Tafsir al-Tahrir wa al-Tanwir — الأنبياء 21:1 – الأنبياء 21:73
المحتويات
- الأنبياء 21:1
- الأنبياء 21:2
- الأنبياء 21:3
- الأنبياء 21:4
- الأنبياء 21:5
- الأنبياء 21:6
- الأنبياء 21:7
- الأنبياء 21:8
- الأنبياء 21:9
- الأنبياء 21:10
- الأنبياء 21:11
- الأنبياء 21:12
- الأنبياء 21:13
- الأنبياء 21:14
- الأنبياء 21:15
- الأنبياء 21:16
- الأنبياء 21:17
- الأنبياء 21:18
- الأنبياء 21:19
- الأنبياء 21:20
- الأنبياء 21:21
- الأنبياء 21:22
- الأنبياء 21:23
- الأنبياء 21:24
- الأنبياء 21:25
- الأنبياء 21:26
- الأنبياء 21:27
- الأنبياء 21:28
- الأنبياء 21:29
- الأنبياء 21:30
- الأنبياء 21:31
- الأنبياء 21:32
- الأنبياء 21:33
- الأنبياء 21:34
- الأنبياء 21:35
- الأنبياء 21:36
- الأنبياء 21:37
- الأنبياء 21:38
- الأنبياء 21:39
- الأنبياء 21:40
- الأنبياء 21:41
- الأنبياء 21:42
- الأنبياء 21:43
- الأنبياء 21:44
- الأنبياء 21:45
- الأنبياء 21:46
- الأنبياء 21:47
- الأنبياء 21:48
- الأنبياء 21:49
- الأنبياء 21:50
- الأنبياء 21:51
- الأنبياء 21:52
- الأنبياء 21:53
- الأنبياء 21:54
- الأنبياء 21:55
- الأنبياء 21:56
- الأنبياء 21:57
- الأنبياء 21:58
- الأنبياء 21:59
- الأنبياء 21:60
- الأنبياء 21:61
- الأنبياء 21:62
- الأنبياء 21:63
- الأنبياء 21:64
- الأنبياء 21:65
- الأنبياء 21:66
- الأنبياء 21:67
- الأنبياء 21:68
- الأنبياء 21:69
- الأنبياء 21:70
- الأنبياء 21:71
- الأنبياء 21:72
- الأنبياء 21:73
الأنبياء 21:1
﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهم وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾
افْتِتاحُ الكَلامِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أُسْلُوبٌ بَدِيعٌ في الِافْتِتاحِ لِما فِيهِ مِن غَرابَةِ الأُسْلُوبِ وإدْخالِ الرَّوْعِ عَلى المُنْذَرِينَ، فَإنَّ المُرادَ بِالنّاسِ مُشْرِكُو مَكَّةَ، والِاقْتِرابُ مُبالَغَةٌ في القُرْبِ، فَصِيغَةُ الِافْتِعالِ المَوْضُوعَةِ لِلْمُطاوَعَةِ مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْقِيقِ الفِعْلِ أيِ اشْتَدَّ قُرْبُ وُقُوعِهِ بِهِمْ. وفي إسْنادِ الِاقْتِرابِ إلى الحِسابِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَ إظْلالِ الحِسابِ لَهم بِحالَةِ شَخْصٍ يَسْعى لِيَقْرُبَ مِن دِيارِ ناسٍ، فَفِيهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ الحِسابِ المَعْقُولَةِ بِهَيْئَةٍ مَحْسُوسَةٍ، وهي هَيْئَةُ المُغِيرِ والمُعَجِّلِ في الإغارَةِ عَلى القَوْمِ، فَهو يُلِحُّ في السَّيْرِ تَكَلُّفًا لِلْقُرْبِ مِن دِيارِهِمْ وهم
صفحة ٩
غافِلُونَ عَنْ تَطَلُّبِ الحِسابِ إيّاهم، كَما يَكُونُ قَوْمٌ غارِّينَ مُعْرِضِينَ عَنِ اقْتِرابِ العَدُوِّ مِنهم، فالكَلامُ تَمْثِيلٌ.
والمُرادُ مِنَ الحِسابِ إمّا يَوْمُ الحِسابِ، ومَعْنى اقْتِرابِهِ أنَّهُ قَرِيبٌ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُحَقَّقُ الوُقُوعِ. أوْ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ما مَضى مِن مُدَّةِ بَقاءِ الدُّنْيا كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «بُعِثْتُ أنا والسّاعَةَ كَهاتَيْنِ»، أوِ اقْتَرَبَ الحِسابُ كِنايَةً عَنِ اقْتِرابِ مَوْتِهِمْ؛ لِأنَّهم إذا ماتُوا رَأوْا جَزاءَ أعْمالِهِمْ، وذَلِكَ مِنَ الحِسابِ. وفي هَذا تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِقُرْبِ هَلاكِهِمْ وذَلِكَ بِفَنائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
أوِ المُرادُ بِالحِسابِ المُؤاخَذَةُ بِالذَّنْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ حِسابُهم إلّا عَلى رَبِّي﴾ [الشعراء: ١١٣] وعَلَيْهِ فالِاقْتِرابُ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ أيْضًا فَهو مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ”لِلنّاسِ“ إنْ أُبْقِيَتْ عَلى مَعْناها الأصْلِيِّ مِنَ الِاخْتِصاصِ فَذِكْرُها تَأْكِيدٌ لِمَعْنى اللّامِ المُقَدَّرَةِ في الإضافَةِ في قَوْلِهِ: ”حِسابُهم“؛ لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: حِسابٌ لَهم، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ”النّاسِ“، فَصارَ قَوْلُهُ: ”لِلنّاسِ“ مُساوِيًا لِلضَّمِيرِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ ”حِسابُ“، فَكَأنَّهُ قِيلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ لَهم، فَكانَ تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا. وكَما تَقُولُ: أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، أصْلُهُ: أزِفَ الرَّحِيلُ لِلْحَيِّ، ثُمَّ صارَ أزِفَ لِلْحَيِّ رَحِيلُهم، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: لا أبا لَكَ، أصْلُهُ لا أباكَ، فَكانَتْ لامُ ”لَكَ“ مُؤَكِّدَةً لِمَعْنى الإضافَةِ؛ لِإمْكانِ إغْناءِ الإضافَةِ عَنْ ذِكْرِ اللّامِ. قالَ الشّاعِرُ:
أبِالمَوْتِ الَّذِي لا بُدَّ أنِّي مُلاقٍ لا أباكِ تُخَوِّفِينِي
وأصْلُ النَّظْمِ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ الحِسابُ. وإنَّما نُظِمَ التَّرْكِيبُ عَلى هَذا النَّظْمِ بِأنْ قُدِّمَ ما يَدُلُّ عَلى المُضافِ إلَيْهِ وعُرِّفَ ”النّاسُ“ تَعْرِيفَ الجِنْسِ؛ لِيَحْصُلَ ضَرْبٌ مِنَ الإبْهامِ ثُمَّ يَقَعُ بَعْدَهُ التَّبْيِينُ؛ ولِما في تَقْدِيمِ الجارِ
صفحة ١٠
والمَجْرُورِ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأنَّ الِاقْتِرابَ لِلنّاسِ لِيَعْلَمَ السّامِعُ أنَّ المُرادَ تَهْدِيدُ المُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يُكَنّى عَنْهم بِالنّاسِ كَثِيرًا في القُرْآنِ، وعِنْدَ التَّقْدِيمِ احْتِيجَ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ فَصارَ مِثْلَ: اقْتَرَبَ حِسابٌ لِلنّاسِ الحِسابِ، وحُذِفَ المُضافُ لِدَلالَةِ مُفَسِّرِهِ عَلَيْهِ. ولَمّا كانَ الحِسابُ حِسابَ النّاسِ المَذْكُورِينَ جِيءَ بِضَمِيرِ النّاسِ لِيَعُودَ إلى لَفْظِ النّاسِ فَيَحْصُلَ تَأْكِيدٌ آخَرُ، وهَذا نَمَطٌ بَدِيعٌ مِن نَسْجِ الكَلامِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى ”مِن“ أوْ بِمَعْنى ”إلى“ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ ”اقْتَرَبَ“ فَيَكُونُ المَجْرُورُ ظَرْفًا لَغْوًا، وعَنِ ابْنِ مالِكٍ أنَّهُ مَثَّلَ لِانْتِهاءِ الغايَةِ بِقَوْلِهِمْ: تَقَرَّبْتُ مِنكَ. وجُمْلَةُ ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ حالٌ مِنَ ”النّاسِ“، أيِ اقْتَرَبَ مِنهُمُ الحِسابُ في حالِ غَفْلَتِهِمْ وإعْراضِهِمْ. والمُرادُ بِالنّاسِ المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ.
والغَفْلَةُ: الذُّهُولُ عَنِ الشَّيْءِ وعَنْ طُرُقِ عِلْمِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والإعْراضُ: صَرْفُ العَقْلِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالشَّيْءِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ. ودَلَّتْ ”في“ عَلى الظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي شِدَّةُ تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِنهم، أيْ وهم غافِلُونَ أشَدَّ الغَفْلَةِ حَتّى كَأنَّهم مُنْغَمِسُونَ فِيها أوْ مَظْرُوفُونَ في مُحِيطِها، ذَلِكَ أنَّ غَفْلَتَهم عَنْ يَوْمِ الحِسابِ مُتَأصِّلَةٌ فِيهِمْ بِسَبَبِ سابِقِ كُفْرِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم غافِلُونَ عَنِ الحِسابِ وعَنِ اقْتِرابِهِ. وإعْراضُهم هو إبايَتُهُمُ التَّأمُّلَ في آياتِ القُرْآنِ الَّتِي تُذَكِّرُهم بِالبَعْثِ وتَسْتَدِلُّ لَهم عَلَيْهِ، فَمُتَعَلِّقُ الإعْراضِ غَيْرُ مُتَعَلِّقِ الغَفْلَةِ؛ لِأنَّ المُعْرِضَ عَنِ الشَّيْءِ
صفحة ١١
لا يُعَدُّ غافِلًا عَنْهُ، أيْ أنَّهم لَمّا جاءَتْهم دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ إلى الإيمانِ وإنْذارِهِمْ بِيَوْمِ القِيامَةِ اسْتَمَرُّوا عَلى غَفْلَتِهِمْ عَنِ الحِسابِ بِسَبَبِ إعْراضِهِمْ عَنْ دَلائِلِ التَّذْكِيرِ بِهِ. فَكانَتِ الغَفْلَةُ عَنِ الحِسابِ مِنهم غَيْرَ مَقْلُوعَةٍ مِن نُفُوسِهِمْ؛ بِسَبَبِ تَعْطِيلِهِمْ ما شَأْنُهُ أنْ يَقْلَعَ الغَفْلَةَ عَنْهم بِإعْراضِهِمْ عَنِ الدَّلائِلِ المُثْبِتَةِ لِلْبَعْثِ.
الأنبياء 21:2
﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]
جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿وهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] لِبَيانِ تَمَكُّنِ الغَفْلَةِ مِنهم وإعْراضِهِمْ، بِأنَّهم إذا سَمِعُوا في القُرْآنِ تَذْكِيرًا لَهم بِالنَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ اشْتَغَلُوا عَنْهُ بِاللَّعِبِ واللَّهْوِ فَلَمْ يَفْقَهُوا مَعانِيَهُ وكانَ حَظُّهم مِنهُ سَماعَ ألْفاظِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلّا دُعاءً ونِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهم لا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والذِّكْرُ: القُرْآنُ، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الذِّكْرِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ لِإفادَةِ قُوَّةِ وصْفِهِ بِالتَّذْكِيرِ.
والمُحْدَثُ: الجَدِيدُ، أيِ الجَدِيدُ نُزُولُهُ مُتَكَرِّرًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِالذِّكْرِ كُلَّما جاءَهم، بِحَيْثُ لا يَزالُونَ بِحاجَةٍ إلى إعادَةِ التَّذْكِيرِ وإحْداثِهِ مَعَ قَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانُوا سَمِعُوا ذِكْرًا واحِدًا فَلَمْ يَعْبَئُوا بِهِ لانْتَحَلُوا لِأنْفُسِهِمْ عُذْرًا كانُوا ساعَتَئِذٍ في غَفْلَةٍ. فَلَمّا تَكَرَّرَ حَدَثانُ إتْيانِهِ تَبَيَّنَ لِكُلِّ مُنْصِفٍ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْهُ صَدًّا. ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إلّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ [الشعراء: ٥] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، ولَيْسَ المُرادُ بِـ ”مُحَدَثٍ“ ما قابَلَ القَدِيمَ في اصْطِلاحِ عِلْمِ الكَلامِ؛ لِعَدَمِ مُناسَبَتِهِ لِسِياقِ النَّظْمِ.
صفحة ١٢
ومَسْألَةُ صِفَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى تَقَدَّمَ الخَوْضُ فِيها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] في سُورَةِ النِّساءِ. وجُمْلَةُ ”اسْتَمَعُوهُ“ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في ”يَأْتِيهِمْ“، وهَذا الحالُ مُسْتَثْنى مِن عُمُومِ أحْوالٍ أيْ ما يَأْتِيهِمْ ذِكْرٌ في حالٍ إلّا في حالِ اسْتِماعِهِمْ. وجُمْلَةُ ”وهم يَلْعَبُونَ“ حالٌ لازِمَةٌ مِن ضَمِيرِ الرَّفْعِ في ”اسْتَمَعُوهُ“ مُقَيِّدَةٌ لِجُمْلَةِ ”اسْتَمَعُوهُ“؛ لِأنَّ جُمْلَةَ ”اسْتَمَعُوهُ“ حالٌ بِاعْتِبارِ أنَّها مُقَيَّدَةٌ بِحالٍ أُخْرى هي المَقْصُودَةُ مِنَ التَّقْيِيدِ، وإلّا لَصارَ الكَلامُ ثَناءً عَلَيْهِمْ. وفائِدَةُ هَذا التَّرْتِيبِ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ الحالِيَّتَيْنِ الزِّيادَةُ لِقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمُ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ”مُحْدَثٍ“ كَما عَلِمْتَ.
و﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ في جُمْلَةِ ﴿وهم يَلْعَبُونَ﴾ وهي احْتِراسٌ لِجُمْلَةِ ”اسْتَمَعُوهُ“ أيِ اسْتِماعًا لا وعْيَ مَعَهُ.
الأنبياء 21:3
﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ﴾ [الأنبياء: ١] إلى آخِرِها؛ لِأنَّ كِلْتا الجُمْلَتَيْنِ مَسُوقَةٌ لِذِكْرِ أحْوالِ تَلَقِّي المُشْرِكِينَ لِدَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ والبُهْتانِ والتَّآمُرِ عَلى رَفْضِها. فالَّذِينَ ظَلَمُوا هُمُ المُرادُ بِالنّاسِ كَما تَقَدَّمَ، وواوُ الجَماعَةِ عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمائِرُ الغَيْبَةِ الرّاجِعَةُ إلى ”لِلنّاسِ“ ولَيْسَتْ جُمْلَةُ ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢]؛ لِأنَّ مَضْمُونَها لَيْسَ في مَعْنى التَّقْيِيدِ لِما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ.
صفحة ١٣
و”الَّذِينَ ظَلَمُوا“ بَدَلٌ مِن واوِ الجَماعَةِ؛ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أنَّهُمُ المَقْصُودُ مِنَ النَّجْوى؛ ولِما في المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى سَبَبِ تَناجِيهِمْ بِما ذُكِرَ وأنَّ سَبَبَ ذَلِكَ كُفْرُهم وظُلْمُهم أنْفُسَهم، ولِلنِّداءِ عَلى قُبْحِ ما هم مُتَّصِفُونَ بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ ”النَّجْوى“؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو ما تَناجَوْا بِهِ. فَهو بَدَلٌ مُطابِقٌ. ولَيْسَتْ هي كَجُمْلَةِ ﴿قالُوا إنَّ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] مِن جُمْلَةِ ﴿فَتَنازَعُوا أمْرَهم بَيْنَهم وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ [طه: ٦٢] في سُورَةِ طَهَ، فَإنَّ تِلْكَ بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ؛ لِأنَّ ذَلِكَ القَوْلَ هو آخِرُ ما أسْفَرَتْ عَلَيْهِ النَّجْوى.
ووَجْهُ إسْرارِهِمْ بِذَلِكَ الكَلامِ قَصْدُهم أنْ لا يَطَّلِعَ المُسْلِمُونَ عَلى ما تَآمَرُوا بِهِ؛ لِئَلّا يَتَصَدّى الرَّسُولُ ﷺ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ حُجَّتَهم في ذَلِكَ واهِيَةٌ، يَرُومُونَ بِها أنْ يُضَلِّلُوا الدَّهْماءَ، أوْ أنَّهم أسَرُّوا بِذَلِكَ لِفَرِيقٍ رَأوْا مِنهم مَخائِلَ التَّصْدِيقِ لِما جاءَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ لَمّا تَكاثَرَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ أسْلَمُوا، فَخَشَوْا أنْ يَتَتابَعَ دُخُولُ النّاسِ في الإسْلامِ، فاخْتَلُوا بِقَوْمٍ ما زالُوا عَلى الشِّرْكِ وناجَوْهم بِذَلِكَ لِيُدْخِلُوا الشَّكَّ في قُلُوبِهِمْ.
والنَّجْوى: المُحادَثَةُ الخَفِيَّةُ. والإسْرارُ: هو الكِتْمانُ والكَلامُ الخَفِيُّ جِدًّا. وقَدْ تَقَدَّمَ الجَمْعُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] في سُورَةِ بَراءَةَ، وتَقَدَّمَ وجْهُ جَعْلِ النَّجْوى مَفْعُولًا لِـ ”أسَرُّوا“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى﴾ في ”سُورَةِ طَهَ“، أيْ جَعَلُوا نَجْواهم مَقْصُودَةً بِالكِتْمانِ، وبالَغُوا في إخْفائِها؛ لِأنَّ شَأْنَ التَّشاوُرِ في المُهِمِّ كِتْمانُهُ؛ كَيْلا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ المُخالِفُ فَيُفْسِدَهُ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ إنْكارِيٌّ يَقْتَضِي أنَّهم خاطَبُوا مَن قارَبَ أنْ يُصَدِّقَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أيْ فَكَيْفَ تُؤْمِنُونَ بِنُبُوءَتِهِ وهو أحَدٌ مِنكم.
صفحة ١٤
وكَذَلِكَ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ﴾ إنْكارِيٌّ، وأرادَ بِالسِّحْرِ الكَلامَ الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْكم. والمَعْنى: أنَّهُ لَمّا كانَ بَشَرًا مِثْلَكم فَما تَصْدِيقُكم لِنُبُوءَتِهِ إلّا مِن أثَرِ سِحْرٍ سَحَرَكم بِهِ، فَتَأْتُونَ السِّحْرَ بِتَصْدِيقِكم بِما يَدْعُوكم إلَيْهِ.
وأُطْلِقَ الإتْيانُ عَلى القَبُولِ والمُتابَعَةِ عَلى طَرِيقِ المَجازِ أوِ الِاسْتِعارَةِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ لِشَيْءٍ يَقْتَضِي الرَّغْبَةَ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالإتْيانِ هُنا حُضُورُ النَّبِيءِ ﷺ لِسَماعِ دَعْوَتِهِ، فَجَعَلُوهُ إتْيانًا؛ لِأنَّ غالِبَ حُضُورِ المَجالِسِ أنْ يَكُونَ بِإتْيانٍ إلَيْها، وجَعَلُوا كَلامَهُ سِحْرًا؛ فَنَهَوْا مَن ناجَوْهم عَنِ الِاسْتِماعِ إلَيْهِ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ تَأْتُونَ السِّحْرَ وبَصَرُكم سَلِيمٌ، وأرادُوا بِهِ العِلْمَ البَدِيهِيَّ، فَعَبَّرُوا عَنْهُ بِالبَصَرِ؛ لِأنَّ المُبْصَراتِ لا يَحْتاجُ إدْراكُها إلى تَفْكِيرٍ.
الأنبياء 21:4
﴿قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَّماءِ والأرْضِ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
أطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلى نَجْواهم، فَلَمْ يَتِمَّ لَهم ما أرادُوا مِنَ الإسْرارِ بِها، فَبَعْدَ أنْ حَكى ما تَناجَوْا بِهِ أمَرَهُ أنْ يُخْبِرَهم بِأنَّ اللَّهَ الَّذِي عَلِمَ نَجْواهم يَعْلَمُ كُلَّ قَوْلٍ في السَّماءِ والأرْضِ مِن جَهْرٍ أوْ سِرٍّ، فالتَّعْرِيفُ في ”القَوْلَ“ لِلِاسْتِغْراقِ، وبِذَلِكَ كانَ هَذا تَذْيِيلًا، وأعْلَمَهم بِأنَّهُ المُتَّصِفُ بِتَمامِ العِلْمِ لِلْمَسْمُوعاتِ وغَيْرِها بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
صفحة ١٥
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”قُلْ“ بِصِيغَةِ الأمْرِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ ”قالَ“ بِصِيغَةِ الماضِي، وكَذَلِكَ هي مَرْسُومَةٌ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ، قالَهُ أبُو شامَةَ، أيْ: قالَ الرَّسُولُ لَهم، حَكى اللَّهُ ما قالَهُ الرَّسُولُ لَهم، وإنَّما قالَهُ عَنْ وحْيٍ، فَكانَ في مَعْنى قِراءَةِ الجُمْهُورِ (قُلْ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ)؛ لِأنَّهُ إذا أمَرَ بِأنْ يَقَوْلَهُ: فَقَدْ قالَهُ.
وإنَّما لَمْ يَقُلْ يَعْلَمُ السِّرَّ لِمُراعاةِ العِلْمِ بِأنَّ الَّذِي قالُوهُ مِن قَبِيلِ السِّرِّ وأنَّ إثْباتَ عِلْمِهِ بِكُلِّ قَوْلٍ يَقْتَضِي إثْباتَ عِلْمِهِ بِالسِّرِّ وغَيْرِهِ؛ بِناءً عَلى مُتَعارَفِ النّاسِ. وأمّا قَوْلُهُ: في سُورَةِ الفُرْقانِ: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفرقان: ٦] فَلَمْ يَتَقَدَّمْ قَبْلَهُ ذِكْرٌ لِلْإسْرارِ، وكانَ قَوْلُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ﴿إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ﴾ [الفرقان: ٤] صادِرًا مِنهم تارَةً جَهْرًا وتارَةً سِرًّا، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ بِاطِّلاعِهِ عَلى سِرِّهِمْ. ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلى جَهْرِهِمْ بِطَرِيقَةِ الفَحْوى.
الأنبياء 21:5
﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾
”بَلْ“ الأُولى مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إضْرابُ انْتِقالٍ مِن حِكايَةِ قَوْلِ فَرِيقٍ مِنهم ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣] إلى حِكايَةِ قَوْلٍ آخَرَ مِن أقْوالِ المُشْرِكِينَ، وهو زَعْمُهم أنَّ ما يُخْبِرُ عَنْهُ ويَحْكِيهِ هو أحْلامٌ يَراها فَيَحْكِيها، فَضَمِيرُ ”قالُوا“ لِجَماعَةِ المُشْرِكِينَ لا لِخُصُوصِ القائِلِينَ الأوَّلِينَ.
و”بَلْ“ الثّانِيَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهم، وهي إضْرابُ انْتِقالٍ فِيما يَصِفُونَ بِهِ القُرْآنَ. والمَعْنى: بَلِ افْتَراهُ واخْتَلَقَهُ مِن غَيْرِ أحْلامٍ، أيْ هو كَلامٌ مَكْذُوبٌ.
صفحة ١٦
ثُمَّ انْتَقَلُوا فَقالُوا ”هو شاعِرٌ“ أيْ كَلامُهُ شِعْرٌ، فَحَرْفُ ”بَلْ“ الثّالِثَةِ إضْرابٌ مِنهم عَنْ كَلامِهِمْ، وذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِاضْطِرابِهِمْ، وهَذا الِاضْطِرابُ ناشِئٌ عَنْ تَرَدُّدِهِمْ مِمّا يَنْتَحِلُونَهُ مِنَ الِاعْتِلالِ عَنِ القُرْآنِ. وذَلِكَ شَأْنُ المُبْطِلِ المُباهِتِ أنْ يَتَرَدَّدَ في حُجَّتِهِ كَما قِيلَ: الباطِلُ لَجْلَجٌ، أيْ مُلْتَبِسٌ مُتَرَدَّدٌ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”بَلْ“ الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ مِثْلَ ”بَلْ“ الأُولى لِلِانْتِقالِ في حِكايَةِ أقْوالِهِمْ. والتَّقْدِيرُ: بَلْ قالُوا: افْتَراهُ، بَلْ قالُوا: هو شاعِرٌ، وحُذِفَ فِعْلُ القَوْلِ لِدَلالَةِ القَوْلِ الأوَّلِ عَلَيْهِما، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَحْكِيُّ كَلامَ جَماعاتٍ مِنَ المُشْرِكِينَ انْتَحَلَتْ كُلُّ جَماعَةٍ اعْتِلالًا.
والأضْغاثُ: جَمْعُ ضِغْثٍ بِكَسْرِ الضّادِ، وهو الحِزْمَةُ مِن أعْوادٍ أوْ عُشْبٍ أوْ حَشِيشٍ مُخْتَلِطٍ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى الأخْلاطِ مُطْلَقًا كَما في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ أرادُوا أنَّ ما يُخْبِرُكم بِهِ مِن أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِ ومِن أخْبارِ البَعْثِ والحِسابِ ويَوْمِ القِيامَةِ هو أحْلامٌ يَراها.
وفَرَّعُوا عَلى تَرَدُّدِهِمْ أوْ فَرَّعَ كُلُّ فَرِيقٍ عَلى مَقالَتِهِ نَتِيجَةً واحِدَةً، وهي المُطالَبَةُ أنْ يَأْتِيَهم بِمُعْجِزَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِهِ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ مِن نَوْعِ ما يُحْكى عَنِ الرُّسُلِ السّابِقِينَ أنَّهم أتَوْا بِهِ مِثْلَ انْقِلابِ العَصا حَيَّةً. ومِنَ البُهْتانِ أنْ يَسْألُوا الإتْيانَ بِآيَةٍ يَكُونُ الِادِّعاءُ بِأنَّها سَحْرٌ أرْوَجَ في مِثْلِها، فَإنَّ مِن أشْهَرِ أعْمالِ السَّحَرَةِ إظْهارَ ما يَبْدُو أنَّهُ خارِقٌ عادَةً، وقَدِيمًا قالَ آلُ فِرْعَوْنَ في مُعْجِزاتِ مُوسى: إنَّها سِحْرٌ، بِخِلافِ آيَةِ إعْجازِ القُرْآنِ.
ودَخَلَتْ لامُ الأمْرِ عَلى فِعْلِ الغائِبِ لِمَعْنى إبْلاغِ الأمْرِ إلَيْهِ، أيْ فَقُولُوا لَهُ: ائْتِنا بِآيَةٍ. والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”يَأْتِنا“ أيْ: حالَةُ كَوْنِ هَذا البَشَرِ حِينَ يَأْتِي بِالآيَةِ يُشْبِهُ
صفحة ١٧
رِسالَتَهُ رِسالَةَ الأوَّلِينَ، والمُشَبَّهُ ذاتٌ والمُشَبَّهُ بِهِ مَعْنى الرِّسالَةِ، وذَلِكَ واسِعٌ في كَلامِ العَرَبِ. قالَ النّابِغَةُ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعِلٍ مِن ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ عَلى مَخافَةِ وعِلٍ، أوْ حالَةِ كَوْنِ الآيَةِ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ، أيْ بِهِ.
الأنبياء 21:6
﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ جَوابًا عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُرْسِلَ إلَيْها الأوَّلُونَ ما أغْنَتْ فِيهِمُ الآياتُ الَّتِي جاءَتْهم كَما ودِدْتُمْ أنْ تَكُونَ لَكم مِثْلُها فَما آمَنُوا، ولِذَلِكَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الإهْلاكُ، فَشَأْنُكم أيُّها المُشْرِكُونَ كَشَأْنِهِمْ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلّا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] في سُورَةِ الإسْراءِ.
وإنَّما أمْسَكَ اللَّهُ الآياتِ الخَوارِقَ عَنْ مُشْرِكِي مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ أرادَ اسْتِبْقاءَهم لِيَكُونَ مِنهم مُؤْمِنُونَ وتَكُونَ ذُرِّيّاتُهم حَمَلَةَ هَذا الدِّينِ في العالَمِ، ولَوْ أُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ البَيِّنَةُ لَكانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ أنْ يَعْقُبَها عَذابُ الِاسْتِئْصالِ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها.
و”ما“ نافِيةٌ. و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: ٤] مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ المُسْتَفادِ مِن حَرْفِ ”ما“ . ومُتَعَلِّقُ ”آمَنَتْ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ ما آمَنَتْ بِالآياتِ قَرْيَةٌ. وجُمْلَةُ ”أهْلَكْناها“ صِفَةٌ لِـ ”قَرْيَةٍ“ ورَدَتْ مُسْتَطْرَدَةً لِلتَّعْرِيضِ بِالوَعِيدِ بِأنَّ المُشْرِكِينَ أيْضًا يَتَرَقَّبُونَ الإهْلاكَ.
صفحة ١٨
وذُكِرَتِ القَرْيَةُ هُنا مُرادًا بِها أهْلُها لِيُبْنى عَلَيْها الوَصْفُ بِإهْلاكِها؛ لِأنَّ الإهْلاكَ أصابَ أهْلَ القُرى وقُراهم، فَلِذَلِكَ قِيلَ: ”أهْلَكْناها“ دُونَ ”أهْلَكْناهم“ كَما في سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿وتِلْكَ القُرى أهْلَكْناهُمْ﴾ [الكهف: ٥٩] . وفُرِّعَتْ جُمْلَةُ ”أفَهم يُؤْمِنُونَ“ عَلى جُمْلَةِ ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ﴾ مُقْتَرِنَةً بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ، أيْ فَهم لا يُؤْمِنُونَ لَوْ أتَيْناهم بِآيَةٍ كَما اقْتَرَحُوا كَما لَمْ يُؤَمِنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ الَّذِينَ جَعَلُوهم مِثالًا في قَوْلِهِمْ: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وهَذا أخْذٌ لَهم بِلازِمِ قَوْلِهِمْ.
الأنبياء 21:7
﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾
عَطْفُ جَوابٍ عَلى جَوابٍ. والمَقْصُودُ مِن هَذا إبْطالُ مَقْصُودِهِمْ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] إذْ أرادُوا أنَّهُ لَيْسَ بِأهْلٍ لِلِامْتِيازِ عَنْهم بِالرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، فَبَيَّنَ خَطَأهم في اسْتِدْلالِهِمْ بِأنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِرِسالَتِهِمْ ما كانُوا إلّا بَشَرًا، وأنَّ الرِّسالَةَ لَيْسَتْ إلّا وحْيًا مِنَ اللَّهِ لِمَنِ اخْتارَهُ مِنَ البَشَرِ.
وقَوْلُهُ: ”إلّا رِجالًا“ يَقْتَضِي أنْ لَيْسَ في النِّساءِ رُسُلًا وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ. وإنَّما الخِلافُ في نُبُوءَةِ النِّساءِ مِثْلِ مَرْيَمَ أُخْتِ مُوسى ومَرْيَمَ أُمِّ عِيسى. ثُمَّ عَرَّضَ بِجَهْلِهِمْ وفَضَحَ خَطَأهم، فَأمَرَهم أنْ يَسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ، أيِ العِلْمِ بِالكُتُبِ والشَّرائِعِ السّالِفَةِ مِنَ الأحْبارِ والرُّهْبانِ، وجُمْلَةُ ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ﴾ إلَخْ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الجُمَلِ المُتَعاطِفَةِ. وتَوْجِيهُ الخِطابِ لَهم بَعْدَ كَوْنِ الكَلامِ جَرى عَلى أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ التِفاتٌ، ونُكْتَتُهُ أنَّ الكَلامَ لَمّا كانَ في بَيانِ الحَقائِقِ الواقِعَةِ أعْرَضَ
صفحة ١٩
عَنْهم في تَقْرِيرِهِ، وجُعِلَ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ إلى كُلِّ سامِعٍ، وجُعِلُوا فِيهِ مُعَبَّرًا عَنْهم بِضَمائِرِ الغَيْبَةِ، ولَمّا أُرِيدَ تَجْهِيلُهم وإلْجاؤُهم إلى الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ غُيِّرَ الكَلامُ إلى الخِطابِ؛ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ وتَقْرِيعًا لَهم بِتَجْهِيلِهِمْ.
الأنبياء 21:8
﴿وما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وما كانُوا خالِدِينَ﴾
الجَسَدُ: الجِسْمُ الَّذِي لا حَياةَ فِيهِ، وهو يُرادِفُ الجُثَّةَ. هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِن أئِمَّةِ اللُّغَةِ مِثْلِ أبِي إسْحاقَ الزَّجّاجِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا﴾ [طه: ٨٨] . وقَدْ تَقَدَّمَ هُناكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤] . قِيلَ هو شِقُّ غُلامٍ لا رُوحَ فِيهِ، ولَدَتْهُ إحْدى نِسائِهِ، أيْ ما جَعَلْناهم أجْرامًا غَيْرَ مُنْبَثَّةٍ فِيها الأرْواحُ بِحَيْثُ تَنْتَفِي عَنْهم صِفاتُ البَشَرِ الَّتِي خاصَّتُها أكْلُ الطَّعامِ، وهَذا رَدٌّ لِما يَقُولُونَهُ: ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] مَعَ قَوْلِهِمْ هُنا: ﴿هَلْ هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] .
وذِكْرُ الجَسَدِ يُفِيدُ التَّهَكُّمَ بِالمُشْرِكِينَ؛ لِأنَّهم لَمّا قالُوا: ﴿ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧]، وسَألُوا أنْ يَأْتِيَ بِما أُرْسِلَ بِهِ الأوَّلُونَ - كانَ مُقْتَضى أقْوالِهِمْ أنَّ الرُّسُلَ الأوَّلِينَ كانُوا في صُوَرِ الآدَمِيِّينَ لَكِنَّهم لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، وأكْلُ الطَّعامِ مِن لَوازِمِ الحَياةِ، فَلَزِمَهم لَمّا قالُوا: ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ أنْ يَكُونُوا قائِلِينَ بِأنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ أنْ يَكُونُوا أجْسادًا بِلا أرْواحٍ، وهَذا مِنَ السَّخافَةِ بِمَكانَةٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ فَهو زِيادَةُ اسْتِدْلالٍ لِتَحْقِيقِ بَشَرِيَّتِهِمُ اسْتِدْلالًا بِما هو واقِعٌ مِن عَدَمِ كَفاءَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ كَما هو مَعْلُومٌ بِالمُشاهَدَةِ، لِقَطْعِ مَعاذِيرِ الضّالِّينَ، فَإنْ زَعَمُوا أنْ قَدْ كانَ الرُّسُلُ
صفحة ٢٠
الأوَّلُونَ مُخالِفِينَ لِلْبَشَرِ فَماذا يَصْنَعُونَ في لَحاقِ الفَناءِ إيّاهم، فَهَذا وجْهُ زِيادَةِ ﴿وما كانُوا خالِدِينَ﴾ . وأُتِيَ في نَفْيِ الخُلُودِ عَنْهم بِصِيغَةِ ”ما كانُوا“ تَحْقِيقًا لِتَمَكُّنِ عَدَمِ الخُلُودِ مِنهم.
الأنبياء 21:9
﴿ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾
”ثُمَّ“ عاطِفَةُ الجُمْلَةِ عَلى الجُمَلِ السّابِقَةِ، فَهي لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ. والمَعْنى: وأهَمُّ مِمّا ذُكِرَ أنّا صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ فَأنْجَيْناهم وأهْلَكْنا الَّذِينَ كَذَّبُوهم. ومَضْمُونُ هَذا أهَمُّ في الغَرَضَيْنِ: التَّبْشِيرِ والإنْذارِ. فالتَّبْشِيرُ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ صادِقُهُ وعْدَهُ مِنَ النَّصْرِ، والإنْذارُ لِمَن ماثَلَ أقْوامَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ.
والمُرادُ بِالوَعْدِ وعْدُهُمُ النَّصْرَ عَلى المُكَذِّبِينَ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ”فَأنْجَيْناهم“ المُؤْذِنِ بِأنَّهُ وعْدُ عَذابٍ لِأقْوامِهِمْ، فالكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّنْوِيهِ بِالرُّسُلِ الأوَّلِينَ، وهو تَعْرِيضٌ بِوَعِيدِ الَّذِينَ قالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . وفي هَذا تَقْرِيعٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أيْ إنْ كانَ أعْجَبَكم ما أتى بِهِ الأوَّلُونَ فَسَألْتُمْ مِن رَسُولِكم مِثْلَهُ، فَإنَّ حالَكم كَحالِ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلَيْهِمْ، فَتَرَقَّبُوا مِثْلَ ما نَزَلَ بِهِمْ ويَتَرَقَّبُ رَسُولُكم مِثْلَ ما لَقِيَ سَلَفُهُ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] في سُورَةِ يُونُسَ.
وانْتُصِبَ الوَعْدُ بِـ ”صَدَقْناهم“ عَلى التَّوَسُّعِ بِنَزْعِ حَرْفِ الجَرِّ. وأصْلُ الِاسْتِعْمالِ أنْ يُقالَ: صَدَقْناهم في الوَعْدِ؛ لِأنَّ ”صَدَقَ“ لا يَتَعَدّى
صفحة ٢١
إلّا إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ. وهَذا الحَذْفُ شائِعٌ في الكَلامِ، ومِنهُ في مِثْلِ هَذا ما في المَثَلِ: صَدَقَنِي سِنَّ بَكْرِهِ.
والإتْيانُ بِصِيغَةِ المُسْتَقْبَلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مَن نَشاءُ“ احْتِباكٌ، والتَّقْدِيرُ: فَأنْجَيْناهم ومَن شِئْنا ونُنْجِي رَسُولَنا ومَن نَشاءُ مِنكم، وهو تَأْمِيلٌ لَهم أنْ يُؤْمِنُوا؛ لِأنَّ مِنَ المُكَذِّبِينَ يَوْمَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ مَن آمَنُوا فِيما بَعْدُ إلى يَوْمِ فَتْحِ مَكَّةَ، وهَذا مِن لُطْفِ اللَّهِ بِعِبادِهِ في تَرْغِيبِهِمْ في الإيمانِ؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ونُهْلِكُ المُسْرِفِينَ، بَلْ عادَ إلى صِيغَةِ المُضِيِّ الَّذِي هو حِكايَةٌ لِما حَلَّ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ، وبَقِيَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا وهو التَّعْرِيضُ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ أنْ يُصِيبَهم مِثْلُ ما أصابَ أُولَئِكَ مَعَ عَدَمِ التَّصْرِيحِ بِالوَعِيدِ.
والمُسْرِفُونَ: المُفْرِطُونَ في التَّكْذِيبِ بِالإصْرارِ والِاسْتِمْرارِ عَلَيْهِ حَتّى حَلَّ بِهِمُ العَذابُ.
الأنبياء 21:10
﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكم أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
اسْتِئْنافُ جَوابٍ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] بِإيقاظِهِمْ إلى أنَّ الآيَةَ الَّتِي جاءَتْهم هي أعْظَمُ مِنَ الآياتِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها
صفحة ٢٢
الأوَّلُونَ، وتَجْهِيلًا لِألْبابِهِمُ الَّتِي لَمْ تُدْرِكْ عِظَمَ الآيَةِ الَّتِي جاءَتْهم كَما أنْبَأ بِذَلِكَ مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في هَذا المَكانِ.
وفِي ضَمِيرِ ذَلِكَ تَحْقِيقٌ؛ لِكَوْنِ القُرْآنِ حَقًّا، وتَذْكِيرٌ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَنافِعِ الَّتِي عَمُوا عَنْها فِيما حُكِيَ عَنْهم أوَّلَ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلّا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: ٢] ﴿لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] كَما أنْبَأ بِذَلِكَ ظاهِرُ مَعْنى الآيَةِ.
ولِقَصْدِ هَذا الإيقاظِ صُدِّرَتِ الجُمْلَةُ بِما يُفِيدُ التَّحْقِيقَ مِن لامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، وجُعِلَ إنْزالُ الكِتابِ إلَيْهِمْ كَما اقْتَضَتْهُ تَعْدِيَةُ فِعْلِ ”أنْزَلْنا“ بِحَرْفِ ”إلى“ شَأْنَ تَعْدِيَةِ فِعْلِ الإنْزالِ أنْ يَكُونَ المَجْرُورُ بِـ ”إلى“ - هو المُنَزَّلُ إلَيْهِ، فَجُعِلَ الإنْزالُ إلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ بِمَنزِلَةِ مَن أُنْزِلَ إلَيْهِ نَظَرًا إلى أنَّ الإنْزالَ كانَ لِأجْلِهِمْ ودَعْوَتِهِمْ. وذَلِكَ أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لَقَدْ أنْزَلْنا لَكم. وتَنْكِيرُ ”كِتابًا“ لِلتَّعْظِيمِ إيماءً إلى أنَّهُ جَمَعَ خَصْلَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: كَوْنَهُ كِتابَ هُدًى، وكَوْنَهُ آيَةً ومُعْجِزَةً لِلرَّسُولِ ﷺ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ أوْ مُدانِيهِ.
والذِّكْرُ يُطْلَقُ عَلى التَّذْكِيرِ بِما فِيهِ الصَّلاحُ، ويُطْلَقُ عَلى السُّمْعَةِ والصِّيتِ كَقَوْلِهِ: ”﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيّاءَ﴾ [مريم: ٢]“ . وقَدْ أُوثِرَ هَذا المَصْدَرُ هُنا وجُعِلَ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِيَكُونَ كَلامًا مُوَجَّهًا، فَيَصِحَّ قَصْدُ المَعْنَيَيْنِ مَعًا مِن كَلِمَةِ ”الذِّكْرِ“ بِأنَّ مَجِيءَ القُرْآنِ مُشْتَمِلًا عَلى أعْظَمِ الهُدى، هو تَذْكِيرٌ لَهم بِما بِهِ نِهايَةُ إصْلاحِهِمْ، ومَجِيئُهُ بِلُغَتِهِمْ، وفي قَوْمِهِمْ، وبِواسِطَةِ واحِدٍ مِنهم، سُمْعَةٌ عَظِيمَةٌ لَهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥] وقالَ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ [البقرة: ١٥١] .
صفحة ٢٣
وقَدْ فَسَّرَ السَّلَفُ هَذِهِ الآيَةَ بِالمَعْنَيَيْنِ. وفي تَفْسِيرِ الطَّبَرِيِّ هُنا قالَ جَماعَةٌ: مَعْنى ”فِيهِ ذِكْرُكم“ أنَّهُ الشَّرَفُ، أيْ فِيهِ شَرَفُكم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: فِيهِ شَرَفُكم وذِكْرُكم آخِرَ الدَّهْرِ كَما تُذْكَرُ عِظامُ الأُمُورِ. وقَدْ فُسِّرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] .
وعَلى المَعْنَيَيْنِ يَكُونُ لِتَفْرِيعِ قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَلا تَعْقِلُونَ“ أحْسَنُ مَوْقِعٍ؛ لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الإنْكارِيَّ لِنَفْيِ عَقْلِهِمْ مُتَّجِهٌ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنَ، فَإنَّ مَن جاءَهُ ما بِهِ هَدْيُهُ فَلَمْ يَهْتَدِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ سُوءُ عَقْلِهِ، ومَن جاءَهُ ما بِهِ مَجْدُهُ وسُمْعَتُهُ فَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ يُنْكَرُ عَلَيْهِ سُوءُ قَدْرِهِ لِلْأُمُورِ حَقَّ قَدْرِها، كَما يَكُونُ الفَضْلُ في مِثْلِهِ مُضاعَفًا. وأيْضًا فَهو مُتَفَرِّعٌ عَلى الإقْناعِ بِإنْزالِ القُرْآنِ آيَةً تَفُوقُ الآياتِ الَّتِي سَألُوا مِثْلَها، وهو المُفادُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ ومِن تَأْكِيدِ الجُمْلَةِ بِالقِسْمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمُ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمُ إنَّ في ذَلِكَ لَرَحْمَةً وذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥١] في سُورَةِ العَنْكَبُوتِ، وذَلِكَ لِإعْجازِهِ اللَّفْظِيِّ والمَعْنَوِيِّ.
الأنبياء 21:11
﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]، وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
صفحة ٢٤
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها أنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ وعْدَهُ وهو خَبَرٌ يُفِيدُ ابْتِداءَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّسُلِ ونَصْرِهِمْ وبِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرَ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ لَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إهْلاكِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الظّالِمِينَ ووَصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ابْتِداءً اهْتِمامًا بِهِ لِيَقْرَعَ أسْماعَهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِالِانْقِراضِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ، وأنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ بَعْدَهم أُمَّةً مُؤْمِنَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
و”كَمْ“ اسْمٌ، لَهُ حَقُّ صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ لِلْإخْبارِ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى فَـ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ. وهي واقِعَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”قَصَمْنا“ . وفي ”كَمْ“ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّفِ إهْلاكِ هَذِهِ القُرى، وبِضَمِيمَةِ وصْفِ تِلْكَ الأُمَمِ بِالظُّلْمِ، أيِ الشِّرْكِ إيماءً إلى سَبَبِ الإهْلاكِ فَحَصَلَ مِنهُ ومِنِ اسْمِ الكَثْرَةِ مَعْنى العُمُومِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ التَّهْدِيدَ بِأنَّ ذَلِكَ حالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ بِحُكْمِ العُمُومِ، وأنَّ هَذا لَيْسَ مُرادًا بِهِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ ”حَضُوراءُ“ بِفَتْحِ الحاءِ - مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ - قَتَلُوا نَبِيئًا اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ ذِي مَهْدَمٍ في زَمَنِ أرْمِياءَ نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأفْناهم. فَإنَّما أرادَ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ مِمَّنْ شَمِلَتْهم هَذِهِ الآيَةُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمَ اهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأطْلَقَ القَرْيَةَ عَلى أهْلِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
صفحة ٢٥
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَفْظِ قَرْيَةٍ هَنا نَظِيرُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] . وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن قَرْيَةٍ“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وهي تَدْخُلُ عَلى ما فِيهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ وهي هُنا تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ ”كَمْ“ .
والقَصْمُ: الكَسْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ التِئامٌ ولا انْتِفاعٌ. واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ القَوِيِّ، كَإهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ وسَبَأٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ. فَجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ . وضَمِيرُ ”مِنها“ عائِدٌ إلى ”قَرْيَةٍ“ .
والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، فَيَكُونُ بِرُؤْيَةِ ما يُزْعِجُهم أوْ سَماعِ أصْواتٍ مُؤْذِنَةٍ بِالهَلاكِ، كالصَّواعِقِ والرِّياحِ.
والبَأْسُ: شِدَّةُ الألَمِ والعَذابِ. وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، أيْ خارِجِينَ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِ ”يَرْكُضُونَ“ مَعْنى ”يَهْرُبُونَ“، أيْ مِنَ البَأْسِ الَّذِي أحَسُّوا بِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن بَأْسِنا الَّذِي أحَسُّوهُ في القَرْيَةِ. وذَلِكَ بِحُصُولِ أشْراطِ إنْذارٍ مِثْلَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ.
والرَّكْضُ: سُرْعَةُ سَيْرِ الفَرَسِ، وأصْلُهُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، فَيُسَمّى بِهِ العَدْوُ؛ لِأنَّ العَدْوَ يَقْتَضِي قُوَّةَ الضَّرْبِ بِالرِّجِلِ، وأُطْلِقَ الرَّكْضُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِ النّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ بِرَكْضِ الأفْراسِ.
صفحة ٢٦
و”مِنها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ المَرْفُوعِ. ودَخَلَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في جَوابِ ”لَمّا“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا الهُرُوبَ مِن شِدَّةِ الإحْساسِ بِالبَأْسِ تَصْوِيرًا لِشِدَّةِ الفَزَعِ. ولَيْسَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ بِرابِطَةٍ لِلْجَوابِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، و”إذا“ الفُجائِيَّةُ قَدْ تَكُونُ رابِطَةً لِلْجَوابِ خَلَفًا مِنَ الفاءِ الرّابِطَةِ حَيْثُ يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ؛ لِأنَّ مَعْنى الفُجاءَةِ يَصْلُحُ لِلرَّبْطِ ولا يُلازِمُهُ. وجُمْلَةُ ”﴿لا تَرْكُضُوا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ وهي خِطابٌ لِلرّاكِضِينَ بِتَخَيُّلِ كَوْنِهِمْ كالحاضِرِينَ المُشاهِدِينَ في وقْتِ حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ، تَرْشِيحًا لِما اقْتَضى اجْتِلابَ حَرْفِ المُفاجَأةِ، وهَذا كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيًا
أيْ لَمّا دَعاهُ الهَوى، أيْ ذَكَّرَهُ أحْبابَهُ وهو غازٍ بِذِي الطَّبَسَيْنِ التَفَتَ وراءَهُ كالَّذِي يَدْعُوهُ داعٍ مِن خَلْفِهِ فَتَخَيَّلَ الهَوى داعِيًا وراءَهُ. وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ حِينَئِذٍ بِأنْ سَمِعُوهُ بِخَلْقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ. وهَذا ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، ويُبْعِدُهُ اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واقِعًا عِنْدَ كُلِّ عَذابٍ أُصِيبَتْ بِهِ كُلُّ قَرْيَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
والإتْرافُ: إعْطاءُ التَّرَفِ، وهو النَّعِيمُ ورَفَهِ العَيْشِ، أيِ ارْجِعُوا إلى ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الرَّفاهِيَةِ وإلى مَساكِنِكم.
صفحة ٢٧
وقَوْلُهُ تَعالى ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ“ مِن جُمْلَةِ التَّهَكُّمِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ”تُسْألُونَ“ احْتِمالاتٍ سِتَّةٍ. أظْهَرُها: أنَّ المَعْنى: ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِتَرَوْا ما آلَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّكم يَسْألُكم سائِلٌ عَنْ حالِ ما أصابَكم فَتَعْلَمُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُسافِرِ أنْ يَسْألَهُ الَّذِينَ يَقْدُمُ إلَيْهِمْ عَنْ حالِ البِلادِ الَّتِي تَرَكَها مِن خِصْبٍ ورَخاءٍ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا تَكْمِلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾“ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”لا تَرْكُضُوا“ مُعْتَرِضَةً عَلى ما قَرَّرْتُهُ آنِفًا - تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا يَقُولُونَهُ حِينَ يُسْرِعُونَ هارِبِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الهارِبِ الفَزِعِ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلى الفَزَعِ أوِ النَّدَمِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أحَلَّتْ بِهِ المَخاوِفَ، فَيُجابُ بِأنَّهم أيْقَنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَيُقِرُّونَ بِظُلْمِهِمْ ويُنْشِئُونَ التَّلَهُّفَ والتَّنَدُّمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وإنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ جَوابًا لِقَوْلِ مَن قالَ لَهم: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ويَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ قالُوا: قَدْ عَرَفْنا ذَنْبَنا وحُقَّ التَّهَكُّمُ بِنا. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] في سُورَةِ المُلْكِ.
الأنبياء 21:12
﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]، وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
صفحة ٢٤
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها أنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ وعْدَهُ وهو خَبَرٌ يُفِيدُ ابْتِداءَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّسُلِ ونَصْرِهِمْ وبِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرَ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ لَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إهْلاكِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الظّالِمِينَ ووَصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ابْتِداءً اهْتِمامًا بِهِ لِيَقْرَعَ أسْماعَهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِالِانْقِراضِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ، وأنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ بَعْدَهم أُمَّةً مُؤْمِنَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
و”كَمْ“ اسْمٌ، لَهُ حَقُّ صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ لِلْإخْبارِ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى فَـ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ. وهي واقِعَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”قَصَمْنا“ . وفي ”كَمْ“ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّفِ إهْلاكِ هَذِهِ القُرى، وبِضَمِيمَةِ وصْفِ تِلْكَ الأُمَمِ بِالظُّلْمِ، أيِ الشِّرْكِ إيماءً إلى سَبَبِ الإهْلاكِ فَحَصَلَ مِنهُ ومِنِ اسْمِ الكَثْرَةِ مَعْنى العُمُومِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ التَّهْدِيدَ بِأنَّ ذَلِكَ حالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ بِحُكْمِ العُمُومِ، وأنَّ هَذا لَيْسَ مُرادًا بِهِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ ”حَضُوراءُ“ بِفَتْحِ الحاءِ - مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ - قَتَلُوا نَبِيئًا اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ ذِي مَهْدَمٍ في زَمَنِ أرْمِياءَ نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأفْناهم. فَإنَّما أرادَ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ مِمَّنْ شَمِلَتْهم هَذِهِ الآيَةُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمَ اهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأطْلَقَ القَرْيَةَ عَلى أهْلِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
صفحة ٢٥
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَفْظِ قَرْيَةٍ هَنا نَظِيرُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] . وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن قَرْيَةٍ“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وهي تَدْخُلُ عَلى ما فِيهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ وهي هُنا تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ ”كَمْ“ .
والقَصْمُ: الكَسْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ التِئامٌ ولا انْتِفاعٌ. واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ القَوِيِّ، كَإهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ وسَبَأٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ. فَجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ . وضَمِيرُ ”مِنها“ عائِدٌ إلى ”قَرْيَةٍ“ .
والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، فَيَكُونُ بِرُؤْيَةِ ما يُزْعِجُهم أوْ سَماعِ أصْواتٍ مُؤْذِنَةٍ بِالهَلاكِ، كالصَّواعِقِ والرِّياحِ.
والبَأْسُ: شِدَّةُ الألَمِ والعَذابِ. وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، أيْ خارِجِينَ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِ ”يَرْكُضُونَ“ مَعْنى ”يَهْرُبُونَ“، أيْ مِنَ البَأْسِ الَّذِي أحَسُّوا بِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن بَأْسِنا الَّذِي أحَسُّوهُ في القَرْيَةِ. وذَلِكَ بِحُصُولِ أشْراطِ إنْذارٍ مِثْلَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ.
والرَّكْضُ: سُرْعَةُ سَيْرِ الفَرَسِ، وأصْلُهُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، فَيُسَمّى بِهِ العَدْوُ؛ لِأنَّ العَدْوَ يَقْتَضِي قُوَّةَ الضَّرْبِ بِالرِّجِلِ، وأُطْلِقَ الرَّكْضُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِ النّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ بِرَكْضِ الأفْراسِ.
صفحة ٢٦
و”مِنها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ المَرْفُوعِ. ودَخَلَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في جَوابِ ”لَمّا“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا الهُرُوبَ مِن شِدَّةِ الإحْساسِ بِالبَأْسِ تَصْوِيرًا لِشِدَّةِ الفَزَعِ. ولَيْسَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ بِرابِطَةٍ لِلْجَوابِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، و”إذا“ الفُجائِيَّةُ قَدْ تَكُونُ رابِطَةً لِلْجَوابِ خَلَفًا مِنَ الفاءِ الرّابِطَةِ حَيْثُ يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ؛ لِأنَّ مَعْنى الفُجاءَةِ يَصْلُحُ لِلرَّبْطِ ولا يُلازِمُهُ. وجُمْلَةُ ”﴿لا تَرْكُضُوا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ وهي خِطابٌ لِلرّاكِضِينَ بِتَخَيُّلِ كَوْنِهِمْ كالحاضِرِينَ المُشاهِدِينَ في وقْتِ حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ، تَرْشِيحًا لِما اقْتَضى اجْتِلابَ حَرْفِ المُفاجَأةِ، وهَذا كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيًا
أيْ لَمّا دَعاهُ الهَوى، أيْ ذَكَّرَهُ أحْبابَهُ وهو غازٍ بِذِي الطَّبَسَيْنِ التَفَتَ وراءَهُ كالَّذِي يَدْعُوهُ داعٍ مِن خَلْفِهِ فَتَخَيَّلَ الهَوى داعِيًا وراءَهُ. وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ حِينَئِذٍ بِأنْ سَمِعُوهُ بِخَلْقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ. وهَذا ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، ويُبْعِدُهُ اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واقِعًا عِنْدَ كُلِّ عَذابٍ أُصِيبَتْ بِهِ كُلُّ قَرْيَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
والإتْرافُ: إعْطاءُ التَّرَفِ، وهو النَّعِيمُ ورَفَهِ العَيْشِ، أيِ ارْجِعُوا إلى ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الرَّفاهِيَةِ وإلى مَساكِنِكم.
صفحة ٢٧
وقَوْلُهُ تَعالى ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ“ مِن جُمْلَةِ التَّهَكُّمِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ”تُسْألُونَ“ احْتِمالاتٍ سِتَّةٍ. أظْهَرُها: أنَّ المَعْنى: ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِتَرَوْا ما آلَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّكم يَسْألُكم سائِلٌ عَنْ حالِ ما أصابَكم فَتَعْلَمُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُسافِرِ أنْ يَسْألَهُ الَّذِينَ يَقْدُمُ إلَيْهِمْ عَنْ حالِ البِلادِ الَّتِي تَرَكَها مِن خِصْبٍ ورَخاءٍ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا تَكْمِلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾“ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”لا تَرْكُضُوا“ مُعْتَرِضَةً عَلى ما قَرَّرْتُهُ آنِفًا - تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا يَقُولُونَهُ حِينَ يُسْرِعُونَ هارِبِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الهارِبِ الفَزِعِ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلى الفَزَعِ أوِ النَّدَمِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أحَلَّتْ بِهِ المَخاوِفَ، فَيُجابُ بِأنَّهم أيْقَنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَيُقِرُّونَ بِظُلْمِهِمْ ويُنْشِئُونَ التَّلَهُّفَ والتَّنَدُّمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وإنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ جَوابًا لِقَوْلِ مَن قالَ لَهم: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ويَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ قالُوا: قَدْ عَرَفْنا ذَنْبَنا وحُقَّ التَّهَكُّمُ بِنا. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] في سُورَةِ المُلْكِ.
الأنبياء 21:13
﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]، وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
صفحة ٢٤
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها أنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ وعْدَهُ وهو خَبَرٌ يُفِيدُ ابْتِداءَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّسُلِ ونَصْرِهِمْ وبِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرَ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ لَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إهْلاكِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الظّالِمِينَ ووَصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ابْتِداءً اهْتِمامًا بِهِ لِيَقْرَعَ أسْماعَهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِالِانْقِراضِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ، وأنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ بَعْدَهم أُمَّةً مُؤْمِنَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
و”كَمْ“ اسْمٌ، لَهُ حَقُّ صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ لِلْإخْبارِ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى فَـ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ. وهي واقِعَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”قَصَمْنا“ . وفي ”كَمْ“ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّفِ إهْلاكِ هَذِهِ القُرى، وبِضَمِيمَةِ وصْفِ تِلْكَ الأُمَمِ بِالظُّلْمِ، أيِ الشِّرْكِ إيماءً إلى سَبَبِ الإهْلاكِ فَحَصَلَ مِنهُ ومِنِ اسْمِ الكَثْرَةِ مَعْنى العُمُومِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ التَّهْدِيدَ بِأنَّ ذَلِكَ حالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ بِحُكْمِ العُمُومِ، وأنَّ هَذا لَيْسَ مُرادًا بِهِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ ”حَضُوراءُ“ بِفَتْحِ الحاءِ - مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ - قَتَلُوا نَبِيئًا اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ ذِي مَهْدَمٍ في زَمَنِ أرْمِياءَ نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأفْناهم. فَإنَّما أرادَ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ مِمَّنْ شَمِلَتْهم هَذِهِ الآيَةُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمَ اهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأطْلَقَ القَرْيَةَ عَلى أهْلِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
صفحة ٢٥
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَفْظِ قَرْيَةٍ هَنا نَظِيرُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] . وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن قَرْيَةٍ“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وهي تَدْخُلُ عَلى ما فِيهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ وهي هُنا تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ ”كَمْ“ .
والقَصْمُ: الكَسْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ التِئامٌ ولا انْتِفاعٌ. واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ القَوِيِّ، كَإهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ وسَبَأٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ. فَجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ . وضَمِيرُ ”مِنها“ عائِدٌ إلى ”قَرْيَةٍ“ .
والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، فَيَكُونُ بِرُؤْيَةِ ما يُزْعِجُهم أوْ سَماعِ أصْواتٍ مُؤْذِنَةٍ بِالهَلاكِ، كالصَّواعِقِ والرِّياحِ.
والبَأْسُ: شِدَّةُ الألَمِ والعَذابِ. وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، أيْ خارِجِينَ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِ ”يَرْكُضُونَ“ مَعْنى ”يَهْرُبُونَ“، أيْ مِنَ البَأْسِ الَّذِي أحَسُّوا بِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن بَأْسِنا الَّذِي أحَسُّوهُ في القَرْيَةِ. وذَلِكَ بِحُصُولِ أشْراطِ إنْذارٍ مِثْلَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ.
والرَّكْضُ: سُرْعَةُ سَيْرِ الفَرَسِ، وأصْلُهُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، فَيُسَمّى بِهِ العَدْوُ؛ لِأنَّ العَدْوَ يَقْتَضِي قُوَّةَ الضَّرْبِ بِالرِّجِلِ، وأُطْلِقَ الرَّكْضُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِ النّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ بِرَكْضِ الأفْراسِ.
صفحة ٢٦
و”مِنها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ المَرْفُوعِ. ودَخَلَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في جَوابِ ”لَمّا“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا الهُرُوبَ مِن شِدَّةِ الإحْساسِ بِالبَأْسِ تَصْوِيرًا لِشِدَّةِ الفَزَعِ. ولَيْسَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ بِرابِطَةٍ لِلْجَوابِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، و”إذا“ الفُجائِيَّةُ قَدْ تَكُونُ رابِطَةً لِلْجَوابِ خَلَفًا مِنَ الفاءِ الرّابِطَةِ حَيْثُ يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ؛ لِأنَّ مَعْنى الفُجاءَةِ يَصْلُحُ لِلرَّبْطِ ولا يُلازِمُهُ. وجُمْلَةُ ”﴿لا تَرْكُضُوا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ وهي خِطابٌ لِلرّاكِضِينَ بِتَخَيُّلِ كَوْنِهِمْ كالحاضِرِينَ المُشاهِدِينَ في وقْتِ حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ، تَرْشِيحًا لِما اقْتَضى اجْتِلابَ حَرْفِ المُفاجَأةِ، وهَذا كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيًا
أيْ لَمّا دَعاهُ الهَوى، أيْ ذَكَّرَهُ أحْبابَهُ وهو غازٍ بِذِي الطَّبَسَيْنِ التَفَتَ وراءَهُ كالَّذِي يَدْعُوهُ داعٍ مِن خَلْفِهِ فَتَخَيَّلَ الهَوى داعِيًا وراءَهُ. وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ حِينَئِذٍ بِأنْ سَمِعُوهُ بِخَلْقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ. وهَذا ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، ويُبْعِدُهُ اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واقِعًا عِنْدَ كُلِّ عَذابٍ أُصِيبَتْ بِهِ كُلُّ قَرْيَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
والإتْرافُ: إعْطاءُ التَّرَفِ، وهو النَّعِيمُ ورَفَهِ العَيْشِ، أيِ ارْجِعُوا إلى ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الرَّفاهِيَةِ وإلى مَساكِنِكم.
صفحة ٢٧
وقَوْلُهُ تَعالى ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ“ مِن جُمْلَةِ التَّهَكُّمِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ”تُسْألُونَ“ احْتِمالاتٍ سِتَّةٍ. أظْهَرُها: أنَّ المَعْنى: ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِتَرَوْا ما آلَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّكم يَسْألُكم سائِلٌ عَنْ حالِ ما أصابَكم فَتَعْلَمُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُسافِرِ أنْ يَسْألَهُ الَّذِينَ يَقْدُمُ إلَيْهِمْ عَنْ حالِ البِلادِ الَّتِي تَرَكَها مِن خِصْبٍ ورَخاءٍ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا تَكْمِلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾“ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”لا تَرْكُضُوا“ مُعْتَرِضَةً عَلى ما قَرَّرْتُهُ آنِفًا - تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا يَقُولُونَهُ حِينَ يُسْرِعُونَ هارِبِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الهارِبِ الفَزِعِ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلى الفَزَعِ أوِ النَّدَمِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أحَلَّتْ بِهِ المَخاوِفَ، فَيُجابُ بِأنَّهم أيْقَنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَيُقِرُّونَ بِظُلْمِهِمْ ويُنْشِئُونَ التَّلَهُّفَ والتَّنَدُّمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وإنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ جَوابًا لِقَوْلِ مَن قالَ لَهم: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ويَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ قالُوا: قَدْ عَرَفْنا ذَنْبَنا وحُقَّ التَّهَكُّمُ بِنا. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] في سُورَةِ المُلْكِ.
الأنبياء 21:14
﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦]، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]، وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ.
صفحة ٢٤
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِها أنَّهُ بَعْدَ أنْ أخْبَرَ أنَّهُ صَدَقَ رُسُلَهُ وعْدَهُ وهو خَبَرٌ يُفِيدُ ابْتِداءَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الرُّسُلِ ونَصْرِهِمْ وبِشَأْنِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ. وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِنَصْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ وذَكَرَ إهْلاكَ المُكَذِّبِينَ لَهُ تَبَعًا لِذَلِكَ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ إهْلاكِ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الظّالِمِينَ ووَصْفِ ما حَلَّ بِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ مَقْصُودًا بِذاتِهِ ابْتِداءً اهْتِمامًا بِهِ لِيَقْرَعَ أسْماعَهم، فَهو تَعْرِيضٌ بِإنْذارِ المُشْرِكِينَ بِالِانْقِراضِ بِقاعِدَةِ قِياسِ المُساواةِ، وأنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ بَعْدَهم أُمَّةً مُؤْمِنَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
و”كَمْ“ اسْمٌ، لَهُ حَقُّ صَدْرِ الكَلامِ؛ لِأنَّ أصْلَهُ اسْمُ اسْتِفْهامٍ عَنِ العَدَدِ، وشاعَ اسْتِعْمالُهُ لِلْإخْبارِ عَنْ كَثْرَةِ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ الكَثِيرَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْهُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا مِنَ القُرى فَـ ”كَمْ“ هُنا خَبَرِيَّةٌ. وهي واقِعَةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِفِعْلِ ”قَصَمْنا“ . وفي ”كَمْ“ الدّالَّةِ عَلى كَثْرَةِ العَدَدِ إيماءٌ إلى أنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ تَخَلُّفِ إهْلاكِ هَذِهِ القُرى، وبِضَمِيمَةِ وصْفِ تِلْكَ الأُمَمِ بِالظُّلْمِ، أيِ الشِّرْكِ إيماءً إلى سَبَبِ الإهْلاكِ فَحَصَلَ مِنهُ ومِنِ اسْمِ الكَثْرَةِ مَعْنى العُمُومِ، فَيَعْلَمُ المُشْرِكُونَ التَّهْدِيدَ بِأنَّ ذَلِكَ حالٌّ بِهِمْ لا مَحالَةَ بِحُكْمِ العُمُومِ، وأنَّ هَذا لَيْسَ مُرادًا بِهِ قَرْيَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ ”حَضُوراءُ“ بِفَتْحِ الحاءِ - مَدِينَةٌ بِاليَمَنِ - قَتَلُوا نَبِيئًا اسْمُهُ شُعَيْبُ بْنُ ذِي مَهْدَمٍ في زَمَنِ أرْمِياءَ نَبِيءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ فَأفْناهم. فَإنَّما أرادَ أنَّ هَذِهِ القَرْيَةَ مِمَّنْ شَمِلَتْهم هَذِهِ الآيَةُ، والتَّقْدِيرُ: قَصَمْنا كَثِيرًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَرَوْا كَمَ اهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦] في سُورَةِ الأنْعامِ.
وأطْلَقَ القَرْيَةَ عَلى أهْلِها كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ .
صفحة ٢٥
ووَجْهُ اخْتِيارِ لَفْظِ قَرْيَةٍ هَنا نَظِيرُ ما قَدَّمْناهُ آنِفًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها﴾ [الأنبياء: ٦] . وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن قَرْيَةٍ“ لِبَيانِ الجِنْسِ، وهي تَدْخُلُ عَلى ما فِيهِ مَعْنى التَّمْيِيزِ وهي هُنا تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ ”كَمْ“ .
والقَصْمُ: الكَسْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي لا يُرْجى بَعْدَهُ التِئامٌ ولا انْتِفاعٌ. واسْتُعِيرَ لِلِاسْتِئْصالِ والإهْلاكِ القَوِيِّ، كَإهْلاكِ عادٍ وثَمُودَ وسَبَأٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ. فَجُمْلَةُ ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾ إلَخْ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ﴾ . وضَمِيرُ ”مِنها“ عائِدٌ إلى ”قَرْيَةٍ“ .
والإحْساسُ: الإدْراكُ بِالحِسِّ، فَيَكُونُ بِرُؤْيَةِ ما يُزْعِجُهم أوْ سَماعِ أصْواتٍ مُؤْذِنَةٍ بِالهَلاكِ، كالصَّواعِقِ والرِّياحِ.
والبَأْسُ: شِدَّةُ الألَمِ والعَذابِ. وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها يَرْكُضُونَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلِابْتِداءِ، أيْ خارِجِينَ مِنها، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ بِتَأْوِيلِ ”يَرْكُضُونَ“ مَعْنى ”يَهْرُبُونَ“، أيْ مِنَ البَأْسِ الَّذِي أحَسُّوا بِهِ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ مِن بَأْسِنا الَّذِي أحَسُّوهُ في القَرْيَةِ. وذَلِكَ بِحُصُولِ أشْراطِ إنْذارٍ مِثْلَ الزَّلازِلِ والصَّواعِقِ.
والرَّكْضُ: سُرْعَةُ سَيْرِ الفَرَسِ، وأصْلُهُ الضَّرْبُ بِالرِّجْلِ، فَيُسَمّى بِهِ العَدْوُ؛ لِأنَّ العَدْوَ يَقْتَضِي قُوَّةَ الضَّرْبِ بِالرِّجِلِ، وأُطْلِقَ الرَّكْضُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِ النّاسِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ سَيْرِهِمْ بِرَكْضِ الأفْراسِ.
صفحة ٢٦
و”مِنها“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ المَرْفُوعِ. ودَخَلَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ في جَوابِ ”لَمّا“؛ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ ابْتَدَرُوا الهُرُوبَ مِن شِدَّةِ الإحْساسِ بِالبَأْسِ تَصْوِيرًا لِشِدَّةِ الفَزَعِ. ولَيْسَتْ ”إذا“ الفُجائِيَّةُ بِرابِطَةٍ لِلْجَوابِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ هَذا الجَوابَ لا يَحْتاجُ إلى رابِطٍ، و”إذا“ الفُجائِيَّةُ قَدْ تَكُونُ رابِطَةً لِلْجَوابِ خَلَفًا مِنَ الفاءِ الرّابِطَةِ حَيْثُ يَحْتاجُ إلى الرّابِطِ؛ لِأنَّ مَعْنى الفُجاءَةِ يَصْلُحُ لِلرَّبْطِ ولا يُلازِمُهُ. وجُمْلَةُ ”﴿لا تَرْكُضُوا﴾“ مُعْتَرِضَةٌ وهي خِطابٌ لِلرّاكِضِينَ بِتَخَيُّلِ كَوْنِهِمْ كالحاضِرِينَ المُشاهِدِينَ في وقْتِ حِكايَةِ قِصَّتِهِمْ، تَرْشِيحًا لِما اقْتَضى اجْتِلابَ حَرْفِ المُفاجَأةِ، وهَذا كَقَوْلِ مالِكِ بْنِ الرَّيْبِ:
دَعانِي الهَوى مِن أهْلِ وُدِّي وجِيرَتِي بِذِي الطَّبَسَيْنِ فالتَفَتُّ ورائِيًا
أيْ لَمّا دَعاهُ الهَوى، أيْ ذَكَّرَهُ أحْبابَهُ وهو غازٍ بِذِي الطَّبَسَيْنِ التَفَتَ وراءَهُ كالَّذِي يَدْعُوهُ داعٍ مِن خَلْفِهِ فَتَخَيَّلَ الهَوى داعِيًا وراءَهُ. وتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ﴿فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا﴾، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . ويَجُوزُ جَعْلُ الجُمْلَةِ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ خُوطِبُوا بِهِ حِينَئِذٍ بِأنْ سَمِعُوهُ بِخَلْقٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى أوْ مِن مَلائِكَةِ العَذابِ. وهَذا ما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، ويُبْعِدُهُ اسْتِبْعادُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ واقِعًا عِنْدَ كُلِّ عَذابٍ أُصِيبَتْ بِهِ كُلُّ قَرْيَةٍ، وأيًّا ما كانَ فالكَلامُ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
والإتْرافُ: إعْطاءُ التَّرَفِ، وهو النَّعِيمُ ورَفَهِ العَيْشِ، أيِ ارْجِعُوا إلى ما أُعْطِيتُمْ مِنَ الرَّفاهِيَةِ وإلى مَساكِنِكم.
صفحة ٢٧
وقَوْلُهُ تَعالى ”لَعَلَّكم تُسْألُونَ“ مِن جُمْلَةِ التَّهَكُّمِ. وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى ”تُسْألُونَ“ احْتِمالاتٍ سِتَّةٍ. أظْهَرُها: أنَّ المَعْنى: ارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ لِتَرَوْا ما آلَ إلَيْهِ، فَلَعَلَّكم يَسْألُكم سائِلٌ عَنْ حالِ ما أصابَكم فَتَعْلَمُوا كَيْفَ تُجِيبُونَ؛ لِأنَّ شَأْنَ المُسافِرِ أنْ يَسْألَهُ الَّذِينَ يَقْدُمُ إلَيْهِمْ عَنْ حالِ البِلادِ الَّتِي تَرَكَها مِن خِصْبٍ ورَخاءٍ أوْ ضِدِّ ذَلِكَ، وفي هَذا تَكْمِلَةٌ لِلتَّهَكُّمِ.
وجُمْلَةُ ”﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾“ إنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ”لا تَرْكُضُوا“ مُعْتَرِضَةً عَلى ما قَرَّرْتُهُ آنِفًا - تَكُونُ هَذِهِ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا عَنْ جُمْلَةِ ﴿إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ﴾ كَأنَّ سائِلًا سَألَ عَمّا يَقُولُونَهُ حِينَ يُسْرِعُونَ هارِبِينَ؛ لِأنَّ شَأْنَ الهارِبِ الفَزِعِ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ أقْوالٌ تَدُلُّ عَلى الفَزَعِ أوِ النَّدَمِ عَنِ الأسْبابِ الَّتِي أحَلَّتْ بِهِ المَخاوِفَ، فَيُجابُ بِأنَّهم أيْقَنُوا حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ أنَّهم كانُوا ظالِمِينَ، فَيُقِرُّونَ بِظُلْمِهِمْ ويُنْشِئُونَ التَّلَهُّفَ والتَّنَدُّمَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ . وإنْ جَعَلْتَ جُمْلَةَ ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ مَقُولَ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُفَسِّرُونَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ جَوابًا لِقَوْلِ مَن قالَ لَهم: ﴿لا تَرْكُضُوا﴾ عَلى وجْهِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ويَكُونُ فَصْلُ الجُمْلَةِ؛ لِأنَّها واقِعَةٌ في مَوْقِعِ المُحاوَرَةِ كَما بَيَّناهُ غَيْرَ مَرَّةٍ، أيْ قالُوا: قَدْ عَرَفْنا ذَنْبَنا وحُقَّ التَّهَكُّمُ بِنا. فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ. قالَ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] في سُورَةِ المُلْكِ.
الأنبياء 21:15
﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدَيْنِ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٤]، فاسْمُ ”تِلْكَ“ إشارَةٌ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا يا ويْلَنا﴾ [الأنبياء: ١٤]، وتَأْنِيثُهُ لِأنَّهُ
صفحة ٢٨
اكْتَسَبَ التَّأْنِيثَ مِنَ الإخْبارِ عَنْهُ بِدَعْواهم، أيْ ما زالُوا يُكَرِّرُونَ تِلْكَ الكَلِمَةَ يَدْعُونَ بِها عَلى أنْفُسِهِمْ.
وهَذا الوَجْهُ يُرَجِّحُ التَّفْسِيرَ الأوَّلَ لِمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣]؛ لِأنَّ شَأْنَ الأقْوالِ الَّتِي يَقُولُها الخائِفُ أنْ يُكَرِّرَها، إذْ يَغِيبُ رَأْيُهُ فَلا يَهْتَدِي لِلْإتْيانِ بِكَلامٍ آخَرَ، بِخِلافِ الكَلامِ المَسُوقِ جَوابًا فَإنَّهُ لا داعِيَ إلى إعادَتِهِ. والمَعْنى: فَما زالُوا يُكَرِّرُونَ مَقالَتَهم تِلْكَ حَتّى هَلَكُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
وسُمِّيَ ذَلِكَ القَوْلُ دَعْوى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ هو الدُّعاءُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالوَيْلِ، والدُّعاءُ يُسَمّى دَعْوى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿دَعْواهم فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] في سُورَةِ يُونُسَ. أيْ فَما زالَ يُكَرَّرُ دُعاؤُهم بِذَلِكَ فَلَمْ يَكُفُّوا عَنْهُ إلى أنْ صَيَّرْناهم كالحَصِيدِ، أيْ أهْلَكْناهم.
وحَرْفُ ”حَتّى“ مُؤْذِنٌ بِنِهايَةِ ما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ﴾ .
والحَصِيدُ: فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أيِ المَحْصُودُ. وهَذِهِ الصِّيغَةُ تُلازِمُ الإفْرادَ والتَّذْكِيرَ إذا جَرَتْ عَلى المَوْصُوفِ بِها كَما هُنا.
والحَصْدُ: جَزُّ الزَّرْعِ والنَّباتِ بِالمِنجَلِ لا بِاليَدِ. وقَدْ شاعَ إطْلاقُ الحَصِيدِ عَلى الزَّرْعِ المَحْصُودِ بِمَنزِلَةِ الِاسْمِ الجامِدِ.
والخامِدُ: اسْمُ فاعِلٍ مَن خَمَدَتِ النّارُ تَخْمُدُ - بِضَمِّ المِيمِ - إذا زالَ لَهِيبُها. شُبِّهُوا بِزَرْعٍ حُصِدَ، أيْ بَعْدَ أنْ كانَ قائِمًا عَلى سُوقِهِ خَضِرًا، فَهو يَتَضَمَّنُ تَشْبِيهَهَمْ قَبْلَ هَلاكِهِمْ بِزَرْعٍ في حُسْنِ المَنظَرِ والطَّلْعَةِ،
صفحة ٢٩
كَما شُبِّهَ بِالزَّرْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩] في سُورَةِ الفَتْحِ. ويُقالُ لِلنّاشِئِ: أنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، قالَ تَعالى: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ . فَلِلْإشارَةِ إلى الشَّبَهَيْنِ شَبَهِ البَهْجَةِ وشَبَهِ الهَلْكِ أُوثِرَ تَشْبِيهُهم حِينَ هَلاكِهِمْ بِالحَصِيدِ. وكَذَلِكَ شُبِّهُوا حِينَ هَلاكِهِمْ بِالنّارِ الخامِدَةِ، فَتَضَمَّنَ تَشْبِيهَهَمْ قَبْلَ ذَلِكَ بِالنّارِ المَشْبُوبَةِ في القُوَّةِ والبَأْسِ، كَما شُبِّهَ بِالنّارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] في سُورَةِ المائِدَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَحَصَلَ تَشْبِيهانِ بَلِيغانِ، ولَيْسا بِاسْتِعارَتَيْنِ مَكْنِيَّتَيْنِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ المُشَبَّهِ فِيهِما مانِعٌ مِن تَقَوُّمِ حَقِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ، خِلافًا لِلْعَلّامَتَيْنِ التَّفْتَزانِيِّ والجُرْجانِيِّ في شَرْحَيْهِما لِلْمِفْتاحِ مُتَمَسِّكِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ”جَعَلْناهم“، فَجَعَلا ذَلِكَ اسْتِعارَتَيْنِ مَكْنِيَّتَيْنِ، إذْ شُبِّهُوا بِزَرْعٍ حِينَ انْعِدامِهِ ونارٍ ذَهَبَتْ قُوَّتُها، وحُذِفَ المُشَبَّهُ بِهِما ورُمِزَ إلَيْهِما بِلازِمِ كُلٍّ مِنهُما وهو الحَصْدُ والخُمُودُ، فَكانَ ”حَصِيدًا“ وصْفًا في المَعْنى لِلضَّمِيرِ المَنصُوبِ في جَعَلْناهم، فالحَصِيدُ هُنا وصْفٌ لَيْسَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ الجامِدِ كالَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وحَبَّ الحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وبِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَعالى: ”﴿حَصِيدًا﴾“ مِن قَبِيلِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ إذْ لَمْ يُشَبَّهُوا بِحَصِيدِ زَرْعٍ بَلْ أُثْبِتَ لَهم أنَّهم مَحْصُودُونَ اسْتِعارَةً مَكْنِيَّةً مِثْلَ نَظِيرِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿خامِدِينَ﴾“ الَّذِي هو اسْتِعارَةٌ لا مَحالَةَ كَما هو مُقْتَضى مَجِيئِهِ بِصِيغَةِ الجَمْعِ المُذَكَّرِ، ومَبْنى الِاسْتِعارَةِ عَلى تَناسِي التَّشْبِيهِ. وهَذا تَكَلُّفٌ مِنهُما ولَمْ أدْرِ ماذا دَعاهُما إلى ارْتِكابِ هَذا التَّكَلُّفِ.
وانْتَصَبَ ﴿حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ عَلى أنَّ كِلَيْهِما مَفْعُولٌ ثانٍ مُكَرَّرٌ لِفِعْلِ الجَعْلِ كَما يُخْبَرُ عَنِ المُبْتَدَأِ بِخَبَرَيْنِ وأكْثَرَ، فَإنَّ مَفْعُولَيْ ”جَعَلَ“ أصْلُهُما المُبْتَدَأُ والخَبَرُ ولَيْسَ ثانِيهُما وصْفًا لِأوَّلِهِما كَما هو ظاهِرٌ.
الأنبياء 21:16
صفحة ٣٠
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾
كَثُرَ في القُرْآنِ الِاسْتِدْلالُ بِإتْقانِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَلى أنَّ لِلَّهِ حِكْمَةً في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ وخَلْقِ نُظُمِها وسُنَنِها وفِطَرِها، بِحَيْثُ تَكُونُ أحْوالُها وآثارُها وعَلاقَةُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مُتَناسِبَةً مُجارِيَةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] . وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ كَيْفِيَّةَ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِكُلِّ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ وأنْواعِها بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وكَثُرَ أنْ يُنَبِّهَ القُرْآنُ العُقُولَ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتِ النِّسْبَةَ بَيْنَ خَلْقِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وبَيْنَ جَزاءِ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ عَلى القانُونِ الَّذِي أقامَتْهُ الشَّرائِعُ لَهم في مُخْتَلَفِ أجْيالِهِمْ وعُصُورِهِمْ وبُلْدانِهِمْ إلى أنْ عَمَّتْهُمُ الشَّرِيعَةُ العامَّةُ الخاتِمَةُ شَرِيعَةُ الإسْلامِ - وإلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَكْوِينَ حَياةٍ أبَدِيَّةٍ تَلْقى فِيها النُّفُوسُ جَزاءَ ما قَدَّمَتْهُ في هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ جَزاءً وِفاقًا.
فَلِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعَقَّبَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ لِما في الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ بِالآياتِ الَّتِي تُذَكِّرُ الجَزاءَ والحِسابَ، والعَكْسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في آخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] آخِرِ الحِجْرِ، وقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٣١
﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] في سُورَةِ ”ص“، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] في سُورَةِ الدُّخانِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] في سُورَةِ الأحْقافِ إلى غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ.
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ عُقِّبَ بِها ذِكْرُ القَوْمِ المُهْلَكِينَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إيقاظُ العُقُولِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن دَقائِقِ المُناسَباتِ وإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما بِهِ قِوامَهُ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ اللَّهِ في خَلْقِ العَوالِمِ ظَرْفِها ومَظْرُوفِها، اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لا تَتَخَلَّفُ في تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها فِيما يَأْتِيهِ جِنْسُ المُكَلَّفِينَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا ما لاحَ لَهم تَخَلُّفُ سَبَبٍ عَنْ سَبَبِهِ أيْقَنُوا أنَّهُ تَخَلُّفٌ مُؤَقَّتٌ، فَإذا أعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ شَرائِعِهِ بِأنَّهُ ادَّخَرَ الجَزاءَ الكامِلَ عَلى الأعْمالِ إلى يَوْمٍ آخَرَ آمَنُوا بِهِ، وإذا عَلَّمَهم أنَّهم لا يُفارِقُونَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ بَلْ إنَّ لَهم حَياةً آخِرَةً وأنَّ اللَّهَ باعِثُهم بَعْدَ المَوْتِ - أيْقَنُوا بِها، وإذا أعْلَمَهم أنَّهُ رُبَّما عَجَّلَ لَهم بَعْضَ الجَزاءِ في الحَياةِ الدُّنْيا أيْقَنُوا بِهِ.
ولِذَلِكَ كَثُرَ تَعْقِيبُ ذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِذِكْرِ الجَزاءِ الآجِلِ والبَعْثِ وإهْلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ الظّالِمَةِ، أوْ تَعْقِيبُ ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ الآجِلِ والعاجِلِ بِذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.
صفحة ٣٢
وحَسْبُكَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِآياتٍ لِأُولى الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] الآياتُ خِتامُ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
ولِأجْلِ هَذا اطَّرَدَ - أوْ كادَ أنْ يَطَّرِدَ - ذِكْرُ لَفْظِ ”وما بَيْنَهُما“ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ ما بَيْنَهُما بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ أشْرَفَهُ نَوْعُ الإنْسانِ المَقْصُودِ بِالعِبْرَةِ والِاسْتِدْلالِ وهو مَناطُ التَّكْلِيفِ. فَلَيْسَ بِناءَ الكَلامِ عَلى أنْ يَكُونَ الخَلْقُ لَعِبًا مَنظُورًا فِيهِ إلى رَدِّ اعْتِقادِ مُعْتَقَدِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ عَلى النَّفْيِ أخْذًا لَهم بِلازِمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِحَيْثُ كانُوا كَقائِلِينَ بِكَوْنِ هَذا الصُّنْعِ لَعِبًا.
واللَّعِبُ: العَمَلُ أوِ القَوْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ فائِدَةٍ مِن مَصْلَحَةٍ أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، ولا تَحْصِيلُ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وإنَّما يُقْصَدُ بِهِ إرْضاءُ النَّفْسِ حِينَ تَمِيلُ إلى العَبَثِ كَما قِيلَ: لا بُدَّ لِلْعاقِلِ مِن حَمْقَةٍ يَعِيشُ بِها. ويُرادِفُهُ العَبَثُ واللَّهْوُ، وضِدُّهُ: الجِدُّ. واللَّعِبُ مِنَ الباطِلِ؛ إذْ لَيْسَ في عَمَلِهِ حِكْمَةٌ فَضِدُّهُ الحَقُّ أيْضًا.
وانْتَصَبَ ”لاعِبِينَ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“ وهي حالٌ لازِمَةٌ؛ إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى بِدُونِها. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، تَقْرِيرًا بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وتَعْلِيلًا لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لَعِبًا، أيْ عَبَثًا بِأنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ مِن شَأْنِنا، أوْ عَلى الفَرْضِ والتَّنازُلِ لَوْ أرَدْنا اللَّهْوَ
صفحة ٣٣
لَكانَ ما يَلْهُو بِهِ حاصِلًا في أشْرَفِ الأماكِنِ مِنَ السَّماواتِ، فَإنَّها أشَدُّ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى؛ إذْ جَعَلَ سُكّانَها عِبادًا لَهُ مُخْلِصِينَ؛ فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْها باسِمِ الظَّرْفِ المُخْتَصِّ وهو ”لَدُنْ“ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”مِن لَدُنّا“ أيْ غَيْرَ العَوالِمِ المُخْتَصَّةِ بِكم بَلْ لَكانَ في عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي هو أشَدُّ اخْتِصاصًا بِنا؛ إذْ هو عالَمُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. فالظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ مِن ”لَدُنْ“ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ. وإضافَةُ ”لَدُنْ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلالَةُ عَلى الرِّفْعَةِ والتَّفْضِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] في سُورَةِ القَصَصِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] في آلِ عِمْرانَ، أيْ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا كانَ اتِّخاذُهُ في عالَمِ شَهادَتِكم. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِاللُّزُومِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ شَأْنَ مَن يَتَّخِذُ شَيْئًا لِلتَّفَكُّهِ بِهِ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ ولا يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مُتَعارَفِ عُقُولِ المُخاطَبِينَ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ العَوالِمَ العُلْيا أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ إنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ شَرْطِيَّةً فارْتِباطُها بِالَّتِي قَبْلَها ارْتِباطُ الشَّرْطِ بِجَزائِهِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ جَوابُ ”لَوْ“ وهو جُمْلَةُ ”لاتَّخَذَناهُ“، فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلتَّلازُمِ، وإنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ حَرْفَ نَفْيٍ كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ الِامْتِناعِ المُسْتَفادِ مِن ”لَوْ“ أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ لَهَوًا.
الأنبياء 21:17
صفحة ٣٠
﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾
كَثُرَ في القُرْآنِ الِاسْتِدْلالُ بِإتْقانِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما عَلى أنَّ لِلَّهِ حِكْمَةً في خَلْقِ المَخْلُوقاتِ وخَلْقِ نُظُمِها وسُنَنِها وفِطَرِها، بِحَيْثُ تَكُونُ أحْوالُها وآثارُها وعَلاقَةُ بَعْضِها بِبَعْضٍ مُتَناسِبَةً مُجارِيَةً لِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ؛ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥] . وقَدْ بَيَّنّا هُنالِكَ كَيْفِيَّةَ مُلابَسَةِ الحَقِّ لِكُلِّ أصْنافِ المَخْلُوقاتِ وأنْواعِها بِما يُغْنِي عَنْ إعادَتِهِ هُنا. وكَثُرَ أنْ يُنَبِّهَ القُرْآنُ العُقُولَ إلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتِ النِّسْبَةَ بَيْنَ خَلْقِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ، وبَيْنَ جَزاءِ المُكَلَّفِينَ عَلى أعْمالِهِمْ عَلى القانُونِ الَّذِي أقامَتْهُ الشَّرائِعُ لَهم في مُخْتَلَفِ أجْيالِهِمْ وعُصُورِهِمْ وبُلْدانِهِمْ إلى أنْ عَمَّتْهُمُ الشَّرِيعَةُ العامَّةُ الخاتِمَةُ شَرِيعَةُ الإسْلامِ - وإلى الحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ تَكْوِينَ حَياةٍ أبَدِيَّةٍ تَلْقى فِيها النُّفُوسُ جَزاءَ ما قَدَّمَتْهُ في هَذِهِ الحَياةِ الزّائِلَةِ جَزاءً وِفاقًا.
فَلِذَلِكَ كَثُرَ أنْ تُعَقَّبَ الآياتُ المُبَيِّنَةُ لِما في الخَلْقِ مِنَ الحَقِّ بِالآياتِ الَّتِي تُذَكِّرُ الجَزاءَ والحِسابَ، والعَكْسُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] في آخِرِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] آخِرِ الحِجْرِ، وقَوْلِهِ تَعالى
صفحة ٣١
﴿إنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الحِسابِ﴾ [ص: ٢٦] ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧] ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ [ص: ٢٨] في سُورَةِ ”ص“، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أهم خَيْرٌ أمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ أهْلَكْناهم إنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [الدخان: ٣٧] ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان: ٣٩] ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ مِيقاتُهم أجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠] في سُورَةِ الدُّخانِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ٣] في سُورَةِ الأحْقافِ إلى غَيْرِ هَذِهِ الآياتِ.
فَكَذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ عُقِّبَ بِها ذِكْرُ القَوْمِ المُهْلَكِينَ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إيقاظُ العُقُولِ إلى الِاسْتِدْلالِ بِما في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن دَقائِقِ المُناسَباتِ وإعْطاءِ كُلِّ مَخْلُوقٍ ما بِهِ قِوامَهُ، فَإذا كانَتْ تِلْكَ سُنَّةَ اللَّهِ في خَلْقِ العَوالِمِ ظَرْفِها ومَظْرُوفِها، اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّ تِلْكَ السُّنَّةَ لا تَتَخَلَّفُ في تَرَتُّبِ المُسَبَّباتِ عَلى أسْبابِها فِيما يَأْتِيهِ جِنْسُ المُكَلَّفِينَ مِنَ الأعْمالِ، فَإذا ما لاحَ لَهم تَخَلُّفُ سَبَبٍ عَنْ سَبَبِهِ أيْقَنُوا أنَّهُ تَخَلُّفٌ مُؤَقَّتٌ، فَإذا أعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ شَرائِعِهِ بِأنَّهُ ادَّخَرَ الجَزاءَ الكامِلَ عَلى الأعْمالِ إلى يَوْمٍ آخَرَ آمَنُوا بِهِ، وإذا عَلَّمَهم أنَّهم لا يُفارِقُونَ ذَلِكَ بِالمَوْتِ بَلْ إنَّ لَهم حَياةً آخِرَةً وأنَّ اللَّهَ باعِثُهم بَعْدَ المَوْتِ - أيْقَنُوا بِها، وإذا أعْلَمَهم أنَّهُ رُبَّما عَجَّلَ لَهم بَعْضَ الجَزاءِ في الحَياةِ الدُّنْيا أيْقَنُوا بِهِ.
ولِذَلِكَ كَثُرَ تَعْقِيبُ ذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ بِذِكْرِ الجَزاءِ الآجِلِ والبَعْثِ وإهْلاكِ بَعْضِ الأُمَمِ الظّالِمَةِ، أوْ تَعْقِيبُ ذِكْرِ البَعْثِ والجَزاءِ الآجِلِ والعاجِلِ بِذِكْرِ نِظامِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ.
صفحة ٣٢
وحَسْبُكَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِالتَّفْرِيعِ بِالفاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِآياتٍ لِأُولى الألْبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] الآياتُ خِتامُ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
ولِأجْلِ هَذا اطَّرَدَ - أوْ كادَ أنْ يَطَّرِدَ - ذِكْرُ لَفْظِ ”وما بَيْنَهُما“ بَعْدَ ذِكْرِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ في مِثْلِ هَذا المَقامِ؛ لِأنَّ تَخْصِيصَ ما بَيْنَهُما بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى الِاهْتِمامِ بِهِ؛ لِأنَّ أشْرَفَهُ نَوْعُ الإنْسانِ المَقْصُودِ بِالعِبْرَةِ والِاسْتِدْلالِ وهو مَناطُ التَّكْلِيفِ. فَلَيْسَ بِناءَ الكَلامِ عَلى أنْ يَكُونَ الخَلْقُ لَعِبًا مَنظُورًا فِيهِ إلى رَدِّ اعْتِقادِ مُعْتَقَدِ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ بُنِيَ عَلى النَّفْيِ أخْذًا لَهم بِلازِمِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ دَقائِقِ حِكْمَةِ اللَّهِ بِحَيْثُ كانُوا كَقائِلِينَ بِكَوْنِ هَذا الصُّنْعِ لَعِبًا.
واللَّعِبُ: العَمَلُ أوِ القَوْلُ الَّذِي لا يُقْصَدُ بِهِ تَحْصِيلُ فائِدَةٍ مِن مَصْلَحَةٍ أوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ، ولا تَحْصِيلُ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وإنَّما يُقْصَدُ بِهِ إرْضاءُ النَّفْسِ حِينَ تَمِيلُ إلى العَبَثِ كَما قِيلَ: لا بُدَّ لِلْعاقِلِ مِن حَمْقَةٍ يَعِيشُ بِها. ويُرادِفُهُ العَبَثُ واللَّهْوُ، وضِدُّهُ: الجِدُّ. واللَّعِبُ مِنَ الباطِلِ؛ إذْ لَيْسَ في عَمَلِهِ حِكْمَةٌ فَضِدُّهُ الحَقُّ أيْضًا.
وانْتَصَبَ ”لاعِبِينَ“ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ ”خَلَقْنا“ وهي حالٌ لازِمَةٌ؛ إذْ لا يَسْتَقِيمُ المَعْنى بِدُونِها. وجُمْلَةُ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾، تَقْرِيرًا بِالِاسْتِدْلالِ عَلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، وتَعْلِيلًا لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لَعِبًا، أيْ عَبَثًا بِأنَّ اللَّعِبَ لَيْسَ مِن شَأْنِنا، أوْ عَلى الفَرْضِ والتَّنازُلِ لَوْ أرَدْنا اللَّهْوَ
صفحة ٣٣
لَكانَ ما يَلْهُو بِهِ حاصِلًا في أشْرَفِ الأماكِنِ مِنَ السَّماواتِ، فَإنَّها أشَدُّ اخْتِصاصًا بِاللَّهِ تَعالى؛ إذْ جَعَلَ سُكّانَها عِبادًا لَهُ مُخْلِصِينَ؛ فَلِذَلِكَ عُبِّرَ عَنْها باسِمِ الظَّرْفِ المُخْتَصِّ وهو ”لَدُنْ“ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ”مِن لَدُنّا“ أيْ غَيْرَ العَوالِمِ المُخْتَصَّةِ بِكم بَلْ لَكانَ في عالَمِ الغَيْبِ الَّذِي هو أشَدُّ اخْتِصاصًا بِنا؛ إذْ هو عالَمُ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ. فالظَّرْفِيَّةُ المُفادَةُ مِن ”لَدُنْ“ ظَرْفِيَّةٌ مَجازِيَّةٌ. وإضافَةُ ”لَدُنْ“ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ دَلالَةُ عَلى الرِّفْعَةِ والتَّفْضِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِزْقًا مِن لَدُنّا﴾ [القصص: ٥٧] في سُورَةِ القَصَصِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران: ٨] في آلِ عِمْرانَ، أيْ لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا كانَ اتِّخاذُهُ في عالَمِ شَهادَتِكم. وهَذا اسْتِدْلالٌ بِاللُّزُومِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ شَأْنَ مَن يَتَّخِذُ شَيْئًا لِلتَّفَكُّهِ بِهِ أنْ يَسْتَأْثِرَ بِهِ ولا يُبِيحَهُ لِغَيْرِهِ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى مُتَعارَفِ عُقُولِ المُخاطَبِينَ مِن ظَنِّهِمْ أنَّ العَوالِمَ العُلْيا أقْرَبُ إلى اللَّهِ تَعالى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾ إنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ شَرْطِيَّةً فارْتِباطُها بِالَّتِي قَبْلَها ارْتِباطُ الشَّرْطِ بِجَزائِهِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ جَوابُ ”لَوْ“ وهو جُمْلَةُ ”لاتَّخَذَناهُ“، فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلتَّلازُمِ، وإنْ جَعَلْتَ ”إنْ“ حَرْفَ نَفْيٍ كانَتِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً لِتَقْرِيرِ الِامْتِناعِ المُسْتَفادِ مِن ”لَوْ“ أيْ: ما كُنّا فاعِلِينَ لَهَوًا.
الأنبياء 21:18
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾
”بَلْ“ لِلْإضْرابِ عَنِ اتِّخاذِ اللَّهْوِ وعَنْ أنْ يَكُونَ الخَلْقُ لَعِبًا، إضْرابَ إبْطالٍ وارْتِقاءٍ، أيْ بَلْ نَحْنُ نَعْمِدُ إلى باطِلِكم فَنَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلَيْهِ كَراهِيَةً لِلْباطِلِ بَلْهَ أنْ نَعْمَلَ عَمَلًا هو باطِلٌ ولَعِبٌ.
صفحة ٣٤
والقَذْفُ حَقِيقَتُهُ: رَمْيُ جِسْمٍ عَلى جِسْمٍ. واسْتُعِيرَ هُنا لِإيرادِ ما يُزِيلُ ويُبْطِلُ الشَّيْءَ مِن دَلِيلٍ أوْ زَجْرٍ أوْ إعْدامٍ أوْ تَكْوِينِ ما يَغْلِبُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِثْلَ رَمْيِ الجِسْمِ المُبْطَلِ بِشَيْءٍ يَأْتِي عَلَيْهِ لِيُتْلِفَهُ أوْ يُشَتِّتَهُ، فاللَّهُ يُبْطِلُ الباطِلَ بِالحَقِّ بِأنْ يُبَيِّنَ لِلنّاسِ بُطْلانَ الباطِلِ عَلى لِسانِ رُسُلِهِ، وبِأنْ أوْجَدَ في عُقُولِهِمْ إدْراكًا لِلتَّمَيُّزِ بَيْنَ الصَّلاحِ والفَسادِ، وبِأنْ يُسَلِّطَ بَعْضَ عِبادِهِ عَلى المُبْطِلِينَ لِاسْتِئْصالِ المُبْطِلِينَ، وبِأنْ يَخْلُقَ مَخْلُوقاتٍ يُسَخِّرُها لِإبْطالِ الباطِلِ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ [الأنفال: ١٢] في سُورَةِ الأنْفالِ.
والدَّمْغُ: كَسْرُ الجِسْمِ الصَّلْبِ الأجْوَفِ، وهو هُنا تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ القَذْفِ لِإيرادِ ما يُبْطِلُ، وهو اسْتِعارَةٌ أيْضًا حَيْثُ اسْتُعِيرَ الدَّمْغُ لِمَحْقِ الباطِلِ وإزالَتِهِ كَما يُزِيلُ القَذْفُ الجِسْمَ المَقْذُوفَ، فالِاسْتِعارَتانِ مِنِ اسْتِعارَةِ المَحْسُوسَيْنِ لِلْمَعْقُولَيْنِ.
ودَلَّ حَرْفُ المُفاجَأةِ عَلى سُرْعَةِ مَحْقِ الحَقِّ الباطِلَ عِنْدَ وُرُودِهِ؛ لِأنَّ لِلْحَقِّ صَوْلَةً، فَهو سَرِيعُ المَفْعُولِ إذا ورَدَ ووَضُحَ، قالَ تَعالى: ﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا﴾ [الرعد: ١٧] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ﴾ [الرعد: ١٧] في سُورَةِ الرَّعْدِ.
والزّاهِقُ: المُنْفَلِتُ مِن مَوْضِعِهِ والهالِكُ، وفِعْلُهُ كَسَمِعَ وضَرَبَ، والمَصْدَرُ: الزُّهُوقُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾ [التوبة: ٥٥] في سُورَةِ بَراءَةَ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] في سُورَةِ الإسْراءِ.
وعِنْدَما انْتَهَتْ مُقارَعَتُهم بِالحُجَجِ السّاطِعَةِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ في الرَّسُولِ وفي القُرْآنِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] وما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِنَ المَواعِظِ والقَوارِعِ
صفحة ٣٥
والعِبَرِ - خُتِمَ الكَلامُ بِشَتْمِهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾، أيْ مِمّا تَصِفُونَ بِهِ مُحَمَّدًا ﷺ والقُرْآنُ.
والوَيْلُ: كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءٍ، وفِيها في القُرْآنِ تَوْجِيهٌ؛ لِأنَّ الوَيْلَ اسْمٌ لِلْعَذابِ.
الأنبياء 21:19
﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدِهِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] مُبَيِّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عِبادُ اللَّهِ تَعالى، مَخْلُوقُونَ لِقَبُولِ تَكْلِيفِهِ والقِيامِ بِما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، وهو تَخَلُّصٌ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بَعْدَ الإضافَةِ في إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحُجِّيَّةِ القُرْآنِ.
فاللّامُ في ”ولَهُ“ لِلْمِلْكِ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. و”﴿مَن في السَّماواتِ﴾“ مُبْتَدَأٌ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ.
و”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم، وغُلِّبَ اسْمُ المَوْصُولِ الغالِبُ في العُقَلاءِ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ ظاهِرٌ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
صفحة ٣٦
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ خَبَرًا. وماصَدَقُ ”مَن“ جَماعَةٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ هُمُ المُقَرَّبُونَ في العَوالِمِ المُفَضَّلَةِ وهُمُ المَلائِكَةُ؛وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنها التَّعْرِيضَ بِالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِحْسارُ: مَصْدَرٌ كالحُسُورِ، وهو التَّعَبُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كالِاسْتِكْبارِ والِاسْتِنْكارِ والِاسْتِيخارِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاسْتِحْسارُ الَّذِي هو التَّعَبُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُمُ العَظِيمُ، أيْ لا يَقَعُ مِنهم ما لَوْ قامَ بِعَمَلِهِمْ غَيْرُهم لاسْتَحْسَرَ ثِقَلَ ذَلِكَ العَمَلِ، فَعُبِّرَ بِالِاسْتِحْسارِ هُنا الَّذِي هو الحُسُورُ القَوِيُّ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْعَمَلِ الشَّدِيدِ، ونَفْيُهُ مِن قَبِيلِ نَفْيِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ في أمْثالِهِ. فَلا يُفْهَمُ مِن نَفْيِ الحُسُورِ القَوِيِّ أنَّهم قَدْ يَحْسُرُونَ حُسُورًا ضَعِيفًا. وهَذا المَعْنى قَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُ أهِلُ المَعانِي بِأنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَن لا يَتْعَبُ مِن عَمَلٍ لا يَتْرُكُهُ، فَهو يُواظِبُ عَلَيْهِ ولا يَعْيا مِنهُ.
واللَّيْلُ والنَّهارُ: ظَرْفانِ. والأصْلُ في الظَّرْفِ أنْ يَسْتَوْعِبَهُ الواقِعُ فِيهِ، أيْ يُسَبِّحُونَ في جَمِيعِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
وتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ بِأصْواتٍ مَخْلُوقَةٍ فِيهِمْ لا يُعَطِّلُها تَبْلِيغُ الوَحْيِ ولا غَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ.
والفُتُورُ: الِانْقِطاعُ عَنِ الفِعْلِ.
الأنبياء 21:20
﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدِهِ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ [الأنبياء: ١٧] مُبَيِّنَةٌ أنَّ كُلَّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ عِبادُ اللَّهِ تَعالى، مَخْلُوقُونَ لِقَبُولِ تَكْلِيفِهِ والقِيامِ بِما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، وهو تَخَلُّصٌ إلى إبْطالِ الشِّرْكِ بِالحُجَّةِ الدّامِغَةِ بَعْدَ الإضافَةِ في إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحُجِّيَّةِ القُرْآنِ.
فاللّامُ في ”ولَهُ“ لِلْمِلْكِ، والمَجْرُورُ بِاللّامِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. و”﴿مَن في السَّماواتِ﴾“ مُبْتَدَأٌ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلِاخْتِصاصِ، أيْ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ لا لِغَيْرِهِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ.
و”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ يَعُمُّ العُقَلاءَ وغَيْرَهم، وغُلِّبَ اسْمُ المَوْصُولِ الغالِبُ في العُقَلاءِ؛ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ الأوَّلُ. وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى ”﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾“ فَيَكُونَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. ووَجْهُ الِاهْتِمامِ ظاهِرٌ وتَكُونُ جُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ حالًا مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
صفحة ٣٦
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”مَن“ مُبْتَدَأً وجُمْلَةُ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ خَبَرًا. وماصَدَقُ ”مَن“ جَماعَةٌ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.
”﴿ومَن عِنْدَهُ﴾“ هُمُ المُقَرَّبُونَ في العَوالِمِ المُفَضَّلَةِ وهُمُ المَلائِكَةُ؛وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ”﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾“ يَكُونُ المَقْصُودُ مِنها التَّعْرِيضَ بِالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَةِ اللَّهِ ويَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهُمُ المُشْرِكُونَ.
والِاسْتِحْسارُ: مَصْدَرٌ كالحُسُورِ، وهو التَّعَبُ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ، كالِاسْتِكْبارِ والِاسْتِنْكارِ والِاسْتِيخارِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنهُمُ الِاسْتِحْسارُ الَّذِي هو التَّعَبُ الشَّدِيدُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ عَمَلُهُمُ العَظِيمُ، أيْ لا يَقَعُ مِنهم ما لَوْ قامَ بِعَمَلِهِمْ غَيْرُهم لاسْتَحْسَرَ ثِقَلَ ذَلِكَ العَمَلِ، فَعُبِّرَ بِالِاسْتِحْسارِ هُنا الَّذِي هو الحُسُورُ القَوِيُّ؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِلْعَمَلِ الشَّدِيدِ، ونَفْيُهُ مِن قَبِيلِ نَفْيِ المُقَيَّدِ بِقَيْدٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ في أمْثالِهِ. فَلا يُفْهَمُ مِن نَفْيِ الحُسُورِ القَوِيِّ أنَّهم قَدْ يَحْسُرُونَ حُسُورًا ضَعِيفًا. وهَذا المَعْنى قَدْ يُعَبِّرُ عَنْهُ أهِلُ المَعانِي بِأنَّ المُبالَغَةَ في النَّفْيِ لا في المَنفِيِّ.
وجُمْلَةُ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ولا يَسْتَحْسِرُونَ﴾؛ لِأنَّ مَن لا يَتْعَبُ مِن عَمَلٍ لا يَتْرُكُهُ، فَهو يُواظِبُ عَلَيْهِ ولا يَعْيا مِنهُ.
واللَّيْلُ والنَّهارُ: ظَرْفانِ. والأصْلُ في الظَّرْفِ أنْ يَسْتَوْعِبَهُ الواقِعُ فِيهِ، أيْ يُسَبِّحُونَ في جَمِيعِ اللَّيْلِ والنَّهارِ.
وتَسْبِيحُ المَلائِكَةِ بِأصْواتٍ مَخْلُوقَةٍ فِيهِمْ لا يُعَطِّلُها تَبْلِيغُ الوَحْيِ ولا غَيْرُهُ مِنَ الأقْوالِ.
والفُتُورُ: الِانْقِطاعُ عَنِ الفِعْلِ.
الأنبياء 21:21
صفحة ٣٧
﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ﴾
”أمْ“ هَذِهِ مُنْقَطِعَةٌ عاطِفَةٌ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ عَطْفَ إضْرابٍ انْتِقالِيٍّ هو انْتِقالٌ مِن إثْباتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ وحُجِّيَّةِ دَلالَةِ القُرْآنِ إلى إبْطالِ الإشْراكِ، انْتِقالًا مِن بَقِيَّةِ الغَرَضِ السّابِقِ الَّذِي تَهَيَّأ السّامِعُ لِلِانْتِقالِ مِنهُ بِمُقْتَضى التَّخَلُّصِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩] كَما تَقَدَّمَ، إلى التَّمَحُّضِ لِغَرَضِ إبْطالِ الإشْراكِ وإبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ. وهَذا الِانْتِقالُ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] وجُمْلَةِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ولَيْسَ إضْرابُ الِانْتِقالِ بِمُقْتَضٍ عَدَمَ الرُّجُوعِ إلى الغَرَضِ المُنْتَقَلِ إلَيْهِ، و”أمْ“ تُؤْذِنُ بِأنَّ الكَلامَ بَعْدَها مَسُوقٌ مَساقَ الِاسْتِفْهامِ وهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ، أنْكَرَ عَلَيْهِمُ اتِّخاذَهم آلِهَةً.
وضَمِيرُ ”اتَّخَذُوا“ عائِدٌ إلى المُشْرِكِينَ المُتَبادَرِينَ مِنَ المَقامِ في مِثْلِ هَذِهِ الضَّمائِرِ. ولَهُ نَظائِرُ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ. ويَجُوزُ جَعْلُهُ التِفاتًا عَنْ ضَمِيرِ ﴿ولَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَناسِقًا مَعَ ضَمائِرِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] وما بَعْدَهُ.
ووَصْفُ الآلِهَةِ بِأنَّها مِنَ الأرْضِ تَهَكُّمٌ بِالمُشْرِكِينَ، وإظْهارٌ لِأفَنِ رَأْيِهِمْ، أيْ جَعَلُوا لِأنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِن عالَمِ الأرْضِ أوْ مَأْخُوذَةً مِن أجْزاءِ الأرْضِ مِن حِجارَةٍ أوْ خَشَبٍ - تَعْرِيضًا بِأنَّ ما كانَ مِثْلَ ذَلِكَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ مَعْبُودًا، كَما قالَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”﴿أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]“ في الصّافّاتِ.
وذِكْرُ الأرْضِ هُنا مُقابَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ”ومَن عِنْدَهُ“؛ لِأنَّ المُرادَ أهْلُ السَّماءِ، وجُمْلَةُ ”﴿هم يُنْشِرُونَ﴾“ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ”آلِهَةً“،
صفحة ٣٨
واقْتِرانُها بِضَمِيرِ الفَصْلِ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أنْ لا يَنْشُرَ غَيْرَ تِلْكَ الآلِهَةِ.
والمُرادُ: إنْشارُ الأمْواتِ، أيْ بَعْثُهم. وهَذا مَسُوقٌ لِلتَّهَكُّمِ وإدْماجٌ لِإثْباتِ البَعْثِ بِطَرِيقَةِ سَوْقِ غَيْرِهِ المُسَمّى بِتَجاهُلِ المَعارِفِ، إذْ أبْرَزَ تَكْذِيبَهم بِالبَعْثِ الَّذِي أخْبَرَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ مُحَمَّدٍ ﷺ في صُورَةِ تَكْذِيبِهِمِ اسْتِطاعَةَ اللَّهِ ذَلِكَ وعَجْزَهُ عَنْهُ، أيْ أنَّ الأوْلى بِالقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ شُرَكاؤُهم، فَكانَ وُقُوعُ البَعْثِ أمْرٌ لا يَنْبَغِي النِّزاعُ فِيهِ، فَإنْ نازَعَ فِيهِ المُنازِعُونَ فَإنَّما يُنازِعُونَ في نِسْبَتِهِ إلى اللَّهِ، ويَرُومُونَ بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلى شُرَكائِهِمْ فَأُنْكِرَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ النِّسْبَةُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُفْعَمَةِ بِالنُّكَتِ، والمُشْرِكُونَ لَمْ يَدَّعُوا لِآلِهَتِهِمْ أنَّها تَبْعَثُ المَوْتى، ولا هم مُعْتَرِفُونَ بِوُقُوعِ البَعْثِ، ولَكِنْ نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ ذَلِكَ إبْداعًا في الإلْزامِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ النَّحْلِ في ذِكْرِ الآلِهَةِ ﴿أمْواتٌ غَيْرُ أحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] .
الأنبياء 21:22
﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾
جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِلْإنْكارِ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ [الأنبياء: ٢١]“ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، وضَمِيرُ المُثَنّى عائِدٌ إلى ”السَّماواتِ والأرْضِ“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿ولَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأنبياء: ١٩]“ أيْ لَوْ كانَ في السَّماواتِ والأرْضِ آلِهَةٌ أُخْرى ولَمْ يَكُنْ جَمِيعُ مَن فِيها مِلْكًا لِلَّهِ وعِبادًا لَهُ لَفَسَدَتِ السَّماواتُ والأرْضُ واخْتَلَّ نِظامَهُما الَّذِي خُلِقَتا بِهِ.
وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى بُطْلانِ عَقِيدَةِ المُشْرِكِينَ؛ إذْ زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ جَعَلَ آلِهَةً شُرَكاءَ لَهُ في تَدْبِيرِ الخَلْقِ، أيْ أنَّهُ بَعْدَ أنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ
صفحة ٣٩
أقامَ في الأرْضِ شُرَكاءَ لَهُ، ولِذَلِكَ كانُوا يَقُولُونَ في التَّلْبِيَةِ في الحَجِّ: لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، إلّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وما مَلَكَ، وذَلِكَ مِنَ الضَّلالِ المُضْطَرِبِ الَّذِي وضَعَهُ لَهم أئِمَّةُ الكُفْرِ بِجَهْلِهِمْ وتَرْوِيجِ ضَلالِهِمْ عَلى عُقُولِ الدَّهْماءِ.
وبِذَلِكَ يَتَبَيَّنُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِدْلالٌ عَلى اسْتِحالَةِ وُجُودِ آلِهَةٍ غَيْرَ اللَّهِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضَ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] في سُورَةِ الزُّمَرِ، وقالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩] في سُورَةِ الزُّخْرُفِ. فَهي مُسُوقَةٌ لِإثْباتِ الوَحْدانِيَّةِ لا لِإثْباتِ وُجُودِ الصّانِعِ؛ إذْ لا نِزاعَ فِيهِ عِنْدَ المُخاطَبِينَ، ولا لِإثْباتِ انْفِرادِهِ بِالخَلْقِ؛ إذْ لا نِزاعَ فِيهِ كَذَلِكَ، ولَكِنَّها مُنْتَظِمَةٌ عَلى ما يُناسِبُ اعْتِقادَهُمُ الباطِلَ لِكَشْفِ خَطَئِهِمْ وإعْلانِ باطِلِهِمْ.
والفَسادُ: هو اخْتِلالُ النِّظامِ وانْتِفاءُ النَّفْعِ مِنَ الأشْياءِ. فَفَسادُ السَّماءِ والأرْضِ هو أنْ تَصِيرا غَيْرَ صالِحَتَيْنِ ولا مُنْتَسِقَتَيِ النِّظامِ بِأنْ يُبْطَلَ الِانْتِفاعُ بِما فِيها. فَمِن صَلاحِ السَّماءِ نِظامُ كَواكِبِها، وانْضِباطُ مَواقِيتِ طُلُوعِها وغُرُوبِها، ونِظامُ النُّورِ والظُّلْمَةِ. ومِن صَلاحِ الأرْضِ مَهْدُها لِلسَّيْرِ، وإنْباتُها الشَّجَرَ والزَّرْعَ، واشْتِمالُها عَلى المَرْعى والحِجارَةِ والمَعادِنِ والأخْشابِ، وفَسادُ كُلٍّ مِن ذَلِكَ بِبُطْلانِ نِظامِهِ الصّالِحِ.
ووَجْهُ انْتِظامِ هَذا الِاسْتِدْلالِ أنَّهُ لَوْ تَعَدَّدَتِ الآلِهَةُ لَلَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ إلَهٍ مُتَّصِفًا بِصِفاتِ الأُلُوهِيَّةِ المَعْرُوفَةِ آثارُها، وهي الإرادَةُ المُطْلَقَةُ والقُدْرَةُ التّامَّةُ عَلى التَّصَرُّفِ، ثُمَّ إنَّ التَّعَدُّدَ يَقْتَضِي اخْتِلافَ مُتَعَلِّقاتِ الإراداتِ والقَدَرِ؛ لِأنَّ الآلِهَةَ لَوِ اسْتَوَتْ في تَعَلُّقاتِ إرادَتِها ذَلِكَ لَكانَ تَعَدُّدُ الآلِهَةِ عَبَثًا؛ لِلِاسْتِغْناءِ بِواحِدٍ مِنهم، ولِأنَّهُ إذا حَصَلَ
صفحة ٤٠
كائِنٌ فَإنْ كانَ حُدُوثُهُ بِإرادَةِ مُتَعَدِّدِينَ لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ عَلى مُؤَثِّرٍ واحِدٍ، وهو مُحالٌ؛ لِاسْتِحالَةِ اجْتِماعِ عِلَّتَيْنِ تامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ، فَلا جَرَمَ أنَّ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ مُتَعَلِّقاتِ تَصَرُّفاتِها اخْتِلافًا بِالأنْواعِ، أوْ بِالأحْوالِ، أوْ بِالبِقاعِ، فالإلَهُ الَّذِي لا تَنْفُذُ إرادَتُهُ في بَعْضِ المَوْجُوداتِ لَيْسَ بِإلَهٍ بِالنِّسْبَةِ إلى تِلْكَ المَوْجُوداتِ الَّتِي أوْجَدَها غَيْرُهُ، ولا جَرَمَ أنْ تَخْتَلِفَ مُتَعَلِّقاتُ إراداتِ الآلِهَةِ بِاخْتِلافِ مَصالِحِ رَعاياهم أوْ مَواطِنِهِمْ أوْ أحْوالُ تَصَرُّفاتِهِمْ، فَكَلٌّ يَغارُ عَلى ما في سُلْطانِهِ، فَثَبَتَ أنَّ التَّعَدُّدَ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلافَ الإراداتِ وحُدُوثَ الخِلافِ.
ولَمّا كانَ التَّماثُلُ في حَقِيقَةِ الإلَهِيَّةِ يَقْتَضِي التَّساوِيَ في قُوَّةِ قُدْرَةِ كُلِّ إلَهٍ مِنهم، وكانَ مُقْتَضِيًا تَمامَ المَقْدِرَةِ عِنْدَ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالقَهْرِ لِلضِّدِّ بِأنْ لا يَصُدَّهُ شَيْءٌ عَنِ اسْتِئْصالِ ضِدِّهِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِغَزْوِ ضِدِّهِ وإفْسادِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ - تَعَيَّنَ أنَّهُ كُلَّما تَوَجَّهَ واحِدٌ مِنهم إلى غَزْوِ ضِدِّهِ أنْ يُهْلِكَ كُلَّ ما هو تَحْتَ سُلْطانِهِ، فَلا يَزالُ يَفْسُدُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ عِنْدَ كُلِّ خِلافٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] في سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ .
فَلا جَرَمَ أنْ دَلَّتْ مُشاهَدَةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى انْتِظامِها في مُتَعَدِّدِ العُصُورِ والأحْوالِ عَلى أنَّ إلَهَها واحِدٌ غَيْرُ مُتَعَدِّدٍ.
فَأمّا لَوْ فُرِضَ التَّفاوُتُ في حَقِيقَتِهِ الإلَهِيَّةِ فَإنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي رُجْحانَ بَعْضِ الآلِهَةِ عَلى بَعْضٍ، وهو أدْخَلُ في اقْتِضاءِ الفَسادِ؛ إذْ تَصِيرُ الغَلَبَةُ لِلْأقْوى مِنهم، فَيَجْعَلُ الكُلَّ تَحْتَ كَلاكِلِهِ ويُفْسِدُ عَلى كُلِّ ضَعِيفٍ مِنهم ما هو في حَوْزَتِهِ، فَيَكُونُ الفَسادُ أسْرَعَ.
صفحة ٤١
وهَذا الِاسْتِدْلالُ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِإبْطالِ تَعَدُّدٍ خاصٍّ، وهو التَّعَدُّدُ الَّذِي اعْتَقَدَهُ أهْلُ الشِّرْكِ مِنَ العَرَبِ واليُونانِ الزّاعِمِينَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ بِتَعَدُّدِ القَبائِلِ والتَّصَرُّفاتِ، وكَذا ما اعْتَقَدَهُ المانَوِيَّةُ مِنَ الفُرْسِ المُثْبِتِينَ إلَهَيْنِ أحَدِهِما لِلْخَيْرِ والآخِرِ لِلشَّرِّ، أوْ أحَدِهِما لِلنُّورِ والآخِرِ لِلظُّلْمَةِ - هو دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.
وأمّا بِاعْتِبارِ ما نَحاهُ المُتَكَلِّمُونَ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى إبْطالِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ مِن أصْلِهِ بِالنِّسْبَةِ لِإيجادِ العالَمِ وسَمُّوهُ بُرْهانَ التَّمانُعِ، فَهو دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ كَما قالَ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ. وقالَ في المَقاصِدِ: وفي بَعْضِها ضَعْفٌ لا يَخْفى.
وبَيانُهُ أنَّ الِاتِّفاقَ عَلى إيجادِ العالَمِ يُمْكِنُ صُدُورُهُ مِنَ الحَكِيمَيْنِ أوِ الحُكَماءِ، فَلا يَتِمُّ الِاسْتِدْلالُ إلّا بِقِياسِ الآلِهَةِ عَلى المُلُوكِ في العُرْفِ، وهو قِياسٌ إقْناعِيٌّ.
ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ بُرْهانَ التَّمانُعِ أنَّ جانِبَ الدَّلالَةِ فِيهِ عَلى اسْتِحالَةِ تَعَدُّدِ الإلَهِ هو فَرْضُ أنْ يَتَمانَعَ الآلِهَةُ، أيْ يَمْنَعُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن تَنْفِيذِ مُرادِهِ، والخَوْضُ فِيهِ مَقامُنا غَنِيٌّ عَنْهُ.
والمَنظُورُ إلَيْهِ في الِاسْتِدْلالِ هُنا هو لُزُومُ فَسادِ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلى شَيْءٍ آخَرَ مِن مُقَدِّماتٍ خارِجَةٍ عَنْ لَفْظِ الآيَةِ حَتّى يَصِيرَ الدَّلِيلُ بِها دَلِيلًا قَطْعِيًّا؛ لِأنَّ ذَلِكَ لَهُ أدِلَّةٌ أُخْرى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] . وسَيَجِيءُ في سُورَةِ المُؤْمِنُونَ.
وأمّا الِاسْتِدْلالُ بِبُرْهانِ التَّمانُعِ فَلِلْمُتَكَلِّمِينَ في تَقْرِيرِهِ طَرِيقَتانِ ذَكَرَهُما صاحِبُ ”المَواقِفِ“ .
الأُولى: طَرِيقَةُ الِاسْتِدْلالِ بِلُزُومِ التَّمانُعِ بِالفِعْلِ وهي الطَّرِيقَةُ المَشْهُورَةُ، وتَقْرِيرُها: أنَّهُ لَوْ كانَ لِلْعالَمِ صانِعانِ مُتَماثِلانِ في القُدْرَةِ،
صفحة ٤٢
فَلا يَخْلُو إمّا أنْ تَتَّفِقَ إرادَتاهُما وحِينَئِذٍ فالفِعْلانِ إنْ كانَ بِإرادَتَيْهِما لَزِمَ اجْتِماعُ مُؤَثِّرَيْنِ تامَّيْنِ عَلى مُؤَثَّرٍ - بِفَتْحِ المُثَلَّثَةِ - واحِدٍ، وهو مُحالٌ لِامْتِناعِ اجْتِماعِ العِلَّتَيْنِ التّامَّتَيْنِ عَلى مَعْلُولٍ واحِدٍ. وإنْ كانَ الفِعْلُ بِإحْدى الإرادَتَيْنِ دُونَ الأُخْرى لَزِمَ تَرْجِيحُ إحْداهُما بِلا مُرَجِّحٍ؛ لِاسْتِوائِهِما في الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِها، وإمّا أنْ تَخْتَلِفَ إرادَتاهُما فَيَلْزَمُ التَّمانُعُ، ومَعْناهُ أنْ يَمْنَعَ كُلٌّ مِنهُما الآخَرَ مِنَ الفِعْلِ؛ لِأنَّ الفَرْضَ أنَّهُما مُسْتَوِيانِ في القُدْرَةِ.
ويَرُدُّ عَلى الِاسْتِدْلالِ بِهاتِهِ الطَّرِيقَةِ أُمُورٌ: أحَدُها أنَّهُ لا يَلْزَمُ تَساوِي الإلَهَيْنِ في القُدْرَةِ، بَلْ يَجُوزُ عَقْلًا أنْ يَكُونَ أحَدُهُما أقْوى قُدْرَةً مِنَ الآخَرِ، وأُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ العَجْزَ مُطْلَقًا مُنافٍ لِلْأُلُوهِيَّةِ بَداهَةً، قالَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في ”حاشِيَةِ البَيْضاوِيِّ“ .
الأمْرُ الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ الإلَهانِ عَلى أنْ لا يُرِيدَ أحَدُهُما إلّا الأمْرَ الَّذِي لَمْ يُرِدْهُ الآخَرُ، فَلا يَلْزَمُ عَجْزُ مَن لَمْ يَفْعَلْ.
الأمْرُ الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يَتَّفِقَ الإلَهانِ عَلى إيجادِ الأمْرِ المُرادِ بِالِاشْتِراكِ لا بِالِاسْتِقْلالِ.
الأمْرُ الرّابِعُ: يَجُوزُ تَفْوِيضُ أحَدِهِما لِلْآخَرِ أنْ يَفْعَلَ، فَلا يَلْزَمُ عَجْزُ المُفَوِّضِ؛ لِأنَّ عَدَمَ إيجادِ المَقْدُورِ لِمانِعٍ أرادَهُ القادِرُ لا يُسَمّى عَجْزًا، لا سِيَّما وقَدْ حَصَلَ مُرادُهُ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ بِنَفْسِهِ.
والجَوابُ عَنْ هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ أنَّ في جَمِيعِها نَقْصًا في الأُلُوهِيَّةِ؛ لِأنَّ الأُلُوهِيَّةَ مِن شَأْنِها الكَمالُ في كُلِّ حالٍ.
إلّا أنَّ هَذا الجَوابَ لا يَخْرِجُ البُرْهانَ عَنْ حَدِّ الإقْناعِ.
الطَّرِيقَةُ الثّانِيَةُ: عَوَّلَ عَلَيْها التَّفْتَزانِيُّ في شَرْحِ العَقائِدِ النَّسَفِيَّةِ وهي أنَّ تَعَدُّدَ الإلَهَيْنِ يَسْتَلْزِمُ إمْكانَ حُصُولِ التَّمانُعِ بَيْنَهُما، أيْ أنْ يَمْنَعَ أحَدُهُما
صفحة ٤٣
ما يُرِيدُهُ الآخَرُ؛ لِأنَّ المُتَعَدِّدِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاخْتِلافُ في الإرادَةِ، وإذا كانَ هَذا الإمْكانُ لازِمًا لِلتَّعَدُّدِ فَإنْ حَصَلَ التَّمانُعُ بَيْنَهُما إذا تَعَلَّقَتْ إرادَةُ أحَدِهِما بِوُجُودِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ وتَعَلَّقَتْ إرادَةُ الآخَرِ بِعَدَمِ وُجُودِهِ، فَلا يَصِحُّ أنْ يَحْصُلَ المُرادانِ مَعًا؛ لِلُزُومِ اجْتِماعِ النَّقِيضَيْنِ، وإنْ حَصَلَ أحَدُ المُرادَيْنِ لَزِمَ عَجْزُ صاحِبِ المُرادِ الَّذِي لَمْ يَحْصُلُ، والعَجْزُ يَسْتَلْزِمُ الحُدُوثَ وهو مُحالٌ، فاجْتِماعُ النَّقِيضَيْنِ أوْ حُدُوثُ الإلَهِ لازِمٌ لِلتَّعَدُّدِ وهو مُحالٌ، ولازِمُ اللّازِمِ لازِمٌ، فَيَكُونُ المَلْزُومُ الأوَّلُ مُحالًا، قالَ التَّفْتَزانِيُّ: وبِهِ تَنْدَفِعُ الإيراداتُ الوارِدَةُ عَلى بُرْهانِ التَّمانُعِ.
وأقُولُ يَرُدُّ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أنَّ إمْكانَ التَّمانُعِ لا يُوجِبُ نُهُوضَ الدَّلِيلِ؛ لِأنَّ هَذا الإمْكانَ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ بِاسْتِحالَةِ حُدُوثِ الِاخْتِلافِ بَيْنَ الإلَهَيْنِ بِناءً عَلى أنَّ اخْتِلافَ الإرادَةِ إنَّما يَجِيءُ مِن تَفاوُتِ العِلْمِ في الِانْكِشافِ بِهِ، ولِذَلِكَ يَقِلُّ الِاخْتِلافُ بَيْنَ الحُكَماءِ. والإلَهانِ نَفْرِضُهُما مُسْتَوِيَيْنِ في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَعِلْمُهُما وحِكْمَتُهُما يَقْتَضِيانِ انْكِشافًا مُتَماثِلًا، فَلا يُرِيدُ أحَدُهُما إلّا ما يُرِيدُهُ الآخَرُ فَلا يَقَعُ بَيْنَهُما تَمانُعٌ. ولِذَلِكَ اسْتُدِلَّ في المَقاصِدِ عَلى لُزُومِ حُصُولِ الِاخْتِلافِ بَيْنَهُما بِحُكْمِ اللُّزُومِ العادِيِّ.
بَقِيَ النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنْهُما، فَذَلِكَ انْتِقالٌ إلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ الطَّرِيقَةُ الأُولى.
وإنَّ احْتِمالَ اتِّفاقِ الإلَهَيْنِ عَلى إرادَةِ الأشْياءِ إذا كانَتِ المَصْلَحَةُ فِيها بِناءً عَلى أنَّ الإلَهَيْنِ حَكِيمانِ لا تَخْتَلِفُ إرادَتُهُما، وإنْ كانَ احْتِمالًا صَحِيحًا لَكِنْ يَصِيرُ بِهِ تَعَدُّدُ الإلَهِ عَبَثًا؛ لِأنَّ تَعَدُّدَ وُلاةِ الأُمُورِ ما كانَ إلّا لِطَلَبِ ظُهُورِ الصَّوابِ عِنْدَ اخْتِلافِهِما، فَإذا كانا لا يَخْتَلِفانِ فَلا فائِدَةَ في التَّعَدُّدِ، ومِنَ المُحالِ بِناءَ صِفَةِ أعْلى المَوْجُوداتِ عَلى ما لا أثَرَ لَهُ في نَفْسِ الأمْرِ، فالآيَةُ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ.
صفحة ٤٤
ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ في ”شَرْحِ النَّسَفِيَّةِ“، فَحَقَّقَ أنَّها دَلِيلٌ إقْناعِيٌّ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ، وقالَ المُحَقَّقُ الخَيالِيُّ إلى أنَّها لا تَكُونُ دَلِيلًا قَطْعِيًّا إلّا بِالنَّظَرِ إلى تَحْقِيقِ مَعْنى الظَّرْفِيَّةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”فِيهِما“، وعَيَّنَ أنْ تَكُونَ الظَّرْفِيَّةُ ظَرْفِيَّةَ التَّأْثِيرِ، أيْ لَوْ كانَ مُؤَثِّرًا فِيهِما - أيِ السَّماواتِ والأرْضِ - غَيْرُ اللَّهِ تَكُونُ الآيَةُ حُجَّةً قَطْعِيَّةً. وقَدْ بَسَطَهُ عَبْدُ الحَكِيمِ في حاشِيَتِهِ عَلى الخَيالِيِّ، ولا حاجَةَ بِنا إلى إثْباتِ كَلامِهِ هُنا.
والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”إلّا اللَّهُ“ اسْتِثْناءٌ مِن أحَدِ طَرَفَيِ القَضِيَّةِ، لا مِنَ النِّسْبَةِ الحُكْمِيَّةِ، أيْ هو اسْتِثْناءٌ مِنَ المَحْكُومِ عَلَيْهِ لا مِنَ الحُكْمِ، وذَلِكَ مِن مَواقِعِ الِاسْتِثْناءِ؛ لِأنَّ أصْلَ الِاسْتِثْناءِ هو الإخْراجُ مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ، فالغالِبُ أنْ يَكُونَ الإخْراجُ مِنَ المُسْتَثْنى بِاعْتِبارِ تَسَلُّطِ الحُكْمِ عَلَيْهِ قَبْلَ الِاسْتِثْناءِ، وذَلِكَ في المُفَرَّغِ وفي المَنصُوبِ، وقَدْ يَكُونُ بِاعْتِبارِهِ قَبْلَ تَسَلُّطِ الحُكْمِ عَلَيْهِ، وذَلِكَ في غَيْرِ المَنصُوبِ ولا المُفَرَّغِ، فَيُقالُ حِينَئِذٍ: إنَّ ”إلّا“ بِمَعْنى غَيْرٍ، والمُسْتَثْنى يُعْرَبُ بَدَلًا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهُ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ إنْشاءُ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنِ المَقالَةِ الَّتِي أبْطَلَها الدَّلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ أيْ عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِن وُجُودِ الشَّرِيكِ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.
ووَصْفُهُ هُنا بِرَبِّ العَرْشِ لِلتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ انْفَرَدَ بِخَلْقِ السَّماواتِ، وهو شَيْءٌ لا يُنازِعُونَ فِيهِ، بَلْ هو خالِقُ أعْظَمِ السَّماواتِ وحاوِيَها - وهو العَرْشُ - تَعْرِيضًا بِهِمْ بِإلْزامِهِمْ لازِمَ قَوْلِهِمْ بِانْفِرادِهِ بِالخَلْقِ أنْ يَلْزَمَ انْتِفاءَ الشُّرَكاءِ لَهُ فِيما دُونَ ذَلِكَ.
الأنبياء 21:23
صفحة ٤٥
﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يَسْألُونَ﴾
الأظْهَرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ حالٌ مُكَمِّلَةٌ لِمَدْلُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١] إلَخْ. فالمَعْنى أنَّ مَن عِنْدَهُ - وهُمُ المُقَرَّبُونَ مِنَ المَخْلُوقاتِ - هم مَعَ قُرْبِهِمْ يُسْألُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ ولا يَسْألُونَهُ عَمّا يَفْعَلُ، أيْ لَمْ يَبْلُغْ بِهِمْ قُرْبُهم إلى حَدِّ الإدْلالِ عَلَيْهِ وانَتِصابِهِمْ لِتَعَقُّبِ أفْعالِهِ. فَلَمّا كانَ الضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِالنِّيابَةِ عَنِ الفاعِلِ مُشْعِرًا بِفاعِلٍ حُذِفَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ، أيْ لا يَسْألُ سائِلٌ اللَّهَ تَعالى عَمّا يَفْعَلُ، وكانَ مِمَّنْ يَشْمَلُهُمُ الفاعِلُ المَحْذُوفُ هم مَن عِنْدَهُ مِنَ المُقَرَّبِينَ - صَحَّ كَوْنُ هَذِهِ الجُمْلَةِ حالًا مِن ”مَن عِنْدَهُ“، عَلى أنَّ جُمْلَةَ ”﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾“ تَمْهِيدٌ لِجُمْلَةِ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ . عَلى أنَّ تَقْدِيمَهُ عَلى جُمْلَةِ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ اقْتَضَتْهُ مُناسَبَةُ الحَدِيثِ عَنْ تَنْزِيهِهِ تَعالى عَنِ الشُّرَكاءِ، فَكانَ انْتِقالًا بَدِيعًا بِالرُّجُوعِ إلى بَقِيَّةِ أحْوالِ المُقَرَّبِينَ. فالمَقْصُودُ أنَّ مَن عِنْدَهُ مَعَ قُرْبِهِمْ ورِفْعَةِ شَأْنِهِمْ يُحاسِبُهُمُ اللَّهُ عَلى أعْمالِهِمْ، فَهم يَخافُونَ التَّقْصِيرَ فِيما كُلِّفُوا بِهِ مِنَ الأعْمالِ؛ ولِذَلِكَ كانُوا لا يَسْتَحْسِرُونَ ولا يَفْتُرُونَ. وبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ضَمِيرَ ”﴿وهم يُسْألُونَ﴾“ لَيْسَ بِراجِعٍ إلى ما رَجَعَ إلَيْهِ ضَمِيرُ ”يَصِفُونَ“؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا جَدْوى لِلْإخْبارِ بِأنَّهم يَسْألُونَ؛ إذْ لا يَتَرَدَّدُ في العِلْمِ بِذَلِكَ أحَدٌ، ولا بِراجِعٍ إلى ”﴿آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]“؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ سُؤالِهِمْ، وذَلِكَ هو ما دَعانا إلى اعْتِبارِ جُمْلَةِ ”﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾“ حالًا مِن ”مَن عِنْدَهُ“ .
صفحة ٤٦
والسُّؤالُ هُنا بِمَعْنى المُحاسَبَةِ، وطَلَبِ بَيانِ سَبَبِ الفِعْلِ، وإبْداءِ المَعْذِرَةِ عَنْ فِعْلِ بَعْضِ ما يُفْعَلُ، وتَخَلُّصٍ مِن مَلامٍ أوْ عِتابٍ عَلى ما يُفْعَلُ. وهو مِثْلُ السُّؤالِ في الحَدِيثِ «كُلُّكم راعٍ وكُلُّكم مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» . فَكَوْنُهم يُسْألُونَ كِنايَةً عَنِ العُبُودِيَّةِ؛ لِأنَّ العَبْدَ بِمَظِنَّةِ المُؤاخَذَةِ عَلى ما يُفْعَلُ وما لا يُفْعَلُ وبِمَظِنَّةٍ لِلْخَطَأِ في بَعْضِ ما يُفْعَلُ.
ولَيْسَ المَقْصُودُ هُنا نَفْيَ سُؤالِ الِاسْتِشارَةِ أوْ تَطَلُّبِ العِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في البَقَرَةِ، ولا سُؤالَ الدُّعاءِ، ولا سُؤالَ الِاسْتِفادَةِ والِاسْتِنْباطِ مِثْلَ أسْئِلَةِ المُتَفَقِّهِينَ أوِ المُتَكَلِّمِينَ عَنِ الحِكَمِ المَبْثُوثَةِ في الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ أوْ في النُّظُمِ الكَوْنِيَّةِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ اسْتِنْباطٌ وتَتَبُّعٌ ولَيْسَ مُباشَرَةً بِسُؤالِ اللَّهِ تَعالى، ولا لِتَطُلُّبِ مُخَلِّصٍ مِن مَلامٍ. وفي هَذا إبْطالٌ لِإلَهِيَّةِ المُقَرَّبِينَ الَّتِي زَعَمَها المُشْرِكُونَ الَّذِينَ عَبَدُوا المَلائِكَةَ وزَعَمُوهم بَناتِ اللَّهِ تَعالى - بِطَرِيقَةِ انْتِفاءِ خاصِّيَّةِ الإلَهِ الحَقِّ عَنْهم؛ إذْ هم يُسْألُونَ عَمّا يَفْعَلُونَ، وشَأْنُ الإلَهِ أنْ لا يُسْألَ. وتُسْتَخْرَجُ مِن جُمْلَةِ ﴿لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ﴾ كِنايَةٌ عَنْ جَرَيانِ أفْعالِ اللَّهِ تَعالى عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ بِحَيْثُ إنَّها لا مَجالَ فِيها لِانْتِقادِ مُنْتَقِدٍ إذا أتْقَنَ النّاظِرُ التَّدَبُّرَ فِيها أوْ كُشِفَ لَهُ عَمّا خَفِيَ مِنها.
الأنبياء 21:24
﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بِرِهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي وذِكْرُ مِن قَبْلِي بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾
جُمْلَةُ ﴿أمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ تَأْكِيدٌ لِجُمْلَةِ ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ﴾ [الأنبياء: ٢١]، أُكِّدَ ذَلِكَ الإضْرابُ الِانْتِقالِيُّ بِمِثْلِهِ اسْتِعْظامًا
صفحة ٤٧
لِفَظاعَتِهِ ولِيُبْنى عَلَيْهِ اسْتِدْلالٌ آخَرُ كَما بُنِيَ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ؛ فَإنَّ الأوَّلَ بُنِيَ عَلَيْهِ دَلِيلُ اسْتِحالَةٍ مِن طَرِيقِ العَقْلِ، وهَذا بُنِيَ عَلَيْهِ دَلِيلُ بُطْلانٍ بِشَهادَةِ الشَّرائِعِ سابِقِها ولاحِقِها، فَلَقَّنَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَقُولَ: هاتُوا بُرْهانَكم أيْ، هاتُوا دَلِيلًا عَلى أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ مِن شَواهِدِ الشَّرائِعِ والرُّسُلِ.
والبُرْهانُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] في سُورَةِ النِّساءِ.
والإشارَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي﴾ إلى مُقَدَّرٍ في الذِّهْنِ يُفَسِّرُهُ الخَبَرُ، والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ تَمْيِيزُهُ وإعْلانُهُ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ المُخاطَبُ المُغالَطَةَ فِيهِ ولا في مَضْمُونِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا خَلْقُ اللَّهِ فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] في سُورَةِ ”لُقْمانَ“، أيْ أنَّ كُتُبَ الذِّكْرِ - أيِ الكُتُبِ الدِّينِيَّةِ - في مُتَناوَلِ النّاسِ، فانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ في أحَدٍ مِنها أنَّ لِلَّهِ شُرَكاءَ، وأنَّ اللَّهَ أذِنَ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً. وإضافَةُ ”ذِكْرُ“ إلى ”مَن مَعِيَ“ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، وهُمُ المُذَكَّرُونَ، بِفَتْحِ الكافِ.
والمَعِيَّةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿مَن مَعِي﴾“ مَعِيَّةُ المُتابَعَةِ، أيْ مَن مَعِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَماصَدَقُ ”مَن“ المَوْصُولَةِ الأُمَمُ، أيْ هَذا ذِكْرُ الأُمَّةِ الَّتِي هي مَعِي، أيِ الذِّكْرُ المُنَزَّلُ لِأجْلِكم. فالإضافَةُ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] . والمُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي﴾ القُرْآنُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ فَمَعْناهُ ذِكْرُ الأُمَمِ الَّذِينَ هم قَبْلِيَ يَشْمَلُ جَمِيعَ الكُتُبِ السّالِفَةِ المَعْرُوفَةِ: التَّوْراةُ والزَّبُورُ والإنْجِيلُ وكِتابُ لُقْمانَ. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] في آلِ عِمْرانَ.
صفحة ٤٨
وأُضْرِبَ عَنِ الِاسْتِدْلالِ بِأنَّهُ اسْتِدْلالٌ مُضَيَّعٌ فِيهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ فَهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ لا تَرْجُ مِنهُمُ اعْتِرافًا بِبُطْلانِ شِرْكِهِمْ مِن دَلِيلِ العَقْلِ المُتَقَدِّمِ ولا مِن دَلِيلِ شَهادَةِ الشَّرائِعِ المَذْكُورِ ثانِيًا، فَإنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ ولا يَكْتَسِبُونَ عِلْمَهُ.
والمُرادُ بِكَوْنِهِمْ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ أنَّهم لا يَتَطَلَّبُونَ عِلْمَهُ كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ قَرِينَةُ التَّفْرِيعِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم مُعْرِضُونَ﴾ ”، أيْ مُعْرِضُونَ عَنِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ الَّتِي تَدْعُوهم أنْتَ إلى مَعْرِفَتِها والنَّظَرِ فِيها.
وإنَّما أُسْنِدَ هَذا الحُكْمُ إلى أكْثَرِهِمْ لا لِجَمِيعِهِمْ؛ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأنَّ قَلِيلًا مِنهم يَعْلَمُونَ الحَقَّ ويَجْحَدُونَهُ، أوْ إيماءً إلى أنَّ قَلِيلًا مِنهم تَهَيَّأتْ نُفُوسُهم لِقَبُولِ الحَقِّ. وتِلْكَ هي الحالَةُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلنَّفْسِ عِنْدَ هُبُوبِ نَسَماتِ التَّوْفِيقِ عَلَيْها مِثْلَ ما عَرَضَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ حِينَ وجَدَ اللَّوْحَ عِنْدَ أُخْتِهِ مَكْتُوبًا فِيهِ سُورَةُ“ طه " فَأقْبَلَ عَلى قِراءاتِهِ بِشَراشِرِهِ، فَما أتَمَّهُما حَتّى عَزَمَ عَلى الإسْلامِ.
الأنبياء 21:25
﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾
لَمّا أظْهَرَ لِرَسُولِهِ أنَّ المُعانِدِينَ لا يَعْلَمُونَ الحَقَّ لِإعْراضِهِمْ عَنْ تَلَقِّيهِ أقْبَلَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ بِتَأْيِيدِ مَقالِهِ الَّذِي لَقَّنَهُ أنْ يُجِيبَهم بِهِ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم هَذا ذِكْرُ مَن مَعِي وذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾ [الأنبياء: ٢٤]، فَأفادَ تَعْمِيمَهُ في شَرائِعِ سائِرِ الرُّسُلِ سَواءٌ مَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابٌ ومَن لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ كِتابٌ، وسَواءٌ مَن كانَ كِتابُهُ باقِيًا مِثْلَ مُوسى وعِيسى وداوُدَ ومَن لَمْ يَبْقَ كِتابُهُ مِثْلَ إبْراهِيمَ.
صفحة ٤٩
ولَيْسَ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ ما قَبْلَها مِن آيِ التَّوْحِيدِ وإنْ أفادَتِ التَّقْرِيرَ تَبَعًا لِفائِدَتِها المَقْصُودَةِ. وفِيها إظْهارٌ لِعِنايَةِ اللَّهِ تَعالى بِإزالَةِ الشِّرْكِ مِن نُفُوسِ البَشَرِ، وقَطْعِ دابِرِهِ إصْلاحًا لِعُقُولِهِمْ بِأنْ يُزالَ مِنها أفْظَعُ خَطَلٍ وأسْخَفُ رَأْيٍ، ولَمْ تَقْطَعْ دابِرَ الشِّرْكِ شَرِيعَةٌ كَما قَطَعَهُ الإسْلامُ بِحَيْثُ لَمْ يَحْدُثِ الإشْراكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ.
وحَرْفُ ”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿مِن رَسُولٍ﴾“ مَزِيدٌ لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ.
وفَرَّعَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِمْ أمْرَهُ إيّاهم بِعِبادَتِهِ عَلى الإعْلانِ بِأنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، فَكانَ اسْتِحْقاقُ العِبادَةِ خاصًّا بِهِ تَعالى.
وقَرَأ الجُمْهُورُ إلّا يُوحى إلَيْهِ بِمُثَنّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، وقَرَأهُ حَفْصُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالنُّونِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، والِاسْتِثْناءُ المُفَرَّعُ في مَوْضِعِ الحالِ.
الأنبياء 21:26
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مَن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى. فَلَمّا فُرِغَ مِن بَيانِ باطِلِهِمْ فِيما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً انْتَقَلَ إلى بَيانِ باطِلٍ آخَرَ وهو
صفحة ٥٠
اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ مِن سُكّانِ ضَواحِي مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ وشارَكَهم في هَذا الزَّعْمِ بَعْضٌ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والوَلَدُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ مِثْلُهُ، أيِ اتَّخَذَ أوْلادًا، والوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، والَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أرادُوا أنَّهُ اتَّخَذَ بَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ نَقْصًا في جانِبٍ واجِبِ الوُجُودِ أعْقَبَ مَقالَتَهم بِكَلِمَةِ ”سُبْحانَهُ“ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَنْشَأُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى إكْمالِ النَّقْصِ العارِضِ بِفَقْدِ الوَلَدِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] أنَّهم زَعَمُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى - أُعْقِبَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهم عِبادٌ دُونَ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: بَلِ المَلائِكَةُ عِبادٌ مُكَرَمُونَ، أيْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْهم وجَعَلَهم مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ، وفَضَّلَهم عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ الصّالِحِينَ.
والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: التَّقَدُّمُ في السَّيْرِ عَلى سائِرٍ آخَرَ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ مَجازًا عَلى التَّقَدُّمِ في كُلِّ عَمَلٍ. ومِنهُ السَّبْقُ في القَوْلِ، أيِ التَّكَلُّمُ قَبْلَ الغَيْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَفْيُهُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُساواةِ، أيْ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإنَّ التَّقَدُّمَ في مَعْنى السَّبْقِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ قَبْلَ قَوْلِهِ، أيْ لا يَقُولُونَ إلّا ما أُذِنَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوهُ. وهَذا عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ٥١
الرَّدُّ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ إذا أرادَ اللَّهُ عِقابَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كَما سَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ. وتَقْدِيمُ ”بِأمْرِهِ“ عَلى ”يَعْمَلُونَ“ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّهم لا يَقُولُونَ قَوْلًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا كَفَرُوا بِسَبَبِهِ إذْ جَعَلُوا الآلِهَةَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ارْتَضى“؛ لِأنَّهُ عائِدُ صِلَةٍ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: لِمَنِ ارْتَضاهُ، أيِ ارْتَضى الشَّفاعَةَ لَهُ بِأنْ يَأْذَنَ المَلائِكَةَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ أوِ اسْتِجابَةً لِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى. وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، فَلَيْسَ هو مِنَ التَّقَدُّمِ بِالقَوْلِ.
ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهم رَبُّهم تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، أيْ هم يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَ مَن يَخافُ بِطَشْتَهُ ويَحْذَرُ مُخالَفَةَ أمْرِهِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن خَشْيَتِهِ“ لِلتَّعْلِيلِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وهو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ. و”مُشْفِقُونَ“ خَبَرٌ، أيْ وهم لِأجْلِ خَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَتِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ٥٢
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ والحَذِرُ مِنهُ.
والشَّرْطُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ شَرْطٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم لا يَقُولُونَهُ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الشَّرْطِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ ادَّعَوْ لَهُمُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهم ما لا يَرْضَوْنَهُ ولا يَقُولُونَهُ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْ ما يُوجِبُ لِقائِلِهِ نارَ جَهَنَّمَ عَلى حَدِّ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وعُدِلَ عَنْ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ إلى ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ مَعَ الإيجازِ. وأُدْخِلَ اسْمُ الإشارَةِ في جَوابِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيقِ بِنِسْبَتِهِ الشَّرْطَ لِأداتِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ مَضْمُونِ الجَزاءِ بِمَن ثَبُتَ لَهُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وفي هَذا إبْطالٌ لِدَعْوى عامَّةِ النَّصارى إلَهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهم يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ التَّعْرِيضُ فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو جَهَنَّمُ يَجْزِي المُثْبِتِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ.
الأنبياء 21:27
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مَن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى. فَلَمّا فُرِغَ مِن بَيانِ باطِلِهِمْ فِيما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً انْتَقَلَ إلى بَيانِ باطِلٍ آخَرَ وهو
صفحة ٥٠
اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ مِن سُكّانِ ضَواحِي مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ وشارَكَهم في هَذا الزَّعْمِ بَعْضٌ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والوَلَدُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ مِثْلُهُ، أيِ اتَّخَذَ أوْلادًا، والوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، والَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أرادُوا أنَّهُ اتَّخَذَ بَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ نَقْصًا في جانِبٍ واجِبِ الوُجُودِ أعْقَبَ مَقالَتَهم بِكَلِمَةِ ”سُبْحانَهُ“ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَنْشَأُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى إكْمالِ النَّقْصِ العارِضِ بِفَقْدِ الوَلَدِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] أنَّهم زَعَمُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى - أُعْقِبَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهم عِبادٌ دُونَ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: بَلِ المَلائِكَةُ عِبادٌ مُكَرَمُونَ، أيْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْهم وجَعَلَهم مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ، وفَضَّلَهم عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ الصّالِحِينَ.
والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: التَّقَدُّمُ في السَّيْرِ عَلى سائِرٍ آخَرَ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ مَجازًا عَلى التَّقَدُّمِ في كُلِّ عَمَلٍ. ومِنهُ السَّبْقُ في القَوْلِ، أيِ التَّكَلُّمُ قَبْلَ الغَيْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَفْيُهُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُساواةِ، أيْ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإنَّ التَّقَدُّمَ في مَعْنى السَّبْقِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ قَبْلَ قَوْلِهِ، أيْ لا يَقُولُونَ إلّا ما أُذِنَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوهُ. وهَذا عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ٥١
الرَّدُّ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ إذا أرادَ اللَّهُ عِقابَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كَما سَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ. وتَقْدِيمُ ”بِأمْرِهِ“ عَلى ”يَعْمَلُونَ“ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّهم لا يَقُولُونَ قَوْلًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا كَفَرُوا بِسَبَبِهِ إذْ جَعَلُوا الآلِهَةَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ارْتَضى“؛ لِأنَّهُ عائِدُ صِلَةٍ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: لِمَنِ ارْتَضاهُ، أيِ ارْتَضى الشَّفاعَةَ لَهُ بِأنْ يَأْذَنَ المَلائِكَةَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ أوِ اسْتِجابَةً لِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى. وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، فَلَيْسَ هو مِنَ التَّقَدُّمِ بِالقَوْلِ.
ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهم رَبُّهم تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، أيْ هم يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَ مَن يَخافُ بِطَشْتَهُ ويَحْذَرُ مُخالَفَةَ أمْرِهِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن خَشْيَتِهِ“ لِلتَّعْلِيلِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وهو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ. و”مُشْفِقُونَ“ خَبَرٌ، أيْ وهم لِأجْلِ خَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَتِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ٥٢
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ والحَذِرُ مِنهُ.
والشَّرْطُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ شَرْطٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم لا يَقُولُونَهُ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الشَّرْطِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ ادَّعَوْ لَهُمُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهم ما لا يَرْضَوْنَهُ ولا يَقُولُونَهُ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْ ما يُوجِبُ لِقائِلِهِ نارَ جَهَنَّمَ عَلى حَدِّ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وعُدِلَ عَنْ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ إلى ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ مَعَ الإيجازِ. وأُدْخِلَ اسْمُ الإشارَةِ في جَوابِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيقِ بِنِسْبَتِهِ الشَّرْطَ لِأداتِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ مَضْمُونِ الجَزاءِ بِمَن ثَبُتَ لَهُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وفي هَذا إبْطالٌ لِدَعْوى عامَّةِ النَّصارى إلَهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهم يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ التَّعْرِيضُ فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو جَهَنَّمُ يَجْزِي المُثْبِتِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ.
الأنبياء 21:28
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مَن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى. فَلَمّا فُرِغَ مِن بَيانِ باطِلِهِمْ فِيما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً انْتَقَلَ إلى بَيانِ باطِلٍ آخَرَ وهو
صفحة ٥٠
اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ مِن سُكّانِ ضَواحِي مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ وشارَكَهم في هَذا الزَّعْمِ بَعْضٌ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والوَلَدُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ مِثْلُهُ، أيِ اتَّخَذَ أوْلادًا، والوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، والَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أرادُوا أنَّهُ اتَّخَذَ بَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ نَقْصًا في جانِبٍ واجِبِ الوُجُودِ أعْقَبَ مَقالَتَهم بِكَلِمَةِ ”سُبْحانَهُ“ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَنْشَأُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى إكْمالِ النَّقْصِ العارِضِ بِفَقْدِ الوَلَدِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] أنَّهم زَعَمُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى - أُعْقِبَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهم عِبادٌ دُونَ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: بَلِ المَلائِكَةُ عِبادٌ مُكَرَمُونَ، أيْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْهم وجَعَلَهم مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ، وفَضَّلَهم عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ الصّالِحِينَ.
والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: التَّقَدُّمُ في السَّيْرِ عَلى سائِرٍ آخَرَ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ مَجازًا عَلى التَّقَدُّمِ في كُلِّ عَمَلٍ. ومِنهُ السَّبْقُ في القَوْلِ، أيِ التَّكَلُّمُ قَبْلَ الغَيْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَفْيُهُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُساواةِ، أيْ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإنَّ التَّقَدُّمَ في مَعْنى السَّبْقِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ قَبْلَ قَوْلِهِ، أيْ لا يَقُولُونَ إلّا ما أُذِنَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوهُ. وهَذا عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ٥١
الرَّدُّ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ إذا أرادَ اللَّهُ عِقابَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كَما سَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ. وتَقْدِيمُ ”بِأمْرِهِ“ عَلى ”يَعْمَلُونَ“ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّهم لا يَقُولُونَ قَوْلًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا كَفَرُوا بِسَبَبِهِ إذْ جَعَلُوا الآلِهَةَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ارْتَضى“؛ لِأنَّهُ عائِدُ صِلَةٍ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: لِمَنِ ارْتَضاهُ، أيِ ارْتَضى الشَّفاعَةَ لَهُ بِأنْ يَأْذَنَ المَلائِكَةَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ أوِ اسْتِجابَةً لِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى. وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، فَلَيْسَ هو مِنَ التَّقَدُّمِ بِالقَوْلِ.
ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهم رَبُّهم تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، أيْ هم يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَ مَن يَخافُ بِطَشْتَهُ ويَحْذَرُ مُخالَفَةَ أمْرِهِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن خَشْيَتِهِ“ لِلتَّعْلِيلِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وهو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ. و”مُشْفِقُونَ“ خَبَرٌ، أيْ وهم لِأجْلِ خَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَتِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ٥٢
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ والحَذِرُ مِنهُ.
والشَّرْطُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ شَرْطٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم لا يَقُولُونَهُ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الشَّرْطِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ ادَّعَوْ لَهُمُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهم ما لا يَرْضَوْنَهُ ولا يَقُولُونَهُ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْ ما يُوجِبُ لِقائِلِهِ نارَ جَهَنَّمَ عَلى حَدِّ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وعُدِلَ عَنْ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ إلى ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ مَعَ الإيجازِ. وأُدْخِلَ اسْمُ الإشارَةِ في جَوابِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيقِ بِنِسْبَتِهِ الشَّرْطَ لِأداتِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ مَضْمُونِ الجَزاءِ بِمَن ثَبُتَ لَهُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وفي هَذا إبْطالٌ لِدَعْوى عامَّةِ النَّصارى إلَهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهم يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ التَّعْرِيضُ فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو جَهَنَّمُ يَجْزِي المُثْبِتِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ.
الأنبياء 21:29
﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مَن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾
عَطْفُ قِصَّةٍ مِن أقْوالِهِمُ الباطِلَةِ عَلى قِصَّةٍ أُخْرى. فَلَمّا فُرِغَ مِن بَيانِ باطِلِهِمْ فِيما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً انْتَقَلَ إلى بَيانِ باطِلٍ آخَرَ وهو
صفحة ٥٠
اعْتِقادُهم أنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ ولَدًا، وقَدْ كانَتْ خُزاعَةُ مِن سُكّانِ ضَواحِي مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ مِن سَرَواتِ الجِنِّ وشارَكَهم في هَذا الزَّعْمِ بَعْضٌ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧] في سُورَةِ النَّحْلِ.
والوَلَدُ اسْمُ جَمْعٍ مُفْرَدُهُ مِثْلُهُ، أيِ اتَّخَذَ أوْلادًا، والوَلَدُ يَشْمَلُ الذَّكَرَ والأُنْثى، والَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا أرادُوا أنَّهُ اتَّخَذَ بَناتٍ، قالَ تَعالى: ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ البَناتِ سُبْحانَهُ﴾ [النحل: ٥٧]، ولَمّا كانَ اتِّخاذُ الوَلَدِ نَقْصًا في جانِبٍ واجِبِ الوُجُودِ أعْقَبَ مَقالَتَهم بِكَلِمَةِ ”سُبْحانَهُ“ تَنْزِيهًا لَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإنَّ اتِّخاذَ الوَلَدِ إنَّما يَنْشَأُ عَنِ الِافْتِقارِ إلى إكْمالِ النَّقْصِ العارِضِ بِفَقْدِ الوَلَدِ كَما قالَ تَعالى في سُورَةِ يُونُسَ: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨]، ولَمّا كانَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [البقرة: ١١٦] أنَّهم زَعَمُوا المَلائِكَةَ بَناتِ اللَّهِ تَعالى - أُعْقِبَ حَرْفُ الإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِالإخْبارِ بِأنَّهم عِبادٌ دُونَ ذِكْرِ المُبْتَدَأِ لِلْعِلْمِ بِهِ. والتَّقْدِيرُ: بَلِ المَلائِكَةُ عِبادٌ مُكَرَمُونَ، أيْ أكْرَمَهُمُ اللَّهُ بِرِضاهُ عَنْهم وجَعَلَهم مِن عِبادِهِ المُقَرَّبِينَ، وفَضَّلَهم عَلى كَثِيرٍ مِن خَلْقِهِ الصّالِحِينَ.
والسَّبْقُ، حَقِيقَتُهُ: التَّقَدُّمُ في السَّيْرِ عَلى سائِرٍ آخَرَ، وقَدْ شاعَ إطْلاقُهُ مَجازًا عَلى التَّقَدُّمِ في كُلِّ عَمَلٍ. ومِنهُ السَّبْقُ في القَوْلِ، أيِ التَّكَلُّمُ قَبْلَ الغَيْرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ. ونَفْيُهُ هُنا كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ المُساواةِ، أيْ كِنايَةً عَنِ التَّعْظِيمِ والتَّوْقِيرِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ النَّهْيُ عَنِ التَّقَدُّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] فَإنَّ التَّقَدُّمَ في مَعْنى السَّبْقِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهُمْ﴾ مَعْناهُ لا يَصْدُرُ مِنهم قَوْلٌ قَبْلَ قَوْلِهِ، أيْ لا يَقُولُونَ إلّا ما أُذِنَ لَهم إلّا أنْ يَقُولُوهُ. وهَذا عامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ
صفحة ٥١
الرَّدُّ عَلى زَعْمِ المُشْرِكِينَ أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ تَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ إذا أرادَ اللَّهُ عِقابَهم عَلى أعْمالِهِمْ، ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ كَما سَيُصَرِّحُ بِنَفْيِهِ. وتَقْدِيمُ ”بِأمْرِهِ“ عَلى ”يَعْمَلُونَ“ لِإفادَةِ القَصْرِ، أيْ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، فَكَما أنَّهم لا يَقُولُونَ قَوْلًا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ، كَذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ عَمَلًا إلّا بِأمْرِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَشْفَعُونَ إلّا لِمَنِ ارْتَضى﴾ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ لِبَعْضِ ما شَمِلَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ﴾ اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ؛ لِأنَّهُ مِمّا كَفَرُوا بِسَبَبِهِ إذْ جَعَلُوا الآلِهَةَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ارْتَضى“؛ لِأنَّهُ عائِدُ صِلَةٍ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: لِمَنِ ارْتَضاهُ، أيِ ارْتَضى الشَّفاعَةَ لَهُ بِأنْ يَأْذَنَ المَلائِكَةَ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ إظْهارًا لِكَرامَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ أوِ اسْتِجابَةً لِاسْتِغْفارِهِمْ لِمَن في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] في سُورَةِ الشُّورى. وذَلِكَ الِاسْتِغْفارُ مِن جُمْلَةِ ما خُلِقُوا لِأجْلِهِ، فَلَيْسَ هو مِنَ التَّقَدُّمِ بِالقَوْلِ.
ثُمَّ زادَ تَعْظِيمَهم رَبُّهم تَقْرِيرًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم مِن خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾، أيْ هم يُعَظِّمُونَهُ تَعْظِيمَ مَن يَخافُ بِطَشْتَهُ ويَحْذَرُ مُخالَفَةَ أمْرِهِ.
و”مِن“ في قَوْلِهِ تَعالى: ”مِن خَشْيَتِهِ“ لِلتَّعْلِيلِ، والمَجْرُورُ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، وهو حالٌ مِنَ المُبْتَدَأِ. و”مُشْفِقُونَ“ خَبَرٌ، أيْ وهم لِأجْلِ خَشْيَتِهِ، أيْ خَشْيَتِهِمْ إيّاهُ.
صفحة ٥٢
والإشْفاقُ: تَوَقُّعُ المَكْرُوهِ والحَذِرُ مِنهُ.
والشَّرْطُ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَقُلْ مِنهم إنِّيَ إلَهٌ مِن دُونِهِ﴾ إلَخْ شَرْطٌ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ، أيْ لَوْ قالَهُ واحِدٌ مِنهم مَعَ العِلْمِ بِأنَّهم لا يَقُولُونَهُ لِأجْلِ ما تَقَرَّرَ مِن شِدَّةِ خَشْيَتِهِمْ. فالمَقْصُودُ مِن هَذا الشَّرْطِ التَّعْرِيضُ بِالَّذِينَ ادَّعَوْ لَهُمُ الإلَهِيَّةَ بِأنَّهُمُ ادَّعَوْا لَهم ما لا يَرْضَوْنَهُ ولا يَقُولُونَهُ، وأنَّهُمُ ادَّعَوْ ما يُوجِبُ لِقائِلِهِ نارَ جَهَنَّمَ عَلى حَدِّ ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] .
وعُدِلَ عَنْ ”إنْ“ الشَّرْطِيَّةِ إلى ”مَن“ الشَّرْطِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى العُمُومِ مَعَ الإيجازِ. وأُدْخِلَ اسْمُ الإشارَةِ في جَوابِ الشَّرْطِ لِتَحْقِيقِ التَّعْلِيقِ بِنِسْبَتِهِ الشَّرْطَ لِأداتِهِ؛ لِلدَّلالَةِ عَلى جَدارَةِ مَضْمُونِ الجَزاءِ بِمَن ثَبُتَ لَهُ مَضْمُونُ الشَّرْطِ، وفي هَذا إبْطالٌ لِدَعْوى عامَّةِ النَّصارى إلَهِيَّةَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأنَّهم يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. ثُمَّ صَرَّحَ بِما اقْتَضاهُ التَّعْرِيضُ فَقالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَزاءِ وهو جَهَنَّمُ يَجْزِي المُثْبِتِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا. والظُّلْمُ: الشِّرْكُ.
الأنبياء 21:30
﴿أوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ كانَتا رَتْقًا فَفَتَقْناهُما﴾
قَرَأ الجُمْهُورُ ”أوَلَمْ“ بِواوٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ وهي واوُ العَطْفِ، فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَطْفَ الِاسْتِدْلالِ عَلى الخَلْقِ الثّانِي بِالخَلْقِ الأوَّلِ وما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ”ألَمْ يَرَ“ بِدُونِ واوِ عَطْفٍ. قالَ أبُو شامَةَ: ولَمْ تَثْبُتِ الواوُ في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ. قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّها لَمْ تَثْبُتْ في المُصْحَفِ الَّذِي أرْسَلَ بِهِ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فالتَزَمَ قُرّاءُ مَكَّةَ رِوايَةَ عَدَمِ الواوِ إلى أنْ قَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ، وأُهْمِلَتْ غَيْرُ قِراءَتِهِ.
صفحة ٥٣
والِاسْتِفْهامُ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ إنْكارِيٌّ، تَوَجَّهَ الإنْكارُ عَلى إهْمالِهِمْ لِلنَّظَرِ. والرُّؤْيَةُ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. والِاسْتِفْهامُ صالِحٌ لِأنْ يَتَوَجَّهُ إلى كِلْتَيْهِما؛ لِأنَّ إهْمالَ النَّظَرِ في المُشاهَداتِ الدّالَّةِ عَلى عِلْمِ ما يُنْقِذُ عِلْمُهُ مِنَ التَّوَرُّطِ في العَقائِدِ الضّالَّةِ حَقِيقٌ بِالإنْكارِ، وإنْكارُ إعْمالِ الفِكْرِ في دَلالَةِ الأشْياءِ عَلى لَوازِمِها حَتّى لا يَقَعَ أحَدٌ في الضَّلالِ جَدِيرٌ أيْضًا بِالإنْكارِ أوْ بِالتَّقْرِيرِ المَشُوبِ بِإنْكارٍ كَما سَنُفَصِّلُهُ.
والرَّتْقُ: الِاتِّصالُ والتَّلاصُقُ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّيْءِ.
والفَتْقُ: ضِدُّهُ وهو الِانْفِصالُ والتَّباعُدُ بَيْنَ الأجْزاءِ.
والإخْبارُ عَنِ السَّماواتِ والأرْضِ بِأنَّهُما رَتْقٌ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ؛ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الصِّفَةِ، ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ”كانَتا“ يَحْتَمِلُ أنْ تَكُونا مَعًا رَتْقًا واحِدًا بِأنْ تَكُونَ السَّماواتُ والأرْضُ جِسْمًا مُلْتَئِمًا مُتَّصِلًا، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ كُلُّ سَماءٍ رَتْقًا عَلى حِدَتِها، والأرْضُ رَتْقًا عَلى حِدَتِها، وكَذَلِكَ الِاحْتِمالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”فَفَتَقْناهُما“ .
وإنَّما لَمْ يَقُلْ نَحْوَ: فَصارَتا فَتْقًا؛ لِأنَّ الرَّتْقَ مُتَمَكِّنٌ مِنهُما أشَدَّ تَمَكُّنٍ كَما قُلْنا؛ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى عَظِيمِ القُدْرَةِ في فَتْقِهِما، ولِدَلالَةِ الفِعْلِ عَلى حَدَثانِ الفَتْقِ إيماءً إلى حُدُوثِ المَوْجُوداتِ كُلِّها وأنْ لَيْسَ مِنها أزَلِيٌّ.
والرَّتْقُ يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ مَعانٍ تَنْشَأُ عَلى مُحْتَمَلاتِها مَعانٍ في الفَتْقِ، فَإنِ اعْتَبَرْنا الرُّؤْيَةَ بَصْرِيَّةً فالرَّتْقُ المُشاهَدُ هو ما يُشاهِدُهُ الرّائِي مِن عَدَمِ تَخَلُّلِ شَيْءٍ بَيْنَ أجْزاءِ السَّماواتِ وبَيْنَ أجْزاءِ الأرْضِ،
صفحة ٥٤
والفَتْقُ هو ما يُشاهِدُهُ الرّائِي مِن ضِدِّ ذَلِكَ حِينَ يَرى المَطَرَ نازِلًا مِنَ السَّماءِ، ويَرى البَرِيقَ يَلِجُ مِنها، والصَّواعِقَ تَسْقُطُ مِنها، فَذَلِكَ فَتْقُها، وحِينَ يَرى انْشِقاقَ الأرْضِ بِماءِ المَطَرِ وانْبِثاقَ النَّباتِ والشَّجَرِ مِنها بَعْدَ جَفافِها، وكُلُّ ذَلِكَ مُشاهَدٌ مَرْئِيٌّ دالٌّ عَلى تَصَرُّفِ الخالِقِ، وفي هَذا المَعْنى جُمِعَ بَيْنَ العِبْرَةِ والمِنَّةِ، كَما قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ أيْ هو عِبْرَةُ دَلالَةٍ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وتَقْرِيبٌ لِكَيْفِيَّةِ إحْياءِ المَوْتى كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأحْيَيْنا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ [فاطر: ٩] في سُورَةِ فاطِرٍ.
وإنِ اعْتَبَرْنا الرُّؤْيَةَ عِلْمِيَّةً احْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ مِثْلَ ما أُرِيدَ بِهِ عَلى اعْتِبارِ كَوْنِ الرُّؤْيَةِ بَصَرِيَّةً، وكانَ الِاسْتِفْهامُ أيْضًا إنْكارِيًّا مُتَوَجِّهًا إلى إهْمالِهِمُ التَّدَبُّرَ في المُشاهَداتِ. واحْتَمَلَ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ مَعانٍ غَيْرَ مُشاهَدَةٍ ولَكِنَّها مِمّا يَنْبَغِي طَلَبُ العِلْمِ بِهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الدَّلائِلِ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وعَلى الوَحْدانِيَّةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ حَقِيقَتاهُما، أيِ الِاتِّصالُ والِانْفِصالُ. ثُمَّ هَذا الِاحْتِمالُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ، أيْ كانَتِ السَّماواتُ والأرْضُ رَتْقًا واحِدًا، أيْ كانَتا كُتْلَةً واحِدَةً ثُمَّ انْفَصَلَتِ السَّماواتُ عَنِ الأرْضِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧] في سُورَةِ ”هُودٍ“ .
ويَجُوزُ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ الرَّتْقُ والفَتْقُ عَلى التَّوْزِيعِ، أيْ كانَتِ السَّماواتُ رَتْقًا في حَدِّ ذاتِها وكانَتِ الأرْضُ رَتْقًا في حَدِّ ذاتِها ثُمَّ فَتَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وفَتَقَ الأرْضَ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [فصلت: ٩] ﴿وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها وزِيَّنا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ [فصلت: ١٢] في سُورَةِ فُصِّلَتْ.
صفحة ٥٥
وعَلى هَذَيْنِ الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ الِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا عَنْ إعْراضِهِمْ عَنِ اسْتِماعِ الآياتِ الَّتِي وصَفَتْ بَدْءَ الخَلْقِ ومَشُوبًا بِالإنْكارِ عَلى ذَلِكَ.
وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ فالمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ أيْضًا الِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وأنْشَأهُما بَعْدَ العَدَمِ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بَعْدَ انْعِدامِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [الإسراء: ٩٩] .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ العَدَمُ وبِالفَتْقِ الإيجادُ. وإطْلاقُ الرُّؤْيَةِ عَلى العِلْمِ عَلى هَذا الِاحْتِمالِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الرَّتْقَ بِهَذا المَعْنى مُحَقَّقٌ أمْرُهُما عِنْدَهم، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] .
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ الظُّلْمَةُ وبِالفَتْقِ النُّورُ، فالمَوْجُوداتُ وُجِدَتْ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ أفاضَ اللَّهُ عَلَيْها النُّورَ بِأنْ أوْجَدَ في بَعْضِ الأجْسامِ نُورًا أضاءَ المَوْجُوداتِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالرَّتْقِ اتِّحادُ المَوْجُوداتِ حِينَ كانَتْ مادَّةً واحِدَةً أوْ كانَتْ أثِيرًا أوْ عَماءَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ”كانَ في عَماءَ“، فَكانَتْ جِنْسًا عالِيًا مُتَّحِدًا يَنْبَغِي أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ مَخْلُوقٍ، وهو حِينَئِذٍ كُلِّيٌّ انْحَصَرَ في فَرْدٍ، ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ الجِنْسِ أبْعاضًا وجَعَلَ لِكُلِّ بَعْضٍ مُمَيِّزاتٍ ذاتِيَّةً، فَصَيَّرَ كُلَّ مُتَمَيِّزٍ بِحَقِيقَةٍ جِنْسًا، فَصارَتْ أجْناسًا. ثُمَّ خَلَقَ في الأجْناسِ مُمَيِّزاتٍ بِالعَوارِضِ لِحَقائِقِها، فَصارَتْ أنْواعًا. وهَذا الِاحْتِمالُ أسْعَدُ بِطَرِيقَةِ الحُكَماءِ، وقَدِ اصْطَلَحُوا عَلى تَسْمِيَةِ هَذا التَّمْيِيزِ بِالرَّتْقِ والفَتْقِ، وبَعْضٌ مِنَ الصُّوفِيَّةِ وهو صاحِبُ ”مِرْآةِ العارِفِينَ“ جَعَلَ الرَّتْقَ عَلَمًا عَلى العُنْصُرِ الأعْظَمِ يَعْنِي الجِسْمَ الكُلَّ، والجِسْمُ الكُلُّ هو الفَلَكُ الأعْظَمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعَرْشِ، ذَكَرَ ذَلِكَ الحَكِيمُ الصُّوفِيُّ لُطْفُ اللَّهِ الأرْضَرُومِيُّ صاحِبُ ”مَعارِجِ النُّورِ في أسْماءِ اللَّهِ
صفحة ٥٦
الحُسْنى“ المُتَوَفّى في أواخِرِ القَرْنِ الثّانِي عَشَرَ الَّذِي دَخَلَ تُونُسَ عامَ ١١٨٥ هـ في مُقَدِّماتِ كِتابِهِ ”مَعارِجِ النُّورِ“ وفي رِسالَةٍ لَهُ سَمّاها ”رِسالَةَ الفَتْقِ والرَّتْقِ“ .
والظّاهِرُ أنَّ الآيَةَ تَشْمَلُ جَمِيعَ ما يَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعانِي الرَّتْقِ والفَتْقِ؛ إذْ لا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ مَعْنًى عامٍّ يَجْمَعُها جَمِيعًا، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى عِبْرَةٍ تَعُمُّ كُلَّ النّاسِ وعَلى عِبْرَةٍ خاصَّةٍ بِأهْلِ النَّظَرِ والعِلْمِ، فَتَكُونُ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي أشَرْنا إلَيْها في مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
* * *
﴿وجَعَلْنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أفَلا يُؤْمِنُونَ﴾
زِيادَةُ اسْتِدْلالٍ بِما هو أظْهَرُ لِرُؤْيَةِ الأبْصارِ وفِيهِ عِبْرَةٌ لِلنّاسِ في أكْثَرِ أحْوالِهِ، وهو عِبْرَةٌ لِلْمُتَأمِّلِينَ في دَقائِقِهِ في تَكْوِينِ الحَيَوانِ مِنَ الرُّطُوباتِ، وهي تَكْوِينُ التَّناسُلِ وتَكْوِينُ جَمِيعِ الحَيَوانِ، فَإنَّهُ لا يَتَكَوَّنُ إلّا مِنَ الرُّطُوبَةِ ولا يَعِيشُ إلّا مُلابِسًا لَها، فَإذا انْعَدَمَتْ مِنهُ الرُّطُوبَةُ فَقَدَ الحَياةَ، ولِذَلِكَ كانَ اسْتِمْرارُ الحُمّى مُفْضِيًا إلى الهُزالِ ثُمَّ إلى المَوْتِ، و”جَعَلَ“ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، مُتَعَدِّيَةٌ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ؛ لِأنَّها غَيْرُ مُرادٍ مِنها التَّحَوُّلُ مِن حالٍ إلى حالٍ.
و”مِنَ الماءِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”جَعَلْنا“، و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. وفُرِّعَ عَلَيْهِ ”أفَلا يُؤْمِنُونَ“ إنْكارًا عَلَيْهِمْ عَدَمَ إيمانِهِمُ الإيمانَ الَّذِي دَعاهم إلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وهو الإيمانُ بِوَحْدانِيَّةِ اللَّهِ.
الأنبياء 21:31
صفحة ٥٧
﴿وجَعَلْنا في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِهِمْ وجَعَلَنا فِيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
هَذا مِن آثارِ فَتْقِ الأرْضِ في حَدِّ ذاتِها، إذْ أخْرَجَ اللَّهُ مِنها الجِبالَ وذَلِكَ فَتْقُ تَكْوِينٍ، وجَعَلَ فِيها الطُّرُقَ أيِ الأرَضِينَ السَّهْلَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِنَ المَشْيِ فِيها عَكْسَ الجِبالِ.
والرَّواسِي: الجِبالُ؛ لِأنَّها رَسَتْ في الأرْضِ، أيْ رَسَخَتْ فِيها. والمَيْدُ: الِاضْطِرابُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ.
وتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ أنَّ مَعْنى ”أنْ تَمِيدَ“ أنْ لا تَمِيدَ، أوْ لِكَراهَةِ أنْ تَمِيدَ. والمَعْنى: وجَعَلْنا في الأرْضِ فِجاجًا. ولَمّا كانَ ”فِجاجًا“ مَعْناهُ واسِعَةٌ كانَ في المَعْنى وصْفًا لِلسَّبِيلِ، فَلَمّا قُدِّمَ عَلى مَوْصُوفِهِ انْتُصِبَ عَلى الحالِ. والمَقْصُودُ إتْمامُ المِنَّةِ بِتَسْخِيرِ سَطْحِ الأرْضِ لِيَسْلُكُوا مِنها طُرُقًا واسِعَةً، ولَوْ شاءَ لَجَعَلَ مَسالِكَ ضَيِّقَةٍ بَيْنَ الجِبالِ كَأنَّها الأدْوِيَةُ.
والفِجاجُ: جَمْعُ فَجٍّ، والفَجُّ: الطَّرِيقُ الواسِعُ.
والسُّبُلُ: جَمْعُ سَبِيلٍ، وهو الطَّرِيقُ مُطْلَقًا.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ إنْشاءً رَجاءَ اهْتِداءِ المُشْرِكِينَ إلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ، فَإنَّ هَذِهِ الدَّلائِلَ مُشاهَدَةٌ لَهم واضِحَةُ الدَّلالَةِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالِاهْتِداءِ في السَّيْرِ، أيْ جَعْلِنا سُبُلًا واضِحَةً غَيْرَ مَحْجُوبَةٍ بِالضِّيقِ إرادَةَ اهْتِدائِهِمْ في سَيْرِهِمْ، فَتَكُونُ هَذِهِ مِنَّةٌ أُخْرى وهو تَدْبِيرُ اللَّهِ الأشْياءَ عَلى نَحْوٍ ما يُلائِمُ الإنْسانَ ويُصْلِحُ أحْوالَهُ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: ”لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ“ مِنَ الكَلامِ المُوَجَّهِ.
الأنبياء 21:32
صفحة ٥٨
﴿وجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾
لَمّا ذُكِرَ الِاعْتِبارُ بِخَلْقِ الأرْضِ وما فِيها ناسَبَ بِحُكْمِ الطِّباقِ ذِكْرَ خَلْقِ السَّماءِ عَقِبَهُ، إلّا أنَّ حالَةَ خَلْقِ الأرْضِ فِيها مَنافِعٌ لِلنّاسِ. فَعَقَّبَ ذِكْرَها بِالِامْتِنانِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]، وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣١] . وأمّا حالُ خَلْقِ السَّماءِ فَلا تَظْهَرُ فِيهِ مَنفَعَةٌ، فَلَمْ يَذْكُرْ بَعْدَهُ امْتِنانٌ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ إعْراضَهم عَنِ التَّدَبُّرِ في آياتِ خَلْقِ السَّماءِ الدّالَّةِ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ فَعَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾؛ فَأُدْمِجَ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَّةٌ وهي حِفْظُ السَّماءِ مِن أنْ تَقَعَ بَعْضُ الأجْرامِ الكائِنَةِ فِيها أوْ بَعْضُ أجْزائِها عَلى الأرْضِ فَتُهْلِكَ النّاسَ أوْ تُفْسِدَ الأرْضَ فَتُعَطِّلَ مَنافِعَها، فَذَلِكَ إدْماجٌ لِلْمِنَّةِ في خِلالِ الغَرَضِ المَقْصُودِ الَّذِي لا مَندُوحَةَ عَنِ العِبْرَةِ بِهِ.
والسَّقْفُ حَقِيقَتُهُ: غِطاءُ فَضاءِ البَيْتِ المَوْضُوعُ عَلى جُدْرانِهِ، ولا يُقالُ السَّقْفُ عَلى غِطاءِ الخِباءِ والخَيْمَةِ، وأُطْلِقَ السَّقْفُ عَلى السَّماءِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ جَعَلْناها كالسَّقْفِ؛ لِأنَّ السَّماءَ لَيْسَتْ مَوْضُوعَةً عَلى عَمَدٍ مِنَ الأرْضِ، قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] وقَدْ تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ، وجُمْلَةُ ﴿وهم عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وآياتُ السَّماءِ: ما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ السَّماءُ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ والشُّهُبِ وسَيْرِها وشُرُوقِها وغُرُوبِها وظُهُورِها وغَيْبَتِها، وابْتِناءِ ذَلِكَ عَلى حِسابٍ قَوِيمٍ وتَرْتِيبٍ عَجِيبٍ، وكُلُّها دَلائِلُ عَلى الحِكْمَةِ البالِغَةِ
صفحة ٥٩
فَلِذَلِكَ سَمّاها آياتٍ. وكَذَلِكَ ما يَبْدُو لَنا مِن جِهَةِ السَّماءِ مِثْلَ السَّحابِ والبَرْقِ والرَّعْدِ.
﴿وهْوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]
لَمّا كانَتْ في إيجادِ هَذِهِ الأشْياءِ المَعْدُودَةِ هُنا مَنافِعٌ لِلنّاسِ سِيقَتْ في مَعْرِضِ المِنَّةِ بِصَوْغِها في صِيغَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُعَرَّفَةِ الجُزْأيْنِ؛ لِإفادَةِ القَصْرِ، وهو قَصْرُ إفْرادٍ إضافِيٍّ بِتَنْزِيلِ المُخاطَبِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ مَنزِلَةَ مَن يَعْتَقِدُ أنَّ أصْنامَهم مُشارَكَةٌ لِلَّهِ في خَلْقِ تِلْكَ الأشْياءِ؛ لِأنَّهم لَمّا عَبَدُوا الأصْنامَ والعِبادَةُ شُكْرٌ، لَزِمَهم أنَّهم يَشْكُرُونَها وقَدْ جَعَلُوها شُرَكاءَ لِلَّهِ، فَلَزِمَهم أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّها شَرِيكَةٌ لِلَّهِ في خَلْقِ ما خَلَقَ لِيَنْتَقِلَ مِن ذَلِكَ إلى إبْطالِ إشْراكِهِمْ إيّاها في الإلَهِيَّةِ.
ولِكَوْنِ المِنَّةِ والعِبْرَةِ في إيجادِ نَفْسِ اللَّيْلِ والنَّهارِ ونَفْسِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، لا في إيجادِها عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ - جِيءَ هُنا بِفِعْلِ الخَلْقِ لا بِفِعْلِ الجَعْلِ.
وخَلْقُ اللَّيْلِ هو جُزْءٌ مِن جُزْئِيّاتِ خَلْقِ الظُّلْمَةِ الَّتِي أوْجَدَ اللَّهُ الكائِناتِ فِيها قَبْلَ خَلْقِ الأجْسامِ الَّتِي تُفِيضُ النُّورَ عَلى المَوْجُوداتِ، فَإنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ، والنُّورَ وُجُودِيٌّ وهو ضِدُّ الظُّلْمَةِ، والعَدَمُ سابِقٌ لِلْوُجُودِ، فالحالَةُ السّابِقَةُ لِوُجُودِ الأجْرامِ النَّيِّرَةِ هي الظُّلْمَةُ، واللَّيْلُ ظَلَمَةٌ تَرْجِعُ لِجُرْمِ الأرْضِ عِنْدَ انْصِرافِ الأشِعَّةِ عَنِ الأرْضِ، وأمّا خَلْقُ النَّهارِ فَهو بِخَلْقِ الشَّمْسِ ومَن تُوَجُّهِ أشِعَّتِها إلى النِّصْفِ المُقابِلِ لِلْأشِعَّةِ مِنَ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ، فَخَلْقُ النَّهارِ تَبَعٌ لِخَلْقِ الشَّمْسِ وخَلْقِ الأرْضِ ومُقابَلَةِ الأرْضِ لِأشِعَّةِ الشَّمْسِ؛ ولِذَلِكَ كانَ لِذِكْرِ خَلْقِ
صفحة ٦٠
الشَّمْسِ عَقِبَ ذِكْرِ خَلْقِ النَّهارِ مُناسَبَةٌ قَوِيَّةٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَنشَأِ خَلْقِ النَّهارِ كَما هو مَعْلُومٌ، وأمّا ذِكْرُ خَلْقِ القَمَرِ فَلِمُناسَبَةِ خَلْقِ الشَّمْسِ، ولِلتَّذْكِيرِ بِمِنَّةِ إيجادِ ما يُنِيرُ عَلى النّاسِ بَعْضَ النُّورِ في بَعْضِ أوْقاتِ الظُّلْمَةِ. وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ المِنَنِ.
الأنبياء 21:33
﴿كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الأشْياءَ المُتَضادَّةَ بِالحَقائِقِ أوْ بِالأوْقاتِ ذِكْرًا مُجْمَلًا في بَعْضِها الَّذِي هو آياتُ السَّماءِ، ومُفَصَّلًا في بَعْضٍ آخَرَ وهو الشَّمْسُ والقَمَرُ، كانَ المَقامُ مُثِيرًا في نُفُوسِ السّامِعِينَ سُؤالًا عَنْ كَيْفِيَّةِ سَيْرِها، وكَيْفَ لا يَقَعُ لَها اصْطِدامٌ أوْ يَقَعُ مِنها تَخَلُّفٌ عَنِ الظُّهُورِ في وقْتِهِ المَعْلُومِ، فَأُجِيبَ بِأنَّ كُلَّ المَذْكُوراتِ لَهُ فَضاءٌ يَسِيرُ فِيهِ لا يُلاقِي فَضاءَ سَيْرِ غَيْرِهِ، وضَمِيرُ ”يَسْبَحُونَ“ عائِدٌ إلى عُمُومِ آياتِ السَّماءِ وخُصُوصِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وأُجْرِيَ عَلَيْها ضَمِيرُ جَماعَةِ الذُّكُورِ بِاعْتِبارِ تَذْكِيرِ أسْماءِ بَعْضِها مِثْلَ القَمَرِ والكَوْكَبِ.
وقالَ في ”الكَشّافِ“ إنَّهُ رُوعِيَ فِيهِ وصَفُها بِالسِّباحَةِ الَّتِي هي مِن أفْعالِ العُقَلاءِ فَأُجْرِيَ عَلَيْها أيْضًا ضَمِيرُ العُقَلاءِ، يَعْنِي فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْشِيحًا لِلِاسْتِعارَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿فِي فَلَكٍ﴾“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ خَبَرٌ عَنْ ”كُلٌّ“، و”كُلٌّ“ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ كُلُّ تِلْكَ، فَهو مَعْرِفَةٌ تَقْدِيرًا، وهو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِئْنافِ بِأنْ يُفادَ أنَّ كُلًّا مِنَ المَذْكُوراتِ مُسْتَقِرٌّ
صفحة ٦١
فِي فَلَكٍ لا يُصادِمُ فَلَكَ غَيْرِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن لَفْظِ ”كُلٌّ“ ومِن ظَرْفِيَّةِ ”في“ أنَّ لَفْظَ ”فَلَكٍ“ عامٌّ، أيْ لِكُلٍّ مِنها فَلَكُهُ، فَهي أفْلاكٌ كَثِيرَةٌ.
وجُمْلَةُ ”يَسْبَحُونَ“ في مَوْضِعِ الحالِ.
والسَّبْحُ: مُسْتَعارٌ لِلسَّيْرِ في مُتَّسَعٍ، لا طَرائِقَ فِيهِ مُتَلاقِيَةً كَطَرائِقَ الأرْضِ، وهو تَقْرِيبٌ لِسِيَرِ الكَواكِبِ في الفَضاءِ العَظِيمِ.
والفَلَكُ فَسَّرَهُ أهْلُ اللُّغَةِ بِأنَّهُ مَدارُ النُّجُومِ، وكَذَلِكَ فَسَّرَهُ المُفَسِّرُونَ لِهَذِهِ الآيَةِ، ولَمْ يَذْكُرُوا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في هَذا المَعْنى في كَلامِ العَرَبِ. ويَغْلِبُ عَلى ظَنِّي أنَّهُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ ومِنهُ أخَذَهُ عُلَماءُ الإسْلامِ، وهو أحْسَنُ ما يُعَبَّرُ عَنْهُ عَنِ الدَّوائِرِ المَفْرُوضَةِ الَّتِي يُضْبَطُ بِها سَيْرُ كَوْكَبٍ مِنَ الكَواكِبِ وخاصَّةً سَيْرُ الشَّمْسِ وسَيْرَ القَمَرِ، والأظْهَرُ أنَّ القُرْآنَ نَقَلَهُ مِن فَلَكِ البَحْرِ، وهو المَوْجُ المُسْتَدِيرُ، بِتَنْزِيلِ اسْمِ الجَمْعِ مَنزِلَةَ المُفْرَدِ؛ والأصْلُ الأصِيلُ في ذَلِكَ كُلِّهِ فَلْكَةُ المَغْزِلِ، بِفَتْحِ الفاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وهي خَشَبَةٌ مُسْتَدِيرَةٌ في أعْلاها مِسْمارٌ مَثْنِيٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الغَزْلُ ويُدارُ لِيَنْفَتِلَ الغَزْلُ.
ومِن بَدائِعِ الإعْجازِ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ في فَلَكٍ﴾ ”فِيهِ مُحَسِّنٌ بَدِيعِيٌّ، فَإنَّ حُرُوفَهُ تُقْرَأُ مِن آخِرِها عَلى التَّرْتِيبِ كَما تُقْرَأُ مَن أوَّلِها مَعَ خِفَّةِ التَّرْكِيبِ ووَفْرَةِ الفائِدَةِ وجَرَيانِهِ مُجْرى المَثَلِ مِن غَيْرِ تَنافُرٍ ولا غَرابَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى:“ رَبَّكَ فَكَبِّرْ ”بِطَرْحِ واوِ العَطْفِ، وكِلْتا الآيَتَيْنِ بُنِيَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، وهَذا النَّوْعُ سَمّاهُ السَّكّاكِيُّ المَقْلُوبَ المُسْتَوِي، وجَعَلَهُ مِن أصْنافِ نَوْعٍ سَمّاهُ القَلْبَ.
وخُصَّ هَذا الصِّنْفُ بِما يَتَأتّى القَلْبُ في حُرُوفِ كَلِماتِهِ. وسَمّاها الحَرِيرِيُّ في المَقاماتِ“ ما لا يَسْتَحِيلُ بِالِانْعِكاسِ ”، وبَنى عَلَيْهِ المَقامَةَ السّادِسَةَ عَشْرَةَ، ووَضَعَ أمْثِلَةً نَثْرًا ونَظْمًا، وفي مُعْظَمِ ما وضَعَهُ مِنَ
صفحة ٦٢
الأمْثِلَةِ تَكَلُّفٌ وتَنافُرٌ وغَرابَةٌ، وكَذَلِكَ ما وضَعَهُ غَيْرُهُ عَلى تَفاوُتِها في ذَلِكَ، والشَّواهِدُ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ البَدِيعِ فَعَلَيْكَ بِتَتَبُّعِها، وكُلَّما زادَتْ طُولًا زادَتْ ثِقَلًا.
قالَ العَلّامَةُ الشِّيرازِيُّ في“ شَرْحِ المِفْتاحِ ”: وهو نَوْعٌ صَعْبُ المَسْلَكِ قَلِيلُ الِاسْتِعْمالِ. قُلْتُ: ولَمْ يَذْكُرُوا مِنهُ شَيْئًا وقَعَ في كَلامِ العَرَبِ فَهو مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ.
ذَكَرَ أهْلُ الأدَبِ أنَّ القاضِي الفاضِلَ البَيْسانِيَّ زارَ العِمادَ الكاتِبَ، فَلَمّا رَكِبَ لِيَنْصَرِفَ مِن عِنْدِهِ قالَ لَهُ العِمادُ:“ سِرْ فَلا كَبا بِكَ الفُرْسُ ”فَفَطِنَ القاضِي أنَّ فِيهِ مُحَسِّنَ القَلْبِ فَأجابَهُ عَلى البَدِيهَةِ:“ دامَ عُلا العِمادِ " وفِيهِ مُحَسِّنُ القَلْبِ.
الأنبياء 21:34
﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾
عُنِيَتِ الآياتُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ بِاسْتِقْصاءِ مَطاعِنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ ومَن جاءَ بِهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣]، وقَوْلُهم: ﴿أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾ [الأنبياء: ٥]، وكانَ مِن جُمْلَةِ أمانِيهِمْ لَمّا أعْياهُمُ اخْتِلاقُ المَطاعِنِ أنْ كانُوا يَتَمَنَّوْنَ مَوْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أوْ يَرْجُونَهُ أوْ يُدَبِّرُونَهُ قالَ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠] في سُورَةِ الطُّورِ وقالَ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] في الأنْفالِ، وقَدْ دَلَّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ هُمُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَإنْ مِتَّ فَهُمُ الخالِدُونَ﴾ فَلَمّا كانَ تَمَنِّيهِمْ مَوْتَهَ وتَرَبُّصُهم بِهِ رَيْبَ المَنُونِ
صفحة ٦٣
يَقْتَضِي أنَّ الَّذِينَ تَمَنَّوْا ذَلِكَ وتَرَبَّصُوا بِهِ كَأنَّهم واثِقُونَ بِأنَّهم يَمُوتُونَ بَعْدَهُ فَتَتِمُّ شَماتَتُهم، أوْ كَأنَّهم لا يَمُوتُونَ أبَدًا فَلا يَشْمَتُ بِهِمْ أحَدٌ - وُجِّهَ إلَيْهِمِ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ عَلى طَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ بِتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ مَن يَزْعُمُ أنَّهم خالِدُونَ.
وفِي الآيَةِ إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِينَ لَمْ يُقَدِّرِ اللَّهُ لَهُمُ الإسْلامَ مِمَّنْ قالُوا ذَلِكَ القَوْلَ سَيَمُوتُونَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيءِ ﷺ فَلا يَشْمَتُونَ بِهِ، فَإنَّ الرَّسُولَ ﷺ لَمْ يَمُتْ حَتّى أهْلَكَ اللَّهُ رُءُوسَ الَّذِينَ عانَدُوهُ وهَدى بَقِيَّتَهم إلى الإسْلامِ. فَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ طَرِيقَةُ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ أنَّكَ تَمُوتُ كَما قالُوا، ولَكِنَّهم لا يَرَوْنَ ذَلِكَ، وهم بِحالِ مَن يَزْعُمُونَ أنَّهم مُخَلَّدُونَ فَأيْقَنُوا بِأنَّهم يَتَرَبَّصُونَ بِكَ رَيْبَ المَنُونِ مِن فَرْطِ غُرُورِهِمْ، فالتَّفْرِيعُ كانَ عَلى ما في الجُمْلَةِ الأُولى مِنَ القَوْلِ بِالمُوجَبِ، أيْ ما هم بِخالِدِينَ حَتّى يُوقِنُوا أنَّهم يَرَوْنَ مَوْتَكَ. وفي الإنْكارِ الَّذِي هو في مَعْنى النَّفْيِ إنْذارٌ لَهم بِأنَّهم لا يَرى مَوْتَهُ مِنهم أحَدٌ.
الأنبياء 21:35
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً وإلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾
جُمَلٌ مُعْتَرِضاتٌ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ المُتَعاطِفَتَيْنِ، ومَضْمُونُ الجُمْلَةِ الأُولى مُؤَكِّدٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها، وهي ﴿وما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِن قَبْلِكَ الخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]؛ ووَجْهُ إعادَتِها اخْتِلافُ القَصْدِ، فَإنَّ الأُولى لِلرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ وهَذِهِ لِتَعْلِيمِ المُؤْمِنِينَ. واسْتُعِيرَ الذَّوْقُ لِمُطْلَقِ الإحْساسِ الباطِنِيِّ؛ لِأنَّ الذَّوْقَ إحْساسٌ بِاللِّسانِ يُقارِنُهُ ازْدِرادٌ إلى بِالباطِنِ.
صفحة ٦٤
وذَوْقُ المَوْتِ ذَوْقُ آلامِ مُقَدِّماتِهِ، وأمّا بَعْدَ حُصُولِهِ فَلا إحْساسَ لِلْجَسَدِ.
والمُرادُ بِالنَّفْسِ: النُّفُوسُ الحالَّةُ في الأجْسادِ كالإنْسانِ والحَيَوانِ. ولا يَدْخُلُ فِيهِ المَلائِكَةُ؛ لِأنَّ إطْلاقَ النُّفُوسِ عَلَيْهِمْ غَيْرُ مُتَعارَفٍ في العَرَبِيَّةِ، بَلْ هو اصْطِلاحُ الحُكَماءِ وهو لا يُطْلَقُ عِنْدَهم إلّا مُقَيَّدًا بِوَصْفِ المُجَرَّداتِ، أيِ الَّتِي لا تَحِلُّ في الأجْسادِ ولا تُلابِسُ المادَّةَ. وأمّا إطْلاقُ النَّفْسِ عَلى اللَّهِ تَعالى فَمُشاكَلَةٌ: إمّا لَفْظِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] في سُورَةِ المائِدَةِ، وإمّا تَقْدِيرِيَّةٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] في آلِ عِمْرانَ، وجُمْلَةُ ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ بِمُناسَبَةِ أنَّ ذَوْقَ المَوْتِ يَقْتَضِي سَبْقَ الحَياةِ، والحَياةُ مُدَّةٌ يَعْتَرِي فِيها الخَيْرُ والشَّرُّ جَمِيعَ الأحْياءِ، فَعَلَّمَ اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ أنَّ المَوْتَ مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ حَتّى لا يَحْسَبُوا أنَّ الرَّسُولَ ﷺ مُخَلَّدٌ، وقَدْ عَرَضَ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ عارِضٌ مِن ذَلِكَ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَدْ قالَ يَوْمَ انْتِقالِ النَّبِيءِ ﷺ إلى الرَّفِيقِ الأعْلى: لِيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ فَيُقَطِّعَ أيْدِيَ قَوْمٍ وأرْجُلَهم، حَتّى حَضَرَ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وثَبَّتَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ الهَوْلِ، فَكَشَفَ عَنْ وجْهِ النَّبِيءِ ﷺ وقَبَّلَهُ وقالَ: طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، واللَّهِ لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ.
وقَدْ قالَ عَبَدُ بَنِي الحَسْحاسِ وأجادَ:
رَأيْتُ المَنايا لَمْ يَدَعْنَ مُحَمَّدًا ولا باقِيًا إلّا لَهُ المَوْتُ مَرْصَدا
وأعْقَبَ اللَّهُ ذَلِكَ بِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ الحَياةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى خَيْرٍ وشَرٍّ، وأنَّ الدُّنْيا دارُ ابْتِلاءٍ.
صفحة ٦٥
والبَلْوى: الِاخْتِبارُ. وتَقَدَّمُ غَيْرَ مَرَّةٍ. وإطْلاقُ البَلْوى عَلى ما يَبْدُو مِنَ النّاسِ مِن تَجَلُّدٍ ووَهْنٍ وشُكْرٍ وكُفْرٍ، عَلى ما يَنالُهم مِنَ اللَّذّاتِ والآلامِ مِمّا بَنى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ نِظامَ الحَياةِ، إطْلاقٌ مَجازِيٌّ؛ لِأنَّ ابْتِناءَ النِّظامِ عَلَيْهِ دَلَّ عَلى اخْتِلافِ أحْوالِ النّاسِ في تَصَرُّفِهِمْ فِيهِ وتَلَقِّيهِمْ إيّاهُ. أشْبَهَ اخْتِبارَ المُخْتَبِرِ لِيَعْلَمَ أحْوالَ مَن يَخْتَبِرُهم. و”فِتْنَةً“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلِقَةِ تَوْكِيدًا لِفِعْلِ ”نَبْلُوكم“؛ لِأنَّ الفِتْنَةَ تُرادِفُ البَلْوى، وجُمْلَةُ ”وإلَيْنا تَرْجِعُونَ“ إثْباتٌ لِلْبَعْثِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ المَوْتَ والحَياةَ والنَّشْرَ، وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ وإفادَةِ تَقَوِّي الخَبَرِ. وأمّا احْتِمالُ القَصْرِ فَلا يَقُومُ هُنا؛ إذْ لَيْسَ ضِدَّ ذَلِكَ بِاعْتِقادٍ لِلْمُخاطَبِينَ كَيْفَما افْتَرَضْتَهم.
الأنبياء 21:36
﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكم وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾
هَذا وصْفٌ آخَرُ لِما يُؤْذِي بِهِ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَرَوْنَهُ فَهو أخَصُّ مِن أذاهم إيّاهُ في مَغِيبِهِ، فَإذا رَأوْهُ يَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ .
والهُزُؤُ - بِضَمِّ الهاءِ وضَمِّ الزّايِ - مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ، إذا جَعَلَهُ لِلْعَبَثِ والتَّفَكُّهِ. ومَعْنى اتِّخاذِهِ هُزْوًا أنَّهم يَجْعَلُونَهُ مُسْتَهْزَأً بِهِ، فَهَذا مِنَ الإخْبارِ
صفحة ٦٦
بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الكَهْفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذُوا آياتِي ورُسُلِي هُزُوًا﴾ [الكهف: ١٠٦]، وجُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ فَهي في مَعْنى قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ يَكُونُ بِالكَلامِ. وقَدِ انْحَصَرَ اتِّخاذُهم إيّاهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ في الِاسْتِهْزاءِ بِهِ دُونَ أنْ يَخْلِطُوهُ بِحَدِيثٍ آخَرَ في شَأْنِهِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحْقِيرِ، بِقَرِينَةِ الِاسْتِهْزاءِ.
ومَعْنى ”يَذْكُرُ آلِهَتَكم“ يَذْكُرُهم بِسُوءٍ، بِقَرِينَةِ المَقامِ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَذْكُرُ بِهِ آلِهَتَهم مِمّا يَسُوءُهم، فَإنَّ الذِّكْرَ يَكُونُ بِخَيْرٍ وبِشَرٍّ، فَإذا لَمْ يُصَرَّحْ بِمُتَعَلِّقِهِ يُصارُ إلى القَرِينَةِ كَما هُنا في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٠]، وكَلامُهم مَسُوقٌ مَساقَ الغَيْظِ والغَضَبِ؛ ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ اللَّهُ بِجُمْلَةِ الحالِ وهي ﴿وهم بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هم كافِرُونَ﴾، أيْ يَغْضَبُونَ مِن أنْ تُذْكَرَ آلِهَتُهم بِما هو كَشْفٌ لِكُنْهِها المُطابِقِ لِلْواقِعِ في حالِ غَفْلَتِهِمْ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ الَّذِي هو الحَقِيقُ بِأنْ يَذْكُرُوهُ. فالذِّكْرُ الثّانِي مُسْتَعْمَلٌ في الذِّكْرِ بِالثَّناءِ والتَّمْجِيدِ بِقَرِينَةِ المَقامِ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُنا القُرْآنُ، أيِ الذِّكْرُ الوارِدُ مِنَ الرَّحْمَنِ. والمُناسَبَةُ الِانْتِقالُ مِن ذِكْرٍ إلى ذِكْرٍ؛ ومَعْنى كُفْرِهِمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ إنْكارُهم أنْ يَكُونَ القُرْآنُ آيَةً دالَّةً عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ فَقالُوا: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] . وأيْضًا كُفْرُهم بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِن إثْباتِ البَعْثِ.
وعَبَّرَ عَنِ اللَّهِ تَعالى باسِمِ ”الرَّحْمَنِ“ تَوَرُّكًا عَلَيْهِمْ؛ إذْ كانُوا يَأْبَوْنَ أنْ يَكُونَ الرَّحْمَنُ اسْمًا لِلَّهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] في سُورَةِ الفُرْقانِ.
صفحة ٦٧
وضَمِيرُ الفَصْلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”هم كافِرُونَ“ يَجُوزُ أنْ يُفِيدَ الحَصْرَ، أيْ هم كافِرُونَ بِالقُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِهِمْ مِنَ العَرَبِ لِإفادَةِ أنَّ هَؤُلاءِ باقُونَ عَلى كُفْرِهِمْ مَعَ تَوَفُّرِ الآياتِ والنُّذُرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَصْلُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ تَحْقِيقًا لِدَوامِ كُفْرِهِمْ مَعَ ظُهُورِ ما شَأْنُهُ أنْ يُقْلِعَهم عَنِ الكُفْرِ.
الأنبياء 21:37
﴿خُلِقَ الإنْسانُ مَن عَجَلٍ سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
جُمْلَةُ ﴿خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾، جُعِلَتْ مُقَدِّمَةً لِجُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ . أمّا جُمْلَةُ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ فَهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٣٨]؛ لِأنَّ قَوْلَهَ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] يُثِيرُ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ تَساؤُلًا عَنْ مَدى إمْهالِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا جاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ الجُمَلِ الَّتِي تَحْكِي أقْوالَ المُشْرِكِينَ وما تَفَرَّعَ عَلَيْها. فالخِطابُ إلى المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَبْطِئُونَ حُلُولَ الوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعالى بِهِ المُكَذِّبِينَ.
ومُناسَبَةُ مَوْقِعِ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ ذِكْرَ اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - يُهَيِّجُ حَنَقَ المُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ فَيَوَدُّوا أنْ يَنْزِلَ بِالمُكَذِّبِينَ الوَعِيدُ عاجِلًا، فَخُوطِبُوا بِالتَّرَيُّثِ وأنْ لا يَسْتَعْجِلُوا رَبَّهم؛ لِأنَّهُ أعْلَمُ بِمُقْتَضى الحِكْمَةِ في تَوْقِيتِ حُلُولِ الوَعِيدِ وما في تَأْخِيرِ نُزُولِهِ مِنَ المَصالِحِ لِلدِّينِ.
صفحة ٦٨
وأهَمُّها مَصْلَحَةُ إمْهالِ القَوْمِ حَتّى يَدْخُلَ مِنهم كَثِيرٌ في الإسْلامِ. والوَجْهُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ الأُولى تَمْهِيدًا لِلثّانِيَةِ.
والعَجَلُ: السُّرْعَةُ، وخَلْقُ الإنْسانَ مِنهُ اسْتِعارَةٌ لِتَمَكُّنِ هَذا الوَصْفِ مِن جِبِلَّةِ الإنْسانِيَّةِ.
شُبِّهَتْ شِدَّةُ مُلازِمَةِ الوَصْفِ بِكَوْنِ مادَّةِ التَّكْوِينِ مَوْصُوفَةً؛ لِأنَّ ضَعْفَ صِفَةِ الصَّبْرِ في الإنْسانِ مِن مُقْتَضى التَّفْكِيرِ في المَحَبَّةِ والكَراهِيَةِ. فَإذا فَكَّرَ العَقْلُ في شَيْءٍ مَحْبُوبٍ اسْتَعْجَلَ حُصُولَهُ بِداعِي المَحَبَّةِ، وإذا فَكَّرَ في شَيْءٍ مَكْرُوهٍ اسْتَعْجَلَ إزالَتَهُ بِداعِي الكَراهِيَةِ، ولا تَخْلُو أحْوالُ الإنْسانِ عَنْ هَذَيْنِ، فَلا جَرَمَ كانَ الإنْسانُ عَجُولًا بِالطَّبْعِ فَكَأنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنَ العَجَلَةِ، ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] . ثُمَّ إنَّ أفْرادَ النّاسِ مُتَفاوِتُونَ في هَذا الِاسْتِعْجالِ عَلى حَسَبِ تَفاوُتِهِمْ في غَوْرِ النَّظَرِ والكُفْرِ، ولَكِنَّهم مَعَ ذَلِكَ لا يَخْلُونَ عَنْهُ. وأمّا مَن فَسَّرَ العَجَلَ بِالطِّينِ وزَعَمَ أنَّها كَلِمَةٌ حِمْيَرِيَّةٌ فَقَدْ أبْعَدَ وما أسْعَدَ.
وجُمْلَةُ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الِاعْتِراضِ. وهي مُسْتَأْنَفَةٌ، والمَعْنى: وعْدٌ بِأنَّهم سَيَرَوْنَ آياتِ اللَّهِ في نَصْرِ الدِّينِ، وذَلِكَ بِما حَصَلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ النَّصْرِ وهَلاكِ أئِمَّةِ الشِّرْكِ وما حَصَلَ بَعْدَهُ مِن أيّامِ الإسْلامِ الَّتِي كانَ النَّصْرُ فِيها عاقِبَةَ المُسْلِمِينَ.
وتَفَرَّعَ عَلى هَذا الوَعْدِ نَهْيٌ عَنْ طَلَبِ التَّعْجِيلِ، أيْ عَلَيْكم أنْ تَكِلُوا ذَلِكَ إلى ما يُوَقِّتُهُ اللَّهُ ويُؤَجِّلُهُ، ولِكُلِّ أجَلِ كِتابٌ. فَهو نَهْيٌ عَنِ التَّوَغُّلِ في هَذِهِ الصِّفَةِ وعَنْ لَوازِمِ ذَلِكَ الَّتِي تُفْضِي إلى الشَّكِّ في الوَعِيدِ، وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ مِن كَلِمَةِ ”تَسْتَعْجِلُونِ“ تَخْفِيفًا مَعَ بَقاءِ حَرَكَتِها، فَإذا وُقِفَ عَلَيْهِ حُذِفَتِ الحَرَكَةُ مِنَ النُّونِ.
الأنبياء 21:38
صفحة ٦٩
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
نَشَأ عَنْ ذِكْرِ اسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ وعْدَ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ عَلى الكافِرِينَ ذِكْرُ نَظِيرِهِ في جانِبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم تَساءَلُوا عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ تَهَكُّمًا، فَنَشَأ بِهِ القَوْلانِ واخْتَلَفَ الحالانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهَذا مُعَبِّرٌ عَنْ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي يَتَلَقَّوْنَ بِها دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، وذِكْرُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ هُنا لِاسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ النَّصْرَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها.
وخاطَبُوا بِضَمِيرِ الجَماعَةِ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ولِأجْلِ هَذِهِ المَقالَةِ كانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَعْجِلُونَ وعِيدَ المُشْرِكِينَ.
واسْتِفْهامُهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ في التَّهَكُّمِ مَجازًا مُرْسَلًا بِقَرِينَةِ ”إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ“؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُوقِنِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ الوَعْدِ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ مِن نَصْرِ رَسُولِهِ واسْتِئْصالِ مُعانِدِيهِ. وإلى هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها يَنْظُرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ وقَفَ عَلى القَلِيبِ الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ جُثَثُ المُشْرِكِينَ وناداهم بِأسْمائِهِمْ ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]
صفحة ٧٠
أيْ ما وعَدَنا رَبُّنا مِنَ النَّصْرِ وما وعَدَكم مِنَ الهَلاكِ وعَذابِ النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَرَقَّبُونَ مِن حِكايَةِ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ماذا يَكُونُ جَوابُهم عَنْ تَهَكُّمِهِمْ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا كانُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِكم وبِدِينِكم، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ المَقامُ. وقَدْ يُؤْخَذُ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] . وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. ونُكْتَتُهُ تَهْوِيلُ جِنْسِهِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
و”حِينَ“ هُنا: اسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مِن أسْماءِ الزَّمانِ المُتَصَرِّفَةِ، أيْ لَوْ عَلِمُوا وقْتَهُ وأيْقَنُوا بِحُصُولِهِ لَما كَذَّبُوا بِهِ وبِمَن أنْذَرَهم بِهِ، ولَما عَدُّوا تَأْخِيرَهُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِ. وجُمْلَةُ ”لا يَكُفُّونَ“ مُضافٌ إلَيْها ”حِينَ“، وضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما بَدا لِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَلائِكَةِ العَذابِ، فَمُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، ونَظائِرُ هَذا المُعادِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ومَعْنى الكَفِّ عَلى هَذا الوَجْهِ: الإمْساكُ وهو حَقِيقَتُهُ، أيْ حِينَ لا يُمْسِكُ المَلائِكَةُ اللَّفْحَ بِالنّارِ عَنْ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] فَإنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِسِياطٍ مِن نارٍ ويَكُونُ ما هُنا إنْذارًا بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَما أنَّ آيَةَ الأنْفالِ حِكايَةٌ لِما لَقُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٧١
وذِكْرُ الوُجُوهَ والأدْبارَ لِلتَّنْكِيلِ بِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ أعَزُّ الأعْضاءِ عَلى النّاسِ كَما قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلِّطامِ
ولِأنَّ الأدْبارَ يَأْنَفُ النّاسُ مِن ضَرْبِها؛ لِأنَّ ضَرْبَها إهانَةٌ وخِزْيٌ، ويُسَمّى الكَسْعَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والكَفُّ بِمَعْنى الدَّرْءِ والسَّتْرِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أيْ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدْفَعُوا النّارَ عَنْ وُجُوهِهِمْ بِأيْدِيهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ، أيْ حِينَ تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ مُواجَهَةً ومُدابَرَةً. وذِكْرُ الظُّهُورِ بَعْدَ ذِكْرِ الوُجُوهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهم قَدْ يَكُفُّونَها عَنْ ظُهُورِهِمْ إنْ لَمْ تَشْتَغِلْ أيْدِيهِمْ بِكَفِّها عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَن لَدَيْنا كُتُبُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ مُناسَبَةً تامَّةً لِلْكافِرِينَ الحاضِرِينَ المُقَرَّعِينَ ولِتَكْذِيبِهِمْ بِالوَعِيدِ بِالهَلاكِ في قَوْلِهِمْ ”مَتى هَذا الوَعْدُ“ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ”ولا هم يُنْصَرُونَ“ عَطْفٌ عَلى ”لا يَكُفُّونَ“، أيْ لا يَكُفُّ عَنْهم نَفْحُ النّارِ، أوْ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ نَفْحَ النّارِ ولا يَجِدُونَ لَهم ناصِرًا يَنْصُرُهم، فَهم واقِعُونَ في ورْطَةِ العَذابِ. وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهم سَتَحُلُّ بِهِمْ هَزِيمَةُ بَدْرٍ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَلاصًا مِنها ولا يَجِدُونَ نَصِيرًا مِن أحْلافِهِمْ.
و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَهْوِيلِ ما أُعِدَّ لَهم، إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِمْ بَغْتَةً وفَجْأةً، وهو أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِعَدَمِ التَّهَيُّؤِ لَهُ والتَّوَطُّنِ عَلَيْهِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
فَقُلْتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
صفحة ٧٢
وإنْ كانَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ فَنَفْيُ النّاصِرِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وفاعِلُ ”تَأْتِيهِمْ“ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الوَعْدِ، وإنَّما قُرِنَ الفِعْلُ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ بِاعْتِبارِ الوَقْعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فِيما اسْمُهُ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ مِثْلَ الوَقْعَةِ والغَزْوَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ فِيما رَأيْنا فَلِتَأْوِيلِ الوَعْدِ بِالسّاعَةِ أوِ القِيامَةِ أوِ الحِينِ في مَعْنى السّاعَةِ.
والبَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وهي حُدُوثُ شَيْءٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ.
والبَهْتُ: الغَلَبُ المُفاجِئُ المُعْجِزُ عَنِ المُدافَعَةِ، يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أيْ غَلَبَ، وهو مَعْنى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ”ولا هم يُنْظَرُونَ“ أيْ لا تُؤَخَّرُ عَنْهم. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم إلى أنَّهم أُنْظِرُوا زَمَنًا طَوِيلًا لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، وما أشَدَّ انْطِباقِ هَذِهِ الهَيْئَةِ عَلى ما حَصَلَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] في الأنْفالِ، وقالَ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] . ولا شَكَّ في أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، كانُوا مِمَّنْ بَغَتَهم عَذابُ السَّيْفِ، وكانَ أنْصارُهم مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ بَهَتَهم ذَلِكَ. وأمّا إذا أُرِيدَ بِضَمِيرِ ”تَأْتِيهِمْ“ السّاعَةُ والقِيامَةُ فَهي تَأْتِي بَغْتَةً لِمَن هم مِن جِنْسِ المُشْرِكِينَ أوْ تَأْتِيَهُمُ النَّفْخَةُ والنَّشْرَةُ بَغْتَةً. وأمّا أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئُونَ فَكانُوا قَدِ انْقَرَضُوا مُنْذُ قُرُونٍ.
الأنبياء 21:39
صفحة ٦٩
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
نَشَأ عَنْ ذِكْرِ اسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ وعْدَ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ عَلى الكافِرِينَ ذِكْرُ نَظِيرِهِ في جانِبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم تَساءَلُوا عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ تَهَكُّمًا، فَنَشَأ بِهِ القَوْلانِ واخْتَلَفَ الحالانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهَذا مُعَبِّرٌ عَنْ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي يَتَلَقَّوْنَ بِها دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، وذِكْرُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ هُنا لِاسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ النَّصْرَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها.
وخاطَبُوا بِضَمِيرِ الجَماعَةِ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ولِأجْلِ هَذِهِ المَقالَةِ كانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَعْجِلُونَ وعِيدَ المُشْرِكِينَ.
واسْتِفْهامُهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ في التَّهَكُّمِ مَجازًا مُرْسَلًا بِقَرِينَةِ ”إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ“؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُوقِنِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ الوَعْدِ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ مِن نَصْرِ رَسُولِهِ واسْتِئْصالِ مُعانِدِيهِ. وإلى هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها يَنْظُرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ وقَفَ عَلى القَلِيبِ الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ جُثَثُ المُشْرِكِينَ وناداهم بِأسْمائِهِمْ ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]
صفحة ٧٠
أيْ ما وعَدَنا رَبُّنا مِنَ النَّصْرِ وما وعَدَكم مِنَ الهَلاكِ وعَذابِ النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَرَقَّبُونَ مِن حِكايَةِ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ماذا يَكُونُ جَوابُهم عَنْ تَهَكُّمِهِمْ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا كانُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِكم وبِدِينِكم، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ المَقامُ. وقَدْ يُؤْخَذُ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] . وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. ونُكْتَتُهُ تَهْوِيلُ جِنْسِهِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
و”حِينَ“ هُنا: اسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مِن أسْماءِ الزَّمانِ المُتَصَرِّفَةِ، أيْ لَوْ عَلِمُوا وقْتَهُ وأيْقَنُوا بِحُصُولِهِ لَما كَذَّبُوا بِهِ وبِمَن أنْذَرَهم بِهِ، ولَما عَدُّوا تَأْخِيرَهُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِ. وجُمْلَةُ ”لا يَكُفُّونَ“ مُضافٌ إلَيْها ”حِينَ“، وضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما بَدا لِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَلائِكَةِ العَذابِ، فَمُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، ونَظائِرُ هَذا المُعادِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ومَعْنى الكَفِّ عَلى هَذا الوَجْهِ: الإمْساكُ وهو حَقِيقَتُهُ، أيْ حِينَ لا يُمْسِكُ المَلائِكَةُ اللَّفْحَ بِالنّارِ عَنْ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] فَإنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِسِياطٍ مِن نارٍ ويَكُونُ ما هُنا إنْذارًا بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَما أنَّ آيَةَ الأنْفالِ حِكايَةٌ لِما لَقُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٧١
وذِكْرُ الوُجُوهَ والأدْبارَ لِلتَّنْكِيلِ بِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ أعَزُّ الأعْضاءِ عَلى النّاسِ كَما قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلِّطامِ
ولِأنَّ الأدْبارَ يَأْنَفُ النّاسُ مِن ضَرْبِها؛ لِأنَّ ضَرْبَها إهانَةٌ وخِزْيٌ، ويُسَمّى الكَسْعَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والكَفُّ بِمَعْنى الدَّرْءِ والسَّتْرِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أيْ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدْفَعُوا النّارَ عَنْ وُجُوهِهِمْ بِأيْدِيهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ، أيْ حِينَ تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ مُواجَهَةً ومُدابَرَةً. وذِكْرُ الظُّهُورِ بَعْدَ ذِكْرِ الوُجُوهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهم قَدْ يَكُفُّونَها عَنْ ظُهُورِهِمْ إنْ لَمْ تَشْتَغِلْ أيْدِيهِمْ بِكَفِّها عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَن لَدَيْنا كُتُبُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ مُناسَبَةً تامَّةً لِلْكافِرِينَ الحاضِرِينَ المُقَرَّعِينَ ولِتَكْذِيبِهِمْ بِالوَعِيدِ بِالهَلاكِ في قَوْلِهِمْ ”مَتى هَذا الوَعْدُ“ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ”ولا هم يُنْصَرُونَ“ عَطْفٌ عَلى ”لا يَكُفُّونَ“، أيْ لا يَكُفُّ عَنْهم نَفْحُ النّارِ، أوْ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ نَفْحَ النّارِ ولا يَجِدُونَ لَهم ناصِرًا يَنْصُرُهم، فَهم واقِعُونَ في ورْطَةِ العَذابِ. وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهم سَتَحُلُّ بِهِمْ هَزِيمَةُ بَدْرٍ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَلاصًا مِنها ولا يَجِدُونَ نَصِيرًا مِن أحْلافِهِمْ.
و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَهْوِيلِ ما أُعِدَّ لَهم، إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِمْ بَغْتَةً وفَجْأةً، وهو أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِعَدَمِ التَّهَيُّؤِ لَهُ والتَّوَطُّنِ عَلَيْهِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
فَقُلْتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
صفحة ٧٢
وإنْ كانَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ فَنَفْيُ النّاصِرِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وفاعِلُ ”تَأْتِيهِمْ“ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الوَعْدِ، وإنَّما قُرِنَ الفِعْلُ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ بِاعْتِبارِ الوَقْعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فِيما اسْمُهُ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ مِثْلَ الوَقْعَةِ والغَزْوَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ فِيما رَأيْنا فَلِتَأْوِيلِ الوَعْدِ بِالسّاعَةِ أوِ القِيامَةِ أوِ الحِينِ في مَعْنى السّاعَةِ.
والبَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وهي حُدُوثُ شَيْءٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ.
والبَهْتُ: الغَلَبُ المُفاجِئُ المُعْجِزُ عَنِ المُدافَعَةِ، يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أيْ غَلَبَ، وهو مَعْنى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ”ولا هم يُنْظَرُونَ“ أيْ لا تُؤَخَّرُ عَنْهم. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم إلى أنَّهم أُنْظِرُوا زَمَنًا طَوِيلًا لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، وما أشَدَّ انْطِباقِ هَذِهِ الهَيْئَةِ عَلى ما حَصَلَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] في الأنْفالِ، وقالَ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] . ولا شَكَّ في أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، كانُوا مِمَّنْ بَغَتَهم عَذابُ السَّيْفِ، وكانَ أنْصارُهم مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ بَهَتَهم ذَلِكَ. وأمّا إذا أُرِيدَ بِضَمِيرِ ”تَأْتِيهِمْ“ السّاعَةُ والقِيامَةُ فَهي تَأْتِي بَغْتَةً لِمَن هم مِن جِنْسِ المُشْرِكِينَ أوْ تَأْتِيَهُمُ النَّفْخَةُ والنَّشْرَةُ بَغْتَةً. وأمّا أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئُونَ فَكانُوا قَدِ انْقَرَضُوا مُنْذُ قُرُونٍ.
الأنبياء 21:40
صفحة ٦٩
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهم فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها ولا هم يُنْظَرُونَ﴾
نَشَأ عَنْ ذِكْرِ اسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ وعْدَ اللَّهِ بِنَصْرِهِمْ عَلى الكافِرِينَ ذِكْرُ نَظِيرِهِ في جانِبِ المُشْرِكِينَ أنَّهم تَساءَلُوا عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ تَهَكُّمًا، فَنَشَأ بِهِ القَوْلانِ واخْتَلَفَ الحالانِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧]، وهَذا مُعَبِّرٌ عَنْ مَقالَةٍ أُخْرى مِن مَقالاتِهِمُ الَّتِي يَتَلَقَّوْنَ بِها دَعْوَةَ النَّبِيءِ ﷺ اسْتِهْزاءً وعِنادًا، وذِكْرُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ هُنا لِاسْتِبْطاءِ المُسْلِمِينَ النَّصْرَ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَكُونُ مُتَّصِلَةً بِجُمْلَةِ ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلَيْها.
وخاطَبُوا بِضَمِيرِ الجَماعَةِ النَّبِيءَ ﷺ والمُسْلِمِينَ، ولِأجْلِ هَذِهِ المَقالَةِ كانَ المُسْلِمُونَ يَسْتَعْجِلُونَ وعِيدَ المُشْرِكِينَ.
واسْتِفْهامُهُمُ اسْتَعْمَلُوهُ في التَّهَكُّمِ مَجازًا مُرْسَلًا بِقَرِينَةِ ”إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ“؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُوقِنِينَ بِعَدَمِ حُصُولِ الوَعْدِ. والمُرادُ بِالوَعْدِ ما تَوَعَّدَهم بِهِ القُرْآنُ مِن نَصْرِ رَسُولِهِ واسْتِئْصالِ مُعانِدِيهِ. وإلى هَذِهِ الآيَةِ ونَظِيرِها يَنْظُرُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ وقَفَ عَلى القَلِيبِ الَّذِي دُفِنَتْ فِيهِ جُثَثُ المُشْرِكِينَ وناداهم بِأسْمائِهِمْ ﴿قَدْ وجَدْنا ما وعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وجَدْتُمْ ما وعَدَ رَبُّكم حَقًّا﴾ [الأعراف: ٤٤]
صفحة ٧٠
أيْ ما وعَدَنا رَبُّنا مِنَ النَّصْرِ وما وعَدَكم مِنَ الهَلاكِ وعَذابِ النّارِ، وجُمْلَةُ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلْبَيانِ؛ لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَرَقَّبُونَ مِن حِكايَةِ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ماذا يَكُونُ جَوابُهم عَنْ تَهَكُّمِهِمْ، وحاصِلُ الجَوابِ أنَّهُ واقِعٌ لا مَحالَةَ، ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِهِ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَمّا كانُوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِرَسُولِكم وبِدِينِكم، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ المَقامُ. وقَدْ يُؤْخَذُ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُوًا﴾ [الأنبياء: ٣٦] . وحَذْفُ جَوابِ ”لَوْ“ كَثِيرٌ في القُرْآنِ. ونُكْتَتُهُ تَهْوِيلُ جِنْسِهِ، فَتَذْهَبُ نَفْسُ السّامِعِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
و”حِينَ“ هُنا: اسْمٌ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لا عَلى الظَّرْفِيَّةِ، فَهو مِن أسْماءِ الزَّمانِ المُتَصَرِّفَةِ، أيْ لَوْ عَلِمُوا وقْتَهُ وأيْقَنُوا بِحُصُولِهِ لَما كَذَّبُوا بِهِ وبِمَن أنْذَرَهم بِهِ، ولَما عَدُّوا تَأْخِيرَهُ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِهِ. وجُمْلَةُ ”لا يَكُفُّونَ“ مُضافٌ إلَيْها ”حِينَ“، وضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما بَدا لِي أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى مَلائِكَةِ العَذابِ، فَمُعادُ الضَّمِيرِ مَعْلُومٌ مِنَ المَقامِ، ونَظائِرُ هَذا المُعادِ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ، ومَعْنى الكَفِّ عَلى هَذا الوَجْهِ: الإمْساكُ وهو حَقِيقَتُهُ، أيْ حِينَ لا يُمْسِكُ المَلائِكَةُ اللَّفْحَ بِالنّارِ عَنْ وُجُوهِ المُشْرِكِينَ، وتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ الأنْفالِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهم وأدْبارَهم وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [الأنفال: ٥٠] فَإنَّ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِسِياطٍ مِن نارٍ ويَكُونُ ما هُنا إنْذارًا بِما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ بَدْرٍ كَما أنَّ آيَةَ الأنْفالِ حِكايَةٌ لِما لَقُوهُ يَوْمَ بَدْرٍ.
صفحة ٧١
وذِكْرُ الوُجُوهَ والأدْبارَ لِلتَّنْكِيلِ بِهِمْ وتَخْوِيفِهِمْ؛ لِأنَّ الوُجُوهَ أعَزُّ الأعْضاءِ عَلى النّاسِ كَما قالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْداسٍ:
نُعَرِّضُ لِلسُّيُوفِ إذا التَقَيْنا وُجُوهًا لا تُعَرَّضُ لِلِّطامِ
ولِأنَّ الأدْبارَ يَأْنَفُ النّاسُ مِن ضَرْبِها؛ لِأنَّ ضَرْبَها إهانَةٌ وخِزْيٌ، ويُسَمّى الكَسْعَ.
والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ”يَكُفُّونَ“ عائِدًا إلى الَّذِينَ كَفَرُوا، والكَفُّ بِمَعْنى الدَّرْءِ والسَّتْرِ مَجازًا بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، أيْ حِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَدْفَعُوا النّارَ عَنْ وُجُوهِهِمْ بِأيْدِيهِمْ ولا عَنْ ظُهُورِهِمْ، أيْ حِينَ تُحِيطُ بِهِمُ النّارُ مُواجَهَةً ومُدابَرَةً. وذِكْرُ الظُّهُورِ بَعْدَ ذِكْرِ الوُجُوهِ عَنْ هَذا الِاحْتِمالِ احْتِراسٌ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أنَّهم قَدْ يَكُفُّونَها عَنْ ظُهُورِهِمْ إنْ لَمْ تَشْتَغِلْ أيْدِيهِمْ بِكَفِّها عَنْ وُجُوهِهِمْ، وهَذا الوَجْهُ هو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَن لَدَيْنا كُتُبُهم مِنَ المُفَسِّرِينَ، والوَجْهُ الأوَّلُ أرْجَحُ مَعْنًى؛ لِأنَّهُ المُناسِبُ مُناسَبَةً تامَّةً لِلْكافِرِينَ الحاضِرِينَ المُقَرَّعِينَ ولِتَكْذِيبِهِمْ بِالوَعِيدِ بِالهَلاكِ في قَوْلِهِمْ ”مَتى هَذا الوَعْدُ“ ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] كَما تَقَدَّمَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ”ولا هم يُنْصَرُونَ“ عَطْفٌ عَلى ”لا يَكُفُّونَ“، أيْ لا يَكُفُّ عَنْهم نَفْحُ النّارِ، أوْ لا يَدْفَعُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ نَفْحَ النّارِ ولا يَجِدُونَ لَهم ناصِرًا يَنْصُرُهم، فَهم واقِعُونَ في ورْطَةِ العَذابِ. وفي هَذا إيماءٌ إلى أنَّهم سَتَحُلُّ بِهِمْ هَزِيمَةُ بَدْرٍ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ خَلاصًا مِنها ولا يَجِدُونَ نَصِيرًا مِن أحْلافِهِمْ.
و”بَلْ“ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ مِن تَهْوِيلِ ما أُعِدَّ لَهم، إلى التَّهْدِيدِ بِأنَّ ذَلِكَ يَحِلُّ بِهِمْ بَغْتَةً وفَجْأةً، وهو أشَدُّ عَلى النُّفُوسِ؛ لِعَدَمِ التَّهَيُّؤِ لَهُ والتَّوَطُّنِ عَلَيْهِ، كَما قالَ كُثَيِّرٌ:
فَقُلْتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصِيبَةٍ ∗∗∗ إذا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَها النَّفْسُ ذَلَّتِ
صفحة ٧٢
وإنْ كانَ المُرادُ عَذابَ الآخِرَةِ فَنَفْيُ النّاصِرِ تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، وفاعِلُ ”تَأْتِيهِمْ“ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الوَعْدِ، وإنَّما قُرِنَ الفِعْلُ بِعَلامَةِ المُؤَنَّثِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ بِاعْتِبارِ الوَقْعَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وهو إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ فِيما اسْمُهُ لَفْظٌ مُؤَنَّثٌ مِثْلَ الوَقْعَةِ والغَزْوَةِ. وأمّا عَلى الوَجْهِ الثّانِي المُتَقَدِّمِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ سائِرُ المُفَسِّرِينَ فِيما رَأيْنا فَلِتَأْوِيلِ الوَعْدِ بِالسّاعَةِ أوِ القِيامَةِ أوِ الحِينِ في مَعْنى السّاعَةِ.
والبَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وهي حُدُوثُ شَيْءٍ غَيْرِ مُتَرَقَّبٍ.
والبَهْتُ: الغَلَبُ المُفاجِئُ المُعْجِزُ عَنِ المُدافَعَةِ، يُقالُ: بَهَتَهُ فَبُهِتَ. قالَ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] أيْ غَلَبَ، وهو مَعْنى التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى ”ولا هم يُنْظَرُونَ“ أيْ لا تُؤَخَّرُ عَنْهم. وفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهم إلى أنَّهم أُنْظِرُوا زَمَنًا طَوِيلًا لَعَلَّهم يُقْلِعُونَ عَنْ ضَلالِهِمْ، وما أشَدَّ انْطِباقِ هَذِهِ الهَيْئَةِ عَلى ما حَصَلَ لَهم يَوْمَ بَدْرٍ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ في المِيعادِ ولَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] في الأنْفالِ، وقالَ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٤] . ولا شَكَّ في أنَّ المُسْتَهْزِئِينَ مِثْلَ أبِي جَهْلٍ وشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، كانُوا مِمَّنْ بَغَتَهم عَذابُ السَّيْفِ، وكانَ أنْصارُهم مِن قُرَيْشٍ مِمَّنْ بَهَتَهم ذَلِكَ. وأمّا إذا أُرِيدَ بِضَمِيرِ ”تَأْتِيهِمْ“ السّاعَةُ والقِيامَةُ فَهي تَأْتِي بَغْتَةً لِمَن هم مِن جِنْسِ المُشْرِكِينَ أوْ تَأْتِيَهُمُ النَّفْخَةُ والنَّشْرَةُ بَغْتَةً. وأمّا أُولَئِكَ المُسْتَهْزِئُونَ فَكانُوا قَدِ انْقَرَضُوا مُنْذُ قُرُونٍ.
الأنبياء 21:41
صفحة ٧٣
﴿ولَقَدُ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿سَأُرِيكم آياتِي﴾ [الأنبياء: ٣٧] تَطْمِينٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ. ومُناسَبَةُ عَطْفِها عَلى جُمْلَةِ ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلى آخِرِها ظاهِرَةٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ.
الأنبياء 21:42
﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]
بَعْدَ أنْ سُلِّيَ الرَّسُولُ ﷺ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعِيدِ أُمِرَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأنَّ غُرُورَهم بِالإمْهالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ كَشَأْنِهِ في الرَّحْمَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ - بِأنَّهم إذا نَزَلَ بِهِمْ عَذابُهُ لا يَجِدُونَ حافِظًا لَهم مِنَ العَذابِ غَيْرَهُ ولا تَمْنَعُهم مِنهُ آلِهَتُهم، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ لا يَكْلَؤُكم مِنهُ أحَدٌ، فَكَيْفَ تَجْهَلُونَ ذَلِكَ، تَنْبِيهًا لَهم إذْ نَسُوا نِعَمَهُ.
وذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِاسْتِيعابِ الأزْمِنَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَكْلَؤُكم في جَمِيعِ الأوْقاتِ،
صفحة ٧٤
وقُدِّمَ اللَّيْلُ لِأنَّهُ زَمَنُ المَخاوِفِ؛ لِأنَّ الظَّلامَ يُعِينُ أسْبابَ الضُّرِّ عَلى الوُصُولِ إلى مُبْتَغاها مِن إنْسانٍ وحَيَوانٍ وعِلَلِ الأجْسامِ.
وذِكْرُ النَّهارِ بَعْدَهُ لِلِاسْتِيعابِ.
ومَعْنى ”مِنَ الرَّحْمَنِ“ مِن بَأْسِهِ وعَذابِهِ، وجِيءَ بَعْدَ هَذا التَّفْرِيعِ بِإضْراباتٍ ثَلاثَةٍ انْتِقالِيَّةٍ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ الَّذِي هو شَأْنُ الإضْرابِ.
فالإضْرابُ الأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهو ارْتِقاءٌ مِنَ التَّقْرِيعِ المَجْعُولِ لِلْإصْلاحِ إلى التَّأْيِيسِ مِن صَلاحِهِمْ بِأنَّهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ، فَلا يُرْجى مِنهُمُ الِانْتِفاعُ بِالقَوارِعِ، أيْ أخِّرِ السُّؤالَ والتَّقْرِيعَ واتْرُكْهم حَتّى إذا تَوَرَّطُوا في العَذابِ عَرَفُوا أنْ لا كالِئَ لَهم.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثانِيًا بِـ ”أمْ“ المُنْقَطِعَةِ الَّتِي هي أُخْتُ ”بَلْ“ مَعَ دَلالَتِها عَلى الِاسْتِفْهامِ؛ لِقَصْدِ التَّقْرِيعِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾، أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ ما لَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم مِن دُونِنا، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأصْنامَ شُفَعاءَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. وضَمِيرُ ”يَسْتَطِيعُونَ“ عائِدٌ إلى آلِهَةٍ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ العُقَلاءِ مُجاراةً لِما يُجْرِيهِ العَرَبُ في كَلامِهِمْ. والمَعْنى: كَيْفَ يَنْصُرُونَهم وهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ، ولا هم مُؤَيَّدُونَ مِنَ اللَّهِ بِالقَبُولِ.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثالِثًا انْتَقَلَ بِهِ إلى كَشْفِ سَبَبِ غُرُورِهِمُ الَّذِي مِن جَهْلِهِمْ بِهِ حَسِبُوا أنْفُسَهم آمِنِينَ مِن أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ فَجَرَّأهم
صفحة ٧٥
ذَلِكَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالوَعِيدِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، أيْ فَما هم مُسْتَمِرُّونَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ إنَّما هو تَمْتِيعٌ وإمْهالٌ كَما مَتَّعْنا آباءَهم مِن قَبْلُ، وكَما كانَ لِآبائِهِمْ آجالٌ انْتَهَوْا إلَيْها كَذَلِكَ يَكُونُ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ الآجالَ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ ما عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الحِكْمَةِ في مَداها حَتّى طالَتْ أعْمارُ آياتِهِمْ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ أعْمارَ هَؤُلاءِ لا تَبْلُغُ أعْمارَ آبائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ يُحِلُّ بِهِمُ الهَلاكَ لِتَكْذِيبِهِمْ إلى أمَدٍ عَلِمَهُ.
وقَدْ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمُ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهم مِن طَرِيقِ الخِطابِ إلى طَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ ما وُجِّهَ إلَيْهِمْ مِن إنْكارِ أنْ يَكْلَأهم أحَدٌ مِن عَذابِ اللَّهِ جَعَلَهم أحْرِياءَ بِالإعْراضِ عَنْهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
و”يُصْحَبُونَ“ إمّا مُضارِعُ صَحِبَهُ إذا خالَطَهُ ولازَمَهُ، والصُّحْبَةُ تَقْتَضِي النَّصْرَ والتَّأْيِيدَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الَّذِي نابَ عَنْهُ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلنّائِبِ مُرادًا بِهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ لا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ، أيْ لا يُؤَيِّدُهُمْ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الِاتِّصالِيَّةِ، أيْ صُحْبَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِنا بِمَعْنى صُحْبَةٍ مَتِينَةٍ. وهَذا نَفْيٌ لِما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ لا يَصْحَبُهم صاحِبٌ، أيْ لا يُجِيرُهم جارٌ، فَإنَّ الجِوارَ يَقْتَضِي حِمايَةَ الجارِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الَّتِي بِمَعْنى ”عَلى“، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافر: ٢٩] وإمّا مُضارِعٌ أصْحَبَهُ المَهْمُوزُ بِمَعْنى حِفْظَهُ ومَنعِهِ، أيْ مِنَ السُّوءِ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ لِحاضِرِينَ في الأذْهانِ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.
صفحة ٧٦
وقَدِ اسْتَقْرَبْتُ أنَّ القُرْآنَ إذا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الإشارَةُ دُونَ وُجُودِ مُشارٍ إلَيْهِ في الكَلامِ فَهو يَعْنِي بِها كُفّارَ قُرَيْشٍ.
الأنبياء 21:43
﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ ولا هم مِنّا يُصْحَبُونَ﴾ ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهم حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]
بَعْدَ أنْ سُلِّيَ الرَّسُولُ ﷺ عَلى اسْتِهْزائِهِمْ بِالوَعِيدِ أُمِرَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأنَّ غُرُورَهم بِالإمْهالِ مِن قِبَلِ اللَّهِ رَحْمَةً مِنهُ بِهِمْ كَشَأْنِهِ في الرَّحْمَةِ بِمَخْلُوقاتِهِ - بِأنَّهم إذا نَزَلَ بِهِمْ عَذابُهُ لا يَجِدُونَ حافِظًا لَهم مِنَ العَذابِ غَيْرَهُ ولا تَمْنَعُهم مِنهُ آلِهَتُهم، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ لا يَكْلَؤُكم مِنهُ أحَدٌ، فَكَيْفَ تَجْهَلُونَ ذَلِكَ، تَنْبِيهًا لَهم إذْ نَسُوا نِعَمَهُ.
وذِكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِاسْتِيعابِ الأزْمِنَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: مَن يَكْلَؤُكم في جَمِيعِ الأوْقاتِ،
صفحة ٧٤
وقُدِّمَ اللَّيْلُ لِأنَّهُ زَمَنُ المَخاوِفِ؛ لِأنَّ الظَّلامَ يُعِينُ أسْبابَ الضُّرِّ عَلى الوُصُولِ إلى مُبْتَغاها مِن إنْسانٍ وحَيَوانٍ وعِلَلِ الأجْسامِ.
وذِكْرُ النَّهارِ بَعْدَهُ لِلِاسْتِيعابِ.
ومَعْنى ”مِنَ الرَّحْمَنِ“ مِن بَأْسِهِ وعَذابِهِ، وجِيءَ بَعْدَ هَذا التَّفْرِيعِ بِإضْراباتٍ ثَلاثَةٍ انْتِقالِيَّةٍ عَلى سَبِيلِ التَّدْرِيجِ الَّذِي هو شَأْنُ الإضْرابِ.
فالإضْرابُ الأوَّلُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾، وهو ارْتِقاءٌ مِنَ التَّقْرِيعِ المَجْعُولِ لِلْإصْلاحِ إلى التَّأْيِيسِ مِن صَلاحِهِمْ بِأنَّهم عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ، فَلا يُرْجى مِنهُمُ الِانْتِفاعُ بِالقَوارِعِ، أيْ أخِّرِ السُّؤالَ والتَّقْرِيعَ واتْرُكْهم حَتّى إذا تَوَرَّطُوا في العَذابِ عَرَفُوا أنْ لا كالِئَ لَهم.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثانِيًا بِـ ”أمْ“ المُنْقَطِعَةِ الَّتِي هي أُخْتُ ”بَلْ“ مَعَ دَلالَتِها عَلى الِاسْتِفْهامِ؛ لِقَصْدِ التَّقْرِيعِ، فَقالَ: ﴿أمْ لَهم آلِهَةٌ تَمْنَعُهم مِن دُونِنا﴾، أيْ بَلْ ألَهُمَ آلِهَةٌ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ وتَقْرِيعٌ، أيْ ما لَهم آلِهَةٌ مانِعَةٌ لَهم مِن دُونِنا، وهَذا إبْطالٌ لِمُعْتَقَدِهِمْ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا الأصْنامَ شُفَعاءَ. وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ مُعْتَرِضَةٌ. وضَمِيرُ ”يَسْتَطِيعُونَ“ عائِدٌ إلى آلِهَةٍ أُجْرِيَ عَلَيْهِمْ ضَمِيرُ العُقَلاءِ مُجاراةً لِما يُجْرِيهِ العَرَبُ في كَلامِهِمْ. والمَعْنى: كَيْفَ يَنْصُرُونَهم وهم لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أنْفُسِهِمْ، ولا هم مُؤَيَّدُونَ مِنَ اللَّهِ بِالقَبُولِ.
ثُمَّ أضْرَبَ إضْرابًا ثالِثًا انْتَقَلَ بِهِ إلى كَشْفِ سَبَبِ غُرُورِهِمُ الَّذِي مِن جَهْلِهِمْ بِهِ حَسِبُوا أنْفُسَهم آمِنِينَ مِن أخْذِ اللَّهِ إيّاهم بِالعَذابِ فَجَرَّأهم
صفحة ٧٥
ذَلِكَ عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالوَعِيدِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنا هَؤُلاءِ وآباءَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، أيْ فَما هم مُسْتَمِرُّونَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ إنَّما هو تَمْتِيعٌ وإمْهالٌ كَما مَتَّعْنا آباءَهم مِن قَبْلُ، وكَما كانَ لِآبائِهِمْ آجالٌ انْتَهَوْا إلَيْها كَذَلِكَ يَكُونُ لِهَؤُلاءِ، ولَكِنَّ الآجالَ تَخْتَلِفُ بِحَسْبِ ما عَلِمَ اللَّهُ مِنَ الحِكْمَةِ في مَداها حَتّى طالَتْ أعْمارُ آياتِهِمْ. وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّ أعْمارَ هَؤُلاءِ لا تَبْلُغُ أعْمارَ آبائِهِمْ، وأنَّ اللَّهَ يُحِلُّ بِهِمُ الهَلاكَ لِتَكْذِيبِهِمْ إلى أمَدٍ عَلِمَهُ.
وقَدْ وُجِّهَ الخِطابُ إلَيْهِمُ ابْتِداءً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكُمْ﴾، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهم مِن طَرِيقِ الخِطابِ إلى طَرِيقِ الغَيْبَةِ؛ لِأنَّ ما وُجِّهَ إلَيْهِمْ مِن إنْكارِ أنْ يَكْلَأهم أحَدٌ مِن عَذابِ اللَّهِ جَعَلَهم أحْرِياءَ بِالإعْراضِ عَنْهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكم في البَرِّ والبَحْرِ حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وفَرِحُوا بِها﴾ [يونس: ٢٢] الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
و”يُصْحَبُونَ“ إمّا مُضارِعُ صَحِبَهُ إذا خالَطَهُ ولازَمَهُ، والصُّحْبَةُ تَقْتَضِي النَّصْرَ والتَّأْيِيدَ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ الَّذِي نابَ عَنْهُ مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الفِعْلُ المَبْنِيُّ لِلنّائِبِ مُرادًا بِهِ اللَّهُ تَعالى، أيْ لا يَصْحَبُهُمُ اللَّهُ، أيْ لا يُؤَيِّدُهُمْ؛ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الِاتِّصالِيَّةِ، أيْ صُحْبَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِنا بِمَعْنى صُحْبَةٍ مَتِينَةٍ. وهَذا نَفْيٌ لِما اعْتَقَدَهُ المُشْرِكُونَ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ المَحْذُوفُ مَحْذُوفًا لِقَصْدِ العُمُومِ، أيْ لا يَصْحَبُهم صاحِبٌ، أيْ لا يُجِيرُهم جارٌ، فَإنَّ الجِوارَ يَقْتَضِي حِمايَةَ الجارِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى ”مِنّا“ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يُصْحَبُونَ“ عَلى مَعْنى ”مِن“ الَّتِي بِمَعْنى ”عَلى“، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَنْصُرُنا مِن بَأْسِ اللَّهِ إنْ جاءَنا﴾ [غافر: ٢٩] وإمّا مُضارِعٌ أصْحَبَهُ المَهْمُوزُ بِمَعْنى حِفْظَهُ ومَنعِهِ، أيْ مِنَ السُّوءِ. والإشارَةُ بِـ ”هَؤُلاءِ“ لِحاضِرِينَ في الأذْهانِ وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.
صفحة ٧٦
وقَدِ اسْتَقْرَبْتُ أنَّ القُرْآنَ إذا ذُكِرَتْ فِيهِ هَذِهِ الإشارَةُ دُونَ وُجُودِ مُشارٍ إلَيْهِ في الكَلامِ فَهو يَعْنِي بِها كُفّارَ قُرَيْشٍ.
الأنبياء 21:44
﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها أفَهُمُ الغالِبُونَ﴾
تَفْرِيعٌ عَلى إحالَتِهِمْ نَصْرَ المُسْلِمِينَ وعَدِّهِمْ تَأْخِيرَ الوَعْدِ بِهِ دَلِيلًا عَلى تَكْذِيبِ وُقُوعِهِ حَتّى قالُوا: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٣٨] تَهَكُّمًا وتَكْذِيبًا، فَلَمّا أنْذَرَهم بِما سَيَحُلُّ بِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النّارَ﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنبياء: ٤١] فَرْعٌ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ اسْتِفْهامًا تَعْجِيبِيًّا مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى أماراتِ اقْتِرانِ الوَعْدِ بِالمَوْعُودِ اسْتِدْلالًا عَلى قُرْبِهِ بِحُصُولِ أماراتِهِ. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، وسَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ؛ لِأنَّها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ، أيِ اعْجَبُوا مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى نُقْصانِ أرْضِهِمْ مِن أطْرافِها، وأنَّ ذَلِكَ مِن صُنْعِ اللَّهِ تَعالى بِتَوَجُّهِ عِنايَةٍ خاصَّةٍ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ جارٍ عَلى مُقْتَضى الغالِبِ المُعْتادِ، فَمَن تَأمَّلَ عَلِمَ أنَّهُ مِن عَجِيبِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى. وكَفى بِذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وعَلى صِدْقِ ما وعَدَهم بِهِ وعِنايَةِ رَبِّهِ بِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ ”نَأْتِي“، فالإتْيانُ تَمْثِيلٌ بِحالِ الغازِي الَّذِي يَسْعى إلى أرْضِ قَوْمٍ فَيَقْتُلُ ويَأْسِرُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتى اللَّهُ بُنْيانَهم مِنَ القَواعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] . والتَّعْرِيفُ في ”الأرْضِ“ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيْ أرْضَ العَرَبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: في سُورَةِ يُوسُفَ ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] أيْ أرْضَ مِصْرَ.
صفحة ٧٧
والنُّقْصانُ: تَقْلِيلُ كَمِّيَّةِ شَيْءٍ.
والأطْرافُ: جَمْعُ طَرْفٍ بِفَتْحِ الطّاءِ والرّاءِ. وهو ما يَنْتَهِي بِهِ الجِسْمُ مِن جِهَةٍ مِن جِهاتِهِ. وضِدُّهُ الوَسَطُ.
والمُرادُ بِنُقْصانِ الأرْضِ: نُقْصانُ مَن عَلَيْها مِنَ النّاسِ لا نُقْصانُ مِساحَتِها؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ؛ فَلَمْ يَكُنْ ساعَتَئِذٍ شَيْءٌ مِن أرْضِ المُشْرِكِينَ في حَوْزَةِ المُسْلِمِينَ، والقَرِينَةُ المُشاهَدَةُ.
والمُرادُ: نُقْصانُ عَدَدِ المُشْرِكِينَ بِدُخُولِ كَثِيرٍ مِنهم في الإسْلامِ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، ومَن هاجَرَ مِنهم إلى الحَبَشَةِ، ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ إنْ كانَتِ الآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ إسْلامِ أهْلِ العَقَبَةِ الأُولى أوِ الثّانِيَةِ، فَكانَ عَدَدُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَتَجاوَزُ المِائَتَيْنِ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ في خِتامِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
وجُمْلَةُ ”أفَهُمُ الغالِبُونَ“ مُفَرَّعَةٌ عَلى جُمْلَةِ التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى هَذِهِ الحالَةِ. والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ فَكَيْفَ يَحْسَبُونَ أنَّهم غَلَبُوا المُسْلِمِينَ وتَمَكَّنُوا مِنَ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
واخْتِيارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”أفَهُمُ الغالِبُونَ“ دُونَ الفِعْلِيَّةِ لِدَلالَتِها بِتَعْرِيفِ جُزْأيْها عَلى القَصْرِ، أيْ ما هُمُ الغالِبُونَ بَلِ المُسْلِمُونَ الغالِبُونَ، إذْ لَوْ كانَ المُشْرِكُونَ الغالِبِينَ لَما كانَ عَدَدُهم في تَناقُصٍ، ولَما خَلَتْ بَلْدَتُهم مِن عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنهم.
الأنبياء 21:45
﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ مَقْصُودٌ مِنهُ الإتْيانُ عَلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنِ اسْتِعْجابِهِمْ بِالوَعْدِ تَهَكُّمًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ [الأنبياء: ٣٨]،
صفحة ٧٨
ومِنَ التَّهْدِيدِ الَّذِي وُجِّهَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٣٩] إلَخْ، ومِن تَذْكِيرِهِمْ بِالخالِقِ وتَنْبِيهِهِمْ إلى بُطْلانِ آلِهَتِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَكْلَؤُكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [الأنبياء: ٤٢] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى طالَ عَلَيْهِمُ العُمُرُ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، ومِنَ الِاحْتِجاجِ عَلَيْهِمْ بِظُهُورِ بِوارِقِ نَصْرِ المُسْلِمِينَ، واقْتِرابِ الوَعْدِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَرَوْنَ أنّا نَأْتِي الأرْضَ نَنْقُصُها مِن أطْرافِها﴾ [الأنبياء: ٤٤] - عُقِّبَ بِهِ أمْرُ اللَّهِ رَسُولَهُ أنْ يُخاطِبَهم بِتَعْرِيفِ كُنْهِ دَعْوَتِهِ، وهي قَصْرُهُ عَلى الإنْذارِ بِما سَيَحُلُّ بِهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْذارًا مِن طَرِيقِ الوَحْيِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى وهو القُرْآنُ، أيْ فَلا تُعْرِضُوا عَنْهُ، ولا تَتَطَلَّبُوا مِنِّي آيَةً غَيْرَ ذَلِكَ، ولا تَسْألُوا عَنْ تَعْيِينِ آجالِ حُلُولِ الوَعِيدِ، ولا تَحْسَبُوا أنَّكم تَغِيظُونَنِي بِإعْراضِكم والتَّوَغُّلِ في كُفْرِكم.
فالكَلامُ قَصْرٌ مَوْصُوفٌ عَلى صِفَةٍ، وقَصْرُهُ عَلى المُتَعَلِّقِ بِتِلْكَ الصِّفَةِ تَبَعًا لِمُتَعَلِّقِهِ فَهو قائِمٌ مَقامَ قَصْرَيْنِ، ولَمْ يَظْهَرْ لِي مِثالٌ لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَبْلَ القُرْآنِ.
وهَذا الكَلامُ يَسْتَلْزِمُ مُتارَكَةً لَهم بَعْدَ الإبْلاغِ في إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ؛ ولِذَلِكَ ذُيِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إذا ما يُنْذَرُونَ﴾، والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى ﴿إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ عَطْفُ اسْتِئْنافٍ عَلى اسْتِئْنافٍ؛ لِأنَّ التَّذْيِيلَ مِن قَبِيلِ الِاسْتِئْنافِ.
والتَّعْرِيفُ في ”الصُّمِّ“ لِلِاسْتِغْراقِ. والصَّمَمُ مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالكَلامِ المُفِيدِ، تَشْبِيهًا لِعَدَمِ الِانْتِفاعِ بِالمَسْمُوعِ بِعَدَمِ وُلُوجِ الكَلامِ صِماخَ المُخاطَبِ بِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ودَخَلَ في عُمُومِهِ المُشْرِكُونَ المُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ وهُمُ المَقْصُودُ مِن سُوقِ التَّذْيِيلِ لِيَكُونَ دُخُولُهم في الحُكْمِ بِطَرِيقَةِ الِاسْتِدْلالِ بِالعُمُومِ عَلى الخُصُوصِ.
وتَقْيِيدُ عَدَمِ السَّماعِ بِوَقْتِ الإعْراضِ عِنْدَ سَماعِ الإنْذارِ لِتَفْظِيعِ إعْراضِهِمْ عَنِ الإنْذارِ؛ لِأنَّهُ إعْراضٌ يُفْضِي بِهِمْ إلى الهَلاكِ فَهو أفْظَعُ مِن
صفحة ٧٩
عَدَمِ سَماعِ البِشارَةِ أوِ التَّحْدِيثِ؛ ولِأنَّ التَّذْيِيلَ مَسُوقٌ عَقِبَ إنْذاراتٍ كَثِيرَةٍ.
واخْتِيرَ لَفْظُ الدُّعاءِ لِأنَّهُ المُطابِقُ لِلْغَرَضِ؛ إذْ كانَ النَّبِيءُ ﷺ داعِيًا كَما قالَ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، والأظْهَرُ أنَّ جُمْلَةَ ﴿ولا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ﴾ كَلامٌ مُخاطَبٌ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ولَيْسَ مِن جُمْلَةِ المَأْمُورِ بِأنْ يَقَوْلَهُ: لَهم.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ولا يَسْمَعُ“ بِتَحْتِيَّةٍ في أوَّلِهِ ورَفْعِ ”الصُّمُّ“ . وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ ”ولا تُسْمِعُ“ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ المَضْمُومَةِ ونَصْبِ ”الصُّمَّ“ - خِطابًا لِلرَّسُولِ ﷺ، وهَذِهِ القِراءَةُ نَصٌّ في انْفِصالِ الجُمْلَةِ عَنِ الكَلامِ المَأْمُورِ بِقَوْلِهِ لَهم.
الأنبياء 21:46
﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ لِيَقُولُنَّ يا ويْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ أنْذِرْهم بِأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عِنْدَما يَنالُهم أوَّلُ العَذابِ في الآخِرَةِ، وهَذا انْتِقالٌ مِن إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الدُّنْيا إلى إنْذارِهِمْ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وأُكِّدَ الشَّرْطُ بِلامِ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ الجَزاءِ.
والمَسُّ: اتِّصالٌ بِظاهِرِ الجِسْمِ.
والنَّفْحَةُ: المَرَّةُ مِنَ الرَّضْخِ في العَطِيَّةِ، يُقالُ: نَفَحَهُ بِشَيْءٍ إذا أعْطاهُ.
صفحة ٨٠
وفِي مادَّةِ ”النَّفْحِ“ أنَّهُ عَطاءٌ قَلِيلٌ نَزْرٌ. وبِصَمِيمَةِ بِناءِ المَرَّةِ فِيها، والتَّنْكِيرِ، وإسْنادِ المَسِّ إلَيْها دُونَ فِعْلٍ آخَرَ - أرْبَعُ مُبالَغاتٍ في التَّقْلِيلِ، فَما ظَنُّكَ بِعَذابٍ يَدْفَعُ قَلِيلُهُ مَن حَلَّ بِهِ إلى الإقْرارِ بِاسْتِحْقاقِهِ إيّاهُ وإنْشاءِ تُعَجُّبِهِ مِن سُوءِ حالِ نَفْسِهِ.
والوَيْلُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ وعِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ووَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ إبْراهِيمَ.
ومَعْنى ”إنّا كُنّا ظالِمِينَ“ إنّا كُنّا مُعْتَدِينَ عَلى أنْفُسِنا؛ إذْ أعْرَضْنا عَنِ التَّأمُّلِ في صِدْقِ دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ . فالظُّلْمُ في هَذِهِ الآيَةِ مُرادٌ بِهِ الإشْراكُ؛ لِأنَّ إشْراكَهم مَعْرُوفٌ لَدَيْهِمْ، فَلَيْسَ مِمّا يَعْرِفُونَهُ إذا مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِنَ العَذابِ.
الأنبياء 21:47
﴿ونَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾
يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ عاطِفَةً هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ مَسَّتْهم نَفْحَةٌ مِن عَذابِ رَبِّكَ﴾ [الأنبياء: ٤٦] إلَخْ؛ لِمُناسَبَةِ قَوْلِهِمْ ”إنّا كُنّا ظالِمِينَ“؛ ولِبَيانِ أنَّهم مُجازَوْنَ عَلى جَمِيعِ ما أسْلَفُوهُ مِنَ الكُفْرِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ بَيانًا بِطَرِيقِ ذِكْرِ العُمُومِ بَعْدَ الخُصُوصِ في المُجازَيْنِ، فَشابَهَ التَّذْيِيلَ مِن أجْلِ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، وفي المُجازى عَلَيْهِ مِن أجْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ مِن قَوْلِهِ: ”رَبِّكَ“، وتَكُونَ نُونُ المُتَكَلِّمِ المُعَظَّمِ التِفاتًا لِمُناسِبَةِ الجَزاءِ لِلْأعْمالِ كَما يُقالُ:
صفحة ٨١
أدّى إلَيْهِ الكَيْلَ صاعًا بِصاعٍ، ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وتَكُونَ الواوُ اعْتِراضِيَّةً. والوَضْعُ حَقِيقَتُهُ: حَطُّ الشَّيْءِ ونَصْبُهُ في مَكانٍ، وهو ضِدُّ الرَّفْعِ، ويُطْلَقُ عَلى صُنْعِ الشَّيْءِ وتَعْيِينِهِ لِلْعَمَلِ بِهِ، وهو في ذَلِكَ مَجازٌ.
والمِيزانُ: اسْمُ آلَةِ الوَزْنِ، ولَهُ كَيْفِيّاتٌ كَثِيرَةٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ العَوائِدِ، وهي تَتَّحِدُ في كَوْنِها ذاتَ طَبَقَيْنِ مُتَعادِلَيْنِ في الثِّقَلِ يُسَمَّيانِ كِفَّتَيْنِ - بِكَسْرِ الكافِ وتَشْدِيدِ الفاءِ - تَكُونانِ مِن خَشَبٍ أوْ مِن حَدِيدٍ، وإذا كانَتا مِن صُفْرٍ سُمِّيَتا صَنْجَتَيْنِ - بِصادٍ مَفْتُوحَةٍ ونُونٍ ساكِنَةٍ - مُعَلَّقٌ كُلُّ طَبَقٍ بِخُيُوطٍ في طَرَفٍ يَجْمَعُهُما عُودٌ مِن حَدِيدٍ أوْ خَشَبٍ صَلْبٍ، في طَرَفَيْهِ عُرْوَتانِ يُشَدُّ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما طَبَقٌ مِنَ الطَّبَقَيْنِ يُسَمّى ذَلِكَ العُودُ ”شاهِينُ“ وهو مَوْضُوعٌ مَمْدُودًا، وتُجْعَلُ بِوَسَطِهِ عَلى السَّواءِ عُرْوَةٌ لِتُمْسِكَهُ مِنها يَدُ الوازِنِ، ورُبَّما جَعَلُوا تِلْكَ العُرْوَةَ مُسْتَطِيلَةً مِن مَعْدِنٍ وجَعَلُوا فِيها إبْرَةً غَلِيظَةً مِنَ المَعْدِنِ مَنُوطَةً بِعُرْوَةٍ صَغِيرَةٍ مِن مَعْدِنٍ مَصُوغَةٍ في وسَطِ الشّاهِينِ، فَإذا ارْتَفَعَ الشّاهِينُ تَحَرَّكَتْ تِلْكَ الإبْرَةُ فَإذا ساوَتْ وسَطَ العُرْوَةِ الطَّوِيلَةِ عَلى سَواءٍ عُرِفَ اعْتِدالُ الوَزْنِ، وإنْ مالَتْ عُرِفَ عَدَمُ اعْتِدالِهِ، وتُسَمّى تِلْكَ الإبْرَةُ لِسانًا، فَإذا أُرِيدَ وزْنُ شَيْئَيْنِ لِيُعْلَمَ أنَّهُما مُسْتَوِيانِ أوْ أحَدُهُما أرَجَحُ - وُضِعَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في كِفَّةٍ، فالَّتِي وُضِعَ فِيها الأثْقَلُ مِنهُما تَنْزِلُ والأُخْرى ذاتُ الأخَفِّ تَرْتَفِعُ وإنِ اسْتَوَيَتا فالمَوْزُونانِ مُسْتَوَيانِ، وإذا أُرِيدَ مَعْرِفَةُ ثِقَلِ شَيْءٍ في نَفْسِهِ دُونَ نِسْبَتِهِ إلى شَيْءٍ آخَرَ جَعَلُوا قِطَعًا مِن مَعْدِنٍ: صُفْرٍ أوْ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حَجَرٍ ذاتِ مَقادِيرَ مَضْبُوطَةٍ مُصْطَلَحٍ عَلَيْها مِثْلَ الدِّرْهَمِ والأُوقِيَّةِ والرِّطْلِ، فَجَعَلُوها تَقْدِيرًا لِثِقَلِ المَوْزُونِ لِيُعْلَمَ مِقْدارُ ما فِيهِ؛ لِدَفْعِ الغَبْنِ في التَّعاوُضِ، ووَحْدَتُها هو المِثْقالُ، ويُسَمّى السَّنْجَ - بِفَتْحِ السِّينِ المُهْمَلَةِ وسُكُونِ النُّونِ بَعْدَها جِيمٌ.
صفحة ٨٢
و”القِسْطُ“ - بِكَسْرِ القافِ وسُكُونِ السِّينِ - اسْمُ المَفْعُولِ، وهو مَصْدَرٌ وفِعْلُهُ أقْسَطَ - مَهْمُوزًا - وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]“ في سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ .
وقَدِ اخْتَلَفَ عُلَماءُ السَّلَفِ في المُرادِ مِنَ المَوازِينِ هُنا: أهْوَ الحَقِيقَةُ أمِ المَجازُ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ حَقِيقَةٌ، وأنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ في يَوْمِ الحَشْرِ مُوازِينَ لِوَزْنِ أعْمالِ العِبادِ تُشْبِهُ المِيزانَ المُتَعارَفَ، فَمِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ لِكُلِّ أحَدٍ مِنَ العِبادِ مِيزانًا خاصًّا بِهِ تُوزَنُ بِهِ أعْمالُهُ، وهو ظاهِرُ صِيغَةِ الجَمْعِ في هَذِهِ الآيَةِ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ [القارعة: ٦] ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [القارعة: ٧] في سُورَةِ القارِعَةِ.
ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مِيزانٌ واحِدٌ تُوزَنُ فِيهِ أعْمالُ العِبادِ واحِدًا فَواحِدًا، وأنَّهُ بِيَدِ جِبْرِيلَ، وعَلَيْهِ فالجَمْعُ بِاعْتِبارِ ما يُوزَنُ فِيها؛ لِيُوافِقَ الآثارَ الوارِدَةَ في أنَّهُ مِيزانٌ عامٌّ.
واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ مُناسِبٌ لِعَظَمَةِ ذَلِكَ لا يُشْبِهُ مِيزانَ الدُّنْيا، ولَكِنَّهُ عَلى مِثالِهِ تَقْرِيبًا، وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ الوَضْعُ مُسْتَعْمَلًا في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وهو النَّصْبُ والإرْصادُ.
وذَهَبَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ المِيزانَ الواقِعَ في القُرْآنِ مَثَلٌ لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، ومالَ إلَيْهِ الطَّبَرَيُّ. قالَ في ”الكَشّافِ“: المَوازِينُ: الحِسابُ السَّوِيُّ والجَزاءُ عَلى الأعْمالِ بِالنَّصَفَةِ مِن غَيْرِ أنْ يُظْلَمَ أحَدٌ. اهـ.
أيْ فَهو مُسْتَعارٌ لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ لِمُشابَهَتِهِ لِلْمِيزانِ في ضَبْطِ العَدْلِ في المُعامَلَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ [الحديد: ٢٥] .
والوَضْعُ: تَرْشِيحٌ ومُسْتَعارٌ لِلظُّهُورِ.
وذَهَبَ الأشاعِرَةُ إلى أخْذِ المِيزانِ عَلى ظاهِرِهِ.
صفحة ٨٣
ولِلْمُعْتَزِلَةِ في ذَلِكَ قَوْلانِ: فَفَرِيقٌ قالُوا: المِيزانُ حَقِيقَةٌ، وفَرِيقٌ قالُوا: هو مَجازٌ، وقَدْ ذَكَرَ القَوْلَيْنِ في ”الكَشّافِ“ فَدَلَّ صَنِيعُهُ عَلى أنَّ القَوْلَيْنِ جارِيانِ عَلى أقْوالِ أئِمَّتِهِمْ، وصَرَّحَ بِهِ في ”تَقْرِيرِ المَواقِفِ“ .
وفِي المَقاصِدِ: ونِسْبَةُ القَوْلِ بِانْتِفاءِ حَقِيقَةِ المِيزانِ إلى المُعْتَزِلَةِ عَلى الإطْلاقِ قُصُورٌ مِن بَعْضِ المُتَكَلِّمِينَ. اهـ.
قُلْتُ: لَعَلَّهُ أرادَ بِهِ النَّسَفِيَّ في عَقائِدِهِ.
قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ في كِتابِ ”العَواصِمِ مِنَ القَواصِمِ“: انْفَرَدَ القُرْآنُ بِذِكْرِ المِيزانِ، وتَفَرَّدَتِ السَّنَةُ بِذِكْرِ الصِّراطِ والحَوْضِ، فَلَمّا كانَ هَذا الأمْرُ هَكَذا اخْتَلَفَ النّاسُ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن قالَ: إنَّ الأعْمالَ تُوزَنُ حَقِيقَةً في مِيزانٍ لَهُ كِفَّتانِ وشاهِينٌ، وتُجْعَلُ في الكِفَّتَيْنِ صَحائِفُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ويَخْلُقُ اللَّهُ الِاعْتِمادَ فِيها عَلى حَسَبِ عِلْمِهِ بِها، ومِنهم مَن قالَ: إنَّما يَرْجِعُ الخَبَرُ عَنِ الوَزْنِ إلى تَعْرِيفِ اللَّهِ العِبادَ بِمَقادِيرِ أعْمالِهِمْ. ونَقَلَ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ كانَ يَمِيلُ إلى هَذا.
ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أنْ يَكُونَ المِيزانُ والوَزْنُ عَلى ظاهِرِهِ، وإنَّما يَبْقى النَّظَرُ في كَيْفِيَّةِ وزْنِ الأعْمالِ وهي أعْراضٌ فَها هُنا يَقِفُ مَن وقَفَ ويَمْشِي عَلى هَذا مَن مَشى؛ فَمَن كانَ رَأْيُهُ الوُقُوفَ فَمِنَ الأوَّلِ يَنْبَغِي أنْ يَقِفَ، ومَن أرادَ المَشْيَ لَيَجِدَنَّ سَبِيلًا مِئْتاءً؛ إذْ يَجِدُ ثَلاثَةَ مَعانٍ: مِيزانًا ووَزْنًا ومَوْزُونًا، فَإذا مَشى في طَرِيقِ المِيزانِ والوَزْنِ ووَجَدَهُ صَحِيحًا في كُلِّ لَفْظَةٍ، حَتّى إذا بَلَغَ تَمْيِيزَ المَوْزُونِ ولَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ لا يَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ القَهْقَرى، فَيُبْطِلَ ما قَدْ أثْبَتَ بَلْ يُبْقِي ما تَقَدَّمَ عَلى حَقِيقَتِهِ وصِحَّتِهِ ويَسْعى في تَأْوِيلِ هَذا وتَبْيِينِهِ. اهـ.
صفحة ٨٤
وقُلْتُ: كِلا القَوْلَيْنِ مَقْبُولٌ والكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ أسْماءَ أحْوالِ الآخِرَةِ إنَّما هي تَقْرِيبٌ لَنا بِمُتَعارَفِنا واللَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، ولَيْسَ بِمِثْلِ هَذِهِ المَباحِثِ تُعْرَفُ قُدْرَةُ اللَّهِ تَعالى ولا بِالقِياسِ عَلى المُعْتادِ المُتَعارَفِ تُجْحَدُ تَصَرُّفاتُهُ تَعالى.
ويَظْهَرُ لِي أنَّ التِزامَ صِيغَةِ جَمْعِ المَوازِينَ في الآياتِ الثَّلاثِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها المِيزانُ يُرَجِّحُ أنَّ المُرادَ بِالوَزْنِ فِيها مَعْناهُ المَجازِيُّ، وأنَّ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ”القِسْطَ“ في هَذِهِ الآيَةِ يُزِيدُ ذَلِكَ تَرْجِيحًا.
وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الوَزْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ [الأعراف: ٨] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والقِسْطُ: العَدْلُ، ويُقالُ: القِسْطاسُ، وهو كَلِمَةٌ مُعَرَّبَةٌ مِنَ اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ ”اللّاتِينِيَّةِ“ .
وقَدْ نَقَلَ البُخارِيُّ في آخِرِ صَحِيحِهِ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ.
فَعَلى اعْتِبارِ جَعْلِ المَوازِينِ حَقِيقَةً في آلاتِ وزْنٍ في الآخِرَةِ يَكُونُ لَفْظُ القِسْطِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى العَدْلِ لِلْمَوازِينِ، عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ ذاتِ القِسْطِ. وعَلى اعْتِبارٍ في المَوازِينِ في العَدْلِ يَكُونُ لَفْظُ القِسْطِ بَدَلًا مِنَ المَوازِينِ، فَيَكُونُ تَجْرِيدًا بَعْدَ التَّرْشِيحِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ، فَإنَّهُ مُصَدَرٌ صالِحٌ لِذَلِكَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ”لِيَوْمِ القِيامَةِ“ تَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلْعِلَّةِ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيِ الجَزاءِ في يَوْمِ القِيامَةِ، وتَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّوْقِيتِ بِمَعْنى ”عِنْدَ“ الَّتِي هي لِلظَّرْفِيَّةِ المُلاصِقَةِ كَما يُقالُ: كُتِبَ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أيْ نَضَعُ المَوازِينَ عِنْدَ يَوْمِ القِيامَةِ.
صفحة ٨٥
وتَفْرِيعُ ﴿فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ عَلى وضْعِ المَوازِينِ تَفْرِيعُ العِلَّةِ عَلى المَعْلُولِ أوِ المَعْلُولِ عَلى العِلَّةِ. والظُّلْمُ: ضِدُّ العَدْلِ؛ ولِذَلِكَ فُرِّعَ نَفْيُهُ عَلى إثْباتِ وضْعِ العَدْلِ، و”شَيْئًا“ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ، ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ العُمُومِ، أيْ شَيْئًا مِنَ الظُّلْمِ. ووُقُوعُهُ في سِياقِ النَّفْيِ دَلَّ عَلى تَأْكِيدِ العُمُومِ مِن فِعْلِ ”تُظْلَمُ“ الواقِعِ أيْضًا في سِياقِ النَّفْيِ، أيْ لا تُظْلَمُ بِنَقْصٍ مِن خَيْرٍ اسْتَحَقَّتْهُ ولا بِزِيادَةِ شَيْءٍ لَمْ تَسْتَحِقَّهُ، فالظُّلْمُ صادِقٌ بِالحالَيْنِ والشَّيْءُ كَذَلِكَ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِمَعانٍ عِدَّةٍ مَعَ إيجازِ لَفْظِها، فَنُفِيَ جِنْسُ الظُّلْمِ ونُفِيَ عَنْ كُلِّ نَفْسٍ، فَأفادَ أنْ لا بَقاءَ لِظُلْمٍ بِدُونِ جَزاءٍ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، و”إنْ“ وصْلِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَها مِن شَأْنِهِ أنْ يُتَوَهَّمَ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنْهُ، فَإذا نَصَّ عَلى شُمُولِ الحُكْمِ إيّاهُ عُلِمَ أنَّ شُمُولَهُ لِما عَداهُ بِطَرِيقِ الأوْلى، وقَدْ يَرِدُ هَذا الشَّرْطُ بِحَرْفِ ”لَوْ“ غالِبًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِن أحَدِهِمْ مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في ”آلِ عِمْرانَ“ . ويَرِدُ بِحَرْفِ ”إنْ“ كَما هُنا، وقَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ:
لَيْسَ الجَمالُ بِمِئْزَرٍ فاعْلَمْ وإنْ رُدِّيتَ بُرْدًا
وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”مِثْقالَ“ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ ”كانَ“ وأنَّ اسْمَها ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ”شَيْئًا“ . وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ.
وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”مِثْقالُ“ مَرْفُوعًا عَلى أنَّ ”كانَ“ تامَّةٌ و”مِثْقالُ“ فاعِلٌ.
صفحة ٨٦
ومَعْنى القِراءَتَيْنِ مُتَّحِدُ المَآلِ، وهو: أنَّهُ إنْ كانَ لِنَفْسٍ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ مِن خَيْرٍ أوْ مِن شَرٍّ يُؤْتَ بِها في مِيزانِ أعْمالِها ويُجازَ عَلَيْها، وجُمْلَةُ ”أتَيْنا بِها“ عَلى القِراءَةِ الأُولى مُسْتَأْنَفَةٌ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ إمّا جَوابٌ لِلشَّرْطِ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ. وضَمِيرُ ”بِها“ عائِدٌ إلى ”مِثْقالُ حَبَّةٍ“ . واكْتَسَبَ ضَمِيرُهُ التَّأْنِيثَ لِإضافَةِ مُعادِهِ إلى مُؤَنَّثٍ وهو ”حَبَّةٍ“ .
والمِثْقالُ: ما يُماثِلُ شَيْئًا في الثِّقَلِ، أيِ الوَزْنِ، فَمِثْقالُ الحَبَّةِ: مِقْدارُها.
والحَبَّةُ: الواحِدَةُ مِن ثَمَرِ النَّباتِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ السُّنْبُلِ أوْ في المَزاداتِ الَّتِي كالقُرُونِ أوِ العَبابِيدِ كالقَطانِيِّ.
والخَرْدَلُ: حُبُوبٌ دَقِيقَةٌ كَحَبِّ السِّمْسِمِ هي بُزُورُ شَجَرٍ يُسَمّى عِنْدَ العَرَبِ الخَرْدَلَ، واسْمُهُ في عِلْمِ النَّباتِ (سينابيس)، وهو صِنْفانِ: بَرِّيٍّ وبُسْتانِيٍّ، ويَنْبُتُ في الهِنْدِ ومِصْرَ وأُورُوبّا، وشَجَرَتُهُ ذاتُ ساقٍ دَقِيقَةٍ يَنْتَهِي ارْتِفاعُها إلى نَحْوِ مِتْرٍ، وأوْراقُها كَبِيرَةٌ، يُخْرِجُ أزْهارًا صُفْرًا مِنها تَتَكَوَّنُ بِذُورُهُ، إذْ تَخْرُجُ في مَزاداتٍ صَغِيرَةٍ مَمْلُوءَةٍ مِن هَذا الحَبِّ، تَخْرُجُ خَضْراءَ ثُمَّ تَصِيرُ سَوْداءَ مِثْلَ الخُرْنُوبِ الصَّغِيرِ، وإذا دُقَّ هَذا الحَبُّ ظَهَرَتْ مِنهُ رائِحَةٌ مُعَطَّرَةٌ، إذا قُرِّبَتْ مِنَ الأنْفِ شَمًّا دَمِعَتِ العَيْنانِ، وإذا وُضِعَ مَعْجُونُها عَلى الجِلْدِ أحْدَثَ فِيهِ بَعْدَ هُنَيْهَةٍ لَذْعًا وحَرارَةً، ثُمَّ لا يَسْتَطِيعُ الجِلْدُ تَحَمُّلَها طَوِيلًا، ويَتْرُكُ مَوْضِعَهُ مِنَ الجَلْدِ شَدِيدَ الحُمْرَةِ لِتَجَمُّعِ الدَّمِ بِظاهِرِ الجَلْدِ؛ ولِذَلِكَ يُجْعَلُ مَعْجُونُهُ بِالماءِ دَواءً يُوضَعُ عَلى المَحَلِّ المُصابِ بِاحْتِقانِ الدَّمِ مِثْلَ ذاتِ الجَنْبِ والنَّزَلاتِ الصَّدْرِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وإنْ كانَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ . مَفْعُولُ ”كَفى“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا
صفحة ٨٧
تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾، والتَّقْدِيرُ: وكَفى النّاسَ نَحْنُ في حالِ حِسابِهِمْ، ومَعْنى كَفاهم نَحْنُ حاسِبِينَ أنَّهم لا يَتَطَلَّعُونَ إلى حاسِبٍ آخَرَ يَعْدِلُ مِثْلَنا، وهَذا تَأْمِينٌ لِلنّاسِ مِن أنْ يُجازى أحَدٌ مِنهم بِما لا يَسْتَحِقُّهُ، وفي ذَلِكَ تَحْذِيرٌ مِنَ العَذابِ وتَرْغِيبٌ في الثَّوابِ.
وضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”حاسِبِينَ“ مُراعًى فِيهِ ضَمِيرُ العَظَمَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”بِنا“، والباءُ مَزِيدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، وأصْلُ التَّرْكِيبِ: كَفَيْنا النّاسَ، وهَذِهِ الباءُ تَدْخُلُ بَعْدَ فِعْلِ ”كَفى“ غالِبًا فَتَدْخُلُ عَلى فاعِلِهِ في الأكْثَرِ كَما هُنا وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ، وتَدْخُلُ عَلى مَفْعُولِهِ كَما في الحَدِيثِ: «كَفى بِالمَرْءِ إثْمًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ» .
وانْتَصَبَ ”حاسِبِينَ“ عَلى الحالِ أوِ التَّمْيِيزِ لِنِسْبَةِ ”كَفى“، وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُ هَذا التَّرْكِيبِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] في سُورَةِ النِّساءِ.
الأنبياء 21:48
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والإقْناعِيَّةِ والزَّجْرِيَّةِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ شَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ
صفحة ٨٨
الشّاهِدَةِ بِتَنْظِيرِ ما أُوتِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِما أُوتِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، وأنَّهُ ما كانَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ، تِلْكَ الدَّعْوَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ لِأجْلِها مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ عِنادِ الأقْوامِ، وثَباتِ الأقْدامِ، والتَّأْيِيدِ مِنَ المَلِكِ العَلّامِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. فَجاءَ في هَذِهِ الآياتِ بِأخْبارٍ مِن أحْوالِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ.
وفِي سَوْقِ أخْبارِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ تَفْصِيلٌ أيْضًا لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]“ الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]“ ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، واتِّصالِها بِجَمِيعِ ذَلِكَ اتِّصالٍ مُحْكَمٍ؛ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وأخِيهِ مَعَ قَوْمِهِما؛ لِأنَّ أخْبارَ ذَلِكَ مَسْطُورَةٌ في كِتابٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ أهْلِهِ يَعْرِفُهُمُ العَرَبُ؛ ولِأنَّ أثَرَ إتْيانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّرِيعَةِ هو أوْسَعُ أثَرٍ لِإقامَةِ نِظامِ أُمَّةٍ يَلِي عَظَمَةَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.
وافْتِتاحُ القِصَّةِ بِلامِ القَسَمِ المُفِيدَةِ؛ لِلتَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وذُهُولِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ، وتَناسِي بَعْضِهِمْ إيّاهُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تِلْكَ القِصَّةَ. ومَحَلُّ التَّنْظِيرِ في هَذِهِ القِصَّةِ هو تَأْيِيدُ الرَّسُولِ ﷺ بِكِتابٍ مُبِينٍ، وتَلَقِّي القَوْمِ ذَلِكَ الكِتابَ بِالإعْراضِ والتَّكْذِيبِ.
والفَرْقانُ: ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن كَلامٍ أوْ فِعْلٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ؛ لِأنَّ فِيهِ كانَ مَبْدَأ ظُهُورِ قُوَّةِ
صفحة ٨٩
المُسْلِمِينَ ونَصْرُهم، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والإخْبارُ عَنِ الفُرْقانِ بِإسْنادِ إتْيانِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْدُ كَوْنَهُ إيتاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْيًا كَما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إيتاءَ القُرْآنِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما جاءَ إلّا بِمِثْلِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ ذَلِكَ المُوتى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] في سُورَةِ غافِرٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الفارِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والجَوْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَلى الِاحْتِمالاتِ المَذْكُورَةِ تَجِيءُ احْتِمالاتٌ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي ﴿وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفاتِ قَسِيمًا لِبَعْضٍ، بَلْ هي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَمَجْمُوعُ ما أُوتِيَهُ مُوسى وهارُونُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ.
والضِّياءُ: النُّورُ. يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الهُدى والعِلْمِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.
والذِّكْرُ أصْلُهُ: خُطُورُ شَيْءٍ بِالبالِ بَعْدَ غَفْلَةٍ عَنْهُ. ويُطْلَقُ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى (لِلْمُتَّقِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ فَيَكُونَ المَجْرُورُ بِاللّامِ في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ، أيِ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، لِأنَّهُ يُذَكِّرُهم بِما يَجْهَلُونَ وبِما يَذْهَلُونَ عَنْهُ مِمّا عَلِمُوهُ ويُجَدِّدُ في نُفُوسِهِمْ
صفحة ٩٠
مُراقَبَةَ رَبِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ ذِكْرٌ لِأجْلِ المُتَّقِينَ، أيْ كِتابٌ يَنْتَفِعُ بِما فِيهِ المُتَّقُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الضّالِّينَ.
ووَصَفَهم بِما يَزِيدُ مَعْنى المُتَّقِينَ بَيانًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالغَيْبِ) بِمَعْنى (في) .
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ، أيْ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خاصَّتِهِمْ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رِياءً ولا لِأجْلِ خَوْفِ الزَّواجِرِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَذَمَّةِ مِنَ النّاسِ.
والإشْفاقُ: رَجاءُ حادِثٍ مَخُوفٍ. ومَعْنى الإشْفاقِ مِنَ السّاعَةِ: الإشْفاقُ مِن أهْوالِها، فَهم يُعِدُّونَ لَها عُدَّتَها بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ . فَمَن لَمْ يَهْتَدِ بِكِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهَؤُلاءِ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
وقَدْ عَقَّبَ هَذا التَّعْرِيضَ بِذِكْرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ النّاشِئِ هو عَنْهُ، وهو المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى القُرْآنِ لِأنَّ حُضُورَهُ في الأذْهانِ وفي التِّلاوَةِ بِمَنزِلَةِ حُضُورِ ذاتِهِ. ووَصْفُهُ القُرْآنَ بِأنَّهُ ذِكْرٌ لِأنَّ لَفْظَ الذِّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالمُبارَكِ يَعُمُّ نَواحِيَ الخَيْرِ كُلَّها لِأنَّ البَرَكَةَ زِيادَةُ الخَيْرِ؛ فالقُرْآنُ كُلُّهُ خَيْرٌ مِن جِهَةِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ وحُسْنِها وسُرْعَةِ حِفْظِهِ وسُهُولَةِ تِلاوَتِهِ، وهو أيْضًا خَيْرٌ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أفْنانِ الكَلامِ والحِكْمَةِ والشَّرِيعَةِ واللَّطائِفِ البَلاغِيَّةِ، وهو في ذَلِكَ كُلِّهِ آيَةٌ عَلى
صفحة ٩١
صِدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ لِأنَّ البَشَرَ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وتَحَدّاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ فَما اسْتَطاعُوا، وبِذَلِكَ اهْتَدَتْ بِهِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، وانْتَفَعَ بِهِ مَن آمَنُوا بِهِ وفَرِيقٌ مِمَّنْ حَرَّمُوا الإيمانَ. فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ مُبارَكٌ وافِيًا عَلى وصْفِ كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ فُرْقانٌ وضِياءٌ. وزادَهُ تَشْرِيفًا بِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وجُعِلَ الوَحْيُ إلى الرَّسُولِ إنْزالًا لِما يَقْتَضِيهِ الإنْزالُ مِن رِفْعَةِ القَدْرِ إذِ اعْتُبِرَ مُسْتَقِرًّا في العالَمِ العُلْوِيِّ حَتّى أُنْزِلَ إلى هَذا العالَمِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ تَعْجِيبِيٌّ مِن إنْكارِهِمْ صِدْقَ هَذا الكِتابِ ومِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . ولِكَوْنِ إنْكارِهِمْ صِدْقَهُ حاصِلًا مِنهم في حالِ الخِطابِ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِيَتَأتّى جَعْلُ المُسْنَدِ اسْمًا دالًّا عَلى الِاتِّصافِ في زَمَنِ الحالِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ دالَّةً عَلى الثَّباتِ في الوَصْفِ وفاءً بِحَقِّ بَلاغَةِ النَّظْمِ.
الأنبياء 21:49
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والإقْناعِيَّةِ والزَّجْرِيَّةِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ شَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ
صفحة ٨٨
الشّاهِدَةِ بِتَنْظِيرِ ما أُوتِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِما أُوتِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، وأنَّهُ ما كانَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ، تِلْكَ الدَّعْوَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ لِأجْلِها مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ عِنادِ الأقْوامِ، وثَباتِ الأقْدامِ، والتَّأْيِيدِ مِنَ المَلِكِ العَلّامِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. فَجاءَ في هَذِهِ الآياتِ بِأخْبارٍ مِن أحْوالِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ.
وفِي سَوْقِ أخْبارِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ تَفْصِيلٌ أيْضًا لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]“ الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]“ ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، واتِّصالِها بِجَمِيعِ ذَلِكَ اتِّصالٍ مُحْكَمٍ؛ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وأخِيهِ مَعَ قَوْمِهِما؛ لِأنَّ أخْبارَ ذَلِكَ مَسْطُورَةٌ في كِتابٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ أهْلِهِ يَعْرِفُهُمُ العَرَبُ؛ ولِأنَّ أثَرَ إتْيانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّرِيعَةِ هو أوْسَعُ أثَرٍ لِإقامَةِ نِظامِ أُمَّةٍ يَلِي عَظَمَةَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.
وافْتِتاحُ القِصَّةِ بِلامِ القَسَمِ المُفِيدَةِ؛ لِلتَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وذُهُولِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ، وتَناسِي بَعْضِهِمْ إيّاهُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تِلْكَ القِصَّةَ. ومَحَلُّ التَّنْظِيرِ في هَذِهِ القِصَّةِ هو تَأْيِيدُ الرَّسُولِ ﷺ بِكِتابٍ مُبِينٍ، وتَلَقِّي القَوْمِ ذَلِكَ الكِتابَ بِالإعْراضِ والتَّكْذِيبِ.
والفَرْقانُ: ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن كَلامٍ أوْ فِعْلٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ؛ لِأنَّ فِيهِ كانَ مَبْدَأ ظُهُورِ قُوَّةِ
صفحة ٨٩
المُسْلِمِينَ ونَصْرُهم، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والإخْبارُ عَنِ الفُرْقانِ بِإسْنادِ إتْيانِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْدُ كَوْنَهُ إيتاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْيًا كَما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إيتاءَ القُرْآنِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما جاءَ إلّا بِمِثْلِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ ذَلِكَ المُوتى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] في سُورَةِ غافِرٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الفارِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والجَوْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَلى الِاحْتِمالاتِ المَذْكُورَةِ تَجِيءُ احْتِمالاتٌ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي ﴿وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفاتِ قَسِيمًا لِبَعْضٍ، بَلْ هي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَمَجْمُوعُ ما أُوتِيَهُ مُوسى وهارُونُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ.
والضِّياءُ: النُّورُ. يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الهُدى والعِلْمِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.
والذِّكْرُ أصْلُهُ: خُطُورُ شَيْءٍ بِالبالِ بَعْدَ غَفْلَةٍ عَنْهُ. ويُطْلَقُ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى (لِلْمُتَّقِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ فَيَكُونَ المَجْرُورُ بِاللّامِ في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ، أيِ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، لِأنَّهُ يُذَكِّرُهم بِما يَجْهَلُونَ وبِما يَذْهَلُونَ عَنْهُ مِمّا عَلِمُوهُ ويُجَدِّدُ في نُفُوسِهِمْ
صفحة ٩٠
مُراقَبَةَ رَبِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ ذِكْرٌ لِأجْلِ المُتَّقِينَ، أيْ كِتابٌ يَنْتَفِعُ بِما فِيهِ المُتَّقُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الضّالِّينَ.
ووَصَفَهم بِما يَزِيدُ مَعْنى المُتَّقِينَ بَيانًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالغَيْبِ) بِمَعْنى (في) .
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ، أيْ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خاصَّتِهِمْ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رِياءً ولا لِأجْلِ خَوْفِ الزَّواجِرِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَذَمَّةِ مِنَ النّاسِ.
والإشْفاقُ: رَجاءُ حادِثٍ مَخُوفٍ. ومَعْنى الإشْفاقِ مِنَ السّاعَةِ: الإشْفاقُ مِن أهْوالِها، فَهم يُعِدُّونَ لَها عُدَّتَها بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ . فَمَن لَمْ يَهْتَدِ بِكِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهَؤُلاءِ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
وقَدْ عَقَّبَ هَذا التَّعْرِيضَ بِذِكْرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ النّاشِئِ هو عَنْهُ، وهو المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى القُرْآنِ لِأنَّ حُضُورَهُ في الأذْهانِ وفي التِّلاوَةِ بِمَنزِلَةِ حُضُورِ ذاتِهِ. ووَصْفُهُ القُرْآنَ بِأنَّهُ ذِكْرٌ لِأنَّ لَفْظَ الذِّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالمُبارَكِ يَعُمُّ نَواحِيَ الخَيْرِ كُلَّها لِأنَّ البَرَكَةَ زِيادَةُ الخَيْرِ؛ فالقُرْآنُ كُلُّهُ خَيْرٌ مِن جِهَةِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ وحُسْنِها وسُرْعَةِ حِفْظِهِ وسُهُولَةِ تِلاوَتِهِ، وهو أيْضًا خَيْرٌ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أفْنانِ الكَلامِ والحِكْمَةِ والشَّرِيعَةِ واللَّطائِفِ البَلاغِيَّةِ، وهو في ذَلِكَ كُلِّهِ آيَةٌ عَلى
صفحة ٩١
صِدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ لِأنَّ البَشَرَ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وتَحَدّاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ فَما اسْتَطاعُوا، وبِذَلِكَ اهْتَدَتْ بِهِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، وانْتَفَعَ بِهِ مَن آمَنُوا بِهِ وفَرِيقٌ مِمَّنْ حَرَّمُوا الإيمانَ. فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ مُبارَكٌ وافِيًا عَلى وصْفِ كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ فُرْقانٌ وضِياءٌ. وزادَهُ تَشْرِيفًا بِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وجُعِلَ الوَحْيُ إلى الرَّسُولِ إنْزالًا لِما يَقْتَضِيهِ الإنْزالُ مِن رِفْعَةِ القَدْرِ إذِ اعْتُبِرَ مُسْتَقِرًّا في العالَمِ العُلْوِيِّ حَتّى أُنْزِلَ إلى هَذا العالَمِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ تَعْجِيبِيٌّ مِن إنْكارِهِمْ صِدْقَ هَذا الكِتابِ ومِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . ولِكَوْنِ إنْكارِهِمْ صِدْقَهُ حاصِلًا مِنهم في حالِ الخِطابِ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِيَتَأتّى جَعْلُ المُسْنَدِ اسْمًا دالًّا عَلى الِاتِّصافِ في زَمَنِ الحالِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ دالَّةً عَلى الثَّباتِ في الوَصْفِ وفاءً بِحَقِّ بَلاغَةِ النَّظْمِ.
الأنبياء 21:50
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ﴾ [الأنبياء: ٥] إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥] لِإقامَةِ الحُجَّةِ عَلى المُشْرِكِينَ بِالدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ والإقْناعِيَّةِ والزَّجْرِيَّةِ، ثُمَّ بِدَلائِلِ شَواهِدِ التّارِيخِ وأحْوالِ الأُمَمِ السّابِقَةِ
صفحة ٨٨
الشّاهِدَةِ بِتَنْظِيرِ ما أُوتِيَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِما أُوتِيَهُ سَلَفُهُ مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، وأنَّهُ ما كانَ بِدَعًا مِنَ الرُّسُلِ في دَعْوَتِهِ إلى التَّوْحِيدِ، تِلْكَ الدَّعْوَةِ الَّتِي كَذَّبَهُ المُشْرِكُونَ لِأجْلِها مَعَ ما تَخَلَّلَ ذَلِكَ مِن ذِكْرِ عِنادِ الأقْوامِ، وثَباتِ الأقْدامِ، والتَّأْيِيدِ مِنَ المَلِكِ العَلّامِ، وفي ذَلِكَ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى ما يُلاقِيهِ مِن قَوْمِهِ بِأنَّ تِلْكَ سُنَّةُ الرُّسُلِ السّابِقِينَ كَما قالَ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الإسراء: ٧٧] في سُورَةِ الإسْراءِ. فَجاءَ في هَذِهِ الآياتِ بِأخْبارٍ مِن أحْوالِ الرُّسُلِ المُتَقَدِّمِينَ.
وفِي سَوْقِ أخْبارِ هَؤُلاءِ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ تَفْصِيلٌ أيْضًا لِما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا يُوحى إلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء: ٧]“ الآياتِ، ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ”﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا يُوحى إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]“ ثُمَّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما أُنْذِرُكم بِالوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥]، واتِّصالِها بِجَمِيعِ ذَلِكَ اتِّصالٍ مُحْكَمٍ؛ ولِذَلِكَ أُعْقِبَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ .
وابْتُدِئَ بِذِكْرِ مُوسى وأخِيهِ مَعَ قَوْمِهِما؛ لِأنَّ أخْبارَ ذَلِكَ مَسْطُورَةٌ في كِتابٍ مَوْجُودٍ عِنْدَ أهْلِهِ يَعْرِفُهُمُ العَرَبُ؛ ولِأنَّ أثَرَ إتْيانِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالشَّرِيعَةِ هو أوْسَعُ أثَرٍ لِإقامَةِ نِظامِ أُمَّةٍ يَلِي عَظَمَةَ شَرِيعَةِ الإسْلامِ.
وافْتِتاحُ القِصَّةِ بِلامِ القَسَمِ المُفِيدَةِ؛ لِلتَّأْكِيدِ لِتَنْزِيلِ المُشْرِكِينَ في جَهْلِ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ، وذُهُولِ بَعْضِهِمْ عَنْهُ، وتَناسِي بَعْضِهِمْ إيّاهُ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ تِلْكَ القِصَّةَ. ومَحَلُّ التَّنْظِيرِ في هَذِهِ القِصَّةِ هو تَأْيِيدُ الرَّسُولِ ﷺ بِكِتابٍ مُبِينٍ، وتَلَقِّي القَوْمِ ذَلِكَ الكِتابَ بِالإعْراضِ والتَّكْذِيبِ.
والفَرْقانُ: ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ مِن كَلامٍ أوْ فِعْلٍ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى يَوْمَ بَدْرٍ يَوْمَ الفَرْقانِ؛ لِأنَّ فِيهِ كانَ مَبْدَأ ظُهُورِ قُوَّةِ
صفحة ٨٩
المُسْلِمِينَ ونَصْرُهم، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ التَّوْراةُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتَيْناهُما الكِتابَ المُسْتَبِينَ﴾ [الصافات: ١١٧] في سُورَةِ الصّافّاتِ.
والإخْبارُ عَنِ الفُرْقانِ بِإسْنادِ إتْيانِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لَمْ يَعْدُ كَوْنَهُ إيتاءً مِنَ اللَّهِ تَعالى ووَحْيًا كَما أُوتِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ القُرْآنَ فَكَيْفَ يُنْكِرُونَ إيتاءَ القُرْآنِ وهم يَعْلَمُونَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما جاءَ إلّا بِمِثْلِهِ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى جَلالَةِ ذَلِكَ المُوتى.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالفُرْقانِ المُعْجِزاتُ الفارِقَةُ بَيْنَ المُعْجِزَةِ والسِّحْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر: ٢٣] في سُورَةِ غافِرٍ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الشَّرِيعَةُ الفارِقَةُ بَيْنَ العَدْلِ والجَوْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَلى الِاحْتِمالاتِ المَذْكُورَةِ تَجِيءُ احْتِمالاتٌ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي ﴿وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ . ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ بَعْضُ هَذِهِ الصِّفاتِ قَسِيمًا لِبَعْضٍ، بَلْ هي صِفاتٌ مُتَداخِلَةٌ، فَمَجْمُوعُ ما أُوتِيَهُ مُوسى وهارُونُ تَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذِهِ الصِّفاتُ الثَّلاثُ.
والضِّياءُ: النُّورُ. يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في الهُدى والعِلْمِ، وهو اسْتِعْمالٌ كَثِيرٌ، وهو المُرادُ هُنا، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] في سُورَةِ المائِدَةِ.
والذِّكْرُ أصْلُهُ: خُطُورُ شَيْءٍ بِالبالِ بَعْدَ غَفْلَةٍ عَنْهُ. ويُطْلَقُ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ. فَقَوْلُهُ تَعالى (لِلْمُتَّقِينَ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكَلامُ فِيهِ لِلتَّقْوِيَةِ فَيَكُونَ المَجْرُورُ بِاللّامِ في مَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِتَقْوى اللَّهِ، أيِ امْتِثالِ أوامِرِهِ واجْتِنابِ ما نَهى عَنْهُ، لِأنَّهُ يُذَكِّرُهم بِما يَجْهَلُونَ وبِما يَذْهَلُونَ عَنْهُ مِمّا عَلِمُوهُ ويُجَدِّدُ في نُفُوسِهِمْ
صفحة ٩٠
مُراقَبَةَ رَبِّهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّامُ لِلْعِلَّةِ؛ أيْ ذِكْرٌ لِأجْلِ المُتَّقِينَ، أيْ كِتابٌ يَنْتَفِعُ بِما فِيهِ المُتَّقُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الضّالِّينَ.
ووَصَفَهم بِما يَزِيدُ مَعْنى المُتَّقِينَ بَيانًا بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ وهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والباءُ في قَوْلِهِ تَعالى (بِالغَيْبِ) بِمَعْنى (في) .
والغَيْبُ: ما غابَ عَنْ عُيُونِ النّاسِ، أيْ يَخْشَوْنَ رَبَّهم في خاصَّتِهِمْ لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ رِياءً ولا لِأجْلِ خَوْفِ الزَّواجِرِ الدُّنْيَوِيَّةِ والمَذَمَّةِ مِنَ النّاسِ.
والإشْفاقُ: رَجاءُ حادِثٍ مَخُوفٍ. ومَعْنى الإشْفاقِ مِنَ السّاعَةِ: الإشْفاقُ مِن أهْوالِها، فَهم يُعِدُّونَ لَها عُدَّتَها بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ لَمْ يَهْتَدُوا بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى؛ بِدَلالَةِ مَفْهُومِ المُخالَفَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ . فَمَن لَمْ يَهْتَدِ بِكِتابِ اللَّهِ فَلَيْسَ هو مِنَ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ، وهَؤُلاءِ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ.
وقَدْ عَقَّبَ هَذا التَّعْرِيضَ بِذِكْرِ المَقْصُودِ مِن سَوْقِ الكَلامِ النّاشِئِ هو عَنْهُ، وهو المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أنْزَلْناهُ أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . واسْمُ الإشارَةِ يُشِيرُ إلى القُرْآنِ لِأنَّ حُضُورَهُ في الأذْهانِ وفي التِّلاوَةِ بِمَنزِلَةِ حُضُورِ ذاتِهِ. ووَصْفُهُ القُرْآنَ بِأنَّهُ ذِكْرٌ لِأنَّ لَفْظَ الذِّكْرِ جامِعٌ لِجَمِيعِ الأوْصافِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] في سُورَةِ النَّحْلِ.
ووَصْفُ القُرْآنِ بِالمُبارَكِ يَعُمُّ نَواحِيَ الخَيْرِ كُلَّها لِأنَّ البَرَكَةَ زِيادَةُ الخَيْرِ؛ فالقُرْآنُ كُلُّهُ خَيْرٌ مِن جِهَةِ بَلاغَةِ ألْفاظِهِ وحُسْنِها وسُرْعَةِ حِفْظِهِ وسُهُولَةِ تِلاوَتِهِ، وهو أيْضًا خَيْرٌ لِما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِن أفْنانِ الكَلامِ والحِكْمَةِ والشَّرِيعَةِ واللَّطائِفِ البَلاغِيَّةِ، وهو في ذَلِكَ كُلِّهِ آيَةٌ عَلى
صفحة ٩١
صِدْقِ الَّذِي جاءَ بِهِ لِأنَّ البَشَرَ عَجَزُوا عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ وتَحَدّاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِذَلِكَ فَما اسْتَطاعُوا، وبِذَلِكَ اهْتَدَتْ بِهِ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ في جَمِيعِ الأزْمانِ، وانْتَفَعَ بِهِ مَن آمَنُوا بِهِ وفَرِيقٌ مِمَّنْ حَرَّمُوا الإيمانَ. فَكانَ وصْفُهُ بِأنَّهُ مُبارَكٌ وافِيًا عَلى وصْفِ كِتابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِأنَّهُ فُرْقانٌ وضِياءٌ. وزادَهُ تَشْرِيفًا بِإسْنادِ إنْزالِهِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ. وجُعِلَ الوَحْيُ إلى الرَّسُولِ إنْزالًا لِما يَقْتَضِيهِ الإنْزالُ مِن رِفْعَةِ القَدْرِ إذِ اعْتُبِرَ مُسْتَقِرًّا في العالَمِ العُلْوِيِّ حَتّى أُنْزِلَ إلى هَذا العالَمِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ اسْتِفْهامٌ تَوْبِيخِيٌّ تَعْجِيبِيٌّ مِن إنْكارِهِمْ صِدْقَ هَذا الكِتابِ ومِنِ اسْتِمْرارِهِمْ عَلى ذَلِكَ الإنْكارِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿أفَأنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ . ولِكَوْنِ إنْكارِهِمْ صِدْقَهُ حاصِلًا مِنهم في حالِ الخِطابِ جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِيَتَأتّى جَعْلُ المُسْنَدِ اسْمًا دالًّا عَلى الِاتِّصافِ في زَمَنِ الحالِ وجَعْلُ الجُمْلَةِ دالَّةً عَلى الثَّباتِ في الوَصْفِ وفاءً بِحَقِّ بَلاغَةِ النَّظْمِ.
الأنبياء 21:51
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:52
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:53
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:54
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:55
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:56
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:57
﴿ولَقَدْ آتَيْنا إبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ ﴿قالُوا وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿قالُوا أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ ﴿قالَ بَلْ رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾
صفحة ٩٢
أُعْقِبَتْ قِصَّةُ مُوسى وهارُونَ بِقِصَّةِ إبْراهِيمَ فِيما أُوحِيَ إلَيْهِ مِن مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ ووُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى بُطْلانِهِ، لِأنَّ إبْراهِيمَ كانَ هو المَثَلَ الأوَّلَ قَبْلَ مَجِيءِ الإسْلامِ في مُقاوَمَةِ الشِّرْكِ إذْ قاوَمَهُ بِالحُجَّةِ وبِالقُوَّةِ وبِإعْلانِ التَّوْحِيدِ إذْ أقامَ لِلتَّوْحِيدِ هَيْكَلًا بِمَكَّةَ هو الكَعْبَةُ وبِجَبَلِ نابُو مِن بِلادِ الكَنْعانِيِّينَ حَيْثُ كانَتْ مَدِينَةٌ تُسَمّى يَوْمَئِذٍ لَوْزا ثُمَّ بَنى بَيْتَ إيلَ بِالقُرْبِ مِن مَوْضِعِ مَدِينَةِ (أُورْشَلِيمَ) في المَكانِ الَّذِي أُقِيمَ بِهِ هَيْكَلُ سُلَيْمانَ مِن بَعْدُ، فَكانَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ مَعَ قَوْمِهِ شاهِدًا عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ الَّذِي كانَ مُماثِلًا لِحالِ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ الَّذِينَ جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ لِقَطْعِ دابِرِهِ.
وفِي ذِكْرِ قِصَّةِ إبْراهِيمَ تَوَرُّكٌ عَلى المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ إذْ كانُوا عَلى الحالَةِ الَّتِي نَعاها جَدُّهم إبْراهِيمُ عَلى قَوْمِهِ، وكَفى بِذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ. وأيْضًا فَإنَّ شَرِيعَةَ إبْراهِيمَ أشْهَرُ شَرِيعَةٍ بَعْدَ شَرِيعَةِ مُوسى.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ عَنْهُ بِلامِ القَسَمِ لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّناهُ آنِفًا في تَأْكِيدِ الخَبَرِ عَنْ مُوسى وهارُونَ، وهو تَنْزِيلُ العَرَبِ في مُخالَفَتِهِمْ لِشَرِيعَةِ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ مَنزِلَةَ المُنْكِرِ لِكَوْنِ إبْراهِيمَ أُوتِيَ رُشْدًا وهَدْيًا، وكَذَلِكَ الإخْبارُ عَنْ إيتاءِ الرُّشْدِ إبْراهِيمَ بِإسْنادِ الإيتاءِ إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ لِمِثْلِ ما قَرَّرَ في قِصَّةِ مُوسى وهارُونَ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفْخِيمِ ذَلِكَ الرُّشْدِ الَّذِي أُوتِيَهُ.
والرُّشْدُ: الهُدى والرَّأْيُ الحَقُّ، وضِدُّهُ الغَيُّ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وإضافَةُ (الرُّشْدِ) إلى ضَمِيرِ
صفحة ٩٣
إبْراهِيمَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيِ الرُّشْدُ الَّذِي أُرْشِدَهُ. وفائِدَةُ الإضافَةِ هُنا التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ شَأْنِ هَذا الرُّشْدِ، أيْ رُشْدًا يَلِيقُ بِهِ، ولِأنَّ رُشْدَ إبْراهِيمَ قَدْ كانَ مَضْرِبَ الأمْثالِ بَيْنَ العَرَبِ وغَيْرِهِمْ، أيْ هو الَّذِي عَلِمْتُمْ سُمْعَتَهُ الَّتِي طَبَّقَتِ الخافِقَيْنِ فَما ظَنُّكم بِرُشْدٍ أُوتِيَهُ مِن جانِبِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّ الإضافَةَ لَمّا كانَتْ عَلى مَعْنى اللّامِ كانَتْ مُفِيدَةً لِلِاخْتِصاصِ فَكَأنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ إبْراهِيمَ كانَ قَدِ انْفَرَدَ بِالهُدى بَيْنَ قَوْمِهِ، وزادَهُ تَنْوِيهًا وتَفْخِيمًا تَذْيِيلُهُ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكُنّا بِهِ عالِمِينَ﴾ أيْ آتَيْناهُ رُشْدًا عَظِيمًا عَلى عِلْمٍ مِنّا بِإبْراهِيمَ، أيْ بِكَوْنِهِ أهْلًا لِذَلِكَ الرُّشْدِ، وهَذا العِلْمُ الإلَهِيُّ مُتَعَلِّقٌ بِالنَّفْسِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ بِها مَحَلَّ ثَناءِ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن قُرْآنِهِ، أيْ عَلِمَ مِن سَرِيرَتِهِ صِفاتٍ قَدْ رَضِيَها وأحْمَدَها فاسْتَأْهَلَ بِها اتِّخاذَهُ خَلِيلًا. وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَقَدِ اخْتَرْناهم عَلى عِلْمٍ عَلى العالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقَوْلِهِ (مِن قَبْلُ) أيْ قَبْلَ أنْ نُوتِيَ مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا. ووَجْهُ ذِكْرِ هَذِهِ القَبِيلَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ ما وقَعَ إيتاءُ الذِّكْرِ مُوسى وهارُونَ إلّا لِأنَّ شَرِيعَتَهُما لَمْ تَزَلْ مَعْرُوفَةً مَدْرُوسَةً.
و(إذْ قالَ) ظَرْفٌ لِفِعْلِ (آتَيْنا) أيْ كانَ إيتاؤُهُ الرُّشْدَ حِينَ قالَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ إلَخْ، فَذَلِكَ هو الرُّشْدُ الَّذِي أُوتِيَهُ، أيْ حِينَ نَزَلَ الوَحْيُ إلَيْهِ بِالدَّعْوَةِ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، فَذَلِكَ أوَّلُ ما بُدِئَ بِهِ الوَحْيُ.
وقَوْمُ إبْراهِيمَ كانُوا مِنَ (الكَلْدانِ) وكانَ يَسْكُنُ بَلَدًا يُقالُ لَهُ (كَوْثى) بِمُثَلَّثَةٍ في آخِرِهِ بَعْدَها ألِفٌ، وهي المُسَمّاةُ في التَّوْراةِ (أُورَ الكَلْدانِ)، ويُقالُ: أيْضًا إنَّها (أُورْفَةُ) في (الرُّها)،
صفحة ٩٤
ثُمَّ سَكَنَ هو وأبُوهُ وأهْلُهُ (حارانَ) وحارانُ هي (حَرّانُ)، وكانَتْ بَعْدُ مِن بِلادِ الكَلْدانِ كَما هو مُقْتَضى الإصْحاحِ ١٢ مِنَ التَّكْوِينِ لِقَوْلِهِ فِيهِ ”اذْهَبْ مِن أرْضِكَ ومِن عَشِيرَتِكَ ومِن بَيْتِ أبِيكَ“، وماتَ أبُوهُ في حارانَ كَما في الإصْحاحِ ١٦ مِنَ التَّكْوِينِ فَيَتَعَيَّنُ أنَّ دَعْوَةَ إبْراهِيمَ كانَتْ مِن حارانَ لِأنَّهُ مِن حارانَ خَرَجَ إلى أرْضِ كَنْعانَ، وقَدِ اشْتُهِرَ حَرّانَ بِأنَّهُ بَلَدُ الصّابِئَةِ وفِيهِ هَيْكَلٌ عَظِيمٌ لِلصّابِئَةِ، وكانَ قَوْمُ إبْراهِيمَ صابِئَةً يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَجْعَلُونَ لَها صُوَرًا مُجَسَّمَةً.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ﴾ يَتَسَلَّطُ عَلى الوَصْفِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فَكَأنَّهُ قالَ: ما عِبادَتُكم هَذِهِ التَّماثِيلَ ؟ . ولَكِنَّهُ صِيغَ بِأُسْلُوبِ تَوَجُّهِ الِاسْتِفْهامِ إلى ذاتِ التَّماثِيلِ لِإبْهامِ السُّؤالِ عَنْ كُنْهِ التَّماثِيلِ في بادِئِ الكَلامِ إيماءً إلى عَدَمِ المُلاءَمَةِ بَيْنَ حَقِيقَتِها المُعَبَّرِ عَنْها بِالتَّماثِيلِ وبَيْنَ وصْفِها بِالمَعْبُودِيَّةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِعُكُوفِهِمْ عَلَيْها. وهَذا مِن تَجاهُلِ العارِفِ اسْتَعْمَلَهُ تَمْهِيدًا لِتَخْطِئَتِهِمْ بَعْدَ أنْ يَسْمَعَ جَوابَهم فَهم يَظُنُّونَهُ سائِلًا مُسْتَعْلِمًا ولِذَلِكَ أجابُوا سُؤالَهُ بِقَوْلِهِمْ ﴿وجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾؛ فَإنَّ شَأْنَ السُّؤالِ بِكَلِمَةِ (ما) أنَّهُ لِطَلَبِ شَرْحِ ماهِيَّةِ المَسْؤُولِ عَنْهُ.
والإشارَةُ إلى التَّماثِيلِ لِزِيادَةِ كَشْفِ مَعْناها الدّالِّ عَلى انْحِطاطِها عَنْ رُتْبَةِ الأُلُوهِيَّةِ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالتَّماثِيلِ يَسْلُبُ عَنْها الِاسْتِقْلالَ الذّاتِيَّ.
والأصْنامُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها الكَلْدانُ قَوْمُ إبْراهِيمَ هي (بَعْلُ) وهو أعْظَمُها، وكانَ مَصُوغًا مِن ذَهَبٍ وهو رَمْزُ الشَّمْسِ في عَهْدِ سَمِيرَمِيسَ، وعَبَدُوا رُمُوزًا لِلْكَواكِبِ ولا شَكَّ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ أصْنامَ قَوْمِ نُوحٍ: ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقُ، ونَسْرًا، إمّا بِتِلْكَ الأسْماءِ وإمّا بِأسْماءٍ أُخْرى، وقَدْ دَلَّتِ الآثارُ عَلى أنَّ مِن أصْنامِ أشُورَ إخْوانِ الكَلْدانِ صَنَمًا اسْمُهُ نَسْرُوخُ وهو نَسْرٌ لا مَحالَةَ.
صفحة ٩٥
وجَعْلُ العُكُوفِ مُسْنَدًا إلى ضَمِيرِهِمْ مُؤْذِنٌ بِأنَّ إبْراهِيمَ لَمْ يَكُنْ مِن قَبْلُ مُشارِكًا لَهم في ذَلِكَ فَيُعْلَمُ، مِنهُ أنَّهُ في مَقامِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، ذَلِكَ أنَّ الإتْيانَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ فِيهِ مَعْنى دَوامِهِمْ عَلى ذَلِكَ. وضَمِنَ (عاكِفُونَ) مَعْنى العِبادَةِ، فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ لِإفادَةِ مُلازَمَةِ عِبادَتِها.
وجاءُوا في جَوابِهِ بِما تَوَهَّمُوا إقْناعَهُ بِهِ وهو أنَّ عِبادَةَ تِلْكَ الأصْنامِ كانَتْ مِن عادَةِ آبائِهِمْ فَحَسِبُوهُ مِثْلَهم يُقَدِّسُ عَمَلَ الآباءِ ولا يَنْظُرُ في مُصادَفَتِهِ الحَقَّ، ولِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ أنْ أجابَهم: ﴿لَقَدْ كُنْتُمْ أنْتُمْ وآباؤُكم في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مُؤَكِّدًا ذَلِكَ بِلامِ القَسَمِ.
وفِي قَوْلِهِ تَعالى (كُنْتُمْ في ضَلالٍ) مِنِ اجْتِلابِ فِعْلِ الكَوْنِ وحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ، إيماءٌ إلى تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الضَّلالِ وانْغِماسِهِمْ فِيهِ لِإفادَةِ أنَّهُ ضَلالٌ بَواحٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، وأكَّدَ ذَلِكَ بِوَصْفِهِ بِـ (مُبِينٍ)؛ فَلَمّا ذَكَرُوا لَهُ آباءَهم شَرَّكَهم في التَّخْطِئَةِ بِدُونِ هَوادَةٍ بِعَطْفِ الآباءِ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا أنَّهم لا عُذْرَ لَهم في اتِّباعِ آبائِهِمْ ولا عُذْرَ لِآبائِهِمْ في سَنِّ ذَلِكَ لَهم لِمُنافاةِ حَقِيقَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لِحَقِيقَةِ الأُلُوهِيَّةِ واسْتِحْقاقِ العِبادَةِ، ولِإنْكارِهِمْ أنْ يَكُونَ ما عَلَيْهِ آباؤُهم ضَلالًا، وإيقانِهِمْ أنَّ آباءَهم عَلى الحَقِّ، شَكُّوا في حالِ إبْراهِيمَ؛ أنَطَقَ عَنْ جِدٍّ مِنهُ وأنَّ ذَلِكَ اعْتِقادَهُ، فَقالُوا (﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ﴾)، فَعَبَّرُوا عَنْهُ (بِالحَقِّ) المُقابِلِ لِلَّعِبِ وذَلِكَ مُسَمّى الجِدِّ. فالمَعْنى: بِالحَقِّ في اعْتِقادِكَ أمْ أرَدْتَ بِهِ المَزْحَ، فاسْتَفْهَمُوا وسَألُوهُ ﴿أجِئْتَنا بِالحَقِّ أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ . والباءُ لِلْمُصاحَبَةِ. والمُرادُ بِاللَّعِبِ هُنا لَعِبُ القَوْلِ وهو المُسَمّى مَزْحًا، وأرادُوا بِتَأْوِيلِ
صفحة ٩٦
كَلامِهِ بِالمَزْحِ التَّلَطُّفَ مَعَهُ وتَجَنُّبَ نِسْبَتِهِ إلى الباطِلِ اسْتِجْلابًا لِخاطِرِهِ لِما رَأوْا مِن قُوَّةِ حُجَّتِهِ.
وعَدَلَ عَنِ الإخْبارِ عَنْهُ بِوَصْفِ لاعِبٍ إلى الإخْبارِ بِأنَّهُ مِن زُمْرَةِ اللّاعِبِينَ مُبالَغَةً في تَوَغُّلِ كَلامِهِ ذَلِكَ في بابِ المَزْحِ بِحَيْثُ يَكُونُ قائِلُهُ مُتَمَكِّنًا في اللَّعِبِ ومَعْدُودًا مِنَ الفَرِيقِ المَوْصُوفِ بِاللَّعِبِ.
وجاءَ هو في جَوابِهِمْ بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ لِإبْطالِ أنْ يَكُونَ مِنَ اللّاعِبِينَ، وإثْباتِ أنَّ رَبَّهم هو الرَّبُّ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ، أيْ ولَيْسَتْ تِلْكَ التَّماثِيلُ أرْبابًا إذْ لا نِزاعَ في أنَّها لَمْ تَخْلُقِ السَّماواتِ والأرْضَ بَلْ هي مَصْنُوعَةٌ مَنحُوتَةٌ مِنَ الحِجارَةِ كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿قالَ أتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥] فَلَمّا شَذَّ عَنْها خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَما هو غَيْرُ مُنْكَرٍ مِنكم فَهي مَنحُوتَةٌ مِن أجْزاءِ الأرْضِ فَما هي إلّا مَرْبُوبَةٌ مَخْلُوقَةٌ ولَيْسَتْ أرْبابًا ولا خالِقَةً. فَضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى (خَلَقَهُنَّ) ضَمِيرُ السَّماواتِ والأرْضِ لا مَحالَةَ، فَكانَ جَوابُ إبْراهِيمَ إبْطالًا لِقَوْلِهِمْ ﴿أمَ انْتَ مِنَ اللّاعِبِينَ﴾ مَعَ مُسْتَنَدِ الإبْطالِ بِإقامَةِ الدَّلِيلِ عَلى أنَّهُ جاءَهم بِالحَقِّ، ولَيْسَ فِيهِ طَرِيقَةُ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ كَما ظَنَّهُ الطِّيبِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وأنا عَلى ذَلِكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ إعْلامٌ لَهم بِأنَّهُ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ لِإقامَةِ دِينِ التَّوْحِيدِ لِأنَّ رَسُولَ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدٌ عَلَيْها كَما قالَ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]، ولَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ في قَوْمِهِ مَن يَشْهَدُ بِبُطْلانِ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المَقْصُودَ مِنَ الشّاهِدِينَ أنَّهُ بَعْضُ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَوْحِيدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ في مُخْتَلِفِ الأزْمانِ أوِ الأقْطارِ.
ويَحْتَمِلُ مَعْنى التَّأْكِيدِ لِذَلِكَ بِمَنزِلَةِ القَسَمِ، كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ:
شَهِدَ الفَرَزْدَقُ حِينَ يَلْقى رَبَّهُ أنَّ الوَلِيدَ أحَقُّ بِـالـعُـذْرِ
صفحة ٩٧
ثُمَّ انْتَقَلَ إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ بِالقَوْلِ إلى تَغْيِيرِهِ بِاليَدِ مُعْلِنًا عَزْمَهُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وتاللَّهِ لَأكِيدَنَّ أصْنامَكم بَعْدَ أنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ مُؤَكِّدًا عَزْمَهُ بِالقَسَمِ، فالواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ القَسَمِ عَلى جُمْلَةِ الخَبَرِ الَّتِي قَبْلَها.
والتّاءُ تَخْتَصُّ بِقَسَمٍ عَلى أمْرٍ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ وتَخْتَصُّ بِاسْمِ الجَلالَةِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] .
وسَمّى تَكْسِيرَهُ الأصْنامَ كَيْدًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ أوِ المُشاكَلَةِ التَّقْدِيرِيَّةِ لِاعْتِقادِ المُخاطَبِينَ أنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ الأصْنامَ تَدْفَعُ عَنْ أنْفُسِها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَمَسَّها بِسُوءٍ إلّا عَلى سَبِيلِ الكَيْدِ.
والكَيْدُ: التَّحَيُّلُ عَلى إلْحاقِ الضُّرِّ في صُورَةٍ غَيْرِ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ المُتَضَرِّرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] في سُورَةِ يُوسُفَ. وإنَّما قَيَّدَ كَيْدَهُ بِما بَعْدَ انْصِرافِ المُخاطَبِينَ إشارَةً إلى أنَّهُ يَلْحَقُ الضُّرُّ بِالأصْنامِ في أوَّلِ وقْتِ التَّمَكُّنِ مِنهُ، وهَذا مِن عَزْمِهِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأنَّ المُبادَرَةَ في تَغْيِيرِ المُنْكَرِ مَعَ كَوْنِهِ بِاليَدِ مَقامُ عَزْمٍ وهو لا يَتَمَكَّنُ مِن ذَلِكَ مَعَ حُضُورِ عَبَدَةِ الأصْنامِ فَلَوْ حاوَلَ كَسْرَها بِحَضْرَتِهِمْ لَكانَ عَمَلُهُ باطِلًا، والمَقْصُودُ مِن تَغْيِيرِ المُنْكَرِ: إزالَتُهُ بِقَدْرِ الإمْكانِ، ولِذَلِكَ فَإزالَتُهُ بِاليَدِ لا تَكُونُ إلّا مَعَ المِكْنَةِ.
(ومُدْبِرِينَ) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِعامِلِها. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ مِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ ولَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .
الأنبياء 21:58
﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾
صفحة ٩٨
الضَّمِيرانِ البارِزانِ في (جَعَلَهم) وفي (لَهم) عائِدانِ إلى الأصْنامِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العاقِلِ، وضَمِيرُ (لَعَلَّهم) عائِدٌ إلى قَوْمِ إبْراهِيمَ، والقَرِينَةُ تَصْرِفُ الضَّمائِرَ المُتَماثِلَةَ إلى مَصارِفِها مِثْلَ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .
والجُذاذُ بِضَمِّ الجِيمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: اسْمٌ جَمْعُ جُذاذَةٍ، وهي فُعالَةٌ مِنَ الجَذِّ، وهو القَطْعُ مِثْلَ قُلامَةٍ وكُناسَةٍ، أيْ كَسَّرَهم وجَعَلَهم قِطَعًا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ جِذاذًا بِكَسْرِ الجِيمِ؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
قِيلَ: كانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً ومَعَها صَنَمٌ عَظِيمٌ وكانَ هو مُقابِلَ بابِ بَيْتِ الأصْنامِ، وبَعْدَ أنْ كَسَرَها جَعَلَ الفَأْسَ في رَقَبَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ الأقْوامُ إلى اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ لِيُخْبِرَهم بِمَن كَسَرَ بَقِيَّةَ الأصْنامِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَهْلَهم يُطْمِعُهم في اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ المُرادَ اسْتِشارَةُ سَدَنَتِهِ لِيُخْبِرُوهم بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِن وحْيِهِ المَزْعُومِ.
وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى الأصْنامِ مِن قَوْلِهِ (أصْنامَكم) . وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ مُحاكاةً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّ قَوْمَهُ يَحْسُبُونَ الأصْنامَ عُقَلاءَ، ومِثْلُهُ ضَمائِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
صفحة ٩٩
وهَذا العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ إبْراهِيمُ عَمِلَهُ بَعْدَ أنْ جادَلَ أباهُ وقَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ ورَأى جِماحَهم عَنِ الحُجَّةِ الواضِحَةِ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُ قَوْمِهِ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنْ يَكُونَ كَبِيرُ الآلِهَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ هم فَرِيقٌ لَمْ يَسْمَعْ تَوَعُّدَ إبْراهِيمَ إيّاهم بِأنْ يَكِيدَ أصْنامَهم والَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم هُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَ إبْراهِيمُ الأصْنامَ بِمَسْمَعٍ مِنهم.
والفَتى: الذَّكَرُ الَّذِي قَوِيَ شَبابُهُ، ويَكُونُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: فَتاةٌ، وقَدْ يُطْلِقُونَهُ صِفَةَ مَدْحٍ دالَّةً عَلى اسْتِكْمالِ خِصالِ الرَّجُلِ المَحْمُودَةِ.
والذِّكْرُ: التَّحَدُّثُ بِالكَلامِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَذْكُرُ) لِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، أيْ يَذْكُرُهم بِتَوَعُّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ، ومَوْضِعُ جُمْلَتَيْ (يَذْكُرُهم) و(يُقالُ لَهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (فَتى) . وفي قَوْلِهِمْ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْتَصِبِينَ لِلْبَحْثِ في القَضِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ إبْراهِيمَ، أوْ أنَّ الشُّهَداءَ أرادُوا تَحْقِيرَهُ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ وإنَّما يُدْعى أوْ يُسَمّى إبْراهِيمَ، أيْ لَيْسَ هو مِنَ النّاسِ المَعْرُوفِينَ.
ورُفِعَ (إبْراهِيمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (يُقالُ)، لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ إذا بُنِيَ إلى المَجْهُولِ كَثِيرًا ما يَضْمَنُ مَعْنى الدَّعْوَةِ أوِ التَّسْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ
صفحة ١٠٠
حَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن تَعْدِيَتِهِ إلى المُفْرَدِ البَحْتِ وإنْ كانَ شَأْنُ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى الجُمْلَةِ أوْ إلى مُفْرَدٍ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
ومَعْنى ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ عَلى مُشاهَدَةِ النّاسِ، فاسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِ البَصَرِ فِيهِ حَتّى كانَ المَرْئِيَّ مَظْرُوفٌ في الأعْيُنِ، ومَعْنى (يَشْهَدُونَ) لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ الَّذِي تَوَعَّدَ الأصْنامَ بِالكَيْدِ.
الأنبياء 21:59
﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾
صفحة ٩٨
الضَّمِيرانِ البارِزانِ في (جَعَلَهم) وفي (لَهم) عائِدانِ إلى الأصْنامِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العاقِلِ، وضَمِيرُ (لَعَلَّهم) عائِدٌ إلى قَوْمِ إبْراهِيمَ، والقَرِينَةُ تَصْرِفُ الضَّمائِرَ المُتَماثِلَةَ إلى مَصارِفِها مِثْلَ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .
والجُذاذُ بِضَمِّ الجِيمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: اسْمٌ جَمْعُ جُذاذَةٍ، وهي فُعالَةٌ مِنَ الجَذِّ، وهو القَطْعُ مِثْلَ قُلامَةٍ وكُناسَةٍ، أيْ كَسَّرَهم وجَعَلَهم قِطَعًا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ جِذاذًا بِكَسْرِ الجِيمِ؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
قِيلَ: كانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً ومَعَها صَنَمٌ عَظِيمٌ وكانَ هو مُقابِلَ بابِ بَيْتِ الأصْنامِ، وبَعْدَ أنْ كَسَرَها جَعَلَ الفَأْسَ في رَقَبَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ الأقْوامُ إلى اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ لِيُخْبِرَهم بِمَن كَسَرَ بَقِيَّةَ الأصْنامِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَهْلَهم يُطْمِعُهم في اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ المُرادَ اسْتِشارَةُ سَدَنَتِهِ لِيُخْبِرُوهم بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِن وحْيِهِ المَزْعُومِ.
وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى الأصْنامِ مِن قَوْلِهِ (أصْنامَكم) . وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ مُحاكاةً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّ قَوْمَهُ يَحْسُبُونَ الأصْنامَ عُقَلاءَ، ومِثْلُهُ ضَمائِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
صفحة ٩٩
وهَذا العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ إبْراهِيمُ عَمِلَهُ بَعْدَ أنْ جادَلَ أباهُ وقَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ ورَأى جِماحَهم عَنِ الحُجَّةِ الواضِحَةِ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُ قَوْمِهِ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنْ يَكُونَ كَبِيرُ الآلِهَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ هم فَرِيقٌ لَمْ يَسْمَعْ تَوَعُّدَ إبْراهِيمَ إيّاهم بِأنْ يَكِيدَ أصْنامَهم والَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم هُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَ إبْراهِيمُ الأصْنامَ بِمَسْمَعٍ مِنهم.
والفَتى: الذَّكَرُ الَّذِي قَوِيَ شَبابُهُ، ويَكُونُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: فَتاةٌ، وقَدْ يُطْلِقُونَهُ صِفَةَ مَدْحٍ دالَّةً عَلى اسْتِكْمالِ خِصالِ الرَّجُلِ المَحْمُودَةِ.
والذِّكْرُ: التَّحَدُّثُ بِالكَلامِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَذْكُرُ) لِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، أيْ يَذْكُرُهم بِتَوَعُّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ، ومَوْضِعُ جُمْلَتَيْ (يَذْكُرُهم) و(يُقالُ لَهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (فَتى) . وفي قَوْلِهِمْ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْتَصِبِينَ لِلْبَحْثِ في القَضِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ إبْراهِيمَ، أوْ أنَّ الشُّهَداءَ أرادُوا تَحْقِيرَهُ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ وإنَّما يُدْعى أوْ يُسَمّى إبْراهِيمَ، أيْ لَيْسَ هو مِنَ النّاسِ المَعْرُوفِينَ.
ورُفِعَ (إبْراهِيمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (يُقالُ)، لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ إذا بُنِيَ إلى المَجْهُولِ كَثِيرًا ما يَضْمَنُ مَعْنى الدَّعْوَةِ أوِ التَّسْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ
صفحة ١٠٠
حَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن تَعْدِيَتِهِ إلى المُفْرَدِ البَحْتِ وإنْ كانَ شَأْنُ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى الجُمْلَةِ أوْ إلى مُفْرَدٍ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
ومَعْنى ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ عَلى مُشاهَدَةِ النّاسِ، فاسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِ البَصَرِ فِيهِ حَتّى كانَ المَرْئِيَّ مَظْرُوفٌ في الأعْيُنِ، ومَعْنى (يَشْهَدُونَ) لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ الَّذِي تَوَعَّدَ الأصْنامَ بِالكَيْدِ.
الأنبياء 21:60
﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾
صفحة ٩٨
الضَّمِيرانِ البارِزانِ في (جَعَلَهم) وفي (لَهم) عائِدانِ إلى الأصْنامِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العاقِلِ، وضَمِيرُ (لَعَلَّهم) عائِدٌ إلى قَوْمِ إبْراهِيمَ، والقَرِينَةُ تَصْرِفُ الضَّمائِرَ المُتَماثِلَةَ إلى مَصارِفِها مِثْلَ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .
والجُذاذُ بِضَمِّ الجِيمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: اسْمٌ جَمْعُ جُذاذَةٍ، وهي فُعالَةٌ مِنَ الجَذِّ، وهو القَطْعُ مِثْلَ قُلامَةٍ وكُناسَةٍ، أيْ كَسَّرَهم وجَعَلَهم قِطَعًا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ جِذاذًا بِكَسْرِ الجِيمِ؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
قِيلَ: كانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً ومَعَها صَنَمٌ عَظِيمٌ وكانَ هو مُقابِلَ بابِ بَيْتِ الأصْنامِ، وبَعْدَ أنْ كَسَرَها جَعَلَ الفَأْسَ في رَقَبَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ الأقْوامُ إلى اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ لِيُخْبِرَهم بِمَن كَسَرَ بَقِيَّةَ الأصْنامِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَهْلَهم يُطْمِعُهم في اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ المُرادَ اسْتِشارَةُ سَدَنَتِهِ لِيُخْبِرُوهم بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِن وحْيِهِ المَزْعُومِ.
وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى الأصْنامِ مِن قَوْلِهِ (أصْنامَكم) . وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ مُحاكاةً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّ قَوْمَهُ يَحْسُبُونَ الأصْنامَ عُقَلاءَ، ومِثْلُهُ ضَمائِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
صفحة ٩٩
وهَذا العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ إبْراهِيمُ عَمِلَهُ بَعْدَ أنْ جادَلَ أباهُ وقَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ ورَأى جِماحَهم عَنِ الحُجَّةِ الواضِحَةِ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُ قَوْمِهِ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنْ يَكُونَ كَبِيرُ الآلِهَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ هم فَرِيقٌ لَمْ يَسْمَعْ تَوَعُّدَ إبْراهِيمَ إيّاهم بِأنْ يَكِيدَ أصْنامَهم والَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم هُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَ إبْراهِيمُ الأصْنامَ بِمَسْمَعٍ مِنهم.
والفَتى: الذَّكَرُ الَّذِي قَوِيَ شَبابُهُ، ويَكُونُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: فَتاةٌ، وقَدْ يُطْلِقُونَهُ صِفَةَ مَدْحٍ دالَّةً عَلى اسْتِكْمالِ خِصالِ الرَّجُلِ المَحْمُودَةِ.
والذِّكْرُ: التَّحَدُّثُ بِالكَلامِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَذْكُرُ) لِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، أيْ يَذْكُرُهم بِتَوَعُّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ، ومَوْضِعُ جُمْلَتَيْ (يَذْكُرُهم) و(يُقالُ لَهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (فَتى) . وفي قَوْلِهِمْ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْتَصِبِينَ لِلْبَحْثِ في القَضِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ إبْراهِيمَ، أوْ أنَّ الشُّهَداءَ أرادُوا تَحْقِيرَهُ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ وإنَّما يُدْعى أوْ يُسَمّى إبْراهِيمَ، أيْ لَيْسَ هو مِنَ النّاسِ المَعْرُوفِينَ.
ورُفِعَ (إبْراهِيمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (يُقالُ)، لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ إذا بُنِيَ إلى المَجْهُولِ كَثِيرًا ما يَضْمَنُ مَعْنى الدَّعْوَةِ أوِ التَّسْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ
صفحة ١٠٠
حَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن تَعْدِيَتِهِ إلى المُفْرَدِ البَحْتِ وإنْ كانَ شَأْنُ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى الجُمْلَةِ أوْ إلى مُفْرَدٍ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
ومَعْنى ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ عَلى مُشاهَدَةِ النّاسِ، فاسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِ البَصَرِ فِيهِ حَتّى كانَ المَرْئِيَّ مَظْرُوفٌ في الأعْيُنِ، ومَعْنى (يَشْهَدُونَ) لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ الَّذِي تَوَعَّدَ الأصْنامَ بِالكَيْدِ.
الأنبياء 21:61
﴿فَجَعَلَهم جُذاذًا إلّا كَبِيرًا لَهم لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ ﴿قالُوا مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ﴾
صفحة ٩٨
الضَّمِيرانِ البارِزانِ في (جَعَلَهم) وفي (لَهم) عائِدانِ إلى الأصْنامِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ العاقِلِ، وضَمِيرُ (لَعَلَّهم) عائِدٌ إلى قَوْمِ إبْراهِيمَ، والقَرِينَةُ تَصْرِفُ الضَّمائِرَ المُتَماثِلَةَ إلى مَصارِفِها مِثْلَ ضَمِيرَيِ الجَمْعِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وعَمَرُوها أكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ [الروم: ٩] .
والجُذاذُ بِضَمِّ الجِيمِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: اسْمٌ جَمْعُ جُذاذَةٍ، وهي فُعالَةٌ مِنَ الجَذِّ، وهو القَطْعُ مِثْلَ قُلامَةٍ وكُناسَةٍ، أيْ كَسَّرَهم وجَعَلَهم قِطَعًا.
وقَرَأ الكِسائِيُّ جِذاذًا بِكَسْرِ الجِيمِ؛ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، فَهو مِنَ الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِلْمُبالَغَةِ.
قِيلَ: كانَتِ الأصْنامُ سَبْعِينَ صَنَمًا مُصْطَفَّةً ومَعَها صَنَمٌ عَظِيمٌ وكانَ هو مُقابِلَ بابِ بَيْتِ الأصْنامِ، وبَعْدَ أنْ كَسَرَها جَعَلَ الفَأْسَ في رَقَبَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ اسْتِهْزاءً بِهِمْ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم إلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ رَجاءَ أنْ يَرْجِعَ الأقْوامُ إلى اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الأكْبَرِ لِيُخْبِرَهم بِمَن كَسَرَ بَقِيَّةَ الأصْنامِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ جَهْلَهم يُطْمِعُهم في اسْتِشارَةِ الصَّنَمِ الكَبِيرِ، ولَعَلَّ المُرادَ اسْتِشارَةُ سَدَنَتِهِ لِيُخْبِرُوهم بِما يَتَلَقَّوْنَهُ مِن وحْيِهِ المَزْعُومِ.
وضَمِيرُ (لَهم) عائِدٌ إلى الأصْنامِ مِن قَوْلِهِ (أصْنامَكم) . وأُجْرِيَ عَلى الأصْنامِ ضَمِيرُ جَمْعِ العُقَلاءِ مُحاكاةً لِمَعْنى كَلامِ إبْراهِيمَ لِأنَّ قَوْمَهُ يَحْسُبُونَ الأصْنامَ عُقَلاءَ، ومِثْلُهُ ضَمائِرُ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] .
صفحة ٩٩
وهَذا العَمَلُ الَّذِي عَمِلَهُ إبْراهِيمُ عَمِلَهُ بَعْدَ أنْ جادَلَ أباهُ وقَوْمَهُ في عِبادَةِ الأصْنامِ والكَواكِبِ ورَأى جِماحَهم عَنِ الحُجَّةِ الواضِحَةِ كَما ذُكِرَ في سُورَةِ الأنْعامِ.
وقَوْلُ قَوْمِهِ ﴿مَن فَعَلَ هَذا بِآلِهَتِنا إنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنْ يَكُونَ كَبِيرُ الآلِهَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، وهَؤُلاءِ القَوْمُ هم فَرِيقٌ لَمْ يَسْمَعْ تَوَعُّدَ إبْراهِيمَ إيّاهم بِأنْ يَكِيدَ أصْنامَهم والَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهم هُمُ الَّذِينَ تَوَعَّدَ إبْراهِيمُ الأصْنامَ بِمَسْمَعٍ مِنهم.
والفَتى: الذَّكَرُ الَّذِي قَوِيَ شَبابُهُ، ويَكُونُ مِنَ النّاسِ ومِنَ الإبِلِ، والأُنْثى: فَتاةٌ، وقَدْ يُطْلِقُونَهُ صِفَةَ مَدْحٍ دالَّةً عَلى اسْتِكْمالِ خِصالِ الرَّجُلِ المَحْمُودَةِ.
والذِّكْرُ: التَّحَدُّثُ بِالكَلامِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (يَذْكُرُ) لِدَلالَةِ القَرِينَةِ عَلَيْهِ، أيْ يَذْكُرُهم بِتَوَعُّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] كَما تَقَدَّمَ، ومَوْضِعُ جُمْلَتَيْ (يَذْكُرُهم) و(يُقالُ لَهُ) في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِـ (فَتى) . وفي قَوْلِهِمْ ﴿يُقالُ لَهُ إبْراهِيمُ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنْتَصِبِينَ لِلْبَحْثِ في القَضِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ إبْراهِيمَ، أوْ أنَّ الشُّهَداءَ أرادُوا تَحْقِيرَهُ بِأنَّهُ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ وإنَّما يُدْعى أوْ يُسَمّى إبْراهِيمَ، أيْ لَيْسَ هو مِنَ النّاسِ المَعْرُوفِينَ.
ورُفِعَ (إبْراهِيمُ) عَلى أنَّهُ نائِبُ فاعِلِ (يُقالُ)، لِأنَّ فِعْلَ القَوْلِ إذا بُنِيَ إلى المَجْهُولِ كَثِيرًا ما يَضْمَنُ مَعْنى الدَّعْوَةِ أوِ التَّسْمِيَةِ، فَلِذَلِكَ
صفحة ١٠٠
حَصَلَتِ الفائِدَةُ مِن تَعْدِيَتِهِ إلى المُفْرَدِ البَحْتِ وإنْ كانَ شَأْنُ فِعْلِ القَوْلِ أنْ لا يَتَعَدّى إلّا إلى الجُمْلَةِ أوْ إلى مُفْرَدٍ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ؛ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] .
ومَعْنى ﴿عَلى أعْيُنِ النّاسِ﴾ عَلى مُشاهَدَةِ النّاسِ، فاسْتُعِيرَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ لِتَمَكُّنِ البَصَرِ فِيهِ حَتّى كانَ المَرْئِيَّ مَظْرُوفٌ في الأعْيُنِ، ومَعْنى (يَشْهَدُونَ) لَعَلَّهم يَشْهَدُونَ عَلَيْهِ بِأنَّهُ الَّذِي تَوَعَّدَ الأصْنامَ بِالكَيْدِ.
الأنبياء 21:62
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:63
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:64
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:65
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:66
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:67
﴿قالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا يا إبْراهِيمُ﴾ ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا فَسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ ﴿قالَ أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مالا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ ﴿أُفٍّ لَكم ولِما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾
وقَعَ هُنا حَذْفُ جُمْلَةٍ تَقْتَضِيها دَلالَةُ الِاقْتِضاءِ. والتَّقْدِيرُ: فَأْتُوا بِهِ فَقالُوا أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا.
وقَوْلُهُ تَعالى (بَلْ) إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، فَنَفى أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ، لِأنَّ (بَلْ) تَقْتَضِي نَفْيَ ما دَلَّ عَلى كَلامِهِمْ مِنِ اسْتِفْهامِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ الخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى التَّشْكِيكِ؛ أيْ لَعَلَّهُ فَعَلَهُ كَبِيرُهم إذْ لَمْ يَقْصِدْ إبْراهِيمُ نِسْبَةَ التَّحْطِيمِ إلى الصَّنَمِ الأكْبَرِ
صفحة ١٠١
لِأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ أنَّهُ شاهَدَ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ جاءَ بِكَلامٍ يُفِيدُ ظَنَّهُ بِذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَبْقَ صَحِيحًا مِنَ الأصْنامِ إلّا الكَبِيرُ. وفي تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ كَبِيرُهم هَذا الَّذِي حَطَّمَهم إخْطارُ دَلِيلِ انْتِفاءِ تَعَدُّدِ الآلِهَةِ لِأنَّهُ أوْهَمَهم أنَّ كَبِيرَهم غَضِبَ مِن مُشارَكَةِ تِلْكَ الأصْنامِ لَهُ في المَعْبُودِيَّةِ، وذَلِكَ تَدَرُّجٌ إلى دَلِيلِ الوَحْدانِيَّةِ، فَإبْراهِيمُ في إنْكارِهِ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ أرادَ إلْزامَهُمُ الحُجَّةَ عَلى انْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الصَّنَمِ العَظِيمِ، وانْتِفاءِ أُلُوهِيَّةِ الأصْنامِ المُحَطَّمَةِ بِطَرِيقِ الأوْلى عَلى نِيَّةِ أنْ يُقَرَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ بِالإبْطالِ ويُوقِنَهم بِأنَّهُ الَّذِي حَطَّمَ الأصْنامَ وأنَّها لَوْ كانَتْ آلِهَةً لَدَفَعَتْ عَنْ أنْفُسِها ولَوْ كانَ كَبِيرُهم كَبِيرَ الآلِهَةِ لَدَفَعَ عَنْ حاشِيَتِهِ وُحَرَفائِهِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ تَهَكُّمًا بِهِمْ وتَعْرِيضًا بِأنَّ ما لا يَنْطِقُ ولا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ غَيْرُ أهْلٍ لِلْإلَهِيَّةِ.
وشَمِلَ ضَمِيرُ (فاسْألُوهم) جَمِيعَ الأصْنامِ ما تَحَطَّمَ مِنها وما بَقِيَ قائِمًا. والقَوْمُ وإنْ عَلِمُوا أنَّ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ تَتَكَلَّمُ مِن قَبْلُ إلّا أنَّ إبْراهِيمَ أرادَ أنْ يُقْنِعَهم بِأنَّ حَدَثًا عَظِيمًا مِثْلَ هَذا يُوجِبُ أنْ يَنْطِقُوا بِتَعْيِينِ مَن فَعَلَهُ بِهِمْ، وهَذا نَظِيرُ اسْتِدْلالِ عُلَماءِ الكَلامِ عَلى دَلالَةِ المُعْجِزَةِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَخْرِقُ عادَةً لِتَصْدِيقِ الكاذِبِ، فَخَلْقُهُ خارِقَ العادَةِ عِنْدَ تَحَدِّي الرَّسُولِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ أرادَ تَصْدِيقَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ في الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إبْراهِيمُ إلّا ثَلاثَ كَذِباتٍ ثِنْتَيْنِ مِنهُ في ذاتٍ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: قَوْلُهُ ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقَوْلُهُ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ . وبَيْنا هو ذاتَ يَوْمٍ وسارَةُ إذْ أتى عَلى جَبّارٍ مِنَ الجَبابِرَةِ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ هاهُنا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قالَ: أُخْتِي. فَأتى سارَةَ فَقالَ: يا سارَةُ لَيْسَ عَلى وجْهِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وغَيْرَكِ وإنَّ هَذا سَألَنِي فَأخْبَرْتُهُ أنَّكِ أُخْتِي فَلا تُكَذِّبِينِي» . . . . وساقَ الحَدِيثَ.
صفحة ١٠٢
فَمَعْناهُ أنَّهُ كَذَبَ في جَوابِهِ عَنْ قَوْلِ قَوْمِهِ ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا بِآلِهَتِنا﴾ حَيْثُ قالَ ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾، لِأنَّ (بَلْ) إذا جاءَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ أفادَ إبْطالَ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ. فَقَوْلُهم ﴿أأنْتَ فَعَلْتَ هَذا﴾ سُؤالٌ عَنْ كَوْنِهِ مُحَطِّمَ الأصْنامِ، فَلَمّا قالَ (بَلْ) فَقَدْ نَفى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ، وهو نَفْيٌ مُخالِفٌ لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِهِ فَهو كَذِبٌ. غَيْرَ أنَّ الكَذِبَ مَذْمُومٌ ومَنهِيٌّ عَنْهُ ويُرَخَّصُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ مِثْلَ ما قالَهُ إبْراهِيمُ، فَهَذا الإضْرابُ كانَ تَمْهِيدًا لِلْحُجَّةِ عَلى نِيَّةِ أنْ يَتَّضِحَ لَهُمُ الحَقُّ بِآخِرَةٍ. ولِذَلِكَ قالَ ﴿أفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكم شَيْئًا ولا يَضُرُّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أمّا الإخْبارُ بِقَوْلِهِ ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ فَلَيْسَ كَذِبًا وإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْواقِعِ ولِاعْتِقادِ المُتَكَلِّمِ لِأنَّ الكَلامَ والأخْبارَ إنَّما تَسْتَقِرُّ بِأواخِرِها وما يَعْقُبُها، كالكَلامِ المُعَقَّبِ بِشَرْطٍ أوِ اسْتِثْناءٍ، فَإنَّهُ لَمّا قَصَدَ تَنْبِيهَهم عَلى خَطَأِ عِبادَتِهِمْ لِلْأصْنامِ مَهَّدَ لِذَلِكَ كَلامًا هو جارٍ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ هَذا إلَهًا لَما رَضِيَ بِالِاعْتِداءِ عَلى شُرَكائِهِ، فَلَمّا حَصَلَ الِاعْتِداءُ عَلَيْهِمْ بِمَحْضَرِ كَبِيرِهِمْ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ هو الفاعِلَ لِذَلِكَ، ثُمَّ ارْتَقى في الِاسْتِدْلالِ بِأنْ سَلَبَ الإلَهِيَّةَ عَنْ جَمِيعِهِمْ بِقَوْلِهِ ﴿إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ كَما تَقَدَّمَ.
فالمُرادُ مِنَ الحَدِيثِ أنَّها كَذِباتٌ في بادِئِ الأمْرِ وأنَّها عِنْدَ التَّأمُّلِ يَظْهَرُ المَقْصُودُ مِنها، وذَلِكَ أنَّ النَّهْيَ عَنِ الكَذِبِ إنَّما عِلَّتُهُ خَدْعُ المُخاطَبِ وما يَتَسَبَّبُ عَلى الخَبَرِ المَكْذُوبِ مِن جَرَيانِ الأعْمالِ عَلى اعْتِبارِ الواقِعِ بِخِلافِهِ. فَإذا كانَ الخَبَرُ يُعْقَبُ بِالصِّدْقِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنَ الكَذِبِ بَلْ كانَ تَعْرِيضًا أوْ مَزْحًا أوْ نَحْوَهُما.
وأمّا ما ورَدَ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: لَسْتُ هُناكم ويَذْكُرُ كَذِباتٍ كَذَبَها - فَمَعْناهُ أنَّهُ يَذْكُرُ أنَّهُ قالَ كَلامًا خِلافًا لِلْواقِعِ بِدُونِ إذْنِ اللَّهِ بِوَحْيٍ، ولَكِنَّهُ ارْتَكَبَ قَوْلَ خِلافِ الواقِعِ لِضَرُورَةِ الِاسْتِدْلالِ بِحَسَبِ اجْتِهادِهِ فَخَشِيَ أنْ لا يُصادِفَ اجْتِهادُهُ الصَّوابَ مِن مُرادِ اللَّهِ فَخَشِيَ عِتابَ اللَّهِ فَتَخَلَّصَ مِن ذَلِكَ المَوْقِفِ.
صفحة ١٠٣
وقَوْلُهُ تَعالى ﴿فَرَجَعُوا إلى أنْفُسِهِمْ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، أيْ أقْبَلَ بَعْضُهم عَلى خِطابِ بَعْضٍ وأعْرَضُوا عَنْ مُخاطَبَةِ إبْراهِيمَ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، أيْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ.
وضَمائِرُ الجَمْعِ مُرادٌ مِنها التَّوْزِيعُ كَما في: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ فَرَجَعَ كُلُّ واحِدٍ إلى نَفْسِهِ، أيْ تَرَكَ التَّأمُّلَ في تُهْمَةِ إبْراهِيمَ وتَدَبَّرَ في دِفاعِ إبْراهِيمَ. فَلاحَ لِكُلٍّ مِنهم أنَّ إبْراهِيمَ بَرِيءٌ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وضَمائِرُ الجَمْعِ جارِيَةٌ عَلى أصْلِها المَعْرُوفِ. والجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْحَصْرِ، أيْ أنْتُمْ ظالِمُونَ لا إبْراهِيمُ لِأنَّكم ألْصَقْتُمْ بِهِ التُّهْمَةَ بِأنَّهُ ظَلَمَ أصْنامَنا مَعَ أنَّ الظّاهِرَ أنْ نَسْألَها عَمَّنْ فَعَلَ بِها ذَلِكَ، ويَظْهَرُ أنَّ الفاعِلَ هو كَبِيرُهم.
والرُّجُوعُ إلى أنْفُسِهِمْ عَلى الِاحْتِمالَيْنِ السّابِقَيْنِ مُسْتَعارٌ لِشَغْلِ البالِ بِشَيْءٍ عَقِبَ شَغْلِهِ بِالغَيْرِ، كَما يَرْجِعُ المَرْءُ إلى بَيْتِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إلى مَكانِ غَيْرِهِ. وفِعْلُ (نُكِسُوا) مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ نَكَسَهم ناكِسٌ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ النَّكْسِ فاعِلٌ إلّا أنْفُسُهم بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَجْهُولِ فَصارَ بِمَعْنى: انْتَكَسُوا عَلى رُؤُوسِهِمْ. وهَذا تَمْثِيلٌ.
والنَّكْسُ: قَلْبُ أعْلى الشَّيْءِ أسْفَلَهُ وأسْفَلَهُ أعْلاهُ، يُقالُ: صُلِبَ اللِّصُّ مَنكُوسًا، أيْ مَجْعُولًا رَأْسُهُ مُباشِرًا لِلْأرْضِ، وهو أقْبَحُ هَيْئاتِ المَصْلُوبِ. ولَمّا كانَ شَأْنُ انْتِصابِ جِسْمِ الإنْسانِ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى قَدَمَيْهِ فَإذا نُكِّسَ صارَ انْتِصابُهُ كَأنَّهُ عَلى رَأْسِهِ، فَكانَ قَوْلُهُ هُنا ﴿نُكِسُوا عَلى رُءُوسِهِمْ﴾ تَمْثِيلًا لِتَغَيُّرِ رَأْيِهِمْ عَنِ الصَّوابِ كَما قالُوا ﴿إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ إلى مُعاوَدَةِ الضَّلالِ بِهَيْئَةِ مَن تَغَيَّرَتْ أحْوالُهم مِنَ الِانْتِصابِ عَلى الأرْجُلِ إلى الِانْتِصابِ عَلى الرُّؤُوسِ مَنكُوسِينَ. فَهو مِن تَمْثِيلِ المَعْقُولِ
صفحة ١٠٤
بِالمَحْسُوسِ، والمَقْصُودُ بِهِ التَّشْنِيعُ. وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ أيْ عَلَتْ أجْسادُهم فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ بِأنِ انْكَبُّوا انْكِبابًا شَدِيدًا بِحَيْثُ لا تَبْدُو رُؤُوسُهم. وتَحْتَمِلُ الآيَةُ وُجُوهًا أُخْرى أشارَ إلَيْها في الكَشّافِ.
والمَعْنى: ثُمَّ تَغَيَّرَتْ آراؤُهم بَعْدَ أنْ كادُوا يَعْتَرِفُونَ بِحُجَّةِ إبْراهِيمَ فَرَجَعُوا إلى المُكابَرَةِ والِانْتِصارِ لِلْأصْنامِ. فَقالُوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾، أيْ أنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَؤُلاءِ الأصْنامَ لا تَنْطِقُ فَما أرَدْتَ بِقَوْلِكَ ﴿فاسْألُوهم إنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ إلّا التَّنَصُّلَ مِن جَرِيمَتِكَ.
فَجُمْلَةُ (لَقَدْ عَلِمْتَ) إلى آخِرِها مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿فَقالُوا إنَّكم أنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾، وجُمْلَةُ ﴿ما هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ تُفِيدُ تَقَوِّي الِاتِّصافِ بِانْعِدامِ النُّطْقِ، وذَلِكَ بِسَبَبِ انْعِدامِ آلَتِهِ وهي الألْسُنُ. وفِعْلُ (عَلِمْتَ) مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَهُ. فَلَمّا اعْتَرَفُوا بِأنَّ الأصْنامَ لا تَسْتَطِيعُ النُّطْقَ انْتَهَزَ إبْراهِيمُ الفُرْصَةَ لِإرْشادِهِمْ مُفَرِّعا عَلى اعْتِرافِهِمْ بِأنَّها لا تَنْطِقُ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَلى عِبادَتِهِمْ إيّاها وزائِدًا بِأنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ، وجَعَلَ عَدَمَ اسْتِطاعَتِها النَّفْعَ والضُّرَّ مَلْزُومًا لِعَدَمِ النُّطْقِ لِأنَّ النُّطْقَ هو واسِطَةُ الإفْهامِ، ومَن لا يَسْتَطِيعُ الإفْهامَ تَبَيَّنَ أنَّهُ مَعْدُومُ العَقْلِ وتَوابِعِهِ مِنَ العِلْمِ والإرادَةِ والقُدْرَةِ.
و(أُفٍّ) اسْمُ فِعْلٍ دالٌّ عَلى الضَّجَرِ، وهو مَنقُولٌ مِن صُورَةِ تَنَفُّسِ المُتَضَجِّرِ لِضِيقِ نَفْسِهِ مِنَ الغَضَبِ. وتَنْوِينُ (أُفٍّ) يُسَمّى تَنْوِينَ التَّنْكِيرِ، والمُرادُ بِهِ التَّعْظِيمُ، أيْ ضَجَرًا قَوِيًّا لَكم. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . واللّامُ في (لَكم) لِبَيانِ المُتَأفَّفِ بِسَبَبِهِ، أيْ أُفٍّ لِأجْلِكم ولِلْأصْنامِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ.
صفحة ١٠٥
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ لِزِيادَةِ البَيانِ وتَشْنِيعِ عِبادَةِ غَيْرِهِ.
وفَرَّعَ عَلى الإنْكارِ والتَّضَجُّرِ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا عَنْ عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في الأدِلَّةِ الواضِحَةِ مِنَ العَقْلِ والحِسِّ فَقالَ (أفَلا تَعْقِلُونَ) .
الأنبياء 21:68
﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾
لَمّا غَلَبَهم بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ لَمْ يَجِدُوا مُخَلِّصًا إلّا بِإهْلاكِهِ، وكَذَلِكَ المُبْطِلُ إذا قَرَعَتْ باطِلَهُ حُجَّةُ فَسادِهِ غَضِبَ عَلى المُحِقِّ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَفْزَعٌ إلّا مُناصَبَتُهُ والتَّشَفِّي مِنهُ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، واخْتارَ قَوْمُ إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ إهْلاكُهُ بِالإحْراقِ لِأنَّ النّارَ أهْوَلُ ما يُعاقَبُ بِهِ وأفْظَعُهُ.
والتَّحْرِيقُ: مُبالَغَةٌ في الحَرْقِ، أيْ حَرْقًا مُتْلِفًا.
وأُسْنِدَ قَوْلُ الأمْرِ بِإحْراقِهِ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم قَبِلُوا هَذا القَوْلَ وسَألُوا مَلِكَهم، وهو النُّمْرُوذُ إحْراقَ إبْراهِيمَ فَأمَرَ بِإحْراقِهِ لِأنَّ العِقابَ بِإتْلافِ النُّفُوسِ لا يَمْلِكُهُ إلّا وُلاةُ أُمُورِ الأقْوامِ. قِيلَ الَّذِي أشارَ بِالرَّأْيِ بِإحْراقِ إبْراهِيمَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كُرْدِيٌّ اسْمُهُ هِينُونُ، واسْتَحْسَنَ القَوْمُ ذَلِكَ، والَّذِي أمَرَ بِالإحْراقِ نُمْرُوذُ، فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) مُسْتَعْمَلٌ في المُشاوَرَةِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُؤامَرَةً سِرِّيَّةً بَيْنَهم دُونَ حَضْرَةِ إبْراهِيمَ، وأنَّهم دَبَّرُوهُ لِيَبْغَتُوهُ بِهِ خَشْيَةَ هُرُوبِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الأنبياء: ٧٠] .
ونُمْرُوذُ هَذا يَقُولُونَ: إنَّهُ ابْنُ كُوشَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ. ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ زَمَنِ إبْراهِيمَ وزَمَنِ كُوشَ. فالصَّوابُ أنَّ نُمْرُوذَ
صفحة ١٠٦
مِن نَسْلِ (كُوشَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (نُمْرُوذَ) لَقَبًا لِمَلِكِ الكَلْدانِ ولَيْسَتْ عَلَمًا، والمُقَدَّرُ في التّارِيخِ أنَّ مَلِكَ مَدِينَةِ أُورَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ هو (ألْغى بْنُ أُورَخَ) وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونَصْرُ الآلِهَةِ بِإتْلافِ عَدُوِّها.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ النَّصْرَ. وهَذا تَحْرِيضٌ وتَلْهِيبٌ لِحَمِيَّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها: إمّا لِأنَّها وقَعَتْ كالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) فَأشْبَهَتْ جُمَلَ المُحاوَرَةِ، وإمّا لِأنَّها اسْتِئْنافٌ عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قِصَّةِ التَّآمُرِ عَلى الإحْراقِ، وبِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ أُخْرى، أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِإبْراهِيمَ إذْ وجَّهَ إلى النّارِ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِسَلْبِ قُوَّةِ الإحْراقِ، وأنْ تَكُونَ بَرْدًا وسَلامًا إنْ كانَ الكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ أزالَ عَنْ مِزاجِ إبْراهِيمَ التَّأثُّرَ بِحَرارَةِ النّارِ إنْ كانَ الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كُونِي كَبَرْدٍ في عَدَمِ تَحْرِيقِ المُلْقى فِيكِ بِحَرِّكِ.
وأمّا كَوْنُها سَلامًا فَهو حَقِيقَةٌ لا مَحالَةَ، وذِكْرُ (سَلامًا) بَعْدَ ذِكْرِ البَرْدِ كالِاحْتِراسِ لِأنَّ البَرْدَ مُؤْذٍ بِدَوامِهِ رُبَّما إذا اشْتَدَّ، فَعَقَّبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ السَّلامِ لِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَأهْلَكَتْهُ بِبَرْدِها، وإنَّما ذَكَرَ (بَرْدًا) ثُمَّ أتْبَعَ بِـ (سَلامًا) ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى (بَرْدًا) لِإظْهارِ عَجِيبِ صُنْعِ القُدْرَةِ إذْ صَيَّرَ النّارَ بَرْدًا، و(عَلى إبْراهِيمَ) يَتَنازَعُهُ (بَرْدًا وسَلامًا) . وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في حُصُولِ نَفْعِهِما لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الكَوْنِ.
الأنبياء 21:69
﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وانْصُرُوا آلِهَتَكم إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾
لَمّا غَلَبَهم بِالحُجَّةِ القاهِرَةِ لَمْ يَجِدُوا مُخَلِّصًا إلّا بِإهْلاكِهِ، وكَذَلِكَ المُبْطِلُ إذا قَرَعَتْ باطِلَهُ حُجَّةُ فَسادِهِ غَضِبَ عَلى المُحِقِّ، ولَمْ يَبْقَ لَهُ مَفْزَعٌ إلّا مُناصَبَتُهُ والتَّشَفِّي مِنهُ، كَما فَعَلَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ عَجَزُوا عَنِ المُعارَضَةِ، واخْتارَ قَوْمُ إبْراهِيمَ أنْ يَكُونَ إهْلاكُهُ بِالإحْراقِ لِأنَّ النّارَ أهْوَلُ ما يُعاقَبُ بِهِ وأفْظَعُهُ.
والتَّحْرِيقُ: مُبالَغَةٌ في الحَرْقِ، أيْ حَرْقًا مُتْلِفًا.
وأُسْنِدَ قَوْلُ الأمْرِ بِإحْراقِهِ إلى جَمِيعِهِمْ لِأنَّهم قَبِلُوا هَذا القَوْلَ وسَألُوا مَلِكَهم، وهو النُّمْرُوذُ إحْراقَ إبْراهِيمَ فَأمَرَ بِإحْراقِهِ لِأنَّ العِقابَ بِإتْلافِ النُّفُوسِ لا يَمْلِكُهُ إلّا وُلاةُ أُمُورِ الأقْوامِ. قِيلَ الَّذِي أشارَ بِالرَّأْيِ بِإحْراقِ إبْراهِيمَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ كُرْدِيٌّ اسْمُهُ هِينُونُ، واسْتَحْسَنَ القَوْمُ ذَلِكَ، والَّذِي أمَرَ بِالإحْراقِ نُمْرُوذُ، فالأمْرُ في قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) مُسْتَعْمَلٌ في المُشاوَرَةِ.
ويَظْهَرُ أنَّ هَذا القَوْلَ كانَ مُؤامَرَةً سِرِّيَّةً بَيْنَهم دُونَ حَضْرَةِ إبْراهِيمَ، وأنَّهم دَبَّرُوهُ لِيَبْغَتُوهُ بِهِ خَشْيَةَ هُرُوبِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الأنبياء: ٧٠] .
ونُمْرُوذُ هَذا يَقُولُونَ: إنَّهُ ابْنُ كُوشَ بْنِ حامِ بْنِ نُوحٍ. ولا يَصِحُّ ذَلِكَ لِبُعْدِ ما بَيْنَ زَمَنِ إبْراهِيمَ وزَمَنِ كُوشَ. فالصَّوابُ أنَّ نُمْرُوذَ
صفحة ١٠٦
مِن نَسْلِ (كُوشَ)، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كَلِمَةُ (نُمْرُوذَ) لَقَبًا لِمَلِكِ الكَلْدانِ ولَيْسَتْ عَلَمًا، والمُقَدَّرُ في التّارِيخِ أنَّ مَلِكَ مَدِينَةِ أُورَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ هو (ألْغى بْنُ أُورَخَ) وهو الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِي حاجَّ إبْراهِيمَ في رَبِّهِ أنْ آتاهُ اللَّهُ المُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
ونَصْرُ الآلِهَةِ بِإتْلافِ عَدُوِّها.
ومَعْنى ﴿إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ النَّصْرَ. وهَذا تَحْرِيضٌ وتَلْهِيبٌ لِحَمِيَّتِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ﴾ مَفْصُولَةٌ عَنِ الَّتِي قَبْلَها: إمّا لِأنَّها وقَعَتْ كالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ (حَرِّقُوهُ) فَأشْبَهَتْ جُمَلَ المُحاوَرَةِ، وإمّا لِأنَّها اسْتِئْنافٌ عَنْ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنْ قِصَّةِ التَّآمُرِ عَلى الإحْراقِ، وبِذَلِكَ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جُمْلَةٍ أُخْرى، أيْ فَألْقَوْهُ في النّارِ قُلْنا: يا نارُ كُونِي بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ. وقَدْ أظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ مُعْجِزَةً لِإبْراهِيمَ إذْ وجَّهَ إلى النّارِ تَعَلُّقَ الإرادَةِ بِسَلْبِ قُوَّةِ الإحْراقِ، وأنْ تَكُونَ بَرْدًا وسَلامًا إنْ كانَ الكَلامُ عَلى الحَقِيقَةِ، أوْ أزالَ عَنْ مِزاجِ إبْراهِيمَ التَّأثُّرَ بِحَرارَةِ النّارِ إنْ كانَ الكَلامُ عَلى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كُونِي كَبَرْدٍ في عَدَمِ تَحْرِيقِ المُلْقى فِيكِ بِحَرِّكِ.
وأمّا كَوْنُها سَلامًا فَهو حَقِيقَةٌ لا مَحالَةَ، وذِكْرُ (سَلامًا) بَعْدَ ذِكْرِ البَرْدِ كالِاحْتِراسِ لِأنَّ البَرْدَ مُؤْذٍ بِدَوامِهِ رُبَّما إذا اشْتَدَّ، فَعَقَّبَ ذِكْرَهُ بِذِكْرِ السَّلامِ لِذَلِكَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ لَأهْلَكَتْهُ بِبَرْدِها، وإنَّما ذَكَرَ (بَرْدًا) ثُمَّ أتْبَعَ بِـ (سَلامًا) ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى (بَرْدًا) لِإظْهارِ عَجِيبِ صُنْعِ القُدْرَةِ إذْ صَيَّرَ النّارَ بَرْدًا، و(عَلى إبْراهِيمَ) يَتَنازَعُهُ (بَرْدًا وسَلامًا) . وهو أشَدُّ مُبالَغَةً في حُصُولِ نَفْعِهِما لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِفِعْلِ الكَوْنِ.
الأنبياء 21:70
صفحة ١٠٧
﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْناهُمُ الأخْسَرِينَ﴾
تَسْمِيَةُ عَزْمِهِمْ عَلى إحْراقِهِ كَيْدًا يَقْتَضِي أنَّهم دَبَّرُوا ذَلِكَ خُفْيَةً مِنهُ، ولَعَلَّ قَصْدَهم مِن ذَلِكَ أنْ لا يَفِرَّ مِنَ البَلَدِ فَلا يَتِمُّ الِانْتِصارُ لِآلِهَتِهِمْ.
والأخْسَرُ: مُبالَغَةٌ في الخاسِرِ، فَهو اسْمُ تَفْضِيلٍ مَسْلُوبُ المُفاضَلَةِ.
وتَعْرِيفُ جُزْأيِ الجُمْلَةِ يُفِيدُ القَصْرَ، وهو قَصْرٌ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّ خَسارَتَهم لا تُدانِيها خَسارَةٌ وكَأنَّهُمُ انْفَرَدُوا بِوَصْفِ الأخْسَرِينَ فَلا يَصْدُقُ هَذا الوَصْفُ عَلى غَيْرِهِمْ، والمُرادُ بِالخَسارَةِ الخَيْبَةُ، وسُمِّيَتْ خَيْبَتُهم خَسارَةً عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ تَشْبِيهًا لِخَيْبَةِ قَصْدِهِمْ إحْراقَهُ بِخَيْبَةِ التّاجِرِ في تِجارَتِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأرادُوا بِهِ كَيْدًا﴾، أيْ فَخابُوا خَيْبَةً عَظِيمَةً. وذَلِكَ أنَّ خَيْبَتَهم جُمِعَ لَهم بِها سَلامَةُ إبْراهِيمَ مِن أثَرِ عِقابِهِمْ وإنْ صارَ ما أعَدُّوهُ لِلْعِقابِ مُعْجِزَةً وتَأْيِيدًا لِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
وأمّا شِدَّةُ الخَسارَةِ الَّتِي اقْتَضاها اسْمُ التَّفْضِيلِ فَهي بِما لَحِقَهم عَقِبَ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ إذْ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَذابًا كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ الحَجِّ ﴿فَأمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أخَذْتُهم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٤]، وقَدْ عُدَّ فِيهِمْ قَوْمُ إبْراهِيمَ، ولَمْ أرَ مَن فَسَّرَ ذَلِكَ الأخْذَ بِوَجْهٍ مَقْبُولٍ. والظّاهِرُ أنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الآشُورِيِّينَ فَأخَذُوا بِلادَهم، وانْقَرَضَ مُلْكُهم وخَلَفَهُمُ الأشُورِيُّونَ، وقَدْ أثْبَتَ التّارِيخُ أنَّ العِيلامِيِّينَ مِن أهْلِ السُّوسِ تَسَلَّطُوا عَلى بِلادِ الكَلْدانِ في حَياةِ إبْراهِيمَ في حُدُودِ سَنَةِ ٢٢٨٦ قَبْلَ المَسِيحِ.
الأنبياء 21:71
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾
صفحة ١٠٨
هَذِهِ نَجاةٌ ثانِيَةٌ بَعْدَ نَجاتِهِ مِن ضُرِّ النّارِ، هي نَجاتُهُ مِنَ الحُلُولِ بَيْنَ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَهُ كافِرِينَ بِرَبِّهِ ورَبِّهِمْ، وهي نَجاةٌ مِن دارِ الشِّرْكِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. وتِلْكَ بِأنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ المُهاجَرَةَ مِن بِلادِ الكَلْدانِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وهي بِلادُ كَنْعانَ.
وهِجْرَةُ إبْراهِيمَ هي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الأرْضِ لِأجْلِ الدِّينِ، واسْتَصْحَبَ إبْراهِيمُ مَعَهُ لُوطًا ابْنَ أخِيهِ (هارانَ) لِأنَّهُ آمَنَ بِما جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وكانَتْ سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ مَعَهُما، وقَدْ فُهِمَتْ مَعِيَّتُها مِن أنَّ المَرْءَ لا يُهاجِرُ إلّا ومَعَهُ امْرَأتُهُ.
وانْتَصَبَ لُوطًا عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ لا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِأنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مُهَدَّدًا مِنَ الأعْداءِ لِذاتِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ فِعْلُ الإنْجاءِ.
وضَمِنَ (نَجَّيْناهُ) مَعْنى الإخْراجِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) .
والأرْضُ: هي أرْضُ فِلَسْطِينَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّهُ بارَكَها لِلْعالَمِينَ، أيْ لِلنّاسِ، يَعْنِي السّاكِنِينَ بِها لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَها أرْضَ خِصْبٍ ورَخاءِ عَيْشٍ وأرْضَ أمْنٍ. ووَرَدَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنَّها تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا.
والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ والنَّفْعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وهِبَةُ إسْحاقَ لَهُ ازْدِيادُهُ لَهُ عَلى الكِبَرِ وبَعْدَ أنْ يَئِسَتْ زَوْجُهُ سارَةُ مِنَ الوِلادَةِ.
صفحة ١٠٩
وهِبَةُ يَعْقُوبَ ازْدِيادٌ لِإسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ في حَياةِ إبْراهِيمَ ورُؤْيَتُهُ إيّاهُ كَهْلًا صالِحًا.
والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ غَيْرُ المَوْعُودَةِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أرادَ الوَلَدَ فَوُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ، كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ فَكانَ نافِلَةً، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ فَكانَ أيْضًا نافِلَةً.
وانْتَصَبَ (نافِلَةً) عَلى الحالِ الَّتِي عامِلُها (وهَبْنا) فَتَكُونُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ شَأْنُ الحالِ الوارِدَةِ بَعْدَ المُفْرَداتِ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.
وتَنْوِينُ (كُلًّا) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: وكُلُّهم جَعَلْنا صالِحِينَ، أيْ أصْلَحْنا نُفُوسَهم. والمُرادُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ الأخِيرُ عَنْهم. وأمّا لُوطٌ فَإنَّما ذُكِرَ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وسَيُخَصُّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأئِمَّةٌ يَهْدُونَ، بِعَطْفِ (أئِمَّةً) عَلى (الصّالِحِينَ)، اهْتِمامًا بِهَذا الجَعْلِ الشَّرِيفِ، وهو جَعْلُهم هادِينَ لِلنّاسِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهم صالِحِينَ في أنْفُسِهِمْ فَأُعِيدَ الفِعْلُ لِيَكُونَ لَهُ مَزِيدَ اسْتِقْرارٍ، ولِأنَّ في إعادَةِ الفِعْلِ إعادَةَ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَكانَتْ إعادَتُهُ وسِيلَةً إلى إعادَةِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وفي تِلْكَ الإعادَةِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَما يَظْهَرُ بِالذَّوْقِ.
والأئِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو القُدْوَةُ والَّذِي يَعْمَلُ كَعَمَلِهِ. وأصْلُ الإمامِ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ الشَّيْءُ عَلى صُورَتِهِ في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ.
صفحة ١١٠
وجُمْلَةُ (يَهْدُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مُقَيِّدَةٌ لِمَعْنى الإمامَةِ، أيْ أنَّهم أئِمَّةُ هُدًى وإرْشادٍ. وقَوْلُهُ (لِأمْرِنا) أيْ كانُوا هادِينَ بِأمْرِ اللَّهِ، وهو الوَحْيُ زِيادَةً عَلى الجَعْلِ.
وفِي الكَشّافِ: فِيهِ أنَّ مَن صَلَحَ لِيَكُونَ قُدْوَةً في دِينِ اللَّهِ فالهِدايَةُ مَحْتُومَةٌ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ هو بِها لَيْسَ لَهُ أنْ يُخِلَّ بِها ويَتَثاقَلَ عَنْها، وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ يَهْتَدِيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِهُداهُ أعَمُّ والنُّفُوسُ إلى الِاهْتِداءِ بِالمَهْدِيِّ أمْيَلُ اهـ. وهَذا الهَدْيُ هو تَزْكِيَةُ نُفُوسِ النّاسِ وإصْلاحُها وبَثُّ الإيمانِ. ويَشْمَلُ هَذا شُؤُونَ الإيمانِ وشُعَبَهُ وآدابَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَذَلِكَ إقامَةُ شَرائِعِ الدِّينِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ العِباداتِ والمُعامَلاتِ. وقَدْ شَمِلَها قَوْلُهُ تَعالى (فِعْلَ الخَيْراتِ) .
و(فِعْلَ الخَيْراتِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى (الخَيْراتِ)، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِأنَّ الخَيْراتِ مَفْعُولَةٌ ولَيْسَتْ فاعِلَةً فالمَصْدَرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو مَفْعُولُهُ، وأمّا الفاعِلُ فَتَبَعٌ لَهُ، أيْ أنْ يَفْعَلُوا هم ويَفْعَلَ قَوْمُهُمُ الخَيْراتِ، حَتّى تَكُونَ الخَيْراتُ مَفْعُولَةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَحَذَفَ الفاعِلَ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصارِ لِاقْتِضاءِ المَفْعُولِ إيّاهُ، واعْتِبارُ المَصْدَرِ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلنّائِبِ جائِزٌ إذا قامَتِ القَرِينَةُ. وهَذا ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ. عَلى أنَّ الأخْفَشَ أجازَهُ بِدُونِ شَرْطٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِعْلَ الخَيْراتِ) هو المُوحى بِهِ، أيْ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، فَيَكُونَ المَصْدَرُ قائِمًا مَقامَ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ الطَّلَبُ، والتَّقْدِيرُ: افْعَلُوا الخَيْراتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]،
صفحة ١١١
وتَخْصِيصُ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ شُمُولِ الخَيْراتِ إيّاهُما تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِما؛ لِأنَّ بِالصَّلاةِ صَلاحَ النَّفْسِ إذِ الصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِالزَّكاةِ صَلاحُ المُجْتَمَعِ لِكِفايَةِ عَوَزِ المُعْوِزِينَ، وهَذا إشارَةٌ إلى أصْلِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى الوَحْيِ بِفِعْلِ الخَيْراتِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمُ الأمْرُ بِذَلِكَ كَما هو بَيِّنٌ، ثُمَّ خَصَّهم بِذِكْرِ ما كانُوا مُتَمَيِّزِينَ بِهِ عَلى بَقِيَّةِ النّاسِ مِن مُلازَمَةِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ المُفِيدُ تَمَكُّنَ الوَصْفِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ إلى أنَّهم أفْرَدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ قَطُّ كَما تَقْتَضِيهِ رُتْبَةُ النُّبُوءَةِ مِنَ العِصْمَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مِن وقْتِ التَّكْلِيفِ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] وقالَ تَعالى في الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .
الأنبياء 21:72
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾
صفحة ١٠٨
هَذِهِ نَجاةٌ ثانِيَةٌ بَعْدَ نَجاتِهِ مِن ضُرِّ النّارِ، هي نَجاتُهُ مِنَ الحُلُولِ بَيْنَ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَهُ كافِرِينَ بِرَبِّهِ ورَبِّهِمْ، وهي نَجاةٌ مِن دارِ الشِّرْكِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. وتِلْكَ بِأنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ المُهاجَرَةَ مِن بِلادِ الكَلْدانِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وهي بِلادُ كَنْعانَ.
وهِجْرَةُ إبْراهِيمَ هي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الأرْضِ لِأجْلِ الدِّينِ، واسْتَصْحَبَ إبْراهِيمُ مَعَهُ لُوطًا ابْنَ أخِيهِ (هارانَ) لِأنَّهُ آمَنَ بِما جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وكانَتْ سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ مَعَهُما، وقَدْ فُهِمَتْ مَعِيَّتُها مِن أنَّ المَرْءَ لا يُهاجِرُ إلّا ومَعَهُ امْرَأتُهُ.
وانْتَصَبَ لُوطًا عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ لا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِأنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مُهَدَّدًا مِنَ الأعْداءِ لِذاتِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ فِعْلُ الإنْجاءِ.
وضَمِنَ (نَجَّيْناهُ) مَعْنى الإخْراجِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) .
والأرْضُ: هي أرْضُ فِلَسْطِينَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّهُ بارَكَها لِلْعالَمِينَ، أيْ لِلنّاسِ، يَعْنِي السّاكِنِينَ بِها لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَها أرْضَ خِصْبٍ ورَخاءِ عَيْشٍ وأرْضَ أمْنٍ. ووَرَدَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنَّها تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا.
والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ والنَّفْعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وهِبَةُ إسْحاقَ لَهُ ازْدِيادُهُ لَهُ عَلى الكِبَرِ وبَعْدَ أنْ يَئِسَتْ زَوْجُهُ سارَةُ مِنَ الوِلادَةِ.
صفحة ١٠٩
وهِبَةُ يَعْقُوبَ ازْدِيادٌ لِإسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ في حَياةِ إبْراهِيمَ ورُؤْيَتُهُ إيّاهُ كَهْلًا صالِحًا.
والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ غَيْرُ المَوْعُودَةِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أرادَ الوَلَدَ فَوُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ، كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ فَكانَ نافِلَةً، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ فَكانَ أيْضًا نافِلَةً.
وانْتَصَبَ (نافِلَةً) عَلى الحالِ الَّتِي عامِلُها (وهَبْنا) فَتَكُونُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ شَأْنُ الحالِ الوارِدَةِ بَعْدَ المُفْرَداتِ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.
وتَنْوِينُ (كُلًّا) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: وكُلُّهم جَعَلْنا صالِحِينَ، أيْ أصْلَحْنا نُفُوسَهم. والمُرادُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ الأخِيرُ عَنْهم. وأمّا لُوطٌ فَإنَّما ذُكِرَ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وسَيُخَصُّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأئِمَّةٌ يَهْدُونَ، بِعَطْفِ (أئِمَّةً) عَلى (الصّالِحِينَ)، اهْتِمامًا بِهَذا الجَعْلِ الشَّرِيفِ، وهو جَعْلُهم هادِينَ لِلنّاسِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهم صالِحِينَ في أنْفُسِهِمْ فَأُعِيدَ الفِعْلُ لِيَكُونَ لَهُ مَزِيدَ اسْتِقْرارٍ، ولِأنَّ في إعادَةِ الفِعْلِ إعادَةَ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَكانَتْ إعادَتُهُ وسِيلَةً إلى إعادَةِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وفي تِلْكَ الإعادَةِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَما يَظْهَرُ بِالذَّوْقِ.
والأئِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو القُدْوَةُ والَّذِي يَعْمَلُ كَعَمَلِهِ. وأصْلُ الإمامِ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ الشَّيْءُ عَلى صُورَتِهِ في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ.
صفحة ١١٠
وجُمْلَةُ (يَهْدُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مُقَيِّدَةٌ لِمَعْنى الإمامَةِ، أيْ أنَّهم أئِمَّةُ هُدًى وإرْشادٍ. وقَوْلُهُ (لِأمْرِنا) أيْ كانُوا هادِينَ بِأمْرِ اللَّهِ، وهو الوَحْيُ زِيادَةً عَلى الجَعْلِ.
وفِي الكَشّافِ: فِيهِ أنَّ مَن صَلَحَ لِيَكُونَ قُدْوَةً في دِينِ اللَّهِ فالهِدايَةُ مَحْتُومَةٌ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ هو بِها لَيْسَ لَهُ أنْ يُخِلَّ بِها ويَتَثاقَلَ عَنْها، وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ يَهْتَدِيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِهُداهُ أعَمُّ والنُّفُوسُ إلى الِاهْتِداءِ بِالمَهْدِيِّ أمْيَلُ اهـ. وهَذا الهَدْيُ هو تَزْكِيَةُ نُفُوسِ النّاسِ وإصْلاحُها وبَثُّ الإيمانِ. ويَشْمَلُ هَذا شُؤُونَ الإيمانِ وشُعَبَهُ وآدابَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَذَلِكَ إقامَةُ شَرائِعِ الدِّينِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ العِباداتِ والمُعامَلاتِ. وقَدْ شَمِلَها قَوْلُهُ تَعالى (فِعْلَ الخَيْراتِ) .
و(فِعْلَ الخَيْراتِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى (الخَيْراتِ)، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِأنَّ الخَيْراتِ مَفْعُولَةٌ ولَيْسَتْ فاعِلَةً فالمَصْدَرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو مَفْعُولُهُ، وأمّا الفاعِلُ فَتَبَعٌ لَهُ، أيْ أنْ يَفْعَلُوا هم ويَفْعَلَ قَوْمُهُمُ الخَيْراتِ، حَتّى تَكُونَ الخَيْراتُ مَفْعُولَةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَحَذَفَ الفاعِلَ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصارِ لِاقْتِضاءِ المَفْعُولِ إيّاهُ، واعْتِبارُ المَصْدَرِ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلنّائِبِ جائِزٌ إذا قامَتِ القَرِينَةُ. وهَذا ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ. عَلى أنَّ الأخْفَشَ أجازَهُ بِدُونِ شَرْطٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِعْلَ الخَيْراتِ) هو المُوحى بِهِ، أيْ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، فَيَكُونَ المَصْدَرُ قائِمًا مَقامَ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ الطَّلَبُ، والتَّقْدِيرُ: افْعَلُوا الخَيْراتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]،
صفحة ١١١
وتَخْصِيصُ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ شُمُولِ الخَيْراتِ إيّاهُما تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِما؛ لِأنَّ بِالصَّلاةِ صَلاحَ النَّفْسِ إذِ الصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِالزَّكاةِ صَلاحُ المُجْتَمَعِ لِكِفايَةِ عَوَزِ المُعْوِزِينَ، وهَذا إشارَةٌ إلى أصْلِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى الوَحْيِ بِفِعْلِ الخَيْراتِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمُ الأمْرُ بِذَلِكَ كَما هو بَيِّنٌ، ثُمَّ خَصَّهم بِذِكْرِ ما كانُوا مُتَمَيِّزِينَ بِهِ عَلى بَقِيَّةِ النّاسِ مِن مُلازَمَةِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ المُفِيدُ تَمَكُّنَ الوَصْفِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ إلى أنَّهم أفْرَدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ قَطُّ كَما تَقْتَضِيهِ رُتْبَةُ النُّبُوءَةِ مِنَ العِصْمَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مِن وقْتِ التَّكْلِيفِ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] وقالَ تَعالى في الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .
الأنبياء 21:73
﴿ونَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكَنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ ﴿ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ويَعْقُوبَ نافِلَةً وكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ﴾ ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ وإقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ وكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾
صفحة ١٠٨
هَذِهِ نَجاةٌ ثانِيَةٌ بَعْدَ نَجاتِهِ مِن ضُرِّ النّارِ، هي نَجاتُهُ مِنَ الحُلُولِ بَيْنَ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَهُ كافِرِينَ بِرَبِّهِ ورَبِّهِمْ، وهي نَجاةٌ مِن دارِ الشِّرْكِ وفَسادِ الِاعْتِقادِ. وتِلْكَ بِأنْ سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ المُهاجَرَةَ مِن بِلادِ الكَلْدانِ إلى أرْضِ فِلَسْطِينَ وهي بِلادُ كَنْعانَ.
وهِجْرَةُ إبْراهِيمَ هي أوَّلُ هِجْرَةٍ في الأرْضِ لِأجْلِ الدِّينِ، واسْتَصْحَبَ إبْراهِيمُ مَعَهُ لُوطًا ابْنَ أخِيهِ (هارانَ) لِأنَّهُ آمَنَ بِما جاءَ بِهِ إبْراهِيمُ، وكانَتْ سارَةُ امْرَأةُ إبْراهِيمَ مَعَهُما، وقَدْ فُهِمَتْ مَعِيَّتُها مِن أنَّ المَرْءَ لا يُهاجِرُ إلّا ومَعَهُ امْرَأتُهُ.
وانْتَصَبَ لُوطًا عَلى المَفْعُولِ مَعَهُ لا عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِأنَّ لُوطًا لَمْ يَكُنْ مُهَدَّدًا مِنَ الأعْداءِ لِذاتِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ فِعْلُ الإنْجاءِ.
وضَمِنَ (نَجَّيْناهُ) مَعْنى الإخْراجِ فَعُدِّيَ بِحَرْفِ (إلى) .
والأرْضُ: هي أرْضُ فِلَسْطِينَ، ووَصَفَها اللَّهُ بِأنَّهُ بارَكَها لِلْعالَمِينَ، أيْ لِلنّاسِ، يَعْنِي السّاكِنِينَ بِها لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَها أرْضَ خِصْبٍ ورَخاءِ عَيْشٍ وأرْضَ أمْنٍ. ووَرَدَ في التَّوْراةِ: أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنَّها تَفِيضُ لَبَنًا وعَسَلًا.
والبَرَكَةُ: وفْرَةُ الخَيْرِ والنَّفْعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.
وهِبَةُ إسْحاقَ لَهُ ازْدِيادُهُ لَهُ عَلى الكِبَرِ وبَعْدَ أنْ يَئِسَتْ زَوْجُهُ سارَةُ مِنَ الوِلادَةِ.
صفحة ١٠٩
وهِبَةُ يَعْقُوبَ ازْدِيادٌ لِإسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ في حَياةِ إبْراهِيمَ ورُؤْيَتُهُ إيّاهُ كَهْلًا صالِحًا.
والنّافِلَةُ: الزِّيادَةُ غَيْرُ المَوْعُودَةِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١٠٠] أرادَ الوَلَدَ فَوُلِدَ لَهُ إسْماعِيلُ، كَما في سُورَةِ الصّافّاتِ ثُمَّ وُلِدَ لَهُ إسْحاقُ عَنْ غَيْرِ مَسْألَةٍ كَما في سُورَةِ هُودٍ فَكانَ نافِلَةً، ووُلِدَ لِإسْحاقَ يَعْقُوبُ فَكانَ أيْضًا نافِلَةً.
وانْتَصَبَ (نافِلَةً) عَلى الحالِ الَّتِي عامِلُها (وهَبْنا) فَتَكُونُ حالًا مِن إسْحاقَ ويَعْقُوبَ شَأْنُ الحالِ الوارِدَةِ بَعْدَ المُفْرَداتِ أنْ تَعُودَ إلى جَمِيعِها.
وتَنْوِينُ (كُلًّا) عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والمَعْنى: وكُلُّهم جَعَلْنا صالِحِينَ، أيْ أصْلَحْنا نُفُوسَهم. والمُرادُ إبْراهِيمُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ، لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ الحَدِيثُ الأخِيرُ عَنْهم. وأمّا لُوطٌ فَإنَّما ذُكِرَ عَلى طَرِيقِ المَعِيَّةِ وسَيُخَصُّ بِالذِّكْرِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
وإعادَةُ فِعْلِ (جَعَلَ) في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: وأئِمَّةٌ يَهْدُونَ، بِعَطْفِ (أئِمَّةً) عَلى (الصّالِحِينَ)، اهْتِمامًا بِهَذا الجَعْلِ الشَّرِيفِ، وهو جَعْلُهم هادِينَ لِلنّاسِ بَعْدَ أنْ جَعَلَهم صالِحِينَ في أنْفُسِهِمْ فَأُعِيدَ الفِعْلُ لِيَكُونَ لَهُ مَزِيدَ اسْتِقْرارٍ، ولِأنَّ في إعادَةِ الفِعْلِ إعادَةَ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ فَكانَتْ إعادَتُهُ وسِيلَةً إلى إعادَةِ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ، وفي تِلْكَ الإعادَةِ مِنَ الِاعْتِناءِ ما في الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ كَما يَظْهَرُ بِالذَّوْقِ.
والأئِمَّةُ: جَمْعُ إمامٍ وهو القُدْوَةُ والَّذِي يَعْمَلُ كَعَمَلِهِ. وأصْلُ الإمامِ المِثالُ الَّذِي يُصْنَعُ الشَّيْءُ عَلى صُورَتِهِ في الخَيْرِ أوْ في الشَّرِّ.
صفحة ١١٠
وجُمْلَةُ (يَهْدُونَ) في مَوْضِعِ الحالِ مُقَيِّدَةٌ لِمَعْنى الإمامَةِ، أيْ أنَّهم أئِمَّةُ هُدًى وإرْشادٍ. وقَوْلُهُ (لِأمْرِنا) أيْ كانُوا هادِينَ بِأمْرِ اللَّهِ، وهو الوَحْيُ زِيادَةً عَلى الجَعْلِ.
وفِي الكَشّافِ: فِيهِ أنَّ مَن صَلَحَ لِيَكُونَ قُدْوَةً في دِينِ اللَّهِ فالهِدايَةُ مَحْتُومَةٌ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ هو بِها لَيْسَ لَهُ أنْ يُخِلَّ بِها ويَتَثاقَلَ عَنْها، وأوَّلُ ذَلِكَ أنْ يَهْتَدِيَ بِنَفْسِهِ لِأنَّ الِانْتِفاعَ بِهُداهُ أعَمُّ والنُّفُوسُ إلى الِاهْتِداءِ بِالمَهْدِيِّ أمْيَلُ اهـ. وهَذا الهَدْيُ هو تَزْكِيَةُ نُفُوسِ النّاسِ وإصْلاحُها وبَثُّ الإيمانِ. ويَشْمَلُ هَذا شُؤُونَ الإيمانِ وشُعَبَهُ وآدابَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْراتِ﴾ فَذَلِكَ إقامَةُ شَرائِعِ الدِّينِ بَيْنَ النّاسِ مِنَ العِباداتِ والمُعامَلاتِ. وقَدْ شَمِلَها قَوْلُهُ تَعالى (فِعْلَ الخَيْراتِ) .
و(فِعْلَ الخَيْراتِ) مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى (الخَيْراتِ)، ويَتَعَيَّنُ أنَّهُ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ لِأنَّ الخَيْراتِ مَفْعُولَةٌ ولَيْسَتْ فاعِلَةً فالمَصْدَرُ هُنا بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ لِأنَّ المَقْصُودَ هو مَفْعُولُهُ، وأمّا الفاعِلُ فَتَبَعٌ لَهُ، أيْ أنْ يَفْعَلُوا هم ويَفْعَلَ قَوْمُهُمُ الخَيْراتِ، حَتّى تَكُونَ الخَيْراتُ مَفْعُولَةً لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، فَحَذَفَ الفاعِلَ لِلتَّعْمِيمِ مَعَ الِاخْتِصارِ لِاقْتِضاءِ المَفْعُولِ إيّاهُ، واعْتِبارُ المَصْدَرِ مَصْدَرًا لِفِعْلٍ مَبْنِيٍّ لِلنّائِبِ جائِزٌ إذا قامَتِ القَرِينَةُ. وهَذا ما يُؤْذِنُ بِهِ صَنِيعُ الزَّمَخْشَرِيِّ. عَلى أنَّ الأخْفَشَ أجازَهُ بِدُونِ شَرْطٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فِعْلَ الخَيْراتِ) هو المُوحى بِهِ، أيْ وأوْحَيْنا إلَيْهِمْ هَذا الكَلامَ، فَيَكُونَ المَصْدَرُ قائِمًا مَقامَ الفِعْلِ مُرادًا بِهِ الطَّلَبُ، والتَّقْدِيرُ: افْعَلُوا الخَيْراتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ [محمد: ٤]،
صفحة ١١١
وتَخْصِيصُ إقامَ الصَّلاةِ وإيتاءَ الزَّكاةِ بِالذِّكْرِ بَعْدَ شُمُولِ الخَيْراتِ إيّاهُما تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِما؛ لِأنَّ بِالصَّلاةِ صَلاحَ النَّفْسِ إذِ الصَّلاةُ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ، وبِالزَّكاةِ صَلاحُ المُجْتَمَعِ لِكِفايَةِ عَوَزِ المُعْوِزِينَ، وهَذا إشارَةٌ إلى أصْلِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِها إبْراهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - .
ومَعْنى الوَحْيِ بِفِعْلِ الخَيْراتِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ أنَّهُ أُوحِيَ إلَيْهِمُ الأمْرُ بِذَلِكَ كَما هو بَيِّنٌ، ثُمَّ خَصَّهم بِذِكْرِ ما كانُوا مُتَمَيِّزِينَ بِهِ عَلى بَقِيَّةِ النّاسِ مِن مُلازَمَةِ العِبادَةِ لِلَّهِ تَعالى كَما دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ المُفِيدُ تَمَكُّنَ الوَصْفِ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ الإشارَةُ بِتَقْدِيمِ المَجْرُورِ إلى أنَّهم أفْرَدُوا اللَّهَ بِالعِبادَةِ فَلَمْ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ قَطُّ كَما تَقْتَضِيهِ رُتْبَةُ النُّبُوءَةِ مِنَ العِصْمَةِ عَنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ مِن وقْتِ التَّكْلِيفِ كَما قالَ يُوسُفُ ﴿ما كانَ لَنا أنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] وقالَ تَعالى في الثَّناءِ عَلى إبْراهِيمَ ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] .