Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — طه 20:63 – طه 20:135
المحتويات
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:82
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
- طه 20:96
- طه 20:97
- طه 20:98
- طه 20:99
- طه 20:100
- طه 20:101
- طه 20:102
- طه 20:103
- طه 20:104
- طه 20:105
- طه 20:106
- طه 20:107
- طه 20:108
- طه 20:109
- طه 20:110
- طه 20:111
- طه 20:112
- طه 20:113
- طه 20:114
- طه 20:115
- طه 20:116
- طه 20:117
- طه 20:118
- طه 20:119
- طه 20:120
- طه 20:121
- طه 20:122
- طه 20:123
- طه 20:124
- طه 20:125
- طه 20:126
- طه 20:127
- طه 20:128
- طه 20:129
- طه 20:130
- طه 20:131
- طه 20:132
- طه 20:133
- طه 20:134
- طه 20:135
طه 20:63
﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ .
أيْ تَفَرَّعَ عَلى مَوْعِظَةِ مُوسى تَنازُعُهُمُ الأمْرَ بَيْنَهم، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ بَعْضَ الأثَرِ، ومِنهم مَن خَشِيَ الِانْخِذالَ، فَلِذَلِكَ دَعا بَعْضُهم بَعْضًا لِلتَّشاوُرِ في ماذا يَصْنَعُونَ.
صفحة ٢٥١
والتَّنازُعُ: تَفاعُلٌ مِنَ النَّزْعِ، وهو الجَذْبُ مِنَ البِئْرِ، وجَذْبُ الثَّوْبِ مِنَ الجَسَدِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ تَمْثِيلًا في اخْتِلافِ الرَّأْيِ ومُحاوَلَةِ كُلِّ صاحِبِ رَأْيٍ أنْ يُقْنِعَ المُخالِفَ لَهُ بِأنَّ رَأْيَهُ هو الصَّوابُ. فالتَّنازُعُ: التَّخالُفُ.
والنَّجْوى: الحَدِيثُ السِّرِّيُّ، أيِ اخْتَلَوْا وتَحادَثُوا سِرًّا لِيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهم، فَجَعَلَ النَّجْوى مَعْمُولًا لِ أسَرُّوا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكِتْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسَرُّوا سِرَّهم، كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وزادَهُ مُبالَغَةً قَوْلُهُ (بَيْنَهم) المُقْتَضِي أنَّ النَّجْوى بَيْنَ طائِفَةٍ خاصَّةٍ لا يَشْتَرِكُ مَعَهم فِيها غَيْرُهم.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾)، لِأنَّ إسْرارَ النَّجْوى يَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ ذُكِرَ مِنها هَذا القَوْلُ، لِأنَّهُ القَوْلُ الفَصْلُ بَيْنَهم والرَّأْيُ الَّذِي أرْسَوْا عَلَيْهِ، فَهو زُبْدَةُ مَخِيضِ النَّجْوى. وذَلِكَ شَأْنُ التَّشاوُرِ وتَنازُعِ الآراءِ أنْ يُسْفِرَ عَنْ رَأْيٍ يَصْدُرُ الجَمِيعُ عَنْهُ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهم: هَذانِ لَساحِرانِ، فَقالَ جَمِيعُهم: نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ، أيْ مَقالَةً تَداوَلُوا الخَوْضَ في شَأْنِها فَأرْسَوْا عَلَيْها وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَعَمْ هو كَذَلِكَ، ونَطَقُوا بِالكَلامِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهم، وهو تَحَقُّقُهم أنَّ مُوسى وأخاهُ ساحِرانِ.
واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ قَرَءُوا بِإثْباتِ الألِفِ في اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ هَذانِ ما عَدا أبا عَمْرٍو مِنَ العَشَرَةِ وما عَدا الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِنَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ. وذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّ إثْباتَ الألِفِ في لَفْظِ (هَذانِ) أكْثَرُ تَواتُرًا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ (إنَّ)
صفحة ٢٥٢
مُشَدَّدَةً أوْ مُخَفَّفَةً، وأنَّ أكْثَرَ مَشْهُورِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ قَرَأُوا - بِتَشْدِيدِ نُونِ - (أنَّ) ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ فَهُما قَرَءا (أنْ) بِسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.
وإنَّ المُصْحَفَ الإمامَ ما رَسَمُوهُ إلّا اتِّباعًا لِأشْهَرِ القِراءاتِ المَسْمُوعَةِ المَرْوِيَّةِ مِن زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقُرّاءِ أصْحابِهِ، فَإنَّ حِفْظَ القُرْآنِ في صُدُورِ القُرّاءِ أقْدَمُ مِن كِتابَتِهِ في المَصاحِفِ، وما كُتِبَ في أُصُولِ المَصاحِفِ إلّا مِن حِفْظِ الكاتِبِينَ، وما كُتِبَ المُصْحَفُ الإمامُ إلّا مِن مَجْمُوعِ مَحْفُوظِ الحُفّاظِ وما كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ.
فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالألِفِ في هَذانِ وكَذَلِكَ في (﴿لَساحِرانِ﴾)، فَلِلْمُفَسِّرِينَ في تَوْجِيهِها آراءٌ بَلَغَتِ السِّتَّةَ. وأظْهَرُها أنْ تَكُونَ (إنَّ) حَرْفُ جَوابٍ مِثْلَ: نَعَمْ وأجَلْ، وهو اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ (إنَّ)، أيِ اتَّبَعُوا لَمّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ النَّجْوى كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ
أيْ أجَلْ أوْ نَعَمْ، والهاءُ في البَيْتِ هاءُ السَّكْتِ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِأعْرابِيٍّ اسْتَجْداهُ فَلَمْ يُعْطِهِ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وراكِبَها. وهَذا التَّوْجِيهُ مِن مُبْتَكَراتِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمَيْنا وشَيْخَيْنا وأُسْتاذَيْنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ يَعْنِي القاضِيَ الشَّهِيرَ فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعاهُ في هَذا.
وقُلْتُ: لَقَدْ صَدَقا وحَقَّقا. وما أوْرَدَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدِّ فِيهِ نَظَرٌ.
صفحة ٢٥٣
وفِي التَّفْسِيرِ الوَجِيزِ لِلْواحِدِيِّ سَألَ إسْماعِيلُ القاضِي (هو ابْنُ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ) ابْنَ كَيْسانَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَمّا لَمْ يَظْهَرْ في المُبْهَمِ إعْرابٌ في الواحِدِ ولا في الجَمْعِ (أيْ في قَوْلِهِمْ هَذا وهَؤُلاءِ إذْ هُما مَبْنِيّانِ) جَرَتِ التَّثْنِيَةُ مَجْرى الواحِدِ إذِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أنْ لا تُغَيَّرَ. فَقالَ لَهُ إسْماعِيلُ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ تَقَدَّمَكَ أحَدٌ بِالقَوْلِ فِيهِ حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ كَيْسانَ: فَلْيَقُلْ بِهِ القاضِي حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ، فَتَبَسَّمَ.
وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) حِكايَةً لِمَقالِ فَرِيقٍ مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي قَبِلَ هَذا الرَّأْيَ لِأنَّ حَرْفَ الجَوابِ يَقْتَضِي كَلامًا سَبَقَهُ.
ودَخَلَتِ اللّامُ عَلى الخَبَرِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَبَرِ جُمْلَةً حُذِفَ مُبْتَدَأُها وهو مَدْخُولُ اللّامِ في التَّقْدِيرِ، ووُجُودُ اللّامِ يُنْبِئُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ؛ وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ دُخُولَ اللّامِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ.
ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا بِجَعْلِ (إنَّ) حَرْفَ تَوْكِيدٍ، وإعْرابُ اسْمِها المُثَنّى جَرى عَلى لُغَةِ كِنانَةَ وبِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عَلامَةَ إعْرابِ المُثَنّى الألِفَ في أحْوالِ الإعْرابِ كُلِّها، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في الأدَبِ العَرَبِيِّ ولَها شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ دَرى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ نُونِ (إنْ) مُسَكَّنَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفَةُ (إنَّ) المُشَدَّدَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْمُ (إنِ) المُخَفَّفَةِ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا عَلى المَشْهُورِ. وتَكُونُ اللّامُ في (﴿لَساحِرانِ﴾) اللّامَ الفارِقَةَ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ.
صفحة ٢٥٤
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ نُونِ (إنْ) عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِإثْباتِ الألِفِ في (هَذانِ) وبِتَشْدِيدِ نُونِ (هاذانِّ) .
وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحْدَهُ (إنَّ هَذَيْنِ) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالياءِ بَعْدَ ذالِ (هَذَيْنِ) . فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وأقُولُ: ذَلِكَ لا يَطْعَنُ فِيها لِأنَّها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ووافَقَتْ وجْهًا مَقْبُولًا في العَرَبِيَّةِ.
ونُزُولُ القُرْآنِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الفَصِيحَةِ في الِاسْتِعْمالِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ إعْجازِهِ لِتَجْرِيَ تَراكِيبُهُ عَلى أفانِينَ مُخْتَلِفَةِ المَعانِي مُتَّحِدَةِ المَقْصُودِ. فَلا التِفاتَ إلى ما رُوِيَ مِنِ ادِّعاءِ أنَّ كِتابَةَ (إنَّ هاذانِ) خَطَأٌ مِن كاتِبِ المُصْحَفِ، ورِوايَتِهِمْ ذَلِكَ عَنْ أبانَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ عَنْ أبِيهِ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ. حَسِبُوا أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوا قِراءَةَ القُرْآنِ مِنَ المَصاحِفِ وهَذا تَغَفُّلٌ، فَإنَّ المُصْحَفَ ما كُتِبَ إلّا بَعْدَ أنْ قَرَأ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً في أقْطارِ الإسْلامِ، وما كُتِبَتِ المَصاحِفُ إلّا مِن حِفْظِ الحُفّاظِ، وما أخَذَ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ إلّا مِن أفْواهِ حُفّاظِهِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ المَصاحِفُ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ فَلَوْ كانَ في بَعْضِها خَطَأٌ في الخَطِّ لَما تَبِعَهُ القُرّاءُ، ولَكانَ بِمَنزِلَةِ ما تُرِكَ مِنَ الألِفاتِ في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ وبِمَنزِلَةِ كِتابَةِ ألِفِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحَياةِ، والرِّبا بِالواوِ في مَوْضِعِ الألِفِ وما قَرَءُوها إلّا بِألِفاتِها.
وتَأْكِيدُ السَّحَرَةِ كَوْنَ مُوسى وهارُونَ ساحِرَيْنِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يُخامِرُهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ دَعْوَتِهِما، وجَعَلَ ما أظْهَرَهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ سِحْرًا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ السِّحْرَ عِنْدَهم عَلى خَوارِقِ العاداتِ، كَما «قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي
صفحة ٢٥٥
شاهَدَتْ نَبْعَ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْمِها: جِئْتُكم مِن عِنْدِ أسْحَرِ النّاسِ»، وهو في كِتابِ المَغازِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والقائِلُونَ: قَدْ يَكُونُ بَعْضُهم مِمَّنْ شاهَدَ ما أتى بِهِ مُوسى في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِمَّنْ بَلَغَهم ذَلِكَ بِالتَّسامُعِ والِاسْتِفاضَةِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾) لِمَلَئِهِمْ. ووَجْهُ اتِّهامِهِما بِذَلِكَ هو ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧]) . ونَزِيدُ هُنا أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّجْوى بَيْنَ السَّحَرَةِ، أيْ يُرِيدانِ الِاسْتِئْثارَ بِصِناعَةِ السِّحْرِ في أرْضِكم فَتَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ بِإهْمالِ النّاسِ لَكم وإقْبالِهِمْ عَلى سِحْرِ مُوسى وهارُونَ.
والطَّرِيقَةُ: السُّنَّةُ والعادَةُ؛ شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُ، لِجامِعِ المُلازَمَةِ. والمُثْلى: مُؤَنَّثُ الأمْثَلِ. وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثالَةِ، وهي حُسْنُ الحالَةِ يُقالُ: فُلانٌ أمْثَلُ قَوْمِهِ، أيْ أقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وأحْسَنُهم حالًا.
وأرادُوا مِن هَذا إثارَةَ حَمِيَّةِ بَعْضِهِمْ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِها وشَرائِعِها وأخْلاقِها. ولِذا فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أمْرَهم بِأنْ يَجْمَعُوا حِيَلَهم وكُلَّ ما في وُسْعِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا بِهِ مُوسى.
والباءُ في (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَذْهَبا) . والمَعْنى: يُذْهِبانِها، وهو أبْلَغُ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ مِن نَصْبِ المَفْعُولِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأجْمِعُوا﴾) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ المِيمِ أمْرًا مِن: أجْمَعَ أمْرَهُ، إذا جَعَلَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ.
صفحة ٢٥٦
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (فاجْمَعُوا) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِفَتْحِ المِيمِ أمْرًا مِن جَمَعَ، كَقَوْلِهِ فِيما مَضى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]) . أطْلَقَ الجَمْعَ عَلى التَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ، تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُخْتَلِفِ بِالمُتَفَرِّقِ، وهو مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ﴾) . وسَمَّوْا عَمَلَهم كَيْدًا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلى أنْ يُظْهِرُوا لِلْعامَّةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَهم يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أوْ أشَدَّ مِنهُ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِ فَيَكِيدُوا لَهُ بِإبْطالِ خِصِّيصِيَّةِ ما أتى بِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ عامَّةَ النّاسِ تَسامَعُوا بِدَعْوَةِ مُوسى، وما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، وأصْبَحُوا مُتَحَيِّرِينَ في شَأْنِهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اهْتَمَّ السَّحَرَةُ بِالكَيْدِ لَهُ، وهو ما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]) .
ودَبَّرُوا لِإرْهابِ النّاسِ وإرْهابِ مُوسى وهارُونَ بِالِاتِّفاقِ عَلى أنْ يَأْتُوا حِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِأنَّ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهم.
ولَمْ يَزَلِ الَّذِينَ يَرُومُونَ إقْناعَ العُمُومِ بِأنْفُسِهِمْ يَتَخَيَّرُونَ لِذَلِكَ بَهاءَ الهَيْئَةِ وحُسْنَ السَّمْتِ وجَلالَ المَظْهَرِ. فَكانَ مِن ذَلِكَ جُلُوسُ المُلُوكِ عَلى جُلُودِ الأُسُودِ، ورُبَّما لَبِسَ الأبْطالُ جُلُودَ النُّمُورِ في الحَرْبِ. وقَدْ فُسِّرَ بِهِ فِعْلَ (تَنَمَّرُوا) في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
قَوْمٌ إذا لَبِسُوا الحَدِيدَ ∗∗∗ تَنَمَّرُوا حِلَقًا وقَدّا
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمُ الجارِي مَجْرى المَثَلِ (لَبِسَ لِي فُلانٌ جِلْدَ النَّمِرِ)؛ وثَبَتَ في التّارِيخِ المُسْتَنِدِ لِلْآثارِ أنَّ كَهَنَةَ القِبْطِ في مِصْرَ كانُوا يَلْبِسُونَ جُلُودَ النُّمُورِ.
صفحة ٢٥٧
والصَّفُّ: مَصْدَرُ مَعْنى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ صافِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ، إذا تَرَتَّبُوا واحِدًا حَذْوَ الآخَرِ بِانْتِظامٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُونَ مُخْتَلِطِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا الواحِدَ حَذْوَ الآخَرِ وكانَ الصَّفُّ مِنهم تِلْوَ الآخَرِ كانُوا أبْهَرَ مَنظَرًا، قالَ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]) . وكانَ جَمِيعُ سَحَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ قَدْ أُحْضِرُوا بِأمْرِ فِرْعَوْنَ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. فالصَّفُّ هُنا مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لا الوَحْدَةُ، أيْ ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨]) وقالَ (﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]) .
وانْتَصَبَ صَفًّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (ائْتُوا) . والمَقْصُودُ الإتْيانُ إلى مَوْضِعِ إلْقاءِ سِحْرِهِمْ وشَعْوَذَتِهِمْ، لِأنَّ التَّناجِيَ والتَّآمُرَ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَجْمَعُ ما قَصَدُوهُ مِن تَآمُرِهِمْ بِأنَّ الفَلاحَ يَكُونُ لِمَن غَلَبَ وظَهَرَ في ذَلِكَ الجَمْعِ. فَـ (اسْتَعْلى) مُبالَغَةٌ في عَلا، أيْ عَلا صاحِبَهُ وقَهَرَهُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَأْخَرَ. وأرادُوا الفَلاحَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَواقِفِ مِمّا يُؤَثِّرُ في حالِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ.
طه 20:64
﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ ﴿فَأجْمِعُوا كَيْدَكم ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾ .
أيْ تَفَرَّعَ عَلى مَوْعِظَةِ مُوسى تَنازُعُهُمُ الأمْرَ بَيْنَهم، وهَذا يُؤْذِنُ بِأنَّ مِنهم مَن تَرَكَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ بَعْضَ الأثَرِ، ومِنهم مَن خَشِيَ الِانْخِذالَ، فَلِذَلِكَ دَعا بَعْضُهم بَعْضًا لِلتَّشاوُرِ في ماذا يَصْنَعُونَ.
صفحة ٢٥١
والتَّنازُعُ: تَفاعُلٌ مِنَ النَّزْعِ، وهو الجَذْبُ مِنَ البِئْرِ، وجَذْبُ الثَّوْبِ مِنَ الجَسَدِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ تَمْثِيلًا في اخْتِلافِ الرَّأْيِ ومُحاوَلَةِ كُلِّ صاحِبِ رَأْيٍ أنْ يُقْنِعَ المُخالِفَ لَهُ بِأنَّ رَأْيَهُ هو الصَّوابُ. فالتَّنازُعُ: التَّخالُفُ.
والنَّجْوى: الحَدِيثُ السِّرِّيُّ، أيِ اخْتَلَوْا وتَحادَثُوا سِرًّا لِيَصْدُرُوا عَنْ رَأْيٍ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهم، فَجَعَلَ النَّجْوى مَعْمُولًا لِ أسَرُّوا يُفِيدُ المُبالَغَةَ في الكِتْمانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أسَرُّوا سِرَّهم، كَما يُقالُ: شِعْرُ شاعِرٍ.
وزادَهُ مُبالَغَةً قَوْلُهُ (بَيْنَهم) المُقْتَضِي أنَّ النَّجْوى بَيْنَ طائِفَةٍ خاصَّةٍ لا يَشْتَرِكُ مَعَهم فِيها غَيْرُهم.
وجُمْلَةُ (﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾)، لِأنَّ إسْرارَ النَّجْوى يَشْتَمِلُ عَلى أقْوالٍ كَثِيرَةٍ ذُكِرَ مِنها هَذا القَوْلُ، لِأنَّهُ القَوْلُ الفَصْلُ بَيْنَهم والرَّأْيُ الَّذِي أرْسَوْا عَلَيْهِ، فَهو زُبْدَةُ مَخِيضِ النَّجْوى. وذَلِكَ شَأْنُ التَّشاوُرِ وتَنازُعِ الآراءِ أنْ يُسْفِرَ عَنْ رَأْيٍ يَصْدُرُ الجَمِيعُ عَنْهُ.
وإسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَمْعِهِمْ عَلى مَعْنى: قالَ بَعْضُهم: هَذانِ لَساحِرانِ، فَقالَ جَمِيعُهم: نَعَمْ هَذانِ لَساحِرانِ، فَأُسْنِدَ هَذا القَوْلُ إلى جَمِيعِهِمْ، أيْ مَقالَةً تَداوَلُوا الخَوْضَ في شَأْنِها فَأرْسَوْا عَلَيْها وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: نَعَمْ هو كَذَلِكَ، ونَطَقُوا بِالكَلامِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ رَأْيُهم، وهو تَحَقُّقُهم أنَّ مُوسى وأخاهُ ساحِرانِ.
واعْلَمْ أنَّ جَمِيعَ القُرّاءِ المُعْتَبَرِينَ قَرَءُوا بِإثْباتِ الألِفِ في اسْمِ الإشارَةِ مِن قَوْلِهِ هَذانِ ما عَدا أبا عَمْرٍو مِنَ العَشَرَةِ وما عَدا الحَسَنِ البَصْرِيِّ مِنَ الأرْبَعَةَ عَشَرَ. وذَلِكَ يُوجِبُ اليَقِينَ بِأنَّ إثْباتَ الألِفِ في لَفْظِ (هَذانِ) أكْثَرُ تَواتُرًا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِكَلِمَةِ (إنَّ)
صفحة ٢٥٢
مُشَدَّدَةً أوْ مُخَفَّفَةً، وأنَّ أكْثَرَ مَشْهُورِ القِراءاتِ المُتَواتِرَةِ قَرَأُوا - بِتَشْدِيدِ نُونِ - (أنَّ) ما عَدا ابْنَ كَثِيرٍ وحَفْصًا عَنْ عاصِمٍ فَهُما قَرَءا (أنْ) بِسُكُونِ النُّونِ عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ.
وإنَّ المُصْحَفَ الإمامَ ما رَسَمُوهُ إلّا اتِّباعًا لِأشْهَرِ القِراءاتِ المَسْمُوعَةِ المَرْوِيَّةِ مِن زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ، وقُرّاءِ أصْحابِهِ، فَإنَّ حِفْظَ القُرْآنِ في صُدُورِ القُرّاءِ أقْدَمُ مِن كِتابَتِهِ في المَصاحِفِ، وما كُتِبَ في أُصُولِ المَصاحِفِ إلّا مِن حِفْظِ الكاتِبِينَ، وما كُتِبَ المُصْحَفُ الإمامُ إلّا مِن مَجْمُوعِ مَحْفُوظِ الحُفّاظِ وما كَتَبَهُ كُتّابُ الوَحْيِ في مُدَّةِ نُزُولِ الوَحْيِ.
فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالألِفِ في هَذانِ وكَذَلِكَ في (﴿لَساحِرانِ﴾)، فَلِلْمُفَسِّرِينَ في تَوْجِيهِها آراءٌ بَلَغَتِ السِّتَّةَ. وأظْهَرُها أنْ تَكُونَ (إنَّ) حَرْفُ جَوابٍ مِثْلَ: نَعَمْ وأجَلْ، وهو اسْتِعْمالٌ مِنِ اسْتِعْمالاتِ (إنَّ)، أيِ اتَّبَعُوا لَمّا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ أمْرُهم بَعْدَ النَّجْوى كَقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ الرُّقَيّاتِ:
ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهُ
أيْ أجَلْ أوْ نَعَمْ، والهاءُ في البَيْتِ هاءُ السَّكْتِ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ لِأعْرابِيٍّ اسْتَجْداهُ فَلَمْ يُعْطِهِ، فَقالَ الأعْرابِيُّ: لَعَنَ اللَّهُ ناقَةً حَمَلَتْنِي إلَيْكَ. قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إنَّ وراكِبَها. وهَذا التَّوْجِيهُ مِن مُبْتَكَراتِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ ذَكَرَهُ في تَفْسِيرِهِ. وقالَ: عَرَضْتُهُ عَلى عالِمَيْنا وشَيْخَيْنا وأُسْتاذَيْنا مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدٍ يَعْنِي المُبَرِّدَ، وإسْماعِيلَ بْنِ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ يَعْنِي القاضِيَ الشَّهِيرَ فَقَبِلاهُ وذَكَرا أنَّهُ أجْوَدُ ما سَمِعاهُ في هَذا.
وقُلْتُ: لَقَدْ صَدَقا وحَقَّقا. وما أوْرَدَهُ ابْنُ جِنِّيٍّ عَلَيْهِ مِنَ الرَّدِّ فِيهِ نَظَرٌ.
صفحة ٢٥٣
وفِي التَّفْسِيرِ الوَجِيزِ لِلْواحِدِيِّ سَألَ إسْماعِيلُ القاضِي (هو ابْنُ إسْحاقَ بْنِ حَمّادٍ) ابْنَ كَيْسانَ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، فَقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لَمّا لَمْ يَظْهَرْ في المُبْهَمِ إعْرابٌ في الواحِدِ ولا في الجَمْعِ (أيْ في قَوْلِهِمْ هَذا وهَؤُلاءِ إذْ هُما مَبْنِيّانِ) جَرَتِ التَّثْنِيَةُ مَجْرى الواحِدِ إذِ التَّثْنِيَةُ يَجِبُ أنْ لا تُغَيَّرَ. فَقالَ لَهُ إسْماعِيلُ: ما أحْسَنَ هَذا لَوْ تَقَدَّمَكَ أحَدٌ بِالقَوْلِ فِيهِ حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ كَيْسانَ: فَلْيَقُلْ بِهِ القاضِي حَتّى يُؤْنَسَ بِهِ، فَتَبَسَّمَ.
وعَلى هَذا التَّوْجِيهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى (﴿إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾) حِكايَةً لِمَقالِ فَرِيقٍ مِنَ المُتَنازِعِينَ، وهو الفَرِيقُ الَّذِي قَبِلَ هَذا الرَّأْيَ لِأنَّ حَرْفَ الجَوابِ يَقْتَضِي كَلامًا سَبَقَهُ.
ودَخَلَتِ اللّامُ عَلى الخَبَرِ: إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الخَبَرِ جُمْلَةً حُذِفَ مُبْتَدَأُها وهو مَدْخُولُ اللّامِ في التَّقْدِيرِ، ووُجُودُ اللّامِ يُنْبِئُ بِأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي وقَعَتْ خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ جُمْلَةٌ قَسَمِيَّةٌ؛ وإمّا عَلى رَأْيِ مَن يُجِيزُ دُخُولَ اللّامِ عَلى خَبَرِ المُبْتَدَأِ في غَيْرِ الضَّرُورَةِ.
ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ أيْضًا بِجَعْلِ (إنَّ) حَرْفَ تَوْكِيدٍ، وإعْرابُ اسْمِها المُثَنّى جَرى عَلى لُغَةِ كِنانَةَ وبِلْحارِثِ بْنِ كَعْبٍ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ عَلامَةَ إعْرابِ المُثَنّى الألِفَ في أحْوالِ الإعْرابِ كُلِّها، وهي لُغَةٌ مَشْهُورَةٌ في الأدَبِ العَرَبِيِّ ولَها شَواهِدُ كَثِيرَةٌ مِنها قَوْلُ المُتَلَمِّسِ:
فَأطْرَقَ إطْراقَ الشُّجاعِ ولَوْ دَرى ∗∗∗ مَساغًا لِناباهُ الشُّجاعُ لَصَمَّما
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَخْفِيفِ نُونِ (إنْ) مُسَكَّنَةً عَلى أنَّها مُخَفَّفَةُ (إنَّ) المُشَدَّدَةِ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ اسْمُ (إنِ) المُخَفَّفَةِ ضَمِيرَ شَأْنٍ مَحْذُوفًا عَلى المَشْهُورِ. وتَكُونُ اللّامُ في (﴿لَساحِرانِ﴾) اللّامَ الفارِقَةَ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ.
صفحة ٢٥٤
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِسُكُونِ نُونِ (إنْ) عَلى أنَّها مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبِإثْباتِ الألِفِ في (هَذانِ) وبِتَشْدِيدِ نُونِ (هاذانِّ) .
وأمّا قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وحْدَهُ (إنَّ هَذَيْنِ) بِتَشْدِيدِ نُونِ (إنَّ) وبِالياءِ بَعْدَ ذالِ (هَذَيْنِ) . فَقالَ القُرْطُبِيُّ: هي مُخالِفَةٌ لِلْمُصْحَفِ. وأقُولُ: ذَلِكَ لا يَطْعَنُ فِيها لِأنَّها رِوايَةٌ صَحِيحَةٌ ووافَقَتْ وجْهًا مَقْبُولًا في العَرَبِيَّةِ.
ونُزُولُ القُرْآنِ بِهَذِهِ الوُجُوهِ الفَصِيحَةِ في الِاسْتِعْمالِ ضَرْبٌ مِن ضُرُوبِ إعْجازِهِ لِتَجْرِيَ تَراكِيبُهُ عَلى أفانِينَ مُخْتَلِفَةِ المَعانِي مُتَّحِدَةِ المَقْصُودِ. فَلا التِفاتَ إلى ما رُوِيَ مِنِ ادِّعاءِ أنَّ كِتابَةَ (إنَّ هاذانِ) خَطَأٌ مِن كاتِبِ المُصْحَفِ، ورِوايَتِهِمْ ذَلِكَ عَنْ أبانَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ عَنْ أبِيهِ، وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عائِشَةَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ. حَسِبُوا أنَّ المُسْلِمِينَ أخَذُوا قِراءَةَ القُرْآنِ مِنَ المَصاحِفِ وهَذا تَغَفُّلٌ، فَإنَّ المُصْحَفَ ما كُتِبَ إلّا بَعْدَ أنْ قَرَأ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ نَيِّفًا وعِشْرِينَ سَنَةً في أقْطارِ الإسْلامِ، وما كُتِبَتِ المَصاحِفُ إلّا مِن حِفْظِ الحُفّاظِ، وما أخَذَ المُسْلِمُونَ القُرْآنَ إلّا مِن أفْواهِ حُفّاظِهِ قَبْلَ أنْ تُكْتَبَ المَصاحِفُ، وبَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ فَلَوْ كانَ في بَعْضِها خَطَأٌ في الخَطِّ لَما تَبِعَهُ القُرّاءُ، ولَكانَ بِمَنزِلَةِ ما تُرِكَ مِنَ الألِفاتِ في كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ وبِمَنزِلَةِ كِتابَةِ ألِفِ الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والحَياةِ، والرِّبا بِالواوِ في مَوْضِعِ الألِفِ وما قَرَءُوها إلّا بِألِفاتِها.
وتَأْكِيدُ السَّحَرَةِ كَوْنَ مُوسى وهارُونَ ساحِرَيْنِ بِحَرْفِ (إنَّ) لِتَحْقِيقِ ذَلِكَ عِنْدَ مَن يُخامِرُهُ الشَّكُّ في صِحَّةِ دَعْوَتِهِما، وجَعَلَ ما أظْهَرَهُ مُوسى مِنَ المُعْجِزَةِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ سِحْرًا لِأنَّهم يُطْلِقُونَ السِّحْرَ عِنْدَهم عَلى خَوارِقِ العاداتِ، كَما «قالَتِ المَرْأةُ الَّتِي
صفحة ٢٥٥
شاهَدَتْ نَبْعَ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِ النَّبِيءِ ﷺ لِقَوْمِها: جِئْتُكم مِن عِنْدِ أسْحَرِ النّاسِ»، وهو في كِتابِ المَغازِي مِن صَحِيحِ البُخارِيِّ.
والقائِلُونَ: قَدْ يَكُونُ بَعْضُهم مِمَّنْ شاهَدَ ما أتى بِهِ مُوسى في مَجْلِسِ فِرْعَوْنَ، أوْ مِمَّنْ بَلَغَهم ذَلِكَ بِالتَّسامُعِ والِاسْتِفاضَةِ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ (﴿أنْ يُخْرِجاكُمْ﴾) لِمَلَئِهِمْ. ووَجْهُ اتِّهامِهِما بِذَلِكَ هو ما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ (﴿أجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِن أرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ٥٧]) . ونَزِيدُ هُنا أنْ يَكُونَ هَذا مِنَ النَّجْوى بَيْنَ السَّحَرَةِ، أيْ يُرِيدانِ الِاسْتِئْثارَ بِصِناعَةِ السِّحْرِ في أرْضِكم فَتَخْرُجُوا مِنَ الأرْضِ بِإهْمالِ النّاسِ لَكم وإقْبالِهِمْ عَلى سِحْرِ مُوسى وهارُونَ.
والطَّرِيقَةُ: السُّنَّةُ والعادَةُ؛ شُبِّهَتْ بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُ، لِجامِعِ المُلازَمَةِ. والمُثْلى: مُؤَنَّثُ الأمْثَلِ. وهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مُشْتَقٌّ مِنَ المَثالَةِ، وهي حُسْنُ الحالَةِ يُقالُ: فُلانٌ أمْثَلُ قَوْمِهِ، أيْ أقْرَبُهم إلى الخَيْرِ وأحْسَنُهم حالًا.
وأرادُوا مِن هَذا إثارَةَ حَمِيَّةِ بَعْضِهِمْ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِهِمْ، فَإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ غَيْرَةً عَلى عَوائِدِها وشَرائِعِها وأخْلاقِها. ولِذا فَرَّعُوا عَلى ذَلِكَ أمْرَهم بِأنْ يَجْمَعُوا حِيَلَهم وكُلَّ ما في وُسْعِهِمْ أنْ يَغْلِبُوا بِهِ مُوسى.
والباءُ في (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾) لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ (يَذْهَبا) . والمَعْنى: يُذْهِبانِها، وهو أبْلَغُ في تَعَلُّقِ الفِعْلِ بِالمَفْعُولِ مِن نَصْبِ المَفْعُولِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]) في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَأجْمِعُوا﴾) بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وكَسْرِ المِيمِ أمْرًا مِن: أجْمَعَ أمْرَهُ، إذا جَعَلَهُ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ لا يُخْتَلَفُ فِيهِ.
صفحة ٢٥٦
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو (فاجْمَعُوا) بِهَمْزَةِ وصْلٍ وبِفَتْحِ المِيمِ أمْرًا مِن جَمَعَ، كَقَوْلِهِ فِيما مَضى (﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]) . أطْلَقَ الجَمْعَ عَلى التَّعاضُدِ والتَّعاوُنِ، تَشْبِيهًا لِلشَّيْءِ المُخْتَلِفِ بِالمُتَفَرِّقِ، وهو مُقابِلُ قَوْلِهِ (﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهُمْ﴾) . وسَمَّوْا عَمَلَهم كَيْدًا لِأنَّهم تَواطَئُوا عَلى أنْ يُظْهِرُوا لِلْعامَّةِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَهم يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ أوْ أشَدَّ مِنهُ لِيَصْرِفُوا النّاسَ عَنْ سَماعِ دَعْوَتِهِ فَيَكِيدُوا لَهُ بِإبْطالِ خِصِّيصِيَّةِ ما أتى بِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ عامَّةَ النّاسِ تَسامَعُوا بِدَعْوَةِ مُوسى، وما أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ المُعْجِزَةِ، وأصْبَحُوا مُتَحَيِّرِينَ في شَأْنِهِ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ اهْتَمَّ السَّحَرَةُ بِالكَيْدِ لَهُ، وهو ما حَكاهُ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةِ سُورَةِ الشُّعَراءِ (﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ٣٨] ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠]) .
ودَبَّرُوا لِإرْهابِ النّاسِ وإرْهابِ مُوسى وهارُونَ بِالِاتِّفاقِ عَلى أنْ يَأْتُوا حِينَ يَتَقَدَّمُونَ لِإلْقاءِ سِحْرِهِمْ مُصْطَفِّينَ لِأنَّ ذَلِكَ أهْيَبُ لَهم.
ولَمْ يَزَلِ الَّذِينَ يَرُومُونَ إقْناعَ العُمُومِ بِأنْفُسِهِمْ يَتَخَيَّرُونَ لِذَلِكَ بَهاءَ الهَيْئَةِ وحُسْنَ السَّمْتِ وجَلالَ المَظْهَرِ. فَكانَ مِن ذَلِكَ جُلُوسُ المُلُوكِ عَلى جُلُودِ الأُسُودِ، ورُبَّما لَبِسَ الأبْطالُ جُلُودَ النُّمُورِ في الحَرْبِ. وقَدْ فُسِّرَ بِهِ فِعْلَ (تَنَمَّرُوا) في قَوْلِ ابْنِ مَعْدِي كَرِبَ:
قَوْمٌ إذا لَبِسُوا الحَدِيدَ ∗∗∗ تَنَمَّرُوا حِلَقًا وقَدّا
وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ المُرادُ مِن قَوْلِهِمُ الجارِي مَجْرى المَثَلِ (لَبِسَ لِي فُلانٌ جِلْدَ النَّمِرِ)؛ وثَبَتَ في التّارِيخِ المُسْتَنِدِ لِلْآثارِ أنَّ كَهَنَةَ القِبْطِ في مِصْرَ كانُوا يَلْبِسُونَ جُلُودَ النُّمُورِ.
صفحة ٢٥٧
والصَّفُّ: مَصْدَرُ مَعْنى الفاعِلِ أوِ المَفْعُولِ، أيْ صافِّينَ أوْ مَصْفُوفِينَ، إذا تَرَتَّبُوا واحِدًا حَذْوَ الآخَرِ بِانْتِظامٍ بِحَيْثُ لا يَكُونُونَ مُخْتَلِطِينَ، لِأنَّهم إذا كانُوا الواحِدَ حَذْوَ الآخَرِ وكانَ الصَّفُّ مِنهم تِلْوَ الآخَرِ كانُوا أبْهَرَ مَنظَرًا، قالَ تَعالى (﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤]) . وكانَ جَمِيعُ سَحَرَةِ البِلادِ المِصْرِيَّةِ قَدْ أُحْضِرُوا بِأمْرِ فِرْعَوْنَ فَكانُوا عَدَدًا كَثِيرًا. فالصَّفُّ هُنا مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ لا الوَحْدَةُ، أيْ ثُمَّ ائْتُوا صُفُوفًا، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨]) وقالَ (﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]) .
وانْتَصَبَ صَفًّا عَلى الحالِ مِن فاعِلِ (ائْتُوا) . والمَقْصُودُ الإتْيانُ إلى مَوْضِعِ إلْقاءِ سِحْرِهِمْ وشَعْوَذَتِهِمْ، لِأنَّ التَّناجِيَ والتَّآمُرَ كانَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِمْ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) .
وجُمْلَةُ (﴿وقَدْ أفْلَحَ اليَوْمَ مَنِ اسْتَعْلى﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ يَجْمَعُ ما قَصَدُوهُ مِن تَآمُرِهِمْ بِأنَّ الفَلاحَ يَكُونُ لِمَن غَلَبَ وظَهَرَ في ذَلِكَ الجَمْعِ. فَـ (اسْتَعْلى) مُبالَغَةٌ في عَلا، أيْ عَلا صاحِبَهُ وقَهَرَهُ. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ مِثْلُ اسْتَأْخَرَ. وأرادُوا الفَلاحَ في الدُّنْيا لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يُؤْمِنُونَ بِأنَّ أمْثالَ هَذِهِ المَواقِفِ مِمّا يُؤَثِّرُ في حالِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِالحَياةِ الثّانِيَةِ.
طه 20:65
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ أنَّها تَسْعى﴾ .
تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ ومَعانِيها في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ الأوَّلِيَّةَ هُنا مُصَرَّحٌ بِها في أحَدِ الشِّقَّيْنِ. فَكانَتْ صَرِيحَةً في أنَّ التَّخْيِيرَ يَتَسَلَّطُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الأوَّلِيَّةِ في الإلْقاءِ، وسِوى أنَّهُ صَرَّحَ هُنا بِأنَّ السِّحْرَ الَّذِي ألْقَوْهُ كانَ بِتَخْيِيلِ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم ثَعابِينُ تَسْعى؛ لِأنَّها لا يُشْبِهُها في شَكْلِها مِن أنْواعِ الحَيَوانِ سِوى الحَيّاتِ والثَّعابِينِ.
والمُفاجَأةُ المُسْتَفادَةُ مِن ”إذا“ دَلَّتْ عَلى أنَّهم أعَدُّوها لِلْإلْقاءِ وكانُوا يَخْشَوْنَ أنْ يَمُرَّ زَمانٌ تَزُولُ بِهِ خاصِّيّاتُها فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا بِإلْقائِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخَيَّلُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِ الفِعْلِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِهِ (﴿أنَّها تَسْعى﴾) . وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تُخَيَّلُ ٥) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى أنَّ الفِعْلَ رافِعٌ لِضَمِيرِ (﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾)، أيْ هي تُخَيَّلُ إلَيْهِ.
و(﴿أنَّها تَسْعى﴾) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ.
وهَذا التَّخْيِيلُ الَّذِي وجَدَهُ مُوسى مِن سِحْرِ السَّحَرَةِ هو أثَرُ عَقاقِيرَ يُشْرِبُونَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، وتَكُونُ الحِبالُ مِن صِنْفٍ خاصٍّ، والعِصِيُّ مِن أعْوادٍ خاصَّةٍ فِيها فاعِلِيَّةٌ لِتِلْكَ العَقاقِيرِ، فَإذا لاقَتْ شُعاعَ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ العَقاقِيرُ فَتَحَرَّكَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ. قِيلَ: وضَعُوا فِيها طِلاءَ الزِّئْبَقِ. ولَيْسَ التَّخْيِيلُ لِمُوسى مِن تَأْثِيرِ السِّحْرِ في نَفْسِهِ لِأنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ لا تَتَأثَّرُ بِالأوْهامِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَأثَّرَ بِالمُؤَثِّراتِ الَّتِي يَتَأثَّرُ مِنها الجَسَدُ كالمَرَضِ، ولِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ ظاهِرَ حَدِيثِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ في سِحْرِ النَّبِيءِ ﷺ وأخْبارُ الآحادِ لا تَنْقُضُ القَواطِعَ. ولَيْسَ هَذا مَحَلٌّ ذَكْرِهِ وقَدْ حَقَّقْتُهُ في كِتابِي المُسَمّى النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى صَحِيحِ البُخارِيِّ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمُ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]) .
طه 20:66
﴿قالُوا يا مُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ أوَّلَ مَن ألْقى﴾ ﴿قالَ بَلْ ألْقُوا فَإذا حِبالُهم وعِصِيُّهم يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمُ أنَّها تَسْعى﴾ .
تَقَدَّمَتْ هَذِهِ القِصَّةُ ومَعانِيها في سُورَةِ الأعْرافِ سِوى أنَّ الأوَّلِيَّةَ هُنا مُصَرَّحٌ بِها في أحَدِ الشِّقَّيْنِ. فَكانَتْ صَرِيحَةً في أنَّ التَّخْيِيرَ يَتَسَلَّطُ عَلى
صفحة ٢٥٨
الأوَّلِيَّةِ في الإلْقاءِ، وسِوى أنَّهُ صَرَّحَ هُنا بِأنَّ السِّحْرَ الَّذِي ألْقَوْهُ كانَ بِتَخْيِيلِ أنَّ حِبالَهم وعِصِيَّهم ثَعابِينُ تَسْعى؛ لِأنَّها لا يُشْبِهُها في شَكْلِها مِن أنْواعِ الحَيَوانِ سِوى الحَيّاتِ والثَّعابِينِ.
والمُفاجَأةُ المُسْتَفادَةُ مِن ”إذا“ دَلَّتْ عَلى أنَّهم أعَدُّوها لِلْإلْقاءِ وكانُوا يَخْشَوْنَ أنْ يَمُرَّ زَمانٌ تَزُولُ بِهِ خاصِّيّاتُها فَلِذَلِكَ أسْرَعُوا بِإلْقائِها.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُخَيَّلُ) بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِ الفِعْلِ عَلى أنَّ فاعِلَهُ المَصْدَرُ مِن قَوْلِهِ (﴿أنَّها تَسْعى﴾) . وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (تُخَيَّلُ ٥) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى أنَّ الفِعْلَ رافِعٌ لِضَمِيرِ (﴿حِبالُهم وعِصِيُّهُمْ﴾)، أيْ هي تُخَيَّلُ إلَيْهِ.
و(﴿أنَّها تَسْعى﴾) بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ بَدَلُ اشْتِمالٍ.
وهَذا التَّخْيِيلُ الَّذِي وجَدَهُ مُوسى مِن سِحْرِ السَّحَرَةِ هو أثَرُ عَقاقِيرَ يُشْرِبُونَها تِلْكَ الحِبالَ والعِصِيَّ، وتَكُونُ الحِبالُ مِن صِنْفٍ خاصٍّ، والعِصِيُّ مِن أعْوادٍ خاصَّةٍ فِيها فاعِلِيَّةٌ لِتِلْكَ العَقاقِيرِ، فَإذا لاقَتْ شُعاعَ الشَّمْسِ اضْطَرَبَتْ تِلْكَ العَقاقِيرُ فَتَحَرَّكَتِ الحِبالُ والعِصِيُّ. قِيلَ: وضَعُوا فِيها طِلاءَ الزِّئْبَقِ. ولَيْسَ التَّخْيِيلُ لِمُوسى مِن تَأْثِيرِ السِّحْرِ في نَفْسِهِ لِأنَّ نَفْسَ الرَّسُولِ لا تَتَأثَّرُ بِالأوْهامِ، ويَجُوزُ أنْ تَتَأثَّرَ بِالمُؤَثِّراتِ الَّتِي يَتَأثَّرُ مِنها الجَسَدُ كالمَرَضِ، ولِذَلِكَ وجَبَ تَأْوِيلُ ظاهِرَ حَدِيثِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ في سِحْرِ النَّبِيءِ ﷺ وأخْبارُ الآحادِ لا تَنْقُضُ القَواطِعَ. ولَيْسَ هَذا مَحَلٌّ ذَكْرِهِ وقَدْ حَقَّقْتُهُ في كِتابِي المُسَمّى النَّظَرُ الفَسِيحُ عَلى صَحِيحِ البُخارِيِّ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن سِحْرِهِمْ﴾) لِلسَّبَبِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى (﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمُ أُغْرِقُوا﴾ [نوح: ٢٥]) .
طه 20:67
صفحة ٢٥٩
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلَقَّفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ سِاحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ .
أوْجَسَ: أضْمَرَ واسْتَشْعَرَ. وانْتِصابُ (خِيفَةً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]) في سُورَةِ هُودٍ.
و(خِيفَةٌ) اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الخَوفِ، أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ خِوْفَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ.
وزِيادَةُ (﴿فِي نَفْسِهِ﴾) هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خِيفَةُ تَفَكُّرٍ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ. وإنَّما خافَ مُوسى مِن أنْ يَظْهَرَ أمْرُ السَّحَرَةِ فَيُساوِي ما يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ انْقِلابِ عَصاهُ ثُعْبانًا، لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ ساواهم في عَمَلِهِمْ ويَكُونُونَ قَدْ فاقُوهُ بِالكَثْرَةِ، أوْ خَشِيَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرادَ اسْتِدْراجَ السَّحَرَةِ مُدَّةً؛ فَيُمْلِي لَهم بِظُهُورِ غَلَبِهِمْ عَلَيْهِ ومَدِّهِ لِما تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ فَخَشِيَ ذَلِكَ. وهَذا مَقامُ الخَوْفِ، وهو مَقامٌ جَلِيلٌ مِثْلُهُ مَقامُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .
والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى (﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾) . فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةُ تَأْكِيدِها بِضَمِيرِ الفَصْلِ وبِالتَّعْرِيفِ في الأعْلى دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما خامَرَهُ مِنَ الخَوْفِ إنَّما هو خَوْفُ ظُهُورِ السَّحَرَةِ عِنْدَ العامَّةِ ولَوْ في وقْتٍ ما. وهو وإنْ كانَ مُوقِنًا
صفحة ٢٦٠
بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِزُ لَهُ ما أرْسَلَهُ لِأجْلِهِ لَكِنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَسْتَدْرِجَ اللَّهُ الكَفَرَةَ مُدَّةً قَلِيلَةً لِإظْهارِ ثَباتِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ (﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]) .
وعَبَّرَ عَنِ العَصا بِ (ما) المَوْصُولَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِيَوْمِ التَّكْلِيمِ إذْ قالَ لَهُ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) لِيَحْصُلَ لَهُ الِاطْمِئْنانُ بِأنَّها صائِرَةٌ إلى الحالَةِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها يَوْمَئِذٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وألْقِ عَصاكَ.
والتَّلَقُّفُ: الِابْتِلاعُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِجَزْمِ (تَلَقَّفْ) في جَوابِ قَوْلِهِ (وألْقِ)، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ بِرَفْعِ (تَلَقَّفُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَلَقَّفْ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مِن لَقِفَ كَفَرِحَ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ. (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) خَبَرُ (إنَّ) .
والكَلامُ إخْبارٌ بَسِيطٌ لا قَصْرَ فِيهِ. وكُتِبَ (إنَّما) في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً (إنَّ) بِ (ما) المَوْصُولَةِ كَما تُوصَلُ بِ (ما) الكافَّةِ في نَحْوِ (﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]) ولَمْ يَكُنِ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَخَّوْنَ الفُرُوقَ في رَسْمِ الخَطِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) بِألْفٍ بَعْدَ السِّينِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (كَيْدُ سِحْرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ.
وجُمْلَةُ (﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وحالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿إنَّما صَنَعُوا﴾)، أيْ لا يَنْجَحُ السّاحِرُ حَيْثُ كانَ، لِأنَّ صَنْعَتَهُ تَنْكَشِفُ بِالتَّأمُّلِ وثَباتِ النَّفْسِ
صفحة ٢٦١
فِي عَدَمِ التَّأثُّرِ بِها. وتَعْرِيفُ (السّاحِرِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِقَصْدِ الجِنْسِ المَعْرُوفِ، أيْ لا يُفْلِحُ بِها كُلُّ ساحِرٍ.
واخْتِيرَ فِعْلُ (أتى) دُونَ نَحْوِ: حَيْثُ كانَ، أوْ حَيْثُ حَلَّ، لِمُراعاةِ كَوْنِ مُعْظَمِ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ مَجْلُوبِينَ مِن جِهاتِ مِصْرَ، ولِلرِّعايَةِ عَلى فَواصِلِ الآياتِ الواقِعَةِ عَلى حَرْفِ الألِفِ المَقْصُورَةِ.
وتَعْمِيمُ (﴿حَيْثُ أتى﴾) لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ الَّتِي يَحْضُرُها، أيْ بِسِحْرِهِ.
وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِوَصْفِ السّاحِرِ يَقْتَضِي أنَّ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ في أُمُورِ السِّحْرِ لا في تِجارَةٍ أوْ غَيْرِها. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ عُمُومَ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأمْكِنَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيها.
طه 20:68
صفحة ٢٥٩
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلَقَّفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ سِاحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ .
أوْجَسَ: أضْمَرَ واسْتَشْعَرَ. وانْتِصابُ (خِيفَةً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]) في سُورَةِ هُودٍ.
و(خِيفَةٌ) اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الخَوفِ، أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ خِوْفَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ.
وزِيادَةُ (﴿فِي نَفْسِهِ﴾) هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خِيفَةُ تَفَكُّرٍ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ. وإنَّما خافَ مُوسى مِن أنْ يَظْهَرَ أمْرُ السَّحَرَةِ فَيُساوِي ما يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ انْقِلابِ عَصاهُ ثُعْبانًا، لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ ساواهم في عَمَلِهِمْ ويَكُونُونَ قَدْ فاقُوهُ بِالكَثْرَةِ، أوْ خَشِيَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرادَ اسْتِدْراجَ السَّحَرَةِ مُدَّةً؛ فَيُمْلِي لَهم بِظُهُورِ غَلَبِهِمْ عَلَيْهِ ومَدِّهِ لِما تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ فَخَشِيَ ذَلِكَ. وهَذا مَقامُ الخَوْفِ، وهو مَقامٌ جَلِيلٌ مِثْلُهُ مَقامُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .
والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى (﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾) . فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةُ تَأْكِيدِها بِضَمِيرِ الفَصْلِ وبِالتَّعْرِيفِ في الأعْلى دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما خامَرَهُ مِنَ الخَوْفِ إنَّما هو خَوْفُ ظُهُورِ السَّحَرَةِ عِنْدَ العامَّةِ ولَوْ في وقْتٍ ما. وهو وإنْ كانَ مُوقِنًا
صفحة ٢٦٠
بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِزُ لَهُ ما أرْسَلَهُ لِأجْلِهِ لَكِنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَسْتَدْرِجَ اللَّهُ الكَفَرَةَ مُدَّةً قَلِيلَةً لِإظْهارِ ثَباتِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ (﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]) .
وعَبَّرَ عَنِ العَصا بِ (ما) المَوْصُولَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِيَوْمِ التَّكْلِيمِ إذْ قالَ لَهُ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) لِيَحْصُلَ لَهُ الِاطْمِئْنانُ بِأنَّها صائِرَةٌ إلى الحالَةِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها يَوْمَئِذٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وألْقِ عَصاكَ.
والتَّلَقُّفُ: الِابْتِلاعُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِجَزْمِ (تَلَقَّفْ) في جَوابِ قَوْلِهِ (وألْقِ)، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ بِرَفْعِ (تَلَقَّفُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَلَقَّفْ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مِن لَقِفَ كَفَرِحَ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ. (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) خَبَرُ (إنَّ) .
والكَلامُ إخْبارٌ بَسِيطٌ لا قَصْرَ فِيهِ. وكُتِبَ (إنَّما) في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً (إنَّ) بِ (ما) المَوْصُولَةِ كَما تُوصَلُ بِ (ما) الكافَّةِ في نَحْوِ (﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]) ولَمْ يَكُنِ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَخَّوْنَ الفُرُوقَ في رَسْمِ الخَطِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) بِألْفٍ بَعْدَ السِّينِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (كَيْدُ سِحْرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ.
وجُمْلَةُ (﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وحالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿إنَّما صَنَعُوا﴾)، أيْ لا يَنْجَحُ السّاحِرُ حَيْثُ كانَ، لِأنَّ صَنْعَتَهُ تَنْكَشِفُ بِالتَّأمُّلِ وثَباتِ النَّفْسِ
صفحة ٢٦١
فِي عَدَمِ التَّأثُّرِ بِها. وتَعْرِيفُ (السّاحِرِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِقَصْدِ الجِنْسِ المَعْرُوفِ، أيْ لا يُفْلِحُ بِها كُلُّ ساحِرٍ.
واخْتِيرَ فِعْلُ (أتى) دُونَ نَحْوِ: حَيْثُ كانَ، أوْ حَيْثُ حَلَّ، لِمُراعاةِ كَوْنِ مُعْظَمِ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ مَجْلُوبِينَ مِن جِهاتِ مِصْرَ، ولِلرِّعايَةِ عَلى فَواصِلِ الآياتِ الواقِعَةِ عَلى حَرْفِ الألِفِ المَقْصُورَةِ.
وتَعْمِيمُ (﴿حَيْثُ أتى﴾) لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ الَّتِي يَحْضُرُها، أيْ بِسِحْرِهِ.
وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِوَصْفِ السّاحِرِ يَقْتَضِي أنَّ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ في أُمُورِ السِّحْرِ لا في تِجارَةٍ أوْ غَيْرِها. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ عُمُومَ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأمْكِنَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيها.
طه 20:69
صفحة ٢٥٩
﴿فَأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى﴾ ﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾ ﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ تَلَقَّفْ ما صَنَعُوا إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ سِاحِرٍ ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾ .
أوْجَسَ: أضْمَرَ واسْتَشْعَرَ. وانْتِصابُ (خِيفَةً) عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ وجَدَ في نَفْسِهِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ [هود: ٧٠]) في سُورَةِ هُودٍ.
و(خِيفَةٌ) اسْمُ هَيْئَةٍ مِنَ الخَوفِ، أُرِيدَ بِهِ مُطْلَقُ المَصْدَرِ، وأصْلُهُ خِوْفَةٌ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً لِوُقُوعِها إثْرَ كَسْرَةٍ.
وزِيادَةُ (﴿فِي نَفْسِهِ﴾) هُنا لِلْإشارَةِ إلى أنَّها خِيفَةُ تَفَكُّرٍ لَمْ يَظْهَرْ أثَرُها عَلى مَلامِحِهِ. وإنَّما خافَ مُوسى مِن أنْ يَظْهَرَ أمْرُ السَّحَرَةِ فَيُساوِي ما يَظْهَرُ عَلى يَدَيْهِ مِنَ انْقِلابِ عَصاهُ ثُعْبانًا، لِأنَّهُ يَكُونُ قَدْ ساواهم في عَمَلِهِمْ ويَكُونُونَ قَدْ فاقُوهُ بِالكَثْرَةِ، أوْ خَشِيَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أرادَ اسْتِدْراجَ السَّحَرَةِ مُدَّةً؛ فَيُمْلِي لَهم بِظُهُورِ غَلَبِهِمْ عَلَيْهِ ومَدِّهِ لِما تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ فَخَشِيَ ذَلِكَ. وهَذا مَقامُ الخَوْفِ، وهو مَقامٌ جَلِيلٌ مِثْلُهُ مَقامُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ إذْ قالَ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ نَصْرَكَ ووَعْدَكَ اللَّهُمَّ إنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ في الأرْضِ» .
والدَّلِيلُ عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى (﴿قُلْنا لا تَخَفْ إنَّكَ أنْتَ الأعْلى﴾) . فَتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ وتَقْوِيَةُ تَأْكِيدِها بِضَمِيرِ الفَصْلِ وبِالتَّعْرِيفِ في الأعْلى دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما خامَرَهُ مِنَ الخَوْفِ إنَّما هو خَوْفُ ظُهُورِ السَّحَرَةِ عِنْدَ العامَّةِ ولَوْ في وقْتٍ ما. وهو وإنْ كانَ مُوقِنًا
صفحة ٢٦٠
بِأنَّ اللَّهَ يُنْجِزُ لَهُ ما أرْسَلَهُ لِأجْلِهِ لَكِنَّهُ لا مانِعَ مِن أنْ يَسْتَدْرِجَ اللَّهُ الكَفَرَةَ مُدَّةً قَلِيلَةً لِإظْهارِ ثَباتِ إيمانِ المُؤْمِنِينَ، كَما قالَ لِرَسُولِهِ ﷺ (﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ [آل عمران: ١٩٧]) .
وعَبَّرَ عَنِ العَصا بِ (ما) المَوْصُولَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِيَوْمِ التَّكْلِيمِ إذْ قالَ لَهُ (﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ [طه: ١٧]) لِيَحْصُلَ لَهُ الِاطْمِئْنانُ بِأنَّها صائِرَةٌ إلى الحالَةِ الَّتِي صارَتْ إلَيْها يَوْمَئِذٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ لَهُ: وألْقِ عَصاكَ.
والتَّلَقُّفُ: الِابْتِلاعُ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِجَزْمِ (تَلَقَّفْ) في جَوابِ قَوْلِهِ (وألْقِ)، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ بِرَفْعِ (تَلَقَّفُ) عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَلَقَّفْ) بِفَتْحِ اللّامِ وتَشْدِيدِ القافِ.
وقَرَأهُ حَفْصٌ بِسُكُونِ اللّامِ وفَتْحِ القافِ مِن لَقِفَ كَفَرِحَ.
وجُمْلَةُ (﴿إنَّما صَنَعُوا كَيْدُ ساحِرٍ﴾) مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مُرَكَّبَةٌ مِن (إنَّ) و(ما) المَوْصُولَةِ. (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) خَبَرُ (إنَّ) .
والكَلامُ إخْبارٌ بَسِيطٌ لا قَصْرَ فِيهِ. وكُتِبَ (إنَّما) في المُصْحَفِ مَوْصُولَةً (إنَّ) بِ (ما) المَوْصُولَةِ كَما تُوصَلُ بِ (ما) الكافَّةِ في نَحْوِ (﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ [البقرة: ١٧٣]) ولَمْ يَكُنِ المُتَقَدِّمُونَ يَتَوَخَّوْنَ الفُرُوقَ في رَسْمِ الخَطِّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿كَيْدُ ساحِرٍ﴾) بِألْفٍ بَعْدَ السِّينِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (كَيْدُ سِحْرٍ) بِكَسْرِ السِّينِ.
وجُمْلَةُ (﴿ولا يُفْلِحُ السّاحِرُ حَيْثُ أتى﴾) مِن تَمامِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، فَهي مَعْطُوفَةٌ عَلَيْها وحالٌ مِن ضَمِيرِ (﴿إنَّما صَنَعُوا﴾)، أيْ لا يَنْجَحُ السّاحِرُ حَيْثُ كانَ، لِأنَّ صَنْعَتَهُ تَنْكَشِفُ بِالتَّأمُّلِ وثَباتِ النَّفْسِ
صفحة ٢٦١
فِي عَدَمِ التَّأثُّرِ بِها. وتَعْرِيفُ (السّاحِرِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ لِقَصْدِ الجِنْسِ المَعْرُوفِ، أيْ لا يُفْلِحُ بِها كُلُّ ساحِرٍ.
واخْتِيرَ فِعْلُ (أتى) دُونَ نَحْوِ: حَيْثُ كانَ، أوْ حَيْثُ حَلَّ، لِمُراعاةِ كَوْنِ مُعْظَمِ أُولَئِكَ السَّحَرَةِ مَجْلُوبِينَ مِن جِهاتِ مِصْرَ، ولِلرِّعايَةِ عَلى فَواصِلِ الآياتِ الواقِعَةِ عَلى حَرْفِ الألِفِ المَقْصُورَةِ.
وتَعْمِيمُ (﴿حَيْثُ أتى﴾) لِعُمُومِ الأمْكِنَةِ الَّتِي يَحْضُرُها، أيْ بِسِحْرِهِ.
وتَعْلِيقُ الحُكْمِ بِوَصْفِ السّاحِرِ يَقْتَضِي أنَّ نَفْيَ الفَلاحِ عَنِ السّاحِرِ في أُمُورِ السِّحْرِ لا في تِجارَةٍ أوْ غَيْرِها. وهَذا تَأْكِيدٌ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، لِأنَّ عُمُومَ الأشْياءِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الأمْكِنَةِ الَّتِي تَقَعُ فِيها.
طه 20:70
﴿فَأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ أآمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لِكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلْأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خَلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولِتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .
الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩]) . والتَّقْدِيرُ: فَألْقى فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) .
والإلْقاءُ: الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّهم لا مُلْقِيَ لَهم إلّا أنْفُسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقَوْا أنْفُسَهم سُجَّدًا، فَإنَّ سُجُودَهم كانَ إعْلانًا بِاعْتِرافِهِمْ أنَّ مُوسى مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى.
صفحة ٢٦٢
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَلالَةً عَلى تَغَلُّبِ مُوسى عَلَيْهِمْ فَسَجَدُوا تَعْظِيمًا لَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ، جَعَلُوهُ مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) حَذَرًا مِن بَطْشِهِ.
وسُجَّدٌ: جَمْعُ ساجِدٍ.
وجُمْلَةُ قالُوا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أُلْقُوا قائِلِينَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾) فَإنَّ سُجُودَهُمُ اشْتَمَلَ عَلى إيمانِهِمْ، و(أنْ) تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً لِافْتِتاحِ المُحاوَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ.
وإنَّما آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَئِذٍ لِأنَّهم أيْقَنُوا أنَّ ما جَرى عَلى يَدِ مُوسى لَيْسَ مَن جِنْسِ السِّحْرِ لِأنَّهم أئِمَّةُ السِّحْرُ فَعَلِمُوا أنَّهُ آيَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ. وتَعْبِيرُهم عَنِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى هارُونَ ومُوسى لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ إلّا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لِأنَّ لَهم أرْبابًا يَعْبُدُونَها ويَعْبُدُها فِرْعَوْنُ.
وتَقْدِيمُ هارُونَ عَلى مُوسى هُنا وتَقْدِيمُ مُوسى عَلى هارُونَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١]) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلٍ ولا غَيْرِهِ، لِأنَّ الواوَ العاطِفَةَ لا تُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُطْلَقِ الجَمْعِ في الحُكْمِ المَعْطُوفِ فِيهِ، فَهم عَرَفُوا اللَّهَ بِأنَّهُ رَبُّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَحُكِيَ كَلامُهم بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ السَّحَرَةِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١])، ولَمْ يُحْكَ ذَلِكَ هُنا، لِأنَّ حِكايَةَ الأخْبارِ لا تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِجَمِيعِ المَحْكِيِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ في ذَلِكَ المَقامِ بِحَسْبِ الحاجَةِ.
صفحة ٢٦٣
ووَجْهُ تَقْدِيمِ هارُونَ هُنا الرِّعايَةُ عَلى الفاصِلَةِ، فالتَّقْدِيمُ وقَعَ في الحِكايَةِ لا في المَحْكِيِّ، إذْ وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ هارُونَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن حِكايَةِ قَوْلِ السَّحَرَةِ، فَيَكُونُ صَدَرَ مِنهم قَوْلانِ، قَدَّمُوا في أحَدِهِما اسْمَ هارُونَ اعْتِبارًا بِكِبَرِ سِنِّهِ، وقَدَّمُوا اسْمَ مُوسى في القَوْلِ الآخَرِ اعْتِبارًا بِفَضْلِهِ عَلى هارُونَ بِالرِّسالَةِ وكَلامِ اللَّهِ تَعالى، فاخْتِلافُ العِبارَتَيْنِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ.
ويُقالُ: آمَنَ لَهُ، أيْ حَصَلَ عِنْدَهُ الإيمانُ لِأجْلِهِ. كَما يُقالُ: آمَنَ بِهِ، أيْ حَصَلَ الإيمانُ عِنْدَهُ بِسَبَبِهِ، وأصْلُ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِأنَّ آمَنَهُ بِمَعْنى صَدَّقَهُ. ولَكِنَّهُ كادَ أنْ لا يُسْتَعْمَلَ في مَعْنى التَّصْدِيقِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ.
وقَرَأ قالُونُ ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ الأزَرْقِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (آمَنتُمْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ وهي المَدَّةُ النّاشِئَةُ عَنْ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأصْلِيَّةِ في فِعْلِ آمَنَ، عَلى أنَّ الكَلامَ اسْتِفْهامٌ.
وقَرَأهُ ورَشٌ عَنْ طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ، وابْنِ كَثِيرٍ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ، فَهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْضًا.
ولَمّا رَأى فِرْعَوْنُ إيمانَ السَّحَرَةِ تَغَيَّظَ ورامَ عِقابَهم ولَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّ العِقابَ عَلى الإيمانِ بِمُوسى بَعْدَ أنْ فَتَحَ بابَ المُناظَرَةِ مَعَهُ نَكْثٌ لِأُصُولِ المُناظَرَةِ فاخْتَلَقَ لِلتَّشَفِّي مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عِلَّةَ إعْلانِهِمُ الإيمانَ قَبْلَ اسْتِئْذانِ فِرْعَوْنَ، فَعَدَّ ذَلِكَ جرْأةً عَلَيْهِ، وأوْهَمَ أنَّهم لَوِ اسْتَأْذَنُوهُ
صفحة ٢٦٤
لَأذِنَ لَهم، واسْتَخْلَصَ مِن تَسَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى مِن قَبْلُ فَأظْهَرُوا العَجْزَ عِنْدَ مُناظَرَتِهِ. ومَقْصِدُ فِرْعَوْنَ مِن هَذا إقْناعُ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَمْ يَأْتِ بِما يُعْجِزُ السَّحَرَةُ إدْخالًا لِلشَّكِّ عَلى نُفُوسِ الَّذِينَ شاهَدُوا الآياتِ. وهَذِهِ شِنْشِنَةٌ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ اخْتِلاقُ المَغْلُوبِ بارِد العُذْرِ. ومِن هَذا القَبِيلِ اتِّهامُ المَحْكُومِ عَلَيْهِمُ الحاكِمِينَ بِالِارْتِشاءِ، واتِّهامُ الدُّوَلِ المَغْلُوبَةِ في الحُرُوبِ قُوّادَ الجُيُوشِ بِالخِيانَةِ.
وضَمِيرُ (لَهُ) عائِدٌ إلى مُوسى مِثْلُ ضَمِيرِ (﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾) . ومَعْنى (﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾) قَبْلَ أنْ أُسَوِّغَ لَكم أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: أذِنَ لَهُ، إذا أباحَ لَهُ شَيْئًا.
والتَّقْطِيعُ: شِدَّةُ القَطْعِ. ومَرْجِعُ المُبالَغَةِ إلى الكَيْفِيَّةِ، وهي ما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) أيْ مُخْتَلِفَةٍ؛ بِأنْ لا تُقْطَعُ عَلى جانِبٍ واحِدٍ بَلْ مِن جانِبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أيْ تَقْطَعُ اليَدُ ثُمَّ الرِّجْلُ مِنَ الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ اليَدِ المَقْطُوعَةِ ثُمَّ اليَدُ الأُخْرى ثُمَّ الرِّجْلُ الأُخْرى. والظّاهِرُ: أنَّ القَطْعَ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ شِعارًا لِقَطْعِ المُجْرِمِينَ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ حِكايَةً لِلْواقِعِ لا لِلِاحْتِرازِ عَنْ قَطْعٍ بِشَكْلٍ آخَرَ، إذْ لا أثَرَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ في تَفْظِيعٍ ولا في شِدَّةِ إيلامٍ إذا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَتابِعًا.
وأمّا ما جاءَ في الإسْلامِ في عُقُوبَةِ المُحارِبِ فَإنَّما هو قَطْعُ عُضْوٍ واحِدٍ عِنْدَ كُلِّ حِرابَةٍ فَهو مِنَ الرَّحْمَةِ في العُقُوبَةِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ انْتِفاعُ المَقْطُوعِ بِباقِي أعْضائِهِ مِن جَرّاءِ قَطْعِ يَدٍ ثُمَّ رِجْلٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، أوْ قَطْعِ يَدٍ بَعْدَ يَدٍ وبَقاءِ الرِّجْلَيْنِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) لِلِابْتِداءِ، أيْ يَبْدَأُ القَطْعُ مِن مَبْدَأِ المُخالَفَةِ بَيْنَ المَقْطُوعِ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ المائِدَةِ.
صفحة ٢٦٥
والتَّصْلِيبُ: مُبالَغَةٌ في الصَّلْبِ. والصَّلْبُ: رَبْطُ الجِسْمِ عَلى عُودٍ مُنْتَصِبٍ أوْ دَقُّهُ عَلَيْهِ بِمَسامِيرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) في سُورَةِ النِّساءِ. والمُبالَغَةُ راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ أيْضًا بِشِدَّةِ الدَّقِّ عَلى الأعْوادِ. ولِذَلِكَ عدلَ عَنْ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ تَمَكُّنِ المَصْلُوبِ مِنَ الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ الواقِعِ في وِعائِهِ.
والجُذُوعُ: جَمْعُ جِذْعٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ وهو عُودُ النَّخْلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]) . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤]) بِحَرْفِ (في) مَعَ أنَّ الصَّلْبَ يَكُونُ فَوْقَ الجِذْعِ لا داخِلَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ صَلْبٌ مُتَمَكِّنٌ يُشْبِهُ حُصُولَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ، فَحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تابِعَةٌ لِاسْتِعارَةِ مُتَعَلِّقِ مَعْنى (في) لِمُتَعَلِّقِ مَعْنى (عَلى) .
وأيُّنا: اسْتِفْهامٌ عَنْ مُشْتَرِكِينَ في شِدَّةِ التَّعْذِيبِ. وفِعْلُ (لَتَعْلَمُنَّ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوِقُوعِ الِاسْتِفْهامِ في آخِرِهِ. وأرادَ بِالمُشْتَرِكِينَ نَفْسَهُ ورَبَّ مُوسى سُبْحانَهُ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن قَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الإيمانِ بِهِ ما قَدَّمَ لَهم مُوسى مِنَ المَوْعِظَةِ حِينَ قالَ لَهم بِمَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ (﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١])، أيْ وسَتَجِدُونَ عَذابِيَ أشَدَّ مِنَ العَذابِ الَّذِي حُذِّرْتُمُوهُ. وهَذا مِن غُرُورِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُرادُ فِرْعَوْنَ ما قابَلَ بِهِ المُؤْمِنُونَ قَوْلَهُ (﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾) بِقَوْلِهِمْ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣])، أيْ خَيْرٌ مِنكَ وأبْقى عَمَلًا مِن عَمَلِكَ، فَثَوابُهُ خَيْرٌ مِن رِضاكَ وعَذابُهُ أشَدُّ مِن عَذابِكَ.
طه 20:71
﴿فَأُلْقِي السَّحَرَةُ سُجَّدًا قالُوا آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ ﴿قالَ أآمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّهُ لِكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلْأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خَلافٍ ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ ولِتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ .
الفاءُ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وألْقِ ما في يَمِينِكَ﴾ [طه: ٦٩]) . والتَّقْدِيرُ: فَألْقى فَتَلَقَّفَتْ ما صَنَعُوا، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) .
والإلْقاءُ: الطَّرْحُ عَلى الأرْضِ. وأسْنَدَ الفِعْلَ إلى المَجْهُولِ لِأنَّهم لا مُلْقِيَ لَهم إلّا أنْفُسُهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقَوْا أنْفُسَهم سُجَّدًا، فَإنَّ سُجُودَهم كانَ إعْلانًا بِاعْتِرافِهِمْ أنَّ مُوسى مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ سُجُودُهم تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعالى.
صفحة ٢٦٢
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ دَلالَةً عَلى تَغَلُّبِ مُوسى عَلَيْهِمْ فَسَجَدُوا تَعْظِيمًا لَهُ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا بِهِ تَعْظِيمَ فِرْعَوْنَ، جَعَلُوهُ مُقَدِّمَةً لِقَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) حَذَرًا مِن بَطْشِهِ.
وسُجَّدٌ: جَمْعُ ساجِدٍ.
وجُمْلَةُ قالُوا يَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ أُلْقُوا قائِلِينَ. ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ (﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾) فَإنَّ سُجُودَهُمُ اشْتَمَلَ عَلى إيمانِهِمْ، و(أنْ) تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً ابْتِدائِيَّةً لِافْتِتاحِ المُحاوَرَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ فِرْعَوْنَ.
وإنَّما آمَنُوا بِاللَّهِ حِينَئِذٍ لِأنَّهم أيْقَنُوا أنَّ ما جَرى عَلى يَدِ مُوسى لَيْسَ مَن جِنْسِ السِّحْرِ لِأنَّهم أئِمَّةُ السِّحْرُ فَعَلِمُوا أنَّهُ آيَةً مِن عِنْدِ اللَّهِ. وتَعْبِيرُهم عَنِ الرَّبِّ بِطَرِيقِ الإضافَةِ إلى هارُونَ ومُوسى لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفُ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ إلّا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لِأنَّ لَهم أرْبابًا يَعْبُدُونَها ويَعْبُدُها فِرْعَوْنُ.
وتَقْدِيمُ هارُونَ عَلى مُوسى هُنا وتَقْدِيمُ مُوسى عَلى هارُونَ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢١]) لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَفْضِيلٍ ولا غَيْرِهِ، لِأنَّ الواوَ العاطِفَةَ لا تُفِيدُ أكْثَرَ مِن مُطْلَقِ الجَمْعِ في الحُكْمِ المَعْطُوفِ فِيهِ، فَهم عَرَفُوا اللَّهَ بِأنَّهُ رَبُّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ؛ فَحُكِيَ كَلامُهم بِما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ حُكِيَ في سُورَةِ الأعْرافِ قَوْلُ السَّحَرَةِ (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١])، ولَمْ يُحْكَ ذَلِكَ هُنا، لِأنَّ حِكايَةَ الأخْبارِ لا تَقْتَضِي الإحاطَةَ بِجَمِيعِ المَحْكِيِّ، وإنَّما المَقْصُودُ مَوْضِعُ العِبْرَةِ في ذَلِكَ المَقامِ بِحَسْبِ الحاجَةِ.
صفحة ٢٦٣
ووَجْهُ تَقْدِيمِ هارُونَ هُنا الرِّعايَةُ عَلى الفاصِلَةِ، فالتَّقْدِيمُ وقَعَ في الحِكايَةِ لا في المَحْكِيِّ، إذْ وقَعَ في الآيَةِ الأُخْرى (﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢]) . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْدِيمُ هارُونَ في هَذِهِ الآيَةِ مِن حِكايَةِ قَوْلِ السَّحَرَةِ، فَيَكُونُ صَدَرَ مِنهم قَوْلانِ، قَدَّمُوا في أحَدِهِما اسْمَ هارُونَ اعْتِبارًا بِكِبَرِ سِنِّهِ، وقَدَّمُوا اسْمَ مُوسى في القَوْلِ الآخَرِ اعْتِبارًا بِفَضْلِهِ عَلى هارُونَ بِالرِّسالَةِ وكَلامِ اللَّهِ تَعالى، فاخْتِلافُ العِبارَتَيْنِ بِاخْتِلافِ الِاعْتِبارَيْنِ.
ويُقالُ: آمَنَ لَهُ، أيْ حَصَلَ عِنْدَهُ الإيمانُ لِأجْلِهِ. كَما يُقالُ: آمَنَ بِهِ، أيْ حَصَلَ الإيمانُ عِنْدَهُ بِسَبَبِهِ، وأصْلُ الفِعْلِ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ لِأنَّ آمَنَهُ بِمَعْنى صَدَّقَهُ. ولَكِنَّهُ كادَ أنْ لا يُسْتَعْمَلَ في مَعْنى التَّصْدِيقِ إلّا بِأحَدِ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ.
وقَرَأ قالُونُ ووَرْشٌ مِن طَرِيقِ الأزَرْقِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ (آمَنتُمْ) بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ بَعْدَها مَدَّةٌ وهي المَدَّةُ النّاشِئَةُ عَنْ تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الأصْلِيَّةِ في فِعْلِ آمَنَ، عَلى أنَّ الكَلامَ اسْتِفْهامٌ.
وقَرَأهُ ورَشٌ عَنْ طَرِيقِ الأصْفَهانِيِّ، وابْنِ كَثِيرٍ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ بِهَمْزَةٍ واحِدَةٍ عَلى أنَّ الكَلامَ خَبَرٌ، فَهو خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوْبِيخِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِهَمْزَتَيْنِ عَلى الِاسْتِفْهامِ أيْضًا.
ولَمّا رَأى فِرْعَوْنُ إيمانَ السَّحَرَةِ تَغَيَّظَ ورامَ عِقابَهم ولَكِنَّهُ عَلِمَ أنَّ العِقابَ عَلى الإيمانِ بِمُوسى بَعْدَ أنْ فَتَحَ بابَ المُناظَرَةِ مَعَهُ نَكْثٌ لِأُصُولِ المُناظَرَةِ فاخْتَلَقَ لِلتَّشَفِّي مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا عِلَّةَ إعْلانِهِمُ الإيمانَ قَبْلَ اسْتِئْذانِ فِرْعَوْنَ، فَعَدَّ ذَلِكَ جرْأةً عَلَيْهِ، وأوْهَمَ أنَّهم لَوِ اسْتَأْذَنُوهُ
صفحة ٢٦٤
لَأذِنَ لَهم، واسْتَخْلَصَ مِن تَسَرُّعِهِمْ بِذَلِكَ أنَّهم تَواطَئُوا مَعَ مُوسى مِن قَبْلُ فَأظْهَرُوا العَجْزَ عِنْدَ مُناظَرَتِهِ. ومَقْصِدُ فِرْعَوْنَ مِن هَذا إقْناعُ الحاضِرِينَ بِأنَّ مُوسى لَمْ يَأْتِ بِما يُعْجِزُ السَّحَرَةُ إدْخالًا لِلشَّكِّ عَلى نُفُوسِ الَّذِينَ شاهَدُوا الآياتِ. وهَذِهِ شِنْشِنَةٌ مِن قَدِيمِ الزَّمانِ اخْتِلاقُ المَغْلُوبِ بارِد العُذْرِ. ومِن هَذا القَبِيلِ اتِّهامُ المَحْكُومِ عَلَيْهِمُ الحاكِمِينَ بِالِارْتِشاءِ، واتِّهامُ الدُّوَلِ المَغْلُوبَةِ في الحُرُوبِ قُوّادَ الجُيُوشِ بِالخِيانَةِ.
وضَمِيرُ (لَهُ) عائِدٌ إلى مُوسى مِثْلُ ضَمِيرِ (﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾) . ومَعْنى (﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾) قَبْلَ أنْ أُسَوِّغَ لَكم أنْ تُؤْمِنُوا بِهِ. يُقالُ: أذِنَ لَهُ، إذا أباحَ لَهُ شَيْئًا.
والتَّقْطِيعُ: شِدَّةُ القَطْعِ. ومَرْجِعُ المُبالَغَةِ إلى الكَيْفِيَّةِ، وهي ما وصَفَهُ بِقَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) أيْ مُخْتَلِفَةٍ؛ بِأنْ لا تُقْطَعُ عَلى جانِبٍ واحِدٍ بَلْ مِن جانِبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، أيْ تَقْطَعُ اليَدُ ثُمَّ الرِّجْلُ مِنَ الجِهَةِ المُخالِفَةِ لِجِهَةِ اليَدِ المَقْطُوعَةِ ثُمَّ اليَدُ الأُخْرى ثُمَّ الرِّجْلُ الأُخْرى. والظّاهِرُ: أنَّ القَطْعَ عَلى هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ كانَ شِعارًا لِقَطْعِ المُجْرِمِينَ، فَيَكُونُ ذِكْرُ هَذِهِ الصِّفَةِ حِكايَةً لِلْواقِعِ لا لِلِاحْتِرازِ عَنْ قَطْعٍ بِشَكْلٍ آخَرَ، إذْ لا أثَرَ لِهَذِهِ الصِّفَةِ في تَفْظِيعٍ ولا في شِدَّةِ إيلامٍ إذا كانَ ذَلِكَ يَقَعُ مُتَتابِعًا.
وأمّا ما جاءَ في الإسْلامِ في عُقُوبَةِ المُحارِبِ فَإنَّما هو قَطْعُ عُضْوٍ واحِدٍ عِنْدَ كُلِّ حِرابَةٍ فَهو مِنَ الرَّحْمَةِ في العُقُوبَةِ لِئَلّا يَتَعَطَّلَ انْتِفاعُ المَقْطُوعِ بِباقِي أعْضائِهِ مِن جَرّاءِ قَطْعِ يَدٍ ثُمَّ رِجْلٍ مِن جِهَةٍ واحِدَةٍ، أوْ قَطْعِ يَدٍ بَعْدَ يَدٍ وبَقاءِ الرِّجْلَيْنِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ (﴿مِن خِلافٍ﴾) لِلِابْتِداءِ، أيْ يَبْدَأُ القَطْعُ مِن مَبْدَأِ المُخالَفَةِ بَيْنَ المَقْطُوعِ. والمَجْرُورُ في مَوْضِعِ الحالِ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الأعْرافِ وفي سُورَةِ المائِدَةِ.
صفحة ٢٦٥
والتَّصْلِيبُ: مُبالَغَةٌ في الصَّلْبِ. والصَّلْبُ: رَبْطُ الجِسْمِ عَلى عُودٍ مُنْتَصِبٍ أوْ دَقُّهُ عَلَيْهِ بِمَسامِيرَ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ﴾ [النساء: ١٥٧]) في سُورَةِ النِّساءِ. والمُبالَغَةُ راجِعَةٌ إلى الكَيْفِيَّةِ أيْضًا بِشِدَّةِ الدَّقِّ عَلى الأعْوادِ. ولِذَلِكَ عدلَ عَنْ حَرْفِ الِاسْتِعْلاءِ إلى حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ تَشْبِيهًا لِشِدَّةِ تَمَكُّنِ المَصْلُوبِ مِنَ الجِذْعِ بِتَمَكُّنِ الشَّيْءِ الواقِعِ في وِعائِهِ.
والجُذُوعُ: جَمْعُ جِذْعٍ بِكَسْرِ الجِيمِ وسُكُونِ الذّالِ وهو عُودُ النَّخْلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿وهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥]) . وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٤]) بِحَرْفِ (في) مَعَ أنَّ الصَّلْبَ يَكُونُ فَوْقَ الجِذْعِ لا داخِلَهُ لِيَدُلَّ عَلى أنَّهُ صَلْبٌ مُتَمَكِّنٌ يُشْبِهُ حُصُولَ المَظْرُوفِ في الظَّرْفِ، فَحَرْفُ (في) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تابِعَةٌ لِاسْتِعارَةِ مُتَعَلِّقِ مَعْنى (في) لِمُتَعَلِّقِ مَعْنى (عَلى) .
وأيُّنا: اسْتِفْهامٌ عَنْ مُشْتَرِكِينَ في شِدَّةِ التَّعْذِيبِ. وفِعْلُ (لَتَعْلَمُنَّ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوِقُوعِ الِاسْتِفْهامِ في آخِرِهِ. وأرادَ بِالمُشْتَرِكِينَ نَفْسَهُ ورَبَّ مُوسى سُبْحانَهُ لِأنَّهُ عَلِمَ مِن قَوْلِهِمْ (﴿آمَنّا بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾) أنَّ الَّذِي حَمَلَهم عَلى الإيمانِ بِهِ ما قَدَّمَ لَهم مُوسى مِنَ المَوْعِظَةِ حِينَ قالَ لَهم بِمَسْمَعٍ مِن فِرْعَوْنَ (﴿ويْلَكم لا تَفْتَرُوا عَلى اللَّهِ كَذِبًا فَيَسْحَتَكم بِعَذابٍ﴾ [طه: ٦١])، أيْ وسَتَجِدُونَ عَذابِيَ أشَدَّ مِنَ العَذابِ الَّذِي حُذِّرْتُمُوهُ. وهَذا مِن غُرُورِهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ مُرادُ فِرْعَوْنَ ما قابَلَ بِهِ المُؤْمِنُونَ قَوْلَهُ (﴿أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾) بِقَوْلِهِمْ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ٧٣])، أيْ خَيْرٌ مِنكَ وأبْقى عَمَلًا مِن عَمَلِكَ، فَثَوابُهُ خَيْرٌ مِن رِضاكَ وعَذابُهُ أشَدُّ مِن عَذابِكَ.
طه 20:72
صفحة ٢٦٦
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
أظْهَرُوا اسْتِخْفافَهم بِوَعِيدِهِ وبِتَعْذِيبِهِ، إذْ أصْبَحُوا أهْلَ إيمانٍ ويَقِينٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ إذا أشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ الرِّسالَةِ فَسُرْعانَ ما يَكُونُ انْقِلابُهم عَنْ جَهالَةِ الكُفْرِ وقَساوَتِهِ إلى حِكْمَةِ الإيمانِ وثَباتِهِ. ولَنا في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ونَحْوِهِ مِمَّنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَثَلُ صِدْقٍ.
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١]) في سُورَةِ يُوسُفَ. والتَّفْضِيلُ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ مُقْتَضٍ حَذْفَ مُضافٍ يُناسِبُ المُقابَلَةَ بِالبَيِّناتِ، أيْ لَنْ نُؤْثِرَ طاعَتَكَ أوْ دِينَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ عَطْفُ (﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾)، أيْ لا نُؤْثِرُكَ في الرُّبُوبِيَّةِ عَلى الَّذِي فَطَرَنا.
وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى التَّعْلِيلِ، لِأنَّ الفاطِرَ هو المُسْتَحَقُّ بِالإيثارِ.
وأُخِّرَ (﴿الَّذِي فَطَرَنا﴾) عَنْ (﴿ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾) لِأنَّ البَيِّناتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَهم أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ بِمُوسى ونَبْذَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، لِأنَّ (﴿ما أنْتَ قاضٍ﴾) ماصَدَقَهُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن تَقْطِيعِ
صفحة ٢٦٧
الأيْدِي والأرْجُلِ والصَّلْبِ، أيْ سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ أوْ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فَلا نَطْلُبُ مِنكَ خَلاصًا مِنهُ جَزاءَ طاعَتِكِ فافْعَلْ ما أنْتَ فاعِلٌ (والقَضاءُ هُنا التَّنْفِيذُ والإنْجازُ) فَإنَّ عَذابَكَ لا يَتَجاوَزُ هَذِهِ الحَياةَ ونَحْنُ نَرْجُو مِن رَبِّنا الجَزاءَ الخِالِدَ.
وانْتَصَبَ (﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالحَياةِ مُدَّتُها.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، أيْ إنَّكَ مَقْصُورٌ عَلى القَضاءِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يَتَجاوَزْهُ إلى القَضاءِ في الآخِرَةِ، فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾) في مَحَلِّ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم.
ومَعْنى (﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾) أنَّهُ أكْرَهَهم عَلى تَحَدِّيهِمْ مُوسى بِسِحْرِهِمْ فَعَلِمُوا أنَّ فِعْلَهم باطِلٌ وخَطِيئَةٌ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِإبْطالِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ، فَبِذَلِكَ كانَ مُسْتَوْجِبًا طَلَبَ المَغْفِرَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرَ الكَلامِ لِلتَّذْيِيلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَيْرٌ لَنا بِأنْ نُؤْثِرَهُ مِنكَ. والمُرادُ: رِضى اللَّهِ وهو أبْقى مِنكَ، أيْ جَزاؤُهُ في الخَيْرِ والشَّرِّ أبْقى مِن جَزائِكَ فَلا يَهُولُنا قَوْلُكَ (﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١])، فَذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِوَعِيدِهِ مُقابَلَةً تامَّةً.
طه 20:73
صفحة ٢٦٦
﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ والَّذِي فَطَرَنا فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ إنَّما تَقْضِي هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ ﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وما أكْرَهْتنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾ .
أظْهَرُوا اسْتِخْفافَهم بِوَعِيدِهِ وبِتَعْذِيبِهِ، إذْ أصْبَحُوا أهْلَ إيمانٍ ويَقِينٍ، وكَذَلِكَ شَأْنُ المُؤْمِنِينَ بِالرُّسُلِ إذا أشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ أنْوارُ الرِّسالَةِ فَسُرْعانَ ما يَكُونُ انْقِلابُهم عَنْ جَهالَةِ الكُفْرِ وقَساوَتِهِ إلى حِكْمَةِ الإيمانِ وثَباتِهِ. ولَنا في عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ونَحْوِهِ مِمَّنْ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ مَثَلُ صِدْقٍ.
والإيثارُ: التَّفْضِيلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٩١]) في سُورَةِ يُوسُفَ. والتَّفْضِيلُ بَيْنَ فِرْعَوْنَ وما جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ مُقْتَضٍ حَذْفَ مُضافٍ يُناسِبُ المُقابَلَةَ بِالبَيِّناتِ، أيْ لَنْ نُؤْثِرَ طاعَتَكَ أوْ دِينَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى، وبِذَلِكَ يَلْتَئِمُ عَطْفُ (﴿والَّذِي فَطَرَنا﴾)، أيْ لا نُؤْثِرُكَ في الرُّبُوبِيَّةِ عَلى الَّذِي فَطَرَنا.
وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى التَّعْلِيلِ، لِأنَّ الفاطِرَ هو المُسْتَحَقُّ بِالإيثارِ.
وأُخِّرَ (﴿الَّذِي فَطَرَنا﴾) عَنْ (﴿ما جاءَنا مِنَ البَيِّناتِ﴾) لِأنَّ البَيِّناتِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَهم أرادَ مِنهُمُ الإيمانَ بِمُوسى ونَبْذَ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ، ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِدَعْوَةِ فِرْعَوْنَ لِلْإيمانِ بِاللَّهِ.
وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ (﴿فاقْضِ ما أنْتَ قاضٍ﴾) مُسْتَعْمَلَةٌ في التَّسْوِيَةِ، لِأنَّ (﴿ما أنْتَ قاضٍ﴾) ماصَدَقَهُ ما تَوَعَّدَهم بِهِ مِن تَقْطِيعِ
صفحة ٢٦٧
الأيْدِي والأرْجُلِ والصَّلْبِ، أيْ سَواءٌ عَلَيْنا ذَلِكَ بَعْضُهُ أوْ كُلُّهُ أوْ عَدَمُ وُقُوعِهِ، فَلا نَطْلُبُ مِنكَ خَلاصًا مِنهُ جَزاءَ طاعَتِكِ فافْعَلْ ما أنْتَ فاعِلٌ (والقَضاءُ هُنا التَّنْفِيذُ والإنْجازُ) فَإنَّ عَذابَكَ لا يَتَجاوَزُ هَذِهِ الحَياةَ ونَحْنُ نَرْجُو مِن رَبِّنا الجَزاءَ الخِالِدَ.
وانْتَصَبَ (﴿هَذِهِ الحَياةَ﴾) عَلى النِّيابَةِ عَنِ المَفْعُولِ فِيهِ، لِأنَّ المُرادَ بِالحَياةِ مُدَّتُها.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، أيْ إنَّكَ مَقْصُورٌ عَلى القَضاءِ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا لا يَتَجاوَزْهُ إلى القَضاءِ في الآخِرَةِ، فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ. وجُمْلَةُ (﴿إنّا آمَنّا بِرَبِّنا﴾) في مَحَلِّ العِلَّةِ لِما تَضَمَّنَهُ كَلامُهم.
ومَعْنى (﴿وما أكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾) أنَّهُ أكْرَهَهم عَلى تَحَدِّيهِمْ مُوسى بِسِحْرِهِمْ فَعَلِمُوا أنَّ فِعْلَهم باطِلٌ وخَطِيئَةٌ لِأنَّهُ اسْتُعْمِلَ لِإبْطالِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ، فَبِذَلِكَ كانَ مُسْتَوْجِبًا طَلَبَ المَغْفِرَةِ.
وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ خَيْرٌ وأبْقى﴾) في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ مُعْتَرِضَةٌ في آخِرَ الكَلامِ لِلتَّذْيِيلِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ خَيْرٌ لَنا بِأنْ نُؤْثِرَهُ مِنكَ. والمُرادُ: رِضى اللَّهِ وهو أبْقى مِنكَ، أيْ جَزاؤُهُ في الخَيْرِ والشَّرِّ أبْقى مِن جَزائِكَ فَلا يَهُولُنا قَوْلُكَ (﴿ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ عَذابًا وأبْقى﴾ [طه: ٧١])، فَذَلِكَ مُقابَلَةٌ لِوَعِيدِهِ مُقابَلَةً تامَّةً.
طه 20:74
صفحة ٢٦٨
﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهُرُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ ذِكْرِ قِصَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ساقَها اللَّهُ مَوْعِظَةً وتَأْيِيدًا لِمَقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هي مِن كَلامِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَحْكِ نَظِيرَهُ عَنْهم في نَظائِرِ هَذِهِ القِصَّةِ.
والمُجْرِمُ: فاعِلُ الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والفِعْلُ الخَبِيثُ. والمُجْرِمُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هو الكافِرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]) .
واللّامُ في (﴿لَهُ جَهَنَّمَ﴾) لامُ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ هو صائِرٌ إلَيْها لا مَحالَةَ، ويَكُونُ عَذابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيها؛ فَلا هو مَيِّتٌ لِأنَّهُ يُحِسُّ بِالعَذابِ ولا هو حَيٌّ لِأنَّهُ في حالَةِ المَوْتِ أهْوَنُ مِنها، فالحَياةُ المَنفِيَّةُ حَياةٌ خاصَّةٌ وهي الحَياةُ الخالِصَةُ مِنَ العَذابِ والآلامِ. وبِذَلِكَ لَمْ يَتَناقَضْ نَفْيُها مَعَ نَفْيِ المَوْتِ، وهو كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ (﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]) ولا قَوْلُهُ (﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]) .
صفحة ٢٦٩
وأمّا خُلُودُ غَيْرِ الكافِرِينَ في النّارِ مِن أهْلِ الكَبائِرِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾) جَعَلَها غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ. ولَها أدِلَّةٌ أُخْرى اقْتَضَتْ خُلُودَ الكافِرِ وعَدَمُ خُلُودِ المُؤْمِنَ العاصِي. ونازَعَنا فِيها المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ. ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها وقَدْ ذَكَرْناها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ﴾) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى (عَدْنٍ) وتَفْسِيرُ (﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾) في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) في سُورَةِ بَراءَةٌ.
والتَّزَكِّي: التَّطَهُّرُ مِنَ المَعاصِي.
طه 20:75
صفحة ٢٦٨
﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهُرُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ ذِكْرِ قِصَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ساقَها اللَّهُ مَوْعِظَةً وتَأْيِيدًا لِمَقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هي مِن كَلامِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَحْكِ نَظِيرَهُ عَنْهم في نَظائِرِ هَذِهِ القِصَّةِ.
والمُجْرِمُ: فاعِلُ الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والفِعْلُ الخَبِيثُ. والمُجْرِمُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هو الكافِرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]) .
واللّامُ في (﴿لَهُ جَهَنَّمَ﴾) لامُ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ هو صائِرٌ إلَيْها لا مَحالَةَ، ويَكُونُ عَذابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيها؛ فَلا هو مَيِّتٌ لِأنَّهُ يُحِسُّ بِالعَذابِ ولا هو حَيٌّ لِأنَّهُ في حالَةِ المَوْتِ أهْوَنُ مِنها، فالحَياةُ المَنفِيَّةُ حَياةٌ خاصَّةٌ وهي الحَياةُ الخالِصَةُ مِنَ العَذابِ والآلامِ. وبِذَلِكَ لَمْ يَتَناقَضْ نَفْيُها مَعَ نَفْيِ المَوْتِ، وهو كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ (﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]) ولا قَوْلُهُ (﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]) .
صفحة ٢٦٩
وأمّا خُلُودُ غَيْرِ الكافِرِينَ في النّارِ مِن أهْلِ الكَبائِرِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾) جَعَلَها غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ. ولَها أدِلَّةٌ أُخْرى اقْتَضَتْ خُلُودَ الكافِرِ وعَدَمُ خُلُودِ المُؤْمِنَ العاصِي. ونازَعَنا فِيها المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ. ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها وقَدْ ذَكَرْناها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ﴾) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى (عَدْنٍ) وتَفْسِيرُ (﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾) في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) في سُورَةِ بَراءَةٌ.
والتَّزَكِّي: التَّطَهُّرُ مِنَ المَعاصِي.
طه 20:76
صفحة ٢٦٨
﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ ﴿ومَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهُرُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ مَن تَزَكّى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ حِكايَةِ قِصَّةِ السَّحَرَةِ وبَيْنَ ذِكْرِ قِصَّةِ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ، ساقَها اللَّهُ مَوْعِظَةً وتَأْيِيدًا لِمَقالَةِ المُؤْمِنِينَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ. وقِيلَ: هي مِن كَلامِ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ. ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لَمْ يَحْكِ نَظِيرَهُ عَنْهم في نَظائِرِ هَذِهِ القِصَّةِ.
والمُجْرِمُ: فاعِلُ الجَرِيمَةِ، وهي المَعْصِيَةُ والفِعْلُ الخَبِيثُ. والمُجْرِمُ في اصْطِلاحِ القُرْآنِ هو الكافِرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩]) .
واللّامُ في (﴿لَهُ جَهَنَّمَ﴾) لامُ الِاسْتِحْقاقِ، أيْ هو صائِرٌ إلَيْها لا مَحالَةَ، ويَكُونُ عَذابُهُ مُتَجَدِّدًا فِيها؛ فَلا هو مَيِّتٌ لِأنَّهُ يُحِسُّ بِالعَذابِ ولا هو حَيٌّ لِأنَّهُ في حالَةِ المَوْتِ أهْوَنُ مِنها، فالحَياةُ المَنفِيَّةُ حَياةٌ خاصَّةٌ وهي الحَياةُ الخالِصَةُ مِنَ العَذابِ والآلامِ. وبِذَلِكَ لَمْ يَتَناقَضْ نَفْيُها مَعَ نَفْيِ المَوْتِ، وهو كَقَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَأٍ فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
ولَيْسَ هَذا مِن قَبِيلِ قَوْلِهِ (﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨]) ولا قَوْلُهُ (﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥]) .
صفحة ٢٦٩
وأمّا خُلُودُ غَيْرِ الكافِرِينَ في النّارِ مِن أهْلِ الكَبائِرِ فَإنَّ قَوْلَهُ (﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾) جَعَلَها غَيْرَ مَشْمُولَةٍ لِهَذِهِ الآيَةِ. ولَها أدِلَّةٌ أُخْرى اقْتَضَتْ خُلُودَ الكافِرِ وعَدَمُ خُلُودِ المُؤْمِنَ العاصِي. ونازَعَنا فِيها المُعْتَزِلَةُ والخَوارِجُ. ولَيْسَ هَذا مَوْضِعُ ذِكْرِها وقَدْ ذَكَرْناها في مَواضِعِها مِن هَذا التَّفْسِيرِ.
والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ﴾) لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِما يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى (عَدْنٍ) وتَفْسِيرُ (﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾) في قَوْلِهِ تَعالى (﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢]) في سُورَةِ بَراءَةٌ.
والتَّزَكِّي: التَّطَهُّرُ مِنَ المَعاصِي.
طه 20:77
﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اسْرِ بِعِبادِي فاضْرِبْ لَهم طَرِيقًا في البَحْرِ يَبَسًا لا تَخافُ دَرَكًا ولا تَخْشى﴾ .
افْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِلِاهْتِمامِ بِالقِصَّةِ لِيُلْقِيَ السّامِعُونَ إلَيْها أذْهانَهم. وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ في ابْتِداءِ هَذِهِ الجُمْلَةِ مُؤْذِنٌ بِأنَّ قَصَصًا طُوِيَتْ بَيْنَ ذِكْرِ القِصَّتَيْنِ، فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى حَرْفِ العَطْفِ لَتُوُهِّمَ أنَّ حِكايَةَ القِصَّةِ الأُولى لَمْ تَزَلْ مُتَّصِلَةً فَتُوُهِّمُ أنَّ الأمْرَ بِالخُرُوجِ وقَعَ مُوالِيًا لِانْتِهاءِ مَحْضَرِ السَّحَرَةِ، مَعَ أنَّ بَيْنَ ذَلِكَ قَصَصًا كَثِيرَةً ذُكِرَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ وغَيْرِها، فَإنَّ الخُرُوجَ وقَعَ بَعْدَ ظُهُورِ آياتٍ كَثِيرَةٍ لِإرْهابِ فِرْعَوْنَ كُلَّما هَمَّ بِإطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ لِلْخُرُوجِ. ثُمَّ نَكَلَ إلى أنْ أذِنَ لَهم بِأخَرَةٍ فَخَرَجُوا ثُمَّ نَدِمَ عَلى ذَلِكَ فَأتْبَعَهم.
صفحة ٢٧٠
فَجُمْلَةُ (﴿ولَقَدْ أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾) ابْتِدائِيَّةٌ، والواوُ عاطِفَةُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ ولَيْسَتْ عاطِفَةً بَعْضَ أجْزاءِ قِصَّةٍ عَلى بَعْضٍ آخَرَ.
و(أسْرِ) أمْرٌ مِنَ السُّرى - بِضَمِّ السِّينِ وفَتْحِ الرّاءِ - وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ أنَّهُ يُقالُ: سَرى وأسْرى. وإنَّما أمَرَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ تَجَنُّبًا لِنُكُولِ فِرْعَوْنَ عَلَيْهِمْ. والإضافَةُ في قَوْلِهِ بِعِبادِي لِتَشْرِيفِهِمْ وتَقْرِيبِهِمْ والإيماءِ إلى تَخْلِيصِهِمْ مِنِ اسْتِعْبادِ القِبْطِ وأنَّهم لَيْسُوا عَبِيدًا لِفِرْعَوْنَ. والضَّرْبُ: هُنا بِمَعْنى الجَعْلِ كَقَوْلِهِمْ: ضُرِبَ الذَّهَبُ دَنانِيرَ. وفي الحَدِيثِ: «واضْرِبُوا إلَيَّ مَعَكم بِسَهْمٍ»، ولَيْسَ هو كَقَوْلِهِ (﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣]) لِأنَّ الضَّرْبَ هُناكَ مُتَعَدٍّ إلى البَحْرِ وهُنا نُصِبَ طَرِيقًا.
واليَبَسُ - بِفَتْحِ المُثَنّاةِ والمُوَحَّدَةِ. ويُقالُ: بِسُكُونِ المُوَحَّدَةِ: وصْفٌ بِمَعْنى اليابِسِ. وأصْلُهُ مَصْدَرٌ كالعَدَمِ والعُدْمِ، وُصِفَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ ولِذَلِكَ لا يُؤَنَّثُ فَقالُوا: ناقَةٌ يَبَسٌ؛ إذا جَفَّ لَبَنُها.
و(﴿لا تَخافُ﴾) مَرْفُوعٌ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وعْدٌ لِمُوسى اقْتُصِرَ عَلى وعْدِهِ دُونَ بَقِيَّةِ قَوْمِهِ لِأنَّهُ قُدْوَتُهم فَإذا لَمْ يَخَفْ هو تَشَجَّعُوا وقَوِيَ يَقِينُهم، فَهو خَبَرٌ مُرادٌ بِهِ البُشْرى. والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ (لا تَخَفْ) عَلى جَوابِ الأمْرِ الَّذِي في قَوْلِهِ فاضْرِبْ، وكَلِمَةُ (تَخَفْ) مَكْتُوبَةٌ في المَصاحِفِ بِدُونِ ألْفٍ؛ لِتَكَونَ قِراءَتُها بِالوَجْهَيْنِ لِكَثْرَةِ نَظائِرِ هَذِهِ الكَلِمَةِ ذاتِ الألِفِ في وسَطِها في رَسْمِ المُصْحَفِ ويُسَمِّيهِ المُؤَدِّبُونَ المَحْذُوفَ.
وأمّا قَوْلُهُ (﴿ولا تَخْشى﴾) فالإجْماعُ عَلى قِراءَتِهِ بِألْفٍ في آخِرِهِ. فَوَجْهُ قِراءَةِ حَمْزَةَ فِيها مَعَ أنَّهُ قَرَأ بِجَزْمِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ
صفحة ٢٧١
أنْ تَكُونَ الألْفُ لِلْإطْلاقِ لِأجْلِ الفَواصِلِ مِثْلَ ألْفِ (﴿فَأضَلُّونا السَّبِيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧]) وألْفِ (﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ [الأحزاب: ١٠])، أوْ أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ (﴿ولا تَخْشى﴾) لِلِاسْتِئْنافِ لا لِلْعَطْفِ.
والدَّرَكُ - بِفَتْحَتَيْنِ اسْمُ مَصْدَرِ الإدْراكِ، أيْ لا تَخافُ أنْ يُدْرِكَكَ فِرْعَوْنُ.
والخَشْيَةُ: شِدَّةُ الَخَوْفِ. وحُذِفَ مَفْعُولُهُ لِإفادَةِ العُمُومِ، أيْ لا تَخْشى شَيْئًا، وهو عامٌّ مُرادٌ بِهِ الخُصُوصِ، أيْ لا تَخْشى شَيْئًا مِمّا يُخْشى مِنَ العَدْوِ ولا مِنَ الغَرَقِ.
طه 20:78
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
الفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ فَسَرى بِهِمْ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ رَأى آياتِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ وأيْقَنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَأْيِيدٌ لِمُوسى أذِنَ لِمُوسى وهارُونَ أنْ يُخْرِجا بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ إذْنُ فِرْعَوْنَ قَدْ حَصَلَ لَيْلًا لِحُدُوثِ مَوَتانٍ عَظِيمٍ في القِبْطِ في لَيْلَةِ الشَّهْرِ السّابِعِ مِن أشْهُرِ القِبْطِ وهو شَهْرُ ”بَرَمْهاتَ“ وهو الَّذِي اتَّخَذَهُ اليَهُودُ رَأسَ سَنَتِهِمْ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ وسَمَّوْهُ ”تِسَّرِي“ فَخَرَجُوا مِن مَدِينَةِ ”رَعْمِسِيسَ“ قاصِدِينَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ. ونَدِمَ فِرْعَوْنُ عَلى إطْلاقِهِمْ فَأرادَ أنْ يَلْحَقَهم لِيُرْجِعَهم إلى مَدِينَتِهِ، وخَرَجَ في مَرْكَبَتِهِ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ مَرْكَبَةٍ مُخْتارَةٍ ومَرْكَباتٍ أُخْرى تَحْمِلُ جَيْشَهُ.
وأتْبَعُ: مُرادِفُ تَبِعَ. والباءُ في بِجُنُودِهِ لِلْمُصاحَبَةِ.
واليَمُّ: البَحْرُ. وغِشْيانُهُ إيّاهم: تَغْطِيَتُهُ جُثَثَهم، أيْ فَغَرِقُوا.
صفحة ٢٧٢
وقَوْلُهُ (ما غَشِيَهم) يُفِيدُ ما أفادَهُ قَوْلُهُ (﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ﴾) إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم غَشِيَهم غاشٍّ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ، أيْ بَلَغَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ الغَرَقِ أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ وصْفُهُ. قالَ في الكَشّافِ (هو مِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ) . وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ (﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في غَشِيَهم.
والإضْلالُ: الإيقاعُ في الضَّلالِ، وهو خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ. ويُسْتَعْمَلُ بِكَثْرَةٍ في مَعْنى الجَهالَةِ وعَمَلِ ما فِيهِ ضُرٌّ وهو المُرادُ هُنا. والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ أوْقَعَ قَوْمَهُ في الجَهالَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ بِما بَثَّ فِيهِمْ مِن قَلْبِ الحَقائِقِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ، فَلَمْ يُصادِفُوا السَّدادَ في أعْمالِهِمْ حَتّى كانَتْ خاتِمَتُها وُقُوعُهم غَرْقى في البَحْرِ بِعِنادِهِ في تَكْذِيبِ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وعَطْفُ (وما هَدى) عَلى (أضَلَّ): إمّا مِن عَطْفِ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ لِأنَّ عَدَمَ الهُدى يَصْدُقُ بِتَرْكِ الإرْشادِ مِن دُونِ إضْلالٍ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ مُؤَكِّدًا لِنَفْيِ الهُدى عَنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وما هَدى تَأْكِيدًا لِ أضَلَّ بِالمُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]) وقَوْلِ الأعْشى: (حُفاةً لا نِعالَ لَنا) مِن قَوْلِهِ:
إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ
وفِي الكَشّافِ: إنَّ نُكْتَةَ ذِكْرِ (وما هَدى) التَّهَكُّمُ بِفِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) اهـ.
يَعْنِي أنَّ في قَوْلِهِ (وما هَدى) تَلْمِيحًا إلى قِصَّةِ قَوْلِهِ المَحْكِيِّ في سُورَةِ غافِرٍ (﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) وما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣])، أيْ هي هُدًى، فَيَكُونُ مِنَ
صفحة ٢٧٣
التَّلْمِيحِ إلى لَفْظٍ وقَعَ في قِصَّةٍ مُفْضِيًا إلى التَّلْمِيحِ إلى القِصَّةِ كَما في قَوْلِ مُهَلْهَلٍ:
لَوْ كُشِفَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ∗∗∗ فَخُبِّرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
يُشِيرُ إلى قَوْلِ كُلَيْبٍ لَهُ عَلى وجْهِ المَلامَةِ: أنْتَ زِيرُ نِساءٍ.
طه 20:79
﴿فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ ما غَشِيَهُمْ﴾ ﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وما هَدى﴾ .
الفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ السّابِقُ، أيْ فَسَرى بِهِمْ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ، فَإنَّ فِرْعَوْنَ بَعْدَ أنْ رَأى آياتِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وعَلى قَوْمِهِ وأيْقَنَ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ تَأْيِيدٌ لِمُوسى أذِنَ لِمُوسى وهارُونَ أنْ يُخْرِجا بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ إذْنُ فِرْعَوْنَ قَدْ حَصَلَ لَيْلًا لِحُدُوثِ مَوَتانٍ عَظِيمٍ في القِبْطِ في لَيْلَةِ الشَّهْرِ السّابِعِ مِن أشْهُرِ القِبْطِ وهو شَهْرُ ”بَرَمْهاتَ“ وهو الَّذِي اتَّخَذَهُ اليَهُودُ رَأسَ سَنَتِهِمْ بِإذْنٍ مِنَ اللَّهِ وسَمَّوْهُ ”تِسَّرِي“ فَخَرَجُوا مِن مَدِينَةِ ”رَعْمِسِيسَ“ قاصِدِينَ شاطِئَ البَحْرِ الأحْمَرِ. ونَدِمَ فِرْعَوْنُ عَلى إطْلاقِهِمْ فَأرادَ أنْ يَلْحَقَهم لِيُرْجِعَهم إلى مَدِينَتِهِ، وخَرَجَ في مَرْكَبَتِهِ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ مَرْكَبَةٍ مُخْتارَةٍ ومَرْكَباتٍ أُخْرى تَحْمِلُ جَيْشَهُ.
وأتْبَعُ: مُرادِفُ تَبِعَ. والباءُ في بِجُنُودِهِ لِلْمُصاحَبَةِ.
واليَمُّ: البَحْرُ. وغِشْيانُهُ إيّاهم: تَغْطِيَتُهُ جُثَثَهم، أيْ فَغَرِقُوا.
صفحة ٢٧٢
وقَوْلُهُ (ما غَشِيَهم) يُفِيدُ ما أفادَهُ قَوْلُهُ (﴿فَغَشِيَهم مِنَ اليَمِّ﴾) إذْ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم غَشِيَهم غاشٍّ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ التَّهْوِيلُ، أيْ بَلَغَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ الغَرَقِ أنَّهُ لا يُسْتَطاعُ وصْفُهُ. قالَ في الكَشّافِ (هو مِن جَوامِعِ الكَلِمِ الَّتِي تَسْتَقِلُّ مَعَ قِلَّتِها بِالمَعانِي الكَثِيرَةِ) . وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ يُونُسَ.
وجُمْلَةُ (﴿وأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في غَشِيَهم.
والإضْلالُ: الإيقاعُ في الضَّلالِ، وهو خَطَأُ الطَّرِيقِ المُوَصِّلِ. ويُسْتَعْمَلُ بِكَثْرَةٍ في مَعْنى الجَهالَةِ وعَمَلِ ما فِيهِ ضُرٌّ وهو المُرادُ هُنا. والمَعْنى: أنَّ فِرْعَوْنَ أوْقَعَ قَوْمَهُ في الجَهالَةِ وسُوءِ العاقِبَةِ بِما بَثَّ فِيهِمْ مِن قَلْبِ الحَقائِقِ والجَهْلِ المُرَكَّبِ، فَلَمْ يُصادِفُوا السَّدادَ في أعْمالِهِمْ حَتّى كانَتْ خاتِمَتُها وُقُوعُهم غَرْقى في البَحْرِ بِعِنادِهِ في تَكْذِيبِ دَعْوَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وعَطْفُ (وما هَدى) عَلى (أضَلَّ): إمّا مِن عَطْفِ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ لِأنَّ عَدَمَ الهُدى يَصْدُقُ بِتَرْكِ الإرْشادِ مِن دُونِ إضْلالٍ؛ وإمّا أنْ يَكُونَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا بِالمُرادِفِ مُؤَكِّدًا لِنَفْيِ الهُدى عَنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ وما هَدى تَأْكِيدًا لِ أضَلَّ بِالمُرادِفِ كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ﴾ [النحل: ٢١]) وقَوْلِ الأعْشى: (حُفاةً لا نِعالَ لَنا) مِن قَوْلِهِ:
إمّا تَرَيْنا حُفاةً لا نِعالَ لَنا إنّا كَذَلِكَ ما نَحْفى ونَنْتَعِلُ
وفِي الكَشّافِ: إنَّ نُكْتَةَ ذِكْرِ (وما هَدى) التَّهَكُّمُ بِفِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ (﴿وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) اهـ.
يَعْنِي أنَّ في قَوْلِهِ (وما هَدى) تَلْمِيحًا إلى قِصَّةِ قَوْلِهِ المَحْكِيِّ في سُورَةِ غافِرٍ (﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكم إلّا ما أرى وما أهْدِيكم إلّا سَبِيلَ الرَّشادِ﴾ [غافر: ٢٩]) وما في هَذِهِ مِن قَوْلِهِ (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣])، أيْ هي هُدًى، فَيَكُونُ مِنَ
صفحة ٢٧٣
التَّلْمِيحِ إلى لَفْظٍ وقَعَ في قِصَّةٍ مُفْضِيًا إلى التَّلْمِيحِ إلى القِصَّةِ كَما في قَوْلِ مُهَلْهَلٍ:
لَوْ كُشِفَ المَقابِرُ عَنْ كُلَيْبٍ ∗∗∗ فَخُبِّرَ بِالذَّنائِبِ أيُّ زِيرِ
يُشِيرُ إلى قَوْلِ كُلَيْبٍ لَهُ عَلى وجْهِ المَلامَةِ: أنْتَ زِيرُ نِساءٍ.
طه 20:80
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطَّوْرِ الأيْمَنِ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ القِصَّةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]) الآيَةَ. وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعَمٍ أُخْرى. وقُدِّمَتْ عَلَيْها النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وهي خَلاصُهم مِنِ اسْتِعْبادِ الكَفَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قَدْ أنْجَيْناكم وواعَدْناكم) بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (قَدْ أنْجَيْتُكم) (ووَعَدْتُكم) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.
وذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾) . والمُواعَدَةُ: اتِّعادٌ مِن جانِبَيْنِ، أيْ أمَرْنا مُوسى
صفحة ٢٧٤
بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالمُناجاةِ، وامْتِثالُ مُوسى لِذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِهِ، فَتَمَّ مَعْنى المُواعَدَةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) .
ويَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ جاءُوا إلى بَرِّيَّةِ سَيْناءَ هُنالِكَ نَزَلَ إسْرائِيلُ مُقابِلَ الجَبَلِ. وأمّا مُوسى فَصَعِدَ إلى اللَّهِ فَناداهُ الرَّبُّ مِنَ الجَبَلِ قائِلًا: هَكَذا نَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ أنْتُمْ رَأيْتُمْ ما صَنَعْتُ بِالمِصْرِيِّينَ وأنا حَمَلْتُكم عَلى أجْنِحَةِ النُّسُورِ، أنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خاصَّةً. . .: إلَخْ.
وذِكْرُ الطُّورِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجانِبُ الطَّوْرِ: سَفْحُهُ. ووَصَفُهُ بِالأيْمَنِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ الشَّخْصِ المُسْتَقْبِلِ مَشْرِقَ الشَّمْسِ، وإلّا فَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وشِمالٌ مُعَيَّنانِ، وإنَّما تُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ أصْلِ الجِهاتِ وهو مَطْلَعُ الشَّمْسِ، فَهو الجانِبُ القِبْلِيُّ بِاصْطِلاحِنا. وجُعِلَ مَحَلُّ المُواعَدَةِ الجانِبَ القِبْلِيَّ ولَيْسَ هو مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ الَّذِي في سُورَةِ القَصَصِ (﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠])، وقالَ فِيها (﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]) فَهو جانِبٌ غَرْبِيٌّ، أيْ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَبَلِ، وهو الَّذِي آنَسَ مُوسى مِنهُ نارًا.
وانْتَصَبَ (جانِبُ الطَّوْرِ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لِأنَّهُ لِاتِّساعِهِ بِمَنزِلَةِ المَكانِ المُبْهَمِ.
ومَفْعُولُ المُواعَدَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: المُناجاةُ.
وتَعْدِيَةُ (واعَدْناكم) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَتْ مُواعَدَةً لِمُوسى ومَن مَعَهُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَومِهِ بِاعْتِبارِ
صفحة ٢٧٥
أنَّ المَقْصِدَ مِنَ المُواعَدَةِ وحْيُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَصِيرُ صَلاحًا لِلْأُمَّةِ فَكانَتِ المُواعَدَةُ مَعَ أُولَئِكَ كالمَوْاعَدَةِ مَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ (ونَزَّلَنا عَلَيْكُمُ) إلَخْ؛ فَبِاعْتِبارِ قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ (قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ تَكُونُ قِراءَةُ (ونَزَّلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ قَرِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ ولَيْسَ عَيْنُهُ، لِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ تُساوِي تاءَ المُتَكَلِّمِ.
والسَّلْوى: تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ ذَلِكَ في نِصْفِ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
وجُمْلَةُ كُلُوا مَقُولٌ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا أوْ قائِلِينَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ما رَزَقْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفُ (ما رَزَقَتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ.
والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ في الرِّزْقِ: النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِعِبادَةِ المُنْعِمِ.
وحَرْفُ (في) الظَّرْفِيَّةُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ شَبَّهَ مُلابَسَةَ الطُّغْيانِ لِلنِّعْمَةِ بِحُلُولِ الطُّغْيانِ فِيها تَشْبِيهًا لِلنِّعْمَةِ الكَثِيرَةِ بِالوِعاءِ المُحِيطِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ قَرِينَتُها.
والحُلُولُ: النُّزُولُ والإقامَةُ بِالمَكانِ؛ شُبِّهَتْ إصابَةُ آثارِ الغَضَبِ إيّاهم بِحُلُولِ الجَيْشِ ونَحْوِهِ بِدِيارِ قَوْمٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾) بِكَسْرِ الحاءِ وقَرَأُوا (﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾) بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى عَلى أنَّهُما فِعْلا - حَلَّ
صفحة ٢٧٦
الدَّيْنُ يُقالُ: حَلَّ الدَّيْنُ إذا آنَ أجَلُ أدائِهِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُ مِن حَلَّ بِالمَكانِ يَحُلُّ إذا نَزَلَ بِهِ. كَذا في الكَشّافِ ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ.
وهَذا مِمّا أهْمَلَهُ ابْنُ مالِكٍ في لامِيَّةِ الأفْعالِ. ولَمْ يَسْتَدْرِكْهُ شارِحُها بَحْرَقٌ اليَمَنِيُّ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ. ووَقَعَ في المِصْباحِ ما يُخالِفُهُ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، ولَمْ أقِفْ لَهم عَلى شاهِدٍ في ذَلِكَ.
وهَوى: سَقَطَ مِن عُلْوٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْهَلاكِ الَّذِي لا نُهُوضَ بَعْدَهُ، كَما قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، دُعاءً عَلَيْهِ، وكَما يُقالُ: ويْلَ أُمِّهِ، ومِنهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، فَأُرِيدَ هُوِيٌّ مَخْصُوصٌ، وهو الهُوِيُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَطْحٍ بِقَرِينَةِ التَّهْدِيدِ. وجُمْلَةُ (وإنِّي لِغَفّارٌ) إلى آخِرِها اسْتِطْرادٌ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ الطُّغْيانِ في النِّعْمَةِ بِالإرْشادِ إلى ما يُتَدارَكُ بِهِ الطُّغْيانُ إنْ وقَعَ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ومَعْنى (تابَ): نَدِمَ عَلى كُفْرِهِ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
وقَوْلُهُ (ثُمَّ اهْتَدى) (ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّبايُنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في المَنزِلَةِ كَما كانَتْ لِلتَّبايُنِ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ في الحُدُوثِ. ومَعْنى اهْتَدى: اسْتَمَرَّ عَلى الهُدى وثَبَتَ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]) .
والآياتُ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”الرَّبُّ إلَهٌ رَحِيمٌ ورَؤُوفٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الإحْسانِ غافِرُ الإثْمِ والخَطِيئَةِ ولَكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إبْراءً“ .
طه 20:81
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطَّوْرِ الأيْمَنِ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ القِصَّةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]) الآيَةَ. وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعَمٍ أُخْرى. وقُدِّمَتْ عَلَيْها النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وهي خَلاصُهم مِنِ اسْتِعْبادِ الكَفَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قَدْ أنْجَيْناكم وواعَدْناكم) بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (قَدْ أنْجَيْتُكم) (ووَعَدْتُكم) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.
وذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾) . والمُواعَدَةُ: اتِّعادٌ مِن جانِبَيْنِ، أيْ أمَرْنا مُوسى
صفحة ٢٧٤
بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالمُناجاةِ، وامْتِثالُ مُوسى لِذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِهِ، فَتَمَّ مَعْنى المُواعَدَةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) .
ويَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ جاءُوا إلى بَرِّيَّةِ سَيْناءَ هُنالِكَ نَزَلَ إسْرائِيلُ مُقابِلَ الجَبَلِ. وأمّا مُوسى فَصَعِدَ إلى اللَّهِ فَناداهُ الرَّبُّ مِنَ الجَبَلِ قائِلًا: هَكَذا نَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ أنْتُمْ رَأيْتُمْ ما صَنَعْتُ بِالمِصْرِيِّينَ وأنا حَمَلْتُكم عَلى أجْنِحَةِ النُّسُورِ، أنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خاصَّةً. . .: إلَخْ.
وذِكْرُ الطُّورِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجانِبُ الطَّوْرِ: سَفْحُهُ. ووَصَفُهُ بِالأيْمَنِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ الشَّخْصِ المُسْتَقْبِلِ مَشْرِقَ الشَّمْسِ، وإلّا فَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وشِمالٌ مُعَيَّنانِ، وإنَّما تُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ أصْلِ الجِهاتِ وهو مَطْلَعُ الشَّمْسِ، فَهو الجانِبُ القِبْلِيُّ بِاصْطِلاحِنا. وجُعِلَ مَحَلُّ المُواعَدَةِ الجانِبَ القِبْلِيَّ ولَيْسَ هو مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ الَّذِي في سُورَةِ القَصَصِ (﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠])، وقالَ فِيها (﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]) فَهو جانِبٌ غَرْبِيٌّ، أيْ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَبَلِ، وهو الَّذِي آنَسَ مُوسى مِنهُ نارًا.
وانْتَصَبَ (جانِبُ الطَّوْرِ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لِأنَّهُ لِاتِّساعِهِ بِمَنزِلَةِ المَكانِ المُبْهَمِ.
ومَفْعُولُ المُواعَدَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: المُناجاةُ.
وتَعْدِيَةُ (واعَدْناكم) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَتْ مُواعَدَةً لِمُوسى ومَن مَعَهُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَومِهِ بِاعْتِبارِ
صفحة ٢٧٥
أنَّ المَقْصِدَ مِنَ المُواعَدَةِ وحْيُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَصِيرُ صَلاحًا لِلْأُمَّةِ فَكانَتِ المُواعَدَةُ مَعَ أُولَئِكَ كالمَوْاعَدَةِ مَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ (ونَزَّلَنا عَلَيْكُمُ) إلَخْ؛ فَبِاعْتِبارِ قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ (قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ تَكُونُ قِراءَةُ (ونَزَّلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ قَرِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ ولَيْسَ عَيْنُهُ، لِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ تُساوِي تاءَ المُتَكَلِّمِ.
والسَّلْوى: تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ ذَلِكَ في نِصْفِ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
وجُمْلَةُ كُلُوا مَقُولٌ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا أوْ قائِلِينَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ما رَزَقْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفُ (ما رَزَقَتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ.
والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ في الرِّزْقِ: النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِعِبادَةِ المُنْعِمِ.
وحَرْفُ (في) الظَّرْفِيَّةُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ شَبَّهَ مُلابَسَةَ الطُّغْيانِ لِلنِّعْمَةِ بِحُلُولِ الطُّغْيانِ فِيها تَشْبِيهًا لِلنِّعْمَةِ الكَثِيرَةِ بِالوِعاءِ المُحِيطِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ قَرِينَتُها.
والحُلُولُ: النُّزُولُ والإقامَةُ بِالمَكانِ؛ شُبِّهَتْ إصابَةُ آثارِ الغَضَبِ إيّاهم بِحُلُولِ الجَيْشِ ونَحْوِهِ بِدِيارِ قَوْمٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾) بِكَسْرِ الحاءِ وقَرَأُوا (﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾) بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى عَلى أنَّهُما فِعْلا - حَلَّ
صفحة ٢٧٦
الدَّيْنُ يُقالُ: حَلَّ الدَّيْنُ إذا آنَ أجَلُ أدائِهِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُ مِن حَلَّ بِالمَكانِ يَحُلُّ إذا نَزَلَ بِهِ. كَذا في الكَشّافِ ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ.
وهَذا مِمّا أهْمَلَهُ ابْنُ مالِكٍ في لامِيَّةِ الأفْعالِ. ولَمْ يَسْتَدْرِكْهُ شارِحُها بَحْرَقٌ اليَمَنِيُّ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ. ووَقَعَ في المِصْباحِ ما يُخالِفُهُ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، ولَمْ أقِفْ لَهم عَلى شاهِدٍ في ذَلِكَ.
وهَوى: سَقَطَ مِن عُلْوٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْهَلاكِ الَّذِي لا نُهُوضَ بَعْدَهُ، كَما قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، دُعاءً عَلَيْهِ، وكَما يُقالُ: ويْلَ أُمِّهِ، ومِنهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، فَأُرِيدَ هُوِيٌّ مَخْصُوصٌ، وهو الهُوِيُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَطْحٍ بِقَرِينَةِ التَّهْدِيدِ. وجُمْلَةُ (وإنِّي لِغَفّارٌ) إلى آخِرِها اسْتِطْرادٌ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ الطُّغْيانِ في النِّعْمَةِ بِالإرْشادِ إلى ما يُتَدارَكُ بِهِ الطُّغْيانُ إنْ وقَعَ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ومَعْنى (تابَ): نَدِمَ عَلى كُفْرِهِ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
وقَوْلُهُ (ثُمَّ اهْتَدى) (ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّبايُنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في المَنزِلَةِ كَما كانَتْ لِلتَّبايُنِ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ في الحُدُوثِ. ومَعْنى اهْتَدى: اسْتَمَرَّ عَلى الهُدى وثَبَتَ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]) .
والآياتُ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”الرَّبُّ إلَهٌ رَحِيمٌ ورَؤُوفٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الإحْسانِ غافِرُ الإثْمِ والخَطِيئَةِ ولَكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إبْراءً“ .
طه 20:82
﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أنْجَيْناكم مِن عَدُوِّكم وواعَدْناكم جانِبَ الطَّوْرِ الأيْمَنِ ونَزَّلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ والسَّلْوى﴾ ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم ولا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبِي ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ ﴿وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا ثُمَّ اهْتَدى﴾ .
هَذِهِ الجُمَلُ مُعْتَرِضَةٌ في أثْناءِ القِصَّةِ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: ٧٤]) الآيَةَ. وهَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ في زَمَنِ النَّبِيءِ ﷺ تَذْكِيرًا لَهم بِنِعَمٍ أُخْرى. وقُدِّمَتْ عَلَيْها النِّعْمَةُ العَظِيمَةُ، وهي خَلاصُهم مِنِ اسْتِعْبادِ الكَفَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (قَدْ أنْجَيْناكم وواعَدْناكم) بِنُونِ العَظَمَةِ.
وقَرَأهُما حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ (قَدْ أنْجَيْتُكم) (ووَعَدْتُكم) بِتاءِ المُتَكَلِّمِ.
وذَكَّرَهم بِنِعْمَةِ نُزُولِ الشَّرِيعَةِ وهو ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنِ﴾) . والمُواعَدَةُ: اتِّعادٌ مِن جانِبَيْنِ، أيْ أمَرْنا مُوسى
صفحة ٢٧٤
بِالحُضُورِ لِلْمُناجاةِ فَذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِ اللَّهِ بِالمُناجاةِ، وامْتِثالُ مُوسى لِذَلِكَ وعَدٌ مِن جانِبِهِ، فَتَمَّ مَعْنى المُواعَدَةِ، كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ (﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]) .
ويَظْهَرُ أنَّ الآيَةَ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ ١٩ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ: في الشَّهْرِ الثّالِثِ بَعْدَ خُرُوجِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ جاءُوا إلى بَرِّيَّةِ سَيْناءَ هُنالِكَ نَزَلَ إسْرائِيلُ مُقابِلَ الجَبَلِ. وأمّا مُوسى فَصَعِدَ إلى اللَّهِ فَناداهُ الرَّبُّ مِنَ الجَبَلِ قائِلًا: هَكَذا نَقُولُ لِبَيْتِ يَعْقُوبَ أنْتُمْ رَأيْتُمْ ما صَنَعْتُ بِالمِصْرِيِّينَ وأنا حَمَلْتُكم عَلى أجْنِحَةِ النُّسُورِ، أنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خاصَّةً. . .: إلَخْ.
وذِكْرُ الطُّورِ تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجانِبُ الطَّوْرِ: سَفْحُهُ. ووَصَفُهُ بِالأيْمَنِ بِاعْتِبارِ جِهَةِ الشَّخْصِ المُسْتَقْبِلِ مَشْرِقَ الشَّمْسِ، وإلّا فَلَيْسَ لِلْجَبَلِ يَمِينٌ وشِمالٌ مُعَيَّنانِ، وإنَّما تُعْرَفُ بِمَعْرِفَةِ أصْلِ الجِهاتِ وهو مَطْلَعُ الشَّمْسِ، فَهو الجانِبُ القِبْلِيُّ بِاصْطِلاحِنا. وجُعِلَ مَحَلُّ المُواعَدَةِ الجانِبَ القِبْلِيَّ ولَيْسَ هو مِنَ الجانِبِ الغَرْبِيِّ الَّذِي في سُورَةِ القَصَصِ (﴿فَلَمّا أتاها نُودِيَ مِن شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠])، وقالَ فِيها (﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ إذْ قَضَيْنا إلى مُوسى الأمْرَ﴾ [القصص: ٤٤]) فَهو جانِبٌ غَرْبِيٌّ، أيْ مِن جِهَةِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنَ الجَبَلِ، وهو الَّذِي آنَسَ مُوسى مِنهُ نارًا.
وانْتَصَبَ (جانِبُ الطَّوْرِ) عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَكانِيَّةِ لِأنَّهُ لِاتِّساعِهِ بِمَنزِلَةِ المَكانِ المُبْهَمِ.
ومَفْعُولُ المُواعَدَةِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: المُناجاةُ.
وتَعْدِيَةُ (واعَدْناكم) إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ كانَتْ مُواعَدَةً لِمُوسى ومَن مَعَهُ الَّذِينَ اخْتارَهم مِن قَومِهِ بِاعْتِبارِ
صفحة ٢٧٥
أنَّ المَقْصِدَ مِنَ المُواعَدَةِ وحْيُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي تَصِيرُ صَلاحًا لِلْأُمَّةِ فَكانَتِ المُواعَدَةُ مَعَ أُولَئِكَ كالمَوْاعَدَةِ مَعَ جَمِيعِ الأُمَّةِ.
وقَرَأ الجَمِيعُ (ونَزَّلَنا عَلَيْكُمُ) إلَخْ؛ فَبِاعْتِبارِ قِراءَةِ حَمْزَةَ، والكِسائِيِّ، وخَلَفٍ (قَدْ أنْجَيْتُكم وواعَدْتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ تَكُونُ قِراءَةُ (ونَزَّلْنا) بِنُونِ العَظَمَةِ قَرِيبًا مِنَ الِالتِفاتِ ولَيْسَ عَيْنُهُ، لِأنَّ نُونَ العَظَمَةِ تُساوِي تاءَ المُتَكَلِّمِ.
والسَّلْوى: تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وكانَ ذَلِكَ في نِصْفِ الشَّهْرِ الثّانِي مِن خُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ.
وجُمْلَةُ كُلُوا مَقُولٌ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقُلْنا أوْ قائِلِينَ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ما رَزَقْناكم بِنُونِ العَظَمَةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفُ (ما رَزَقَتُكم) بِتاءِ المُفْرَدِ.
والطُّغْيانُ: أشَدُّ الكِبْرِ. ومَعْنى النَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ في الرِّزْقِ: النَّهْيُ عَنْ تَرْكِ الشُّكْرِ عَلَيْهِ وقِلَّةُ الِاكْتِراثِ بِعِبادَةِ المُنْعِمِ.
وحَرْفُ (في) الظَّرْفِيَّةُ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ؛ شَبَّهَ مُلابَسَةَ الطُّغْيانِ لِلنِّعْمَةِ بِحُلُولِ الطُّغْيانِ فِيها تَشْبِيهًا لِلنِّعْمَةِ الكَثِيرَةِ بِالوِعاءِ المُحِيطِ بِالمُنْعَمِ عَلَيْهِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ قَرِينَتُها.
والحُلُولُ: النُّزُولُ والإقامَةُ بِالمَكانِ؛ شُبِّهَتْ إصابَةُ آثارِ الغَضَبِ إيّاهم بِحُلُولِ الجَيْشِ ونَحْوِهِ بِدِيارِ قَوْمٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾) بِكَسْرِ الحاءِ وقَرَأُوا (﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي﴾) بِكَسْرِ اللّامِ الأُولى عَلى أنَّهُما فِعْلا - حَلَّ
صفحة ٢٧٦
الدَّيْنُ يُقالُ: حَلَّ الدَّيْنُ إذا آنَ أجَلُ أدائِهِ. وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِالضَّمِّ في الفِعْلَيْنِ عَلى أنَّهُ مِن حَلَّ بِالمَكانِ يَحُلُّ إذا نَزَلَ بِهِ. كَذا في الكَشّافِ ولَمْ يَتَعَقَّبُوهُ.
وهَذا مِمّا أهْمَلَهُ ابْنُ مالِكٍ في لامِيَّةِ الأفْعالِ. ولَمْ يَسْتَدْرِكْهُ شارِحُها بَحْرَقٌ اليَمَنِيُّ في الشَّرْحِ الكَبِيرِ. ووَقَعَ في المِصْباحِ ما يُخالِفُهُ ولا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وظاهِرُ القامُوسِ أنَّ حَلَّ بِمَعْنى نَزَلَ يُسْتَعْمَلُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا، ولَمْ أقِفْ لَهم عَلى شاهِدٍ في ذَلِكَ.
وهَوى: سَقَطَ مِن عُلْوٍ، وقَدِ اسْتُعِيرَ هُنا لِلْهَلاكِ الَّذِي لا نُهُوضَ بَعْدَهُ، كَما قالُوا: هَوَتْ أُمُّهُ، دُعاءً عَلَيْهِ، وكَما يُقالُ: ويْلَ أُمِّهِ، ومِنهُ: فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ، فَأُرِيدَ هُوِيٌّ مَخْصُوصٌ، وهو الهُوِيُّ مِن جَبَلٍ أوْ سَطْحٍ بِقَرِينَةِ التَّهْدِيدِ. وجُمْلَةُ (وإنِّي لِغَفّارٌ) إلى آخِرِها اسْتِطْرادٌ بَعْدَ التَّحْذِيرِ مِنَ الطُّغْيانِ في النِّعْمَةِ بِالإرْشادِ إلى ما يُتَدارَكُ بِهِ الطُّغْيانُ إنْ وقَعَ بِالتَّوْبَةِ والعَمَلِ الصّالِحِ. ومَعْنى (تابَ): نَدِمَ عَلى كُفْرِهِ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحًا.
وقَوْلُهُ (ثُمَّ اهْتَدى) (ثُمَّ) فِيهِ لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ؛ اسْتُعِيرَتْ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّبايُنِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ في المَنزِلَةِ كَما كانَتْ لِلتَّبايُنِ بَيْنَ الوَقْتَيْنِ في الحُدُوثِ. ومَعْنى اهْتَدى: اسْتَمَرَّ عَلى الهُدى وثَبَتَ عَلَيْهِ، فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى (﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [الأحقاف: ١٣]) .
والآياتُ تُشِيرُ إلى ما جاءَ في الإصْحاحِ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ ”الرَّبُّ إلَهٌ رَحِيمٌ ورَؤُوفٌ بَطِيءُ الغَضَبِ وكَثِيرُ الإحْسانِ غافِرُ الإثْمِ والخَطِيئَةِ ولَكِنَّهُ لَنْ يُبْرِئَ إبْراءً“ .
طه 20:83
صفحة ٢٧٧
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧]) الواقِعَةِ تَفْسِيرًا لِفِعْلِ (﴿أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [طه: ٧٧])، فَقَوْلُهُ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾) هو مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُوسى. والتَّقْدِيرُ: وأنْ: ما أعْجَلَكَ إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى ما وقَعَ لَهم أيّامَ مُناجاةِ مُوسى في الطَّوْرِ في الشَّهْرِ الثّالِثِ لِخُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإعْجالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عاجِلًا.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وتُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ مُفارَقَةَ قَوْمِهِ لِيَحْضُرَ إلى المُناجاةِ قَبْلَ الإبّانِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ، اجْتِهادًا مِنهُ ورَغْبَةً في تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ حَسْبَما وعَدَهُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بَنُو إسْرائِيلَ بِجَبَلِ الطُّورِ، ولَمْ يُراعِ في ذَلِكَ إلّا السَّبْقَ إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ، فَلامَهُ اللَّهُ عَلى أنْ غَفَلَ عَنْ مُراعاةِ ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنِ ابْتِعادِهِ عَنْ قَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُوصِيَهُمُ اللَّهُ بِالمُحافَظَةِ عَلى العَهْدِ ويُحَذِّرَهم مَكْرَ مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ مَكَرًا، فَكانَ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ ﷺ راكِعًا فَرَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .
وقَرِيبٌ مِن تَصَرُّفِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْذُ المُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَهُ مَعارِضٌ دُونَ عِلْمٍ بِمُعارَضَةٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ افْتِتانِ قَوْمِهِ بِصُنْعِ صَنَمٍ يَعْبُدُونَهُ.
صفحة ٢٧٨
ولَيْسَ في كِتابِ التَّوْراةِ ما يُشِيرُ إلى أكْثَرَ مِن صُنْعِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ مِن ذَهَبٍ اتَّخَذُوهُ إلَهًا في مُدَّةِ مَغِيبِ مُوسى، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ اسْتِبْطاؤُهم رُجُوعَ مُوسى (﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١]) .
وقَوْلُهُ هُنا (﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا سائِرِينَ خَلْفَهُ وأنَّهُ سَبَقَهم إلى المُناجاةِ. واعْتَذَرَ عَنْ تَعَجُّلِهِ بِأنَّهُ عَجِلَ إلى اسْتِجابَةِ أمْرِ اللَّهِ مُبالَغَةً في إرْضائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى (﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾) فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المَلامِ عَلى التَّعَجُّلِ بِأنَّهُ تَسَبَّبَ عَلَيْهِ حُدُوثُ فِتْنَةٍ في قَوْمِهِ؛ لِيُعْلِمَهُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ما وُقِّتَ لَهُ ولَوْ كانَ لِرَغْبَةٍ في ازْدِيادٍ مِنَ الخَيْرِ.
والأثَرُ - بِفُتْحَتَيْنِ -: ما يَتْرُكْهُ الماشِي عَلى الأرْضِ مِن عَلاماتِ قَدَمٍ أوْ حافِرٍ أوْ خُفٍّ. ويُقالُ: إثْرٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ - وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ كَما ذَكَرَ ثَعْلَبُ. فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: جاءَ عَلى إثْرِهِ، جاءَ مُوالِيًا لَهُ بِقُرْبِ مَجِيئِهِ، شَبَّهَ الجائِيَ المُوالِيَ بِالَّذِي يَمْشِي عَلى عَلاماتِ أقْدامِ مَن مَشى قَبْلَ أنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ الأثَرُ بِأقْدامٍ أُخْرى، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو مُوالاتُهُ وأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ.
والمَعْنى: هم أُولاءِ سائِرُونَ عَلى مَواقِعِ أقْدامِي، أيْ مُوالُونَ لِي في الوُصُولِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: («وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي» )، تَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ سائِرِينَ عَلى آثارِ قَدَمِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى أثَرَيْ) بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.
واسْتُعْمِلَ تَرْكِيبُ (همْ أُولاءِ) مُجَرَّدًا عَنْ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في أوَّلِ اسْمِ الإشارَةِ خِلافًا لِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ (﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩]) .
صفحة ٢٧٩
وتَجْرِيدُ اسْمِ الإشارَةِ مِن هاءِ التَّنْبِيهِ اسْتِعْمالٌ جائِزٌ وأقَلُّ مِنهُ اسْتِعْمالُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ الضَّمِيرِ دُونَ اسْمِ الإشارَةِ، نَحْوَ قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ:
ها أنا دُونَ الحَبِيبِ يا وجَعُ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإسْنادُ الفِتَنِ إلى اللَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُقَدِّرُهُ وخالِقُ أسْبابِهِ البَعِيدَةِ. وأمّا إسْنادُهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾) لِأنَّهُ السَّبَبُ المُباشِرُ لِضَلالِهِمُ المُسَبِّبِ لِفِتْنَتِهِمْ.
والسّامِرِيُّ يَظْهَرُ أنَّ ياءَهُ ياءُ نِسْبَةٍ، وأنَّ تَعْرِيفَهُ بِاللّامِ لِلْعَهْدِ. فَأمّا النِّسْبَةُ فَأصْلُها في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ تَكُونَ إلى القَبائِلِ والعَشائِرِ؛ فالسّامِرِيُّ نُسِبَ إلى اسْمِ أبِي قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ غَيْرِهِمْ يُقارِبُ اسْمُهُ لَفْظَ سامِرَ، وقَدْ كانَ مِنَ الأسْماءِ القَدِيمَةِ (شُومَرَ) و(شامِرَ) وهُما يُقارِبانِ اسْمَ سامِرَ لا سِيَّما مَعَ التَّعْرِيبِ.
وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ: السّامِرِيُّ نِسْبَةٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَها: (السّامِرَةُ) اهـ.
أخَذْنا مِن كَلامِ البَيْضاوِيِّ أنَّ السّامِرِيَّ مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ وأمّا قَوْلُهُ (مِن بَنِي إسْرائِيلَ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأنَّ السّامِرَةَ أُمَّةٌ مِن سُكّانِ فِلَسْطِينَ في جِهَةِ نابُلُسَ في عَهْدِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ (البِيزَنْطِيَّةِ) وكانُوا في فِلَسْطِينَ قَبْلَ مَصِيرِ فِلَسْطِينَ بِيَدِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ امْتَزَجُوا بِالإسْرائِيلِيِّينَ واتَّبَعُوا شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَخالُفٍ في طَرِيقَتِهِمْ عَنْ طَرِيقَةِ اليَهُودِ. فَلَيْسَ هو مَنسُوبًا إلى مَدِينَةِ السّامِرَةِ القَرِيبَةِ مِن نابُلُسَ لِأنَّ مَدِينَةَ السّامِرَةِ بَناها المَلِكُ عَمْرِي مَلِكُ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ سَنَةَ ٩٢٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وجَعَلَها قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ، وسَمّاها (شُومِيرُونَ) لِأنَّهُ بَناها عَلى جَبَلٍ اشْتَراهُ مِن رَجُلٍ اسْمُهُ (شامِرَ) بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الفِضَّةِ، فَعُرِّبَتْ
صفحة ٢٨٠
فِي العَرَبِيَّةِ إلى سامِرَةَ، وكانَ اليَهُودُ يَعُدُّونَها مَدِينَةَ كُفْرٍ وجَوْرٍ، لِأنَّ عَمْرِي بانِيها وابْنَهُ (آخابَ) قَدْ أفْسَدُوا دِيانَةَ التَّوْراةِ وعَبَدا الأصْنامَ الكَنْعانِيَّةَ. وأمَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ إلْياسَ بِتَوْبِيخِهِما والتَّثْوِيرِ عَلَيْهِما، فَلا جَرَمَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً زَمَنَ مُوسى ولا كانَتْ ناحِيَتُها مِن أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ زَمَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ نَسَبًا إلى قَرْيَةٍ اسْمُها السّامِرَةُ مِن قُرى مِصْرَ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَيَكُونُ فَتًى قِبْطِيًّا انْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَعَلُّقِهِ بِهِمْ في مِصْرَ أوْ لِصِناعَةٍ يَصْنَعُها لَهم. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ مِن أهْلِ (كِرْمانَ)، وهَذا يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ تَعْرِيبَ كِرْمانِيٍّ بِتَبْدِيلِ بَعْضِ الحُرُوفِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في التَّعْرِيبِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الياءُ مِنَ السّامِرِيِّ غَيْرَ ياءِ نَسَبٍ، بَلْ حَرْفًا مِنِ اسْمٍ مِثْلَ: ياءُ عَلِيٍّ وكُرْسِيٍّ، فَيَكُونُ اسْمًا أصْلِيًّا أوْ مَنقُولًا في العَبْرانِيَّةِ، وتَكُونُ اللّامُ في أوَّلِهِ زائِدَةً.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والقُرْطُبِيُّ خَلِيطًا مِنَ القِصَّةِ: أنَّ السّامِرِيَّ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ - بِفَتْحِ الظّاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الفاءِ - وأنَّهُ ابْنُ خالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ ابْنُ خالِهِ، وأنَّهُ كَفَرَ بِدِينِ مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ تَفاصِيلًا تَشْمَئِزُّ النَّفْسُ مِنها.
واعْلَمْ أنَّ السّامِرِيِّينَ لَقَبٌ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهم أيْضًا السّامِرَةُ، لَهم مَذْهَبٌ خاصٌّ مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ جَماعَةِ اليَهُودِيَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ، فَهم لا يُعَظِّمُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ويُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَدا مُوسى وهارُونَ ويُوشَعَ، وما كانَتْ هَذِهِ الشُّذُوذاتِ فِيهِمْ إلّا مِن بَقايا تَعالِيمِ الإلْحادِ الَّتِي كانُوا يَتَلَقَّوْنَها في مَدِينَةِ السّامِرَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّساهُلِ والِاسْتِخْفافِ بِأُصُولِ الدِّينِ والتَّرَخُّصِ في تَعْظِيمِ آلِهَةِ
صفحة ٢٨١
جِيرَتِهِمُ الكَنْعانِيِّينَ أصْهارَ مُلُوكِهِمْ، ودامَ ذَلِكَ الشُّذُوذُ فِيهِمْ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَفي إنْجِيلِ مَتّى إصْحاحٌ ١٠ وفي إنْجِيلِ لُوقا إصْحاحٌ ٩ ما يَقْتَضِي أنَّ بَلْدَةَ السّامِرِيِّينَ كانَتْ مُنْحَرِفَةً عَلى أتْباعِ المَسِيحِ، وأنَّهُ نَهى الحَوارِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَدِينَتِهِمْ.
ووَقَعَتْ في كِتابِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ زَلَّةٌ كُبْرى، إذْ زَعَمُوا أنَّ هارُونَ صَنَعَ العِجْلَ لَهم لَمّا قالُوا لَهُ: اصْنَعْ لَنا آلِهَةً تَسِيرُ أمامَنا لِأنّا لا نَعْلَمُ ماذا أصابَ مُوسى في الجَبَلِ فَصَنَعَ لَهم عِجْلًا مِن ذَهَبٍ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا مِن آثارِ تَلاشِي التَّوْراةِ الأصْلِيَّةِ بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ، وأنَّ الَّذِي أعادَ كَتْبُها لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ هَذِهِ القِصَّةِ. ومِمّا نَقْطَعُ بِهِ أنَّ هارُونَ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ رَسُولٌ.
طه 20:84
صفحة ٢٧٧
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧]) الواقِعَةِ تَفْسِيرًا لِفِعْلِ (﴿أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [طه: ٧٧])، فَقَوْلُهُ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾) هو مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُوسى. والتَّقْدِيرُ: وأنْ: ما أعْجَلَكَ إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى ما وقَعَ لَهم أيّامَ مُناجاةِ مُوسى في الطَّوْرِ في الشَّهْرِ الثّالِثِ لِخُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإعْجالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عاجِلًا.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وتُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ مُفارَقَةَ قَوْمِهِ لِيَحْضُرَ إلى المُناجاةِ قَبْلَ الإبّانِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ، اجْتِهادًا مِنهُ ورَغْبَةً في تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ حَسْبَما وعَدَهُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بَنُو إسْرائِيلَ بِجَبَلِ الطُّورِ، ولَمْ يُراعِ في ذَلِكَ إلّا السَّبْقَ إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ، فَلامَهُ اللَّهُ عَلى أنْ غَفَلَ عَنْ مُراعاةِ ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنِ ابْتِعادِهِ عَنْ قَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُوصِيَهُمُ اللَّهُ بِالمُحافَظَةِ عَلى العَهْدِ ويُحَذِّرَهم مَكْرَ مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ مَكَرًا، فَكانَ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ ﷺ راكِعًا فَرَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .
وقَرِيبٌ مِن تَصَرُّفِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْذُ المُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَهُ مَعارِضٌ دُونَ عِلْمٍ بِمُعارَضَةٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ افْتِتانِ قَوْمِهِ بِصُنْعِ صَنَمٍ يَعْبُدُونَهُ.
صفحة ٢٧٨
ولَيْسَ في كِتابِ التَّوْراةِ ما يُشِيرُ إلى أكْثَرَ مِن صُنْعِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ مِن ذَهَبٍ اتَّخَذُوهُ إلَهًا في مُدَّةِ مَغِيبِ مُوسى، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ اسْتِبْطاؤُهم رُجُوعَ مُوسى (﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١]) .
وقَوْلُهُ هُنا (﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا سائِرِينَ خَلْفَهُ وأنَّهُ سَبَقَهم إلى المُناجاةِ. واعْتَذَرَ عَنْ تَعَجُّلِهِ بِأنَّهُ عَجِلَ إلى اسْتِجابَةِ أمْرِ اللَّهِ مُبالَغَةً في إرْضائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى (﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾) فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المَلامِ عَلى التَّعَجُّلِ بِأنَّهُ تَسَبَّبَ عَلَيْهِ حُدُوثُ فِتْنَةٍ في قَوْمِهِ؛ لِيُعْلِمَهُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ما وُقِّتَ لَهُ ولَوْ كانَ لِرَغْبَةٍ في ازْدِيادٍ مِنَ الخَيْرِ.
والأثَرُ - بِفُتْحَتَيْنِ -: ما يَتْرُكْهُ الماشِي عَلى الأرْضِ مِن عَلاماتِ قَدَمٍ أوْ حافِرٍ أوْ خُفٍّ. ويُقالُ: إثْرٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ - وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ كَما ذَكَرَ ثَعْلَبُ. فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: جاءَ عَلى إثْرِهِ، جاءَ مُوالِيًا لَهُ بِقُرْبِ مَجِيئِهِ، شَبَّهَ الجائِيَ المُوالِيَ بِالَّذِي يَمْشِي عَلى عَلاماتِ أقْدامِ مَن مَشى قَبْلَ أنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ الأثَرُ بِأقْدامٍ أُخْرى، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو مُوالاتُهُ وأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ.
والمَعْنى: هم أُولاءِ سائِرُونَ عَلى مَواقِعِ أقْدامِي، أيْ مُوالُونَ لِي في الوُصُولِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: («وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي» )، تَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ سائِرِينَ عَلى آثارِ قَدَمِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى أثَرَيْ) بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.
واسْتُعْمِلَ تَرْكِيبُ (همْ أُولاءِ) مُجَرَّدًا عَنْ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في أوَّلِ اسْمِ الإشارَةِ خِلافًا لِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ (﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩]) .
صفحة ٢٧٩
وتَجْرِيدُ اسْمِ الإشارَةِ مِن هاءِ التَّنْبِيهِ اسْتِعْمالٌ جائِزٌ وأقَلُّ مِنهُ اسْتِعْمالُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ الضَّمِيرِ دُونَ اسْمِ الإشارَةِ، نَحْوَ قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ:
ها أنا دُونَ الحَبِيبِ يا وجَعُ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإسْنادُ الفِتَنِ إلى اللَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُقَدِّرُهُ وخالِقُ أسْبابِهِ البَعِيدَةِ. وأمّا إسْنادُهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾) لِأنَّهُ السَّبَبُ المُباشِرُ لِضَلالِهِمُ المُسَبِّبِ لِفِتْنَتِهِمْ.
والسّامِرِيُّ يَظْهَرُ أنَّ ياءَهُ ياءُ نِسْبَةٍ، وأنَّ تَعْرِيفَهُ بِاللّامِ لِلْعَهْدِ. فَأمّا النِّسْبَةُ فَأصْلُها في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ تَكُونَ إلى القَبائِلِ والعَشائِرِ؛ فالسّامِرِيُّ نُسِبَ إلى اسْمِ أبِي قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ غَيْرِهِمْ يُقارِبُ اسْمُهُ لَفْظَ سامِرَ، وقَدْ كانَ مِنَ الأسْماءِ القَدِيمَةِ (شُومَرَ) و(شامِرَ) وهُما يُقارِبانِ اسْمَ سامِرَ لا سِيَّما مَعَ التَّعْرِيبِ.
وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ: السّامِرِيُّ نِسْبَةٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَها: (السّامِرَةُ) اهـ.
أخَذْنا مِن كَلامِ البَيْضاوِيِّ أنَّ السّامِرِيَّ مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ وأمّا قَوْلُهُ (مِن بَنِي إسْرائِيلَ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأنَّ السّامِرَةَ أُمَّةٌ مِن سُكّانِ فِلَسْطِينَ في جِهَةِ نابُلُسَ في عَهْدِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ (البِيزَنْطِيَّةِ) وكانُوا في فِلَسْطِينَ قَبْلَ مَصِيرِ فِلَسْطِينَ بِيَدِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ امْتَزَجُوا بِالإسْرائِيلِيِّينَ واتَّبَعُوا شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَخالُفٍ في طَرِيقَتِهِمْ عَنْ طَرِيقَةِ اليَهُودِ. فَلَيْسَ هو مَنسُوبًا إلى مَدِينَةِ السّامِرَةِ القَرِيبَةِ مِن نابُلُسَ لِأنَّ مَدِينَةَ السّامِرَةِ بَناها المَلِكُ عَمْرِي مَلِكُ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ سَنَةَ ٩٢٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وجَعَلَها قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ، وسَمّاها (شُومِيرُونَ) لِأنَّهُ بَناها عَلى جَبَلٍ اشْتَراهُ مِن رَجُلٍ اسْمُهُ (شامِرَ) بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الفِضَّةِ، فَعُرِّبَتْ
صفحة ٢٨٠
فِي العَرَبِيَّةِ إلى سامِرَةَ، وكانَ اليَهُودُ يَعُدُّونَها مَدِينَةَ كُفْرٍ وجَوْرٍ، لِأنَّ عَمْرِي بانِيها وابْنَهُ (آخابَ) قَدْ أفْسَدُوا دِيانَةَ التَّوْراةِ وعَبَدا الأصْنامَ الكَنْعانِيَّةَ. وأمَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ إلْياسَ بِتَوْبِيخِهِما والتَّثْوِيرِ عَلَيْهِما، فَلا جَرَمَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً زَمَنَ مُوسى ولا كانَتْ ناحِيَتُها مِن أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ زَمَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ نَسَبًا إلى قَرْيَةٍ اسْمُها السّامِرَةُ مِن قُرى مِصْرَ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَيَكُونُ فَتًى قِبْطِيًّا انْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَعَلُّقِهِ بِهِمْ في مِصْرَ أوْ لِصِناعَةٍ يَصْنَعُها لَهم. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ مِن أهْلِ (كِرْمانَ)، وهَذا يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ تَعْرِيبَ كِرْمانِيٍّ بِتَبْدِيلِ بَعْضِ الحُرُوفِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في التَّعْرِيبِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الياءُ مِنَ السّامِرِيِّ غَيْرَ ياءِ نَسَبٍ، بَلْ حَرْفًا مِنِ اسْمٍ مِثْلَ: ياءُ عَلِيٍّ وكُرْسِيٍّ، فَيَكُونُ اسْمًا أصْلِيًّا أوْ مَنقُولًا في العَبْرانِيَّةِ، وتَكُونُ اللّامُ في أوَّلِهِ زائِدَةً.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والقُرْطُبِيُّ خَلِيطًا مِنَ القِصَّةِ: أنَّ السّامِرِيَّ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ - بِفَتْحِ الظّاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الفاءِ - وأنَّهُ ابْنُ خالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ ابْنُ خالِهِ، وأنَّهُ كَفَرَ بِدِينِ مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ تَفاصِيلًا تَشْمَئِزُّ النَّفْسُ مِنها.
واعْلَمْ أنَّ السّامِرِيِّينَ لَقَبٌ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهم أيْضًا السّامِرَةُ، لَهم مَذْهَبٌ خاصٌّ مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ جَماعَةِ اليَهُودِيَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ، فَهم لا يُعَظِّمُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ويُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَدا مُوسى وهارُونَ ويُوشَعَ، وما كانَتْ هَذِهِ الشُّذُوذاتِ فِيهِمْ إلّا مِن بَقايا تَعالِيمِ الإلْحادِ الَّتِي كانُوا يَتَلَقَّوْنَها في مَدِينَةِ السّامِرَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّساهُلِ والِاسْتِخْفافِ بِأُصُولِ الدِّينِ والتَّرَخُّصِ في تَعْظِيمِ آلِهَةِ
صفحة ٢٨١
جِيرَتِهِمُ الكَنْعانِيِّينَ أصْهارَ مُلُوكِهِمْ، ودامَ ذَلِكَ الشُّذُوذُ فِيهِمْ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَفي إنْجِيلِ مَتّى إصْحاحٌ ١٠ وفي إنْجِيلِ لُوقا إصْحاحٌ ٩ ما يَقْتَضِي أنَّ بَلْدَةَ السّامِرِيِّينَ كانَتْ مُنْحَرِفَةً عَلى أتْباعِ المَسِيحِ، وأنَّهُ نَهى الحَوارِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَدِينَتِهِمْ.
ووَقَعَتْ في كِتابِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ زَلَّةٌ كُبْرى، إذْ زَعَمُوا أنَّ هارُونَ صَنَعَ العِجْلَ لَهم لَمّا قالُوا لَهُ: اصْنَعْ لَنا آلِهَةً تَسِيرُ أمامَنا لِأنّا لا نَعْلَمُ ماذا أصابَ مُوسى في الجَبَلِ فَصَنَعَ لَهم عِجْلًا مِن ذَهَبٍ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا مِن آثارِ تَلاشِي التَّوْراةِ الأصْلِيَّةِ بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ، وأنَّ الَّذِي أعادَ كَتْبُها لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ هَذِهِ القِصَّةِ. ومِمّا نَقْطَعُ بِهِ أنَّ هارُونَ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ رَسُولٌ.
طه 20:85
صفحة ٢٧٧
﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى﴾ ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ ﴿قالَ فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿أسْرِ بِعِبادِي﴾ [طه: ٧٧]) الواقِعَةِ تَفْسِيرًا لِفِعْلِ (﴿أوْحَيْنا إلى مُوسى﴾ [طه: ٧٧])، فَقَوْلُهُ (﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾) هو مِمّا أوْحى اللَّهُ بِهِ إلى مُوسى. والتَّقْدِيرُ: وأنْ: ما أعْجَلَكَ إلَخْ. وهو إشارَةٌ إلى ما وقَعَ لَهم أيّامَ مُناجاةِ مُوسى في الطَّوْرِ في الشَّهْرِ الثّالِثِ لِخُرُوجِهِمْ مِن مِصْرَ. وهَذا الجُزْءُ مِنَ القِصَّةِ لَمْ يُذْكَرْ في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإعْجالُ: جَعْلُ الشَّيْءِ عاجِلًا.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ. والَّذِي يُؤْخَذُ مِن كَلامِ المُفَسِّرِينَ وتُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ: أنَّ مُوسى تَعَجَّلَ مُفارَقَةَ قَوْمِهِ لِيَحْضُرَ إلى المُناجاةِ قَبْلَ الإبّانِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ، اجْتِهادًا مِنهُ ورَغْبَةً في تَلَقِّي الشَّرِيعَةِ حَسْبَما وعَدَهُ اللَّهُ قَبْلَ أنْ يُحِيطَ بَنُو إسْرائِيلَ بِجَبَلِ الطُّورِ، ولَمْ يُراعِ في ذَلِكَ إلّا السَّبْقَ إلى ما فِيهِ خَيْرٌ لِنَفْسِهِ ولِقَوْمِهِ، فَلامَهُ اللَّهُ عَلى أنْ غَفَلَ عَنْ مُراعاةِ ما يَحُفُّ بِذَلِكَ مِنِ ابْتِعادِهِ عَنْ قَوْمِهِ قَبْلَ أنْ يُوصِيَهُمُ اللَّهُ بِالمُحافَظَةِ عَلى العَهْدِ ويُحَذِّرَهم مَكْرَ مَن يَتَوَسَّمُ فِيهِ مَكَرًا، فَكانَ في ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ أبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ ﷺ راكِعًا فَرَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ فَقالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ: «زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .
وقَرِيبٌ مِن تَصَرُّفِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أخْذُ المُجْتَهِدِ بِالدَّلِيلِ الَّذِي لَهُ مَعارِضٌ دُونَ عِلْمٍ بِمُعارَضَةٍ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ افْتِتانِ قَوْمِهِ بِصُنْعِ صَنَمٍ يَعْبُدُونَهُ.
صفحة ٢٧٨
ولَيْسَ في كِتابِ التَّوْراةِ ما يُشِيرُ إلى أكْثَرَ مِن صُنْعِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ مِن ذَهَبٍ اتَّخَذُوهُ إلَهًا في مُدَّةِ مَغِيبِ مُوسى، وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ اسْتِبْطاؤُهم رُجُوعَ مُوسى (﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾ [طه: ٩١]) .
وقَوْلُهُ هُنا (﴿هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾) يَدُلُّ عَلى أنَّهم كانُوا سائِرِينَ خَلْفَهُ وأنَّهُ سَبَقَهم إلى المُناجاةِ. واعْتَذَرَ عَنْ تَعَجُّلِهِ بِأنَّهُ عَجِلَ إلى اسْتِجابَةِ أمْرِ اللَّهِ مُبالَغَةً في إرْضائِهِ، فَقَوْلُهُ تَعالى (﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾) فِيهِ ضَرْبٌ مِنَ المَلامِ عَلى التَّعَجُّلِ بِأنَّهُ تَسَبَّبَ عَلَيْهِ حُدُوثُ فِتْنَةٍ في قَوْمِهِ؛ لِيُعْلِمَهُ أنْ لا يَتَجاوَزَ ما وُقِّتَ لَهُ ولَوْ كانَ لِرَغْبَةٍ في ازْدِيادٍ مِنَ الخَيْرِ.
والأثَرُ - بِفُتْحَتَيْنِ -: ما يَتْرُكْهُ الماشِي عَلى الأرْضِ مِن عَلاماتِ قَدَمٍ أوْ حافِرٍ أوْ خُفٍّ. ويُقالُ: إثْرٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ - وهُما لُغَتانِ فَصِيحَتانِ كَما ذَكَرَ ثَعْلَبُ. فَمَعْنى قَوْلِهِمْ: جاءَ عَلى إثْرِهِ، جاءَ مُوالِيًا لَهُ بِقُرْبِ مَجِيئِهِ، شَبَّهَ الجائِيَ المُوالِيَ بِالَّذِي يَمْشِي عَلى عَلاماتِ أقْدامِ مَن مَشى قَبْلَ أنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ الأثَرُ بِأقْدامٍ أُخْرى، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو مُوالاتُهُ وأنَّهُ لَمْ يَسْبِقْهُ غَيْرُهُ.
والمَعْنى: هم أُولاءِ سائِرُونَ عَلى مَواقِعِ أقْدامِي، أيْ مُوالُونَ لِي في الوُصُولِ. ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ: («وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي» )، تَقْدِيرُهُ: يُحْشَرُونَ سائِرِينَ عَلى آثارِ قَدَمِي.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (عَلى أثَرَيْ) بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ رُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الثّاءِ.
واسْتُعْمِلَ تَرْكِيبُ (همْ أُولاءِ) مُجَرَّدًا عَنْ حَرْفِ التَّنْبِيهِ في أوَّلِ اسْمِ الإشارَةِ خِلافًا لِقَوْلِهِ في سُورَةِ النِّساءِ (﴿ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ جادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩]) .
صفحة ٢٧٩
وتَجْرِيدُ اسْمِ الإشارَةِ مِن هاءِ التَّنْبِيهِ اسْتِعْمالٌ جائِزٌ وأقَلُّ مِنهُ اسْتِعْمالُهُ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ مَعَ الضَّمِيرِ دُونَ اسْمِ الإشارَةِ، نَحْوَ قَوْلِ عَبْدِ بَنِي الحَسْحاسِ:
ها أنا دُونَ الحَبِيبِ يا وجَعُ
وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ها أنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وإسْنادُ الفِتَنِ إلى اللَّهِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مُقَدِّرُهُ وخالِقُ أسْبابِهِ البَعِيدَةِ. وأمّا إسْنادُهُ الحَقِيقِيُّ فَهو الَّذِي في قَوْلِهِ (﴿وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾) لِأنَّهُ السَّبَبُ المُباشِرُ لِضَلالِهِمُ المُسَبِّبِ لِفِتْنَتِهِمْ.
والسّامِرِيُّ يَظْهَرُ أنَّ ياءَهُ ياءُ نِسْبَةٍ، وأنَّ تَعْرِيفَهُ بِاللّامِ لِلْعَهْدِ. فَأمّا النِّسْبَةُ فَأصْلُها في الكَلامِ العَرَبِيِّ أنْ تَكُونَ إلى القَبائِلِ والعَشائِرِ؛ فالسّامِرِيُّ نُسِبَ إلى اسْمِ أبِي قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ غَيْرِهِمْ يُقارِبُ اسْمُهُ لَفْظَ سامِرَ، وقَدْ كانَ مِنَ الأسْماءِ القَدِيمَةِ (شُومَرَ) و(شامِرَ) وهُما يُقارِبانِ اسْمَ سامِرَ لا سِيَّما مَعَ التَّعْرِيبِ.
وفِي أنْوارِ التَّنْزِيلِ: السّامِرِيُّ نِسْبَةٌ إلى قَبِيلَةٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُقالُ لَها: (السّامِرَةُ) اهـ.
أخَذْنا مِن كَلامِ البَيْضاوِيِّ أنَّ السّامِرِيَّ مَنسُوبٌ إلى قَبِيلَةٍ وأمّا قَوْلُهُ (مِن بَنِي إسْرائِيلَ) فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ. لِأنَّ السّامِرَةَ أُمَّةٌ مِن سُكّانِ فِلَسْطِينَ في جِهَةِ نابُلُسَ في عَهْدِ الدَّوْلَةِ الرُّومِيَّةِ (البِيزَنْطِيَّةِ) وكانُوا في فِلَسْطِينَ قَبْلَ مَصِيرِ فِلَسْطِينَ بِيَدِ بَنِي إسْرائِيلَ ثُمَّ امْتَزَجُوا بِالإسْرائِيلِيِّينَ واتَّبَعُوا شَرِيعَةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ تَخالُفٍ في طَرِيقَتِهِمْ عَنْ طَرِيقَةِ اليَهُودِ. فَلَيْسَ هو مَنسُوبًا إلى مَدِينَةِ السّامِرَةِ القَرِيبَةِ مِن نابُلُسَ لِأنَّ مَدِينَةَ السّامِرَةِ بَناها المَلِكُ عَمْرِي مَلِكُ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ سَنَةَ ٩٢٥ قَبْلَ المَسِيحِ، وجَعَلَها قَصَبَةَ مَمْلَكَتِهِ، وسَمّاها (شُومِيرُونَ) لِأنَّهُ بَناها عَلى جَبَلٍ اشْتَراهُ مِن رَجُلٍ اسْمُهُ (شامِرَ) بِوَزْنَتَيْنِ مِنَ الفِضَّةِ، فَعُرِّبَتْ
صفحة ٢٨٠
فِي العَرَبِيَّةِ إلى سامِرَةَ، وكانَ اليَهُودُ يَعُدُّونَها مَدِينَةَ كُفْرٍ وجَوْرٍ، لِأنَّ عَمْرِي بانِيها وابْنَهُ (آخابَ) قَدْ أفْسَدُوا دِيانَةَ التَّوْراةِ وعَبَدا الأصْنامَ الكَنْعانِيَّةَ. وأمَرَ اللَّهُ النَّبِيءَ إلْياسَ بِتَوْبِيخِهِما والتَّثْوِيرِ عَلَيْهِما، فَلا جَرَمَ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً زَمَنَ مُوسى ولا كانَتْ ناحِيَتُها مِن أرْضِ بَنِي إسْرائِيلَ زَمَنَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ نَسَبًا إلى قَرْيَةٍ اسْمُها السّامِرَةُ مِن قُرى مِصْرَ، كَما قالَ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ، فَيَكُونُ فَتًى قِبْطِيًّا انْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ لِتَعَلُّقِهِ بِهِمْ في مِصْرَ أوْ لِصِناعَةٍ يَصْنَعُها لَهم. وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: كانَ السّامِرِيُّ مِن أهْلِ (كِرْمانَ)، وهَذا يَقْرُبُ أنْ يَكُونَ السّامِرِيُّ تَعْرِيبَ كِرْمانِيٍّ بِتَبْدِيلِ بَعْضِ الحُرُوفِ وذَلِكَ كَثِيرٌ في التَّعْرِيبِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الياءُ مِنَ السّامِرِيِّ غَيْرَ ياءِ نَسَبٍ، بَلْ حَرْفًا مِنِ اسْمٍ مِثْلَ: ياءُ عَلِيٍّ وكُرْسِيٍّ، فَيَكُونُ اسْمًا أصْلِيًّا أوْ مَنقُولًا في العَبْرانِيَّةِ، وتَكُونُ اللّامُ في أوَّلِهِ زائِدَةً.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والقُرْطُبِيُّ خَلِيطًا مِنَ القِصَّةِ: أنَّ السّامِرِيَّ اسْمُهُ مُوسى بْنُ ظَفَرٍ - بِفَتْحِ الظّاءِ المُعْجَمَةِ وفَتْحِ الفاءِ - وأنَّهُ ابْنُ خالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أوِ ابْنُ خالِهِ، وأنَّهُ كَفَرَ بِدِينِ مُوسى بَعْدَ أنْ كانَ مُؤْمِنًا بِهِ، وزادَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ تَفاصِيلًا تَشْمَئِزُّ النَّفْسُ مِنها.
واعْلَمْ أنَّ السّامِرِيِّينَ لَقَبٌ لِطائِفَةٍ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهم أيْضًا السّامِرَةُ، لَهم مَذْهَبٌ خاصٌّ مُخالِفٌ لِمَذْهَبِ جَماعَةِ اليَهُودِيَّةِ في أُصُولِ الدِّينِ، فَهم لا يُعَظِّمُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ ويُنْكِرُونَ نُبُوءَةَ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ عَدا مُوسى وهارُونَ ويُوشَعَ، وما كانَتْ هَذِهِ الشُّذُوذاتِ فِيهِمْ إلّا مِن بَقايا تَعالِيمِ الإلْحادِ الَّتِي كانُوا يَتَلَقَّوْنَها في مَدِينَةِ السّامِرَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى التَّساهُلِ والِاسْتِخْفافِ بِأُصُولِ الدِّينِ والتَّرَخُّصِ في تَعْظِيمِ آلِهَةِ
صفحة ٢٨١
جِيرَتِهِمُ الكَنْعانِيِّينَ أصْهارَ مُلُوكِهِمْ، ودامَ ذَلِكَ الشُّذُوذُ فِيهِمْ إلى زَمَنِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . فَفي إنْجِيلِ مَتّى إصْحاحٌ ١٠ وفي إنْجِيلِ لُوقا إصْحاحٌ ٩ ما يَقْتَضِي أنَّ بَلْدَةَ السّامِرِيِّينَ كانَتْ مُنْحَرِفَةً عَلى أتْباعِ المَسِيحِ، وأنَّهُ نَهى الحَوارِيِّينَ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَدِينَتِهِمْ.
ووَقَعَتْ في كِتابِ الخُرُوجِ مِنَ التَّوْراةِ في الإصْحاحِ الثّانِي والثَلاثِينَ زَلَّةٌ كُبْرى، إذْ زَعَمُوا أنَّ هارُونَ صَنَعَ العِجْلَ لَهم لَمّا قالُوا لَهُ: اصْنَعْ لَنا آلِهَةً تَسِيرُ أمامَنا لِأنّا لا نَعْلَمُ ماذا أصابَ مُوسى في الجَبَلِ فَصَنَعَ لَهم عِجْلًا مِن ذَهَبٍ. وأحْسَبُ أنَّ هَذا مِن آثارِ تَلاشِي التَّوْراةِ الأصْلِيَّةِ بَعْدَ الأسْرِ البابِلِيِّ، وأنَّ الَّذِي أعادَ كَتْبُها لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَ هَذِهِ القِصَّةِ. ومِمّا نَقْطَعُ بِهِ أنَّ هارُونَ مَعْصُومٌ مِن ذَلِكَ لِأنَّهُ رَسُولٌ.
طه 20:86
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكَمْ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ .
الغَضَبُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ وهَيَجانٌ يَنْشَأُ عَنْ إدْراكِ ما يَسُوءُها ويُسْخِطُها دُونَ خَوْفٍ، والوَصْفُ مِنهُ غَضْبانٌ.
والأسَفُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ يَنْشَأُ مِن إدْراكِ ما يُحْزِنُها وما تَكْرَهُهُ مَعَ انْكِسارِ الخاطِرِ. والوَصْفُ مِنهُ أسِفَ. وقَدِ اجْتَمَعَ الِانْفِعالانِ في نَفْسِ مُوسى لِأنَّهُ يَسُوءُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ في أُمَّتِهِ وهو لا يَخافُهم، فانْفِعالُهُ المُتَعَلِّقُ بِحالِهِمْ غَضَبٌ، وهو أيْضًا يَحْزُنُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ وهو في مُناجاةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي كانَ
صفحة ٢٨٢
يَأْمُلُ أنْ تَكُونَ سَبَبَ رِضى اللَّهِ عَنْ قَوْمِهِ فَإذا بِهِمْ أتَوْا بِما لا يُرْضِي اللَّهَ فَقَدِ انْكَسَرَ خاطِرُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.
وهَذا ابْتِداءُ وصْفِ قِيامِ مُوسى في جَماعَةِ قَوْمِهِ وفِيهِمْ هارُونَ وفِيهِمُ السّامِرِيُّ، وهو يَقْرَعُ أسْماعَهم بِزَواجِرِ وعْظِهِ، فابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ كُلِّهِمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ لا يَكُونُ مُشايِعًا لَهم، فَلِذَلِكَ ابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلى هارُونَ بِقَوْلِهِ، قالَ (﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ﴾ [طه: ٩٢]) .
وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ.
وافْتِتاحُ الخِطابِ بِ (يا قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلَّوْمِ لِأنَّ انْجِرارَ الأذى لِلرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ أحَقُّ في تَوْجِيهِ المَلامِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) .
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾) إنْكارِيُّ؛ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعِدْهم وعْدًا حَسَنًا لِأنَّهم أجْرُوا أعْمالَهم عَلى حالِ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ زَعْمَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا، وشَأْنُهُ أنْ يَكُونَ عَلى فَرْضِ النَّفْيِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والوَعْدُ الحَسَنُ هو: وعْدُهُ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ، ومُواعَدَتُهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً لِلْمُناجاةِ، وقَدْ أعْلَمَهم بِذَلِكَ، فَهو وعْدٌ لِقَوْمِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لِصَلاحِهِمْ، ولِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِأنْ يَكُونَ ناصِرًا لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ وهادِيًا لَهم في طَرِيقِهِمْ، وهو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]) .
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾) مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾)، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لَيْسَ العَهْدُ بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاكم بَعِيدًا. والمُرادُ بِطُولِ العَهْدِ طُولُ المُدَّةِ، أيْ بُعْدُها، أيْ لَمْ يَبْعُدْ زَمَنُ وعْدِ رَبِّكَمْ إيّاكم حَتّى يَكُونَ لَكم يَأْسٌ مِنَ الوَفاءِ فَتَكْفُرُوا وتُكَذِّبُوا مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ وتَعْبُدُوا رَبًّا غَيْرَ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ فَتَكُونُ لَكم شُبْهَةُ عُذْرٍ في الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ونِسْيانِ عَهْدِهِ.
صفحة ٢٨٣
والعَهْدُ: مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ وتَذَكُّرُهُ، وهو مَصْدَرٌ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ كَإطْلاقِ الخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ، أيْ طالَ المَعْهُودُ لَكم وبَعُدَ زَمَنُهُ حَتّى نَسِيتُمُوهُ وعَمِلْتُمْ بِخِلافِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ المَصْدَرِ وهو عَهْدُهُمُ اللَّهَ عَلى الِامْتِثالِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]) وقَوْلُهُ (﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(أمْ) إضْرابٌ إبْطالِيٌّ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) في قَوْلِهِ (﴿أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) إنْكارِيٌّ أيْضًا، إذِ التَّقْدِيرُ: بَلْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ، فَلا يَكُونُ كُفْرُكم إذَنْ إلّا إلْقاءً بِأنْفُسِكم في غَضَبِ اللَّهِ كَحالِ مَن يُحِبُّ أنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
فَفِي قَوْلِهِ (﴿أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، إذْ شَبَّهَ حالَهم في ارْتِكابِهِمْ أسْبابَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُونِ داعٍ إلى ذَلِكَ بِحالِ مَن يُحِبُّ حُلُولَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ إذِ الحُبُّ لا سَبَبَ لَهُ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) تَفْرِيعٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الثّانِي. ومَعْنى مَوْعِدِي هو وعْدُ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ، فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ الواسِطَةُ فِيهِ.
طه 20:87
﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكَمْ فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ .
الغَضَبُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ وهَيَجانٌ يَنْشَأُ عَنْ إدْراكِ ما يَسُوءُها ويُسْخِطُها دُونَ خَوْفٍ، والوَصْفُ مِنهُ غَضْبانٌ.
والأسَفُ: انْفِعالٌ لِلنَّفْسِ يَنْشَأُ مِن إدْراكِ ما يُحْزِنُها وما تَكْرَهُهُ مَعَ انْكِسارِ الخاطِرِ. والوَصْفُ مِنهُ أسِفَ. وقَدِ اجْتَمَعَ الِانْفِعالانِ في نَفْسِ مُوسى لِأنَّهُ يَسُوءُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ في أُمَّتِهِ وهو لا يَخافُهم، فانْفِعالُهُ المُتَعَلِّقُ بِحالِهِمْ غَضَبٌ، وهو أيْضًا يَحْزُنُهُ وُقُوعُ ذَلِكَ وهو في مُناجاةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي كانَ
صفحة ٢٨٢
يَأْمُلُ أنْ تَكُونَ سَبَبَ رِضى اللَّهِ عَنْ قَوْمِهِ فَإذا بِهِمْ أتَوْا بِما لا يُرْضِي اللَّهَ فَقَدِ انْكَسَرَ خاطِرُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ.
وهَذا ابْتِداءُ وصْفِ قِيامِ مُوسى في جَماعَةِ قَوْمِهِ وفِيهِمْ هارُونَ وفِيهِمُ السّامِرِيُّ، وهو يَقْرَعُ أسْماعَهم بِزَواجِرِ وعْظِهِ، فابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ كُلِّهِمْ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ هارُونَ لا يَكُونُ مُشايِعًا لَهم، فَلِذَلِكَ ابْتَدَأ بِخِطابِ قَوْمِهِ ثُمَّ وجَّهَ الخِطابَ إلى هارُونَ بِقَوْلِهِ، قالَ (﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ﴾ [طه: ٩٢]) .
وجُمْلَةُ قالَ يا قَوْمِ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ.
وافْتِتاحُ الخِطابِ بِ (يا قَوْمِ) تَمْهِيدٌ لِلَّوْمِ لِأنَّ انْجِرارَ الأذى لِلرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ أحَقُّ في تَوْجِيهِ المَلامِ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) .
والِاسْتِفْهامُ في (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾) إنْكارِيُّ؛ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن زَعَمَ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَعِدْهم وعْدًا حَسَنًا لِأنَّهم أجْرُوا أعْمالَهم عَلى حالِ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ فَأنْكَرَ عَلَيْهِمْ زَعْمَهم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا، وشَأْنُهُ أنْ يَكُونَ عَلى فَرْضِ النَّفْيِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
والوَعْدُ الحَسَنُ هو: وعْدُهُ مُوسى بِإنْزالِ التَّوْراةِ، ومُواعَدَتُهُ ثَلاثِينَ لَيْلَةً لِلْمُناجاةِ، وقَدْ أعْلَمَهم بِذَلِكَ، فَهو وعْدٌ لِقَوْمِهِ لِأنَّ ذَلِكَ لِصَلاحِهِمْ، ولِأنَّ اللَّهَ وعَدَهم بِأنْ يَكُونَ ناصِرًا لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ وهادِيًا لَهم في طَرِيقِهِمْ، وهو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ (﴿وواعَدْناكم جانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ﴾ [طه: ٨٠]) .
والِاسْتِفْهامُ في (﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾) مُفَرَّعٌ عَلى قَوْلِهِ (﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكُمْ﴾)، وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أيْ لَيْسَ العَهْدُ بِوَعْدِ اللَّهِ إيّاكم بَعِيدًا. والمُرادُ بِطُولِ العَهْدِ طُولُ المُدَّةِ، أيْ بُعْدُها، أيْ لَمْ يَبْعُدْ زَمَنُ وعْدِ رَبِّكَمْ إيّاكم حَتّى يَكُونَ لَكم يَأْسٌ مِنَ الوَفاءِ فَتَكْفُرُوا وتُكَذِّبُوا مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ وتَعْبُدُوا رَبًّا غَيْرَ الَّذِي دَعاكم إلَيْهِ مَن بَلَّغَكُمُ الوَعْدَ فَتَكُونُ لَكم شُبْهَةُ عُذْرٍ في الإعْراضِ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ونِسْيانِ عَهْدِهِ.
صفحة ٢٨٣
والعَهْدُ: مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ وتَذَكُّرُهُ، وهو مَصْدَرٌ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ كَإطْلاقِ الخَلْقِ عَلى المَخْلُوقِ، أيْ طالَ المَعْهُودُ لَكم وبَعُدَ زَمَنُهُ حَتّى نَسِيتُمُوهُ وعَمِلْتُمْ بِخِلافِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَبْقى عَلى أصْلِ المَصْدَرِ وهو عَهْدُهُمُ اللَّهَ عَلى الِامْتِثالِ والعَمَلِ بِالشَّرِيعَةِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى (﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ﴾ [البقرة: ٢٧]) وقَوْلُهُ (﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ [البقرة: ٤٠]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
و(أمْ) إضْرابٌ إبْطالِيٌّ. والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَ (أمْ) في قَوْلِهِ (﴿أمَ ارَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) إنْكارِيٌّ أيْضًا، إذِ التَّقْدِيرُ: بَلْ أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ، فَلا يَكُونُ كُفْرُكم إذَنْ إلّا إلْقاءً بِأنْفُسِكم في غَضَبِ اللَّهِ كَحالِ مَن يُحِبُّ أنْ يَحِلَّ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ.
فَفِي قَوْلِهِ (﴿أرَدْتُمْ أنْ يَحِلَّ عَلَيْكم غَضَبٌ مِن رَبِّكُمْ﴾) اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، إذْ شَبَّهَ حالَهم في ارْتِكابِهِمْ أسْبابَ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِدُونِ داعٍ إلى ذَلِكَ بِحالِ مَن يُحِبُّ حُلُولَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ؛ إذِ الحُبُّ لا سَبَبَ لَهُ.
وقَوْلُهُ (﴿فَأخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾) تَفْرِيعٌ عَلى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ الثّانِي. ومَعْنى مَوْعِدِي هو وعْدُ اللَّهِ عَلى لِسانِهِ، فَإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ الواسِطَةُ فِيهِ.
طه 20:88
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها﴾ [طه: ٨٧] .
وقَعَتْ جُمْلَةُ قالُوا غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأنَّها جَرَتْ في المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى (القَوْمِ)
صفحة ٢٨٤
وإنَّما القائِلُ بَعْضُهم، تَصَدُّوا مُجِيبِينَ عَنِ القَوْمِ كُلِّهِمْ وهم كُبَراءُ القَوْمِ وأهْلُ الصَّلاحِ مِنهم. وقَوْلُهُ بِمَلْكِنا قَرَأهُ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ المِيمِ - . وهي وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ومَعْناها: بِإرادَتِنا واخْتِيارِنا، أيْ لِإخْلافِ مَوْعِدِكَ، أيْ ما تَجَرَّأْنا ولَكِنْ غَرَّهُمُ السّامِرِيُّ وغَلَبَهم دَهْماءُ القَوْمِ. وهَذا إقْرارٌ مِنَ المُجِيبِينَ بِما فَعَلَهُ دَهْماؤُهم.
والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما أفادَهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ إخْلافُهُمُ العَهْدَ عَنْ قَصْدٍ لِلضَّلالِ. والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ وقَعَتْ بِإيجازٍ عَنْ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّنَصُّلِ مِن تَبِعَةِ نَكْثِ العَهْدِ. ومَحَلُّ الِاسْتِدْراكِ هو قَوْلُهُ (﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾) وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، فَعُطِفَتِ الجُمَلُ قَبْلَهُ بِحَرْفِ الفاءِ واعْتَذَرُوا بِأنَّهم غُلِبُوا عَلى رَأْيِهِمْ بِتَضْلِيلِ السّامِرِيِّ. فَأُدْمِجَتْ في هَذا الِاعْتِذارِ الإشارَةُ إلى قَضِيَّةِ صَوْغِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ واغْتَرُّوا بِما مُوِّهَ لَهم مِن أنَّهُ إلَهُهُمُ المَنشُودُ مِن كَثْرَةِ ما سَمِعُوا مِن رَسُولِهِمْ أنَّ اللَّهَ مَعَهم أوْ أمامَهم، ومِمّا جاشَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ الطَّمَعِ في رُؤْيَتِهِ تَعالى.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (حُمِّلْنا) - بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَكْسُورَةٍ - . أيْ حَمَّلَنا مَن حَمَّلَنا، أوْ حَمَّلْنا أنْفُسَنا.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ - بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً - .
صفحة ٢٨٥
والأوْزارُ: الأثْقالُ. والزِّينَةُ: الحُلِيُّ والمَصُوغُ. وقَدْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ أزْمَعُوا الخُرُوجَ قَدِ احْتالُوا عَلى القِبْطِ فاسْتَعارَ كُلُّ واحِدٍ مِن جارِهِ القِبْطِيِّ حُلِيًّا فِضَّةً وذَهَبًا وأثاثًا، كَما في الإصْحاحِ ١٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. والمَعْنى: أنَّهم خَشَوْا تَلاشِيَ تِلْكَ الزِّينَةِ فارْتَأوْا أنْ يَصُوغُوها قِطْعَةً واحِدَةً أوْ قِطْعَتَيْنِ لِيَتَأتّى لَهم حِفْظُها في مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ.
والقَذْفُ: الإلْقاءُ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا الإلْقاءُ في نارِ السّامِرِيِّ لِلصَّوْغِ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ الإصْحاحُ ٣٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. فَهَذا حِكايَةُ جَوابِهِمْ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجْمَلًا مُخْتَصَرًا شَأْنَ المُعْتَذِرِ بِعُذْرٍ واهٍ أنْ يَكُونَ خَجْلانَ مِن عُذْرِهِ فَيَخْتَصِرُ الكَلامَ.
* * *
﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ .
ظاهِرُ حالِ الفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صادِرًا مِن قائِلِ الكَلامِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: فَمِثْلُ قَذْفِنا زِينَةَ القَوْمِ، أيْ في النّارِ، ألْقى السّامِرِيُّ شَيْئًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ التَّخَلُّصُ إلى قِصَّةِ صَوْغِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ. وضَمِيرا الغِيبَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾) وقَوْلُهُ فَقالُوا عائِدانِ إلى غَيْرِ المُتَكَلِّمِينَ. عَلَّقَ المُتَكَلِّمُونَ الإخْراجَ والقَوْلَ بِالغائِبِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمِينَ مَعَ مُوسى لَمْ يَكُونُوا مِمَّنِ اعْتَقَدَ إلَهِيَّةَ العِجْلِ ولَكِنَّهم صانَعُوا دَهْماءَ القَوْمِ، فَيَكُونُ هَذا مِن حِكايَةِ قَوْلِ القَوْمِ لِمُوسى. وعَلى هَذا دَرَجَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، فَيَكُونُ مِن
صفحة ٢٨٦
تَمامِ المَعْذِرَةِ الَّتِي اعْتَذَرَ بِها المُجِيبُونَ لِمُوسى، ويَكُونُ ضَمِيرُ فَأخْرَجَ لَهُمُ التِفاتًا قَصَدَ القائِلُونَ بِهِ التَّبَرِّي مِن أنْ يَكُونَ إخْراجُ العِجْلِ لِأجْلِهِمْ، أيْ أخْرَجَهُ لِمَن رَغِبُوا في ذَلِكَ.
وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ مِن جانِبِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ اعْتِراضًا وإخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْأُمَّةِ. ومَوْقِعُ الفاءِ يُناقِضُ هَذا لِأنَّ الفاءَ لا تَرِدُ لِلِاسْتِئْنافِ عَلى التَّحْقِيقِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعَ أخْبارٍ عَلى أخْبارٍ. والمَعْنى: فَمِثْلُ ذَلِكَ القَذْفِ الَّذِي قَذَفْنا ما بِأيْدِينا مِن زِينَةِ القَوْمِ ألْقى السّامِرِيُّ ما بِيَدِهِ مِنَ النّارِ لِيَذُوبَ ويَصُوغَها؛ فَأخْرَجَ لَهم مِن ذَلِكَ عِجْلًا جَسَدًا. فَإنَّ فِعْلَ (ألْقى) يَحْكِي حالَةً مُشَبَّهَةً بِحالَةِ قَذْفِهِمْ مَصُوغَ القِبْطِ. والقَذْفُ والإلْقاءُ مُتَرادِفانِ، شُبِّهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ.
والجَسَدُ: الجِسْمُ ذُو الأعْضاءِ سَواءٌ كانَ حَيًّا أمْ لا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]) . قِيلَ: هو شِقُّ طِفْلٍ ولَّدَتْهُ إحْدى نِسائِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجاجُ: الجَسَدُ هو الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُمَيِّزُ إنَّما هو الجُثَّةُ، أيْ أخْرَجَ لَهم صُورَةَ عِجْلٍ مُجَسَّدَةً بِشَكْلِهِ وقَوائِمِهِ وجَوانِبِهِ، ولَيْسَ مُجَرَّدَ صُورَةٍ مَنقُوشَةٍ عَلى طَبَقٍ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ.
والإخْراجُ: إظْهارُ ما كانَ مَحْجُوبًا. والتَّعْبِيرُ بِالإخْراجِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ صَنَعَهُ بِحِيلَةٍ مَسْتُورَةٍ عَنْهم حَتّى أتَمَّهُ.
والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ. وكانَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمُ العِجْلَ عارِفًا بِصِناعَةِ الحِيَلِ الَّتِي كانُوا يَصْنَعُونَ بِها الأصْنامَ ويَجْعَلُونَ في أجْوافِها وأعْناقِها مَنافِذَ كالزَّمّاراتِ تَخْرُجُ مِنها أصْواتٌ إذا أُطْلِقَتْ عِنْدَها رِياحٌ بِالكِيرِ ونَحْوِهِ.
صفحة ٢٨٧
وصَنَعَ لَهُمُ السّامِرِيُّ صَنَمًا عَلى صُورَةِ عِجْلٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدِ اعْتادُوا في مِصْرَ عِبادَةَ العِجْلِ ”إيبِيسَ“، فَلَمّا رَأوْا ما صاغَهُ السّامِرِيُّ في صُورَةِ مَعْبُودٍ عَرَفُوهُ مِن قَبْلُ ورَأوْهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِأنَّ لَهُ خُوارًا، رَسَخَ في أوْهامِهِمُ الآفِنَةِ أنَّ ذَلِكَ هو الإلَهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي عَبَّرُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى؛ لِأنَّهم رَأوْهُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ العِجْلِ ”إيبِيسَ“ . وإذْ قَدْ كانُوا يُثْبِتُونَ إلَهًا مَحْجُوبًا عَنِ الأبْصارِ وكانُوا يَتَطَلَّبُونَ رُؤْيَتَهُ، فَقالُوا لِمُوسى: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، حِينَئِذٍ تَوَهَّمُوا أنَّ هَذِهِ ضالَّتُهُمُ المَنشُودَةُ. وقِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ في كِتابِ التَّوْراةِ غَيْرُ مُلائِمَةٍ لِلنَّظَرِ السَّلِيمِ. وتَفْرِيعُ ”فَنَسِي“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ تَفْرِيعَ عِلَّةٍ عَلى مَعْلُولٍ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى السّامِرِيِّ، أيْ قالَ السّامِرِيُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ نَسِيَ ما كانَ تَلَقّاهُ مِن هَدْيٍ؛ أوْ تَفْرِيعَ مَعْلُولٍ عَلى عِلَّةٍ، أيْ قالَ ذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ: سَبَبًا في نِسْيانِهِ ما كانَ عَلَيْهِ مِن هَدْيٍ، إذْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، فَحَرَمَهُ التَّوْفِيقَ مِن بَعْدُ.
والنِّسْيانُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإضاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ [طه: ١٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] . وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ”فَنَسِي“ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى السّامِرِيِّ، فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: ”أفَلا يَرَوْنَ“ ويَكُونَ اعْتِراضًا. وجَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عائِدًا إلى مُوسى، أيْ فَنَسِيَ مُوسى إلَهَكم وإلَهَهُ، أيْ غَفَلَ عَنْهُ، وذَهَبَ إلى الطُّورِ يُفَتِّشُ عَلَيْهِ وهو بَيْنَ أيْدِيكم، ومَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ يُبْعِدُ هَذا التَّفْسِيرَ.
والنِّسْيانُ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في الغَفْلَةِ.
طه 20:89
صفحة ٢٨٨
﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا ولَيْسَ مِن حِكايَةِ كَلامِ القَوْمِ، فَهو مُعْتَرَضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وجُمْلَةِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٣] إلَخْ، فَتَكُونُ الفاءُ لِتَفْرِيعِ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى كَلامِ غَيْرِهِ، أيْ لِتَفْرِيعٍ الإخْبارٍ لا لِتَفْرِيعِ المُخْبِرِ بِهِ، والمُخْبِرُ مُتَعَدِّدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حِكايَةِ كَلامِ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِخِطابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وهم كُبَراؤُهم وصُلَحاؤُهم؛ لِيُعْلَمَ أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَرى العِجْلَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ البَصَرِ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ، أيْ كَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِلْعِجْلِ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَسْتَطِيعُ نَفْعًا ولا ضَرًّا.
والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ مُكَنًّى بِها، أوْ مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ الإدْراكِ، فَآلَتْ إلى مَعْنى الِاعْتِقادِ والعِلْمِ، ولا سِيَّما بِالنِّسْبَةِ لِجُمْلَةِ ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرى بِالبَصَرِ، بِخِلافِ ﴿لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ . ورُؤْيَةُ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ مُرادٌ بِها رُؤْيَةُ أثَرِ انْتِفائِهِما بِدَوامِ عَدَمِ التَّكَلُّمِ وانْتِفاءِ عَدَمِ نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ؛ لِأنَّ الإنْكارَ مُسَلَّطٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ إلَهُهم، فَيَقْتَضِي أنْ يَمْلِكَ لَهم ضَرًّا ونَفْعًا.
ومَعْنى ”يَرْجِعُ“ يَرُدُّ، أيْ يُجِيبُ القَوْلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلَّ العِبْرَةِ مِن فُقْدانِهِ صِفاتَ العاقِلِ؛ لِأنَّهم يَدْعُونَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ ويُمَجِّدُونَهُ، وهو ساكِتٌ لا يَشْكُرُ لَهم ولا يَعِدُهم بِاسْتِجابَةٍ، وشَأْنُ الكامِلِ إذا سَمِعَ ثَناءً أوْ تَلَقّى طِلْبَةً أنْ يُجِيبَ. ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مَن هو بِحاجَةٍ إلى جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وأنَّهم يَسْألُونَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدُوا ما فِيهِ نَفْعُهم
صفحة ٢٨٩
أوْ دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهم، مِثْلَ ضُرِّ عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ. فَهم قَدْ شاهَدُوا عَدَمَ غِنائِهِ عَنْهم. ولِأنَّ شَواهِدَ حالِهِ مِن عَدَمِ التَّحَرُّكِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ أنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ، فَلِذَلِكَ سُلِّطَ الإنْكارُ عَلى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ حالَهُ مِمّا يُرى.
ولامُ ”لَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَمْلِكُ“ الَّذِي هو في مَعْنى يَسْتَطِيعُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ في اعْتِقادِ إلَهِيَّتِهِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الخائِفِ مِنَ الضُّرِّ أقْوى مِن عُذْرِ الرّاغِبِ في النَّفْعِ. و”أنْ“ في قَوْلِهِ: ”ألّا يَرْجِعُ“ مُخَفَّفَةٌ مِن ”أنَّ“ المَفْتُوحَةِ المُشَدَّدَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَها هي الخَبَرُ، فَـ ”يَرْجِعُ“ مَرْفُوعٌ بِاتِّفاقِ القِراءاتِ ما عَدا قِراءاتٍ شاذَّةٍ. ولَيْسَتْ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ العِلْمِ ولا بَعْدَ أفْعالِ الإدْراكِ.
طه 20:90
﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قُومِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾
الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أفَلا يَرَوْنَ“ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ، أيْ كَيْفَ لا يَسْتَدِلُّونَ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ العِجْلِ الإلَهِيَّةَ، بِأنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا فَيُقْلِعُونَ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ،
صفحة ٢٩٠
وتِلْكَ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ في حالِ أنَّ هارُونَ قَدْ وعَظَهم ونَبَّهَهم إلى ذَلِكَ، إذْ ذَكَّرَهم بِأنَّهُ فِتْنَةٌ فَتَنَهم بِها السّامِرِيُّ، وأنَّ رَبَّهم هو الرَّحْمَنُ لا ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا فَضْلًا عَنِ الرَّحْمَةِ، وأمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا أمْرَهُ، وتِلْكَ دَلالَةٌ سَمْعِيَّةٌ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ ولامِ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ إبْطالِ ما في كِتابِ اليَهُودِ مِن أنَّ هارُونَ هو الَّذِي صَنَعَ لَهُمُ العَجَلَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عِبادَتَهُ. وغايَةُ الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ إفْكٌ عَظِيمٌ في كِتابِهِمْ.
والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُوسى ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ. وافْتِتاحُ خِطابِهِ بِـ ”يا قَوْمِ“ تَمْهِيدٌ لِمَقامِ النَّصِيحَةِ.
ومَعْنى ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾: ما هو إلّا فِتْنَةٌ لَكم، ولَيْسَ رَبًّا، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي يَرْحَمُكم في سائِرِ الأحْوالِ، فَأجابُوهُ بِأنَّهم لا يَزالُونَ عاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى يَرْجِعَ مُوسى فَيُصَرِّحُ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ العِجْلَ لَيْسَ هو رَبَّهم.
ورَتَّبَ هارُونُ خِطابَهُ عَلى حَسَبِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأهُ بِزَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ وعَنْ عِبادَةِ ما لَيْسَ بِرَبٍّ، ثُمَّ دَعاهم إلى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ، ثُمَّ دَعاهم إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ؛ إذْ كانَ رَسُولًا بَيْنَهم، ثُمَّ دَعاهم إلى العَمَلِ بِالشَّرائِعِ، فَما كانَ مِنهم إلّا التَّصْمِيمُ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، فَأجابُوا هارُونَ جَوابًا جازِمًا.
و”عَلَيْهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عاكِفِينَ“ قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ؛ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أوْ أرادُوا: لَنْ نَبْرَحَ نَخُصُّهُ بِالعُكُوفِ لا نَعْكُفُ عَلى غَيْرِهِ.
والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِقَصْدِ القُرْبَةِ والتَّعَبُّدِ، وكانَ عَبَدَةُ الأصْنامِ يَلْزَمُونَها ويَطُوفُونَ بِها.
طه 20:91
﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قُومِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾
الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أفَلا يَرَوْنَ“ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ، أيْ كَيْفَ لا يَسْتَدِلُّونَ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ العِجْلِ الإلَهِيَّةَ، بِأنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا فَيُقْلِعُونَ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ،
صفحة ٢٩٠
وتِلْكَ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ في حالِ أنَّ هارُونَ قَدْ وعَظَهم ونَبَّهَهم إلى ذَلِكَ، إذْ ذَكَّرَهم بِأنَّهُ فِتْنَةٌ فَتَنَهم بِها السّامِرِيُّ، وأنَّ رَبَّهم هو الرَّحْمَنُ لا ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا فَضْلًا عَنِ الرَّحْمَةِ، وأمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا أمْرَهُ، وتِلْكَ دَلالَةٌ سَمْعِيَّةٌ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ ولامِ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ إبْطالِ ما في كِتابِ اليَهُودِ مِن أنَّ هارُونَ هو الَّذِي صَنَعَ لَهُمُ العَجَلَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عِبادَتَهُ. وغايَةُ الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ إفْكٌ عَظِيمٌ في كِتابِهِمْ.
والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُوسى ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ. وافْتِتاحُ خِطابِهِ بِـ ”يا قَوْمِ“ تَمْهِيدٌ لِمَقامِ النَّصِيحَةِ.
ومَعْنى ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾: ما هو إلّا فِتْنَةٌ لَكم، ولَيْسَ رَبًّا، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي يَرْحَمُكم في سائِرِ الأحْوالِ، فَأجابُوهُ بِأنَّهم لا يَزالُونَ عاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى يَرْجِعَ مُوسى فَيُصَرِّحُ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ العِجْلَ لَيْسَ هو رَبَّهم.
ورَتَّبَ هارُونُ خِطابَهُ عَلى حَسَبِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأهُ بِزَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ وعَنْ عِبادَةِ ما لَيْسَ بِرَبٍّ، ثُمَّ دَعاهم إلى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ، ثُمَّ دَعاهم إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ؛ إذْ كانَ رَسُولًا بَيْنَهم، ثُمَّ دَعاهم إلى العَمَلِ بِالشَّرائِعِ، فَما كانَ مِنهم إلّا التَّصْمِيمُ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، فَأجابُوا هارُونَ جَوابًا جازِمًا.
و”عَلَيْهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عاكِفِينَ“ قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ؛ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أوْ أرادُوا: لَنْ نَبْرَحَ نَخُصُّهُ بِالعُكُوفِ لا نَعْكُفُ عَلى غَيْرِهِ.
والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِقَصْدِ القُرْبَةِ والتَّعَبُّدِ، وكانَ عَبَدَةُ الأصْنامِ يَلْزَمُونَها ويَطُوفُونَ بِها.
طه 20:92
صفحة ٢٩١
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِيَ﴾ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِيَ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾
انْتَقَلَ مُوسى مِن مُحاوَرَةِ قَوْمِهِ إلى مُحاوَرَةِ أخِيهِ، فَجُمْلَةُ ”﴿قالَ يا هارُونُ﴾“ تابِعَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] . ولِجُمْلَةِ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه: ٨٧] وقَدْ وُجِدَتْ مُناسِبَةٌ لِحِكايَةِ خِطابِهِ هارُونَ بَعْدَ أنْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الحِكايَةِ بِالجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ الَّتِي مِنها جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. . .، فَهو اسْتِطْرادٌ في خِلالِ الحِكايَةِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِ هارُونَ كَما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. .، عَلى احْتِمالِ كَوْنِ تِلْكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ قَوْمِ مُوسى.
عَلِمَ مُوسى أنَّ هارُونَ مَخْصُوصٌ مِن قَوْمِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، إذْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ تَقْتَضِي العِصْمَةَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِخِطابٍ يُناسِبُ حالَهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَ عُمُومَ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الماضِي، وهَذا خِطابُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ عَلى بَقائِهِ بَيْنَ عَبَدَةِ الصَّنَمِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مانِعَ لَكَ مِنَ اللِّحاقِ بِي؛ لِأنَّهُ أقامَهُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِيهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّ الخِلافَةَ إلى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ.
و”إذْ رَأيْتَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَنَعَكَ“ . و”أنْ“ مَصْدَرِيَّةٌ، و”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُناسِبُ مَعْنى النَّفْيِ. والمَصْدَرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ
صفحة ٢٩٢
”أنْ“ هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وأمّا مَفْعُولُ ”مَنَعَكَ“ فَمَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”مَنَعَكَ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي واضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَيَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ احْتِباكٍ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لِهارُونَ مانِعٌ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّحاقِ بِمُوسى، ومُقْتَضٍ لِعَدَمِ اللَّحاقِ بِمُوسى، كَما يُقالُ: وُجِدَ السَّبَبُ وانْتَفى المانِعُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ في سُورَةِ الأعْرافِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ مُفَرَّعٌ عَلى الإنْكارِ. فَهو إنْكارٌ ثانٍ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ، مَشُوبٌ بِتَقْرِيرٍ لِلتَّهْدِيدِ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ: ”﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾“ نِداءٌ لِقَصْدِ التَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ. وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى حِينَ وبَّخَهُ أخَذَ بِشَعْرِ لِحْيَةِ هارُونَ. ويُشْعِرُ بِأنَّهُ يَجْذِبُهُ إلَيْهِ لِيَلْطِمَهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وأصْلُهُ: يا ابْنَ أُمِّي، فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو حَذْفٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّداءِ. والقِراءَتانِ وجْهانِ في حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لَفْظُ ”أُمَّ“ ولَفْظُ ”عَمِّ“ في النِّداءِ.
وعُطِفَ الرَّأْسُ عَلى اللِّحْيَةِ لِأنَّ أخْذَهُ مِن لِحْيَتِهِ أشَدُّ ألَمًا وأنْكى في الإذْلالِ.
وابْنُ الأُمِّ: الأخُ. وعَدَلَ عَنْ يا أخِي إلى ”ابْنَ أُمَّ“ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمِّ تَذْكِيرٌ بِأقْوى أواصِرِ الأُخُوَّةِ، وهي آصِرَةُ الوِلادَةِ مِن بَطْنٍ واحِدٍ والرِّضاعِ مِن لِبانٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٩٣
واللِّحْيَةُ - بِكَسْرِ اللّامِ، ويَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ في لُغَةِ الحِجازِ -: اسْمٌ لِلشَّعْرِ النّابِتِ بِالوَجْهِ عَلى مَوْضِعِ اللِّحْيَيْنِ والذَّقْنِ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ”لِحْيَتِي“ . واعْتَذَرَ هارُونُ عَنْ بَقائِهِ بَيْنَ القَوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ﴾، أيْ أنْ تَظُنَّ ذَلِكَ بِي فَتَقَوْلَهَ لَوْمًا وتَحْمِيلًا لِتَبِعَةِ الفُرْقَةِ الَّتِي ظَنَّ أنَّها واقِعَةٌ لا مَحالَةَ إذا أظْهَرَ هارُونُ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُهُ طائِفَةٌ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ ويُخالِفُهُمُ الجُمْهُورُ، فَيَقَعُ انْشِقاقٌ بَيْنَ القَوْمِ، ورُبَّما اقْتَتَلُوا، فَرَأى مِنَ المَصْلَحَةِ أنْ يُظْهِرَ الرِّضى عَنْ فِعْلِهِمْ لِيَهْدَأ الجُمْهُورُ، ويَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ اقْتِداءًبِهارُونَ. ورَأى في سُلُوكِ هَذِهِ السِّياسَةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ مُوسى لَهُ: ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . فَهو مِن جُمْلَةِ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى الَّذِي قَدَّرَهُ هارُونُ في ظَنِّهِ. وهَذا اجْتِهادٌ مِنهُ في سِياسَةِ الأُمَّةِ، إذْ تَعارَضَتْ عِنْدَهُ مَصْلَحَتانِ: مَصْلَحَةُ حِفْظِ العَقِيدَةِ، ومَصْلَحَةُ حِفْظِ الجامِعَةِ مِنَ الهَرَجِ، وفي أثْنائِها حِفْظُ الأنْفُسِ والأمْوالِ والأُخُوَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَرَجَّحَ الثّانِيَةَ. وإنَّما رَجَّحَها لِأنَّهُ رَآها أدْوَمَ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ العَقِيدَةِ يُسْتَدْرَكُ فَواتُها الوَقْتِيُّ بِرُجُوعِ مُوسى وإبْطالِهِ عِبادَةَ العِجْلِ حَيْثُ غَيَّوْا عُكُوفَهَمْ عَلى العِجْلِ بِرُجُوعِ مُوسى. بِخِلافِ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الأنْفُسِ والأمْوالِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، إذا انْثَلَمَتْ عَسُرَ تَدارُكُها. وتَضَمَّنَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . وكانَ اجْتِهادُهُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا؛ لِأنَّ حِفْظَ الأصْلِ الأصِيلِ لِلشَّرِيعَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأُصُولِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ. لِأنَّ مَصْلَحَةَ صَلاحِ الِاعْتِقادِ هي أُمُّ المَصالِحِ الَّتِي بِها صَلاحُ الِاجْتِماعِ. كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ ”أُصُولِ نِظامِ الِاجْتِماعِ الإسْلامِيِّ“؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوسى خافِيًا عَلَيْهِ أنَّ هارُونَ كانَ مِن
صفحة ٢٩٤
واجِبِهِ أنْ يَتْرُكَهم وضَلالَهم وأنْ يَلْتَحِقَ بِأخِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِما يُفْضِي إلى ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم، فَإنَّ حُرْمَةَ الشَّرِيعَةِ بِحِفْظِ أُصُولِها وعَدَمِ التَّساهُلِ فِيها، وبِحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ يَبْقى نُفُوذُها في الأُمَّةِ والعَمَلُ بِها كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ ”مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ“ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ”بَيْنَ بَنِي“ جِناسٌ، وطَرْدٌ وعَكْسٌ. وهَذا بَعْضُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هارُونُ، وحُكِيَ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّهُ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
طه 20:93
صفحة ٢٩١
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِيَ﴾ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِيَ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾
انْتَقَلَ مُوسى مِن مُحاوَرَةِ قَوْمِهِ إلى مُحاوَرَةِ أخِيهِ، فَجُمْلَةُ ”﴿قالَ يا هارُونُ﴾“ تابِعَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] . ولِجُمْلَةِ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه: ٨٧] وقَدْ وُجِدَتْ مُناسِبَةٌ لِحِكايَةِ خِطابِهِ هارُونَ بَعْدَ أنْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الحِكايَةِ بِالجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ الَّتِي مِنها جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. . .، فَهو اسْتِطْرادٌ في خِلالِ الحِكايَةِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِ هارُونَ كَما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. .، عَلى احْتِمالِ كَوْنِ تِلْكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ قَوْمِ مُوسى.
عَلِمَ مُوسى أنَّ هارُونَ مَخْصُوصٌ مِن قَوْمِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، إذْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ تَقْتَضِي العِصْمَةَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِخِطابٍ يُناسِبُ حالَهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَ عُمُومَ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الماضِي، وهَذا خِطابُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ عَلى بَقائِهِ بَيْنَ عَبَدَةِ الصَّنَمِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مانِعَ لَكَ مِنَ اللِّحاقِ بِي؛ لِأنَّهُ أقامَهُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِيهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّ الخِلافَةَ إلى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ.
و”إذْ رَأيْتَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَنَعَكَ“ . و”أنْ“ مَصْدَرِيَّةٌ، و”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُناسِبُ مَعْنى النَّفْيِ. والمَصْدَرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ
صفحة ٢٩٢
”أنْ“ هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وأمّا مَفْعُولُ ”مَنَعَكَ“ فَمَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”مَنَعَكَ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي واضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَيَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ احْتِباكٍ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لِهارُونَ مانِعٌ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّحاقِ بِمُوسى، ومُقْتَضٍ لِعَدَمِ اللَّحاقِ بِمُوسى، كَما يُقالُ: وُجِدَ السَّبَبُ وانْتَفى المانِعُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ في سُورَةِ الأعْرافِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ مُفَرَّعٌ عَلى الإنْكارِ. فَهو إنْكارٌ ثانٍ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ، مَشُوبٌ بِتَقْرِيرٍ لِلتَّهْدِيدِ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ: ”﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾“ نِداءٌ لِقَصْدِ التَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ. وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى حِينَ وبَّخَهُ أخَذَ بِشَعْرِ لِحْيَةِ هارُونَ. ويُشْعِرُ بِأنَّهُ يَجْذِبُهُ إلَيْهِ لِيَلْطِمَهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وأصْلُهُ: يا ابْنَ أُمِّي، فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو حَذْفٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّداءِ. والقِراءَتانِ وجْهانِ في حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لَفْظُ ”أُمَّ“ ولَفْظُ ”عَمِّ“ في النِّداءِ.
وعُطِفَ الرَّأْسُ عَلى اللِّحْيَةِ لِأنَّ أخْذَهُ مِن لِحْيَتِهِ أشَدُّ ألَمًا وأنْكى في الإذْلالِ.
وابْنُ الأُمِّ: الأخُ. وعَدَلَ عَنْ يا أخِي إلى ”ابْنَ أُمَّ“ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمِّ تَذْكِيرٌ بِأقْوى أواصِرِ الأُخُوَّةِ، وهي آصِرَةُ الوِلادَةِ مِن بَطْنٍ واحِدٍ والرِّضاعِ مِن لِبانٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٩٣
واللِّحْيَةُ - بِكَسْرِ اللّامِ، ويَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ في لُغَةِ الحِجازِ -: اسْمٌ لِلشَّعْرِ النّابِتِ بِالوَجْهِ عَلى مَوْضِعِ اللِّحْيَيْنِ والذَّقْنِ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ”لِحْيَتِي“ . واعْتَذَرَ هارُونُ عَنْ بَقائِهِ بَيْنَ القَوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ﴾، أيْ أنْ تَظُنَّ ذَلِكَ بِي فَتَقَوْلَهَ لَوْمًا وتَحْمِيلًا لِتَبِعَةِ الفُرْقَةِ الَّتِي ظَنَّ أنَّها واقِعَةٌ لا مَحالَةَ إذا أظْهَرَ هارُونُ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُهُ طائِفَةٌ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ ويُخالِفُهُمُ الجُمْهُورُ، فَيَقَعُ انْشِقاقٌ بَيْنَ القَوْمِ، ورُبَّما اقْتَتَلُوا، فَرَأى مِنَ المَصْلَحَةِ أنْ يُظْهِرَ الرِّضى عَنْ فِعْلِهِمْ لِيَهْدَأ الجُمْهُورُ، ويَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ اقْتِداءًبِهارُونَ. ورَأى في سُلُوكِ هَذِهِ السِّياسَةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ مُوسى لَهُ: ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . فَهو مِن جُمْلَةِ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى الَّذِي قَدَّرَهُ هارُونُ في ظَنِّهِ. وهَذا اجْتِهادٌ مِنهُ في سِياسَةِ الأُمَّةِ، إذْ تَعارَضَتْ عِنْدَهُ مَصْلَحَتانِ: مَصْلَحَةُ حِفْظِ العَقِيدَةِ، ومَصْلَحَةُ حِفْظِ الجامِعَةِ مِنَ الهَرَجِ، وفي أثْنائِها حِفْظُ الأنْفُسِ والأمْوالِ والأُخُوَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَرَجَّحَ الثّانِيَةَ. وإنَّما رَجَّحَها لِأنَّهُ رَآها أدْوَمَ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ العَقِيدَةِ يُسْتَدْرَكُ فَواتُها الوَقْتِيُّ بِرُجُوعِ مُوسى وإبْطالِهِ عِبادَةَ العِجْلِ حَيْثُ غَيَّوْا عُكُوفَهَمْ عَلى العِجْلِ بِرُجُوعِ مُوسى. بِخِلافِ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الأنْفُسِ والأمْوالِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، إذا انْثَلَمَتْ عَسُرَ تَدارُكُها. وتَضَمَّنَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . وكانَ اجْتِهادُهُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا؛ لِأنَّ حِفْظَ الأصْلِ الأصِيلِ لِلشَّرِيعَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأُصُولِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ. لِأنَّ مَصْلَحَةَ صَلاحِ الِاعْتِقادِ هي أُمُّ المَصالِحِ الَّتِي بِها صَلاحُ الِاجْتِماعِ. كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ ”أُصُولِ نِظامِ الِاجْتِماعِ الإسْلامِيِّ“؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوسى خافِيًا عَلَيْهِ أنَّ هارُونَ كانَ مِن
صفحة ٢٩٤
واجِبِهِ أنْ يَتْرُكَهم وضَلالَهم وأنْ يَلْتَحِقَ بِأخِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِما يُفْضِي إلى ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم، فَإنَّ حُرْمَةَ الشَّرِيعَةِ بِحِفْظِ أُصُولِها وعَدَمِ التَّساهُلِ فِيها، وبِحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ يَبْقى نُفُوذُها في الأُمَّةِ والعَمَلُ بِها كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ ”مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ“ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ”بَيْنَ بَنِي“ جِناسٌ، وطَرْدٌ وعَكْسٌ. وهَذا بَعْضُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هارُونُ، وحُكِيَ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّهُ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
طه 20:94
صفحة ٢٩١
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِيَ﴾ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِيَ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾
انْتَقَلَ مُوسى مِن مُحاوَرَةِ قَوْمِهِ إلى مُحاوَرَةِ أخِيهِ، فَجُمْلَةُ ”﴿قالَ يا هارُونُ﴾“ تابِعَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] . ولِجُمْلَةِ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه: ٨٧] وقَدْ وُجِدَتْ مُناسِبَةٌ لِحِكايَةِ خِطابِهِ هارُونَ بَعْدَ أنْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الحِكايَةِ بِالجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ الَّتِي مِنها جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. . .، فَهو اسْتِطْرادٌ في خِلالِ الحِكايَةِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِ هارُونَ كَما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. .، عَلى احْتِمالِ كَوْنِ تِلْكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ قَوْمِ مُوسى.
عَلِمَ مُوسى أنَّ هارُونَ مَخْصُوصٌ مِن قَوْمِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، إذْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ تَقْتَضِي العِصْمَةَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِخِطابٍ يُناسِبُ حالَهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَ عُمُومَ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الماضِي، وهَذا خِطابُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ عَلى بَقائِهِ بَيْنَ عَبَدَةِ الصَّنَمِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مانِعَ لَكَ مِنَ اللِّحاقِ بِي؛ لِأنَّهُ أقامَهُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِيهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّ الخِلافَةَ إلى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ.
و”إذْ رَأيْتَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَنَعَكَ“ . و”أنْ“ مَصْدَرِيَّةٌ، و”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُناسِبُ مَعْنى النَّفْيِ. والمَصْدَرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ
صفحة ٢٩٢
”أنْ“ هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وأمّا مَفْعُولُ ”مَنَعَكَ“ فَمَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”مَنَعَكَ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي واضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَيَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ احْتِباكٍ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لِهارُونَ مانِعٌ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّحاقِ بِمُوسى، ومُقْتَضٍ لِعَدَمِ اللَّحاقِ بِمُوسى، كَما يُقالُ: وُجِدَ السَّبَبُ وانْتَفى المانِعُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ في سُورَةِ الأعْرافِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ مُفَرَّعٌ عَلى الإنْكارِ. فَهو إنْكارٌ ثانٍ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ، مَشُوبٌ بِتَقْرِيرٍ لِلتَّهْدِيدِ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ: ”﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾“ نِداءٌ لِقَصْدِ التَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ. وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى حِينَ وبَّخَهُ أخَذَ بِشَعْرِ لِحْيَةِ هارُونَ. ويُشْعِرُ بِأنَّهُ يَجْذِبُهُ إلَيْهِ لِيَلْطِمَهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وأصْلُهُ: يا ابْنَ أُمِّي، فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو حَذْفٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّداءِ. والقِراءَتانِ وجْهانِ في حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لَفْظُ ”أُمَّ“ ولَفْظُ ”عَمِّ“ في النِّداءِ.
وعُطِفَ الرَّأْسُ عَلى اللِّحْيَةِ لِأنَّ أخْذَهُ مِن لِحْيَتِهِ أشَدُّ ألَمًا وأنْكى في الإذْلالِ.
وابْنُ الأُمِّ: الأخُ. وعَدَلَ عَنْ يا أخِي إلى ”ابْنَ أُمَّ“ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمِّ تَذْكِيرٌ بِأقْوى أواصِرِ الأُخُوَّةِ، وهي آصِرَةُ الوِلادَةِ مِن بَطْنٍ واحِدٍ والرِّضاعِ مِن لِبانٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٩٣
واللِّحْيَةُ - بِكَسْرِ اللّامِ، ويَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ في لُغَةِ الحِجازِ -: اسْمٌ لِلشَّعْرِ النّابِتِ بِالوَجْهِ عَلى مَوْضِعِ اللِّحْيَيْنِ والذَّقْنِ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ”لِحْيَتِي“ . واعْتَذَرَ هارُونُ عَنْ بَقائِهِ بَيْنَ القَوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ﴾، أيْ أنْ تَظُنَّ ذَلِكَ بِي فَتَقَوْلَهَ لَوْمًا وتَحْمِيلًا لِتَبِعَةِ الفُرْقَةِ الَّتِي ظَنَّ أنَّها واقِعَةٌ لا مَحالَةَ إذا أظْهَرَ هارُونُ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُهُ طائِفَةٌ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ ويُخالِفُهُمُ الجُمْهُورُ، فَيَقَعُ انْشِقاقٌ بَيْنَ القَوْمِ، ورُبَّما اقْتَتَلُوا، فَرَأى مِنَ المَصْلَحَةِ أنْ يُظْهِرَ الرِّضى عَنْ فِعْلِهِمْ لِيَهْدَأ الجُمْهُورُ، ويَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ اقْتِداءًبِهارُونَ. ورَأى في سُلُوكِ هَذِهِ السِّياسَةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ مُوسى لَهُ: ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . فَهو مِن جُمْلَةِ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى الَّذِي قَدَّرَهُ هارُونُ في ظَنِّهِ. وهَذا اجْتِهادٌ مِنهُ في سِياسَةِ الأُمَّةِ، إذْ تَعارَضَتْ عِنْدَهُ مَصْلَحَتانِ: مَصْلَحَةُ حِفْظِ العَقِيدَةِ، ومَصْلَحَةُ حِفْظِ الجامِعَةِ مِنَ الهَرَجِ، وفي أثْنائِها حِفْظُ الأنْفُسِ والأمْوالِ والأُخُوَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَرَجَّحَ الثّانِيَةَ. وإنَّما رَجَّحَها لِأنَّهُ رَآها أدْوَمَ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ العَقِيدَةِ يُسْتَدْرَكُ فَواتُها الوَقْتِيُّ بِرُجُوعِ مُوسى وإبْطالِهِ عِبادَةَ العِجْلِ حَيْثُ غَيَّوْا عُكُوفَهَمْ عَلى العِجْلِ بِرُجُوعِ مُوسى. بِخِلافِ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الأنْفُسِ والأمْوالِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، إذا انْثَلَمَتْ عَسُرَ تَدارُكُها. وتَضَمَّنَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . وكانَ اجْتِهادُهُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا؛ لِأنَّ حِفْظَ الأصْلِ الأصِيلِ لِلشَّرِيعَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأُصُولِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ. لِأنَّ مَصْلَحَةَ صَلاحِ الِاعْتِقادِ هي أُمُّ المَصالِحِ الَّتِي بِها صَلاحُ الِاجْتِماعِ. كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ ”أُصُولِ نِظامِ الِاجْتِماعِ الإسْلامِيِّ“؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوسى خافِيًا عَلَيْهِ أنَّ هارُونَ كانَ مِن
صفحة ٢٩٤
واجِبِهِ أنْ يَتْرُكَهم وضَلالَهم وأنْ يَلْتَحِقَ بِأخِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِما يُفْضِي إلى ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم، فَإنَّ حُرْمَةَ الشَّرِيعَةِ بِحِفْظِ أُصُولِها وعَدَمِ التَّساهُلِ فِيها، وبِحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ يَبْقى نُفُوذُها في الأُمَّةِ والعَمَلُ بِها كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ ”مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ“ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ”بَيْنَ بَنِي“ جِناسٌ، وطَرْدٌ وعَكْسٌ. وهَذا بَعْضُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هارُونُ، وحُكِيَ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّهُ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
طه 20:95
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيٌّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾
التَفَتَ مُوسى بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى السّامِرِيِّ الَّذِي كانَ سَبَبًا في إضْلالِ القَوْمِ، فالجُمْلَةُ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِ القَوْمِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا﴾ [طه: ٨٨] إلَخْ، فَهي ابْتِداءُ خِطابٍ. ولَعَلَّ مُوسى لَمْ يُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ كَما أغْلَظَ لِهارُونَ؛ لِأنَّهُ كانَ جاهِلًا بِالدِّينِ، فَلَمْ يَكُنْ في ضَلالِهِ عَجَبٌ. ولَعَلَّ هَذا يُؤَيِّدُ ما قِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَكِنَّهُ كانَ مِنَ القِبْطِ أوْ مِن كِرْمانَ، فانْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ. ولَمّا كانَ مُوسى مَبْعُوثًا لِبَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً ولِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأجْلِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ اتِّباعُ غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ لِشَرِيعَةِ مُوسى أمْرًا غَيْرَ واجِبٍ عَلى غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَكِنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاهْتِداءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفْهُ مُوسى؛ لِأنَّ الأجْدَرَ بِالتَّعْنِيفِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الشَّرِيعَةِ.
ومَعْنى ”ما خَطْبُكَ“: ما طَلَبُكَ، أيْ ماذا تَخْطُبُ، أيْ تَطْلُبُ، فَهو مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي كَلِمَةٌ أكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ؛
صفحة ٢٩٥
لِأنَّ الخَطْبَ هو الشَّأْنُ المَكْرُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ، فالمَعْنى: ما هي مُصِيبَتُكَ الَّتِي أصَبْتَ بِها القَوْمَ، وما غَرَضُكَ مِمّا فَعَلْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ”فَنَبَذْتُها“ إنْ حُمِلَتْ كَلِماتُ ”بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ“ و”قَبَضْتُ قَبْضَةً“، و”أثَرِ“، و”نَبَذْتُها“ عَلى حَقائِقِ مَدْلُولاتِها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ - كانَ المَعْنى: أبْصَرْتُ ما لَمْ يُبْصِرُوهُ، أيْ نَظَرْتُ ما لَمْ يَنْظُرُوهُ، بِناءً عَلى أنَّ ”بَصُرْتُ“ و”أبْصَرْتُ“ كِلاهُما مِن أفْعالِ النَّظَرِ بِالعَيْنِ، إلّا أنَّ ”بَصُرَ بِالشَّيْءِ“ حَقِيقَتُهُ صارَ بَصِيرًا بِهِ أوْ بَصِيرًا بِسَبَبِهِ، أيْ شَدِيدَ الإبْصارِ، فَهو أقْوى مِن ”أبْصَرْتُ“، لِأنَّهُ صِيغَ مِن فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ الَّذِي تُشْتَقُّ مِنهُ الصِّفاتُ المُشَبَّهَةُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ الوَصْفِ سَجِيَّةً، قالَ تَعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] في سُورَةِ القَصَصِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا جَلِيًّا عَنْ أمْرٍ مَرْئِيٍّ تَعَيَّنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ بِاسْتِعارَةِ ”بَصُرَ“ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الإبْصارِ إلى مَعْنى العِلْمِ القَوِيِّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وكَما سُمِّيَتِ المَعْرِفَةُ الرّاسِخَةُ بَصِيرَةً في قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
وحُكِيَ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ اللِّحْيانِيِّ: إنَّهُ لَبَصِيرٌ بِالأشْياءِ، أيْ عالِمٌ بِها، وبَصُرْتُ بِالشَّيْءِ: عَلِمْتُهُ. وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، وكَذَلِكَ فَسَّرَها الأخْفَشُ في نَقْلِ لِسانِ العَرَبِ، وأثْبَتَهُ الزَّجّاجُ. فالمَعْنى: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطِنُوا لَهُ، كَما جَعَلَهُ في ”الكَشّافِ“ أوَّلَ وجْهَيْنِ في مَعْنى الآيَةِ. ولِذَلِكَ طَرِيقَتانِ: إمّا جَعْلُ ”بَصُرْتُ“ مَجازًا، وإمّا جَعْلُهُ حَقِيقَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَبْصُرُوا“ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ الغائِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى ومَن مَعَهُ.
والقَبْضَةُ - بِفَتْحِ القافِ -: الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ، وهو غَلْقُ الرّاحَةِ عَلى شَيْءٍ، فالقَبْضَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وضِدُّ القَبْضِ: البَسْطُ.
صفحة ٢٩٦
والنَّبْذُ: إلْقاءُ ما في اليَدِ.
والأثَرُ، حَقِيقَتُهُ: ما يَتْرُكُهُ الماشِي مِن صُورَةِ قَدَمِهِ في الرَّمْلِ أوِ التُّرابِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ [طه: ٨٤] . وعَلى حَمْلِ الكَلِماتِ عَلى حَقائِقِها يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الرَّسُولِ عَنِ المَعْنى المَشْهُورِ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى جِبْرِيلَ فَإنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ. فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ. ورَوَوْا قِصَّةٌ، قالُوا: إنَّ السّامِرِيَّ فَتَنَهُ اللَّهُ، فَأراهُ اللَّهُ جِبْرِيلَ راكِبًا فَرَسًا فَوَطِئَ حافِرُ الفَرَسِ مَكانًا فَإذا هو مُخْضَرٌّ بِالنَّباتِ، فَعَلِمَ السّامِرِيُّ أنَّ أثَرَ جِبْرِيلَ إذا أُلْقِيَ في جَمادٍ صارَ حَيًّا، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن ذَلِكَ التُّرابِ وصَنَعَ عِجْلًا، وألْقى بِقَبْضَةٍ عَلَيْهِ فَصارَ جَسَدًا، أيْ حَيًّا، لَهُ خُوارٌ كَخُوارِ العِجْلِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإلْقاءِ بِالنَّبْذِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا يُوجَدُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ، ولا ورَدَ بِهِ أثَرٌ مِنَ السُّنَّةِ، وإنَّما هي أقْوالٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ، ولَعَلَّها تَسَرَّبَتْ لِلنّاسِ مِن رِواياتِ القَصّاصِينَ. فَإذا صُرِفَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ السِّتُّ إلى مَعانٍ مَجازِيَّةٍ كانَ ”بَصُرْتُ“ بِمَعْنى عَلِمْتُ واهْتَدَيْتُ، أيِ اهْتَدَيْتُ إلى عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ، وهو عِلْمُ صِناعَةِ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ الَّذِي بِهِ صُنِعَ العِجْلُ، وعِلْمُ الحِيَلِ الَّذِي أوْجَدَ بِهِ خُوارَ العِجْلِ. وكانَتِ القَبْضَةُ بِمَعْنى النَّصِيبِ القَلِيلِ، وكانَ الأثَرُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ، أيِ الشَّرِيعَةِ، وكانَ ”نَبَذْتُ“ بِمَعْنى أهْمَلْتُ ونَقَضْتُ، أيْ كُنْتُ ذا مَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ مِن هَدْيِ الشَّرِيعَةِ فانْخَلَعْتُ عَنْها بِالكُفْرُ. وبِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الرَّسُولِ عَلى المَعْنى الشّائِعِ المُتَعارَفِ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ مِنَ اللَّهِ وُأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وكانَ المَعْنى: إنِّي بِعَمَلِيَ العِجْلَ لِلْعِبادَةِ نَقَضْتُ اتِّباعَ شَرِيعَةِ مُوسى، والمَعْنى: أنَّهُ اعْتَرَفَ أمامَ مُوسى بِصُنْعِهِ العِجْلَ واعْتَرَفَ بِأنَّهُ جَهِلَ فَضَلَّ، واعْتَذَرَ بِأنَّ ذَلِكَ سَوَّلَتْهُ لَهُ نَفْسُهُ.
صفحة ٢٩٧
وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ، واخْتارَهُ الفَخْرُ.
والتَّسْوِيلُ: تَزْيِينُ ما لَيْسَ بِزَيْنٍ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ كَذَلِكَ التَّسْوِيلُ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أيْ تَسْوِيلًا لا يَقْبَلُ التَّعْرِيفَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
طه 20:96
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيٌّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾
التَفَتَ مُوسى بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى السّامِرِيِّ الَّذِي كانَ سَبَبًا في إضْلالِ القَوْمِ، فالجُمْلَةُ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِ القَوْمِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا﴾ [طه: ٨٨] إلَخْ، فَهي ابْتِداءُ خِطابٍ. ولَعَلَّ مُوسى لَمْ يُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ كَما أغْلَظَ لِهارُونَ؛ لِأنَّهُ كانَ جاهِلًا بِالدِّينِ، فَلَمْ يَكُنْ في ضَلالِهِ عَجَبٌ. ولَعَلَّ هَذا يُؤَيِّدُ ما قِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَكِنَّهُ كانَ مِنَ القِبْطِ أوْ مِن كِرْمانَ، فانْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ. ولَمّا كانَ مُوسى مَبْعُوثًا لِبَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً ولِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأجْلِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ اتِّباعُ غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ لِشَرِيعَةِ مُوسى أمْرًا غَيْرَ واجِبٍ عَلى غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَكِنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاهْتِداءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفْهُ مُوسى؛ لِأنَّ الأجْدَرَ بِالتَّعْنِيفِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الشَّرِيعَةِ.
ومَعْنى ”ما خَطْبُكَ“: ما طَلَبُكَ، أيْ ماذا تَخْطُبُ، أيْ تَطْلُبُ، فَهو مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي كَلِمَةٌ أكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ؛
صفحة ٢٩٥
لِأنَّ الخَطْبَ هو الشَّأْنُ المَكْرُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ، فالمَعْنى: ما هي مُصِيبَتُكَ الَّتِي أصَبْتَ بِها القَوْمَ، وما غَرَضُكَ مِمّا فَعَلْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ”فَنَبَذْتُها“ إنْ حُمِلَتْ كَلِماتُ ”بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ“ و”قَبَضْتُ قَبْضَةً“، و”أثَرِ“، و”نَبَذْتُها“ عَلى حَقائِقِ مَدْلُولاتِها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ - كانَ المَعْنى: أبْصَرْتُ ما لَمْ يُبْصِرُوهُ، أيْ نَظَرْتُ ما لَمْ يَنْظُرُوهُ، بِناءً عَلى أنَّ ”بَصُرْتُ“ و”أبْصَرْتُ“ كِلاهُما مِن أفْعالِ النَّظَرِ بِالعَيْنِ، إلّا أنَّ ”بَصُرَ بِالشَّيْءِ“ حَقِيقَتُهُ صارَ بَصِيرًا بِهِ أوْ بَصِيرًا بِسَبَبِهِ، أيْ شَدِيدَ الإبْصارِ، فَهو أقْوى مِن ”أبْصَرْتُ“، لِأنَّهُ صِيغَ مِن فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ الَّذِي تُشْتَقُّ مِنهُ الصِّفاتُ المُشَبَّهَةُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ الوَصْفِ سَجِيَّةً، قالَ تَعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] في سُورَةِ القَصَصِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا جَلِيًّا عَنْ أمْرٍ مَرْئِيٍّ تَعَيَّنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ بِاسْتِعارَةِ ”بَصُرَ“ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الإبْصارِ إلى مَعْنى العِلْمِ القَوِيِّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وكَما سُمِّيَتِ المَعْرِفَةُ الرّاسِخَةُ بَصِيرَةً في قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
وحُكِيَ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ اللِّحْيانِيِّ: إنَّهُ لَبَصِيرٌ بِالأشْياءِ، أيْ عالِمٌ بِها، وبَصُرْتُ بِالشَّيْءِ: عَلِمْتُهُ. وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، وكَذَلِكَ فَسَّرَها الأخْفَشُ في نَقْلِ لِسانِ العَرَبِ، وأثْبَتَهُ الزَّجّاجُ. فالمَعْنى: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطِنُوا لَهُ، كَما جَعَلَهُ في ”الكَشّافِ“ أوَّلَ وجْهَيْنِ في مَعْنى الآيَةِ. ولِذَلِكَ طَرِيقَتانِ: إمّا جَعْلُ ”بَصُرْتُ“ مَجازًا، وإمّا جَعْلُهُ حَقِيقَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَبْصُرُوا“ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ الغائِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى ومَن مَعَهُ.
والقَبْضَةُ - بِفَتْحِ القافِ -: الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ، وهو غَلْقُ الرّاحَةِ عَلى شَيْءٍ، فالقَبْضَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وضِدُّ القَبْضِ: البَسْطُ.
صفحة ٢٩٦
والنَّبْذُ: إلْقاءُ ما في اليَدِ.
والأثَرُ، حَقِيقَتُهُ: ما يَتْرُكُهُ الماشِي مِن صُورَةِ قَدَمِهِ في الرَّمْلِ أوِ التُّرابِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ [طه: ٨٤] . وعَلى حَمْلِ الكَلِماتِ عَلى حَقائِقِها يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الرَّسُولِ عَنِ المَعْنى المَشْهُورِ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى جِبْرِيلَ فَإنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ. فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ. ورَوَوْا قِصَّةٌ، قالُوا: إنَّ السّامِرِيَّ فَتَنَهُ اللَّهُ، فَأراهُ اللَّهُ جِبْرِيلَ راكِبًا فَرَسًا فَوَطِئَ حافِرُ الفَرَسِ مَكانًا فَإذا هو مُخْضَرٌّ بِالنَّباتِ، فَعَلِمَ السّامِرِيُّ أنَّ أثَرَ جِبْرِيلَ إذا أُلْقِيَ في جَمادٍ صارَ حَيًّا، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن ذَلِكَ التُّرابِ وصَنَعَ عِجْلًا، وألْقى بِقَبْضَةٍ عَلَيْهِ فَصارَ جَسَدًا، أيْ حَيًّا، لَهُ خُوارٌ كَخُوارِ العِجْلِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإلْقاءِ بِالنَّبْذِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا يُوجَدُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ، ولا ورَدَ بِهِ أثَرٌ مِنَ السُّنَّةِ، وإنَّما هي أقْوالٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ، ولَعَلَّها تَسَرَّبَتْ لِلنّاسِ مِن رِواياتِ القَصّاصِينَ. فَإذا صُرِفَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ السِّتُّ إلى مَعانٍ مَجازِيَّةٍ كانَ ”بَصُرْتُ“ بِمَعْنى عَلِمْتُ واهْتَدَيْتُ، أيِ اهْتَدَيْتُ إلى عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ، وهو عِلْمُ صِناعَةِ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ الَّذِي بِهِ صُنِعَ العِجْلُ، وعِلْمُ الحِيَلِ الَّذِي أوْجَدَ بِهِ خُوارَ العِجْلِ. وكانَتِ القَبْضَةُ بِمَعْنى النَّصِيبِ القَلِيلِ، وكانَ الأثَرُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ، أيِ الشَّرِيعَةِ، وكانَ ”نَبَذْتُ“ بِمَعْنى أهْمَلْتُ ونَقَضْتُ، أيْ كُنْتُ ذا مَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ مِن هَدْيِ الشَّرِيعَةِ فانْخَلَعْتُ عَنْها بِالكُفْرُ. وبِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الرَّسُولِ عَلى المَعْنى الشّائِعِ المُتَعارَفِ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ مِنَ اللَّهِ وُأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وكانَ المَعْنى: إنِّي بِعَمَلِيَ العِجْلَ لِلْعِبادَةِ نَقَضْتُ اتِّباعَ شَرِيعَةِ مُوسى، والمَعْنى: أنَّهُ اعْتَرَفَ أمامَ مُوسى بِصُنْعِهِ العِجْلَ واعْتَرَفَ بِأنَّهُ جَهِلَ فَضَلَّ، واعْتَذَرَ بِأنَّ ذَلِكَ سَوَّلَتْهُ لَهُ نَفْسُهُ.
صفحة ٢٩٧
وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ، واخْتارَهُ الفَخْرُ.
والتَّسْوِيلُ: تَزْيِينُ ما لَيْسَ بِزَيْنٍ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ كَذَلِكَ التَّسْوِيلُ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أيْ تَسْوِيلًا لا يَقْبَلُ التَّعْرِيفَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
طه 20:97
﴿قالَ فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾
لَمْ يَزِدْ مُوسى في عِقابِ السّامِرِيِّ عَلى أنْ خَلَعَهُ مِنَ الأُمَّةِ، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِن أنْفُسِهِمْ فَلَمْ يَكُنْ بِالَّذِي تَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الشَّرِيعَةِ، وإمّا لِأنَّ مُوسى أعْلَمُ بِأنَّ السّامِرِيَّ لا يُرْجى صَلاحُهُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ مِثْلَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِماتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ٩٦] ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ﴾ [يونس: ٩٧] الألِيمَ، ويَكُونُ قَدْ أطْلَعَ اللَّهُ مُوسى عَلى ذَلِكَ بِوَحْيٍ أوْ إلْهامٍ، مِثْلَ الَّذِي قاتَلَ قِتالًا شَدِيدًا مَعَ المُسْلِمِينَ، وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «أما إنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ»، ومِثْلَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ أعْلَمَ اللَّهُ بِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وكانَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أعْلَمَ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ بِبَعْضِهِمْ. فَقَوْلُهُ: ”فاذْهَبْ“ الأظْهَرُ أنَّهُ أمْرٌ لَهُ بِالِانْصِرافِ والخُرُوجِ مِن وسَطِ الأُمَّةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلِمَةَ زَجْرٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ
صفحة ٢٩٨
مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ﴾ [الإسراء: ٦٣]، وكَقَوْلِ الشّاعِرِ مِمّا أنْشَدَهَ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ ولَمْ يَعْزُهُ:
فاليَوْمَ قَرَّبْتَ تَهْجُونا وتَشْتِمُنا فاذْهَبْ فَما وبِكَ والأيّامِ مِن عَجَبِ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادًا بِهِ عَدَمُ الِاكْتِراثِ بِحالِهِ، كَقَوْلِ النَّبْهانِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا ∗∗∗ وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
أمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فَهو إخْبارٌ بِما عاقَبَهُ اللَّهُ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَجَعَلَ حَظَّهُ في حَياتِهِ أنْ يَقُولَ: لا مِساسَ، أيْ سَلَبَهُ اللَّهُ الأُنْسَ الَّذِي في طَبْعِ الإنْسانِ فَعَوَّضَهُ بِهِ هَوَسًا ووِسْواسًا وتَوَحُّشًا، فَأصْبَحَ مُتَباعِدًا عَنْ مُخالَطَةِ النّاسِ، عائِشًا وحْدَهُ، لا يَتْرُكُ أحَدًا يَقْتَرِبُ مِنهُ، فَإذا لَقِيَهُ إنْسانٌ قالَ لَهُ: لا مِساسَ، يَخْشى أنْ يَمَسَّهُ، أيْ لا تَمَسَّنِي ولا أمَسُّكَ، أوْ أرادَ لا اقْتِرابَ مِنِّي، فَإنَّ المَسَّ يُطْلَقُ عَلى الِاقْتِرابِ، كَقَوْلِهِ: ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ، وهَذا أنْسَبُ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ، أيْ: مُقارَبَةٌ بَيْنِنا، فَكانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وهَذِهِ حالَةٌ فَظِيعَةٌ أصْبَحَ بِها سُخْرِيَةً.
”ومِساسَ“ بِكَسْرِ المِيمِ في قِراءَةِ جَمِيعِ القُرّاءِ، وهو مَصْدَرُ ماسَّهُ بِمَعْنى مَسَّهُ، و”لا“ نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، و”مِساسَ“ اسْمُها مَبْنَيٌّ عَلى الفَتْحِ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ اللّامُ في ”لَكَ“ اسْتِعارَةٌ تَهَكُّمِيَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ [الإسراء: ٧] أيْ فَعَلَيْها. وتَوَعَّدَهُ بِعَذابِ الآخِرَةِ فَجَعَلَهُ مَوْعِدًا لَهُ، أيْ مَوْعِدَ الحَشْرِ والعَذابِ، فالمَوْعِدُ مَصْدَرٌ، أيْ وعْدٌ لا يُخْلَفُ ﴿وعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ [الروم: ٦] . وهُنا تَوَعُّدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لَنْ تُخْلَفَهُ“ بِفَتْحِ اللّامِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ؛ لِلْعِلْمِ بِفاعِلِهِ وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ لا يُؤَخِّرُهُ اللَّهُ عَنْكَ، فاسْتُعِيرَ الإخْلافُ لِلتَّأْخِيرِ لِمُناسَبَةِ المَوْعِدِ.
صفحة ٢٩٩
وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ اللّامِ، مُضارِعُ أخْلَفَ، وهَمْزَتُهُ لِلْوِجْدانِ. يُقالُ: أخْلَفَ الوَعْدَ، إذا وجَدَهُ مُخْلَفًا، وإمّا عَلى جَعْلِ السّامِرِيِّ هو الَّذِي بِيَدِهِ إخْلافُ الوَعْدِ وأنَّهُ لا يُخْلِفُهُ، وذَلِكَ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ تَبَعًا لِلتَّهَكُّمِ الَّذِي أفادَهُ لامُ المِلْكِ.
وبَعْدَ أنْ أوْعَدَ مُوسى السّامِرِيَّ بَيَّنَ لَهُ ولِلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ضَلالَهم بِعِبادَتِهِمُ العِجْلَ بِأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ؛ لِأنَّهُ لِلِامْتِهانِ والعَجْزِ، فَقالَ: ﴿وانْظُرْ إلى إلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ في اليَمِّ نَسْفًا﴾ . فَجُعِلَ الِاسْتِدْلالُ بِالنَّظَرِ إشارَةً إلى أنَّهُ دَلِيلٌ بَيِّنٌ لا يَحْتاجُ المُسْتَدِلُّ بِهِ إلى أكْثَرَ مِنَ المُشاهَدَةِ؛ فَإنَّ دَلالَةَ المَحْسُوساتِ أوْضَحُ مِن دَلالَةِ المَعْقُولاتِ. وأضافَ الإلَهَ إلى ضَمِيرِ السّامِرِيِّ تَهَكُّمًا بِالسّامِرِيِّ وتَحْقِيرًا لَهُ، ووَصَفَ ذَلِكَ الإلَهَ المَزْعُومَ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ؛ لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الصِّلَةُ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى الضَّلالِ والخَطَأِ، أيِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُعْكَفَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ”ظَلْتَ“ بِفَتْحِ الظّاءِ في القِراءاتِ المَشْهُورَةِ، وأصْلُهُ: ظَلَلْتَ، حُذِفَتْ مِنهُ اللّامُ الأُولى تَخْفِيفًا مِن تَوالِي اللّامَيْنِ، وهو حَذْفٌ نادِرٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وعِنْدَ غَيْرِهِ هو قِياسٌ. وفِعْلُ ”ظَلَّ“ مِن أخَواتِ ”كانَ“، وأصْلُهُ الدَّلالَةُ عَلى اتِّصافِ اسْمِهِ بِخَبَرِهِ في وقْتِ النَّهارِ، وهو هُنا مَجازٌ في مَعْنى دامَ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ بِناءً عَلى أنَّ غالِبَ الأعْمالِ يَكُونُ في النَّهارِ.
والعُكُوفُ: مُلازَمَةُ العِبادَةِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ عاكِفًا﴾ لِلتَّخْصِيصِ، أيِ الَّذِي اخْتَرْتَهُ لِلْعِبادَةِ دُونَ غَيْرِهِ، أيْ دُونَ اللَّهِ تَعالى.
صفحة ٣٠٠
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”لِنُحَرِّقَنَّهُ“ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وفَتْحِ الحاءِ وكَسْرِ الرّاءِ مُشَدَّدَةً. والتَّحْرِيقُ: الإحْراقُ الشَّدِيدُ، أيْ لَنُحَرِّقَنَّهُ إحْراقًا لا يَدَعُ لَهُ شَكْلًا. وأرادَ بِهِ أنْ يُذِيبَهُ بِالنّارِ حَتّى يَفْسُدَ شَكْلُهُ ويَصِيرَ قِطَعًا.
وقَرَأ ابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ ”لَنُحْرِقَنَّهُ“ بِضَمِّ النُّونِ الأُولى وبِإسْكانِ الحاءِ وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأهُ ابْنُ ورْدانَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ بِفَتْحِ النُّونِ الأُولى وإسْكانِ الحاءِ وضَمِّ الرّاءِ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: أحْرَقَهُ وحَرَّقَهُ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ لِأجْزاءِ شَيْءٍ صَلْبٍ كالبِناءِ والتُّرابِ. وأرادَ بِاليَمِّ البَحْرَ الأحْمَرَ المُسَمّى بَحْرَ القُلْزُمِ، والمُسَمّى في التَّوْراةِ: بَحْرَ سُوفٍ، وكانُوا نازِلِينَ حِينَئِذٍ عَلى ساحِلِهِ في سَفْحِ الطُّورِ.
و”ثُمَّ“ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ نَسْفَ العِجْلِ أشَدُّ في إعْدامِهِ مِن تَحْرِيقِهِ وأذَلُّ لَهُ. وأكَّدَ ”نَنْسِفَنَّهُ“ بِالمَفْعُولِ المُطْلَقِ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ في ذَلِكَ، ولا يَخْشى غَضَبَهُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهُ إلَهٌ.
طه 20:98
﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَمَوْقِعُها مَوْقِعُ التَّذْيِيلِ لِوَعْظِهِ. وقَدِ التَفَتَ مِن خِطابِ السّامِرِيِّ إلى خِطابِ الأُمَّةِ إعْراضًا عَنْ خِطابِهِ تَحْقِيرًا لَهُ، وقَصْدًا لِتَنْبِيهِهِمْ عَلى خَطَئِهِمْ، وتَعْلِيمِهِمْ صِفاتَ الإلَهِ الحَقِّ، واقْتَصَرَ مِنها عَلى الوَحْدانِيَّةِ وعُمُومِ العِلْمِ؛ لِأنَّ الوَحْدانِيَّةَ تَجْمَعُ جَمِيعَ الصِّفاتِ، كَما قُرِّرَ في دَلالَةِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ عَلَيْها في كُتُبِ عِلْمِ الكَلامِ.
صفحة ٣٠١
وأمّا عُمُومُ العِلْمِ فَهو إشارَةٌ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِجَمِيعِ الكائِناتِ الشّامِلَةِ لِأعْمالِهِمْ لِيَرْقُبُوهُ في خاصَّتِهِمْ.
واسْتُعِيرَ فِعْلُ ”وسِعَ“ لِمَعْنى الإحاطَةِ التّامَّةِ؛ لِأنَّ الإناءَ الواسِعَ يُحِيطُ بِأكْثَرِ أشْياءَ مِمّا هو دُونَهُ. وانْتَصَبَ ”عِلْمًا“ عَلى أنَّهُ تَمْيِيزُ نِسْبَةِ السَّعَةِ إلى اللَّهِ تَعالى، فَيُئَوَّلُ المَعْنى: وسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ، أيْ لا يَقْتَصِرُ عَنِ الِاطِّلاعِ عَلى أخْفى الأشْياءِ، كَما أفادَ لَفْظُ ”كُلِّ“ المُفِيدُ لِلْعُمُومِ. وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
طه 20:99
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ أفادَتِ التَّنْوِيهَ بِقِصَّةِ رِسالَةِ مُوسى وما عَقَّبَها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ١٠]، أيْ مِثْلُ هَذا القِصَصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ القُرُونِ الماضِيَةِ. والإشارَةُ راجِعَةٌ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”نَقُصُّ“ قَصَصَنا، وإنَّما صِيغَ المُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الحَسَنَةِ في ذَلِكَ القَصَصِ.
صفحة ٣٠٢
والتَّشْبِيهُ راجِعٌ إلى تَشْبِيهِها بِنَفْسِها، كِنايَةً عَنْ كَوْنِها إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُها وتَقْرِيبُها بِما هو أعْرَفُ مِنها في بابِها لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِنَفْسِهِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَها بِنَفْسِها، لِأنَّها لا يَفُوقُها غَيْرُها في بابِها حَتّى تُقَرَّبَ بِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَصَصًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، فَتَكُونُ مَفْعُولَ ”نَقُصُّ“ .
والأنْباءُ: الأخْبارُ. و”ما“ المَوْصُولَةُ ماصَدَقُها الأزْمانُ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تُضافُ إلى أزْمانِها، كَقَوْلِهِمْ: أخْبارُ أيّامِ العَرَبِ، والقُرُونِ الوُسْطى. وهي كُلُّها مِن حَقِّها في المَوْصُولِيَّةِ أنْ تُعَرَّفَ بِـ ”ما“ الغالِبَةِ في غَيْرِ العاقِلِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْصُودَ ما فِيها مِن أحْوالِ الأُمَمِ، فَلَوْ عُرِّفَتْ بِـ ”مَن“ الغالِبَةِ في العُقَلاءِ لَصَحَّ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ واسِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ إيماءً إلى أنَّ ما يُقَصُّ مِن أخْبارِ الأُمَمِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ حِصَّةِ الزَّمانِ ولا إيناسُ السّامِعِينَ بِالحَدِيثِ؛ إنَّما المَقْصُودُ مِنهُ العِبْرَةُ والتَّذْكِرَةُ وإيقاظٌ لِبَصائِرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ إلى مَوْضِعِ الِاعْتِبارِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ، وهو إعْراضُ الأُمَّةِ عَنْ هَدْيِ رَسُولِها وانْصِياعِها إلى تَضْلِيلِ المُضَلِّلِينَ مِن بَيْنِها. فَلِلْإيماءِ إلى هَذا قالَ تَعالى ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ .
وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ آتَيْناكَ كِتابًا عَظِيمًا. وقَوْلُهُ: مِن لَدُنّا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى آتَيْناكَ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ عَطِيَّةٌ كانَتْ مَخْزُونَةً عِنْدَ اللَّهِ فَخَصَّ بِها خَيْرَ عِبادِهِ.
صفحة ٣٠٣
والوِزْرُ: الإثْمُ. وجُعِلَ مَحْمُولًا تَمْثِيلًا لِمُلاقاةِ المَشَقَّةِ مِن جَرّاءِ الإثْمِ، أيْ مِنَ العِقابِ عَنْهُ، فَهُنا مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَرِينَتُهُ الحالُ في قَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيهِ، وهو حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ أوِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وماصَدَقُها مُتَّحِدٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ بِالإفْرادِ والجَمْعِ رَعْيًا لِلَفْظِ ”مِن“ مَرَّةً، ولِمَدْلُولِها مَرَّةً، وهو الجَمْعُ المُعْرِضُونَ، فَقالَ: ”مَن أعْرَضَ“ ثُمَّ قالَ: ”خالِدِينَ“ . وجُمْلَةُ ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: ومَسُوئِينَ بِهِ. و”ساءَ“ هُنا هو أحَدُ أفْعالِ الذَّمِّ مِثْلَ ”بِئْسَ“، وفاعِلُ ”ساءَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ”حِمْلًا“ .
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - اسْمٌ بِمَعْنى المَحْمُولِ، كالذِّبْحِ بِمَعْنى المَذْبُوحِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ لَفْظِ ”وِزْرًا“ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وساءَ لَهم حِمْلًا وِزْرُهم، وحَذْفُ المَخْصُوصِ في أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] أيْ سُلَيْمانُ هو الأوّابُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”وساءَ لَهم“ لامُ التَّبْيِينِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَفْعُولِ في المَعْنى؛ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ: ساءَهُمُ الحِمْلُ، فَجِيءَ بِاللّامِ لِزِيادَةِ تَبْيِينِ تَعَلُّقِ الذَّمِّ بِحِمْلِهِ. فاللّامُ لِبَيانِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمْ سُوءُ الحِمْلِ.
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - المَحْمُولُ، مِثْلُ الذِّبْحِ.
طه 20:100
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ أفادَتِ التَّنْوِيهَ بِقِصَّةِ رِسالَةِ مُوسى وما عَقَّبَها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ١٠]، أيْ مِثْلُ هَذا القِصَصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ القُرُونِ الماضِيَةِ. والإشارَةُ راجِعَةٌ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”نَقُصُّ“ قَصَصَنا، وإنَّما صِيغَ المُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الحَسَنَةِ في ذَلِكَ القَصَصِ.
صفحة ٣٠٢
والتَّشْبِيهُ راجِعٌ إلى تَشْبِيهِها بِنَفْسِها، كِنايَةً عَنْ كَوْنِها إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُها وتَقْرِيبُها بِما هو أعْرَفُ مِنها في بابِها لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِنَفْسِهِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَها بِنَفْسِها، لِأنَّها لا يَفُوقُها غَيْرُها في بابِها حَتّى تُقَرَّبَ بِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَصَصًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، فَتَكُونُ مَفْعُولَ ”نَقُصُّ“ .
والأنْباءُ: الأخْبارُ. و”ما“ المَوْصُولَةُ ماصَدَقُها الأزْمانُ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تُضافُ إلى أزْمانِها، كَقَوْلِهِمْ: أخْبارُ أيّامِ العَرَبِ، والقُرُونِ الوُسْطى. وهي كُلُّها مِن حَقِّها في المَوْصُولِيَّةِ أنْ تُعَرَّفَ بِـ ”ما“ الغالِبَةِ في غَيْرِ العاقِلِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْصُودَ ما فِيها مِن أحْوالِ الأُمَمِ، فَلَوْ عُرِّفَتْ بِـ ”مَن“ الغالِبَةِ في العُقَلاءِ لَصَحَّ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ واسِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ إيماءً إلى أنَّ ما يُقَصُّ مِن أخْبارِ الأُمَمِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ حِصَّةِ الزَّمانِ ولا إيناسُ السّامِعِينَ بِالحَدِيثِ؛ إنَّما المَقْصُودُ مِنهُ العِبْرَةُ والتَّذْكِرَةُ وإيقاظٌ لِبَصائِرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ إلى مَوْضِعِ الِاعْتِبارِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ، وهو إعْراضُ الأُمَّةِ عَنْ هَدْيِ رَسُولِها وانْصِياعِها إلى تَضْلِيلِ المُضَلِّلِينَ مِن بَيْنِها. فَلِلْإيماءِ إلى هَذا قالَ تَعالى ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ .
وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ آتَيْناكَ كِتابًا عَظِيمًا. وقَوْلُهُ: مِن لَدُنّا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى آتَيْناكَ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ عَطِيَّةٌ كانَتْ مَخْزُونَةً عِنْدَ اللَّهِ فَخَصَّ بِها خَيْرَ عِبادِهِ.
صفحة ٣٠٣
والوِزْرُ: الإثْمُ. وجُعِلَ مَحْمُولًا تَمْثِيلًا لِمُلاقاةِ المَشَقَّةِ مِن جَرّاءِ الإثْمِ، أيْ مِنَ العِقابِ عَنْهُ، فَهُنا مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَرِينَتُهُ الحالُ في قَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيهِ، وهو حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ أوِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وماصَدَقُها مُتَّحِدٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ بِالإفْرادِ والجَمْعِ رَعْيًا لِلَفْظِ ”مِن“ مَرَّةً، ولِمَدْلُولِها مَرَّةً، وهو الجَمْعُ المُعْرِضُونَ، فَقالَ: ”مَن أعْرَضَ“ ثُمَّ قالَ: ”خالِدِينَ“ . وجُمْلَةُ ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: ومَسُوئِينَ بِهِ. و”ساءَ“ هُنا هو أحَدُ أفْعالِ الذَّمِّ مِثْلَ ”بِئْسَ“، وفاعِلُ ”ساءَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ”حِمْلًا“ .
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - اسْمٌ بِمَعْنى المَحْمُولِ، كالذِّبْحِ بِمَعْنى المَذْبُوحِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ لَفْظِ ”وِزْرًا“ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وساءَ لَهم حِمْلًا وِزْرُهم، وحَذْفُ المَخْصُوصِ في أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] أيْ سُلَيْمانُ هو الأوّابُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”وساءَ لَهم“ لامُ التَّبْيِينِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَفْعُولِ في المَعْنى؛ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ: ساءَهُمُ الحِمْلُ، فَجِيءَ بِاللّامِ لِزِيادَةِ تَبْيِينِ تَعَلُّقِ الذَّمِّ بِحِمْلِهِ. فاللّامُ لِبَيانِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمْ سُوءُ الحِمْلِ.
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - المَحْمُولُ، مِثْلُ الذِّبْحِ.
طه 20:101
﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ أفادَتِ التَّنْوِيهَ بِقِصَّةِ رِسالَةِ مُوسى وما عَقَّبَها مِنَ الأعْمالِ الَّتِي مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ [طه: ٩] ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ١٠]، أيْ مِثْلُ هَذا القِصَصِ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ القُرُونِ الماضِيَةِ. والإشارَةُ راجِعَةٌ إلى القِصَّةِ المَذْكُورَةِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ”نَقُصُّ“ قَصَصَنا، وإنَّما صِيغَ المُضارِعُ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ الحَسَنَةِ في ذَلِكَ القَصَصِ.
صفحة ٣٠٢
والتَّشْبِيهُ راجِعٌ إلى تَشْبِيهِها بِنَفْسِها، كِنايَةً عَنْ كَوْنِها إذا أُرِيدَ تَشْبِيهُها وتَقْرِيبُها بِما هو أعْرَفُ مِنها في بابِها لَمْ يَجِدْ مُرِيدُ ذَلِكَ طَرِيقًا لِنَفْسِهِ في التَّشْبِيهِ إلّا أنْ يُشَبِّهَها بِنَفْسِها، لِأنَّها لا يَفُوقُها غَيْرُها في بابِها حَتّى تُقَرَّبَ بِهِ، عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، ونَظائِرُهُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ تَبْعِيضِيَّةٌ، وهي صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: قَصَصًا مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ ”مِن“ اسْمًا بِمَعْنى بَعْضٍ، فَتَكُونُ مَفْعُولَ ”نَقُصُّ“ .
والأنْباءُ: الأخْبارُ. و”ما“ المَوْصُولَةُ ماصَدَقُها الأزْمانُ؛ لِأنَّ الأخْبارَ تُضافُ إلى أزْمانِها، كَقَوْلِهِمْ: أخْبارُ أيّامِ العَرَبِ، والقُرُونِ الوُسْطى. وهي كُلُّها مِن حَقِّها في المَوْصُولِيَّةِ أنْ تُعَرَّفَ بِـ ”ما“ الغالِبَةِ في غَيْرِ العاقِلِ. ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْصُودَ ما فِيها مِن أحْوالِ الأُمَمِ، فَلَوْ عُرِّفَتْ بِـ ”مَن“ الغالِبَةِ في العُقَلاءِ لَصَحَّ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ واسِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ إيماءً إلى أنَّ ما يُقَصُّ مِن أخْبارِ الأُمَمِ لَيْسَ المَقْصُودُ بِهِ قَطْعُ حِصَّةِ الزَّمانِ ولا إيناسُ السّامِعِينَ بِالحَدِيثِ؛ إنَّما المَقْصُودُ مِنهُ العِبْرَةُ والتَّذْكِرَةُ وإيقاظٌ لِبَصائِرِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ إلى مَوْضِعِ الِاعْتِبارِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ، وهو إعْراضُ الأُمَّةِ عَنْ هَدْيِ رَسُولِها وانْصِياعِها إلى تَضْلِيلِ المُضَلِّلِينَ مِن بَيْنِها. فَلِلْإيماءِ إلى هَذا قالَ تَعالى ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا﴾ ﴿مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ ﴿خالِدِينَ فِيهِ﴾ .
وتَنْكِيرُ ذِكْرًا لِلتَّعْظِيمِ، أيْ آتَيْناكَ كِتابًا عَظِيمًا. وقَوْلُهُ: مِن لَدُنّا تَوْكِيدٌ لِمَعْنى آتَيْناكَ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القُرْآنِ بِأنَّهُ عَطِيَّةٌ كانَتْ مَخْزُونَةً عِنْدَ اللَّهِ فَخَصَّ بِها خَيْرَ عِبادِهِ.
صفحة ٣٠٣
والوِزْرُ: الإثْمُ. وجُعِلَ مَحْمُولًا تَمْثِيلًا لِمُلاقاةِ المَشَقَّةِ مِن جَرّاءِ الإثْمِ، أيْ مِنَ العِقابِ عَنْهُ، فَهُنا مُضافٌ مُقَدَّرٌ وقَرِينَتُهُ الحالُ في قَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيهِ، وهو حالٌ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ أوِ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ، وماصَدَقُها مُتَّحِدٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ بِالإفْرادِ والجَمْعِ رَعْيًا لِلَفْظِ ”مِن“ مَرَّةً، ولِمَدْلُولِها مَرَّةً، وهو الجَمْعُ المُعْرِضُونَ، فَقالَ: ”مَن أعْرَضَ“ ثُمَّ قالَ: ”خالِدِينَ“ . وجُمْلَةُ ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ: ومَسُوئِينَ بِهِ. و”ساءَ“ هُنا هو أحَدُ أفْعالِ الذَّمِّ مِثْلَ ”بِئْسَ“، وفاعِلُ ”ساءَ“ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ التَّمْيِيزُ الَّذِي بَعْدَهُ وهو ”حِمْلًا“ .
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - اسْمٌ بِمَعْنى المَحْمُولِ، كالذِّبْحِ بِمَعْنى المَذْبُوحِ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ لَفْظِ ”وِزْرًا“ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وساءَ لَهم حِمْلًا وِزْرُهم، وحَذْفُ المَخْصُوصِ في أفْعالِ المَدْحِ والذَّمِّ شائِعٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ العَبْدُ إنَّهُ أوّابٌ﴾ [ص: ٣٠] أيْ سُلَيْمانُ هو الأوّابُ. واللّامُ في قَوْلِهِ: ”وساءَ لَهم“ لامُ التَّبْيِينِ، وهي مُبَيِّنَةٌ لِلْمَفْعُولِ في المَعْنى؛ لِأنَّ أصْلَ الكَلامِ: ساءَهُمُ الحِمْلُ، فَجِيءَ بِاللّامِ لِزِيادَةِ تَبْيِينِ تَعَلُّقِ الذَّمِّ بِحِمْلِهِ. فاللّامُ لِبَيانِ الَّذِينَ تَعَلَّقَ بِهِمْ سُوءُ الحِمْلِ.
والحِمْلُ - بِكَسْرِ الحاءِ - المَحْمُولُ، مِثْلُ الذِّبْحِ.
طه 20:102
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن
صفحة ٣٠٤
لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] . تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ البَعْثِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والنِّذارَةِ بِما يَحْصُلُ لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والصُّورُ: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُجْعَلُ في داخِلِهِ سِدادٌ لِبَعْضِ فَضائِهِ، فَإذا نَفَخَ فِيهِ النّافِخُ بِقُوَّةٍ خَرَجَ مِنهُ صَوْتٌ قَوِيٌّ، وقَدِ اتُّخِذَ لِلْإعْلامِ بِالِاجْتِماعِ لِلْحَرْبِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُنْفَخُ“ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ بِنَفْخِ نافِخٍ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِذَلِكَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”نَنْفُخُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الفاءِ. وإسْنادُ النَّفْخِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الآمِرُ بِهِ، مِثْلَ: بَنى الأمِيرُ القَلْعَةَ.
والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ والكَفَرَةُ.
والزُّرْقُ: جَمْعُ أزْرَقٍ، وهو الَّذِي لَوْنُهُ الزُّرْقَةُ. والزُّرْقَةُ: لَوْنٌ كَلَوْنِ السَّماءِ إثْرَ الغُرُوبِ، وهو في جَلْدِ الإنْسانِ قَبِيحُ المَنظَرِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ لَوْنَ ما أصابَهُ حَرْقُ نارٍ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الزُّرْقَةَ لَوْنُ أجْسادِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقِيلَ: المُرادُ لَوْنُ عُيُونِهِمْ، فَقِيلَ: لِأنَّ زُرْقَةَ العَيْنِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ العَرَبِ. والأظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يُرادَ شِدَّةُ زُرْقَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْنٌ غَيْرُ مُعْتادٍ،، فَيَكُونُ كَقَوْلِ بِشارٍ:
ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ
وقِيلَ: المُرادُ بِالزُّرْقِ العُمْيُ؛ لِأنَّ العَمى يُلَوِّنُ العَيْنَ بِزُرْقَةٍ. وهو مُحْتَمَلٌ في بَيْتِ بِشارٍ أيْضًا.
والتَّخافُتُ: الكَلامُ الخَفِيُّ مِن خَوْفٍ ونَحْوِهُ. وتَخافُتُهم لِأجْلِ ما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] .
صفحة ٣٠٥
وجُمْلَةُ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ مُبِينَةٌ لِجُمْلَةِ يَتَخافَتُونَ، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا ورُفاتًا فَأحْياهُمُ اللَّهُ، فاسْتَيْقَنُوا ضَلالَهم؛ إذْ كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ. ولَعَلَّهم أرادُوا الِاعْتِذارَ لِخَطَئِهِمْ في إنْكارِ الإحْياءِ بَعْدَ انْقِراضِ أجْزاءِ البَدَنِ مُبالَغَةً في المُكابَرَةِ، فَزَعَمُوا أنَّهم ما لَبِثُوا في القُبُورِ إلّا عَشْرَ لَيالٍ، فَلَمْ يَصِيرُوا رُفاتًا، وذَلِكَ لِما بَقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِحالَةِ الإحْياءِ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأوْصالِ، فَزَعَمُوا أنَّ إحْياءَهم ما كانَ إلّا بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، فالمُرادُ بِاللَّبْثِ: المُكْثُ في القُبُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
و”إذا“ ظَرْفٌ، أيْ يَتَخافَتُونَ في وقْتٍ يَقُولُ فِيهِ أمْثَلُهم طَرِيقَةً. والأمْثَلُ: الأرْجَحُ الأفْضَلُ. والمَثالَةُ: الفَضْلُ، أيْ صاحِبُ الطَّرِيقَةِ المُثْلى؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِلتَّمْيِيزِ.
والطَّرِيقَةُ: الحالَةُ والسُّنَّةُ والرَّأْيُ. والمُرادُ هُنا الرَّأْيُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمْ يَأْتِ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وصْفِ القائِلِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ بِأنَّهُ أمْثَلُ طَرِيقَةٍ بِوَجْهٍ تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ؛ والَّذِي أراهُ: أنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ؛ فَإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كانَ المَعْنى أنَّهُ أقْرَبُهم إلى اخْتِلاقِ الِاعْتِذارِ عَنْ خَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقِعًا بَعْدَ طُولِ المُكْثِ في الأرْضِ طُولًا تَتَلاشى فِيهِ أجْزاءُ الأجْسامِ، فَلَمّا وجَدُوا أجْسادَهم كامِلَةً مِثْلَ ما كانُوا في الدُّنْيا قالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ . فَكانَ ذَلِكَ القَوْلُ عُذْرًا؛ لِأنَّ عَشْرَ اللَّيالِيَ تَتَغَيَّرُ في مِثْلِها الأجْسامُ. فَكانَ الَّذِي قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا
صفحة ٣٠٦
يَوْمًا﴾ أقْرَبَ إلى رَواجِ الِاعْتِذارِ. فالمُرادُ: أنَّهُ الأمْثَلُ مِن بَيْنِهِمْ في المَعاذِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُصِيبٌ. وإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ المَجازِ فَهو تَهَكُّمٌ بِالقائِلِ في سُوءِ تَقْدِيرِهِ مِن لَبْثِهِمْ في القُبُورِ، فَلَمّا كانَ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَغِّلًا في الغَلَطِ، مُؤْذِنًا بِجَهْلِ المُقَدِّرِينَ واسْتِبْهامُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، دالًّا عَلى الجَهْلِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي قَضّى الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ والأُمَمَ العَظِيمَةَ وأعادَهم بَعْدَ القُرُونِ الغابِرَةِ - فَكانَ الَّذِي قُدَّرَ زَمَنَ المُكْثِ في القُبُورِ بِأقَلِّ قَدْرٍ أوْغَلَ في الغَلَطِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِـ ”أمْثَلُهم طَرِيقَةً“ تَهَكُّمًا بِهِ وبِهِمْ مَعًا، إذِ اسْتَوى الجَمِيعُ في الخَطَأِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ ”يَتَخافَتُونَ“ وظَرْفِيَّةِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ﴾، أيْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا ونَحْنُ أعْلَمُ بِهِ، وإنَّنا نُخْبِرُ عَنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبَرَ العَلِيمِ الصّادِقِ.
طه 20:103
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن
صفحة ٣٠٤
لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] . تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ البَعْثِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والنِّذارَةِ بِما يَحْصُلُ لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والصُّورُ: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُجْعَلُ في داخِلِهِ سِدادٌ لِبَعْضِ فَضائِهِ، فَإذا نَفَخَ فِيهِ النّافِخُ بِقُوَّةٍ خَرَجَ مِنهُ صَوْتٌ قَوِيٌّ، وقَدِ اتُّخِذَ لِلْإعْلامِ بِالِاجْتِماعِ لِلْحَرْبِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُنْفَخُ“ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ بِنَفْخِ نافِخٍ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِذَلِكَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”نَنْفُخُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الفاءِ. وإسْنادُ النَّفْخِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الآمِرُ بِهِ، مِثْلَ: بَنى الأمِيرُ القَلْعَةَ.
والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ والكَفَرَةُ.
والزُّرْقُ: جَمْعُ أزْرَقٍ، وهو الَّذِي لَوْنُهُ الزُّرْقَةُ. والزُّرْقَةُ: لَوْنٌ كَلَوْنِ السَّماءِ إثْرَ الغُرُوبِ، وهو في جَلْدِ الإنْسانِ قَبِيحُ المَنظَرِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ لَوْنَ ما أصابَهُ حَرْقُ نارٍ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الزُّرْقَةَ لَوْنُ أجْسادِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقِيلَ: المُرادُ لَوْنُ عُيُونِهِمْ، فَقِيلَ: لِأنَّ زُرْقَةَ العَيْنِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ العَرَبِ. والأظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يُرادَ شِدَّةُ زُرْقَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْنٌ غَيْرُ مُعْتادٍ،، فَيَكُونُ كَقَوْلِ بِشارٍ:
ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ
وقِيلَ: المُرادُ بِالزُّرْقِ العُمْيُ؛ لِأنَّ العَمى يُلَوِّنُ العَيْنَ بِزُرْقَةٍ. وهو مُحْتَمَلٌ في بَيْتِ بِشارٍ أيْضًا.
والتَّخافُتُ: الكَلامُ الخَفِيُّ مِن خَوْفٍ ونَحْوِهُ. وتَخافُتُهم لِأجْلِ ما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] .
صفحة ٣٠٥
وجُمْلَةُ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ مُبِينَةٌ لِجُمْلَةِ يَتَخافَتُونَ، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا ورُفاتًا فَأحْياهُمُ اللَّهُ، فاسْتَيْقَنُوا ضَلالَهم؛ إذْ كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ. ولَعَلَّهم أرادُوا الِاعْتِذارَ لِخَطَئِهِمْ في إنْكارِ الإحْياءِ بَعْدَ انْقِراضِ أجْزاءِ البَدَنِ مُبالَغَةً في المُكابَرَةِ، فَزَعَمُوا أنَّهم ما لَبِثُوا في القُبُورِ إلّا عَشْرَ لَيالٍ، فَلَمْ يَصِيرُوا رُفاتًا، وذَلِكَ لِما بَقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِحالَةِ الإحْياءِ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأوْصالِ، فَزَعَمُوا أنَّ إحْياءَهم ما كانَ إلّا بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، فالمُرادُ بِاللَّبْثِ: المُكْثُ في القُبُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
و”إذا“ ظَرْفٌ، أيْ يَتَخافَتُونَ في وقْتٍ يَقُولُ فِيهِ أمْثَلُهم طَرِيقَةً. والأمْثَلُ: الأرْجَحُ الأفْضَلُ. والمَثالَةُ: الفَضْلُ، أيْ صاحِبُ الطَّرِيقَةِ المُثْلى؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِلتَّمْيِيزِ.
والطَّرِيقَةُ: الحالَةُ والسُّنَّةُ والرَّأْيُ. والمُرادُ هُنا الرَّأْيُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمْ يَأْتِ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وصْفِ القائِلِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ بِأنَّهُ أمْثَلُ طَرِيقَةٍ بِوَجْهٍ تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ؛ والَّذِي أراهُ: أنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ؛ فَإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كانَ المَعْنى أنَّهُ أقْرَبُهم إلى اخْتِلاقِ الِاعْتِذارِ عَنْ خَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقِعًا بَعْدَ طُولِ المُكْثِ في الأرْضِ طُولًا تَتَلاشى فِيهِ أجْزاءُ الأجْسامِ، فَلَمّا وجَدُوا أجْسادَهم كامِلَةً مِثْلَ ما كانُوا في الدُّنْيا قالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ . فَكانَ ذَلِكَ القَوْلُ عُذْرًا؛ لِأنَّ عَشْرَ اللَّيالِيَ تَتَغَيَّرُ في مِثْلِها الأجْسامُ. فَكانَ الَّذِي قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا
صفحة ٣٠٦
يَوْمًا﴾ أقْرَبَ إلى رَواجِ الِاعْتِذارِ. فالمُرادُ: أنَّهُ الأمْثَلُ مِن بَيْنِهِمْ في المَعاذِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُصِيبٌ. وإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ المَجازِ فَهو تَهَكُّمٌ بِالقائِلِ في سُوءِ تَقْدِيرِهِ مِن لَبْثِهِمْ في القُبُورِ، فَلَمّا كانَ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَغِّلًا في الغَلَطِ، مُؤْذِنًا بِجَهْلِ المُقَدِّرِينَ واسْتِبْهامُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، دالًّا عَلى الجَهْلِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي قَضّى الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ والأُمَمَ العَظِيمَةَ وأعادَهم بَعْدَ القُرُونِ الغابِرَةِ - فَكانَ الَّذِي قُدَّرَ زَمَنَ المُكْثِ في القُبُورِ بِأقَلِّ قَدْرٍ أوْغَلَ في الغَلَطِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِـ ”أمْثَلُهم طَرِيقَةً“ تَهَكُّمًا بِهِ وبِهِمْ مَعًا، إذِ اسْتَوى الجَمِيعُ في الخَطَأِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ ”يَتَخافَتُونَ“ وظَرْفِيَّةِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ﴾، أيْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا ونَحْنُ أعْلَمُ بِهِ، وإنَّنا نُخْبِرُ عَنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبَرَ العَلِيمِ الصّادِقِ.
طه 20:104
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ ﴿يَتَخافَتُونَ بَيْنَهم إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إذْ يَقُولُ أمْثَلُهم طَرِيقَةً إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ القِيامَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وساءَ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ حِمْلًا﴾ [طه: ١٠١]، وهو اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ آتَيْناكَ مِن
صفحة ٣٠٤
لَدُنّا ذِكْرًا﴾ [طه: ٩٩] وما تَبِعَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [طه: ١١٣] . تَخَلُّصٌ لِذِكْرِ البَعْثِ والتَّذْكِيرِ بِهِ والنِّذارَةِ بِما يَحْصُلُ لِلْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ.
والصُّورُ: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُجْعَلُ في داخِلِهِ سِدادٌ لِبَعْضِ فَضائِهِ، فَإذا نَفَخَ فِيهِ النّافِخُ بِقُوَّةٍ خَرَجَ مِنهُ صَوْتٌ قَوِيٌّ، وقَدِ اتُّخِذَ لِلْإعْلامِ بِالِاجْتِماعِ لِلْحَرْبِ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَوْلُهُ الحَقُّ ولَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ [الأنعام: ٧٣] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُنْفَخُ“ بِياءِ الغِيبَةِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ بِنَفْخِ نافِخٍ، وهو المَلَكُ المُوَكَّلُ بِذَلِكَ. وقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وحْدَهُ: ”نَنْفُخُ“ بِنُونِ العَظَمَةِ وضَمِّ الفاءِ. وإسْنادُ النَّفْخِ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ بِاعْتِبارِ أنَّهُ الآمِرُ بِهِ، مِثْلَ: بَنى الأمِيرُ القَلْعَةَ.
والمُجْرِمُونَ: المُشْرِكُونَ والكَفَرَةُ.
والزُّرْقُ: جَمْعُ أزْرَقٍ، وهو الَّذِي لَوْنُهُ الزُّرْقَةُ. والزُّرْقَةُ: لَوْنٌ كَلَوْنِ السَّماءِ إثْرَ الغُرُوبِ، وهو في جَلْدِ الإنْسانِ قَبِيحُ المَنظَرِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ لَوْنَ ما أصابَهُ حَرْقُ نارٍ. وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الزُّرْقَةَ لَوْنُ أجْسادِهِمْ، فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، وقِيلَ: المُرادُ لَوْنُ عُيُونِهِمْ، فَقِيلَ: لِأنَّ زُرْقَةَ العَيْنِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ العَرَبِ. والأظْهَرُ عَلى هَذا المَعْنى أنْ يُرادَ شِدَّةُ زُرْقَةِ العَيْنِ؛ لِأنَّهُ لَوْنٌ غَيْرُ مُعْتادٍ،، فَيَكُونُ كَقَوْلِ بِشارٍ:
ولِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ
وقِيلَ: المُرادُ بِالزُّرْقِ العُمْيُ؛ لِأنَّ العَمى يُلَوِّنُ العَيْنَ بِزُرْقَةٍ. وهو مُحْتَمَلٌ في بَيْتِ بِشارٍ أيْضًا.
والتَّخافُتُ: الكَلامُ الخَفِيُّ مِن خَوْفٍ ونَحْوِهُ. وتَخافُتُهم لِأجْلِ ما يَمْلَأُ صُدُورَهم مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨] .
صفحة ٣٠٥
وجُمْلَةُ ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ مُبِينَةٌ لِجُمْلَةِ يَتَخافَتُونَ، وهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم كانُوا أمْواتًا ورُفاتًا فَأحْياهُمُ اللَّهُ، فاسْتَيْقَنُوا ضَلالَهم؛ إذْ كانُوا يُنْكِرُونَ الحَشْرَ. ولَعَلَّهم أرادُوا الِاعْتِذارَ لِخَطَئِهِمْ في إنْكارِ الإحْياءِ بَعْدَ انْقِراضِ أجْزاءِ البَدَنِ مُبالَغَةً في المُكابَرَةِ، فَزَعَمُوا أنَّهم ما لَبِثُوا في القُبُورِ إلّا عَشْرَ لَيالٍ، فَلَمْ يَصِيرُوا رُفاتًا، وذَلِكَ لِما بَقِيَ في نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِحالَةِ الإحْياءِ بَعْدَ تَفَرُّقِ الأوْصالِ، فَزَعَمُوا أنَّ إحْياءَهم ما كانَ إلّا بِرَدِّ الأرْواحِ إلى الأجْسادِ، فالمُرادُ بِاللَّبْثِ: المُكْثُ في القُبُورِ، كَقَوْلِهِ تَعالى قالَ ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٢] ﴿قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: ١١٣] في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [الروم: ٥٥] ﴿ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم: ٥٥] في سُورَةِ الرُّومِ.
و”إذا“ ظَرْفٌ، أيْ يَتَخافَتُونَ في وقْتٍ يَقُولُ فِيهِ أمْثَلُهم طَرِيقَةً. والأمْثَلُ: الأرْجَحُ الأفْضَلُ. والمَثالَةُ: الفَضْلُ، أيْ صاحِبُ الطَّرِيقَةِ المُثْلى؛ لِأنَّ النِّسْبَةَ في الحَقِيقَةِ لِلتَّمْيِيزِ.
والطَّرِيقَةُ: الحالَةُ والسُّنَّةُ والرَّأْيُ. والمُرادُ هُنا الرَّأْيُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى﴾ [طه: ٦٣] في هَذِهِ السُّورَةِ، ولَمْ يَأْتِ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى وصْفِ القائِلِ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا يَوْمًا﴾ بِأنَّهُ أمْثَلُ طَرِيقَةٍ بِوَجْهٍ تَطْمَئِنُّ لَهُ النَّفْسُ؛ والَّذِي أراهُ: أنَّهُ يَحْتَمِلُ الحَقِيقَةَ والمَجازَ؛ فَإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ الحَمْلِ عَلى الحَقِيقَةِ كانَ المَعْنى أنَّهُ أقْرَبُهم إلى اخْتِلاقِ الِاعْتِذارِ عَنْ خَطَئِهِمْ في إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِأنَّهم ظَنُّوا البَعْثَ واقِعًا بَعْدَ طُولِ المُكْثِ في الأرْضِ طُولًا تَتَلاشى فِيهِ أجْزاءُ الأجْسامِ، فَلَمّا وجَدُوا أجْسادَهم كامِلَةً مِثْلَ ما كانُوا في الدُّنْيا قالَ بَعْضُهم: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا عَشْرًا﴾ . فَكانَ ذَلِكَ القَوْلُ عُذْرًا؛ لِأنَّ عَشْرَ اللَّيالِيَ تَتَغَيَّرُ في مِثْلِها الأجْسامُ. فَكانَ الَّذِي قالَ: ﴿إنْ لَبِثْتُمْ إلّا
صفحة ٣٠٦
يَوْمًا﴾ أقْرَبَ إلى رَواجِ الِاعْتِذارِ. فالمُرادُ: أنَّهُ الأمْثَلُ مِن بَيْنِهِمْ في المَعاذِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُ مُصِيبٌ. وإنْ سَلَكْنا بِهِ مَسْلَكَ المَجازِ فَهو تَهَكُّمٌ بِالقائِلِ في سُوءِ تَقْدِيرِهِ مِن لَبْثِهِمْ في القُبُورِ، فَلَمّا كانَ كِلا التَّقْدِيرَيْنِ مُتَوَغِّلًا في الغَلَطِ، مُؤْذِنًا بِجَهْلِ المُقَدِّرِينَ واسْتِبْهامُ الأمْرِ عَلَيْهِمْ، دالًّا عَلى الجَهْلِ بِعَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّذِي قَضّى الأزْمانَ الطَّوِيلَةَ والأُمَمَ العَظِيمَةَ وأعادَهم بَعْدَ القُرُونِ الغابِرَةِ - فَكانَ الَّذِي قُدَّرَ زَمَنَ المُكْثِ في القُبُورِ بِأقَلِّ قَدْرٍ أوْغَلَ في الغَلَطِ، فَعُبِّرَ عَنْهُ بِـ ”أمْثَلُهم طَرِيقَةً“ تَهَكُّمًا بِهِ وبِهِمْ مَعًا، إذِ اسْتَوى الجَمِيعُ في الخَطَأِ.
وجُمْلَةُ ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِما يَقُولُونَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ فِعْلِ ”يَتَخافَتُونَ“ وظَرْفِيَّةِ ﴿إذْ يَقُولُ أمْثَلُهُمْ﴾، أيْ إنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ سِرًّا ونَحْنُ أعْلَمُ بِهِ، وإنَّنا نُخْبِرُ عَنْ قَوْلِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبَرَ العَلِيمِ الصّادِقِ.
طه 20:105
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ البَعْثِ ووُصِفَ ما سَيَنْكَشِفُ لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ مِن خَطَئِهِمْ في شُبْهَتِهِمْ بِتَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها ذُكِرَتْ أيْضًا شُبْهَةٌ مِن شُبُهاتِهِمْ كانُوا يَسْألُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ سُؤالَ تَعَنُّتٍ لا سُؤالَ اسْتِهْداءٍ، فَكانُوا يُحِيلُونَ انْقِضاءَ هَذا العالَمِ ويَقُولُونَ: فَأيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي نَراها. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وهم أهْلُ جِبالٍ لِأنَّ مَوْطِنَهُمُ الطّائِفُ وفِيهِ جَبَلُ كَرى. وسَواءٌ كانَ سُؤالُهُمُ اسْتِهْزاءً أمِ اسْتِرْشادًا. فَقَدْ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِمَصِيرِ
صفحة ٣٠٧
الجِبالِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَ هُنا - أيْ قَوْلُهُ: ”﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾“ بِفاءٍ وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ - أيْ كُلُّ جَوابٍ في لَفْظٍ مِنهُ مادَّةُ سُؤالٍ - بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ.
وأكَّدَ ”يَنْسِفُها نَسْفًا“ لِإثْباتِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لا اسْتِعارَةٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا. . . إلى آخِرِهِ، ونَنْسِفُ الجِبالَ نَسْفًا، فَقُلْ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
والقاعُ: الأرْضُ السَّهْلَةُ.
والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا نُتُوءَ فِيها.
ومَعْنى يَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا أنَّها تَنْدَكُّ في مَواضِعِها وتُسَوّى مَعَ الأرْضِ حَتّى تَصِيرَ في مُسْتَوى أرْضِها، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِزِلْزالٍ أوْ نَحْوِهُ، قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤] . وجُمْلَةُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”قاعًا صَفْصَفًا“ لِزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالَةٍ فَيَزِيدُ تَهْوِيلُها، والخِطابُ في ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، يُخاطِبُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سائِلِيهِ.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ -: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُقالُ بِفَتْحِ العَيْنِ والواوِ كَذَلِكَ، فَهُما مُتَرادِفانِ عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. وهو ما جَزَمَ بِهِ عَمْرٌو واخْتارَهُ المَرْزُوقِيُّ في ”شَرْحِ الفَصِيحِ“ . وقالَ جَماعَةٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ يَجْرِي عَلى الأجْسامِ غَيْرِ المُنْتَصِبَةِ كالأرْضِ
صفحة ٣٠٨
وعَلى الأشْياءِ المَعْنَوِيَّةِ كالدِّينِ. ومَفْتُوحُ العَيْنِ يُوصَفُ بِهِ الأشْياءُ المُنْتَصِبَةُ كالحائِطِ والعَصا، وهو ظاهِرُ ما في ”لِسانِ العَرَبِ“ عَنِ الأزْهَرِيِّ، وقالَ فَرِيقٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ المَعانِي، ومَفْتُوحُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ الأعْيانُ. وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ هُنا، وكَأنَّهُ مالَ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ في الِاسْتِعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها المُحَقِّقُونَ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ ”القامُوسِ“، وتَعَسَّفَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى اعْتِبارِهِ خِلافًا لِظاهِرِها. وهو يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ إطْلاقِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. وتَقَدَّمَ هَذا اللَّفْظُ في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ فانْظُرْهُ.
والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، أيْ لا تَرى فِيها وهْدَةً ولا نُتُوءًا ما.
والمَعْنى: لا تَرى في مَكانِ نَسْفِها عِوَجًا ولا أمْتًا.
طه 20:106
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ البَعْثِ ووُصِفَ ما سَيَنْكَشِفُ لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ مِن خَطَئِهِمْ في شُبْهَتِهِمْ بِتَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها ذُكِرَتْ أيْضًا شُبْهَةٌ مِن شُبُهاتِهِمْ كانُوا يَسْألُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ سُؤالَ تَعَنُّتٍ لا سُؤالَ اسْتِهْداءٍ، فَكانُوا يُحِيلُونَ انْقِضاءَ هَذا العالَمِ ويَقُولُونَ: فَأيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي نَراها. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وهم أهْلُ جِبالٍ لِأنَّ مَوْطِنَهُمُ الطّائِفُ وفِيهِ جَبَلُ كَرى. وسَواءٌ كانَ سُؤالُهُمُ اسْتِهْزاءً أمِ اسْتِرْشادًا. فَقَدْ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِمَصِيرِ
صفحة ٣٠٧
الجِبالِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَ هُنا - أيْ قَوْلُهُ: ”﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾“ بِفاءٍ وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ - أيْ كُلُّ جَوابٍ في لَفْظٍ مِنهُ مادَّةُ سُؤالٍ - بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ.
وأكَّدَ ”يَنْسِفُها نَسْفًا“ لِإثْباتِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لا اسْتِعارَةٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا. . . إلى آخِرِهِ، ونَنْسِفُ الجِبالَ نَسْفًا، فَقُلْ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
والقاعُ: الأرْضُ السَّهْلَةُ.
والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا نُتُوءَ فِيها.
ومَعْنى يَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا أنَّها تَنْدَكُّ في مَواضِعِها وتُسَوّى مَعَ الأرْضِ حَتّى تَصِيرَ في مُسْتَوى أرْضِها، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِزِلْزالٍ أوْ نَحْوِهُ، قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤] . وجُمْلَةُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”قاعًا صَفْصَفًا“ لِزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالَةٍ فَيَزِيدُ تَهْوِيلُها، والخِطابُ في ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، يُخاطِبُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سائِلِيهِ.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ -: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُقالُ بِفَتْحِ العَيْنِ والواوِ كَذَلِكَ، فَهُما مُتَرادِفانِ عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. وهو ما جَزَمَ بِهِ عَمْرٌو واخْتارَهُ المَرْزُوقِيُّ في ”شَرْحِ الفَصِيحِ“ . وقالَ جَماعَةٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ يَجْرِي عَلى الأجْسامِ غَيْرِ المُنْتَصِبَةِ كالأرْضِ
صفحة ٣٠٨
وعَلى الأشْياءِ المَعْنَوِيَّةِ كالدِّينِ. ومَفْتُوحُ العَيْنِ يُوصَفُ بِهِ الأشْياءُ المُنْتَصِبَةُ كالحائِطِ والعَصا، وهو ظاهِرُ ما في ”لِسانِ العَرَبِ“ عَنِ الأزْهَرِيِّ، وقالَ فَرِيقٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ المَعانِي، ومَفْتُوحُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ الأعْيانُ. وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ هُنا، وكَأنَّهُ مالَ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ في الِاسْتِعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها المُحَقِّقُونَ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ ”القامُوسِ“، وتَعَسَّفَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى اعْتِبارِهِ خِلافًا لِظاهِرِها. وهو يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ إطْلاقِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. وتَقَدَّمَ هَذا اللَّفْظُ في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ فانْظُرْهُ.
والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، أيْ لا تَرى فِيها وهْدَةً ولا نُتُوءًا ما.
والمَعْنى: لا تَرى في مَكانِ نَسْفِها عِوَجًا ولا أمْتًا.
طه 20:107
﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾
لَمّا جَرى ذِكْرُ البَعْثِ ووُصِفَ ما سَيَنْكَشِفُ لِلَّذِينَ أنْكَرُوهُ مِن خَطَئِهِمْ في شُبْهَتِهِمْ بِتَعَذُّرِ إعادَةِ الأجْسامِ بَعْدَ تَفَرُّقِ أجْزائِها ذُكِرَتْ أيْضًا شُبْهَةٌ مِن شُبُهاتِهِمْ كانُوا يَسْألُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ سُؤالَ تَعَنُّتٍ لا سُؤالَ اسْتِهْداءٍ، فَكانُوا يُحِيلُونَ انْقِضاءَ هَذا العالَمِ ويَقُولُونَ: فَأيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي نَراها. ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ سَألَ النَّبِيءَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وهم أهْلُ جِبالٍ لِأنَّ مَوْطِنَهُمُ الطّائِفُ وفِيهِ جَبَلُ كَرى. وسَواءٌ كانَ سُؤالُهُمُ اسْتِهْزاءً أمِ اسْتِرْشادًا. فَقَدْ أنْبَأهُمُ اللَّهُ بِمَصِيرِ
صفحة ٣٠٧
الجِبالِ إبْطالًا لِشُبْهَتِهِمْ وتَعْلِيمًا لِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَ هُنا - أيْ قَوْلُهُ: ”﴿فَقُلْ يَنْسِفُها﴾“ بِفاءٍ وكُلُّ سُؤالٍ في القُرْآنِ ”قُلْ“ - أيْ كُلُّ جَوابٍ في لَفْظٍ مِنهُ مادَّةُ سُؤالٍ - بِغَيْرِ فاءٍ إلّا هَذا؛ لِأنَّ المَعْنى: إنْ سَألُوكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ، فَتَضَمَّنَ الكَلامُ مَعْنى الشَّرْطِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهم يَسْألُونَهُ عَنْها فَأجابَهم قَبْلَ السُّؤالِ. وتِلْكَ أسْئِلَةٌ تَقَدَّمَتْ سَألُوا عَنْها النَّبِيءَ ﷺ فَجاءَ الجَوابُ عَقِبَ السُّؤالِ.
وأكَّدَ ”يَنْسِفُها نَسْفًا“ لِإثْباتِ أنَّهُ حَقِيقَةٌ لا اسْتِعارَةٌ. فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا. . . إلى آخِرِهِ، ونَنْسِفُ الجِبالَ نَسْفًا، فَقُلْ ذَلِكَ لِلَّذِينَ يَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ.
والنَّسْفُ: تَفْرِيقٌ وإذْراءٌ، وتَقَدَّمَ آنِفًا.
والقاعُ: الأرْضُ السَّهْلَةُ.
والصَّفْصَفُ: الأرْضُ المُسْتَوِيَةُ الَّتِي لا نُتُوءَ فِيها.
ومَعْنى يَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا أنَّها تَنْدَكُّ في مَواضِعِها وتُسَوّى مَعَ الأرْضِ حَتّى تَصِيرَ في مُسْتَوى أرْضِها، وذَلِكَ يَحْصُلُ بِزِلْزالٍ أوْ نَحْوِهُ، قالَ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا وبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ [الواقعة: ٤] . وجُمْلَةُ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى ”قاعًا صَفْصَفًا“ لِزِيادَةِ تَصْوِيرِ حالَةٍ فَيَزِيدُ تَهْوِيلُها، والخِطابُ في ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، يُخاطِبُ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ سائِلِيهِ.
والعِوَجُ - بِكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الواوِ -: ضِدُّ الِاسْتِقامَةِ، ويُقالُ بِفَتْحِ العَيْنِ والواوِ كَذَلِكَ، فَهُما مُتَرادِفانِ عَلى الصَّحِيحِ مِن أقْوالِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ. وهو ما جَزَمَ بِهِ عَمْرٌو واخْتارَهُ المَرْزُوقِيُّ في ”شَرْحِ الفَصِيحِ“ . وقالَ جَماعَةٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ يَجْرِي عَلى الأجْسامِ غَيْرِ المُنْتَصِبَةِ كالأرْضِ
صفحة ٣٠٨
وعَلى الأشْياءِ المَعْنَوِيَّةِ كالدِّينِ. ومَفْتُوحُ العَيْنِ يُوصَفُ بِهِ الأشْياءُ المُنْتَصِبَةُ كالحائِطِ والعَصا، وهو ظاهِرُ ما في ”لِسانِ العَرَبِ“ عَنِ الأزْهَرِيِّ، وقالَ فَرِيقٌ: مَكْسُورُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ المَعانِي، ومَفْتُوحُ العَيْنِ تُوصَفُ بِهِ الأعْيانُ. وهَذا أضْعَفُ الأقْوالِ، وهو مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ في الجَمْهَرَةِ، وتَبِعَهُ في الكَشّافِ هُنا، وكَأنَّهُ مالَ إلى ما فِيهِ مِنَ التَّفْرِقَةِ في الِاسْتِعْمالِ، وذَلِكَ مِنَ الدَّقائِقِ الَّتِي يَمِيلُ إلَيْها المُحَقِّقُونَ. ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ صاحِبُ ”القامُوسِ“، وتَعَسَّفَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ تَأْوِيلَ الآيَةِ عَلى اعْتِبارِهِ خِلافًا لِظاهِرِها. وهو يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ إطْلاقِهِ في كُلِّ مَوْضِعٍ. وتَقَدَّمَ هَذا اللَّفْظُ في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ فانْظُرْهُ.
والأمْتُ: النُّتُوءُ اليَسِيرُ، أيْ لا تَرى فِيها وهْدَةً ولا نُتُوءًا ما.
والمَعْنى: لا تَرى في مَكانِ نَسْفِها عِوَجًا ولا أمْتًا.
طه 20:108
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾
جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ
صفحة ٣٠٩
لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.
والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.
و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.
والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
صفحة ٣١٠
والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.
واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
صفحة ٣١١
فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.
والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ
صفحة ٣١٢
المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.
والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.
والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.
صفحة ٣١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.
والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.
طه 20:109
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾
جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ
صفحة ٣٠٩
لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.
والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.
و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.
والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
صفحة ٣١٠
والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.
واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
صفحة ٣١١
فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.
والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ
صفحة ٣١٢
المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.
والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.
والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.
صفحة ٣١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.
والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.
طه 20:110
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾
جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ
صفحة ٣٠٩
لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.
والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.
و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.
والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
صفحة ٣١٠
والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.
واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
صفحة ٣١١
فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.
والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ
صفحة ٣١٢
المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.
والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.
والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.
صفحة ٣١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.
والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.
طه 20:111
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾
جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ
صفحة ٣٠٩
لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.
والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.
و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.
والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
صفحة ٣١٠
والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.
واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
صفحة ٣١١
فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.
والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ
صفحة ٣١٢
المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.
والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.
والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.
صفحة ٣١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.
والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.
طه 20:112
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهْوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْمًا ولا هَضْمًا﴾
جُمْلَةُ ”﴿يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾“ في مَعْنى المُفَرَّعَةِ عَلى جُمْلَةِ ”يَنْسِفُها“ . و”يَوْمَئِذٍ“ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ“ . وقُدِّمَ الظَّرْفُ عَلى عامِلِهِ
صفحة ٣٠٩
لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ اليَوْمِ، ولِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ قائِمًا مُقامَ العَطْفِ في الوَصْلِ، أيْ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ يَوْمَ يَنْسِفُ رَبُّكَ الجِبالَ، أيْ إذا نُسِفَتِ الجِبالُ نُودُوا لِلْحَشْرِ فَحَضَرُوا يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ لِذَلِكَ.
والدّاعِي، قِيلَ: هو المَلِكُ إسْرافِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَدْعُو بِنِداءِ التَّسْخِيرِ والتَّكْوِينِ، فَتَعُودُ الأجْسادُ والأرْواحُ فِيها وتَهْطَعُ إلى المَكانِ المَدْعُوِّ إلَيْهِ. وقِيلَ: الدّاعِي الرَّسُولُ، أيْ يَتَّبِعُ كُلُّ قَوْمٍ رَسُولَهم.
و”لا عِوَجَ لَهُ“ حالٌ مِنَ ”الدّاعِي“ . واللّامُ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ في المُرادِ مِنَ الدّاعِي لِلْأجْلِ، أيْ لا عِوَجَ لِأجْلِ الدّاعِي، أيْ لا يَرُوغُ المَدْعُوُّونَ في سَيْرِهِمْ لِأجْلِ الدّاعِي، بَلْ يَقْصِدُونَ مُتَّجِهِينَ إلى صَوْبِهِ. ويَجِيءُ عَلى قَوْلِ مَن جَعَلَ المُرادَ بِالدّاعِيَ الرَّسُولَ أنْ يُرادَ بِالعِوَجِ الباطِلَ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى الرَّسُولِ ﷺ العِوَجَ، كَقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ إلّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن أكاذِيبِهِمْ، كَما عَرَّضَ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الكِتابَ ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجا﴾ [الكهف: ١] .
فالمَصْدَرُ المَنفِيُّ أُرِيدَ مِنهُ نَفْيُ جِنْسِ العِوَجِ في اتِّباعِ الدّاعِي، بِحَيْثُ لا يَسْلُكُونَ غَيْرَ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ لا يُسْلَكُ بِهِمْ غَيْرُ الطَّرِيقِ القَوِيمِ، أوْ بِحَيْثُ يَعْلَمُونَ بَراءَةَ رَسُولِهِمْ مِنَ العِوَجِ. وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ”لا عِوَجَ لَهُ“ مُراعاةُ النَّظِيرِ، فَكَما جَعَلَ اللَّهُ الأرْضَ يَوْمَئِذٍ غَيْرَ مُعْوَجَّةٍ ولا ناتِئَةٍ كَما قالَ ﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] كَذَلِكَ جَعَلَ سَيْرَ النّاسِ عَلَيْها لا عِوَجَ فِيهِ ولا مُراوَغَةً.
والخُشُوعُ: الخُضُوعُ، وفي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الإنْسانِ مَظْهَرٌ مِنَ الخُشُوعِ؛ فَمَظْهَرُ الخُشُوعِ في الصَّوْتِ: الإسْرارُ بِهِ، فَلِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ .
صفحة ٣١٠
والهَمْسُ: الصَّوْتُ الخَفِيُّ.
والخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا﴾ [طه: ١٠٧] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْمَعُ إلّا هَمْسًا﴾ خِطابٌ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لا يَرى الرّائِي ولا يَسْمَعُ السّامِعُ. وجُمْلَةُ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَتَّبِعُونَ“ وإسْنادُ الخُشُوعِ إلى الأصْواتِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، فَإنَّ الخُشُوعَ لِأصْحابِ الأصْواتِ؛ أوِ اسْتُعِيرَ الخُشُوعُ لِانْخِفاضِ الصَّوْتِ وإسْرارِهِ، وهَذا الخُشُوعُ مِن هَوْلِ المَقامِ. وجُمْلَةُ ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ﴾ كَجُمْلَةِ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ في مَعْنى التَّفْرِيعِ عَلى ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ . أيْ لا يَتَكَلَّمُ النّاسُ بَيْنَهم إلّا هَمْسًا ولا يَجْرُءُونَ عَلى الشَّفاعَةِ لِمَن يَهُمُّهم نَفْعُهُ. والمَقْصُودُ مِن هَذا أنَّ جَلالَ اللَّهِ والخَشْيَةَ مِنهُ يَصُدّانِ عَنِ التَّوَسُّطِ عِنْدَهُ لِنَفْعِ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ. وفِيهِ تَأْيِيسٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أنْ يَجِدُوا شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
واسْتِثْناءُ ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ مِن عُمُومِ الشَّفاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي شافِعًا؛ لِأنَّ المَصْدَرَ فِيهِ مَعْنى الفِعْلِ فَيَقْتَضِي فاعِلًا، أيْ إلّا أنْ يَشْفَعَ مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ في أنْ يَشْفَعَ، فَهو اسْتِثْناءٌ تامٌّ ولَيْسَ بِمُفَرَّغٍ.
واللّامُ في ”أذِنَ لَهُ“ لامُ تَعْدِيَةِ فِعْلِ ”أذِنَ“، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ أآمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] . وتَفْسِيرُ هَذا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ مِن قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «فَيُقالُ لِي: سَلْ تُعْطَهُ واشْفَعْ تُشَفَّعْ» .
وقَوْلُهُ: ﴿ورَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ عائِدٌ إلى ﴿مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وهو الشّافِعُ. واللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى ذَلِكَ الضَّمِيرِ لامُ التَّعْلِيلِ، أيْ رَضِيَ الرَّحْمَنُ قَوْلَ الشّافِعِ لِأجْلِ الشّافِعِ، أيْ إكْرامًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] .
صفحة ٣١١
فَإنَّ اللَّهَ ما أذِنَ لِلشّافِعِ بِأنْ يَشْفَعَ إلّا وقَدْ أرادَ قَبُولَ شَفاعَتِهِ، فَصارَ الإذْنُ بِالشَّفاعَةِ وقَبُولِها عُنْوانًا عَلى كَرامَةِ الشّافِعِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ ”رَضِيَ“ . وانْتُصِبَ ”قَوْلًا“ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِفِعْلِ ”رَضِيَ“؛ لِأنَّ ”رَضِيَ“ هَذا يَتَعَدّى إلى الشَّيْءِ المَرْضِيِّ بِهِ بِنَفْسِهِ وبِالباءِ.
وجُمْلَةُ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بَيانِيَّةٌ لِجَوابِ سُؤالِ مِن قَدْ يَسْألُ بَيانَ ما يُوجِبُ رِضى اللَّهِ عَنِ العَبْدِ الَّذِي يَأْذَنُ بِالشَّفاعَةِ فِيهِ، فَبُيِّنَ بَيانًا إجْمالِيًّا بِأنَّ الإذْنَ بِذَلِكَ يَجْرِي عَلى ما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ بِسائِرِ العَبِيدِ وبِأعْمالِهِمُ الظّاهِرَةِ، فَعَبَّرَ عَنِ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ بِما بَيْنَ أيْدِيهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ ما بَيْنَ الأيْدِي أنْ يَكُونَ واضِحًا، وعَبَّرَ عَنِ السَّرائِرِ بِما خَلْفَهم؛ لِأنَّ شَأْنَ ما يُجْعَلُ خَلْفَ المَرْءِ أنْ يَكُونَ مَحْجُوبًا. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ الظّاهِراتِ والخَفِيّاتِ، أيْ فَيَأْذَنُ لِمَن أرادَ تَشْرِيفَهُ مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ بِأنْ يُشَفَّعَ في طَوائِفَ مِثْلَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ «يَخْرُجُ مِنَ النّارِ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن إيمانٍ»، أوْ بِأنْ يُشَفَّعَ في حالَةٍ خاصَّةٍ مِثْلَ ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى في المَوْقِفِ لِجَمِيعِ النّاسِ بِتَعْجِيلِ حِسابِهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ تَذْيِيلٌ لِلتَّعْلِيمِ بِعَظَمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وضَآلَةِ عِلْمِ البَشَرِ، نَظِيرُ ما وقَعَ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. وجُمْلَةُ ﴿وعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وخَشَعَتِ الأصْواتُ لِلرَّحْمَنِ﴾، أيْ ظَهَرَ الخُضُوعُ في الأصْواتِ والعَناءُ في الوُجُوهِ.
والعَناءُ: الذِّلَّةُ، وأصْلُهُ الأسْرُ، والعانِي: الأسِيرُ. ولَمّا كانَ الأسِيرُ تَرْهَقُهُ ذِلَّةٌ في وجْهِهِ أُسْنِدَ العَناءُ إلى الوُجُوهِ عَلى سَبِيلِ المَجازِ العَقْلِيِّ، والجُمْلَةُ كُلُّها تَمْثِيلٌ لِحالِ المُجْرِمِينَ الَّذِينَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ: ﴿ونَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، فاللّامُ في الوُجُوهِ عِوَضٌ عَنْ
صفحة ٣١٢
المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: وُجُوهُهم، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّ الجَحِيمَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٣٩] أيْ لَهم. وأمّا وُجُوهُ أهْلِ الطّاعاتِ فَهي وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهِ“ عَلى العُمُومِ. ويُرادُ بِـ ”عَنَتْ“ خَضَعَتْ، أيْ خَضَعَ جَمِيعُ النّاسِ إجْلالًا لِلَّهِ تَعالى.
والحَيُّ: الَّذِي ثَبُتَ لَهُ وصَفُ الحَياةِ، وهي كَيْفِيَّةٌ حاصِلَةٌ لِأرْقى المَوْجُوداتِ، وهي قُوَّةٌ لِلْمَوْجُودِ، بِها بَقاءُ ذاتِهِ وحُصُولُ إدْراكِهِ أبَدًا أوْ إلى أمَدٍ ما. والحَياةُ الحَقِيقِيَّةُ هي حَياةُ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّها ذاتِيَّةٌ غَيْرُ مَسْبُوقَةٍ بِضِدِّها ولا مُنْتَهِيَةٍ.
والقَيُّومُ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ النّاسِ، مُبالَغَةً في القَيِّمِ، أيِ الَّذِي لا يَفُوتُهُ تَدْبِيرُ شَيْءٍ مِنَ الأُمُورِ. وتَقَدَّمَ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾؛ إمّا مُعْتَرِضَةٌ في آخِرِ الكَلامِ تُفِيدُ التَّعْلِيلَ أنْ جُعِلَ التَّعْرِيفُ في ”الوُجُوهُ“ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ وُجُوهُ المُجْرِمِينَ. والمَعْنى: إذْ قَدْ خابَ كُلُّ مَن حَمَلَ ظُلْمًا، وإمّا احْتِراسٌ لِبَيانِ اخْتِلافِ عاقِبَةِ عَناءِ الوُجُوهِ، فَمَن حَمَلَ ظُلْمًا فَقَدْ خابَ يَوْمَئِذٍ واسْتَمَرَّ عَناؤُهُ. ومَن عَمِلَ صالِحًا عادَ عَلَيْهِ ذَلِكَ الخَوْفُ بِالأمْنِ والفَرَحِ. والظُّلْمُ: ظُلْمُ النَّفْسِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ وهو مُؤْمِنٌ﴾ . . إلَخْ: شَرْطِيَّةٌ مُفِيدَةُ قَسِيمَ مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ . وصِيغَ هَذا القَسِيمُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ تَحْقِيقًا لِلْوَعْدِ، و”فَلا يَخافُ“ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتِرانُهُ بِالفاءِ عَلامَةٌ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ غَيْرُ صالِحَةٍ لِمُوالاةِ أداةِ الشَّرْطِ، فَتَعَيَّنَ إمّا أنْ تَكُونَ ”لا“ الَّتِي فِيها ناهِيَةً، وإمّا أنْ يَكُونَ الكَلامُ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِئْنافِ. والتَّقْدِيرُ: فَهو لا يَخافُ.
صفحة ٣١٣
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”فَلا يَخافُ“ بِصِيغَةِ المَرْفُوعِ بِإثْباتِ ألِفٍ بَعْدَ الخاءِ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ اسْتِئْنافٌ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِها الجَزاءُ، كَأنَّ انْتِفاءَ خَوْفِهِ أمْرٌ مُقَرَّرٌ؛ لِأنَّهُ مُؤْمِنٌ ويَعْمَلُ الصّالِحاتِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِصِيغَةِ الجَزْمِ بِحَذْفِ الألِفِ بَعْدَ الخاءِ، عَلى أنَّ الكَلامَ نَهْيٌ مُسْتَعْمَلٌ في الِانْتِفاءِ. وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِدُونِ ألِفٍ فاحْتَمَلَتِ القِراءَتَيْنِ. وأشارَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ الجُمْهُورَ يُوافِقُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ في أنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ خَبَرِيَّةٌ. وقِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ تُفِيدُ عَدَمَ التَّرَدُّدِ في حُصُولِ أمْنِهِ مِنَ الظُّلْمِ والهَضْمِ، أيْ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ خُصُوصِيَّةٌ لَفْظِيَّةٌ وفي قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ خُصُوصِيَّةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. ومَعْنى ”﴿فَلا يَخافُ ظُلْمًا﴾“ لا يَخافُ جَزاءَ الظّالِمِينَ؛ لِأنَّهُ آمِنٌ مِنهُ بِإيمانِهِ وعَمَلِهِ الصّالِحاتِ.
والهَضْمُ: النَّقْصُ، أيْ لا يُنْقَصُونَ مِن جَزائِهِمُ الَّذِي وُعِدُوا بِهِ شَيْئًا كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الشَّدِيدِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: ٣٣]، أيْ لا يَخافُ إحْباطَ عَمَلِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ الهَضْمُ بِمَعْنى النَّقْصِ الخَفِيفِ، وعَطْفُهُ عَلى الظُّلْمِ - عَلى هَذا التَّفْسِيرِ - احْتِراسٌ.
طه 20:113
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحَدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، والغَرَضُ واحِدٌ، وهو التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ. فابْتُدِئَ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ جُزْئِيًّا
صفحة ٣١٤
بِالتَّنْوِيهِ بِقَصَصِهِ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ التَّنْوِيهُ بِهِ كُلِّيًّا عَلى طَرِيقَةٍ تُشْبِهُ التَّذْيِيلَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى عُمُومِ ما فِيهِ. والإشارَةُ بِـ ”كَذَلِكَ“ نَحْوَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩]، أيْ كَما سَمِعْتَهُ لا يُبَيَّنُ بِأوْضَحَ مِن ذَلِكَ. و”قُرْآنًا“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”أنْزَلْناهُ“، وقُرْآنٌ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. والمُرادُ المَقْرُوءُ، أيِ المَتْلُوُّ، وصارَ القُرْآنُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِألْفاظٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَعَبَّدًا بِتِلاوَتِها يَعْجِزُ الإتْيانُ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنها. وسُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ نُظِمَ عَلى أُسْلُوبٍ تَسْهُلُ تِلاوَتُهُ. ولُوحِظَ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيُّ قَبْلَ الغَلَبَةِ وهو ما تُفِيدُهُ مادَّةُ (قَرَأ) مِن يُسْرِ تِلاوَتِهِ؛ وما ذَلِكَ إلّا لِفَصاحَةِ تَأْلِيفِهِ وتَناسُبِ حُرُوفِهِ. والتَّنْكِيرُ يُفِيدُ الكَمالَ، أيْ أكْمَلَ ما يَقْرَأُ.
و”عَرَبِيًّا“ صِفَةُ ”قُرْآنًا“ . وهَذا وصْفٌ يُفِيدُ المَدْحَ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أبْلَغُ اللُّغاتِ وأحْسَنُها فَصاحَةً وانْسِجامًا. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالِامْتِنانِ عَلى العَرَبِ، وتَحْمِيقٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَذَّبُوا بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] .
والتَّصْرِيفُ: التَّنْوِيعُ والتَّفْنِينُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] في سُورَةِ الإسْراءِ. وذِكْرُ الوَعِيدِ هُنا لِلتَّهْدِيدِ، ولِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] . والتَّقْوى: الخَوْفُ. وهي تُسْتَعْمَلُ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ لِلَّهِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ يُحَدِثُ لَهُمُ القُرْآنُ تَذَكُّرًا ونَظًرا فِيما يَحِقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
صفحة ٣١٥
وعَبَّرَ بِـ ”يُحْدِثُ“ إيماءً إلى أنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ أوْجَدَ فِيهِمْ ذِكْرًا لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ولَمّا جَرَتْ في الجَزْلِ جَرْيًا كَأنَّهُ سَنا الفَجْرِ أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرًا
و”لَعَلَّ“ لِلرَّجاءِ، أيْ أنَّ حالَ القُرْآنِ أنْ يُقَرِّبَ النّاسَ مِنَ التَّقْوى والتَّذَكُّرِ، بِحَيْثُ يُمَثَّلُ شَأْنَ مَن أنْزَلَهُ وأمَرَ بِما فِيهِ بِحالِ مَن يَرْجُو، فَيَلْفِظُ بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإنْشاءِ الرَّجاءِ. فَحَرْفُ ”لَعَلَّ“ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ. وقَدْ مَضى مَعْنى ”لَعَلَّ“ في القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ“ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ . وهَذا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ مُنَزِّلِ القُرْآنِ وعَلى مِنَّةِ هَذا القُرْآنِ، وتَلْقِينٌ لِشُكْرِهِ عَلى ما بَيَّنَ لِعِبادِهِ مِن وسائِلِ الإصْلاحِ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، فَهو مُفَرَّعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى آخِرِها. والتَّفْرِيعُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإنْزالَ والتَّصْرِيفَ ووَسائِلَ الإصْلاحِ كُلَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيلِ آثارٍ يَشْعُرُ جَمِيعُها بِعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ وأنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُدَبِّرُ لِأُمُورِ مَمْلُوكاتِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ الكَمالِ وأنْفَذِ طُرُقِ السِّياسَةِ.
وفِي وصْفِهِ بِالحَقِّ إيماءٌ إلى أنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ مِنَ المُتَسَمَّيْنَ بِالمُلُوكِ لا يَخْلُو مِن نَقْصٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] . وفي الحَدِيثِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ أنا المَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» . أيْ أحْضِرُوهم هَلْ تَجِدُونَ مِنهم مَن يُنازِعُ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الخَلِيفَةِ مُعاوِيَةَ حِينَ خَطَبَ في المَدِينَةِ: يا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَماؤُكم.
صفحة ٣١٦
والجَمْعُ بَيْنَ اسْمِ الجَلالَةِ واسْمِهِ ”المَلِكُ“ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْظامَهُ وإجْلالَهُ مُسْتَحِقّانِ لِذاتِهِ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وهو الدّالُّ عَلى انْحِصارِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِها. ثُمَّ أُتْبِعَ بِـ ”الحَقُّ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَصَرُّفاتِهِ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ حَقٍّ لا تَصَرُّفَ فِيهِ إلّا بِما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ.
والحَقُّ: الَّذِي لَيْسَ في مُلْكِهِ شائِبَةُ عَجْزٍ ولا خُضُوعٍ لِغَيْرِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ زائِفٌ.
وفِي تَفْرِيعِ ذَلِكَ عَلى إنْزالِ القُرْآنِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ القُرْآنَ قانُونُ ذَلِكَ المَلِكِ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ هو السِّياسَةُ الكامِلَةُ الضّامِنَةُ صَلاحَ أحْوالِ مُتَّبِعِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ ناشِئَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن تَصارِيفِ إصْلاحِ النّاسِ. فَلَمّا كانَ النَّبِيءُ ﷺ حَرِيصًا عَلى صَلاحِ الأُمَّةِ، شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِنَجاتِهِمْ لا جَرَمَ - خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ عَقِبَ سَماعِ تِلْكَ الآياتِ رَغْبَةٌ أوْ طِلْبَةٌ في الإكْثارِ مِن نُزُولِ القُرْآنِ وفي التَّعْجِيلِ بِهِ إسْراعًا بِعِظَةِ النّاسِ وصَلاحِهِمْ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِحَيْثُ يُناسِبُ حالَ الأُمَّةِ العامَّ. ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَتِمَّ وحْيُ ما قُضِيَ وحْيُهُ إلَيْكَ، أيْ ما نُفِّذَ إنْزالُهُ؛ فَإنَّهُ هو المُناسِبُ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ هو سُؤالُ التَّعْجِيلِ أوِ الرَّغْبَةُ الشَّدِيدَةُ في النَّفْسِ الَّتِي تُشْبِهُ الِاسْتِبْطاءَ لا مُطْلَقُ مَوَدَّةِ الِازْدِيادِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِ قِصَّةِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ودِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما أوْ مِن خَبَرِهِما» . .
صفحة ٣١٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى العَجَلَةِ بِالقُرْآنِ العَجَلَةَ بِقِراءَتِهِ حالَ إلْقاءِ جِبْرِيلَ آياتِهِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ النَّبِيءُ يُبادِرُ جِبْرِيلَ فَيَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ؛ حِرْصًا عَلى الحِفْظِ وخَشْيَةً مِنَ النِّسْيانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وهَذا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وعَلى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِقَضاءِ وحْيِهِ إتْمامَهَ وانْتِهاءَهُ، أيِ انْتِهاءَ المِقْدارِ الَّذِي هو بِصَدَدِ النُّزُولِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ مَعْناهُ: لا تَعْجَلْ بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأصْحابِكَ ولا تُمْلِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكَ مَعانِيهِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَضاءُ الوَحْيِ تَمامَ مَعانِيهِ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ يَجْرِي اعْتِبارُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُقْضى“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، ورَفْعِ ”وحْيُهُ“ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ وكَسْرِ الضّادِ وبِفَتْحَةٍ عَلى آخِرَ ”نَقْضِي“ وبِنَصْبِ ”وحْيَهُ“ . وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ اسْتِعْجالٌ مَخْصُوصٌ، وأنَّ الباعِثَ عَلى الِاسْتِعْجالِ مَحْمُودٌ. وفِيهِ تَلَطُّفٌ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ أتْبَعَ نَهْيَهُ عَنِ التَّعَجُّلِ الَّذِي يَرْغَبُهُ بِالإذْنِ لَهُ بِسُؤالِ الزِّيادَةِ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَجْمَعُ كُلِّ زِيادَةٍ سَواءً كانَتْ بِإنْزالِ القُرْآنِ أمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الوَحْيِ والإلْهامِ إلى الِاجْتِهادِ تَشْرِيعًا وفَهْمًا، إيماءً إلى أنَّ رَغْبَتَهُ في التَّعَجُّلِ رَغْبَةٌ صالِحَةٌ «كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ راكِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ بَلْ رَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ راكِعًا فَقالَ لَهُ: زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .
طه 20:114
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحَدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩]، والغَرَضُ واحِدٌ، وهو التَّنْوِيهُ بِالقُرْآنِ. فابْتُدِئَ بِالتَّنْوِيهِ بِهِ جُزْئِيًّا
صفحة ٣١٤
بِالتَّنْوِيهِ بِقَصَصِهِ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ التَّنْوِيهُ بِهِ كُلِّيًّا عَلى طَرِيقَةٍ تُشْبِهُ التَّذْيِيلَ لِما في قَوْلِهِ: ﴿أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ مِن مَعْنى عُمُومِ ما فِيهِ. والإشارَةُ بِـ ”كَذَلِكَ“ نَحْوَ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [طه: ٩٩]، أيْ كَما سَمِعْتَهُ لا يُبَيَّنُ بِأوْضَحَ مِن ذَلِكَ. و”قُرْآنًا“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في ”أنْزَلْناهُ“، وقُرْآنٌ تَسْمِيَةٌ بِالمَصْدَرِ. والمُرادُ المَقْرُوءُ، أيِ المَتْلُوُّ، وصارَ القُرْآنُ عَلَمًا بِالغَلَبَةِ عَلى الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ بِألْفاظٍ مُعَيَّنَةٍ مُتَعَبَّدًا بِتِلاوَتِها يَعْجِزُ الإتْيانُ بِمِثْلِ سُورَةٍ مِنها. وسُمِّيَ قُرْآنًا لِأنَّهُ نُظِمَ عَلى أُسْلُوبٍ تَسْهُلُ تِلاوَتُهُ. ولُوحِظَ هُنا المَعْنى الِاشْتِقاقِيُّ قَبْلَ الغَلَبَةِ وهو ما تُفِيدُهُ مادَّةُ (قَرَأ) مِن يُسْرِ تِلاوَتِهِ؛ وما ذَلِكَ إلّا لِفَصاحَةِ تَأْلِيفِهِ وتَناسُبِ حُرُوفِهِ. والتَّنْكِيرُ يُفِيدُ الكَمالَ، أيْ أكْمَلَ ما يَقْرَأُ.
و”عَرَبِيًّا“ صِفَةُ ”قُرْآنًا“ . وهَذا وصْفٌ يُفِيدُ المَدْحَ؛ لِأنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ أبْلَغُ اللُّغاتِ وأحْسَنُها فَصاحَةً وانْسِجامًا. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالِامْتِنانِ عَلى العَرَبِ، وتَحْمِيقٌ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، حَيْثُ أعْرَضُوا عَنْهُ وكَذَّبُوا بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠] .
والتَّصْرِيفُ: التَّنْوِيعُ والتَّفْنِينُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ ثُمَّ هم يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ٤٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْنا في هَذا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الإسراء: ٤١] في سُورَةِ الإسْراءِ. وذِكْرُ الوَعِيدِ هُنا لِلتَّهْدِيدِ، ولِمُناسَبَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وقَدْ خابَ مَن حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١١١] . والتَّقْوى: الخَوْفُ. وهي تُسْتَعْمَلُ كِنايَةً عَنِ الطّاعَةِ لِلَّهِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ فَعَلْنا ذَلِكَ رَجاءَ أنْ يُؤْمِنُوا ويُطِيعُوا. والذِّكْرُ هُنا بِمَعْنى التَّذَكُّرِ، أيْ يُحَدِثُ لَهُمُ القُرْآنُ تَذَكُّرًا ونَظًرا فِيما يَحِقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَخْتارُوهُ لِأنْفُسِهِمْ.
صفحة ٣١٥
وعَبَّرَ بِـ ”يُحْدِثُ“ إيماءً إلى أنَّ الذِّكْرَ لَيْسَ مِن شَأْنِهِمْ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ، فالقُرْآنُ أوْجَدَ فِيهِمْ ذِكْرًا لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
ولَمّا جَرَتْ في الجَزْلِ جَرْيًا كَأنَّهُ سَنا الفَجْرِ أحْدَثْنا لِخالِقِها شُكْرًا
و”لَعَلَّ“ لِلرَّجاءِ، أيْ أنَّ حالَ القُرْآنِ أنْ يُقَرِّبَ النّاسَ مِنَ التَّقْوى والتَّذَكُّرِ، بِحَيْثُ يُمَثَّلُ شَأْنَ مَن أنْزَلَهُ وأمَرَ بِما فِيهِ بِحالِ مَن يَرْجُو، فَيَلْفِظُ بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإنْشاءِ الرَّجاءِ. فَحَرْفُ ”لَعَلَّ“ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ تُنْبِئُ عَنْ تَمْثِيلِيَّةٍ مَكْنِيَّةٍ. وقَدْ مَضى مَعْنى ”لَعَلَّ“ في القُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ”وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ“ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ . وهَذا إنْشاءُ ثَناءٍ عَلى اللَّهِ مُنَزِّلِ القُرْآنِ وعَلى مِنَّةِ هَذا القُرْآنِ، وتَلْقِينٌ لِشُكْرِهِ عَلى ما بَيَّنَ لِعِبادِهِ مِن وسائِلِ الإصْلاحِ وحَمْلِهِمْ عَلَيْهِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، وتَوْجِيهِهِ إلَيْهِمْ بِأبْلَغِ كَلامٍ وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، فَهو مُفَرَّعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إلى آخِرِها. والتَّفْرِيعُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ ذَلِكَ الإنْزالَ والتَّصْرِيفَ ووَسائِلَ الإصْلاحِ كُلَّ ذَلِكَ ناشِئٌ عَنْ جَمِيلِ آثارٍ يَشْعُرُ جَمِيعُها بِعُلُوِّهِ وعَظَمَتِهِ وأنَّهُ المَلِكُ الحَقُّ المُدَبِّرُ لِأُمُورِ مَمْلُوكاتِهِ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ الكَمالِ وأنْفَذِ طُرُقِ السِّياسَةِ.
وفِي وصْفِهِ بِالحَقِّ إيماءٌ إلى أنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ مِنَ المُتَسَمَّيْنَ بِالمُلُوكِ لا يَخْلُو مِن نَقْصٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿المُلْكُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] . وفي الحَدِيثِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ أنا المَلِكُ، أيْنَ مُلُوكُ الأرْضِ» . أيْ أحْضِرُوهم هَلْ تَجِدُونَ مِنهم مَن يُنازِعُ في ذَلِكَ، كَقَوْلِ الخَلِيفَةِ مُعاوِيَةَ حِينَ خَطَبَ في المَدِينَةِ: يا أهْلَ المَدِينَةِ أيْنَ عُلَماؤُكم.
صفحة ٣١٦
والجَمْعُ بَيْنَ اسْمِ الجَلالَةِ واسْمِهِ ”المَلِكُ“ إشارَةٌ إلى أنَّ إعْظامَهُ وإجْلالَهُ مُسْتَحِقّانِ لِذاتِهِ بِالِاسْمِ الجامِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وهو الدّالُّ عَلى انْحِصارِ الإلَهِيَّةِ وكَمالِها. ثُمَّ أُتْبِعَ بِـ ”الحَقُّ“ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ تَصَرُّفاتِهِ واضِحَةُ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُلْكَهُ مُلْكُ حَقٍّ لا تَصَرُّفَ فِيهِ إلّا بِما هو مُقْتَضى الحِكْمَةِ.
والحَقُّ: الَّذِي لَيْسَ في مُلْكِهِ شائِبَةُ عَجْزٍ ولا خُضُوعٍ لِغَيْرِهِ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ مُلْكَ غَيْرِهِ زائِفٌ.
وفِي تَفْرِيعِ ذَلِكَ عَلى إنْزالِ القُرْآنِ إشارَةٌ أيْضًا إلى أنَّ القُرْآنَ قانُونُ ذَلِكَ المَلِكِ، وأنَّ ما جاءَ بِهِ هو السِّياسَةُ الكامِلَةُ الضّامِنَةُ صَلاحَ أحْوالِ مُتَّبِعِيهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ. وجُمْلَةُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ ناشِئَةٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ وما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن تَصارِيفِ إصْلاحِ النّاسِ. فَلَمّا كانَ النَّبِيءُ ﷺ حَرِيصًا عَلى صَلاحِ الأُمَّةِ، شَدِيدَ الِاهْتِمامِ بِنَجاتِهِمْ لا جَرَمَ - خَطَرَتْ بِقَلْبِهِ الشَّرِيفِ عَقِبَ سَماعِ تِلْكَ الآياتِ رَغْبَةٌ أوْ طِلْبَةٌ في الإكْثارِ مِن نُزُولِ القُرْآنِ وفي التَّعْجِيلِ بِهِ إسْراعًا بِعِظَةِ النّاسِ وصَلاحِهِمْ، فَعَلَّمَهُ اللَّهُ أنْ يَكِلَ الأمْرَ إلَيْهِ؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ بِحَيْثُ يُناسِبُ حالَ الأُمَّةِ العامَّ. ومَعْنى ﴿مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَتِمَّ وحْيُ ما قُضِيَ وحْيُهُ إلَيْكَ، أيْ ما نُفِّذَ إنْزالُهُ؛ فَإنَّهُ هو المُناسِبُ، فالمَنهِيُّ عَنْهُ هو سُؤالُ التَّعْجِيلِ أوِ الرَّغْبَةُ الشَّدِيدَةُ في النَّفْسِ الَّتِي تُشْبِهُ الِاسْتِبْطاءَ لا مُطْلَقُ مَوَدَّةِ الِازْدِيادِ، فَقَدْ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِ قِصَّةِ مُوسى مَعَ الخَضِرِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - «ودِدْنا أنَّ مُوسى صَبَرَ حَتّى يَقُصَّ اللَّهُ عَلَيْنا مِن أمْرِهِما أوْ مِن خَبَرِهِما» . .
صفحة ٣١٧
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى العَجَلَةِ بِالقُرْآنِ العَجَلَةَ بِقِراءَتِهِ حالَ إلْقاءِ جِبْرِيلَ آياتِهِ. فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: كانَ النَّبِيءُ يُبادِرُ جِبْرِيلَ فَيَقْرَأُ قَبْلَ أنْ يَفْرُغَ جِبْرِيلُ؛ حِرْصًا عَلى الحِفْظِ وخَشْيَةً مِنَ النِّسْيانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ﴾ الآيَةَ. وهَذا كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦] كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ. وعَلى هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ يَكُونُ المُرادُ بِقَضاءِ وحْيِهِ إتْمامَهَ وانْتِهاءَهُ، أيِ انْتِهاءَ المِقْدارِ الَّذِي هو بِصَدَدِ النُّزُولِ.
وعَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ أنَّ مَعْناهُ: لا تَعْجَلْ بِقِراءَةِ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ لِأصْحابِكَ ولا تُمْلِهِ عَلَيْهِمْ حَتّى تَتَبَيَّنَ لَكَ مَعانِيهِ. وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ قَضاءُ الوَحْيِ تَمامَ مَعانِيهِ. وعَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ يَجْرِي اعْتِبارُ مَوْقِعِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يُقْضى“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، ورَفْعِ ”وحْيُهُ“ عَلى أنَّهُ نائِبُ الفاعِلِ، وقَرَأ يَعْقُوبُ بِنُونِ العَظَمَةِ وكَسْرِ الضّادِ وبِفَتْحَةٍ عَلى آخِرَ ”نَقْضِي“ وبِنَصْبِ ”وحْيَهُ“ . وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ يُشِيرُ إلى أنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ اسْتِعْجالٌ مَخْصُوصٌ، وأنَّ الباعِثَ عَلى الِاسْتِعْجالِ مَحْمُودٌ. وفِيهِ تَلَطُّفٌ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ؛ إذْ أتْبَعَ نَهْيَهُ عَنِ التَّعَجُّلِ الَّذِي يَرْغَبُهُ بِالإذْنِ لَهُ بِسُؤالِ الزِّيادَةِ مِنَ العِلْمِ، فَإنَّ ذَلِكَ مَجْمَعُ كُلِّ زِيادَةٍ سَواءً كانَتْ بِإنْزالِ القُرْآنِ أمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الوَحْيِ والإلْهامِ إلى الِاجْتِهادِ تَشْرِيعًا وفَهْمًا، إيماءً إلى أنَّ رَغْبَتَهُ في التَّعَجُّلِ رَغْبَةٌ صالِحَةٌ «كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ حِينَ دَخَلَ المَسْجِدَ فَوَجَدَ النَّبِيءَ راكِعًا فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ يَصِلَ إلى الصَّفِّ بَلْ رَكَعَ ودَبَّ إلى الصَّفِّ راكِعًا فَقالَ لَهُ: زادَكَ اللَّهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ» .
طه 20:115
صفحة ٣١٨
﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾
لَمّا كانَتْ قِصَّةُ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ فِرْعَوْنَ ومَعَ قَوْمِهِ ذاتَ عِبْرَةٍ لِلْمُكَذِّبِينَ والمُعانِدِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا النَّبِيءَ ﷺ وعانَدُوهُ، وذَلِكَ المَقْصُودُ مِن قَصَصِها كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وقَدْ آتَيْناكَ مِن لَدُنّا ذِكْرًا مَن أعْرَضَ عَنْهُ فَإنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ القِيامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩] . فَكَأنَ النَّبِيءَ ﷺ اسْتَحَبَّ الزِّيادَةَ مِن هَذِهِ القَصَصِ ذاتِ العِبْرَةِ رَجاءَ أنَّ قَوْمَهُ يَفِيقُونَ مِن ضَلالَتِهِمْ كَما أشَرْنا إلَيْهِ قَرِيبًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]؛ أُعْقِبَتْ تِلْكَ القِصَّةُ بِقِصَّةِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وما عَرَّضَ لَهُ بِهِ الشَّيْطانُ؛ تَحْقِيقًا لِفائِدَةِ قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] . فالجُمْلَةُ عَطْفُ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ والمُناسَبَةُ ما سَمِعْتَ.
والكَلامُ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] . وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ ولامِ القَسَمِ لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ بِالقِصَّةِ تَنْبِيهًا عَلى قَصْدِ التَّنْظِيرِ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ في التَّفْرِيطِ في العَهْدِ؛ لِأنَّ في القِصَّةِ الأُولى تَفْرِيطُ بَنِي إسْرائِيلَ في عَهْدِ اللَّهِ، كَما قالَ فِيها: ﴿ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ [طه: ٨٦]، وفي قِصَّةِ آدَمَ تَفْرِيطًا في العَهْدِ أيْضًا. وفي كَوْنِ ذَلِكَ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ كَما قالَ في القِصَّةِ الأُولى: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ [طه: ٩٦] وقالَ في هَذِهِ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ [طه: ١٢٠] . وفي أنَّ في القِصَّتَيْنِ نِسْيانًا لِما يَجِبُ الحِفاظُ عَلَيْهِ وتَذَكُّرُهُ، فَقالَ في القِصَّةِ الأُولى: ”فَنَسِيَ“، وقالَ في هَذِهِ القِصَّةِ: ﴿فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ .
صفحة ٣١٩
وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: ”مِن قَبْلُ“ حُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ ”قَبْلُ“، وتَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ إرْسالِ مُوسى أوْ: مِن قَبْلِ ما ذُكِرَ، فَإنَّ بِناءَ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ عَلامَةُ حَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ ونِيَّةِ مَعْناهُ. والَّذِي ذُكِرَ: إمّا عَهْدُمُوسى الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنا اخْتَرْتُكَ فاسْتَمِعْ لِما يُوحى﴾ [طه: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾ [طه: ١٦] وإمّا عَهْدُ اللَّهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي ذَكَّرَهم بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا رَجِعَ إلَيْهِمْ غَضْبانَ أسِفًا، وهو ما في قَوْلِهِ: ﴿أفَطالَ عَلَيْكُمُ العَهْدُ﴾ [طه: ٨٦] الآيَةَ.
والمُرادُ بِالعَهْدِ إلى آدَمَ: العَهْدُ إلَيْهِ في الجَنَّةِ الَّتِي أُنْسِيَ فِيها.
والنِّسْيانُ: أُطْلِقَ هُنا عَلى إهْمالِ العَمَلِ بِالعَهْدِ عَمْدًا، كَقَوْلِهِ: في قِصَّةِ السّامِرِيِّ ”فَنَسِيَ“، فَيَكُونُ عِصْيانًا، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] ﴿وقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] الآيَةَ، وقَدْ مَضَتْ في سُورَةِ الأعْرافِ. وهَذا العَهْدُ هو المُبَيَّنُ في الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] الآيَةَ.
والعَزْمُ: الجَزْمُ بِالفِعْلِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ فِيهِ، وهو مُغالَبَةُ ما يَدْعُو إلَيْهِ الخاطِرُ مِنَ الِانْكِفافِ عَنْهُ؛ لِعُسْرِ عَمَلِهِ أوْ إيثارِ ضِدِّهِ عَلَيْهِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ هُنا: العَزْمُ عَلى امْتِثالِ الأمْرِ وإلْغاءُ ما يُحَسِّنُ إلَيْهِ عَدَمَ الِامْتِثالِ، قالَ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقالَ: ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا العَزْمُ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وهم نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، وإسْماعِيلُ، ويَعْقُوبُ، ويُوسُفُ، وأيُّوبُ، ومُوسى، وداوُدُ، وعِيسى - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - . واسْتُعْمِلَ نَفْيُ وِجْدانِ العَزْمِ عِنْدَ آدَمَ في مَعْنى عَدَمِ وُجُودِ العَزْمِ مِن صِفَتِهِ فِيما عُهِدَ إلَيْهِ؛ تَمْثِيلًا لِحالِ طَلَبِ حُصُولِهِ عِنْدَهُ بِحالِ الباحِثِ عَلى عَزْمِهِ فَلَمْ يَجِدْهُ عِنْدَهُ بَعْدَ البَحْثِ.
طه 20:116
صفحة ٣٢٠
﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى﴾
هَذا بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ١١٥] إلى آخِرِها، فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ لا يَكُونَ مَعْطُوفًا بِالواوِ بَلْ أنْ يَكُونَ مَفْصُولًا، فَوُقُوعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ مَعْطُوفَةً اهْتِمامٌ بِها؛ لِتَكُونَ قِصَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَتَلْفِتَ إلَيْها أذْهانَ السّامِعِينَ، فَتَكُونَ الواوُ عاطِفَةً قِصَّةَ آدَمَ عَلى قِصَّةِ مُوسى عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى إذْ رَأى نارًا﴾ [طه: ٩]، ويَكُونَ التَّقْدِيرُ: واذْكُرْ إذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ، وتَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ عَهِدْنا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ١١٥] تَذْيِيلًا لِقِصَّةِ هارُونَ مَعَ السّامِرِيِّ، وقَوْلُهُ: ”مِن قَبْلُ“ أيْ مِن قَبْلِ هارُونَ. والمَعْنى: أنَّ هارُونَ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَزْمٌ في الحِفاظِ عَلى ما عَهِدَ إلَيْهِ مُوسى، وانْتَهَتِ القِصَّةُ بِذَلِكَ التَّذْيِيلِ، ثُمَّ عَطَفَ عَلى قِصَّةِ مُوسى قِصَّةَ آدَمَ تَبَعًا لِقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ [طه: ٩٩] .
طه 20:117
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾
قِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ وإباءِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّجُودِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ ما اخْتُصَّتْ بِهِ هاتِهِ السُّورَةُ مِنَ الأفانِينِ والتَّراكِيبِ.
فَقَوْلُهُ: ”إنَّ هَذا“ إشارَةٌ إلى الشَّيْطانِ إشارَةً مُرادًا مِنها التَّحْقِيرُ، كَما حَكى اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ هو كَقَوْلِهِ: في الأعْرافِ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فَذُكِرَتْ عَداوَتُهُ لَهُما جُمْلَةً هُنالِكَ
صفحة ٣٢١
وذُكِرَتْ تَفْصِيلًا هُنا، فابْتُدِئَ في ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ عَداوَتِهِ بِآدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ هو مَنشَأُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِحَسَدِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ زَوْجِهِ؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ إيّاها تَبَعٌ لِعَداوَتِهِ آدَمَ زَوْجَها، وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِكِلَيْهِما لِاتِّحادِ عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي حَسَدُهُ إيّاهُما عَلى ما وهَبَهُما اللَّهُ مِن عِلْمِ الأسْماءِ الَّذِي هو عُنْوانُ الفِكْرِ المُوَصِّلِ إلى الهُدى وعُنْوانُ التَّعْبِيرِ عَنِ الضَّمِيرِ المُوَصِّلِ لِلْإرْشادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ عَمَلَ الشَّيْطانِ ويَشُقُّ عَلَيْهِ في اسْتِهْوائِهِما واسْتِهْواءِ ذَرِّيَّتِهِما؛ ولِأنَّ الشَّيْطانَ رَأى نَفْسَهُ أجْدَرَ بِالتَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ، فَحَنَقَ لَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
* * *
﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وإنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإخْبارِ بِعَداوَةِ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجِهِ بِأنْ نُهِيا نَهْيَ تَحْذِيرٍ عَنْ أنْ يَتَسَبَّبَ إبْلِيسُ في خُرُوجِهِما مِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَرُوقُهُ صَلاحُ حالِ عَدُّوِهُ. ووَقَعَ النَّهْيُ في صُورَةِ نَهْيٍ عَنْ عَمَلٍ هو مِن أعْمالِ الشَّيْطانِ لا مِن أعْمالِ آدَمَ كِنايَةً عَنْ نَهْيِ آدَمَ عَنِ التَّأثُّرِ بِوَسائِلِ إخْراجِهِما مِنَ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، كِنايَةً عَنْ: لا تَفْعَلْ، أيْ لا تَفْعَلْ كَذا حَتّى أعْرِفَهُ مِنكَ. ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَبْلُغَ إلى المُتَكَلِّمِ خَبَرَ فِعْلِ المُخاطَبِ؛ وأُسْنِدَ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ إلى آدَمَ خاصَّةً دُونَ زَوْجِهِ إيجازًا؛ لِأنَّ في شَقاءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَقاءَ الآخَرِ؛ لِتَلازُمِهِما في الكَوْنِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ شَقاءَ الذَّكَرِ أصْلُ شَقاءِ المَرْأةِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ،
صفحة ٣٢٢
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِلشَّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمَتَّعًا في الجَنَّةِ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ ومَشْرَبٍ واعْتِدالِ جَوٍّ مُناسِبٍ لِلْمِزاجِ كانَ الخُرُوجُ مِنها مُقْتَضِيًا فِقْدانَ ذَلِكَ.
و”تَضْحى“ مُضارِعُ ضَحِيَ - كَرَضِيَ - إذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ في وقْتِ الضُّحى. ومَصْدَرُهُ الضَّحْوُ، وحَرُّ الشَّمْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هو مَبْدَأُ شِدَّتِهِ. والمَعْنى: لا يُصِيبُكَ ما يُنافِرُ مِزاجَكَ، فالِاقْتِصارَ عَلى انْتِفاءِ الضَّحْوِ هُنا اكْتِفاءٌ، أيْ ولا تَصْرَدَ. وآدَمُ لَمْ يَعْرَفِ الجُوعَ والعُرْيَ والظَّمَأ والضَّحْوَ بِالوِجْدانِ، وإنَّما عَرَفَها بِحَقائِقِها ضِمْنَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كُلَّها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمِعَ لَهُ في هَذا الخَبَرِ أصُولُ كَفافِ الإنْسانِ في مَعِيشَتِهِ إيماءً إلى أنَّ الِاسْتِكْفاءَ مِنها سَيَكُونُ غايَةَ سَعْيِ الإنْسانِ في حَياتِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الَّتِي تُصاحِبُ التَّكْوِينَ تَكُونُ إشْعارًا بِخَصائِصِ المُكَوِّنِ في مُقَوِّماتِهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن تَوْفِيقِ النَّبِيءِ ﷺ لِاخْتِيارِ اللَّبَنِ عَلى الخَمْرِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اخْتَرْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ؛ وقَدْ قَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الجُوعِ واللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾، وقَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الظَّمَأِ وألَمِ الجِسْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ الجُوعِ والعُرْيِ، في أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ باطِنِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وذَلِكَ هو الطَّعامُ، وأنَّ العُرْيَ خُلُوُّ ظاهِرِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وهو لَفْحُ الحَرِّ وقَرْصُ البَرْدِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الظَّمَأِ وبَيْنَ حَرارَةِ الشَّمْسِ في أنَّ الأوَّلَ ألَمُ حَرارَةِ الباطِنِ، والثّانِي ألَمُ حَرارَةِ الظّاهِرِ، فَهَذا اقْتَضى عَدَمَ اقْتِرانِ ذِكْرِ الظَّمَأِ والجُوعِ، وعَدَمِ اقْتِرانِ ذِكْرِ العُرْيِ بِألَمِ
صفحة ٣٢٣
الحَرِّ، وإنْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ جَمْعُ النَّظِيرَيْنِ في كِلَيْهِما، إذْ جَمْعُ النَّظائِرِ مِن أسالِيبِ البَدِيعِ في نَظْمِ الكَلامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَوْلا أنْ عَرَضَ هُنا ما أوْجَبَ تَفْرِيقَ النَّظائِرِ.
ومِن هَذا القَبِيلِ في تَفْرِيقِ النَّظائِرِ قِصَّةٌ أدَبِيَّةٌ طَرِيفَةٌ جَرَتْ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وبَيْنَ أبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، ذَكَرَها المَعَرِّي في ”مُعْجِزِ أحْمَدَ“ شَرَحِهِ عَلى دِيوانِ أبِي الطَّيِّبِ إجْمالًا، وبَسَطَها الواحِدِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الدِّيوانِ، وهي أنَّ أبا الطَّيِّبِ لَمّا أنْشَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي طالِعُها:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزائِمُ
قالَ في أثْنائِها يَصِفُ مَوْقِعَةً بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ والرُّومِ في ثَغْرِ الحَدَثِ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فاسْتَعادَها سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْشَدَهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: إنَّ صَدْرَيِ البَيْتَيْنِ لا يُلائِمانِ عَجُزَيْهِما، وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
وأنْتَ في هَذا مِثْلَ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ؛ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ
صفحة ٣٢٤
الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونَ سِباءُ الخَمْرِ لِلَّذَّةِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ. فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: أدامَ اللَّهُ عِزَّ الأمِيرِ، إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا يَعْرِفُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مُعْرِفَةَ الحائِكِ؛ لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ. وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ، وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المَهْزُومِ لا يَخْلُو أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: .
. . . . . . . . .
ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
ومَعْنى هَذا أنَّ امْرَأ القَيْسِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في جَمْعِ شَيْئَيْنِ مُشْتَهِرَيِ المُناسَبَةِ، فَجَمَعَ شَيْئَيْنِ مُتَناسِبَيْنِ مُناسَبَةً دَقِيقَةً، وأنَّ أبا الطَّيِّبِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن جَمْعِ النَّظِيرَيْنِ، فَفَرَّقَهُما لِسُلُوكِ طَرِيقَةٍ أبْدَعَ، وهي طَرِيقَةُ الطِّباقِ بِالتَّضادِّ، وهو أعْرَقُ في صِناعَةِ البَدِيعِ، وجُعِلَتِ المِنَّةُ عَلى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ مَسُوقَةً في سِياقِ انْتِفاءِ أضَدادِها؛ لِيُطْرَقَ سَمْعُهُ بِأسامِي أصْنافِ الشَّقْوَةِ تَحْذِيرًا مِنها لِكَيْ يَتَحامى مَن يَسْعى إلى إرْزائِهِ مِنها.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنَّكَ لا تَظْمَأُ“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“ عَطْفًا لِلْجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ. وقَرَأ الباقُونَ ”وأنَّكَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ”ألّا تَجُوعَ“ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، أيْ إنَّ لَكَ نَفْيَ الجُوعِ والعُرْيِ ونَفْيَ الظَّمَأِ والضَّحْوِ. وقَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُ الجَمِيعِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِـ ”إنْ“ وبِأُخْتِها، وبَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ.
طه 20:118
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾
قِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ وإباءِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّجُودِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ ما اخْتُصَّتْ بِهِ هاتِهِ السُّورَةُ مِنَ الأفانِينِ والتَّراكِيبِ.
فَقَوْلُهُ: ”إنَّ هَذا“ إشارَةٌ إلى الشَّيْطانِ إشارَةً مُرادًا مِنها التَّحْقِيرُ، كَما حَكى اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ هو كَقَوْلِهِ: في الأعْرافِ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فَذُكِرَتْ عَداوَتُهُ لَهُما جُمْلَةً هُنالِكَ
صفحة ٣٢١
وذُكِرَتْ تَفْصِيلًا هُنا، فابْتُدِئَ في ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ عَداوَتِهِ بِآدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ هو مَنشَأُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِحَسَدِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ زَوْجِهِ؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ إيّاها تَبَعٌ لِعَداوَتِهِ آدَمَ زَوْجَها، وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِكِلَيْهِما لِاتِّحادِ عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي حَسَدُهُ إيّاهُما عَلى ما وهَبَهُما اللَّهُ مِن عِلْمِ الأسْماءِ الَّذِي هو عُنْوانُ الفِكْرِ المُوَصِّلِ إلى الهُدى وعُنْوانُ التَّعْبِيرِ عَنِ الضَّمِيرِ المُوَصِّلِ لِلْإرْشادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ عَمَلَ الشَّيْطانِ ويَشُقُّ عَلَيْهِ في اسْتِهْوائِهِما واسْتِهْواءِ ذَرِّيَّتِهِما؛ ولِأنَّ الشَّيْطانَ رَأى نَفْسَهُ أجْدَرَ بِالتَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ، فَحَنَقَ لَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
* * *
﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وإنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإخْبارِ بِعَداوَةِ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجِهِ بِأنْ نُهِيا نَهْيَ تَحْذِيرٍ عَنْ أنْ يَتَسَبَّبَ إبْلِيسُ في خُرُوجِهِما مِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَرُوقُهُ صَلاحُ حالِ عَدُّوِهُ. ووَقَعَ النَّهْيُ في صُورَةِ نَهْيٍ عَنْ عَمَلٍ هو مِن أعْمالِ الشَّيْطانِ لا مِن أعْمالِ آدَمَ كِنايَةً عَنْ نَهْيِ آدَمَ عَنِ التَّأثُّرِ بِوَسائِلِ إخْراجِهِما مِنَ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، كِنايَةً عَنْ: لا تَفْعَلْ، أيْ لا تَفْعَلْ كَذا حَتّى أعْرِفَهُ مِنكَ. ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَبْلُغَ إلى المُتَكَلِّمِ خَبَرَ فِعْلِ المُخاطَبِ؛ وأُسْنِدَ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ إلى آدَمَ خاصَّةً دُونَ زَوْجِهِ إيجازًا؛ لِأنَّ في شَقاءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَقاءَ الآخَرِ؛ لِتَلازُمِهِما في الكَوْنِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ شَقاءَ الذَّكَرِ أصْلُ شَقاءِ المَرْأةِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ،
صفحة ٣٢٢
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِلشَّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمَتَّعًا في الجَنَّةِ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ ومَشْرَبٍ واعْتِدالِ جَوٍّ مُناسِبٍ لِلْمِزاجِ كانَ الخُرُوجُ مِنها مُقْتَضِيًا فِقْدانَ ذَلِكَ.
و”تَضْحى“ مُضارِعُ ضَحِيَ - كَرَضِيَ - إذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ في وقْتِ الضُّحى. ومَصْدَرُهُ الضَّحْوُ، وحَرُّ الشَّمْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هو مَبْدَأُ شِدَّتِهِ. والمَعْنى: لا يُصِيبُكَ ما يُنافِرُ مِزاجَكَ، فالِاقْتِصارَ عَلى انْتِفاءِ الضَّحْوِ هُنا اكْتِفاءٌ، أيْ ولا تَصْرَدَ. وآدَمُ لَمْ يَعْرَفِ الجُوعَ والعُرْيَ والظَّمَأ والضَّحْوَ بِالوِجْدانِ، وإنَّما عَرَفَها بِحَقائِقِها ضِمْنَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كُلَّها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمِعَ لَهُ في هَذا الخَبَرِ أصُولُ كَفافِ الإنْسانِ في مَعِيشَتِهِ إيماءً إلى أنَّ الِاسْتِكْفاءَ مِنها سَيَكُونُ غايَةَ سَعْيِ الإنْسانِ في حَياتِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الَّتِي تُصاحِبُ التَّكْوِينَ تَكُونُ إشْعارًا بِخَصائِصِ المُكَوِّنِ في مُقَوِّماتِهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن تَوْفِيقِ النَّبِيءِ ﷺ لِاخْتِيارِ اللَّبَنِ عَلى الخَمْرِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اخْتَرْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ؛ وقَدْ قَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الجُوعِ واللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾، وقَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الظَّمَأِ وألَمِ الجِسْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ الجُوعِ والعُرْيِ، في أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ باطِنِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وذَلِكَ هو الطَّعامُ، وأنَّ العُرْيَ خُلُوُّ ظاهِرِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وهو لَفْحُ الحَرِّ وقَرْصُ البَرْدِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الظَّمَأِ وبَيْنَ حَرارَةِ الشَّمْسِ في أنَّ الأوَّلَ ألَمُ حَرارَةِ الباطِنِ، والثّانِي ألَمُ حَرارَةِ الظّاهِرِ، فَهَذا اقْتَضى عَدَمَ اقْتِرانِ ذِكْرِ الظَّمَأِ والجُوعِ، وعَدَمِ اقْتِرانِ ذِكْرِ العُرْيِ بِألَمِ
صفحة ٣٢٣
الحَرِّ، وإنْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ جَمْعُ النَّظِيرَيْنِ في كِلَيْهِما، إذْ جَمْعُ النَّظائِرِ مِن أسالِيبِ البَدِيعِ في نَظْمِ الكَلامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَوْلا أنْ عَرَضَ هُنا ما أوْجَبَ تَفْرِيقَ النَّظائِرِ.
ومِن هَذا القَبِيلِ في تَفْرِيقِ النَّظائِرِ قِصَّةٌ أدَبِيَّةٌ طَرِيفَةٌ جَرَتْ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وبَيْنَ أبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، ذَكَرَها المَعَرِّي في ”مُعْجِزِ أحْمَدَ“ شَرَحِهِ عَلى دِيوانِ أبِي الطَّيِّبِ إجْمالًا، وبَسَطَها الواحِدِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الدِّيوانِ، وهي أنَّ أبا الطَّيِّبِ لَمّا أنْشَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي طالِعُها:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزائِمُ
قالَ في أثْنائِها يَصِفُ مَوْقِعَةً بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ والرُّومِ في ثَغْرِ الحَدَثِ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فاسْتَعادَها سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْشَدَهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: إنَّ صَدْرَيِ البَيْتَيْنِ لا يُلائِمانِ عَجُزَيْهِما، وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
وأنْتَ في هَذا مِثْلَ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ؛ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ
صفحة ٣٢٤
الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونَ سِباءُ الخَمْرِ لِلَّذَّةِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ. فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: أدامَ اللَّهُ عِزَّ الأمِيرِ، إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا يَعْرِفُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مُعْرِفَةَ الحائِكِ؛ لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ. وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ، وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المَهْزُومِ لا يَخْلُو أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: .
. . . . . . . . .
ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
ومَعْنى هَذا أنَّ امْرَأ القَيْسِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في جَمْعِ شَيْئَيْنِ مُشْتَهِرَيِ المُناسَبَةِ، فَجَمَعَ شَيْئَيْنِ مُتَناسِبَيْنِ مُناسَبَةً دَقِيقَةً، وأنَّ أبا الطَّيِّبِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن جَمْعِ النَّظِيرَيْنِ، فَفَرَّقَهُما لِسُلُوكِ طَرِيقَةٍ أبْدَعَ، وهي طَرِيقَةُ الطِّباقِ بِالتَّضادِّ، وهو أعْرَقُ في صِناعَةِ البَدِيعِ، وجُعِلَتِ المِنَّةُ عَلى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ مَسُوقَةً في سِياقِ انْتِفاءِ أضَدادِها؛ لِيُطْرَقَ سَمْعُهُ بِأسامِي أصْنافِ الشَّقْوَةِ تَحْذِيرًا مِنها لِكَيْ يَتَحامى مَن يَسْعى إلى إرْزائِهِ مِنها.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنَّكَ لا تَظْمَأُ“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“ عَطْفًا لِلْجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ. وقَرَأ الباقُونَ ”وأنَّكَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ”ألّا تَجُوعَ“ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، أيْ إنَّ لَكَ نَفْيَ الجُوعِ والعُرْيِ ونَفْيَ الظَّمَأِ والضَّحْوِ. وقَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُ الجَمِيعِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِـ ”إنْ“ وبِأُخْتِها، وبَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ.
طه 20:119
﴿فَقُلْنا يا آدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾
قِصَّةُ خَلْقِ آدَمَ وسُجُودِ المَلائِكَةِ لَهُ وإباءِ الشَّيْطانِ مِنَ السُّجُودِ تَقَدَّمَتْ في سُورَةِ البَقَرَةِ وسُورَةِ الأعْرافِ، فَلْنَقْتَصِرْ عَلى بَيانِ ما اخْتُصَّتْ بِهِ هاتِهِ السُّورَةُ مِنَ الأفانِينِ والتَّراكِيبِ.
فَقَوْلُهُ: ”إنَّ هَذا“ إشارَةٌ إلى الشَّيْطانِ إشارَةً مُرادًا مِنها التَّحْقِيرُ، كَما حَكى اللَّهُ في سُورَةِ الأنْبِياءِ مِن قَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وفي سُورَةِ الأعْرافِ ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦] عَبَّرَ عَنْهُ بِاسْمِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ هو كَقَوْلِهِ: في الأعْرافِ: ﴿وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢]، فَذُكِرَتْ عَداوَتُهُ لَهُما جُمْلَةً هُنالِكَ
صفحة ٣٢١
وذُكِرَتْ تَفْصِيلًا هُنا، فابْتُدِئَ في ذِكْرِ مُتَعَلِّقِ عَداوَتِهِ بِآدَمَ؛ لِأنَّ آدَمَ هو مَنشَأُ عَداوَةِ الشَّيْطانِ لِحَسَدِهِ، ثُمَّ أُتْبِعَ بِذِكْرِ زَوْجِهِ؛ لِأنَّ عَداوَتَهُ إيّاها تَبَعٌ لِعَداوَتِهِ آدَمَ زَوْجَها، وكانَتْ عَداوَتُهُ مُتَعَلِّقَةً بِكِلَيْهِما لِاتِّحادِ عِلَّةِ العَداوَةِ، وهي حَسَدُهُ إيّاهُما عَلى ما وهَبَهُما اللَّهُ مِن عِلْمِ الأسْماءِ الَّذِي هو عُنْوانُ الفِكْرِ المُوَصِّلِ إلى الهُدى وعُنْوانُ التَّعْبِيرِ عَنِ الضَّمِيرِ المُوَصِّلِ لِلْإرْشادِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُبْطِلُ عَمَلَ الشَّيْطانِ ويَشُقُّ عَلَيْهِ في اسْتِهْوائِهِما واسْتِهْواءِ ذَرِّيَّتِهِما؛ ولِأنَّ الشَّيْطانَ رَأى نَفْسَهُ أجْدَرَ بِالتَّفْضِيلِ عَلى آدَمَ، فَحَنَقَ لَمّا أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ.
* * *
﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقى﴾ ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وإنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الجَنَّةِ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى الإخْبارِ بِعَداوَةِ إبْلِيسَ لَهُ ولِزَوْجِهِ بِأنْ نُهِيا نَهْيَ تَحْذِيرٍ عَنْ أنْ يَتَسَبَّبَ إبْلِيسُ في خُرُوجِهِما مِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّ العَدُوَّ لا يَرُوقُهُ صَلاحُ حالِ عَدُّوِهُ. ووَقَعَ النَّهْيُ في صُورَةِ نَهْيٍ عَنْ عَمَلٍ هو مِن أعْمالِ الشَّيْطانِ لا مِن أعْمالِ آدَمَ كِنايَةً عَنْ نَهْيِ آدَمَ عَنِ التَّأثُّرِ بِوَسائِلِ إخْراجِهِما مِنَ الجَنَّةِ، كَما يُقالُ: لا أعْرِفَنَّكَ تَفْعَلُ كَذا، كِنايَةً عَنْ: لا تَفْعَلْ، أيْ لا تَفْعَلْ كَذا حَتّى أعْرِفَهُ مِنكَ. ولَيْسَ المُرادُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يَبْلُغَ إلى المُتَكَلِّمِ خَبَرَ فِعْلِ المُخاطَبِ؛ وأُسْنِدَ تَرَتُّبُ الشَّقاءِ إلى آدَمَ خاصَّةً دُونَ زَوْجِهِ إيجازًا؛ لِأنَّ في شَقاءِ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ شَقاءَ الآخَرِ؛ لِتَلازُمِهِما في الكَوْنِ مَعَ الإيماءِ إلى أنَّ شَقاءَ الذَّكَرِ أصْلُ شَقاءِ المَرْأةِ، مَعَ ما في ذَلِكَ مِن رِعايَةِ الفاصِلَةِ،
صفحة ٣٢٢
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ لَكَ أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ تَعْلِيلٌ لِلشَّقاءِ المُتَرَتِّبِ عَلى الخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مُمَتَّعًا في الجَنَّةِ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ مِن مَأْكَلٍ ومَلْبَسٍ ومَشْرَبٍ واعْتِدالِ جَوٍّ مُناسِبٍ لِلْمِزاجِ كانَ الخُرُوجُ مِنها مُقْتَضِيًا فِقْدانَ ذَلِكَ.
و”تَضْحى“ مُضارِعُ ضَحِيَ - كَرَضِيَ - إذا أصابَهُ حَرُّ الشَّمْسِ في وقْتِ الضُّحى. ومَصْدَرُهُ الضَّحْوُ، وحَرُّ الشَّمْسِ في ذَلِكَ الوَقْتِ هو مَبْدَأُ شِدَّتِهِ. والمَعْنى: لا يُصِيبُكَ ما يُنافِرُ مِزاجَكَ، فالِاقْتِصارَ عَلى انْتِفاءِ الضَّحْوِ هُنا اكْتِفاءٌ، أيْ ولا تَصْرَدَ. وآدَمُ لَمْ يَعْرَفِ الجُوعَ والعُرْيَ والظَّمَأ والضَّحْوَ بِالوِجْدانِ، وإنَّما عَرَفَها بِحَقائِقِها ضِمْنَ تَعْلِيمِهِ الأسْماءَ كُلَّها كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجُمِعَ لَهُ في هَذا الخَبَرِ أصُولُ كَفافِ الإنْسانِ في مَعِيشَتِهِ إيماءً إلى أنَّ الِاسْتِكْفاءَ مِنها سَيَكُونُ غايَةَ سَعْيِ الإنْسانِ في حَياتِهِ المُسْتَقْبَلِيَّةِ؛ لِأنَّ الأحْوالَ الَّتِي تُصاحِبُ التَّكْوِينَ تَكُونُ إشْعارًا بِخَصائِصِ المُكَوِّنِ في مُقَوِّماتِهِ، كَما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن تَوْفِيقِ النَّبِيءِ ﷺ لِاخْتِيارِ اللَّبَنِ عَلى الخَمْرِ، فَقِيلَ لَهُ: لَوِ اخْتَرْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ؛ وقَدْ قَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الجُوعِ واللِّباسِ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ لا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾، وقَرَنَ بَيْنَ انْتِفاءِ الظَّمَأِ وألَمِ الجِسْمِ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ لِمُناسَبَةٍ بَيْنَ الجُوعِ والعُرْيِ، في أنَّ الجُوعَ خُلُوُّ باطِنِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وذَلِكَ هو الطَّعامُ، وأنَّ العُرْيَ خُلُوُّ ظاهِرِ الجِسْمِ عَمّا يَقِيهِ تَألُّمَهُ وهو لَفْحُ الحَرِّ وقَرْصُ البَرْدِ، والمُناسَبَةُ بَيْنَ الظَّمَأِ وبَيْنَ حَرارَةِ الشَّمْسِ في أنَّ الأوَّلَ ألَمُ حَرارَةِ الباطِنِ، والثّانِي ألَمُ حَرارَةِ الظّاهِرِ، فَهَذا اقْتَضى عَدَمَ اقْتِرانِ ذِكْرِ الظَّمَأِ والجُوعِ، وعَدَمِ اقْتِرانِ ذِكْرِ العُرْيِ بِألَمِ
صفحة ٣٢٣
الحَرِّ، وإنْ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ جَمْعُ النَّظِيرَيْنِ في كِلَيْهِما، إذْ جَمْعُ النَّظائِرِ مِن أسالِيبِ البَدِيعِ في نَظْمِ الكَلامِ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، لَوْلا أنْ عَرَضَ هُنا ما أوْجَبَ تَفْرِيقَ النَّظائِرِ.
ومِن هَذا القَبِيلِ في تَفْرِيقِ النَّظائِرِ قِصَّةٌ أدَبِيَّةٌ طَرِيفَةٌ جَرَتْ بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ وبَيْنَ أبِي الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي، ذَكَرَها المَعَرِّي في ”مُعْجِزِ أحْمَدَ“ شَرَحِهِ عَلى دِيوانِ أبِي الطَّيِّبِ إجْمالًا، وبَسَطَها الواحِدِيُّ في شَرْحِهِ عَلى الدِّيوانِ، وهي أنَّ أبا الطَّيِّبِ لَمّا أنْشَدَ سَيْفُ الدَّوْلَةِ قَصِيدَتَهُ الَّتِي طالِعُها:
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْمِ تَأْتِي العَزائِمُ
قالَ في أثْنائِها يَصِفُ مَوْقِعَةً بَيْنَ سَيْفِ الدَّوْلَةِ والرُّومِ في ثَغْرِ الحَدَثِ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
فاسْتَعادَها سَيْفُ الدَّوْلَةِ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْشَدَهُ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ قالَ لَهُ سَيْفُ الدَّوْلَةِ: إنَّ صَدْرَيِ البَيْتَيْنِ لا يُلائِمانِ عَجُزَيْهِما، وكانَ يَنْبَغِي أنْ تَقُولَ:
وقَفْتَ وما في المَوْتِ شَكٌّ لِواقِفٍ ∗∗∗ ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
تَمُرُّ بِكَ الأبْطالُ كَلْمى هَزِيمَةً ∗∗∗ كَأنَّكَ في جَفْنِ الرَّدى وهْوَ نائِمُ
وأنْتَ في هَذا مِثْلَ امْرِئِ القَيْسِ في قَوْلِهِ:
كَأنِّي لَمْ أرْكَبْ جَوادًا لِلَذَّةٍ ∗∗∗ ولَمْ أتَبَطَّنْ كاعِبًا ذاتَ خَلْخالِ
ولَمْ أسْبَأ الزِّقَّ الرَّوِيَّ ولَمْ أقُلْ ∗∗∗ لِخَيْلِيَ كُرِّي كَرَّةً بَعْدَ إجْفالِ
ووَجْهُ الكَلامِ عَلى ما قالَ العُلَماءُ بِالشِّعْرِ أنْ يَكُونَ عَجُزُ البَيْتِ الأوَّلِ لِلثّانِي وعَجُزُ البَيْتِ الثّانِي لِلْأوَّلِ؛ لِيَسْتَقِيمَ الكَلامُ، فَيَكُونَ رُكُوبُ الخَيْلِ مَعَ
صفحة ٣٢٤
الأمْرِ لِلْخَيْلِ بِالكَرِّ، ويَكُونَ سِباءُ الخَمْرِ لِلَّذَّةِ مَعَ تَبَطُّنِ الكاعِبِ. فَقالَ أبُو الطَّيِّبِ: أدامَ اللَّهُ عِزَّ الأمِيرِ، إنْ صَحَّ أنَّ الَّذِي اسْتَدْرَكَ عَلى امْرِئِ القَيْسِ، هَذا أعْلَمُ مِنهُ بِالشِّعْرِ فَقَدْ أخْطَأ امْرُؤُ القَيْسِ وأخْطَأْتُ أنا، ومَوْلانا يَعْرِفُ أنَّ الثَّوْبَ لا يَعْرِفُهُ البَزّازُ مُعْرِفَةَ الحائِكِ؛ لِأنَّ البَزّازَ لا يَعْرِفُ إلّا جُمْلَتَهُ والحائِكَ يَعْرِفُ جُمْلَتَهُ وتَفْصِيلَهُ؛ لِأنَّهُ أخْرَجَهُ مِنَ الغَزَلِيَّةِ إلى الثَّوْبِيَّةِ. وإنَّما قَرَنَ امْرُؤُ القَيْسِ لَذَّةَ النِّساءِ بِلَذَّةِ الرُّكُوبِ لِلصَّيْدِ، وقَرَنَ السَّماحَةَ في شِراءِ الخَمْرِ لِلْأضْيافِ بِالشَّجاعَةِ في مُنازَلَةِ الأعْداءِ، وأنا لَمّا ذَكَرْتُ المَوْتَ أتْبَعْتُهُ بِذِكْرِ الرَّدى لِتَجانُسِهِ، ولَمّا كانَ وجْهُ المَهْزُومِ لا يَخْلُو أنْ يَكُونَ عَبُوسًا وعَيْنُهُ مِن أنْ تَكُونَ باكِيَةً قُلْتُ: .
. . . . . . . . .
ووَجْهُكَ وضّاحٌ وثَغْرُكَ باسِمُ
لِأجْمَعَ بَيْنَ الأضْدادِ في المَعْنى.
ومَعْنى هَذا أنَّ امْرَأ القَيْسِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في جَمْعِ شَيْئَيْنِ مُشْتَهِرَيِ المُناسَبَةِ، فَجَمَعَ شَيْئَيْنِ مُتَناسِبَيْنِ مُناسَبَةً دَقِيقَةً، وأنَّ أبا الطَّيِّبِ خالَفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن جَمْعِ النَّظِيرَيْنِ، فَفَرَّقَهُما لِسُلُوكِ طَرِيقَةٍ أبْدَعَ، وهي طَرِيقَةُ الطِّباقِ بِالتَّضادِّ، وهو أعْرَقُ في صِناعَةِ البَدِيعِ، وجُعِلَتِ المِنَّةُ عَلى آدَمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ مَسُوقَةً في سِياقِ انْتِفاءِ أضَدادِها؛ لِيُطْرَقَ سَمْعُهُ بِأسامِي أصْنافِ الشَّقْوَةِ تَحْذِيرًا مِنها لِكَيْ يَتَحامى مَن يَسْعى إلى إرْزائِهِ مِنها.
وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”وإنَّكَ لا تَظْمَأُ“ بِكَسْرِ هَمْزَةِ ”إنَّ“ عَطْفًا لِلْجُمْلَةِ عَلى الجُمْلَةِ. وقَرَأ الباقُونَ ”وأنَّكَ“ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ عَطْفًا عَلى ”ألّا تَجُوعَ“ عَطْفَ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، أيْ إنَّ لَكَ نَفْيَ الجُوعِ والعُرْيِ ونَفْيَ الظَّمَأِ والضَّحْوِ. وقَدْ حَصَلَ تَأْكِيدُ الجَمِيعِ عَلى القِراءَتَيْنِ بِـ ”إنْ“ وبِأُخْتِها، وبَيْنَ الأُسْلُوبَيْنِ تَفَنُّنٌ.
طه 20:120
صفحة ٣٢٥
﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ ومُلْكٍ لا يَبْلى﴾
قَوْلُهُ: ﴿فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطانُ﴾ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ في الأعْرافِ. والفاءُ لِتَعْقِيبِ مَضْمُونِ جُمْلَتِها عَلى مَضْمُونِ الَّتِي قَبْلَها، وهو تَعْقِيبٌ نِسْبِيٌّ بِما يُناسِبُ مُدَّةً تَقَلُّبٍ في خِلالِها بِخَيْراتِ الجَنَّةِ حَتّى حَسَدَهُ الشَّيْطانُ واشْتَدَّ حَسَدُهُ. وتَعْدِيَةُ فِعْلِ ”وسْوَسَ“ هُنا بِحَرْفِ ”إلى“ وبِاللّامِ في سُورَةِ الأعْرافِ ﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠] بِاعْتِبارِ كَيْفِيَّةِ تَعْلِيقِ المَجْرُورِ بِذَلِكَ الفِعْلِ في قَصْدِ المُتَكَلِّمِ، فَإنَّهُ فِعْلٌ قاصِرٌ لا غِنًى لَهُ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالحَرْفِ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ ”إلى“ هُنا بِاعْتِبارِ انْتِهاءِ الوَسْوَسَةِ إلى آدَمَ وبُلُوغِها إيّاهُ، وتَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ في الأعْرافِ بِاعْتِبارِ أنَّ الوَسْوَسَةَ كانَتْ لِأجْلِهِما. وجُمْلَةُ ”قالَ يا آدَمُ“ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ”﴿فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ﴾ [الأعراف: ٢٠]“ . وهَذِهِ الآيَةُ مِثالٌ لِلْجُمْلَةِ المُبَيِّنَةِ لِغَيْرِها في عِلْمِ المَعانِي، وهَذا القَوْلُ خاطِرٌ ألْقاهُ الشَّيْطانُ في نَفْسِ آدَمَ بِطَرِيقِ الوَسْوَسَةِ، وهي الكَلامُ الخَفِيُّ، إمّا بِألْفاظٍ نَطَقَ بِها الشَّيْطانُ سِرًّا لِآدَمَ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ فَيُحَذِّرُوا آدَمَ مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ. فَيَكُونَ إطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً؛ وإمّا بِمُجَرَّدِ تَوَجُّهٍ أرادَهُ الشَّيْطانُ كَما يُوَسْوِسُ لِلنّاسِ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ إطْلاقُ القَوْلِ عَلَيْهِ مَجازًا بِاعْتِبارِ المُشابَهَةِ.
و”هَلْ أُدُلُّكَ“ اسْتِفْهامٌ مُسْتَعْمَلٌ في العَرْضِ، وهو انْسَبُ المَعانِي المَجازِيَّةِ لِلِاسْتِفْهامِ لِقُرْبِهِ مِن حَقِيقَتِهِ.
والِافْتِتاحُ بِالنِّداءِ لِيَتَوَجَّهَ إلَيْهِ.
والشَّجَرَةُ هي الَّتِي نَهاهُ اللَّهُ عَنِ الأكْلِ مِنها دُونَ جَمِيعِ شَجَرِ الجَنَّةِ، ولَمْ يُذْكَرِ النَّهْيُ عَنْها هُنا وذُكِرَ في قِصَّةِ سُورَةِ البَقَرَةِ. وهَذا العَرْضُ مُتَقَدِّمٌ
صفحة ٣٢٦
عَلى الإغْراءِ بِالأكْلِ مِنها المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأعْرافِ: ﴿قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلّا أنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونا مِنَ الخالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠]، ولَمْ يَدُلُّهُ الشَّيْطانُ عَلى شَجَرَةِ الخُلْدِ بَلْ كَذَّبَهُ ودَلَّهُ عَلى شَجَرَةٍ أُخْرى بِآيَةِ أنَّ آدَمَ لَمْ يُخَلَّدْ،، فَحَصَلَ لِآدَمَ تَوَهُّمُ أنَّهُ إذا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي دَلَّهُ عَلَيْها الشَّيْطانُ أنْ يَخْلُدَ في الحَياةِ.
والدَّلالَةُ: الإرْشادُ إلى شَيْءٍ مَطْلُوبٍ غَيْرِ ظاهِرٍ لِطالِبِهِ، والدَّلالَةُ عَلى الشَّجَرَةِ لِقَصْدِ الأكْلِ مِن ثَمَرَتِها. وسَمّاها هُنا ”شَجَرَةِ الخُلْدِ“ بِالإجْمالِ؛ لِلتَّشْوِيقِ إلى تَعْيِينِها حَتّى يُقْبِلَ عَلَيْها، ثُمَّ عَيَّنَها لَهُ عَقِبَ ذَلِكَ بِما أنْبَأ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ”فَأكَلا مِنها“ . وقَدْ أفْصَحَ هَذا عَنِ اسْتِقْرارِ مَحَبَّةِ الحَياةِ في جِبِلَّةِ البَشَرِ.
والمُلْكُ: التَّحَرُّرُ مِن حُكْمِ الغَيْرِ، وهو يُوهِمُ آدَمَ أنَّهُ يَصِيرُ هو المالِكُ لِلْجَنَّةِ المُتَصَرِّفُ فِيها غَيْرَ مَأْمُورٍ لِآمِرٍ.
واسْتُعْمِلَ البِلى مَجازًا في الِانْتِهاءِ؛ لِأنَّ الثَّوْبَ إذا بَلِيَ فَقَدِ انْتَهى لُبْسُهُ.
طه 20:121
﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها العَرْضُ، أيْ فَعَمِلَ آدَمُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وأكَلَتْ حَوّاءُ مَعَهُ.
صفحة ٣٢٧
واقْتِصارُ الشَّيْطانِ عَلى التَّسْوِيلِ لِآدَمَ وهو يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ آدَمُ وحَوّاءُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اقْتِداءَ المَرْأةِ بِزَوْجِها مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ عَطَفٌ عَلى ”فَأكَلا مِنها“، أيْ أكَلا مَعًا، وتَعَمَّدَ آدَمُ مُخالَفَةَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنِ الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دُونَ زَوْجِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ كانَ قُدْوَةً لِزَوْجِهِ، فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَبِعَتْهُ زَوْجُهُ. وفي هَذا المَعْنى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] .
والغِوايَةُ: ضِدُّ الرُّشْدِ، فَهي عَمَلٌ فاسِدٌ أوِ اعْتِقادٌ باطِلٌ. وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَبِيئًا. وأنَّهُ كانَ في عالَمٍ غَيْرِ عالَمِ التَّكْلِيفِ وكانَتِ الغَوايَةُ كَذَلِكَ، فالعِصْيانُ والغِوايَةُ يَوْمَئِذٍ: الخُرُوجُ عَنِ الِامْتِثالِ في التَّرْبِيَةُ كَعِصْيانِ بَعْضِ العائِلَةِ أمْرَ كَبِيرِها، وإنَّما كانَ شَنِيعًا؛ لِأنَّهُ عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ.
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَنَدٌ لِتَجْوِيزِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ ولا لِمَنعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ العالَمَ لَمْ يَكُنْ عالَمَ تَكْلِيفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وعَصى آدَمُ وجُمْلَةِ ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ والتَّوْبَةَ عَلَيْهِ كانا بَعْدَ أنْ عُوقِبَ آدَمُ وزَوْجُهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو المُناسِبُ لِتَرَتُّبِ الإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ دُونَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى التَّوْبَةِ. وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ التَّعْجِيلُ بِبَيانِ مَآلِ آدَمَ إلى صَلاحٍ.
صفحة ٣٢٨
والِاجْتِباءُ: الِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] في النَّحْلِ.
والهِدايَةُ: الإرْشادُ إلى النَّفْعِ. والمُرادُ بِها إذا ذُكِرَتْ مَعَ الِاجْتِباءِ في القُرْآنِ النُّبُوءَةُ كَما في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ.
طه 20:122
﴿فَأكَلا مِنها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ وعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾
تَفْرِيعٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وثَمَّ جُمْلَةٌ مَحْذُوفَةٌ دَلَّ عَلَيْها العَرْضُ، أيْ فَعَمِلَ آدَمُ بِوَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ، فَأكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وأكَلَتْ حَوّاءُ مَعَهُ.
صفحة ٣٢٧
واقْتِصارُ الشَّيْطانِ عَلى التَّسْوِيلِ لِآدَمَ وهو يُرِيدُ أنْ يَأْكُلَ آدَمُ وحَوّاءُ؛ لِعِلْمِهِ بِأنَّ اقْتِداءَ المَرْأةِ بِزَوْجِها مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى ﴿فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِن ورَقِ الجَنَّةِ﴾ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ عَطَفٌ عَلى ”فَأكَلا مِنها“، أيْ أكَلا مَعًا، وتَعَمَّدَ آدَمُ مُخالَفَةَ نَهْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنِ الأكْلِ مِن تِلْكَ الشَّجَرَةِ، وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دُونَ زَوْجِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ آدَمَ كانَ قُدْوَةً لِزَوْجِهِ، فَلَمّا أكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ تَبِعَتْهُ زَوْجُهُ. وفي هَذا المَعْنى قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التحريم: ٦] .
والغِوايَةُ: ضِدُّ الرُّشْدِ، فَهي عَمَلٌ فاسِدٌ أوِ اعْتِقادٌ باطِلٌ. وإثْباتُ العِصْيانِ لِآدَمَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ نَبِيئًا. وأنَّهُ كانَ في عالَمٍ غَيْرِ عالَمِ التَّكْلِيفِ وكانَتِ الغَوايَةُ كَذَلِكَ، فالعِصْيانُ والغِوايَةُ يَوْمَئِذٍ: الخُرُوجُ عَنِ الِامْتِثالِ في التَّرْبِيَةُ كَعِصْيانِ بَعْضِ العائِلَةِ أمْرَ كَبِيرِها، وإنَّما كانَ شَنِيعًا؛ لِأنَّهُ عِصْيانُ أمْرِ اللَّهِ.
ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ مُسْتَنَدٌ لِتَجْوِيزِ المَعْصِيَةِ عَلى الأنْبِياءِ ولا لِمَنعِها؛ لِأنَّ ذَلِكَ العالَمَ لَمْ يَكُنْ عالَمَ تَكْلِيفٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ وعَصى آدَمُ وجُمْلَةِ ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا﴾ [طه: ١٢٣]؛ لِأنَّ الِاجْتِباءَ والتَّوْبَةَ عَلَيْهِ كانا بَعْدَ أنْ عُوقِبَ آدَمُ وزَوْجُهُ بِالخُرُوجِ مِنَ الجَنَّةِ كَما في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهو المُناسِبُ لِتَرَتُّبِ الإخْراجِ مِنَ الجَنَّةِ عَلى المَعْصِيَةِ دُونَ أنْ يَتَرَتَّبَ عَلى التَّوْبَةِ. وفائِدَةُ هَذا الِاعْتِراضِ التَّعْجِيلُ بِبَيانِ مَآلِ آدَمَ إلى صَلاحٍ.
صفحة ٣٢٨
والِاجْتِباءُ: الِاصْطِفاءُ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْتَبَيْناهم وهَدَيْناهم إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٨٧] في الأنْعامِ، وقَوْلُهُ: ﴿اجْتَباهُ وهَداهُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١] في النَّحْلِ.
والهِدايَةُ: الإرْشادُ إلى النَّفْعِ. والمُرادُ بِها إذا ذُكِرَتْ مَعَ الِاجْتِباءِ في القُرْآنِ النُّبُوءَةُ كَما في هَذِهِ الآياتِ الثَّلاثِ.
طه 20:123
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
طه 20:124
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
طه 20:125
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
طه 20:126
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
طه 20:127
﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ؛ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ آدَمَ بِالعِصْيانِ والغِوايَةِ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ. وضَمِيرُ ”قالَ“ عائِدٌ إلى ”رَبِّهِ“ مِن قَوْلِهِ: ﴿وعَصى آدَمُ رَبَّهُ﴾ [طه: ١٢١] . والخِطابُ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. والأمْرُ في ”اهْبِطا“ أمْرُ تَكْوِينٍ؛ لِأنَّهُما عاجِزانِ عَنِ الهُبُوطِ إلى الأرْضِ بِتَكْوِينٍ مِنَ اللَّهِ؛ إذْ كانَ قَرارُهُما في عالَمِ الجَنَّةِ بِتَكْوِينِهِ تَعالى. و”جَمِيعًا“ يَظْهَرُ أنَّهُ اسْمٌ لِمَعْنى كُلِّ أفْرادِ ما يُوصَفُ بِجَمِيعٍ، وكَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلى التَّعَدُّدِ مِثْلَ: فَرِيقٍ؛ ولِذَلِكَ يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ وغَيْرُهُ والواحِدُ وغَيْرُهُ، قالَ تَعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾ [هود: ٥٥] . ونَصْبُهُ عَلى الحالِ. وهو هُنا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . وجُمْلَةُ ﴿بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ مِن ضَمِيرِ ”اهْبِطا“ . فالمَأْمُورُ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ آدَمُ وإبْلِيسُ، وأمّا حَوّاءُ فَتَبَعٌ لِزَوْجِها.
والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”بَعْضُكم“ خُطّابٌ لِآدَمَ وإبْلِيسَ. وخُوطِبا بِضَمِيرِ الجَمْعِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَداوَةُ نَسْلَيْهِما، فَإنَّهُما أصْلانِ لِنَوْعَيْنِ نَوْعِ الإنْسانِ ونَوْعِ الشَّيْطانِ.
* * *
صفحة ٣٢٩
﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى﴾ ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾
تَفْرِيعُ جُمْلَةِ ﴿فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى﴾ عَلى الأمْرِ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إلى الدُّنْيا إنْباءٌ بِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ في هَذِهِ الدُّنْيا سِيرَةً غَيْرَ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجَنَّةِ؛ لِأنَّهم أُودِعُوا في عالَمٍ خَلِيطٍ خَيْرُهُ بِشَرِّهِ، وحَقائِقُهُ بِأوْهامِهِ، بَعْدَ أنْ كانُوا في عالَمِ الحَقائِقِ المَحْضَةِ والخَيْرِ الخالِصِ، وفي هَذا إنْباءٌ بِطَوْرٍ طَرَأ عَلى أصْلِ الإنْسانِ في جِبِلَّتِهِ كانَ مُعَدًّا لَهُ مِن أصْلِ تَرْكِيبِهِ. والخِطابُ في قَوْلِهِ: ”يَأْتِيَنَّكم“ لِآدَمَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أصْلٌ لِنَوْعِ الإنْسانِ إشْعارًا لَهُ بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِنهُ جَماعَةٌ، ولا يَشْمَلُ هَذا الخِطابُ إبْلِيسَ؛ لِأنَّهُ مَفْطُورٌ عَلى الشَّرِّ والضَّلالِ، إذْ قَدْ أنْبَأهُ اللَّهُ بِذَلِكَ عِنْدَ إبايَتِهِ السُّجُودَ لِآدَمَ، فَلا يُكَلِّفُهُ اللَّهُ بِاتِّباعِ الهُدى؛ لِأنَّ طَلَبَ الِاهْتِداءِ مِمَّنْ أعْلَمَهُ اللَّهُ بِأنَّهُ لا يَزالُ في ضَلالٍ يُعَدُّ عَبَثًا يُنَزَّهُ عَنْهُ فِعْلُ الحَكِيمِ تَعالى. ولَيْسَ هَذا مِثْلَ أمْرِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ بِالإسْلامِ؛ إذْ أمْثالُ أبِي جَهْلٍ لا يُوقَنُ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، ولَمْ يَرِدْ في السُّنَّةِ
صفحة ٣٣٠
أنَّ النَّبِيءَ ﷺ دَعا الشَّيْطانَ لِلْإسْلامِ ولا دَعا الشَّياطِينَ. وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي رَواهُ الدّارَقُطْنِيُّ: أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «ما مِنكم مِن أحَدٍ إلّا وقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الجِنِّ، قالُوا: وإيّاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: وإيّايَ، ولَكِنَّ اللَّهَ أعانَنِي فَأسْلَمَ» . فَلا يَقْتَضِي أنَّهُ دَعاهُ لِلْإسْلامِ ولَكِنَّ اللَّهَ ألْهَمَ قَرِينَهُ إلى أنْ يَأْمُرَهُ بِالخَيْرِ، والمُرادُ بِالقَرِينِ: شَيْطانٌ قَرِينٌ، والمُرادُ بِالهُدى: الإرْشادُ إلى الخَيْرِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ وِصايَةُ اللَّهِ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ بِاتِّباعِ رُسُلِ اللَّهِ والوَحْيِ الإلَهِيِّ. وبِذَلِكَ يُعْلَمُ أنَّ طَلَبَ الهُدى مَرْكُوزٌ في الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: إنَّ مَعْرِفَةَ الإلَهِ الواحِدِ كائِنَةٌ في العُقُولِ أوْ شائِعَةٌ في الأجْيالِ والعُصُورِ، وإنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يُعْذَرْ أهْلُ الشِّرْكِ في مُدَدِ الفِتَرِ الَّتِي لَمْ تَجِئْ فِيها رُسُلٌ لِلْأُمَمِ. وهَذِهِ مَسْألَةٌ عَظِيمَةٌ وقَدِ اسْتَوْعَبَها عُلَماءُ الكَلامِ، وحَرَّرْناها في رِسالَةِ ”النَّسَبِ النَّبَوِيِّ“ .
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ الجُمْلَتَيْنِ الأوَّلَيْنَ في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ”﴿فَلا يَضِلُّ﴾“ فَمَعْناهُ: أنَّهُ إذا اتَّبَعَ الهُدى الوارِدَ مِنَ اللَّهِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ سَلِمَ مِن أنْ يَعْتَرِيَهُ شَيْءٌ مِن ضَلالٍ، وهَذا مَأْخُوذٌ مِن دَلالَةِ الفِعْلِ في حَيِّزِ النَّفْيِ عَلى العُمُومِ كَعُمُومِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ فَلا يَعْتَرِيَهُ ضَلالٌ في الدُّنْيا، بِخِلافِ مَنِ اتَّبَعَ ما فِيهِ هُدًى وارِدٌ مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ وإنِ اسْتَفادَ هُدًى في بَعْضِ الأحْوالِ لا يَسْلَمُ مِنَ الوُقُوعِ في الضَّلالِ في أحْوالٍ أُخْرى. وهَذا حالُ مُتَّبِعِي الشَّرائِعِ غَيْرِ الإلَهِيَّةِ وهي الشَّرائِعُ الوَضْعِيَّةُ، فَإنَّ واضِعِيها وإنْ أفْرَغُوا جُهُودَهم في تَطَلُّبِ الحَقِّ لا يَسْلَمُونَ مِنَ الوُقُوعِ في ضَلالاتٍ بِسَبَبِ غَفَلاتٍ، أوْ تَعارُضِ أدِلَّةٍ، أوِ انْفِعالٍ بِعاداتٍ مُسْتَقِرَّةٍ، أوْ مُصانَعَةٍ لِرُؤَساءٍ أوْ أُمَمٍ رَأوْا أنَّ مِنَ المَصْلَحَةِ طَلَبَ مَرْضاتِهِمْ. وهَذا سُقْراطُ وهو سَيِّدُ حُكَماءِ اليُونانِ قَدْ كانَ يَتَذَرَّعُ لِإلْقاءِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ في أثِينا بِأنْ يُفْرِغَهُ في قَوالِبِ حِكاياتٍ عَلى ألْسِنَةِ الحَيَوانِ، ولَمْ يَسْلَمْ مِنَ الخُنُوعِ لِمُصانَعَةِ اللَّفِيفِ، فَإنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ لا يَرى تَأْلِيهَ آلِهَتِهِمْ لَمْ يَسْلَمْ مِن
صفحة ٣٣١
أنْ يَأْمُرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقُرْبانِ دِيكٍ لِعُطارِدٍ رَبِّ الحِكْمَةِ. وحالُهم بِخِلافِ حالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ يَتَلَقُّونَ الوَحْيَ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ الَّذِي لا يَضِلُّ ولا يَنْسى. وأيَّدَهُمُ اللَّهُ، وعَصَمَهم مِن مُصانَعَةِ أهْلِ الأهْواءِ، وكَوَّنَهم تَكْوِينًا خاصًّا مُناسِبًا لِما سَبَقَ في عِلْمِهِ مِن مُرادِهِ مِنهم، وثَبَّتَ قُلُوبَهم عَلى تَحَمُّلِ اللَّأْواءِ، ولا يَخافُونَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ. وإنَّ الَّذِي يَنْظُرُ في القَوانِينِ الوَضْعِيَّةِ نَظْرَةَ حَكِيمٍ يَجِدُها مُشْتَمِلَةً عَلى مُراعاةِ أوْهامٍ وعاداتٍ.
والشَّقاءُ المَنفِيُّ في قَوْلِهِ: ”﴿ولا يَشْقى﴾“ هو شَقاءُ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ إذا سَلِمَ مِنَ الضَّلالِ في الدُّنْيا سَلِمَ مِنَ الشَّقاءِ في الآخِرَةِ.
ويَدُلُ لِهَذا مُقابَلَةُ ضِدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى﴾، إذْ رَتَّبَ عَلى الإعْراضِ عَنْ هَدْيِ اللَّهِ اخْتِلالَ حالِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فالمَعِيشَةُ مُرادٌ بِها مُدَّةُ المَعِيشَةِ، أيْ مُدَّةُ الحَياةِ.
والضَّنْكُ: مَصْدَرُ ضَنُكَ - مِن بابِ كَرُمَ - ضَناكَةً وضَنْكًا، ولِكَوْنِهِ مَصْدَرًا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَفْظُهُ بِاخْتِلافِ مَوْصُوفِهِ، فَوَصَفَ بِهِ هُنا ”مَعِيشَةً“ وهي مُؤَنَّثٌ. والضَّنْكُ: الضِّيقُ، يُقالُ: مَكانٌ ضَنْكٌ، أيْ ضَيِّقٌ. ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا في عُسْرِ الأُمُورِ في الحَياةِ، قالَ عَنْتَرَةُ:
إنْ يَلْحَقُوا أكْرُرْ وإنْ يَسْتَلْحِمُوا أشْدُدْ وإنْ نَزَلُوا بِضَنْكٍ أنْزِلِ
أيْ بِمَنزِلٍ ضَنْكٍ، أيْ فِيهِ عُسْرٌ عَلى نازِلِهِ. وهو هُنا بِمَعْنى عُسْرِ الحالِ مِنَ اضْطِرابِ البالِ وتَبَلْبُلِهِ. والمَعْنى: أنَّ مَجامِعَ هَمِّهِ ومَطامِحَ نَظَرِهِ تَكُونُ إلى التَّحَيُّلِ في إيجادِ الأسْبابِ والوَسائِلِ لِمَطالِبِهِ، فَهو مُتَهالِكٌ عَلى الِازْدِيادِ، خائِفٌ عَلى الِانْتِقاصِ، غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلى الكِمالاتِ، ولا مَأْنُوسٌ بِما يَسْعى إلَيْهِ مِنَ الفَضائِلِ، يَجْعَلُهُ اللَّهُ في تِلْكَ الحالَةِ وهو لا يَشْعُرُ، وبَعْضُهم يَبْدُو لِلنّاسِ في حالَةٍ حَسَنَةٍ ورَفاهِيَةِ عَيْشٍ ولَكِنَّ نَفْسَهُ غَيْرُ مُطَمَئِنَّةٍ.
صفحة ٣٣٢
وجَعَلَ اللَّهُ عِقابَهُ يَوْمَ الحَشْرِ أنْ يَكُونَ أعْمى؛ تَمْثِيلًا لِحالَتِهِ الحِسِّيَّةِ يَوْمَئِذٍ بِحالَتِهِ المَعْنَوِيَّةِ في الدُّنْيا، وهي حالَةُ عَدَمِ النَّظَرِ في وسائِلَ الهُدى والنَّجاةِ. وذَلِكَ المَعْنى عُنْوانٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ وإقْصائِهِ عَنْ رَحْمَتِهِ؛ فَـ ”أعْمى“ الأوَّلُ مُجازُ، ”وأعْمى“ الثّانِي حَقِيقَةٌ. وجُمْلَةُ ﴿قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، وجُمْلَةُ قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ إلَخْ. . . واقِعَةٌ في طَرِيقِ المُحاوَرَةِ؛ فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أبْلَغَ الإنْسانَ مِن يَوْمِ نَشْأتِهِ التَّحْذِيرَ مِنَ الضَّلالِ والشِّرْكِ، فَكانَ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا في الفِطْرَةِ حَتّى قالَ كَثِيرٌ مِن عُلَماءِ الإسْلامِ: بِأنَّ الإشْراكَ بِاللَّهِ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي تَكُونُ في الفَتْرَةِ بَيْنَ الشَّرائِعِ مُسْتَحِقٌّ صاحِبُهُ العِقابَ، وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والمُعْتَزِلَةِ قاطِبَةً: إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ واجِبَةٌ بِالعَقْلِ. ولا شَكَّ أنَّ المَقْصُودَ مِن ذِكْرِها في القُرْآنِ تَنْبِيهُ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ إلى الحَذَرِ مِنَ الإعْراضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإنْذارٌ لَهم بِعاقِبَةٍ مِثْلِ حالِهِمْ.
والإشارَةُ في ﴿كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا﴾ راجِعَةٌ إلى العَمى المُضَمَّنِ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِيَ أعْمى﴾، أيْ مِثْلُ ذَلِكَ الحالِ الَّتِي تَساءَلْتَ عَنْ سَبَبِها كُنْتَ نَسِيتَ آياتِنا حِينَ أتَتْكَ، وكُنْتَ تُعْرِضُ عَنِ النَّظَرِ في الآياتِ حِينَ تُدْعى إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الحالُ كانَ عِقابُكَ عَلَيْهِ جَزاءً وِفاقًا.
وقَدْ ظَهَرَ مِن نَظْمِ الآيَةِ أنَّ فِيها ثَلاثَةُ احْتِباكاتٍ، وأنَّ تَقْدِيرَ الأوَّلِ: ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى ونَنْساهُ، أيْ نُقْصِيهِ مِن رَحْمَتِنا. وتَقْدِيرُ الثّانِي والثّالِثِ: قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وعَمِيتَ عَنْها، فَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى وتُحْشَرُ أعْمى.
صفحة ٣٣٣
والنِّسْيانُ في المَوْضِعَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً أوِ اسْتِعارَةً في الحِرْمانِ مِن حُظُوظِ الرَّحْمَةِ. وجُمْلَةُ ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ﴾ إلَخْ. . . تَذْيِيلٌ، يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن حِكايَةِ ما يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها التَّوْبِيخُ لَهُ والتَّنْكِيلُ، فالواوُ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الَّتِي قَبْلِها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَتْ مِنَ الخِطابِ المُخاطَبِ بِهِ مَن يُحْشَرُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى، قُصِدَ مِنها مَوْعِظَةُ السّامِعِينَ لِيَحْذَرُوا مِن أنْ يَصِيرُوا إلى مَثَلِ ذَلِكَ المَصِيرِ، فالواوُ اعْتِراضِيَّةٌ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ اعْتِراضٌ في آخِرِ الكَلامِ، والواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ راجِعَةٌ إلى الواوِ العاطِفَةِ، إلّا أنَّها عاطِفَةٌ مَجْمُوعَ كَلامٍ عَلى مَجْمُوعِ كَلامٍ آخَرَ لا عَلى بَعْضِ الكَلامِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: ومِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ نَجْزِي مَن أسْرَفَ، أيْ كَفَرَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ.
فالإسْرافُ: الِاعْتِقادُ الضّالُّ وعَدَمُ الإيمانِ بِالآياتِ ومُكابَرَتُها وتَكْذِيبُها. والمُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ”وكَذَلِكَ“ هو مَضْمُونُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، أيْ وكَذَلِكَ نَجْزِي في الدُّنْيا الَّذِينَ أسْرَفُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ. وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ وأبْقى﴾، وهَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَذْيِيلًا لِلْقِصَّةِ ولَيْسَ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي حَشَرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى. فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ مُقابِلُ عَذابِ الدُّنْيا المُفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الآيَةَ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن حِكايَةِ خِطابِ اللَّهِ لِلَّذِي يَحْشُرُهُ أعْمى، فالمُرادُ بِعَذابِ الآخِرَةِ العَذابُ الَّذِي وقَعَ فِيهِ المُخاطَبُ، أيْ أشَدُّ مِن عَذابِ الدُّنْيا وأبْقى مِنهُ؛ لِأنَّهُ أطْوَلُ مُدَّةً.
طه 20:128
صفحة ٣٣٤
﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهم كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ إنَّ في ذَلِكَ لِآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾
تَفْرِيعٌ عَلى الوَعِيدِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي مَن أسْرَفَ ولَمْ يُؤْمِن بِآياتِ رَبِّهِ﴾ [طه: ١٢٧] . جَعَلَ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ التَّعْجِيبِيَّ مُفَرَّعًا عَلى الإخْبارِ بِالجَزاءِ بِالمَعِيشَةِ الضَّنْكِ لِمَن أعْرَضَ عَنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ سَبَبٌ عَلَيْهِ لا مَحالَةَ، تَعْجِيبًا مَن حالِ غَفْلَةِ المُخاطَبِينَ المُشْرِكِينَ عَمّا حَلَّ بِالأُمَمِ المُماثِلَةِ لَهم في الإشْراكِ والإعْراضِ عَنْ كُتُبِ اللَّهِ وآياتِ الرُّسُلِ. فَضَمائِرُ جَمْعِ الغائِبِينَ عائِدَةٌ إلى مَعْرُوفٍ مِن مَقامِ التَّعْرِيضِ بِالتَّحْذِيرِ والإنْذارِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾، فَإنَّهُ لا يَصْلُحُ إلّا أنْ يَكُونَ حالًا لِقَوْمٍ أحْياءٍ يَوْمَئِذٍ.
والهِدايَةُ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْإرْشادِ إلى الأُمُورِ العَقْلِيَّةِ بِتَنْزِيلِ العَقْلِيِّ مَنزِلَةَ الحِسِّيِّ، فَيَئُولُ مَعْناها إلى مَعْنى التَّبْيِينِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ فِعْلُها بِاللّامِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأرْضَ مِن بَعْدِ أهْلِها﴾ [الأعراف: ١٠٠] في سُورَةِ الأعْرافِ. وجُمْلَةُ ﴿كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾ مُعَلِّقَةُ فِعْلِ ”يَهْدِ“ عَنِ العَمَلِ في المَفْعُولِ؛ لِوُجُودِ اسْمِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَها، أيْ ألَمْ يُرْشِدْهم إلى جَوابٍ ﴿كَمَ اهْلَكْنا قَبْلَهُمْ﴾، أيْ كَثْرَةُ إهْلاكِنا القُرُونَ. وفاعِلُ ”يَهْدِ“ ضَمِيرٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ وهو ضَمِيرُ الجَلالَةِ. والمَعْنى: أفَلَمْ يَهْدِ اللَّهُ لَهم جَوابَ ”كَمْ أهْلَكْنا“ . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ مَضْمُونُ جُمْلَةِ ”كَمْ أهْلَكْنا“ . والمَعْنى: أفَلَمْ يُبَيِّنْ لَهم هَذا السُّؤالَ، عَلى أنَّ مَفْعُولَ ”يَهْدِ“ مَحْذُوفٌ تَنْزِيلًا لِلْفِعْلِ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، أيْ يَحْصُلُ لَهُمُ التَّبْيِينُ. وجُمْلَةُ ﴿يَمْشُونَ في مَساكِنِهِمْ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِاللّامِ؛ لِأنَّ عَدَمَ التَّبْيِينِ في تِلْكَ الحالَةِ أشَدُّ غَرابَةً وأحْرى بِالتَّعْجِيبِ.
صفحة ٣٣٥
والمُرادُ بِالقُرُونِ: عادٌ وثَمُودُ. فَقَدْ كانَ العَرَبُ يَمُرُّونَ بِمَساكِنِ عادٍ في رَحَلاتِهِمْ إلى اليَمَنِ ونَجْرانَ وما جاوَرَها، وبِمَساكِنِ ثَمُودَ في رَحَلاتِهِمْ إلى الشّامِ. وقَدْ مَرَّ النَّبِيءُ ﷺ والمُسْلِمُونَ بِدِيارِ ثَمُودَ في مَسِيرِهِمْ إلى تَبُوكَ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٤] في مَوْضِعِ التَّعْلِيلِ لِلْإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِن حالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ هَلاكِ تِلْكَ القُرُونِ. فَحَرْفُ التَّأْكِيدِ لِلِاهْتِمامِ بِالخَبَرِ ولِلْإيذانِ بِالتَّعْلِيلِ. و”النُّهى“ - بِضَمِّ النُّونِ والقَصْرِ - جَمْعُ نُهْيَةٍ - بِضَمِّ النُّونِ وسُكُونِ الهاءِ -: اسْمُ العَقْلِ. وقَدْ يُسْتَعْمَلُ النُّهى مُفْرَدًا بِمَعْنى العَقْلِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِتِلْكَ الآياتِ بِأنَّهم عَدِيمُو العُقُولِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] .
طه 20:129
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
جُمْلَةُ ”﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨]“ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِنَ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ والعِبْرَةِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ، بِأنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. فَلَمّا كانُوا قَدْ غَرَّتْهم أنْفُسُهم بِتَكْذِيبِ الوَعِيدِ لِما رَأوْا مِن تَأخُّرِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ فَكانُوا يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] عَقَّبَ وعِيدَهم بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما يُزِيلُ غُرُورَهم بِأنَّ سَبَبَ التَّأْخِيرِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ:
صفحة ٣٣٦
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] . والكَلِمَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا فِيما شَأْنُهُ أنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الكَلِماتُ اللَّفْظِيَّةُ مِنَ المَعانِي، وهو المُسَمّى عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ الرّاجِعِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيُبْرِزُهُ لِلنّاسِ مِن أمْرِ التَّكْوِينِ أوْ أمْرِ التَّشْرِيعِ، أوِ الوَعْظِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا﴾ في سُورَةِ هُودٍ. فالكَلِمَةُ هَنا مُرادٌ بِها: ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِن تَأْجِيلِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ أنْظَرَ قُرَيْشًا فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنْشَرَ الإسْلامَ بِمَن يُؤْمِنُ مِنهم وبِذُرِّيّاتِهِمْ. وفي ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَيْسِيرِ أسْبابِ بَقاءِ شَرْعِهِ وانْتِشارِهِ؛ لِأنَّهُ الشَّرِيعَةُ الخاتِمَةُ. وخَصَّ اللَّهُ مِنهم بِعَذابِ السَّيْفِ والأسَرِ مَن كانُوا أشِدّاءَ في التَّكْذِيبِ والإعْراضِ؛ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى، كَما قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] . و”اللِّزامُ“ بِكَسْرِ اللّامِ مَصْدَرُ لازَمَ، كالخِصامِ، اسْتُعْمِلَ مَصْدَرا لِفِعْلِ لَزِمَ الثّانِي؛ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، كَأنَّهُ حاصِلٌ مِن عِدَّةِ ناسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وزْنُ فِعالٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِثْلَ لِزازٍ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
مِنّا لِزازٌ كَرِيهَةٌ جُذّامُها
وسِدادٍ في قَوْلِ العَرَجِيِّ:
أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا ∗∗∗ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وسِدادِ ثَغْرِ
أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الشَّدِيدُ لازِمًا لَهم.
صفحة ٣٣٧
فانْتَصَبَ ”لِزامًا“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَ“، واسْمُها ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الإهْلاكِ المُسْتَفادِ مِن ”كَمْ أهْلَكْنا“، أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الَّذِي أُهْلِكَ مِثْلُهُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ - وهو الِاسْتِئْصالُ - لازِمًا لَهم.
”وأجَلٌ مُسَمًّى“ عَطْفٌ عَلى ”كَلِمَةٌ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ وأجَلٌ مُسَمًّى يَقَعُ عِنْدَهُ الهَلاكُ لَكانَ إهْلاكُهم لِزامًا. والمُرادُ بِالأجَلِ: ما سَيُكْشَفُ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ؛ إمّا في الدُّنْيا بِأنْ حَلَّ بِرِجالٍ مِنهم وهَذا عَذابُ البَطْشَةِ الكُبْرى يَوْمَ بَدْرٍ، وإمّا في الآخِرَةِ وهو ما سَيَحِلُّ بِمَن ماتُوا كُفّارًا مِنهم. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . ويَظْهَرُ أنَّهُ شاعَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ تَأْوِيلُ اسْمِ اللِّزامِ أنَّهُ عَذابٌ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطالَ أنْ يَكُونَ اللِّزامُ مُتَرَقَّبًا في آخِرِ الدُّنْيا. ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُحْوِجُ إلى تَأْوِيلِ اللِّزامِ بِهَذا كَما عَلِمْتَ.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ وبِالوَعِيدِ لِتَأْخِيرِ نُزُولِهِ بِهِمْ. والمَعْنى: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ واصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ونَحْوُهُ، الشّامِلُ لَهُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ”﴿ما يَقُولُونَ﴾“ . وأمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى مُزاوَلَةِ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَةِ أهْلِهِ بِالصَّلاةِ، والإعْراضِ عَمّا مَنَعَ اللَّهُ الكُفّارَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ، ووَعَدَهُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
فالتَّسْبِيحُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الصَّلاةِ لِاشْتِمالِها عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ: بِحَمْدِ رَبِّكَ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الفاعِلِ لِفِعْلِهِ، أيْ سَبِّحْ حامِدًا رَبَّكَ، فَمَوْقِعُ المَجْرُورِ مَوْقِعُ الحالِ.
صفحة ٣٣٨
والأوْقاتُ المَذْكُورَةُ هي أوْقاتُ الصَّلاةِ، وهي وقْتُ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. ووَقْتانِ قَبْلَ غُرُوبِها وهُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، وقِيلَ المُرادُ صَلاةُ العَصْرِ. وأمّا الظُّهْرُ فَهي قَوْلُهُ: ”وأطْرافَ النَّهارِ“ كَما سَيَأْتِي.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ”مِن آناءِ اللَّيْلِ“ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ ”فَسَبِّحْ“، وذَلِكَ وقْتا المَغْرِبِ والعَشاءِ. وهَذا كُلُّهُ مِنَ المُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ. وأُدْخِلَتِ الفاءُ عَلى ”فَسَبِّحْ“؛ لِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ شابَهَ تَقْدِيمَ أسْماءِ الشَّرْطِ المُفِيدَةِ مَعْنى الزَّمانِ. فَعُومِلَ الفِعْلُ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﷺ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»، أيِ الأبَوَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِآناءِ اللَّيْلِ أنَّ اللَّيْلَ وقْتٌ تَمِيلُ فِيهِ النُّفُوسُ إلى الدَّعَةِ فَيُخْشى أنْ تَتَساهَلَ في أداءِ الصَّلاةِ فِيهِ.
وآناءِ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ، وهو جَمْعُ إنْيٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ وياءٍ في آخِرِهِ - . ويُقالُ: إنْوٌ، بِواوٍ في آخِرِهِ، ويُقالُ: إنًى، بِألْفٍ في آخِرِهِ، مَقْصُورًا. ويُقالُ: أناءٌ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في أوَّلِهِ وبِمَدٍّ في آخِرِهِ، . وجَمْعُ ذَلِكَ عَلى آناءٍ بِوَزْنِ أفْعالٍ.
وقَوْلُهُ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾“، وطَرَفُ الشَّيْءِ مُنْتَهاهُ. قِيلَ: المُرادُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ، وهُما وقْتا الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالبَعْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وقِيلَ: المُرادُ طَرَفُ سَيْرِ الشَّمْسِ في قَوْسِ الأُفُقِ، وهو بُلُوغُ سَيْرِها وسَطَ الأُفُقِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالزَّوالِ، وهُما طَرَفانِ: طَرَفُ النِّهايَةِ وطَرَفُ الزَّوالِ، وهو
صفحة ٣٣٩
انْتِهاءُ النِّصْفِ الأوَّلِ وابْتِداءُ النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القَوْسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ مَعًا لِوَقْتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ أنَّ وقْتَها ما بَيْنَ الخُرُوجِ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ والدُّخُولِ في الطَّرَفِ الآخَرِ، وتِلْكَ حِصَّةٌ دَقِيقَةٌ.
وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ فَلِلنَّهارِ طَرَفانِ لا أطْرافٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . فالجَمْعُ في قَوْلِهِ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ مِن إطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى، وهو مُتَّسَعٌ فِيهِ في العَرَبِيَّةِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، والَّذِي حَسَّنَهُ هُنا مُشاكَلَةُ الجَمْعِ لِلْجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾“ بِفَتْحِ التّاءِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ رَجاءً لَكَ أنْ تَنالَ مِنَ الثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّ في ذَلِكَ المِقْدارِ الواجِبِ مِنَ الصَّلَواتِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ دُونَ زِيادَةٍ في الواجِبِ رِفْقًا بِكَ وبِأُمَّتِكَ. ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تُرْضى“ بِضَمِّ التّاءِ أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
طه 20:130
﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا وأجَلٌ مُسَمًّى﴾ ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُرُوبِها ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وأطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى﴾
جُمْلَةُ ”﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ [طه: ١٢٨]“ بِاعْتِبارِ ما فِيها مِنَ التَّحْذِيرِ والتَّهْدِيدِ والعِبْرَةِ بِالقُرُونِ الماضِيَةِ، بِأنَّهم جَدِيرُونَ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ. فَلَمّا كانُوا قَدْ غَرَّتْهم أنْفُسُهم بِتَكْذِيبِ الوَعِيدِ لِما رَأوْا مِن تَأخُّرِ نُزُولِ العَذابِ بِهِمْ فَكانُوا يَقُولُونَ ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] عَقَّبَ وعِيدَهم بِالتَّنْبِيهِ عَلى ما يُزِيلُ غُرُورَهم بِأنَّ سَبَبَ التَّأْخِيرِ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها. وهَذا في مَعْنى قَوْلِهِ:
صفحة ٣٣٦
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [يونس: ٤٨] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] . والكَلِمَةُ: مُسْتَعْمَلَةٌ هُنا فِيما شَأْنُهُ أنْ تَدُلَّ عَلَيْهِ الكَلِماتُ اللَّفْظِيَّةُ مِنَ المَعانِي، وهو المُسَمّى عِنْدَ الأشاعِرَةِ بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ الرّاجِعِ إلى عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِما سَيُبْرِزُهُ لِلنّاسِ مِن أمْرِ التَّكْوِينِ أوْ أمْرِ التَّشْرِيعِ، أوِ الوَعْظِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَكانَ لِزامًا﴾ في سُورَةِ هُودٍ. فالكَلِمَةُ هَنا مُرادٌ بِها: ما عَلِمَهُ اللَّهُ مِن تَأْجِيلِ حُلُولِ العَذابِ بِهِمْ، فاللَّهُ تَعالى بِحِكْمَتِهِ أنْظَرَ قُرَيْشًا فَلَمْ يُعَجِّلْ لَهُمُ العَذابَ؛ لِأنَّهُ أرادَ أنْ يُنْشَرَ الإسْلامَ بِمَن يُؤْمِنُ مِنهم وبِذُرِّيّاتِهِمْ. وفي ذَلِكَ كَرامَةٌ لِلنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِتَيْسِيرِ أسْبابِ بَقاءِ شَرْعِهِ وانْتِشارِهِ؛ لِأنَّهُ الشَّرِيعَةُ الخاتِمَةُ. وخَصَّ اللَّهُ مِنهم بِعَذابِ السَّيْفِ والأسَرِ مَن كانُوا أشِدّاءَ في التَّكْذِيبِ والإعْراضِ؛ حِكْمَةً مِنهُ تَعالى، كَما قالَ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وهم يَصُدُّونَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الأنفال: ٣٤] . و”اللِّزامُ“ بِكَسْرِ اللّامِ مَصْدَرُ لازَمَ، كالخِصامِ، اسْتُعْمِلَ مَصْدَرا لِفِعْلِ لَزِمَ الثّانِي؛ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ في قُوَّةِ المَعْنى، كَأنَّهُ حاصِلٌ مِن عِدَّةِ ناسٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وزْنُ فِعالٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، مِثْلَ لِزازٍ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
مِنّا لِزازٌ كَرِيهَةٌ جُذّامُها
وسِدادٍ في قَوْلِ العَرَجِيِّ:
أضاعُونِي وأيُّ فَتًى أضاعُوا ∗∗∗ لِيَوْمِ كَرِيهَةٍ وسِدادِ ثَغْرِ
أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الشَّدِيدُ لازِمًا لَهم.
صفحة ٣٣٧
فانْتَصَبَ ”لِزامًا“ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَ“، واسْمُها ضَمِيرٌ راجِعٌ إلى الإهْلاكِ المُسْتَفادِ مِن ”كَمْ أهْلَكْنا“، أيْ لَكانَ الإهْلاكُ الَّذِي أُهْلِكَ مِثْلُهُ مَن قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ - وهو الِاسْتِئْصالُ - لازِمًا لَهم.
”وأجَلٌ مُسَمًّى“ عَطْفٌ عَلى ”كَلِمَةٌ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَوْلا كَلِمَةٌ وأجَلٌ مُسَمًّى يَقَعُ عِنْدَهُ الهَلاكُ لَكانَ إهْلاكُهم لِزامًا. والمُرادُ بِالأجَلِ: ما سَيُكْشَفُ لَهم مِن حُلُولِ العَذابِ؛ إمّا في الدُّنْيا بِأنْ حَلَّ بِرِجالٍ مِنهم وهَذا عَذابُ البَطْشَةِ الكُبْرى يَوْمَ بَدْرٍ، وإمّا في الآخِرَةِ وهو ما سَيَحِلُّ بِمَن ماتُوا كُفّارًا مِنهم. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكم فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . ويَظْهَرُ أنَّهُ شاعَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ تَأْوِيلُ اسْمِ اللِّزامِ أنَّهُ عَذابٌ تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وقِيلَ: هو عَذابُ يَوْمَ بَدْرٍ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧] . يُرِيدُ بِذَلِكَ إبْطالَ أنْ يَكُونَ اللِّزامُ مُتَرَقَّبًا في آخِرِ الدُّنْيا. ولَيْسَ في القُرْآنِ ما يُحْوِجُ إلى تَأْوِيلِ اللِّزامِ بِهَذا كَما عَلِمْتَ.
وفُرِّعَ عَلى ذَلِكَ أمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَ مِنَ التَّكْذِيبِ وبِالوَعِيدِ لِتَأْخِيرِ نُزُولِهِ بِهِمْ. والمَعْنى: فَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمُ العَذابَ واصْبِرْ عَلى تَكْذِيبِهِمْ، ونَحْوُهُ، الشّامِلُ لَهُ المَوْصُولُ في قَوْلِهِ: ”﴿ما يَقُولُونَ﴾“ . وأمَرَهُ بِأنْ يُقْبِلَ عَلى مُزاوَلَةِ تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ وتَزْكِيَةِ أهْلِهِ بِالصَّلاةِ، والإعْراضِ عَمّا مَنَعَ اللَّهُ الكُفّارَ بِرَفاهِيَةِ العَيْشِ، ووَعَدَهُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ.
فالتَّسْبِيحُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الصَّلاةِ لِاشْتِمالِها عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَنْزِيهِهِ. والباءُ في قَوْلِهِ: بِحَمْدِ رَبِّكَ لِلْمُلابَسَةِ، وهي مُلابَسَةُ الفاعِلِ لِفِعْلِهِ، أيْ سَبِّحْ حامِدًا رَبَّكَ، فَمَوْقِعُ المَجْرُورِ مَوْقِعُ الحالِ.
صفحة ٣٣٨
والأوْقاتُ المَذْكُورَةُ هي أوْقاتُ الصَّلاةِ، وهي وقْتُ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. ووَقْتانِ قَبْلَ غُرُوبِها وهُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، وقِيلَ المُرادُ صَلاةُ العَصْرِ. وأمّا الظُّهْرُ فَهي قَوْلُهُ: ”وأطْرافَ النَّهارِ“ كَما سَيَأْتِي.
و”مِن“ في قَوْلِهِ: ”مِن آناءِ اللَّيْلِ“ ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ ”فَسَبِّحْ“، وذَلِكَ وقْتا المَغْرِبِ والعَشاءِ. وهَذا كُلُّهُ مِنَ المُجْمَلِ الَّذِي بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ. وأُدْخِلَتِ الفاءُ عَلى ”فَسَبِّحْ“؛ لِأنَّهُ لَمّا قُدِّمَ عَلَيْهِ الجارُّ والمَجْرُورُ لِلِاهْتِمامِ شابَهَ تَقْدِيمَ أسْماءِ الشَّرْطِ المُفِيدَةِ مَعْنى الزَّمانِ. فَعُومِلَ الفِعْلُ مُعامَلَةَ جَوابِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ: ﷺ: «فَفِيهِما فَجاهِدْ»، أيِ الأبَوَيْنِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ بِآناءِ اللَّيْلِ أنَّ اللَّيْلَ وقْتٌ تَمِيلُ فِيهِ النُّفُوسُ إلى الدَّعَةِ فَيُخْشى أنْ تَتَساهَلَ في أداءِ الصَّلاةِ فِيهِ.
وآناءِ اللَّيْلِ: ساعاتُهُ، وهو جَمْعُ إنْيٌ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وسُكُونِ النُّونِ وياءٍ في آخِرِهِ - . ويُقالُ: إنْوٌ، بِواوٍ في آخِرِهِ، ويُقالُ: إنًى، بِألْفٍ في آخِرِهِ، مَقْصُورًا. ويُقالُ: أناءٌ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ في أوَّلِهِ وبِمَدٍّ في آخِرِهِ، . وجَمْعُ ذَلِكَ عَلى آناءٍ بِوَزْنِ أفْعالٍ.
وقَوْلُهُ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ”﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾“، وطَرَفُ الشَّيْءِ مُنْتَهاهُ. قِيلَ: المُرادُ أوَّلُ النَّهارِ وآخِرُهُ، وهُما وقْتا الصُّبْحِ والمَغْرِبِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ؛ لِلِاهْتِمامِ بِالبَعْضِ، كَقَوْلِهِ: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾ [البقرة: ٢٣٨] . وقِيلَ: المُرادُ طَرَفُ سَيْرِ الشَّمْسِ في قَوْسِ الأُفُقِ، وهو بُلُوغُ سَيْرِها وسَطَ الأُفُقِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالزَّوالِ، وهُما طَرَفانِ: طَرَفُ النِّهايَةِ وطَرَفُ الزَّوالِ، وهو
صفحة ٣٣٩
انْتِهاءُ النِّصْفِ الأوَّلِ وابْتِداءُ النِّصْفِ الثّانِي مِنَ القَوْسِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَتَّجِهُ أنْ يَكُونَ ذِكْرُ الطَّرَفَيْنِ مَعًا لِوَقْتِ صَلاةٍ واحِدَةٍ أنَّ وقْتَها ما بَيْنَ الخُرُوجِ مِن أحَدِ الطَّرَفَيْنِ والدُّخُولِ في الطَّرَفِ الآخَرِ، وتِلْكَ حِصَّةٌ دَقِيقَةٌ.
وعَلى التَّفْسِيرَيْنِ فَلِلنَّهارِ طَرَفانِ لا أطْرافٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ﴾ [هود: ١١٤] . فالجَمْعُ في قَوْلِهِ: ”﴿وأطْرافَ النَّهارِ﴾“ مِن إطْلاقِ اسْمِ الجَمْعِ عَلى المُثَنّى، وهو مُتَّسَعٌ فِيهِ في العَرَبِيَّةِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٤]، والَّذِي حَسَّنَهُ هُنا مُشاكَلَةُ الجَمْعِ لِلْجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿لَعَلَّكَ تَرْضى﴾“ بِفَتْحِ التّاءِ بِصِيغَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ، أيْ رَجاءً لَكَ أنْ تَنالَ مِنَ الثَّوابِ عِنْدَ اللَّهِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّ في ذَلِكَ المِقْدارِ الواجِبِ مِنَ الصَّلَواتِ ما تَرْضى بِهِ نَفْسُكَ دُونَ زِيادَةٍ في الواجِبِ رِفْقًا بِكَ وبِأُمَّتِكَ. ويُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ ﷺ: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ» .
وقَرَأ الكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ ”تُرْضى“ بِضَمِّ التّاءِ أيْ يُرْضِيكَ رَبُّكَ، وهو مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ.
طه 20:131
﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهم فِيهِ ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾
أُعْقِبَ أمْرُهُ بِالصَّبْرِ عَلى ما يَقُولُونَهُ بِنَهْيِهِ عَنِ الإعْجابِ بِما يَنْعَمُ بِهِ مِن تَنَعَّمَ مِنَ المُشْرِكِينَ بِأمْوالٍ وبَنِينَ في حِينِ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ بِأنَّ
صفحة ٣٤٠
ذَلِكَ لِحِكَمٍ يَعْلَمُها اللَّهُ تَعالى، مِنها إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥] .
وذِكْرُ الأزْواجُ هُنا لِدَلالَتِهِ عَلى العائِلاتِ والبُيُوتِ، أيْ إلى ما مَتَّعْناهم وأزْواجَهم بِهِ مِنَ المُتَعِ؛ فَكُلُّ زَوْجٍ مُمَتَّعٌ بِمُتْعَةٍ في زَوْجِهِ مِمّا يَحْسُنُ في نَظَرِ كُلٍّ مِن مَحاسِنِ قَرِينِهِ وما يُقارِنُ ذَلِكَ مِن مَحاسِنَ مُشْتَرِكَةٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ كالبَنِينَ، والرِّياشِ، والمَنازِلِ، والخَدَمِ. ومَدُّ العَيْنَيْنِ: مُسْتَعْمَلٌ في إطالَةِ النَّظَرِ لِلتَّعْجِيبِ لا لِلْإعْجابِ؛ شُبِّهَ ذَلِكَ بِمَدِّ اليَدِ لِتَناوُلِ شَيْءٍ مُشْتَهًى. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في آخِرِ سُورَةِ الحِجْرِ. والزَّهْرَةُ بِفَتْحِ الزّايِ وسُكُونِ الهاءِ: واحِدَةُ الزَّهْرِ، وهو نَوْرُ الشَّجَرِ والنَّباتِ، وتُسْتَعارُ لِلزِّينَةِ المُعْجِبَةِ المُبْهِتَةِ، لِأنَّ مَنظَرَ الزَّهْرَةِ يُزَيِّنُ النَّباتَ ويُعْجِبُ النّاظِرَ، فَزَهْرَةُ الحَياةِ: زِينَةُ الحَياةِ، أيْ زِينَةُ أُمُورِ الحَياةِ مِنَ اللِّباسِ والأنْعامِ والجَنانِ والنِّساءِ والبَنِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتُها﴾ [القصص: ٦٠] . وانْتُصِبَ ﴿زَهْرَةَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ عَلى الحالِ مِنَ اسْمِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”زَهْرَةَ“ بِسُكُونِ الهاءِ. وقَرَأهُ يَعْقُوبُ بِفَتْحِ الهاءِ وهي لُغَةٌ.
”لِنَفْتِنَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَتَّعْنا“ . و”في“ لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، أيْ لِيَحْصُلَ فِتْنَتُهم في خِلالِهِ، فَفي كُلِّ صِنْفٍ مِن ذَلِكَ المَتاعِ فِتْنَةٌ مُناسِبَةٌ لَهُ. واللّامُ لِلْعِلَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي عاقِبَةُ الشَّيْءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] .
صفحة ٣٤١
وإنَّما مَتَّعَهُمُ اللَّهُ بِزَهْرَةِ الدُّنْيا لِأسْبابٍ كَثِيرَةٍ مُتَسَلْسِلَةٍ عَنْ نُظُمِ الِاجْتِماعِ، فَكانَتْ لَهم فِتْنَةً في دِينِهِمْ، فَجُعِلَ الحاصِلُ بِمَنزِلَةِ الباعِثِ. والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ النَّفْسِ وتَبَلْبُلِ البالِ مِن خَوْفٍ أوْ تَوَقُّعٍ أوِ التِواءِ الأُمُورِ، وكانُوا لا يَخْلُونَ مِن ذَلِكَ، فَلِشِرْكِهِمْ يَقْذِفُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الغَمَّ والتَّوَقُّعَ، وفِتْنَتُهم في الآخِرَةِ ظاهِرَةٌ. فالظَّرْفِيَّةُ هُنا كالَّتِي في قَوْلِ سَبْرَةَ بْنِ عَمْرٍو الفَقْعَسِيِّ:
نُحابِي بِها أكْفاءَنا وُنُهِينُها ونَشْرَبُ في أثْمانِها ونُقامِرُ
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ تَذْيِيلٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ”﴿ولا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى﴾“ آخِرِهِ يُفِيدُ أنَّ ما يَبْدُو لِلنّاظِرِ مِن حُسْنِ شارَتِهِمْ مَشُوبٌ ومُبَطَّنٌ بِفِتْنَةٍ في النَّفْسِ وشَقاءٍ في العَيْشِ وعِقابٍ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَذُيِّلَ بِأنَّ الرِّزْقَ المُيَسَّرَ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِن ذَلِكَ وأبْقى في الدُّنْيا ومَنفَعَتُهُ باقِيَةٌ في الآخِرَةِ لِما يُقارِنُهُ في الدُّنْيا مِنَ الشُّكْرِ. فَإضافَةُ ”رِزْقُ رَبِّكَ“ إضافَةُ تَشْرِيفٍ، وإلّا فَإنَّ الرِّزْقَ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ، ولَكِنَّ رِزْقَ الكافِرِينَ لَمّا خالَطَهُ وحَفَّ بِهِ حالُ أصْحابِهِ مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، ولِما فِيهِ مِنَ التَّبِعَةِ عَلى أصْحابِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ لِكُفْرانِهِمُ النِّعْمَةَ جُعِلَ كالمَنكُورِ انْتِسابُهُ إلى اللَّهِ، وجُعِلَ رِزْقُ اللَّهِ هو السّالِمُ مِن مُلابَسَةِ الكُفْرانِ ومِن تَبِعاتِ ذَلِكَ.
و”خَيْرٌ“ تَفْضِيلٌ، والخَيْرِيَّةٌ حَقِيقَةٌ اعْتِبارِيَّةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ نَواحِيها. فَمِنها: خَيْرٌ لِصاحِبِهِ في العاجِلِ شَرٌّ عَلَيْهِ في الآجِلِ، ومِنها خَيْرٌ مَشُوبٌ بِشُرُورٍ وفِتَنٍ، وخَيْرٌ صافٍ مِن ذَلِكَ، ومِنها مُلائِمٌ مُلاءَمَةً قَوِيَّةً، وخَيْرٌ مُلائِمٌ مُلاءَمَةً ضَعِيفَةً، فالتَّفْضِيلُ بِاعْتِبارِ تُوَفُّرِ السَّلامَةِ مِنَ العَواقِبِ
صفحة ٣٤٢
السَّيِّئَةِ والفِتَنِ كالمَقْرُونِ بِالقَناعَةِ، فَتَفْضِيلُ الخَيْرِيَّةِ جاءَ مُجْمَلًا يَظْهَرُ بِالتَّدَبُّرِ.
”وأبْقى“ تَفْضِيلٌ عَلى ما مُتِّعَ بِهِ الكافِرُونَ؛ لِأنَّ في رِزْقِ الكافِرِينَ بَقاءً، وهو أيْضًا يَظْهَرُ بَقاؤُهُ بِالتَّدَبُّرِ فِيما يَحِفُّ بِهِ وعَواقِبِهُ.
طه 20:132
﴿وأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ ذِكْرُ الأهْلِ هُنا مُقابِلٌ لِذِكْرِ الأزْواجِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهُمْ﴾ [طه: ١٣١] فَإنَّ مِن أهْلِ الرَّجُلِ أزْواجَهُ، أيْ مِتْعَتُكَ ومِتْعَةُ أهْلِكَ الصَّلاةُ، فَلا تُلَفَّتُوا إلى زَخارِفِ الدُّنْيا. وأهْلُ الرَّجُلِ يَكُونُونَ أمْثَلَ مَن يَنْتَمُونَ إلَيْهِ.
ومِن آثارِ العَمَلِ بِهَذِهِ الآيَةِ في السُّنَّةِ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ فاطِمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - بَلَغَها أنَّ سَبْيًا جِيءَ بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأتَتْ تَشْتَكِي إلَيْهِ ما تَلْقى مِنَ الرَّحى تَسْألُهُ خادِمًا مِنَ السَّبْيِ فَلَمْ تَجِدْهُ. فَأخْبَرَتْ عائِشَةُ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجاءَها النَّبِيءُ ﷺ وقَدْ أخَذَتْ وعَلِيٌّ مُضَّجَعَهُما، فَجَلَسَ في جانِبِ الفِراشِ وقالَ لَها ولِعَلِيٍّ: ألا أُخْبِرُكُما بِخَيْرٍ لَكُما مِمّا سَألْتُما: تُسَبِّحانِ وتَحْمَدانِ وتُكَبِّرانِ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثِينَ، فَذَلِكَ خَيْرٌ لَكُما مِن خادِمٍ» . وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِما هو أعْظَمُ مِمّا يَأْمُرُ بِهِ أهْلَهُ وهو أنْ يَصْطَبِرَ عَلى الصَّلاةِ. والِاصْطِبارُ: الِانْحِباسُ، مُطاوِعٌ صَبْرَهُ: إذا حَبَسَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في إكْثارِهِ مِنَ الصَّلاةِ في النَّوافِلِ. قالَ تَعالى: ﴿يا أيُّها
صفحة ٣٤٣
المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١] الآياتُ، وقالَ: ﴿ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] . وجُمْلَةُ ”﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الَّتِي قَبْلَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ”﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾“ جُعِلَتْ تَمْهِيدًا لِهاتِهِ الأخِيرَةِ.
والسُّؤالُ: الطَّلَبُ التَّكْلِيفِيُّ، أيْ ما كَلَّفْناكَ إلّا بِالعِبادَةِ؛ لِأنَّ العِبادَةَ شُكْرُ اللَّهِ عَلى ما تَفَضَّلَ بِهِ عَلى الخَلْقِ، ولا يَطْلُبُ اللَّهُ مِنهم جَزاءً آخَرَ. وهَذا إبْطالٌ لِما تَعَوَّدَهُ النّاسُ مِن دَفْعِ الجِباياتِ والخَراجِ لِلْمُلُوكِ وقادَةِ القَبائِلِ والجُيُوشِ. وفي هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦]، فَجُمْلَةُ ”﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾“ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿ورِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وأبْقى﴾ [طه: ١٣١] . والمَعْنى: أنَّ رِزْقَ رَبِّكَ خَيْرٌ وهو مَسُوقٌ إلَيْكَ. والمَقْصُودُ مِن هَذا الخِطابِ ابْتِداءً هو النَّبِيءُ ﷺ ويَشْمَلُ أهْلَهُ والمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُعَلَّلَ بِهِ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُشْتَرِكٌ في حُكْمِهِ جَمِيعُ المُسْلِمِينَ. وجُمْلَةُ ”﴿والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾“ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿لا نَسْألُكَ رِزْقًا﴾“ المُعَلَّلُ بِها أمْرُهُ بِالِاصْطِبارِ لِلصَّلاةِ، أيْ إنّا سَألْناكَ التَّقْوى والعاقِبَةَ. وحَقِيقَةُ العاقِبَةِ: أنَّها كُلُّ ما يَعْقُبُ أمْرًا ويَقَعُ في آخِرِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، إلّا أنَّها غَلَبَ اسْتِعْمالُها في أُمُورِ الخَيْرِ. فالمَعْنى: أنَّ التَّقْوى تَجِيءُ في نِهايَتِها عَواقِبُ خَيْرٍ. واللّامُ لِلْمِلْكِ تَحْقِيقًا لِإرادَةِ الخَيْرِ مِنَ العاقِبَةِ؛ لِأنَّ شَأْنَ لامِ المِلْكِ أنْ تَدُلَّ عَلى نَوالِ الأمْرِ المَرْغُوبِ، وإنَّما يَطَّرِدُ ذَلِكَ في عاقِبَةِ خَيْرِ الآخِرَةِ. وقَدْ تَكُونُ العاقِبَةُ في خَيْرِ الدُّنْيا أيْضًا لِلتَّقْوى.
صفحة ٣٤٤
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما فِيها مِن مَعْنى العُمُومِ. أيْ لا تَكُونُ العاقِبَةُ إلّا لِلتَّقْوى. فَهَذِهِ الجُمْلَةُ أُرْسِلَتْ مَجْرى المَثَلِ.
طه 20:133
﴿وقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾
رُجُوعٌ إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ، وبِأنَّهُ أعْظَمُ المُعْجِزاتِ. وهو الغَرَضُ الَّذِي انْتُقِلَ مِنهُ إلى أغْراضٍ مُناسِبَةٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الوَعِيدِ لَعَلَّهم يَتَّقُونَ أوْ يُحْدِثُ لَهم ذِكْرًا﴾ [طه: ١١٣] . والمُناسَبَةُ في الِانْتِقالِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] فَجِيءَ هُنا بِشِنَعٍ مِن أقْوالِهِمُ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِأنْ يَصْبِرَ عَلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [طه: ١٣٠] . فَمِن أقْوالِهِمُ الَّتِي يَقْصِدُونَ مِنها التَّعَنُّتَ والمُكابَرَةَ أنْ قالُوا: لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن عِنْدِ رَبِّهِ فَنُؤْمِنُ بِرِسالَتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] .
ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ.
وجُمْلَةُ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ لِلْحالِ، أيْ قالُوا ذَلِكَ في حالِ أنَّهم أتَتْهم بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى. فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ؛ أُنْكِرَ بِهِ نَفْيُ إتْيانِ آيَةٍ لَهُمُ الَّذِي اقْتَضاهُ تَحْضِيضُهم عَلى الإتْيانِ بِآيَةٍ.
والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ.
والصُّحُفُ الأُولى: كُتُبُ الأنْبِياءِ السّابِقِينَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨] .
صفحة ٣٤٥
والصُّحُفُ: جَمْعُ صَحِيفَةٍ. وهي قِطْعَةٌ مِن ورَقٍ أوْ كاغَدٍ أوْ خِرْقَةٍ يُكْتَبُ فِيها. ولَمّا كانَ الكِتابُ مَجْمُوعَ صُحُفٍ أُطْلِقَ الصُّحُفُ عَلى الكُتُبِ.
ووَجْهُ اخْتِيارِ الصُّحُفِ هُنا عَلى الكُتُبِ أنَّ في كُلِّ صَحِيفَةٍ مِنَ الكُتُبِ عِلْمًا، وأنَّ جَمِيعَهُ حَواهُ القُرْآنُ، فَكانَ كُلُّ جُزْءٍ مِنَ القُرْآنِ آيَةً ودَلِيلًا. وهَذِهِ البَيِّنَةُ هي مُحَمَّدٌ ﷺ وكِتابُهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّ الرَّسُولَ مَوْعُودٌ بِهِ في الكُتُبِ السّالِفَةِ؛ ولِأنَّ في القُرْآنِ تَصْدِيقًا لِما في تِلْكَ الكُتُبِ مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ ومِنَ المَواعِظِ وأُصُولِ التَّشْرِيعِ. وقَدْ جاءَ بِهِ رَسُولٌ أُمِّيٌّ لَيْسَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ولا نَشَأْ في قَوْمٍ أهْلِ عِلْمٍ ومُزاوَلَةٍ لِلتّارِيخِ مَعَ مَجِيئِهِ بِما هو أوْضَحُ مِن فَلَقِ الصُّبْحِ مِن أخْبارِهِمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَطِعْ أهْلُ الكِتابِ إنْكارَها، قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وكانُوا لا يُحَقِّقُونَ كَثِيرًا مِنها بِما طَرَأ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّفَرُّقِ وتَلاشِي أُصُولِ كُتُبِهِمْ وإعادَةِ كِتابَةِ كَثِيرٍ مِنها بِالمَعْنى عَلى حَسَبِ تَأْوِيلاتٍ سَقِيمَةٍ.
وأمّا القُرْآنُ فَما حَواهُ مِن دَلائِلِ الصِّدْقِ والرَّشادِ، وما امْتازَ بِهِ عَنْ سائِرِ الكُتُبِ مِنَ البَلاغَةِ والفَصاحَةِ البالِغَتَيْنِ حَدَّ الإعْجازِ، وهو ما قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى العَرَبِ مُباشَرَةً وعَلى غَيْرِهِمُ اسْتِدْلالًا. وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى:﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] .
وقَرَأ نافِعٌ، وحَفَصٌ، وابْنُ جَمّازٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ ”تَأْتِهِمْ“ بِتاءِ المُضارِعِ لِلْمُؤَنَّثِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِتَحْتِيَّةِ المُذَكَّرِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ ”بَيِّنَةُ“ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وأصْلُ الإسْنادِ التَّذْكِيرُ؛ لِأنَّ التَّذْكِيرَ لَيْسَ عَلامَةً، ولَكِنَّهُ الأصْلُ في الكَلامِ.
طه 20:134
صفحة ٣٤٦
﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِن قَبْلِ أنْ نَذِلَّ ونَخْزى﴾
الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ولَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣]، وأنَّ المَعْنى عَلى الِارْتِقاءِ في الِاسْتِدْلالِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ضالُّونَ حِينَ أخَّرُوا الإيمانَ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وجَعَلُوهُ مُتَوَقِّفًا عَلى أنْ يَأْتِيَهم بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ؛ لِأنَّ ما هم مُتَلَبِّسُونَ بِهِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ ضَلالٌ بَيِّنٌ، قَدْ حَجَبَتْ عَنْ إدْراكِ فَسادِهُ العاداتُ واشْتِغالُ البالِ بِشُئُونِ دِينِ الشِّرْكِ، فالإشْراكُ وحْدُهُ كافٍ في اسْتِحْقاقِهِمُ العَذابَ، ولَكِنَّ اللَّهَ رَحِمَهم فَلَمْ يُؤاخِذْهم بِهِ إلّا بَعْدَ أنْ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا يُوقِظُ عُقُولَهم. فَمَجِيءُ الرَّسُولِ بِذَلِكَ كافٍ في اسْتِدْلالِ العُقُولِ عَلى فَسادِ ما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْألُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إتْيانَ الرَّسُولِ لَهم بِآيَةٍ عَلى صِدْقِهِ فِيما دَعاهم إلَيْهِ مَن نَبْذِ الشِّرْكِ لَوْ سَلَّمَ لَهم جَدَلًا أنَّ ما جاءَهم مِنَ البَيِّنَةِ لَيْسَ هو بِآيَةٍ، فَقَدْ بَطَلَ عُذْرُهم مِن أصْلِهِ، وهو قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ . وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: ١٥٧] . فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ”مِن قَبْلِهِ“ عائِدٌ إلى القُرْآنِ الَّذِي الكَلامُ عَلَيْهِ أوْ عَلى الرَّسُولِ بِاعْتِبارِ وصْفِهِ بِأنَّهُ بَيِّنَةٌ، أوْ عَلى إتْيانِ البَيِّنَةِ المَأْخُوذِ مِن ﴿أوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما في الصُّحُفِ الأُولى﴾ [طه: ١٣٣] .
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيمانَ بِوَحْدانِيَّةِ خالِقِ الخَلْقِ يَقْتَضِيهِ العَقْلُ لَوْلا حَجْبُ الضَّلالاتِ والهَوى، وأنَّ مَجِيءَ الرُّسُلِ لِإيقاظِ
صفحة ٣٤٧
العُقُولِ والفِطَرِ، وأنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُ أهْلَ الفَتْرَةِ عَلى الإشْراكِ حَتّى يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولًا، وأنَّ قُرَيْشًا كانُوا أهْلَ فَتْرَةٍ قَبْلَ بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . ومَعْنى ﴿لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا﴾: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ يَوْمَ الحِسابِ بَعْدَ أنْ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ الإهْلاكَ المَفْرُوضَ؛ لِأنَّ الإهْلاكَ بِعَذابِ الدُّنْيا يَقْتَضِي أنَّهم مُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ.
و”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، مُسْتَعْمَلٌ في اللَّوْمِ أوِ الِاحْتِجاجِ؛ لِأنَّهُ قَدْ فاتَ وقْتُ الإرْسالِ، فالتَّقْدِيرُ: هَلّا كُنْتَ أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا. وانْتَصَبَ ”فَنَتَّبِعَ“ عَلى جَوابِ التَّحْضِيضِ بِاعْتِبارِ تَقْدِيرِ حُصُولِهِ فِيما مَضى.
والذُّلُّ: الهَوانُ. والخِزْيُ: الِافْتِضاحُ، أيِ الذُّلُّ بِالعَذابِ.
والخِزْيُ في حَشْرِهِمْ مَعَ الجُناةِ كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] .
طه 20:135
﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَن أصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى﴾
جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ [طه: ١٣٣] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. والمَعْنى: كُلُّ فَرِيقٍ مُتَرَبِّصٌ فَأنْتُمْ تَتَرَبَّصُونَ بِالإيمانِ، أيْ تُؤَخِّرُونَ الإيمانَ إلى أنْ تَأْتِيَكم آيَةٌ مِن رَبِّي، ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ أنْ يَأْتِيَكم عَذابُ الدُّنْيا أوْ عَذابُ الآخِرَةِ، وتُفَرَّعُ عَلَيْهِ جُمْلَةُ ”فَتَرَبَّصُوا“ . ومادَّةُ الفِعْلِ المَأْمُورِ بِهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الدَّوامِ بِالقَرِينَةِ، نَحْوَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦]، أيْ فَدُومُوا عَلى تَرَبُّصِكم.
صفحة ٣٤٨
وصِيغَةُ الأمْرِ فِيهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في الإنْذارِ، ويُسَمّى المُتارَكَةَ، أيْ نَتْرُكُكم وتَرَبُّصَكم؛ لِأنّا مُؤْمِنُونَ بِسُوءِ مَصِيرِكم. وفي مَعْناهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وانْتَظِرْ إنَّهم مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة: ٣٠] . وفي ما يَقْرُبُ مِن هَذا جاءَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إلّا إحْدى الحُسْنَيَيْنِ ونَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكم أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إنّا مَعَكم مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة: ٥٢] . وتَنْوِينُ ”كُلٌّ“ تَنْوِينُ عِوَضٍ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ المَفْهُومِ مِنَ المَقامِ، كَقَوْلِ الفَضْلِ بْنِ عَبّاسٍ اللَّهَبِيِّ:
كُلٌّ لَهُ نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحِبِهِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ نَقْلِيكم وتَقْلُونا
والتَّرَبُّصُ: الِانْتِظارُ. تَفَعَّلٌ مِنَ الرَّبْصِ، وهو انْتِظارُ حُصُولِ حَدَثٍ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةَ. وفُرِّعَ عَلى المُتارَكَةِ إعْلامُهم بِأنَّهم يَعْلَمُونَ في المُسْتَقْبَلِ مَن مِنَ الفَرِيقَيْنِ أصْحابُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ ومِن هُمُ المُهْتَدُونَ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ هم أصْحابُ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المُهْتَدُونَ؛ لِأنَّ مِثْلَ هَذا الكَلامِ لا يَقُولُهُ: في مَقامِ المُحاجَّةِ والمُتارَكَةِ إلّا المُوقِنُ بِأنَّهُ المُحِقُّ. وفِعْلُ ”تَعْلَمُونَ“ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ.
والصِّراطُ: الطَّرِيقُ. وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِلدِّينِ والِاعْتِقادِ، كَقَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .
و”السَّوِيِّ“: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ الصِّراطِ المُسَوّى، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ، والمَعْنى يَحْتَمِلُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ في الدُّنْيا عِنْدَ انْتِشارِ الإسْلامِ وانْتِصارِ المُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَن يَبْقى مِنَ الكُفّارِ المُخاطَبِينَ حِينَ نُزُولِ الآيَةِ سَواءٌ مِمَّنْ لَمْ يُسْلِمُوا مِثْلَ أبِي جَهْلٍ،
صفحة ٣٤٩
وصَنادِيدِ المُشْرِكَيْنِ الَّذِينَ شاهَدُوا نَصْرَ الدِّينِ يَوْمَ بَدْرٍ، أوْ مَن أسْلَمُوا مِثْلَ أبِي سُفْيانَ، وخالِدِ بْنِ الوَلِيدِ، ومَن شاهَدُوا عِزَّةَ الإسْلامِ، ويُحْتَمِلُ أنَّهم يَعْلَمُونَ ذَلِكَ في الآخِرَةِ عِلْمَ اليَقِينِ.
وقَدْ جاءَتْ خاتِمَةُ هَذِهِ السُّورَةِ كَأبْلَغِ خَواتِمِ الكَلامِ لِإيذانِها بِانْتِهاءِ المَحاجَّةِ وانْطِواءِ بِساطِ المُقارَعَةِ.
ومِن مَحاسِنِها أنَّ فِيها شَبِيهَ رَدِّ العَجُزِ عَلى الصَّدْرِ؛ لِأنَّها تُنَظِّرُ إلى فاتِحَةِ السُّورَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى إلّا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [طه: ٢]؛ لِأنَّ الخاتِمَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ كُلَّ ما بُعِثَ بِهِ مِنَ الإرْشادِ والِاسْتِدْلالِ، فَإذا لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَكَفاهُ انْثِلاجُ صَدَرِ أنَّهُ أدّى الرِّسالَةَ والتَّذْكِرَةَ، فَلَمْ يَكُونُوا مِن أهْلِ الخَشْيَةِ، فَتَرْكَهم وضَلالَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ.
* * *
صفحة ٥
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأنْبِياءِ
سَمّاها السَّلَفُ ”سُورَةَ الأنْبِياءِ“ . فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: بَنُو إسْرائِيلَ، والكَهْفُ، ومَرْيَمُ، وطَهَ، والأنْبِياءُ، هُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلادِي. ولا يُعْرَفُ لَها اسْمٌ غَيْرُ هَذا.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِها سُورَةَ الأنْبِياءِ أنَّها ذُكِرَ فِيها أسْماءُ سِتَّةَ عَشَرَ نَبِيئًا، ومَرْيَمَ، ولَمْ يَأْتِ في سُوَرِ القُرْآنِ مِثْلُ هَذا العَدَدِ مِن أسْماءِ الأنْبِياءِ في سُورَةٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ عَدا ما في سُورَةِ الأنْعامِ. فَقَدْ ذُكِرَ فِيها أسْماءُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ نَبِيئًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ويُونُسَ ولُوطًا﴾ [الأنعام: ٨٦] فَإنْ كانَتْ سُورَةُ الأنْبِياءِ هَذِهِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الأنْعامِ فَقَدْ سَبَقَتْ بِالتَّسْمِيَةِ بِالإضافَةِ إلى الأنْبِياءِ، وإلّا فاخْتِصاصُ سُورَةِ الأنْعامِ بِذِكْرِ أحْكامِ الأنْعامِ أوْجَبَ تَسْمِيَتَها بِذَلِكَ الِاسْمِ، فَكانَتْ سُورَةُ الأنْبِياءِ أجْدَرَ مِن بَقِيَّةِ سُوَرِ القُرْآنِ بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ، عَلى أنَّ مِنَ الحَقائِقِ المُسَلَّمَةِ أنَّ وجْهَ التَّسْمِيَةِ لا يُوجِبُها.
وهِيَ مَكِّيَّةٌ بِالِاتِّفاقِ. وحَكى ابْنُ عَطِيَّةَ والقُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى ذَلِكَ، ونَقَلَ السُّيُوطِيُّ في ”الإتْقانِ“ اسْتِثْناءَ قَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٦
﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، ولَمْ يَعْزُهُ إلى قائِلٍ. ولَعَلَّهُ أخَذَهُ مِن رِوايَةٍ عَنْ مُقاتِلٍ والكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المَعْنى نَنْقُصُها بِفَتْحِ البُلْدانِ، أيْ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ الرُّؤْيَةِ في الآيَةِ الرُّؤْيَةُ البَصَرِيَّةُ، وأنَّ المُرادَ مِنَ الأرْضِ أرْضُ الحِجازِ، وأنَّ المُرادَ مِنَ النَّقْصِ نَقْصُ سُلْطانِ الشِّرْكِ مِنها. وكُلُّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالمُتَعَيَّنِ ولا بِالرّاجِحِ. وسَيَأْتِي بَيانُهُ في مَوْضِعِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ في نَظِيرِها مِن سُورَةِ الرَّعْدِ الَّتِي هي أيْضًا مَكِّيَّةٌ، فالأرْجَحُ أنَّ سُورَةَ الأنْبِياءِ مَكِّيَّةٌ كُلَّها.
وهِيَ السُّورَةُ الحادِيَةُ والسَّبْعُونَ في تَرْتِيبِ النُّزُولِ، نَزَلَتْ بَعْدَ ”حم السَّجْدَةِ“ وقَبْلَ سُورَةِ النَّحْلِ، فَتَكُونُ مِن أواخِرِ السُّوَرِ النّازِلَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ. ولَعَلَّها نَزَلَتْ بَعْدَ إسْلامِ مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]، كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ، غَيْرَ أنَّ ما رَواهُ ابْنُ إسْحاقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في سُورَةِ الزُّخْرُفِ: ﴿ولَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إذا قَوْمُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧]، أنَّ المُرادَ بِضَرْبِ المَثَلِ هو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ ابْنُ الزِّبَعْرى لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] كَما يَأْتِي يَقْتَضِي أنَّ سُورَةَ الأنْبِياءِ نَزَلَتْ قَبْلَ سُورَةِ الزُّخْرُفِ. وقَدْ عُدَّتِ الزُّخْرُفُ ثانِيَةً وسِتِّينَ في النُّزُولِ. وعَدَدُ آيِها في عَدِّ أهْلِ المَدِينَةِ ومَكَّةَ والشّامِ والبَصْرَةِ مِائَةٌ وإحْدى عَشَرَ، وفي عَدِّ أهْلِ الكُوفَةِ مِائَةٌ واثْنَتا عَشْرَةَ.
* * *
والأغْراضُ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ السُّوَرِ هي: الإنْذارُ بِالبَعْثِ، وتَحْقِيقُ وُقُوعِهِ، وإنَّهُ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كانَ قَرِيبًا.
وإقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَنْ عَدَمٍ وخَلْقِ المَوْجُوداتِ مِن ماءٍ.
صفحة ٧
والتَّحْذِيرُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ.
والتَّذْكِيرُ بِأنَّ هَذا الرَّسُولَ ﷺ ما هو إلّا كَأمْثالِهِ مِنَ الرُّسُلِ وما جاءَ إلّا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ الرُّسُلُ مِن قَبْلِهِ.
وذِكْرُ كَثِيرٍ مِن أخْبارِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ.
والتَّنْوِيهُ بِشَأْنِ القُرْآنِ، وأنَّهُ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلى المُخاطَبِينَ، وشَأْنِ رَسُولِ الإسْلامِ ﷺ وأنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ.
والتَّذْكِيرُ بِما أصابَ الأُمَمَ السّالِفَةَ مِن جَرّاءِ تَكْذِيبِهِمْ رُسُلَهم، وأنَّ وعْدَ اللَّهِ لِلَّذِينَ كَذَّبُوا واقِعٌ، ولا يَغُرُّهم تَأْخِيرُهُ فَهو جاءٍ لا مَحالَةَ.
وحَذَّرَهم مِن أنْ يَغْتَرُّوا بِتَأْخِيرِهِ كَما اغْتَرَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى أصابَهم بَغْتَةً، وذَكَرَ مِن أشْراطِ السّاعَةِ فَتْحَ ياجُوجَ وماجُوجَ.
وذَكَّرَهم بِما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الخالِقِ.
ومِنَ الإيماءِ إلى أنَّ وراءَ هَذِهِ الحَياةِ حَياةً أُخْرى أتْقَنَ وأحْكَمَ؛ لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ ويَنْتَصِرُ الحَقُّ عَلى الباطِلِ.
ثُمَّ ما في ذَلِكَ الخَلْقِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى وحْدانِيَّةِ الخالِقِ؛ إذْ لا يَسْتَقِيمُ هَذا النِّظامُ بِتَعَدُّدِ الآلِهَةِ.
وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى عَنِ الشُّرَكاءِ وعَنِ الأوْلادِ، والِاسْتِدْلالُ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى.
وما يُكْرِهُهُ عَلى فِعْلِ ما لا يُرِيدُ.
وأنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ صائِرُونَ إلى الفَناءِ.
صفحة ٨
وأعْقَبَ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعْمَةِ الكُبْرى عَلَيْهِمْ، وهي نِعْمَةُ الحِفْظِ.
ثُمَّ عُطِفَ الكَلامُ إلى ذِكْرِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ.
وتَنْظِيرُ أحْوالِهِمْ وأحْوالِ أُمَمِهِمْ بِأحْوالِ مُحَمَّدٍ ﷺ وأحْوالِ قَوْمِهِ.
وكَيْفَ نَصَرَ اللَّهُ الرُّسُلَ عَلى أقْوامِهِمْ واسْتَجابَ دَعَواتِهِمْ.
وأنَّ الرُّسُلَ كُلَّهم جاءُوا بِدِينِ اللَّهِ وهو دِينٌ واحِدٌ في أُصُولِهِ، قَطَّعَهُ الضّالُّونَ قَطْعًا.
وأثْنى عَلى الرُّسُلِ وعَلى مَن آمَنُوا بِهِمْ.
وأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ في خَيْرِ الدُّنْيا وخَيْرِ الآخِرَةِ، وأنَّ اللَّهَ سَيَحْكُمُ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِالحَقِّ، ويُعِينُ رُسُلَهُ عَلى تَبْلِيغِ شَرْعِهِ.