِنهُ. ولَيْسَ المُرادُ القَدَرُ العامُّ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ لِتَكْوِينِ جَمِيعِ الكائِناتِ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُشْعِرُ بِمَزِيَّةٍ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَدِ انْتَبَهَ إلى هَذا المَعْنى جَرِيرٌ بِذَوْقِهِ السَّلِيمِ فَقالَ في مَدْحِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ: أتى الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ ومِن هُنا خَتْمَ الِامْتِنانَ بِما هو الفَذْلَكَةُ، وذَلِكَ جُمْلَةُ (﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾) الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ عَلى قَوْلِهِ صفحة ٢٢٣ (﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِيَ إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٣٩]) الآيَةَ، وهو تَخَلُّصٌ بَدِيعٌ إلى الغَرَضِ المَقْصُودِ وهو الخِطابُ بِأعْمالِ الرِّسالَةِ المُبْتَدَأِ مِن قَوْلِهِ (﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣]) ومِن قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤]) . والِاصْطِناعُ: صُنْعُ الشَّيْءِ بِاعْتِناءٍ: واللّامُ لِلْأجْلِ، أيْ لِأجْلِ نَفْسِي. والكَلامُ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ الِاصْطِفاءِ لِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ بِهَيْئَةِ مَن يَصْطَنِعُ شَيْئًا لِفائِدَةِ نَفْسِهِ فَيَصْرِفُ فِيهِ غايَةَ إتْقانِ صُنْعِهِ.

طه 20:42

﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي ولا تَنِيا في ذَكْرِي﴾ . رُجُوعٌ إلى المَقْصِدِ بَعْدَ المُحاوَرَةِ، فالجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أوْ هي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿واصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١]) يُؤْذِنُ بِأنَّهُ اخْتارَهُ وأعَدَّهُ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، لِأنَّ الحَكِيمَ لا يَتَّخِذُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ إلّا مُرِيدًا جَعْلَهُ مُظْهِرًا لِحِكْمَتِهِ، فَيَتَرَقَّبُ المُخاطَبُ تَعْيِينَها، وقَدْ أمَرَهُ هُنا بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ وأنْ يَذْهَبَ أخُوهُ مَعَهُ. ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ يُبَلِّغُ أخاهُ أنَّ اللَّهَ أمَرَهُ بِمُرافَقَتِهِ، لِأنَّ هارُونَ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا حِينَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ. ولِأنَّهُ لَمْ يَكُنِ الوَقْتُ وقْتَ الشُّرُوعِ في الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ، فَتَعِيَّنَ أنَّ الأمْرَ لِطَلَبِ حُصُولِ الذَّهابِ المُسْتَقْبَلِ عِنْدَ الوُصُولِ إلى مِصْرَ بَلَدِ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ لِقائِهِ أخاهُ هارُونَ وإبْلاغِهِ أمْرَ اللَّهِ إيّاهُ، فَقَرِينَةُ عَدَمِ إرادَةِ الفَوْرِ هُنا قائِمَةٌ. والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ لِقَصْدِ تَطْمِينِ مُوسى بِأنَّهُ سَيَكُونُ مُصاحِبًا لِآياتِ اللَّهِ، أيِ الدَّلائِلِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى صَدَقِهِ لَدى فِرْعَوْنَ. ومَعْنى (لا تَنِيا) لا تَضْعُفا. يُقالُ: ونى يَنِي ونًى، أيْ ضَعُفَ في العَمَلِ أيْ لا تَنِ أنْتَ وأبْلِغْ هارُونَ أنْ لا يَنِيَ، فَصِيغَةُ النَّهْيِ مُسْتَعْمَلَةٌ في حَقِيقَتِها ومَجازِها.

طه 20:43

صفحة ٢٢٤ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالٌ إلى خِطابِ مُوسى وهارُونَ. فَيَقْتَضِي أنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا لِهَذا الخِطابِ. وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) . وكانَ حُضُورُ هارُونَ عِنْدَ مُوسى بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أوْحاهُ إلى هارُونَ في أرْضِ (جاسانَ) حَيْثُ مَنازِلِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضٍ قُرْبَ طِيبَةَ. قالَ في التَّوْراةِ وفي الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وقالَ أيِ اللَّهُ هاهُوَ هارُونُ خارِجًا لِاسْتِقْبالِكَ فَتُكَلِّمُهُ أيْضًا. وفِيهِ أيْضًا: وقالَ الرَّبُّ لِهارُونَ اذْهَبْ إلى البَرِّيَّةِ لِاسْتِقْبالِ مُوسى فَذَهَبَ والتَقَيا في جَبَلِ اللَّهِ أيْ جَبَلِ حُورِيبَ، فَيَكُونُ قَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى مُوسى في الوادِي عِنْدَ النّارِ وما بَيْنَ وُصُولِ مُوسى مَعَ أهْلِهِ إلى جَبَلِ حُورِيبَ في طَرِيقِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ، جَوابًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) إلَخْ. ويَكُونُ فَصْلُ جُمْلَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. . لِوُقُوعِها في أُسْلُوبِ المُحاوَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ [طه: ٤٢])، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (اذْهَبا) أمَرًا لِمُوسى بِأنْ يَذْهَبَ وأنْ يَأْمُرَ أخاهُ بِالذَّهابِ مَعَهُ وهارُونُ غائِبٌ. وهَذا أنْسَبُ لِسِياقِ الجُمَلِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وقَدْ طُوِيَ ما بَيْنَ خِطابِ اللَّهِ مُوسى وما بَيْنَ حِكايَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ مُوسى ولَقِيَ أخاهُ هارُونَ، وأبْلَغَهُ أمْرَ اللَّهِ لَهُ بِما أمَرَهُ، فَقالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ إلَخْ. . وجُمْلَةُ إنَّهُ طَغى تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأنْ يَذْهَبا إلَيْهِ. فَعُلِمَ أنَّهُ لِقَصْدِ كفِّهِ عَنْ طُغْيانِهِ. صفحة ٢٢٥ وفِعْلُ طَغى رُسِمَ في المُصْحَفِ آخِرُهُ ألِفًا مُمالَةً، أيْ بِصُورَةِ الياءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن طَغِيَ مِثْلَ رَضِيَ. ويَجُوزُ فِيهِ الواوُ فَيُقالُ: يَطْغُو مِثْلَ يَدْعُو. والقَوْلُ اللَّيِّنُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى مَعانِي التَّرْغِيبِ والعَرْضِ واسْتِدْعاءِ الِامْتِثالِ، بِأنْ يُظْهِرَ المُتَكَلِّمُ لِلْمُخاطَبِ أنَّ لَهُ مِن سَدادِ الرَّأْيِ ما يَتَقَبَّلُ بِهِ الحَقَّ ويُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ تَجَنُّبِ أنْ يَشْتَمِلَ الكَلامُ عَلى تَسْفِيهِ رَأْيِ المُخاطَبِ أوْ تَجْهِيلِهِ. فَشَبَّهَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى المَعانِي الحَسَنَةِ بِالشَّيْءِ اللَّيِنِ. واللِّينُ، حَقِيقَةٌ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، وهو: رُطُوبَةُ مَلْمَسِ الجِسْمِ وسُهُولَةُ لَيِّهِ، وضِدُّ اللِّينِ الخُشُونَةُ. ويُسْتَعارُ اللِّينُ لِسُهُولَةِ المُعامَلَةِ والصَّفْحِ. وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: فَإنَّ قَناتَنا يا عَمْرُو أعْيَتْ عَلى الأعْداءِ قَبْلَكَ أنْ تَلِينا واللِّينُ مِن شِعارِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى (﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]) وقالَ (﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) . ومِنَ اللِّينِ في دَعْوَةِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩]) وقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧])، إذِ المَقْصُودُ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ حُصُولُ الِاهْتِداءِ لا إظْهارُ العَظَمَةِ وغِلْظَةَ القَوْلِ بِدُونِ جَدْوًى. فَإذا لَمْ يَنْفَعِ اللِّينُ مَعَ المَدْعُوِّ وأعْرَضَ واسْتَكْبَرَ جازَ في مَوْعِظَتِهِ الإغْلاظُ مَعَهُ، قالَ تَعالى (﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦])، وقالَ تَعالى عَنْ مُوسى (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨]) . والتَّرَجِّي المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ؛ إمّا تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ اللَّهِ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ بِشَأْنِ الرّاجِي، وإمّا أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِمُوسى وفِرْعَوْنَ بِأنْ يَرْجُوَ ذَلِكَ، صفحة ٢٢٦ فَكانَ النُّطْقُ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى لِسانِهِما، كَما تَقُولُ لِلشَّخْصِ إذا أشَرْتَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ: فَلَعَلَّهُ يُصادِفُكَ تَيْسِيرٌ، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنَّكَ تَرْجُو ذَلِكَ ولَكِنْ بِطَلَبِ رَجاءٍ مِنَ المُخاطَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّذَكُّرُ: مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - أيِ النَّظَرِ، أيْ لَعَلَّهُ يَنْظُرُ نَظَرَ المُتَبَصِّرِ فَيَعْرِفُ الحَقَّ أوْ يَخْشى حُلُولَ العِقابِ بِهِ فَيُطِيعُ عَنْ خَشْيَةٍ. لا عَنْ تَبَصُّرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ مِن أهْلِ الطُّغْيانِ واعْتِقادِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ. فالتَّذْكِيرُ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ عَلى الباطِلِ، والخَشْيَةُ: أنْ يَتَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَيَخْشى أنْ يَكُونَ عَلى الباطِلِ فَيَحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِالأخْذِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مُوسى. وهُنا انْتَهى تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

طه 20:44

صفحة ٢٢٤ ﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالٌ إلى خِطابِ مُوسى وهارُونَ. فَيَقْتَضِي أنَّ هارُونَ كانَ حاضِرًا لِهَذا الخِطابِ. وهو ظاهِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) . وكانَ حُضُورُ هارُونَ عِنْدَ مُوسى بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ أوْحاهُ إلى هارُونَ في أرْضِ (جاسانَ) حَيْثُ مَنازِلِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضٍ قُرْبَ طِيبَةَ. قالَ في التَّوْراةِ وفي الإصْحاحِ الرّابِعِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ وقالَ أيِ اللَّهُ هاهُوَ هارُونُ خارِجًا لِاسْتِقْبالِكَ فَتُكَلِّمُهُ أيْضًا. وفِيهِ أيْضًا: وقالَ الرَّبُّ لِهارُونَ اذْهَبْ إلى البَرِّيَّةِ لِاسْتِقْبالِ مُوسى فَذَهَبَ والتَقَيا في جَبَلِ اللَّهِ أيْ جَبَلِ حُورِيبَ، فَيَكُونُ قَدْ طُوِيَ ما حَدَثَ بَيْنَ تَكْلِيمِ اللَّهِ تَعالى مُوسى في الوادِي عِنْدَ النّارِ وما بَيْنَ وُصُولِ مُوسى مَعَ أهْلِهِ إلى جَبَلِ حُورِيبَ في طَرِيقِهِ إلى أرْضِ مِصْرَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ، جَوابًا عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُما (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) إلَخْ. ويَكُونُ فَصْلُ جُمْلَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. . لِوُقُوعِها في أُسْلُوبِ المُحاوَرَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ (﴿اذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ﴾) بَدَلًا مِن جُمْلَةِ (﴿اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ﴾ [طه: ٤٢])، فَيَكُونُ قَوْلُهُ (اذْهَبا) أمَرًا لِمُوسى بِأنْ يَذْهَبَ وأنْ يَأْمُرَ أخاهُ بِالذَّهابِ مَعَهُ وهارُونُ غائِبٌ. وهَذا أنْسَبُ لِسِياقِ الجُمَلِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وقَدْ طُوِيَ ما بَيْنَ خِطابِ اللَّهِ مُوسى وما بَيْنَ حِكايَةِ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ﴾ [طه: ٤٥]) إلَخْ. والتَّقْدِيرُ: فَذَهَبَ مُوسى ولَقِيَ أخاهُ هارُونَ، وأبْلَغَهُ أمْرَ اللَّهِ لَهُ بِما أمَرَهُ، فَقالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ إلَخْ. . وجُمْلَةُ إنَّهُ طَغى تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِأنْ يَذْهَبا إلَيْهِ. فَعُلِمَ أنَّهُ لِقَصْدِ كفِّهِ عَنْ طُغْيانِهِ. صفحة ٢٢٥ وفِعْلُ طَغى رُسِمَ في المُصْحَفِ آخِرُهُ ألِفًا مُمالَةً، أيْ بِصُورَةِ الياءِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن طَغِيَ مِثْلَ رَضِيَ. ويَجُوزُ فِيهِ الواوُ فَيُقالُ: يَطْغُو مِثْلَ يَدْعُو. والقَوْلُ اللَّيِّنُ: الكَلامُ الدّالُّ عَلى مَعانِي التَّرْغِيبِ والعَرْضِ واسْتِدْعاءِ الِامْتِثالِ، بِأنْ يُظْهِرَ المُتَكَلِّمُ لِلْمُخاطَبِ أنَّ لَهُ مِن سَدادِ الرَّأْيِ ما يَتَقَبَّلُ بِهِ الحَقَّ ويُمَيِّزُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مَعَ تَجَنُّبِ أنْ يَشْتَمِلَ الكَلامُ عَلى تَسْفِيهِ رَأْيِ المُخاطَبِ أوْ تَجْهِيلِهِ. فَشَبَّهَ الكَلامَ المُشْتَمِلَ عَلى المَعانِي الحَسَنَةِ بِالشَّيْءِ اللَّيِنِ. واللِّينُ، حَقِيقَةٌ مِن صِفاتِ الأجْسامِ، وهو: رُطُوبَةُ مَلْمَسِ الجِسْمِ وسُهُولَةُ لَيِّهِ، وضِدُّ اللِّينِ الخُشُونَةُ. ويُسْتَعارُ اللِّينُ لِسُهُولَةِ المُعامَلَةِ والصَّفْحِ. وقالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: فَإنَّ قَناتَنا يا عَمْرُو أعْيَتْ عَلى الأعْداءِ قَبْلَكَ أنْ تَلِينا واللِّينُ مِن شِعارِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، قالَ تَعالى (﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]) وقالَ (﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]) . ومِنَ اللِّينِ في دَعْوَةِ مُوسى لِفِرْعَوْنَ قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى﴾ [النازعات: ١٨] ﴿وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٩]) وقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ [طه: ٤٧])، إذِ المَقْصُودُ مِن دَعْوَةِ الرُّسُلِ حُصُولُ الِاهْتِداءِ لا إظْهارُ العَظَمَةِ وغِلْظَةَ القَوْلِ بِدُونِ جَدْوًى. فَإذا لَمْ يَنْفَعِ اللِّينُ مَعَ المَدْعُوِّ وأعْرَضَ واسْتَكْبَرَ جازَ في مَوْعِظَتِهِ الإغْلاظُ مَعَهُ، قالَ تَعالى (﴿ولا تُجادِلُوا أهْلَ الكِتابِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦])، وقالَ تَعالى عَنْ مُوسى (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨]) . والتَّرَجِّي المُسْتَفادُ مِن لَعَلَّ؛ إمّا تَمْثِيلٌ لِشَأْنِ اللَّهِ في دَعْوَةِ فِرْعَوْنَ بِشَأْنِ الرّاجِي، وإمّا أنْ يَكُونَ إعْلامًا لِمُوسى وفِرْعَوْنَ بِأنْ يَرْجُوَ ذَلِكَ، صفحة ٢٢٦ فَكانَ النُّطْقُ بِحَرْفِ التَّرَجِّي عَلى لِسانِهِما، كَما تَقُولُ لِلشَّخْصِ إذا أشَرْتَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ: فَلَعَلَّهُ يُصادِفُكَ تَيْسِيرٌ، وأنْتَ لا تُرِيدُ أنَّكَ تَرْجُو ذَلِكَ ولَكِنْ بِطَلَبِ رَجاءٍ مِنَ المُخاطَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ في القُرْآنِ غَيْرَ مَرَّةٍ. والتَّذَكُّرُ: مِنَ الذُّكْرِ - بِضَمِّ الذّالِ - أيِ النَّظَرِ، أيْ لَعَلَّهُ يَنْظُرُ نَظَرَ المُتَبَصِّرِ فَيَعْرِفُ الحَقَّ أوْ يَخْشى حُلُولَ العِقابِ بِهِ فَيُطِيعُ عَنْ خَشْيَةٍ. لا عَنْ تَبَصُّرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ مِن أهْلِ الطُّغْيانِ واعْتِقادِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ. فالتَّذْكِيرُ: أنْ يَعْرِفَ أنَّهُ عَلى الباطِلِ، والخَشْيَةُ: أنْ يَتَرَدَّدَ في ذَلِكَ فَيَخْشى أنْ يَكُونَ عَلى الباطِلِ فَيَحْتاطَ لِنَفْسِهِ بِالأخْذِ بِما دَعاهُ إلَيْهِ مُوسى. وهُنا انْتَهى تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعالى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .

طه 20:45

﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . فُصِلْتِ الجُمْلَتانِ لِوُقُوعِهِما مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ مُوسى مَعَ أخِيهِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، أيْ جَمَعا أمَرَهُما وعَزَمَ مُوسى وهارُونُ عَلى الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَناجِيا رَبَّهُما صفحة ٢٢٧ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾)، لِأنَّ غالِبَ التَّفْكِيرِ في العَواقِبِ والمَوانِعِ يَكُونُ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الفِعْلِ والأخْذِ في التَّهَيُّؤِ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى (فَأْتِياهُ) . ويَفْرُطُ مَعْناهُ يُعَجِّلُ ويَسْبِقُ، ويُقالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ مِن بابِ نَصَرَ. والفارِطُ: الَّذِي يَسْبِقُ الوُرّادَ إلى الحَوْضِ لِلشُّرْبِ. والمَعْنى: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ بِعِقابِنا بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُوباتِ قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ ونُحِجَّهُ. والطُّغْيانُ: التَّظاهُرُ بِالتَّكَبُّرِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أيْ نَخافُ أنْ يُخامِرَهُ كِبْرُهُ فَيَعُدَّ ذِكْرَنا إلَهًا دُونَهُ تَنْقِيصًا لَهُ وطَعْنًا في دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ فَيَطْغى، أيْ يَصْدُرَ مِنهُ ما هو أثَرُ الكِبَرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ. فَذَكَرَ الطُّغْيانَ بَعْدَ الفَرْطِ إشارَةً إلى أنَّهُما لا يُطِيقانِ ذَلِكَ، فَهو انْتِقالٌ مِنَ الأشَدِّ إلى الأضْعَفِ لِأنَّ (نَخافُ) يُئَوَّلُ إلى مَعْنى النَّفِيِ. وفي النَّفْي يُذْكَرُ الأضْعَفُ بَعْدَ الأقْوى بِعَكْسِ الإثْباتِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَطْغَي) فَيُحْتَمَلُ أنَّ حَذْفَهُ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ بِالحَذْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْنا. ويُحْتَمَلُ أنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَيْسَ نَظِيرُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ آخَرُ لِكَوْنِ التَّقْسِيمِ التَّقْدِيرِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِأنَّهُما لَمّا ذَكَرَ مُتَعَلِّقُ (﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾) وكانَ الفَرْطُ شامِلًا لِأنْواعِ العُقُوباتِ حَتّى الإهانَةَ بِالشَّتْمِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ بِ (أوْ) مَنظُورًا فِيهِ إلى حالَةٍ أُخْرى وهي طُغْيانُهُ عَلى مَن لا يَنالُهُ عِقابُهُ، أيْ أنْ يَطْغى عَلى اللَّهِ بِالتَّنْقِيصِ كَقَوْلِهِ، (﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]) وقَوْلِهِ (﴿لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨])، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْغى حِينَئِذٍ لِتَنْزِيهِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في هَذا المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْكَ فَيَتَصَلَّبَ في كُفْرِهِ ويَعْسُرُ صَرْفُهُ صفحة ٢٢٨ عَنْهُ. وفي التَّحَرُّزِ مِن ذَلِكَ غَيْرَةٌ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا تَحَرُّزٌ مِن رُسُوخِ عَقِيدَةِ الكُفْرِ في نَفْسِ الطّاغِي فَيَصِيرُ الرَّجاءُ في إيمانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أضْعَفَ مِنهُ فِيما قَبْلُ، وتِلْكَ مَفْسَدَةٌ في نَظَرِ الدِّينِ. وحَصَلَتْ مَعَ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ. قالَ اللَّهُ (﴿لا تَخافا﴾)، أيْ لا تَخافا حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. وهو نَهْيٌ مُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفِي، والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ حِفْظٍ. و(﴿أسْمَعُ وأرى﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أنا حافِظُكُما مِن كُلِّ ما تَخافانِهِ، وأنا أعْلَمُ الأقْوالَ والأعْمالَ فَلا أدَعُ عَمَلًا أوْ قَوْلًا تَخافانِهِ. ونُزِّلَ فِعْلا (﴿أسْمَعُ وأرى﴾) مَنزِلَةَ اللّازِمَيْنِ إذْ لا غَرَضَ لِبَيانِ مَفْعُولِهِما بَلِ المَقْصُودُ: أنِّي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ إعادَةُ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ. والإتْيانُ: الوُصُولُ والحُلُولُ، أيْ فَحُلّا عِنْدَهُ، لِأنَّ الإتْيانَ أثَرُ الذَّهابِ المَأْمُورِ بِهِ في الخِطابِ السّابِقِ، وكانا قَدِ اقْتَرَبا مِن مَكانِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُما في مَدِينَتِهِ، فَلِذا أُمِرا بِإتْيانِهِ ودَعْوَتِهِ. وجاءَتْ تَثْنِيَةُ رَسُولٍ عَلى الأصْلِ في مُطابَقَةِ الوَصْفِ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ في الإفْرادِ وغَيْرِهِ. وفَعُولٌ الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ، كَقَوْلِهِمْ ناقَةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، وعَدَمُ المُطابَقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وحْشِيَّةٌ خَلُوجٌ، أيِ اخْتُلِجَ ولَدُها. وجاءَ الوَجْهانِ في نَحْوِ (رَسُولُ) وهُما وجْهانِ مُسْتَوِيانِ. صفحة ٢٢٩ ومِن مَجِيئِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأدْخَلَ فاءَ التَّفْرِيعِ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ إطْلاقِهِمْ كالمُسْتَقَرِّ المَعْلُومِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، إمّا لِأنَّهُ سَبَقَتْ إشاعَةُ عَزْمِهِما عَلى الحُضُورِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ المَطْلَبِ، وإمّا لِأنَّهُ جَعَلَهُ لِأهَمِّيَّتِهِ كالمُقَرَّرِ. وتَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ ظاهِرًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَجِبُ طاعَتُهُ. وخَصّا الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ قَصْدًا لِأقْصى الدَّعْوَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ رَبَّهُما مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِما (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) وكَوْنَهُ رَبَّ النّاسِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى لِأنَّ فِرْعَوْنَ عَلَّمَهم أنَّهُ هو الرَّبُّ. والتَّعْذِيبُ الَّذِي سَألاهُ الكَفَّ عَنْهُ هو ما كانَ فِرْعَوْنُ يُسَخِّرُ لَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الخِدْمَةِ، لِأنَّهُ كانَ يَعُدُّ بَنِي إسْرائِيلَ كالعَبِيدِ والخَوَلِ جَزاءَ إحْلالِهِمْ بِأرْضِهِ. وجُمْلَةُ (﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾) فِيها بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) فَكانَتِ الأُولى إجْمالًا والثّانِيَةُ بَيانًا. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِتَحْقِيقِ كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى يَدِ أحَدِهِما مِن دَلائِلَ الصِّدْقِ. وكِلا الغَرَضَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واقْتَصَرَ عَلى أنَّهُما مُصاحِبانِ لِآيَةٍ إظْهارًا لِكَوْنِهِما مُسْتَعِدَّيْنِ لِإظْهارِ الآيَةِ إذا أرادَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ، فَأمّا إنْ آمَنَ بِدُونِ احْتِياجٍ إلى إظْهارِ الآيَةِ يَكُنْ إيمانُهُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ حُكِي في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ فِرْعَوْنَ (﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]) وهَذِهِ الآيَةُ هي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وقَدْ تَبِعَها آياتٌ أُخْرى. صفحة ٢٣٠ والِاقْتِصارُ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى أُرْسِلَ لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْوِينِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بِأنْ يَبُثَّ فِيهِمُ الشَّرِيعَةَ المُصْلِحَةَ لَهم والمُقِيمَةَ لِاسْتِقْلالِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يُرْسَلْ لِخِطابِ القِبْطِ بِالشَّرِيعَةِ ومَعَ ذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِ. وأيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ طَلَبَ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وهَذا يُؤْخَذُ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ وما في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ وما في آيَةِ سُورَةِ النّازِعاتِ والآياتِ الأُخْرى. والسَّلامُ: السَّلامَةُ والإكْرامُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هُنا التَّحِيَّةُ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُعَيَّنٌ يُقْصَدُ بِالتَّحِيَّةَ. ولا يُرادُ تَحِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ في ابْتِداءِ المُواجَهَةِ لا في أثْناءِ الكَلامِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِهِ إلى هِرَقْلَ وغَيْرِهِ: «أسْلِمْ تَسْلَمْ» . و(عَلى) لِلتَّمَكُّنِ، أيْ سَلامَةُ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ثابِتَةٌ لَهم دُونَ رَيْبٍ. وهَذا احْتِراسٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْإنْذارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾)، فَقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ الهُدى الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَوْلُهُ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾) تَعْرِيضٌ لِإنْذارِهِ عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ حُصُولِهِ مِنهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قَبْلَ ظُهُورِ رَأْيِ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ حَتّى لا يُجابِهَهُ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِ بِتَصْرِيحِ تَوْجِيهِ الإنْذارِ إلَيْهِ، وهَذا أُسْلُوبُ القَوْلِ اللَّيِّنِ الَّذِي أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ. وتَعْرِيفُ العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فالمُعَرَّفُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَذابًا عَلى مَن كَذَّبَ. صفحة ٢٣١ وإطْلاقُ السَّلامِ والعَذابِ دُونَ تَقَيُّدٍ بِالدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ تَعْمِيمٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]) . وهَذا كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُما بِتَبْلِيغِهِ إلى فِرْعَوْنَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وما ذُكِرَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ إلى هُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ في السُّوَرِ الماضِيَةِ.

طه 20:46

﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . فُصِلْتِ الجُمْلَتانِ لِوُقُوعِهِما مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ مُوسى مَعَ أخِيهِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، أيْ جَمَعا أمَرَهُما وعَزَمَ مُوسى وهارُونُ عَلى الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَناجِيا رَبَّهُما صفحة ٢٢٧ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾)، لِأنَّ غالِبَ التَّفْكِيرِ في العَواقِبِ والمَوانِعِ يَكُونُ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الفِعْلِ والأخْذِ في التَّهَيُّؤِ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى (فَأْتِياهُ) . ويَفْرُطُ مَعْناهُ يُعَجِّلُ ويَسْبِقُ، ويُقالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ مِن بابِ نَصَرَ. والفارِطُ: الَّذِي يَسْبِقُ الوُرّادَ إلى الحَوْضِ لِلشُّرْبِ. والمَعْنى: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ بِعِقابِنا بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُوباتِ قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ ونُحِجَّهُ. والطُّغْيانُ: التَّظاهُرُ بِالتَّكَبُّرِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أيْ نَخافُ أنْ يُخامِرَهُ كِبْرُهُ فَيَعُدَّ ذِكْرَنا إلَهًا دُونَهُ تَنْقِيصًا لَهُ وطَعْنًا في دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ فَيَطْغى، أيْ يَصْدُرَ مِنهُ ما هو أثَرُ الكِبَرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ. فَذَكَرَ الطُّغْيانَ بَعْدَ الفَرْطِ إشارَةً إلى أنَّهُما لا يُطِيقانِ ذَلِكَ، فَهو انْتِقالٌ مِنَ الأشَدِّ إلى الأضْعَفِ لِأنَّ (نَخافُ) يُئَوَّلُ إلى مَعْنى النَّفِيِ. وفي النَّفْي يُذْكَرُ الأضْعَفُ بَعْدَ الأقْوى بِعَكْسِ الإثْباتِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَطْغَي) فَيُحْتَمَلُ أنَّ حَذْفَهُ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ بِالحَذْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْنا. ويُحْتَمَلُ أنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَيْسَ نَظِيرُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ آخَرُ لِكَوْنِ التَّقْسِيمِ التَّقْدِيرِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِأنَّهُما لَمّا ذَكَرَ مُتَعَلِّقُ (﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾) وكانَ الفَرْطُ شامِلًا لِأنْواعِ العُقُوباتِ حَتّى الإهانَةَ بِالشَّتْمِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ بِ (أوْ) مَنظُورًا فِيهِ إلى حالَةٍ أُخْرى وهي طُغْيانُهُ عَلى مَن لا يَنالُهُ عِقابُهُ، أيْ أنْ يَطْغى عَلى اللَّهِ بِالتَّنْقِيصِ كَقَوْلِهِ، (﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]) وقَوْلِهِ (﴿لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨])، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْغى حِينَئِذٍ لِتَنْزِيهِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في هَذا المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْكَ فَيَتَصَلَّبَ في كُفْرِهِ ويَعْسُرُ صَرْفُهُ صفحة ٢٢٨ عَنْهُ. وفي التَّحَرُّزِ مِن ذَلِكَ غَيْرَةٌ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا تَحَرُّزٌ مِن رُسُوخِ عَقِيدَةِ الكُفْرِ في نَفْسِ الطّاغِي فَيَصِيرُ الرَّجاءُ في إيمانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أضْعَفَ مِنهُ فِيما قَبْلُ، وتِلْكَ مَفْسَدَةٌ في نَظَرِ الدِّينِ. وحَصَلَتْ مَعَ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ. قالَ اللَّهُ (﴿لا تَخافا﴾)، أيْ لا تَخافا حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. وهو نَهْيٌ مُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفِي، والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ حِفْظٍ. و(﴿أسْمَعُ وأرى﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أنا حافِظُكُما مِن كُلِّ ما تَخافانِهِ، وأنا أعْلَمُ الأقْوالَ والأعْمالَ فَلا أدَعُ عَمَلًا أوْ قَوْلًا تَخافانِهِ. ونُزِّلَ فِعْلا (﴿أسْمَعُ وأرى﴾) مَنزِلَةَ اللّازِمَيْنِ إذْ لا غَرَضَ لِبَيانِ مَفْعُولِهِما بَلِ المَقْصُودُ: أنِّي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ إعادَةُ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ. والإتْيانُ: الوُصُولُ والحُلُولُ، أيْ فَحُلّا عِنْدَهُ، لِأنَّ الإتْيانَ أثَرُ الذَّهابِ المَأْمُورِ بِهِ في الخِطابِ السّابِقِ، وكانا قَدِ اقْتَرَبا مِن مَكانِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُما في مَدِينَتِهِ، فَلِذا أُمِرا بِإتْيانِهِ ودَعْوَتِهِ. وجاءَتْ تَثْنِيَةُ رَسُولٍ عَلى الأصْلِ في مُطابَقَةِ الوَصْفِ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ في الإفْرادِ وغَيْرِهِ. وفَعُولٌ الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ، كَقَوْلِهِمْ ناقَةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، وعَدَمُ المُطابَقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وحْشِيَّةٌ خَلُوجٌ، أيِ اخْتُلِجَ ولَدُها. وجاءَ الوَجْهانِ في نَحْوِ (رَسُولُ) وهُما وجْهانِ مُسْتَوِيانِ. صفحة ٢٢٩ ومِن مَجِيئِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأدْخَلَ فاءَ التَّفْرِيعِ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ إطْلاقِهِمْ كالمُسْتَقَرِّ المَعْلُومِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، إمّا لِأنَّهُ سَبَقَتْ إشاعَةُ عَزْمِهِما عَلى الحُضُورِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ المَطْلَبِ، وإمّا لِأنَّهُ جَعَلَهُ لِأهَمِّيَّتِهِ كالمُقَرَّرِ. وتَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ ظاهِرًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَجِبُ طاعَتُهُ. وخَصّا الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ قَصْدًا لِأقْصى الدَّعْوَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ رَبَّهُما مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِما (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) وكَوْنَهُ رَبَّ النّاسِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى لِأنَّ فِرْعَوْنَ عَلَّمَهم أنَّهُ هو الرَّبُّ. والتَّعْذِيبُ الَّذِي سَألاهُ الكَفَّ عَنْهُ هو ما كانَ فِرْعَوْنُ يُسَخِّرُ لَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الخِدْمَةِ، لِأنَّهُ كانَ يَعُدُّ بَنِي إسْرائِيلَ كالعَبِيدِ والخَوَلِ جَزاءَ إحْلالِهِمْ بِأرْضِهِ. وجُمْلَةُ (﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾) فِيها بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) فَكانَتِ الأُولى إجْمالًا والثّانِيَةُ بَيانًا. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِتَحْقِيقِ كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى يَدِ أحَدِهِما مِن دَلائِلَ الصِّدْقِ. وكِلا الغَرَضَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واقْتَصَرَ عَلى أنَّهُما مُصاحِبانِ لِآيَةٍ إظْهارًا لِكَوْنِهِما مُسْتَعِدَّيْنِ لِإظْهارِ الآيَةِ إذا أرادَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ، فَأمّا إنْ آمَنَ بِدُونِ احْتِياجٍ إلى إظْهارِ الآيَةِ يَكُنْ إيمانُهُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ حُكِي في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ فِرْعَوْنَ (﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]) وهَذِهِ الآيَةُ هي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وقَدْ تَبِعَها آياتٌ أُخْرى. صفحة ٢٣٠ والِاقْتِصارُ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى أُرْسِلَ لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْوِينِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بِأنْ يَبُثَّ فِيهِمُ الشَّرِيعَةَ المُصْلِحَةَ لَهم والمُقِيمَةَ لِاسْتِقْلالِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يُرْسَلْ لِخِطابِ القِبْطِ بِالشَّرِيعَةِ ومَعَ ذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِ. وأيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ طَلَبَ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وهَذا يُؤْخَذُ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ وما في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ وما في آيَةِ سُورَةِ النّازِعاتِ والآياتِ الأُخْرى. والسَّلامُ: السَّلامَةُ والإكْرامُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هُنا التَّحِيَّةُ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُعَيَّنٌ يُقْصَدُ بِالتَّحِيَّةَ. ولا يُرادُ تَحِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ في ابْتِداءِ المُواجَهَةِ لا في أثْناءِ الكَلامِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِهِ إلى هِرَقْلَ وغَيْرِهِ: «أسْلِمْ تَسْلَمْ» . و(عَلى) لِلتَّمَكُّنِ، أيْ سَلامَةُ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ثابِتَةٌ لَهم دُونَ رَيْبٍ. وهَذا احْتِراسٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْإنْذارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾)، فَقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ الهُدى الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَوْلُهُ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾) تَعْرِيضٌ لِإنْذارِهِ عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ حُصُولِهِ مِنهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قَبْلَ ظُهُورِ رَأْيِ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ حَتّى لا يُجابِهَهُ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِ بِتَصْرِيحِ تَوْجِيهِ الإنْذارِ إلَيْهِ، وهَذا أُسْلُوبُ القَوْلِ اللَّيِّنِ الَّذِي أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ. وتَعْرِيفُ العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فالمُعَرَّفُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَذابًا عَلى مَن كَذَّبَ. صفحة ٢٣١ وإطْلاقُ السَّلامِ والعَذابِ دُونَ تَقَيُّدٍ بِالدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ تَعْمِيمٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]) . وهَذا كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُما بِتَبْلِيغِهِ إلى فِرْعَوْنَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وما ذُكِرَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ إلى هُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ في السُّوَرِ الماضِيَةِ.

طه 20:47

﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . فُصِلْتِ الجُمْلَتانِ لِوُقُوعِهِما مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ مُوسى مَعَ أخِيهِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، أيْ جَمَعا أمَرَهُما وعَزَمَ مُوسى وهارُونُ عَلى الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَناجِيا رَبَّهُما صفحة ٢٢٧ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾)، لِأنَّ غالِبَ التَّفْكِيرِ في العَواقِبِ والمَوانِعِ يَكُونُ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الفِعْلِ والأخْذِ في التَّهَيُّؤِ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى (فَأْتِياهُ) . ويَفْرُطُ مَعْناهُ يُعَجِّلُ ويَسْبِقُ، ويُقالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ مِن بابِ نَصَرَ. والفارِطُ: الَّذِي يَسْبِقُ الوُرّادَ إلى الحَوْضِ لِلشُّرْبِ. والمَعْنى: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ بِعِقابِنا بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُوباتِ قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ ونُحِجَّهُ. والطُّغْيانُ: التَّظاهُرُ بِالتَّكَبُّرِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أيْ نَخافُ أنْ يُخامِرَهُ كِبْرُهُ فَيَعُدَّ ذِكْرَنا إلَهًا دُونَهُ تَنْقِيصًا لَهُ وطَعْنًا في دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ فَيَطْغى، أيْ يَصْدُرَ مِنهُ ما هو أثَرُ الكِبَرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ. فَذَكَرَ الطُّغْيانَ بَعْدَ الفَرْطِ إشارَةً إلى أنَّهُما لا يُطِيقانِ ذَلِكَ، فَهو انْتِقالٌ مِنَ الأشَدِّ إلى الأضْعَفِ لِأنَّ (نَخافُ) يُئَوَّلُ إلى مَعْنى النَّفِيِ. وفي النَّفْي يُذْكَرُ الأضْعَفُ بَعْدَ الأقْوى بِعَكْسِ الإثْباتِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَطْغَي) فَيُحْتَمَلُ أنَّ حَذْفَهُ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ بِالحَذْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْنا. ويُحْتَمَلُ أنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَيْسَ نَظِيرُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ آخَرُ لِكَوْنِ التَّقْسِيمِ التَّقْدِيرِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِأنَّهُما لَمّا ذَكَرَ مُتَعَلِّقُ (﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾) وكانَ الفَرْطُ شامِلًا لِأنْواعِ العُقُوباتِ حَتّى الإهانَةَ بِالشَّتْمِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ بِ (أوْ) مَنظُورًا فِيهِ إلى حالَةٍ أُخْرى وهي طُغْيانُهُ عَلى مَن لا يَنالُهُ عِقابُهُ، أيْ أنْ يَطْغى عَلى اللَّهِ بِالتَّنْقِيصِ كَقَوْلِهِ، (﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]) وقَوْلِهِ (﴿لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨])، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْغى حِينَئِذٍ لِتَنْزِيهِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في هَذا المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْكَ فَيَتَصَلَّبَ في كُفْرِهِ ويَعْسُرُ صَرْفُهُ صفحة ٢٢٨ عَنْهُ. وفي التَّحَرُّزِ مِن ذَلِكَ غَيْرَةٌ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا تَحَرُّزٌ مِن رُسُوخِ عَقِيدَةِ الكُفْرِ في نَفْسِ الطّاغِي فَيَصِيرُ الرَّجاءُ في إيمانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أضْعَفَ مِنهُ فِيما قَبْلُ، وتِلْكَ مَفْسَدَةٌ في نَظَرِ الدِّينِ. وحَصَلَتْ مَعَ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ. قالَ اللَّهُ (﴿لا تَخافا﴾)، أيْ لا تَخافا حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. وهو نَهْيٌ مُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفِي، والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ حِفْظٍ. و(﴿أسْمَعُ وأرى﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أنا حافِظُكُما مِن كُلِّ ما تَخافانِهِ، وأنا أعْلَمُ الأقْوالَ والأعْمالَ فَلا أدَعُ عَمَلًا أوْ قَوْلًا تَخافانِهِ. ونُزِّلَ فِعْلا (﴿أسْمَعُ وأرى﴾) مَنزِلَةَ اللّازِمَيْنِ إذْ لا غَرَضَ لِبَيانِ مَفْعُولِهِما بَلِ المَقْصُودُ: أنِّي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ إعادَةُ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ. والإتْيانُ: الوُصُولُ والحُلُولُ، أيْ فَحُلّا عِنْدَهُ، لِأنَّ الإتْيانَ أثَرُ الذَّهابِ المَأْمُورِ بِهِ في الخِطابِ السّابِقِ، وكانا قَدِ اقْتَرَبا مِن مَكانِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُما في مَدِينَتِهِ، فَلِذا أُمِرا بِإتْيانِهِ ودَعْوَتِهِ. وجاءَتْ تَثْنِيَةُ رَسُولٍ عَلى الأصْلِ في مُطابَقَةِ الوَصْفِ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ في الإفْرادِ وغَيْرِهِ. وفَعُولٌ الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ، كَقَوْلِهِمْ ناقَةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، وعَدَمُ المُطابَقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وحْشِيَّةٌ خَلُوجٌ، أيِ اخْتُلِجَ ولَدُها. وجاءَ الوَجْهانِ في نَحْوِ (رَسُولُ) وهُما وجْهانِ مُسْتَوِيانِ. صفحة ٢٢٩ ومِن مَجِيئِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأدْخَلَ فاءَ التَّفْرِيعِ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ إطْلاقِهِمْ كالمُسْتَقَرِّ المَعْلُومِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، إمّا لِأنَّهُ سَبَقَتْ إشاعَةُ عَزْمِهِما عَلى الحُضُورِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ المَطْلَبِ، وإمّا لِأنَّهُ جَعَلَهُ لِأهَمِّيَّتِهِ كالمُقَرَّرِ. وتَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ ظاهِرًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَجِبُ طاعَتُهُ. وخَصّا الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ قَصْدًا لِأقْصى الدَّعْوَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ رَبَّهُما مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِما (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) وكَوْنَهُ رَبَّ النّاسِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى لِأنَّ فِرْعَوْنَ عَلَّمَهم أنَّهُ هو الرَّبُّ. والتَّعْذِيبُ الَّذِي سَألاهُ الكَفَّ عَنْهُ هو ما كانَ فِرْعَوْنُ يُسَخِّرُ لَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الخِدْمَةِ، لِأنَّهُ كانَ يَعُدُّ بَنِي إسْرائِيلَ كالعَبِيدِ والخَوَلِ جَزاءَ إحْلالِهِمْ بِأرْضِهِ. وجُمْلَةُ (﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾) فِيها بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) فَكانَتِ الأُولى إجْمالًا والثّانِيَةُ بَيانًا. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِتَحْقِيقِ كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى يَدِ أحَدِهِما مِن دَلائِلَ الصِّدْقِ. وكِلا الغَرَضَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واقْتَصَرَ عَلى أنَّهُما مُصاحِبانِ لِآيَةٍ إظْهارًا لِكَوْنِهِما مُسْتَعِدَّيْنِ لِإظْهارِ الآيَةِ إذا أرادَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ، فَأمّا إنْ آمَنَ بِدُونِ احْتِياجٍ إلى إظْهارِ الآيَةِ يَكُنْ إيمانُهُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ حُكِي في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ فِرْعَوْنَ (﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]) وهَذِهِ الآيَةُ هي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وقَدْ تَبِعَها آياتٌ أُخْرى. صفحة ٢٣٠ والِاقْتِصارُ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى أُرْسِلَ لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْوِينِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بِأنْ يَبُثَّ فِيهِمُ الشَّرِيعَةَ المُصْلِحَةَ لَهم والمُقِيمَةَ لِاسْتِقْلالِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يُرْسَلْ لِخِطابِ القِبْطِ بِالشَّرِيعَةِ ومَعَ ذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِ. وأيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ طَلَبَ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وهَذا يُؤْخَذُ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ وما في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ وما في آيَةِ سُورَةِ النّازِعاتِ والآياتِ الأُخْرى. والسَّلامُ: السَّلامَةُ والإكْرامُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هُنا التَّحِيَّةُ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُعَيَّنٌ يُقْصَدُ بِالتَّحِيَّةَ. ولا يُرادُ تَحِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ في ابْتِداءِ المُواجَهَةِ لا في أثْناءِ الكَلامِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِهِ إلى هِرَقْلَ وغَيْرِهِ: «أسْلِمْ تَسْلَمْ» . و(عَلى) لِلتَّمَكُّنِ، أيْ سَلامَةُ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ثابِتَةٌ لَهم دُونَ رَيْبٍ. وهَذا احْتِراسٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْإنْذارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾)، فَقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ الهُدى الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَوْلُهُ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾) تَعْرِيضٌ لِإنْذارِهِ عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ حُصُولِهِ مِنهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قَبْلَ ظُهُورِ رَأْيِ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ حَتّى لا يُجابِهَهُ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِ بِتَصْرِيحِ تَوْجِيهِ الإنْذارِ إلَيْهِ، وهَذا أُسْلُوبُ القَوْلِ اللَّيِّنِ الَّذِي أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ. وتَعْرِيفُ العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فالمُعَرَّفُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَذابًا عَلى مَن كَذَّبَ. صفحة ٢٣١ وإطْلاقُ السَّلامِ والعَذابِ دُونَ تَقَيُّدٍ بِالدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ تَعْمِيمٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]) . وهَذا كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُما بِتَبْلِيغِهِ إلى فِرْعَوْنَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وما ذُكِرَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ إلى هُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ في السُّوَرِ الماضِيَةِ.

طه 20:48

﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ ﴿فَأْتِياهُ فَقُولا إنّا رَسُولا رَبِّكَ فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ ولا تُعَذِّبْهم قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾ ﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ . فُصِلْتِ الجُمْلَتانِ لِوُقُوعِهِما مَوْقِعَ المُحاوَرَةِ بَيْنَ مُوسى مَعَ أخِيهِ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى عَلى كِلا الوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْناهُما آنِفًا، أيْ جَمَعا أمَرَهُما وعَزَمَ مُوسى وهارُونُ عَلى الذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ فَناجِيا رَبَّهُما صفحة ٢٢٧ (﴿قالا رَبَّنا إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾)، لِأنَّ غالِبَ التَّفْكِيرِ في العَواقِبِ والمَوانِعِ يَكُونُ عِنْدَ العَزْمِ عَلى الفِعْلِ والأخْذِ في التَّهَيُّؤِ لَهُ، ولِذَلِكَ أُعِيدَ أمْرُهُما بِقَوْلِهِ تَعالى (فَأْتِياهُ) . ويَفْرُطُ مَعْناهُ يُعَجِّلُ ويَسْبِقُ، ويُقالُ: فَرَطَ يَفْرُطُ مِن بابِ نَصَرَ. والفارِطُ: الَّذِي يَسْبِقُ الوُرّادَ إلى الحَوْضِ لِلشُّرْبِ. والمَعْنى: نَخافُ أنْ يُعَجِّلَ بِعِقابِنا بِالقَتْلِ أوْ غَيْرِهِ مِنَ العُقُوباتِ قَبْلَ أنْ نُبَلِّغَهُ ونُحِجَّهُ. والطُّغْيانُ: التَّظاهُرُ بِالتَّكَبُّرِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ (﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ إنَّهُ طَغى﴾ [طه: ٢٤])، أيْ نَخافُ أنْ يُخامِرَهُ كِبْرُهُ فَيَعُدَّ ذِكْرَنا إلَهًا دُونَهُ تَنْقِيصًا لَهُ وطَعْنًا في دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ فَيَطْغى، أيْ يَصْدُرَ مِنهُ ما هو أثَرُ الكِبَرِ مِنَ التَّحْقِيرِ والإهانَةِ. فَذَكَرَ الطُّغْيانَ بَعْدَ الفَرْطِ إشارَةً إلى أنَّهُما لا يُطِيقانِ ذَلِكَ، فَهو انْتِقالٌ مِنَ الأشَدِّ إلى الأضْعَفِ لِأنَّ (نَخافُ) يُئَوَّلُ إلى مَعْنى النَّفِيِ. وفي النَّفْي يُذْكَرُ الأضْعَفُ بَعْدَ الأقْوى بِعَكْسِ الإثْباتِ ما لَمْ يُوجَدْ ما يَقْتَضِي عَكْسَ ذَلِكَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَطْغَي) فَيُحْتَمَلُ أنَّ حَذْفَهُ لِدَلالَةِ نَظِيرِهِ عَلَيْهِ، وأُوثِرَ بِالحَذْفِ لِرِعايَةِ الفَواصِلِ. والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْنا. ويُحْتَمَلُ أنَّ مُتَعَلِّقَهُ لَيْسَ نَظِيرُ المَذْكُورِ قَبْلَهُ بَلْ هو مُتَعَلِّقٌ آخَرُ لِكَوْنِ التَّقْسِيمِ التَّقْدِيرِيِّ دَلِيلًا عَلَيْهِ لِأنَّهُما لَمّا ذَكَرَ مُتَعَلِّقُ (﴿يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾) وكانَ الفَرْطُ شامِلًا لِأنْواعِ العُقُوباتِ حَتّى الإهانَةَ بِالشَّتْمِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ التَّقْسِيمُ بِ (أوْ) مَنظُورًا فِيهِ إلى حالَةٍ أُخْرى وهي طُغْيانُهُ عَلى مَن لا يَنالُهُ عِقابُهُ، أيْ أنْ يَطْغى عَلى اللَّهِ بِالتَّنْقِيصِ كَقَوْلِهِ، (﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]) وقَوْلِهِ (﴿لَعَلِّيَ أطَّلِعُ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [القصص: ٣٨])، فَحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَطْغى حِينَئِذٍ لِتَنْزِيهِهِ عَلى التَّصْرِيحِ بِهِ في هَذا المَقامِ، والتَّقْدِيرُ: أوْ أنْ يَطْغى عَلَيْكَ فَيَتَصَلَّبَ في كُفْرِهِ ويَعْسُرُ صَرْفُهُ صفحة ٢٢٨ عَنْهُ. وفي التَّحَرُّزِ مِن ذَلِكَ غَيْرَةٌ عَلى جانِبِ اللَّهِ تَعالى، وفِيهِ أيْضًا تَحَرُّزٌ مِن رُسُوخِ عَقِيدَةِ الكُفْرِ في نَفْسِ الطّاغِي فَيَصِيرُ الرَّجاءُ في إيمانِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أضْعَفَ مِنهُ فِيما قَبْلُ، وتِلْكَ مَفْسَدَةٌ في نَظَرِ الدِّينِ. وحَصَلَتْ مَعَ ذَلِكَ رِعايَةُ الفاصِلَةِ. قالَ اللَّهُ (﴿لا تَخافا﴾)، أيْ لا تَخافا حُصُولَ شَيْءٍ مِنَ الأمْرَيْنِ. وهو نَهْيٌ مُكَنًّى بِهِ عَنْ نَفْيِ وُقُوعِ المَنهِيِّ عَنْهُ. وجُمْلَةُ (﴿إنَّنِي مَعَكُما﴾) تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفِي، والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ حِفْظٍ. و(﴿أسْمَعُ وأرى﴾) حالانِ مِن ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ، أيْ أنا حافِظُكُما مِن كُلِّ ما تَخافانِهِ، وأنا أعْلَمُ الأقْوالَ والأعْمالَ فَلا أدَعُ عَمَلًا أوْ قَوْلًا تَخافانِهِ. ونُزِّلَ فِعْلا (﴿أسْمَعُ وأرى﴾) مَنزِلَةَ اللّازِمَيْنِ إذْ لا غَرَضَ لِبَيانِ مَفْعُولِهِما بَلِ المَقْصُودُ: أنِّي لا يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ إعادَةُ الأمْرِ بِالذَّهابِ إلى فِرْعَوْنَ. والإتْيانُ: الوُصُولُ والحُلُولُ، أيْ فَحُلّا عِنْدَهُ، لِأنَّ الإتْيانَ أثَرُ الذَّهابِ المَأْمُورِ بِهِ في الخِطابِ السّابِقِ، وكانا قَدِ اقْتَرَبا مِن مَكانِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُما في مَدِينَتِهِ، فَلِذا أُمِرا بِإتْيانِهِ ودَعْوَتِهِ. وجاءَتْ تَثْنِيَةُ رَسُولٍ عَلى الأصْلِ في مُطابَقَةِ الوَصْفِ الَّذِي يُجْرى عَلَيْهِ في الإفْرادِ وغَيْرِهِ. وفَعُولٌ الَّذِي بِمَعْنى مَفْعُولٍ تَجُوزُ فِيهِ المُطابَقَةُ، كَقَوْلِهِمْ ناقَةٌ طَرُوقَةُ الفَحْلِ، وعَدَمُ المُطابَقَةِ كَقَوْلِهِمْ: وحْشِيَّةٌ خَلُوجٌ، أيِ اخْتُلِجَ ولَدُها. وجاءَ الوَجْهانِ في نَحْوِ (رَسُولُ) وهُما وجْهانِ مُسْتَوِيانِ. صفحة ٢٢٩ ومِن مَجِيئِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]) وسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ ذَلِكَ هُنالِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. وأدْخَلَ فاءَ التَّفْرِيعِ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِأنَّهُ جَعَلَ طَلَبَ إطْلاقِهِمْ كالمُسْتَقَرِّ المَعْلُومِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، إمّا لِأنَّهُ سَبَقَتْ إشاعَةُ عَزْمِهِما عَلى الحُضُورِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ المَطْلَبِ، وإمّا لِأنَّهُ جَعَلَهُ لِأهَمِّيَّتِهِ كالمُقَرَّرِ. وتَفْرِيعُ ذَلِكَ عَلى كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ ظاهِرًا، لِأنَّ المُرْسَلَ مِنَ اللَّهِ تَجِبُ طاعَتُهُ. وخَصّا الرَّبَّ بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ فِرْعَوْنَ قَصْدًا لِأقْصى الدَّعْوَةِ، لِأنَّ كَوْنَ اللَّهِ رَبَّهُما مَعْلُومٌ مِن قَوْلِهِما (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) وكَوْنَهُ رَبَّ النّاسِ مَعْلُومٌ بِالأحْرى لِأنَّ فِرْعَوْنَ عَلَّمَهم أنَّهُ هو الرَّبُّ. والتَّعْذِيبُ الَّذِي سَألاهُ الكَفَّ عَنْهُ هو ما كانَ فِرْعَوْنُ يُسَخِّرُ لَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ في الخِدْمَةِ، لِأنَّهُ كانَ يَعُدُّ بَنِي إسْرائِيلَ كالعَبِيدِ والخَوَلِ جَزاءَ إحْلالِهِمْ بِأرْضِهِ. وجُمْلَةُ (﴿قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ﴾) فِيها بَيانٌ لِجُمْلَةِ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾) فَكانَتِ الأُولى إجْمالًا والثّانِيَةُ بَيانًا. وفِيها مَعْنى التَّعْلِيلِ لِتَحْقِيقِ كَوْنِهِما مُرْسَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ بِما يُظْهِرُهُ اللَّهُ عَلى يَدِ أحَدِهِما مِن دَلائِلَ الصِّدْقِ. وكِلا الغَرَضَيْنِ يُوجِبُ فَصْلَ الجُمْلَةِ عَنِ الَّتِي قَبْلَها. واقْتَصَرَ عَلى أنَّهُما مُصاحِبانِ لِآيَةٍ إظْهارًا لِكَوْنِهِما مُسْتَعِدَّيْنِ لِإظْهارِ الآيَةِ إذا أرادَ فِرْعَوْنُ ذَلِكَ، فَأمّا إنْ آمَنَ بِدُونِ احْتِياجٍ إلى إظْهارِ الآيَةِ يَكُنْ إيمانُهُ أكْمَلَ، ولِذَلِكَ حُكِي في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ فِرْعَوْنَ (﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦]) وهَذِهِ الآيَةُ هي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وقَدْ تَبِعَها آياتٌ أُخْرى. صفحة ٢٣٠ والِاقْتِصارُ عَلى طَلَبِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى أُرْسِلَ لِإنْقاذِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَكْوِينِ أُمَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، بِأنْ يَبُثَّ فِيهِمُ الشَّرِيعَةَ المُصْلِحَةَ لَهم والمُقِيمَةَ لِاسْتِقْلالِهِمْ وسُلْطانِهِمْ، ولَمْ يُرْسَلْ لِخِطابِ القِبْطِ بِالشَّرِيعَةِ ومَعَ ذَلِكَ دَعا فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ إلى التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ الَّذِي هو بَيْنَ ظَهْرانِيهِ. وأيْضًا لِأنَّ ذَلِكَ وسِيلَةٌ إلى إجابَتِهِ طَلَبَ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ. وهَذا يُؤْخَذُ مِمّا في هَذِهِ الآيَةِ وما في آيَةِ سُورَةِ الإسْراءِ وما في آيَةِ سُورَةِ النّازِعاتِ والآياتِ الأُخْرى. والسَّلامُ: السَّلامَةُ والإكْرامُ. ولَيْسَ المُرادُ بِهِ هُنا التَّحِيَّةُ، إذْ لَيْسَ ثَمَّ مُعَيَّنٌ يُقْصَدُ بِالتَّحِيَّةَ. ولا يُرادُ تَحِيَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّها إنَّما تَكُونُ في ابْتِداءِ المُواجَهَةِ لا في أثْناءِ الكَلامِ، وهَذا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في كِتابِهِ إلى هِرَقْلَ وغَيْرِهِ: «أسْلِمْ تَسْلَمْ» . و(عَلى) لِلتَّمَكُّنِ، أيْ سَلامَةُ مَنِ اتَّبَعَ الهُدى ثابِتَةٌ لَهم دُونَ رَيْبٍ. وهَذا احْتِراسٌ ومُقَدِّمَةٌ لِلْإنْذارِ الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾)، فَقَوْلُهُ (﴿والسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى﴾) تَعْرِيضٌ بِأنْ يَطْلُبَ فِرْعَوْنُ الهُدى الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وقَوْلُهُ (﴿إنّا قَدْ أُوحِيَ إلَيْنا﴾) تَعْرِيضٌ لِإنْذارِهِ عَلى التَّكْذِيبِ قَبْلَ حُصُولِهِ مِنهُ لِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ عَلى أتَمِّ وجْهٍ قَبْلَ ظُهُورِ رَأْيِ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ حَتّى لا يُجابِهَهُ بَعْدَ ظُهُورِ رَأْيِهِ بِتَصْرِيحِ تَوْجِيهِ الإنْذارِ إلَيْهِ، وهَذا أُسْلُوبُ القَوْلِ اللَّيِّنِ الَّذِي أمَرَهُما اللَّهُ بِهِ. وتَعْرِيفُ العَذابِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، فالمُعَرَّفُ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ عَذابًا عَلى مَن كَذَّبَ. صفحة ٢٣١ وإطْلاقُ السَّلامِ والعَذابِ دُونَ تَقَيُّدٍ بِالدُّنْيا أوِ الآخِرَةِ تَعْمِيمٌ لِلْبِشارَةِ والنِّذارَةِ، قالَ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ [النازعات: ٢٥] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]) . وهَذا كُلُّهُ كَلامُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهُما بِتَبْلِيغِهِ إلى فِرْعَوْنَ، كَما يَدُلُّ لِذَلِكَ تَعْقِيبُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) عَلى أُسْلُوبِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ. وما ذُكِرَ مِن أوَّلِ القِصَّةِ إلى هُنا لَمْ يَتَقَدَّمْ في السُّوَرِ الماضِيَةِ.

طه 20:49

﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ . هَذا حِكايَةُ جَوابِ فِرْعَوْنَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى وهارُونَ بِإبْلاغِهِ فِرْعَوْنَ، فَفي الآيَةِ حَذْفُ جُمَلٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ قَصْدًا لِلْإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَياهُ فَقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ ولِذَلِكَ جاءَتْ حِكايَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِجُمْلَةٍ مَفْصُولَةٍ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي اسْتَقْرَيْناها مِن أُسْلُوبِ القُرْآنِ وبَيَّنّاها في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها. ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ الخِطابَ إلَيْهِما بِالضَّمِيرِ المُشْتَرَكِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى بِالإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ مُوسى هو الأصْلُ بِالرِّسالَةِ وأنَّ هارُونَ تابِعٌ لَهُ، وهَذا وإنْ لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهِ كَلامُهُما فَقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ عَلِمَهُ مِن كَيْفِيَّةِ دُخُولِهِما عَلَيْهِ ومُخاطَبَتِهِ، ولِأنَّ مُوسى كانَ مَعْرُوفًا في بَلاطِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ رَبِيُّهُ أوْ رَبِيُّ أبِيهِ فَلَهُ سابِقَةُ اتِّصالٍ صفحة ٢٣٢ بِدارِ فِرْعَوْنَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهُ المَحْكِيُّ في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]) الآيَةَ ولَعَلَّ مُوسى هو الَّذِي تَوَلّى الكَلامَ وهارُونَ يُصَدِّقُهُ بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ. وإضافَتُهُ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِما لِأنَّهُما قالا لَهُ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) . وأعْرَضَ عَنْ أنْ يَقُولَ: فَمَن رَبِّي ؟ إلى قَوْلِهِ (﴿فَمَن رَبُّكُما﴾) إعْراضًا عَنِ الِاعْتِرافِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ ولَوْ بِحِكايَةِ قَوْلِهِما، لِئَلّا يَقَعُ ذَلِكَ في سَمْعِ أتْباعِهِ وقَوْمِهِ فَيَحْسَبُوا أنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في مَعْرِفَةِ رَبِّهِ، أوْ أنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّ لَهُ رَبًّا. وتَوَلّى مُوسى الجَوابَ لِأنَّهُ خُصَّ بِالسُّؤالِ بِسَبَبِ النِّداءِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وأجابَ مُوسى بِإثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ جَرْيًا عَلى قاعِدَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الجُزْئِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِهِما قِياسٌ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ، فَهو داخِلٌ في عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ. وكُلُّ شَيْءٍ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِ (أعْطى) . و(خَلْقَهُ) مَفْعُولُهُ الثّانِي. والخَلْقُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيجادِ وجِيءَ بِفِعْلِ الإعْطاءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَلْقَ والتَّكْوِينَ نِعْمَةٌ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ مَعًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِالمَعْنى الأخَصِّ، وهو الخَلْقُ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، فَهو بِمَعْنى الجَعْلِ، أيِ الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ شَكْلَهُ المُخْتَصَّ بِهِ، فَكُوِّنَتْ بِذَلِكَ الأجْناسُ والأنْواعُ والأصْنافُ والأشْخاصُ مِن آثارِ ذَلِكَ الخَلْقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ (أعْطى) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ (خَلْقَهُ)، أيْ أعْطى خَلْقَهُ ما يَحْتاجُونَهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]) . فَتَرْكِيبُ الجُمْلَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ. صفحة ٢٣٣ والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن (كُلَّ) عُرْفِيٌّ، أيْ كُلَّ شَيءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْطاهُ أصْنافُ الخَلْقِ ويُناسِبُ المُعْطِي، أوْ هو اسْتِغْراقٌ عَلى قَصْدِ التَّوْزِيعِ بِمُقابَلَةِ الأشْياءِ بِـ (الخَلْقِ)، مِثْلُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم. والمَعْنى: تَأمَّلْ وانْظُرْ هَلْ أنْتَ أعْطَيْتَ الخَلْقَ أوْ لا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ ما أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، فَإذا تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ الرَّبَّ هو الَّذِي أفاضَ الوُجُودَ والنِّعَمَ عَلى المَوْجُوداتِ كُلِّها، فَآمَنَ بِهِ بِعُنْوانِ هَذِهِ الصِّفَةِ وتِلْكَ المَعْرِفَةُ المُوَصِّلَةُ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ بِمَعْنَيَيْهِ الزَّمَنِيِّ والرُتْبِيِّ، أيْ خَلَقَ الأشْياءَ ثُمَّ هَدى إلى ما خَلَقَهم لِأجْلِهِ، وهَداهم إلى الحَقِّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم، وأفاضَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، أيْ فَرَّقْنا بَيْنَهُما بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيَنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ.

طه 20:50

﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ . هَذا حِكايَةُ جَوابِ فِرْعَوْنَ عَنِ الكَلامِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ مُوسى وهارُونَ بِإبْلاغِهِ فِرْعَوْنَ، فَفي الآيَةِ حَذْفُ جُمَلٍ دَلَّ عَلَيْها السِّياقُ قَصْدًا لِلْإيجازِ. والتَّقْدِيرُ: فَأتَياهُ فَقالا لَهُ ما أُمِرا بِهِ، فَقالَ: فَمَن رَبُّكُما ؟ ولِذَلِكَ جاءَتْ حِكايَةُ قَوْلِ فِرْعَوْنَ بِجُمْلَةٍ مَفْصُولَةٍ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ الَّتِي اسْتَقْرَيْناها مِن أُسْلُوبِ القُرْآنِ وبَيَّنّاها في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها. ووَجَّهَ فِرْعَوْنُ الخِطابَ إلَيْهِما بِالضَّمِيرِ المُشْتَرَكِ، ثُمَّ خَصَّ مُوسى بِالإقْبالِ عَلَيْهِ بِالنِّداءِ، لِعِلْمِهِ بِأنَّ مُوسى هو الأصْلُ بِالرِّسالَةِ وأنَّ هارُونَ تابِعٌ لَهُ، وهَذا وإنْ لَمْ يَحْتَوِ عَلَيْهِ كَلامُهُما فَقَدْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ فِرْعَوْنُ عَلِمَهُ مِن كَيْفِيَّةِ دُخُولِهِما عَلَيْهِ ومُخاطَبَتِهِ، ولِأنَّ مُوسى كانَ مَعْرُوفًا في بَلاطِ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ رَبِيُّهُ أوْ رَبِيُّ أبِيهِ فَلَهُ سابِقَةُ اتِّصالٍ صفحة ٢٣٢ بِدارِ فِرْعَوْنَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَهُ المَحْكِيُّ في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿قالَ ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ولَبِثْتَ فِينا مِن عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٨]) الآيَةَ ولَعَلَّ مُوسى هو الَّذِي تَوَلّى الكَلامَ وهارُونَ يُصَدِّقُهُ بِالقَوْلِ أوْ بِالإشارَةِ. وإضافَتُهُ الرَّبَّ إلى ضَمِيرِهِما لِأنَّهُما قالا لَهُ (﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧]) . وأعْرَضَ عَنْ أنْ يَقُولَ: فَمَن رَبِّي ؟ إلى قَوْلِهِ (﴿فَمَن رَبُّكُما﴾) إعْراضًا عَنِ الِاعْتِرافِ بِالمَرْبُوبِيَّةِ ولَوْ بِحِكايَةِ قَوْلِهِما، لِئَلّا يَقَعُ ذَلِكَ في سَمْعِ أتْباعِهِ وقَوْمِهِ فَيَحْسَبُوا أنَّهُ مُتَرَدِّدٌ في مَعْرِفَةِ رَبِّهِ، أوْ أنَّهُ اعْتَرَفَ بِأنَّ لَهُ رَبًّا. وتَوَلّى مُوسى الجَوابَ لِأنَّهُ خُصَّ بِالسُّؤالِ بِسَبَبِ النِّداءِ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ. وأجابَ مُوسى بِإثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ لِلَّهِ لِجَمِيعِ المَوْجُوداتِ جَرْيًا عَلى قاعِدَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى الجُزْئِيَّةِ بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ مِن مَجْمُوعِهِما قِياسٌ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ، فَهو داخِلٌ في عُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ. وكُلُّ شَيْءٍ مَفْعُولٌ أوَّلٌ لِ (أعْطى) . و(خَلْقَهُ) مَفْعُولُهُ الثّانِي. والخَلْقُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى الإيجادِ وجِيءَ بِفِعْلِ الإعْطاءِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الخَلْقَ والتَّكْوِينَ نِعْمَةٌ، فَهو اسْتِدْلالٌ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ وتَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ مَعًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ بِالمَعْنى الأخَصِّ، وهو الخَلْقُ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ، فَهو بِمَعْنى الجَعْلِ، أيِ الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ مِنَ المَوْجُوداتِ شَكْلَهُ المُخْتَصَّ بِهِ، فَكُوِّنَتْ بِذَلِكَ الأجْناسُ والأنْواعُ والأصْنافُ والأشْخاصُ مِن آثارِ ذَلِكَ الخَلْقِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”كُلَّ شَيْءٍ“ مَفْعُولًا ثانِيًا لِ (أعْطى) ومَفْعُولُهُ الأوَّلُ (خَلْقَهُ)، أيْ أعْطى خَلْقَهُ ما يَحْتاجُونَهُ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]) . فَتَرْكِيبُ الجُمْلَةِ صالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ. صفحة ٢٣٣ والِاسْتِغْراقُ المُسْتَفادُ مِن (كُلَّ) عُرْفِيٌّ، أيْ كُلَّ شَيءٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُعْطاهُ أصْنافُ الخَلْقِ ويُناسِبُ المُعْطِي، أوْ هو اسْتِغْراقٌ عَلى قَصْدِ التَّوْزِيعِ بِمُقابَلَةِ الأشْياءِ بِـ (الخَلْقِ)، مِثْلُ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم. والمَعْنى: تَأمَّلْ وانْظُرْ هَلْ أنْتَ أعْطَيْتَ الخَلْقَ أوْ لا، فَلا شَكَّ أنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ ما أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، فَإذا تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّ الرَّبَّ هو الَّذِي أفاضَ الوُجُودَ والنِّعَمَ عَلى المَوْجُوداتِ كُلِّها، فَآمَنَ بِهِ بِعُنْوانِ هَذِهِ الصِّفَةِ وتِلْكَ المَعْرِفَةُ المُوَصِّلَةُ إلى الِاعْتِقادِ الحَقِّ. و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ بِمَعْنَيَيْهِ الزَّمَنِيِّ والرُتْبِيِّ، أيْ خَلَقَ الأشْياءَ ثُمَّ هَدى إلى ما خَلَقَهم لِأجْلِهِ، وهَداهم إلى الحَقِّ بَعْدَ أنْ خَلَقَهم، وأفاضَ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ألَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد: ٨] ﴿ولِسانًا وشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٩] ﴿وهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠]) أيْ طَرِيقَيِ الخَيْرِ والشَّرِّ، أيْ فَرَّقْنا بَيْنَهُما بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: ولِلَّهِ دَرُّ هَذا الجَوابِ ما أخْصَرَهُ وما أجْمَعَهُ وما أبَيَنَهُ لِمَن ألْقى الذِّهْنَ ونَظَرَ بِعَيْنِ الإنْصافِ وكانَ طالِبًا لِلْحَقِّ.

طه 20:51

﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رِبِّي ولا يَنْسى﴾ . والبالُ: كَلِمَةٌ دَقِيقَةُ المَعْنى، تُطْلَقُ عَلى الحالِ المُهِمِّ، ومَصْدَرُهُ البالَهُ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، قالَ تَعالى (﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢])، أيْ حالَهم. وفي الحَدِيثِ ”«كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ» . .“ إلَخْ، وتُطْلَقُ عَلى الرَّأْيِ يُقالُ: خَطَرَ كَذا بِبالِيَ. ويَقُولُونَ: ما ألْقى لَهُ بالًا، وإيثارُ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مِن دَقِيقِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ. صفحة ٢٣٤ أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُحاجَّ مُوسى بِما حَصَلَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا عَلى مِلَّةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قُرُونِ أهْلِ مِصْرَ، أيْ ما حالُهم، أفَتَزْعُمُ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ضَلالَةٍ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ مَن لا يَجِدْ حُجَّةً فَيَعْمِدُ إلى التَّشْغِيبِ بِتَخْيِيلِ اسْتِبْعادِ كَلامِ خَصْمِهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [يونس: ٧٨]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ التَّشْغِيبَ عَلى مُوسى حِينَ نَهَضَتْ حُجَّتُهُ بِأنْ يَنْقُلَهُ إلى الحَدِيثِ عَنْ حالِ القُرُونِ الأُولى: هَلْ هم في عَذابٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِ مُوسى (﴿أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨])، فَإذا قالَ: إنَّهم في عَذابٍ، ثارَتْ ثائِرَةُ أبْنائِهِمْ فَصارُوا أعْداءً لِمُوسى، وإذا قالَ: هم في سَلامٍ، نَهَضَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ مُتابِعٌ لِدِينِهِمْ. ولِأنَّ مُوسى لَمّا أعْلَمَهُ بِرَبِّهِ وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِـ الخَلْقِ الأوَّلِ خَطَرَ بِبالِ فِرْعَوْنَ أنْ يَسْألَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ في مَصِيرِ النّاسِ بَعْدَ الفَناءِ، فَسَألَ: ما بالُ القُرُونِ الأُولى ؟ وما شَأْنُهم وما الخَبَرُ عَنْهم ؟ وهو سُؤالُ تَعْجِيزٍ وتَشْغِيبٍ. وقَوْلُ مُوسى في جَوابِهِ (﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾) صالِحٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ مُوسى صَرَفَهُ عَنِ الخَوْضِ فِيما لا يُجْدِي في مَقامِهِ ذَلِكَ الَّذِي هو المُتَمَحِّضُ لِدَعْوَةِ الأحْياءِ لا البَحْثِ عَنِ الأمْواتِ الَّذِينَ أفْضَوْا إلى عالَمِ الجَزاءِ. وهَذا نَظِيرُ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» . وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يَكُونُ مُوسى قَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ حالِهِمْ خَيْبَةً لِمُرادِ فِرْعَوْنَ وعُدُولًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ. والحاصِلُ أنَّ مُوسى تَجَنَّبَ التَّصَدِّيَ لِلْمُجادَلَةِ والمُناقَضَةِ في غَيْرِ ما جاءَ لِأجْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِذَلِكَ. وفي هَذا الإعْراضِ فَوائِدٌ كَثِيرَةٌ صفحة ٢٣٥ وهُوَ عالِمٌ بِمُجْمَلِ أحْوالِ القُرُونِ الأوْلى وغَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ أشْخاصِهِمْ. وإضافَةُ (عِلْمُها) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. وضَمِيرُ (عِلْمُها) عائِدٌ إلى القُرُونِ الأُولى لِأنَّ لَفْظَ الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُهُ. وقَوْلُهُ (في كِتابٍ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَجازًا في تَفْصِيلِ العِلْمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالأُمُورِ المَكْتُوبَةِ، وأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ العِلْمِ لِأنَّ الأشْياءَ المَكْتُوبَةَ تَكُونُ مُحَقَّقَةً كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ (﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾) والضَّلالُ: الخَطَأُ في العِلْمِ، شُبِّهَ بِخَطَأِ الطَّرِيقِ. والنِّسْيانُ: عَدَمُ تَذَكُّرِ الأمْرِ المَعْلُومِ في ذِهْنِ العالِمِ.

طه 20:52

﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ ﴿قالَ عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ لا يَضِلُّ رِبِّي ولا يَنْسى﴾ . والبالُ: كَلِمَةٌ دَقِيقَةُ المَعْنى، تُطْلَقُ عَلى الحالِ المُهِمِّ، ومَصْدَرُهُ البالَهُ بِتَخْفِيفِ اللّامِ، قالَ تَعالى (﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ وأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ [محمد: ٢])، أيْ حالَهم. وفي الحَدِيثِ ”«كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ» . .“ إلَخْ، وتُطْلَقُ عَلى الرَّأْيِ يُقالُ: خَطَرَ كَذا بِبالِيَ. ويَقُولُونَ: ما ألْقى لَهُ بالًا، وإيثارُ هَذِهِ الكَلِمَةِ هُنا مِن دَقِيقِ الخَصائِصِ البَلاغِيَّةِ. صفحة ٢٣٤ أرادَ فِرْعَوْنُ أنْ يُحاجَّ مُوسى بِما حَصَلَ لِلْقُرُونِ الماضِيَةِ الَّذِينَ كانُوا عَلى مِلَّةِ فِرْعَوْنَ، أيْ قُرُونِ أهْلِ مِصْرَ، أيْ ما حالُهم، أفَتَزْعُمُ أنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى ضَلالَةٍ. وهَذِهِ شَنْشَنَةُ مَن لا يَجِدْ حُجَّةً فَيَعْمِدُ إلى التَّشْغِيبِ بِتَخْيِيلِ اسْتِبْعادِ كَلامِ خَصْمِهِ، وهو في مَعْنى قَوْلِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا أجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ [يونس: ٧٨]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ فِرْعَوْنَ أرادَ التَّشْغِيبَ عَلى مُوسى حِينَ نَهَضَتْ حُجَّتُهُ بِأنْ يَنْقُلَهُ إلى الحَدِيثِ عَنْ حالِ القُرُونِ الأُولى: هَلْ هم في عَذابٍ بِمُناسَبَةِ قَوْلِ مُوسى (﴿أنَّ العَذابَ عَلى مَن كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [طه: ٤٨])، فَإذا قالَ: إنَّهم في عَذابٍ، ثارَتْ ثائِرَةُ أبْنائِهِمْ فَصارُوا أعْداءً لِمُوسى، وإذا قالَ: هم في سَلامٍ، نَهَضَتْ حُجَّةُ فِرْعَوْنَ لِأنَّهُ مُتابِعٌ لِدِينِهِمْ. ولِأنَّ مُوسى لَمّا أعْلَمَهُ بِرَبِّهِ وكانَ ذَلِكَ مُشْعِرًا بِـ الخَلْقِ الأوَّلِ خَطَرَ بِبالِ فِرْعَوْنَ أنْ يَسْألَهُ عَنِ الِاعْتِقادِ في مَصِيرِ النّاسِ بَعْدَ الفَناءِ، فَسَألَ: ما بالُ القُرُونِ الأُولى ؟ وما شَأْنُهم وما الخَبَرُ عَنْهم ؟ وهو سُؤالُ تَعْجِيزٍ وتَشْغِيبٍ. وقَوْلُ مُوسى في جَوابِهِ (﴿عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي في كِتابٍ﴾) صالِحٌ لِلِاحْتِمالَيْنِ، فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ يَكُونُ مُوسى صَرَفَهُ عَنِ الخَوْضِ فِيما لا يُجْدِي في مَقامِهِ ذَلِكَ الَّذِي هو المُتَمَحِّضُ لِدَعْوَةِ الأحْياءِ لا البَحْثِ عَنِ الأمْواتِ الَّذِينَ أفْضَوْا إلى عالَمِ الجَزاءِ. وهَذا نَظِيرُ «قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا سُئِلَ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ فَقالَ: اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ» . وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي يَكُونُ مُوسى قَدْ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ حالِهِمْ خَيْبَةً لِمُرادِ فِرْعَوْنَ وعُدُولًا عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ الغَرَضِ الَّذِي جاءَ لِأجْلِهِ. والحاصِلُ أنَّ مُوسى تَجَنَّبَ التَّصَدِّيَ لِلْمُجادَلَةِ والمُناقَضَةِ في غَيْرِ ما جاءَ لِأجْلِهِ لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِذَلِكَ. وفي هَذا الإعْراضِ فَوائِدٌ كَثِيرَةٌ صفحة ٢٣٥ وهُوَ عالِمٌ بِمُجْمَلِ أحْوالِ القُرُونِ الأوْلى وغَيْرُ عالِمٍ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ أشْخاصِهِمْ. وإضافَةُ (عِلْمُها) مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ. وضَمِيرُ (عِلْمُها) عائِدٌ إلى القُرُونِ الأُولى لِأنَّ لَفْظَ الجَمْعِ يَجُوزُ أنْ يُؤَنَّثَ ضَمِيرُهُ. وقَوْلُهُ (في كِتابٍ) يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الكِتابُ مَجازًا في تَفْصِيلِ العِلْمِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالأُمُورِ المَكْتُوبَةِ، وأنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ تَحْقِيقِ العِلْمِ لِأنَّ الأشْياءَ المَكْتُوبَةَ تَكُونُ مُحَقَّقَةً كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ: وهَلْ يَنْقُضُ ما في المَهارِقِ الأهْواءُ ويُؤَكِّدُ هَذا المَعْنى قَوْلُهُ (﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾) والضَّلالُ: الخَطَأُ في العِلْمِ، شُبِّهَ بِخَطَأِ الطَّرِيقِ. والنِّسْيانُ: عَدَمُ تَذَكُّرِ الأمْرِ المَعْلُومِ في ذِهْنِ العالِمِ.

طه 20:53

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ . هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى. فالجُمْلَةُ الأُولى مِنها مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَفَنُّنٍ لِأغْراضٍ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ الأذْهانِ. ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾) . فَقَوْلُهُ صفحة ٢٣٦ (﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا﴾) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرَّبِّ المَفْهُومِ مِن (رَبِّي)، أيْ هو رَبُّ مُوسى. وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيِ الجاعِلُ الأرْضَ مِهادًا فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ حَقِيقًا بِالإلَهِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِهادًا) بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى المَمْهُودِ مِثْلُ الفِراشِ واللِّباسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ مَهْدٍ، وهو اسْمٌ لِما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، أيْ يُوضَعُ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ فِيهِ، فَيَكُونُ بِوَزْنِ كِعابٍ جَمْعًا لِكَعْبٍ. ومَعْنى الجَمْعِ عَلى اعْتِبارِ كَثْرَةِ البِقاعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (مَهْدًا) بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، أيْ كالمَهْدِ الَّذِي يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، وهو اسْمٌ بِمَصْدَرِ مَهَدَهُ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَ (الخَلْقِ) بِمَعْنى (المَخْلُوقِ)، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ اسْمًا لِما يُمَهَّدُ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أيْ جَعَلَ الأرْضَ مَمْهُودَةً مُسَهَّلَةً لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ بِحَيْثُ لا نُتُوءَ فِيها إلّا نادِرًا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهُ، كَقَوْلِهِ (﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ [نوح: ١٩] ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]) و(سَلَكَ) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّلُوكِ والسَّلْكُ الَّذِي هو الدُّخُولُ مُجْتازًا وقاطِعًا في السَّيْرِ في الطَّرِيقِ تَشْبِيهًا لِلسّائِرِ بِالشَّيْءِ الدّاخِلِ في شَيْءٍ آخَرَ. يُقالُ: سَلَكَ طَرِيقًا. فَحَقُّ هَذا الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو المَدْخُولُ فِيهِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أسْلَكَ. وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ فَيُقالُ: أسْلَكَ المِسْمارَ في اللَّوْحِ، أيْ جَعَلَهُ سالِكًا صفحة ٢٣٧ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ كَثُرَ في الكَلامِ تَجْرِيدُهُ مِنَ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) . وكَثُرَ كَوْنُ الِاسْمِ الَّذِي كانَ مَفْعُولًا ثانِيًا يَصِيرُ مَجْرُورًا بِ (في) كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]) بِمَعْنى أسْلَكَكم سَقَرَ. وقَوْلُهُ (﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]) في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]) في سُورَةِ الزُّمَرِ. وقالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ أيْ أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ، فَصارَ فِعْلُ سَلَكَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا. فَأمّا قَوْلُهُ هُنا (﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾) فَهو سَلَكَ المُتَعَدِّي، أيْ أسْلَكَ فِيها سُبُلًا، أيْ جَعَلَ سُبُلًا سالِكَةً في الأرْضِ، أيْ داخِلَةً فِيها، أيْ مُتَخَلِّلَةً. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِها في جِهاتِ الأرْضِ. والمُرادُ بِالسُّبُلِ: كُلُّ سَبِيلٍ يُمْكِنُ السَّيْرُ فِيهِ سَواءٌ كانَ مِن أصْلِ خِلْقَةِ الأرْضِ كالسُّهُولِ والرِّمالِ، أوْ كانَ مِن أثَرِ فِعْلِ النّاسِ مِثْلَ الثَّنايا الَّتِي تَكَرَّرَ السَّيْرُ فِيها فَتَعَبَّدَتْ وصارَتْ طُرُقًا يُتابِعُ النّاسُ السَّيْرَ فِيها. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّةَ خَلْقِ الأرْضِ شَفَعَها بِمِنَّةِ إخْراجِ النَّباتِ مِنها بِما يَنْزِلُ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ. وتِلْكَ مِنَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ حَيْثُ أجْرى ذِكْرِها لِقَصْدِ ذَلِكَ التَّذْكِيرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: وصَبَبْنا الماءَ عَلى الأرْضِ، كَما في آيَةِ (﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥]) . وهَذا إدْماجٌ بَلِيغٌ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا التِفاتٌ. وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَجَّ المُشْرِكِينَ بِحُجَّةِ انْفِرادِهِ بِخَلْقِ الأرْضِ وتَسْخِيرِ السَّماءِ مِمّا لا سَبِيلَ بِهِمْ إلى نُكْرانِهِ ارْتَقى صفحة ٢٣٨ إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وسَخَّرَ السَّماءَ حَقِيقٌ بِأنْ تُطِيعَهُ القُوى والعَناصِرُ، فَهو يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ ماءِ السَّماءِ، فَكانَ تَسْخِيرُ النَّباتِ أثَرًا لِتَسْخِيرِ أصْلِ تَكْوِينِهِ مِن ماءِ السَّماءِ وتُرابِ الأرْضِ. ولِمُلاحَظَةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلُ هَذا الِالتِفاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩])، وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧])، وقَوْلُهُ (﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠])، ومِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف: ١١]) . وقَدْ نَبَّهَ إلى ذَلِكَ في الكَشّافِ، ولِلَّهِ دَرُّهُ. ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ. وحَقِيقَةُ الزَّوْجِ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ اثْنَيْنِ مِن صِنْفٍ واحِدٍ. فَكُلُّ أحَدٍ مِنهُما هو زَوْجٌ بِاعْتِبارِ الآخَرِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ بِسَبْقِ الفَرْدِ الأوَّلِ إيّاهُ زَوْجًا. ثُمَّ غَلَبَ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى المُقْتَرِنَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ أوْ مِنَ الحَيَوانِ، قالَ تَعالى (﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧])، وقالَ (﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩]) وقالَ (﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]) . ولَمّا شاعَتْ فِيهِ مُلاحَظَةُ مَعْنى اتِّحادِ النَّوْعِ تَطَرَّقُوا مِن ذَلِكَ إلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ الزَّوْجِ في مَعْنى النَّوْعِ بِغَيْرِ قَيْدِ كَوْنِهِ ثانِيًا لِآخَرَ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، قالَ تَعالى (﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦])، ومِنهُ قَوْلُهُ (﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]) . وفي الحَدِيثِ «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَدَرَتْهُ حَجَبَةُ الجَنَّةِ» . . . الحَدِيثَ، أيْ مَن أنْفَقَ نَوْعَيْنِ مِثْلَ الطَّعامِ صفحة ٢٣٩ والكُسْوَةِ، ومِثْلَ الخَيْلِ والرَّواحِلِ. وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ هُنا. أيْ فَأنْبَتْنا بِهِ أنْواعًا مِن نَباتٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. والنَّباتُ: مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ، فَلِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ بِوَزْنِ فَعْلى، مِثْلُ: مَرِيضٍ ومَرْضى. والشَّتِيتُ: المُشَتَّتُ، أيِ المُبْعَدُ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّباعُدُ في الصِّفاتِ مِنَ الشَّكْلِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، وبَعْضُها صالِحٌ لِلْإنْسانِ وبَعْضُها لِلْحَيَوانِ. والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ (﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ فَأخْرَجْنا. والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ: كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم. والأمْرُ لِلْإباحَةِ مُرادٌ بِهِ المِنَّةِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُوا مِنها وارْعَوْا أنْعامَكم مِنها. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ لِقَصْدِ التَّوْزِيعِ. وفِعْلُ رَعى يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا. يُقالُ: رَعَتِ الدّابَّةُ ورَعاها صاحِبُها. وفُرِّقَ بَيْنَهُما في المَصْدَرِ فَمَصْدَرُ القاصِرِ: الرَّعْيُ، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي: الرِّعايَةُ. ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: رَأيْتُكَ تَرْعانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ؛ فَبَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى ما في المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ، والمِنَّةِ بِها عَلى الإنْسانِ لِمَن تَأمَّلَ، جُمِعَتْ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وصُرِّحَ بِما في جَمِيعِها مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ. وكُلٌّ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّوْكِيدِ مُقْتَضٍ لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ، لِأنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا في دَلالَةِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وهم يَحْسَبُونَ صفحة ٢٤٠ أنْفُسَهم مِن أُولِي النُّهى، فَما كانَ عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ إلّا لِأنَّهم لَمْ يُعِدُّوها آياتٍ. لا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مُشْتَمِلٌ عَلى آياتٍ جَمَّةٍ يَتَفَطَّنُ لَها ذَوُو العُقُولِ بِالتَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، ويَنْتَبِهُونَ لَها بِالتَّذْكِيرِ. والنُّهى: اسْمٌ، جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ -، أيِ العَقْلِ، سُمِّيَ نُهْيَةً؛ لِأنَّهُ سَبَبُ انْتِهاءِ المُتَحَلِّي بِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ المُفْسِدَةِ والمُهْلِكَةِ، ولِذَلِكَ أيْضًا سُمِّيَ بِالعَقْلِ وسُمِّيَ بِالحِجْرِ.

طه 20:54

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا وأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ . هَذِهِ جُمَلٌ ثَلاثٌ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ قِصَّةِ مُوسى. فالجُمْلَةُ الأُولى مِنها مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ عَلى عادَةِ القُرْآنِ مِن تَفَنُّنٍ لِأغْراضٍ لِتَجْدِيدِ نَشاطِ الأذْهانِ. ولا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن كَلامِ مُوسى إذْ لا يُناسِبُ ذَلِكَ تَفْرِيعَ قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا﴾) . فَقَوْلُهُ صفحة ٢٣٦ (﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا﴾) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ مِهادًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الرَّبِّ المَفْهُومِ مِن (رَبِّي)، أيْ هو رَبُّ مُوسى. وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ الحَصْرَ، أيِ الجاعِلُ الأرْضَ مِهادًا فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ غَيْرَهُ. وهَذا قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّهُ تَذْكِيرٌ بِالنِّعْمَةِ وتَعْرِيضٌ بِأنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ حَقِيقًا بِالإلَهِيَّةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (مِهادًا) بِكَسْرِ المِيمِ، وهو اسْمٌ بِمَعْنى المَمْهُودِ مِثْلُ الفِراشِ واللِّباسِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ مَهْدٍ، وهو اسْمٌ لِما يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، أيْ يُوضَعُ عَلَيْهِ ويُحْمَلُ فِيهِ، فَيَكُونُ بِوَزْنِ كِعابٍ جَمْعًا لِكَعْبٍ. ومَعْنى الجَمْعِ عَلى اعْتِبارِ كَثْرَةِ البِقاعِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (مَهْدًا) بِفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الهاءِ، أيْ كالمَهْدِ الَّذِي يُمَهَّدُ لِلصَّبِيِّ، وهو اسْمٌ بِمَصْدَرِ مَهَدَهُ، عَلى أنَّ المَصْدَرَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَ (الخَلْقِ) بِمَعْنى (المَخْلُوقِ)، ثُمَّ شاعَ ذَلِكَ فَصارَ اسْمًا لِما يُمَهَّدُ. ومَعْنى القِراءَتَيْنِ واحِدٌ، أيْ جَعَلَ الأرْضَ مَمْهُودَةً مُسَهَّلَةً لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ بِحَيْثُ لا نُتُوءَ فِيها إلّا نادِرًا يُمْكِنُ تَجَنُّبُهُ، كَقَوْلِهِ (﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ [نوح: ١٩] ﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجًا﴾ [نوح: ٢٠]) و(سَلَكَ) فِعْلٌ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّلُوكِ والسَّلْكُ الَّذِي هو الدُّخُولُ مُجْتازًا وقاطِعًا في السَّيْرِ في الطَّرِيقِ تَشْبِيهًا لِلسّائِرِ بِالشَّيْءِ الدّاخِلِ في شَيْءٍ آخَرَ. يُقالُ: سَلَكَ طَرِيقًا. فَحَقُّ هَذا الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ وهو المَدْخُولُ فِيهِ، ويُسْتَعْمَلُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى أسْلَكَ. وحَقُّهُ أنْ يَكُونَ تَعَدِّيهِ بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ فَيُقالُ: أسْلَكَ المِسْمارَ في اللَّوْحِ، أيْ جَعَلَهُ سالِكًا صفحة ٢٣٧ إيّاهُ، إلّا أنَّهُ كَثُرَ في الكَلامِ تَجْرِيدُهُ مِنَ الهَمْزَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿نَسْلُكْهُ عَذابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]) . وكَثُرَ كَوْنُ الِاسْمِ الَّذِي كانَ مَفْعُولًا ثانِيًا يَصِيرُ مَجْرُورًا بِ (في) كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]) بِمَعْنى أسْلَكَكم سَقَرَ. وقَوْلُهُ (﴿كَذَلِكَ سَلَكْناهُ في قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠]) في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]) في سُورَةِ الزُّمَرِ. وقالَ الأعْشى: كَما سَلَكَ السَّكِّيَّ في البابِ فَيْتَقُ أيْ أدْخَلَ المِسْمارَ في البابِ نَجّارٌ، فَصارَ فِعْلُ سَلَكَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا. فَأمّا قَوْلُهُ هُنا (﴿وسَلَكَ لَكم فِيها سُبُلًا﴾) فَهو سَلَكَ المُتَعَدِّي، أيْ أسْلَكَ فِيها سُبُلًا، أيْ جَعَلَ سُبُلًا سالِكَةً في الأرْضِ، أيْ داخِلَةً فِيها، أيْ مُتَخَلِّلَةً. وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَثْرَتِها في جِهاتِ الأرْضِ. والمُرادُ بِالسُّبُلِ: كُلُّ سَبِيلٍ يُمْكِنُ السَّيْرُ فِيهِ سَواءٌ كانَ مِن أصْلِ خِلْقَةِ الأرْضِ كالسُّهُولِ والرِّمالِ، أوْ كانَ مِن أثَرِ فِعْلِ النّاسِ مِثْلَ الثَّنايا الَّتِي تَكَرَّرَ السَّيْرُ فِيها فَتَعَبَّدَتْ وصارَتْ طُرُقًا يُتابِعُ النّاسُ السَّيْرَ فِيها. ولَمّا ذَكَرَ مِنَّةَ خَلْقِ الأرْضِ شَفَعَها بِمِنَّةِ إخْراجِ النَّباتِ مِنها بِما يَنْزِلُ عَلَيْها مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ. وتِلْكَ مِنَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ حَيْثُ أجْرى ذِكْرِها لِقَصْدِ ذَلِكَ التَّذْكِيرِ، ولِذا لَمْ يَقُلْ: وصَبَبْنا الماءَ عَلى الأرْضِ، كَما في آيَةِ (﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ [عبس: ٢٥]) . وهَذا إدْماجٌ بَلِيغٌ. والعُدُولُ عَنْ ضَمِيرِ الغَيْبَةِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِهِ فَأخْرَجْنا التِفاتٌ. وحُسْنُهُ هُنا أنَّهُ بَعْدَ أنْ حَجَّ المُشْرِكِينَ بِحُجَّةِ انْفِرادِهِ بِخَلْقِ الأرْضِ وتَسْخِيرِ السَّماءِ مِمّا لا سَبِيلَ بِهِمْ إلى نُكْرانِهِ ارْتَقى صفحة ٢٣٨ إلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ المُطاعِ فَإنَّ الَّذِي خَلَقَ الأرْضَ وسَخَّرَ السَّماءَ حَقِيقٌ بِأنْ تُطِيعَهُ القُوى والعَناصِرُ، فَهو يُخْرِجُ النَّباتَ مِنَ الأرْضِ بِسَبَبِ ماءِ السَّماءِ، فَكانَ تَسْخِيرُ النَّباتِ أثَرًا لِتَسْخِيرِ أصْلِ تَكْوِينِهِ مِن ماءِ السَّماءِ وتُرابِ الأرْضِ. ولِمُلاحَظَةِ هَذِهِ النُّكْتَةِ تَكَرَّرَ في القُرْآنِ مِثْلُ هَذا الِالتِفاتِ عِنْدَ ذِكْرِ الإنْباتِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩٩])، وقَوْلِهِ (﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا ألْوانُها﴾ [فاطر: ٢٧])، وقَوْلُهُ (﴿أمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْزَلَ لَكم مِنَ السَّماءِ ماءً فَأنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠])، ومِنها قَوْلُهُ في سُورَةِ الزُّخْرُفِ (﴿والَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ [الزخرف: ١١]) . وقَدْ نَبَّهَ إلى ذَلِكَ في الكَشّافِ، ولِلَّهِ دَرُّهُ. ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ. وحَقِيقَةُ الزَّوْجِ أنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ فَرْدٍ مِنَ اثْنَيْنِ مِن صِنْفٍ واحِدٍ. فَكُلُّ أحَدٍ مِنهُما هو زَوْجٌ بِاعْتِبارِ الآخَرِ، لِأنَّهُ يَصِيرُ بِسَبْقِ الفَرْدِ الأوَّلِ إيّاهُ زَوْجًا. ثُمَّ غَلَبَ عَلى الذَّكَرِ والأُنْثى المُقْتَرِنَيْنِ مِن نَوْعِ الإنْسانِ أوْ مِنَ الحَيَوانِ، قالَ تَعالى (﴿فاسْلُكْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٧])، وقالَ (﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [القيامة: ٣٩]) وقالَ (﴿اسْكُنْ أنْتَ وزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]) . ولَمّا شاعَتْ فِيهِ مُلاحَظَةُ مَعْنى اتِّحادِ النَّوْعِ تَطَرَّقُوا مِن ذَلِكَ إلى اسْتِعْمالِ لَفْظِ الزَّوْجِ في مَعْنى النَّوْعِ بِغَيْرِ قَيْدِ كَوْنِهِ ثانِيًا لِآخَرَ، عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ، قالَ تَعالى (﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٦])، ومِنهُ قَوْلُهُ (﴿فَأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: ١٠]) . وفي الحَدِيثِ «مَن أنْفَقَ زَوْجَيْنِ في سَبِيلِ اللَّهِ ابْتَدَرَتْهُ حَجَبَةُ الجَنَّةِ» . . . الحَدِيثَ، أيْ مَن أنْفَقَ نَوْعَيْنِ مِثْلَ الطَّعامِ صفحة ٢٣٩ والكُسْوَةِ، ومِثْلَ الخَيْلِ والرَّواحِلِ. وهَذا الإطْلاقُ هو المُرادُ هُنا. أيْ فَأنْبَتْنا بِهِ أنْواعًا مِن نَباتٍ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الرَّعْدِ. والنَّباتُ: مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ النّابِتُ، فَلِكَوْنِهِ مَصْدَرًا في الأصْلِ اسْتَوى فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ. وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ بِوَزْنِ فَعْلى، مِثْلُ: مَرِيضٍ ومَرْضى. والشَّتِيتُ: المُشَتَّتُ، أيِ المُبْعَدُ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا التَّباعُدُ في الصِّفاتِ مِنَ الشَّكْلِ واللَّوْنِ والطَّعْمِ، وبَعْضُها صالِحٌ لِلْإنْسانِ وبَعْضُها لِلْحَيَوانِ. والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ (﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكُمْ﴾) مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ فَأخْرَجْنا. والتَّقْدِيرُ: قائِلِينَ: كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم. والأمْرُ لِلْإباحَةِ مُرادٌ بِهِ المِنَّةِ. والتَّقْدِيرُ: كُلُوا مِنها وارْعَوْا أنْعامَكم مِنها. وهَذا مِن مُقابَلَةِ الجَمْعِ بِالجَمْعِ لِقَصْدِ التَّوْزِيعِ. وفِعْلُ رَعى يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا. يُقالُ: رَعَتِ الدّابَّةُ ورَعاها صاحِبُها. وفُرِّقَ بَيْنَهُما في المَصْدَرِ فَمَصْدَرُ القاصِرِ: الرَّعْيُ، ومَصْدَرُ المُتَعَدِّي: الرِّعايَةُ. ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: رَأيْتُكَ تَرْعانِي بِعَيْنٍ بَصِيرَةٍ والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾) مُعْتَرِضَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِدْلالِ؛ فَبَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلى ما في المَخْلُوقاتِ المَذْكُورَةِ آنِفًا مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدانِيَّتِهِ، والمِنَّةِ بِها عَلى الإنْسانِ لِمَن تَأمَّلَ، جُمِعَتْ في هَذِهِ الجُمْلَةِ وصُرِّحَ بِما في جَمِيعِها مِنَ الآياتِ الكَثِيرَةِ. وكُلٌّ مِنَ الِاعْتِراضِ والتَّوْكِيدِ مُقْتَضٍ لِفَصْلِ الجُمْلَةِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِينَ، لِأنَّهم لَمْ يَنْظُرُوا في دَلالَةِ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، وهم يَحْسَبُونَ صفحة ٢٤٠ أنْفُسَهم مِن أُولِي النُّهى، فَما كانَ عَدَمُ اهْتِدائِهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ إلّا لِأنَّهم لَمْ يُعِدُّوها آياتٍ. لا جَرَمَ أنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مُشْتَمِلٌ عَلى آياتٍ جَمَّةٍ يَتَفَطَّنُ لَها ذَوُو العُقُولِ بِالتَّأمُّلِ والتَّفَكُّرِ، ويَنْتَبِهُونَ لَها بِالتَّذْكِيرِ. والنُّهى: اسْمٌ، جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ -، أيِ العَقْلِ، سُمِّيَ نُهْيَةً؛ لِأنَّهُ سَبَبُ انْتِهاءِ المُتَحَلِّي بِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الأعْمالِ المُفْسِدَةِ والمُهْلِكَةِ، ولِذَلِكَ أيْضًا سُمِّيَ بِالعَقْلِ وسُمِّيَ بِالحِجْرِ.

طه 20:55

﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكم ومِنها نُخْرِجُكم تارَةً أُخْرى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا. وهَذا إدْماجٌ لِلتَّذْكِيرِ بِـ الخَلْقِ الأوَّلِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي بَعْدَ المَوْتِ. والمُناسَبَةُ مُتَمَكِّنَةٌ؛ فَإنَّ ذِكْرَ خَلْقِ الأرْضِ ومَنافِعِها يَسْتَدْعِي إكْمالَ ذِكْرِ المُهِمِّ لِلنّاسِ مِن أحْوالِها، فَكانَ خَلْقُ أصْلِ الإنْسانِ مِنَ الأرْضِ شَبِيهًا بِخُرُوجِ النَّباتِ مِنها. وإخْراجُ النّاسِ إلى الحَشْرِ شَبِيهٌ بِإخْراجِ النَّباتِ مِنَ الأرْضِ. قالَ تَعالى (﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها ويُخْرِجُكم إخْراجًا﴾ [نوح: ١٧]) . وتَقْدِيمُ المَجْرُوراتِ الثَّلاثَةِ عَلى مُتَعَلَّقاتِها؛ فَأمّا المَجْرُورُ الأوَّلُ والمَجْرُورُ الثّالِثُ فَلِلِاهْتِمامِ بِكَوْنِ الأرْضِ مَبْدَأ الخَلْقِ الأوَّلِ والخَلْقِ الثّانِي. وأمّا تَقْدِيمُ (﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾) فَلِلْمُزاوَجَةِ مَعَ نَظِيرَيْهِ. ودَلَّ قَوْلُهُ تَعالى (﴿وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾) عَلى أنَّ دَفْنَ الأمْواتِ في الأرْضِ هو الطَّرِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ لِمُواراةِ المَوْتى سَواءٌ كانَ شَقًّا في الأرْضِ أوْ لَحْدًا، لِأنَّ كِلَيْهِما إعادَةٌ في الأرْضِ؛ فَما يَأْتِيهِ بَعْضُ الأُمَمِ غَيْرِ صفحة ٢٤١ المُتَدَيِّنَةِ مِن إحْراقِ المَوْتى بِالنّارِ، أوْ إغْراقِهِمْ في الماءِ، أوْ وضْعِهِمْ في صَنادِيقَ فَوْقَ الأرْضِ، فَذَلِكَ مُخالِفٌ لِسُنَّةِ اللَّهِ وفِطْرَتِهِ، لِأنَّ الفِطْرَةَ اقْتَضَتْ أنَّ المَيِّتَ يَسْقُطُ عَلى الأرْضِ فَيَجِبُ أنْ يُوارى فِيها. وكَذَلِكَ كانَتْ أوَّلُ مُواراةٍ في البَشَرِ حِينَ قَتَلَ أحَدُ ابْنَيْ آدَمَ أخاهُ. كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ العُقُودِ (﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِيَ سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ يا ويْلَتى أعْجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ [المائدة: ٣١]) فَجاءَتِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ بِوُجُوبِ الدَّفْنِ في الأرْضِ. والتّارَةُ: المَرَّةُ، وجَمْعُها تاراتٌ. وأصْلُ ألِفِها الواوُ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أصْلُ ألِفِها هَمْزَةٌ فَلَمّا كَثُرَ اسْتِعْمالُهم لَها تَرَكُوا الهَمْزَةَ. وقالَ بَعْضُهم: ظَهَرَ الهَمْزُ في جَمْعِها عَلى فِعَلٍ فَقالُوا: تِئَرٌ بِالهَمْزِ. ويَظْهَرُ أنَّها اسْمٌ جامِدٌ لَيْسَ لَهُ أصْلٌ مُشْتَقٌّ مِنهُ. والإخْراجُ: هو إخْراجُها إلى الحَشْرِ بَعْدَ إعادَةِ هَياكِلِ الأجْسامِ في داخِلِ الأرْضِ، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ (﴿ومِنها نُخْرِجُكُمْ﴾)، ولِذَلِكَ جُعِلَ الإخْراجُ تارَةً ثانِيَةً لِلْخَلْقِ الأوَّلِ مِنَ الأرْضِ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إخْراجَ الأجْسادِ مِنَ الأرْضِ بِإعادَةِ خَلْقِها كَما خُلِقَتْ في المَرَّةِ الأُولى، قالَ تَعالى (﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]) .

طه 20:56

﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ رُجُوعٌ إلى قَصَصِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي حَكَتْ مُحاوَرَةَ مُوسى وفِرْعَوْنَ؛ وقَعَتْ هَذِهِ كالمُقَدِّمَةِ لِإعادَةِ سَوْقِ ما جَرى بَيْنَ مُوسى وفِرْعَوْنَ مِنَ المُحاوَرَةِ. فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩]) بِاعْتِبارِ صفحة ٢٤٢ ما يُقَدَّرُ قَبْلَ المَعْطُوفِ عَلَيْها مِن كَلامٍ حُذِفَ اخْتِصارًا، تَقْدِيرُهُ: فَأتَياهُ فَقالا ما أمَرْناهُما أنْ يَقُولاهُ قالَ فَمَن رَبُّكُما إلَخْ. المَعْنى: فَأتَياهُ وقالا ما أمَرْناهُما وأرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةُ بَيْنَ ما قَبْلَها، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. وتَأْكِيدُ الكَلامِ بِلامِ القَسَمِ و(قَدْ) مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن تَصَلُّبِ فِرْعَوْنَ في عِنادِهِ، وقُصِدَ مِنها بَيانُ شِدَّتِهِ في كُفْرِهِ وبَيانُ أنَّ لِمُوسى آياتٌ كَثِيرَةٌ أظْهَرَها اللَّهُ لِفِرْعَوْنَ فَلَمْ تُجْدِ في إيمانِهِ. وأُجْمِلَتْ وعُمِّمَتْ فَلَمْ تُفَصَّلْ، لِأنَّ المَقْصُودَ هُنا بَيانُ شِدَّةِ تَصَلُّبِهِ في كُفْرِهِ بِخِلافِ آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ الَّتِي قُصِدَ مِنها بَيانُ تَعاقُبِ الآياتِ ونُصْرَتِها. وإراءَةُ اللَّهِ إيّاهُ الآياتِ: إظْهارُها لَهُ بِحَيْثُ شاهَدَها. وإضافَةُ (آياتٍ) إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ هُنا يُفِيدُ تَعْرِيفًا لِآياتٍ مَعْهُودَةٍ، فَإنَّ تَعْرِيفَ الجَمْعِ بِالإضافَةِ يَأْتِي لِما يَأْتِي لَهُ التَّعْرِيفُ بِاللّامِ يَكُونُ لِلْعَهْدِ ويَكُونُ لِلِاسْتِغْراقِ، والمَقْصُودُ هُنا الأوَّلُ، أيْ أرَيْنا فِرْعَوْنَ آياتِنا الَّتِي جَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى، وهي المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]) . وهي انْقِلابُ العَصا حَيَّةً، وتَبَدُّلُ لَوْنِ اليَدِ بَيْضاءَ، وسِنُوُّ القَحْطِ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطُّوفانُ، وانْفِلاقُ البَحْرِ. وقَدِ اسْتَمَرَّ تَكْذِيبُهُ بَعْدَ جَمِيعِها حَتّى لَمّا رَأى انْفِلاقَ البَحْرِ اقْتَحَمَهُ طَمَعًا لِلظَّفَرِ بِبَنِي إسْرائِيلَ. وتَأْكِيدُ الآياتِ بِأداةِ التَّوْكِيدِ كُلِّها لِزِيادَةِ التَّعْجِيبِ مِن عِنادِهِ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿ولَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها﴾ [القمر: ٤١]) في سُورَةِ القَمَرِ. صفحة ٢٤٣ وظاهِرُ صَنِيعِ المُفَسِّرِينَ أنَّهم جَعَلُوا جُمْلَةَ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾) عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما يا مُوسى﴾ [طه: ٤٩])، وجُمْلَةَ (﴿قالَ فَمَن رَبُّكُما﴾ [طه: ٤٩]) بَيانًا لِجُمْلَةِ (﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾) . فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ عَزْمُ فِرْعَوْنَ عَلى إحْضارِ السَّحَرَةِ مُتَأخِّرًا عَنْ إرادَةِ الآياتِ كُلَّها فَوَقَعُوا في إشْكالِ صِحَّةِ التَّعْمِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿آياتِنا كُلَّها﴾) . وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ اعْتِرافِ السَّحَرَةِ بِأنَّهم غُلِبُوا مَعَ أنَّ كَثِيرًا مِنَ الآياتِ إنَّما ظَهَرَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ مِثْلَ: سِنِيِّ القَحْطِ، والدَّمِ، وانْفِلاقِ البَحْرِ. وهَذا الحَمْلُ لا داعِيَ إلَيْهِ لِأنَّ العَطْفَ بِالواوِ لا يَقْتَضِي تَرْتِيبًا.

طه 20:57

﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سِوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١]) وجَوابُ مُوسى عَنْها. وافْتِتاحُها بِفِعْلِ (قالَ) وعَدَمُ عَطْفِهِ لا يَتْرُكُ شَكًّا في أنَّ هَذا مِن تَمامِ المُحاوَرَةِ. وقَوْلُهُ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾) يَقْتَضِي أنَّهُ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وانْقِلابِ يَدِهِ بَيْضاءَ. وذَلِكَ ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ سِحْرًا. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المُقْتَضى في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما (﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]) صفحة ٢٤٤ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنا بِما في جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦]) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِآيَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً. وإضافَتُهُ السِّحْرَ إلى ضَمِيرِ مُوسى قُصِدَ مِنها تَحْقِيرُ شَأْنِ هَذا الَّذِي سَمّاهُ سِحْرًا. وأسْنَدَ الإتْيانَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. ومَعْنى إتْيانِهِ بِالسِّحْرِ: إحْضارُ السَّحَرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَأْتُوا بِالسِّحْرِ، إذِ السِّحْرُ لا بُدَّ لَهُ مِن ساحِرٍ. والمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ (مِثْلِهِ) مُماثَلَةٌ في جِنْسِ السِّحْرِ لا في قُوَّتِهِ. وإنَّما جَعَلَ فِرْعَوْنُ العِلَّةَ في مَجِيءِ مُوسى إلَيْهِ: أنَّها قَصْدُهُ أنْ يُخْرِجَهم مِن أرْضِهِمْ قِياسًا مِنهُ عَلى الَّذِينَ يَقُومُونَ بِدَعْوَةٍ ضِدَّ المُلُوكِ أنَّهم إنَّما يَبْغُونَ بِذَلِكَ إزالَتَهم عَنِ المُلْكِ وحُلُولَهم مَحَلَّهم، يَعْنِي أنَّ مُوسى غَرَّتْهُ نَفْسُهُ فَحَسِبَ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ اقْتِلاعَ فِرْعَوْنَ مِن مُلْكِهِ، أيْ حَسِبْتَ أنَّ إظْهارَ الخَوارِقِ يُطَوِّعُ لَكَ الأُمَّةَ فَيَجْعَلُونَكَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وتُخْرِجَنِي مِن أرْضِي. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْظِيمِ لا في المُشارَكَةِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُشَمُّ مِنهُ إخْراجُهم مِن أرْضِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلًا في الجَماعَةِ تَغْلِيبًا، ونَزَّلَ فِرْعَوْنُ نَفْسَهُ واحِدًا مِنها. وأرادَ بِالجَماعَةِ جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى (﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٤٧])، أيْ جِئْتَ لِتُخْرِجَ بَعْضَ الأُمَّةِ مِن أرْضِنا وتَطْمَعُ أنْ يَتَّبِعَكَ جَمِيعُ الأُمَّةِ بِما تُظْهِرُ لَهم مِن سَحْرِكَ. صفحة ٢٤٥ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتِنا إنْكارِيٌّ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ القَسَمَ عَلى أنْ يَأْتِيَهُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. والقَسَمُ مِن أسالِيبِ إظْهارِ الغَضَبِ. واللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِهِ. وقَصَدَ فِرْعَوْنُ مِن مُقابَلَةِ عَمَلِ مُوسى بِمِثْلِهِ أنْ يُزِيلَ ما يُخالِجُ نُفُوسَ النّاسِ مِن تَصْدِيقِ مُوسى وكَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الثَّوْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ وإزالَتِهِ مِن مُلْكِ مِصْرَ. وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ طَلَبَ تَعْيِينِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى لِيُحْضِرَ لَهُ فِيهِ القائِمِينَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِهِ. والمَوْعِدُ هُنا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ المِيمِيِّ، أيِ الوَعْدُ وأنْ يُرادَ بِهِ مَكانُ الوَعْدِ، وهَذا إيجازٌ في الكَلامِ. وقَوْلُهُ (مَكانًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (مَوْعِدًا) بِأحَدِ مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَضِي مَكانًا وزَمانًا فَأُبْدِلَ مِنهُ مَكانَهُ. وقَوْلُهُ (﴿لا نُخْلِفُهُ﴾) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الفِعْلِ صِفَةً لِ (مَوْعِدًا) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِجَزْمِ الفاءِ مِن (نَخْلِفْهُ) عَلى أنَّ لا ناهِيَةً. والنَّهْيُ تَحْذِيرٌ مِن إخْلافِهِ. و(سِوًى) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيِّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. فالكَسْرُ بِوَزْنِ فِعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُ ”فِعَلْ“ يَقِلُّ في الصِّفاتِ، نَحْوَ: قَوْمٌ عِدًى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو حاتِمٍ، والنَّحّاسُ: كَسْرُ السِّينِ هو اللُّغَةُ العالِيَةُ الفَصِيحَةُ، وهو اسْمُ وصْفٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِواءِ: فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ اسْتِواءَ التَّوَسُّطِ بَيْنَ جِهَتَيْنِ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسى بْنِ جابِرٍ الحَنَفِيِّ: وإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ صفحة ٢٤٦ الفَزْرُ: لَقَبٌ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ هو بِكَسْرِ الفاءِ. والمَعْنى: قالَ مُجاهِدُ: إنَّهُ مَكانٌ نَصِفٌ، وكانَ المُرادُ أنَّهُ نِصْفٌ مِنَ المَدِينَةِ لِئَلّا يَشُقَّ الحُضُورُ فِيهِ عَلى أهْلِ أطْرافِ المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: المَعْنى مَكانًا مُسْتَوِيًا، أيْ لَيْسَ فِيهِ مُرْتَفَعاتٌ تَحْجُبُ العَيْنَ، أرادَ مَكانًا مُنْكَشِفًا لِلنّاظِرِينَ لِيَشْهَدُوا أعْمالَ مُوسى وأعْمالَ السَّحَرَةِ. ثُمَّ تَعْيِينُ المَوْعِدِ غَيْرُ المُخْلَفِ يَقْتَضِي زَمانَهُ لا مَحالَةَ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ الإخْلافُ إلّا إذا كانَ لِلْوَعْدِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ ومَكانٌ مُعَيَّنٌ، فَمِن ثَمَّ طابَقَهُ جَوابُ مُوسى بِقَوْلِهِ (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) . فَيَقْتَضِي أنَّ مَحْشَرَ النّاسِ في يَوْمِ الزِّينَةِ كانَ مَكانًا مَعْرُوفًا. ولَعَلَّهُ كانَ بِساحَةِ قَصْرِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ بِزِينَتِهِمْ ولَهْوِهِمْ بِمَرْأًى مِنهُ ومِن أهْلِهِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في المَواسِمِ. فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾) تَعْيِينٌ لِلْوَقْتِ، وقَوْلُهُ (﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾) تَعْيِينٌ لِلْمَكانِ، وقَوْلُهُ (ضَحًى) تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ. والضُّحى: وقْتُ ابْتِداءِ حَرارَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها. ويَوْمُ الزِّينَةِ كانَ يَوْمُ عِيدٍ عَظِيمٍ عِنْدَ القِبْطِ، وهو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ أوِ الخُلْجانِ، وهي المَنافِذُ والتُّرَعُ المَجْعُولَةُ عَلى النَّيْلِ لِإرْسالِ الزّائِدِ مِن مِياهِهِ إلى الأرَضِينَ البَعِيدَةِ عَنْ مَجْراهُ لِلسَّقْيِ، فَتَنْطَلِقُ المِياهُ في جَمِيعِ النَّواحِي الَّتِي يُمْكِنُ وُصُولُها إلَيْها ويَزْرَعُونَ عَلَيْها. وزِيادَةُ المِياهِ في النِّيلِ هو تَوْقِيتُ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ، وذَلِكَ هو أوَّلُ يَوْمٍ مِن شَهْرِ ”تُوتَ“ القِبْطِيِّ. وهو ”أيْلُولُ“ بِحَسْبِ التّارِيخِ الِإسْكَنْدَرِيِّ، وذَلِكَ قَبْلَ صفحة ٢٤٧ حُلُولِ الشَّمْسِ في بُرْجِ المِيزانِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أيْ قَبْلَ فَصْلِ الخَرِيفِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهو يُوافِقُ اليَوْمَ الخامِسَ عَشَرَ مِن شَهْرِ تِشْرِينَ ”سِبْتَمْبِرَ“ . وأوَّلَ أيّامِ شَهْرِ ”تُوتَ“ هو يَوْمُ النَّيْرُوزِ عِنْدَ الفُرْسِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى حِسابِ انْتِهاءِ زِيادَةِ النِّيلِ لا عَلى حِسابِ بُرُوجِ الشَّمْسِ. واخْتارَ مُوسى هَذا الوَقْتَ وهَذا المَكانَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنْ سَيَكُونُ الفَلَجُ لَهُ، فَأحَبَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وقْتٍ أكْثَرَ مُشاهِدًا وأوْضَحَ رُؤْيَةً.

طه 20:58

﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سِوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١]) وجَوابُ مُوسى عَنْها. وافْتِتاحُها بِفِعْلِ (قالَ) وعَدَمُ عَطْفِهِ لا يَتْرُكُ شَكًّا في أنَّ هَذا مِن تَمامِ المُحاوَرَةِ. وقَوْلُهُ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾) يَقْتَضِي أنَّهُ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وانْقِلابِ يَدِهِ بَيْضاءَ. وذَلِكَ ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ سِحْرًا. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المُقْتَضى في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما (﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]) صفحة ٢٤٤ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنا بِما في جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦]) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِآيَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً. وإضافَتُهُ السِّحْرَ إلى ضَمِيرِ مُوسى قُصِدَ مِنها تَحْقِيرُ شَأْنِ هَذا الَّذِي سَمّاهُ سِحْرًا. وأسْنَدَ الإتْيانَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. ومَعْنى إتْيانِهِ بِالسِّحْرِ: إحْضارُ السَّحَرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَأْتُوا بِالسِّحْرِ، إذِ السِّحْرُ لا بُدَّ لَهُ مِن ساحِرٍ. والمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ (مِثْلِهِ) مُماثَلَةٌ في جِنْسِ السِّحْرِ لا في قُوَّتِهِ. وإنَّما جَعَلَ فِرْعَوْنُ العِلَّةَ في مَجِيءِ مُوسى إلَيْهِ: أنَّها قَصْدُهُ أنْ يُخْرِجَهم مِن أرْضِهِمْ قِياسًا مِنهُ عَلى الَّذِينَ يَقُومُونَ بِدَعْوَةٍ ضِدَّ المُلُوكِ أنَّهم إنَّما يَبْغُونَ بِذَلِكَ إزالَتَهم عَنِ المُلْكِ وحُلُولَهم مَحَلَّهم، يَعْنِي أنَّ مُوسى غَرَّتْهُ نَفْسُهُ فَحَسِبَ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ اقْتِلاعَ فِرْعَوْنَ مِن مُلْكِهِ، أيْ حَسِبْتَ أنَّ إظْهارَ الخَوارِقِ يُطَوِّعُ لَكَ الأُمَّةَ فَيَجْعَلُونَكَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وتُخْرِجَنِي مِن أرْضِي. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْظِيمِ لا في المُشارَكَةِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُشَمُّ مِنهُ إخْراجُهم مِن أرْضِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلًا في الجَماعَةِ تَغْلِيبًا، ونَزَّلَ فِرْعَوْنُ نَفْسَهُ واحِدًا مِنها. وأرادَ بِالجَماعَةِ جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى (﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٤٧])، أيْ جِئْتَ لِتُخْرِجَ بَعْضَ الأُمَّةِ مِن أرْضِنا وتَطْمَعُ أنْ يَتَّبِعَكَ جَمِيعُ الأُمَّةِ بِما تُظْهِرُ لَهم مِن سَحْرِكَ. صفحة ٢٤٥ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتِنا إنْكارِيٌّ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ القَسَمَ عَلى أنْ يَأْتِيَهُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. والقَسَمُ مِن أسالِيبِ إظْهارِ الغَضَبِ. واللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِهِ. وقَصَدَ فِرْعَوْنُ مِن مُقابَلَةِ عَمَلِ مُوسى بِمِثْلِهِ أنْ يُزِيلَ ما يُخالِجُ نُفُوسَ النّاسِ مِن تَصْدِيقِ مُوسى وكَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الثَّوْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ وإزالَتِهِ مِن مُلْكِ مِصْرَ. وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ طَلَبَ تَعْيِينِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى لِيُحْضِرَ لَهُ فِيهِ القائِمِينَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِهِ. والمَوْعِدُ هُنا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ المِيمِيِّ، أيِ الوَعْدُ وأنْ يُرادَ بِهِ مَكانُ الوَعْدِ، وهَذا إيجازٌ في الكَلامِ. وقَوْلُهُ (مَكانًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (مَوْعِدًا) بِأحَدِ مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَضِي مَكانًا وزَمانًا فَأُبْدِلَ مِنهُ مَكانَهُ. وقَوْلُهُ (﴿لا نُخْلِفُهُ﴾) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الفِعْلِ صِفَةً لِ (مَوْعِدًا) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِجَزْمِ الفاءِ مِن (نَخْلِفْهُ) عَلى أنَّ لا ناهِيَةً. والنَّهْيُ تَحْذِيرٌ مِن إخْلافِهِ. و(سِوًى) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيِّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. فالكَسْرُ بِوَزْنِ فِعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُ ”فِعَلْ“ يَقِلُّ في الصِّفاتِ، نَحْوَ: قَوْمٌ عِدًى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو حاتِمٍ، والنَّحّاسُ: كَسْرُ السِّينِ هو اللُّغَةُ العالِيَةُ الفَصِيحَةُ، وهو اسْمُ وصْفٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِواءِ: فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ اسْتِواءَ التَّوَسُّطِ بَيْنَ جِهَتَيْنِ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسى بْنِ جابِرٍ الحَنَفِيِّ: وإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ صفحة ٢٤٦ الفَزْرُ: لَقَبٌ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ هو بِكَسْرِ الفاءِ. والمَعْنى: قالَ مُجاهِدُ: إنَّهُ مَكانٌ نَصِفٌ، وكانَ المُرادُ أنَّهُ نِصْفٌ مِنَ المَدِينَةِ لِئَلّا يَشُقَّ الحُضُورُ فِيهِ عَلى أهْلِ أطْرافِ المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: المَعْنى مَكانًا مُسْتَوِيًا، أيْ لَيْسَ فِيهِ مُرْتَفَعاتٌ تَحْجُبُ العَيْنَ، أرادَ مَكانًا مُنْكَشِفًا لِلنّاظِرِينَ لِيَشْهَدُوا أعْمالَ مُوسى وأعْمالَ السَّحَرَةِ. ثُمَّ تَعْيِينُ المَوْعِدِ غَيْرُ المُخْلَفِ يَقْتَضِي زَمانَهُ لا مَحالَةَ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ الإخْلافُ إلّا إذا كانَ لِلْوَعْدِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ ومَكانٌ مُعَيَّنٌ، فَمِن ثَمَّ طابَقَهُ جَوابُ مُوسى بِقَوْلِهِ (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) . فَيَقْتَضِي أنَّ مَحْشَرَ النّاسِ في يَوْمِ الزِّينَةِ كانَ مَكانًا مَعْرُوفًا. ولَعَلَّهُ كانَ بِساحَةِ قَصْرِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ بِزِينَتِهِمْ ولَهْوِهِمْ بِمَرْأًى مِنهُ ومِن أهْلِهِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في المَواسِمِ. فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾) تَعْيِينٌ لِلْوَقْتِ، وقَوْلُهُ (﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾) تَعْيِينٌ لِلْمَكانِ، وقَوْلُهُ (ضَحًى) تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ. والضُّحى: وقْتُ ابْتِداءِ حَرارَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها. ويَوْمُ الزِّينَةِ كانَ يَوْمُ عِيدٍ عَظِيمٍ عِنْدَ القِبْطِ، وهو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ أوِ الخُلْجانِ، وهي المَنافِذُ والتُّرَعُ المَجْعُولَةُ عَلى النَّيْلِ لِإرْسالِ الزّائِدِ مِن مِياهِهِ إلى الأرَضِينَ البَعِيدَةِ عَنْ مَجْراهُ لِلسَّقْيِ، فَتَنْطَلِقُ المِياهُ في جَمِيعِ النَّواحِي الَّتِي يُمْكِنُ وُصُولُها إلَيْها ويَزْرَعُونَ عَلَيْها. وزِيادَةُ المِياهِ في النِّيلِ هو تَوْقِيتُ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ، وذَلِكَ هو أوَّلُ يَوْمٍ مِن شَهْرِ ”تُوتَ“ القِبْطِيِّ. وهو ”أيْلُولُ“ بِحَسْبِ التّارِيخِ الِإسْكَنْدَرِيِّ، وذَلِكَ قَبْلَ صفحة ٢٤٧ حُلُولِ الشَّمْسِ في بُرْجِ المِيزانِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أيْ قَبْلَ فَصْلِ الخَرِيفِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهو يُوافِقُ اليَوْمَ الخامِسَ عَشَرَ مِن شَهْرِ تِشْرِينَ ”سِبْتَمْبِرَ“ . وأوَّلَ أيّامِ شَهْرِ ”تُوتَ“ هو يَوْمُ النَّيْرُوزِ عِنْدَ الفُرْسِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى حِسابِ انْتِهاءِ زِيادَةِ النِّيلِ لا عَلى حِسابِ بُرُوجِ الشَّمْسِ. واخْتارَ مُوسى هَذا الوَقْتَ وهَذا المَكانَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنْ سَيَكُونُ الفَلَجُ لَهُ، فَأحَبَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وقْتٍ أكْثَرَ مُشاهِدًا وأوْضَحَ رُؤْيَةً.

طه 20:59

﴿قالَ أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فاجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أنْتَ مَكانًا سِوًى﴾ ﴿قالَ مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ . هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِجُمْلَةِ (﴿قالَ فَما بالُ القُرُونِ الأُولى﴾ [طه: ٥١]) وجَوابُ مُوسى عَنْها. وافْتِتاحُها بِفِعْلِ (قالَ) وعَدَمُ عَطْفِهِ لا يَتْرُكُ شَكًّا في أنَّ هَذا مِن تَمامِ المُحاوَرَةِ. وقَوْلُهُ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ﴾) يَقْتَضِي أنَّهُ أراهُ آيَةَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً، وانْقِلابِ يَدِهِ بَيْضاءَ. وذَلِكَ ما سَمّاهُ فِرْعَوْنُ سِحْرًا. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المُقْتَضى في قَوْلِهِ تَعالى حِكايَةً عَنْهُما (﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لَأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ٢٩] ﴿قالَ فَأْتِ بِهِ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الشعراء: ٣١] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٣] ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ [الشعراء: ٣٤] ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥]) صفحة ٢٤٤ الآيَةَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ. وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْ ذِكْرِهِ هُنا بِما في جُمْلَةِ (﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها﴾ [طه: ٥٦]) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِآيَةِ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً. وإضافَتُهُ السِّحْرَ إلى ضَمِيرِ مُوسى قُصِدَ مِنها تَحْقِيرُ شَأْنِ هَذا الَّذِي سَمّاهُ سِحْرًا. وأسْنَدَ الإتْيانَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ إلى ضَمِيرِ نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. ومَعْنى إتْيانِهِ بِالسِّحْرِ: إحْضارُ السَّحَرَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، أيْ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَأْتُوا بِالسِّحْرِ، إذِ السِّحْرُ لا بُدَّ لَهُ مِن ساحِرٍ. والمُماثَلَةُ في قَوْلِهِ (مِثْلِهِ) مُماثَلَةٌ في جِنْسِ السِّحْرِ لا في قُوَّتِهِ. وإنَّما جَعَلَ فِرْعَوْنُ العِلَّةَ في مَجِيءِ مُوسى إلَيْهِ: أنَّها قَصْدُهُ أنْ يُخْرِجَهم مِن أرْضِهِمْ قِياسًا مِنهُ عَلى الَّذِينَ يَقُومُونَ بِدَعْوَةٍ ضِدَّ المُلُوكِ أنَّهم إنَّما يَبْغُونَ بِذَلِكَ إزالَتَهم عَنِ المُلْكِ وحُلُولَهم مَحَلَّهم، يَعْنِي أنَّ مُوسى غَرَّتْهُ نَفْسُهُ فَحَسِبَ أنَّهُ يَسْتَطِيعُ اقْتِلاعَ فِرْعَوْنَ مِن مُلْكِهِ، أيْ حَسِبْتَ أنَّ إظْهارَ الخَوارِقِ يُطَوِّعُ لَكَ الأُمَّةَ فَيَجْعَلُونَكَ مَلِكًا عَلَيْهِمْ وتُخْرِجَنِي مِن أرْضِي. فَضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْظِيمِ لا في المُشارَكَةِ، لِأنَّ مُوسى لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ ما يُشَمُّ مِنهُ إخْراجُهم مِن أرْضِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ مُسْتَعْمَلًا في الجَماعَةِ تَغْلِيبًا، ونَزَّلَ فِرْعَوْنُ نَفْسَهُ واحِدًا مِنها. وأرادَ بِالجَماعَةِ جَماعَةَ بَنِي إسْرائِيلَ حَيْثُ قالَ لَهُ مُوسى (﴿فَأرْسِلْ مَعَنا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [طه: ٤٧])، أيْ جِئْتَ لِتُخْرِجَ بَعْضَ الأُمَّةِ مِن أرْضِنا وتَطْمَعُ أنْ يَتَّبِعَكَ جَمِيعُ الأُمَّةِ بِما تُظْهِرُ لَهم مِن سَحْرِكَ. صفحة ٢٤٥ والِاسْتِفْهامُ في أجِئْتِنا إنْكارِيٌّ، ولِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ القَسَمَ عَلى أنْ يَأْتِيَهُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ. والقَسَمُ مِن أسالِيبِ إظْهارِ الغَضَبِ. واللّامُ لامُ القَسَمِ، والنُّونُ لِتَوْكِيدِهِ. وقَصَدَ فِرْعَوْنُ مِن مُقابَلَةِ عَمَلِ مُوسى بِمِثْلِهِ أنْ يُزِيلَ ما يُخالِجُ نُفُوسَ النّاسِ مِن تَصْدِيقِ مُوسى وكَوْنِهِ عَلى الحَقِّ، لَعَلَّ ذَلِكَ يُفْضِي بِهِمْ إلى الثَّوْرَةِ عَلى فِرْعَوْنَ وإزالَتِهِ مِن مُلْكِ مِصْرَ. وفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ طَلَبَ تَعْيِينِ مَوْعِدٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى لِيُحْضِرَ لَهُ فِيهِ القائِمِينَ بِسِحْرٍ مِثْلِ سِحْرِهِ. والمَوْعِدُ هُنا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ المَصْدَرُ المِيمِيِّ، أيِ الوَعْدُ وأنْ يُرادَ بِهِ مَكانُ الوَعْدِ، وهَذا إيجازٌ في الكَلامِ. وقَوْلُهُ (مَكانًا) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن (مَوْعِدًا) بِأحَدِ مَعْنَيَيْهِ، لِأنَّ الفِعْلَ يَقْتَضِي مَكانًا وزَمانًا فَأُبْدِلَ مِنهُ مَكانَهُ. وقَوْلُهُ (﴿لا نُخْلِفُهُ﴾) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ الفِعْلِ صِفَةً لِ (مَوْعِدًا) بِاعْتِبارِ مَعْناهُ المَصْدَرِيِّ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِجَزْمِ الفاءِ مِن (نَخْلِفْهُ) عَلى أنَّ لا ناهِيَةً. والنَّهْيُ تَحْذِيرٌ مِن إخْلافِهِ. و(سِوًى) قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيِّ بِكَسْرِ السِّينِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ، ويَعْقُوبُ، وخَلَفٌ بِضَمِّ السِّينِ وهُما لُغَتانِ. فالكَسْرُ بِوَزْنِ فِعَلْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وزْنُ ”فِعَلْ“ يَقِلُّ في الصِّفاتِ، نَحْوَ: قَوْمٌ عِدًى. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو حاتِمٍ، والنَّحّاسُ: كَسْرُ السِّينِ هو اللُّغَةُ العالِيَةُ الفَصِيحَةُ، وهو اسْمُ وصْفٍ مُشْتَقٌّ مِنَ الِاسْتِواءِ: فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ اسْتِواءَ التَّوَسُّطِ بَيْنَ جِهَتَيْنِ. وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ لِمُوسى بْنِ جابِرٍ الحَنَفِيِّ: وإنَّ أبانا كانَ حَلَّ بِبَلْدَةٍ سِوًى بَيْنَ قَيْسٍ قَيْسِ عَيْلانَ والفِزْرِ صفحة ٢٤٦ الفَزْرُ: لَقَبٌ لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ بْنِ تَمِيمٍ هو بِكَسْرِ الفاءِ. والمَعْنى: قالَ مُجاهِدُ: إنَّهُ مَكانٌ نَصِفٌ، وكانَ المُرادُ أنَّهُ نِصْفٌ مِنَ المَدِينَةِ لِئَلّا يَشُقَّ الحُضُورُ فِيهِ عَلى أهْلِ أطْرافِ المَدِينَةِ. وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ: المَعْنى مَكانًا مُسْتَوِيًا، أيْ لَيْسَ فِيهِ مُرْتَفَعاتٌ تَحْجُبُ العَيْنَ، أرادَ مَكانًا مُنْكَشِفًا لِلنّاظِرِينَ لِيَشْهَدُوا أعْمالَ مُوسى وأعْمالَ السَّحَرَةِ. ثُمَّ تَعْيِينُ المَوْعِدِ غَيْرُ المُخْلَفِ يَقْتَضِي زَمانَهُ لا مَحالَةَ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ الإخْلافُ إلّا إذا كانَ لِلْوَعْدِ وقْتٌ مُعَيَّنٌ ومَكانٌ مُعَيَّنٌ، فَمِن ثَمَّ طابَقَهُ جَوابُ مُوسى بِقَوْلِهِ (﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾) . فَيَقْتَضِي أنَّ مَحْشَرَ النّاسِ في يَوْمِ الزِّينَةِ كانَ مَكانًا مَعْرُوفًا. ولَعَلَّهُ كانَ بِساحَةِ قَصْرِ فِرْعَوْنَ، لِأنَّهم يَجْتَمِعُونَ بِزِينَتِهِمْ ولَهْوِهِمْ بِمَرْأًى مِنهُ ومِن أهْلِهِ عَلى عادَةِ المُلُوكِ في المَواسِمِ. فَقَوْلُهُ (﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾) تَعْيِينٌ لِلْوَقْتِ، وقَوْلُهُ (﴿وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ﴾) تَعْيِينٌ لِلْمَكانِ، وقَوْلُهُ (ضَحًى) تَقْيِيدٌ لِمُطْلَقِ الوَقْتِ. والضُّحى: وقْتُ ابْتِداءِ حَرارَةِ الشَّمْسِ بَعْدَ طُلُوعِها. ويَوْمُ الزِّينَةِ كانَ يَوْمُ عِيدٍ عَظِيمٍ عِنْدَ القِبْطِ، وهو يَوْمُ كَسْرِ الخَلِيجِ أوِ الخُلْجانِ، وهي المَنافِذُ والتُّرَعُ المَجْعُولَةُ عَلى النَّيْلِ لِإرْسالِ الزّائِدِ مِن مِياهِهِ إلى الأرَضِينَ البَعِيدَةِ عَنْ مَجْراهُ لِلسَّقْيِ، فَتَنْطَلِقُ المِياهُ في جَمِيعِ النَّواحِي الَّتِي يُمْكِنُ وُصُولُها إلَيْها ويَزْرَعُونَ عَلَيْها. وزِيادَةُ المِياهِ في النِّيلِ هو تَوْقِيتُ السَّنَةِ القِبْطِيَّةِ، وذَلِكَ هو أوَّلُ يَوْمٍ مِن شَهْرِ ”تُوتَ“ القِبْطِيِّ. وهو ”أيْلُولُ“ بِحَسْبِ التّارِيخِ الِإسْكَنْدَرِيِّ، وذَلِكَ قَبْلَ صفحة ٢٤٧ حُلُولِ الشَّمْسِ في بُرْجِ المِيزانِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، أيْ قَبْلَ فَصْلِ الخَرِيفِ بِثَمانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَهو يُوافِقُ اليَوْمَ الخامِسَ عَشَرَ مِن شَهْرِ تِشْرِينَ ”سِبْتَمْبِرَ“ . وأوَّلَ أيّامِ شَهْرِ ”تُوتَ“ هو يَوْمُ النَّيْرُوزِ عِنْدَ الفُرْسِ، وذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلى حِسابِ انْتِهاءِ زِيادَةِ النِّيلِ لا عَلى حِسابِ بُرُوجِ الشَّمْسِ. واخْتارَ مُوسى هَذا الوَقْتَ وهَذا المَكانَ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنْ سَيَكُونُ الفَلَجُ لَهُ، فَأحَبَّ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في وقْتٍ أكْثَرَ مُشاهِدًا وأوْضَحَ رُؤْيَةً.

طه 20:60

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ) تَفْرِيعُ التَّوَلِّي وجَمْعُ الكَيْدِ عَلى تَعْيِينِ مُوسى لِلْمَوْعِدِ إشارَةً إلى أنَّ فِرْعَوْنَ بادَرَ بِالِاسْتِعْدادِ لِهَذا المَوْعِدِ ولَمْ يُضِعِ الوَقْتَ لِلتَّهْيِئَةِ لَهُ. والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ، أيِ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى حَيْثُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إلى المَدائِنِ لِجَمْعِ مَن عُرِفُوا بِعِلْمِ السِّحْرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢]) . ومَعْنى جَمْعُ الكَيْدِ: تَدْبِيرُ أُسْلُوبِ مُناظَرَةِ مُوسى، وإعْدادُ الحِيَلِ لِإظْهارِ غَلَبَةِ السَّحَرَةِ عَلَيْهِ، وإقْناعِ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَيْسَ عَلى شَيْءٍ. وهَذا أُسْلُوبٌ قَدِيمٌ في المُناظَراتِ: أنْ يَسْعى المُناظِرُ جُهْدَهُ لِلتَّشْهِيرِ بِبُطْلانِ حُجَّةِ خَصْمِهِ بِكُلِّ وسائِلِ التَّلْبِيسِ والتَّشْنِيعِ والتَّشْهِيرِ، ومُبادَأتِهِ بِما يَفُتُّ في عَضُدِهِ ويُشَوِّشُ رَأْيَهُ حَتّى يَذْهَبَ مِنهُ تَدْبِيرُهُ. صفحة ٢٤٨ فالجَمْعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إعْدادِ الرَّأْيِ، واسْتِقْصاءِ تَرْتِيبِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١])، أيْ جَمَعَ رَأْيَهُ وتَدْبِيرَهُ الَّذِي يَكِيدُ بِهِ مُوسى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَجَمَعَ أهْلَ كَيْدِهِ، أيْ جَمَعَ السَّحَرَةَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨]) . والكَيْدُ: إخْفاءُ ما بِهِ الضُّرُّ إلى وقْتِ فِعْلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ. ومَعْنى (﴿ثُمَّ أتى﴾) ثُمَّ حَضَرَ المَوْعِدَ، و(ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ والرُتْبِيَّةِ مَعًا، لِأنَّ حُضُورَهُ لِلْمَوْعِدِ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُهْلَةِ الِاسْتِعْدادِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ بَعْدَ جَمْعِ كَيْدِهِ أهَمُّ مِن جَمْعِ الكَيْدِ، لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ أثَرِ ما أعَدَّهُ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ [الشعراء: ٤٣]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿ثُمَّ أتى﴾) يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ أتى فِرْعَوْنُ مِيقاتَ المَوْعِدِ. وأرادَ مُوسى مُفاتَحَةَ السَّحَرَةِ بِالمَوْعِظَةِ. وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن قَوْلِهِ (﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه: ٥٨]) أيْ بِأهْلِ سِحْرٍ، أوْ يَكُونُ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ، لِأنَّ ذَلِكَ المَحْضَرَ كانَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ وحاشِيَتِهِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾)، أيْ جَمَعَ رِجالَ كَيْدِهِ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ (ويْلَكم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ غَيْرَ جارٍ عَلى ما أُمِرَ بِهِ مِن إلانَةِ القَوْلِ لِفِرْعَوْنَ: إمّا لِأنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُواجِهًا بِهِ فِرْعَوْنَ بَلْ واجَهَ بِهِ السَّحَرَةَ خاصَّةً الَّذِينَ اقْتَضاهم قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾)، أيْ قالَ مُوسى لِأهْلِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ إلانَةَ القَوْلِ لَهُ غَيْرُ نافِعَةٍ، إذْ لَمْ يَزَلْ عَلى تَصْمِيمِهِ عَلى الكُفْرِ، أغْلَظَ القَوْلَ زَجْرًا لَهُ بِأمْرٍ خاصٍّ مِنَ اللَّهِ في تِلْكَ صفحة ٢٤٩ السّاعَةِ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ، كَما أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ (﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]) الآياتِ في سُورَةِ الحَجِّ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى تَمْوِيهِهِمْ عَلى الحاضِرِينَ أنَّ سِحْرَهم مُعْجِزَةٌ لَهم مِن آلِهَتِهِمْ ومِن فِرْعَوْنَ رَبِّهِمُ الأعْلى وقالُوا: (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]) رَأى واجِبًا عَلَيْهِ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ بِلِسانِهِ بِأقْصى ما يَسْتَطِيعُ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ هو المُناسِبُ لِمَقامِ الرِّسالَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ويْلَكُمُ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعَجُّبِ مِن حالٍ غَرِيبَةٍ، أيْ أعْجَبُ مِنكم وأُحَذِّرُكم، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَصِيرٍ: «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ» فَحُكِيَ تَعَجُّبُ مُوسى بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ الدّالِّ عَلى العَجَبِ الشَّدِيدِ. والوَيْلُ: اسْمٌ لِلْعَذابِ والشَّرِّ، ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ. وانْتَصَبَ (ويْلَكم) إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى التَّحْذِيرِ أوِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا ويْلَكم، أوِ احْذَرُوا ويْلَكم؛ وإمّا عَلى إضْمارِ حَرْفِ النِّداءِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: يا ويْلَنا، ويا ويَلَتَنا، وتَقَدَّمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الكَذِبِ. والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَذِبًا لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]) في سُورَةِ العُقُودِ. والِافْتِراءُ الَّذِي عَناهُ مُوسى هو ما يُخَيِّلُونَهُ لِلنّاسِ مِنَ الشَّعْوَذَةِ، ويَقُولُونَ لَهم: انْظُرُوا كَيْفَ تَحَرَّكَ الحَبْلُ فَصارَ ثُعْبانًا، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَوْجِيهِ التَّخَيُّلاتِ بِتَمْوِيهِ أنَّها حَقائِقُ، أوْ قَوْلُهم: ما نَفْعَلُهُ تَأْيِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَنا، أوْ قَوْلُهم: أنَّ مُوسى كاذِبٌ وساحِرٌ، أوْ قَوْلُهم: إنَّ فِرْعَوْنَ إلَهَهم، أوْ آلِهَةُ فِرْعَوْنَ آلِهَةٌ. وقَدْ كانَتْ مَقالاتُ كُفْرِهِمْ أشْتاتًا. صفحة ٢٥٠ قَرَأ الجُمْهُورُ (فَيَسْحَتَكم) - بِفَتْحِ الياءِ - مُضارِعُ سَحَتَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ - بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ - مِن أسْحَتَهُ، وهي لُغَةُ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، وكِلْتا اللُّغَتَيْنِ فُصْحى. وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿لا تَفْتَرُوا﴾) وهي مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أيِ اجْتَنِبُوا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ مِن قَبْلُ. بَعْدَ أنْ وعَظَهم فَنَهاهم عَنِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وأنْذَرَهم عَذابَهُ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالأُمَمِ البائِدَةِ الَّذِينَ افْتَرَوُا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَلَمْ يَنْجَحُوا فِيما افْتَرَوْا لِأجْلِهِ. و(مَنِ) المَوْصُولَةُ لِلْعُمُومِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ القَضِيَّةِ الكُبْرى مِنَ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ. وفِي كَلامِ مُوسى إعْلانٌ بِأنَّهُ لا يَتَقَوَّلُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَسْتَأْصِلُهُ بِعَذابٍ ويَعْلَمُ خَيْبَةَ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، ومَن كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ.

طه 20:61

﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ ﴿قالَ لَهم مُوسى ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾ ) تَفْرِيعُ التَّوَلِّي وجَمْعُ الكَيْدِ عَلى تَعْيِينِ مُوسى لِلْمَوْعِدِ إشارَةً إلى أنَّ فِرْعَوْنَ بادَرَ بِالِاسْتِعْدادِ لِهَذا المَوْعِدِ ولَمْ يُضِعِ الوَقْتَ لِلتَّهْيِئَةِ لَهُ. والتَّوَلِّي: الِانْصِرافُ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَةٍ، أيِ انْصَرَفَ عَنْ ذَلِكَ المَجْلِسِ إلى حَيْثُ يُرْسِلُ الرُّسُلَ إلى المَدائِنِ لِجَمْعِ مَن عُرِفُوا بِعِلْمِ السِّحْرِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ النّازِعاتِ (﴿ثُمَّ أدْبَرَ يَسْعى فَحَشَرَ فَنادى﴾ [النازعات: ٢٢]) . ومَعْنى جَمْعُ الكَيْدِ: تَدْبِيرُ أُسْلُوبِ مُناظَرَةِ مُوسى، وإعْدادُ الحِيَلِ لِإظْهارِ غَلَبَةِ السَّحَرَةِ عَلَيْهِ، وإقْناعِ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَيْسَ عَلى شَيْءٍ. وهَذا أُسْلُوبٌ قَدِيمٌ في المُناظَراتِ: أنْ يَسْعى المُناظِرُ جُهْدَهُ لِلتَّشْهِيرِ بِبُطْلانِ حُجَّةِ خَصْمِهِ بِكُلِّ وسائِلِ التَّلْبِيسِ والتَّشْنِيعِ والتَّشْهِيرِ، ومُبادَأتِهِ بِما يَفُتُّ في عَضُدِهِ ويُشَوِّشُ رَأْيَهُ حَتّى يَذْهَبَ مِنهُ تَدْبِيرُهُ. صفحة ٢٤٨ فالجَمْعُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى إعْدادِ الرَّأْيِ، واسْتِقْصاءِ تَرْتِيبِ الأمْرِ، كَقَوْلِهِ (﴿فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١])، أيْ جَمَعَ رَأْيَهُ وتَدْبِيرَهُ الَّذِي يَكِيدُ بِهِ مُوسى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى فَجَمَعَ أهْلَ كَيْدِهِ، أيْ جَمَعَ السَّحَرَةَ، عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨]) . والكَيْدُ: إخْفاءُ ما بِهِ الضُّرُّ إلى وقْتِ فِعْلِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]) في سُورَةِ الأعْرافِ. ومَعْنى (﴿ثُمَّ أتى﴾) ثُمَّ حَضَرَ المَوْعِدَ، و(ثُمَّ) لِلْمُهْلَةِ الحَقِيقِيَّةِ والرُتْبِيَّةِ مَعًا، لِأنَّ حُضُورَهُ لِلْمَوْعِدِ كانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُهْلَةِ الِاسْتِعْدادِ، ولِأنَّ ذَلِكَ الحُضُورَ بَعْدَ جَمْعِ كَيْدِهِ أهَمُّ مِن جَمْعِ الكَيْدِ، لِأنَّ فِيهِ ظُهُورَ أثَرِ ما أعَدَّهُ. وجُمْلَةُ (﴿قالَ لَهم مُوسى﴾ [الشعراء: ٤٣]) مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا، لِأنَّ قَوْلَهُ (﴿ثُمَّ أتى﴾) يُثِيرُ سُؤالًا في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَقُولَ: فَماذا حَصَلَ حِينَ أتى فِرْعَوْنُ مِيقاتَ المَوْعِدِ. وأرادَ مُوسى مُفاتَحَةَ السَّحَرَةِ بِالمَوْعِظَةِ. وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِن قَوْلِهِ (﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه: ٥٨]) أيْ بِأهْلِ سِحْرٍ، أوْ يَكُونُ الخِطابُ لِلْجَمِيعِ، لِأنَّ ذَلِكَ المَحْضَرَ كانَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ وحاشِيَتِهِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾)، أيْ جَمَعَ رِجالَ كَيْدِهِ. والخِطابُ بِقَوْلِهِ (ويْلَكم) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أرادَ بِهِ حَقِيقَةَ الدُّعاءِ، فَيَكُونُ غَيْرَ جارٍ عَلى ما أُمِرَ بِهِ مِن إلانَةِ القَوْلِ لِفِرْعَوْنَ: إمّا لِأنَّ الخِطابَ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُواجِهًا بِهِ فِرْعَوْنَ بَلْ واجَهَ بِهِ السَّحَرَةَ خاصَّةً الَّذِينَ اقْتَضاهم قَوْلُهُ تَعالى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾)، أيْ قالَ مُوسى لِأهْلِ كَيْدِ فِرْعَوْنَ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى أنَّ إلانَةَ القَوْلِ لَهُ غَيْرُ نافِعَةٍ، إذْ لَمْ يَزَلْ عَلى تَصْمِيمِهِ عَلى الكُفْرِ، أغْلَظَ القَوْلَ زَجْرًا لَهُ بِأمْرٍ خاصٍّ مِنَ اللَّهِ في تِلْكَ صفحة ٢٤٩ السّاعَةِ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِ الأمْرِ بِإلانَةِ القَوْلِ، كَما أُذِنَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِقَوْلِهِ (﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩]) الآياتِ في سُورَةِ الحَجِّ؛ وإمّا لِأنَّهُ لَمّا رَأى تَمْوِيهِهِمْ عَلى الحاضِرِينَ أنَّ سِحْرَهم مُعْجِزَةٌ لَهم مِن آلِهَتِهِمْ ومِن فِرْعَوْنَ رَبِّهِمُ الأعْلى وقالُوا: (﴿بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]) رَأى واجِبًا عَلَيْهِ تَغْيِيرَ المُنْكَرِ بِلِسانِهِ بِأقْصى ما يَسْتَطِيعُ، لِأنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ هو المُناسِبُ لِمَقامِ الرِّسالَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ ويْلَكُمُ مُسْتَعْمَلَةً في التَّعَجُّبِ مِن حالٍ غَرِيبَةٍ، أيْ أعْجَبُ مِنكم وأُحَذِّرُكم، كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَصِيرٍ: «ويْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ» فَحُكِيَ تَعَجُّبُ مُوسى بِاللَّفْظِ العَرَبِيِّ الدّالِّ عَلى العَجَبِ الشَّدِيدِ. والوَيْلُ: اسْمٌ لِلْعَذابِ والشَّرِّ، ولَيْسَ لَهُ فِعْلٌ. وانْتَصَبَ (ويْلَكم) إمّا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ عَلى التَّحْذِيرِ أوِ الإغْراءِ، أيِ الزَمُوا ويْلَكم، أوِ احْذَرُوا ويْلَكم؛ وإمّا عَلى إضْمارِ حَرْفِ النِّداءِ فَإنَّهم يَقُولُونَ: يا ويْلَنا، ويا ويَلَتَنا، وتَقَدَّمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والِافْتِراءُ: اخْتِلاقُ الكَذِبِ. والجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كَذِبًا لِلتَّأْكِيدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ [المائدة: ١٠٣]) في سُورَةِ العُقُودِ. والِافْتِراءُ الَّذِي عَناهُ مُوسى هو ما يُخَيِّلُونَهُ لِلنّاسِ مِنَ الشَّعْوَذَةِ، ويَقُولُونَ لَهم: انْظُرُوا كَيْفَ تَحَرَّكَ الحَبْلُ فَصارَ ثُعْبانًا، ونَحْوُ ذَلِكَ مِن تَوْجِيهِ التَّخَيُّلاتِ بِتَمْوِيهِ أنَّها حَقائِقُ، أوْ قَوْلُهم: ما نَفْعَلُهُ تَأْيِيدٌ مِنَ اللَّهِ لَنا، أوْ قَوْلُهم: أنَّ مُوسى كاذِبٌ وساحِرٌ، أوْ قَوْلُهم: إنَّ فِرْعَوْنَ إلَهَهم، أوْ آلِهَةُ فِرْعَوْنَ آلِهَةٌ. وقَدْ كانَتْ مَقالاتُ كُفْرِهِمْ أشْتاتًا. صفحة ٢٥٠ قَرَأ الجُمْهُورُ (فَيَسْحَتَكم) - بِفَتْحِ الياءِ - مُضارِعُ سَحَتَهُ: إذا اسْتَأْصَلَهُ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ - بِضَمِّ الياءِ التَّحْتِيَّةِ - مِن أسْحَتَهُ، وهي لُغَةُ نَجْدٍ وبَنِي تَمِيمٍ، وكِلْتا اللُّغَتَيْنِ فُصْحى. وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ (﴿لا تَفْتَرُوا﴾) وهي مَسُوقَةٌ مَساقَ التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ، أيِ اجْتَنِبُوا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى عَلَيْهِ مِن قَبْلُ. بَعْدَ أنْ وعَظَهم فَنَهاهم عَنِ الكَذِبِ عَلى اللَّهِ وأنْذَرَهم عَذابَهُ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا بِالأُمَمِ البائِدَةِ الَّذِينَ افْتَرَوُا الكَذِبَ عَلى اللَّهِ فَلَمْ يَنْجَحُوا فِيما افْتَرَوْا لِأجْلِهِ. و(مَنِ) المَوْصُولَةُ لِلْعُمُومِ. ومَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَها كَمَوْقِعِ القَضِيَّةِ الكُبْرى مِنَ القِياسِ الِاقْتِرانِيِّ. وفِي كَلامِ مُوسى إعْلانٌ بِأنَّهُ لا يَتَقَوَّلُ عَلى اللَّهِ ما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ يَسْتَأْصِلُهُ بِعَذابٍ ويَعْلَمُ خَيْبَةَ مَنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ، ومَن كانَ يَعْلَمُ ذَلِكَ لا يُقْدِمُ عَلَيْهِ.

طه 20:62

﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ . أيْ تَفَرَّعَ عَلى مَوْعِظَةِ مُوسى تَنازُعُهُمُ الأمْرَ بَيْنَهم، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ بَعْضَ الأثَرِ، ومِنهم مَن خَشِيَ الِانْخِذالَ، فَلِذَلِكَ دَعا بَعْضُهم بَعْضًا لِلتَّشاوُرِ في ماذا يَصْنَعُونَ. صفحة ٢٥١ والتَّنازُعُ: تَفاعُلٌ مِنَ النَّزْعِ، وهو الجَذْبُ مِنَ البِئْرِ، وجَذْبُ الثَّوْبِ مِنَ الجَسَدِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ تَمْثِيلًا في اخْتِلافِ الرَّأْيِ ومُحاوَلَةِ كُلِّ صاحِبِ رَأْيٍ أنْ يُقْنِعَ المُخالِفَ لَهُ بِأنَّ رَأْيَهُ هو الصَّوابُ. فالتَّنازُعُ: التَّخالُفُ. والنَّجْوى: الحَدِيثُ السِّرِّيُّ، أيِ اخْتَلَوْا وتَحادَثُوا سِرًّا لِيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهم، فَجَعَلَ النَّجْوى مَعْمُولًا لِ أسَرُّوا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكِتْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسَرُّوا سِرَّهم، كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ. وزادَهُ مُبالَغَةً قَوْلُهُ (بَيْنَهم) المُقْتَضِي أنَّ النَّجْوى بَيْنَ طائِفَةٍ خاصَّةٍ لا يَشْتَرِكُ مَعَهم فِيها غَيْرُهم. وجُمْلَةُ (﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾)، لِأنَّ إسْرارَ النَّجْوى يَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ ذُكِرَ مِنها هَذا القَوْلُ، لِأنَّهُ القَوْلُ الفَصْلُ بَيْنَهم والرَّأْيُ الَّذِي أرْسَوْا عَلَيْهِ، فَهو زُبْدَةُ مَخِيضِ النَّجْوى. وذَلِكَ شَأْنُ التَّشاوُرِ وتَنازُعِ الآراءِ أنْ يُسْفِرَ عَنْ رَأْيٍ يَصْدُرُ الجَمِيعُ عَنْهُ. وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهم: هَذانِ لَساحِرانِ، فَقالَ جَمِيعُهم: نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ، أيْ مَقالَةً تَداوَلُوا الخَوْضَ في شَأْنِها فَأرْسَوْا عَلَيْها وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَعَمْ هو كَذَلِكَ، ونَطَقُوا بِالكَلامِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهم، وهو تَحَقُّقُهم أنَّ مُوسى وأخاهُ ساحِرانِ. واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ قَرَءُوا بِإثْباتِ الألِفِ في اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ هَذانِ ما عَدا أبا عَمْرٍو مِنَ العَشَرَةِ وما عَدا الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِنَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ. وذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّ إثْباتَ الألِفِ في لَفْظِ (هَذانِ) أكْثَرُ تَواتُرًا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ (إنَّ) صفحة ٢٥٢ مُشَدَّدَةً أوْ مُخَفَّفَةً، وأنَّ أكْثَرَ مَشْهُورِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ قَرَأُوا - بِتَشْدِيدِ نُونِ - (أنَّ) ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ فَهُما قَرَءا (أنْ) بِسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ. وإنَّ المُصْحَفَ الإمامَ ما رَسَمُوهُ إلّا اتِّباعًا لِأشْهَرِ القِراءاتِ المَسْمُوعَةِ المَرْوِيَّةِ مِن زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقُرّاءِ أصْحابِهِ، فَإنَّ حِفْظَ القُرْآنِ في صُدُورِ القُرّاءِ أقْدَمُ مِن كِتابَتِهِ في المَصاحِفِ، وما كُتِبَ في أُصُولِ المَصاحِفِ إلّا مِن حِفْظِ الكاتِبِينَ، وما كُتِبَ المُصْحَفُ الإمامُ إلّا مِن مَجْمُوعِ مَحْفُوظِ الحُفّاظِ وما كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ. فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالألِفِ في هَذانِ وكَذَلِكَ في (﴿لَساحِرانِ﴾)، فَلِلْمُفَسِّرِينَ في تَوْجِيهِها آراءٌ بَلَغَتِ السِّتَّةَ. وأظْهَرُها أنْ تَكُونَ (إنَّ) حَرْفُ جَوابٍ مِثْلَ: نَعَمْ وأجَلْ، وهو اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ (إنَّ)، أيِ اتَّبَعُوا لَمّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ النَّجْوى كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ: ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ أيْ أجَلْ أوْ نَعَمْ، والهاءُ في البَيْتِ هاءُ السَّكْتِ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِأعْرابِيٍّ اسْتَجْداهُ فَلَمْ يُعْطِهِ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وراكِبَها. وهَذا التَّوْجِيهُ مِن مُبْتَكَراتِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمَيْنا وشَيْخَيْنا وأُسْتاذَيْنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ يَعْنِي القاضِيَ الشَّهِيرَ فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعاهُ في هَذا. وقُلْتُ: لَقَدْ صَدَقا وحَقَّقا. وما أوْرَدَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدِّ فِيهِ نَظَرٌ. صفحة ٢٥٣ وفِي التَّفْسِيرِ الوَجِيزِ لِلْواحِدِيِّ سَألَ إسْماعِيلُ القاضِي (هو ابْنُ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ) ابْنَ كَيْسانَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَمّا لَمْ يَظْهَرْ في المُبْهَمِ إعْرابٌ في الواحِدِ ولا في الجَمْعِ (أيْ في قَوْلِهِمْ هَذا وهَؤُلاءِ إذْ هُما مَبْنِيّانِ) جَرَتِ التَّثْنِيَةُ مَجْرى الواحِدِ إذِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أنْ لا تُغَيَّرَ. فَقالَ لَهُ إسْماعِيلُ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ تَقَدَّمَكَ أحَدٌ بِالقَوْلِ فِيهِ حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ كَيْسانَ: فَلْيَقُلْ بِهِ القاضِي حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ، فَتَبَسَّمَ. وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) حِكايَةً لِمَقالِ فَرِيقٍ مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي قَبِلَ هَذا الرَّأْيَ لِأنَّ حَرْفَ الجَوابِ يَقْتَضِي كَلامًا سَبَقَهُ. ودَخَلَتِ اللّامُ عَلى الخَبَرِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَبَرِ جُمْلَةً حُذِفَ مُبْتَدَأُها وهو مَدْخُولُ اللّامِ في التَّقْدِيرِ، ووُجُودُ اللّامِ يُنْبِئُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ؛ وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ دُخُولَ اللّامِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ. ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا بِجَعْلِ (إنَّ) حَرْفَ تَوْكِيدٍ، وإعْرابُ اسْمِها المُثَنّى جَرى عَلى لُغَةِ كِنانَةَ وبِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عَلامَةَ إعْرابِ المُثَنّى الألِفَ في أحْوالِ الإعْرابِ كُلِّها، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في الأدَبِ العَرَبِيِّ ولَها شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُ المُتَلَمِّسِ: فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ دَرى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما وقَرَأهُ حَفْصٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ نُونِ (إنْ) مُسَكَّنَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفَةُ (إنَّ) المُشَدَّدَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْمُ (إنِ) المُخَفَّفَةِ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا عَلى المَشْهُورِ. وتَكُونُ اللّامُ في (﴿لَساحِرانِ﴾) اللّامَ الفارِقَةَ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ. صفحة ٢٥٤ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ نُونِ (إنْ) عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِإثْباتِ الألِفِ في (هَذانِ) وبِتَشْدِيدِ نُونِ (هاذانِّ) . وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحْدَهُ (إنَّ هَذَيْنِ) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالياءِ بَعْدَ ذالِ (هَذَيْنِ) . فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وأقُولُ: ذَلِكَ لا يَطْعَنُ فِيها لِأنَّها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ووافَقَتْ وجْهًا مَقْبُولًا في العَرَبِيَّةِ. ونُزُولُ القُرْآنِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الفَصِيحَةِ في الِاسْتِعْمالِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ إعْجازِهِ لِتَجْرِيَ تَراكِيبُهُ عَلى أفانِينَ مُخْتَلِفَةِ المَعانِي مُتَّحِدَةِ المَقْصُودِ. فَلا التِفاتَ إلى ما رُوِيَ مِنِ ادِّعاءِ أنَّ كِتابَةَ (إنَّ هاذانِ) خَطَأٌ مِن كاتِبِ المُصْحَفِ، ورِوايَتِهِمْ ذَلِكَ عَنْ أبانَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ عَنْ أبِيهِ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ. حَسِبُوا أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوا قِراءَةَ القُرْآنِ مِنَ المَصاحِفِ وهَذا تَغَفُّلٌ، فَإنَّ المُصْحَفَ ما كُتِبَ إلّا بَعْدَ أنْ قَرَأ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً في أقْطارِ الإسْلامِ، وما كُتِبَتِ المَصاحِفُ إلّا مِن حِفْظِ الحُفّاظِ، وما أخَذَ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ إلّا مِن أفْواهِ حُفّاظِهِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ المَصاحِفُ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ فَلَوْ كانَ في بَعْضِها خَطَأٌ في الخَطِّ لَما تَبِعَهُ القُرّاءُ، ولَكانَ بِمَنزِلَةِ ما تُرِكَ مِنَ الألِفاتِ في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ وبِمَنزِلَةِ كِتابَةِ ألِفِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحَياةِ، والرِّبا بِالواوِ في مَوْضِعِ الألِفِ وما قَرَءُوها إلّا بِألِفاتِها. وتَأْكِيدُ السَّحَرَةِ كَوْنَ مُوسى وهارُونَ ساحِرَيْنِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يُخامِرُهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ دَعْوَتِهِما، وجَعَلَ ما أظْهَرَهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ سِحْرًا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ السِّحْرَ عِنْدَهم عَلى خَوارِقِ العاداتِ، كَما «قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي صفحة ٢٥٥ شاهَدَتْ نَبْعَ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْمِها: جِئْتُكم مِن عِنْدِ أسْحَرِ النّاسِ»، وهو في كِتابِ المَغازِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ. والقائِلُونَ: قَدْ يَكُونُ بَعْضُهم مِمَّنْ شاهَدَ ما أتى بِهِ مُوسى في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِمَّنْ بَلَغَهم ذَلِكَ بِالتَّسامُعِ والِاسْتِفاضَةِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾) لِمَلَئِهِمْ. ووَجْهُ اتِّهامِهِما بِذَلِكَ هو ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧]) . ونَزِيدُ هُنا أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّجْوى بَيْنَ السَّحَرَةِ، أيْ يُرِيدانِ الِاسْتِئْثارَ بِصِناعَةِ السِّحْرِ في أرْضِكم فَتَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ بِإهْمالِ النّاسِ لَكم وإقْبالِهِمْ عَلى سِحْرِ مُوسى وهارُونَ. والطَّرِيقَةُ: السُّنَّةُ والعادَةُ؛ شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُ، لِجامِعِ المُلازَمَةِ. والمُثْلى: مُؤَنَّثُ الأمْثَلِ. وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثالَةِ، وهي حُسْنُ الحالَةِ يُقالُ: فُلانٌ أمْثَلُ قَوْمِهِ، أيْ أقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وأحْسَنُهم حالًا. وأرادُوا مِن هَذا إثارَةَ حَمِيَّةِ بَعْضِهِمْ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِها وشَرائِعِها وأخْلاقِها. ولِذا فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أمْرَهم بِأنْ يَجْمَعُوا حِيَلَهم وكُلَّ ما في وُسْعِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا بِهِ مُوسى. والباءُ في (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَذْهَبا) . والمَعْنى: يُذْهِبانِها، وهو أبْلَغُ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ مِن نَصْبِ المَفْعُولِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأجْمِعُوا﴾) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ المِيمِ أمْرًا مِن: أجْمَعَ أمْرَهُ، إذا جَعَلَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ. صفحة ٢٥٦ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (فاجْمَعُوا) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِفَتْحِ المِيمِ أمْرًا مِن جَمَعَ، كَقَوْلِهِ فِيما مَضى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]) . أطْلَقَ الجَمْعَ عَلى التَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ، تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُخْتَلِفِ بِالمُتَفَرِّقِ، وهو مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ﴾) . وسَمَّوْا عَمَلَهم كَيْدًا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلى أنْ يُظْهِرُوا لِلْعامَّةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَهم يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أوْ أشَدَّ مِنهُ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِ فَيَكِيدُوا لَهُ بِإبْطالِ خِصِّيصِيَّةِ ما أتى بِهِ. والظّاهِرُ أنَّ عامَّةَ النّاسِ تَسامَعُوا بِدَعْوَةِ مُوسى، وما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، وأصْبَحُوا مُتَحَيِّرِينَ في شَأْنِهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اهْتَمَّ السَّحَرَةُ بِالكَيْدِ لَهُ، وهو ما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]) . ودَبَّرُوا لِإرْهابِ النّاسِ وإرْهابِ مُوسى وهارُونَ بِالِاتِّفاقِ عَلى أنْ يَأْتُوا حِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِأنَّ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهم. ولَمْ يَزَلِ الَّذِينَ يَرُومُونَ إقْناعَ العُمُومِ بِأنْفُسِهِمْ يَتَخَيَّرُونَ لِذَلِكَ بَهاءَ الهَيْئَةِ وحُسْنَ السَّمْتِ وجَلالَ المَظْهَرِ. فَكانَ مِن ذَلِكَ جُلُوسُ المُلُوكِ عَلى جُلُودِ الأُسُودِ، ورُبَّما لَبِسَ الأبْطالُ جُلُودَ النُّمُورِ في الحَرْبِ. وقَدْ فُسِّرَ بِهِ فِعْلَ (تَنَمَّرُوا) في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ: قَوْمٌ إذا لَبِسُوا الحَدِيدَ ∗∗∗ تَنَمَّرُوا حِلَقًا وقَدّا وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمُ الجارِي مَجْرى المَثَلِ (لَبِسَ لِي فُلانٌ جِلْدَ النَّمِرِ)؛ وثَبَتَ في التّارِيخِ المُسْتَنِدِ لِلْآثارِ أنَّ كَهَنَةَ القِبْطِ في مِصْرَ كانُوا يَلْبِسُونَ جُلُودَ النُّمُورِ. صفحة ٢٥٧ والصَّفُّ: مَصْدَرُ مَعْنى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ صافِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ، إذا تَرَتَّبُوا واحِدًا حَذْوَ الآخَرِ بِانْتِظامٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُونَ مُخْتَلِطِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا الواحِدَ حَذْوَ الآخَرِ وكانَ الصَّفُّ مِنهم تِلْوَ الآخَرِ كانُوا أبْهَرَ مَنظَرًا، قالَ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]) . وكانَ جَمِيعُ سَحَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ قَدْ أُحْضِرُوا بِأمْرِ فِرْعَوْنَ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. فالصَّفُّ هُنا مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لا الوَحْدَةُ، أيْ ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨]) وقالَ (﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]) . وانْتَصَبَ صَفًّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (ائْتُوا) . والمَقْصُودُ الإتْيانُ إلى مَوْضِعِ إلْقاءِ سِحْرِهِمْ وشَعْوَذَتِهِمْ، لِأنَّ التَّناجِيَ والتَّآمُرَ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) . وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَجْمَعُ ما قَصَدُوهُ مِن تَآمُرِهِمْ بِأنَّ الفَلاحَ يَكُونُ لِمَن غَلَبَ وظَهَرَ في ذَلِكَ الجَمْعِ. فَـ (اسْتَعْلى) مُبالَغَةٌ في عَلا، أيْ عَلا صاحِبَهُ وقَهَرَهُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَأْخَرَ. وأرادُوا الفَلاحَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَواقِفِ مِمّا يُؤَثِّرُ في حالِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ.